الأخبار
الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:32

التقرير الشهري الرابع عشر

قيم الموضوع
(0 أصوات)
التقرير الشهري الرابع عشر
تحميل المرفقات :

شهر مايو 2016م

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر مايو 2016م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • العلاقات السعودية الأمريكية : نظرة مستقبلية
  • الحوار المجتمعي حول برنامج التحول الوطني
  • النخبة في المجتمع السعودي وكيف تتشكل ودرجة تأثيرها
  • ترتيب المملكة في تقارير حرية الصحافة

محتويات التقرير

المحور الأول: العلاقات السعودية الأمريكية : نظرة مستقبلية

  • الورقة الرئيسة: أ. أسامة نقلي
  • التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف
  • التعقيب الثاني: د. فهد العرابي الحارثي
  • التعقيب الثالث: م. حسام بحيري
  • المداخلات حول القضية:
  • تشخيص الواقع الراهن للعلاقات السعودية الأمريكية
  • محددات مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية
  • شبكات التواصل الاجتماعي ومستقبل العلاقات السعودية الأمريكية

المحور الثاني: الحوار المجتمعي حول برنامج التحول الوطني

  • الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني
  • التعقيب الأول: م. أسامة كردي
  • التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا
  • التعقيب الثالث: أ. خالد الحارثي
  • المداخلات حول القضية:
  • ما هو الحوار المجتمعي؟
  • رؤية المملكة 2030: ردات الفعل والأوجه المتضمنة
  • تحديات برنامج التحول الوطني
  • التحول الوطني وقضية المرأة
  • مقترحات عملية لضمان نجاح برنامج التحول الوطني

المحور الثالث: النخبة في المجتمع السعودي وكيف تتشكل ودرجة تأثيرها

  • الورقة الرئيسة: د. خالد الرديعان
  • التعقيب الأول: د. عبدالسلام الوايل
  • التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا
  • المداخلات حول القضية:
  • حول مفهوم النخبة؟
  • تصنيفات النخب والإشكالات المتضمنة
  • عندما تتحول (النخبة) إلى (غوغاء) !
  • النخب والمناطقية

المحور الرابع: ترتيب المملكة في تقارير حرية الصحافة

  • الورقة الرئيسة: د. إبراهيم البعيز
  • التعقيب الأول: أ.د. عبدالرحمن العناد
  • التعقيب الثاني: د. فايز الشهري
  • التعقيب الثالث: أ. مسفر الموسى
  • المداخلات حول القضية:
  • حرية الصحافة والإعلام: المعوقات والإشكاليات ذات الصلة
  • آليات تحقيق حرية الصحافة والإعلام المنشودة

المحور الأول

العلاقات السعودية الأمريكية : نظرة مستقبلية

الي أعلي

الورقة الرئيسة: أ. أسامة نقلي

  • بدأت العلاقات السعودية الأمريكية على المستوى الشعبي في الثلاثينات، عندما حصلت شركات البترول الأمريكية على امتيازات للتنقيب عن البترول. وذلك قبل تدشينها رسميا في عام 1942م عندما تمت إقامة تمثيل دبلوماسي عبر إنشاء مفوضية أمريكية دائمة مقرّها جدّة.
  • ودلالة هذا الأمر، أن العلاقات أصلا قامت على أسس دعم وتنمية المصالح المتبادلة بين البلدين، في ظل عدم وجود روابط اللغة أو الدين أو الثقافة أو غيرها.
  • من هذا المنطلق أصبحت العلاقة مؤسساتية، بالمفهوم الحقيقي لكلمة مؤسسي، لم يؤثر فيها التغييرات المتعاقبة للقيادات في البلدين، رغم كل العواصف التي مرت بها المنطقة والعالم خلال سنوات العلاقة.
  • بل وانتقلت العلاقة من مفهومها المؤسسي إلى المفهوم الاستراتيجي، لتوثيق التعاون المشترك في العديد من المجالات، وبشكل مباشر بين مؤسسات الدولتين في المجالات النفطية، والدفاع، والأمن، والاستخبارات، والاقتصاد، والسياسة وغيرها من المجالات.
  • للأسف فإن المحللين للعلاقات الثنائية بين البلدين، دائما ينظرون إليها من منظور ضيق، بمعزل عن الصورة الكاملة لهذ العلاقة الاستراتيجية، ويستندون في ذلك إلى الخلاف حول قضية بعينها، بمعزل عن الاتفاق في قضايا لا تقل أهمية.
  • وحقائق الأمور تدل أن العلاقات على مستوى التعاون الثنائي في العديد من المجالات تسير بشكل جيد بل ومتطور، وحرص مستمر على تعزيزه وتطويره.
  • وفيما يتعلق بالقضايا السياسية، فهناك اتفاق تام على معظم القضايا في المنطقة والعالم، وتظل القضية الخلافية الوحيدة هي القضية الفلسطينية، وحتى في هذه القضية هناك توافق على أهداف إقامة الدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين.
  • وفيما يتعلق ببقية القضايا السياسية، وفيما يبدوا أنه خلاف، هناك اتفاق تام على الأهداف، ومن ذلك قضية سوريا والعراق واليمن وليبيا، والإرهاب، ويكمن الخلاف في التكتيك أو المنهج، واختلاف التكتيك أو المنهج قائم حتى في مجلس التعاون والجامعة العربية والتعاون الإسلامي. إلا أن الفارق الوحيد هو أن الثقافة السياسية الأمريكية تتحدث عنه علنا، بينما الثقافة العربية تفضل حله داخل أروقة الاجتماعات.
  • ففي سوريا على سبيل المثال جميعنا متفقين على ضرورة رحيل الأسد لحل الأزمة، والاختلاف بين تغليب الحل السياسي والحل العسكري، ونحاول علاج هذه المسألة عبر الحوار والتنسيق والتشاور المستمر في ظل التعقيدات الدولية التي تكتنف الأزمة.
  • ومن الملاحظ أنه رغم صدور بيانات مشتركة عن اللقاءات بين الجانبين، إلا أن صحافة العرب تصر دائما على إثارة الشكوك حولها، وتتعامل معها وفق نظرية المؤامرة، تعاملها مع بيانات الجامعة العربية التي فقدت مصداقيتها لعدم التزام الدول بها.
  • إلا أنه يغيب عن ذهن المحلل العربي أن البيانات التي تشارك فيها الولايات المتحدة تعتبر وفق الدستور الأمريكي التزاما قانونيا في السياسة الأمريكية، وكذلك الحال بالنسبة لتصريحات الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته.
  • ولابد هنا من التنويه إلى أن ما يسمى بـ (عقيدة أوباما) لا تخضع لهذا المعيار، حيث أن كلمة (عقيدة) تعني رأي شخصي لرئيس الولايات المتحدة لا يلزم الإدارة الأمريكية، خصوصا وأنه صدر في شكل مقال (فيتشر) وليس بتصريحات رسمية صادرة عن البيت الأبيض في بيانات رسمية أو مؤتمر صحفي، ولم تكن في شكل سؤال وجواب.
  • إن هذه الرؤية الشخصية ليس من شأنها قيام الإدارة في الفترة المتبقية لها باتخاذ أي سياسات ملزمة للإدارة الأمريكية المقبلة، أو مربكة لحظوظ المرشح الديمقراطي في الحملة الانتخابية. وهو تقليد متبع في جميع الإدارات الأمريكية السابقة.

التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف

مرت العلاقة بين البلدين بعدة مراحل منذ نشأتها وحتى الآن. إلا أنها خاضت وتخوض فترات من التوتر المتوقع نظراً لاختلاف وجهات النظر في بعض القضايا وعلى رأسها القضية الفلسطينية!! هذا الاختلاف نابع من مرتكزات كل من الدولتين بما فيها من دينية وجغرافية وحضارية… الخ. ومع ذلك ظلت هذه العلاقة في متانتها على مدى عقود بين مد وجزر على حسب الإدارات الأمريكية سواء الجمهورية أو الديمقراطية!!

غير أنها تبدو أكثر توطداً أثناء الإدارات الجمهورية مثل عهد نيكسون وريغان وبوش الأب والابن أيضاً.. وبخلاف ذلك يعتريها الفتور الملحوظ إبان الإدارات الديمقراطية.

سأقدم الحديث عن العلاقة الثنائية بين البلدين وتفاؤلي غير الحذّر من ذلك ومن ثم أستعرض المستندات لهذا الطرح!!

أما ما نشهده حالياً من فتور فلا يعدو أن يكون مرحلياً تتحكم فيه عدة أمور ومن أهمها الانتخابات الأمريكية حيث يتنافس الكل على أصوات الناخبين عموماً !!

وأخذنا بعين الاعتبار ضحالة الوعي العام  للشعب الأمريكي عن كل ما هو أجنبي واعتبار أمريكا هي محور العالم فقط فلا غرابة لما يحدث الآن من تنازع في الآراء بل يصل الحد إلى العنصرية في الطرح لكل ما هو خارج المألوف (ترامب كمثال!)

ولكن كما ذكرت فهذا لا يؤثر كثيراً على العلاقات المتينة بين البلدين فهي علاقة مؤسساتية وليست شخصية!!

ومتفائل جداً بعودتها إلى سابق عهدها أو أقوى ولكن بعد الانتخابات وحتى لو كان الفائز دونالد ترمب !!  فهنا تنطبق مقولة كلام الليل يمحوه النهار حرفياً!!

والأن سأناقش مستندات هذا الطرح من عدة جوانب:

  • مركز المملكة في المنطقة يحتم على أي دولة مراعاة مركز المملكة الجغرافي من العالم كبوابة تفصل بين الشرق والغرب.
  • ثقل وزن المملكة الإسلامي وأهميتها كحاضن للحرمين الشريفين وقبلة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
  • الزعامة الإسلامية لما لا يقل عن سدس سكان المعمورة.
  • مخزون النفط الخام والتحكم بسوق الطاقة عالمياً والخبرة الاقتصادية التراتبية في هذا المجال على مدى ثمانون عاماً.
  • أضحت المملكة (كما يبدو للمتابع الأجنبي) بين ليلة وضحاها ذات موقع سيادي ومرموق في العالم ككل وليس فقط الإسلامي!!
  • أضحت المملكة لا تعتمد على إملاءات الدولة الأقوى في العالم اليوم ولكن تتبع مصالحها وبكل شجاعة واقتدار مما يزيدها احتراماً بين الأحرار من الدول أو غيرة وحسداً من الدول الأقل شأناً في المنطقة وهذا طبيعي جداً !!
  • سياسات المملكة في الخمس سنوات الماضية تنم عن نمو سريع وإدراك للأدوار الإقليمية والعالمية في الصناعة السياسية ولا يمكن بأي حال انتقاص دورها المحوري في المنطقة وفضل سعود الفيصل في ذلك (رفض المملكة لكرسي مجلس الأمن حتى إعادة هيكلته موقف جريء جداً تهابه دول غربية تعتبر أكبر ثقلاً من السعودية كمثال!!)
  • عاصفة الحزم وضجيجها فاجأ الولايات المتحدة وأزعجها لأنها لم تعلم عنه مسبقاً !!
  • مناورات رعد الشمال أدهشت العالم بنفوذ المملكة على المستوى العربي والإسلامي سياسياً في تحريك عشرون دولة وتجمعها في بقعة صغيرة في غضون أسابيع قليلة!!
  • وما التحالف الإسلامي ضد الإرهاب والذي دعت إليه المملكة وحققته إلا دليل أخر على مدى قوة تأثير المملكة على الساحة العالمية ولا تستطيع الولايات المتحدة إغفاله بل العكس فمؤداه احترام لهذه الدولة التي طالما نأت بنفسها عن الخوض في سياسات غيرها من الدول إلا حين تمس مصالحها!!

ما تمر به العلاقة حالياً لا يعدو كونه فقاعات انتخابية للاستهلاك المحلي فقط ولا تلبث أن تزول بزوال فترة الانتخابات وبنفس السرعة التي ظهرت بها !!

ولا أنسى ما ذكره لي نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق على مائدة عشاء جمعتني معه والسفير الأميركي السابق والكر بمطعم بجورج تاون بداية يناير ٢٠١٥ حين صرح : “الواضح أن المملكة شقت طريقها بعيداً وخرجت من تحت العباءة الأمريكية مؤخراً !!”  في إشارة واضحة إلى مواقف السعودية في عدة أمور ومنها سوريا منذ ٢٠١١.

نستطيع أن نقول أن مستقبل العلاقة السعودية الأمريكية يمر بمرحلة طبيعية جداً ومتانة العلاقة على مدى أكثر من سبعون عاماً يجعلها علاقة استراتيجية بامتياز ويمكن الطرفين من اجتياز هذه المرحلة بكل اقتدار !!

التعقيب الثاني: د. فهد العرابي الحارثي

منذ البدء أعلن اختلافي مع سعادة السفير أسامة نقلي فيما تطرق إليه من تصوير العلاقة السعودية-الخليجية-الأمريكية ، وهو رجل ديموقراطي يؤمن بالتعدد وبحق الاختلاف.

 فبالنسبة إليّ شخصياً ما زلت أعتقد بأن الأمريكيين يرون أن السعودية والخليج ليسوا سوى مجرد ” محطة بنزين ” مهمة ، ولكنها غير مأمونة الجانب. وفي الوقت الذي سيجد فيه الأمريكيون من ( أو ما ) يغنيهم عن هؤلاء ” القوم ” من البدو الخطيرين على أمن العالم فإنهم سيلفظونهم كأي شيء عصيّ المذاق !

لقد فطرني الله ، و له الحمد والمنّة ، على الاسلام وعلى عدم الثقة في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في أي مكان من هذا الكون ! وهذه الفطرة ربما تكون مبنية على تاريخ أمريكا الأسود في علاقاتها بما هو خارجها عدا إسرائيل ( وقد ألفت في ذلك كتاباً كاملاً  ) فأمريكا لا تبني علاقاتها الاستراتيجية على المشاعر ” الأخوية الطيبة ” وإنما على المصالح  ( المحسوبة خطأ في أحايين كثيرة ) فأمريكا ينتاب عقلها السياسي بعض ” الرعونات ” على الرغم من هالة ” مخازن الأفكار” التي تزخر بها في جامعتها ومعاهدها ، وهي تزعم أن تلك المراكز تسيّر أو ترشّد سياساتها ، والواقع أحيانا خلاف ذلك. فكيف يمكن فهم الانحيازات الأمريكية تجاه إيران في الوقت الذي يلقي فيه الخليجيون والسعوديون تراتيل الولاء والحب العجيب للشريك التاريخي الاستراتيجي في الشمال الأقصى للكرة الأرضية .. أي أمريكا العظيمة ذاتها التي لا نفتأ نتحدث عنها بدون انقطاع ، وكأنها الضامن لجنّتنا في الدنيا ولجنّتنا في الآخرة ؟!

المسألة بالنسبة إلى أمريكا في غاية السهولة :

فإيران الغاية منها التوقف عن إنتاج السلاح النووي من أجل أمن إسرائيل .

والسعودية والخليج الغاية منهم الانخراط في محاربة داعش والإرهاب .

وكل ذلك ( في حالة إيران وغير حالة السعودية والخليج ) هو من أجل حماية المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى فحسب .

ثم أن السياسة الأمريكية في المنطقة أضحت أكثر وقاحة و أبلغ صفاقة ، ففي الوقت الذي يشن فيه أوباما شخصياً هجوما على السعودية ، وهو هجوم يفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والحكمة ، بل إنه تنقصه بشكل فاضح الحصافة السياسية ، يأتي فخامته إلى المنطقة مظهراً في زيارته هذه أن لقاءه مع الخليجيين مجرد ” متطلب ” سياسي غير ملزم ” و زيارته لا تضيف شيئا إلى مستقبل العلاقة مع السعودية والخليج .

لا أظن أن من المناسب أبداً تبسيط مستقبل العلاقة مع أمريكا ” الجديدة ” ، فهي علاقة تبدو أكثر سلبية وأكثر تعقيدا ، وبالإضافة إلى الأوضاع المتردية سياسيا وأمنيا في المنطقة فإن السياسات الأمريكية الحالية في المنطقة هي التي أغرت إسرائيل بالخروج علنا أمام العالم والقول بأنها لن تفرط من جانبها في الجولان ، ضاربة عرض الحائط بكل القرارات الدولية ، وبكل مشروعات السلام التي ظلت دائما متعثرة ، وليس هناك من شريك لهذا التعثر في مشروعات السلام غير أمريكا نفسها . بل قد نعتقد أن الظروف القائمة حاليا في سوريا (داعش ، النصرة ، مقاومة سقوط بشار) إنما وجدت من أجل أن تخرج إسرائيل بهذا الموقف المستفز المهين لكل العرب ! ومن القرائن التي تقود إلى مثل هذا الاعتقاد أننا لم نسمع أي اعتراض أمريكي على تصريحات نتنياهو فيما يتعلق بالجولان !! أليست أمريكا هي راعية السلام في الشرق الأوسط ؟ وأليس أوباما ” المِرْوِح ” هو من وعد بدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة قبل عدة سنوات ؟!

هذه الأمريكا التي يدافع عن شبهاتها السذج والبسطاء هي التي خلقت الدولة الهشة في العراق وليبيا ، وهي التي هيأت للفوضى في سوريا ، وهي التي أسهمت ، على الأقل ، في خلق بؤر الإرهاب في المنطقة ( وفي مقدمتها داعش والنصرة ) وهي التي سهلت للحوثيين مستقبلهم من أجل محاربة” القاعدة” .. أي حمق هذا ؟!

إيران في هذا المخاض كانت أكثر دهاءً منا ، فهي عرفت قواعد اللعبة فعملت على إنشاء فرق الضغط في الدوائر الأمريكية الملهمة لصناعة القرار ، وهي اخترقت مراكز الأبحاث والدوائر المؤثرة في الرأي العام ، فحولت أحد عناصر ” محور الشر ” في هذا العالم إلى حليف المستقبل الذي لابد أن يصبح شريكاً في رسم مستقبل المنطقة برمتها .

وما بين إسرائيل وإيران أين يرى العرب اليوم موقعهم من وجدان أمريكا اللعين ؟!

التعقيب الثالث: م. حسام بحيري

السعودية وأمريكا دولتان تتمتعان بعلاقات طويلة ووثيقة، وعلى مدى العقود الطويلة أصبحت هذه العلاقات متشابكه لدرجة معقدة؛ حيث أن الدولتين تعتمد على بعضها في عدد من المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية وعدة مجالات أخرى ولكن مع مرور الوقت وتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية كان لابد من تغيرات أن تطرأ على هذه العلاقة.

في الدول الديموقراطية المتقدمة الثقافة الاجتماعية والسياسية أصبحت مثل حديقة المنتوجات العضوية التي تنتج محاصيل جديدة لا يعلم تماما ما هو طعمها الحقيقي، وأصبحت حياتهم في تغير دائم ومستمر، الأمور التي لا يمكن تقبلها في الماضي في مجتمعاتهم التقليدية أصبحت تقبل وتحترم وتقنن, الأوضاع التي نعيشها اليوم مختلفة تماما عن الماضي الذي عهدناه في علاقاتنا مع الولايات المتحدة, في العقدين الماضيين حصلت تغيرات كبيرة في الدول الديموقراطية المتقدمة مثل أمريكا وبريطانيا أهمها هو التحول من الديموقراطية السياسية إلى الديموقراطية الاقتصادية, مع دخول عصر الكمبيوتر والانترنت في الاقتصاد الدولي وتسهيل حركة نقل الأموال بين الدول تحولت القوة السياسية الحقيقية إلى المؤسسات المالية والشركات متعددة الجنسيات ومن خلال القوى الاقتصادية تتكون القوى السياسية التي أصبحت المحرك الرئيس لرسم سياساتهم المستقبلية؛ لأنه أهم مؤشر لقراءة آراء واتجاهات شعوبهم, مدراء البنوك ورؤساء الشركات هم اليوم أصحاب القوة الحقيقية في رسم القرارات المستقبلية في سياسات دولهم وتطور علاقاتنا المستقبلية معهم لابد أن تكون من خلال تكوين شراكات اقتصادية قوية في عدد كبير من المجالات ليصبح الاعتماد الاقتصادي على علاقاتهم مع السعودية أهم من الجانب السياسي مثل ما يحصل مع الصين والولايات المتحدة حاليا. أسلوب علاقاتنا مع الدول المتقدمة ديموقراطيا مثل أمريكا لم يتغير مع الزمن وظل جامدا، مازلنا نعتمد على العلاقات الشخصية مع رجال سياسة دورهم في اتخاذ القرار داخل دولهم  يضمحل مع السنين وأصبحوا غير فاعلين في اتخاذ أي قرارات سياسية مهمة تصب في صالح علاقاتنا معهم.

الإعلام الأمريكي على مدي سنيين طويلة نجح في تلقين المجتمع الأمريكي نظرة سيئة وسلبية جدا عن المملكة واليوم هم في اقتناع كامل أن السعودية التي هي مسقط رأس بن لادن والخمسة عشر إرهابيا الذين قاموا بتدمير مركز التجارة العالمي، دوله قادمة من العصور الوسطى يسكنها شعوب همجية متخلفة متطرفة دينيا ممتلئين بأموال البترول التي تصرف في نشر الإرهاب حول العالم. هذا أثر كثيرا في مواقف السياسيين الأمريكيين خصوصا المنتخبين من الحزبين والذين أصبحوا اليوم لا خيار لهم إلا مواجهة السعودية على جميع الأصعدة؛ فأصبح من الصعب والمكلف جدا تغيير هذه النظرة السلبية عنا في عقلية المواطن الأمريكي. أما بخصوص الموقف الرسمي الحكومي الأمريكي فهو يختلف في نظرته عن السعودية في عدد من العوامل أولها أن هناك مدرسة سياسية جديدة في البيت الأبيض تتبع سياسة انكماشية بسبب الضغوط الاقتصادية وخروجها من حقبة حروب طويلة في منطقة الشرق الأوسط استنزفت مواردها و ترى أن دور أمريكا في العالم ليس التدخل عسكريا في مشاكل إقليمية أو نشر الديموقراطية وفرضها على دول العالم كما سبق في حقبة المحافظين الجدد التي استمرت في عهود الرؤساء ريجان و جورج بوش الأب والابن، هذه المدرسة ترى أن أي تدخل عسكري لابد أن ينحصر في الدفاع عن الأنظمة الديموقراطية الحليفة أو الدول التي لها أهمية استراتيجية في توازن السلام العالمي مثل السعودية لأن الديموقراطية أثبتت أنها ليس الحل الأنسب سياسيا  لعدد من الشعوب وأثبت فشلها في روسيا وتايلاند وفنزويلا والفلبين ومصر والعراق و نستطيع أن نرى وجهها السيئ في الولايات المتحدة بصعود اليمين المسيحي المتطرف المناهض للإسلام وسيطرته على الاتجاه السياسي الأمريكي للحزب الجمهوري الأمريكي واعتماد لغة معادية ومواجهة للإسلام والمسلمين من قبل مرشحين الحزب الرئيسين ترامب وكروز على الرغم من أن احترام الأديان وحق العبادة يعتبر إحدى أهم القيم الدستورية الأمريكية. العامل الآخر هو سياسة تقليل الاعتماد على السعودية لأن الأوضاع الحالية في المنطقة تغيرت كثيرا وأصبحت تنظر إلى المنطقة من منظور مختلف تماما؛ السعودية بالنسبة لهم ليست مهمة كما كانت في السابق بسبب تقليل اعتمادهم على استيراد النفط وعدم حاجتهم للسعودية لاحتواء أعدائها القدامى في المنطقة مثل ايران والعراق. أمريكا تهتم بالسعودية ولازالت في حاجتها ولكن لن تعاملها كما كانت في السابق هم يدركون أنه يوجد عدد من الأوضاع الاستراتيجية التي لا يمكن التخلي عنها بسهولة مثل التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب والاقتصاد والتبادل التجاري لكون السعودية واحدة من أكبر 20 اقتصاد بالعالم واستمرار التعاون العسكري الذي يصب أموال هائلة في اقتصادهم, السعودية لوحدها ضخت أكثر من نصف تريليون دولار خلال العشرون سنة ماضية في صفقات التسليح وهذه الأموال تساهم مساهمة مباشرة في تمويل برامج الأبحاث والتطوير العسكرية، ولا يوجد  أي دوله أخرى أجنبية بديلة تستطيع ضخ هذا الكم من الأموال في صناعتهم العسكرية, بالإضافة إلى عامل الطاقة الذي لازال يلعب دور كبير حتى وإن قل اعتمادهم على استيراد النفط من الخليج؛ فالسعودية مازالت تحتل مكانا مركزيا بين منتجي النفط في العالم وتأثيرها مستمر, النفط الروسي لن يكون بديل للنفط السعودي ويرجع ذلك جزئيا إلى أن تقنيات استخراج النفط أثناء الحقبة السوفيتية قد دهور الاحتياطيات المتبقية ولا يمكن مقارنتها بالاحتياطيات السعودية ولذلك ليس لهم اختيار إلا بالاستمرار بالتعامل معنا في مجال الطاقة.

مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية سيختلف عما كان في الماضي ولابد من استحداث إطار عمل جديد في علاقتنا مع الولايات المتحدة مبني على تحديد العلاقة كشراكة استراتيجية تقوم على المصالح المشتركة بدلا من أن تكون الصداقة على أساس القيم والصداقات المشتركة, استثمارنا في أمريكا على مدى العقود الماضية أتى بنتائج سلبية ونحن دوله كبيرة عندها اختيارات تستطيع ممارستها وفرضها على الواقع, السعودية لابد من أن تأخذ بزمام الأمور وتلعب دورها الطبيعي في منطقتها؛ هي أكبر وأهم قوى عربية في منطقة الشرق الأوسط ولابد من أن تتوسع كثيرا في السيطرة على أوضاع منطقتنا المتدهورة سياسيا واقتصاديا وعسكريا بحيث يصعب تعامل أي دولة غربية كانت أو شرقية في المنطقة بدون اللجوء إلينا، وبداية رسم سياسة اقتصادية جديده تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة والتوسع في التبادل التجاري مع دول أهملناها طويلا بسبب تفضيلنا الدائم لأمريكا ومنتجاتها التجارية والعسكرية والنظر بجدية من فائدة بقاء احتياطياتنا المالية الهائلة الكامنة في البنوك الأمريكية والتي تفيد اقتصاداتهم وسياستهم التي أصبحت تستخدم ضدنا بدون لعب أي دور في تقدم عجلة التنمية والاقتصاد ببلادنا والبدء في استثمار هذه الاحتياطيات في اقتصادات دول صديقة عربية وإسلامية وآسيوية أو حتي في أمريكا الجنوبية حيث يوجد الكثير ممكن تقدمه لنا في عدد من المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية. فإذا كانت الولايات المتحدة لا ترى أهمية السعودية كحليف استراتيجي رئيسي لها في المنطقة فهذه النظرة لا تتوافق مع اتجاه دول كبرى أخرى في العالم والتي تحاول جاهدة من عقود طويلة بأخذ حصة في أسواقنا الاقتصادية ونصيب من صفقاتنا العسكرية ولم تستطع لأن أمريكا كانت العائق أمامها بسبب انفتاحنا غير المحسوب عليها وتفضيلها عن بقية دول العالم إلى أن أصبحت منتجاتها مسيطرة على حصص سوقية كبيرة في عدد ضخم من المنتجات التي نستخدمها في حياتنا اليومية, وفي نفس الوقت أمريكا إذا لم تعاملنا كما ينبغي أن نعامل فهي أيضا فقدت أهميتها بالنسبة لنا فليس لديها أي شيء إضافي تقدمه لنا لا تقدمه دول أخرى عديدة في العالم تحترم أدياننا وطريقة حياتنا وتقبلنا كما نحن.

المداخلات حول قضية: (العلاقات السعودية الأمريكية: نظرة مستقبلية)

  • تشخيص الواقع الراهن للعلاقات السعودية الأمريكية

أوضح د. فايز الشهري أنه ومع اتفاقه مع من لايزال يرى أن العلاقات مع الأمريكيين تعززها المصالح ورعايتها إلا أن هناك متغيرات تفرض واقعها على الأمريكيين كمجتمع ونظام رأسمالي نفعي:

  • أولا: محدد العلاقة بيننا هو العداء للشيوعية وقد انتهت ثم النفط وهو في أفول ثم أمن إسرائيل التي أصبحت واقعا.
  • ثانيا: أن مشاركة 15 سعوديا في 11 سبتمبر سبب جرحا دفينا وهذا أوان دفع الفاتورة.
  • ثالثا: أن الخيار الأمريكي الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة تحول إلى قوى أخرى ويشمل ذلك قوى جديدة حتى داخل الدول العربية  نفسها.
  • رابعا: أن الاتهام الفكري والسياسي الأمريكي الراسخ هو مسؤولية (الوهابية) السعودية عن تغذية الفكر الجهادي وبروز منظمات متطرفة.
  • خامسا: لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة يصبح العداء المباشر للإسلام كرتا انتخابيا رابحا عند كلا الحزبين.

وأضاف د. فايز: لست مع خطاب التخدير والركون إلى تقليد سياسي لم تعد فيه حياة، ولا يكفي بأن نقول بأنها عاصفة مثل سابقاتها وأن الأمور تمام اتكاء على ماض من المصالح التي فقدت طاقتها وأذنت شمسها  بالغروب.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أنه و فيما يخص العلاقة بين الدول عموما فإنها يجب أن تكون مبنية على المصالح وليس العاطفة.. وأن نكون عقلانيين في علاقاتنا مع الغير..  ونبني العلاقة على مصلحة ونحيّد العاطفة فهذه ليست علاقة بين عشاق أو فردين أو زعيمين تربطهم علاقة صداقة شخصية.. الذهنية العربية عاطفية وبالتالي نعتقد أن الأمريكان أصدقاءنا بحكم تفكيرنا العاطفي.. هنا يجب أن نخرج من هذا التفكير القديم وأن ننظر نظرة براغماتية.. كل السياسيين يقولون لا يوجد في السياسة صداقة دائمة أو عداوة دائمة.. وبالتالي لم يفاجئني موقف الأمريكان منا في السنتين الأخيرتين.. يفترض أن نسلك مسلكهم ونترك الخطوط مفتوحة مع الجميع تحسبا لتقلبات الزمن وتغير المصالح.

كثيرا ما نردد أن العلاقات السعودية الأمريكية تاريخية وأنها تعود إلى المغفور له الملك عبدالعزيز وروزفلت واللقاء الشهير بين الزعيمين عام ١٩٤٥ بعد الحرب العالمية الثانية.. هذا حدث قبل بروز إسرائيل كدولة عام ١٩٤٨م..

وبالتالي فأمريكا الأربعينات في القرن العشرين ليست أمريكا اليوم فقد تغير تقريبا كل شيء في حين أننا لا نزال ندندن على تلك الزيارة الشهيرة..

إسرائيل متغير أساسي في العلاقة مع أمريكا ولا يمكن فهم العلاقة معها جيدا دون أخذ هذا المتغير في البعد العلائقي.

إسرائيل أهم بكثير من كل العرب بالنسبة للأمريكان فحمايتها وحماية مصالحها أولوية كبرى.

ما أخفقنا فيه كعرب للالتفاف على الأمريكان والغرب عموما هو فشلنا الذريع في عقد صفقة سلام مع إسرائيل لتحييدها ومنعها من التمدد أكثر ومن ثم اقناع الغرب أننا أكثر أهمية لهم من إسرائيل؛ فالنفط من عندنا وموقعنا الاستراتيجي مهم للغاية ولدينا كل مقومات الدولة القوية (كعرب).

وأضاف د. الرديعان قوله: أن معظم الدول العربية غير ديموقراطية وهذه مثلبة لا تساعد على نمو العلاقات بشكل صحيح مع أمريكا والدول الغربية.. بالمقابل لا أحد يستطيع القول أن إسرائيل غير ديموقراطية مهما تحدثنا عن عدوانيتها تجاهنا.. إسرائيل استطاعت أن تقنع الغرب بحججها في حين أننا فشلنا في التعامل مع القضية الفلسطينية ببراغماتية سياسية ومن ثم فقدنا مصداقيتنا كدول لا يجمعها إلا التناحر والشقاق والتخلف والاستبداد السياسي..

لو قبلنا (أقول لو)  بقرار تقسيم فلسطين عام ١٩٤٧ لما وصلنا إلى هذا الدرك من التردي السياسي.. طبعا من الصعب الكلام بصيغة لو؛ فهذا ماضي لكني أردت أن أدلل على تردد العرب كثيرا ومرارا في حسم القضايا الكبرى وتشتتهم.. هم أشبه بركاب سفينة تمخر عباب البحر لكن دون هدف محدد والجميع على ظهرها يختصمون ليس على أين يذهبون ولكن على الإمساك بدفة السفينة…!!

وبدوره قال  أ. عبدالله الضويحي في إطار تشخيص طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية، مع إيماني بدور النفط وبالتالي ” الاقتصاد” في هذه العلاقة إلا أنني توقفت عند نقطة هامة في نظري وحدثين متزامنين:

  • الأول: اللقاء التاريخي الشهير بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي روزفلت عام 1945م الذي كان نقطة تحول في العلاقات السعودية  الخارجية وصفه المراقبون بالذكاء من الملك عندما تخلى عن بريطانيا ” العظمى ” بسبب دعمها لليهود “إسرائيل” لإنشاء دولة لها على أرض فلسطين ويمم شطر دولة بدت تتطلع لقيادة العالم لتستمر العلاقة معها إلى يومنا هذا رغم ما يعتريها من تقلبات لأنها علاقة مؤسسية واضحة الأهداف.
  • الثاني: بعد أقل من شهرين من ذلك اللقاء مات روزفلت وخلفه نائبه هنري ترومان الذي كان قد طالب في اجتماع حاشد في شيكاغو 19433 بوطن لليهود الناجين من النازية وفي تلك الفترة بدأ اللوبي اليهودي تأثيره وقوته في انتخابات الرئاسة الأمريكية ورغم تحذيرات وزير دفاعه جيمس فورستال ووزير خارجيته جورج مارشال من دعم إنشاء وطن لليهود وسط العرب وتخوفهم من تأثير ذلك على علاقاتهم بالدول العربية وذهاب النفط لغيرهم إلا أن ترومان خضع لضغوط القادة اليهود ولنصيحة صديقه وشريكه السابق اليهودي إدي جاكسون واعترف بدولة إسرائيل في 14 مايو عام 1948 بعد أحد عشر دقيقة من وثيقة إعلان قيام دولة إسرائيل.

السؤال المهم: ما هو الرابط بين الحدثين !؟

هل أرادت إسرائيل بهذا التحرك السريع والمتزامن قطع الطريق على علاقة سعودية أمريكية لإدراكها موقف الملك عبدالعزيز آنذاك من قضية فلسطين وتخوفها من دخول النفط السعودي في اللعبة !؟ أم أن الصدفة لعبت دورها !؟

الشاهد في الموضوع أن إسرائيل استثمرت علاقتها وبدأت تنمو داخل مطبخ القرار الأمريكي بل وتؤثر فيه وتضع مقادير الطبخة وتشرف عليها ونحن اكتفينا بذلك الاجتماع وبعلاقة اقتصادية، وأثبت العرب مقولة وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان ” أنهم شعب لا يقرأ ” واكتفوا برفض كل حل يتم عرضه عليه بدءا بقرار التقسيم 1947وإسرائيل تتمدد جغرافيا وهن يتمددون سريريا.

وأشارت أ. مها عقيل إلى أن أمريكا أصبحت تعتبر إسرائيل حليفها الأقرب والاستراتيجي وربطت مصلحتها بها بعد انتصار هاري ترومان في الانتخابات الرئاسية (كان نائب روزفلت وعندما توفى روزفلت أصبح رئيس وخاض انتخابات لم يكن يتوقع أن يفوز بها وهناك صورة مشهورة له صبيحة إعلان النتائج يحمل صحيفة تعلن فوز منافسه لأن فارق الأصوات كان قليل جدا وكانت أصوات اليهود هم الفارق) ومن يومها قوي اللوبي اليهودي وأصبح حاسما في انتخاب الرئيس. نحن المسلمين رغم أن عددنا كبير في أمريكا إلا أننا لا نملك تلك القوة بسبب تشتتنا وتفرقنا. أما بالنسبة لكون أمريكا تعمل لمصلحتها فوق أي شيء فما الضير. كل دولة يجب أن تعمل لمصلحتها أولا فمتى أصبحت أمريكا ترى أن مصلحتها أفضل مع ايران وليس السعودية ولم إذا وكيف خسرت السعودية هذه المكانة إن كانت خسرتها فعلا.

وأضاف م. أسامة كردي: أن أصوات الإيرانيين أصبحت قوية كذلك في واشنطن و نحتاج إلى تواجد أكبر و أوسع في واشنطن عن طرق مختلفة منها مؤسسات المجتمع المدني.

