الأخبار
الأحد, 09 نيسان/أبريل 2017 12:05

ملتقى أسبار: منافسة الحكومة للقطاع الخاص في النشاطات الاقتصادية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

ملتقى أسبار: منافسة الحكومة للقطاع الخاص في النشاطات الاقتصادية

الورقة الرئيسة: م. أسامة كردي

لا تخلوا أي خطة من خططنا الخمسية المتتالية من التأكيد على أهمية دور القطاع الخاص في التنمية و في الاقتصاد الوطني ، و أكاد أن أجزم أن كل خطة من هذه الخطط لم تحدد نسبة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني و نسبة نموها و لم تحدد حتى كيف يمكن الوصول إلى هذه المشاركة. و كانت هناك قناعة أن صناديق التمويل المختلفة ، التي تمول بموجبها الحكومة نشاطات القطاع الخاص ، كانت كافية لتحقيق هذه  المشاركة.

و لحق ذلك منذ عدة سنوات إصدار ( استراتيجية التخصيص ) التي أصدرها المجلس الاقتصادي الأعلى بقرار من مجلس الوزراء رقم ١/٢٣ في ٢٣ ربيع أول ١٤٢٣ هجرية . و قد كانت هذه أول خطوة حقيقية لتأكيد اهتمام الحكومة بدور القطاع الخاص في الاقتصاد و بأهميته .

و بموجب هذه الاستراتيجية ، فقد تم تخصيص الخطوط السعودية بإجراءات يرى الكثير أنها مثالية ، و الدليل نجاح معظم إجراءات تخصيص قطاعات الخطوط السعودية على الرغم من تأخر بعضها. و من المعروف أن بيع جزء من أسهم شركة سابك سبق ذلك كما تحويل الاتصالات إلى شركة ثم بيع جزء منها سبق ذلك أيضا. و يجب ملاحظة أن شركة سابك استمرت لمدة لا تقل عن ٢٥ عاما مهيمنة على قطاعها و منع ترخيص أي شركات منافسة لها.

غير أنه ، و للأسف ، و لأسباب يمكن العودة إليها لاحقا ، بدأت الحكومة في مخالفة استراتيجية التخصيص عن طريق إنشاء الشركات الحكومية ( و معاملتها بشكل خاص بالمقارنة بمن يشابهها من شركات القطاع الخاص إن وجدت ) فقد أصبح لكل أمانة من أمانات المناطق و المدن شركة أو أكثر تعمل منافسة للقطاع الخاص بالذات في قطاع النشاط العقاري ، حتى أن برنامج تطوير التعليم العام إنشاء شركات لإدارة القطاع و لطرح مناقصات لخدمة القطاع بدلا عن طرح هذه المناقصات مباشرة بواسطة البرنامج على شركات القطاع الخاص ، كما انشأت وزارة المالية أضخم شركة للاستثمار الصناعي تنافس القطاع الخاص بل و حتى تنافس بعض الشركات الحكومية الأخرى بأسلوب غير عملي. و ليس هنا مجال حصر هذه الشركات الحكومية نظرا لكثرتها.

بل إن مخالفة استراتيجية التخصيص كانت واضحة في إنشاء نظام ساهر. حيث منعت الاستراتيجية منح القطاع الخاص دورا واسعا في الأمور السيادية مثل الدفاع و الأمن .

و ما يعيب هذه الشركات الحكومية هو مجموعة من العوامل ، أولها أن دورة رأس المال في القطاع الخاص أكثر فعالية و تأثيرا في المجتمع من دورته في القطاع الحكومي و ثانيهما أنها تصبح منافسة غير عادلة للقطاع الخاص كما أنه – في الغالب الأعظم – لا يتوفر لهذه الشركات أي قيمة مضافة من ناحية الخبرات أو التقنية و تعتمد على كونها مملوكة للحكومة لجذب القوى العاملة و الحصول على العقود كما يؤدي ذلك إلى المنافسة غير العادلة.

و في ضوء رؤية المملكة ٢٠٣٠ التي ترى توقف الحكومة عن توظيف القوى العاملة بسبب التضخم الوظيفي الحالي ، فإن توظيف القوى العاملة الوطنية سيكون مهمة القطاع الخاص الذي يحتاج إلى الفرص الاستثمارية و وقف المنافسة الحكومية. و لابد هنا أن نؤكد أن التعريف الدولي للقطاع الخاص واضح و هو انتفاء الملكية الحكومية تماما.

و لعل أخطر ما في هذا الأمر هو ظهور حملة منسقة في و سائل الإعلام – و بالذات في الصحف – ضد القطاع الخاص و ضد اُسلوب أدائه لأعماله و كأن في ذلك تبرير لإنشاء الشركات الحكومية. بل إن هذه الحملة تواصلت ضد المؤسسات الصغيرة و المتوسطة و هي أملنا المستقبلي.

بل و وصل الأمر إلى قيام هذه الشركات المملوكة للحكومة بالتعاون مع الشركات الأجنبية للقيام بأعمالها مما يؤكد عدم وجود أي قيمة إضافية لدى الشركات الحكومية و بالتالي فإن إنشائها جاء لتحقيق الأهداف المشار إليها أدناه .

و كان المسؤولين الحكوميين دائماً يقولون أن هذه الشركات الحكومية سيتم بيعها للقطاع الخاص لاحقا بدون تحديد تاريخ  أو مؤشرات لذلك. و من المعروف أن أهم شرطين لتفعيل دور القطاع الخاص و نجاح التخصيص هو أن تكون الملكية للقطاع الخاص و أن يكون هناك حجم منافسة كاف حسب ما يتطلب القطاع المعني كمثال ترخيص شركات جديدة للطيران مع تخصيص الخطوط السعودية و كمثال شركة موبايلي و زين في قطاع الاتصالات.

و أهم أسباب الخصخصة و دعم القطاع الخاص في استثماراته هو رفع نوعية الخدمة أو المنتج و تخفيض سعره و رفع كمية المنتج منه نظرا لارتفاع الطلب ، على الرغم من الحاجة – مرحليا – إلى تسريح بعض العمالة. و لا ننسى أن الخصخصة و تعظيم دور القطاع الخاص يؤدي إلى قيام الحكومة بدورها الحقيقي في التنظيم و الرقابة بدلا من أن تنشغل في تقديم السلع و الخدمات.

و يمكن تحليل أسباب إنشاء الشركات الحكومية حاليا بعدة أمور منها الهروب من نظام الخدمة المدنية و رواتبه المتدنية و الهروب من نظام المشتريات الحكومية و تعقيداته و ضمان وظيفة للموظف الحكومي بعد تقاعده و قد يكون توفير دخل إضافي للحكومة أحد هذه الأسباب ، و يلاحظ خلو هذه الأسباب من رفع مستوى نوعية الخدمة أو المنتج و خلوها من هدف خفض الأسعار ( مما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها و بالتالي الحاجة إلى قوى عاملة إضافية حتى بعد تسريح بعض العمال ).

و لابد من ملاحظة أن رفع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني سواء عن طريق تخفيض المنافسة الحكومية له أو عن طريق التخصيص الخاطئ يؤدي إلى الفساد و الفشل ( خبرة شركة المياه ) و التخصيص الصحيح يؤدي إلى النجاح ( خبرة الاتصالات و الخطوط السعودية ).

و لتقدير دور القطاع الخاص فلا بد أن نعرف أن من أوصل الانسان إلى القمر هو القطاع الخاص الأمريكي فقد كانت كافة أجزاء المشروع من تنفيذ القطاع الخاص الأمريكي سواء الصاروخ ساتورن ٥ أو مركبة الهبوط على القمر أو ملابس رواد الفضاء أو السيارة القمرية أو أجهزة الملاحة أو برامج الحاسب الآلي. و بفضل اُسلوب المناقصات الحكومية المميز في أمريكا ، استطاعت شركة بوينج تطوير الطائرة ٧٠٧ و ٧٤٧ و كذلك استطاعت شركة مكدونالد تطوير طائرة الشحن العملاقة سي ٥.

التعقيب الأول: م. خالد العثمان

موضوع الخصخصة وسياسات الدولة تجاهها موضوع قديم جديد يطفو للسطح من أن لآخر متأثرا كما يبدو بحالة واقع التدفقات النقدية لخزينة الدولة تبعا لتقلبات سعر النفط في الأسواق . ومع أن رؤية 2030 تبنت الخصخصة كأحد برامجها الاستراتيجية ، بما يوحي بانفصال الاهتمام بهذا الملف عن حالة موارد الدولة المالية وتبنيه كخيار استراتيجي مستدام ، إلا أن هذا التبني جاء متأخرا بعد أن تم تشويه كثير من مبادرات الخصخصة السابقة تحولت به الدولة في كثير من الحالات إلى منافس للقطاع الخاص . وبشكل عام ، فإن ظاهرة تأسيس شركات تابعة للدولة بدأت من وقت طويل يتجاوز 30 سنة ، ومنها على سبيل المثال الشركة السعودية للفنادق والشركة العقارية السعودية وشركة سابك وغيرها ، وهي شركات أسستها الدولة وطرحت للاكتتاب العام لكن ظل تأثير الدولة في الإدارة عبر ممثليها في مجالس الإدارة واقعا ملموسا . وباستثناء شركة سابك التي تعد نموذجا مشرفا ، إلا أن معظم الشركات الأخرى لم تحقق الدور المأمول ولا الجدوى الاستثمارية المتوقعة من تأسيسها ، ولم تتمكن حتى من خلق بدائل وفرص استثمارية لاستيعاب السيولة الاستثمارية لدى أفراد المجتمع . والأهم من ذلك أنها شكلت تهديدا تنافسيا للمستثمرين في القطاع الخاص من دخول هذه القطاعات ، الأمر الذي أخر إقدامهم على تبني مبادرات استثمارية مؤسسية في قطاعات اقتصادية حيوية مثل الفندقة والاستثمار العقاري وغيرها الكثير .

