الأخبار
الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:33

التقرير الشهري الخامس عشر

قيم الموضوع
(0 أصوات)

يونيو 2016م

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر يونيو 2016م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • تقنين الأحكام القضائية وأثره في سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية
  • التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (تنظيم لمواكبة المتغيرات الاجتماعية)
  • مستقبل سوريا وانعكاساته الجيوسياسية والأمنية
  • العقوبات البديلة للسجن

محتويات التقرير

المحور الأول: تقنين الأحكام القضائية وأثره في سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية

  • الورقة الرئيسة: أ. علي بن علي
  • التعقيب الأول: د. منصور المطيري
  • التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان
  • المداخلات حول القضية:
  • إشكالات التقنين في قضايا الأحوال الشخصية في المملكة
  • مقترحات لعلاج الإشكاليات وسرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية

المحور الثاني: التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (تنظيم لمواكبة المتغيرات الاجتماعية)

  • الورقة الرئيسة: د. عبد الله بن صالح الحمود
  • التعقيب الأول: د. عبدالسلام الوايل
  • التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا
  • التعقيب الثالث: د. عيسى الغيث
  • المداخلات حول القضية:
  • التنظيم الجديد للهيئة: إشكالات وتساؤلات مطروحة
  • رؤية استشرافية في ضوء التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المحور الثالث: مستقبل سوريا وانعكاساته الجيوسياسية والأمنية

  • الورقة الرئيسة: أ. عبدالرحمن الطريري
  • التعقيب الأول: د. سعد الشهراني
  • التعقيب الثاني: م. حسام بحيري
  • التعقيب الثالث: م. سالم المري
  • المداخلات حول القضية:
  • قراءة في مجريات الأحداث في سوريا
  • السيناريوهات المستقبلية بشأن الوضع في سوريا

المحور الرابع: العقوبات البديلة للسجن

  • الورقة الرئيسة: د. علي الحارثي
  • التعقيب الأول: د. عائشة حجازي
  • التعقيب الثاني: د. حسين الحكمي
  • التعقيب الثالث: د. خالد الرديعان
  • المداخلات حول القضية:
  • العقوبات البديلة للسجن: الواقع والإشكاليات
  • تصورات مستقبلية لتطوير العقوبات البديلة للسجن والإفادة منها

المحور الأول

تقنين الأحكام القضائية وأثره في سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية

إلي أعلي

الورقة الرئيسة: أ. علي بن علي

مقدمة:

لاشك أن قضاء الأحوال الشخصية يمس مصالح الكثير من فئات المجتمع، ويعد أحد الركائز المهمة التي تساهم في الحفاظ على البنيان الاجتماعي وسلامة العلاقات الأسرية، وتحسين العلاقات بين فئات المجتمع، عبر دوره الفعال في الفصل الناجز والعادل في المنازعات الأسرية والعائلية، ودوره الموازي في الحفاظ على الحقوق المالية والمعنوية للقصر والغائبين وفاقدي الأهلية وما في حكمهم، إضافة إلى دوره كذلك في إرساء حزمة من المبادئ التي تمثل في حد ذاتها إطارا شرعيا وأخلاقيا تهتدي به الأسر المسلمة في إدارة حياتها وشئونها وعلاقات أفرادها.

ومما لا شك فيه أن الإنجاز والفصل السريع في قضاء الأحوال الشخصية يمثل تحديا حقيقيا أمام القضاء السعودي، نتيجة لتنامي ظاهرة التأخر في البت في قضايا الأحوال الشخصية، والذي يعود لأسباب متعددة – سوف يتم إيرادها لاحقا – حيث بدأت تلك الظاهرة تؤثر بشكل سلبي على أوضاع الكثير من الأسر من حيث ببقاء بعض النساء معلقات لفترات طويلة نسبيا دون البت في علاقتها بزوجها، إضافة إلى تشتت الأطفال والأبناء خاصة في قضايا الحضانة، وكذلك عدم وجود آلية واضحة ومحددة في بعض القضايا ذات الطابع الحساس مثل الرؤية والولاية والوصاية والقوامة وغيرها.

ولا شك لدينا أنه يمكن أن يكون للتقنين دور هام في مواجهة ذلك التحدي، بذات القدر الذي أداه التقنين في التعامل مع الكثير من الصعوبات والتحديات في مجال المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية والقضاء التجاري والإداري وغيرها من مجالات التقاضي.

أسباب تأخر البت في قضايا الأحوال الشخصية:

تتمثل أهم أسباب تأخر البت في قضايا الأحوال الشخصية فيما يلي:

  • تنوع وتعدد واختلاف القضايا وتفاصيلها، بدرجة تستدعي بحثا فقهيا مستقلا للفصل في كل قضية على حدة.
  • تنوع الاجتهادات والآراء الشرعية في القضية الواحدة، مما يؤدي إلى إطالة أمد الترافع في القضية نتيجة تنوع وتعدد الردود بين الخصوم.
  • عدم وجود مرجعية فقهية ملزمة للقاضي، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى اختلاف وتضارب الأحكام القضائية، وبالتالي الحاجة إلى مراحل قضائية أعلى لحسم هذا التضارب.
  • عدم وضوح الرؤية الشرعية ابتداء لدى أطراف النزاع، مما يؤدي إلى الإسراف في التقاضي وزيادة عدد القضايا.

مفهوم التقنين:

التقنيين هو تحويل المبادئ القانونية والشرعية العامة إلى مواد منظمة وملزمة للكافة غير قابلة للاجتهاد أو التأويل، وتقوم المحاكم بتطبيقها كما وردت في النصوص القانونية، دون اجتهاد أو تعديل للنص، ويؤدي التقنين دورا بالغ الأهمية في الأنظمة القانونية الحديثة وقد أخذت به المملكة العربية السعودية في معظم مجالات التقاضي ولم يبقى إلا بعض أنظمة التقاضي القليلة التي لم يطالها التقنين حتى الآن ومن بينها قضاء الأحوال الشخصية.

أهمية التقنين في قضاء الأحوال الشخصية:

يؤدي التقنين دورا هاما في تحسين الأداء في قضاء الأحوال الشخصية بشكل عام من خلال ما يلي:

  • التحديد الدقيق والواضح للحقوق والواجبات.
  • التحديد الدقيق والواضح للإجراءات خاصة في الزواج والطلاق والفسخ (الخلع).
  • تحديد الآليات الخاصة بتنفيذ الأحكام والاعتراض عليها وإجراءات الصلح.
  • تحديد عناصر الطعن على الأحكام واستئنافها على نحو محسوم ومحدد دون حاجة للاجتهاد.
  • توحيد مصادر تكوين عقيدة القاضي عند النظر في الدعاوى.
  • التقليل إلى حد كبير من مشاكل تكييف الخصومة والمنازعات.

دور التقنين في  سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية:

يساهم التقنين في تسريع البت في قضايا الأحوال الشخصية من خلال ما يلي:

  • وضوح إجراءات التقاضي.
  • وضوح إجراءات الاستدلال والتسبيب أمام القضاة والمتقاضين.
  • التقليل من حجم وعدد المذكرات والردود المتبادلة .
  • تحفيز المتقاضين للاستعانة بالمحامين مما يساهم في تسريع إجراءات البت في الدعاوى.
  • تحفيز المحامين والمتقاضين للاعتماد على اللوائح والمذكرات المكتوبة مما يسهل مهاهم ومهام القضاة.
  • سهولة الحصول على مشورة قانونية واضحة من المحامين والمستشارين القانونيين.

أهم العناصر المقترحة لنظام الأحوال الشخصية

لا تضم هذه العناصر كل ما يمكن أن يشمله نظام الأحوال الشخصية، ولكنها تضم العناصر الجوهرية في الزواج والطلاق والتي نعتقد بوجوب تضمنيها للنظام حتى يمكن مواجهة المشكلات الكبرى التي تواجه المتقاضين والمتنازعين في هذين الأمرين تحديدا وذلك على النحو التالي:

  • أولا: الزواج:
  • الخطبة.
  • الصداق
  • فسخ الخطبة.
  • عقد القران.
  • الزفاف.
  • حقوق وواجبات الزوجين.
  • النشوز.
  • الهجر.
  • القوامة.
  • النزاع.
  • الصلح..
  • النفقة.
  • ثانيا: الطلاق:
  • حق التطليق.
  • العصمة.
  • طلب الطلاق.
  • أجل الصلح.
  • لفظ الطلاق.
  • احتساب مرات التطليق الرجعية والبائنة.
  • متى يقع الطلاق.
  • كيفية إيقاع الطلاق.
  • الفترة ما بين النطق بلفظ الطلاق وبين وقوعه شرعا وانفصال رابطة الزوجية.
  • العدة.
  • قضاء العدة في بيت الزوجية.
  • نفقة المطلقة.
  • واجبات مأذوني الأنكحة في حالة الطلاق.
  • إجراءات يلتزم بها القاضي في قضايا الطلاق والفسخ (الخلع).

التعقيب الأول: د. منصور المطيري

أورد تعليقي في النقاط المحددة التالية:

  • مفهوم الأحوال الشخصية.
  • الموقف من التقنين و الإلزام به.
  • هل يساهم التقنين في سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية، وحل مشاكل الأسرة السعودية.
  • مفهوم الأحوال الشخصية:

هذا المصطلح الحديث يتناول مسائل تناولها الفقهاء المسلمون في أبواب متفرقة.. حيث يتناول الزواج و الطلاق و الخلع و فسخ النكاح و الرجعة و الحضانة و النفقة والزيارة .. و يتناول الوصية و النسب و الغيبة (غياب الزوج ) و الوفاة و الإرث و وقسمة التركة والولاية  والوصاية و حصر الورثة .. كما يتناول الإصلاح بين الزوجين و التحكيم في حال فشل الإصلاح.. و غير ذلك.

هذه المسائل بما فيها من جزئيات تفصيلية تناولتها الشريعة الإسلامية بالتفصيل و هي بذلك تكوِّن في حال الالتزام بها بنياناً قوياً للأسرة و من ثم العلاقات الاجتماعية. و يلاحظ أن أغلب الآيات في القرآن الكريم التي تأمر بعدم تعدي  ( حدود الله ) هي في الشأن الأسري. فالله سبحانه حد حدوداً مفصلة في هذا الشأن و ذلك للأهمية البالغة لهذه المؤسسة أي مؤسسة الأسرة .

علماً بأن الأحكام الأسرية ساندتها قيم و أخلاقيات ارتبطت بها كإحسان العشرة و المعروف و عدم نسيان الفضل بين الزوجين .. وفوق ذلك وصفت العلاقة بين الزوجين بأوصاف بليغة جداً ( هن لباس لكم و أنتم لباس لهن ).

هذا يدل على أن فلسفة أحكام الشريعة الإسلامية في هذا الباب متميزة ومتكاملة و متناسقة و كافية.. و هي تقف على النقيض تماماً من فلسفة النظرية النسوية (الأنثوية) التي تتسم بالعنصرية للأنثى و تجعل العلاقة تصادمية بين طرفي الأسرة.

  • الموقف من التقنين:

هناك رأيان مشهوران يقول أحدهما بمنع التقنين ؛ ويقول الآخر بجوازه..

لكل من  الرأيين اعتباره.

يعتمد الرأي المانع من التقنين على أن التقنين يحد من اجتهاد القاضي و يحصره في اختيار قد لا يتفق ومعطيات الواقعة التي ينظرها القاضي. فالتقنين يتناول الأحكام في وضعها المجرد وطبقاً للأحوال العادية.. لكن لو اختلفت الواقعة عن الحال العادي و ذلك باختلاف النوايا و وجود الحيل و الكيد ثم قضى القاضي بما نص عليه التقنين لكان ظالماً لا يستطيع القاضي الإقدام على الحكم به. و يضرب أحد القضاة الممارسين مثالاً ( في غير مجال الأحوال الشخصية ولكن للتوضيح ):

الأصل أن السلعة المباعة ترد بالعيب أو النقص. فلو اشترى شخص أرضاً مساحتها ٥٠٠ م2 ثم تبين أنها ٤٩٠ م2 فمن حقه ردها و استعادة ثمنها. لكن في أعوام ١٤٠٦ و ١٤٠٧ نزلت أسعار العقار إلى النصف بشكل سريع فاستغل الفرصة كل من اشترى أرضاً و ندم و وجد نقصاً لو بسيطاً في مساحة أرضه فتقدم بشكوى يريد استرداد ماله . لو حكم القاضي للمشتري كما هو المعمول به لظلم البائع لأنه سيرد عليه ضعف قيمتها، و لكن القاضي تنبه إلى هذه النوايا و رفض مبدأ الرد و حكم بما يسمى بالأرش . فهنا موضوع لا يمكن أن يتناوله التقنين . و لذلك نجد الأحكام تتفاوت حتى في البلدان العريقة في الإلزام بالتقنين .

و لكن هناك نقطة تصب في صالح التقنين و هو أن ضعف تأهيل القاضي يؤدي إلى ضعف اجتهاده ، والتقنين ييسر عليه و يجعل الحكم في متناول يده.

والذي أميل إليه في هذا الزمن هو العمل بالتقنين بشرط أن يترك للقاضي المجتهد مخالفة الحكم المقنن إذا أورد حكمه مسببا.. يعني يذكر سبب حكمه بخلاف ما ورد في التقنين.

وعلى كل حال يظن الناس أن القضاء عمل سهل وبسيط و الحقيقة أنه أصعب الأعمال على الإطلاق لأنه يتناول ما يلي:

  • الإحاطة بالأحكام الموضوعية
  • الإحاطة بالأحكام الإجرائية
  • توصيف الوقائع
  • تسبيب الأحكام
  • صياغة الأحكام

و كل هذه الأمور تحتاج جهدا عقلياً جباراً و شخصية غير عادية في قوتها و ذكائها؛ و إلا ضاع في تفاصيل القضايا و ألاعيب الخصوم و حججهم .

  • هل يسهم التقنين في سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية؟

في نظري و ربما أكون مخطئاً أن علاقة التقنين بسرعة البت في القضايا واهية؛ و السبب في ذلك يعود إلى أن التأخير في البت في القضايا لا يعود إلى خفاء الحكم في القضية المنظورة على القاضي. مع الاعتراف بأن هذه المرحلة في القضاء تحتاج وقتاً فالقاضي يحتاج إلى وقت لتأصيل الحكم و تفسيره وتطبيقه .. ينظر في المآلات و يراعي حكمة التشريع و الضرورات و الفروق بين الوقائع و الأشخاص و ينظر في الشبهات.

في نظري تأخير البت في القضايا يعود إلى عوامل خارجية؛

  • مثل انتشار مشاكل الأحوال الشخصية حيث كانت إلى فترة قريبة تشكل حوالي ٧٠٪ من القضايا المعروضة أمام المحاكم .
  • قلة أعداد القضاة قياساً إلى الكم الهائل من هذه المشاكل.
  • طبيعة هذه القضايا . حيث يكون التمهل في بعضها و تأجيله هو المصلحة. كما هو الحال في النزاع العادي بين الزوجين. و لكن المهم هو عرضها على القضاء في أسرع وقت . وقد حدد النظام أربعة أيام من تاريخ تسجيل الدعوى.
  • عدم تفعيل أو فاعلية مراكز المصالحة التي صدر نظام بضرورة إيجادها. و في حال وجودها فكفاءة القائمين عليها ضعيفة. و هذا للأسف الشديد على خلاف بعض الدول التي تتسم مراكز الصلح فيها بالفاعلية فتقوم بإنهاء القضايا قبل وصولها القاضي . سمعت أن ٨٠٪ من قضايا الأحوال الشخصية في سنغافورة تنهيها مراكز الإصلاح قبل أن تأتي القاضي بسبب قوة تأهيل القائمين عليها.

وهناك أسباب أخرى و جوانب أخرى في الموضوع لعل الزملاء يتناولونها بشكل أفضل .

التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان

  • بداية أضم صوتي إلى صوت المحامي أ. علي بضرورة التقنين codification في ظل التباطؤ الشديد في إصدار الأحكام الخاصة بقضايا الاحوال الشخصية الملحة.. وكثرة القضايا التي ينظر فيها القضاة وعدم توفر عدد كافي منهم في محاكمنا؛ المشكلة التي برزت مؤخرا مع تنامي عدد سكان المملكة وزيادة أعداد الوافدين وعدم قدرة المحاكم على استيعاب هذا الكم الهائل من القضايا في وقت قياسي.
  • بتقديري المتواضع فإن تقنين الأحكام سيسهل من عملية التقاضي وأنه قد يتم البت بالقضية مبكرا ومن خلال أشخاص ربما كانوا أقل رتبة من قضاة المحاكم كمساعديهم بعد أن يقوم محاميا الطرفين بوضع الحقائق أمام المحكمة.
  • وكما أشار أ. علي فإن الأمر سيسهل من عمل المحامين كذلك؛ بحيث يقدمون الاستشارات المطلوبة للمتخاصمين قبل مراجعة المحكمة؛ مما سيقلل من عدد الجلسات أمام القاضي وربما حلها صلحا في مكاتب المحاماة قبل وصولها للمحكمة؛ وبالتالي تخفيف العبء على المحاكم وتفرغ القضاة إلى قضايا أخرى.
  • وسيكون مفيدا للغاية لو تم إصدار دليل تقنين الأحكام يُزود به القضاة والمحامين والمكاتب الاستشارية ليكون بمثابة مرشد تحدد فيه الحقوق والواجبات التي يصار إلى تقنينها ولكي تعرف الأطراف حقوقها وواجباتها قبل الوصول للقاضي.
  • يبقى أمر في غاية الأهمية وهو الحراك المجتمعي وبروز المستجدات والنوازل وتنوع القضايا واختلاف النظر فيها مما يعد أمرا حميدا يشير إلى سعة أفق الفقه الإسلامي واستيعابه لكل ذلك.. وبالتالي قد يعتقد البعض أن التقنين سيكون “جمودا” وأنه فيه تحجيرا لواسع فيما يتعلق بالنوازل، وأنه أي التقنين  سوف يلغي دور القاضي في إعمال النظر وتقليب القضية على عدة أوجه التماسا لتحقيق العدالة… هنا يلزم أن يكون التقنين مواكبا للمستجدات وديناميكيا وعصريا؛ بمعنى ضرورة مراجعة المواد التي تم تقنينها من آن لآخر إضافة وزيادة وشرحا لتأتي مواكبة للحراك المجتمعي، ومستجدات الظواهر والمشكلات الاجتماعية دون أن يفقد التقنين خاصية ثبات “بعض أجزاءه” كما ترد في الشريعة الإسلامية؛ فهناك أمور ثابتة وهناك نصوص قطعية الدلالة لامجال للاجتهاد فيها، في حين يوجد مساحة أخرى يكون فيها المجال واسعا للنظر.
  • وبرأيي المتواضع فإن النصوص الإسلامية واجتهادات الفقهاء أشمل من أن نجعلها في قوالب جامدة يصعب تغييرها؛ ولذلك أقترح تكوين (لجنة دائمة لمراجعة الأحكام المقننة) في وزارة العدل تكون مهمتها النظر في المستجدات ومراجعة ما سبق تقنينه، وتعديل ما يلزم بناء على نصوص الشريعة ومقاصدها واجتهادات المعاصرين من العلماء الثقاة وهم في بلادنا ولله الحمد كثر. بهذا التوجه أي مراجعة التقنين سيكون لدينا قضاء إسلامي عصري، وفاعل، وقبل ذلك عادل، يستفيد منه حتى غير المسلمين عندما يفحصونه بتجرد وموضوعية.
  • ومن حسنات التقنين أنه سيختصر الوقت على القضاة بحيث يستطيعون إنجاز عدد كبير من الحالات في وقت مناسب؛ مما ينهي مشكلة الجلسات الطويلة التي قد يفصل بينها عدة شهور.

المداخلات حول قضية: (تقنين الأحكام القضائية وأثره في سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية)

  • إشكالات التقنين في قضايا الأحوال الشخصية في المملكة

أشار د. عيسى الغيث إلى أن المصالح المتوقعة من وراء (تقنين الأحكام القضائية) غالبة على المفاسد المتوقعة والتي يمكن تلافيها بحسن صياغة المواد بحيث تكون جامعة للمصالح ومانعة للمفاسد وتراعي الفروق الفردية بين القضايا وتعطي القضاة حق تقدير ذلك، ولدينا تجارب تاريخية كمجلة الأحكام العدلية في الدولة العثمانية، وتجارب جغرافية سابقة وحالية، ومنها قوانين خليجية موحدة ولو كانت استرشادية، فضلاً عن القوانين (الأنظمة) السعودية المطبقة خلال السنوات الماضية وليست فقط القوانين الإجرائية كأنظمة المرافعات بل حتى قوانين العقوبات مثل أنظمة مكافحة المخدرات والرشوة والتزوير والأسلحة وغسيل الأموال والإرهاب وتمويله وجرائم المعلوماتية وغيرها كثير مثبت في موقع هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، وبالتالي فلن نعيد اختراع العجلة بل نستنسخ عجلات ثبت نجاحها وفلاحها وتحقيقها للمصلحة العامة، ولن يكون الحل بنشر سوابق قضائية حيث تجد الضعف وأحياناً الاضطراب والتناقض بين الأحكام فضلاً عن جودة وسرعة وعدالة الأحكام، وكذلك لن يكون الحل بمبادئ قليلة ومتأخرة وضعيفة، وأيضاً لن يكون الحل بممانعات عبثية كعادتنا نمانع كل جديد دون أن نجربه، ولذا الحل الوحيد هو بالإرادة السياسية وذلك بحسم هذا الموضوع المتأخر جداً وبكل حزم، ولتكن البداية بقانون (نظام – مدونة – أو أي اسم آخر) الأحوال الشخصية المختص بمحاكم الأحوال الشخصية لكون (فقه الأسرة) هي الأهم حالياً لكون الطفل والمرأة هما الأضعف و الأوجب بالبدء بهما، ثم قانون المحاكم العامة الحقوقية المالية (فقه المعاملات)، ثم قانون المحاكم الجزائية (فقه الجنايات)، وكذلك المحاكم التجارية والعمالية، ويشمل ذلك درجات التقاضي الثلاث (الابتدائية- الاستئناف- العليا).

وحسب المعلن منذ سنوات أن هناك لجنة مشكلة في وزارة العدل برئاسة الشيخ صالح آل الشيخ وعضوية غالب أعضاء هيئة كبار العلماء وبعض القضاة ولكن مخرجاتها متأخرة وضعيفة ولم يشارك فيها خبراء محترفين في التقنين والصياغة القانونية والأكاديميين من الداخل والخارج، وبالتالي فمع تأخرها في أعمالها إلا أن المتوقع ضعف المخرجات، فضلاً عن أنها ستكون مجرد استرشادية غير ملزمة، وبالتالي فلا حل حاسم وحازم لهذا الملف الكبير والقديم والخطير إلا بإرادة سياسية كالعادة في كل ملفاتنا الخلافية التي تضيع معها أعمارنا في صراعات عبثية لا مصلحة عامة من ورائها سوى تضعيف العدالة والتسبب بالطعن في الشريعة الإسلامية الغراء بزعم كونها هي الظالمة وليست الممارسات غير المقننة والضعيفة والبطيئة.

واتفق أ. سلمان العمري مع رؤية د. عيسى فيما يتعلق بأن اللجنة المشكلة في وزارة العدل مخرجاتها متأخرة وبطيئة جدا، كما يعتقد أن من يرأسها وربما بعض أعضائها قليلو الخبرة. كما أنها تفتقد خبراء متمرسون في هذا الجانب ممن لهم باع طويل في سلك القضاء والقانون.

بينما يرى د. مساعد المحيا أن وصف الشيخ صالح وأعضاء هيئة كبار العلماء والقضاة بأن مخرجاتهم ستكون ضعيفة وأنهم قليلو خبرة هو شكل من النرجسية التي تقول للناس بأنني خير منهم؛ فهؤلاء تم تعيينهم واختيارهم من ولي الأمر فهل كان صانع القرار يجهل مثل هذا. والسؤال المطروح هو: كيف يعرف المرء أن المخرجات ستكون ضعيفة ..ولم تخرج بعد .. الاعتدال مطلوب.

نحن نحتاج المزيد من العمل والكثير من الثقة بأصحاب الشأن ..

نعم قد نختلف في بعض الرؤى وقد يكون لدينا اقتراحات جميلة ..

ولكن كل ذلك يحتاج الكثير من التقدير للآخرين من المخلصين الذين لهم علمهم الوافر وخبرتهم وتجربتهم الثرية.

وأوضح د. منصور المطيري أن اللجنة المشار إليها أنهت المرحلة الأولى وبدأت في المرحلة الثانية حسب اطلاعه، و هي تشمل طاقات من أفضل الطاقات في هذا البلد. وستنتج في ظنه أحسن ما يمكن .. والاختلاف في الرأي لا ينبغي وصفه بالممانعات العبثية. ولن يكون للرأي قيمة في حضور الاتهامات.

كذلك فإن من الأمور المهمة التي تتعلق بموضوع التقنين تجدد القضايا و توالدها بطريقة لا يعرفها المشرع أو المنظم إلا في وقت متأخر .. أول من يعرف المستجدات هم القضاة.. ينتشر بين الناس سلوك معين جديد ثم يختلفون فيعرض أمام القضاء أولاً ثم يتناوله أخيرا الفقهاء و خبراء القانون بعد أن يكون القضاء قد قال كلمته فيه. مثلاً زواج المسيار انتشر كسلوك اجتماعي قبل أن يتناوله أحد بالتحليل و الحكم ، و أول من واجه إشكالاته القضاة لأنهم المحطة الأولى التي يلجأ إليها الخصوم.

أي قضية اجتماعية جديدة تحط رحالها أولاً في القضاء؛ وهذا يعني أن تأهيل القاضي للاجتهاد صفة ملازمة لقدرته على الفصل بين الخصوم .. التقنين لا يسعفه أحياناً .. بينما قد يستفيد من تنوع الآراء الفقهية و ثرائها في تصور القضية الجديدة و الحكم عليها … وفي نفس الوقت فإن التقنين قد يخفف على القاضي عبء البحث عن الحكم المناسب للقضية إذا كانت القضية عادية و معروفة.

وعلق د. عبد الله بن صالح الحمود على هذا الرأي بقوله: رأي صائب حول تقنين القضاء ، وأعتقد من أهم فوائده ما ذكره د. منصور المطيري ، أن ما يعزز وجوب تقنين القضاء هو أمام ضعف تأهيل القاضي مما يؤدي إلى ضعف اجتهاده ، وأن التقنين ييسر عليه ويجعل الحكم في متناول يده ، وهذا يعطي اطمئنان للقضاء  حتى ولو أشرك القاضي شيء من الاجتهاد مع التقنين .