وعلقت أ. مها عقيل بأنهم وحدو أصواتهم وجهودهم واستطاعوا أن يؤثروا على الرأي العام الأمريكي الذي مازال يرى أن ايران الذي أهانهم أمام العالم وأنه بلد يحكمه الملالي، ولكن في نفس الوقت يفرق بين ذلك وأنه بلد له تاريخ وحضارة وشعب متعلم والمرأة لها مكانة رغم أنه مفروض عليها الشادور. كل هذا بعكس السعودية التي لديها image problem تعكسها حقيقة الوضع وخاصة بالنسبة للمرأة وزاد الأمر سوء بعد حادثة ٩/١١.

وقال د. مساعد المحيا: كم أتمنى لو أن خبيرا في طبيعة العلاقة بين أمريكا وإيران يقول لنا أسباب هذا التحول الكبير، فقد كنا لا نسمع إلا أنها هي محور الشر مع كوريا الشمالية..

شخصيا لا أجد أن ذلك يعود لأنها دولة علمانية أو ديموقراطية.. فالتاريخ والواقع يقول أن الأمريكيين يحبون من يجدونه يقدم لهم خدمة أكثر .. لذا أرى أن الأمريكيين حين دخلوا العراق منحو إيران فرصة الاشراف على إدارة العراق؛ فكانت النخب الإيرانية وكذلك النخب الشيعية ذات الولاء الإيراني هي خير من يقدم للأمريكيين ما يريدون ومعروف فتوى السيستاني في عدم مواجهة الأمريكيين أو مقاومتهم ..

لذا فإن نجاح التجربة الباهر هو ما جعل الأمريكيين يدركون أن الإيرانيين هم أفضل من يمكن أن يتسلم قيادة الخليج التي كانت تتمتع بها إبان الشاه.

إيران خضعت وقدمت كل القرابين التي وجدت أمريكا أنها تتسق وما تريده من مصالح .. ويبدو أن الأمريكيين وجدو أن الشخصية الإيرانية والمنتمين لها من العراقيين لديهم الاستعداد أن يلتزموا بما تقره قياداتهم الدينية والسياسية وهذا أحد أسرار الهوى الغربي في تسليمه العراق لإيران.

ومن جهته يرى أ. عدنان المرشد أن العلاقات الحميمية التي امتدت لعقود عديدة بين المملكة والولايات المتحدة كانت قائمة على مبدأ المصالح “فقط” ولا شيء غير ذلك.

ليس للولايات المتحدة علاقات طيبة مع دول كثيرة في العالم ولا تهب لنصرتها أو لنصرة قضاياها إلا في حال وجود مصلحة حالية أو استراتيجية مع تلك الدولة وحال انتهاء تلك المصلحة تنتهي العلاقة و تأخذ شكل العداء في بعض الأحيان.

القوة الإيرانية: صديق ثم عدو ثم صديق، ماذا حدث؟

لم تتغير نظرة أمريكا لإيران إلا عندما استطاعت إيران أن تكون قوية بنفسها خلال فترة نجاد وتتصدر المجالس العالمية والمحاربة الصريحة للغطرسة العالمية والأمريكية والتقدم في برنامجها النووي بكل ثقة. وقتها فقط وجدت أمريكا في إيران حليف قوي يستحق الشراكة.

من الخاسر الأكبر: قد تخسر المملكة في الفترة القصيرة لكن الولايات المتحدة هي من ستخسر على المدي الطويل والساسة الأمريكان يدركون ذلك ويخشون انتقال الحليف لحضن العدو.

واتفق م. حسام بحيري مع ما طرحه د. فهد؛ فأمريكا لا تنظر إلا إلى مصالحها الشخصية ومصالح العدو الصهيوني حليفها الوحيد في المنطقة ولأسباب دينية بحتة. الولايات المتحدة تتهم المسلمين بنشر الإرهاب الديني وهي الدولة التي تخوض جهاد مقدس غير معلن ضد الدول العربية منذ أكثر من ٤٠ عاما ومازلنا نتعامل مع علاقتهم مع العدو الصهيوني كأنها علاقات سياسية واقتصادية وهي أبعد ما تكون من ذلك. إنها إهانة لكل الدول العربية والإسلامية أن تأتي أي قوه في العالم مهما كانت إلى منطقتنا وتبني تحالفات استراتيجية مع الصهاينة من دون أن تكون لها علاقات مماثلة مع دولة أو عدة دولة عربية بنفس المقياس. النوايا واضحة وضوح الشمس ولعل الإعلاميين الشجعان ينتهزوا الفرصة مستقبلا ويسألوا المسؤولين الأمريكيين في مؤتمراتهم الصحفية لأنه لابد من مواجهتهم بهذه الحقائق مرارا وتكرارا وسؤالهم: هل علاقاتها مبنية على المصالح الاقتصادية والسياسية فعليا لأن ميزانيات دول الخليج لوحدها تتخطى ميزانية الكيان الصهيوني بأكثر من ١١ ضعفا وهي أكبر شريك اقتصادي لها في المنطقة، وتاريخيا الدول العربية هي التي ساندت الولايات المتحدة في كل صراعاتها في المنطقة وليس الكيان الصهيوني؛ إذا ما المصلحة من تحالفهم مع الصهاينة الذين يكبدون دافع الضرائب الأمريكي أكثر من ٣ مليار دولار في مساعدات اقتصادية مباشرة وعشرة مليارات دولار سنويا في شكل تسهيلات تجارية.

هل هي بسبب معتقداتهم الدينية البروتستانتية التي تعتبر اليهود أنهم أخيار الله بالأرض، وأن من واجبهم الديني كبروتستانت أن يجمعوا اليهود في أرض الميعاد لتخيرهم أن يدخلون المسيحية و إذا رفضوا ستقوم معركة أرمجدون. وماذا عن عشرات الآلاف من مواطنيهم الذين يلتحقوا بجيش العدو الصهيوني لقتل المسلمين، أحدهم هو رامن إيمانويل كبير موظفي البيت الأبيض سابقا في أول فترة رئاسية لأوباما الذي فضل الالتحاق بجيش الصهاينة أثناء حرب تحرير الكويت ولم يلتحق بجيش بلاده أمريكا التي أصبح فيها أكبر موظفي البيت الأبيض. من الواضح أنه لا يوجد أي توازن في العلاقات وواضح أيضا أنهم يمارسون حرب دينية في المنطقة موجهة ضد الدول العربية والإسلامية. ويستخدمونها ويسخرونها لمصالحهم ومصالح أعدائنا الصهاينة.  إذا كانوا هم يفحصون ويمحصون كل صغيرة وكبيرة في معتقداتنا الدينية ويواجهوننا بها لأنها لا ترضيهم فنحن أيضا سنفحص ونمحص في معتقداتهم الدينية ونواجهم بالحقائق التي لا ترضينا ونريد أن نسمعهم وهم يكذبون.

وباعتقاد أ. مسفر الموسى فإن أفضل إطار نظري لفهم وتفسير السياسة الأمريكية الخارجية هي النظرية التيليولوجية.. (الخير لأمريكا) هو الحافز الأساسي لفهم العلاقات الاقتصادية والأمنية.. بغض النظر عن الحقوق المفقودة أو الخطأ والصواب أو النظر لقيمة الجماعات الأقل.

فإذا فهمنا ذلك أولا.. واقتنعنا أن الحفاظ على علاقة جيدة مع أمريكا ثانيا سيحقق لنا المكاسب.. فإن علينا أن نعظم من الحاجات المشتركة.. سواء في الاقتصاد البيني أو في حجم الاستثمارات المشتركة كما كانت الفكرة في زيارة الوفد السعودي الأخيرة وما صاحبها من منتدى اقتصادي.

وبخلاف ذلك.. فإن القول بالثقة من عدمها في فهم مستقبل العلاقة بين البلدين ليس لها أي مرجعية نظرية في السياسة.

ويرى أ. عبدالله بن كدسه أن أوباما قد رسم صوره جديدة في شكل العلاقات الأمريكية مع حلفائها ، حتى باتت تصرفات السياسة الخارجية الأمريكية مريبة ومخيفة لكل حليف .. كانت البداية الواضحة مع أحداث ما يسمى بالربيع العربي وتحديداً حين باعت أمريكا حليفها القديم حسني مبارك مطالبه برحيله ” الآن ” ثم موقفها من مظاهرات البحرين وإرسال الرسائل السلبية لموقف المملكة في ذلك الوقت ، مروراً بموقفها في سوريا وترددها في الدخول واتخاذ موقف حازم ينهي نهر الدم السائل هناك .. وأخيراً نرى الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي يعتبره أوباما نجاحاً له قبل رحيله .. ويأتي بكل برود في مقابلة تلفزيونية ويقول أتفهم انزعاج المملكة ودول الخليج من الاتفاق الأمريكي الإيراني لكن رسالتي لهم أن يضاعفوا قدراتهم العسكرية ونحن على جاهزية كاملة للتعاون في ذلك !! أي حليف هذا الذي نريد أن نعول عليه في المواقف الصعبة.

ضرب أوباما بعرض الحائط كل تاريخ العلاقات السياسية والاقتصادية والاستخباراتية السعودية الأمريكية، وقدم المصلحة الاقتصادية الآنية بينه وبين إيران ، متناسياً تصرفات إيران ومواقفها ومنهجها السياسي كدولة مع كل الملفات.

وفي هذا الإطار نوه م. أسامة كردي بالسبب الأساسي المعلن لعقيدة أوباما و تصرفاته في المنطقة وهو مواجهة الصين في شرق آسيا؛ حيث تبني الصين قواعد عسكرية في البحار و الجزر و حيث تعقد العديد من التحالفات .. أمريكا الآن تعيد بناء قاعدة سوبك ب أي في الفلبين .. وهذا العذر الأمريكي المعلن !!

ويرى د. زياد الدريس أن أمريكا هي أكثر دولة قابلة للتحول من عدو إلى صديق ومن صديق إلى عدو في لحظة براجماتية فارطة لا تحكمها أي ضوابط تاريخية أو ثقافية كما قد يحدث مع دول أوربا العريقة مثلاً.

وأشار  د. إبراهيم البعيز إلى أن غياب مؤسسات المجتمع المدني لم يتسبب فقط في عجزنا عن تجاوز كثيرا من مشاكلنا على المستوى المحلي، بل أسهم في ضعفنا في علاقاتنا الخارجية.

العلاقات بين الدول لا يفترض أن تكون على المستوى الحكومي فقط؛ لأن تركها عند ذلك المستوى يجعلها عرضة للمطبات السياسية (وما أكثرها). يفترض أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية وجود ومساحة للتحرك في التواصل الثقافي مع العالم الخارجي. إشكاليتنا أن العلاقات الخارجية قاصرة على العمل الحكومي، وكل عمل خارج مظلتها ننظر إليه بالشك والريبة.

الملفت للنظر أن نحتفي كثيرا بالأصوات المتعاطفة والمتفهمة لنا ولثقافتنا، لكننا نقف عاجزين عن التواصل معها، دون الدخول في دهاليز البيروقراطية الحكومية ومواقفها السياسية التي قد تجعل من عملنا مجرد صدى وترديد لما تقوله.

في حين يرى د. خالد بن دهيش أن أفضل مرحلة مرت بها العلاقات السعودية الأمريكية كانت إبان وجود السفير الأمير بندر بن سلطان ، وقبل ذلك عندما كان ملحقاً عسكرياً بأمريكا ، حيث نجح في التغلب على اللوبي اليهودي بتحقيقه شراء طائرات الأواكس للسعودية ، وعندما كان سفيراً أبان غزو الكويت ثم أحداث ١١ سبتمبر ، فقد كان له علاقة مميزة مع الإدارة الأمريكية والكونغرس ، و قد استفاد الوزير الجبير من إدارته ومن تلك العلاقة خلال عمله سفيراً للمملكة في واشنطن. وبدون شك فإن العلاقات السعودية الأمريكية تقوم على المصالح المشتركة. و الأخبار الأخيرة جيدة باستمرار هذه العلاقة حيث لوحظ منها دافع رئيس اللجنة الرسمية التي تولت التحقيق في هجمات١١ سبتمبر ٢٠٠١ ضد اتهامات وجهت للجنة بعدم التقصي بشكل كاف في التورط المزعوم للسعودية في الهجمات بعد مرور ١٠ أعوام منذ أن قدمت اللجنة تقريرها.

والأمل أن تحذوا الإدارة القادمة للبيت الأبيض بالسير على نهج المصالح المشتركة بعيداً عن تصريحات أوباما الاخيرة التي لم نرى لها أي أثر في نتائج الاجتماعات الأمريكية السعودية والخليجية الأخيرة بالرياض.

وقال د.م. نصر الصحاف في هذا الشأن: من منظوري الخاص أعترف بأن موضوع ١١ سبتمبر أوجد شرخا عميقا بين الشعبين وليس الدولتين وذلك بضلوع خمسة عشر سعودياً من قائمة التسعة عشر متهماً !!

وأذكر بالتحديد مؤتمر مدن المستقبل الذكية والذي عقد بالرياض في نوفمبر من نفس العام برعاية أمير الرياض آنذاك (الملك سلمان).

فلم يقدم المحاضر الرئيس ورقته المعدة مسبقاً كبروفيسور في جامعة سان دييغو عن موضوع المؤتمر ولكن كانت المفاجأة أن أستبدلها بورقة سياسية في ثناياها نقد مستتر للسياسة السعودية بصفته مستشار إعلامي للرئيس الأمريكي وليس أستاذ كرسي المدن المستقبلية الذكية !! مما أثار امتعاض الحضور وكنت أحدهم!!

وفي نهاية حفل الافتتاح في فندق الانتركونتننتال بالرياض قدمني الأمير سلطان بن سلمان إلى البروفيسور الثائر وطلب مني فقط (الاهتمام به !!).

التقيته في نفس الليلة بعد بحث مكثف في قصر المؤتمرات فأخبرني وبامتعاض أن طائرته الخاصة تنتظره على المدرج وأنه سيغادر فوراً!!

قررت حينها تدارك الموقف فارتجلت بأن ذلك سيشكل لي شخصياً مشكلة عويصة بما أنني قد عملت له جدول لليومين القادمين مع مسؤولين !! فأستغرب ذلك وسأل كيف؟

أخبرته بأن البرنامج يبدأ الآن !!

ولم يكن هناك أي تدبير مسبق ولكن ما فهمته من إيماءة الأمير سلطان أن لا يغادر هذا المسؤول وهو بهذه النفسية مما كان له الأثر في تعلمي الفوري لبعض صنوف الدبلوماسية من الدبلوماسي القدير سلطان بن سلمان !

ذهبت به إلى منزل الوالد للعشاء تلك الليلة حيث أن طاقم الحراسة المرافق له لم يستسيغ فكرة اصطحابه لأي مكان أخر بدون سابق ترتيب!!

هناك سمع من الوالد حفظه الله ما أثلج صدره وهون من روعه بأن التحقيقات ستوضح كل ما هو مستتر وأن الشعب السعودي لا يمثله حفنة من المارقين عن القانون!

في طريق العودة كان معي في سيارتي يتحدث إلى زوجته في أمريكا وهي قلقة على أمنه وسلامته ولكنه طمأنها تماماً وعلى مسمع مني بأن الإعلام الأمريكي يمكن أن يكون منحازاً الآن ولا يعطي غير الصور النمطية عن السعودية!!

في اليوم التالي ذهبت به إلى مقابلة رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية  د. صالح العذل وفي المساء إلى استراحة بالثمامة للعشاء مع أبناء العمومة والأصدقاء من طيارين وعسكريين ومثقفين !

وفي وداعه في اليوم التالي أخبرني بسعادته لعدم مغادرته فور إلقاء خطابه الناري في حفل الافتتاح قبل يومين وبأن تقريره للرئيس سيكون إيجابياً في هذا الموضوع!!

هذه صورة مصغرة أوردها لما لها من اعتبارات من شأنها تقريب وجهات النظر بين البلدين أو العكس وذلك يكون بكيفية طرق المعالجة إما سلبياً أو إيجابياً !!

  • محددات مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية

من وجهة نظر د. علي الحارثي فإننا غالباً نتعامل مع الآخر من جانبنا بالعاطفة ، ولسنا ديمقراطيين ونصدق الآخر حتي وهو يدمرنا ويشوهنا ويتندر ويضحك علينا. ومن جانب أمريكا فهي ليست حليف يوثق به حتي مع الغرب إلا مع إسرائيل ، وبعد أحداث ١١ سبتمبر حتي وإن آمنا أنها ليست من صنعهم رغم القناعة بأنها من صنعهم وباستخدام وتنفيذ السذج من أبنائنا كشًرت عن حقيقة أهدافها ونواياها السيئة بِنَا وبعقيدتنا واقتصادنا ومناهجنا وثقافتنا  وسياستنا التي ليست علي ما يرام ، الإسلام والمسلمين السنة هم العدو الأول لهم الذي يجب محاربتهم وتمزيقهم وتشتيتهم وتعزيز الطائفة الشيعية ، والسعودية هي من يفرخ الإرهاب ومنظماته ولابد من تدميرها ولو بعد حين . والدول العربية لابد من إعادة تقسيمها إلى كنتونات طائفية وعرقية وقبلية وجهوية لتظل الحروب بينهم مشتعلة ، سواءٌ بالفوضى الخلاقة أو بالحرب المباشرة والشواهد ماثلةٌ أمامنا منذ الحرب علي أفغانستان. إذا استوعبنا الدرس ، فلابد أن نغلٍب السياسة بالمصالح وليس بالعواطف وأن تكون سياستنا مفتوحة مع الكل لما يحقق أهدافنا. علي أن نبني أنفسنا من الداخل سياسياً واقتصادياً ومعرفياً وحقوقياً لنكون أقوياء أمامهم وأمام أنفسنا ، وإلا سنظل علي هامش التاريخ . لنأخذ حذرنا من أمريكا وغيرها فهم لا يريدون بِنَا إلا شراً.

ولا بأس أن تكون العلاقات الدولية علاقات مصالح متبادلة بين الطرفين علي أن تكون نزيهة وغير متغطرسة وعادلة وغير مثيرة للفتن والقلاقل والحروب وتدبير الانقلابات العسكرية والإطاحة بالحكومات الشرعية والتدخل السافر في مصائر الشعوب واستلاب ثرواتها وتركيعها بالقوة والسياسة القذرة دون مراعاة للعقائد ومصالح وثقافات الشعوب ، وهل عرفنا من أمريكا غير ذلك.

وقال د. محمد الصبان: لا يعيب أمريكا البحث والدفاع عن مصالحها. وحتي المملكة ودول الخليج تقوم بنفس الشيء، ولولا أن مصلحتها تقتضي استمرار حماية الولايات المتحدة لرمت بها عرض الحائط خاصة في ظل تحيزها التاريخي والدائم لإسرائيل .

إحداث توازن في علاقتنا مع أمريكا يتطلب تنويع شراكاتنا السياسية والاقتصادية، والتركيز على إصلاح صورتنا أمام المجتمع الدولي اقتصاديا وسياسيا ودينيا واجتماعيا، ولا يعني هذا التكيف بما يناسبه بقدر ما هو العودة إلى أصول ديننا الإسلامي وإزالة مخالفات الفساد والهدر وعدم الأمانة والصدق وإعطاء المرأة حقوقها الممنوحة لها شرعا، والتحول تدريجيا من كوننا دولة ريعية بحتة لا نتاج ولا إنتاج، إلى دولة منتجة تعتمد على عقول مواطنيها.

تحولنا هذا- ولنقل رجوعنا إلى إسلامنا الحقيقي- وإحياء عنوان قيادتنا للأمة الإسلامية، يعطينا دورا قياديا في مجالس الكبار العالميين.

لكن لم نستفد من كل هذا، وبقينا خلال السنوات الماضية نمارس دورنا على استحياء وخجل.

أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة وأية دولة غربية أو صاعدة فهي تتعاون مع القوي واضح الأجندة متحد الرؤى. وسهل على الولايات المتحدة أن تتعامل مع إيران ذات المذهب الواحد والتنسيق الأعلى المعروف من أن تتعاون مع تعددية الفكر والآراء والمذاهب المختلفة حين تتعامل مع دول غير إيران وهذه حقيقة وتم تكرارها أكثر من مرة.

الآن: إنشاء التحالف الإسلامي وقيادة  المملكة له وبروز دورها القيادي في مختلف القضايا الإقليمية، غير كثيرا من طريقة تعامل الآخرين لنا. وهم وإن أبدوا انزعاجهم من هذا الدور الجديد، إلا أنه فرض عليهم التعامل. ولعل التغيرات التي أدت إلى إبطاء استقلال أمريكا في مجال النفط، قد أظهر أنها لازالت تعتمد على المملكة ودول الخليج ولسنوات قادمة في مجال النفط.

بينما يعتقد م. أسامة كردي – بعد سنوات طويلة من أعمال اللوبي للمملكة في واشنطن و Grassroots America و بعد سنوات طويلة من رئاسة لجنة الصداقة السعودية الأمريكية في مجلس الشورى – بصحة نظرية أن علاقتنا التقليدية مع أمريكا ذهبت بدون عودة.

إن سنوات المفاوضات الغربية الإيرانية حول ملف إيران النووي و تصرفات (و ليس كلام) الإدارة الأمريكية أوضحت لنا أننا يجب أن نعتمد على أنفسنا بالدرجة الأولي. و لهذه القناعة دور مهما كان صغيرا في مقدرتنا على تنظيم التحالف العربي في اليمن و الإسلامي ضد الإرهاب و ضد إيران. و من الواضح أن المملكة تنبهت لعقيدة اوباما مبكرا عندما بدأت العمل على حشد التحالف العربي ضد الحوثي و ما بعده من أعمال.

قد يكون وضع سوق البترول له تأثير على السياسة الأمريكية الحالية .. فعندما ارتفعت الأسعار أصبح إنتاج النفط اقتصاديا في أمريكا .. حتى أنهم سمحوا بتصديره .. و لكن قبل توسع التصدير، قررت المملكة أهمية ( الحفاظ على أسواقها ) مما أدى إلى انخفاض الأسعار كثيرا .. و كان لهذه السياسة آثار جانبية مهمة منها تدمير الاقتصاد الروسي (و قد يكون هذا أحد أسباب الانسحاب الروسي من سوريا ) و منها التأثير على الاقتصاد الإيراني و منا انخفاض الإنتاج الأمريكي  .. و بالتالي تم تعديل التصور الأمريكي بأنهم لن يحتاجوا السعودية مثل السابق، و بالتالي كانت القمة مع السعودية و الخليج و حديث أوباما الإيجابي خلالهما عن العلاقات.

و المهم مستقبليا العمل على بناء علاقات متوازنة مع القوى العالمية و الاستمرار في بناء التحالفات ، و ليس المقصود بطبيعة الحال معاداة أمريكا بتاتا ، فمن المهم العودة إلى نشاطاتنا السابقة في أعمال اللوبي للمملكة في أمريكا للتأثير على الحكومة و الكونجرس – (توقف هذا العمل بعد أحداث ١١ سبتمبر عندما كنّا في أشد الحاجة لها) – منعا لاتخاذ قرارات مضادة لنا مثل ما يتم حاليا. و الآن ظهر لنا غريم جديد في أمريكا هو إيران التي لديها خمس سيدات أمريكيات من أصل إيراني يعملون في البيت الأبيض !! كذلك من المهم تنويع علاقاتنا الدولية .. و هذا يتطلب تطوير العلاقة مع الصين و روسيا و أوربا و اليابان والبرازيل وغيرها من دول العالم.

وقال أ.د. عبدالرحمن العناد: فلتكن علاقتنا بأمريكا علاقة مصالح.. ألاحظ أن البعض ينتقد أمريكا لأن علاقاتها مع الدول مرتبطة بمصالحها! وكأنهم يريدون غير ذلك … أي علاقات لمصالح الطرف الآخر فقط دون اعتبار لمصالح أمريكا نفسها.

وتساءل د. مساعد المحيا: هل المصلحة في المضي في اتجاه ديمومة العلاقة أم المضي في طريق فتورها؟

لغة المصالح في العلاقات مشكلتها أنها تقوم على أساس أن طرفا يستفيد ويستنزفك ولا يشبع فأنت عنده كالبقرة الحلوب، وطرف آخر يتمسك بهذه العلاقة مقدرا قيمتها السياسية والاستراتيجية له.. واختلاف المقاصد والمجالات يعني أنك تغرد في سرب وحالك في سرب وآمالك في سرب.

ومن ناحية أخرى، فهناك بين بعض الدول والدول الكبرى ما يمكن وصفه بالاتفاقات غير المعلنة والتي يكون ضمنها ضمان الدفاع عن الدولة عند أي اعتداء مقابل شراء أسلحة وشراء سندات وقواعد عسكرية ..الخ، ترى هل لدى الخليج بعض ذلك؟ .. وجود مثل هذا الشي يجعل الحوار ناقصا إذ هذه بعض مربط الفرس ؛ إلا أن تكون هذه الدول قد تخلت عن تعهداتها.

وأوضح أ. عدنان المرشد أنه يوجد اتفاقيات من هذا النوع لمجموعة من دول الخليج وكل دولة لها اتفاقيتها الخاصة ولا توجد اتفاقية موحدة للجميع. كذلك فقد أكد المرشد على أنه لابد أن تكون المملكة قوية باقتصادها وتستخدمه كقوة ضغط وتوسيع علاقاتها مع الحلفاء المختلفين الآن وعدم الاكتفاء بشراكة واحدة لنظام يتغير الرئيس فيه كل ٤ أو ٨ سنوات.. فقد خسرت إيران مع الولايات المتحدة لسنوات عديدة لكنها انتصرت في النهاية من خلال الاعتماد على ذاتها في مجالات عدة كصناعة السيارات والصناعات العسكرية وغيرها مما جعلها تتطور بسرعة أكبر من الدول الغنية المجاورة.

لا نريد أن نحصل على شيء يخدرنا لعقود عديدة كما حصل في الماضي لابد أن تكون شراكة واضحة وباحترام متبادل. ماذا استفدنا كوطن من هذه الشراكة لعقود، لا نزال دولة نعتمد على النفط بشكل أساسي والدفاع ندفع له بالمليارات والتعليم كذلك.

وأوضح أ. خالد الوابل أنه ليس بيننا وبين الغرب منظومة قيم، ولهذا لسنا في خانة الصديق مع أمريكا وإنما “حليف” تجمعنا مصالح مشتركة.

وقال م. سالم المري: نحن والعلاقات مع أمريكا هذه الأيام كمن استفاق من غفوة فوجد أنه على الجانب الخاطئ من نهر عات الموج، ولكن من حسن الحظ أنه مازال لدينا من القوة والقدرة ما سيمكننا من العبور للشاطئ الصحيح إذا استمرت السياسة الحكيمة الحالية في الاعتماد على الإمكانات الذاتية والتحالفات الإقليمية للحفاظ على المصالح الوطنية والقومية وتوظيف مصالحنا لخدمة أهدافنا الوطنية وعودنا الأطراف الأخرى على ذلك.

والظروف الحالية هي نفسها تقريبا التي دفعت الملك عبد العزيز إلى تغيير تحالفاته لتبدأ العلاقات السعودية الأمريكية كما هو معروف بعد الاجتماع الشهير عام ١٩٤٥ ، ولو حللنا سبب التقارب السعودي مع الولايات المتحدة في وقته لوجدنا أن للقضية الفلسطينية دور مهم إضافة طبعا إلى اكتشاف النفط (بالنسبة لهم) فقد بدأ دور الانجليز في المؤامرة الصهيونية على فلسطين ينكشف للجميع ولم يعد للعرب بهم ثقة وأصبح التحالف مع الانجليز غير مجد بل ومخجل. كما أن إسرائيل لم تكن موجودة كدولة في ذلك الوقت ولم يكن للوبي الصهيوني دور قوي في أمريكا بل كان مازال متركزا في أوروبا وبريطانيا بالتحديد. ولذلك كان تغيير الملك عبد العزيز لتحالفه لصالح هذه القوة العظمى الفتية ذكيا وموفقا في وقته، أما في الوقت الحاضر فهناك سيطرة شبه تامه للوبي الإسرائيلي على من يأت للبيت الابيض إلى درجة أن كل مرشح أمريكي للرئاسة يتعهد مسبقا قبل انتخابه بالحفاظ على أمن إسرائيل وابقائها متفوقه على محيطها العربي.

فنظرة الأمريكان للمنطقة ليست سياسية أو اقتصادية بحته بل أبعد من ذلك وارتباطهم بإسرائيل له أبعاد دينية وثقافية عميقة معادية ومضادة لكل ما هو ضد وجود إسرائيل في فلسطين والمتمثل في العقيدة الإسلامية والقومية العربية وهذان أقوى ما يكونان في المملكة العربية السعودية حيث أصل العروبة والإسلام وقد عمق هذا الشعور ورسخه لدى الأمريكان أحداث ١١ سبتمبر وكون ابن لادن وخمسة عشر من المفجرين سعوديين.

وفي ظل مثل هذه الظروف يصعب على أي قائد في المملكة والولايات المتحدة ألا يأخذ هذه الأمور في الحسبان ومن ثم لا يمكن أن يتعايش مع السياسة الأمريكية تجاه فلسطين أي دولة عربية وطنية.

ولذلك تجد أمريكا وراء كل ما نراه شرا في المشرق العربي من شرذمة وفوضى في العراق وسوريا واليمن وحتى في البحرين ولمصلحة من؟ إنه حلم إسرائيل الكبرى والانتصار على الشر العربي الإسلامي! وها هي البوادر في إعلان إسرائيل عن ضم الجولان إلى الأبد!!

وبالتالي فان التحالف مع أمريكا لم يعد مجديا كما كان في الاربعينيات بل وقد يكون موقعنا الحقيقي على المدى البعيد هناك على الضفة الأخرى مع روسيا والصين وغيرها من القوى غير الحليفة لأمريكا وعليه فإن الأهم في الوقت الحاضر هو عدم معاداة أمريكا والاستمرار في حشد القدرات الذاتية وتطوير الصناعات الثقيلة الأساسية والعسكرية وتقوية التحالف والتكامل الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري مع محيطنا المفيد بدءا من الدائرة الخليجية فالعربية فالإسلامية والنظر إلى العالم من خلال تلك الدوائر وسنجد أن أمريكا نفسها تسعى لكسب مودتنا!!

ومن جانبه اتفق د.م. نصر الصحاف مع طرح م. حسام بحيري بخصوص موقع المملكة من حيث الإعمال على إخضاع كل الدول الغربية وغيرها ممن يريد التعامل مع دول المنطقة باللجوء إلى المملكة في هذا الشأن !! وذلك ممكن من خلال رسم سياسة اقتصادية جديدة من شأنها التقليل من الاعتماد المطلق على التجارة الأمريكية والانفتاح أكثر على دول أخرى!!

وأضاف د.م. الصحاف: مهما قيل عن العلاقة بين الدولتين – المملكة وأمريكا – وعدم تجانسها الواضح ، إلا أنني لا أتفق البته في القول بتغير في العلاقة إلى الأسوأ إلا في حالة واحدة وهي أن تأخذنا العزة بالإثم وحاولنا مجاراة دولة عظمى بالتساوي !!

يجب علينا استخدام الدهاء والدبلوماسية لتحقيق أكبر قدر من المصالح المشتركة حتى لو اقتضى الأمر الإبحار بعيداً عن السياسات القديمة والمألوفة مقابل سياسة جديدة انتقائية تضع مصالح المملكة كدولة أمام أي مصالح إقليمية أو غيرها والاستعداد الكامل للانتقادات من كل جهة وصوب من الأعداء أو الحلفاء على حد سواء !!

فالعلاقة مع دولة القطب الواحد أزلية ولا يمكن الفكاك منها ولكن يمكن تحسينها بإنارة الطريق لهم ليروا الفائدة منا والسعي لكسب رضانا فلدينا الكثير والأكثر من الأوراق التي لم نحسن استخدامها في السابق مما أعطى الفرصة السانحة لأعدائنا باستغلالها أيما استغلال ونحن نكتفي بالنظر!!

في السابق كان أحد العوائق التزامنا بميثاق جامعة الدول العربية البليدة وقد أن الأوان لفك الأغلال المكبلة لنا هنا والمضي في بناء سياسة جديدة تعتمد على مقدرات المملكة الكامنة وبدون معوقات !! هذا سيساعد المملكة على احتلال المركز المرموق عالمياً وبدون اعتذار لمن يَرَوْن أنهم أحق منا في المنطقة !!

ومن وجهة نظر م. خالد العثمان فإن مواقف وسياسات الحكومة الأمريكية عموما هي مواقف مؤسسية ولا تتغير تغيرا جذريا بتغير الرئيس والحزب الذي يمثله. ومع الاتفاق التام مع ما طرحه د. إبراهيم البعيز حول مسألة تأثير القيم والمصالح على السياسة الأمريكية إلا أنهما برأيه وجهان لعملة واحدة يبرز أحدهما بحسب تقليب هذه العملة في يد الساسة الأمريكان انتقائيا في الغالب ، وهي مواقف تتأثر كثيرا بالمواقف البرلمانية في الكونجرس ومجلس الشيوخ والمواقف الإعلامية خاصة تلك الواقعة تحت سيطرة مؤسسات الضغط إما الصهيونية أو الإيرانية ، وحتى بالمواقف الشعبية من عامة الناس الذين هم في النهاية من يصوت لاختيار ممثليهم. ومن هذا المنطلق يمكن القول أننا عجزنا عن اختراق حاجز التواصل مع كافة المستويات المؤثرة في مواقف الحكومة الأمريكية واكتفينا بالتواصل والتعامل مع الحكومة الأمريكية نفسها . هذا التقصير ليس فقط عائدا إلى غياب الرؤية والمبادرة من الجانب السعودي بل وأيضا لعدم قناعة الجانب الأمريكي بالتكافؤ المؤسسي الذي يفتح الباب لمثل هذا التواصل. هم يرون أن لا برلمان حقيقي لدينا يكافئ الكونجرس ولا مؤسسات مجتمع مدني تخاطب مؤسساتهم وحتى إعلامنا يفتقر إلى أبسط القدرات والمهارات والوسائل التي يمكن أن تناطح إعلامهم. هذا الأمر لا ينطبق حصرا على الولايات المتحدة الأمريكية بل ينسحب أيضا على كل الدول التي تحمل صفة الديموقراطية والعمل المؤسسي. وبالتالي، فإن إدارة علاقاتنا مع دول العالم وخاصة المتقدمة منها يجب أن يكون أحد ركائزها تطوير قدراتنا ومؤسساتنا وإعادة ترتيب بيتنا من الداخل ، حتى يمكن أن نكون مقنعين في طروحاتنا السياسية والإعلامية.

وأشار  د. إبراهيم البعيز إلى أن هناك مدرستان للعلاقات الخارجية الأمريكية.

  • المدرسة الأولى: ترى بضرورة أن تكون القيم (الديمقراطية والحرية والرأسمالية) هي المعيار الأساسي لعلاقاتها الخارجية، ويتبنى الحزب  الديمقراطي عادة هذه المدرسة، وقد نجحت هذه المدرسة من الناحية النظرية، حيث أصدر الكونجرس الأمريكي قانونا يلزم وزارة الخارجية بأن تصدر تقريرا سنويا عن الحريات في دول التي تقيم معها علاقات، وهو التقرير الذي تنشره الوزارة كل سنة على موقعها وعلى موقع سفاراتها في الخارج بما فيها سفارتها في الرياض. وهو الذي يرى البعض تدخل في الشؤون الداخلية للدول.
  • المدرسة الثانية: وترى أن المصالح وليست القيم هي المعيار للعلاقات الخارجية، ويتبنى الحزب الجمهور هذه المدرسة، وهذه المدرسة نجحت من الناحية العملية، فالعلاقات الأمريكية مع الدول تقام على هذا الأساس.

قراءة العلاقات السعودية الأمريكية يفترض أن تنطلق من السياق العام لهاتين المدرستين: القيم المشتركة والمصالح المتبادلة.

إن العلاقات بين البلدين شبيهة بزواج المسيار، فكل دولة لا تتباهى بعلاقاتها بالأخرى. فالحكومة الأمريكية كانت ولا تزال في الموقف الدفاعي عن هذه العلاقة أمام الكونجرس والمنظمات الحقوقية والإعلام. والحكومة السعودية لا تتباهى بعلاقتها مع أمريكا أمام المجتمعات العربية نظرا لسياسة الأخيرة في الشرق الأوسط.

إذا تبقى المصالح هي المحور الأساسي للعلاقة بين البلدين. والمصالح تتغير بتغير الزمن وتغير الظروف السياسية والاقتصادية. والسؤال الآن من يحتاج من؟ والرأي أن الولايات المتحدة دولة لها ثقل عالمي على مختلف المحاور السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية، وليس من مصلحة المملكة أن تنظر لهذه العلاقة وتضحي بها في ضوء أحداث لم تتضح بعد معالمها وتداعياتها على المدى القريب.

وفي ذات الإطار يرى د. منصور المطيري أنه لا خلاف في أن المصالح هي المحرك الأساس للسياسة في جميع دول العالم بقواها العظمى والصغرى .. وعبر التاريخ كان الأمر كذلك.