ظاهرة تأسيس الشركات التابعة للدولة انتقلت لاحقا إلى مرحلة أخرى بعد ذلك أصبحت فيها هذه الشركات وسيلة للخروج عن العوائق البيروقراطية التي تفرضها أنظمة الدولة ، بما فيها أنظمة المشتريات الحكومية والخدمة المدنية وغيرها ، فأصبحت هذه الشركات الحكومية قادرة على استقطاب كفاءات برواتب أعلى من تلك التي يسمح بها كادر الخدمة المدنية ، وقادرة على طرح منافسات خارج تعقيدات نظام المشتريات الحكومية . لكن الواقع فرض على هذه الشركات تنمية مواردها الذاتية ، وأصبح كثير منها بالتالي يعمد إلى الفوز بعقود وسيطة لتحقيق موارد تغطي بها نفقاتها وبرامجها ، وأصبحت بالتالي منافسة للقطاع الخاص في صلب أعماله في تقديم الخدمات للدولة عبر عقود التوريد والتعهدات وغيرها .

الجديد الملاحظ مؤخرا هو حديث بعض الجهات الحكومية عن تأسيس شركات تابعة لها للقيام بكل أو بعض مهامها الأساسية أو المساندة . شركة تطوير التعليم كانت النموذج الأول لهذه الشركات الحكومية ، وهناك أيضا حديث عن تأسيس شركة تطوير عقاري تابعة لوزارة الإسكان ، وشركة للتشغيل الطبي تابعة لوزارة الصحة . بل إن بعض الجهات الحكومية تسعى إلى تأسيس شركات خدمية تابعة لها ، حيث تعمل وزارة الشئون البلدية والقروية على تأسيس شركة استشارات هندسية تابعة لها ، وتقترب الشركة السعودية للكهرباء ، وهي شركة مساهمة تملك الدولة فيها حصة الأغلبية ، من تأسيس شركة استشارات هندسية بالشراكة مع شركة عالمية لتنفيذ الأعمال الهندسية الخاصة بالشركة ، بما يعني إخراج جميع الشركات الهندسية الخاصة الأخرى من دائرة المنافسة على مشروعات الشركة .

هذا الواقع الذي يتسم بالتغول والتوسع في منافسة الدولة للقطاع الخاص يتعارض بالكلية مع توجهات رؤية المملكة 2030 ، والتي تؤكد على تفعيل دور القطاع الخاص في التنمية . وفي الحقيقة ، فإن المشكلة الأساسية في رأيي هي شرخ الثقة الكبير بين القطاعين العام والخاص ، والذي يتطلب جسره مقاربات مؤسسية جادة لتفعيل مبادرات الشراكة بين القطاعين العام والخاص بدلا من هذا التنافس المرير الذي تقف فيه الدولة بالطبع الموقف الأقوى ، والقطاع الخاص موقف الخاسر المستكين .

التعقيب الثاني: أ. مطشر المرشد

في البداية أتفق بأنه يجب أن يكون للقطاع الخاص وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة SMEs دور مهم جداً في الاقتصاد الوطني ، وعادة يثبت القطاع الخاص جدارته وقدرته على تحقيق الربحية المالية وفق آلية السوق وكفاءة رأس المال، وبالتالي يتقلص اعتماد القطاع الخاص على الدعم الحكومي ويصبح له دور هام في تحقيق” التنمية الاقتصادية”. خلاف ذلك يكون القطاع الخاص عبء على التنمية وأيضاً يتسبب في إرباك الدورة الاقتصادية مما يدفع القطاع الحكومي نحو إنشاء وتشغيل كيانات لتقوم بالدور المطلوب من القطاع الخاص .

وفي المقابل يقتصر دور الدولة / القطاع الحكومي على توفير بيئة ملائمة لتوطيد استثمارات القطاع الخاص على المستوى المحلي وذلك من خلال توفير المناخ الاستثماري الملائم لعملية التنمية، ويتم ضبط ذلك بالأدوات التالية :- السياسة النقدية ( سعر الصرف ، نسب الفائدة )  والسياسة الاقتصادية ( الإنفاق الحكومي ، الخصخصة ، الاستثمار الأجنبي )

فهل قام كلا الطرفين القطاع الحكومي والخاص بما يجب لضمان تحقيق أهداف معادلة التنمية ؟ وتركز تلك المعادلة على تفعيل وتنسيق العلاقة بين أهم ثلاث عناصر وهي الدولة والمقدرات الوطنية والقطاع الخاص كشرط أساسي لتحقيق تنمية فعالة على المستوى الوطني.

الحقيقة أرى أن الاقتصاد السعودي عانى و يعاني بسبب عدم تفعيل معادلة التنمية بالشكل المطلوب وعدم وضوح العلاقة بين العناصر الثلاث وهي القطاع الحكومي (الدولة) و المقدرات الوطنية والقطاع الخاص، بل أرى أنه تم استغلال واستنزاف المقدرات الوطنية بشكل مضر جدا من كلا القطاعين الخاص والعام.

وقبل التطرق لكيفية استنزاف المقدرات الوطنية وعدم تحويلها لطاقة تنموية فعالة ، أود التذكير بالمقدرات الوطنية الرئيسية وهي قطاع الحج والعمرة ، النفط والثروة المعدنية ، والموارد البشرية الشابة ، بالإضافة لتوافر رؤوس الأموال خلال الطفرة الاقتصادية الأولى منتصف السبعينيات الميلادية وأيضاً خلال طفرة ارتفاع أسعار النفط متجاوزا متوسط ١٠٠دولار للبرميل للأعوام  ٢٠٠٨-٢٠١٤م .. وللتاريخ يجب أنصاف القائمين على القطاع الحكومي خلال الطفرة الأولى وذكر أنهم نجحوا في استخدام المقدرات الوطنية المتاحة آنذاك بشكل أفضل وتحقق منها بناء البنية التحتية وتطوير قطاعات عدة كالتعليم والصحة والصناعة والنقل الخ..

نعم كان للقطاع الخاص بعض المحاولات الجيدة ما بين نهاية الطفرة الاقتصادية الأولى وبداية الطفرة الثانية ،  لكنه سرعان ما تحول إلى قطاع محتكر من قبل عدد قليل من الكيانات العائلية الضخمة والتي سيطرت على توجهات القطاع الحكومي. وأصبح القطاع الخاص ريعي ويعتمد بشكل كبير على استدرار الإنفاق الحكومي من خلال إغراء بعض كيانات القطاع الحكومي في المشاركة وتوسيع أنشطتها.. فكان هذا هو السبب الرئيسي في استنزاف المقدرات الوطنية دون تحقيق تنمية متوازنة أو فتح المجال أمام توسع قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة.

سأكتفي بالقول أن ضبابية العلاقة بين القطاع الحكومي والكيانات الكبرى في القطاع الخاص السعودي تسببت بضرر واختلال في التنمية، نذكر منها التالي :-

  • سيطرة عدد قليل من المجموعات العائلية على ٨٥٪‏ من السيولة التمويلية المتاحة في الاقتصاد الوطني، بما في ذلك قروض الصناديق الحكومية و قروض القطاع المصرفي.
  • احتكار الفرص والتعاقدات من الباطن مع شركات أجنبية دون إتاحة الفرص أمام ظهور شركات متوسطة وصغيره محلية.
  • التركيز على لعب دور الوسيط في جميع المشاريع الحكومية لسهولة تحقيق الأرباح دون أي مجهود يذكر ، وهذا أيضا ساعد على تفشي الفساد في كلا القطاعين حكومي وخاص.
  • لتحقيق ربحية أكبر اعتمد القطاع الخاص على توظيف عمالة أجنبية غير مدربة وتقبل أجور متدنية وتسبب هذا في عدم إتاحة فرص عمل وتدريب كافية أمام المواطنين.
  • عدم اعتماد القطاع الخاص القدرات الذاتية والتوسع بقوى السوق ، ساهم في عدم تمكن المملكة من تنويع الاقتصاد وأيضا الفشل في تنويع مصادر الدخل.
  • ولعدم قدرة الأغلبية في القطاع الخاص على التوسع الاستثماري الحقيقي دون مساعدة ودعم القطاع الحكومي ، أصبح الهدف الرئيسي هو حث الحكومة للقيام بخصخصة قطاعات تحقق أرباح سهلة ” للوسطاء ” في القطاع الخاص.

المداخلات حول قضية: (منافسة الحكومة للقطاع الخاص في النشاطات الاقتصادية)

  • تشخيص الواقع والمشكلات ذات الصلة بمنافسة الحكومة للقطاع الخاص

قال م. سالم المري إن القطاع الخاص عندنا يعاني من مشاكل كبيرة وقد عجز عن أداء دوره الحقيقي مما دفع الجهات الحكومية إلى التفكير في تأسيس شركات مملوكة لها توفر لها الخدمات المطلوبة تحت الأنظمة المتاحة للقطاع الخاص والذي عجز القطاع الخاص عن الاستفادة منها؟ فالقطاع الخاص في المملكة عجز عن توطين التقنية واجتذاب الأيدي العاملة السعودية أو لنكن صريحين ونقول يتهرب عن مسؤولياته بهذا الشأن؟ كما لا ترى صناعة حقيقيه بل مجرد وكالات لشركات أجنبية أو تجميع لمنتجات أجنبية تستفيد من تسهيلات الدولة والقروض ومعظم أرباحها في جيوب أجنبية. ونتيجة لانعدام الجدية والالتزام لدى شريحة كبيرة من القطاع الخاص تجد المواطن لا يرغب في العمل مع القطاع الخاص بسبب تدني الأجور وعدم الثقة في صاحب العمل فلأي سبب ممكن أن يفقد الموظف عمله؟! وإذا بحثنا عن الأيدي العاملة الوطنية الفنية المدربة سنجدها فقط في الشركات الحكومية أو المملوكة جزئيا للدولة مثل أرامكو وسابك والكهرباء والاتصالات فلماذا؟ ببساطه شريحة كبيرة من القطاع الخاص في المملكة مازالت فاقدة للثقة في مناخ العمل المحلي وهمها جمع المال بأسرع وقت ممكن وتحويله للخارج وهاجس البعض منهم إمكانية سؤاله يوما ما من أين لك هذا؟ كما تم للأسف احتكار القروض والتسهيلات التي تقدمها الدولة من قبل قلة قليلة من العوائل المتنفذة لعقود طويلة مما حد من نمو هذا القطاع.