وقال د. سعد الشهراني: لوزير العدل السابق د. محمد العيسى جهود واضحة في مجال تطوير   القضاء( مشروع الملك عبدالله يرحمه الله لتطوير مرفق القضاء) و شمل التطوير المجالات الآتية (و أنا هنا أرصد بعض ما تابعته متابعة عامة غير دقيقة):

  • البنية الأساسية.
  • إدارة القضاء و إجراءات التقاضي.
  • تدريب القضاة و مساعديهم.
  • التجهيز بالتقنيات الحديثة.
  • تقنين القضاء من خلال ما يعرف بالمدونات القضائية.

و غيرها من مجالات التطوير التي ربما لم يتم الإشارة إليها.

و قد أدركت لاحقا الحكمة من جمع المركزين المهمين في يد د. العيسى: رئاسة  المجلس الأعلى للقضاء ووزارة العدل؛ التي كانت ضرورية في حينه للمضي في برنامج تطوير مرفق القضاء. و قد تطور القضاء نتيجة لذلك تطورا ملحوظا، و كان من أوجه تطوره إنشاء محاكم مختصة للأحوال الشخصية و هذا تطور مهم جدا.

إن قضايا الأحوال الشخصية تأخذ الحيز الأكبر في حجم القضايا المعروضة على المحاكم، فضلا عن أنها القضايا الأكثر أهمية للفرد و المجتمع و وحدة البناء فيه: الأسرة.

و معروف أن الطفل و المرأة هما الأكثر هشاشة و تعرضا للأذى و التأثر السلبي من التأخر في البت في قضايا الأحوال الشخصية فتضيع حقوقهما و يتأثر واقعهما و مستقبلهما بكل دقيقة تأخير.

فاذا أضيف إلى ذلك ترك الأمور تحت رحمة  القاضي غير المدرب و غير المحكوم بأطر شرعية و نظامية مزمنة و واضحة تلزمه بالبت السريع في ما يعرض عليه فإن حقوق  أفراد هذه الأسر المهشمة تتأثر كثيرا ويصبح السؤال: من هو المسؤول؟

أحد أهم مبررات التقنين المطروح للنقاش هو سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية حتى لا تضار الأطراف :  الأسرة و الأطفال و المرأة و الرجل و المجتمع.

وأوضح م. خالد العثمان أن قضايا الأحوال الشخصية لها من اسمها نصيب .. هي شخصية ترتبط بشخصية أصحابها وأطرافها .. وتتلون بتلون نواياهم وأغراضهم وثقافاتهم .. لذلك من العسير جدا تقنينها وقولبتها ومعيرتها ونمذجتها في إطار يروم تحقيق العدالة الموضوعية لكل حالة من حالات الخلاف والتقاضي . المشكلة الحقيقية هي أداء القضاة والمنظومة العدلية عموما في إدارة هذه القضايا بين ضعف تأهيل القضاة نفسيا واجتماعيا ناهيك عن قلة أعدادهم وضعف فعالية أدوات الضبط والاحضار والتنفيذ والتساهل في حالات المماطلة والتسويف والتغيب عن حضور الجلسات.

الأمر الآخر في مجمل منظومة القضاء هو غياب مبدأ تطبيق العقوبة والتعويض عن الأضرار في الخلافات الشخصية والمالية في حين أن تطبيق مثل هذا المبدأ يمكن أن يكون أداة رادعة للتقليل من حالات التعدي والتطاول على الحقوق سواء الشخصية أو المالية. كذلك فإن سرعة البت في القضايا لا يجب أن تكون سببا في إهدار الحقوق وعدم تحقيق العدالة.

ومن جهتها ترى د. نوف الغامدي أن تقنين الأحكام يضيّق حيّز الاجتهادات في إصدارها، وربما يحول في بعض الأحيان دون الاجتهاد أصلا، وقد يكون هذا سبباً في عدم اهتمام الكثيرين بالتقنين، حيث أن الاجتهاد في إصدار الأحكام أصل من أصول القضاء، بناء على أحاديث كثيرة و منها ما رواه البخاري عن عمرو بن العاص: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»…

نحتاج إلى صياغة “نمذجة الأعمال” في كثير من القطاعات الحكومية وهذا يشمل المحاكم، وذلك للتحكم في طبيعة المدخلات والعمليات والمخرجات ولتقليل التدخل البشري الذي يعيق تحقيق الهدف.

كما ينبغي أن يكون نموذج العمل مرتبطا بمنظومة مؤشرات أداء، تبين الأداء الحقيقي للمحاكم والقضاة وترتبط مباشرة بالتقييم الذاتي، فللأسف الشديد الصورة ﻻ تزال غير مرضية عن الأداء في المحاكم مع تجاهل لمستوى الرضى لدى المراجعين.

إشكالية الإلزام من الناحية الفقهية،

وإشكالية مصطلح التقنين المشتقة من القانون،

ومصطلح القانون الذي ينصرف عرفاً للقانون الوضعي أو يشتهر به،

ومآل استعماله الذي يؤدي لاختفاء مصطلحات شرعية كـ : الحكم الشرعي، والأحكام الشرعية،  والقواعد الشرعية والشريعة الإسلامية وغيرها ..

وهي إشكالية معقدة، وتعقيدها يعقد الأمور، ولو تم تجاوزها بمصطلح “التدوين” الذي أقرته هيئة كبار العلماء لتقدمنا خطوات متميزة لا قانونية تقليدية.

إن التحكيم بالشريعة الإسلامية أمر مطلوب، لكنه بهذه الطريقة يجعل الاجتهادات مفتوحة والعواطف مختلفة وأحكام القضاة متفاوتة، هناك القاضي الجيد، وهناك المتميز، وكذلك هناك الضعيف، مقترحاً أن يكون الحل عبر التقنين “قانون ضعيف يطبق خير من قانون قوي لا يطبق”.

وتساءل د. خالد الرديعان: هل يسري على حكم القاضي في محكمة الأحوال الشخصية الابتدائية إجراءات الاستئناف أم أن حكم القاضي نهائي ولا يجوز الاستئناف فيه؟

وأجاب د. عيسى الغيث بقوله: نعم يسري عليه كما يسري على غيره في المحاكم الأخرى وفقاً لنظام (قانون) المرافعات الشرعية، ولكن محاكم الدرجة الثانية لا زالت تُمارس التدقيق (التمييز) وليس الاستئناف (المرافعات للدرجة الثانية) وذلك لكون هذه المحاكم لا زالت في مرحلة التهيئة للانتقال للاستئناف وقد تأخرت كثيراً، ونرجو أن يكون قريباً لاسيما بعد أن تم أخيراً سلخ المحاكم التجارية والدوائر الجزائية من ديوان المظالم إلى وزارة العدل.

ومن ناحيته تساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: في حال صدور تشريع للتقنين القضائي ، هل سيأتي من بعده قرار سياسي سواء من أعلى سلطة أو من المجلس الأعلى للقضاء بوجوب تطبيق القضاة هذا التقنين؟

والسؤال الآخر ما مدى استفادة القضاة من المدونة القضائية ، وهل يمكن أن تحل محل التقنين في حال عدم إقرار التقنين مرحليا؟

وماذا عن المحاكم التجارية والمرورية ، متى تبدء فعليا ويكون لها مقرات مستقلة؟

وأجاب د. عيسى الغيث على التساؤلات المشار إليها بالترتيب الموضح كما يلي:

  • فيما يتعلق بالسؤال الأول: فإن تقنين الأحكام القضائية لا بد أن يصدر بقرار من مجلس الوزراء (بصفته سلطة تنظيمية – تشريعية-  وتنفيذية) وفقاً لنظامه، وذلك مبني على قرارات ومحاضر من مجلس الشورى وهيئة الخبراء واللجنة العامة بمجلس الوزراء، وأما مجلس القضاء ومجلس هيئة كبار العلماء فقد يعرض عليهما مشروع النظام للاسترشاد، وغالباً سيكون باسم (نظام) ملزم أو (مدونة) وقد تكون غير ملزمة.
  • وفيما يتعلق بالسؤال الثاني: حول مدى استفادة القضاة من المدونة القضائية ، وهل يمكن أن تحل محل التقنين في حال عدم إقرار  التقنين مرحليا؛ يمكن القول بأن (المدونة) مجرد مصطلح وقد يسمى نظام أو مجلة الأحكام أو نحو ذلك، ففي الدولة العثمانية يسمى (مجلة) وفي دول المغرب العربي يسمى (مدونة) وفي السعودية يسمى (نظام) لحساسية مصطلح قانون!؛ باعتبار أن كل قانون فهو وضعي (كافر) كالكتاب الصادر مؤخراً بعنوان (كليات القانون والحكم بغير ما أنزل الله) حيث تم نقده من الشرعيين والقانونيين باعتباره كتاب تكفيري حديث وبتأليف قاضي وتقريظ عضو هيئة كبار العلماء!، وعموماً لا مشاحة في الاصطلاح، والأهم هو هل سيتم الإلزام بها أم لا؟ فإن ألزم بها فهو المطلوب وبغض النظر عن الاسم الذي اختير لهذا التقنين، علماً بأن هناك قانون للأحوال الشخصية لمجلس التعاون ولكنه استرشادي لا إلزامي ويمكن أن يكون منطلقاً لمشروع قانون/نظام/مدونة لهذا الخصوص.
  • وفيما يتعلق بالسؤال الثالث: بخصوص وماذا عن المحاكم التجارية والمرورية؛ فإن المحاكم التجارية بدأت فعلياً منذ ربع قرن تحت مظلة  ديوان المظالم، وتم سلخها لوزارة العدل ولم تحتاج لتغيير سوى اللوحات والأختام والمطبوعات لكون المحكمة قائمة وناجحة ومتميزة، والذي تغير فقط المرجعية وذلك لتوحيد جميع الدوائر القضائية تحت مظلة وزارة العدل، ولا يبقى لديوان المظالم سوى تخصصه الوحيد وهو القضاء الإداري عبر المحاكم الإدارية.

وأما المحاكم المرورية فليس هناك محاكم مرورية وإنما هي دوائر مرورية ضمن المحاكم العامة باعتبارها قضايا حقوقية ومالية تختص بها وفقاً لنظام المرور ونظام القضاء والتشريعات بهذا الخصوص.

وأشار د. علي الحارثي إلى أن هناك مكاتبات منذ سنوات طويلة بين الجهات العدلية والجنائية لتقنين الجريمة وتقنين العقوبة حتى لا يكون هناك تفاوت في أحكام القضايا المتماثلة لما لوحظ من تفاوت الأحكام في المتماثلات ، إضافةً إلى الأخذ ببدائل عقوبة السجن السالبة للحرية . وفى كلا الحالتين تعذر الوصول إلي نتيجة حتى إلى دليل استرشادي ، لأن ذلك يُحد من اجتهادات القاضي بحجة اختلاف ظروف كل قضية وظروف الجاني والمجني عليه ، وفى حالة بدائل العقوبة عقبات كثيره ابتداءً بتكييف الأحكام وانتهاءً بكيفية تنفيذ العقوبة والجهات المسؤولة عن تنفيذها ، بالرغم من أن التقنين في الحالتين أسهل من التقنين في قضايا الأحوال الشخصية . وليس المقصود أنه لا مجال للتقنين ، وإنما العقبات التي تحول دون ذلك ، بدءاً بذهنية ورغبة القضاء ، مروراً بالإجراءات القضائية  والإدارية ومماطلة المدعى عليهم وانتهاءً بقضاء التنفيذ.

وأوضح أ. أسامة نقلي أن هنالك حساسية مفرطة لدى المشرع من كلمة قانون ، بحجة أن القوانين وضعية، بينما التشريعات سماوية؛ لذلك تم الالتفاف على كلمة (قانون) باستخدام مصطلح (تدوين الأحكام) لا (تقنين الأحكام).

  • مقترحات لعلاج الإشكاليات وسرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية

يرى د. سعد الشهراني أن تقنين القضاء عموما و قضاء الأحوال الشخصية على وجه الخصوص هو مطلب ضروري و مشروع و الأسس الشرعية و الاجتهادات الفقهية غنية وواسعة جدا و شاملة ، و لا تمنع بل تتيح الاجتهاد المعاصر الذي يواكب مستجدات العصر و الزمان و المكان.

نعم نريد للرجل و المرأة و الأطفال أن يعرفوا حقوقهم أمام قاضي الأحوال الشخصية  بالذات من خلال نظام يساعده في البت سريعا على أسس شرعية نظامية واضحة و ملزمة للجميع و ليس للقاضي فقط.

أيضاً فإن الأصل الفصل بين رئاسة الوزارة و رئاسة المجلس لأسباب متعددة.

كذلك فإن المدونات القضائية عندما تكتمل ستكون مصدرا غنيا جدا يمكن أن يسترشد بها القضاة عند النظر في القضايا بحكم أنها سوابق قضائية؛ كما يمكن أن يسترشد بها المقننون  لنفس السبب، و لأنها مسببة شرعيا بحيث يضع المقنن نصوصا قانونية من منطلقات شرعية ، فيها من السعة و المرونة ما يجعلها قابلة للتطبيق.

واقترح د. عبد الله بن صالح الحمود أن يتم دعم القضاة خصوصا حديثي العهد بالعمل القضائي بكتيب يشمل بإيجاز أهم الأحكام القضائية التي تصدر خلال عام ، وأن يكون الإصدار سنويا لهذا الكتيب.

واتفق د. علي الحارثي مع من يرى إخراج مدونةٍ أو نظام أو دليل استرشادي لتقنين قضاء قضايا الأحوال الشخصية لأهميتها والحيف الذى يقع غالباً على المدًعي من مماطلة المدعى عليه ومن طول إجراءات التقاضي والتنفيذ وغيرها من القضايا حتى يلم القضاة ودوائر التقاضي بذلك ويعي المجتمع دوره في الضغط على الجهات لتفعيل ذلك ومن ثم القرار السياسي ، التدرج ثم النظام والقرار الحازم .

وأضاف د. خالد الرديعان أن تقنين العقوبات موضوع آخر يحتاج إلى مناقشة مستفيضة، ولا سيما أننا سنتناول لاحقا بدائل السجن التي قد لا يرى أهميتها بعض القضاة رغم فوائدها القصوى كالحد من عودة السجين للجريمة وتخليصه من وصمة العار التي ثبت أنها سبب مهم في العودة للسلوك المنحرف. أيضا تساعد بدائل السجن في التخفيف من اكتظاظ السجون؛ فمن حسنات بدائل السجن كذلك أنها تحد من اختلاط المحكوم عليه بسجناء لهم باع طويل وخبرة في الجريمة.. وخاصة عندما يكون المحكوم عليه للمرة الأولى شاب يافع غير محترف بالجريمة.

وقال أ.د. عبدالرحمن العناد أن من أهم فوائد تقنين القضاء أو العقوبات ترشيد بعض العقوبات المبالغ بها كتلك التي تصل لآلاف الجلدات والتي تثير كثيرا المنظمات الحقوقية … ومع أني اتحفظ على عقوبة الجلد من حيث المبدأ ومن منطلق انساني … أقبل عقوبات الجلد الواردة في القرآن الكريم عددا وحالات محددة.

والفائدة الثانية هي على الأقل تقارب الأحكام للمخالفات والجرائم المتشابهة … إذ تختلف الأحكام بالعقوبات من مدينة لأخرى ومن محكمة لأخرى ومن قاض لآخر ومن وقت لآخر عند نفس القاضي ..

وحتى لو كانت مدونة استرشادية تضع الحدود الدنيا والعليا للعقوبات ستكون مفيدة وتقضي على التفاوت الكبير الذي نشهده ونقرأ عنه …

بوجود المدونة أو التقنين لن نجد تفاوتا كبيرا كالذي شهدناه يوما ما .. حكم بعشر سنوات سجن لحالة تحرش (نفق النهضة) وسجن خمس سنوات لحالة اغتصاب (فتاة القطيف) ؟

يؤمل أن يقضي التدوين أو التقنين على مثل هذه التفاوتات اللامعقولة.

وبدوره أوضح د. زياد الدريس أنه مع تقنين أو تدوين الأحكام القضائية، شرط أن يكون ذلك رغبةً في التطوير واستجابة لتحولات العصر ومتطلباته، وليس استجابة لمطالب الغرب أو مؤسسات حقوق الإنسان (المفصّلة على الستاندرد الغربي).

كلما قدّمتَ تنازلاً سيطالب بالمزيد!

من الخطأ الاندفاع في التغيير رضوخاً لرغبات الآخر، ومن الخطأ أيضاً الامتناع عن التطوير عناداً لرغبات الآخر.

وعلق د. محمد الصبان على ما طرحه د. زياد، بأن التنازلات التي نتحدث عنها هي ليست لإرضاء الغرب ولكنها ضرورة مجتمعية للرجوع إلى الحق ومنع أي فرصة للتعسف في الأحكام. فالتغيير نحو الأحسن ضرورة وهذه مطالب عامة.

وبدوره قال د. منصور المطيري: القوانين تعكس بلاشك و لا ريب رؤية المجتمع و الفرد للوجود و للحياة و للمصلحة .. هذه الرؤية تحدد مصادر التقنين و التشريع .. و لذلك أنا أعتقد أن الذين اختاروا لفظة أنظمة للدلالة على تنظيم المصالح المرسلة ، و تجاوزوا مصطلح ( لا لفظ ) القانون في المملكة العربية السعودية خبراء غير عاديين.. فهم يعرفون جيداً تبعات هذه المصطلحات ..

القانون الوضعي لها مصادره التي تختلف عن مصادر الشريعة اختلافاً تاماً مع احتمال التوافق في بعض الأحكام مع الشريعة ..

ولذلك أنا أتمنى البقاء على استعمال الأنظمة فقط في أدبياتنا و جامعاتنا و مناهجنا لوصف ما نصدره من أحكام تنظم المصالح المرسلة.. و أن يُدرس القانون بنظرياته وفروعه دراسة نقدية.

وقالت أ. ليلى الشهراني: لا أحد يرفض التغيير الإيجابي ، ولا يمكن أن نرفض كل ما يأتي به الغرب ولكن في مسألة الحقوق الانسانية والأحكام القضائية لا يمكن أن تطمئن النفس لصراخهم عند جلد جاني أو القصاص من مجرم أو سجن من يستحق السجن ؛ ثم بالمقابل نرى العدالة غائبة عن سجونهم كما في قضية الدوسري أو التركي ، ونتوجس كثيرا من دموع التماسيح التي تذرف لقضية ناشط واحد ولا نسمع لهم همسا في ملايين المشردين والقتلى والمسجونين ظلما في سجون الاحتلال ، لكن إن كان التقنين من باب التنظيم والتطوير فمرحبا به تحت عباءة الشرع.

المحور الثاني

التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(تنظيم لمواكبة المتغيرات الاجتماعية)

إلي أعلي

الورقة الرئيسة: د. عبد الله بن صالح الحمود

وافق مجلس الوزراء السعودي على تنظيم الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في تنظيم حدد المهام والمسؤوليات للهيئة ، وكذا للجهات المختصة الأخرى ذات العلاقة بالأمن الاجتماعي والأمن الداخلي ، حيث أتى هذا التنظيم بأثنى عشر مادة ، كان منها على وجه الخصوص منطوق المادة السادسة لهذا التنظيم الذي نصه (تختص الهيئة وفقاً لهذا التنظيم بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إليه بالرفق واللين، مقتدية في ذلك بسيرة الرسول صل الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين من بعده ، مع استهداف المقاصد الشرعية، والإسهام مع الجهات المختصة في مكافحة المخدرات وبيان أضرارها على الأسرة والمجتمع) .

كما نصت المادة السابعة من هذا التنظيم أيضاً ما نصه (تباشر الهيئة ومنسوبوها الاختصاص المنصوص عليه في المادة ( السادسة ) من هذا التنظيم وفقاً للضوابط الآتية :

  • تتولى الهيئة تقديم البلاغات في شأن ما يظهر لها من مخالفات أثناء مزاولتها لاختصاصها المنصوص عليه في المادة (السادسة) من هذا التنظيم بمذكرات إبلاغ رسمية إلى الشرطة أو الإدارة العامة لمكافحة المخدرات / بحسب الاختصاص / وهما وحدهما الجهتان المختصتان / بموجب الأحكام المقررة نظاماً / بجميع الإجراءات اللاحقة لتلك البلاغات بما في ذلك إجراءات الضبط الجنائي والإداري والتحفظ والمتابعة والمطاردة والايقاف والاستجواب والتثبت من الهوية والتحقيق والقبض في أي بلاغ ذي صلة باختصاص الهيئة.
  • يباشر أعضاء الهيئة الاختصاص المنصوص عليه في المادة (السادسة) من هذا التنظيم في الأسواق والشوارع والأماكن العامة ، وذلك خلال ساعات عملهم الرسمي المرتبة والمجدولة بشكل رسمي من قبل إدارة كل مركز. وليس لرؤساء المراكز أو أعضاء الهيئة إيقاف الأشخاص أو التحفظ عليهم أو مطاردتهم أو طلب وثائقهم أو التثبت من هوياتهم أو متابعتهم والتي تعد من اختصاص الشرطة والإدارة العامة لمكافحة المخدرات وفقاً للفقرة ( 1 ) من هذه المادة.
  • تباشر الهيئة الاختصاص المنصوص عليه في المادة (السادسة) من هذا التنظيم من خلال أعضائها الرسميين شاغلي وظائفها المعتمدة في ميزانيتها.
  • على عضو الهيئة إبراز بطاقة التعريف الرسمية الخاصة به بشكل ظاهر تتضمن اسمه ووظيفته والمركز الذي يتبعه وساعات عمله الرسمي.

وأمام هذا التنظيم لابد أن ندرك أن الله سبحانه وتعالى كلفنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمرنا به أمراً، فقال (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).

وأمرنا بتربية أولادنا عليه: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر} فوصية لقمان لابنه وصية الآباء لأبنائهم، هكذا القرآن: يحكي لنحاكي، ويحذر لنحذر.

وذكر أنه سنة النبي صل الله عليه وسلم وفعله: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر).

وهذه الشعيرة العظيمة شعيرة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، تعد من أعظم الشعائر التي كلف بها كل إنسان مسلم عاقل ، فلا يختلف أحد على عظمتها ووجوب الاهتمام بها وتطبيقها التطبيق الاسمى بما وردت عنه الآيات الكريمة وأقوال رسول الله صل الله عليه وسلم.

إن هذا التنظيم يعد منهج قويم لتحديد المسؤوليات والصلاحيات التي كفلها النظام لكل قطاع حكومي يفترض بل يجب تنفيذ ما صدر من تعليمات وضوابط لكل جهة على حده ، وصولاً إلى أهداف مبتغاه من هذا التنظيم الجديد.

إن للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية أهمية كبرى لأي مجتمع ، ومهما تكن إمكاناته اجتماعية كانت أو اقتصادية ، ولهذا فإن التغيير والتطوير سمة الحياة البشرية.

لهذا أتى تنظيم الرئاسة العامة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كغيره من التنظيمات الأخرى التي طالت أكثر من قطاع حكومي ، مواكبة لتطور اجتماعي مأمول .

وهنا لابد لنا أن ندرك أن لهذا التنظيم الجديد تداعيات كثيرة ، من أهمها أن مسؤوليات عديدة وأدوار كبيرة كانت تضطلع بها هذه الهيئة ، وبعد أن انتقلت بعض من هذه المهام والمسؤوليات لجهات أمنية مختصة ، أضحى من المفترض أن تعاد هيكلة الجهات الأمنية المناط بها مسؤوليات الاشراف والضبط الأمني خاصة ما يتعلق بالحفاظ على السلوك الاجتماعي ، ودرء لأخطاء وتجاوزات سلوكية تحدث في الأسواق والأماكن العامة .

من هذا المنطلق وإذا ما رغبنا أن نصل إلى بيئة اجتماعية آمنة خصوصاً وأننا لمسنا في الآونة الأخيرة شبة فراغ رقابي على الأسواق والأماكن العامة من منتزهات وغيرها بسبب الفترة الانتقالية لتحديد وتنفيذ المهام والواجبات لهذه الجهات مجتمعة ، بعد ما أوكلت إجراءات الضبط الجنائي والإداري والتحفظ والمتابعة والمطاردة والايقاف والاستجواب والتثبت من الهوية والتحقيق والقبض في أي بلاغ ذي صلة باختصاص الهيئة إلى مراكز الشرط وغيرها.

فإن الأمر يستدعي إعادة هيكلة أمنية وإدارية داخل مراكز الشرط لقيام الشرط بدور أمني نوعي حسب الاختصاص ، وهنا أعتقد أن من أساسيات هذه الهيكلة ما يلي :

  • إنشاء وحدة ضبط السلوك العام .
  • إنشاء وحدة الأمن السياحي .
  • إنشاء وحدة الأمن الجنائي .
  • إنشاء وحدة أمن الحقوق الخاصة .

إن هذه الوحدات بعد إنشائها وتهيئتها التهيئة المتكاملة لانطلاقة العمل فيها ، ومنها على وجه الخصوص تدريب وتأهيل العاملين فيها بالاختصاصات التابعة لكل وحدة ، أرى أنه سوف يعطي العمل الشرطي دور فاعل ومتقن في مكافحة أي جريمة تحدث أخلاقية أو غير أخلاقية ، ومن الأدوار المفترض القيام بها لحفظ الأمن السلوكي خصوصاً في الأسواق والأماكن العامة هو قيام الشرطة بتوفير وحدات أمنية صغيرة في الأسواق لسرعة مكافحة ما يحدث من تجاوزات بين المتسوقين ، فضلاً عن توافر ما يسمى بدوريات الأمن (الراجلة) ، فتلك تعطي شيئاً من الهيبة في هذه الأماكن وهذا قائم في العديد من الدول .