و من هنا يأتي دور التحليل السياسي في محاولة تلمس و تحديد مصالح الطرف السياسي الآخر .. لأن المصالح قرينة النوايا.. و السياسة الحديثة  تخفي نواياها و لا تظهرها لأن إظهارها يعطي الخصم مساحة كبيرة للمناورة.

و يقع نجاح  المملكة  في علاقتها بالولايات المتحدة في استطاعتها و مقدرتها في تحديد ثلاثة أمور محددة:

  • تحديد مصالح المملكة نفسها في هذه العلاقة ، و قدرتها أي حجم القوة بمفهومها العام لديها.
  • محاولة معرفة مصالح الأمريكان التي يسعون لتحقيقها في علاقتهم مع المملكة وقدرتها أي حجم قوتها بمفهومها العام.
  • من هم صانعو السياسة الأمريكية؟

وفي كل ذلك يجب الانتباه إلى أمور أساسية منها :

  • مفهوم المصلحة .. خصوصاً إذا ارتبط بالأمن القومي للمملكة و لأمريكا. و مفهوم المصلحة مفهوم واسع و شامل لا يقتصر على تعظيم المصلحة المادية بل تقع نشر الأيديولوجيا على رأسها.. فتغيير الذوق العام هو الباب الذي يسهل عن طريقه إدخال كل المصالح الأخرى .. و من هنا فإن أي عائق ثقافي أو أيديولوجي هو هدف للتغيير. ( مثلاً : النظرة إلى إسرائيل كعدو، و تجذر هذه النظرة عقائديا – دينية كانت أم قومية- عند العرب يعتبر عند البعض عائقا أمام الصلح مع إسرائيل ، ولكي يتم هذا الصلح لا بد من تغيير هذه النظرة ).
  • تنوع و تدرج المصالح من تكتيكية إلى استراتيجية إلى حيوية .. و امتدادها الزمني في المستقبل، وارتباطها بالمتغيرات الإقليمية و الدولية يجعل أي طرف لديه قصور في المعرفة و المتابعة و الفهم ضحية للاستغلال ، و يكون بذلك مفرطاً في مصالحه.

ولأن الموضوع متشعب جداً يمكن الاقتصار على نقطتين فحسب:

  • واضح أن الأمريكان اتجهوا إلى العمل طويل الأمد باتجاه التغيير الثقافي في العالم الإسلامي ككل وفي المملكة بشكل خاص. هذا الاتجاه انكشف بصراحة في عهد الرئيس بوش الابن .. و تم الاشتغال عليه بحذاقة في عهد الرئيس أوباما .. طبعاً يعلل البعض من الأمريكان هذا الاتجاه بأنه ضروري لمواجهة أيديولوجية عنيفة كأيديولوجية القاعدة ثم داعش التي تقول ( أن لقيت أمريكيا فاقتله فإن لم تستطع فاطعنه فإن لم تستطع فاضربه بحجر فإن لم تستطع فابصق في وجهه ). لكن الحقيقة تقول أن الاتجاه هذا أكبر من مجرد مواجهة القاعدة وداعش لأن هذا الاتجاه بدأ قبل ذلك بكثير بدأ مع انهيار الاتحاد السوفيتي و ما تبعه من تدشين النظام العالمي الجديد في عهد بوش الأب ثم تدشين مرحلة العولمة بعد ذلك.. و بعض المؤرخين يرى أن عدم احترام الخصوصيات الثقافية للأمم صفة لازمة للأمريكان و الأوربيين بشكل عام توقفت لبرهة تاريخية بسيطة أعقبت الحرب العالمية الثانية و ما تبعها من الحرب الباردة خلال فترة تدشين المنظمات الأممية.. و ها هي تعود مرة أخرى .. ولأن هذا الاتجاه قام بتمطيط التطرف ليشمل الإسلام نفسه ، و التحريض وصل إلى (المسلمين الليبراليين) فضلا عن غيرهم.

و من المؤسف جداً أن المثقفين السعوديين يتعامون عن ذلك.. و لم يبذلوا جهداً علمياً في كشف هذا التوجه الأمريكي و كشف أدواته على الرغم من التصريح الأمريكي بهذا الاتجاه .. و من أوضح من تكلم عن ذلك السيناتور الديمقراطي كرس ميرفي الذي صرح أن السعودية لديها مشكلها في عقيدتها الدينية .. و قد أثنى على مركز الهداية في الإمارات على جهوده في حرب السلفية .. وقد لاحظت خلال السنوات الماضية أن بعض السعوديين يكرم في الخارجية الأمريكية و بعض المؤسسات الأخرى لمجرد أن نغمته توافقت مع النغمة الأمريكية.

  • المنطقة الإقليمية يجري تغييرها من قبل الأمريكان و أعوانهم .. بشكل لا يخدم المملكة حاضراً و لا مستقبلاً .. هناك دعم لإيران و حلفائها .. و إصرار على استمرار مآسي لم يشهدها التاريخ من قبل فقط لتكون العاقبة لهذه القوى الموالية لإيران .. فالحلف الإيراني الأمريكي الذي يسميه البعض التخادم واضح وضوح الشمس. و للأسف الشديد حتى في البيان الختامي للقمة الخليجية الأمريكية أشير إلى حقوق الأقليات و كأن الأكثرية لا تتعرض لإبادة.

وبصفة عامة ترى أ. مها عقيل أن علاقة السعودية وأمريكا هي علاقة مصالح متبادلة تزيد أو تنقص أهميتها حسب ظروف ومعطيات مختلفة، وهذا حال كل العلاقات الدولية والأفضل أن تقوى وتستمر العلاقات المبنية على المصالح بتعميق العلاقات بين الشعوب والتقارب بينهم وهذا ما ينقصنا رغم أن السعوديين يحبون أمريكا ويعرفون كل شيء عنها ولكن الأمريكان لا يعرفون عنا سوى القليل ومعظمه سلبي.

في حين يعتقد د. يحيى الحارثي أن الخطوة الأولى الواجبة هي “التعريف بالذات”! يتلوها رؤية ورسالة. لا يعقل أن نكون رهن للتكتيكات ولا نعرف العقائد وفلسفة التكوين والموقع على الخارطة العالمية. نحن هنا مثال، مثقفين وخبراء، ولا نجد لنا أرضية صلبة تسمى “من نحن؟” و “ماذا نريد؟”. والكلام هذا لا يقصد به أننا لا شيء أو لا يوجد لدينا مخزون وطاقات معرفية… المقصد التيه هذا هو سبب الالتزام والتشبث بالتكتيكات والخوف من التعريف بالذات وبناء العقائد والفلسفات.

  • شبكات التواصل الاجتماعي ومستقبل العلاقات السعودية الأمريكية

تطرق د. حامد الشراري إلى جانب آخر مهم وهو المتعلق باستثمار شبكات التواصل الاجتماعي إيجابيا في مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية، وذكر في هذا الإطار أن من المهم الإشارة لتقنية الاتصالات والمعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت مؤثرة بدرجة كبيرة في المجتمعات والحكومات كأحد أدوات القوة الناعمة المؤثرة على صناع وأصحاب القرار.

السياسة السعودية الأمريكية ممتدة ومتجذرة منذ بداية اكتشاف النفط – أربعينات القرن الماضي- ، تلك الفترة تزامنت مع اكتشاف الترانسيستور الذي أحدث نقله نوعية في تقنية الاتصالات منها الإذاعات والبث عبر الأثير الذي كان في اتجاه واحد ( simplex  في لغة مهندسي الاتصالات ) أي رسالة في اتجاه واحد من المرسل إلى المتلقي (يستقبل فقط)، وكانت ومازالت إحدى وسائل التأثير السياسي على العامة وقد برز تأثيرها أكبر من خلال تلك التقنيات (الراديو أو المذياع) وهذا ما يُلاحظ على الثقافة السياسية للذين عايشوا تلك المرحلة – بداية الراديو – وتطورت تقنية الاتصالات حتى وصلنا لعالم الإنترنت مرورا بالتلفزيون وأخيرا الهواتف المحمولة والأجهزة الكفية الذكية وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت الحدود الجغرافية والسياسية… الخ.

وعودا على ما ذكره أ. أسامة النقلي في بداية كلامه أن العلاقات السعودية الأمريكية بدأت في الثلاثينيات على “المستوى الشعبي”.. يمكن القول أن ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات أحدثت نقله نوعية في التواصل بين المجتمعات، وتلعب دوراً في خلق الرأي العام وتوجيه القرار السياسي. وقد أعطت هذه الثورة فضاء جديداً للتعبير وطرح الآراء وساحة للنقاش بين المجتمعات والشعوب وأصبح الأفراد شركاء في صناعة الحدث والتأثير فيه، وهو نمطاً جديداً لم يعتد عليه الناس في كثير من الدول.. وأصبحت هذه الشبكات وسيلة تأثير على الشعوب والمجتمعات تستخدمها مختلف الأجهزة الدولية  وتستفيد منها لرسم صورة عن المجتمعات وتوجهاتها وقد يكون توجيهها.

ورجال السياسة مدركي دورها وأهميتها في التأثير على المجتمع وتوجيهه وخير مثال على ذلك ملتقى “مغردون” مؤخراً الذي شارك فيها وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي.

المملكة تعتبر من أكثر دول العالم استخدم لوسائل التواصل الاجتماعي ولديها الآلاف من الطلاب المبتعثين في أمريكا بوجه خاص ومنهم من يتقن اللغة الانجليزية ومعرفة بالثقافة الأمريكية بشكل جيد.

السؤال هو: كيف يمكن الاستفادة من أو تفعيل دور شبكات التواصل الاجتماعي في بِنَاء علاقة وجسور صداقة بين الشعبين ( المستوى الشعبي ) وإبراز المجتمع السعودي وتحضره عكس الصورة الذهنية التي رسمت عنه سابقا وكرستها أحداث ٩/١١ مستفيدة من هؤلاء الطلاب الذين عاد منهم الكثير إلى أرض الوطن ومنهم من كون علاقات جيدة هناك ويتقنوا اللغة بطلاقة وعرفوا وسبروا ثقافة وعقلية المجتمع الأمريكي ؟!

واقترح د. الشراري في سياق تطوير العلاقات السعودية الأمريكية تفعيل التواصل بين المجتمعين – المستوى الشعبي من خلال ما يلي:

  • التواصل مع أعضاء الكونجرس والشيوخ السابقين، ومن عمل بالسعودية سابقا من المؤثرين وكانت لهم مواقف إيجابية؛ مثل ما عملت أرامكو بدعوة من عملوا فيها مع عوائلهم.
  • عمل رابطة أصدقاء السعودية الأمريكية.
  • عمل دعوات لهم لزيارة المملكة والمواقع الأثرية وحضور مناسبات كالجنادرية باستمرار.
  • دعوة طلاب الإعلام في بعض الجامعات الأمريكية المتميزة في الإعلام والصحافة لزيارة المملكة بصورة مستمرة وتوثيق العلاقة معهم وتفعيل برامج الطالب الزائر ودعمها.
  • تنظيم برامج مشابهة للبرامج التي تنظمها إسرائيل لطلاب الجامعات الأمريكية بدعوتهم لزيارتها.
  • تخصيص ميزانية خاصة لمثل هذه البرامج.

على أن توكل هذه المهمة للمؤسسات المدنية السعودية مستفيدة من وسائل التواصل الاجتماعي ، مثلا كل جهة تتواصل مع الجهة المماثلة لها هناك.

المحور الثاني

الحوار المجتمعي حول برنامج التحول الوطني

الي أعلي

الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني

المجتمع لم يعد متفرجا فمستويات التعليم و الثقافة و الوعي و الطموح و التحديات وصلت إلى سقوف عليا.

و حيث أننا أمام منعطف تاريخي و نقطة تحول مفصلية في تطورنا فإن قبول أو رفض أو درجة تفاعل المجتمع مع المستجدات و القضايا و القرارات لا يجب أن يؤخذ كأمر مسلم به.

المجتمع بشكل عام و بكل طبقاته و فئاته وعلى وجه الخصوص قادة الرأي و المهتمين بالشأن العام من الباحثين و المفكرين و المثقفين و الأدباء و أعضاء الهيئات العلمية و طلاب الجامعات و الشباب من الجنسين ، هم قوة حقيقية لا يجب إغفالها و إن من الحكمة مخاطبتها و حفزها و استخدامها لدعم قرارات الدولة و مبادراتها، و إن من الأفضل أن يكون المجتمع في قلب الحدث دائما و يمسك الأمور بزمامها مع الدولة متفهما و مساندا و داعما.

كنت أتمنى أن يكون طرحنا لقضية الحوار المجتمعي حول برنامج التحول الوطني مباشرة مع ظهور فكرة البرنامج ليكون المجتمع مواكبا لتطوير و إخراج البرنامج.

أما و قد أعلن البرنامج و أصبح رؤية وطنية شاملة أوسع و أطول مدى من البرنامج، فلعل في ذلك خير،  فها هو المجتمع يتفاعل معها، وها نحن نواكب هذه الرؤية بعد أن خوطبنا مرتين من الأمير محمد بن سلمان مرة في مقابلة العربية و مرة في المؤتمر الصحفي.

نحن في هذه الأيام نحلق مع هذا البرنامج في آفاق أوسع و اتجاهات مختلفة و طموحات أكبر من أي وقت مضى بل ربما من أي تجربة إقليمية أو دولية أخرى متطلعين إلى مستقبل أفضل و مجتمع حي.

نعم نحلق بفكرنا و ننتظر بفارغ الصبر الخطط و البرامج و الآليات التنفيذية و ليس لنا إلا التفاؤل بالرغم من الغموض و بالرغم من أننا لا نعرف إلا العموميات و التوجهات.

كنت شخصيا و لا أزال أتمنى أن يخاطب المجتمع و الداخل قبل الخارج أو على الأقل بالتزامن و أن نتخلص من عقدة  الخواجة.

الخارج مهم و لا يجب أن يغفل، و لكن الداخل أهم ليس في هذا الأمر فقط بل في كل قضايانا؛ لأن لحمة المجتمع و الدولة يجب أن تكون قوية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

مجتمعنا مجتمع متماسك و فيه قوى إيجابية كامنة يجب أن تستفز لمساندة الدولة في الاتجاهات التي تحقق مصالحنا و في الأزمات أيضا؛ و ذلك من خلال خطاب وطني عقلاني شفاف في ما يمكن أن يكون شفافا.

فنحن آذان صاغية عندما يخاطبنا الملك أو ولي العهد أو ولي ولي العهد لمساندة الدولة.

جزى الله الإعلام الجديد خيرا فقد أشركنا رغما عنا و عن أي إرادة لا تريد إشراك المجتمع خصوصا العقول البيروقراطية الراكدة التي حتى هذه اللحظة لا تريد عمدا أو غفلة أن يكون  المجتمع شريكا و سندا في أمور بينما هي في حقيقة الأمر تخصه و تمسه و تمس مصالحه مباشرة و تمس دولته و كيانه فضلا عن أن المجتمع يملك قدرات و معلومات لا يملكها أي بيروقراطي أو مجموعة بيروقراطيين أو تكنوقراطيين مهما كانت خبراتهم و علمهم و قدراتهم.

القضية هي علاقة المجتمع و الدولة، و لكن برنامج التحول الذي تمخض عن جبل رؤية السعودية2030هو أفضل مثال و أفضل فرصة لردم الهوة بين أجهزة الدولة و الموظفين العامين (مهما علت مراتبهم في هرم الدولة ) و بين المجتمع و قادة الرأي فيه.

هل يمكن أن يكون هناك حوار مجتمعي حول رؤية 2030؟ وهل لدينا الوقت لذلك؟

الاجابة نعم بدون تحفظ فقد أطلق البرنامج و الإعلام الجديد جني الحوار من قمقمه، و إذا كان لي من اقتراح فإن الفريق الإعلامي المكلف ضمن فرق العمل مع سمو الأمير محمد ( وأنا افترض وجوده) يمكن أن يضع خطة إعلامية شاملة و مستمرة يكون محورها و جوهرها  المجتمع( متفاعلا و محاورا و متسائلا )  و يكون دائما في قلب الحدث و أن تؤخذ رؤاه وآراءه وأفكاره و طموحاته و تساؤلاته مأخذ الجد و أن توضع أمام متخذ القرار باستمرار  و أن تستطلع الآراء و تقدم المعلومات  بشكل دوري ربما من خلال منصات الإعلام الجديد.

كلنا أمل في أن يواكب المجتمع الحدث الأهم في تاريخه التنموي الحديث وأن يشارك في صنع القرار وفي  الرقابة على الأداء و أن يقدم الآراء و التغذية الراجعة من الميدان لمتخذ القرار.

التعقيب الأول: م. أسامة كردي

في إطار الحوار المجتمعي حول الرؤية ، فقد لاحظت مشاركة واسعة من أطياف متعددة من المجتمع في مراحل إعداد هذه الرؤية و في أجزاء متعددة منها، كما أنني لاحظت فعلا حوار مجتمعي واسع حولها في المجالس و الديوانيات و الوسائل الإعلامية المختلفة، و طبعا في وسائل التواصل الاجتماعي بعد صدورها.

و قد كانت الغالبية العظمى من المحاورين هم من المؤيدين لهذه الرؤية و لم يعترض عليها أو على أي أجزاء منها إلا القلة القليلة ، وعلى الرغم من النقد الشديد الذي سمعناه و قرأناه عن دور الاستشاريين الأجانب ، إلا أنه بعد صدور ما صدر من الرؤية ، فقد اختفى هذا النقد و كأن مجتمع المثقفين اقتنع بما صدر من هذه الرؤية أو أنه اكتفي بالنقد السابق حول دور الاستشاري الأجنبي فيها. و مازالت الفرصة متاحة أمام المجتمع لطرح مرئياته حولها و الأهم من ذلك حول مراحل تطبيقها.

و رغبة في المشاركة في هذا الحوار ، أحب أن أبداء بالتذكير بالإجراءات التي اتخذتها المملكة قبل إعلان الرؤية و التي يمكن اعتبارها جزء من الرؤية. و من أهمها إنشاء المجلس الاقتصادي و الإنمائي؛ و من هذه الإجراءات إنشاء هيئة توليد الوظائف و إنشاء هيئة المؤسسات الصغيرة و المتوسطة و منها إصدار برنامج قياس أداء الدوائر الحكومية و برنامج الملك سلمان للقوى العاملة الوطنية و المختص بوضع مؤشرات أداء الموظفين الحكوميين ، و غيرها من الإجراءات.

لا اعتقد أن هذه الرؤية مسبوقة على مستوى العالم .. حتى مع اطلاعي على خطط النمور الآسيوية و غيرها ، حيث لم تكن على هذا المستوى من التكامل الرأسي و الأفقي. و اعتقد أن الرؤية نجحت نجاحا باهرا في الخطوة الأولى و هي خطوة الإعداد ( مع الواقعية في الأهداف و المؤشرات ) كما عالجت الخطوة الثانية المتعلقة بالجدول الزمني جزئيا و بقي أن نطلع على الخطوة الثالثة عالية الأهمية المتعلقة بالتنفيذ و المتابعة.

و قد لاحظت ميزة مهمة في هذه الرؤية ( سنطلع على تفاصيلها بشكل أكبر عندما تصدر كاملة مطبوعة بعد ٤ أسابيع) حيث تتدرج من المرتكزات العامة إلى المحاور إلى الأهداف ثم البرامج ثم المؤشرات المطلوب الوصول إليها و لا شك لدي أنه سيتم إضافة الكثير من التفاصيل لاحقا خاصة فيما يتعلق بالأهداف المحددة للدوائر الحكومية المختلفة.

كما لاحظت التأكيد على الجدول الزمني في جزئيات كثيرة و هذا يرفع من إمكانيات النجاح في التنفيذ و سأتحدث عن هذا الموضوع أدناه.

لفت انتباهي العديد من الجزئيات الجديدة في الرؤية منها الصناعات العسكرية و الاهتمام بمؤشر فعالية الأداء الحكومي و تحديد و تطوير قيادات المستقبل بما يشبه ال Succession Plan و الصعود بالمدن السعودية إلى مصاف العالمية و الاهتمام بمؤشر الخدمات اللوجستية و الاهتمام بالشفافية و المسائلة و غيرها. كما لاحظت من هذه الجزئيات الجديدة الاهتمام بالأمور الاجتماعية بما في ذلك رفع مؤشرنا في رأس المال الاجتماعي إلى العاشر عالميا و عدد المتطوعين إلى مليون متطوع و الاهتمام بالثقافة و الترفيه.

كما لاحظت الواقعية في المؤشرات المستهدفة. و يتضح ذلك بشكل كبير في القطاعات الاقتصادية ، حيث تحدد الرؤية بطالة في مستوى ٧٪‏ بالمقارنة بالمتوسط العالمي عند ٥٪‏ كما تحدد الرؤية مساهمة المؤسسات الصغيرة و المتوسطة في الناتج القومي عند ٣٥٪‏ بالمقارنة بالمتوسط العالمي عند ٧٠٪‏.

كما لاحظت ارتفاع مستوى الترابط بين أجزاء الرؤية مما يؤكد عمق الدراسات التي تمت بشأنها ( و لا يعني ذلك اكتمال هذه الدراسات ). و يتضح ذلك بشكل واضح في المجال الاجتماعي و المجال الاقتصادي.

رؤية قابلة للتطوير و التعديل و التوسع حسب تطور التنفيذ كما أشار سمو الأمير محمد بن سلمان في أحد أحاديثه.

و هذا يجرنا إلى الحديث عن خطوة مهمة في مثل هذه الرؤى. وهي الخطوة الأهم المتعلقة بالتنفيذ. حيث لاحظت أن هذه الرؤية – في الوقت الحالي – لا تتحدث كثيرا عن التنفيذ و أعتقد جازما أنها ستلحق في وقت قريب.

و لا شك أن هناك حاجة لاعتماد اللامركزية في أعمال التنفيذ عن طريق توزيعها على الدوائر الحكومية حسب الاختصاص بل و عدم التركيز على شخص الوزير أو المسؤول الأول ليشارك أكبر عدد من المسؤولين في الدائرة في مراحل التنفيذ ، مع التأكيد على عدم تركيز التنفيذ في وزارة الاقتصاد و التخطيط ، و أن تكون مهمة هذه الوزارة المتابعة و إعداد تقارير تقدم العمل في التنفيذ. حتى لا نعيد خبرة الخطط الخمسية. و لا ننسى جزئية المسائلة المشار اليها أعلاه.

و ليس لدي شك في أن التفاصيل اللاحقة و المتوقع صدورها قريبا ستضيف أو تفصل عددا من الجزئيات المهمة للرؤية.

و من هذه الجزئيات الحاجة إلى تطوير علاقاتنا الدولية بما يسمح بدرجة أفضل و أكبر بالمساهمة الدولية في تنفيذ كافة جزئيات الرؤية و بالذات الجزئية الاقتصادية. و الحرص على تطور هذه العلاقات بشكل مستمر بدون أن يؤثر عليها الوضع السياسي.

كما أن الرؤية لم تتحدث في هذه المرحلة عن دور و نصيب مناطق المملكة المختلفة في الرؤية ، سواء كان ذلك في مراحل إعدادها أم تنفيذها. بل قد يكون من المناسب تركيز تنفيذ بعض الجزئيات على المناطق بشكل شبه كامل حسب الميزات التنافسية لكل منطقة.

تكرر الحديث في الرؤية عن التخصيص و دور القطاع ، و هذا أمر مهم جدا و مطلوب من الناحية الاقتصادية. و لكن الرؤية لم تتحدث عن استراتيجية التخصيص التي سبق اعتمادها من عدة سنوات كما أن الرؤية لم تتحدث عن الشركات الحكومية المنافسة للقطاع الخاص بشكل مباشر و الموقف منها من ناحية البدء.

فيما يختص بمركز الملك عبدالله المالي و في ضوء اهتمام الرؤية بالمدن الاقتصادية ، فقد كنت أتمنى أن تعامل كافة المدن الاقتصادية مثل المركز المالي ، كما كنت أتمنى حل مشكلة التأشيرات على مستوى المملكة و ليس للمركز المالي فقط.

كما أتوقع أن تحتوى تفاصيل الرؤية عند صدورها جزءا مهما عن الحاجة إلى تطوير قواعد العمل المطبقة في المملكة و المتعلقة بالسياسة المالية و النقدية و دور البنوك و دور مؤسسة النقد. حيث أنني أتوقع انتهاء النشاط الاستثماري لمؤسسة النقد لصالح صندوق الاستثمارات العامة و تستمر المؤسسة في عملها الأساسي المتعلق بالسياسة النقدية و عملها ( الإضافي ) المتعلق بإدارة البنوك و شركات التأمين. و إن كنت أتمنى أن يتم فصل إدارة قطاع التأمين في هيئة مستقلة كما هو الحال في قطاع سوق الأسهم .

لم تتحدث الرؤية عن موقعنا في مؤشر سهولة أداء الأعمال الذي يعده البنك الدولي مع أن أهمية هذا المؤشر تتجاوز أهمية مؤشر التنافسية الذي يعده منتدى الاقتصاد العالمي المنظم لمؤتمر داڤوس.

كما أن الرؤية لم تتطرق بشكل كاف إلى موضوع حماية البيئة في المملكة و إن كنت أتوقع ظهورها عند صدور الرؤية بشكلها التفصيلي الكامل.

كما أرجو أن تتحدث تفاصيل الرؤية لاحقا بشكل أوسع عن القطاع الزراعي و موضوع الأمن الغذائي و بالذات فيما يتعلق ببرنامج الملك عبدالله للاستثمار الزراعي السعودي الخارجي.

التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا

اتفق مع د. سعد الشهراني في كثير مما جاء في ورقته حول ( الحوار المجتمعي المتعلق ببرنامج التحول الوطني ) والحاجة إلى أن يعمل صانع القرار على مزيد من الحوار، وبخاصة حين أشار إلى أن ” المجتمع لم يعد متفرجا “، وأن ” المجتمع بشكل عام ….  هم قوة حقيقة لا يجب إغفالها “، وأيضا حين يقول “ليس لنا إلا التفاؤل بالرغم من الغموض “، وأيضا “لا أزال أتمنى أن نخاطب المجتمع و الداخل قبل  الخارج”، وكذلك “برنامج التحول فرصة لردم الهوة بين أجهزة الدولة و الموظفين”.

وهنا أضيف ….

ثمة فرق واسع بين التسويق للفكرة والمشروع وبين الحوار المجتمعي في علاقته بهذه الرؤية؛ فالأولى تعني أن نكون كمن يشاهد فيلما أو مسرحية، فغاية ما يقوم به الجمهور هو أن يتفاعل مع النص ابتهاجا وسرورا أو حزنا وبكاء وفقا للكوميديا أو التراجيديا في النص.. والثانية تعني أن تكون الآذان مفتوحة بحق لتفعيل وإدارة حوار كبير لا يستثني فئة عمرية ولا اجتماعية ولا جغرافية حول مكونات وطبيعة هذه الرؤية .. فهي لهذا الوطن وشعبه ولا ينبغي أن يتم تغييبهم وبخاصة أن ذلك مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وأن لا يقضى الأمر فيتم تغييبهم وهم شهود.

قبل عشرة أعوام كنا على أعتاب مرحلة جديدة وصفت بالنجاحات الاستثمارية، والنقلة التاريخية، والاستثمار من أجل الأجيال الـمُقبلة، والإصلاح الاقتصادي والاستثماري لقوة برامجها حيث شملت مشاريع المدن الاقتصادية عبر الهيئة العامة للاستثمار، كانت الحال نفسها ، وكان التفاؤل نفسه ، لكن لم يكن هناك من يحاسب أو يسائل ، لذا مضت وذهبت ونسيت.

ليس ثمة أشد على الذين يمتلكون الرغبة في العطاء والخبرة والتجربة الثرية، حين يجدون أن غاية ما يطلب منهم هو أن يباركوا ويصفقوا.

ولا إخال أمة أخفقت في العالم “والشواهد من حولنا كثيرة “إلا حينما مضى فيها مسؤول بما يمتلكه من سلطة ورؤية فأورد الناس والوطن واقعا كانوا أحق بخير منه لو أنصت لهم بحق وصدق.

ليس مهما أن تحظى هذه الرؤية بتصفيق شديد نتيجة الذكاء في فن تسويقها بقدر أن تجد قناعة لدى كل مهتم وخبير يدرك تفاصيلها غير أنه لا يجد المناخ مناسبا لطرح رؤية عميقة إذ يخشى أن يفسرها مريض أو صاحب هوى تفسيرات لا تمت لصدقها وولائها بصلة.

الحوار المجتمعي ليس غاية بذاته بشأن الرؤية لكنه نوع من الأكسجين الذي يتيح الحياة للناس لتتفاءل وهي تدرك أن هذا التفاؤل يعني أنها جزء من صناعة مستقبلها؛ فحين يشعر الناس بأن عليهم أن ينصتوا إذ هم عاجزون أن يعبروا بشفافية عالية حول مستقبلهم فهم كشاب أصبح والده أو أخاه الأكبر يختار له مساره العلمي والوظيفي والاجتماعي ..الحقوق حين تستلب تضيع الهوية والقدرة على مواجهة الحياة بكفاءة مقبولة.

الرؤية طموحة جدا؛ ولذا يجب أن تكون حفية بحوار شفاف يكافئ أهميتها.

ومستقبل الوطن يتطلب مناخا واسعا من الحرية لصناعة هذا الحوار الشفاف الذي يناقش المسؤول ويحاسبه.

ومالم تقم الرؤية على جعل الشفافية أحد أهم ركائزها فنحن لن نكون بمستوى ما تحمله من آمال وطموحات.

التعقيب الثالث: أ. خالد الحارثي

أعتقد أن المجتمع تلقى شحنة من الإقرارات التي ملأت الفراغات المتعلقة بالذات والهوية والدور والانتماء لأول مرة بهذا الوضوح والعقلانية عند إعلان الرؤية السعودية 2030 ، وهذا ينعكس حتما على إعادة صياغة وتحقيق وتدقيق معنى الوطن على المستوى النظري في الوعي الجمعي بإيجابية غير مسبوقة. حيث استوعبت الرؤية حقائق العلم والمعرفة نحو الموقع في جغرافية الأرض والموقع من البعد الجيوسياسي وما يمثله من استحقاقات  وطموحات مشروعة ، والأثر الاستراتيجي لما تملكه المملكة من ثروات وفرص تحققها مصفوفة المزايا الفريدة التي تتمتع بها المملكة ، إضافة للبعد التاريخي والحضاري لإنسان المملكة وما حباه الله من تميز ورفعة عززته حضانة العروبة والإسلام وخدمة الحرمين. وهذا بحد ذاته يمثل تطور كبير في الوعي بالوطن ليستغرق ويستوعب كل الطموحات والآمال المشروعة المنبثقة من معطيات الواقع.

أعتقد أيضا أن تطورات الحوار المجتمعي فتحت آفاق كبرى لتنمية حيوية العلاقة بين التنمية كأداة من أدوات واجب الدولة نحو المواطن وطموحاته المشروعة وبين تعزيز دور المواطن كمحور تنموي وليس بمعزل عنه ، وأن يكون مولدا ومنتجا لمخرجات خطط ومشاريع التنمية دون استيراد أو استقدام إلا بالحد الأدنى المقنن والمزمن Exit Strategies ، وكسرت تطلعات بعض الفئات التي عارضت فترة طويلة من الزمن ولادة الشركات الحكومية وشبه الحكومية للاستئثار بالثروات وصياغة نموذج الإنتاجية ليصب في مصالح محدودة تحجب النفع العام عن الوطن والمواطن واستقرار الدولة ومشاريع التنمية فيها ، وهي اليوم سياسة معلنة ومكشوفة أن الدولة لن تترك مصالح المواطن العليا بيد القطاع الخاص بل ستبني لها منصات الكوادر الوطنية والقواعد والتقاليد الإدارية الصحيحة.

في نظري أن هناك مساهمة هامة وضرورية من جهات رئيسة في إذكاء هذا الحوار والحراك في مشاريع التحول الوطني ، وفي مقدمتها الجامعات ودور العلم وبيوتات الخبرة والأساتذة الجامعيين والمثقفين عموما للمشاركة مع المجتمع في توحيد الرؤى والتطلعات وبناء جسور الأمل للطموحات والتطلعات للمواطن والأجيال ونشر مفاهيم الاستدامة في البعد الاجتماعي والفكري للمجتمع ، وذلك عبر مبادرات صغيرة تمكن من الاندماج في الأنشطة الاجتماعية التي تقترب من المجتمعات المحلية الصغرى (الأحياء والتجمعات السكنية) أو حتى من خلال الأنشطة الأكاديمية مع الطلبة والطالبات التي تنقل وتنشر التجارب والحوار إلى المجتمع بشكل أوسع. كذلك للمؤسسات الأهلية الخيرية والثقافية دور مهم في تطوير المبادرات وربط الجسور بين الجهات المختلفة لتنمية الوعي وتعزيز الأدوار وتشجيع المبادرات بالشكل الذي يصعب على الجهات الرسمية القيام به نظرا للبنية البيروقراطية أو سوى ذلك من الأسباب.

بقي هناك دور مهم في الحوار الاجتماعي أعتبره أكثر مناسبة من ذي قبل ، وهو دور الرسمي في المجتمع وفتح قنوات التواصل مع المجتمع وتلمس الحلول من خلال المجتمع وتعقيدات تركيبته الحالية واحتياجاته المترتبة عليها ، خصوصا وأن التمهيد للانتخاب والمشاركة والاستفتاءات المزمع احتواءها ضمن خطة التحول الوطني المستمدة من الرؤية يتطلب أن يكون هناك هذا القرب والأهمية لرأي المواطن واعتاقه من تعقيدات البيروقراطية أو حدود التأطير التنظيمي دون النظر للضرر المترتب على الفرد بعينه.

وفي نظري الخاص أعتقد أن كثير من الأبواب للحلول والإصلاحات الفعالة تبدأ من بوابة العمل البلدي ومجالس الأحياء الصغرى ، وتمكين إدارة الأسر والأحياء في صناعة وتطوير الحلول وتعزيز مكانة هذه الحلول ضمن أولويات قواعد وصناعة القرارات وتبني الحلول المناسبة للمشكلات المحلية والمحلية الصغرى.

المداخلات حول قضية: (الحوار المجتمعي حول برنامج التحول الوطني)

  • ما هو الحوار المجتمعي؟

أوضح م. سالم المري أن الحوار المجتمعي هو عبارة عن مدخل تنموي يساعد الناس على تفهم مجتمعاتهم بأسلوب إجرائي يعتمد على التعلم الذاتي والتشاور من خلال دعوة أطراف متنوعة من المجتمع للحوار المباشر حول موضوعات ذات أولوية بالنسبة لهم. ويساعد ذلك على تطوير مهارات أفراد ومؤسسات المجتمع، مما يؤدي إلى تشكيل آليات مستمرة للتواصل تضمن مشاركة فعالة من مختلف الأطراف في عملية صنع القرار بصورة مستمرة.

ومما لاشك فيه أن رؤية ٢٠٣٠ كسبت زخما جماهيريا بسبب إعدادها الجيد والصورة التي ظهر بها صاحب الفكرة صاحب السمو ولي ولي العهد محمد بن سلمان  من حيث الإلمام بالموضوع و الثقة بالنفس و الطموح الواضح. والمرتكز الأول و المهم لرؤية ٢٠٣٠ شمل طموحات الكثير من المفكرين والمواطنين على حد سواء كونه يعتمد على العمق العربي الإسلامي للدولة.

وقد أتت رؤية ٢٠٣٠ في توقيت تنتظر فيه الناس مخرجا من الوضع الذي يروج الإعلام بأن البلاد سائرة اليه من حيث تدهور دخل الدولة و ما يتبعه من توقعات متشائمة من حيث الوظائف و الخدمات مما جعل الناس تستبشر بالرؤيا وتنظر لها بإيجابية.

والحوار المجتمعي ضرورة لابد منها ومن المفترض أن يسبق الإعلان عن الرؤية، ولكن مازالت الفرصة سانحه للحوار قبل التطبيق وإلا كيف يكون هناك تحول حقيقي دون الحوار مع المستهدف بهذا التحول وهو المجتمع؟

الهدف من أي حوار مجتمعي سيكون؛ لإتاحة الفرصة أمام المجتمعات المحلية، والجمعيات الأهلية والمسئولين الحكوميين للاشتراك في الرأي والتشاور حول أهداف وخطط الرؤية ذات الأولوية من خلال الالتزام بقيم المشاركة والمساءلة والشفافية.

وافترض كما افترض د. سعد أن هناك فريق إعلامي مع سمو الأمير ومن المفترض أن لديه خطه للحوار المجتمعي؟ ومن أهم أهداف أي حوار مجتمعي بلورة عملية تشاور يقوم المجتمع المدني من خلالها بمساعدة القادة والمسئولين على التعرف على ما يجب القيام به لضمان التأثير على عملية الإصلاح وتطوير السياسة العامة. كما أنها بالتأكيد وسيلة لجذب انتباه الإعلام.