وانطلاقا مما طرح، يرى د. ناصر القعود أنه ينبغي ألا نتحدث عن القطاع الخاص في المملكة ونقيسه على القطاع الخاص في أوربا أو أمريكا فالحكومة في المملكة تهيمن على الثروة ورؤوس الأموال والقطاع الخاص السعودي أوجدته الدولة ولم تنافسه، قدمت القروض والاعانات وأشركته في الشركات الكبيرة التي تم تخصيصها ، ولا يستطيع أحد إنكار التشجيع الكبير وبمختلف المبادرات للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. القطاع الخاص يستطيع أن ينافس الحكومة إذا توفرت له الإدارة الكفؤة التي تركز على الاستراتيجيات متوسطة وطويلة المدى وليس الربح السريع ، واستطاع توظيف الأيدي العاملة المواطنة عندها سيجد الدعم من الجمهور والحكومة . والخلاصة لابد من دراسة واقع وظروف القطاع الخاص السعودي والآليات لإصلاحه وتطويره لا قياسه على مثيلاته في الدول المتقدمة لا سيما عندما نتناول الاستثمارات الكبرى.

وذكر د. علي الحكمي أن من أهم الأمثلة على منافسة القطاع الحكومي للخاص ما حدث في الانتشار السريع للجامعات الحكومية، فقبل خمسة عشر سنوات تقريباً كانت لدينا سبع جامعات حكومية فقط، مما دفع بعض المستثمرين لإنشاء جامعات وكليات أهلية للاستفادة من نقص القدرة الاستيعابية للجامعات وعدم حصول نسبة مهمة من الطلاب للقبول فيها في التخصصات التي يرغبونها.  وفجأة وخلال سنوات قليلة أنشئ نحو عشرين جامعة حكومية استطاعت أن توفر مقاعد لجميع الطلاب (بغض النظر عن رغبتهم في التخصص الذي قبلوا فيه).

وهذا برأيه أضر بالجامعات والكليات الأهلية بدرجات متفاوتة. وتم التعامل مع هذا الموضوع من خلال الابتعاث الداخلي حيث تتكفل الدولة برسوم الطلاب المبتعثين لها؛ الذي حصل الآن، أن الابتعاث الداخلي بدأ تقليصه لأسباب مالية والمتوقع أن يسبب ذلك ضرراً على الجامعات والكليات الأهلية.

وتساءل د. خالد الرديعان: ماذا تسمى الشركات والمؤسسات التي يمتلكها متنفذون في الدولة من أصحاب المناصب العليا ؟ هل تعتبر قطاع خاص صرف أم شركات حكومية ولا سيما أنه يتم تعميدها أحيانا بتنفيذ مشاريع حكومية دون مناقصة ولا ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من الشركات.. وأحيانا يتقدمون للمناقصات الحكومية ويُرسى العطاء عليهم رغم أن منافسيهم قدموا أسعار أقل.

وأضاف: ليس الحديث عن الفساد فهو متفشي؛ لكن السؤال هو عن طبيعة هذه المؤسسات وهل النظام يعطيها أفضلية ولماذا ترسى العقود عليها ولماذا تُعمد مباشرة دون مناقصة؟ هل يوجد خلل في النظام يكرس هذه الممارسات؟

وقال د.م. نصر الصحاف: تعليقاً على مقارنة القطاع الخاص بدول أخرى مع المملكة وبما أنني اتهم في بعض الأحيان بمحاباة للغرب وأمريكا بالذات أحببت أن استغل هذه الفرصة للتوضيح في هذه المسألة وبالتالي نفي التهمة السابقة عني في محاباة الغرب.

في الولايات المتحدة تحظى بعض شركات القطاع الخاص بعقود طويلة الأجل لتوفير قطع غيار لوزارة الدفاع بدون مناقصة وهنا تثبت براعة ممثل الولاية بالكونغرس الحائزة على العقد على حسب قدرته في إقناع زملاءه في اللجان المختلفة ؛ ولكن متى ما اختلف أو تغير ممثل الولاية فيتنافس بقية الأعضاء لنصيب أكثر من الكيكة فتبدأ الحرب بينهم في تسريب معلومات عن هذه العقود للصحافة وتتضح درجة الفساد من الأرقام المهولة لأرباح بعض الشركات ذات العقود الحكومية.

مما لا شك فيه أن تداخل القطاع الحكومي لدينا ومنافسة القطاع الخاص له من السلبيات كما هو من الإيجابيات ولكن السلبي هو الأكثر وضوحاً للمراقب ليس لأنه كذلك فقط ولكن دائماً الأسوأ يطفو للسطح ويصبح مادة دسمة للتداول وبالمقابل لن يعلم المواطن عن كثير من الإيجابيات لمشاريع ناجحة !

كذلك الأرقام الفلكية وما تدره من دخل (ساهر على سبيل المثال أكثر من ملياري ريال في أول سنة) وما تداولته الصحف المحلية آنذاك في مقارنة سريعة مع تكلفة المشروع المعلنة بمثيله في دبي!!

تلك المقدمة والآن لندخل في صلب الموضوع بطرح سؤال واحد:

كيف يمكن لرؤيا ٢٠٣٠ من تخطي هذه العراقيل المثبطة فيما يتعلق بتنافس القطاع الحكومي مع الخاص واسناد عقود كبيرة لشركات كبيرة وممكن أجنبية (مكنزي كمثال) وبأرقام فلكية بما لا يمكن أن يعود بفائدة على المجتمع؟

إذا لم يتم مواجهة هذا التناقض السافر في برنامج التحوّل الوطني، وما يتم الآن في منافسة القطاع الحكومي للقطاع الخاص على حساب الشركات الصغيرة والمتوسطة فلن تتمخض رؤيا ٢٠٣٠ بما أريد لها من نجاح.

وأشار د. حاتم المرزوقي إلى أن الانطباع العام بشأن المنافسة بين القطاعين الحكومي والقطاع العام هو أن هذه المنافسة معيقة لعمل القطاع الخاص. وربما اتخذ موقفا مختلفا عن هذا الانطباع. بداية لابد أن نفرق بين القطاع الحكومي والقطاع العام والقطاع الخاص. منافسة القطاع الحكومي مع القطاع الخاص تفقد الأول الحياد وتضع الأخير في منافسة غير متكافئة. بينما نجد أن التجارب في المنافسة المنضبطة (managed competition) بين القطاع العام والقطاع الخاص لها جوانب إيجابية متعددة.

المنافسة بصفة عامة تحفز التطوير في الأداء والتقليص من الانفاق، وتقود إلى تطوير القطاع العام لمواجهة تحديات المستقبل. الخصخصة كنموذج لتطوير الخدمة وخفض التكلفة كان أحد الوسائل ولكن ليس هو الوسيلة الوحيدة، إعادة هيكلة القطاع العام ودخولها كمنافس  مع القطاع الخاص في تقديم الخدمة أثبت نجاحا في عدة دول منذ بداية هذه التجربة في مدينة فينكس بولاية تكساس منذ عام ١٩٧٣م في تخصيص خدمات القطاع البلدي. حيث باشرت حكومة الولاية في طرح عدد من البلدية للتعهيد الخارجي (outsourcing) ولم تقصر المنافسة على القطاع الخاص وأشركت العام في الدخول في هذه المنافسة المنضبطة ووقفت حكومة الولاية على مسافة متساوية بين القطاعين العام والخاص. وانتهت النتيجة إلى تعهيد القطاع الخاص في مناطق من المدينة (فينكس) والقطاع العام في مناطق أخرى. وأثبت القطاع العام تفوق في إعادة هيكلة عملياته التشغيلية بما حقق رفع كفاءة الأداء وانخفاض التكاليف التشغيلية. ومن ذلك الوقت انتشرت فكرة التعهيد بشكل غير منحصر على القطاع الخاص باشراك القطاع العام في أمريكا وأوربا. وحافظت مؤسسات القطاع العام على تواجدها وحافظت على موظفيها وتطور أداءها.

لم يقتصر نجاح هذه الممارسة البسيطة عبر تطوير القطاع العام وإنما في تطوير القطاع الحكومي بأنظمته وأدوات تشغيله. حيث تم التغيير من الداخل وحافظت الحكومة على موارد مالية ساعدت الولاية في الوفاء بالتزاماتها التنموية الأخرى.

ومن جهة أخرى تمكنت الحكومات من إنشاء كيانات عامة لتقديم خدمات لم تكن داخل اهتمام القطاع الخاص، إما لعدم جدارتها الاقتصادية أو لمتطلباتها الرأسمالية والتشغيلية  المرتفعة مثل مشاريع النقل العام والبريد وغيرها. ونجحت في ذلك وحققت موارد مالية رفعت من الناتج المحلي الحكومي.

لا شك أن نجاح هذه الممارسة يتطلب قدرا كبيرا من الشفافية والحوكمة التي تضمن منافسة منضبطة بين القطاعين العام والخاص، للمحافظة على التوازن في تقديم الخدمات وضمان استدامتها وعدم تعرضها للمنافسة الحادة بين المتنافسين من القطاع الخاص على نحو يؤثر على المستفيدين من الخدمات التي تشكل عصبا أساسيا في حياة المواطنين.

خلاصة ما تقدم.. ليست الخصخصة هي الوسيلة الوحيدة للارتقاء بالكفاءة وتقليص النفقات وإنما وسيلة من الوسائل، وليس الانطباع أن المنافسة بين القطاعين العام والخاص سلبية دائما وإنما تحمل ايجابيات متعددة متى ما ضبطت هذه المنافسة.

بينما أشار م. خالد العثمان إلى اختلافه فيما يتعلق بمسألة التفريق بين القطاعين الحكومي والعام في حالة “الخصوصية السعودية” .. إذ أن تأثير القطاع الحكومي على تنافسية القطاع العام مع القطاع الخاص تعطي أفضلية للقطاع العام بما يحرم القطاع الخاص من فرص تقديم الخدمات بعدالة وحياد .. والوصول إلى تطبيق معايير الحوكمة والشفافية يجب أن تكون سابقة لإطلاق يد القطاع الحكومي لتأسيس شركات قطاع عام.

الأمر الآخر أن ممارسة التعهيد مطلب ملح لتخلي القطاع الحكومي عن أداء كثير من الأعمال التي تثقل كاهله وتتسبب في الترهل الوظيفي المشهود .. وهو ما يتطلب تمكين القطاع الخاص ودعمه لتنمية قدراته ومهاراته لتلبية معايير أداء مهنية مستهدفة يحددها القطاع الحكومي وليس منافسته وإضعافه وإفقاده التجارب والخبرات العملية المتراكمة في هذه المجالات.