التعقيب الأول: د. عبدالسلام الوايل

ورقة اليوم تمس موضوعا دراماتيكيا مر به المجتمع في الآونة الأخير، هو ذاك المتعلق بطرح تنظيم جديد لهيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. كما هو معروف، و كما أوضح الزميل د. عبدالله، فقد تركزت “الجدة” في التنظيم الجديد بجعل صلاحيات الضبط الجنائي و الإداري و التحفظ و المتابعة و المطاردة و الإيقاف و الاستجواب و التثبت من الهوية و التحقيق و القبض فيما يخص القضايا التي “تلاحظها” الهيئة جعلها من صلاحيات الجهات الأمنية من شرطة و مكافحة المخدرات وحدهما. كما رتب أوقات و شكل ممارسة أعضاء الهيئة لأعمالهم و جعلها منضبطة بضابط التنظيم الرسمي، كما يتوقع من جهاز حكومي جاعلا أي ممارسة خارجة على الصرامة النظامية، من ممارسة للعمل خارج أوقات العمل أو خارج دائرة الاختصاص أو الاستعانة بمتطوعين ليسوا من منسوبي الجهاز، جاعلا منها عمل غير نظامي، و هي ممارسات كانت شائعة في السابق. و كما أوضح د.عبدالله، فقد أتى هذا التنظيم استجابة لتغيرات اجتماعية مر بها المجتمع في السنوات الأخيرة. و حول هذه النقطة سيتركز تعقيبي.

مثلما لحظت وثيقة رؤية “2030”، فإن جودة الحياة للمواطن السعودي لا تتوافق مع دخله المرتفع. وتعزوا الوثيقة هذا التفاوت بين علو الدخل و نقص جودة الحياة للطريقة التي ننظم بها ممارسة الناس لأنشطتهم في الفضاء العام. إن الطريقة التي يجري بها تنظيم هذه الممارسات، كأنشطة التسوق و الترفيه و ممارسة الرياضة في الميادين و تنظيم المهرجانات و الفعاليات الفنية و الثقافية، تنطلق من رؤية “زهدية” لما يجب أن يكون عليه الناس، خاصة المناشط المختصة بالنساء و الأطفال و المثقفين و الفنانين. و كان جهاز الهيئة، بصلاحياته الكبيرة، يقف بالمرصاد للمحاولات للخروج عن هذا “التصور الزهدي”. و المشكلة الأكبر في هذا التصور إهماله لحقيقة أن الانسان المعاصر صار يرى مناشط الترفيه، بمختلف أنواعها، باعتبارها جزء من أسلوب الحياة اليومية و أن التناقض في تنظيم هذه المناشط مع الاتجاه العالمي، الذي تقذف به الصور المبثوثة في وسائل الاعلام و التواصل الاجتماعي، صار مصدر توتر و حسرة لفئات اجتماعية يتزايد حجمها باضطراد. و نظرا لتسارع التغير الاجتماعي، كتغير التصورات لقطاعات كبيرة و متزايدة في المجتمع لكيفية تنظيم المناشط في الفضاء العام، فقد أصبح لزاما و للتوافق مع هذه التغيرات الاجتماعية التوقف عن فرض الرؤية الزهدية و فسح المجال لتنظيم المناشط العامة بما يتوافق مع كل التغيرات الاجتماعية التي يمر بها المجتمع من ناحية و جعل مستوى جودة الحياة متوافقا مع مستوى الدخل.

إضافة لنزع الطابع الزهدي عن تنظيم مناشط الفضاء العام، يثير التنظيم الجديد نقطة أخرى جديرة بالاهتمام. تلك هي وقف التخندق الأيديولوجي في “ضبط” هذا الفضاء. إذ عبر إيكال ضبط مناشط الفضاء العام إلى جهاز كالشرطة ستتوقف “أدلجة” ضبط هذه الحادثة أو تلك و ستتوقف السلسلة الطويلة و اللامنتهية من الاتهامات و التبريرات لهذه الحادثة أو تلك. فالمجتمع يؤطر جهاز الشرطة بنظرة “تقنية”، باعتباره جهاز ضبط. و يتم النقاش حول هذا الجهاز، سواء تثمين أداء أو نقد آخر، انطلاقا من هذه النظرة التقنية. لكن الأمر كان يختلف مع جهاز هيئة الأمر بالمعروف، حيث تلبست النظرة للجهاز بلبوس المنظور الأيديولوجي، فصار للجهاز أنصار يدافعون عن كل ممارساته و ناقدين يدينون أي ممارسة له. إن التغيرات الاجتماعية تفرض إبعاد تنظيم مناشط الفضاء العام عن الفرد الأيديولوجي و ضبطها بجهاز تقني صرف، بما يتصف به هذا الجهاز من انضباط رسمي وحياد قيمي حيال مختلف مكونات المجتمع.

التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا

كان قرار إعادة تنظيم عمل الهيئة بمثابة القرار التاريخي المفصلي، ومن يفهمه بهذا الاطار يدرك جوانب مما يتعلق به هذا القرار وما قد يترتب عليه.

الهيئة ورجالها هم أحد مؤسسات الأمن المجتمعي .. أدرك ذلك رجل الأمن الأول الأمير نايف رحمه الله فكان داعما لوجودها ولصلاحياتها ..

وأخال المؤسسة الأمنية لدينا بقيادة الامير محمد بن نايف ترى ذلك سرا وجهارا …

الملحوظ أن  قرار إلغاء صلاحية الهيئة لم يتم دعمه بفرق أو  رجال من الشرطة ليرافقوا أعضاء الهيئة الميدانيين، وليتولوا عملية الضبط حيث لم يتم تزويد المراكز بأي رجال للشرطة فضلا عن النقص السابق من قبل ..

هناك معلومات تشير إلى أن تغيير النظام سيكون عند إصدار اللائحة التنفيذية وهذا غير دقيق لأن من المتعذر صدور شيء يتعلق باللائحة وهو يخالف النظام الصادر والذي يقضي بإلغاء ضبط الهيئة للمخالفين.

من المتعذر جدا وفقا لآلية العمل بالشرطة أن يقوم الجهاز بما كانت تقوم به الهيئة؛ إذ أن ذلك يتطلب إنشاء شرطة مخصصة للآداب أو الأخلاق تابعة للشرطة كما هو الشأن ببعض الدول.

والغاء صلاحيات الهيئة قبل إنشاء مثل هذا الجهاز وتحديد صلاحياته يشير إلى أن فكرة الصلاحيات انتهت وأن كثيرا مما تقوم به الهيئة لم يعد مهما القيام به وفقا للتنظيم الجديد وهو أمر مقلق ..

فإلغاء صلاحيات جهاز وإحالتها لجهاز آخر دون أن يكون هناك تنظيم يحدد ذلك يشير إلى القلق تجاه الإذن بوفاتها؛ لا سيما وأن الشرطة  لديهم من الواجبات والمهمات ما يشغلهم وما يحتاجون معه لمزيد من الأفراد.

كما أن تزويد الهيئة بالعسكر لم يُنص عليه في نظام الهيئة الجديد وهذا يعني أن أي دعم لو تحقق يمكن أن يتم سحبه …

ومن هنا فإن نزع صفة الضبط من رجال الهيئة كان يفترض أن يقوم على أساس تنظيم جديد تبلغت به الشرطة وأخذت بالعمل عليه؛ وهذا يعني أن أي حلول بديلة ومؤقتة، بدون نظام سينتهي إلى تعطيل الهيئة وهو ما بدت مؤشراته .

أدرك أن أخطاء بعض رجال الهيئة كان سببا في الوصول لمثل هذا القرار، لكني أيقن أيضا أن المبالغة في تضخيم ذلك لحاجة في أنفس مريضة وسيئة هي من أساء للمملكة وعمل على نشر ذلك في وسائل إعلامية أجنبية مهللا وفرحا وكأنما هؤلاء ينتظرون شيئا ما توجهه المنظمات الحقوقية الدولية ..

قرار إلغاء الصلاحيات هللت له أقلام وطار به فرحا بعضها ممن كان  يقض مضجعها وجود الهيئة لأنها تريد أن تتنفس المنكر وتشرب الرذيلة وتمارس الخطأ .. تماما كما يفرح المجرم حين تبتعد عنه الشرطة ورجالها فهو يريد أن يعيث في الأرض فسادا ..

سأظل متفائلا كثيرا بما سيكون وما سيحصل لأن الله تكفل بحفظ دينه وأن الإجراءات التي قد تصدر لاحقا لتعيد تنظيم عمل الهيئة بالتنسيق مع المؤسسة الأمنية سيجعل لها قوة أكثر وامتدادا أوسع وميدانا أرحب ، وسينشغل أصحاب العيون المريضة بأنفسهم لأن الواقع سيكون أشد حصارا عليهم؛ فالمؤسسة الأمنية لن تترك لهم أن يصدروا الرذيلة والفحش لهذا المجتمع ..

أما إن لم يحصل ذلك فإخال أن الهيئة ستصبح جهاز وعظ وارشاد وقد تلحق بوزارة الشؤون الإسلامية حتى لا تتداخل الصلاحيات.

..حديث مهم في الباب …

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَثَلُ الْوَاقِعِ فِي حُدُودِ اللَّهِ ، وَالْمُدَاهِنِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا فِي سَفِينَةٍ ، بَعْضُهُمْ سُفْلٌ ، وَبَعْضُهُمْ عُلْوٌ ، وَكَانَ الَّذِينَ فِي السُّفْلِ يَسْتَقُونَ مِنَ الْعُلْوِ ، فَيَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذُونَهُمْ ، فَقَالَ الَّذِينَ فِي الْعُلْوِ : آذَيْتُمُونَا ، تَصُبُّونَ عَلَيْنَا الْمَاءَ ، فَأَخَذُوا فَأْسًا فَجَعَلُوا يَحْفِرُونَ فِي السَّفِينَةِ ، فَقَالَ الَّذِينَ فِي الْعُلْوِ : مَا تَصْنَعُونَ ؟ فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا يُرِيدُونَ غَرِقُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا جَمِيعًا ” ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ

نحن بخير  وإلى خير .. لكننا نحتاج أن نحسن الظن بمؤسسات الدولة .. وبطريقة غير انتقائية فالخطأ من رجل الهيئة عند البعض لا يغتفر بالنظر لحجم عملها العظيم في حين لا يلقي هؤلاء بالا لخطأ أعظم من رجل أمن أو طبيب وقد يرونها حادثة فردية وهي كذلك.

التعقيب الثالث: د. عيسى الغيث

أشكر د. عبدالله ص الحمود على الموضوع، وأؤيد ما ذكره، وقد سبق أن ذكرت ذلك في برنامجي الإذاعي الأسبوعي بالعقل على إذاعة mbc-fm (كل أحد ٤-٥م) والذي انتشر اليوتيوب الخاص به بعد ذلك، كما كتبت مقالاً بشأنه نشر في صحيفة الوئام لتعذر نشره في زاويتي بجريدة الوطن لصدور التوجيهات بالتوقف عن نشر المقالات بشأنه، إضافة إلى أنه سبق لي كتابة مقالين متواليين عن الهيئة قبل أشهر من القرار في زاويتي الأسبوعية (كل أربعاء).

أؤيد بشدة قرار تنظيم الهيئة الجديد والذي جاء منسجماً مع مطالبات الناصحين والنقاد العارفين فضلاً عن المجتمع الذي شكى من سوء استخدام الهيئة لسلطة (الضبط) وتدهورها في الآونة الأخيرة، وكما تم نقل سلطة (التحقيق) من وزارة الداخلية إلى النيابة العامة (هيئة التحقيق والادعاء العام) بلا مشاغبات بل سمعوا وأطاعوا في كل قطاعات الداخلية لأنه تطوير إداري لازم؛ فمن باب أولى أن يكون كذلك مع الهيئة ولكن للأسف كانت ردة الفعل من الكثير كالعادة والمتوقع سيئة، وأؤيد بقوة إعادة هيكلة جهاز الأمن العام تطويراً له من جهة – لاسيما مع زيادة عدد السكان (قرابة ٤٠ مليون) وكثرة الجرائم نوعاً وكماً – ومراعاة للمهمة الضبطية الجديدة المنقولة من الهيئة من جهة أخرى، وأتمنى أن ترصد ردود الأفعال على قرار هذا التنظيم بأنواعها بكل شمول ودقة وأن تحلل بعدالة وعمق وتتخذ التوصيات بشأن ذلك؛ لأن الذي حصل وما زال يوجب الدراسة واتخاذ اللازم للمصلحة العامة للبلاد والعباد، ولعلي أختصر تعقيبي على التنظيم بالنص التالي:

صدر عن مجلس الوزراء، في جلسته الأسبوعية ليوم الاثنين 4 رجب 1437هـ، قرار بالموافقة على (تنظيم) الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المكون من 12 مادة، علما بأنه تنظيم لا نظام وهو ضمن صلاحيات مجلس الوزراء بموجب الفقرة (2) من المادة (24) من نظام مجلس الوزراء التي نصت على أن (للمجلس باعتباره السلطة التنفيذية المباشرة الهيمنة التامة على شؤون التنفيذ والإدارة).

ويدخل في اختصاصاته التنفيذية أربعة أمور؛ منها الفقرة الثانية (بإحداث وترتيب المصالح العامة)، كما أن نظام المجلس الذي خوله هذه الصلاحية قد صدر بأمر ملكي برقم (أ/13) وتاريخ 3/3/1414هـ وهو أقوى أداة من المرسوم الملكي الذي تتوج به الأنظمة، فضلا عن أن التنظيم الجديد قد ألغي به تنظيم لا نظام سابق وبالتالي تم نسخه بأداة المنسوخ نفسها، وهذا القرار بالتنظيم صدر بعد الاطلاع على ستة أمور؛ هي (قرار مجلس الشورى الصادر على التقرير السنوي للهيئة، مما يعني قوة أثر ودور المجلس.

وتنظيم الهيئة السابق الصادر قبل ثلاث سنوات فقط، ونظام مجلس الوزراء المخول لإصدار التنظيمات، ونظام الإجراءات الجزائية ولائحته التنفيذية المخول لجهات الضبط، ومشروع التنظيم الجديد المعد في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، وتوصية اللجنة العامة لمجلس الوزراء الصادرة في نفس يوم جلسة مجلس الوزراء 4 رجب، مما يعني السرعة والأهمية)، إضافة إلى أن سريان التنظيم الجديد يبدأ العمل به من تاريخ تبليغه وليس من تاريخ نشره الذي سيتم لاحقا وذلك حسب المادة رقم 12، وقد تم تبليغه للهيئة خلال 48 ساعة، وتم تعميم الرئيس العام للهيئة في يوم الخميس 7 رجب؛ أي بعد قرار مجلس الوزراء بثلاثة أيام فقط، مما يعني الحزم بسرعة إصداره وسرعة سريانه.

المادة الأولى من التنظيم نصت على أن الرئاسة العامة للهيئة (جهاز مستقل)، وارتباطه برئيس مجلس الوزراء، كما نصت المادة الثانية على أن الرئيس العام للهيئة يكون بمرتبة (وزير) ويعين بأمر ملكي، ونصت المادة الثالثة على تكوين فروع الهيئة بالمناطق، والمادة الرابعة تحميل الرئيس العام مسؤولية إدارة الهيئة وفقا لأحكام هذا التنظيم وليس مطلقا، والمادة الخامسة في الشروط الواجب توافرها في أعضاء الهيئة وهي أربعة (أن يكون من ذوي المؤهلات العلمية وبالطبع المتخصصة والكافية وفقا لما تحددها اللائحة التنفيذية، وأن يكون مؤهلا لهذه المهمة العظيمة علميا ونفسيا وأخلاقيا، وأن يكون من حسني السيرة والسلوك المشهود لهم بحسن السمعة ليمكنه من القيام بالواجب بالرفق واللين وبلا غلو ولا اعتداء، وألا يكون سبق أن صدر في حقه حكم بحد شرعي أو السجن لمدة تزيد على سنة أو أدين في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة، وذلك حتى يكون أهلا لهذه الوظيفة الخطيرة).

والمادة السادسة هي (المهمة)، حيث بينت (اختصاص) الهيئة، فنصت على (القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إليه – أي واجب الأمر والنهي – وذلك “بالرفق واللين” وليس بالشدة والعنف، مقتدية في ذلك بسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين من بعده مع استهداف المقاصد الشرعية التي تبشر ولا تنفر، وتيسر ولا تعسر، وتستر ولا تفضح، وتصلح ولا تفسد.

والإسهام مع الجهات المختصة في مكافحة المخدرات وبيان أضرارها على الفرد والأسرة والمجتمع)، وفي ذلك إعادة الهيئة لمهمتها الأصلية في الأمر بالمعروف وليس مجرد النهي عن المنكر وبالشدة والاعتداء وتشويه سمعة الاحتساب والمجتمع والدولة بالتجسس وانتهاك حقوق الناس ومصادرة حرياتهم الشرعية والتشكيك في براءتهم وإلزامهم بمسائل الخلاف الفقهي، وهذا مخالف لسنته وسيرته ومنهجه عليه الصلاة والسلام.

والمادة السابعة وهي (الأهم)، حيث حددت (ضوابط) مباشرة الاختصاص الوارد في المادة السادسة، وذلك في أربعة ضوابط: (الضابط الأول “سحب” صلاحية الضبط الجنائي والإداري من الهيئة واقتصار ولايتها في تقديم (البلاغات) في شأن ما يظهر لها من مخالفات في أثناء مزاولتها اختصاصها المنصوص عليه في المادة السادسة، وذلك بمذكرات (إبلاغ) رسمية إلى الشرطة – فيما يخصها كقضايا السحر والشعوذة والخمور والابتزاز والتحرش والأعراض والأخلاق والمنكرات العامة المُجَرَّمة – وإلى مكافحة المخدرات فيما يخصها، وهما وحدهما – الجهتان التابعتان لوزارة الداخلية – دون الهيئة التي تملك ولاية واختصاص الضبط اللاحقة لتلك البلاغات، بما في ذلك إجراءات (الضبط الجنائي والإداري والتحفظ والمتابعة والمطاردة والإيقاف والاستجواب والتثبت من الهوية والتحقيق – الضبطي وليس التحقيق القضائي – والقبض في أي بلاغ ذي صلة باختصاص الهيئة).

وبالتالي فلا يحق للهيئة جميع ذلك، وعليه فلا يكون برفقتهم رجال أمن، والضابط الثاني أن تكون مباشرة أعضاء الهيئة للاختصاص المنصوص عليه في المادة السادسة مقتصرة على ثلاثة أماكن فقط؛ هي الأسواق والشوارع والأماكن العامة دون ما سواها، وكذلك ليس على مدار الساعة وإنما خلال ساعات عملهم الرسمي المرتبة والمجدولة بشكل رسمي، وليس لكائن من كان من رؤساء الهيئة وأعضائها أي حق في إيقاف الأشخاص أو التحفظ عليهم أو مطاردتهم أو طلب وثائقهم أو التثبت من هوياتهم أو متابعتهم والتي تعد من اختصاص الشرطة و”مكافحة المخدرات” وفقا للضابط الأول أعلاه.

كما نص الضابط الثالث على اقتصار عمل الهيئة على أعضائها الرسميين دون غيرهم، مما يعني تجريم الاستعانة بالمتطوعين، وأي محتسب غير رسمي يعد خارجا على السمع والطاعة لولي الأمر ومخالفا للنظام ويوجب توقيفه ومحاكمته؛ لأن الدولة هي التي تقوم بهذا الفرض الكفائي في الشأن العام، وذلك عبر مؤسساتها الرسمية كالهيئة والشرطة و”مكافحة المخدرات” وغيرها، والضابط الرابع اشترط على الأعضاء الرسميين إبراز بطاقة التعريف الرسمية الخاصة بالهيئة متضمنة اسمه ووظيفته والمركز الذي يتبعه وساعات عمله الرسمي للتأكد من اختصاصه المكاني والزماني.

والمادة الثامنة بتشكيل (لجنة استشارية) من خمسة أعضاء تتولى الاستشارات والتوصيات للرئيس العام للهيئة فيما يتعلق بمباشرة الهيئة اختصاصها، وما قد يطرأ من مخالفات وتجاوزات بهذا الشأن واقتراح محاسبة المخالفين من الأعضاء، وذلك وفق ما تحدده اللائحة التنفيذية لهذا التنظيم، ويسمي (رئيس مجلس الوزراء) أعضاء هذه اللجنة، والمادة التاسعة توجب تعاون الجهات العامة والخاصة مع الهيئة، والمادة العاشرة تنص على أن الذي يصدر اللائحة التنفيذية للتنظيم هو (رئيس مجلس الوزراء).

كما نصت المادة الحادية عشرة على أن هذا التنظيم يحل محل التنظيم السابق ويلغي كل ما يتعارض معه من أحكام كالوارد في بعض مواد نظام الإجراءات الجزائية في ولاية الضبط، حيث جُرّدت الهيئة منها وفقا للمادة السابعة، والمادة الثانية عشرة وهي الأخيرة نصت على نشر التنظيم في الجريدة الرسمية وهي جريدة “أم القرى” الأسبوعية الصادرة كل جمعة، ولكن العمل بهذا التنظيم يبدأ من تاريخ تبليغه كما أسلفت وبينته في أول تعقيبي أعلاه.

وبهذا تكون الهيئة انتقلت من كونها جهة (ضبط وإنكار باليد) إلى كونها جهة أمر بالمعروف وتوعيه وتوجيه ونصح وإرشاد و(وإنكار باللسان فقط وبالرفق واللين، وتبليغ رسمي لجهة الضبط باليد) فيما يقتضيه الحال ووفق الاختصاص مما (ثبت) وقوعه من منكرات و(اتفق) العلماء على تحريمه لا ما هو محل اجتهاد فيسوغ فيه الخلاف بلا نكير، وهذا هو الاحتساب النبوي وخلفاؤه الراشدون.

التعقيب الرابع: د. عبدالله بن ناصر الحمود

  • أولا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة.. ورجال الهيئة فضلاء طيبون.. أهل غيرة.. وولاء لما آمنوا به.. وقد حققت الهيئة إنجازات تشكر عليها في مسيرتها الطويلة، رغم فداحة إشكالاتها، مما سيرد بعض بيانه، فجزى الله خيرا كل من أضمر خيرا لمجتمعنا وسعى إليه.
  • ثانيا: الهيئة جهاز إداري يعاني من كل ما تعاني منه أجهزة البيروقراطية البليدة، ويزيد عليها باعتقاده العصمة أو شيء مثلها.
  • ثالثا: الجمع بين الشعيرة والبيروقراطية وشيء من العصمة، أخرج لنا حالا لا تسر، إن في اختزال المعروف واختزال المنكر في ما ليس معروفا ولا منكرا بالضرورة في حالات كثيرة، وإن في تنمر الجهاز وسطوته على العباد.
  • رابعا: أحسنت الدولة صنعا في إعادة هيكلة الجهاز، وضبطه.
  • خامسا: الحذر من الالتفاف على التنظيم الجديد عبر القواعد التنفيذية مطلب ملح اليوم.
  • سادسا: من أبرز محاسن الجهاز، سعيه لتطهير المجتمع، ومن أبرز مفاسد الجهاز ما اشتهر من ظنه السيء بالمسلم، والتعامل وفق منظومات من الشك والريبة، مخالف بذلك مخالفات ظاهرة لما علم من الدين بالضرورة، من أن الأصل في المسلم السلامة في القصد والعمل.
  • سابعا: فرض الجهاز نمطا غريبا من الوصاية على الناس، في سلوكهم، وهي وصاية تجاوزت الحد الشرعي في عدد من مهمات الجهاز المشتهرة. ففي حين جاءت التكاليف الشرعية على قاعدة فردية في معظمها، وبالذات ما لا علاقة للجماعة به، فرضت الهيئة تكليفا جمعيا عجيبا. مثلا، إغلاق المحلات أثناء أوقات الصلاة، ارتداء بعض الرجال وبعض النساء لألبسة غير مخالفة لأصل التشريع، وإن خالفت أذواق بعض البشر، وحتى في قضايا ما سمي بالخلوة، ظهر من الهيئة وصاية جمعية، لا تبدو ذات أصل شرعي في اقتفاء آثار العباد، وتتبعهم.

فلنتصور حالة..

أرجو أن لا نقذف بعضنا فيها بالتطرف،  ولا بالزندقة وتفسيق المجتمع..

رجل وامرأة في مركبة، أو في الشارع، أو في مقهى أو في مطعم.

بالغان.. عاقلان.. مكلفان شرعا.. وأمرهما إلى الله

بأي حكم (شرعي) يتم تجريمهما واتهامهما بالخلوة غير الشرعية حتى يثبت العكس؟  بل بأي حكم (شرعي) يتم منعهما (عنوة) من هذه الخلوة لو صارت؟

السؤال هنا، عن مسوغ شرعي جمعي معلوم من الدين بالضرورة يمنح جماعة من المسلمين كبح هذه (الخلوة)!! عند جماعة أخرى.

لا أريد أن أطيل..  لكن هنا موطن التساؤل الأعظم في عمل الهيئة.. فقد أنزلت نفسها منزل المشرع فمنعت المسلم المكلف اختيارا له..  وأنزلته منزل التكليف الجمعي،  وندبت نفسها لمنعه أو منحه.

مزيد من التوضيح للرأي:

حكم السارق..  تكليف جمعي.. انتدب الشارع له جماعة من المسلمين..  ليقيموا حكم الله على جماعة منهم.

موضوعات مثل الصلاة،  والخلوة، واللباس.. موضوعات تكليف فردي، لا يحق لأحد من المسلمين ملك القسر عليها لآخرين، ما لم يتعد السلوك حق الفرد، إلى حق الجماعة، فحينئذ يسوغ تطبيق قسر جمعي..

نعود للحالة.. المثال.. في أصلها.. لا تمس الجماعة بل حق فردي محض.

من المعلوم أن هذا كان يتم من باب زعم تطهير المجتمع، ولكن من الظاهر أيضا أن فيه تحكيم لرأي بشري، ومخالفة لأصل التكليف الفردي في هذا الباب، وانتفاء التكليف الجمعي.

  • ثامنا: لا أظن أن يروق ما سبق من قولي، لمن يتعاطف مع الهيئة، ولكن حسبي الدعوة للتأمل في شأن مهم من شؤن الناس
  • تاسعا: أستغفر الله أن أخطأت.

المداخلات حول قضية: (التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)

  • التنظيم الجديد للهيئة: إشكالات وتساؤلات مطروحة

أشار د. خالد الرديعان إلى أنه كالعادة فقد انقسم الجمهور إلى فئتين بخصوص التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فئة مؤيدة ترى أهمية التنظيم الجديد وايجابياته وقد تم مناقشتها باستفاضة. وفئة متوجسة رأت في القرار مقدمة لإلغاء الهيئة من خلال تقليص صلاحياتها.

بعض المتوجسين ظهروا على وسائل التواصل الاجتماعي ومقاطع اليوتيوب يطالبون الحكومة بالتراجع عن هذا القرار وبينوا سلبيات القرار وإن لم تكن مقنعة بدرجة كافية؛ بعضهم من شيوخ المؤسسة الرسمية وأكثرية من خارجها.