ولكن السؤال كيف يمكن تحقيق الحوار المجتمعي المعتمد أساسا على منظمات المجتمع المدني، وهذه غير متوفرة بالطريقة المتعارف عليها في الدول الغربية؟ ومع ذلك أعتقد أن لدينا طرق عديده للتعويض عن ذلك مع أهمية الاستمرار في تعزيز المنظمات المدنية وتشجيعها على ترسيخ جذورها في المجتمع.

  • رؤية المملكة 2030: ردات الفعل والأوجه المتضمنة

أشار أ. سمير خميس إلى أنه ومنذ الإعلان عن لقاء ولي ولي العهد في قناة العربية مع مدير القناة ومذيعها تركي الدخيل، سرت شائعات في مواقع التواصل الاجتماعي عن تخصيص يوم المقابلة “25 أبريل” لإعلان عدة قرارات لطالما انتظرها بعض تيارات المجتمع، ولطالما تخوف منها البعض الآخر..

فالتيار المحافظ استبق اللقاء بإبداء تخوفه – سيما بعد تقييد صلاحيات جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – وكثف من إعادة عموميات منتشرة في الذهنية العامة من أن هذه الدولة – أي المملكة العربية السعودية – دستورها الكتاب والسنة، ثم ما اتفق عليه الإمام محمد بن سعود مع الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله، ومن ثم حشر عادات اجتماعية داخل هذين المفهومين.

وكانت تغريدات منسوبة لأحد المحافظين عبرت عن هواجس هذا التيار بكل فجاجة، مما زاد من بكائيات هذا التيار دون تقديم خطاب وطني حقيقي بعيداً عن الانتهازيات الرخيصة التي كان لها ما يقابلها في تيارات أخرى.

أما على صعيد المؤسسات الرسمية الدينية فلم نلحظ أي ردة فعل حيال خطة التحول الوطني، إلا أن لقاء جمع بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وممثلين لهذه المؤسسات يذكرنا بدعم هذه المؤسسات لأي توجه تتخذه الدولة.

على الصعيد المقابل، اتسمت ردة فعل التيارات المقابلة أو المضادة لتوجهات التيار الديني بفرائحية مبالغ فيها، عبر نشر شائعات استبقت المقابلة تؤكد بأن الـ25 من شهر إبريل من عام 2016م هو اليوم المخصص لإعلان عدة قرارات تلحقنا بالركب المدني كقيادة المرأة للسيارة وما إلى ذلك، في الوقت الذي ينسون أو يتناسون مسلمات ثابتة ساهمت في قيام هذا الكيان، ولم يفرط فيها صانع القرار يوماً ما. وكثرت الآراء المشيدة “برجل المرحلة وصانع التحول” الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد من مثقفين وإعلاميين وحقوقيين وأكاديميين وشباباً وشيباً بل حتى الأطفال الصغار عبروا عن فرحهم بما يفعله ولي ولي العهد، الأمر الذي تصاعدت معه أصوات مذكرة بأهمية أن تناقش الآراء خطة التحول وتبتعد عن تقييم شخصية الأمير قدر الإمكان.

الإعلام والمجتمع.. من يسبق من؟

على الصعيد الإعلامي، مارس الإعلام دوره المعتاد بتبعيته المعتادة، بل إن تأخراً محيراً اتسم به أداؤه، فتسريبات خطة التحول اطلعت عليها كافة شرائح المجتمع من جهات إعلامية أجنبية، واكتفى إعلامنا الرسمي وغير الرسمي بنقل هذه التسريبات دون التعليق عليها بالطبع، وفيما كان إعلامنا الرسمي العتيد يرقب هذه التسريبات وردات الفعل دون أن يحرك ساكناً، جاءت الانفراجة عبر قناة العربية بإعلانها عن خطة التحول الوطني، واكتفى إعلامنا الرسمي بوكالة أنبائه الرسمية التي نقلت بنود خطة التحول متأخرة.

مجلس الشورى وموقف النخب

مجلس الشورى الذي لم يكن له دور واضح في صياغة بنود هذا التحول، أبدى عبر تصريحات متفرقة لعدد من أعضائه عن تفاؤله الكبير بهذا التحول، دون أن يجيب عن بعض التساؤلات عن إمكانية إشراك المجتمع في صياغة هذا التحول، كونه المؤسسة الرسمية الوحيدة المفترض بها أن تعبر عن طموحات الشعب وهواجسه وآماله.

 ولعدم وجود قنوات رسمية نستطيع منها أن نقيس المواقف الحقيقية للنخب تجاه هذا التحول فإن التفاؤل يبقى المظهر العام لهذه النخب سيما بعد انخفاض أسعار النفط وعدم حسم ملف اليمن وبقية الأمور التي تتعرض لها المنطقة بوجه عام.

موقف الشباب

وأما عن الشباب، فمشاعر الوطنية اختلطت بآمال كبيرة تجاه هذا التحول فتزينت حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي بصور للقيادة السياسية وإن كانت صورة الأمير محمد بن سلمان هي الأكثر ظهوراً، علها أن تخفف عليهم وطأة البطالة والمستقبل غير الواضح الذي ينتظرهم في ظل صراعات رهيبة تهدد المنطقة.

ولا يملك أي مطلع على بنود هذا التحول الذي كرس كرؤية سعودية تقاس أهدافها في العام 2030م إلا أن يتفاءل لكن علينا ألا أن ننسى أن أهدافاً بمثل هذه الضخامة لا يمكن أن تتحقق بأدوات الماضي كما يحاول أن يصور البعض الأمر الذي يدلل على التناقض الكبير الذي ما عطل كثيراً من الآمال والمشاريع التنموية فتحديث الشكل يلزمه تحديث جوهري لمؤسسات الدولة والعوامل المؤثرة واستقلاليتها.

ومن جانبه قال د. عبدالله بن ناصر الحمود: كثر المتداخلون لتقويم وتحليل رؤيتنا السعودية 2030، وبالتالي قد يصعب الإتيان بجديد. غير أنني لم أشأ التداخل وقت الزحام، فثورة العاطفة سلبا أو إيجابا كانت ستهدد مركبات العقل المتوارية عندما يتعلق الأمر بوسطية بين نقيضين: الدعاية، والتجريح. رؤيتنا 2030 لها عدة وجوه، أختزلها اليوم في ستة: الفكرة العامة، والمحتوى الاقتصادي، والمكوٍّن الشبابي، وعناصر القوة، والمخاطر الخمسة، والمستقبل المنظور.

أولا: الفكرة العامة

إن مجرد شعور المواطن بأن ثمة توجه وطني استراتيجي مستوف للعديد من عناصر التخطيط الاستراتيجي، يعد شعورا رائعا. لقد عشنا تجربة “الخطط الخمسية” طيبة الذكر، وكانت تفعل بنا فعلها في العقود الثلاثة الأولى منذ مطلع السبعينات الميلادية الماضية، حيث عنيت بالبنى التحتية، والتعليم، والصحة، والمساكن، والطرق، حتى مطلع التسعينات التي شهدت خطط الخصخصة والسعودة. وكانت تنميتنا رائعة ومتألقة، ونقلت السعودي والسعودية من حال إلى حال، رغم كل ما يمكن أن يقال في نقدها حينذاك. لكنها سرعان ما انكفأت، وفقدت بريقها، لعجزها المتواتر عن الاستجابة لتطلعات الناس منذ مطلع الألفية الجديدة بشكل خاص. لقد كدنا ننسى، بالفعل، أنه يمكننا أن نبني خططا استراتيجية فعالة. واليوم، والقيادة تتحدى كل تلك الإحباطات، وتعلن رؤيتنا غير المسبوقة بكل تفاصيلها العظيمة، وتتجاوز بها كل ما فعلناه في خططنا الخمسية إلى رؤية (تبتلع) نظريا كل شيء بما فيها تخطيطنا الخمسي، فلا شك أن هذا الأمر يبعث على كثير من الاعتزاز، والترقب أيضا، لمستقبل مختلف بإذن الله.

ثانيا: المحتوى الاقتصادي للرؤية

المحتوى الاقتصادي الذي ظهرت به رؤيتنا الوطنية 2030 ليس مجرد “محتوى اقتصادي”. ولا يعني (فقط) أن الاقتصاد عصب الحياة، هكذا بكل بساطة. الأمر بدا لي أعمق من ذلك، وأكمل. فالقيادة، بالمحتوى الاقتصادي للرؤية، تؤكد على أن أي تغير فكري اجتماعي ثقافي لا بد أن يتم بآلة الاقتصاد. وهذه قاعدة تنموية معتبرة عند العديد من منظري العمل التنموي. فمن غير القوة الاقتصادية تتحول كل التطلعات التنموية في الفكر والثقافة والمجتمع إلى مجرد أمنيات، سرعان ما تخيب بسلطان العجز عن التنفيذ. هذا ركن ركين في الرؤية، والركن الثاني، كما يبدو، ارتكاز الرؤية على المشترك الوطني قدر الإمكان، وابتعادها عن كل عوامل التشنجات المجتمعية فكرا وسلوكا. لقد بدا ظاهرا أن الرؤية انطلقت من حقيقة تطلعات الناس لعودة القوة الاقتصادية بمنظورها الوطني العام، ومن مستوى الدخل الوطني للفرد، من منظور خاص. فقد توجس الناس من سنوات عجاف تلت الربيع العربي وما لحق بأسعار النفط من تهديدات، وما وجدت المملكة نفسها أمامه من تحديات قومية ليس للمملكة فيها بد من خيارات المواجهة المكلفة اقتصاديا بشكل غير مسبوق. بالفعل، لم يكن حصيفا أبدا، أن تتحدث الرؤية عن تغير اجتماعي أو ثقافي، هكذا، في ظل القلق المجتمعي على مستوى الدخل وتحقيق مستويات العيش الكريم. فكان المدخل الاقتصادي، على الرغم من موضوعيته وضرورته المهنية في بناء الرؤية، مدخل مهم لزرع الثقة بكل ما سوف يتمخض عن الرؤية من مشروعات وبرامج لاحقة (فكرية واجتماعية وثقافية)، لن تتحقق الرؤية إلا من خلالها.

ثالثا: المكوِّن الشبابي للرؤية

يمكنني كما يمكن الكثيرين ممن هم في عمري الشعور بشيء من الإحباط جراء إعلان هذه الرؤية الشبابية. لكننا لو سمحنا لشعور الإحباط هذا بالولوج في دواخلنا النفسية، فسيكون مبعثه الأنا العالية لدينا، وليس، بالضرورة، المصلحة الوطنية. إن المصلحة الوطنية تقتضي بالضرورة تقديم الشباب في أي رؤى استراتيجية، لسبب بسيط، وهو قدرتهم على الوفاء بمتطلباتها، والعيش في نواتجها بكل التفاصيل. وهي الأمور التي لن تتاح للأكبر سنا، مهما بلغت بهم الأماني. لكن المكوِّن الشبابي في الرؤية، لا يقف عند هذا الحد، فالشباب عندنا (بشكل أكثر تحديدا) تواقون لمن يمنحهم نظرة اعتراف، ليتحولوا مباشرة إلى قوة بناءة دافعة. وذلك بعد عقودهم التي عاشوها وهم يشعرون بحيف المجتمع بحقهم. إنهم الفئة الأكثر (طردا) من الأماكن العامة، ومن الأسواق، ومن أماكن الترفيه كالشواطئ والمنتزهات، وبخاصة الذكور منهم. وذلك بحجة الفصل بين العائلات والعزاب، تلك الحجة التي أرهقت بالتأكيد الشباب من الجنسين، كما أرهقت النظام العام الوطني ومؤسساته ذات العلاقة، ناهيك عن الاعتراف بالشباب كقوة فاعلة وإشراكهم في مسيرة التنمية. لقد تمثل أعظم مشهد في رؤيتنا الوطنية 2030 في مشهد أبنائنا وبناتنا في المنازل يوم الخامس والعشرين من أبريل وهم يتحلقون حول شاشة التلفزيون، أن يتأبطون هواتفهم الذكية في ترقب غير معتاد لحدث غير معتاد، ليشاهدوا المقابلة غير الاعتيادية لإعلان رؤيتنا الوطنية، من الأمير الشاب غير المعتاد، والمسؤول غير التقليدي، الذي ظهر لهم بغير ما اعتادوا عليه من مظهر  كبار القادة، ليس لشيء إلا ليقول لهم إنه شاب مثلهم يخاطبهم باللغة التي يدركونها جيدا، ويبدو مثلهم، يلبس لباسهم، ويتحاور بلغتهم ومفرداتهم، وأنه قريب منهم. من هنا، يمكن إدراك إلى أي مدى كان المكوِّن الشبابي حاسما في الأمر.

رابعا: عناصر القوة

جاء تركيز الرؤية الوطنية على ثلاثي القوة (المكانة الدينية، والقوة الاستثمارية، والموقع الجغرافي السياسي)، بمثابة الإعلان المفتوح بأن الوطن أمام رؤية استراتيجية مختلفة بالفعل. لم تكن هذه الأمور خارج الاهتمام الوطني السابق بالتأكيد، فقد أخذت حيزا كبيرا من الاهتمام. لكنها كانت في سابق العقود تأتي هكذا أمرا حاصلا. اليوم، تتغير بؤرة التركيز. ربما لن يبق للتمذهب، أو التخندق الفقهي أو الفكري أدوارها الخوالي، فاليوم نحن (قبلة المسلمين) استراتيجيا. وأعتقد أن هذا المدخل في رؤيتنا الوطنية الراهنة سيفعل أفاعيله في كثير من مهددات تفكيكنا الراهنة، باتجاه لحمتنا وقوتنا وصلابتنا على المستويين الوطني والخارجي. كما أن المدخل الاستثماري في الرؤية أقل ما فيه أنه سيواجه (إدماننا) على النفط. كم هي رائعة تلك المفردة في رؤيتنا الوطنية 2030. أما موقعنا الاستراتيجي، فبعد أن كان شعرا ننظمه، بات اليوم حجر عثرة في طريق مريدي اختراقنا واختراق امتدادنا الديني والقومي.

خامسا: المخاطر الخمسة في طريق رؤيتنا

كل ما سبق، استقراء نظري لخارطة تحولنا الوطني المدونة على الورق. وهو استقراء مفعم بالتفاؤل ويحدوه الأمل أن ننجح “هذه المرة”،  بعد أن أعيانا قصورنا عن النجاح مرات كثيرة، كنا خلالها نرفع سقف تطلعاتنا، فلا يلبث السقف أن يتهاوى، وتذروه الرياح، ونعود ننظر من جديد في بناء صرح جديد. إن رؤيتنا الراهنة للسعودية 2030، لن تكون بردا وسلاما علينا بالتأكيد، ولا على أجيالنا الراهنة المفعمة اليوم بالتطلع، والمتشبثة بالعنصر الجديد الذي لم يكن في أي من محاولاتنا السابقة، الشباب. لن تعبر رؤيتنا الزمن دون تحديات جمة تواجهها وتواجهنا في معرض تحقيقنا لها. إن مخاوف الفشل، واستقراء شيء من تجاربنا المندثرة، تؤكد أن ثمة مخاطر خمسة تهدد رؤيتنا هذه: مدى (فهم) الناس لها والإيمان العميق بـ (ضرورتها)، و(معرفة) متطلباتها، و(إتقان) العمل على تحقيقها، و(تعهدها) بالقياس والتقويم. وباعتبار أن رؤيتنا الوطنية لنا كلنا، ومن أجلنا كلنا، فإن أي قصور من أي منا سوف يهدد قدرتنا على الوفاء بحقوق رؤيتنا، ويثقل كاهل الوطن ويصعِّب عليه الوفاء برؤيته للكون والحياة. ونحن أمام محطة تاريخية تحتم علينا استحضار كل ما نحتاجه للعبور الآمن نحو مستقبلنا الذي نتطلع إليه، وأن نكون، هذه المرة، أكثر “حزما” ضد كل عوامل تهديد نجاحنا. فالخيار الذي اخترناه اليوم، هو الأصعب في تاريخ وجودنا الكبير على خارطة العالم.

سادسا: مستقبل رؤيتنا الوطنية

أتصور العام 2030 وحالنا واحدة من ثلاث: نجاح كامل، نجاح نسبي، فشل ذريع.  وإني لأسأل الله أن يقينا شر الثالثة، وأن يمنحنا من ال “قوة” ما نمنع بها كل ما يؤول بنا لغير النجاح. سيناريو الفشل مخيف بالفعل، ونحتاج استيعابه من الآن لكبح كل ما يقوده إلينا.  والعمل المخلص المفعم بإرادة النجاح هو فقط ما يجدر بنا. إن نجحنا نجاحا كاملا فمن عند الله ثم هو من ثمار إخلاصنا، وهذا ما يليق بنا. وإن نجحنا نجاحا نسبيا يرضينا، فمن الله ثم من سعينا الدؤوب. وسنقبل نجاحنا في الحالين، ونأمل في درجات الكمال البشري. أن أجهزتنا ووزاراتنا كافة، وأسرنا، وأفرادنا مسؤولون مسؤولية كبرى للمواءمة الواعية مع رؤيتنا الوطنية، والتدرب على الوفاء ببنودها واحتياجاتها، وتمثلها واقعا راسخا عند العام 2030،  وتحقيق نجاحنا بإذن الله.

إن مستقبل رؤيتنا محفوف بالمخاطر، بالتأكيد،  لكنه مفعم بالأمل. وبين المخاطر والأمل بون شاسع لا يرتقه إلا العمل الجاد الدؤوب من أجل النجاح. ومن أولويات أدوات ضمان مستقبل رؤيتنا بإذن الله، العمل وفق منظومة قيم: الشفافية، الوضوح، الوقت، التدريب والتأهيل، الأهلية، المرونة، الحوافز والزواجر، القياس والتقويم. وهذه القيم ليست لبعض برامج رؤيتنا ولكن لـ (مجموع) إدارة الرؤية. هكذا، يمكن (فقط) أن نضمن قدرا وافيا من نجاحنا المنظور مستقبلا بإذن الله تعالى، فنرضى ويرضى الآخرون عنا،  وننظر حينها كيف نمضي بعون الله، إلى 2050.

  • تحديات برنامج التحول الوطني

ذكرت أ. كوثر الأربش أنه لا أحد يرغب في وجود لا يتغير. إن ذلك يقود البشرية نحو الدمار والهبوط في الهاوية؛ فليس هناك ما هو ثابت للأبد، وإن أردنا تلخيص قانون الحياة وحركة شعوبها فإننا نستطيع أن نختصر كل ذلك بعيدا عن المهاترات الفلسفية والتنظير المزعج بما يلي:” الثبوت وهم، التغيير قانون يحكم كل شيء، كل شيء دون تحديد؛ فليكن ذاتيا ومخططٌ له قبل أن تحل الكارثة ). ما قاله “نعوم تشومســكي” هنا ما شغلني كثيرا وأنا أتابع مدى استيعاب فكرة التحول، بل وحينما أذهلتني مدى قابلية التغيير لدى المجتمع بكل  أطيافه واختصاصاته وفئاته العمرية وثقافته. رأيت أنه قبل الدخول في أي تفاصيل أخرى أركز على هذه الحيثية. أعني قابلية التغيير بل والتعطش إليه من قبل المجتمع. التي أراها مؤشرا مبشرا ومطمئنا لدرجة الوعي في المجتمع. وهذا يدل أن ما يسمى “ثورة التطلعات” لم تقلع بدوننا وتتركنا في الوراء. نحن نشارك العالم في تطلعاتنا. كما لو أن المجتمع وبهذه الطريقة من فرد الذراعين والاحتضان والترحيب بالرؤية يقول: لن نرضى بأقل من هذا السقف.

كل شيء يتحول للثبوت يتحول خرابا ومن ثم عدم مقاومة المصاعب ومن ثم حدوث كارثة كما قال تشومسكي. لهذا الثبوت الدائم دلالة جهل. والحركة والتغيير صفة دائمة للوعي والديمومة. وهذا بالمناسبة ما تضمنه إحدى أجوبة الأمير الذكي محمد بن سلمان حينما سأله الإعلامي أ. تركي الدخيل: هل هناك خطورة للتحول؟ قال له: بل الخطورة أن لا يحدث التحول.

ويرى د. سعد الشهراني أنه إذا لم تؤدي الخطط التنفيذية إلى تعديل سلوك:

  • المواطن إنتاجيا و استهلاكيا و ادخاريا.
  • الموظف العام و متخذي القرارات لرفع مستويات الأداء و الشفافية و المساءلة و المحاسبة.
  • رجال الأعمال و العاملين من المواطنين في القطاع الخاص للتفاعل مع الرؤية و الخطط التنفيذية.

تعديلا جذريا يسهم في تحقيق أهداف البرنامج و الرؤية؛ فإن المستقبل سيكون صورة من الماضي و الحاضر الذي لسنا جميعا راضين عنه بسبب ضياع فرص تنموية حقيقة وسنفوت هذه الفرصة.

الرؤية و البرنامج يتحدثان و إن كان بلغة أخرى و بطريق غير مباشر عن هذا الشرط الضروري الذي هو غير كاف بطبيعة الحال.

وعلقت أ. هيا السهلي بقولها: إذا نحن بحاجة إلى مسار رؤية توعوية يسير بشكل متوازي مع برامج التحول، ولنعتبرها البرنامج الرابع عشر.

كثير يجهل ماذا عليه وماذا يفعل؟ والكثير يضع يد على قلبه يخشى أن يفتح بابه ويجد عند الباب من يطالبه بالدفع وتنهكه تكاليف هذه البرامج.

وكثيرا أيضا يظن أن ليس له دور فاعل وهو الشرارة التي توقد الهمة.

وكثير من تقدم بهم السن يقولون لا ناقة لنا ولا جمل و(وما بقى في العمر كثر ما مضى ) .

وكثير منهم يقول لسنا في النفير ولا النعير !

وكثير لا يحمل لياقة العمل بعد طول كسل !

البرنامج التوعوي مهم لا يقل عن بقية برامج التحول.

إن الخطط التنموية السابقة قد بقى منها ما بقي حبر على ورق، ومنها ما تعثر وشابها ما شابها من الفساد، ومنها ما لمسنا بعض ملامحها بروج شيدت ولكن البئر معطلة !!

الخطة التنموية هذه المرة ضخمة وعمر أطول والتفاعل معها كان بحجم ضخامتها ، ولكن معظم التفاعل جاء بعلامات استفهام؛ الكل يبحث عن إجابة والاستفهامات اختلفت بواعثها؛ منها ما دافعه القلق يريد أن يطمئن على مستقبله وثاني يترقب لفائدة وآخر يريد أن يساهم برسم هذا المستقبل ويمسك بعمول للبناء ويقول كيف؟

والجزء الذي لم يتفاعل فهي الفئة الصامتة لابد من أن نستنهضها الآن؛ لأنها قد تصحو وتعيدنا خطوة للوراء أو تبطء السير!!

حتى يكون الكل في المشهد العام، والكل تكون له صورة، لابد نبتعد في الحوار عن ثنائية المعارضة والولاء وننتقل إلى ثلاثية نقد السيء والاحتفاء بالجيد وإصلاح ما بينهما.

والحوار المجتمعي حول برنامج التحول الذي يفترض لصانع القرار أن يسمعه هذه المرة بكل جوارحه لن يكون بلغة غير مفهومة أو يجتز من أطرافه مالا نريد ، أو الطريق إليه غير موصول.

الحوار هذه المرة ٧٠٪‏  منهم يستطيعون أن يوجهوه ويحددوا محاوره ويديرونه، و٧٠٪‏ منهم يمتلكون أدواته السهلة الوصول لصاحب القرار؛ فلا عذر لصاحب القرار في متابعة ورصد سير عملية التحول وتقييمها.

٧٠٪‏ من المجتمع يستطيع أن يراقب ويحاسب حتى الطفل ذو العشر سنوات.

٧٠٪‏ من المجتمع شباب وأكثر من ٦٠٪‏ منهم يستخدمون الانترنت.

لابد أن يستوعب صاحب القرار أنه بحجم القوة الإعلانية لرؤية السعودية 2030 ستكون المحاسبة وردات الفعل.

وتساءل م. خالد العثمان: هل يصح أن تربط الرؤية بموعد زمني لتحقيقها ؟ أم أن الرؤية أسمى وأعم من ذلك ؟ .. والخطة هي ما يرتبط بمحددات زمنية ؟

وفي هذا الإطار أكد أ.د. عبدالرحمن العناد أن الرؤية ضرورية لأي استراتيجية وكذلك تحديد الزمن؛ لكن أبجديات التخطيط تتطلب واقعية الأهداف وانسجامها مع الإمكانات والزمن المتاح.

ماهي أهداف الرؤية؟ هل أعلنت؟ هل هي مكتوبة؟ أم أنها الأفكار التي طرحها الأمير محمد في اللقاء.

وأوضح د. يحيى الحارثي أن الرؤية أمر زمني مكاني، أما الخطة هي الخطوات لهذا الزمان المكاني.

الرؤية في الأنظمة الديناميكية المتغيرة طبيعي ولابد أن تكون زمنية وخصوصا إذا كانت اعتمادية.

ولعل ما ذكر هو ليست رؤية بقدر ما هي دخول في الساحة التنافسية. أي تحسين أداء للتنافس والحضور الدولي أو ساحة معينة. أما الرؤية فهي شاملة وعميقة وتجيب على السؤال: ماذا تريد أن يعرف عنك العالم ويذكرك به؟

وذكر م. أسامة كردي أن هناك جزء من الرؤية يتحدث عن التناسق بين مخرجات التعليم و سوق العمل .. و عندما ينفذ هذا بالطريقة المأمولة نكون أعددنا أبناءنا لسوق العمل .. مرة أخرى .. المهم التنفيذ.

كما تتحدث الرؤية عن دعم الشركات السعودية لتصبح عابرة للقارات كما صرح وزير التجارة بذلك .. لا تتوفر أي معلومات حاليا عن كيف سيتم ذلك.

وقالت د. الجازي الشبيكي: أكثر ما يهمني هو انعكاسات الرؤية وبالتالي الخطة على الفئات الأقل حظًاً في المجتمع ، الفقراء ، ذوي الدخول المحدودة ، كبار السن والمرضى من الفقراء .

الخطة تؤكٍد على أن تصحيح ورفع المستوى الاقتصادي ، سيعمل تلقائياً أو مثل ما قال سمو الأمير محمد بن سلمان ، سيبتلع المشكلات الأخرى مثل البطالة والإسكان.

تساؤلي ، هل سينجح هذا التوجه في مجتمعنا مثل ما نجح لدى الغرب أو لدى دول تختلف عناً في العديد من السمات والمتغيرات؟

والخطة بحاجة إلى شرح وتفصيل وافي لدى جميع شرائح المجتمع كلٌ حسب مستوى سنه وفهمه واستيعابه من خلال شتى الوسائل الموصلة لهذا الهدف.

وتطرق أ. عبدالله الضويحي للرؤية من ثلاثة جوانب يرى أنها غابت عن كثيرين ممن تناولوها خاصة الأخير منها وهو لب الموضوع.

  • أولا: قوبلت الرؤية بالتهليل والتصفيق وبعد أن “راحت السكرة وجاءت الفكرة” بدأ التعامل العقلاني معها والنقد والتفكيك وكأنما كانوا  ينتظرون من يعلق الجرس .. وهذا في نظري أمر طبيعي لأن جيل اليوم لم يعتد مثل هذه المبادرات وكان النقد في أكثره ممن عاصروا استراتيجية وزارة التخطيط 2002 وهيئة الإستثمار2006.
  • ثانيا: إعلامنا الرسمي لم يتعامل معها بما تستحق وبما يتناسب وتطلعات القيادة فلم نلحظ برامج أو تحقيقات ( إلا ما ندر ) تفند الرؤية  وترسم أبعادها وتنقد سلبياتها بما يعين القيادة على تنفيذها وتحقيق أهدافها .. وهذا طبيعي إذا نظرنا للقائمين على هذا الإعلام بمختلف وسائله وإمكاناتهم المهنية وغيرها.
  • ثالثا: وهذا هو المهم .. الطفل ذو الأربع سنوات الذي هو على أبواب الروضة والتمهيدي عندما يحل 2030 سيكون على أعتاب الجامعة. وطالب المرحلة المتوسطة اليوم عندما يحل 20300 سيكون رجل دولة ورجل أعمال ويقود الرأي.

والحديث هنا يشمل الجنسين.

هؤلاء ماذا أعددنا لهم !؟

وماذا أعدت لهم الرؤية !؟

ما هو دور وزارة التعليم في إعدادهم وتثقيفهم وتهيئتهم لذلك من كل النواحي فكرا وثقافة وعلما !؟ ماهي رؤيتهم وثقافتهم عندما يخرجون حينها للمجتمع عموما وكمسؤولين ثانيا !؟

وهل مناهجنا ومقرراتنا الدراسية وبيئتنا التعليمية في عمومها مؤهلة لذلك وتتماشى مع متطلبات الرؤية وأهدافها.

هؤلاء هم أدوات التنفيذ للرؤية وإذا لم يكونوا على درجة من التأهيل لذلك فستكون الرؤية حبرا على ورق وكغيرها من رؤى سابقة.

وأوضح م. خالد العثمان أنه وجد تباينا في الطروحات بين من تحدث حول الحوار المجتمعي حول الرؤية وبين من تحدث عن الرؤية نفسها المختلفة. وبرغم أهمية تقييم وتفنيد الرؤية ومضامينها وطريقة صياغتها وطرحها إلا أنه سيلتزم بالعنوان المعلن للقضية.

الحوار المجتمعي حول رؤية 2030 لا يختلف جذريا عن الحوار المجتمعي حول أي قضية أخرى تخص الوطن والمجتمع . فالمشهد يتراوح بين التطبيل المدقع والهجوم اللاذع وبين هذا وذاك طروحات شتى. وفي ظنه فإن هذا الواقع يعود إلى سببين رئيسيين :

  • الأول: هو غياب ثقافة الحوار المجتمعي المؤسسي وشيوع ممارسات ردود الأفعال القائمة على الانطباعات والمشاعر والميول والولاءات والمصالح.
  • الثاني: هو سقوط أو إسقاط فكرة مشاركة المجتمع والرأي العام عن صياغة الرؤية بما في ذلك مؤسسات الشورى ومجالس المناطق والحكم المحلي والمنتديات الفكرية والحوار الوطني وغيرها ، وحصر دائرة صياغة الرؤية في دائرة ضيقة منتقاة.

إن الحديث عن انفتاح صاحب الرؤية على تلقي النقد والنصح والرأي حولها ، وتأكيد الحرص على إشراك المجتمع في تطويرها وتنفيذها والتفاعل معها بإيجابية يتطلب مراجعة الكيفية التي تمت بها صياغة الرؤية ووسائل تسويقها ، إذ لا يكفي أن تعلن عبر مقابلة تلفزيونية حصرية ومؤتمر صحفي مغلق على حضور وجهت لهم دعوات حصرية للحضور ، حتى أن البعض أشاع أن الأسئلة قد روجعت ودققت قبل المؤتمر. الأمر برمته يتطلب حشد الفهم والدعم والقبول والتفاعل من مختلف شرائح المجتمع حتى يمكن لهذه الرؤية أن تجد طريقها للتنفيذ الناجح الذي تعد به . هذا الأمر لم يتجاوزه الحدث ، وأرجو أن يكون محل اعتبار في المراحل المقبلة من إعلان محاور العمل والخطط والبرامج التنفيذية المتعلقة بالرؤية ، والتي يجري العمل على صياغتها كما ذكر صاحب الرؤية حين إعلانها.

  • التحول الوطني وقضية المرأة

قالت أ.د. سامية العمودي: في التحول المجتمعي لن تستطيع أن تتحول بنصف الشعب تاركاً النصف الأخر المملكة يقارب تعدادها عشرون مليوناً نصفهم عشرة ملايين نساء.

اقتصادياً هذا هدر اقتصادي وبطالة اقتصادية ومجتمعية.

لكي تستثمر في هذا النصف يجب أن تزيل المعوقات: حق التنقل بمواصلات عامة متقدمة، وبقيادة السيارة لمن تختار، تحتاج رفع الوصاية عن هذا النصف في سفرهن لأداء مهام عمل واستثمار.

لا يمكن أن يحدث تحول مجتمعي وأنت تستحدث شرطة أمنية نسائية تتابع ماذا ترتدي النساء ولون العباءة وقطرها وستسود الفوضى من جديد وسيضيع التحول المجتمعي ونصبح قصصاً في الإعلام.

القصة ليست تخلي عن الثوابت، القصة تخلي عن الموروثات المجتمعية التي لازالت عالقة في العقليات، ولن يحلها استفتاء المجتمع لأن الحقوق لا يستفتى عليها.

جيل الشابات غير جيلنا ولربما هناك خطر من عدم التحول ومن تبعاته لو لم نحتوي العشرة مليون هؤلاء ليمارسن حقوهن الطبيعية في الحياة.

وقال د. عبدالرحمن الهدلق: المجتمع السعودي يتطلع أن تشارك المملكة في “قيادة العالم” ونحن أشغلنا أنفسنا كثيراً “بقيادة المرأة للسيارة” على سبيل المثال ولم نشغلها كذلك في الدفاع عن حقوق المطلقة والأرملة وحقوقها الأخرى بشكل عام.

لماذا الحماس يكون لحقوق المرأة فقط في قيادتها للسيارة؟ أمل أن يكون حماسنا كذلك لحقوقها الأخرى. التعامل مع ملف حقوق المرأة بتوازن وبشكل شمولي مطلب عادل.

وأوضحت د. عائشة حجازي أن هناك ملفات كثيرة تخص المرأة لابد أن تفتح ويؤخذ فيها قرار من ضمنها القيادة فهي ليست الأهم بالطبع.

وقال د. مساعد المحيا: حين يتم منح هذا الحق للمرأة تذكروا أن المجتمع لن يكون له رأي حينذاك في اتخاذ القرار .. وحينها لكم أن تتساءلوا أين المجتمع من هذا القرار.

الذين يتحفظون على قرار كهذا موجودون وسيبقون.

الذي أميل إليه هو أن القرار سيصدر حين تكون المؤسسة الأمنية والمرورية جاهزة لهذا ..

الظرف الاقتصادي قد لا يعجل بهذه القرار ..

ولذا تبقى ورقة أن المجتمع هو الممانع صالحة حتى تتم الجاهزية.

أيضا تساءل أ. عدنان المرشد: هل نطالب بسبب ضغط من الخارج أم ضغط من الداخل؟

وأضاف: نعم القيادة مطلب مهم لا أعتقد أن أحد لا يدرك مدي أهميته وإمكانيته في حل الكثير من الاشكالات.

المهم الآن هو الضغط من الداخل في القضايا التي لا يختلف المجتمع في الرغبة في حلها للمرأة، ثم الانتقال لحقوق أخرى وتحقيق مكاسب أكبر مع الوقت.

لا أعتقد أن الدولة لديها مشكلة في قيادة المرأة ولكن الاشكال هو في التوقيت فقط.

وتساءلت أ. مها عقيل: ولماذا لا تبدأ جاهزية المؤسسة الأمنية والمرورية؟

خطوات عملية تبدأ في تهيئة المجتمع.

هل سننام ونستيقظ و نجد أن المؤسسة الأمنية والمرورية أصبحت جاهزة وأن المجتمع تقبل الوضع؟

لو هناك جدية في معالجة الموضوع لتم اتخاذ هذه الخطوات منذ زمن.

وموضوع قيادة المرأة للسيارة ليس أولوية وليس الأهم ولكنه حق، وليس بالضرورة أن توافق الأغلبية عليه في البداية ولكن مع الوقت سيصبح الكل يطالب به ويطبقه.

ويرى د. إبراهيم البعيز أن خطاب الممانعة لقيادة المرأة للسيارة بدأ بجدلية المبدأ (التحريم)، ثم انتقل إلى جدلية الظروف (حلال لكن ظروفنا لا تسمح) ثم انتقل إلى جدلية القبول الاجتماعي (حلال وظروفنا تسمح لكن المجتمع غير متقبِّل) ، ثم جدلية ترتيب الأولويات (حلال وظروفنا تسمح والمجتمع متقبِّل لكن هناك قضايا أهم من قيادة المرأة للسيارة)، وقريبا سينتقل إلى جدلية أخرى.

ويعتقد أ. عبدالله بن كدسه أن قيادة المرأة للسيارة أصبحت كرت ثمين جداً للسياسي سواء مع المجتمع الدولي أو حتى في الداخل .. كثرة الحديث عنه وحدة الصراع عليه جعلت منه كذلك .. إن هذا الكرت من وجهة نظر سياسية يجب أن لا يُطرح إلا في وقت يستحق طرحه .. يصبح تنازل عن أمر مقابل أمر أكبر منه.

ومن جهته قال أ. مسفر الموسى: من حق المرأة أن تطالب بحقوقها.. ومن ضمنها قيادة السيارة وغيرها من الحقوق الواضحة البينة..

لكن القضية التي لاحظتها في تجربتي الحياتية.. أن المرأة تعزل نفسها عن الهم الشامل للمجتمع…

عندما صدرت الرؤية.. كان خطاب المرأة السائد أن كل هذه المحاور التغييرية في رؤية الاقتصاد لا تعنيها.. لأنه لا يوجد بند يتحدث عن القيادة.