و من المهم التفريق بين قطاعات الأعمال التي يتناولها النقاش .. فلا ضير أن تنخرط الحكومة في الاستثمار في شركات استثمارية صناعية مثل سابك ومعادن .. لكن قطاع الخدمات المعتمد على المنافسة البحتة وليس التجارية يجب أن يكون بعيدا عن يد السيطرة الحكومية .. هذا مجرد مثال لضرورة تشريح القطاعات ودراسة تأثير الملكية الحكومية فيها على مناخ المنافسة العادلة.

أيضاً فإن أحد صور منافسة الدولة للقطاع الخاص في قطاع الخدمات تحديدا هو دخول مراكز البحوث في الجامعات بشكل مباشر في منافسات الخدمات والعقود الاستشارية في مختلف المجالات .. هذه المنافسة هي منافسة غير عادلة حيث أن هذه المراكز غير ملتزمة بكل المتطلبات المفروضة على المكاتب الخاصة بما في ذلك متطلبات التوظيف والسعودة والتأمينات الاجتماعية والزكاة والتأمين الطبي وغيرها الكثير .. كما أنها غير ملزمة بتقديم ضمانات بنكية كما هو الحال في المكاتب الخاصة ولا تتكبد أعباء مالية تشغيلية فهي لا تدفع إيجارات لمقراتها ولا رواتب موظفين ولا رسوم خدمات .. وفي النتيجة تفوز هذه المراكز بالمنافسات في ظل نظام المشتريات الحكومية العقيم .. وتقوم بعد في الغالب بتوزيع الأعمال من الباطن على أعضاء هيئة التدريس في الجامعات أو حتى مكاتب استشارية خاصة تفتقر للكفاءة المهنية تحت ضغط أقل الأسعار .. والخاسر في النهاية هو مشاريع التنمية وضياع الخبرة والتجربة على المكاتب الخاصة الكفؤة.

كذلك يرى أ. مطشر المرشد أهمية التفريق بين هذا النوع من الاستثمارات وبين الإنفاق الحكومي .. وحتى في الدول التي سبقتنا في برامج الخصخصة نجد أنهم فتحوا القطاعات للمنافسة ودخل القطاع العام كمنافس وبأساليب القطاع الخاص ..

بريطانيا BT وصناعات عسكرية

إيطاليا اتصالات وصناعات غذائية

النمسا اتصالات وأغذية وصناعات.

ومن جديد أوضح د. حاتم المرزوقي أن هذا تحديدا ما أشار إليه كشرط لنجاح ممارسة المنافسة المنضبطة.. بمعني أن:

  • القطاع الحكومي لا يجب أن ينافس القطاع العام أو الخاص.
  • القطاع الحكومي بصفته المنظم لابد أن يقف على مسافة متساوية من القطاعين العام والخاص.
  • المنافسة بين القطاع العام والخاص لابد أن تكون منافسة منضبطة من حيث إنفاذ التشريعات الحاكمة وإعمال أدوات الشفافية والحوكمة.

في حين يرى د. إبراهيم البعيز أن منافسة الدولة للقطاع الخاص لا تقتصر على إنشاء الشركات، بل هناك كثيرا من الخدمات اللوجستية التي يفترض أن تترك للقطاع الخاص  على غرار ما تم في عقود الصيانة والنظافة، وذلك بتبني سياسة outsourcing وهو ما كانت ولا زالت  تقوم به أرامكو وأسهم في تأسيس كثيرا من المؤسسات والشركات التي هي من أبرز الفاعلين في القطاع الخدمي والتجاري.

وأضاف: عند كل مناسبة يأتي فيها الحديث عن التخصيص في المملكة أتذكر ذلك المثل الشعبي عن تلك الشاة التي باعها البدوي على الحضري، والأخير أطعمها “مريس” وأقبلت عليه بنهم أدى إلى نفوقها. أقول ذلك بما ألحظه حين تحولنا في بعض مبادرات التخصيص إلى رأسماليين أكثر من الرأسماليين. والشواهد على ذلك واضحة في قطاعي التعليم والصحة وإلى حدما في قطاع الاتصالات.

وفي السياق ذاته قال د. عبد الله بن صالح الحمود: بداية أود القول أن القطاع الخاص في أي دولة يعد ركيزة أساسية للوصول إلى تنمية اقتصادية واجتماعية مبتغاه ، ولأنه يعبر عن شراكة حقيقة للقطاع العام ( الحكومة ) وليس فحسب يسمى رافدا أو مكملا لدور القطاع العام.

تلك مقدمة أحببت ذكرها لنؤكد أن القطاع الخاص هو قطاع مستقل لا يمكن أن نسميه جزء من القطاع العام أو مكمل له.

فالدور الأساس الذي يفترض أن يضطلع به القطاع الخاص للمشاركة في بناء تنمية الدولة هو دور محوري وداعم ، من هذا المنطلق لابد أن تتوافر للقطاع الخاص كافة أوجه المساندة والدعم اللامحدود ليتمكن هذا القطاع من تقديم ما يؤمل القيام به تجاه الوطن …

فالشواهد على حضور ومشاركة القطاع الخاص السعودي عديدة ، فقبول هذا القطاع لخصخصة الحكومة للقطاع الصناعي وقطاع الخدمات وقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات والعديد من القطاعات الأخرى ، وما سوف يأتي في قادم الأيام كل هذا وذاك دلالة على أن هذا القطاع ذو كفاءة.

وقال أ. خالد الحارثي: بداية ولغرض التوضيح أدرج أطراف قضية منافسة الحكومة للقطاع الخاص في النشاطات الاقتصادية مع تعريف مقتضب حتى تتضح الصورة:

  • أولا: المواطن المعبر عنه بالفرد .
  • ثانيا: المجتمع الذي يضم جميع الأفراد بمختلف اختصاصاتهم ومستوياتهم التعليمية والفنية وفئاتهم العمرية .
  • ثالثا: القطاع الخاص وهو رأس المال المحلي والكيانات التجاري التي تمثله من مؤسسات ناشئة وصغيرة ومتوسطة إلى شركات مساهمة عامة .
  • رابعا: القطاع العام الذي يمثل استثمارات ومخصصات الأموال العامة لتنمية وتوفير المنصات الرئيسية للسلع الاستراتيجية والمرافق العامة كالطاقة والمياه والاتصالات والمواصلات .
  • خامسا: الأجهزة الحكومية القائمة بالخدمة العامة والتنظيم والرقابة.

وحسب العلوم الإنسانية من اقتصاد وإدارة وعلوم سياسية وقانون فإن الأطر العامة والرئيسة لأدوار ووظائف الأطراف المذكورة معروفة وتكاد تكون محددة ، وفيما نتطلع لرؤية 2030 السعودية وبرامج التحول الوطني 2020 تتعاظم أهمية تأسيس الفهم والتصور الوطني المشترك للدور الحكومي والقطاع العام والشراكة مع القطاع الخاص ، حتى نمتلك القدرة على توجيه وتصويب ومراكمة الجهد الوطني نحو الازدهار والتوسع والابتكار في تطوير وتنويع وتعزيز الاقتصاد السعودي والتنمية البشرية والتطوير الحضري ، لتحقيق الأهداف الوطنية للفرد والمجتمع السعودي.

أعتقد أن هناك بعض النقاط الجديرة بتسليط الضوء عليها لتكتسب القضية المطروحة مزيدا من المصداقية والمنهجية والطرح العلمي المتسق الذي يستوعب في ثناياه الفوارق والمزايا النسبية الفنية والمهنية والعلمية ، وبالذات لخدمة هدف التمييز بين مفهوم الشراكة مع القطاع الخاص ، وبين الممارسة الحكومية التي تعتبر منافسة حكومية للقطاع الخاص والتي تستظل أحيانا بأفياء مفهوم القطاع العام خطأ لا يجوز تجاوزه. ويأتي واجب ودور المثقف السعودي في توضيح وإبراز المسلمات العلمية والقواعد المتوافقة مع واقع المنجز التنموي بكل ما يحمله من رشد وإخفاق لتصويب مسارات التنمية والتطوير الحضري والتنمية البشرية بالشكل الذي يستحيل تمويهها بغيرها ، ولتكون ظواهر قوية بعيدة عن المضاربة والاسترزاق ، ولتكون في مركز الاهتمام بشكل دائم ومستمر حتى نبعد شبهة الوقوع ضحية الغفلة والابتزاز بالصمت عن الممارسة الخاطئة.

في هذا السياق أود أن أقدم رؤيتي في قضية (المنافسة الحكومية للقطاع الخاص) على مستويين:

المستوى الأول: المستوى الكلي العام Macro

تعد نظريات الاقتصاد والاقتصاد السياسي وبالأخص نظريات الرأسمالية نظريات استرشادية ، يتم توظيفها بحسب مقتضى الحال ، نظرا للقصور الطبيعي لهذه النظريات عن استيعاب الواقع بكل مدخلاته ومضامينه ، فهناك واقع سابق للنظرية لا يمكن للنظريات إلغاءه وتهميشه لصالح النظرية بالكامل. وقد يغفل بعض المتحمسين في مؤسسات صنع القرار من حساباتهم هذه الاعتبارات العلمية العظمى ، مما يسمح بحدوث أزمات التنمية وعزل الفرد والمجتمع ووقوعه ضحية الصراع بين فريق “تطبيق النظريات مهما كان الثمن” رغم أن مراد النظرية هو رخاء الإنسان إلا أن التعصب للنظرية أكثر من التعصب لمصالح الإنسان والمجتمع يقودها في الاتجاه المعاكس، وبين فريق هندسة النموذج التنموي بما يتوافق مع معطيات الواقع والحاضر على مستوى الفرد والمجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا ومستوى المنجز الحضاري الذي وصلنا إليه ، والمطالبة بالتدخل الحكومي بالتشريعات والمبادرات لتصحيح مسارات التنمية والإصلاح الاقتصادي ، مما يتسبب بحدوث ووقوع هذه الانحرافات في المجتمعات النامية من خلال:

  • غياب تقييم الفعالية الاستراتيجية للمنظومات الاقتصادية في المجتمعات النامية وقدرتها على المقاومة والتأثير والاستدامة، كما عند نظيراتها في مجتمعات المعرفة.
  • غياب ملاحظة واعتبار الفروقات الكبرى من أثر التراكم والخبرة في التجارب المنهجية عند مجتمعات المعرفة الممتدة لقرون من الزمان ، صنع فيها القطاع الخاص بالشراكة مع القطاع العام التاريخ وأنشأ المستعمرات في أنحاء الكرة الأرضية ورعى ومول تطوير الاستكشاف والعلوم ، والفضاء في عصرنا الحاضر.
  • غياب رؤية القطاع الخاص في المجتمعات النامية عن منجز برجوازية مجتمعات المعرفة التي تناوبت من جيل إلى جيل على الالتزام بالمصالح الوطنية لدولهم ورخاء شعوبهم وتفوقهم على بقية الشعوب والأوطان بأيدي أبناء أوطانهم وتجنيد مجتمعاتهم المحلية وإثراءها من تلك الطموحات المشروعة ، وعبر هذه القواعد الكبرى من الوعي بالذات والوعي بالوطن والرسالة العظمى الذي تتعدى الطموحات الشخصية والمصالح الخاصة أمكن تحقيق الحصانة والمناعة من السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الرخاء والازدهار المستدام.
  • غياب الفحص الجدي للمقومات والعناصر المكونة في البيئة المحيطة ومدى توافقها مع مسلمات وفرضيات النظريات ، مما تعثرت معه إمكانية توليد ذلك القدر من الزخم اللازم لتبني النظريات الاقتصادية في أبسط أشكالها.
  • غياب القطاع العام والشركات الحكومية بالكثافة التي تتطلبها المملكة ، أعاق وشوش مسارات النجاح ومعايير المهنة ومستويات الأجور وثقافة العمل والإنتاج بالجملة ، مما سمح لتمادي القطاع الخاص في استغلال الموارد بشكل غير صحيح وأصبح الاستيراد والاستقدام هو أقصر الطرق لبناء الثروات دون قيمة مضافة للوطن والمجتمع والإنسان السعودي حتى استشرى وفتك بالثروات وولد الأزمات.
  • في حين دعمت ومولت الدولة القطاع الخاص وقدمت الامتيازات والحماية بالتشريعات والانفتاح بشكل غير مسبوق تاريخيا ، وأجلت توسع القطاع العام بالشكل الذي تطلبته مشروعات وخطط التنمية تهيئة للقطاع الخاص لهذا الطموح ولكن دون جدوى ، رغم أن ذلك ليس مبررا لا منطقيا ولا علميا بل كان الاستدراك من الدولة أولى من استمرار مشاهدة التعثر دون تدخل جذري وأساسي ، ولزم أن تقوم الدولة ببناء البنى التحتية للاقتصاد والتنمية المتمثلة في العديد من الشركات الحكومية الكبرى المتخصصة في الإنتاج والتصنيع والخدمات اللازمة للإنتاج الاقتصادي والتنويع.

ولننظر للقطاع الخاص في السعودية من خلال الأرقام الرسمية (الكتاب الإحصائي السنوي لمصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات 1436هـ) ومساهمته النسبية في الناتج المحلي الإجمالي للفترة من  1970 حتى 2015 حيث تتراوح بين 24% – 38% بالأسعار الثابتة والأسعار الجارية ، فيما بلغت القروض الحكومية القائمة من 1987 حتى 2015 المقدمة للقطاع الخاص 351.5 مليار ريال.

ورغم أن الدولة قامت بتمويل وتنمية وتطوير ودعم القطاع الخاص من الثروة العامة لكن القطاع الخاص فشل في توطين المهنة ونقل الخبرات ولم تتحقق الشراكة المطلوبة مع القطاع العام ولا الخطط الحكومية ولا المجتمع ، وولد القطاع الخاص الأزمات المتعاقبة من سوء بيئات العمل وسوء الشروط التعاقدية وتدني مستويات الأجور ، وضعف الجودة ، وتكريس الاستيراد وتكريس الاستقدام .

المستوى الثاني: المستوى التفصيلي الخاص Micro

فشل القطاع الخاص في جذب الكوادر الوطنية من الوظائف الحكومية أو من القطاع العام ، واعتمد على استقدام العمالة الأجنبية بكثافة عالية دون اعتبار للمطالبات الحكومية المتكررة بالاعتدال في ذلك منعا للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية السلبية والتي من شأنها زعزعة ما تبنيه الدولة تربويا وتعليميا واجتماعيا واقتصاديا.

– غياب القطاع العام أفقيا وعموديا أدى إلى استئثار القطاع الخاص بسوق العمل وسوق الفرص التجارية ، وفشلت أيضا استراتيجيات الخصخصة وآلياتها والتشريعات والرقابة عليها ، وتشريعات منظومات العمل والإنتاج تبعا للتشوهات التي أصابت القطاع الخاص وتفرد القلة بمقوماته وسيطرة الأجانب على مراكز القرار وصناعة التأثير في الثقافة العمالية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية للمواطن ، وضعف الجودة في المخرجات واضطرت معه الأجهزة الحكومية لإنشاء شركات تابعة لها لخدمة أغراضها الخاصة والوفاء بالمهام المناطة بها. مما أنتج شبه قطاع عام لا يغني ولا يسمن من جوع.

– ضعف المقاومة والتراجع أمام التحديات : مع تزايد أعداد الخريجين والباحثين عن العمل الذين لم يستوعبهم القطاع الخاص فقدت تلك الاستراتيجيات الرؤية واستدعت التصحيح نحو الأهداف الوطنية لكن لم تف الرقابة بتصحيح المسارات التي تسعى لها الدولة والمجتمع ، وشحت بذلك الفرص أمام الباحث عن العمل ، وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، ولم تجد الكوادر المهنية البيئة المناسبة للتكاثر والامتداد لتوليد غايات الشراكة مع القطاع الخاص وتوازن التنمية مع متطلبات المجتمع والإنسان.

نتائج  الـ MACRO   والـ MICRO

في خضم ذلك حدث الفراغ الكبير الذي لم تؤديه الشراكة مع القطاع الخاص بسبب التطبيق غير المنسجم مع رؤية ومحاسبة ورقابة ، فبرزت الكثير من الظواهر والمبادرات المستنكرة وغير الصحية والتي فاقمت الوضع الذي سمح بخصخصة لجان الضبط القضائي (ساهر ، نجم) واحتكار السلع الاستراتيجية ، واعتماد بعض القطاعات الحكومية على بناء وحدات خصخصة تخدم أغراضها الخاصة وتنافس المواطن بكافة قبعاته المتنوعة ، وخرجت بالخصخصة ومؤسسات التوازن الاقتصادي لنقل المعرفة والخبرة عن هدفها الأساسي وتوجهها نحو أغراض غير مقصودة ولا مرغوبة من الدولة ولا تخدم المجتمع.

كما تفاقمت الآثار حين فشلت الجهات التنظيمية في الوزارات في استنساخ النموذج الناجح من أرامكو ومثيلاتها مثل سابك والهيئة الملكية وشركة الكهرباء والخطوط السعودية والمؤسسة العامة لتحلية المياه في بناء الكوادر وتوفير العمل الكريم وتطويره أثناء الخصخصة ليلائم احتياجات المجتمع وتطلعات الإنسان السعودي ، ومنافسة القطاع الخاص للقطاع العام والكادر الحكومي في الأجور والمزايا العينية واستيعاب أعداد الخريجين والباحثين عن العمل.

وعندما غابت كثافة القطاع العام لم تحدث الشراكة مع القطاع الخاص لدعم توليد الصف الثاني Second-tier من القطاع الخاص المسمى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الوطنية التي تنمي الابتكار وتفتح المساحات لتحقيق الطموحات الفردية والثراء المشروع.

وهنا أزجي مقترحات رئيسة لمواكبة المسيرة مع رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني 2020 ، من ذاكرة السطور السابقة ، حيث أن القطاع الخاص السعودي وعمر الثروات وعمق الكوادر الفنية والمهنية فيه ، والمنجز الوطني الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي الذي قدمه القطاع الخاص للمجتمع والوطن عموما ، فإنه يلزمنا رسم خطط التدرج لبلوغ هذه الأهداف العظمى والمصالح الوطنية العليا لتعزيز الأهداف والجهات والأشخاص في المسارات الصحيحة التي تصب في مصلحة المجتمع السعودي ، كما يلزمن تسليط الانتباه والنقد لأي مسارات خاطئة لا تصب في المصالح الوطنية وتنحرف بالثروات الوطنية عن خدمة المجتمع السعودي والمواطن الذي لا يزال يعاني من تشوهات سوق العمل والبيئات الطاردة لإنسان هذا المجتمع الكريم ، وحتى لا نغرق في إضفاء صفة الطوباوية على القطاع الخاص الذي لا يملك مقومات الاستقلال بعهدة التنمية الوطنية والتي أبسطها التجربة والكوادر والملاءة المالية لمشروعات التنمية والبنية التحتية الاقتصادية والعمالية ، وحتى لا تنحرف مجددا الأهداف الوطنية من التوجه للمجتمع إلى مسار وهدف مغاير يطور الفرص والعيش الرغيد للهند وباكستان والفلبين ودول الاستقدام المشهورة في المجتمع ، وتبقى لمجتمعنا أزمات كبرى في البطالة والإسكان وتردي الخدمات البلدية والتعليمية والصحية.

لذا فمن التصحيحات الهامة في نظري للالتقاء بالرؤية وبرنامج التحول الوطني:

– دعم وتشجيع شركات القطاع العام الكبرى وتمكينها من مشروعات الدولة في البنية التحتية في الصناعة والقطاعات التجارية المركبة والمعقدة واللوجستيات الخاصة بها وحوكمة خطة التدرج للخصخصة والرقابة الصارمة على منع تحكم القلة في ملكية الحصص والقرارات في مجالس الإدارة.

– الوقوف بجرأة وطنية أمام محاولات بعض الأجهزة الحكومية في محاولة الاستقلال عن المجتمع ومنافسة المواطن والقطاع الخاص فيما لا اختصاص لهم به ولا يدخل ضمن التوصيف الوظيفي لمهام وواجبات أجهزتهم الحكومية ودورها في التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية.