بعض ما قيل لا يخلو من تأليب على الحكومة ونقد لاذع لها، وتباكي على الفضيلة التي ولت إلى غير رجعة حسب تصورهم، وأن المجتمع السعودي قد أصبح في مهب الريح بعد هذا القرار.

من وجهة نظر سوسيولوجية أقر أن الضبط الاجتماعي ضرورة لا يختلف عليها اثنان، وأن الجريمة والسلوك المنحرف ظواهر نجدها في جميع المجتمعات الإنسانية وأنه لا يوجد مجتمع تختفي فيه الجريمة تماما ، إلا أنه يمكن تقليل معدلاتها بوسائل الضبط الاجتماعي والقانوني. الجريمة عموما لها وظيفة؛ فهي توفر عدد كبير من الوظائف للعاملين في الجهات الضبطية وكذلك المحامين إن اردنا استعارة منظور الوظيفيين في فوائد الجريمة كما يرى هربرت جانز في وظيفة الفقر. ويبدو أن هذا الهاجس موجود لدى منسوبي الهيئة ومناصريها؛ رغم أن القرار ينص على دعم الهيئة.

ما جرى في القرار الأخير هو أن الهيئة أصبحت مجرد جهاز يقوم بالتبليغ عن الجريمة لتباشرها جهات أخرى كالشرطة وإدارة مكافحة المخدرات.. ويحتج البعض على أن القرار التنظيمي الأخير سيلغي السرعة والفورية في القبض على الجناة الذي كانت تقوم به الهيئة.

وتساءل أ. عبد المحسن القباني:

  • هل الحكومة – أي حكومة – عليها ملاحقة الجرائم أم المعاصي؟
  • هل مداهمة منزل أو تفريق خلوة أو القبض على عازف عود برفقة شبان في طريق عام يندرج ضمن تتبع العورات؟

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود رداً على التساؤل الأول بأن من مهام أي حكومة بالطبع تأتي ملاحقة الجرائم أو حتى المعاصي التي تفضي  إلى جريمة حددها تشريعها الديني أو القانوني إنها جريمة ، وبالتالي نعم عليها القيام بدور الملاحقة لتوافر بيئة أمنية مبتغاة.

وبخصوص التساؤل الثاني فإن النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية قد أتى محددا آليات المداهمات والقبض ، وهنا يمكن  الرجوع لهذه الجزئية في هذا النظام. أما عازف العود والكمان فذاك في ظنه يعود لطبيعة المكان ، فإن كان مكان عام فلا يصح في ظنه ذلك إن كانت تقاليد المجتمع لم تعتاد على ذلك بما يعد في النهاية خدش لتقاليد هذا المجتمع.

وقال د. مساعد المحيا: القلق الاجتماعي الذي واكب إلغاء صلاحيات الهيئة لم يواكبه إعادة تنظيم أجهزة الشرطة ليتولى فريق منهم المهمة والوظيفة التي سحبت من الهيئة.

وبخصوص ما أشار إليه د. عيسى حول تباين الموقفين بين هيئة التحقيق وهيئة الأمر بالمعروف؛ فإن ثمة فرق كبير بين إلغاء صلاحيات الهيئة دون إنشاء جهاز يتولى هذه المهمات بل دون أن تبلغ الشرطة بإجراءات الضبط، وبين نقل التحقيق من الشرطة إلى هيئة التحقيق فهو إجراء طبيعي تمارسه كل الدول.

فضلا عن أن التحقيق كانت تمارسه الشرطة ثم انتقل الأفراد أنفسهم إلى الهيئة بل الذي تم تعيينه مسؤولا عنها أو أحد رجالات الداخلية ..

لذا فهو قياس مع الفارق كما يقول علماء الأصول ..

وأظن لو أن التحقيق نقل من الشرطة إلى وزارة التعليم مثلا ودون أن تبلغ الوزارة بضرورة العمل على تكليف كوكبة من الإداريين للقيام بذلك ، فسيبدي رجال الشرطة آراء مهمة ووجيهة .

وفي السياق ذاته، فإن الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة وهي تؤكد أنها أحد شعائر هذا الدين ..

حتى كان يعدها بعض العلماء رُكناً سادساً من أركان الإسلام ، وهذا يوكد مكانتها وأهميتها، إذ خيرية هذه الأمة مرتبطة بـهذه الشعيرة قال تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ).

وهنا قدم سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام ..

وفلاح هذه الأمة مرتبط بالأمر المعروف والنهي عن المنكر ، فقال تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

ومع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إلا أن الله قدمه في هذه الآية على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ}

والقيام بها إعذار لله وأمان من عذابه،

قال تعالى : (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)

وهو أمان للمجتمع كافة،

قال صلى الله عليه وسلم : (وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُـرُنّ بالمَعْـرُوفِ وَلَتَنْهَوُنّ عَنِ المُنْكَرِ ، أو لَيُوشِكَن الله أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ، ثُمَ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ).

كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز صفات المؤمنين والمؤمنات : قال تعالى : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) .

بينما صفات المنافقين والمنافقات ، قوله تعالى : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) .

يقول ابن باز رحمه الله ..

ولما فرط بنوا إسرائيل في ذلك وأضاعوه، قال الله جل وعلا في حقهم: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}[3] ثم فسر هذا العصيان فقال سبحانه: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[4]، فجعل هذا من أكبر عصيانهم واعتدائهم، وجعله التفسير لهذه الآية: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ}[5]، وما ذلك إلا لعظم الخطر في ترك هذا الواجب، وأثنى الله جل وعلا على أمة منهم في ذلك فقال سبحانه في سورة آل عمران: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}[6] ه

وبهذا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة من شعائر الإسلام ؛ للأدلة الواردة فيها، والتي تدل على مكانتها، وعلى هذا يكون تركها هدم لشعيرة عظيمة ، وإقامتها إقامة لشعيرة عظيمة .

لو أدرك الكثيرون قيمة هذه الشعيرة لما تسلطوا على الهيئة ؛ وأعني بذلك دعوتهم لإلغائها؛ لدى البعض في مجتمعنا قصور في فهم ذلك.

أيضاً أضاف د. حاتم المرزوقي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة.. ندب الشرع لها.. فمن هو المخاطب بتطبيق هذه الشعيرة؟

الجواب كل مسلم. كنتم خير أمة.. ولتكن منكم أمة (الآيات)؛ فكل فرد مسلم، وكل جماعة مسلمة، وكل جهاز حكومي، وكل مؤسسة خاصة في المجتمع المسلم هو معني بتطبيق هذه الشعيرة.. وتضييق واسع أن يعهد إلى جهاز واحد في تطبيقها. وكل الأجهزة حقيقة تقوم – أو لابد أن – تقوم بهذا الدور كل فيما يخصه.. مثال ذلك وزارة الشؤون البلدية والقروية في مراقبتها لأسواق النفع العام تقوم تحديدا بما كان يقوم به رجال الحسبة في صدر الإسلام وهي الممارسة التي يستند إليها المبرر الوجودي لجهاز الهيئة.

هذا من حيث التأسيس الفكري للجهاز.. أما من حيث التطبيق فهناك إشكالية تضع الهيئة في كثير من ممارساتها في مواجهة أمام المجتمع..

كان للهيئة صلاحيات الضبط الجنائي، وقبلها كان لها صلاحيات إجراءات التحقيق والايقاف وإصدار الأحكام وتنفيذها مباشرة بدون الرجوع حتى إلى السلطة القضائية. لم تقابل هذه الصلاحيات الواسعة تحديد واضح للمخالفات أو الجرائم الموجبة للإيقاف. فباتت الهيئة بصلاحيات غير محدودة في الضبط الجنائي لمخالفات وجرائم اجتهادية تقدر بحسب الأحوال من أعضاء الهيئة كل حسب رأيه.

فمرة كشف الوجه جريمة ومره إظهار العينين جريمة وتارة العباءة الملونة جريمة، فأصبح كل فرد عرضة للإيقاف لمخالفة لا يعرف ابتداء أنها مخالفة.

ونلاحظ أن الهيئة نجحت وقوبل جهدها باستحسان عندما كانت تتعاطى مع الجرائم المنصوص عليها نظاما أو شرعا. وأخفقت في قضايا الأفراد المنفكة عن التوصيف للمخالفات والتكيف للجرائم.

ويمكن الايجاز أن الهيئة نجحت في متابعة المخالفات والجرائم المنصوص عليها شرعا أو نظاما، وأخفقت في التوسع في السلطة التقديرية والآراء الاجتهادية، ومتابعة الأفراد في الأماكن العامة والخاصة، وكذلك أخفقت في تبني المظهر الوصائي  لرجال الهيئة في تجولهم في الأماكن العامة مع رجال أمن بصورة توحي بالشدة والغلظة، المطاردات والملاحقات التي أودت بحياة بشر وإصابة غيرهم، وأخيرا عدم الالتزام بإجراءات الضبط الجنائي.

هذه في مجملها الايجابيات والسلبيات للإنصاف.

وفي تقدير د. حاتم المرزوقي فإن كل فرد في المجتمع يحمل في داخله موقفا مع الهيئة سواء كان إيجابيا أو سلبيا، وهو من هؤلاء وكانت النقطة الفاصلة في تحديد موقف من الجهاز هي حادثة الدمية الشهيرة، وقبلها فتاة النخيل. وما أعقبه من ردة فعل محليا وعالميا، وضع المواطن وسمعة المملكة على المحك، قبل هاتين الحادثتين لم يتخذ رأيا حاسما رغم مشاهدته شخصيا لعدة مواقف مع الهيئة أثارت دهشته واستغرابه، وكان حينها من المدافعين المنافحين عن الهيئة باعتبارها جهاز حكومي يؤدي وظيفة عامة.

وأضاف: للأمانة تركت الدولة مجالا كبيرا للهيئة في تعديل مواقفها وضبط ممارساتها، وعندما أدركت أن التقويم الذاتي عصي المنال جاء القرار السيادي.

وماذا بعد.. أمام الهيئة مجالا كبيرا لوضع خارطة طريق لها وتحدد ما إذا كانت ترغب أن تكون، وهناك طريقين. جربت الطريق الأول وخسرت شريحة ضخمة من المجتمع، وهذا طريق السلطة والممارسة الوصائية على المجتمع، والطريق الذي يمكن أن يكون للهيئة دور فيه هو دعوة الناس بالرفق واللين وبوسائل تقبلها النفس البشرية ولا تنفر منها. “ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك”. وانفضت الناس من حول الهيئة أو شريحة منهم.

هذا الخطاب القرآني موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، صاحب الخلق العظيم. وهذا هو الخطاب الذي نوجهه للهيئة اليوم إن أرادت أن يكون لها حضور إيجابي في المجتمع.

وبدوره علق د. خالد الرديعان بقوله: لكن الحديث هو عن سلوك رجال هيئة الأمر؛ فهو غير مقنن بقواعد عمل ثابتة.. لا أحد يختلف حول ما تم ذكره من أهمية الشعيرة ولكن الذي أحدث السخط المتراكم في المجتمع هو غلظة وعنف رجال الهيئة وخاصة ما له علاقة بالمرأة وسلوكها في الفضاء العام، وأدراجهم لبعض الأمور والممارسات الاجتماعية كمنكرات، وهي غير ذلك مما يدخل تحت ماهو “مختلف عليه”.

المجتمع أو جزء لا يستهان به من أفراده اعتبروا الهيئة جهاز متسلط لداعي التسلط بداعي كثرة أخطاءه التي لم تعتد تحتمل.. أيضا فصانع القرار والجهات التي نظمت عمل الهيئة رأت أشياء لم يرها الجمهور ومؤكد أن لديها مبررات كافية لم تبرزها حفاظا على هيبة جهاز الهيئة فهو في النهاية جهة أمنية تريد بقاءها لكي تعمل لكن بطرق منظمة. لا أنكر أن هناك تفلت أخلاقي وتجاوزات لكن يمكن معالجتها بطرق أخرى أكثر نجاعة ولعل فشل التربية مؤشر على تقصير هذا الجهاز في تجذير الفضيلة عند الناشئة إضافة إلى أجهزة أخرى تقاعست عن دورها.. يفترض أن نطرح أسئلة مثل: لماذا يتحرش الشاب بالمرأة؟ ولماذا تحدث الخلوة غير الشرعية؟ هذه أسئلة تربوية وليست أمنية.

وقالت أ. علياء البازعي: بالفعل نحن لا نختلف مع أهمية الشعيرة، بل هي من مميزات “سلوك” المسلم؛ لكن سلوك أفراد رجال الهيئة يرجع لأهوائهم و تقديراتهم الشخصية..

مثلا القاضي قد يرجع لتقديره الشخصي لأنه قاضي.. درس و تعلم و تخصص و وصل لمرتبة عليا بعد سنوات  لكن هؤلاء ما هو تخصصهم أو دراستهم!! ما الذي يجعل دينهم أفضل من ديني ليعلموني ماذا ألبس أو مع من أتكلم!!

يكسو وجوههم التجهم و الغلظة…أنت أمامهم متهم حتى تثبت براءتك!!

متأكدة أن كل عضو من هذا المنتدى  قد تعرضت له الهيئة بشكل أو بآخر شخصيا أو أسريا!!

عملهم بالطريقة التي عهدناها لا يتناسب مع الطموح الذي تسعى له بلادنا….حصروا “المنكر” في 3 أو أربع اشياء “المرأة و الخمر و السحر “

مع أن “المعروف” أتى قبل في الآية الكريمة…فلم نراهم يأمرون بأي معروف “حسن الخلق” أو حتى يمثلوه،

“إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”

نحن لا نعارض الشعيرة…

لكن نعارض أسلوب ممارستها الذي كان له أكبر الأثر في تشويه صورة ديننا الحنيف و اتهام وطننا الغالي بأنواع التهم من قبل المجتمع الدولي!

ومن جديد تساءل أ. عبد المحسن القباني:

  • هل الحكومة – أي حكومة- عليها ملاحقة الجرائم أم المعاصي؟ وما هو المذهب الفقهي المتفق عليه الذي يحدد معصية دون أخرى؟
  • هل لفئة الحق في ممارسة المعاصي دون آخرين لأنهم محمين من سلطة الهيئة؟
  • هل ما تقوم به الهيئة في بعض الأحيان يندرج ضمن التعدي على الحريات العامة وإن لم يكفل تلك الحريات نص قانوني؟
  • هل مداهمة منزل أو تفريق خلوة أو الاشتباه بعلاقة رجل بامرأة تبين أنهما زوجين أو القبض على عازف عود برفقة شبان في طريق عام .. إلخ يندرج ضمن تتبع العورات المحرم؟

ومن جهته قال د. إبراهيم البعيز: اتفق مع من قال أن الاشكالية ليست في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل في الآلية لتنفيذ ذلك الأمر والنهي، وفي المؤسسة الحكومية التي أوكل اليها القيام بتلك المهمة.

هذه المؤسسة الحكومية (الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أضحت مع مرور الأيام، وفي العقود الثلاثة التي تسمى “سنوات الصحوة” جزء من منظومة المؤسسة الدينية في البلاد، وأي مساس بها تراه المؤسسة الدينية يهددها ويهدد دورها في القرار. وللدفاع عن نفسها كان لابد من الاتكاء على جدلية أن هذا تهديد للشعيرة ذاتها. ألحظ الكثيرين ممن لهم رأي مخالف لتنظيم الهيئة يكررون الحديث عن الشعيرة وكأن التنظيم إنكار أو تجاهل لها.

فشل المؤسسة (الرئاسة) لأن القائمين عليها لا يريدون (لأسباب كثيرة ) تعريف المنكر وبما يتيح كتابة قائمة بالمنكرات، والكل يعرف أن النظام بقي في هيئة الخبراء لسنوات انتظارا في الوصول إلى هذه القائمة دون جدوى.

  • هل سماع الموسيقى منكر؟ الدولة حصلت الملايين مقابل الترخيص لقنوات إذاعية ليس لها من عمل إلا بث الموسيقى والأغاني؟
  • هل كشف الوجه منكر؟ وزارة التعليم تلزم الطالبات والمعلمات على غطاء الوجه، ووزارة الثقافة والإعلام تدفع لهن رواتب لكشف وجوههن أمام كاميرات التلفزيون؟
  • هل حديث الرجل مع المرأة منكر؟ معارضة الهيئة ورجالها لعمل المرأة في المحلات تخوفهم من حديث بين المرأة والرجل في مكان عام .

لذا رأت الدولة أن الحل هو أن تقوم الهيئة بالتبليغ  عن كل عمل ترى أنه منكر لكن هناك من يقرر (الجهات الأمنية) أن كان ذلك منكرا أم لا.

وبدورها قالت د. نوف الغامدي: في إعادة هيكلة الوزارات الأخيرة، جميع أجهزة الدولة أخذت نصيبها من التجديد والتطوير، وفيما يتعلق بـ الهيئة فلقد تأخروا كثيرا في تنظيمها وكان المفترض منذ عقود ولكنها خطوة مهمة في تطوير هذا القطاع المهم ..

إن قرار مجلس الوزراء التنظيمي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعطاها “قوة” بأن جعل أجهزة الدولة في خدمتها، وشريكة لها في التطبيق….

ولا نتجاهل أن عدم وضوح الصلاحيات سابقاً واختيار أشخاص غير مؤهلين ولا يملكونّ الخبرة الكافية كان سبباً رئيساً في وقوع الأخطاء وكثرة الجدل فكان دورهم أقرب إلى التجسس والمتابعة والتدخل الغير مشروع مما أعطى سلب للحريات …

هناك جهات مهيأة ومؤهلة تتكامل مع الهيئة كالشرطة ومكافحة المخدرات وغيرها..

وفي رأيي أن هذا النظام أعطى الهيئة قوة من خلال ما يلي:

  • ربطها برئيس مجلس الوزراء مباشرة وهذا تكريم واهتمام بهذا الجهاز.
  • زاد من قوة الهيئة في كونه جعل الأجهزة الأخرى في خدمتها، وتتكامل معها كالشرطة ومكافحة المخدرات، ولا شك أن القواعد التنفيذية التي ستصدر ستوضح آليات هذا التكامل، والتعاون مع الأجهزة الأخرى بما يحقق المصلحة العامة للمجتمع.
  • هذا النظام دعم الهيئة بصيانتها عن أسباب الجدل الذي ينشأ من عدم وضوح الصلاحيات ويوقع في الكثير من الأخطاء.
  • أكد هذا النظام على جوانب تأهيل رجل الحسبة والعناية بهذا الجانب بما يعبر عن هذه الشعيرة ويمثلها على أكمل وجه.

بينما ذهبت أ. ليلى الشهراني إلى أننا في السنوات الماضية انشغلنا بوضع هذا الجهاز تحت المجهر الإعلامي مما جعل الناس تفقد ثقتها فيما ينشر من قضايا تنتهي بتكذيب التهمة والاعتذار لأعضاء الهيئة ، ومع تطور وسائل النقل أصبحنا نرى بعض التعامل العنيف والغير راقي الذي يقوم به بعض الأفراد في حق بعض الأشخاص بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يغيب فيه الرفق والمعروف ويحضر تغيير المنكر بمنكر ، لكنها تبقى حوادث فردية لا تصل للظاهرة ؛ كل ما فعلناه أننا انقسمنا للدفاع والهجوم وغابت الرؤية المنصفة لهذا الجهاز ، فننسى ما قدمه من جهود في كشف أوكار الخمور والدعارة وفي قضايا الابتزاز ؛ وبالمقابل لا نعامله كأي جهاز حكومي آخر ، فخطأ عضو الهيئة البسيط يتم تضخيمه بشكل كبير ؛ ولو أن نصف ما نوجهه لهم من نقد يوجه لأخطاء المؤسسات الحكومية الأخرى أو للفساد لرأينا تغيرات جذرية ، نعم مع نقدهم ومع تحديد صلاحياتهم وتنظيمها لكن لا تصل لإلغاء وجودهم وعملهم ؛ لنعتبرهم مثل شرطة الآداب في بعض الدول ؛ فلم يقل أحد عنهم بأنهم متطفلين على حياة الناس ؛ وبنفس الوقت يجب أن نتوقف عن ربط فضيلتنا وصلاحنا وأخلاقنا بوجود الرقيب البشري ؛ كل ما نريده أن يعيش مجتمعنا على طبيعته ؛ وأن يستشعر أهمية الانضباط الأخلاقي ومراعاة الآداب العامة فنحن مجتمعات مسلمة ، وأن لا نصور جهاز الهيئة بصورة الملاك المنقذ ولا نشيطنه ، جهاز حكومي يقوم بعمله منذ عقود طويلة ثم بين يوم وليلة نكتشف أنه من دون كل الأجهزة عالة على الوطن والمواطن ؛ إذا لماذا أوجدناه ودعمناه كل تلك السنين؟

وعلق د. خالد الرديعان بأن النقد المتواصل للهيئة في السنوات الأخيرة هو بسبب تنامي ثقافة حقوق الإنسان التي وضعنا من أجلها هيئات ومنظمات معترف بها. وبالتالي من الطبيعي أن يتم النظر لهيئة الأمر من خلال هذا المنظور الحقوقي.

ومن جديد أوضحت أ. ليلى الشهراني أن النقد الهادف صحي ومطلوب للهيئة أو غيرها ، لكن عضو الهيئة أيضا إنسان وله حقوق ؛ وبعض منسوبي الهيئة دفع حياته ثمنا للتحريض الذي مارسته صحفنا لفترة وليس النقد فهناك فرق بين نقد للتطوير والإصلاح وبين تحريض للإلغاء ، لذلك لم نصحح الأخطاء الصغيرة ولم ننظم وكل ما فعلناه أننا نزيد من حالة الاحتقان والوصاية والتشدد بين أفراد المجتمع الكل يرى نفسه جهاز هيئة مستقل.

ويرى د. سعد الشهراني أن التنظيم الجديد للهيئة و تحديد مهامها جاء بعد تجربة  طويلة و تطورات غير عادية مرت بها الدولة و المجتمع و حدثت متغيرات كثيرة في نمط الحياة وكانت الهيئة  تحاول مجاراة ذلك بأساليب و ممارسات و اجتهادات تتجاوز النظام و تتعدى على الحقوق و الخصوصيات.

و في العقود الأخيرة أصبحت الهيئة جهة ضبط واقعية بالاستناد الصريح و الغامض إلى نظامها السابق و نظام الإجراءات الجزائية .

و قد ثبت بالتجربة الواقعية أمران:

  • أن الهيئة  ضبطت عشرات الآلاف من القضايا ذات الطابع الجنائي العام و معظمها من قضايا المخدرات و الخمور و ترويجهما و قضايا التحرش و الابتزاز و كان هناك ثقة و تعاون اجتماعي معها في هذا.
  • أن هناك من أعضاء الهيئة و المنتسبين إليها من أساء لها و للمجتمع بتتبع العورات و بالتجسس و الحماس المفرط و المطاردات و الضرب و خدش حياء النساء و الرجال و إساءة الظن في الدولة و المجتمع، و هناك من منسوبيها من نصب نفسه المدافع الحقيقي عن الفضيلة و أن هناك من (المحتسبين) من شجع هؤلاء و شاركهم في كل ذلك.

التنظيم الجديد جاء ليمنع هؤلاء من الإساءة لأنفسهم أولا و للهيئة نفسها و للمجتمع و الدولة و يضعهم في المكان المناسب لمكانة هذه الشعيرة العظيمة.

الاشكالية تكمن في أن ما كانت تنجزه الهيئة قد لا تستطيع الأجهزة الأمنية إنجازه إضافة إلى مستوى أدائها  المعتاد.

كان للهيئة إنجازات حقيقية في الضبط الجنائي تحديدا بسبب حماسهم (و دعونا من الضبط في مجالات الآداب والأخلاق و أداء العبادات) و كان ذلك يضيف لإنجازات الأجهزة الأمنية.

ويرى م. خالد العثمان أن تنظيم الهيئة الجديد يعيد الأمور إلى نصابها وينزع سببا من أسباب الفرقة والاختلاف في المجتمع ، ويرسخ اختصاص أجهزة الأمن في الضبط والإحضار في كل مسائل وحالات مخالفة الأنظمة والشرائع والقوانين . مخالفة أنظمة العمل أو الجمارك أو أي شأن آخر من شئون الدولة والمجتمع تختص الشرطة فيها جميعا بمسئولية الضبط والإحضار فلماذا اختصت الهيئة سابقا بهذا الاختصاص الذي أوقع حالات مشهودة من تعارض المصالح مع التفسيرات الشخصية للمحتسبين . مقولة “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة” كانت مشهودة في الوضع السابق للهيئة قبل التنظيم الجديد الذي صحح هذا الخلل وأعاد الأمور إلى نصابها .

وتساءل د. حسين الحكمي: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (كشعيرة) مرتبط بجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أم  أن هناك أجهزة أخرى كالشرطة ومكافحة المخدرات والبحث الجنائي يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! بالتأكيد أن تطبيق الشعيرة ليس حصراً على جهاز الهيئة.

وأضاف: الأمر بتغيير المنكر ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان) يجب أن يخصص له جهاز ويسمى باسمه أم أن هذا الأمر يمكن أن يوكل لجهاز بمسمى مختلف ويؤدي نفس المهام؟ الشرطة ، مكافحة المخدرات ، المرور ، المباحث … إلخ تقوم بإنكار المنكر في مجالها وتخصصها.

من يستمع لبعض الطروحات في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي يظن أن السعودية قد ألغت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ! هل هذا حقا ما حصل في تنظيم مهام الهيئة؟

لسنا مجتمع ملائكي لا نخطئ ولا نرتكب الجريمة ، كما أننا لسنا بالمجتمع المنحل أخلاقيا والذي سنرى فيه المنكرات في الطرقات بعد أن تم تنظيم عمل الهيئة.

ماذا لو تم إلغاء الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وضمت إلى وزارة الداخلية ، فيتم تعديل اللوحات الموجودة على مراكز الهيئات إلى ( وزارة الداخلية ، الشرطة ، إدارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، ويبقى العاملون في الهيئة في وظائفهم وبنفس مهامهم السابقة لكن تحت غطاء إداري مختلف ، هل ستقبل الهيئة ، والداخلية ، والمجتمع بشقيه ( مع وضد الهيئة) ؟

لا أحد ينكر أهمية العمل الذي كانت تقوم به الهيئة سابقا و تم إيكاله إلى جهات إدارية أخرى ، لكن هل لابد من أن تقوم به ( هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وإلا فإننا سنكون في خطر وسيحل بنا غضب من الله كما قال خطيب الجمعة في مسجد صليت فيه الجمعة قبل بضعة أسابيع ؟!