عند تعيين المرأة في مجلس الشورى.. كان الخطاب السائد عن دور المرأة البرلمانية في حل قضاياها.. وهو حق.. ولكن كأنها غير مرتبطة بالاقتصاد والتعليم والصحة.. كأنها ليست جزء من المجتمع في صورته الشمولية.

في الإعلام.. وعندما كنت أعمل في التلفزيون.. كانت الإعلامية السعودية تعزل المرأة عن المجتمع.. ببرامج الطبخ وغيرها.. وكأن موضوع السياسة لا يعنيها.

الخلاصة.. مطالبة المرأة بحقوقها مطلب مشروع.. بشرط أن لا يعزلها عن المجتمع في شكله الأوسع.

وما أطرحه هنا في علاقة التحول الوطني وعلاقته بقيادة المرأة.. أتمنى أن لا يكون ضمن الخطاب الأخير، ولكنه متعلق أكثر ب:

  • أن للمرأة السعودية حقوق لم تأخذها ولكن المرأة أيضا مرتبطة بقضايا المجتمع الأخرى وغير معزولة.. المرأة يهمها الاقتصاد الوطني والإسكان والبطالة ونحوها.
  • أن قضية قيادة المرأة للسيارة ليست مظلة عليا لتكون في خطة التحول.. وإنما فرع لمظلة عليا.. قد تكون (تمكين المرأة في السعودية) .. أو (تصحيح النظام التشريعي في السعودية).. ثم تأتي قضية القيادة كأهداف فرعية يمكن قياسها.

أما أن تناقش قضية القيادة كمادة صلبة في الرؤية.. فهذا يعني أن طموحاتنا بسيطة جدا.

وعقب أ. سمير خميس بقوله: لكن تبقى قيادة المرأة للسيارة مؤشراً مهماً على مآلات التحول الذي سيحدث.

وأضاف أ.د. عبدالرحمن العناد: نريد في هذا الموضوع قرارا سياسيا لا مجتمعيا لأن غالبية المجتمع ذكورا واناثا ضد قيادة المرأة وضد حقوقها بالعموم.

وبدوره أوضح أ. مسفر الموسى أن الخلل في النظام التشريعي.. كمظلة عليا للكثير من القضايا الدنيا.. التي ستتغير معها القضايا الفرعية على التوالي… على سبيل المثال.. الأمير محمد بن سلمان يقول أنه قرار مجتمعي.. ولكن المجتمع لا يشارك في النظام بشكل مباشر في اتخاذ القرار.. وبالتالي، فإن دعم مشاركة المجتمع في العملية السياسية العليا.. سيساهم في حل الكثير من القضايا المعطلة.. ومنها هذه القضية اللغز.

  • مقترحات عملية لضمان نجاح برنامج التحول الوطني

أوضح د. علي الحارثي أن الكثير من المهتمين يرون أن رؤية التحول الوطني رؤية ناضجة ، بالرغم من أنه سبقها رؤى مماثلة بمصطلحات ومسميات وأهداف متقاربة؛ كإعلان وزير التخطيط والاقتصاد قبل سنوات عن استراتيجية متكاملة للمملكة تنقل المملكة إلى قائمة العشرين بحلول ٢٠٢٠ ، وبعدها هيئة الاستثمار العامة واستراتيجيتها ٢٠٠٦ لعشر سنوات انتهت. وزامنهما صخب إعلامي صم الأذان وأشترك معهم الكثير من أصحاب الفكر والثقافة وقادة الرأي والدعاة والعلماء  حتي حققنا الأهداف كلها قبل أن يبدأ التنفيذ والتطبيق . وها نحن الآن أمام ثالثة … مثيرين صخب النجاح وصخب اشتراك المجتمع في آلية التنفيذ والتطبيق والمراقبة والمتابعة ونحن لم نشترك في صناعة هذه الرؤية أصلاً ، فمن سيأخذ برأيك أو صوتك لاحقاً . إذا كان لنا من رأي مسموع ، فلا بد من إعلان آخر عن رؤية سياسية من مجلس الشؤن السياسية والأمنية يعلن فيها بوضوح حقوق المواطن في إبداء الرأي والمشورة في كل الرؤى والقرارات والمتابعة والمحاسبة لكل مسؤول مهما كانت صفته أو وظيفته أو مركزه كما أشار اليه الأمير محمد أن كان يعني ذلك . يعلن هذا المجلس عن فصل السلطات التي تضمن لكل سلطة كل الصلاحيات التي تؤدي إلى الحفاظ علي حقوق وحرية كرامة المواطن ومحاسبة من يستحق المحاسبة من الحكومة ومن المواطنين ويحمي الوطن والمواطنين من الفساد والمفسدين، ويصبح لمؤسسات المجتمع المدني صوت الحق والضمير الإنساني والوطني … عندها سيتحقق ما تم الإشارة إليه حول الحوار المجتمعي حول التحول الوطني . وإلا سيكون فقط ذَر الرماد في العيون.

أما أ. ليلى الشهراني فترى أنه لن تتحقق تنمية شاملة إلا بتحول جاد يبدأ بالأولويات ثم المكملات شيئا فشيئا حتى تتحقق تنمية شاملة ومرضية للجميع ، وأول خطوات التحول الجادة هي في نفض الأتربة والغبار عن الفساد الإداري والمالي الذي تعاني منه كل دائرة ومؤسسة حكومية ، فالفساد مثل القوارض التي تنخر في أساسات كل بناء ؛ ولن تستطيع أن تتقدم خطوة للأمام ما دام أن هناك من يشدك للخلف ، سأتناول قضية السياحة بما أنها رافد مهم في عملية التحول ، وما سمعناه من خطاب سمو الأمير يثلج الصدور حقيقة لعدة أسباب ، أن بلادنا ثروة سياحية لم تستثمر ، فلدينا التضاريس المختلفة والتنوع المناخي والغطاء النباتي والصحراء الساحرة والبحار وما تحويه من جزر وشواطئ جميلة ، غير المواقع الأثرية الجاذبة ، لكن وللأسف الأماكن الجميلة إما قابعة خلف الشبوك كطير بائس محبوس في قفص كريه يمنعه عن التحليق ، أو شواطئ تختنق بشاليهات تجارية تمنع الناس عن حقهم في الجلوس أمام الشواطئ والاستمتاع بها ، ناهيك عن أسعارها الخيالية مقابل خدماتها المتواضعة مقارنة بما يدفعه السائح السعودي في الخارج ، ومثلها أسعار الفنادق والشقق القريبة من الحرمين التي تحرم السائح الديني من ذوي الدخول المتوسطة من السكن فيها لتصبح وجهة للمتخمين والأغنياء فقط ، حتى ينجح التحول السياحي وتتحقق الرؤية بوضوح يجب أن ندرك أن السياحة ليست مهرجان صيفي أو عرضة شعبية وألعاب نارية وأهازيج في موسم الصيف والاجازات السريعة. بل سياحة دائمة ومستدامة وجاهزة لاستقبال من يبحث عن الراحة والترفيه في أي وقت دون تخصيصها فقط بالأعياد أو الإجازات ؛ والاهتمام بأماكن تجذب الشباب ذكورا وإناثا تنميهم ثقافيا وبدنيا ، ويمارسون فيها هواياتهم وإبداعاتهم.

القطاع السياحي يعود على البلدان بعوائد اقتصادية ضخمة ويوفر الكثير من فرص الأعمال ويساهم في تخفيض نسب البطالة وإذا استمر الحال على ما هو عليه فسنرى هجرة جماعية للخارج في كل إجازة للعائلات السعودية ، فكيف بغير السعوديين.

وأشار أ. مطشر المرشد إلى أن الرؤية لأي دولة لا يقودها خبراء الاقتصاد والمال ، بل تنطلق من خلاصة حوارات عصف ذهني بين صاحب القرار و مجموعة من خبراء محليين وطنيين لديهم معرفة تامه لكافة شرائح المجتمع ، وبالإضافة لخبراء الاجتماع يجب أيضا الاستماع وأخذ بعين الاعتبار ما يقوله أساتذة التاريخ المحليين في الجماعات الوطنية.

ولا يمكن رسم رؤية / تحول بناء على اجتماعات بين الاقتصاديين وبين شركات استشارات عالمية.

والاقتصاديون والماليون يضعون المسارات وخلطة التنفيذ  في أي رؤية وطنية … مثال ، تاتشر وفريقها الحاكم لم تنطلق رؤيتهم من خلفية اقتصادية ، تم قراءة الوضع في بريطانيا بشكل واقعي وتوصلوا بأن البنية التحتية للخدمات الأساسية في بريطانيا “هرمت” وبحاجة ماسه لرؤوس أموال ضخمة تستثمر لتحديث قطاعات مثل سكك الحديد ، الكهرباء ، الاتصالات الخ …وبنفس الوقت خزينة الدولة كانت فارغه وتعاني من عجوزات …. طرحت الأفكار على مجموعات من الاقتصاديين وخبراء التمويل ، واتخذت تاتشر بما أطلق عليه لاحقا  تاتشرزم أو برنامج الخصخصة.

هل يعقل أن يأتي شاب من نيويورك وفقط لأنه يعمل لدى شركة استشارات عالمية ، ليقترح علينا على سبيل المثال إيجاد برنامج غطاء طبي لكافة السعوديين كما هو الحال في أمريكا وبريطانيا؟

لكن أغلب الظن أن هذا الشاب طرح اقتراحه متأثرا بتصورات معينة حول قدرات المملكة المالية ، ولم يخطر في ذهنه بأن أغلب القرى والمدن غير الرئيسة لا يتوفر بها مستشفيات ٧٠ سرير فما فوق ( شرط أساسي لشركات التأمين الطبي).

وأكد أ. خالد الحارثي على أن الاقتصاديين الخبراء والأكاديميين عليهم أن يطرحوا الرؤى الاقتصادية التي توضح عواقب تبني اتجاهات معنية أو تطبيق سياسات اقتصادية محددة أو سياسات عامة تؤثر في الاقتصاد ، وهذا يغيب كثيرا عن المتداول والمنشور باللغة العربية بالذات عن الأوضاع المحلية وحتى بلغات أجنبية.

وأوضحت د. عائشة حجازي أن هذه الرؤية وهذا التحول يجعلنا نستشرف المستقبل بكثير من الأمل والتفاؤل. ومع هذا فمن المهم أن يكون هناك مخاطبة لفئات المجتمع جميعها فهناك من لا يعرف حتى ماذا نعني بالتحول الوطني ..عقول البسطاء تحمل بين طياتها أسئلة كثيرة لابد أن تضع في الحسبان حتى لا تُستغل.

التغير سنة كونية ، من منا لا يحبذ أن يكون متجددا ومتغيرا ومكتفيا من خيرات وطنه.

هناك صعوبات كثيرة قد نواجهها خاصة في كل ما يتعلق بشأن المرأة ولكن الأمل يحدونا أن ما نتطلع له سيكون وبأفضل مما نتوقع.

التحول الصادق والواقعي لابد أن يشمل مكافحة الفساد ،الصحة ، التعليم ، المرأة ، تشغيل طاقات الوطن البشرية والاقتصادية وفق أعلى مستوياتها ، مشاركة الشعب في الرأي وفي القرار ، استغلال مقدرات البلد وخيراتها بداخلها وإعطاء الفرص لكل من أراد أن يبني ويؤسس لمشاريع تنموية وذلك بتسهيل إجراءات القيام بذلك بدلا من أن يذهب إلى خارج وطنه.

وأشار د. حاتم المرزوقي أن لكل برنامج تحول وطني طموح متطلبات.. تتعلق بشكل مباشر ببيئة التحول.. المتطلبات التي يعوزها برنامج التحول الوطني في المملكة يمكن حصرها في التالي:

  • تطوير الرؤية (٢٠٣٠) إلى برامج تنفيذية ذوات مخرجات قابلة للقياس.
  • خلق البيئة الثقافية والمجتمعية الداعمة للتحول.
  • إعداد الكوادر والأجهزة الإدارية القادرة على صناعة التحول.
  • وضع وتحديث التشريعات المنظمة للتنفيذ والرقابة على التحول.
  • إعداد أدوات قياس لكفاءة برامج التحول.
  • المراجعة الدورية لبرامج التحول بما يحقق تكيفها مع المتغيرات.

ومن ناحيته قال د. عبد الله بن صالح الحمود، دعما ومؤازرة للتحول الوطني ، وحتى نكون عمليين من وجهة نظري ، ولتحقيق خطط وأهداف مرسومة لرؤيتنا للعام 2030 ، وشمولية ذلك بالتحول الوطني عامة ، فإنني أرى أن تتحقق النقاط الآتية والتي في ظني أنها المنال الرئيس للمواطن وذلك بما يلي :

  • الاستثمارات المحلية هي أحد ركائز أي دولة اقتصادياً ، فإذا أردنا أن نصل بها إلى بر الأمان وأن تكون داعمة للناتج المحلي بصدق وشريك لنمو مضطرد للدخل القومي فلابد أن تكون مرجعيتها جهة واحدة بخلاف ما هو قائم والتي ترتبط تراخيصها والإشراف عليها من لدن ثلاث إلى خمس جهات.
  • التعليم ، يجب إعادة هيكلة التعليم العام والعالي على حد سواء ، وأن يكون هناك مبان لمؤسسات التعليم كافة الحكومي منها والأهلي سواء ما هو مملوك أو مستأجر ، بمبان نموذجية أعدت لهذا الغرض ، وإعادة النظر في مناهج التعليم العام بما يتفق والمتغيرات الاجتماعية.
  • الصحة ، يجب أن تتوافر مستشفيات ومراكز صحية بأعلى المستويات من ناحية كفاءة الكوادر الطبية ، ومن ناحية أخرى توافر خدمات علاجية متعددة الاحتياجات ، العضوية منها والنفسية ، وأن يشكل قطاع التمريض من السعوديين بما لا يقل عن 50% من العاملين في هذا القطاع ، وأن يتحقق للمواطن تأمين صحي شامل لأي خدمات علاجية.
  • إعادة هيكلة مرافق الشؤون الاجتماعية بما يتفق والاحتياجات الاجتماعية للأفراد أو الأسر ، سواء مراكز التأهيل الشامل أو الايواء لمجهولي الأبوين أو دور الحماية من العنف بكافة أنواعه ، وكذا مراكز المسنين ، فهذا القطاع يعتبر من أهم القطاعات الاجتماعية التي يفترض التركيز عليه في هذه المرحلة.
  • إنشاء أندية ثقافية تتفق والمستوى الثقافي التي تعيشه البلاد ، وأن تكون أندية داعمة للثقافة ، وألا تكون على غرار الأندية الأدبية الحالية والتي تكونت لخدمة فئة محدودة من المجتمع.
  • إنشاء مراكز ترفيهية للشباب والفتيات تغني الجميع ولو بنسبة مقبولة من البحث عن ترفيه لا يمكن الحصول عليه إلا بالرحيل إلى بلدان مجاورة ، وهنا يتمثل دور كل من وزارتي الشؤون البلدية والقروية والشؤون الاجتماعية ، في هذا الجانب.
  • إعادة النظر في القوانين والضوابط الخاصة بالمرأة ، مثل وجوب موافقة الولي لسفرها لوحدها ، وحق التعليم والعمل دون موافقة الولي ، مشاركة المرأة في تسنم مناصب قيادية في القطاعين العام والخاص.
  • إنشاء مركز عام يعني بالبحث العلمي والدراسات الاستراتيجية ذو استقلالية خاصة إدارياً ومالياً.
  • الثروة المائية لم تنل حقها في الاهتمام سواء من خلال وزارة المياه والكهرباء أو وزارة الزراعة ، فضلاً عن عدم توافر مراكز بحثية تعني بقضية المياه ، وهنا لابد أن يتوافر مركز أو هيئة تختص بمصادر المياه.
  • الاهتمام البيئي لايزال اهتمام مبعثر بين عدة جهات ، وهنا لابد أن يؤسس مركز أو هيئة مستقلة تعني بالبيئة بالمفهوم العلمي.
  • إعادة هيكلة الهندسة المرورية ، وجعل الشوارع والطرق أكثر اماناً ، على أن تتوافر ممرات للمشاة في كافة الطرق والشوارع خصوصاً في المدن الكبيرة.
  • إعادة هيكلة مراكز الشرطة ، على أن تتكون على وجه الخصوص من وحدات متعددة مثل (وحدة ضبط السلوك العام – وحدة الأمن السياحي – وحدة الأمن الجنائي – وحدة أمن الحقوق الخاصة).

المحور الثالث

النخبة في المجتمع السعودي وكيف تتشكل ودرجة تأثيرها

الي أعلي

الورقة الرئيسة: د. خالد الرديعان

هناك عدد من علماء الاجتماع السياسي الذي قاربوا مفهوم “النخبة” أو الصفوة Elite وكذلك مفهوم “دورة الصفوة” لعل أشهرهم من علماء الاجتماع فلفريدو باريتو وموسكا وميشلز وبوتومور ورايت ميلز.

وحتى لا نشتت الموضوع بالأطروحات النظرية فإن مفهوم “النخبة” أو “الصفوة” يشير إلى: “جماعة من الأفراد يشغلون مراكز النفوذ والسيطرة في مجتمع معين؛ وتمثل النخبة أكثر الطبقات هيبة وأثرا”. كما يشير المصطلح إلى “فئة عليا في أحد ميادين التنافس الاجتماعي؛ وبالتالي يمكننا القول بوجود نخبة سياسية، ونخبة صناعية، ونخبة دينية، ونخبة رجال الأعمال، والأثرياء، ونخبة الانتليجنسيا (المثقفة)، ونخبة الرياضيين والفنانين … الخ”. هذا التعريف يخرج مفهوم النخبة من التعريف القديم الذي كان يحصرها في “الأقلية السياسية” أو الطبقة الحاكمة ( أي أن التعريف الأخير يشير إلى توزيع مصادر القوة في المجتمع حسب رايت ميلز). الشائع هو أن النخبة تعني “الأقلية الحاكمة” الا أن هذا المعنى طرأ عليه تعديلات كثيرة سوف أتناولها في نهاية المداخلة.

أما مفهوم ” دورة الصفوة” والذي يعود إلى باريتو كذلك فإنه يشير إلى “تعاقب الأقليات الحاكمة على قيادة المجتمع من خلال آليات معينة”.. ويرتبط مفهوم دورة الصفوة بسلوك اجتماعي شائع؛ فبعض المجتمعات الديموقراطية قد يحكمها حزب يوصف بأنه “تقدمي” في مرحلة ما لكن بسبب سرعة التغيرات التي يحدثها هذا الحزب وعدم التأقلم مع التغيرات يميل الجمهور بعد عدة سنوات إلى حزب محافظ بهدف إعادة التوازن الاجتماعي المطلوب وللحد كذلك من وتيرة التقدم السريع… وفي فترة ما قد يحكم الجمهور حزب محافظ لا يحدث التغييرات المتوقعة ومن ثم تنتخب الجماهير حزبا تقدميا، وهنا تتضح فكرة “دورة الصفوة” المشار إليها أي تعاقب الأحزاب على الحكم كما في حالة حزب العمال ( التقدمي) وحزب المحافظين في بريطانيا، وكذلك الحزب الديموقراطي ( التقدمي) والحزب الجمهوري (المحافظ) في الولايات المتحدة.

هل يمكن استعارة ما سبق لتوصيف النخب في المجتمع السعودي؟ أعتقد أننا نتعسف في استعارة النموذج السابق لكن الحديث سينصب على توصيف النخب السعودية وهي نخب نتفق ونختلف على توصيف بعضها، لكن لغرض التحليل وتحفيز المناقشة فإنني أقول أن لدينا نخب يمكن تنميطها على النحو التالي:

  • الأسرة الحاكمة وخاصة من يمسكون بمناصب تنفيذية ( النخبة السياسية).
  • أمراء المناطق والوزراء والسفراء والوكلاء ومن في حكمهم ممن يمسكون بمناصب عليا في الدولة ويدخل ضمن ذلك أعضاء مجلس الشورى والمجالس الأخرى (نخب سياسية كذلك).
  • طبقة العلماء والقضاة والمشايخ والدعاة (النخبة الدينية).
  • المثقفون والانتلجنسيا وتشمل الكتاب والشعراء وأساتذة الجامعات ورؤساء تحرير الصحف والأطباء والمهندسين ومن في حكمهم (النخبة المثقفة).
  • رجال الأعمال والاقتصاد والصناعيين وأهل الثراء وكبار الملاك ( النخبة الاقتصادية).
  • طبقة شيوخ القبائل ممن لهم مكانة اجتماعية ونفوذ على أتباعهم (النخبة التقليدية).
  • طبقة المشاهير وتضم الرياضيين والفنانين ممن نرى تأثيرهم الطاغي في وسائل الإعلام.
  • النخبة العسكرية وتشمل كبار الضباط من مختلف القطاعات؛ كالجيش والقوات الجوية والأمن الداخلي والحرس الوطني.
  • كيف تتشكل النخب السعودية؟

أولا: النخبة السياسية

فيما يتعلق بالنخبة السياسية فإنها واضحة المعالم وتستمد بقاءها من عوامل تاريخية تتعلق بنشأة الدولة السعودية وبحكم النظام الملكي الوراثي.

وتستقطب النخبة السياسية أتباعها (ممن هم من خارج دائرة الأسرة المالكة) من عدة مناطق وقبائل وخلفيات اقتصادية بهدف خلق التوازن المطلوب ولتحاشي تهميش أي فئة اجتماعية. ولاحقا يقوم من تم استقطابهم بتقديم غيرهم من ذات الخلفية إلى نفس الدائرة بداعي استمرار التركيبة وعدم الاخلال بها.

ثانيا: النخبة الدينيّة

ساهم النفط واقتصاد الدولة الريعي في إعادة ترتيب النخب السعودية ودرجة تأثير كل منها؛ ففي الوقت الذي صعدت فيه “النخبة الدينية” إلى المقدمة فقد تراجعت “النخب التقليدية” بصورة واضحة انطلاقا من حقيقة تآخي السياسي مع الديني في تكوين الدولة بعملية تاريخية بدأت مع تأسيس الدولة السعودية الأولى منذ منتصف القرن الثامن عشر. وتقوم النخبة الدينية بإضفاء الشرعية المطلوبة على النظام السياسي لتلعب دور النسق الموجه للأخير؛ بل أن السياسي لا يتحرك دون مباركة “النخبة الدينية”. وبالتأكيد فإن الأخيرة تحظى بامتيازات لا تتوفر لغيرها لأنها تمثل صمام الأمان للنظام السياسي ومصدر شرعيته.

أما كيف تستقطب النخبة الدينية (الرسمية) أعضاء جدد فإن ذلك يتم بوسائل شخصية وتزكيات وليس بسبب الكفاءة أو الجدارة مع وجود استثناء في القاعدة، علما أن المؤسسات الدينية مفتوحة للجميع وهناك مرونة كبيرة في الحصول على المؤهلات العلمية المطلوبة إلا أن صعوبة الولوج “للنخبة الدينية الرسمية” يخضع لشروط صارمة. يمكننا التدليل على ذلك بإمامة الحرمين الشريفين حيث يتم جلب أعضاءها في الغالب من منطقة واحدة ومن طيف فكري واحد. وحتى سلك القضاء وهو مهم جدا ينطبق عليه ما سبق فهم يتركزون في عائلات معروفة وأحيانا بالوراثة.

ثالثا: النخبة الاقتصادية

تحظى هذه النخبة بموقع متقدم بفضل دورها الاقتصادي دون أن نعتقد أنها مؤثرة في القرار السياسي؛ بسبب طبيعة تكونها الطارئ وميلها للكسب وانصرافها إلى الاهتمام بمصالحها الخاصة على حساب المجتمع الذي تنتمي إليه، إضافة إلى أن النظام السياسي لم يسمح لها بأكثر من الفرص الاقتصادية التي اهتبلتها في العقود الماضية دون أن تقحم نفسها بالشأن السياسي ما قد يؤثر على فرصها الاقتصادية التي يصعب التضحية بها ولاسيما أنها تحظى بامتيازات كبيرة قل أن نجدها في أي دولة عربية.

رابعا: النخبة المثقفة

أما “النخبة المثقفة” فهي بعيدة عن التأثير المطلوب رغم كل شيء وذلك بسبب تشتتها وتعدد مشاربها، وضآلة صوتها، ولافتقادها عنصر “القدرة التنظيمية” التي نجدها أكثر وضوحا عند النخبة الدينية و إلى حد ما عند النخبة الاقتصادية. ويظل عمل النخبة المثقفة تحت المظلة الرسمية عائقا كبيرا في قدرتها على بلورة برنامج اجتماعي في التغيير السياسي أو طرح برنامج شامل للتغيير والتحديث قد يتصادم مع تطلعات النخبتين السياسية والدينية. يضاف إلى ذلك هشاشة وضع النخبة المثقفة، وانشغالها بقضايا بعيدة عن اهتمامات الجمهور مما يجعل الأخير ينصرف عنها. هناك أصوات لا تخضع للتنميط السابق ولها حضورها المؤثر لكنها لم تستطع أن تشكل تيارا موحدا يحمل مطالب الجمهور إلى النخبة السياسية أو يشكل عامل ضغط عليها.

خامسا: النخبة التقليدية

تعرضت هذه النخبة التي تضم شيوخ القبائل إلى تهميش بعد توحيد المملكة وهو ليس تهميش مقصود وإن كان ذلك واردا، ولكن بسبب مركزية النظام السياسي الجديد واضمحلال دور القبيلة كوحدة سياسية واقتصادية. وقد بدأت هذه العملية detribalization مبكرة عام ١٩٢٥م عندما الغي نظام حماية الأراضي على أساس قبلي وأنها املاك عامة..

مع ذلك ظل شيوخ القبائل يمارسون دورهم التقليدي “الجديد” كمراجع وأصحاب مكانات تعترف بهم الدولة بحيث أصبحوا أداة للسيطرة على أتباعهم مقابل بعض الامتيازات المعنوية والمادية. ويظل تأثير هذه النخبة ضعيفا إلى حد كبير في ظل مستويات التحضر المرتفعة والحراك السكاني الشديد والهجرة المتزايدة إلى المدن الذي يجعل من النخبة التقليدية غير فاعلة، وأحيانا غير مؤثرة على أتباعها.

ورغم التنميط السابق للنخب فإن هناك مرونة في انتقال أعضاء نخبة ما إلى النخبة السياسية على وجه الخصوص بسبب قوة النظام السياسي وقدرته على جلب أعضاء جدد دون المرور بالقنوات السياسية التي نراها في الديموقراطيات الغربية على سبيل المثال. ويمكن للفرد كذلك أن يجمع بين الانتماء إلى نخبتين وربما أكثر بسبب مرونة النظام الاقتصادي الذي يلعب دورا مهما في ذلك.

أردت من العرض الموجز أعلاه تحفيز المشاركات في الموضوع، وفيما يلي أعرض لآراء كل من باريتو وموسكا وميشلز ورايت ميلز ومفهوم النخبة عند كل منهم.

سوسيولوجية النخبة:

لعل أول من لفت الانتباه إلى دراسة النخبة أو الصفوة elite هو عالم الاجتماع الايطالي فلفريدو باريتو كما تقدم، وذلك ردا منه على النظرية الماركسية التي عظّمت من شأن وتأثير الطبقة الرأسمالية التي تتحكم بشؤون المجتمع حسب وصف كارل ماركس.

و باريتو هو صاحب المصطلح الشهير “دورة الصفوة” والذي يشير به إلى تعاقب الصفوات أو النخب على حكم المجتمع لخلق التوازن المطلوب؛ حيث تأتي صفوة حاكمة تقدمية تعقبها عادة صفوة حاكمة محافظة وهكذا دواليك.

وتقوم فكرة باريتو على وجود فئتين في المجتمع “طبقة حاكمة” و “طبقة محكومة” وعد الأولى نخبة تأخذ إحدى الصفتين: صفات الأسود أو صفات الثعالب. فالأسود يميلون لاستخدام القوة وربما العنف للوصول للحكم، في حين أن الثعالب يميلون للمكر والخداع والأساليب الملتوية في سبيل الوصول للحكم طبقا للسمات النفسية لكل مجموعة. ويغلب على طرح باريتو الجانب النفسي السيكولوجي في حديثه عن الرواسب والمشتقات.

أما موسكا وهو عالم اجتماع آخر فقد أستخدم مفهوم “الطبقة الحاكمة” للإشارة إلى النخبة بوصفها أقلية حاكمة ليس من الضروري أن يكون لها مصالح رأسمالية كما عند ماركس ولكنها تحتكر كل مصادر القوة في المجتمع وتستخدم في سبيل ذلك أساليب قانونية وأحيانا تعسفية، وقد تميل للعنف لتحقيق سيطرتها. وحسب موسكا فإنه ليس من الضروري أن تتسع قاعدة الطبقة الحاكمة بازدياد حجم المجتمع؛ لكنها كقلة ستتمكن من السيطرة على الجمهور بما تتوفر عليه من “قدرة تنظيمية” ستضمن بقاءها وقدرة أعضاءها على الاستمرار في الحكم.

ولا تستخدم الأقلية الحاكمة عند موسكا مصطلح “الأيديولوجية” لأنها ستكون عقيدة جامدة؛ وبدلا من ذلك فإنها تستخدم “الصيغة السياسية” لتشير بذلك إلى الأسس التي تستند اليها الدولة في استقرارها وبقاءها. “الصيغة السياسية” بهذا المعنى ستكون مرنة وقابلة للتغيير وغير مكبلة بعكس الأيديولوجيا. وفي مرحلة لاحقة قد تتصدع الطبقة الحاكمة ويظهر منها أقلية أخرى تنشق عنها بهدف الاطاحة بالأولى للاستئثار بالحكم. كيف تصل الطبقة المنشقة للحكم؟ هذا يتم بقدرتها التنظيمية كذلك وحشد الأتباع واستغلالها تذمر الجماهير من الطبقة الحاكمة. بذات الوقت تقوم الطبقة الحاكمة(الأولى) بتعديل “صيغتها السياسية” لتواجه الفئة المنشقة ليحتدم الصراع بين الفئتين في نهاية المطاف لينتهي الأمر لصالح أحداهما. ويتقاطع هذا الطرح إلى حد كبير مع الطرح الماركسي في حتمية الصراع بين طبقتين تتنافسان على حكم الجمهور.

جاء بعد ذلك روبرت ميتشلز الذي درس عددا من الأحزاب السياسية ورأى أن الطبقة الحاكمة عموما تميل إلى تحييد وإقصاء كل ما سواها للاستئثار بالسلطة وتستخدم ما أطلق عليه “القانون الحديدي للاوليجاركية” انطلاقا من فرضية أن الديموقراطية في مرحلة ما تميل إلى تركيز الحكم في أيدي قلة من الأفراد ليتحول النظام الديموقراطي إلى نظام اوليجاركي (مستبد). ويبقى السؤال لماذا يحدث ذلك؟

يجيب ميتشلز أن ذلك يحدث بسبب ميل الجمهور للخضوع كسمة نفسية اجتماعية، وبسبب انفصال القادة عنهم، وبسبب تعقّد الجهاز البيروقراطي وهيمنته؛ ما يجعل الجماهير تفقد الثقة بالقدرة على مواجهة الغول البيروقراطي، ومن ثم تذعن للوضع القائم الذي يكرس الاستبداد والقبضة الحديدية.

جاء بعد ذلك رايت ميلز وهو عالم اجتماع أمريكي يساري بمفهوم جديد للنخبة أو الصفوة فوّسع المفهوم ليشمل فئات أخرى خارج نطاق الحكم؛ فالنخبة حسب ميلز ليس من الضروري أن تكون الطبقة الحاكمة بل إنها تشمل كل فئة لديها قدرة على التأثير على الجماهير بحيث تضم أهل الثراء الواسع، ومدراء الشركات وأرباب الصناعة، وكبار رجال الجيش، ورجال الدين، ورؤساء الأحزاب، بل إنه أدخل ضمن الصفوة أهل الفن ومشاهير الرياضة.

وبذلك فالنخبة عند ميلز تشير إلى “توزع القوة” داخل المجتمع وأنه ليس من المفيد قصرها على رجال الحكم والسياسة.

ويعد ميلز صاحب المصطلحين الشهيرين “ذوو الياقات البيضاء” إشارة للمدراء التنفيذيين ومتخذي القرارات، و”ذوو الياقات الزرقاء” إشارة للعمال بحكم أن معظم دراساته ركزت على دراسة الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي.

نخلص مما سبق أن مفهوم “النخبة” تطور بمرور الوقت وأنه لم يعد قصرا على الأقلية الحاكمة. كما أن المصطلح يستخدم على نطاق واسع في التحليلات السياسية؛ فعندما يود باحث ما دراسة النظام السياسي في بلد ما فإنه قد يستفيد منهجيا من مفهوم النخبة كمدخل تحليلي.

مراجع مقترحة:

  • أحمد زايد (٢٠٠٩) مقدمة في علم الاجتماع السياسي. القاهرة: مكتبة نهضة مصر.
  • محمود حامد مهمور(٢٠١١) علم الاجتماع السياسي. عمّان: دار البداية.
  • محمد بن صنيتان (٢٠٠٥) النخب السعودية: دراسة في التحولات والاخفاقات. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

التعقيب الأول: د. عبدالسلام الوايل

يحرض ما طرحه د. خالد على أعمال التحليل لما استجد في تكون النخب في المجتمع السعودي مؤخرا. و بالنظر لخلفيتي الأكاديمية، كمتخصص في علم الاجتماع، فإني سآخذ بالتعريف الواسع للنخب الذي طرحه د. الرديعان و الذي يعرف النخب بوصفها “فئة عليا في أحد ميادين التنافس الاجتماعي”.

تمت دراسة موضوع النخب في السعودية. و من أشهر الدراسات في هذه المجال عمل د. محمد بن صنيتان عن النخب السعودية في رسالته للدكتوراه المنجزة في الجامعة التونسية، حيث طبعت هذه الرسالة عن طريق مركز دراسات الوحدة العربية. خرج بن صنيتان بنتائج في دراسته عن سيطرة البعد المناطقي و التقدم في السن و اعتبارات الثقة و إعادة الإنتاج الاجتماعي كملامح للنخب السعودية و آليات تكونها. و ربما أن المجتمع السعودي يدخل الآن فترة من تكونه تؤثر على آليات تكون النخب بما يفرز نخبا جديدة تختلف في طرق صناعتها عما سبق.

يلاحظ على تشكيلة النخب السعودية دخول فئتين اجتماعيتين جديدتين بنخبة ما، هما “المرأة” و “الشباب”. فالمرأة أصبحت ممثلة في مجلس الشورى و المجالس البلدية، التي و في مفاجأة كبرى حملت الانتخابات عشرين سيدة لهذه المجالس في الانتخابات التي جرت قبل أِشهر. أن دخول المرأة لميدان النخب سيعطي شرعية و دفعة كبرى لتواجد أكبر لها في ميادين اجتماعية مختلفة. و فيما يخص تكون النخب في هذه الفئة الاجتماعية، فإن النخبة السياسية النسوية، أي عضوات مجلس الشورى، يلاحظ التأهيل الأكاديمي العالي و النشاط الاجتماعي و التميز المهني. و يبرز النشاط الاجتماعي كأكبر محدد، فجميع المعينات في مجلس الشورى ذوات حضور اجتماعي تم إما من خلال المجال العام، الكتابة في الصحف و الظهور في الإعلام، أو النشاط عبر المؤسسات الرسمية، كالجامعات و مؤسسات المجتمع المدني.

وفيما يخص فئة الشباب، فإن عوامل من قبيل الثورة الاتصالية، و التي أقبل عليها المجتمع السعودي بشغف، و تزايد الاهتمام السياسي بفئة الشباب في البلدان العربية مؤخرا و صعود أحد الشباب لمركز الرجل الثالث في الدولة جعلت لهذه الفئة حضورا أكبر جعلها قادرة على إنتاج نخبة. و ربما يضم مجلس الوزراء السعودي في تشكيلته الحالية أكبر عدد من الوزراء الشباب. و يحتاج الواقع الجديد المنوه عنه أعلاه لجمع مزيد من البيانات لمعرفة كيفية تشكل النخب في هاتين الفئتين الاجتماعيتين.

آلية أخرى تبدو جديدة في صناعة النخب السعودية بشكل عام و حتى تقويضها تتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي. فالإعلام الجديد أضحى أكثر من إعلام. إنه ديوان الشعب و محل جدالاتهم و نقاشاتهم و أطروحاتهم. و يلاحظ أن هذه الآلية ساهمت في إخراج البعض من دائرة التأثير، كما يتضح في أكثر من شاهد على نخب فقدت مناصبها بسبب كثافة النقد لها في تويتر مثلا. كما يلاحظ أمر آخر. ذاك هو تأثير تويتر في نزع هالة التبجيل على نخب شعبية، لا تحتل مكانا رسميا، عند البعض، خاصة في فئة الدعاة. و لعل في البيان “الاعتذاري” الذي أصدرته أحد الفعاليات السياحية عن استضافة أحد الدعاة أو اعتذار قناة شبابية محافظة عن استضافة آخر أدلة على الدور الخطير لهذه الآلية في مجال صناعة النخب. وسائل التواصل إذا أصبحت عاملا في صناعة النخب في المجالين الرسمي و اللارسمي تضاف إلى آليات صنع النخب في المجتمع السعودي.

التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا

اتفق مع د. خالد في جوانب عدة لكني لا اتفق معه في تطبيقاته التي مثل بها وبخاصة في النخب الدينية فهو يقول أن أئمة الحرم من منطقة واحدة وأن القضاة كذلك ..

يبدو أنه غير مطلع على التغيرات التي تعيشها هذه المؤسسات في الآونة الأخيرة.

كذلك تحدث د. خالد عن النخب الدينية وأن النفط والاقتصاد الريعي هو سبب مكانتها. والواقع أن النخب الدينية منذ عهد المصطفى ﷺ مروراً بالخلفاء الراشدين فالدول الإسلامية كانوا يجدون المكانة التي تدور مع حجم وطبيعة وظيفتهم وعملهم ولا أظن الأمر مرتبط بنمط الاقتصاد فالتاريخ العربي يشير مثلاً إلى مكانة عالية للأزهر في مصر منذ إنشائه وفي القيروان وفي المغرب وفي الشام ولا أظن أن النخب الدينية يقل الاهتمام بها في دولة مسلمة ومجتمع مسلم ..

فقط حين تتسنم النخب العسكرية القيادة في بعض الدول وهم الأقل إدراكاً لمتطلبات الدولة فإن النخب الليبرالية استطاعت أن تؤلبهم على النخب الدينية وبالتالي كان تهميشهم …

النخب الدينية هي الأهم في ترشيد الموقف السياسي وفي مسيرة الدولة الثقافية والاقتصادية وبخاصة حين تكون هذه النخب في مستوى الحدث وداخل صندوق الاهتمامات الاجتماعية والثقافية بمستوى علمي رفيع يظهر عظمة الإسلام وصلاحيته ..

النخب تقاس بعطائها وجهدها ودورها..

ولذا فقد كان للنخب الدينية مواقف عظيمة مع الدولة وبخاصة في الأزمات التي مرت بها وهي مواقف تجد التقدير لدى صانعي القرار ..

وحين وقفت النخب الدينية هذه المواقف فإنها تدرك بأن الدولة في نظامها ومنهجها ينثل الأنموذج الأفضل والفريد للدولة الإسلامية في حين خذلت بعض النخب الدولة في تبنيها لمواقف تصطدم مع مرتكزات منهجها الذي قامت عليه …

النخب الثقافية لدينا برغم كل جهود التلميع والابراز والاشهار إلا أن البراجماتية الشخصية جعلت الكثيرين منهم يدورون مع مصالحهم الضيقة من حيث الممارسة على أرض الواقع وأما من حيث الإنتاج فهم يعيشون في برج عاجٍ وقصرٍ فوق تلٍ كبير لا يعرف من فيه ما يعيشه الناس في السهل..

أما النخب السياسية فهم نوعان الأسرة الحاكمة و الكفاءات التي تدير معهم العمل السياسي هذه النخب تمتلك القرار والمال والأمن ..

رسمياً لا يوجد لدينا مؤسسات ترعى النخب على طريقة النقابات المهنية وإن كان لدينا مؤسسات عامة ولكنها ليست ذات طابع مدني يتيح لها اتخاذ مواقف مستقلة.

النخب إذا لم تكن قادرة على  قول كلمة الحق بالأسلوب المناسب والحكمة والموعظة الحسنة فإنها تمنح نفسها صك البينونة عن المجتمع وهمومه بل قد تكون أسوأ حين تصبح كورالا لا قيمة لها سوى أن تبصم على المشهد الواقعي ..

فالنخب لا يكون لها حضور إلا في مجتمع تتحرك فيه وتؤثر فيه ولذا يظل المشهد لدينا قائماً بالسياسيين والتكنوقراط أو البيروقراطيين ..

النخب السعودية عالم من التنوع الحقيقي وغير الحقيقي وقد حاول كتاب النخب السعودية دراسة في التحولات والاخفاقات للدكتور محمد بن صنيتان وهو رسالة دكتوراه في الجامعة التونسية توصيف المشهد الاجتماعي وتفكيك المؤثرين فيه..

النخب في المجتمع السعودي تتعدد … بعضها فوق الطاولة وبعضها أسفل منها، بعضها نخب بالونية منفوخة أسهمت بعض وسائل الإعلام في إبرازها لتبدو أكبر وأعظم من قدراتها وإمكاناتها دينياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً ولذا لم تقدم على صعيد مصالح الدولة الأهم ما يحقق لنا صورة ذهنية أفضل في هذا العالم ..

المهم في اختيار النخب هو مرجعية اختيارها وتحديدها بمعنى من الذي يحدد أن هذه النخب وغيرها دون ذلك إن كان الأمر للمجتمع فنخبنا تختلف كثيرا عن النخب الملمعة ..

وإن كان الأمر سياسي فما نشاهده جزء من واقع مصنوع ..

وإن كان الأمر بلا معيار فنحن ندعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لنا بذلك…

لقد استطاعت النخب السياسية احتواء النخب الأخرى احتواء جعلها تتخلى عن قدرتها في ممارسة طرح الرؤى الإصلاحية وبقيت هذه القدرة مرتهنة لطيف دون غيره ..

وإذا كنا ندرك أننا لا نعيش حالة تكافؤ مع الدول الأخرى من حيث قدرة النخب على مواجهة ما تطرحه المنظمات والهيئات الدولية تجاه المملكة وشعبها ونظامها؛ فإن الطريق لشرح نظامنا ودستورنا ومنهج دولتنا وفلسفة مجتمعنا للآخر يتطلب حضورا نخبويا قويا عبر مؤسسات جديرة بإثبات الذات وتفسير الواقع برؤية يدركها الآخر ويتفهمها أو يقبلها ..

فالنخب لا تزال لدينا ضعيفة أو مُضعّفٓة وليس من مصلحتنا بقاؤها على هذه الحال خاصة ونحن نستقبل طموحا كبيرا في تغييرات هيكلية إدارية في الدولة لرؤية تمتد حتى 2030.

ولعل واقع النخب اليوم وهو يضعف أمام قدرة الشبكات الاجتماعية في صناعة نماذج أخرى هشة وهامشية يجعلنا نتأمل في إعادة بناء هذه النخب ودعمها وبناء مؤسسات راعية لها بحيث يشمل ذلك كل الأطياف والفئات العمرية.

المداخلات حول قضية: (النخبة في المجتمع السعودي)

  • حول مفهوم النخبة؟

أشار د. زياد الدريس إلى أنه لا بد من إعادة تعريف (النخبة) في كل عصر وحقبة. ففي عصور الازدهار العلمي والمعرفي تكون النخبة هي العلماء والمفكرون، كما هو حاصل في عصور النهضة الإسلامية والأوروبية. وفي العصر الذي تهيمن فيه الرأسمالية بنفوذها الطاغي كما لمسناه في العقود الأخيرة تكون النخبة هم رجال الأعمال ورؤساء الشركات الكبرى. والآن، ونحن في عصر وسائط التواصل الاجتماعي، توشك (النخبة) المؤثرة أن تكون من لديهم حساب فعّال في تويتر و فايسبوك و سناب شات.

إذاً فالنخبة ليست دوماً حكراً على المثقفين، كما نزعم ونأمل!

تعريف (النخبة) يتأثر بعامل آخر، غير الأهمية القيمية، هو عامل القوة والنفوذ. ما الذي يجعل المثقف نخبوياً إذا كان سيكون أقل تأثيراً وتغييراً للمجتمع من قدرة شاب «فايسبوكي» أو «تويتري» على التغيير؟!

توصيف آخر للنخبة لا يأبه بعامل القوة، يرى أن النخبة ليست هي الأقوى تأثيراً وتغييراً بل الأقوى رأياً وتحليلاً وتوصيفاً لمآلات التغيير، مثال ما يحدث في المنطقة العربية الآن.

رأي آخر وأخير حول ماهية النخبة، لا يرى أنها هذا ولا ذاك، لأن العولمة حين كسرت هيبة السلطات الأبوية (سلطات الأب والحاكم ورجل الدين والمعلم) لم تترك للنخبة أيضاً هيبتها التي كانت لها، ولم يعد المجتمع قادراً على تقبّل وجود نخبة من المجتمع تعلو فوقه وتطغى عليه.

وقال أ. عبدالله الضويحي أن “النخبة”: في قواميس اللغة هي المختار من كل شيء، و”نخبة”: مجموعة غالبا ما تكون صغيرة ومنتقاة وتمتاز بالثروة أو التكوين والثقافة أو التدريب أو المركز الاجتماعي أو السلطة السياسية وغير ذلك.

والحديث عن النخب السعودية يقودنا للحديث عن أصل ” النخبة ” فهي ليست بدعا أو مستقلة بذاتها بقدر ماهي امتداد لها.

و “النخب” ليست وليدة العصر الحديث ففي الجاهلية كان سادة قريش يمثلون ” نخبة ” وفرعون وجنوده والأمثلة كثيرة في كل العصور.

وفي القرآن الكريم ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين • ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم )

( كنتم خير أمة أخرجت للناس .. )

وفي بداية دعوته وقبل أن يجهر بها صلى الله عليه وسلم اتخذ صفوة من صحابته ” نخبة ” واستمرت معه حتى بعد تكوين الدولة الإسلامية تأخذ منه وتتعلم وكان من ضمنها نخبة نسوية على رأسها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

و ” النخب ” موجودة في كل مجتمع مهما كانت درجته أو موقعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو ثقافته.

وعليه فتواجد ” النخب ” في المجتمع السعودي بالصورة والتقسيمات التي أشار لها د. خالد في ورقته طبيعية ويمكن أن توجد في أي مجتمع آخر وإن اختلفت في بعض جزئياتها.

ويمكن التوقف هنا عند مصطلحين تضمنتهما الورقة الرئيسة وهما: النخبة و الصفوة:

  • “النخبة” مصطلح عام، فقد تكون مثالية وقد لا تكون فقد يكون هناك فساد مالي أو إداري لدى نخب سياسية أو اجتماعية وربما أيضا أخلاقي لدى أخرى.
  • “الصفوة” مصطلح يختص بمجموعة مثالية ” الصفوة المختارة ” على سبيل المثال.

وعليه؛ فالصفوة تعتبر نخبة والعكس غير صحيح.

يبقى السؤال: هل النخبة أو الصفوة كمصطلح عملية نسبية !؟

بمعنى أن ما يراهم شخص نخبة أو صفوة قد لا يراهم غيره كذلك !؟

أو: ما تعتبر نخبة أو صفوة في مجتمع هل تكون كذلك في مجتمع آخر !؟

  • تصنيفات النخب والإشكالات المتضمنة

أوضحت أ. فايزة الحربي أن النخب تنقسم إلى قسمين داخلية وخارجية ؛ منها المؤثرة والغير مؤثرة. المؤثرة داخليا منها: النخب السياسية والاجتماعية، وتندرج تحتها كثير من التقسيمات والتفرعات.

تعمل النخب السياسية في عدة اتجاهات لتحقيق مصالح مختلفة في محاولة بناء توازن للدولة داخليا وخارجيا وهي خطوطها استراتيجية وجماعية وواضحة.

أما النخب الاجتماعية فللأسف فقدت سطوتها النخبوية مع هلامية شبكات التواصل الاجتماعي، وبدأت تتأرجح بين قوة وضعف في تخبط بلا خطوط واضحة تسير بها، ولم يعد المثقف أو رجل الدين أو غيره ذا تأثير نخبوي كالسابق، وسهل إبراز أخطاء وفضائح بعض النخب لإسقاط شعبيتها، وفي المقابل سهل صنع نخب مؤثرة نسبيا على عامة الناس؛ فمثلا قد يخلق اليوتيوب شخصيات مؤثرة بسبب شهرة ليس لها أساس نخبوي،  بمجرد أن لامس هذا الشخص في طرحه من خلال أحد مقاطع الفيديو الخاصة به هموم الشعب أو حقق رغبات الشباب الساذجة فتحول إلى بطل شعبي ذا شهرة وبدأت تستقطبه قنوات mbc ، ثم تتحكم في أيدلوجيته وتوجهاته وتسيره حسب هواها الساذج في غالبه لصناعة فكاهه ساذجة، وهنا صنع المجتمع والإعلام أزمة اجتماعية وفكرية وعاد السياسي الإعلامي للتحكم بالاجتماعي.

جانب آخر ومهم للنخب الاجتماعية وهنا مصطلح  نخبوي نستخدمه كونه موثر وفعال وليس نخبويا بمعنى التميز والايجابية بل التأثير السلبي ؛ حيث تحرك عدد من الجماعات الداخلية والخارجية لزرع الفتن والإشاعات والإرهاب والتطرف وزعزعة الأمن ، وتمتد أذرعها بالخفاء لتحقيق أهداف خبيثة، وهذه تستحق البتر والترصد لها، وهذا ما فعلته الدولة مؤخرا ولله الحمد ويجب علينا جميعا مساندة الدولة في ذلك كل في مكانه.

وأضاف د. مساعد المحيا أن من الجوانب المهمة في مفهوم النخب ، أن النخب المثقفة يذهب بها المعنى كثيرا للنخب الأدبية؛ وهو مفهوم نجحت في الإشارة إليه وتعميقه الصفحات الأدبية أو الصفحات الثقافية التي يحررها الأدباء والمهتمون بالأدب.

وفي تقديره فإن هذا المصطلح أعم وأشمل حيث يندرج تحته كل العلماء في كل التخصصات ، بدء من علماء الشريعة وانتهاء بعلماء الطب .. لذا من الخطأ أن يحتكر البعض الثقافة وهي مفهوم واسع وشامل.

واختلف د. خالد الرديعان مع د. مساعد في تصنيف علماء الشريعة كنخبة مثقفة، فهم عادة يصنفون ضمن النخب الدينية ويحصلون على مكانة اجتماعية مرموقة لا يحظى بها الأديب أو الكاتب الصحفي مثلا.. وبالتالي فتصنيفهم ضمن النخبة الدينية أفضل وربما أصح.

ميزة النخبة الدينية (غير الرسمية) – برأيه – أن الحراك الاجتماعي فيها أسهل من غيرها… يكفي أن يكون معك مؤهل علمي بكالوريوس عقيدة أو شريعة وتدخل ضمن هذه الدائرة بسهولة مقارنة بالنخب الأخرى، وأن تمارس الدعوة أو الوعظ وربما إمامة أحد المساجد، أو تضع مؤلفا يحقق لك شهرة عند الجمهور.

وأشار د. مساعد المحيا إلى أنهم بالفعل نخب دينية ؛ ولكن حين يتم تصنيفهم من زاوية الثقافة لابد وأن يكونوا في مقدمتهم.

العلم والثقافة تشرف بشرف المعلوم.

كتاب الله وسنة رسول الله هما أعظم مصدرين نستقي منهما ثقافتنا ومعاييرنا وقيمنا، وشرف العلم بشرف المعلوم، ومن المهم أن تكون النخب المهتمة بذلك هم أحد رموز الثقافة تاريخا وواقعا، وإن لم تكن كذلك فالنخب كلها ينبغي توصف بتخصصها؛ فنقول نخب ادبية واجتماعية وطبية ونفسية واقتصادية وسياسية ..فإن منحنا صك النخبوية للأديب، فالعالم الشرعي حري به وأولى.

ومن جهته يرى د. حسين الحكمي أن حصر النخب في الجانب السياسي أو الأدبي تحجيم للمصطلح. فمن الممكن أن تكون النخبة سياسية ، وأيضا يمكن أن تكون دينية كما هو حال عدد من طلبة العلم الشرعي أو من يعرفون بالمشايخ حيث أنهم من النخب أيضا.

في الوقت الراهن أصبح البعض يحصل على مزايا وتسهيلات ومكانة النخب فقط لأنه أصبح مشهورا وله عدد من المتابعين في وسائل التواصل الاجتماعي.

التعليم والشهادة العلمية أحد محددات النخب ، لكنها لا تؤخذ بالشكل الذي تستحقه ، وربما في الفترة الأخيرة بدأ البعض يعرف قيمة شهادة الدكتوراه مثلا وأنها تعطي لحاملها قيمة مختلفة ومكانة اجتماعية ويمكن تصنيف الحاصل على شهادة الدكتوراه من النخب ، لذلك قام البعض بعمل ما يمكن للحصول عليها حتى لو بطرق غير سليمة فنتج عنها قائمة ليست بالقصيرة.

وعند الحديث عن النخبة يلاحظ غياب دور المرأة ومكانتها وعدم تواجدها في القائمة إلا في مجالات ضيقة وحصرية على المجالس النسائية ويكون السبب فيها في الغالب النسب.

ويعتقد د. مساعد المحيا أن الحديث عن النخب يشمل الرجل والمرأة، وأي حديث عن المرأة فقط يعني أن ننتزعها من حقها في أن تكون من النخبة في المجال الذي تتخصص أو تبدع أو تهتم فيه.

من الأشياء التي اهتمت بها بعض الصحف مثلا إلغاء صفحات المرأة والنظر لها على أنها ينبغي أن تكون في كل القضايا في مختلف الصفحات، ولعل هذا النمط من الاهتمام جعل لها قيمة تتسق وما تستحقه.

نلاحظ غياب المرأة ، وكذلك غياب نخب أخرى لأسباب مذهبية أو مناطقية. هو ليس غياب بقدر ما هو تغييب.

التركيز على فئات معينة أو جنس معين أو منطقة معينة ووصف شخص منها بأنه من النخبة ، وفي المقابل لا يحصل على نفس المكانة والمميزات شخص آخر فقط لاختلاف جنسه أو مذهبه أو منطقته يثبت وجود تحيز كبير وواضح.

وتساءل: د. حميد المزروع: وهل هناك نخب وصلت بالوراثة !

وماذا عن شيوخ القبائل هل تصنف ضمن النخب !

دون وجود معايير محددة أو أعراف أو تقاليد متوافق عليها، سيبقي موضوع تعريف النخب وتصنيفهم من الموضوعات العائمة ومن السهولة المتاجرة بها.

وأجاب د. خالد الرديعان على التساؤلات الأخيرة بقوله: يصنف شيوخ القبائل ضمن النخب التقليدية بحكم مكانتهم الموروثة، وهناك شيوخ معترف بهم رسميا ولهم بعض الامتيازات… وبعضهم موظف في الدولة ويلعب دور المرجع لأتباعه.. ويتضح دورهم في التوسط وفض المنازعات وكونهم حلقة وصل أحيانا بين أتباعهم وأجهزة الدولة؛ يقومون بدور حيوي ومهم فهم يعالجون بعض المشكلات قبل وصولها للأجهزة الرسمية.. وقد أجريت مقابلة مطولة مع أحد شيوخ القبائل الشمالية وتكلم عن دورهم بهذا الخصوص.

وقالت د. نوف الغامدي في مداخلتها: ما معنى أن يكون المرء من النخبة..؟

وما هي شروط الانتماء إلى سجل النخبة..؟!

وماذا عن الأدوار التقليدية والمستحدثة لها..؟!

وكيف يتأتى التوفيق بين التقليدي والحديث في اشتغال النخب..؟!

ثم ألا يمكن القول بأن النخب باتت مطالبة بأداء أدوار ومهام جديد في ظل سياقات الحراك والتوتر..؟!

لو تحدثنا على الصعيد الكيفي فقد توقفت كثيرا عند الانتقال التدريجي الذي لهذه النخبة من نخبة تنهج عقلانية مقاولاتية قائمة على المضاربة والريع والاحتكار في إطار تدبير امتيازي، تخوله لها القرب من السلطة المركزية إلى نخبة تعتمد عقلانية جديدة تنخرط تدريجيا فيه شبه منافسة نزيهة، وبناء اقتصاد قائم على الاستحقاق والمخاطرة الحقيقة والإبداع والابتكار كعناصر أساسية داخل النظام الاقتصادي الوطني.

هناك مشروع اقتصادي تحديثي تداخلت عوامل عدة لقيامه منها وجود إرادة سياسية حقيقة للتحديث في المجال الاقتصادي، وبرزت إلى جانب هذا المشروع معالم النخبة الاقتصادية شابة ومتعلمة ومواطنة، تؤمن بالقانون والاستحقاق والمخاطرة والمغامرة.

إن الطرح الذي يقول بوجود حقلين دينيين يؤطران هذه النخب في المجال التداولي الإسلامي:

  • حقل النخب الدينية التي تعمل في إطار الفضاء الديني المؤسساتي (الحقل الديني الرسمي).
  • النخب الدينية المحسوبة على الحقل الديني المضاد .

قد يختزل دور ومكانة هذه النخب؛ لذا فإنه الأفضل تصنيفها حسب التنظيم التي تنتمي إليه أي:

  • نخب دينية تنتمي إلى المؤسسات الدينية الرسمية
  • نخب تنتمي إلى المؤسسات الإسلامية الإخوانية على الخصوص.
  • نخب دينية تنتمي إلى المرجعية السلفية.
  • نخب دينية تنتمي إلى الطرق صوفية .

وحقيقة توجد أزمة حقيقة في تجديد النخب الدينية بين العهدين القديم والجديد خاصة في الثقل العلمي لهذه النخب الجديدة.

وعندما نتحدث عن سوسيولوجيا النخب فلابد أن نناقش الموضوع من خلال خمس أساسيات هي:

  • التوصيف.
  • المنافذ والأصول.
  • طرق الاشتغال في الواقع.
  • كيفية إعادة الإنتاج.
  • إشكالية المنافسة التي تتعرض لها النخب.

وبالرغم من تواتر الاشتغالات المعرفية على النخبة، فإن شروط إنتاج النخب وأدائها الاجتماعي والسياسي، ما تزال مثار نقاش حاد، يتوزع في غالبيته على مدخلين للقراءة:

  • الأول: موقع النخبة في سلم التراتبيات الاجتماعية.
  • الثاني: ينفتح على الأداء الاجتماعي لهذه النخبة في مستوى التأثير والفعل بالمجتمع.

هناك هاجس مستمر ببحث أسئلة الهوية والفعل:

– ما موقع النخبة، وما دورها في المجتمع..؟!

أما على مستوى البنية فإن السؤال أعمق من خلال استعادة النقاش حول مسألة الحراك الاجتماعي للنخب، فهناك من يلتحق وهناك من ينسحب، فالأمر لا يتعلق بنمط إنتاج ثابت ومغلق، فالنخبة في بنائها الأصلي هي حراك مستمر من أجل تأمين الوجاهة و”إلغاء” المنافسين، أو على الأقل “التحالف” معهم، وكل ذلك بالطبع يشتغل في إطار كتل مؤثرة، ودون نسيان أو تناسي بالطبع لكون الانتماء لمصاف النخبة مستوجب دائما لتوافر حد معين من رأس المال والخيرات الرمزية والمادية.

إن هذا النظام الذي يستند إلى الأعيان أو النخب والزعامات المحلية هو نظام للتسويات ونظام توفيقي بين ما هو تقليدي وما هو حداثي في نفس الوقت.

كما أن موضوع النخب محط تساؤل وجدال كبيرين،

  • هل يتعلق الأمر بنخبة، أو نخب..؟!
  • هل هناك فعلا نخب..؟!
  • هل النخب هي الفاعل التاريخي، أم هي الجماهير..؟!

يتضح أن هناك إذن تساؤلا حول مشروعية استعمال مفهوم النخبة، لكن تدريجيا توسع هذا المفهوم حتى صرنا نتحدث عن نخب فرعية (نخبة رياضية، عسكرية، إدارية، ثقافية… يوتيوبية…).

إن الخلفية الفكرية الأساسية لمضمون النخبة هي تصور ضمني للمجتمع على شكل حلبة صراع بين الأفراد والمجموعات (التنافس حول الخيرات الرمزية، أو التحكمية أو المادية أو حول الثروة والسلطة والحظوة…)؛ ما جعلّ بهذه النخبة إلى الوقوع في ما يسمى بـ التمجيد الذاتي، غير أن العلوم الاجتماعية أعادت النظر في هذا الخطاب، وبينه محدوديته وكونه يغطي على جانب سلطوي يتحكم في أي نخبة سواء أكانت سياسية أو دينية.

أن الجديد في الحديث عن النخبة اليوم ليس فقط الحديث عن النخبة التحديثية بل أيضا عن النخبة التقليدية التي وعت بدورها وتحاول أن تجد لها مكانا داخل المجتمع انطلاقا من تصورات وبرامج معينة.

أن الحديث عن العلاقة بين الحداثة والتقليد، التي تعتبر علاقة معقدة وماكرة ومتعددة الأوجه، ذلك لأن النخبة التقليدية قد تلجأ إلى الحداثة لضمان استمراريتها، وأن النخب الحديثة قد تضفي المشروعية على نفسها بالتأسيس على التقليد، ولابد من التأكيد على تعقد العلمية التحديثية، وأن هناك التباساً وازدواجية في الأدوار.

إن النخبة السياسية تتوجس من النخبة الفكرية، ومن هنا وجود علاقة ماكرة وتعارض غير تام بين النخبتين. ويعود هذا التعارض إلى تعريف وأدوار كل من النخبتين فالسياسية مهتمة بتدبر الشأن العام ولها الشجاعة في اتخاذ القرارات، أما النخبة الفكرية فتتميز بامتلاك شجاعة ابتكار الأفكار، ما يفضي إذا إلى تعارض بين من يدبر الواقع ومن ينظر لهذا الواقع.

ويمكن التمييز بين الفئة السياسية الحاكمة والفئة السياسية المعارضة؛ وداخل النخبة الفكرية، كما يمكن التمييز بين النخبة الفكرية الملتحمة بالطبقة السياسية، والنخبة الفكرية المستقلة وغير المسايرة للطرح السياسي.

هذا ويشير إلى وجود سعي دائم لاستدراج النخبة السياسية للنخبة الفكرية، يصل في بعض الأحيان إلى مستوى التعامل البراغماتي من لدن النخبة السياسية، بل وهناك محاولات للقضاء على النخبة الفكرية لكونها تمثل عقبة في طريق السياسات المدبرة للواقع.

إن التحدي المطروح أمام النخبة الفكرية والمتمثل في ضرورة انخراطها في المشروع التكنولوجي، واستغلالها لهذا التطور التقني لفتح باب التواصل مع المجتمع، بدل ترك الباب أمام المتطفلين في المجال الفكري عموما.

هل يمكن الحديث عن مثقف تأسيساتي..؟!

  • إنّ أطروحة المثقف الأصلي أي الملتزم بلغة سارتر والمثقف العضوي بلغة غرامشي، بمعنى المثقف الرسالي الذي يحمل قضية ويدافع عنها.
  • وأطروحة نهاية المثقف، التي تقول بأن المثقف لم يعد يلعب دوره المنوط به.
  • وثالثها أطروحة المثقف اللانهائي، والنقدي والميتا- نقدي الذي يستمر في الزمن.

إن هذه الأطروحات كانت تشتغل قبل الثورات العربية، وهناك سؤال: ما مآل هذه الأطروحات بعد الثورات العربية..؟! وهل يمكن الحديث عن تبلور أطروحة مثقف رابع..؟!

وإجابة هذا السؤال تنقسم إلى شقين:

  • فمن جهة يمكن الحديث عن مثقف جديد، أي عن المثقف التأسيساتي الرقمي الإلكتروني الجديد الذي اعتمد على المجال الافتراضي للإطاحة بالأنظمة الاستبدادية.
  • ومن جهة أخرى يرى أنه رغم الحديث عن المثقف الرقمي الجديد، إلا أنه قد طغى المثقف ألأداتي الذي يعتمد أكثر ما يعتمد على خبرته التكنولوجية.

وأشار د. منصور المطيري إلى أنه لابد في البداية التوضيح بأن وجود مجموعة نابهة ومؤثرة في المجتمع أمر طبيعي جداً ، كما أنه ضروري جداً في نهضة أي أمة .. و لكن يبقى طريق تشكلها وصفاتها الذاتية من أهم عوامل فاعليتها سلباً أو إيجابا.

وأضاف: أميل إلى تحديد النخبة بأنها مجموعة الأشخاص الذين يقفون على رأس الهرم المجتمعي ، تتوافر فيهم صفات غير ذاتية كالثروة و النفوذ و السلطة، وصفات أخرى ذاتية كالاجتهاد و الموهبة و الكفاءة والإخلاص.

و نظراً لدورهم الكبير في صناعة الواقع السياسي والثقافي والاقتصادي و غيره فإنه ينطبق على هذه النخب ما ينطبق على سائر الناس من حيث وجوب وفائهم بالقدر اللازم من التخلق بالأخلاق الفاضلة.. وكلما فعلوا ذلك كان دورهم في المجتمع دوراً مؤثراً مساهماً في النهوض و كلما ضعف دور الأخلاق والقيم لديهم كلما ساهموا سلباً في النهضة. فبهم ينهض الناس و بهم ينهار الناس.. فالقيم الإيجابية تحملها النخبة لأنهم هم الأسوة و القدوة و المؤثرون. وتصاغ مواقف الناس عن طريقهم .

و لذلك فإن التكوين السليم لهذه النخب يجب أن يكون من أولى الأوليات. فالنظام العام يجب أن لا يسمح بمرور الكذبة و المتملقين و غير الأكفاء و غير المؤهلين وكذلك أصحاب الولاءات الخارجية بالصعود إلى قمة هذا الهرم، و الانضمام إلى النخب بكافة أصنافها . لي زميل من حملة الدكتوراه المجيدين في تخصصهم يميل إلى الدقة و الموضوعية.. و له أخ يقل عنه كثيراً من ناحية التأهيل  ولكنه مشهور و معروف الآن، و كل مؤهلاته هو استطاعته الحصول على عمود صحفي في إحدى الصحف عبر علاقته برئيس تحرير تلك الصحيفة في فترة ماضية حيث اتصفت كتاباته بحماسة منقطعة النظير في تجريح ( يسميه نقداً ) المتدينين. و أصبح له تأثير .. و السؤال هو كيف يمكن أن تختفي و تتراجع الكفاءة بهذا الشكل لتتقدم بدلاً عنها الشخصية المجازفة التي لا تحترم المسار الطبيعي للنضج ، و لا الطريق المضني و الشاق الموصل للقمة.

يمكن الحكم على أنواع النخب الأخرى من سياسيين و اقتصاديين و شرعيين و غيرهم بمثل الحكم السابق (لا شك أن المقصود بعضهم ).. طريق الوصول إلى النخبة لم يعد طريقا طبيعياً يلتزم  بالشق الذاتي لمن ينبغي أن يكون ضمن النخبة و أقصد به الاجتهاد والتأهيل و الكفاءة .. و لذلك أستطيع القول أن النخبة لدينا تدفع بها إلى الأمام الواسطة والعلاقات في كل الأصناف و أستثني من ذلك زعماء القبائل و كذلك الحكام فالوراثة هي العامل الأساس لبقائهم في هذا المكانة ..

هذا الخلل أدى تلقائياً ضمن عوامل أخرى إلى خلل في المسيرة الحضارية للوطن ، لقد كثرت فيه المشكلات، وعانينا فيه من الفساد ثم بدأنا نشتكي منه مؤخراً والحمد لله بعد أن كنا لا نعترف بوجوده .

الإحساس بالتهميش موجود لدى فئات تعتقد أن حقها أن تكون ضمن النخبة و في نفس الوقت لا تريد أن تكون في المعارضة لأن مصيرها الاصطدام بالسلطة ومن ثم الإضرار بالذات ثم الوطن، لذلك هي تشتكي على خجل .. و الغريب أنني وجدت بعض الضباط المؤهلين يشتكون من إحالتهم للتقاعد في حين يتم ترقية من هو أقل منهم كفاءة لمناصب عليا بطريقة ليست واضحة لهم .

الخطر الذي يسببه التكوين المشوه و غير الطبيعي للنخب لا بد أن يؤول إل خلق طبقية ضارة  أو ترسيخ للشللية . و هذا يسبب ما يلي :

  • احتكار الخبرة الإدارية من قبل حلقة مغلقة من النخب .
  • احتكار الثروة و المال والجاه من قبل نفس الحلقة .
  • احتكار السلطة و التأثير .
  • و من التطورات الجديدة أن بعض هذه النخب أصبحت تتحكم في توجيه الرأي العام ثقافياً عبر تملك وسائل إعلامية بالغة التأثير تبث رسائل مناقضة تماماً لمعتقدات الناس ، و يتبع هذا صعود رموز ثقافية متنوعة اجتماعياً ومصنوعة بنفس الطريقة السابقة ومنتقاة انتقاءاً لتخدم خطاً فكرياً معروفاً.

وفي نفس الوقت دخلت بعض المنظمات و الجهات الدولية على الخط في ترميز بعض الوجوه .. و وصلت إلى محاولة تأسيس مؤسسات تصنع رموز المستقبل .

وختاماً: فاعلية المجتمع السعودي تبدأ في ظني بالحرص التام على ضبط المسار الطبيعي الذي يتمسك بالاجتهاد و الكفاءة فقط في تكوين النخبة.. هذا المسار مرتبط بالعدالة ارتباطاً وثيقاً.

وعلق د. خالد الرديعان على ما طرحه د. منصور بقوله: إنه مطلب مثالي جدا أن يكون هناك معايير أخلاقية لمن يصعدون الى مستوى النخبة.. إنه مطلب صعب المنال خاصة في النخب السياسية التي تستخدم كل الطرق المشروعة وغير المشروعة لاستقطاب من تراه يحمل توجهاتها لتضمن بقاءه ضمن دائرتها..

لكن منذ متى كانت السياسة والأخلاق متلازمان أو كانا على وفاق؟ فساد النخب السياسية في العالم عموما هو مصدر كل الشرور.. ألم يكن الحديث في منطقتنا دائما عن “المعايير المزدوجة” وما تجلبه من أضرار؟ من الذي يمارس هذه المعايير؟ أليست هذه المعايير شكلا من أشكال النفاق الممقوت الذي تمارسه نخب سياسية دفعت بها الجماهير الى المقدمة؟

أما النخب التقليدية فهي بحكم عامل الوراثة تظل نخبا واستمرارها بهذا الدور مرهون مع ذلك بتمثلها لقيم أصيلة ومتوارثة لا تستطيع أن تتجاوزها أو تقفز عليها؛ فالجماهير ستعرفها وتستطيع أن ترفضها عندما تحيد عن أخلاقيات النخبة والدور المتوقع منها والأمثلة على ذلك كثير.

  • عندما تتحول (النخبة) إلى (غوغاء) !

أشار د. زياد الدريس تحت هذا العنوان إلى أن الأدبيات الثقافية تتحدث كثيراً عن أن الجماهير (أو الغوغاء) هم دوماً العائق عن التنمية والتطور والتقدم الذي تبذل «النخبة» جهداً كبيراً في تصنيعه وتجهيزه للرقيّ بهذه الجماهير/ الرعاع!

يتكرر هذا الخطاب النخبوي المتعالي، متناسياً أن الأزمات السياسية والنزاعات الدينية والانقسامات الاجتماعية هي في معظمها نتاج أفكار «ثقافية» تصنعها النخبة ثم تستهلكها الجماهير.

فهل من مسوّغ أخلاقي أو معرفي يبرر هذا الخطاب الفوقي للنخبة على العامة، ورمي الأخيرة بكل اختلالات المجتمع ومصائبه؟!

قبل أكثر من عشر سنوات تأسس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني بالمملكة العربية السعودية. قام المركز بكل حدب وكفاءة بعقد لقاءات سنوية لتنمية أدوات الحوار بين فصائل المجتمع في مختلف الاهتمامات والمتطلبات اليومية للإنسان.

مركز الحوار الوطني السعودي يحظى باحترام كبير، وبتطلعات كانت كبيرة … لكنها بدأت تتصاغر، خصوصاً بعد إصابة المجتمع بحساسية «الربيع» العربي!

ما الذي يعيبه المعترضون على أداء مركز الحوار الوطني؟

الجواب (الجاهز طبعاً): أنه يجمع ويخاطب النخبة من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين ويرتفع بأدائهم الحواري «الرفيع» أصلاً. لكن هذه الرفعة والارتقاء لا تصل إلى الجماهير / الرعاع / الغوغاء، فيُفسد هؤلاء العوام كل ما صنعته تلك النخبة.

حسناً، لنذهب إلى إحدى أشهر منصات التعبير عن الرأي في المجتمع السعودي حالياً، وهو موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، ولنفحص بعيّنة عشوائية مجموعة من الأسماء التي اشتهرت بأنها تتقدم صفوف الحوار حول ما يجري في العالم العربي عموماً وانعكاسات ذلك على المجتمع السعودي بشكل خاص. لنلقِ نظرة على اللغة المعرفية واللغة اللفظية المستخدمة بين المتساجلين، ستجد كمّاً هائلاً ومخيفاً، ومقززاً احياناً، من الأوبئة الثقافية والأخلاقية التي يدار بها النقاش: التصنيف الجزافي والاستعداء والتأليب والتكفير الديني والتخوين الوطني والزعم بالصواب المطلق عند طرف والخطأ المطلق عند الطرف الآخر وعدم القدرة على تحمل سماع الرأي المخالف، السماع فقط، أما قبول الرأي الآخر فهذه خرافة.