– مراجعة استراتيجية الخصخصة وتحديثها بالمستجدات لتخطيط تحول القطاع العام إلى قطاع خاص محوكم خلال خطط مزمنة ومعلنة تراقبها أعلى أجهزة الدولة ومنع استئثار القلة بالثروات العامة ووضع العقوبات الرادعة من مصادرة أموال وإعادة الحقوق للدولة ولا تحسب مكتسبات بأي شكل من الأشكال.

– توحيد الجهد الحكومي والإعلام الرسمي نحو خلق البيئات المناسبة لولادة بيوت الخبرة وحاويات الأفكار الوطنية التي تساهم بشكل ملموس في تطوير البيئات المحلية وصناعة القرارات وتنمية التواصل بين البيئات الأكاديمية والبحث العلمي وتوليد الخبرات وإنتاج المعرفة وإصلاح بيئات الاستثمار والعمل.

وختاما ، هذه الفترة التي تمر بها بلادنا من طفرة اقتصادية وتنموية يصاحبها الكثير من الأطماع ممن تتعلق مصالحهم بإرباك خطط التطوير والتنمية واحتلال المملكة لمكانتها الطبيعية المتمثلة في مقدراتها الاستراتيجية المذكورة في رؤية 2030 السعودية. ومن الأهمية بمكان التقاء الأفكار والرؤى عند النخب الثقافية مما يزيد من مناعة المملكة ومجتمعها أمام المصالح المتعارضة مع النضج التي بلغته المملكة بعد ما بذله الملوك المؤسسين حتى عهد القائد الحازم الملك سلمان حفظه الله وايده بنصره.

ويرى د. مساعد المحيا أن القطاع الخاص لو كان يعمل بكفاءة شاملة ومهنية عالية كما تعمل القطاع الخاص في كثير من الدول لما تمكن القطاع العام من المنافسة ..

فالأداء البيروقراطي الحكومي يسهم في تراجع كفاءة الجدوى الاقتصادية لأي مشروع ينفذه القطاع العام ..

وعليه فان القطاع الخاص حين يتظلم فهو كالطفل المدلل الذي اعتاد على مشروعات يأخذها بطريقة ريعية ويخشى أن ينتزع الحليب من فمه …

الكفاءة العالية للقطاع الخاص هي الطريق لانتزاع ما يستطيع هذا القطاع القيام به ..

حيث يصبح بيت خبرة واسع …

ولو تخلص القطاع الخاص من هيمنة الفساد المتجذرة في أدائه لربما صنع لذاته كيانات قوية تتحاوز في قدرتها وسمعتها البيئة المحلية ولا تنتظم في تحالفات اقتصادية كبيرة في الخليج وفي آسيا وفي الدول الأوربية.

ومن ناحيته قال د. فايز الشهري: السؤال المهم هل يوجد لدينا قطاع خاص حقيقي ومؤثر؟

القطاع الخاص في المملكة هو الابن المدلل للقطاع الحكومي.

و أكبر الشركات هي في الواقع شبه حكومية واعتمدت في تأسيسها على الأموال العامة. سابك والاتصالات والكهرباء ومعظم البنوك هي مبادرات حكومية.

 ومعظم الشركات نشأت في ظل الدعم الحكومي سواء لجهة القروض أو أولوية المناقصات ومنع الاستيراد والاعفاءات الجمركية والتسهيلات ومنها شركات الأغذية والإسمنت.

حتى أهم شركات المقاولات اكتسبت أهميتها من تنفيذ المشاريع الحكومية.

وللأسف أن معظم شركات القطاع الخاص اليوم هي عالة على الإنفاق الحكومي ولهذا نجد أن أكثر من 170 شركة متداولة في سوق الأسهم تترنح تداولاتها بين 3 إلى 4 مليار يوميا منذ أشهر متأثرة بتوقعات الإنفاق الحكومي.

وبمكن القول أن معظم  القطاع الخاص لدينا لا يمكن اعتباره نشاطا إنتاجيا متكاملا فهو إما تجميع أو تركيب أو تعبئة وتغليف في أغلبه.

من جهة أخرى فإن القطاع الخاص لم يحقق حتى اليوم أقل درجات الاكتفاء الذاتي في معظم الاحتياجات الأساسية وهي الأكل والملبس ناهيك بقية الطموحات.

وعلق أ. مطشر المرشد على هذا الرأي الأخير بقوله: وبنفس الوقت أصبحت السيولة المتاحة في الدورة الاقتصادية مسيطر عليها بالكامل من عدد قليل … ١٤ مجموعة عائلية تسيطر على ٩٠٪‏ من السيولة التمويلية المتاحة في الاقتصاد الوطني ، سواء التمويل الحكومي ( صندوق صناعي وخلافه ) أو القروض والتمويل المصرفي …

ملاك البنوك أنفسهم أصحاب الشركات التي أصبحت مكاتب سمسرة بين المشاريع الوطنية و الشركات الأجنبية.

واتفقت د. الجازي الشبيكي مع د. ابراهيم البعيز في أنه ليس لدينا رؤية واضحة فيما يخص توزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص ، وأُضيف القطاع الثالث الذي له أيضا مساهماته البحثية من خلال مراكز البحث التابعة لبعض المؤسسات والمراكز غير الربحية .

وقالت د. فوزية البكر: لفت انتباهي ما ذكره أ. مطشر المرشد من أن ضبابية العلاقة بين القطاع الحكومي والكيانات الكبرى في القطاع الخاص السعودي تسببت في:

  • سيطرة عدد قليل من المجموعات العائلية على ٨٥٪‏ من السيولة التمويلية المتاحة في الاقتصاد الوطني، بما في ذلك قروض الصناديق الحكومية و قروض القطاع المصرفي.
  • احتكار الفرص والتعاقدات من الباطن مع شركات أجنبية دون إتاحة الفرص أمام ظهور شركات متوسطة وصغيرة محلية.
  • التركيز على لعب دور الوسيط في جميع المشاريع الحكومية لسهولة تحقيق الأرباح دون أي مجهود يذكر ، وهذا أيضا ساعد على تفشي الفساد في كلا القطاعين حكومي وخاص.
  • لتحقيق ربحية أكبر اعتمد القطاع الخاص على توظيف عمالة أجنبية غير مدربة وتقبل أجور متدنية وتسبب هذا في عدم إتاحة فرص عمل وتدريب كافية أمام المواطنين.
  • عدم اعتماد القطاع الخاص القدرات الذاتية والتوسع بقوى السوق ، ساهم في عدم تمكن المملكة من تنويع الاقتصاد وأيضا الفشل في تنويع مصادر الدخل.
  • ولعدم قدرة الأغلبية في القطاع الخاص على التوسع الاستثماري الحقيقي دون مساعدة ودعم القطاع الحكومي ، أصبح الهدف الرئيسي هو حث الحكومة للقيام بخصخصة قطاعات تحقق أرباح سهلة ” للوسطاء ” في القطاع الخاص.

والسؤال الآن:

  • عبر مبدأ الشفافية والمهنية وترشيد الموارد: لماذا لا يتم الإعلان عن أسماء هذه العائلات وحجم عقودها وحجم للقروض التي حصلت عليها من الدولة؟
  • من الذي يقوم باحتكار الفرص و طرحها من الباطن؟
  • من الواضح أنه لا يوجد هدف وطني أو تنموي يوجه الكثير من الشركات العائلية ويبقي الربح هو دافعها الأول والرئيس.. أليس هناك رقابة حكومية علي تنفيذ المشاريع؟
  • لماذا لعب دور الوسيط؟

وأشار د. محمد الصبان إلى النقاط المحددة التالية:

  • أن وضع القطاع العام والخاص في الدول الريعية، والتي تقوم حكوماتها باستثمار مورد طبيعي تنفق من خلال إيراداته على الاقتصاد وتحاول قدر الإمكان تحقيق عدالة في توزيع عوائد هذا المورد، يختلف جذريا عن النمط العالمي لدور الحكومات في الدول التي تعتمد بشكل رئيس على مختلف أنواع الضرائب كمورد رئيس لها.

بالنسبة لحكومة المملكة والدول الريعية الأخرى المشابهة، فإن هنالك ما يسمي بالعقد الاجتماعي بينها وبين أفراد المجتمع، وبالتالي فهو يحتم عليها توفير الخدمات العامة وتقديمها إما مجانا كالتعليم والصحة أو تقدمها بأقل من سعرها عن طريق الإعانات.

٢- أقدمت حكومتنا بدور لا تتبعه الكثير من الحكومات بأن قامت بدور المنتج لمختلف المشروعات سوءا تلك المتعلقة بتوفير الخدمات العامة أو حتى بعض المشروعات الانتاجية في مجال الصناعات أو القطاعات الاقتصادية الأخرى. وأتي ذلك في الفترة التي لم يبدأ فيها القطاع الخاص في شق طريقه، بل كان تركيزه في مجال التجارة وهي المتوارثة منذ قرون.

٣- وحتى حين بدأ القطاع الخاص يشب اعتمد بشكل كبير إما على تنفيذ المشروعات الحكومية أو بناء بعض الخدمات والصناعات المعتمدة على الإعانات الحكومية، وظل هذا القطاع رضيعا يصعب على الحكومة أن تفطمه مهما استخدمت من “الصِبر المر” في ذلك.

ولذا وجدنا أنه بانتعاش الإيرادات الحكومية ينتعش إنفاقها وينتعش بالضرورة القطاع الخاص والعكس صحيح، ولم يكن بإمكان القطاع الخاص أن يتغير هيكليا ويكون أكثر إنتاجية فنمط اقتصادنا الريعي جعله يركن إلى وضعه ويقبل عدم تغييره.

٣- اضطرت الحكومة للدخول في القطاعات الانتاجية مثل إنشاء سابك ومحطات التحلية ومصافي النفط وغيرها. ولولا دخول شركات أجنبية مع سابك مستفيدة بشكل كبير من الرخص النسبي لأسعار اللقيم وهو الغاز، لما تمكنت من المنافسة عالميا، وإن لازال أداؤها لا يرقى من حيث الكفاءة الانتاجية إلى المستوى المطلوب عالميا، ويتم تغطية سوء الأداء عن طريق الأرباح المتحققة نتيجة هامش الاعانة الكبيرة المقدمة لها.