لماذا كل هذه الحملة في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى بعض المنابر من نقل بعض مهام الهيئة إلى أجهزة إدارية أخرى ؟

أشعر أن بعض المتحمسين للهيئة لا يرى أحد يغار على الدين والأعراض إلا الهيئة ، حتى لو كان الشرطي “مطوع” وربما شيخ ولديه علم شرعي فإنهم لا يرون هذا العمل إلا للهيئة “فقط” !

وقالت أ. فوزية الجار الله: أنا مع تنظيم عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد حدث في السابق كثير من التجاوزات لبعض أعضائها بلغت التسبب في الحوادث وأيضاً الوفاة للأسف لكن في الوقت ذاته وإذا كنا نرى أن الشرطة هي البديل للهيئة فلا بد لنا من وضع أنظمة صارمة لاحترام الآخرين واحترام آداب الطريق، فنحن نعلم تماماً بأن الناس ليسوا سواء في أخلاقياتهم وسلوكياتهم وليسوا سواء في تربية أبنائهم. . للأسف هناك الكثير من التجاوزات التي يمارسها بعض الشباب وبعض الفتيات خاصة في أيام الإجازات الأسبوعية وفي أوقات المناسبات، لست متشددة لكنني إنسانة وسطية أؤمن بأن الاحترام لبعضنا البعض هو سيد الأخلاق وقد رأيت بنفسي مثلما رأى غيري بعضاً من المعاكسات التي تمارس في العلن وبشكل مستفز ومقزز والتي قد تكون سبباً مؤكداً للحوادث والاختناقات المرورية، بعض المشاهد قد لا تراها في أكثر الدول انفتاحا، النظام الصارم هو وحده من سيضع حدا لمثل هذه التجاوزات ويحد منها.

ومن جانبه قال أ. عبدالله الضويحي: لعلي أبدأ مداخلتي بجملة تساؤلات تنطلق من قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم .. الآية ) وقوله ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. الآية ) وكون الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان كما تعلمنا وعرفنا ..

أتساءل: إذا كان الدين لا يتغير ما الذي تغير إذا !؟

هل تغير فهم الدين !؟

هل تغير فكر الأشخاص وثقافتهم !؟

هل للتغيرات الاجتماعية دور في ذلك !؟

هل هناك اتفاق على المنكر أم أن العملية نسبية !؟

مبعث هذه التساؤلات المقارنة بين ماكنا عليه في الستينيات والسبعينيات ومانحن عليه الآن.

فهل العلماء أو الدعاة أو رجال الحسبة في عصرنا الحاضر أكثر فهما وعلما منهم في ذلك الوقت !؟ أو أكثر غيرة على الدين !؟

نتذكر وجيلي كيف كان النشاط المسرحي في المدارس والجامعات والمراكز الصيفية وأتذكر أننا مثلنا مسرحية “تاجر البندقية” في المرحلة الابتدائية ..

كانت حفلات المدارس والمراكز والجامعات تمتاز إلى جانب الخطابة بالمسرحيات والموسيقى والحفلات الغنائية. وكانت قاعة المحاضرات بالمربع مكانا لذلك أيضا عبر أسابيع إخاء مع دول شقيقة.

كان سوق الطرب والآلات الموسيقية والأسطوانات مجاورا لجامع الديرة وأصوات الأغاني وكان المربع ( شمال مركز الملك عبدالعزيز التاريخي الآن ) مدينة سينما حيث تأجير الأفلام والماكينات وكانت تعرض في الزواجات وفي الأندية الرياضية التي كانت تعتمد في دخلها عليها.

وكان هناك مطربون في الزواجات وعرض أفلام سينمائية والأندية تقيم حفلات فنية.

في هذا الجو العام كانت الشعائر الدينية تقام وكان الكل يغلق محله ويتجه للصلاة وكان رجال الحسبة ( هيئة الأمر ) موجودون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

بل إن التساؤل أكثر ..

هل يختلف الدين من منطقة لمنطقة أو من مدينة لأخرى !؟

إلى عهد قريب كانت الحفلات الغنائية تقام في بعض المناطق ومحرمة أو ممنوعة في أخرى!

وفي مناطق مسموح للجميع بدخول الملاهي والأسواق وفي أخرى تكون مقصورة على العوائل!

وبصفة عامة أؤكد على حقيقتين :

  • الأولى: أن الدين لا يتغير وهو صالح لكل زمان ومكان انطلاقا من قوله تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام ) وقوله ( ومن يبتغ غير الإسلام  دينا فلن يقبل منه .. )
  • الثانية: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أسسه ومقوماته وله تنظيمه أيضا الصادر من الدولة.

وسأخلص منهما إلى أن ما يحدث من أخطاء وتجاوزات من بعض أعضاء الهيئة هو تصرفات فردية تحسب على الشخص نفسه وليس على الجهاز أو على الدين لكن هذه الأخطاء كثرت وتعاظمت بل تجاوزت ليس في الإنكار الديني فقط بل في انتهاك الحريات والاعتداء الشخصي فالذين يعملون في الميدان ويواجهون الجمهور في أي قطاع كان يحب أن تكون لهم مواصفات معينة وأن يحصلوا على دورات تأهيلية مكثفة قبل الدفع بهم للميدان وقبل هذا أن يكونوا من المتقدمين في العمر كونهم أكثر خبرة وعقلانية وحكمة في التعامل.

لقد حاولت الدولة إصلاح الوضع بتغيير قيادات الهيئة عدة مرات في فترات قياسية لكن أي من هذه القيادات لم يستطع ضبط أمورها مما يؤكد أن المشكلة في أشخاص متشددين لا يملكون الحكمة والموعظة الحسنة ويجدون الدعم والتصفيق من فئات من المجتمع يملكون الفكر ذاته أو لأهداف معينة.

الذين يعملون في الميدان ويواجهون الجمهور في أي قطاع كان يحب أن تكون لهم مواصفات معينة وأن يحصلوا على دورات تأهيلية مكثفة قبل الدفع بهم للميدان وقبل هذا أن يكونوا من المتقدمين في العمر كونهم أكثر خبرة وعقلانية وحكمة في التعامل.

عندما وصلت الأمور لهذه المرحلة كان لا بد من التدخل وضبط الأمور بتنظيم آلية عمل الجهاز وليس تغيير نظامه وتحديد الصلاحيات وتدوينها بعيدا عن الاجتهادات الشخصية.

لقد تم تعديل نظام العمل والعمال عدة مرات وتغييره والتأمينات الاجتماعية والخدمة المدنية والتعليم ودمج وزارات وإلغاء أخرى وغيرها من القطاعات بما تتطلبه المرحلة وما يتماشى وروح العصر والرئاسة العامة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قطاع حكومي شأنها شأن القطاعات الأخرى قابلة للتطوير وإعادة التنظيم بما لا يمس جوهر مهامها والأعمال المنوطة بها.

مشكلتنا في فئة مجتمعية ترى أن نقد الهيئة كجهاز هو نقد للشعيرة بذاتها وهذا غير صحيح وفئة ترفض التغيير حتى لو أدى إلى تطوير وتنظر إليه على أنه إلغاء وإقصاء وخير مثال تغيير إجازة نهاية الأسبوع إلى الجمعة والسبت إذ لو تم النظر للمعارضين لما تم التغيير خاصة وأن بعضهم يعزوه لسبب محرم وتقليد للغرب لكن بعد صدور القرار تقبله الجميع وكأن شيئا لم يكن بل وأدركوا إيجابياته.

وقال د. مساعد المحيا في تعليقه على هذا الطرح: في الستينات يقول أ. عبدالله أن هناك حفلات غنائية.. من يقرأ هذا يظن أن الناس عطشى وكأنهم اليوم يعيشون بدون غناء ..

اليوم شاشات الإعلام الذي تدعمه أموال سعودية هو الذي يرعى الغناء في العالم العربي …

ومحطات الاف إم التي رخص لها أغلبها إن لم يكن كلها محطات غنائية حتى النخاع، والمحطات الإذاعية والتلفزيونية تقدم الأغاني كل يوم ..

ومحلات بيع أشرطة وسيديهات الغناء موجودة في غالبية مدن المملكة ..

أما ما يسمى سينما حين ذاك فكل الأمر كان بروجكتر يعرض مادة فلمية مكررة.

اليوم كل من يحب الأفلام يجد مجموعة من القنوات الممولة بأموال سعودية  تقدم له الجديد من الأفلام، فضلا عن إمكانية تحميل أفلام جديدة ومشاهدتها وفق وقت التعرض المناسب له..

أي حال لبعض الأفلام التي تقدم حين ذاك داخل بعض الأندية ..

وهل تستحق التباكي عليها وعلى زمنها …

هل نتذكر بعض محتوياتها ..

وهل نسمح اليوم لأبنائنا وبناتنا أن يشاهدوها وهي كما نعرف مواد فلمية من السينما المصرية وغيرها مليئة بالمشاهد الساخنة مع جانب من التهتك والعري .. هل نبكي زمنا كهذا، أم نحمد الله أن هدى الناس ورغبوا عن ذلك ..

طبعا كل فيلم لا يحمل مشاهد مخلة ولا الفاظا بذيئة لست ممن يتحفظ عليه فهذا بعض تخصصي واهتمامي .. ما انتقده المحتوى الأخلاقي الهابط للعديد منها.

أمر آخر تساءل أ. عبدالله الضويحي:

إذا كان الدين لا يتغير ما الذي تغير إذا !؟

هل تغير فهم الدين !؟

هل تغير فكر الأشخاص وثقافتهم !؟

هل للتغيرات الاجتماعية دور في ذلك !؟

هل هناك اتفاق على المنكر أم أن العملية نسبية !؟

مبعث هذه التساؤلات المقارنة بين ماكنا عليه في الستينيات والسبعينيات ومانحن عليه الآن.

فهل العلماء أو الدعاة أو رجال الحسبة في عصرنا الحاضر أكثر فهما وعلما منهم في ذلك الوقت !؟ أو أكثر غيرة على الدين !؟)

وإجابتي هل تعتقد أن العلماء اليوم أكثر تشددا ..

هل تريدون أن اقدم لكم فتاوى وآراء الشيخ محمد بن ابراهيم وأئمة الدعوة في ذلك الوقت في الغناء وفي التمثيل والأفلام وتحريمهم لها ..

أرجو أن لا نصور حالة هنا أو هناك ثم نوحي بأن مؤسسة العلماء حينذاك كانت متسامحة..

سأقول معلومة قد تكون صادمة: الشيخ محمد بن ابراهيم كان يرى أنه لا يجوز أن يعاقب رجل الحسبة إذا اخطأ في حق أحد وأنه لا يصح إيقاع أي عقوبة عليه.

وبدوره علق أ. عبدالله الضويحي على ما ذكره د. مساعد في النقاط التالية:

  • أولا: بغض النظر عن التحليل والتحريم كنت أتحدث عن واقع تغير ولا أشكك في علم ومكانة الشيخ محمد ابن إبراهيم أو من جاء بعده  فقط كنت أتساءل عن سبب وجود الحفلات الغنائية والمسارح والسينما أيا كان المحتوى والطريقة في ذلك الوقت وعدم وجودها الآن !؟
  • ثانيا: الحفلات الغنائية التي كنت أتحدث عنها ليست كما القنوات الآن لكنها تقام في المدارس والمراكز الصيفية والجامعات والأندية  ومطربون يحيون الزواجات والأبواب مفتوحة وكانت تقام إلى فترة قريبة في بعض مدن ومناطق المملكة ومحرمة في مناطق أخرى.
  • ثالثا: السينما لم تكن مجرد بروجوكتر وإنما سينما حقيقية ماكينات وأفلام وكنا نحضرها في الزواجات ونضع غترة على الجدار بديلا  للشاشة.

وبالعودة مرة أخرى للمحتوى أكد أ. عبدالله أنه لا يقر كثيرا منه لكنه فقط يتحدث عن الوضع ..وبإمكاننا الآن لو توفرت السينما التحكم في المحتوى وعرض أفلام معينة خير مما يعرض في القنوات أو المواقع الإباحية.

ويرى أ. سعيد الزهراني فيما يتعلق بالسينما؛ أن القضية أبعد من حراسة فضيلة أو محاربة خطر حقيقي يستهدف قيم المجتمع كما يقال.. نحن أمام فكر وصائي غايته أن يقود وحيداً وفق ما يضمن تفرده بالتوجيه والقرار لكي يستمر سلطة متسلطة..

هذا كل ما في الأمر.. وإلا كيف يقبل عاقل يا سادة أن نخسر؛ ثقافياً واقتصادياً واتصالياً وترفيهياً وحضارياً وفي مختلف حقول البشر والآلة.. (أداة السينما) بوصفها ارتكازاً رئيساً من شأنه أن يعيد صياغة الواقع رأساً على عقب.. دون أن يمس ثوابت ديننا الإسلامي السمح القويم أو قيمنا الثقافية المجتمعية.. وهما الكتفان اللذان يعلق الأوصياء قميص التحريض عليهما!!

العالم اليوم يجهلنا كثيراً.. ويسيء لنا بهذا الجهل كثيراً.. بل استعمرنا بجهلنا كثيراً.. عبر منتج الفن السابع الذي يصلنا مكبسلاً في وسائط الاتصال الإلكتروني.. إن لم نشد الرحال لنلتقيه ونتلقاه في دول الجوار.. ومع هذا لم يسقط الدين من أرواح أجيالنا مثلما لم تتهاو منظومة القيم لديهم.. وهو ذات الأمر الذي لم يحدثه تعليم البنات ولا البث الفضائي ولا كاميرات الجوالات.. بل هو ذات الأمر الذي لن يحدث بقيادة المرأة للسيارة ولا السينما.. ولسبب بسيط: ثوابتنا أجلّ من هشاشة ما صورها أصحاب القميص..

ماذا لو بدأنا المشوار وكسرنا وهم ما يتخيلون – أقصد أوصياء الفضيلة المزعومة – وبدأنا تأسيس متطلبات صناعة السينما من حيث أنجز الآخرون.. كم سنحقق من مكتسبات ثقافية تعزز هويتنا وموروثنا وفنوننا.. فضلاً عن تقديم صورتنا للآخر الذي لا يرانا سوى ثكنات للقتل والإرهاب.. ناهيك عن عوائد هذه الصناعة اقتصادياً ووظيفياً واجتماعياً.. حين يسهم هذا الفن السينمائي المحبب إلى النفوس.. في أنسنة الأجيال ورفع مستويات الحس الجمالي لديها وتنشئتها بصورة طبيعية تؤمن بالمعنى وبالفن..

رفض السينما في بلادي ليس إلا قميص عثمان.. يتبنى الرفض دعاة التحريض والوصاية والتسلط.. وحين تحاول أن تستوعب أسباب الرفض لا تجد إلا الكلام العام الذي لا يفضي إلى محور يستحق النقاش..

أجيال اليوم والغد تفتقت لها حجب السماء واستجلبت ما أعده الآخر وأحبته وتأثرت به وشكل سياقاتها الثقافية والروحية والجمالية وبالتالي كوّن لها معاييرها التي يريدها .. في الحين الذي ما نزال نردد أوهامنا التي اختلقناها من حيث لا أصل لوجودها أصلاً.. السينما ثراء.. ونحن فقراء!

وترى د. الجازي الشبيكي أن من المآخذ التي جعلت  كثير من الناس  يتخذون موقفاً سلبياً من جهاز الهيئة ، تركيزهم في  شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على  تصرفات وسلوك  النساء في مسائل قد يكون الحكم فيها خلافياً ، لم يُتفق عليه،،،

بينما هناك  أمور أهم مثل ؛ الظلم والعنف والرشوة والفساد وشهادة الزور والتعدي على حقوق الآخرين والربا وهي مسائل شدد الدين على حُرمتها ولم يكن هناك خلافٌ عليها. “المرأة دائماً هي الحلقة الأضعف”.

في بلادٍ اسلامية مثل ماليزيا ، أو حتى خليجية قريبة من عاداتنا مثل إمارة الشارقة ، تأكًد لي أن التركيز على الأمريين التاليين ، يُساعد كثيراً في تجنب الاشكالات التي تستدعي  تدخل جهاز الهيئة في الأمور المُختلف عليها :

  • الأمر الأول : التربية القيمية السليمة للنشء.
  • الأمر الثاني: القانون القوي الرادع الذي يسري على الجميع بالعدل.

وأوضح د. علي الحارثي أنه ليس مع إصدار نظام الهيئة الجديد للأسباب التالية:

  • الهيئة كان لها جهود كبيرة في العديد من القضايا الجنائية والأخلاقية المجتمعية التي لا ينكرها إلا مكابر أو راغب في المجاهرة بالمعاصي ، والأخطاء التي ارتكبت من بعض أعضائها أو من بعض المحتسبين من خارج الهيئة وهي نادرة لا تصل الى حد تهميشها وإقصاء حيويتها ونشاطها . وكل الدوائر والمؤسسات الحكومية والمراكز العلمية عندها أخطاء وتجاوزات وفساد أعظم بكثير مما حصل من الهيئة ، لكن أخطاء الهيئة ضُخٍمت من اللبرالية الممسكة بتلابيب الإعلام لغرض في نفس يعقوب.
  • لم يصدر مع هذا النظام جهاز بديل أو إسناد الى جهاز آخر يقوم بالمهمة والدور الذى كانت تقوم به الهيئة لضبط الوقائع في حينها ، وإسناد ذلك الى شرطة آداب أو أجهزة أخري فإنه ضربٌ من الخيال في المدى القصير والمتوسط ، لأن هذه الأجهزة لم تقم بالمهمة الأساسية لها على الوجه المطلوب ، فكيف يسند لها مهمة تحتاج إلى فهم وإدراك شرعي وفقهي واجتماعي وأخلاقي.
  • كان من الأولى إلغاء الهيئة وإسناد الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضم أعضائها إلى الشؤون الإسلامية طالما تبينت النية، والضبط والقبض الي الجهات الأخرى كل في اختصاصه توفيراً للجهد والمال ، مع الاعتقاد أن المجاهرة بالمعاصي التي كانت الهيئة هي السد المنيع لها ستعمي أبصارنا وتقض مضاجعنا وسوف نرى الأثر في القريب ، أما هذه التجزئة فهي حشف وكيل لا فائدة من ورائها.

وأشار د. منصور المطيري إلى أن هناك مغالطة استدلالية منطقية معروفة تستخدم أثناء الاستدلال و تقديم الحجج مع أو ضد قضية معينة ؛ وتسمى ( مغالطة الرجل القش ). تقوم هذه المغالطة على التركيز أثناء الحجاج على نقطة الضعف في القضية أو على اختيار أضعف الخصوم معرفة و حجة  ثم الحكم على القضية بناءً على ذلك .. و هذا يعني تجاهل الحجج القوية و تجاهل الأطراف ذات العلم و المعرفة بالموضوع في سبيل تحقيق الانتصار .. و لا شك أن مثل هذا الانتصار هو انتصار مزيف و غير حقيقي ..

مغالطة الرجل القش استعملت مع جهاز الهيئة حيث تم التركيز على بعض أخطائها ؛ و زيد على ذلك باتهامها بأخطاء لم ترتكبها.. بل أثبت القضاء براءتها تماماً من أكثر القضايا التي أشاعها الإعلام .. و منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر و حتى اليوم مارست بعض الاتجاهات الفكرية ما يشبه التعبئة والإثارة ضد الهيئة و ضد المتدينين عموماً ؛ و هذا كون مع الزمن مشاعر سلبية ضد جهاز الهيئة .. و في كل هذه السنوات لم يتكلم أحد بكلمة عن محاسن الهيئة وجهودها الإيجابية مما خلق في الأذهان صورة نمطية كالحة و مقيتة عن الهيئة كان نتيجتها في النهاية غل يد هذا الجهاز عن العمل .. النظام الجديد ألغى الهيئة تماماً و جعلها شكلاً بلا روح .. و في نظره أنه من الأخطاء الكارثية التي سيدرك المجتمع عاجلاً أم آجلاً ضررها.

وأضاف: قرأت في كتاب عن جرائم الأحداث أصدرته جريدة الرياض في سلسلتها أن الهيئة قبضت على شابين كانت يقومان بسلوك غريب في أحد أسواق الرياض و ذلك أنهما يصعدان السلم و إذا وصلا أعلاه كشفا عن سوآتهما و أداراها إلى الناس ؛ مباشرة قامت بالقبض عليهما .. في النظام الجديد لا يحق للهيئة فعل ذلك .. بل لا بد أن تكتب كتاباً إلى الشرطة ثم تأتي الشرطة إذا استجابت لتقبض على المجرم..الأمل كبير في تدارك ما حصل و تغيير النظام بحيث يرافق جهاز الشرطة جهاز الهيئة.

  • رؤية استشرافية في ضوء التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ذكر د. خالد الرديعان مجموعة من المقترحات المحددة من أجل تعزيز دور الهيئة من جهة ومن جهة أخرى الحد من السلوكيات المنحرفة وذلك على النحو التالي:

  • يلزم وضع كود ( تقنين) للمنكرات وتعريفها تعريفا إجرائيا لتدخل ضمن اهتمامات الهيئة وتكون واضحة في أذهان الجميع، مع استبعاد القضايا الخلافية كمنكرات ومن ذلك غطاء الوجه للمرأة وعباءة الكتف، وكمية الماكياج على وجهها؛ فهذا يدخل ضمن الحرية الشخصية؛ بشرط أن تكون ملابس المرأة محتشمة بعد تحديد مفهوم الاحتشام.
  • أن يرتدي رجال الهيئة بزات خاصة بهم لسهولة التعرف عليهم مع حمل بطاقات تعلق على جيوبهم.
  • اقترح وهذا لب مقترحي أن يُلحق بكل مكتب هيئة مكتب يتبع شرطة المدينة أو القرية يضم أفرادا من الشرطة ومكافحة المخدرات، وإن بعدد صغير يقومون بدور استلام التبليغ من دوريات الهيئة للتعامل معه بوقته.
  • قد يرى البعض أن تكون دورية الشرطة قريبة من موقع تواجد دورية الهيئة لسرعة البت على أن لا يتدخل رجال الهيئة في عملية القبض أو الضبط نهائيا لما عرف عن بعضهم التسرع والعنف مع الجمهور أحيانا.
  • اللجوء للغرامات المالية قد يكون حلاً لكثير من المشكلات والسلوكيات المنحرفة وكذلك العقوبات البديلة للحجز والسجن فهذه ستردع الكثيرين من إتيان سلوكيات منحرفة مما سيخفض من معدلاتها.
  • تزويد الأماكن العامة والأسواق بكاميرات مراقبة على أن يكون الجمهور على بينة من ذلك للحد من السلوكيات المنحرفة. هذا الإجراء مطبق في كثير من الدول ونتج عنه انخفاض معدلات الجريمة عموما.
  • أؤيد وبشدة مقترح د. عبدالسلام بضرورة الاهتمام بالترفيه كنشاطات متنوعة تحد من توتر الشباب وتفرغ طاقاتهم بما هو مفيد وتجعلهم أكثر انشراحا وأبعد عن الانحراف؛ وذلك بتوفير بدائل ترفيهية مناسبة للجنسين.

وأوضحت د. نوف الغامدي أن إظهار هذه الشعيرة والعناية بها وتنظيمها وجعلها تحت إدارة خاصة هو من سمات تميز المملكة العربية السعودية التي جعلت الكتاب والسنة دستوراً لها. وفي ضوء ذلك:

  • لابد أن تعمل الهيئة بـ معنى الكلمة بالآية الكريمة: ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )
  • ولابد أن تُحسّن من صورتها الذهنية بتعزيز دورها الإيجابي في المجتمع وإتباع الكلمة الطيبة ولغة الحوار الإيجابية ..
  • والأهم التعامل مع المرأة على أنّها مكون أساسي في المجتمع ولها عقل وناضجة ومكفول لها حق الاختيار والتعامل معها بـاحترام وليسّ على أساس أنّها عورة حتى النخاع …!

وأشارت أ. فايزة الحربي إلى أنه ورغم أن بعض رجال الهيئة أساءوا التصرف والبسوا الدور المناط بهم لباس الشدة ومضايقة المسلمين؛ إلا أن دورهم مهم في الضبط العام خصوصا لفئة الشباب.

إن الموازنة في الأمور مطلب مهم حتى لا نصل إلى الانفلات وبنفس الوقت نوفر احترام لأفراد المجتمع ونضمن لهم حرياتهم الممنوحة لهم من دينهم قبل إنسانيتهم.

رغم صدور القرار بالإعفاء من بعض المهام للهيئة إلا أن هناك مسئوليات ومهام لازالت معلقة تحتاج إلى أشخاص مؤهلين يقومون بها سواء كانوا من رجال الهيئة أو رجال الشرطة كلهم سواء.

المهم تحديد المهمات لهم وتقنينها ووضع خطوات ومراحل لمواجهة كل مشكلة مع التدريب وليس كل من أراد وظيفة حصل عليها بإعفاء لحيته وتقصير ثوبه.

التعامل مع الناس يتطلب ذكاء وحسن تصرف وسرعة بديهة ثم تدريب وتدريب.

الهيئة كجهاز تعمل بصمت وحكمة خصوصا في القضايا الحساسة؛ لكن المتجولون من رجال الهيئة يأخذه الحماس أحيانا والجهل عند بعضهم. إضافة لدخول موظفين بالهيئة  لا يستحقون شرف هذه المهمة فأساءوا لها؛ نحتاج إلى إعادة الفلترة للمهام وطريقة الأداء ولا نغفل عن الأدوار المهمة للهيئة التي تراعي طبيعة مجتمعنا.

وتساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: ألا يرى الجميع أن مسألة الإبلاغ أو الإرشاد التي نص عليها التنظيم الجديد والذي منه تقوم الهيئة بإبلاغ الشرطة مثلا عن أي منكر تراه أن هذا فيه من الغموض أو أن نشاط الهيئة لم يتغير جذريا.

وبدوره أوضح أن الهيئة حينما تقوم بالدور الجديد وهو الإبلاغ فهي بالتأكيد سوف ترفع ما تراه منافيا للدين أو الأخلاق ، أي ما كانت تقوم به بالفعل أصبحت تقوم به بالإبلاغ ، بمعنى أن الأمر لم يتغير بعد ، وما يؤكد ذلك تصديق الشرطة لما يرفع لها أن قبلت ما يرفع لها ، وإن كانت الشرطة ترى خلاف ما يرد إليها من الهيئة أنه غير مقبول أو لا يدخل في المحرمات فهنا تساؤل أيضا وهو ما مدى الامكانات الشرعية لدى الشرطة لمعرفة بعض من الأمور التي تدخل ضمن ضوابط الشريعة الإسلامية.