هذا في جانب أسلوب التفكير، أما في أسلوب التعبير فسترى مفردات وصفية متبادلة بين المتحاورين مثل: (كلاب، نباح، عاهر، همج، صهيوني، ماسوني، سلاتيح، سرابيت!)، ومفردات أخرى أترفّع عن إيرادها تقديراً لكم.

بقي أن نعرف الآن، هل هذه الأساليب والألفاظ الحوارية تنتسب إلى الغوغاء أم إلى النخبة؟

بالذهاب إلى معرّفات «قادة» هذا الحوار «التويتري» الوضيع سنفاجأ بأن أصحابه: أكاديميون – معلمون – باحثون في الدراسات الاستراتيجية – رؤساء تحرير سابقون – محامون وحقوقيون – وبرلمانيون أحياناً!

إذا لم يكن حاملو هذه الأوصاف هم نخبة المجتمع فمن هي النخبة؟

وبالمناسبة، فإن كثيراً من هؤلاء «النخبويين» كان قد سبق لهم حضور واحد أو أكثر من لقاءات الحوار الوطني التي يتهمها البعض بأنها فقط تهتم بتجسير العلاقة بين النخبة، لكنها لا تلتفت لغوغاء العوام «الذين يفسدون في الأرض»!

ما أعنيه هنا، بحق، ليس تهميش دور مركز الحوار الوطني أو تبخيس جهوده المخلصة، لكن أعني أهمية إعادة النظر في تعريف «النخبة» التي يعوّل عليها في إصلاح المجتمع، في حين أن هذه النخبة «المزيفة» تساهم بقوة في إفساد المجتمع والتخريب بين فئاته وأفراده.

حاجتنا إلى (حكماء) حقيقيين أكثر من حاجتنا إلى (نخبة) مغشوشة.

ويرى د. حاتم المرزوقي أن دياليكتية نخبة/غوغاء.. تفترض في خطابها أن من يقدم الحراك الشعبوي هم الغوغاء، وعلى ما يحمله هذا التصنيف من نقد موضوعي،  يستلزم معه تحرير مصطلح النخبة والنخب ومن انتخبهم أو نخبهم.. من هم هؤلاء النخبة، ما هي مواصفاتهم، ما هو مدى تأثيرهم في الحراك المجتمعي والترقي الثقافي.. في تقديره تماهت الشرائح وتقاطعت فصار المغرد أمضى تأثيرا من كاتب رأي أو اقتصادي أو مثقف.. وأمسينا أمام مجتمع كل من فيه نخبة بمنظوره وكل من فيه شعبوي بمنظور غيره. نحن بحاجة لتحرير مصطلح النخبة.. وقد نجد أنه مصطلح تخطاه الزمن وبات خارج التاريخ.

  • النخب والمناطقية

يرى د. سعد الشهراني أن من المهم إعادة النظر في ما طرحه د. مساعد المحيا عن طبيعة النخب الدينية الرسمية ( و ليس النخب خارج المنظومة الرسمية )، أنها نخب ( إن جاز تسميتهم نخبا ) مناطقية احتكارية متركزة بامتياز يتصارع عليها المحتكرون أنفسهم تصارعا مصالحيا دنيويا إلى حد كبير للمزايا المادية و المعنوية التي تمنح لهم و الشواهد أكبر و أوضح من أن تذكر.

وبدوره أوضح د. مساعد أنه كان يتحدث عن العشر سنوات الأخيرة والتي شهدت دخول عدد من المشايخ لهيئة كبار العلماء متنوعين جغرافيا ومذهبيا، وتعيين عدد غير قليل من الأئمة في الحرم من مناطق جغرافية متعددة.

ومن جديد رأى د. سعد الشهراني أنه وحتى هذا لا يمثل تغيرا يذكر، فلا يزال الاحتكار و التركز صبغة وسمة طاغية في المؤسسات الدينية الرسمية.

النخب  الرسمية (بمعنى من تمنحه الدولة الفرصة ليكون في النخبة المؤثرة التي تملك سلطة) فيها تركز كبير جدا ؛ و مع ذلك فالنخبة الرسمية  الدينية تأتي في المقدمة.

تشكل و تشكيل و تطور و تكوين و إعادة تكوين هذه النخب الرسمية أمر تملكه الدولة خاصة أن الترقيات الوظيفية ذات العلاقة تتم بالترشيح لا بالمفاضلة و التنافس و بقرارات عليا.

القضية ليست القبيلة فهي مكون سكاني كبير و كفى، و ابن صنيتان قال ما قال، فإن قال صدقا فله، و إن أخطأ تحليليا فعليه، و قبول رايه أو رفضه ليس تهمة. لندع القبيلة و ابن صنيتان و شانهما.

وأضاف: موضوعنا النخب و أنا أتحدث عن النخب الرسمية التي توجدها الدولة و تمنحها لمن تريد و بداية تعليقي كان عن النخب الرسمية الدينية، و لا أزال عند رأيي، و النخب الإدارية الأخرى ليست مختلفة كثيرا عن النخب الدينية؛ فالتركز و الاحتكار سمة طاغية و واضحة و ظاهرة.

وأوضح أ. عبدالله الضويحي ملاحظتين:

  • الأولى: اختلافه مع د. خالد في حديثه عن أئمة الحرم إذ بالإمكان البحث والتأكد من أن أئمة الحرم من مناطق مختلفة وأن هذه النظرة غير صحيحة.
  • الثانية: اختلافه مع البعض في نظرتهم لتركز المناصب القيادية من مناطق معينة وهي نظرة لا تستند لحقائق بقدر ماهي امتداد لنظرة  سابقة ولعل نظرة إلى وزارت مثل المواصلات والبرق والبريد والحج والإعلام والصحة وأمانات المناطق وغيرها تؤكد خطأ تلك النظرة.

وقال د. علي الحارثي: لا نشك أن مجتمعنا يعج بكل أصناف النخب التي أشير إليها وصبغت بعضها بالجهوية والمناطقية وهو حقيقةً لا غبار عليها . أضيفُ إليها ما بدأ يتشكل قبلياً من خلال القنوات الشعبية وما يتعاطاه الشباب في ساحة التواصل وكذلك الشعراء من تمجيد للقبيلة ومآثرها والمبالغة في ذلك مع بعض الهمز واللمز لغيرها . وعليه نطرح السؤال ! من هي النخب التي يجب علينا تعزيز وجودها وقيمها وإبرازها لتحتل المكانة المرموقة في الحراك والقرار المجتمعي؟ وما هي شروط ترقٍيها واحتلالها المناصب التي تستحقها من خلال عطائها وعلمها وقدراتها؟ وكيف نلفظ ونرفض الجهوية والمناطقية والقبلية من تكريسها لنخبها المنتمية إليها واستئثارها بالمناصب والمميزات واعتبارات الصفوة المختارة والنخبة المنتقاة بالرغم من وجود الأفضل؟ إنه مالم يكن هناك ميدانٌ واسع للحرية الناضجة وحريةّ للفكر والرأي وحرية لكشف الحقائق السلبية والفساد والاستئثار بالسلطة والمال لأي نخبة فإننا نُضَيِّع الوقت فيما لا فائدة فيه كما كان لكان وأخواتها وإن وخالاتها في السنين الماضية.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن هناك نخبة أهملها قصدا، وهي طبقة منتفعة بشكل كبير لكنها لا تدخل ضمن النخبة الاقتصادية. إنها نخبة تحصل على كثير من المنافع وتعد أساس الفساد في البلد. ربما توضح كلمة patron المقصود بها، لكن عموما يمكن الإشارة إلى “البطانة” وهي طبقة مستفيدة دون أن تكون طافية على السطح.

ومن ناحية أخرى يرى أنه يمكن استخدام منهج ابن صنيتان في استقطاب النخبة؛ فهو ينظر للأسماء والقبيلة والمنطقة ويجري بعض الاحصاءات بهذا الخصوص للتدليل على فكرته.

يعيب ابن صنيتان تباكيه على القبيلة بدعوى تهميش أبناءها.. ما قد يعد سببا في منع كتابه من التداول.. فهو يلمح إلى التهميش بصورة فاضحة، رغم أهمية كتابه في إثارة قضية لم يسبق تناولها في دراسات علم الاجتماع السياسي في مجتمعنا.

وأضاف د. عبدالسلام الوايل: كما يعيبه شدة تمركزه حول فكرة الاستبعاد و التهميش، وقد سيطر عليه هذا الهاجس لدرجة أدت لانغلاق أفقه التحليلي.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: شخصيا أشك في القول بالتهميش الكامل للنخب القبلية أو الجغرافيا ..

لاحظ كيف يتم اختيار مجلس الشورى وكيف يتم اختيار قيادات القطاعات العسكرية في الجيش والحرس .. بل لا تزال القيادات القبلية لها قيمة واعتبار ..

سأضرب مثالا: لو ذهبت لمدينة رماح وهي تبعد ١٠٠ كم شمال الرياض لوجدت فيها ١٣ شخص كلهم يمارسون الكثير من الأعمال التي يقوم بها المحافظ وكل واحد بينه وبين الآخر شارع أو شارعين ..كل ذلك فقط لأن كل واحد يمثل فخذا من قبيلة.

وقال د. عبد الله بن صالح الحمود: ولكن يظل طرح ابن صنيتان له قيمة مضافة للقضية في الربط مع المتغيرات الحالية والخروج بنتائج تعطي لنا كيف كان عليه الأمر وما حدث الآن وتحديد الأنسب.

وأضاف د. محمد الصبان: بغض النظر عن تأييد رؤية ابن صنيتان من عدمه، فإنها موضوع يشغل بال الكثيرين ويستحق الدراسة طلبا في الإصلاح أن كان هنالك خلل.

المحور الرابع

ترتيب المملكة في تقارير حرية الصحافة

الي أعلي

الورقة الرئيسة: د. إبراهيم البعيز

شهدت الصحافة السعودية خلال الخمس عشرة سنة الماضية ارتفاعاً نسبياً لمستوى الشفافية في مناقشة الشأن العام، وعلى الرغم من ذلك استمر ترتيب المملكة في أسفل القائمة في التقارير الدورية لحرية الصحافة في العالم، مما ترتب عليه تباين في وجهات نظرنا حيال هذه التقارير؛ بين الشجب والتجاهل.

تتبارى منظمتان في إصدار تقريرين سنويين عن حرية الصحافة في العالم: منظمة “فريدوم هاوس” (بيت الحرية) ومنظمة “مراسلون بلا حدود”.

تأسست منظمة “فريدوم هاوس” في 1941م كمنظمة غير حكومية، لكنها تتلقى تمويلا (87% من ميزانيتها السنوية) من الحكومة الأمريكية، ومركزها في واشنطن ولها مكاتب في أكثر من عشر دول من بينها الأردن. يصدر عن المنظمة عدة تقارير سنوية (الحرية في العالم، حرية الصحافة، حرية المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حرية الإنترنت).

تأسست منظمة “مراسلون بلا حدود” في عام 1985م كمنظمة غير حكومية مقرها باريس، ولها مكاتب في عدة مدن أوروبية بالإضافة إلى واشنطن وتونس. يتعاون مع المنظمة أكثر من 150 مراسل حول العالم، ويصدر منها عدة تقارير سنوية (المؤشر العالمي لحرية الصحافة، أعداء حرية الصحافة، دليل الصحفيين والمدونين، أعداء الإنترنت والبلدان تحت قوائم المراقبة، تقرير خاص عن مراقبة الإنترنت).

تنطلق كلا المنظمتين من المادة 19 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون تدخل، وفي البحث وتلقي ونقل المعلومات والأفكار من خلال أي وسيلة إعلامية بغض النظر عن الحدود”. وترى المنظمتان بوجوب التزام جميع الدول بهذه المادة، ولا ترى الفروق الثقافية أو الاقتصادية مبررا لانتهاك حرية الصحافة.

جاء ترتيب المملكة في تقرير “فريدوم هاوس” 185 من بين 195 دولة، وفي تقرير “مراسلون بلا حدود” 165من بين 180 دولة.

يتطلب فهم تدني ترتيب المملكة في هذه التقارير معرفة بالمعايير المتبعة في قياس مدى حرية الصحافة. ويرى بعض المراقبين أن منهجية “فريدوم هاوس” أقرب إلى الموضوعية من منهجية “مراسلون بلا حدود”، فالأخيرة تعتمد بشكل أساسي على الانطباعات الشخصية للمتعاونين معها، مما ترتب عليه تباين واضح في ترتيب الدول من سنة إلى أخرى. لذا فإنه من الأنسب الإشارة فقط للمنهجية التي تتبعها “فريدوم هاوس”.

يتم ترتيب الدول وتصنيفها على عدة مراحل يشارك فيها 90 من الأكاديميين والخبراء من مختلف مناطق العالم، وتجمع المعلومات من دراسات ميدانية، وتواصل مع مهنيين وتقارير من منظمات غير حكومية (محلية ودولية) وتقارير حكومية وإعلامية محلية وعالمية. وتتم المراجعة النهائية للتصنيف في عدة اجتماعات يشارك فيها محللون ومستشارون أكاديميون.

تقوم المنهجية هنا على إعطاء كل دولة درجة تبدأ من صفر (الأفضل) و 100 (الأسواء)،  وبناء على هذه الدرجة يتم تصنيف الدول إلى ثلاث مجموعات صحافة حرة (صفر إلى 30)  – صحافة حرة جزئيا (31 إلى 60) – صحافة غير حرة (أكثر من 60). وهذه الدرجة تتم بناء على 23 فقرة موزعة على ثلاثة محاور: المحور التشريعي (30%) والمحور السياسي (40%) والمحور الاقتصادي (30%).

المحور التشريعي: ويحوي 8 فقرات لها 30%  تشمل:

  • تضمين الدستور والقوانين الرئيسية مواد تحمي حرية الصحافة ويتم تطبيقيها.
  • معاقبة الصحفيين والمدونين بناء على قوانين جزائية أو أمنية مما يحد من حريتهم في كتابة التقارير الصحفية.
  • معاقبة الصحفيين بحجة التشهير بالمسؤولين أو الدولة.
  • استقلالية القضاء وعدالة المحاكم في قضايا الإعلام.
  • استفادة الصحفيين من قانون للمعلومات العامة.
  • الترخيص للأفراد والمؤسسات التجارية تأسيس وتشغيل وسائل إعلامية دون تدخلات غير ضرورية.
  • استقلالية الهيئات المعنية بتنظيم الإعلام بما يمكنها من العمل بحرية.
  • حرية للعمل بمهنة الصحافة وممارستها، وتمكين الجمعيات المهنية دعم حقوق ومصالح الصحفيين بحرية؟

المحور السياسي: ويحوي 7 فقرات لها 40 % وتشمل:

  • مدى تحكم الحكومة في المضمون الإخباري والإعلامي.
  • مدى تحكم الحكومة في الوصول إلى مصادر رسمية أو غير رسمية.
  • وجود الرقابة بشكل رسمي أو غير رسمي.
  • ممارسة الصحفيين للرقابة الذاتية.
  • تنوع الأخبار والمواد الإعلامية في مواضيع هامة وتنوع وجهات النظر.
  • السماح للصحفيين المحليين أو الأجانب بالتغطية الميدانية للأحداث والأخبار بحرية وأمان.
  • تعرض الصحفيين أو المدونين أو المؤسسات الإعلامية للتهديد أو الاعتداء بسبب كُتِبَ أو نُشِرْ.

المحور الاقتصادي: ويحوي 7 فقرات لها 30 % وتشمل:

  • ملكية الحكومة لوسائل الإعلام وتحكمها فيها، وتأثير ذلك على التنوع في الآراء ووجهات النظر؟
  • الشفافية في إعلان من يملك وسائل الإعلام بما يتيح للجمهور الحكم على نزاهة وموضوعية الأخبار.
  • تركز مكثف في ملكية وسائل الإعلام وانعكاسه على تنوع المضمون.
  • الحظر على أساليب إعداد وإنتاج الأخبار وتوزيعها.
  • الارتفاع العالي في الترخيص لوسائل الإعلام.
  • التحكم في وسائل الإعلام بالإعلانات التجارية أو المساعدات المالية.
  • تلقي الصحفيين أو المدونين أموالا بهدف التأثير على أدائهم الصحفي.
  • هل الوضع الاقتصادي العام يؤثر سلبا على الوضع المالي لوسائل الإعلام.

حري بنا، ونحن على مشارف بدء الرؤية الجديدة وما تتضمنه من انفتاح وتبني للمؤشرات العالمية في الأداء الاقتصادي  والإداري، أن لا نُغْفِلْ تلك المؤشرات المتعلقة بالأداء الإعلامي وما يرتبط به من شفافية وحرية التعبير، والتي تمثل أحد العناصر الأساسية في تشكيل صورة المملكة لدى من نطمع به أن يكون شريكا لنا في تحقيق الرؤية التي نأمل فيها.

بدون شك هناك نقد لهاتين المنظمتين وتقاريرها، لكن ذلك لا ينفي المكانة الدولية لهما، حيث يستشهد بتقارير منظمة “فريدوم هاوس” الكثير من الباحثين والأكاديميين والصحفيين ورجال السياسية. وتحظى منظمة “مراسلون بلا حدود” بمكانة مستشار في الأمم المتحدة، ونالت جوائز تقديرية من منظمات مهنية وحقوقية وحكومية عديدة.

فعلى الرغم من اختلافنا مع بعض من هذه المعايير، إلا أنه من الضروري أن نبدأ بالعمل على البيئة التشريعية للعمل الإعلامي، لتجاوز كثير من الإشكالات التي تقف في طريق أداء الإعلام لدوره التنموي، وأن يكون ساحة للحوار الاجتماعي في الشأن العام، وأداة من أدوات مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة.

التعقيب الأول: أ.د. عبدالرحمن العناد

سوف تكون مداخلتي عن حرية التعبير في تقارير منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) من خلال دراسة أجريتها حول تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش عن المملكة لصالح كرسي الجريسي لحقوق الإنسان بجامعة الإمام، وتلخيص للمراد بالمفهوم ووضعه القانوني أو النظامي بالمملكة وذلك من خلال ما ورد في بعض تقارير الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان.

ففيما يتعلق بتقارير هيومن رايتس ووتش فقد خصصت منظمة مراقبة حقوق الإنسان ل “حرية التعبير” جزئية خاصة في تقاريرها السنوية عن المملكة، ودمجت هذا الموضوع مع موضوع “حرية المعتقد الديني” في بعض التقارير بعنوان “حرية التعبير والمعتقد”، وأضافت كلمة “التجمع” لعنوان هذه الجزئية في تقريرها لعام 2012م ليكون العنوان: “حرية التعبير والمعتقد والتجمع”، وهو العنوان الذي تكرر في تقرير المنظمة عن المملكة في العام 2013م أيضا. ومع الإقرار بوجود تفاصيل دقيقة في بعض التقارير عن حوادث محددة، فإنه يمكننا تجزئة هذا المحور في عدد من الموضوعات الفرعية المتكررة في التقارير السنوية للمنظمة، وهي: حريات وسائل الإعلام وما يتعلق بها، حالات الاحتجاز والتوقيف وحظر السفر لممارسي التعبير عن الرأي، وحالات التجمع والتظاهر، والحريات الدينية والتمييز ضد الأقليات، والأحداث والمصادمات والأحكام ذات العلاقة بحرية التعبير والمعتقد والتجمع، وبعض الأحداث المتفرقة حول الطوائف الدينية. ويوضح استعراض التقارير السنوية لهذه المنظمة تكرار انتقاداتها للمملكة من خلال شواهد وأحداث محددة تستلزم اهتمام الجهات المسؤولة لتلافي تكرارها مستقبلا.

وتأتي حرية التعبير ضمن منظومة حقوق الإنسان السياسية، ويقصد بحرية التعبير الحرية  في التعبير عن الأفكار و الآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو الأعمال الفنية بدون رقابة أو قيود حكومية بشرط أن لا يمثل طريقة عرض الأفكار والآراء أو مضمونها ما يمكن اعتباره خرقا أو مخالفة لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير، ويصاحب حرية الرأي و التعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق و الحدود مثل حق حرية العبادة و حرية الصحافة و حرية التظاهرات السلمية. وتعتبر حرية الصحافة (أو الصحافة الحرة) هي المؤشر لحرية التعبير، وهي الضمانة التي تقدمها الحكومات لحرية التعبير.

إن الحقوق السياسية منصوص عليها في عدد من المواثيق الدولية بدءاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1947م والذي نصت مواده على حق كل شخص في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية. ونصت المادة (19) منه على أن: «لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود».

ونظراً لأهمية الحقوق السياسية، فقد أفرد المجتمع الدولي لهذه الحقوق ميثاقاً خاصاً عرف بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وذلك عام 1966م، وتعتبر خطوات المملكة للانضمام إلى هذا العهد، خطوات مهمة حيث تعتبر المملكة من بين مجموعة قليلة من الدول التي لم تنضم إلى هذا العهد الذي ظهر إلى الوجود قبل خمسين عاما، ويتضمن العهد نصوصا تفصيلية عن الحقوق المدنية والسياسية، وعلى المستوى الإقليمي فقد تضمن الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عام 2004م والذي صادقت عليه المملكة مؤخرا مواد تؤكد على الحقوق المدنية والسياسية أيضا.

والمعروف أن  حق الرأي والتعبير عنه من أهم الحقوق المدنية والسياسية، وغيابه أو تقييده يتسبب في تعرض بقية الحقوق إلى الانتهاك، حيث أن عدم قدرة الأفراد على إبداء الرأي في المسائل العامة لا يساعد الأجهزة الحكومية على كفاءة الأداء والقيام بواجباتها التي نص عليها النظام. ويفترض أن هذا الحق مكفول في المملكة للجميع دون أي تمييز، خاصة وأن المادة (39) من النظام الأساسي للحكم، نصت على أن: «تلتزم وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير بالكلمة الطيبة وبأنظمة الدولة وتسهم في تثقيف الأمة ودعم وحدتها ويحظر ما يؤدى إلى الفتنه أو الانقسام أو يمس بأمن الدولة وعلاقاتها العامة أو يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه وتبين الأنظمة كيفية ذلك..»، كما نص نظام المطبوعات والنشر في مادته (8) على أن: «حرية التعبير عن الرأي مكفولة بمختلف وسائل النشر في نطاق الأحكام الشرعية والنظَامية، لكن من جانب آخر، وضعت المادة التاسعة من ذات النظام، ضوابط بلغت الثمانية، من بينها ما نصت عليه الفقرة الثامنة من المادة من «أن تلتزم – وسائل الإعلام – بالنقد الموضوعي البناء الهادف إلى المصلحة العامة، والمستند إلى وقائع وشواهد صحيحة»، ويخشى أن مثل هذا النص يعطي الأجهزة ذات العلاقة هامشا واسعا للتدخل في وسائل الإعلام ويجعل ذلك عرضة للاجتهادات الفردية والأهواء الشخصية.

وقد شهد الإعلام السعودي في السنوات الأخيرة درجة من الانفتاح ظهرت في تحسن تغطية الصحف للقضايا العامة سواء من حيث مستوى الشفافية أو التطرق لمواضيع وقضايا كان النشر عنها محظورا في السابق، كما أن القارئ للصحف السعودية يلمس شفافية في نوعية المواضيع والآراء المطروحة في الصحافة إلا أن التباين في مستوى الشفافية بين الصحف المحلية يؤكد اعتقادا سائدا بأن رئاسة التحرير قد تكون مسؤولة نسبيا عن مساحة التعبير الحر وهذا ما يدفعنا إلى دعوة رؤساء التحرير إلى إتاحة الفرصة لممارسة حق التعبير عن الرأي إلى المدى المتاح الذي تكفله الأنظمة.

التعقيب الثاني: د. فايز الشهري

الصحافة والمؤشرات العالمية في عصر المعلومات “من يمنع من”؟

كمدخل للموضوع لا بد من الإشارة إلى حتمية تاريخية واضحة تقول أن الحريات الثلاث (المعرفة، التعبير، الصحافة) باتت اليوم مكفولة بدون قوانين وبقليل من المعاناة من خلال شبكة الإنترنت وخدمات وسائط المعلومات التي تكتسح العالم اليوم. ولذلك فإن أي قوانين لحجب وتقييد التدفق الحر للمعلومات ما هي إلا عبء بيروقراطي لا طائل منه.

ومع هذا فإن مكانة ودور الإعلام (الصحافة) لا زالت حاضرة في حياة المجتمعات الحديثة بوصفها سلطة مجتمعية (السلطة الرابعة Fourth Estate) تحاسب وتراقب وتقوم بالدور التنويري إلى جانب خدماتها المعلوماتية والإخبارية.

وتأتي الحساسية هنا أولا: من شيوع وصف السلطة الرابعة التي تعني في أحد مفاهيمها أن الصحافة تعد بمثابة “قوة” تعادل السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية).

ثم تأتي الحساسية الثانية من خطورة دور الصحافة في تشكيل وتوجيه الراي العام وهذا الدور ربما يعد أحد أهم أسباب تحفيز العلاقات المتوترة الدائمة مع السلطات السياسية خاصة في دول العالم الثالث التي عادة ما تأتي في ذيل قائمة المؤشرات السنوية لحرية الصحافة والتعبير بشكل عام.

إشكاليات المؤشرات الدولية في الحريات العامة:

في العالم العربي تحديدا تواجه المؤشرات الدولية في مسائل الحريات العامة والمسائل الثقافية العديد من الإشكالات ومنها:

الإشكال الأول:

اعتماد استراتيجية الدفاع والاتهام الذي يستتبع صدور أي تقرير دولي (غربي) يركز على مسألة الحريات. حيث نجد كيف تستنهض النخب العربية وبالطبع تتبعها شرائح من (الرأي العام) في وجه هذه التقارير من باب الحميّة للدفاع الفوري عن القيم والموروث تحت ضغط البعد النفسي التاريخي لدينا الذي جعلنا نستقبل كل ما يأتي من الغرب بكثير من الريبة والحساسية.

الإشكال الثاني:

أن المؤسسات الرسمية العربية تتعامل مع طلبات المنظمات الحقوقية الدولية في مثل هذه الملفات بطريقة بيروقراطية مترددة ولا توفر للمعنيين بهذه القضايا حتى المعلومات الأساسية التي ربما تسهم في تعديل ترتيب بعض الدول العربية بشكل أفضل.

الإشكال الثالث:

عزل هذه نتائج هذه التقارير عن البيئة (الرقابية) العامة في المجتمع وعدم الاستفادة من هذه التقارير لتصحيح أوضاع اجتماعية وثقافية ليتمتع المجتمع بمناخ مناسب للحوار والتعبير عن الرأي بعيدا عن التشنج والتخوين واستعداء الهويات الصغرى ومعها تأزيم العلاقات التي تستدعي تدخل السلطات في شؤون هي في أساسها – مسائل- مكانها ساحة للنقاش والحوار.

الإشكال الرابع:

عدم الاهتمام بإصدار أو تعديل بعض التشريعات والأنظمة التي تشكل ثلث معايير معظم مؤشرات التقييم العالمي للحريات. على سبيل المثال فإن إصدار قانون (نظام) مثل قانون حرية المعلومات سيقفز لوحده بمؤشرات الدولة المصدرة له عدة مراتب متقدمة في المؤشرات الدولية في أكثر من خمسة مجالات ومنها (حرية التعبير، حرية الصحافة، حرية المعرفة الشفافية، الرقابة المجتمعيّة، حماية الخصوصية).

الإشكال الخامس:

التوظيف السياسي لكثير من هذه التقارير ولذلك نلاحظ تكثيف التركيز على التقارير أو استصدار تقارير حقوقية في أوقات الأزمات والاحتقان السياسي مع دول بعينها ثم تهدأ هذه الموجة حال التراضي والتوافق. وهذا ما حصل مع روسيا التسعينيات وإيطاليا برلسكوني وإيران وكوريا (محور الشر) وكذلك المملكة العربية السعودية.

خلاصة

حرية الصحافة تحت كل الإشكالات تبقى أحد أهم أعمدة بناء المجتمع السليم. ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن حرية الصحافة تبقى أم الحريات The free press is the mother of all our liberties ولكن من المهم التذكير أيضا أن الممارسة الفعلية لحرية الصحافة كما هي في المواثيق الدولية لازالت تتأرجح حتى في أكبر الديمقراطيات إذ يكفي الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تراجعت 29 مركزا في مقاييس حرية الصحافة في حوالي ثماني سنوات إذا أتت في المركز49 عام 2015 بعد أن كانت في المركز20 عام 2009 في تقارير حرية الصحافة التي تصدرها منظمة مراسلون بلا حدود. وفي ذات الوقت لا ننسى أن مفهوم حرية الصحافة مفهوم فضفاض ويمكن أن يكون مفهوم الحرية أداة ذكية لقمع الحرية وكما يقول المثل “حرية الصحافة مقيدة فقط لمن يملكونها. “Freedom of the press is limited to those who own one.”

وحتى يمكن تحسين مراكزنا في المؤشرات العالمية بشكل عام أقترح تشكيل فرق عمل محترفة تدرس هذه التقارير لا لترد عليها وتفندها كما هو الروتين المتبع ولكن لبحث فرص الاستفادة مما يعرض فيه هذه التقارير وتعديل واقتراح تشريعات تحسن مراكزنا وتطور أداءنا.

إن العلاقات مع العالم اليوم لم تعد بين الحكومات ورجال الأعمال التي غالبا ما تغلبها المصالح التي تحل أي سوء فهم مع بصفقة سياسية أو تجارية. نحن اليوم في عصر الشاشات والمعلومات أمام شعوب العالم في مواجهة تاريخية حضارية لم يحدث مثلها في التاريخ. ومن هنا ينبغي التنبه إلى أن جزءا مهما من تشكيل صورتنا الذهنية لدى (الشعوب) هي عبر هذه التقارير والمؤشرات التي يمكننا أن نجعل وضعنا فيها أفضل مما هو عليه الآن بقليل من التأني في الدفاع وكثير من العمل في تجويد أدائنا وأنظمتنا.

التعقيب الثالث: أ. مسفر الموسى

أعتقد أن الحاجة إلي مناقشة موضوع ترتيب المملكة في تقارير حرية الصحافة، باتت من أولويات القضايا المجتمعية. حيث يفترض بالمشتغلين في الصحافة، أكاديميين ومهنيين، أن يكونوا فاعلين في قضايا حرية الصحافة ليؤسسوا بيئة إعلامية وطنية جديدة تتوافق مع رؤية السعودية الحديثة.

وبعد أن تناول د. البعيز معايير التقييم لحرية الصحافة في اثنتين من أشهر المنظمات التي تعنى بحرية الصحافة، فإن هذه الورقة تحاول أن تجيب على التساؤل التالي: ما أبرز العوامل التي ساهمت في تراجع حرية الصحافة السعودية؟

وللإجابة على هذا السؤال، فإنه ينبغي أن نختبر جملة من المتقاطعات مع بيئة العمل الصحافي في السعودية؛ منها:

أولاً: علاقة الصحافة السعودية الوظيفية مع السلطة والمجتمع

هناك وظيفتان عامتان تتجاذبان الصحافة على المستوى العالمي. الأولى؛ متصلة بالوظيفية المهنية للصحافة، وتتمثل في قدرتها على مراقبة المجتمع. والثانية؛ مرتبطة أكثر بعمل العلاقات العامة وتحسين الصورة.

إنها لعبة تبادل الأصوات في اتجاهين متعاكسين من الأعلى إلى الأسفل، من السلطة إلى الجمهور. والعكس في الحالة الثانية، عندما تكون الصحافة وكيلاً للجمهور في الحصول على المعلومات وتحليلها وكشف ما تود المؤسسات التنفيذية أن تخفيه.

في تجربة الصحافة السعودية، يلاحظ المتتبع لمضامينها أنها استطاعت أن تنفذ من الصوت السلطوي البحت لتقوم بدورها الرقابي، ولكن في مستوياته الدنيا. فالصحافة السعودية قدمت تقارير عن ضعف الخدمات الصحية والتعليمية والطرق على سبيل المثال. ولكنها في المقابل، لا تستطيع الاقتراب أكثر من المواضيع المفصلية، مثل قضايا الفساد والمنح ومناقشة آليات العقود والمشاريع الكبرى وعدالتها. إضافة إلى المضامين الدعائية التي تملأ المحتوى الإعلامي. فبعض الأخبار تأتي من أجهزة العلاقات العامة إلى الصحف لنشرها مباشرة، دون أن يبذل الصحافي أدنى مستويات الأداء المهني للتحقق منها أو لاستغلالها في تحقيق يظهر فيه جميع الأصوات.

ثانياً: الوطن والإخبارية نموذجين لفهم الجوهر والقشور

في مطلع الألفية الثالثة، صدرت صحيفة الوطن. لم يكن الأمر ليمر مرور الكرام على المهنيين والمهتمين بقضايا الصحافة. لقد تغير الصوت الصحافي وظهر جيل جديد من كتاب الرأي والصحافيين الذين يستطيعون أن يقدموا رؤية جديدة للنقد الاجتماعي. كانت الوطن في ذلك الوقت الصحيفة السعودية الوحيدة التي تمتلك دليلا مهنيا دقيقا للإجراءات الصحافية. هذا الدليل مكن أعضاءها الصحافيين من التمييز بين المحتوى الدعائي والصحافي. إذ لم يكن من السهل أن تخترق أي مؤسسة حكومية جهازها التحريري كما يتم في الصحف الأخرى.

صفحتها الأولى كانت مغايرة تماما لما اعتاد عليه الجمهور السعودي بناء على نظرية ترتيب الأولويات. فأخبار الاستقبالات والبروتوكول الرسمية لم تكن في هذه الصفحة كما هو المعتاد في تلك الفترة.

هذه المساحة من الحرية لم تصمد طويلا. فقد شهدت الصحيفة تقلبات كبيرة على مستوى رئاسة التحرير. ومع الأيام أصبحت نموذجا مشابها ونسخة مكررة لشقيقاتها.

بعد ثلاثة أعوام من صدور الوطن، أنشئت القناة الإخبارية. في فترة التأسيس كان حديث مسؤوليها ورؤيتهم طموحة للغاية. فهيكلها الإداري لا يحتوي على إدارة للرقابة، وموظفيها يتلقون تدريبات مهنية تشرف عليها بيوت خبرة عريقة في المجال الصحافي. كما أن إدارة التحرير أقرت برامج استقصائية تناقش القضايا الداخلية. كان من بين هذه القضايا موضوع الفقر في السعودية والذي وافق عليه مدير القناة. بعد شهر من البث، بدأ الصحافيون غير المدربين من القنوات الأخرى يغزون القناة بكثافة، فيما الصحافيين الحاصلين على التدريب ينتقلون للقنوات الأخرى. كما أصبحت البرامج والمواد المسجلة تتم مراقبتها من خلال إدارة الرقابة في القناة الأولى والتي منعت مجموعة من حلقات البرنامج الاستقصائي من البث، بينها موضوع الفقر.

ما يهم هنا في تجربتي الوطن والإخبارية، هو أن التغيير المؤمل لم يأخذ مساره الصحيح. هو تماما مثل تغيير إطارات السيارة والإبقاء على ماكينتها القديمة التي لم تعد تعمل. فجوهر الممارسة الصحافية هو النظام الإعلامي الذي يمثل الهوية المهنية والمظلة العليا للممارسة المهنية. إذ كيف أن يكون للقناة الإخبارية مثلا مسارا مختلفا عن بقية القنوات دون أن تكون مستقلة عن النظام الإعلامي أو دون أن يتغير هذا النظام. والأمر ذاته ينطبق على صحيفة الوطن.

ثالثاً: السياسة الإعلامية السعودية.. لا تدعم الصحافة المهنية

إن المتتبع للسياسة الإعلامية السعودية، يلحظ أن غالبية موادها لا ترتبط بالعمل المهني للصحافة. بمعنى أنها كتبت من وجهة نظر سياسية ودينية وتوعوية. فيما جاءت المحاور المتعلقة بالمهنية كالحرية والموضوعية في إشارات عامة تفتقد إلى التركيز والدقة. فالحرية الصحافية موضوع هذه الورقة تمت صياغة مادتها على النحو التالي (حرية التعبير في وسائل الإعلام السعودي مكفولة ضمن الأهداف والقيم الإسلامية والوطنية التي يتوخاها الإعلام السعودي). هذه المادة لمن يفهم السياق الثقافي السعودي يصعب تأويل محدداتها الدينية والوطنية، سواء من الصحافيين أنفسهم أو من أجهزة الرقابة أو من أي طرف قانوني. فالصحافي سيصبح عرضة للملاحقة عند مناقشة قضية تتناول نقدا للمؤسسة الدينية أو السياسية على اعتبار ربط القيم الدينية والوطنية في بعض الأحيان بالمؤسسات والشخصيات الاعتبارية.