ولذا وجدنا مقاومة شديدة لأية تعديلات في مستويات الإعانة المقدمة لهذه الشركة  ومثيلاتها ورأينا اللوبي المنظم ليصل إلى مُتَّخِذ القرار قبل أن تصل مسودة القرار إلى مجلس الوزراء بتعديل السعر المدعم. وأقولها من واقع تجربتي في وزارة البترول وكم هي المرات التي أطلقت فيها رصاصة الرحمة على العديد من الاقتراحات في هذا المجال.

٤- أما بقية الخدمات المقدمة من الحكومة فلا زالت متهالكة الأداء لسبب بسيط وهو أن الدولة لا يمكن أن تقوم بدور المنتج فهو خارج عن إطار دور الدولة الحديثة والمتعارف عليه عالميا.

٥- إن الجدية التي نتعامل بها هذه الأيام مع مختلف القطاعات الاقتصادية وإعادة تعريف دور كل منها من خلال الرؤية السعودية ٢٠٣٠، فإنها تصحح مسار كل من الحكومة وتعطي الدور القيادي للقطاع الخاص وتجبره على أن يتحرك دون العكاكيز الحكومية، وتعلن له انتهاء الرضاعة الطبيعية وعليه أن يعتمد على ذاته إن أراد الاستمرار خاصة في ظل الشكوك الكبيرة حول مستقبل المورد الرئيس وهو النفط.

٦- لم يكن مستغربا في ظل هذا التحول في النهج الحكومي ومنها خلال الرؤية أن تتجه إلى خصخصة العديد من المرافق والشركات التي كانت تمتلكها جزئيا أو بالكامل، مما يوفر لها عائدات من جهة وحسن إدارة وكفاءة إنتاجية أكبر من جهة أخرى، وفي نظري فإن هذا هو الاتجاه السليم وهو الطريق الذي يدفعنا لنكون اقتصادا منتجا بعيدا عن الريعية التي دفعتنا على مر العقود الماضية إلى الخلود إلى الراحة وربما النوم.

وأشار د. سعد الشهراني إلى أن النظرية الاقتصادية تسمي ما نحن بصدده crowding out

و يقصد به بالدرجة الأولى أن القطاع العام يزاحم القطاع الخاص في القطاع الانتاجي الحقيقي وعلى الموارد و خصوصا السيولة.

تاريخيا و لأسباب نعرفها كانت الدولة هي مصدر السيولة و هي أيضا قائدة التنمية و دعمت القطاع الخاص دعما لا مثيل له في تاريخ الأمم الاقتصادي.

القطاع الخاص أدمن على القروض و الاعفاءات و على العمالة الأجنبية الرخيصة و انخفاض ما يدفعه من رسوم أو ضرائب أو زكاة..

هذه هي متلازمة syndrom القطاع الخاص السعودي؛ و لذلك و لغيره لا تتفق مع فكرة أن احتفاظ الدولة بملكيتها في الشركات التي بادرت بإنشائها أو مساهمتها مستقبلا  في إنشاء الشركات هو مزاحمة للقطاع الخاص أو أن ذلك أفضل لأسباب متعددة منها:

  • أن هذه أموال عامة أصلا و تدر إيرادات عامة ( لنتذكر إيرادات الدولة من سابك و من الاتصالات السعودية) و هذا مهم لضمان تنوع و استدامة الايرادات العامة في عصر ما بعد النفط.
  • أن هذه الشركات ناجحة و تدار على أسس تجارية و ليس ببيروقراطية القطاع الحكومي.
  • الأهم أن ذلك لم يمنع و لن يمنع القطاع الخاص إطلاقا من أي نشاط مربح.
  • أن الاقتصاد السعودي لا يعاني من توفر السيولة إطلاقا (على الأقل حتى الآن) فسيولة القطاع الخاص الذاتية تقدر بالتريليونات.
  • رؤية 2030 تتسع لاستثمارات عامة داخلية تحافظ على الملكيات التي هي عامة أصلا و تدر إيرادات عامة و تشارك القطاع الخاص في المخاطر.

و تتسع الرؤية أيضا لأوسع نشاط ممكن للقطاع الخاص في كل القطاعات و النشاطات الاقتصادية و بكل أنواع الدعم و الإعفاءات..

فقط اعطني قطاعا وطنيا خاصا يشغل السعوديين و ينشئ الصناعات و يدفع الضرائب ( الأقل على مستوى العالم قياسا بما يدفعه نظراؤه).

إدمان الأرباح الكبيرة و السهلة في النشاطات الطفيلية متلازمة أخرى لا أدري كيف و متى نخرج منها إلى فضاء الإنتاج و الإنتاجية الحقيقية .

حجم القطاع الخاص المطلق كبير جدا و إسهاماته النسبية في الناتج و الدخل الوطني لا يزال متواضعا جدا..

مثال: قطاع الترفيه كله مفتوح للقطاع الخاص و لن يدخله القطاع العام أصلا ، والسؤال: لماذا لا يستثمر صندوق الاستثمارات العامة في الداخل بالشراكة مع القطاع الخاص و مع المستثمرين الدوليين!

والخشية أن يفتح  الباب  للاستثمارات الأجنبية الخالصة في بعض القطاعات ويبقى قطاعانا العام و الخاص متفرجان.

  • آليات مقترحة لتفعيل مشاركة القطاع الخاص في النشاطات الاقتصادية

ومن وجهة نظر م. سالم المري فإن فكرة الشركات الحكومية أو الشركات المختلطة بين الدولة والقطاع الخاص المحلي والأجنبي التي تؤسسها الدولة وتبيع بعض أسهمها للعامة عند التأسيس أو بعد النجاح هي النموذج المناسب لوضعنا في المملكة وهي التي يمكن أن توظف العمالة الوطنية توظيفا حقيقيا ويمكن عن طريقها توطين التقنية وتكوين قاعدة صناعية واقتصادية حقيقية.

وأوضح م. خالد العثمان أن منافسة الدولة للقطاع الخاص موضوع خطير ويؤدي بالضرورة إلى إضعاف القطاع الخاص وإهدار قدراته .. ويتناقض بالكلية مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ .. بل ويرسخ ممارسة واقعية لمفهوم اشتراكي بائد.

التعذر بضعف القطاع الخاص في بعض المجالات وعدم قدرته على القيام بدوره بالكفاءة المطلوبة ليس صحيحا ولا يجي البناء عليه .. بل الأجدر والأجدى دراسة أسباب هذا الضعف والعقبات التي يواجهها القطاع الخاص وتذليلها حتى ينمو ويكبر ويتطور أداؤه .. لكن أن تعمد كل جهة حكومية لتأسيس شركة لخدمة أنشطتها؛ فهذا ما سيهدم هيكل الاقتصاد ويفتت الجهود ويقضي على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ويلغي شريحة الطبقة المتوسطة من المجتمع.

في المقابل كانت شركة أرامكو في بداياتها تدفع المميزين من موظفيها إلى الاستقالة وتأسيس شركات لخدمة أرامكو .. وهذا ما خلق كيانات اقتصادية كبرى في المملكة منها العليان والسيهاتي وغيرها الكثير .. وهو نفس النموذج الذي أشار إليه م. أسامة في ورقته حول شركة بوينج وناسا وغيرها.

ومن جهتها تقترح د. نوف الغامدي لتسهيل عمل القطاع الخاص في المملكة تخفيض الزمن للحصول على ترخيص لبدء ومزاولة النشاط من تسعة عشر يوماً حاليا إلى يوم واحد فقط. وتخفيض الزمن المطلوب للحصول على تأشيرات العمالة الوافدة من 30 يوماً إلى عشرة أيام، إضافة إلى تخفيض متوسط زمن معالجة القضايا التجارية من 575 يوم إلى 395 يوم بحلول 2020. وسيكون للقطاع الخاص دور في القطاع الصحي، حيث من المستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في الإنفاق على الرعاية الصحية من 25% إلى 35% بحلول 2020.

وزيادة الإيرادات من القطاع الخاص مقابل استخدام الموارد الصحية الحكومية من 300 مليون ريال إلى 4 مليار ريال بحلول 2020.

ومن أهم المعوقات “الإطار القانوني الحالي” في السعودية تأسيس الشركات الخاصة، لاسيما الصغيرة منها والمتوسطة رغم الإصلاحات التي شملت إجراءات التحكيم في العام 2012 وقانون الشركات في 2015، فالحد الأدنى لأصول الشركة المساهمة في السعودية يبلغ نصف مليون ريال، أي ما يعادل نحو 120 ألف يورو، في حين لا يتطلب ذلك سوى 25 ألف يورو في ألمانيا.

وفي حال ساهم في الشركة مستثمرون أجانب وكانت في قطاعات تُصَنف على أنها هامة كقطاع البناء، فإن الهيئة العامة للاستثمار السعودية (SAGIA) يمكنها رفع الحد المذكور إلى20 مليون ريال سعودي أو ما يعادل حوالي 4.8 مليون يورو.

ومن المؤكد أن هذا مبلغ كبير يحد من تأسيس الشركات المتوسطة والصغيرة وخاصة من قبل المستثمرين الشباب أصحاب الأفكار الخلاقة والمبدعة الذين لا تتوفر لديهم الأموال. غير أن الجيد في قانون الشركات السعودي أنه يسمح للأجانب بتأسيس شركات تعود ملكيتها أو ملكية غالبية حصصها لهم، أما في دول أخرى مثل قطر والإمارات فإن ملكية الأجنبي يجب ألا تتعدى 49 % من الحصص. ومن الأشياء الجيدة كذلك تعديل إجراءات التحكيم بحيث يسمح باعتماد اللغة الانجليزية في التحكيم أيضاً بدلاً من حصر ذلك من قبل في اللغة العربية.

وفيما يتعلق بالقوانين والإجراءات الإدارية أيضا يعاني القطاع الخاص من البيروقراطية في الإدارات الحكومية المعنية، لاسيما بسبب كثرة الوثائق والثبوتيات المطلوبة لإقامة المشاريع وتأسيس الشركات.

كما أن البت فيها يحتاج لفترات طويلة تمتد في المتوسط من شهرين إلى ثلاثة. صحيح أن نظام “النافذة الواحدة” يطبق في إعطاء التراخيص، غير أن المشكلة ليست فقط في تحضير الوثائق الكثيرة، بل أيضاً في طلب المزيد منها بشكل مفاجئ ودون أن يكون المطلوب واردا في قوائم شروط الترخيص..