وأكد  د. حاتم المرزوقي على أهمية العمل على إعداد دراسة تشخيصية لأوضاع الهيئة تحدد نقاط الضعف والقوه واستخلاص النتائج التي يستطيع الجهاز أن يبنى على الايجابيات والنجاحات التي تحققت ويتخلص من نقاط الضعف التي وضعته في مواجهة أمام شريحة من المجتمع.

النظام الأساسي للحكم نص على ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص شرعي أو نظامي.. وهذا من المبادئ القانونية المستقرة في الأنظمة الجزائية. فلابد من حصر مادة التجريم والعقاب في نصوص نظامية تتحدد بمقتضاها الأعمال التي تعتبر جرائم.

إيضاح هذه الجرائم وبيان العقوبات والجزاءات المقررة لها، من حيث النوع والمقدار هو المنظم لممارسات أجهزة الضبط الجنائي فلا تكون ممارستهم منفكة عن النظام.  فيمكن من خلال ذلك معرفة المخالفات والجرائم والأفعال المحظورة التي يترتب عليها الأثر القانوني. وهذا تحديدا ما عجزت الهيئة عن ترتيبه وهذا ما أوقعها في مواجهات مع شريحة من المجتمع.

حقيقة الهيئة أضاعت فرصة كبيرة جدا في ترتيب أوضاعها، وإصرارها على التمتع بسلطة ضبط جنائي كبيرة مع مساحة رمادية ضخمة من الجرائم والمخالفات أوحت بأن جميع أفراد المجتمع تحت طائلة الملاحقة في مخالفات غير محددة ابتداء وتعتمد على اجتهادات وتقديرات شخصية.

مجلس الشورى أصدر قرارا يطالب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بوضع دليل إرشادي للعاملين في الميدان؛ لتحديد المنكرات التي يجب على رجال الهيئة التصدي لها وحصرها، للحد من تقديراتهم الشخصية التي قد ينتج منها بعض السلبيات.

وأصدر قرارا اخرا يطالب فيه الهيئة بإصدار اللائحة التنفيذية لتنظيمها.

الهيئة لها دور مهم ويتقاطع مع وزارة الشؤون الاسلامية والدعوة والارشاد.. ضمها إلى الوزارة يعزز من دورها وينهي هذه الازدواجية بين الجهازين.

أما د. سعد الشهراني فيرى أن المطلوب يتمثل في:

  • إعادة توصيف مهام الأجهزة الأمنية خصوصا الشرطة و الدوريات و أمن الطرق بحيث يعرف منسوبوها طبيعة عملهم و المتوقع منهم في غياب دور الهيئة السابق.
  • تكثيف الدوريات الأمنية الراجلة في الأماكن العامة و الأسواق و تدريبهم على مراقبة الآداب العامة و تحديد المخالفات الواجب الضبط فيها.
  • طمأنة المجتمع و المتوجسين إلى أن الدولة لن تتساهل في إقامة هذه الشعيرة التي هي أوسع و أعمق بكثير  من الاحتساب في مجال الآداب و الأخلاق و أداء العبادات و لكنها لن تترك لأي أحد من منسوبي الأجهزة الأمنية أو الهيئة أو أي جهاز حكومي آخر أن ينصب نفسه قيما على الآخرين خارج حدود تفويضه الوظيفي القانوني.

المحور الثالث

مستقبل سوريا وانعكاساته الجيوسياسية والأمنية

إلي أعلي

الورقة الرئيسة: أ. عبدالرحمن الطريري

أزمة سوريا اليوم هي أكثر أزمات المنطقة العربية ، وأكثر الدول التي تشابكت خيوطها بعد الربيع العربي، لدرجه يصعب على أي طرف إقليمي أو دولي حلها منفرداً، حتى روسيا التي جربت التدخل الحذر لم تفلح في ذلك.

صراع سوريا تعاظم في البداية نتيجة لوحشية نظام بشار الأسد، مما أبعد العقل منذ الصيحة الأولى للثورة، لكن رياح الربيع العربي بثت روح في السوريين، كسرت حاجز الخوف من الدولة الأمنية، التي لم يتوقع أحد من العارفين بالنظام السوري أن يُكسر.

أهمية سوريا لإيران جعلت قرار إيران التمسك بسوريا عبر بشار الأسد قرار مصيري، وقررت إيران بذل كل ما تملك من أجل الحفاظ على سوريا، التي لا تنتهي قيمتها عند سوريا وحدها، ولكن الأمر يمتد لاستثمارات إيران وعلى رأسها حزب الله في لبنان، حيث يضمن البقاء في سوريا تأمين للإمدادات إلى حزب الله لبنان والحدود الشرقية للعراق أيضا.

مستقبل سوريا يتأثر بهذا الواقع، فقد أورث التدخل الإيراني وجود مقاتلين شيعة من جنسيات عدة، أغلبهم أفغان وباكستانيين ومن جنسيات أفريقية، لا يوجد حل دون مخرج لهم إلا أن تبيدهم المعارك، هذا الأمر يمتد أيضا لمختلف الجنسيات التي دخلت بشكل رئيسي عبر تركيا، وأتت من جنسيات مختلفة لتنضوي مع داعش وباقي الحركات الإرهابية.

هذا على مستوى المقاتلين الغير سوريين على الأرض، المستوى الثاني المكون الكردي الذي يطمح لخلق إقليم مشابه لكردستان العراق، والذي تدعمه القوى الغربية ويلقى معارضة شديدة من تركيا التي يؤثر استقلال الأكراد على أمنها بشكل مباشر.

هناك أيضا فكرة الكانتون العلوي على الساحل ، والذي يمتد على طول الساحل من الشمال مرورا بدمشق والحدود مع لبنان لإبقاء الشريان ممتد مع حزب الله، وصولا إلى الحدود مع الأردن جنوبا، وهذا المشروع سعى له التدخل الروسي بشكل مباشر، عبر السعي لتغيير ديموغرافي في ريف أدلب وفصل المعارضة السورية عن الحدود مع تركيا، وصولا إلى مجازر حلب الأخيرة ليكتمل هذا المشروع.

دوليا عدم وجود رؤية أمريكية للملف السوري، ليست فقط سببا لما وصلت له سوريا، ولكن مؤشرا لأن الحل سيكون أقرب لما تريده دول مثل روسيا وتركيا والسعودية بشكل أكبر، وكنت لأقول إيران ولكن تأثيرها كبير ولكن أقل بعد التدخل الروسي، وما نراه من تنسيق روسي إسرائيلي أدى بالنتيجة لتصفية قيادات كبيرة في حزب الله والحرس الثوري.

المسعى السعودي للحفاظ على وحدة ومدنية سوريا ، هو السبيل الوحيد للحفاظة على الأمن الإقليمي، وهو مسعى صعب ولا سبيل له ، إلا إذا دفع التدني في البترول الروسي، مع البراجماتية السعودية في الدفع لحل سياسي من جنيف ٣ أو غيرها، ولكن نهاية الأزمة في ٢٠١٦ مستحيل في نظري ، وأفضل ما قد تصل إليه الجهود قد يكون وقف القتال في بعض الجبهات ووصول المساعدات لمناطق أخرى، حيث تشهد الأجواء جهود لإدارة الأزمة لا حل الأزمة ، وبلا شك أن القادم للبيت الأبيض نهاية العام “قد” يكون مؤثرا في الحسم في روسيا.

بقاء الأزمة سيكون له أثر أمني مباشر على تركيا والأردن ولبنان ، كما أن نجاح الحشد الشعبي في العراق سيؤثر على سوريا، وقد يزيد من غرور الحرس الثوري في قدرة الحسم العسكري سوريا، أخيرا أي تقارب سعودي إيراني سيسهم بلاشك في الدفع لحلول سياسية، وإن كانت لحظة التقارب هذه لم تتحقق أجوائها بعد.

التعقيب الأول: د. سعد الشهراني

في البداية لا بد من القول أن سوريا لم تعد و لن تعود سوريا التي عرفناها و ذلك بسبب رئيس وهذا الحكم الطائفي  الفاسد و الفاشل.

القوى الفاعلة (مباشرة أو بطريق غير مباشر) في هذه الحرب ( في الحقيقة هي عدة حروب بالوكالة ) هي :

  • النظام الذي يحتضر
  • المعارضة المعتدلة الضعيفة و المحاربة من النظام و حلفاؤه من جهة و من منظمات التطرف و الإرهاب من جهة أخرى
  • الإيرانيون
  • الروس
  • منظمات الإرهاب (حزب الشيطان و داعش و الميليشيات الطائفية )
  • تركيا
  • الغرب
  • المملكة و دول الخليج العربية

في رايي أن موقف الغرب الضبابي المتآمر و المتواطئ هو السبب الرئيس في الخذلان  و الهوان الذي يعاني منه الشعب السوري المستضعف و الضعف الميداني و القتالي الذي تعاني منه المعارضة السياسية المعتدلة.

عندما رأى الروس و الإيرانيون الفرصة انتهزوها لإنقاذ النظام المتهالك.. دخل الروس و الإيرانيون المعركة و دعموا النظام و أتاحوا المجال لمنظمات الإرهاب من الطرفين لينهكوا قوات  المعارضة المعتدلة.

و السيناريوهات المحتملة للوضع في سوريا يمكن أن تأخذ أحد المسارات الآتية :

  • بقاء الوضع على ما هو عليه لسنوات حتى تبقى سوريا دولة فاشلة و مفككة و غير قادرة على النهوض مرة أخرى و هو السيناريو الأكثر احتمالا بالمعطيات الحالية.
  • انتصار النظام و إعادة سيطرته على الوضع ما عدا المنطقة الكردية و هو احتمال وارد و سيبقى الملايين مشردين لسنوات طويلة.
  • انتصار المعارضة المعتدلة و هو احتمال ضعيف جدا بعد أن خذلها الغرب و فتت قوتها المعنوية و السياسية و الميدانية.
  • نجاح المفاوضات و وضع خارطة طريق للتغيير السياسي و هذا احتمال مشروط بتوافق القوى الدولية.

في الفترة القادمة سيستمر  صراع الإرادات بين منظمات الإرهاب نفسها لسنوات ما لم يتم تصفية داعش و النصرة و جيش الشام فسيخلو الجو للمنظمات الطائفية  الشيعية و سيعد ذلك انتصارا لإيران و للروس و سيبقى النظام دمية في يد الروس و إيران و إرهابها و ميليشياتها.

موقف تركيا صعب إن دخلت الحرب و إن لم تدخلها خصوصا إذا اتجه الغرب نحو منح  الأكراد حقهم في تكوين دولتهم من خلال توحيد الأكراد  في سوريا و العراق.

ما يجري في سوريا هو خليط من منتجات العقل الاستراتيجي الغربي نحو المنطقة العربية :

  • الفوضى اللاخلاقة.
  • وضع الدول في مسارات كدول الفاشلة.
  • تغيير النظم regime change
  • الشرق الأوسط الجديد.
  • الالتزام بالتفوق الاستراتيجي الإسرائيلي و أمن إسرائيل.
  • لا يقوم للجسد العربي الإسلامي السني قائمة.
  • لا بأس من قوتين إقليميتين (نوويتين!) إسرائيل و إيران.
  • و لا بأس أيضا من مذهب ديني مسيس مطواع (المذهب الصفوي الشعوبي و لا أقول الشيعي) الذي لديه الاستعداد للتعايش مع الغرب فهو كان تاريخيا مع أعداء العرب و المسلمين.

الاشكالية الحقيقية أننا نحن العرب السنة ضعفاء متفرقون و قابلون للاختراق و نحن في أسفل سلم موازين القوى الإقليمية والدولية بل نحن قد لا نكون على السلم أصلا.

الانعكاسات الجيوسياسية و الأمنية خطيرة جدا فالإحباط و الهوان الذي تعانيه  الشعوب العربية  قد يرتد و يؤدي إلى تدمير الذات من خلال فكر مدمر قد يتنامى كنتيجة للشعور بالانكسار و الهزيمة.

و لتفادي بعض هذه الانعكاسات علينا لا بد من حراك داخلي و خارجي على كل الأصعدة.

لقد رأينا كيف أن عاصفة الحزم و الحراك السياسي الجديد في المملكة انعشنا و أعاد لنا الروح و الاحساس بالقيمة و بالحضور الفاعل في المشهد السياسي و الجيوسياسي الإقليمي و الدولي.

لا بد من الاستباقيات المحسوبة جيدا و من رد الفعل القوي المحسوب أيضا، و لا بد من تعزيز التحالفات و استدامتها، و السعي الحثيث لامتلاك صناعة عسكرية نوعية متقدمة.

و في الختام لا بد من القول أن من  أهم و أخطر  التداعيات التي يمكن أن تحدث إذا استمرت الأحداث في مساراتها الحالية أن تستغل إيران الأوضاع في كل من سوريا و العراق لكي تستمر الدولتان متفككتين و ضعيفتين باستمرار وتحت الهيمنة الإيرانية غير المباشرة في حلف طائفي سياسي مناهض للمملكة.

التعقيب الثاني: م. حسام بحيري

الصراع الدائر في سوريا دخل عامه الخامس بدون أن تكون هناك أي مكاسب حقيقية لأي طرف من أطراف النزاع وتحول هذا الصراع إلى حرب استنزافية دمرت البنية الأساسية للدولة واتسعت دائرة النزاع لتشمل ليس فقط السوريين بمختلف طوائفهم ولكن أيضا نرى دخول دول إقليمية وأجنبية، والتي أصبحت تسيطر على اتجاه هذا الصراع الذي لا يبدو أنه سينتهي قريبا. لعقود طويلة سوريا كانت لاعب رئيس في أحداث المنطقة خصوصا في الصراعات الداخلية لجيرانها ودائما كان لها تأثير قوي على مجرى هذه الأحداث. في المرحلة الحالية التأثير السوري في المنطقة مازال موجود ومؤثر، ولكن انعكس دوره تماما حيث أصبحت سوريا مصدر الفوضى المنتشرة في العالم بسبب ملايين اللاجئين الهاربين من القتل والتدمير وصعود جبهات إرهابية مثل داعش والنصرة التي تجذب متطرفين العالم إليها وتصدر إرهابها ومصدر كبير لتهريب السلاح والأموال والبشر وتحولت إلى مستنقع من الاضطرابات تؤثر على دول المنطقة والعالم أجمع. هذه الحقائق بلورت واقع وهو ضرورة إنهاء الصراع الدائر في أسرع وقت ممكن .

اليوم نرى أن جميع الدول المعنية أصبحت على قناعة أن إنهاء هذا الصراع يكمن في ضرورة وجود سلطة انتقالية فعالة تضمن إنهاء الحرب بعد رحيل بشار الأسد، ولاسترجاع سيطرة الدولة على أراضيها وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي سواء من قبل دول أو افراد وميليشيات مسلحة، والبدء في إعادة إعمار سوريا من الدمار الهائل الذي لحق بها.

مجموعة تحديات تبدو لنا اليوم كمهمة مستحيلة لعدم وجود أي قوى سياسية سورية تستطيع أن تقوم بهذا الدور؛ وبذلك مستقبل سوريا أصبح قاتم؛ لأننا لا نرى أي ضوء في الأفق لإنهاء الحرب الدائرة لأنه لا يوجد تفاهم مشترك بين الأطراف السورية السياسية؛ للاختلاف الشديد في توجهاتهم وأهدافهم وهناك اختلاف كبير أيضا في مواقف الدول الإقليمية المشاركة في النزاع مثل إيران وتركيا والسعودية والقوى الكبرى مثل روسيا وأمريكا مما سيؤكد على استمرار النزاع إلى أن تظهر قوى سياسية عسكرية سورية تكون لديها القدرة على فرض سياستها لأنه حتى السلام في سوريا لن يأتي أعزلا لابد من فرضه بالقوة.

التعقيب الثالث: م. سالم المري

سأحاول التعقيب على ما أورده أ. عبدالرحمن الطريري من حيث بدء الصراع في سوريا و القوى المتداخلة في هذا الصراع و تأثير ذلك الجيوسياسي و الأمني على المنطقة و خاصة المشرق العربي.

مع أني اتفق مع أ. عبدالرحمن على أنه في الوقت الحاضر يصعب أن يتمكن طرف واحد من إيجاد حل ، إلا أنه على ما يبدو هناك شبه اتفاق بين الدولتين الفاعلتين في المسرح السوري (أمريكا و روسيا) على تقسيم سوريا، أما الصراع فقد بدأ في سوريا منذ السبعينيات عندما استولى حافظ الأسد على حزب البعث وحوله من حزب قومي وحدوي إلى غطاء كرتوني لتنظيم طائفي عائلي، ثم ساء الوضع وأصبح التصادم بين السلطة والشعب محتما ومتوقعا بعد توريث الأسد الأب للأسد الابن، حيث سقطت شرعية الجمهورية في عيون السوريين وأصبحت الدولة تحكم من قبل مجموعة عصابات تربطها المصالح وتأخذ الاتاوات على الناس، وظهر ذلك في العلن تدريجيا حتى للزوار غير السوريين.

أما مسألة الربيع العربي فقد كانت مجرد فرصة رأى السوريون من خلالها أن الرأي العام و القوى الخارجية أصبحت مهيأة لتفهم ثورتهم.

واليوم تعد أزمة سوريا من أعقد الازمات في المشرق العربي المأزوم فهناك دماء تسيل وأرواح تُزهق ومدن تسوى بالأرض، ونزاعات طائفية وأثنية، فمن دولة الخلافة المزعومة التي تطالب بمبايعة الجميع لها إلى أمامه منتظره وصيها فارسي يحلم بإحياء إمبراطورتيه الغابرة ، و قوى كردية صاعدة و مدعومة من قبل الغرب تبحث عن وطن ضائع ، وثائرون في كل مكان لكل منهم ليلاه، وفوق ذلك حكومة فاسدة وظالمة قتلت شعبها وشردته وقصفت مدنها بالبراميل المتفجرة.

ذريعة الإرهاب السني:

عادة ما تبحث الدول الكبرى عن ذريعة إذا أرادت التدخل في مكان ما بهدف تهيئة الرأي العالمي والمحلي لما تخطط له ، و ذريعة تدخل القوى العظمى في سوريا الإرهاب ، كما كانت ذريعة الحرب على العراق هي تدمير أسلحة الدمار الشامل، حيث أصبح “الإرهاب” مصطلح مطاطي وخطير جداً. وقد أحسنت الولايات المتحدة وإيران وروسيا لعبة ذريعة الإرهاب السني حيث تمكنوا من إظهار الوجه المعادي للغرب ، والفكرة أمريكية إسرائيلية بالأساس ولكنها توافقت مع المسعى الإيراني  لبناء إمبراطورية على حساب العرب من خلال الأقليات الشيعية، وكذلك تلقفتها روسيا بهدف إبقاء نظام الأسد على قيد الحياة.  فالحرب على السنه هو في الحقيقة حرب على الأمة العربية، وجعل العرب السنة يقاتلون كمذهب وليس كأمة هو العمود الأساس لمشروع تقسيم البلدان العربية.

الانعكاسات الجيوسياسية والأمنية للأزمة السورية:

أثبت الشعب السوري تاريخيا أنه مع وحدة بلاده وضد التقسيم، والدليل ما حدث أثناء حكم الاستعمار الفرنسي حينما حاول الفرنسيون فصل العلويين والدروز عن الأغلبية العربية السنيه ورفض العلويون والدروز والسنة ذلك التوجه وتوحدوا رغما عن المستعمر الفرنسي. وكانت سورية منبع ومقر العديد من الحركات القومية التحررية والوحدوية العربية، ولكن الواقع السوري السيئ اليوم ينذر بلا شك بإعادة رسم للخارطة السورية. و المتداول حاليا لا يقل عن أربع كيانات ( درزي في الجنوب ، و علوي شيعي على الساحل وحدود لبنان و جزء من وسط سوريا، و كيان كردي في الشمال الشرقي ، و كيان سني في الوسط و الشرق و جزء من الشمال). واللاعبون في الأزمة السورية غير العرب مثل تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة وإسرائيل جميعهم للأسف متفقون على تقسيم سوريا عدا تركيا التي لن تمانع إذا ضمنت أمن حدودها.

وبينما تهدف الولايات المتحدة إلى تقسيم سوريا إلى أكبر عدد ممكن من الكانتونات الطائفية و الأثنية خدمة للفكرة الصهيونية في فلسطين مع الحرص على إبراز كيان كردي، تهتم إيران بالبقاء على اتصال باستثماراتها في حزب الله اللبناني و الكيان السوري العلوي أو الشيعي، و منع أي ضغط على نفوذها في العراق من الجهة الغربية، أما تركيا فلا تمانع تقسيم سوريا بقدر ما تخشى من وجود كيان كردي معادي على حدودها، و الروس يهمهم وجود كيان يبقي لهم نفوذهم و مصالحهم. فالتدخل الروسي له أسباب اقتصادية ذات صلة بالقروض الطائلة والديون الكبيرة لموسكو على نظام الأسد، إضافة إلى رغبة روسيا في البقاء كلاعب رئيس في المسرح السياسي الدولي كما أن للكنيسة الروسية الشرقية علاقاتها الدينية القديمة مع مسيحي سوريا. وقد استعادت روسيا من خلال الأزمة السورية سيطرتها وهيبتها كقوة عظمى موازية للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد ما أثبتت فاعلية أسلحتها في قتل السوريين، وأنها لا تقل فتكا وتقدما عن أسلحة الأمريكان، وهي بذلك تريد أن تحافظ على موطئ قدم في الشرق الأوسط، عن طريق قاعدة “طرطوس”، وتريد أن تستفيد من الأزمة السورية للتفاوض في مسائل أخرى عالمية لا علاقة لها بسوريه مثل قضية “أوكرانيا” وتوسع “حلف الناتو” شرق أوروبا والعقوبات المفروضة عليها.

و لذلك فإن التسليم بتقسيم سوريا سيكون له مخاطر أمنية و انعكاسات جيوسياسية خطيرة في المشرق العربي؛ حيث سيصبح إعادة رسم خرائط الدول على أساس طائفي و حتى مناطقي مقبولا و مستساغا و سيكون الدور القادم على السعودية و مصر من قبل إسرائيل وإيران والولايات المتحدة؛ فالدول الثلاث لديها مصالح ورغبة أكيدة في تقسيم السعودية ومصر على أساس طائفي وديني ومناطقي ، و هناك تلميحات حالية على أن السعودية متورطة في الإرهاب، و ستكون الخطوة القادمة بعد تقسيم سوريه ضم السعودية إلى قائمة الدول الداعمة للإرهاب. أما القضية الفلسطينية فستنتهي وستستولي إسرائيل على ما تبقى من فلسطين وستهدد الأردن.

استراتيجية المواجهة :

و عليه فإن تلافي تقسيم سوريا يتطلب معجزة و جهد موحد عربي وخليجي خصوصا للتعاون مع تركيا و محاولة كسب الموقف الروسي وذلك بضمان مصالحة في الكيان السوري الموحد، واعتبار روسيا الاتحادية من ضمن دول المحيط السني بالتقارب مع سكانها من المسلمين السنة والاستفادة منهم في تغيير النظرة الروسية للصراع، و في نفس الوقت إيجاد بعض الضغوط على الحليف الأمريكي؛ وهذا التوجه بحاجة إلى إدخال مصر عن طريق مصالحتها مع تركيا وقطر وإقناعهم بأن الخطر داهم ووخيم على الجميع.

و الخيار الأصعب إذا لم توافق الأطراف الخارجية على وحدة سوريا هو إسقاط فكرة الإرهاب السني و محاولة جمع القوى السنية بمختلف أطيافها تحت مسميات جديدة مختلفة لا تخضع للقوانين الأممية الصادرة ضد الإرهاب و لو في حلف مؤقت لكسب الأرض و محاولة تحييد أو تهديد هيمنة الطيران الروسي و الأسدي بإدخال أسلحة متطورة مضادة للطيران . أما إيران فهي أكثر هشاشة من الداخل مما تبدو عليه في سياستها الخارجية و بإمكان العرب تحريك قوى المعارضة الداخلية في إيران بدعمها ماديا و إعلاميا و لوجستيا ، و مقاطعه جميع المنظمات الموالية لإيران عربيا و محاربتها داخليا و الإصرار على إدراجها كمنظمات إرهابية في القوانين المحلية و الإقليمية و العالمية وفي نفس الوقت تشجيع التنظيمات الشيعية العربية والقومية والتقدمية المناهضة للنفوذ الإيراني في المنطقة.

المداخلات حول قضية: (مستقبل سوريا وانعكاساته الجيوسياسية والأمنية)

  • قراءة في مجريات الأحداث في سوريا

يرى د. حسين الحكمي أن ما يحدث على الأراضي السورية لا يعد ثورة ولا جزء من الربيع العربي ولا حرب أهلية ، هو صراع بين عدة دول ولعدة أسباب . صراع الجبابرة على أرض سوريا تغذيه عدة أسباب ؛ موقع سوريا على الحدود بين العراق وتركيا ولبنان والأراضي المحتلة من العدو الإسرائيلي يجعل لموقعها الجغرافي أهمية لعدة دول وحكومات وتحالفات فالكل يسعى لأن تكون الحكومة في سوريا من الموالين له.

كما أن العامل الأيديولوجي له تأثير في الصراع الدائر هناك ؛ الفوضى التي حصلت في ٢٠11 جعلت المناخ مناسب لأن يطمع كل أحد في أن يكون له حظ من سوريا. لن ترضى أمريكا بأن تكون أيديولوجية الحكومة في بلد على حدود حليفتها إسرائيل متشددة ومعارضة للوجود الإسرائيلي أو تتسبب في إثارة القلق لها. كما أن إيران تسعى لأن تستمر سيطرتها على الحكومة مذهبياً كما كانت في السابق ، من خلال دعمها لحزب الله ووقوفها مع بشار حتى لا يسقط ومعهم حليفهم روسيا. لم تكن السعودية ذات البصمة والمكانة العالمية لتسمح بأن تترك الأراضي السورية ذات الأهمية الجغرافية دون أن تشارك في الصراع وتقف مع المضطهدين من الشعب السوري والسنة لتوقف الزحف الفارسي الذي يهدد أمن السعودية كلما وجد فرصة ، وهو الذي قالها صراحة أنه يسيطر على ٤ عواصم عربية ( بيروت ، بغداد ، دمشق ، صنعاء) وكلها تحيط بالسعودية. لذلك كان من المهم أن تشارك السعودية في هذا الصراع لتحمي الوطن وأمنه من أعداء واضح عدائهم.