وبالنظر إلى القيم الوطنية في معايير الصحافة المهنية في كثير من دول العالم، نجد مجالس الصحافة توليها اهتماما خاصا من خلال صياغة بنودها. ولكنها تعبر عنها من خلال رؤيتين محددتين وغير متعارضتين. فبعض بنودها تؤكد على حماية المصالح العليا والأمن القومي. وفي الرؤية الأخرى، توكد بأن  تحقيق المصلحة العامة مقدم على خصوصية الأفراد المشتغلين في الشأن العام. وبالتالي، فإن من الواجب الوطني تقديم الحقائق التي تثبت تورط أو إخفاق المشتغلين في الشأن العام دون مراعاة لخصوصيتهم. هذا المثال يحدد ماهية الوطن وما هي القيم الوطنية التي يجب أن نحافظ عليها.

على النحو ذاته، توجد مادة أخرى في السياسة الإعلامية السعودية تتناول البعد عن المهاترات وإيقاظ الفتن والأحقاد. وكسابقتها، كيف يضمن الصحافي أن تناوله لبعض القضايا الشائكة لن يتم تأويلها تحت إطار الحقد أو المهاترات.

هذه السياسة الإعلامية يجب مراجعتها من الصحافيين أنفسهم عبر مجالس صحافية مستقلة توازن بين مصالح وحقوق الدين والوطن والناس . من خلال تبني مواثيق إعلامية محددة ودقيقة لا يمكن العبث بتأويلها.

رابعاً: أكاديميات الصحافة السعودية جزء من المشكلة

مثل مهنة الطب، تحتاج أكاديميات الإعلام والصحافة إلى هيئة تعليمية بمواصفات تجمع بين النظرية والممارسة. فأستاذ الجراحة العامة لا يستطيع أن ينقل لطلابه مهارات مادة التشريح دون أن يكون ملما بكافة التفاصيل التطبيقية في غرفة العمليات. تماما، مثل أستاذ التحرير الصحافي والتقرير التلفزيوني الذي ينبغي أن يكون ممارسا في الحقل الصحافي.

ما يحصل في الواقع أن أساتذة المواد التطبيقية غير ممارسين. ورغم تميزهم في الجانب المعرفي، إلا أنهم لا يوصلون المهارة في جانبها المهني والجمالي لطلاب الصحافة كما ينبغي. الأمر الذي يسهم في إنتاج مخرجات لا تستطيع تمييز الهوية المهنية للصحافة.

خامساً: الجيش القديم محددا لمعالم الهوية المهنية

ولأن الأجيال تأتي من أكاديميات الصحافة وهي تفتقر لمعرفة الهوية المهنية للصحافة المثالية، ولأن السياسة الإعلامية السعودية ضعيفة في الجانب المهني كما تمت مناقشته أعلاه، فإن الجيش القديم من الصحافيين يتولون هذه المهمة. المشكلة أحيانا أن قدامى الصحافيين مروا بالظروف ذاتها. وبالتالي، فإن الأجيال المتعاقبة تتعلم من بعضها البعض حتى تنشأ قيما مهنية مختلفة عن القيم المهنية للصحافة المثالية. فالصحافي الجديد قد يبحث في مواضيع الجهود الصحية التي تبذلها الشؤون الصحية دون أن يبحث عن قضايا الأخطاء الطبية أو ضعف الاستيعاب في المستشفيات العامة. لا لشيء، إلا لأنه يظن أن مهنة الصحافي تتم بهذا الشكل، وأن هذا هو معنى القيم الوطنية.

سادساً: حدثني عن المال.. أحدثك عن الحرية

هنا لا أتحدث عن دور الإعلان التجاري في تقييده للحرية، بقدر الحاجة إلى معرفة دور غياب مؤسسات المجتمع المدني في دعم الصحافيين المستقلين. هؤلاء الصحافيين يتواجدون في جميع دول العالم لإنتاج الأفلام الوثائقية والأعمال الاستقصائية التي من شأنها رفع مستوى الحرية والكشف عن الحقائق التي يحتاجها المجتمع دفاعا عن حقوقه العامة أو الفردية.

فمثلا تمول جمعيات حقوق الإنسان بعض الأفلام التي تتناول قضايا أو قصصا تدعم توجهاتها في دعم وإبراز الحقوق.

في السعودية، كل منافذ الدعم تذهب في سبيل الدعاية والعلاقات العامة سواء من قبل المؤسسات الحكومية أو الخاصة. وبالتالي، فإن البحث في موقع اليوتيوب عن قضايا الإسكان أو الصحة أو التعليم مثلا، سينتج عنه أفلاما دعائية أكثر من الأفلام الحقوقية التي تحاول أن تكتشف حقيقة الأداء.

والنتيجة النهائية أن ضعف مستوى الحرية وما يتبعه من إشكاليات الشفافية، وحق الحصول على المعلومات ونشرها، والحفاظ على المصلحة العامة، والقدرات المهنية المحدودة للصحافيين، أدت إلى ضعف مستوى الموثوقية بين الجمهور والوسائل الإعلامية السعودية. وبالتالي، ساهمت في رحيل الجمهور وموت الصحافة المحلية، حتى في عين المسؤول الذي بات يذهب للوسائل الدولية والإقليمية.

المداخلات حول قضية: (ترتيب المملكة في تقارير حرية الصحافة)

  • حرية الصحافة والإعلام: المعوقات والإشكاليات ذات الصلة

ترى د. نوف الغامدي أنه لابد بداية الإشارة إلى العقبات التي تواجه وسائل الإعلام ومنها:

  • عدم اكتراث الجمهور: وذلك عائد للأسباب التالية:
    • أ‌- عدم متابعة وسائل الإعلام للقضية المطروحة وكأن هدفها في طرح الموضوع لم يأتي انطلاقاً من البحث عن الحقيقة وتحقيق العدالة ومحاربة الفساد وإنما لطرح عناوين مبهرجة للفت أنظار الجمهور ، كذلك لإثارة شبهات حول شخصيات معينة بغية تحقيق مآرب شخصية.
    • ب‌- عدم الاعتماد في بعض الأحيان على مصادر معلومات موثقة واقتصارها بالاعتماد على تناقل المعلومات مما يؤدي لعدم مصداقية بعض وسائل الإعلام كذلك مبالغة من قبل بعض وسائل الإعلام في نقل الحقائق.
  • التركيز على المقالات النقدية مع غياب للتحقيق الصحفي.
  • عدم الواقعية (من وجهة نظر الجمهور): وكأن الإعلام بناء على ذلك ينادي بنظريات لا تكون قريبة من الواقع بناء على مقارنة الجمهور بما  يحدث على أرض الواقع من جرائم فساد ترتكب من كبار الموظفين وكأن الفساد أصبح عرفاً سائداً .
  • عدم التنسيق بين المؤسسات الرسمية وأجهزة الإعلام: إذ لو كان هنالك تنسيق لتمكنا من القضاء التام على تلك الظاهرة ، حيث يواجه  الإعلاميين عدم التعاون من بعض كبار الموظفين كونها تتعارض والمصالح الشخصية للموظف الفاسد ومن هنا تحدث الصدامات مع وسائل الإعلام .
  • عدم التنسيق بين أجهزة الإعلام: فبعض الجهات الإعلامية هدفها جذب أكبر عدد من الجمهور إليها وتحقيق مصالح خاصة وليس القضاء  على الفساد فكل يهمه مصلحته وليس المصلحة الكبرى الهادفة لمحاربة الفساد والقضاء عليه.
  • سوء اختيار نوعية وسائل الإعلام: حيث هناك وسائل إعلام أهدافها رخيصة ومصالحها شخصية بحتة تؤثر على المتلقي من الجمهور مما  يدفعه إلى التشكيك في صدق بقية وسائل الإعلام.
  • عدم وجود دور إعلامي حقيقي لتوعية المواطن بخطورة قضايا الفساد وكيف يمكن مواجهة الفساد والتصدي له.
  • التركيز على التغطية الصحفية للخبر بالاهتمام بقضايا فساد بعينها دون التحدث عن الظاهرة ككل وكيفية توعية المواطنين لاتخاذ مواقف ضد عمليات الفساد.

ويعتقد د. خالد الرديعان أن سبب موقعنا المتأخر في سلم حرية الصحافة يعود في جزء كبير منه إلى أن نظام الحكم الأساسي لم يرد فيه شيء عن حرية الصحافة والتعبير عدا ما يرد في المادة رقم (٣٩) من الباب الخامس؛ حيث تنص المادة على استخدام “الكلمة الطيبة” دون تفاصيل.

هذا الغموض في هذه المادة وعدم تفصيلها قد يكون ضمن المعيار التشريعي الذي تستخدمه فريدوم هاوس ما جعلنا نقبع في المركز ١٨٥ من ١٩٥.

هذا الترتيب محبط ومقلق ويفترض أن نكون في موقع أفضل من ذلك بكثير.

وتجدر الإشارة إلى نص المادة 39 كالتالي: ” تلتزم وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير بالكلمة الطبية وبأنظمة الدولة وتُسهم في تثقيف الأمة ودعم وحدتها ويُحظر ما يؤدي إلى الفتنة أو الانقسام أو يمس بأمن الدولة وعلاقتها العامة أو يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه وتبين الأنظمة كيفية ذلك “.

أما المادة 40 فقد نصت على ما يلي: ” المراسلات البرقية والبريدية والمخابرات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال مصونة ولا يجوز مصادرتها أو تأخيرها أو الاطِّلاع عليها أو الاستماع إليها إلا في الحالات التي يبينها النظام “.

ومن جانبه تطرق د. إبراهيم البعيز إلى أحد الأمثلة الواقعية في هذا الإطار، حيث قال: طلبت مني صحيفة “الحياة” أن اكتب وجهة نظري في مدى قدرتنا على تحقيق تقدم في مجال الحكومة الالكترونية لنكون ضمن أول خمس دول في العالم. وكتبت لهم وجهة نظري. وَمِمَّا كتبت “أن تكلفة خدمات الاتصال والمعلومات في المملكة مرتفعة على مؤشر الأسعار للاتحاد الدولي للاتصالات، فهي أرفع مما هو في عدد الدول الأوربية واليابان، بل وصلت التكلفة في المملكة إلى الضعف مقارنة بدول أخرى مثل سنغافورا، النرويج، هونج كونج، والكويت وقطر.”

نشرت الصحيفة وجهة نظري بعد حذف هذه الفقرة المتعلقة بالأسعار.

تواصلت مع المراسل وسؤاله عن السبب فقال: “أنا متأكد من نفسي أنني وضعت نص (الأسعار مرتفعة) ، لكن لعل السياسة التحريرية حذفتها”.

الصحافة لا ترغب في نشر نقد لقطاعي البنوك والاتصالات حيث ينفق هذان القطاعان ما يصل إلى ٤٩٠ مليون ريال سنويا على الإعلان، مما يعني أن البنوك وشركات الاتصالات اشترت بإعلاناتها صمت الصحافة السعودية وعدم نقدها.

وهذا ما أشارت آلية منظمة فريدوم هاوس في الفقرة السادسة من المحور الاقتصادي (التحكم في وسائل الإعلام بالإعلانات التجارية).

ومن وجهة نظر أ. عبدالله الضويحي لا توجد هناك حرية مطلقة للصحافة في أي مكان من العالم حتى الديمقراطي منه وعلى رأسه الولايات المتحدة.

قد تختلف مساحة الحرية وتتسع دائرتها من مكان لآخر حسب طول القطر لكن يظل القطر محدودا أي أنه لا يمتد إلى ما لانهاية.

هذه الحرية تحكمها مصالح عليا أو مصالح شخصية لمالك أو ملاك الصحيفة أو أمور أخرى.

ولعل الاقتصاد أحد هذه العوامل كما أشار بعض الزملاء عندما قال إن الصحف لدينا لا تنشر نقدا للشركات الكبرى المعلنة لديها.

الحال نفسه ينطبق حتى على الصحافة العالمية .. في أمريكا مثلا بعض الصحف لا تنشر أي مواضيع تتعلق بأضرار التدخين لأنها ستفقد إعلانات التبغ بيننا لدينا بإمكانك ذلك لكن لا تنتقد أداء شركة معينة.

حرية الصحافة لدينا عملية نسبية تعتمد على الصحفي نفسه وعلى رئيسه.

نعم هناك خطوط حمراء لكن المسافة عنها تحكمها جرأة الصحفي أو رئيس التحرير ومعرفته بالطرق الأقرب والأبعد عنها.

هناك رؤساء تحرير يعطون الصلاحيات وآخرون يقرأ كل ما في صحيفته قبل الدفع بها للمطبعة ذلك لأن الجالس على كرسي رئاسة التحرير لدينا يسعى للبقاء أطول مدة فيبحث عن رضا المسؤول ورضا ملاك المؤسسة الصحفية.

ولهذا يأتي التميز بين صحيفة وأخرى فيصف البعض تلك الصحيفة بأنها مدعومة أو لديها مساحة من الحرية والحقيقة أن الأمر ليس كذلك بقدر ما هو قدرة وإمكانات رئيس التحرير.

لدينا ثلاثة حقول أو دوائر يرعى كثير من الصحفيين والصحف حولها يخشون أن يرتعوا في حماها لأن لها حدود مباشرة مع الخطوط الحمراء هي: السياسة والدين وقضايا المجتمع.

وتعود أسباب ذلك إلى ضعف ثقافة الصحفي أو قوة التيارات المضادة حتى لو لم تكن على حق فيتحاشى الاصطدام معها؛ فيما تتمتع الرياضة بمساحة لا محدودة من الحرية بل تجاوزت الخطوط الحمراء إلى القذف والدخول في الأعراض والذمم مما يعاقب عليه القانون دون أن تطالهم عقوبات فالمتضرر لا يشتكي وإن شكا تاه بين المكاتب والمرجعيات.

في إعلامنا المحلي عموما، يواجه الصحفي رقيبين:

  • رقيب رسمي: الإعلام أو رئيس التحرير.
  • رقيب مجتمعي.

وكلا الرقيبين تحكمه ثقافة معينة تنطلق من ضيق في الأفق والاطلاع أو من قيم وعادات.

وأورد أ. عبدالله الضويحي ثلاثة أمثلة من تجربة شخصية لتوضيح ذلك، حيث قال:

الأول:

في عام 1977 وفي مقالي الأسبوعي ( في منتصف الأسبوع ) وكنت رئيسا للقسم الرياضي في جريدة الرياض وفي أواخر سنواتي الجامعية كتبت موضوعا من عدة حلقات عن الاتحادات الرياضية وسبل تطويرها وطالبت فيه إنشاء هيئة للصحفيين الرياضيين كنا طالبت أن تكون مجالس الاتحادات بالانتخابات ومر الموضوع إلا من اتصال من الأمير فيصل بن فهد الرئيس العام لرعاية الشباب آنذاك يبدي فيه ملحوظة تشير لتحفظه على طرح موضوع الانتخابات وقتها وبأسلوب فيه من البساطة والمرح الشيء الكثير حيث سألني رئيس التحرير آنذاك أ. تركي السديري عما كتبت !؟ إذ لم يكن يقرأ المواضيع قبل نشرها فقد أعطانا الصلاحيات في ذلك.

والتساؤل: هل يملك أي رئيس تحرير في ذلك الوقت الجرأة ليكتب موضوعا يطالب فيه بإنشاء مجلس شورى أو مجالس بلدية وأن تكون بالانتخاب !؟

ولو كتبه كيف ستكون ردة الفعل الرسمية !؟

الثاني:

بعد فوز فريق الهلال ببطولة آسيا في بداية التسعينيات كتبت موضوعا عنوانه ( يسألونك عن الهلال ) وتغنيت في ثناياه بفوز الهلال وتنقله كما هو القمر في منازله .. إلخ

عندما مر الموضوع على المصحح أخذه لمسؤول قيادي في الجريدة قائلا إنني أتلاعب بالقرآن ولم ينشر وعبثا حاولت إقناع المسؤول بالاقتباس وضربت أمثلة وتحديت أن يناظرني أحد ولم ينشر ونشرته في صحيفة أخرى ومر عاديا.

الثالث:

عندما فاز الاتحاد 1999 ببطولة آسيا كتبت موضوعا عنوانه ( هاؤم أقرأوا كتابية ) ومضمونة تمجيد لتأريخ الاتحاد.

هذه المرة وردتني رسائل عديدة من القراء بأنني أستهزئ بالقرآن ووصلت لدرجة تكفيري مستدلين ببعض الآيات القرآنية.

وعلق د. إبراهيم البعيز على ما طرحه أ. الضويحي بأن وسائل الإعلام في كل الدول تخضع لضغوط من أصحاب المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الدينية للتأثير عليها. فالإعلام لا بعمل في فراغ، بل هو نتاج للتأثير المتبادل بين كل القوى في المجتمع. الاختلاف أن بعض الدول اتخذت جملة من الإجراءات لحماية الإعلام من هذه الضغوط، ومن هنا تتباين الدول في مدى استقلالية وسائل إعلامها، فالدول الأوروبية مثلا لم ولن تصل إلى استقلالية مطلقة، لكنها بالتأكيد وصلت إلى مرحلة  أفضل من الدول العربية.

وقال أ. سمير خميس: لا يمكن أن تكون لدينا صحافة حرة أو إعلام حر .. فيما الحرية غير متحققة في قطاعات أخرى..

الحرية جزء لا يتجزأ..

الحرية فيروس ينتشر لكنه للمفارقة.. فيروس يشفي أكثر مما يعدي ويقتل.

أما من يتتبع مسيرة الإعلام الممثل لنا بنوعيه العام والخاص سيجده متأخراً عن مواكبة كثير من الأحداث، بل إنه ينتقل من حالات مريبة في كثير من الأحيان إلى حالات خطيرة قد تتسبب بشق الصف الوطني كما يحصل في محاولاته الجارية بـ”مطاردة سراب المحرضين” الأمر الذي يجعلنا نتساءل: أي حرية نريد لإعلامنا؟ وأي حرية يريدها إعلامنا لنا؟

بينما يرى م. خالد العثمان أن حرية الإعلام هي المفتاح لبقية الحريات في المجتمع .. وربما كان هذا هو السبب وراء حجر حرية الإعلام حتى لا تنفلت بقية الحريات.

وذكرت أ. فاطمة الشريف أن الحرية شرط إلزامي لكل عمل إبداعي، فهي تحرر الطاقات وتخلق المبادرات والإعلام أولى المجالات بهذه الحرية.

الميثاق العربي لحقوق الإنسان، نص في المادة ٣٢ على أنه يضمن الحق في الإعلام، كما اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الحق في الإعلام، حقاً من الحقوق الأساسية. أيضاً فإن تحديات العولمة تقتضي تحسين جودة المعلومات وتمكين المواطن منها ورفع سقف الحرية الإعلامية أحد الضروريات لذلك.

وذهب د. مساعد المحيا إلى أن الحرية مفتاحها من بيده القرار؛ فإن كان الإعلامي هو من يدير قرار السياسي فكما يقول م. خالد، وإن كان العكس فالحقيقة هي العكس. كما أنه ثمة تساؤلات يمكن طرحها في هذا الإطار قد تساعد في فهم ما يجري:

١- هل مجتمعنا مؤهل فعلا لممارسة الحرية المسؤولة والمنضبطة؟

٢- وهل مؤسساتنا الإعلامية مؤهلة لممارسة الحرية دون الحاجة لوصاية إدارية وإشرافية؟

٣- وهل صحفيونا مؤهلون لممارسة مسؤوليتهم الصحفية دون عين الرقيب؟

المشكلة أن بعض من يتبنون تحرر المجتمع ويطرحون رؤى ليبرالية يرون بعض ذلك على تباين بينهم.

وعلقت أ. كوثر الأربش بالقول: حتى في الدول المتقدمة لابد من الرقابة. الضمير لا يعول عليه ولا يمكن اعتباره أحد أدوات الرقابة القانونية.

أعتقد أن المفكرين والوعاظ والفلاسفة والآباء والمعلمين عجزوا عن ابتكار طريقة لـ “تكوين” رقابة ذاتية. الرقابة الذاتية من اسمها تصعد من الداخل ولا تسقط من أعلى. توجد في تكوين الإنسان كصوته ونظرة عينه وبديهته وفصاحته ودرجة ذكائه.  قيمة يمكن تطويرها أو إفسادها. لكن لا يمكن إنشائها من العدم.

بينما يرى د. إبراهيم البعيز أننا لن نحتاج الرقابة الذاتية حين تكون الألوان واضحة المعالم والقوانين غير هلامية.

وأوضح د. حميد المزروع أن الشفافية والعدالة الاجتماعية تحتاج علي أقل تقدير الي الإعلام المتخصص لتوعية المجتمع والتركيز علي الأوليات خاصة في المرحلة الحالية.

وأضاف أ. مسفر الموسى: في صحافتنا..

  • لا يوجد مواثيق أخلاقية دقيقة ومحددة سوى ما أنتجته الوطن في أول نشأتها.
  • السياسة الإعلامية السعودية انطلقت من رؤية سياسية ودينية لإعلام تثقيفي .. وبنودها بعيده عن المهنية الصحافية.
  • أكاديميات الإعلام السعودية موغلة في النظرية وبعيدة جدا عن الممارسة المهنية.

النتيجة.. الجيش القديم من الصحافيين الهواة الذين استوعبوا المهنة بشكل مختلف.. هم من يتلقفون الصحافيين الجدد ويعلمونهم.. وبالتالي فإن الهوية المهنية للصحافة السعودية لا تمت للهوية المهنية للصحافة المثالية بصلة.

ومن جهتها ترى أ. ليلى الشهراني أن الإعلام المحلي وللأسف يعاني من عدة أمور وعلى رأسها (الأدلجة)؛ حيث نجد أن الكثير من قضايانا المهمة يتم تجاهلها والتفرغ فقط للحروب الفكرية ، حتى أنها تصل في بعض الأحيان إلى اختلاق بعض الكذب لتمرير فكرة أو مقالة ، متى ما أصبح الإعلام حرا من هوى النفس والانتصار للذات ، وأصبح يعمل بمصداقية وليس توجيه فإنه سيكون إعلاما مؤثرا وشريكا في كل إنجاز ، أما إن بقي على ما هو عليه فبعض ما نراه اليوم (درباوية إعلامية).

  • آليات تحقيق حرية الصحافة والإعلام المنشودة

ذكرت د. نوف الغامدي أن من أهم ما يساعد في نجاح التجربة الصحفية هو:

  • وفرة المعلومات.
  • انفتاح المسؤول على الصحافة، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا المصيرية، وهو ما لا يتوافر لدينا إلا في أوقات الأحداث.

لذلك يُلام الإعلاميون على التحليل بلا معلومة، أو ذكر ما هو غير دقيق، باجتهادات صعبة!

والتساؤل هنا: لمَ لا يكون هناك موجز أسبوعي للصحفيين، للإجابة عن كل الأسئلة..؟

وليس عيبا ألا يكون لديهم إجابة لبعضها، المهم أن تكون هناك منصة تواصل، خاصة أننا نمر بظروف سياسية واقتصادية وعسكرية مختلفة، تحتاج للتغذية المعلوماتية المستمرة..؟!

ولا ننسى بأنّه لدى الأفراد فرص أكبر لمنافسة المؤسسات في “مواقع التواصل الاجتماعي” لاعتبارات كثيرة منها:

  • انخفاض أو انعدام التكاليف.
  • الاستقلالية التامة.

ولكن لا بد لها من التحول المؤسسي، ما يضمن الاستدامة والاستمرارية، والقدرة على بناء خطوط استثمارية حديثة، والأهم كدرع في مواجهة التحولات الاتصالية والرقمية.

وقال م. أسامة كردي: أنا ممن يرى الأهمية القصوى لمؤسسات المجتمع المدني و غيرها من المؤسسات و دورها في كافة مناحي الحياة لدى الشعوب و بالذات في القطاع الإعلامي. ومثل هذه المؤسسات في القطاع الإعلامي لدينا إما غير موجودة أو لا تُمارس دورها الحقيقي.

و لكي نتمكن من رفع تصنيف المملكة في المؤشرات الدولية ، فلا بد من النظر في وضع هذه المؤسسات و تطويرها أو إحداث مؤسسات بديلة أو إضافية . و هذا استعراض مبسط عن هذه المؤسسات :

  • جمعية الصحفيين: هي أحد أهم هذه المؤسسات و لكنها لم تؤدي دورها المأمول لعدة أسباب منها نظامها و منها إدارتها و منها ترؤس  رؤساء التحرير لها.
  • مؤسسات تصنيف و تقييم الوسائل الإعلامية : لا يوجد في المملكة أي مؤشر يقارن و يفاضل بين المؤسسات الإعلامية و يحدد موقف  المتلقي من أعمالها ، و يمكن استثناء ما تقوم به صحيفة الجزيرة من إعلان عدد طبعاتها بموجب اشتراكها في (جمعية التحقق من الانتشار).
  • هيكلية و بنية المؤسسات الإعلامية و ملكيتها: يحدد نظام المؤسسات الإعلامية في المملكة هيكلة المؤسسات الإعلامية و من يملكها و  شكلها النظامي ، حتى أصبحت جمعيتها العمومية لا يزيد أعضائها عن حوالي العشرة أعضاء أو حول ذلك ، و على الرغم من الحديث مؤخرا عن طرحها في سوق الأسهم إلا أن ذلك لم يحدث.
  • صعوبة الحصول على تراخيص الوسائل الإعلامية : من أصعب التراخيص إن لم يكن أصعب ترخيص يمكن الحصول عليه مما أدى إلى  هجرة العديد من وسائلنا الإعلامية و مستثمريها إلى الخارج.
  • طبيعة المتلقي: لا بد أن نأخذ في الاعتبار طبيعة المتلقّي في المملكة. فقد لا يكون راغبا في تلقي الإعلام الذي ترغبه أو تتمناه النخبة و  المؤسسات العالمية.

ومن جانبه قال د. علي الحارثي: مع اعتقادنا أن تقارير لجان حقوق الإنسان وحريات الصحافة والإعلام وغيرها صحيحة إلى حدٍ كبير . ما يعنينا هو أن حرية الصحافة في بلدنا جزء من الحريات العامة المفقودة في سراب الإعلام الرسمي وفي حنايا الأنظمة من نظام الحكم إلى نظام المطبوعات والنشر وغيرها.

من المفارقات العجيبة أن يكون لدينا وزارة للإعلام ومؤسسات ووسائل إعلامية مقروءة ومسموعةً ومرئية وميزانيات تستطيع الحفر في الصخر ، ومع ذلك فشل ذريع في الخارج والداخل . في الخارج نحن في ذيل القائمة ، وفي الداخل لم يعد المجتمع يؤمن ويصدق إعلامه ويثق فيه . فطالما هذه هي النتيجة ، فلماذا الإصرار على بقاء وزارةٍ للإعلام اساء إعلامها للدولة خارجياً وداخلياً شأنه التلميع والتفخيم والتطبيل والتزمير وتكميم الأفواه من حيث يدري ومن حيث لا يدري . من المفترض ومع مشروع التحول الوطني وآلياته المنتظرة إلغاء وزارة الإعلام للاستفادة من ميزانيتها وللتخفيف من التطبيل والهرطقة الإعلامية التي أصمت الآذان ، خاصة وقد أصبح كل مواطن محطة كاملة كما قال وزير الخارجية . قد يكون في ذلك إيذاناً من الدولة ببعض الحريات العامة ولو تدريجياً . .. في الجانب المقابل ، لا حرًيات مطلقةٌ بدون ضوابط شرعية وقيم مجتمعية وأخلاقية وميثاق شرف ومواطنة ووطنية لا تقبل بالسفاسف ولا بالتجريح ولا بالتطبيل ، وإنما شفافية تناقش سلبيات الحكومة وأدائها وواجبات المواطن وحقوقه لتتحقق الطموحات وتتحقق أهداف الاستراتيجيات والمشروعات . ولن يتأتى ذلك إلا عندما يكون المواطن هو هيئة الفساد وهو ديوان المراقبة وهو هيئة التحقيق والقاضي على القاصي والداني بحرية تامة.

وبدوره يرى أ. عبدالله بن كدسه أنه يجب أن يُغرس في كل من يعمل في الإعلام سواء مقروء ، مرئي أو مسموع أنهم سلطة رابعة وأن ممارستهم لهذه المهنة يجب أن تنطلق من هذا الإيمان.

سلطة رابعة لا تعني بالأساس المشاجرة والمناكفة مع باقي السلطات .. بل تعني أنك تمارس عملك ودورك كرقيب يخبر الناس بكل تقصير يراه من السلطات الثلاث حتى تتحرك المنظومة كاملة باتزان.

الإعلام حين يُوظف كسلطة رابعة تراقب الحكومة والمجتمع وتنتقد كل سلبية فيهما، فهو في حقيقة الأمر يمارس دوره الذي وجد على أساسه. الإعلام حين يمارس دوره كسلطة رابعة يصبح عين الشعب وعين ولي الأمر، والمسؤول الغيور الذي ينشد الكمال والنجاح والتميز في إدارته.

الإعلام الحر هو مرآة للمجتمع، ويكون إعلاماً صحياً ومسؤولا إذا كان مرآة لأخطاء هذا المجتمع، الإعلام هو الرقيب الحقيقي في دول العالم الأول.

الإعلام الحر يقضي على الفساد ، دول العالم الأول ولو وجد بها جهات رقابية إلا أن الإعلام يقوم بدور مساعد ومعزز لهذه الجهات .. نحن لدينا ديوان مراقبة عامة، وديوان رقابة وتحقيق، وهيئة مكافحة فساد، ومباحث إدارية، ومجلس شورى وإلى اليوم نشتكي من الفساد.

دول العالم الأول تتمتع بحرية رأي في الإعلام تمنع الفساد بكل صوره، تمنع غلاء الأسعار، تمنع أي فئة فكرية أن تمارس وصاية على المجتمع، وتفضح أي مشكلة أخلاقية متفشية تهدد الأخلاق والقيم، حتى يستطيع المجتمع أن يعي ويفكر ويناقش ويحل مشاكله بنفسه.

نحن لا نعاني فقط من هامش حرية مفقود ، بل نعاني من مجتمع يهاجم كل من يحاول أن يتجاوز هذه الخطوط الحمراء الوهمية ، لنا في صحيفة الوطن مثال ، ولنا أخيراً في مسلسل سيلفي مثال آخر ، نحن مجتمع يكره أن يرى مشاكله وأخطاءه التي لا يرغب أن يبوح بها في وسيلة إعلام ، نحب أن نظهر كملائكة في كل موقف وكل مكان.

وتطرق أ.د. صدقة فاضل إلى جانب مهم يتعلق بتقوية الذات والإعلام وتضمن ست نقاط محددة ضمنها مقال له بجريدة عكاظ كما يلي:

  • “تقوية الذات” بالنسبة لأي دولة، تعني: قيام شعب وحكومة الدولة – أي دولة – بتنمية وإصلاح وتطوير وتقوية دولتهم (بمعنى «القوة» الشامل) لجعلها دائما دولة قوية محترمة، قادرة ( لأقصى حد ممكن ومتصور ) لحماية نفسها، وحفظ حقوقها ورعاية مصالحها، وضمان استقلالها وسيادتها. و «القوة» (Power) لا تقتصر على القوة المسلحة، بالطبع، وإنما تشمل كل «عناصر» قوة الدولة الستة، وهي: نظام الحكم والإدارة، كم ونوع السكان، الموقع الجغرافي والطوبوغرافي، الموارد الطبيعية، الإمكانات التقنية والصناعية، القوة المسلحة. وتنمية الذات تعني: تنمية وتطوير هذه العناصر الستة، بأساليب تنمية كل منها المعتمدة علميا وعالميا.
  • إن تقوية الذات (التنمية والإصلاح)، وبشكل جاد ومتواصل وسليم ومستدام، تضمن للدولة (سكانا وموارد) النمو السليم، والتمكين الحقيقي، والعزة والمكانة المرموقة في الحاضر والمستقبل. والمقصود هنا بتنمية الذات هو: تطوير وتنمية وتحسين إمكانات وقدرات الدولة – أي دولة – المتجسدة أساسا في «عناصر» القوة الستة فيها. والواقع، أن «القوة» الدولية، بمعناها الواسع المتضمن القوة بعناصرها الستة الرئيسة المذكورة، هي – أو هكذا يجب أن تكون – الـ «هدف» الرئيس لكل دولة نابهة، وأيضا «وسيلتها» لتحقيق أهدافها، خاصة على الساحة الدولية… حتى عرفت «العلاقات الدولية» بأنها: صراع (فيما بين الدول) من أجل القوة. وكما أن رأس المال يمكن أن يجلب – إن أستثمر وأدير بشكل صحيح- مزيدا من المال، فإن القوة يمكن أن تستخدم لجلب مزيد من القوة، إن نميت وأديرت بشكل سليم وحكيم.
  • وكل دولة تواجه دائما، وبطبيعة الحال، أخطارا وتحديات داخلية وخارجية شتى. وخير وأنجع وسيلة لمواجهة هذه التحديات هي: تقوية الذات (بالمعنى المشار إليه) وباستمرار. أي تنمية وتطوير كل عناصر القوة فيها، بشكل متواصل. وهذا لن يحصل ما لم يتوافر للدولة نظام سياسي سليم مستقر وفاعل. فالنظام المذكور هو الجهاز الذي يدير الدولة، ويوجهها إما للأمام أو إلى الخلف. إن تجاهل تقوية الذات، أو عدم القيام بهذه العملية بالأسلوب السليم، غالبا ما يعني: حصول تدهور متواصل في «قوة» الدولة المعنية… وبالتالي، حصول تدهور متواصل في قدرتها على مواجهة التحديات المختلفة، وفي نوعية الحياة فيها، خاصة عندما لا يحصل تدهور وضعف مماثل في قوة الأطراف المنافسة لها.
  • صحيح، أن للإعلام دورا مؤثرا في الآخرين، في المدى القريب، وقدرة على «تجميل»، أو «تسفيه»، أقوال وأفعال البعض وأوضاعهم، ولكن «حبل الإعلام قصير»… وفي نهاية المطاف، فإن الإعلام لا يمكن أن يبني بيوتا لا عماد لها، أو يشيد قصورا في الهواء. يقول مثل حجازي شهير، تدليلا على عدم القدرة على تجميل القبيح : «تتعب المقينة في الوجه الغلس»…؟! أي يصعب على خبيرة التجميل أن تزين وجها قبيحا أصلا. وهناك مثل مشابه وفي ذات الموضوع يقول ما معناه: «الجميل جميل ولو صحا لتوه من النوم»… بمعنى: يصعب تقبيح الجميل، أو تجميل القبيح.
  • إن من أهم «وسائل» تحقيق أهداف السياسة، بصفة عامة، والسياسة الخارجية، بصفة أخص، هو: الإعلام والأدوات النفسية. ولكن، تظل هذه الوسيلة محدودة التأثير في المدى الطويل، خاصة في حالات وجود مصادر إعلامية منافسة، أو محايدة، قوية ومسموعة. وخاصة أيضا في حالات عدم تقوية الذات بشكل ومضمون سليمين، أو تعثر هذه التقوية. لذلك، تظل «تقوية الذات»، وبشكل متواصل، هي الطريق الأسلم والأصح للبقاء والتقدم والازدهار، واكتساب تقدير الآخرين بالفعل. فعمل أي دولة على تقوية ذاتها إيجابا، بشكل سليم ومدروس، ونجاحها في ذلك، غالبا ما يضمن للدولة المعنية حاضرا جميلا، ومستقبلا أجمل. كما يغرس بالفعل احترامها في قلوب وأعين الناس، بشتى فئاتهم ومشاربهم. وغالبا ما يحصل العكس في حالة عدم تقوية الذات بشكل سليم، أو الفشل في هذه التقوية.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

)حسب الحروف الأبجدية(

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • أ. أسامة كردي
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. حاتم المرزوقي
  • د. حامد الشراري
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • د. حميد المزروع
  • أ. خالد الحارثي
  • د. خالد الرديعان (رئيس لجنة التقارير)
  • أ. خالد الوابل
  • د. خالد بن دهيش
  • م. خالد العثمان
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • أ.د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سمير خميس
  • أ.د صدقة فاضل
  • د. عائشة حجازي
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالرحمن الهدلق
  • د. عبدالسلام الوايل
  • أ. عبدالله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • أ. عبدالله بن كدسه
  • أ. عدنان المرشد
  • اللواء د. علي الحارثي
  • د. علي الحكمي
  • أ. فاطمة الشريف
  • أ. فايزة الحربي
  • د. فايز الشهري
  • د. فهد الحارثي
  • د. فوزية البكر
  • أ. كوثر الأربش
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. محمد الصبان
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • أ. مها عقيل
  • د. منصور المطيري
  • أ. ندى القنيبط
  • د.م. نصر الصحاف
  • د. نوف الغامدي
  • أ. هادي العلياني
  • أ. هيا السهلي
  • د. يحيى الحارثي
قراءة 108 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 11:11

أضف تعليق


كود امني
تحديث