حقيقة يعاني القطاع الخاص السعودي مثل باقي قطاعات الاقتصاد السعودي من نقص الكفاءات المحلية لديه في مختلف المهن، ما يعني النقص في الخبرات والمعارف التطبيقية. وعليه فإنه مضطر للاعتماد على قوة العمل الأجنبية بشكل متزايد على ضوء خطط تنويع مصادر الدخل والقطاعات الاقتصادية.

إن الكثير من الأيدي العاملة الماهرة منها لا تنجذب إلى سوق العمل السعودي لأسباب في مقدمتها القيود التي يفرضها عليها “نظام الكفالة”، المعمول به في السعودية ودول الخليج منذ عقود. وتنتقد منظمات دولية وحقوقية بشكل خاص هذه القيود في مجالات السفر والإقامة وتغيير مكان العمل، مع العلم بأن التسهيلات الأخيرة، التي تم اعتمادها أعفت العامل الأجنبي من موافقة السفر عندما يريد التنقل من منطقة إلى أخرى داخل السعودية.

لابد من عدم المبالغة في تقييم نظام الكفالة، الذي له إيجابيات أيضاً، لاسيما وأن الإمارات ودول الخليج الأخرى الجاذبة للاستثمارات الأجنبية تعتمده كذلك. أن هذا النظام له إيجابيات من بينها أنه يتيح للمستثمرين إبرام عقود عمل أكثر مرونة مع العمالة الأجنبية من ناحية التأمينات والضمانات والأجور مقارنة بمثل هذه العقود مع العمالة السعودية، التي يجب أن تشكل نسبة معينة من العاملين.

الكثير من رجال الأعمال يواجهون صعوبات إدارية وإنتاجية بسبب ضعف كفاءة واندفاع العمالة السعودية للقيام بمتطلبات الوظيفة مقارنة بمثيلتها الأجنبية، كما يحد من انجذاب الأيدي العاملة الماهرة الأجنبية إلى سوق العمل السعودي.

وترى د. فوزية البكر أنه من غير المنطقي أن نطلب من الحكومة وقف خدماتها للمواطنين لكي يتكسب القطاع الخاص؛ المفترض من القطاع الخاص أن يقدم خدمه متميزة تجذب المواطن وتجعله يفضل القطاع الخاص ويدفع له مختارا.

أما د. خالد بن دهيش فيرى أنه لابد لنا من معرفة لماذا تلجأ الحكومة لتأسيس شركات قد تنافس القطاع الخاص ، هنا سأتحدث عن تجربة عايشتها بوزارة التعليم ، فعندما تحصلت الوزارة على موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله رحمه الله على تخصيص تسعة مليارات ريال لتطوير التعليم تكونت لجنة تنفيذية من عدة قطاعات حكومية لتنفيذ المشروع خلال ست سنوات. إلا أن المشروع صادف عدة عقبات في تنفيذه منها الالتزام بأنظمة المنافسات والمشتريات الحكومية وغيرها من أنظمة حكومية التي تقود إلى سلسلة من الإجراءات التي تعيق تحقيق أهداف المشروع في المدة المحددة ، إضافة إلى احتمال تقدم شركات غير مؤهلة لتنفيذ المشروع. لذلك تم اللجوء إلى إنشاء شركة حكومية لتطوير التعليم يملكها صندوق الاستثمارات العامة لتكون الذراع التجاري للوزارة لتنفيذ المشروع . مما تقدم يتضح سبب اللجوء إلى إنشاء شركة للابتعاد عن عوائق التنفيذ لتحقيق أهداف المشروع من بناء مناهج دراسية لجميع المراحل الدراسية وتدريب نصف مليون معلم ومعلمة وفق احتياجات المناهج المطورة و تجهيز المدارس وعددها يقرب ٣٥ ألف مدرسة بها أكثر من ٢٠٠ ألف فصل دراسي إلى جانب تهيئة المدراس بكافة مستلزمات المناشط المدرسية وأن تكون أندية للأحياء تفتح بعد دوام المدارس.

لذلك لابد لنا من أن مراجعة الأنظمة وتكيفها بما يتناسب مع برنامج التحول الوطني ، والتحول من الإدارة الحكومية إلى إدارة الأعمال ، ونأمل أن يركز برنامج التحول الوطني إلى تعديل وتطوير التشريعات الحكومية وإعادة الهيكلة التنظيمية للأجهزة الحكومية مع تطبيق مبادئ الشفافية والنزاهة وحُسن اختيار الكفاءات المؤهلة لإدارة المرحلة القادمة.

وأضاف د.عبدالله بن صالح الحمود أنه إذا ما تحدثنا عن ما ذهبت إليه الورقة الرئيسة والتي اختصت حول منافسة القطاع العام للقطاع الخاص ، فلا أعتقد أن هناك منافسة للقطاع الخاص بالمفهوم الشامل للمنافسة ، فإن كان الاعتقاد للمنافسة هو إنشاء القطاع العام لشركات خاصة يهدف منها خروج بعض أفرع القطاع العام من دائرة النظام البيروقراطي في تسيير وسرعة اتخاذ القرارات داخل بعض تلك المصالح الحكومية وهو هدف للرفع من درجة الخدمات المقدمة للجمهور فهو أمر حسن ولا يعبر ذلك بالضرورة عن منافسة للقطاع الخاص ، وأنا أتحدث هنا كأحد أعضاء القطاع الخاص ولست منظر فحسب .

بينما إن كانت هذه الشركات الحكومية أنشئت لغرض الاستثمار الصرف وليس لأهداف سرعة إنجاز المشاريع المتعلقة بأي مصلحة حكومية وأخرى ، فذاك شيء آخر ولا يمكن قبوله لأن أي حكومة هي في غنى عن المتاجرة المباشرة أو حتى منافسة المواطن أو القطاع الخاص عامة.

كما أن الرؤية المستقبلية للسعودية نحو رؤية 2030 وقبلها برنامج التحول الوطني 2020  ، كل ذلك لاشك أنه يتنافى مع دخول القطاع العام منافسا للقطاع الخاص.

ولعلنا على الدوام أن نركز الاهتمام نحو الحفاظ على دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة تلك التي تشكل ما نسبته أكثر من 50 % من المناشط الاقتصادية في أي دولة والسعودية على وجه الخصوص؛ نظرا لاتساع الرقعة الجغرافية للملكة العربية السعودية بحكم أنها دولة مترامية الأطراف وتنتشر فيها هذه المنشآت على نطاق واسع .

والحكومة ممثلة بالقطاع العام عليها بلاشك واجب مستمر في تقديم الدعم والمؤازرة للقطاع الخاص ، وللحق فإنها لا تألوا جهدا في سبيل تقديم القروض والاعانات للقطاع الخاص والمفترض أن تتطور الكفاءة الإدارية لهذا القطاع وهو ما ذكره د. ناصر القعود والذي أشار إلى وجوب التركيز على الاستراتيجيات متوسطة وطويلة المدى وليس الربح السريع ، وليس عيبا أو خطأ نقد الذات فهو اعتراف بالجميل من ناحية ، ونهج لتقويم الأداء من ناحية أخرى.

والمأمول حقا هو التكامل بين القطاعين العام والخاص ، ومن المعيب أن يعمل أحدهما عن الآخر ، فذاك لا يعني للوطن شراكة اقتصادية تصل بنا إلى بناء اقتصادي منشود.

وثمة رأيا قد يكون أساس لتكامل اقتصادي منشود بين القطاع العام والخاص ، وهو وإن كانت مفردة تنافس مفردة لغوية حقيقية لا مفر من ذكرها لإعطاء المعنى الحقيقي لتبيان أصل المشاركة التنموية بين القطاعين للوصول إلى تنمية اقتصادية مستدامة.

إلا أنه وفي الوقت نفسة لعلنا نسميها جدلا بالشراكة التنافسية لبناء اقتصاد واعد ، حتى لا يكون للتنافسية مفهوم أن هناك تسلط من قطاع على اخر .

وهنا لإيجاد دور اقتصادي فاعل نحو شراكة تنافسية يتأمل منها بلوغ تنمية اقتصادية مستدامة لابد لنا ابتداء أن نؤمن أن القطاع الخاص يمتلك المعرفة والخبرة في إدارة المشروعات التي يعتبر عنصر الوقت فيها أداة إنجاز تستند إلى تقليل المدة الزمنية اللازمة لتنفيذها، والذي بدوره سيحسن من موقف الإدارة العامة التي تعاني من بطء التنفيذ ،  كما أن توفر رأس المال المباشر للقطاع الخاص يساعد في تخفيف القيود المالية التي يعاني منها القطاع العام، ويعمل كذلك على استثمار القيمة المضافة التي توفرها له المرونة المالية ليعمل في إطار تحسين القدرة الإدارية والمالية للقطاع العام.

وهنا يمكننا القول أن الرؤية الاستراتيجية تقتضي بأنه بات على الجميع الإيمان بمبدأ الشراكة بين الجميع للخروج من دائرة الهيمنة إلى رحابة المنافسة والتكاملية في تنفيذ برامج اقتصادية في إطار التنافسية المحققة للجودة الكلية للمشروعات الوطنية.

إن توافر ثقافة مجتمعية داعمة للشراكة، ودمج الاهتمامات الفردية بالاهتمامات العامة للمجتمع في تصور واقعي مشترك للشراكة مبني أكثر من طرف تنافسي واحد ،  كل ذلك يُتيح آفاق أكثر للشراكة والتكامل بين القطاعين العام والخاص.

وأخيرا يمكننا القول أن ضمان نجاح الشراكة لا يقتصر على التشريعات والأنظمة فحسب ،  إنما يشمل مفهوم الحوكمة فكلاهما له أبعاد متعددة ذات جوانب إدارية وقانونية واقتصادية واجتماعية تلتقي في نقاط مشتركة مستندة إلى مبادئ الشفافية والإفصاح والمساءلة وتحديد المسؤوليات والحقوق المتساوية للمستفيدين لرفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة، وتحقيق الجودة الكلية التي تضمن التنافسية والريادة.

قراءة 174 مرات آخر تعديل على الإثنين, 10 نيسان/أبريل 2017 12:18

أضف تعليق


كود امني
تحديث