وجود جماعات إرهابية وثورية في سوريا كداعش وغيرها ما هم إلا أوراق لعب ستنتهي بانتهاء الصراع ، يحركها ويستفيد منهم الجبابرة الآن من أجل تحقيق مبتغاهم.

هذه العوامل جعلت للصراع على الأراضي السورية أهمية لأن نتائجه تؤثر على خريطة الشرق الأوسط وموازين القوى والأمن في المنطقة.

ما حصل في سوريا في بداياته كانت ثورة ، لكن وضع سوريا و صراعات القوى الخارجية أوصلها لهذه المرحلة. ثورة سوريا تشابهها إلى حد ما ثورة اليمن بعد أن دخلت إيران في الخط من خلال الحوثيين.

أما د. خالد الرديعان فأوضح أنه لا يزال عند رأيه بأن ثورة السوريين ضد النظام (في ظل عدم القدرة على تغييره) كانت خطأ فادحا بكل المقاييس، وكان بالإمكان تجنب المأساة التي نراها اليوم من قتل وتشريد وتهجير وتدمير للمدن السورية وتنامي للجماعات الإرهابية المتطرفة ، ناهيك عن التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن السوري والعربي بسبب ثورة لم يكتب لها النجاح وتتجه نحو مزيد من التعقيد. هذا الرأي ليس دفاعا عن النظام السوري المتكلس والمهترئ؛ فهو نظام قمعي ودموي منذ تسلمه مقاليد السلطة في منتصف ستينات القرن العشرين وحتى اللحظة. النظام السوري نظام عسكري  متغول ومتمدد في جميع مفاصل الدولة السورية، ومن الصعب بتقديره اقتلاعه بثورة مدنية كما كان مأمولا في بداية الاحتجاجات سنة ٢٠١١ بعد ثورات الربيع العربي الفاشلة.

الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه العرب هو دعم الثوار وتدويل قضية الثورة دون أن يكون لدى الأطراف حل عملي ملموس يمكن تطبيقه على أرض الواقع. كما أن العرب لم يكن لديهم وليس لديهم تصور واضح عن مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي في حال سقوط النظام السوري.. لم نقرأ شيء يتحدث عن هذه النقطة ولم يتم طرح رؤية متكاملة ما يعني غياب الاستراتيجية القومية تماما بل وتغييبها.

كل ما نسمعه من الثوار والجماعات السياسية المناهضة للنظام ومؤيديهم في وسائل الإعلام هو أنهم يريدون اقتلاع النظام برمته ولا يريدون أقل من ذلك دون أن يشرحوا لنا كيف يمكنهم إنجاز هذه المهمة التي أصبحت أكثر صعوبة من ذي قبل. الآن وبعد خمس سنوات من القتال المرير والتدمير والتهجير ما الذي تم إنجازه على المستوى السياسي؟ هل سقط النظام أو تضعضع؟ هل الوضع السوري أفضل؟ هل حدث تحول تاريخي في عقيدة الاستبداد البعثي وجنحوا باتجاه السلام وتفكيك ماكينتهم العسكرية واتجهوا نحو حكم ديموقراطي يمثل جميع مكونات الشعب السوري؟ هل وقفت المجازر؟ هل انحسرت الجماعات الإرهابية المتطرفة؟  وبالمقابل هل نجح العرب وجامعة الدول العربية في فرض أو طرح حل قومي شامل ينهي المأساة السورية؟

لم يحدث شيء من كل ذلك.. بل إن الأمور ازدادت سوءا وأصبحنا نتفرج على التراجيديا السورية دون أن يكون لدينا القدرة الكافية على لملمة الوضع والخروج بحل نهائي يوقف المأساة. نحن نعيش وهم انتظار غودو، وهو الذي لن يصل مهما طال انتظارنا!!

في الفقه الإسلامي لا يجوز الخروج على الحاكم – حتى وأن كان ظالما-  إذا لم تتوفر القدرة على تغييره.. ما حدث في سوريا هو خروج على حاكم يتوفر على كل مصادر القوة والبطش والتدمير.. بشار ليس مثل حسني مبارك؛ فالأخير عَلِم علم اليقين أن الجيش لن يقف معه وبالتالي تنحى عن السلطة.. الأمر في سوريا مختلف تماما فبشار يقف على رأس الجيش الذي يريد بقاءه.. والمستفيد النهائي من كل ما جرى هناك هو إسرائيل فقط.

في حين يعتقد أ. سمير خميس أن أي ثورة يهيأ لها الأسباب لقيامها ستسأل نفسها الأسئلة التالية:

  • هل ستنجح؟
  • هل يمكن اقتلاع هذا النظام؟
  • هل يمكن أن تقوم ثورة دون دماء؟

وبرأيه تكون الأسئلة على النحو التالي:

  • هل كنا بما نملكه من أدوات القوة ناجحين في التعامل مع دولة الأسد الأب مروراً بالابن؟
  • ما الذي جره علينا سكوتنا عن مجزرة حماة في الثمانينات؟
  • كيف تغولت إيران في سوريا ولبنان واليمن، ثم ها نحن نحاول أن نواجهها ولو متأخرين؟؟!

لا يمكن تكييف صرخات الحرية لهكذا أسئلة.. على الأقل احتراماً للدم المسال.

وعلق د. سعد الشهراني على ما طرحه د. خالد بقوله: كلام منطقي و لكن الثورة حدثت و أجهضت و تحولت إلى حروب بالوكالة والأصالة..

القضية الآن أنك لا تستطيع إعادة العجلة التاريخية إلى الخلف..

القضية  (الآن) هي ماذا يمكن أن يحصل، و ماذا نستطيع أن نعمل للحد من الانعكاسات الجيوسياسية و الأمنية السلبية علينا و على المنطقة؟

وأشار م. سالم المري إلى أن النظام السوري لم يكن يوما من الأيام تهديدا حقيقيا لإسرائيل، ولم يطلق طلقة واحدة من الجولان المحتل! ومقولة المقاومة والممانعة حقا أريد به باطل!؟ وإلا كيف يكون نظاما قوميا وحدويا عربيا ويتحالف مع نظام الملالي الكهنوتي وتنظيماته ضد البلدان العربية.

ووجوده مسيطرا على الشام ولبنان كان خطأ فادحا منذ البداية وهو الذي سهل النفوذ الإيراني في لبنان. لقد كان باطنيا بمعنى الكلمة ويبطن مالا يظهر وركب العروبة غدرا حتى حطمها! كان من المفترض أن الدول العربية انتبهت لذلك وقوضت ذلك النظام منذ عقود وهذا هو الخطأ الاستراتيجي العربي.

كما أن الدول العربية وخاصة الخليجية لم تسارع برمي ثقلها للإسراع في انهيار النظام عندما قامت الثورة السورية وهذا خطأ آخر.

أيضاً فإن التهاون والتخاذل ودفن الرأس في الرمال هو ما أوصلنا الى مانحن فيه.

ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟

لقد وصل الحال بالعرب السنة الى التطرف وأن يتراصون في صفوف المنظمات الإرهابية للدفاع عن أعراضهم وأموالهم.

ثم إذا كانت هذه الدول تريد إعادة رسم الحدود فلماذا لا نكبر ونقبل من يريد الانضمام لنا من إخواننا في الشام والعراق واليمن ونفكر في الخيار الأكبر بدلا من التفكير في الخيار الأصغر.

وبتصور أ. علي بن علي فإن هناك مزايدات على الملف السوري من جميع الجوانب السياسي والديني والاقتصادي أدت وانتهت إلى هذا المنظر المؤلم في سوريا .

وأشار م. حسام بحيري إلى أن وهم الربيع العربي والذي تسبب في سقوط عدة أنظمة حكم عربيه كان نتيجة فشل أيديولوجيات المدرسة التقدمية العربية، والغريب أن الدول العربية الوحيدة التي سادها الاستقرار أثناء هذه الفترة هي الدول الملكية والتي كانت تنعى بقوى الرجعية.

العرب هم المسؤولين في الدرجة الاولى عن الفشل الذي أصابنا وانتشار الحروب والفوضى وليس القوى الغربية التي أصبحنا نستخدمها كشماعة لتبرير فشلنا المتواصل. لا يوجد لدينا أي قيم سياسية حقيقه نتبعها أو أنظمة قضاء مستقله حقيقية تحمي المواطنين يهابها الكبير قبل الصغير. السواد الأعظم من الدول العربية كانت تحت الاستعمار الغربي بعضها لعدة قرون وبعد رحيل الاستعمار استلم العسكر أجهزة الحكم وأثبتوا فشلهم في دولة تلو الأخرى والآن نحن في نهاية طريق هذه المرحلة التي أثبتت فشلها وأتت بنتائج كارثيه على منطقتنا، وحتى الان لم نستوعب الدرس، وسنظل نتخبط لفترة طويلة حتى نعي أنه لابد من تغيير جذري في طريقة تفكيرنا لبناء منظومة سياسية تسمح بالمشاركة لجميع طوائف المجتمعات العربية بمختلف أعراقها وطوائفها ودياناتها.

أهم منظوما نحتاج لبنائها هي أنظمة القضاء العادلة المستقلة فعليا ذو المصادقية العدلية والتي تحترم من قبل الشعوب وتطبق على الجميع بدون أي استثناء. إن أفضل شيء نستورده من الغرب هو التعلم كيفية بناء أنظمه قضائية فعالة ومستقلة كما هو حاصل في بلدانهم. العامل الرئيسي لنجاح المنظومة السياسية لأي دولة هو نظامها القضائي الفعال والذي يشكل العمود الفقري لنظام الدولة.

ومن جانبه ذهب د. منصور المطيري إلى أن الثورة السورية و قبلها الثورة المصرية و قبلهما الثورة التونسية كانت بوارق للأمل و كانت محاولات جماعية لإعادة العربة إلى مسارها الصحيح .. و كانت ثورات طبيعية و صحيحة و واجبة..

لم تفشل كل هذه الثورات و لكنها أفشلت ؛ لأن القوى ذات السطوة في عالم اليوم رسمت مسار مجتمعاتنا حسب معاييرها وتريد أن تبقى هذه المجتمعات في هذا المسار ؛ و لا تريدها أن ترى أثراً و لو ضئيلاً لإرادة مستقلة و مسيرة لا تتبعها .. التبعية هي الخط المرسوم لمجتمعاتنا والغريب أن هذه القوى العظمى تصمم لهذه المسيرة التابعة أدوات تختلف تماماً عن تلك الأدوات التي تتبناها هي لنفسها داخل مجتمعاتها، فإذا ارتضت لنفسها ديمقراطية حقيقية فهي لا ترتضيها لمجتمعاتنا إنما ترتضي نماذج كنموذج الأسد . ومن العيب أن نضع اللوم على علاج السرطان الذي يحتاج وقت ليأخذ مفعوله و يحتاج ثمناً يدفعه الجسد يصل إلى حد الإنهاك الكامل و نتجاهل لوم السرطان ذاته .. نلوم عامل النظافة على ما يبذله من جهد و ننسى القذر الذي يرمي القمامة ..

نلوم الطبيب الذي ينزع السكين من الجسد و ننسى المجرم الذي غرسها في ذلك الجسد ..

كل اللوم أوله آخره، ظاهره و باطنه، سره و علانيته على النظام العلوي العنصري المجرم في سوريا .. و ليس على الشعب السوري مثقال ذرة من لوم أو خطأ ..

الأمور الخاطئة تحتاج إلى عمل وجهد لإصلاحها و لا تنصلح بذاتها و لا بالأماني ..

الشعب السوري انتصر على سرطانه و أنهاه لولا هذه القوى الجبارة و خدمها من القوى الإقليمية، و لولا تلكؤ أصدقاء الشعب السوري وافتقادهم للجسارة في عالم يحتاج قوة في الإرادة ، و وضوح في الهدف وعقيدة راسخة لا متذبذبة ..

هذه القوى هي التي منعت السلاح عن الشعب السوري و أمدت النظام به .. فالذي هزم السنة في سوريا و في العراق منع السلاح عنهم و توفيره لعدوهم .. و هذا هو نفس ما حصل للبوسنيين أمام الصرب حتى أجبروهم على صلح لا يرضيهم و لكنه خير لهم من الاستئصال..

وأكد د. المطيري أن رأيه كان ولا يزال أن القوى العظمى ستقسم العراق و سوريا .. و ستفعل .. إلا إذا ثبت الشعب السوري و تمسك بهدفه مهما كانت التضحيات .. لأن الصراع مع أعدائه و الذين هم للأسف أعداؤنا في نفس الوقت صراع صفري وجودي .. إما أن يبقى الشعب السوري السني أو ينتهي و يصفى كما يحدث في العراق .. و إذا انتهت سوريا سليبة في يد أعدائها فالضحية القادمة نحن فالصراع في سوريا بالنسبة لنا أيضا صراع وجودي..

النظام الدولي أصبح متوحشاً لا توقفه عن أطماعه لا منظمات أممية و لا قيم أخلاقية .. أنظروا إلى مقدار الحمم التي يصبها على المدنيين العزل !!! متى كانت المؤسسات الأممية و القيم الإنسانية تقبل بهذا ؟!! هذا يحدث لأن هذه القوى الجبارة تجاوزت مفهوم العالم المتعايش الذي يحتكم إلى مؤسسات دولية و قيم إنسانية للعيش بسلام .. هذه الدول ضجت بتقييد نفسها بمؤسسات و هيئات هي أوجدتها بنفسها لأن مصالحها بعد الحرب العالمية الثانية تقتضي ذلك .. الآن هي تتجاوزها لأن مصالحها تقتضي ذلك ..

يرمون الحمم على رؤوس العزل في سوريا و العراق و يستنكرون دفاع السعودية عن نفسها في اليمن و يتهمونها بقتل الأطفال ..

سنة الله التدافع .. و لا بد أن ندرك ذلك .. إذا فشل الشعب السوري في ثورته فليس لأنه اتخذ القرار الخطأ، و لكن لأن أطراف المعركة تجاوزت النظام الذي يقاتلونه كما أن حلفاءه الذين توافقت مصالحهم مع ثورته لم يقوموا بكامل واجبهم .. قاموا ببعض الواجب و هو لا يكفي في معركة التدافع هذه.

وقال د.م. نصر الصحاف: استغرب جداً رواية أن الأسد ليس لديه شعب في سوريا !! هذه على ما أعتقد قصة الفناها وصدقناها من كثر ترديدها لنفسنا ولغيرنا ولكن الأصح أنني وجدت أغلبية السوريين سواء في الداخل أو الخارج مؤيدون للأسد ولو أن الذين بالداخل يشيرون بذلك على استحياء.

بينما يرى م. سالم المري أن بشار ليس له في سوريا إلا جزء من العائلات العلوية (وليس الكل) وله شعبية في الخارج لأنه ما يخرج إلا من له علاقة بالأجهزة الأمنية، وكذلك يدعمه بعض المسيحيين المحسوبين على القومي السوري!

أما د. عبدالله بن ناصر الحمود فجاءت مداخلته بأن خلاصة الأمر..

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}

{ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ…}

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}

أمريكا بريئة، وإن أثخنت فينا

وروسيا، بريئة وإن باعت واشترت فينا

وأوربا، بريئة وإن سخرت منا ومن قرآننا ونبينا، وفسخت حجاب بناتنا

والصين، بريئة، وإن راق لهم الملالي أكثر منا

نحن المذنبون فلنفتش حجراتنا

كل حجرة في بيتنا نتنة إلا ما رحم ربك، نحن المخطئون حين نفتح النوافذ ليلقي الغراب قاذوراته عندنا

نحن المخطئون حين نخون بعضنا

نحن المخطئون حين نتآمر مع الكلاب والذئاب والثعالب على صغارنا

نحن المخطئون حين لا يكون بيننا عهد ولا ميثاق

نحن المخطئون حين لا يكون فينا كبير نسمعه، ولا صغير نرحمه

نحن المخطئون حين نسمع كلاما يقال فينا، فلا نعرف كيف نرد

وحين نرى التنكيل بأبناء عمومتنا فلا تأخذنا الغيرة إلا على بعضنا

وحين يقتل أطفالنا فنتحاور مع القاتل في الحديقة الخلفية ونحن نسمع أنين الثكالى في الغرف والممرات

وحين تنهب ثرواتنا فنقول هل من مزيد

وحين ينزع حجاب نسائنا عنوة فننادي بالتعايش

وحين تنجح انتخابات الخصوم حيث يقتاتون من وعود التنكيل بنا.. ثم لا نفتأ أن نتشدق بالديموقراطية

وحين تهون علينا كل الأشياء، إلا أن يكون لنا كلب من بين الكلاب نستأجره بكل ما عندنا  لينبح في وجه كلاب بعضنا

ليت السؤال كان عن المستقبل، هكذا دون سوريا ؛ لأن المستقبل، لن يمكنه تحديد سوريا لا جغرافيا ولا تاريخيا ولا ثقافيا ولا ديموغرافيا..

سوريا تحترق شيعة وسنة

مستقبل سوريا كمستقبل موقد الشواء صبيحة الاحتفال.

كلنا سوريا كلنا العراق كلنا لبنان كلنا اليمن كلنا ليبيا

لكن كلنا هدا لم يعد يشعر ببعضه لأنه لم يعد جسدا واحدا

صرنا أشلاء .. أشلاء جسد

سلخنا .. حتى لم يعد يؤلمنا تقطيع جسدنا بل نرقب كل قطع لنا.. وننتظر قطعا جديدا

وتسألون عن مستقبل سوريا!!

سوريا .. هي آخر أشلائنا وبعدها.. قل علينا كلنا السلام

اللهم هيئ لنا أمر رشد، واكلأنا بعينك التي لا تنام، فقد أثخنا فينا.

ومن جانبه قال د. منصور المطيري: نحن هنا ( في منتدى أسبار ) نخمن و نتلمس الواقع الحقيقي و الحلول .. لا شك أن السياسيين الذين يلتقون وجهاً لوجه قد يستشفون نوايا بعضهم البعض .. و لا أظن خصماً يأتيك و يتبرع بصراحة ليقول ما ينوي فعله لأنه بهذا الشكل تفقد السياسة معناها و تحل محلها القوة حينئذ .

و لكن لأننا غير سياسيين و بعيدين عن المعلومة الحقيقية التي تخفيها الدول بعضها عن بعض فإننا نكتفي بالتساؤل و التخمين و مراقبة حركة الواقع الذي يتأخر عن النوايا .. ومع هذا فكل العالم يعترف و يشاهد خطورة و مأساة الوضع في هذه المنطقة..

أول الخطوات في رأيي هي معرفة نوايا الأطراف المتورطة في الموضوع من مثل :

  • هل هناك توافق أمريكي روسي على خطة معينة في المنطقة ؟ و لماذا؟
  • لماذا تصب روسيا كل هذه الحمم على بلد لا يشكل خطراً عليها ؟ لماذا تعيد سياسة تدمير غروزني في سوريا ؟
  • هل لدى إيران اتفاق مع الغرب على ( Grand strategy) في المنطقة يسمح لها بالتمدد ؟ وهل إسرائيل على توافق خفي مع إيران كما يجزم تريتا بارسي؟
  • ما نوعية كل هذه الاتفاقات و الاستراتيجيات إن كانت موجودة ؟
  • هل يمكن أن تضم إيران جنوب العراق برعاية أمريكية كما ضمت الأهواز من قبل برعاية بريطانية؟

و السؤال الأهم هو:

  • هل إسرائيل صانعة للأحداث أم مراقبة ؟ قرأت أن ضباطاً اسرائيليين يزورون سراً هذه المناطق بما فيها حلب ..
  • لماذا يضع بريمر خطة لتكوين الجيش العراقي و يضيف إليها مصطلح و مفهوم المليشيات ؟
  • هل أمريكا تركت المنطقة فعلاً كما يشاع ؟ و هل هي في حالة ضعف و تراجع كما يشاع ؟
  • الحرب على الإرهاب . هل هو مفهوم محدد و واضح أم هو مفهوم غائم و غامض يشكل ستاراً لخطة لا علاقة لها بداعش و لا النصرة ؟ لماذا الإصرار مثلاً على القول بأن مقاتلة داعش قد تستمر ثلاثين سنة ؟ و لماذا كل هذا العدد من الدول المنضمة إلى الحلف ؟
  • إذا كان هناك مخطط في المنطقة يقود إلى إعطاء خصوم المملكة ميزات تجعل المملكة أكثر هشاشة في المستقبل و رفضنا المشاركة فيها ، فهل الكمون داخل حدودنا أم المقاومة الجسورة قبل أن تستفحل الأمور ؟
  • و إذا كانت الدول العظمى مصممة على تنفيذ خططها فهل نستطيع المقاومة أصلاً ؟ وهل نستطيع تحمل العزلة كأخف ضرر ؟ هناك تحليلات لا أدري عن صحتها تفيد أن بعض الدول الخليجية المتحالفة مع أمريكا في حربها على الإرهاب موعودة بالحصول على الأجزاء الشرقية و الجنوبية الشرقية للمملكة في حال تفكيكها.
  • ما مدى واقعية و قوة التحالف السعودي التركي القطري؟ و ما مدى فاعلية التحالف الإسلامي؟

أسئلة كثيرة جداً جداً ..الإجابة الدقيقة عليها تكشف حقيقة ما يحصل ، و كيف هي الحلول.

وفي نفس السياق أضاف أ. سمير خميس أن الحالة السورية والعراقية هي عبارة عن أخطاء تراكمية عبر العقود الماضية.. ولا بد من دفع الثمن الآن..

تحالف سوريا مع إيران كان طائفياً وواضحاً ومكشوفاً منذ عقود..

ماذا فعلنا نحن؟

عندما كانت إيران ترسم بصبر وأناة هلالها الشيعي ماذا كان يفكر فيه المحور السني؟

كم من الكوارث مررنا فيها بل وساهمنا فيها بقصد أو عن غير قصد؟

ألم يبيد الهالك حافظ الأسد حماة على مرأى ومسمع منا؟

ألم تسلم أمريكا العراق لإيران على طبق من قهر ونحن نتفرج؟

ألم تسلح إيران مليشياتها على طول العالم وعرضه دون أن نحرك ساكناً؟

“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”..

أزعم كل هذه الدماء التي تسيل ولا تزال هي ثمن غال لاستئصال ورم حاد كاد أن يهلكنا جميعا لولا ثورة أهل الشام المباركة.

وبدوره علق د. عبدالله بن ناصر الحمود بقوله: تساؤلاتك مشروعة د. منصور وإجاباتها والله أعلم لا تزيد عن ثلاثة: لا ، لا هذي ولا تلك، لا أحد يعرف.

وسأنسخ تساؤلاتك، وأزيد عليها إجاباتي المحتملة.

  • هل هناك توافق أمريكي روسي على خطة معينة في المنطقة ؟ و لماذا؟

لا أحد يعرف، حتى الروس والأمريكان أنفسهم.

  • لماذا تصب روسيا كل هذه الحمم على بلد لا يشكل خطراً عليها ؟ لماذا تعيد سياسة تدمير غروزني في سوريا ؟

لا أحد يعرف، حتى روسيا،  وسوريا نفسيهما.

  • هل لدى إيران اتفاق مع الغرب على ( Grand strategy) في المنطقة يسمح لها بالتمدد ؟ وهل اسرائيل على توافق خفي مع إيران كما يجزم تريتا بارسي؟

لا أحد يعرف.

  • ما نوعية كل هذه الاتفاقات و الاستراتيجيات إن كانت موجودة ؟

لا أحد يعرف.

  • هل يمكن أن تضم إيران جنوب العراق برعاية أمريكية كما ضمت الأهواز من قبل برعاية بريطانية؟

لا.

و السؤال الأهم هو:

  • هل إسرائيل صانعة للأحداث أم مراقبة ؟

لا هذه ولا تلك.

  • لماذا يضع بريمر خطة لتكوين الجيش العراقي و يضيف إليها مصطلح و مفهوم المليشيات ؟

لا أحد يعرف، حتى بريمر نفسه.

  • هل أمريكا تركت المنطقة فعلاً كما يشاع ؟ و هل هي في حالة ضعف و تراجع كما يشاع ؟

لا هذه، ولا تلك.

  • الحرب على الإرهاب. هل هو مفهوم محدد و واضح أم هو مفهوم غائم و غامض يشكل ستاراً لخطة لا علاقة لها بداعش و لا النصرة ؟

لا هذه، ولا تلك.

  • لماذا الإصرار مثلاً على القول بأن مقاتلة داعش قد تستمر ثلاثين سنة ؟ و لماذا كل هذا العدد من الدول المنضمة إلى الحلف ؟

لا أحد يعرف، حتى داعش نفسها مندهشة من هذه التصريحات.

  • إذا كان هناك مخطط في المنطقة يقود إلى إعطاء خصوم المملكة ميزات تجعل المملكة أكثر هشاشة في المستقبل و رفضنا المشاركة فيها ، فهل الكمون داخل حدودنا أم المقاومة الجسورة قبل أن تستفحل الأمور ؟

لا هذه، ولا تلك.

  • و إذا كانت الدول العظمى مصممة على تنفيذ خططها فهل نستطيع المقاومة أصلاً ؟

لا

  • وهل نستطيع تحمل العزلة كأخف ضرر ؟

لا

  • هناك تحليلات تفيد أن بعض الدول الخليجية المتحالفة مع أمريكا في حربها على الإرهاب موعودة بالحصول على الأجزاء الشرقية و الجنوبية الشرقية للمملكة في حال تفكيكها.

لا أحد يعرف حتى كيف يفهم هذه العبارة.

  • ما مدى واقعية و قوة التحالف السعودي التركي القطري ؟ و ما مدى فاعلية التحالف الإسلامي ؟

لا أحد يعرف حتى تركيا والسعودية نفسيهما.

أسئلة كثيرة جداً جداً .. الإجابة الدقيقة عليها تكشف حقيقة ما يحصل ، و كيف هي الحلول ..

لن يتمكن أحد من الإجابة، بأكثر مما فعلت، ربما.

لعلي أوضح شيئا في نفسي

العالم القوي اليوم، يسير وفق استراتيجية.. أهداف الفرص

والفرص تتغير وتتحول، بحسب مشيئة الله تعالى، وسننه الكونية

أمريكا غيرت خططها في المنطقة عشر مرات في خمس سنوات

وروسيا غيرت ثلاث مرات في سنة واحدة

ونحن غيرنا خططنا مرتين في سنة.

لو أن إجابات الأسئلة السابقة محسومة،  لم يتغير شيء..

ربما.. نحن أمام سنة كونية عظيمة، لينظر الله إلينا، أنؤمن أم نكفر.

وعلق د. منصور المطيري بقوله: لا أحد يعرف يعني أن الأمور تسير بشكل فوضوي عند جميع الأطراف ..

المؤكد أن وراء الأكمة خطة مرسومة نخمن ما هي و لا  نجزم بماهيتها.

أصحاب القرار يعرفون ..

السياسيون يقولون أن المصالح ثلاثة أنواع :

  • مصالح تكتيكية
  • مصالح استراتيجية
  • مصالح حيوية ..

من أي الأنواع مصالح روسيا و أمريكا في المنطقة ؟

يقال بأن المصالح الحيوية هي التي تستخدم من أجل حمايتها التعبئة العامة لكل الموارد ..

و المصالح الاستراتيجية هي التي تستخدم لأجل حمايتها القوة العسكرية المحدودة ..

و المصالح التكتيكية هي التي تستخدم من أجل حمايتها الضغوط الأخرى غير العسكرية ..

ما هي المصالح الأمريكية و الروسية في المنطقة  التي تجعلهما يستخدمان الجيوش و المعارك و السلاح ؟!

علماً أن المصالح التكتيكية تتغير

و المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد

و المصالح الحيوية ثابتة.

أما د. عبد الله بن صالح الحمود فقال في مداخلته في هذا السياق: مع تقديري لكل هذه الآراء والمعلومات الرائعة كروعة أصحابها.

إلا أنني لازلت غير مقتنع بما يرد من تحليل ورأي ، فهذه القناعة أتت من واقع ملموس وهو بسبب ما يحدث لنا هنا وهناك من أحداث يختلف واقعها عن التنظير تجاهها.

بدليل واضح أمامنا أننا العرب كنا ولا نزال ألعوبة لغيرنا.

فهل العرب هم ما يريدون ذلك أم أن هذا قدرهم.

أم أن العرب اعتادوا على الخذلان فيما بينهم ، فصار لهم ما صار من مآسي .

فإن كان الأمر كذلك فلماذا نكتب ونقول ونقول ، ونحن ندرك هذه الأمور كإدراك أننا بشر.

الأمر كبير والأسرار والخفايا عظام.

فهل نحن مدركين ما حولنا؟

وأضاف م. سالم المري أن الامريكان مصلحتهم الكبرى تحقيق مشروع إسرائيل وحمايته، والروس مصلحتهم في تطويق تركيا ومنعها من التحرك المفيد وإشغالها. والغموض الذي أشار له د. عبدالله بن ناصر الحمود يذكره بقول الجحدلي :

( أرتق وجه السماء المغطاة بالعشب

أدوَّن ما يشدو البحر به

هو الليل يأتي لنا حاملاً شمسـه

هو الموت يبدأ من أحرف الجر حتى السواد

وينسل طيف الأرانب بين المفاصل والأمكنة

يضيء الغدير المعبأ بالخيل والليل والكائنات الكئيبة

وللنهر بيض يفقس بعد المساء الأخير

وللخوف وجهه الذي يشتهيه الشجر).

وعلقت أ. ليلى الشهراني أن ما طرحه د. عبدالله بن ناصر الحمود يتفق مع كلام ابن خلدون “لا نلوم الخارج الذي دخل ، بل اللوم على الداخل الذي خلق فراغا”.

وأضافت: لولا حسن ثقتنا بتدابير الله سبحانه وأنه مقلب الأزمان ومغير الأحوال لأصابنا اليأس والإحباط مما ستؤول إليه الأمور في سوريا ، عندما بدأت الثورة قلنا لن يمضي عام إلا وأهل الشام ينعمون بالهواء النقي الغير مشبع بروائح الموت والخيانات والعمالة التي نشرتها عائلة (آل الوحش) من زمن الجد سليمان إلى حفيده الأرعن بشار ، لكن هذه السنة تمددت لسنوات عجاف حصدت أرواح الأبرياء وهجرتهم في مجازر دموية لا يشابهها إلا حروب التتار والنازية .

بلاد الياسمين والأدباء أصبحت اليوم مقبرة مخيفة ، يتجول بها اللصوص ومصاصي الدماء من كل مكان وعلى رأسهم أحفاد “سابور ذو الاكتاف” !

لم يكن تدخل إيران في الشأن السوري مجرد صدفة أو أنه حدث بين يوم وليلة ، بل سبقتها خطوات كثيرة تحت سمع وبصر العروبة البليدة ، لو نظرنا لحال (حي السيدة زينب جنوب دمشق) ومرتع المجرمين من حزب الله ومليشيات إيران والعراق لوجدنا أن التغول الإيراني خرج من هذا الحي ، البداية كانت بشراء العقارات بأثمان غالية من أصحابها ثم التوسع ببناء الحسينيات ونشر التشيع بشكل مريب وأصبح الحي خليطا من اللاجئين الشيعة من العراق ولبنان وعائلات إيرانية .

وهذا ما فعلته في جنوب لبنان وجنوب العراق وتفعله في اليمن حاليا ، وهو غرس إسفين حرب جاهزة عند الحاجة ، ولا أعلم ما هو سر إيران والضواحي الجنوبية ! تبدأ جنوب الدول ثم تتوسع كما فعلت في لبنان وسوريا والعراق!

ثم يأتي الدور الإسرائيلي وحرصه الشديد على بقاء حارس أمين لحدوده ولن تجد أخلص من عائلة آل الأسد وحزب الله لحراسة بواباتها الحدودية ، لذلك كل الحلول في سوريا معقدة وغامضة وتدور في حلقة مفرغة ومفزعة جدا ، وبالرغم من كل هذه القتامة والسوداوية في المشهد السوري؛ إلا أنه لن يستمر طويلا بإذن الله إن عادت للعروبة قوتها ووحدت صفوفها؛ ليس بالضرورة أن نفتح عدة جبهات للحروب بل أن نغلق ما فتح منها قدر الإمكان ونبحث عن حلول مختلفة بعيدة عن إنعاش سوق الأسلحة.

  • السيناريوهات المستقبلية بشأن الوضع في سوريا

أشار د. علي الحارثي إلى أن الاستراتيجية الغربية بقيادة أمريكا هي تفتيت المنطقة بأسرها وهو معلن وليس سراً أو مفاجأة لحماية ربيبتها إسرائيل وتوطئةً لتوسعها ولحربها الاستراتيجية الصليبية علي الإسلام السني الذي وضعته كأحد استراتيجياتها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ١٩٨٩. وقد تكون هي من رغبت في دخول روسيا في أتون القضية لتنفي عن نفسها أنها صاحبة الحرب الحقيقية ، ووجدت الدب الروسي والثور الفارسي من يقوم بذلك نيابة عنها ولأسباب أخرى لا زالت غامضة ، و معالمها تخليها عن دعم المعارض وحضر السلاح عليها ، والدب والثور وجدا فرصةً سانحةً ليعززا تواجدهما لاقتسام جزء من الكيكة ، والسكوت من الغرب عن هذا التدمير لا يمثل إلا الوجه القبيح الحقيقي لكلا الثلاث المعسكرات : الغرب ، روسيا ، وإيران على العرب والمسلمين السنة . نعم الدور قادم علينا وعلى تركيا ومن ورائنا بقية الدول العربية ، وإلا ما معنى هذا الهجوم الإعلامي السياسي الشرس علينا وعلى تركيا من الشرق والغرب وشيء من المدح على مصر؟

إذا لم تسارع دول الخليج وتركيا ومصر وباكستان لتثبيت وتعزيز الاتحاد الإسلامي بصدق وإخلاص ودعم لوجستي عسكري وسياسي لتقتنع بقية الدول الإسلامية بالانضمام للاتحاد وإشعار الآخر بقوة الاتحاد وحمايته مما يُراد له من التفتيت ، فإن أوراقنا ودولنا ستتساقط الواحدة تلوي الأخرى لا محالة كأوراق الخريف، إلا أن يشاء الله غير ذلك.

ويرى م. سالم المري أن من المهم استعادة مصر من مسارها الحالي ، وإقناعها بالسعي مع الدول الخليجية لتحقيق استراتيجية بإمكانها إحداث تغيير معتبر في مجريات الأمور في سوريا والعراق.

إن أحد المخارج من الوضع والضغط على الحكومة السورية وحتى الحكومة العراقية الحاليتين هو تكوين جبهة مقبولة من الطوائف المختلفة من رموز النضال القومي في سوريا والعراق والأسماء ذات السمعة المعقولة من البعثيين القدماء ودفعهم للواجهة.

وأشار د. مساعد المحيا إلى أن ما لفت نظره في الورقة الرئيسة والتعقيبات التالية، هو غياب موقف المملكة تجاه ما يجري في سوريا ..

حين نتذكر بعض ما كان ينشر أو يقال حول بعض الدعم لجهات معينة في سوريا إبان فترة الأمير بندر بن سلطان وماذا أنتجت تلك المرحلة ..أو حتى الموقف الرسمي من خلال كلمات الملك عبد الله بشأن سوريا حيث كانت بعض كلماته تمثل موقفا من النظام  من مثل  قوله إن الرئيس السوري بشار الأسد “دمر بلاده” وتسبب في قدوم “المتطرفين” إليها.

تلا ذلك موقف المملكة الذي طرأ عليه بعض التغير بعد تغير كثير من الأوضاع على الأرض السورية بدءا بتصريحات سعود الفيصل ثم مواقف وزير الخارجية الجبير والذي أصبح يهدد النظام بأنه سيزول بالقوة ..

هذه المواقف وما تلاها من تبني اجتماعات المعارضة تكشف عن موقف سياسي حازم تجاه ما سيجري في سوريا ..

لكن كل هذه المواقف يصعب اليوم أن نعرف كنهها على وجه التحديد لاسيما في ضوء بعض الأخبار التي تبدو متناقضة أو هكذا تبدو للمراقب والمتابع ..

لكن الخلاصة أن النخب تحتاج فعلا للمعلومة التي تبني عليها تصورها إزاء موقف المملكة تجاه ما يجري وما سيجري.

وقال م. أسامة كردي: ما أشبه اليوم بالأمس .. لا بد من مقارنة الحرب في سوريا مع الحرب الأهلية في لبنان، و بالتالي لابد من ترك القوى المتصارعة هناك إلى أن تصبح مستنزفة بما فيه الكفاية لتقرر أن الحل السلمي هو الطريق .. الطرف الوحيد الذي أجج الصراع لأهدافه الخاصة و الذي مستعد للاستمرار أكثر من ١٥ عاما (مدة الحرب اللبنانية) هو أيران .. و قد يساعد استمرار انخفاض أسعار النفط في تغيير الموقف الإيراني.

المهم هنا أن لا يتطور الدور السعودي أكثر من وضعه الحالي بما يزيد الالتزامات المالية في وقت غير مناسب لنا و نحن مشغولين بتطوير اقتصادنا و تحقيق رؤية ٢٠٣٠.

من الواضح أن الناتو ( و ليس الولايات المتحدة ) قد اقتنع بخطورة الموقف الروسي و أبعاده في العالم و في منطقتنا .. الناتو الآن يدرس توسيع تواجده في أوربا الشرقية بعد أن تم توسيع ( المظلة الصاروخية ) لتشمل بولندا و رومانيا .. لابد لهذا أن يؤثر على الموقف الروسي و الموقف الغربي في سوريا.

أما روسيا فقد وجدت في سوريا فرصة العودة إلى أمجاد الاتحاد السوفيتي و قد فتح شهيتها انتصارها في القرم و في شرق أوكرانيا .. و لعل وضعها الاقتصادي المتردي بانخفاض أسعار النفط أو ارتفاع مستوى اهتمامها بجمهوريات البلطيق يشغلها عن سوريا في المدي المتوسط.

أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة فقد أصبح واضحا أنها ترى عدم أهمية الشرق الأوسط على حساب شرق آسيا .. مع العلم أن مستوى نجاح أوباما في شرق آسيا كان أقل من ما توقع هو في ضوء شكوك دول المنطقة من الأهداف الأمريكية .. حتى استقباله في كوبا كان أقل من توقعاته .. هذه الأمور قد تجعل الرئيس الأمريكي القادم يتخلى عن ( عقيدة أوباما ) و يرفع مستوى الاهتمام بمنطقتنا و بالذات بالأزمة في سوريا.

فإذا .. لابد من لعب كرت الوقت بطريق تحقق لنا توقعاتنا.

ويرى م. حسام بحيري أن بشار الأسد مفلس ليس عنده أي شيء يقدمه حتى حلفائه فقدو الثقة به. ومن ثم لابد من ظهور قوى سياسية جديده وليست محسوبة على التيارات البعثية أو الحركات الإسلامية ويكون لها ذراع عسكري قوي لفرض السلام في سوريا وبدعم من الحلفاء. الروس والإيرانيين أوضحوا أن مساندتهم للأسد لن تطول للأبد. مهم ظهور هذه الحركة الجديدة ولكن من الأسماء التي ممكن أن يكون لها مصداقية بين مختلف طوائف الشعب السوري ؟ الحركات الإسلامية الحالية لن يتقبلها الشعب السوري خصوصا الأغلبية السنية والتي عاشت لعقود طويلة تحت نظام علماني حيد الدين عن السياسة. لابد من ظهور هذه الحركة السياسية الجديدة على الساحة السورية وكسبها مصداقية الدول الإقليمية والأجنبية هي التي ستشكل حكومة المرحلة الانتقالية إلى أن تستقر أوضاع البلاد.

وتساءل د. ناصر القعود: أليس دعم المعارضة المعتدلة وتشجيعها على التفاوض نوعا من التفاوض مع النظام وأدى ولو لفترة محدودة وجزئية إلى وقف القتال؛ وبالتالي لا حاجة للمملكة للتفاوض مباشرة مع النظام.

ومن جانبه أكد أ. عبدالرحمن الطريري على اختلافه مع من يَرَوْن القرار بشأن التواصل مع بشار أو إيجاد حل سياسي معه، حيث يرى أن هذا أمر تجاوزه التاريخ ، كما أن المملكة سعت لإقناعه بالتعقل مع بدء مظاهرات درعا وأرسلت عدة شخصيات منها الأمير عبدالعزيز بن عبدالله ، ولكن تركيبة النظام لم تطرح إلا الحلول الأمنية .. ومع هذا تعاملت السعودية ببراجماتية حول بقاء المؤسسات حتى لا يكون الحال أشبه بالعراق ، وقبلت أيضا التواصل مع مملوك وشخصيات أخرى من النظام للسعي للخروج بحل سياسي حتى لو شارك فيه عناصر من النظام.

وأوضح د. خالد الرديعان أننا لسنا في حرب مواجهة مع النظام السوري حتى نقول أن التفاوض معه هزيمة.. ما تم الإشارة إليه هو ضرورة إيقاف المذابح فهناك مدن تدمر فوق رؤوس أصحابها وبالتالي يلزم عمل كل ما هو ممكن لإيقاف سلسلة المذابح.. السياسة لها عدة أبواب سرية وعلنية فلماذا الامتناع عن المحاولة؟

ومن جديد أوضح أ. عبدالرحمن الطريري أننا بالفعل لسنا في حرب ضد النظام بأنفسنا، لكن قدرنا أن نكون المحارب الوحيد ضد النظام ديبلوماسيا وسياسيا وعلى مختلف الجبهات، أما لو كان الحوار معه سبيل لإيقاف الدمار لكان أول من يدعو له ، لكن النظام لا يفهم إلا الحلول الأمنية ناهيك عن خروج قرار النظام من قبضته.

المحور الرابع

العقوبات البديلة للسجن

إلي أعلي

الورقة الرئيسة: د. علي الحارثي

المفهوم :-

ارتبط مفهوم بدائل عقوبة السجن بالسياسة الجنائية وتاريخها وتشريعاتها وقوانينها وتطوراتها حسبما تقتضيه ظروف كل مجتمع الزمانية والمكانية. ولها تعاريف عديدة نستخلص منها الآتي:

  • يقصد بها العقوبات أو التدابير الأخرى التي تكفل صيانة شخصية الجاني من الآثار السلبية للسجن .
  • مجموعة من التدابير التي تحل محل عقوبة السجن وتعمل على تطبيق سياسة منع الجريمة .

التشريع :

جرائم التعازير في الشريعة الإسلامية غير محددة بنص شرعي كما هي جرائم الحدود والقصاص ومتروكة لاجتهادات القاضي ، تبدأ بالتوجيه والتوبيخ وتنتهي بالقتل سياسةً لا حداً، والتشريع الجنائي يشتمل على قواعد أصولية فقهية وأحكام تطبيقية منذ فجر الإسلام تعزز الأخذ بأي عقوبة يراها القاضي ملائمةً لظروف الجاني والمجني عليه وظروف الواقعة ، ومنها عقوبة السجن التي هي في الأصل ليست عقوبة أصلية. وكل القوانين الجنائية تنادي وتشرع ببدائل عقوبة السجن ،. والأمم المتحدة في مؤتمرها السادس للوقاية من الجريمة ١٩٨٠ والمؤتمر السابع ١٩٨٥ اعتمدت التوصيات بالعمل على نشر التدابير البديلة لعقوبة السجن في العالم وإدخالها ضمن التشريعات الجزائية وتأهيل أجهزة العدالة الجنائية لفهمها وتطبيقها. وفي العام ١٤٢١ وافق مجلس التعاون الخليجي على مشروع وثيقة الرياض للقواعد الموحدة لبدائل السجن أثناء التحقيق وأثناء المحاكمة وأثناء تنفيذ عقوبة السجن .

الأسباب لهذه البدائل :-

أسفرت الدراسات الجزائية إلى وجوب تجنيب المذنب دخول السجن والحكم عليه بعقوبة بديلةٍ حتى لا يتعرض لآثار سلبيةٍ كبيرةٍ وكثيرة ، خاصةً لمن أحكامهم قصيره ( سنه فأقل )، منها ، تعطيل الطاقات والمهارات والخبرات الإنتاجية للشخص ، والتفكك الأُسَري ، واكتساب ثقافة السجن السفلية ، وزيادة إعداد البطالة المنحرفة ، والرغبة في الانتقام من المجتمع نتيجةً لشعوره بالظلم ، والفصل من العمل ، ووصمة العار التي تلحق به وبأسرته وما تسببه لهم من آثار نفسيةٍ سيئة ، والأضرار الصحية والأخلاقية ، والاتكالية وعدم الشعور بالمسؤولية ، وانعدام قوة الردع بعقوبة السجن ، وازدحام السجون وتعطل برامج الإصلاح والتأهيل والتكاليف المادية علي الدولة والمجتمع ، وغيرها من الآثار الاجتماعية والقانونية والجنائية ، كل ذلك يقابل جزاءً جنائياً تعسفياً ضخماً إذا ما قورن بنوع المخالفة التي اقترفها والمعاقب عليها بسجن قصير المدة .

أنواع العقوبات البديلة:

البدائل كما بحثها علماء وفقهاء السياسة الجنائية والاجتماع وعلماء النفس والقانونيون هي لمعالجة المخالفين المبتدئين وذوي الصدفة في الإجرام والأحداث ومن في حكمهم ، وفي القضايا البسيطة ( الجنح والمخالفات ) والذين تصل نسبتهم حسب بعض الدراسات والإحصائيات في بعض الدول العربية إلى أكثر من ٥٠ في المائة ، ومن هذه العقوبات :-

  • العقوبات ذات الطابع المادي مثل ( الغرامة، المصادرة، إغلاق المحلات، سحب التراخيص .
  • وقف النطق والإفصاح بالعقوبة كماً ونوعاً تسجل عليه لمدةٍ محددة .
  • النطق بالعقوبة مع وقف التنفيذ وهو من أشهرها .
  • الاختبار القضائي قبل صدور الحكم بالإدانة وهو قليل ، وبعد الإدانة والحكم وهو أفضل من وقف التنفيذ مع أهمية الاثنين .
  • التوبيخ القضائي وهو أشد جسامةً معنوياً من النصح والإنذار والوعظ وإن كان يعد من أخف العقوبات .
  • الجلد وهو أوسعها تطبيقاً ومبالغة مجحفة .
  • نشر الحكم في وسائل الإعلام للتشهير كجرائم الغش التجاري والتزوير وتزييف العملة وغيرها.
  • الصلح والإصلاح في كل المراحل .
  • السوار الإلكتروني بأنواعه المختلفة .
  • تعويق وتقييد الحرية كعدم الخروج من المنزل أو الحي أو المدينة أو المنع من السفر أو النفي والتغريب .
  • الحرمان من المزايا والخدمات والحقوق الشخصية .
  • عقوبات العمل لمصلحة المجتمع وهي من أهم العقوبات وأوسعها تطبيقاً وأكثرها فعالية وإن لم تطبق في المملكة ، ومنها :- خدمة المعاقين والمسنين والأيتام ،، خدمة الجمعيات الخيرية ونشاطاتها المختلفة ،، خدمة بعض المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص كنظافة المساجد والحدائق والطرقات ونظافة الشواطئ والمنتزهات والدور العامة والعمل في بعض الأعمال الإدارية ،، الالتحاق بمراحل تعليمية ودورات تدريبية وحلقات تحفيظ القرآن والسنة وغيرها من أفرع العلم والمعرفة ،، وغرس الأشجار ، وترميم الآثار وبعض الأعمال التطوعية ، وغيرها كثير .

تلك البدائل لها وعليها كنتائج لمدى فاعليتها باختلاف أنماط الجناة والقضايا واجتهادات القضاة وفاعلية التطبيق من قبل الأجهزة المعنية والقبول النفسي والاجتماعي من قبل المحكوم عليه بالبديل ، وعلى القضاة مراعاة ذلك عند اختيار العقوبة . أحد القضاة حكم على جاني بغسيل سيارات وحدة أمن في إحدى المناطق لمدة أسبوع  لتهجمه على رجال الأمن قام به أول يوم فرفض التنفيذ وطلب السجن لتندر أفراد الوحدة عليه ، وآخر حكم عليه القاضي بحفر ١٠ قبور لمحاولته قتل خاله فرفض التنفيذ لأن السجن كما قال للرجال في عرف المجتمع .

تطبيق البدائل في المملكة:

لا نظام ولا لوائح ولا الزام بتطبيقها ولا بمنع تطبيقها، وإنما الأمر متروك لمن يرغب من رجال العدالة في تطبيق ما يراه حسب هواه ورغبته ومعرفته ، وهنا تكمن الإشكالية . رغم عقد كثير من ندوات ومؤتمرات بدائل السجن منذ أكثر من عشرين عاماً ومن قبل الجهات المعنية والمختصة (( وزارة العدل ، السجون ، هيئة حقوق الإنسان جمعية حقوق الإنسان  ، اللجنة الوطنية لرعاية السجناء وأسرهم والمفرج عنهم ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، بالإضافة إلى الرسائل الجامعية والكتب والأبحاث من بعض مراكز الأبحاث والمقالات واللقاءات الصحفية وغيرها وجميعها أوصت وحثت على وجوب الأخذ ببدائل السجن ،،، وفي هذا الخصوص وافق المجلس الأعلى للسجون ١٤٢٨ الذي يضم اثنا عشر وزيراً برئاسة وزير الداخلية وعضوية وزير العدل ورئيس هيئة التحقيق والادعاء العام على ما صدر من توصيات ندوتي بدائل السجن التي أقامتها السجون وشكلت لجنة من جهات عدليةٍ وجنائيةٍ وأمنيةٍ ومركز أبحاث الجريمة لإعداد لائحة أو دليل استرشادي وتوقف الموضوع بعد سنوات لتبني وزارة العدل إعداد ذلك، وقبل هذا السياق صدر الأمر السامي في ١٩/ ٣ / ١٤٣٠ لوزيري الداخلية والعدل بتشجيع الأخذ ببدائل السجن المالية والبدنية والاجتماعية  والتدابير المقيدة للحرية وَمِمَّا يمكن تطبيقه أثناء التحقيق وأثناء المحاكمة وأثناء تنفيذ عقوبة السجن . ولكن التطبيق لا يكاد يذكر أو يعرف أو يمارس أو يُهتم به سواءٌ من رجال العدالة أو المجتمع أو الجهات التي يوكل لها التطبيق .

بقي أن أشير إلى أن السجون تنفذ كثيراً من بدائل السجن بعد دخول السجين السجن ولكل المدد ، ومنها العفو العام والإفراج الصحي ، وإسقاط جزء من العقوبة إذا اجتاز مرحلة دراسية أو دورة تدريبية أو حفظ القرآن أو بعض أجزائه أو حفظ شيء من السنة أو لمن يشهد له بحسن السيرة والسلوك يسقط عنه ربع المدة والشهرين للأحكام أقل من سنة ، وُجد أن غالبية من يستفيد من ذلك يعود للجريمة إلا من حفظ القرآن كاملاً . وكل ذلك وفق نظام السجن ولائحته. لكن ذلك لا يعني شيئاً كثيراً لإصلاح السجين عندما يخطو عتبة السجن وتزول الرهبة ويكتسب السلوك السلبي . وما تفعله السجون ، إنما هو للتخفيف من التكدس .

ها نحن وبعد هذه المسيرة الطويلة التي لم تسفر عن شيء يذكر، نطرح القضية لمنتدى أسبار المبارك ، لمحاولة إيجاد حلول لتقنين ذلك والإلزام به ، وللأخذ ببدائل السجن من قبل جميع رجال العدالة وليس لمن يرغب وهم أقل من أقل القليل وفي أضيق نطاق، وبالذات أثناء التحقيق وأثناء المحاكمة حتى لا يدخل الجاني السجن ، فهل إلى الخروج من سبيل ؟،. وبالله التوفيق.

التعقيب الأول: د. عائشة حجازي

السجين جزء من المجتمع ، وعزله عن المجتمع يكون بسبب موقف معين حركت في السجين كوامن النفس الأمارة بالسوء ودفعته إلى فعل سيء من الأفعال فأستحق بناء على ذلك عقوبة السجن.

وقد يكون السجن لأسباب أخرى غير الإقدام على فعل شيء فقضايا الحياة ومشكلاتها كبيرة وجوانب الاختلاف فيها والخصومة متعددة.

وقد تطرق كثير من الباحثين للآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية لعقوبة السجن على السجين نفسه وعلى أسرته ومجتمعه .

ولذلك قامت عدة دول بمحاولات لإيجاد بدائل متنوعة لمعاقبة المخطئ بديلا عن السجن وتقليلا من آثاره السلبية التي منها أن يخرج السجين مجرما وليس مواطنا صالحا.

ومن الطبيعي أن يكون للسجن بديل يقوم مقامة ويحقق غايته على ألا يكون في البديل ضرر أكبر من ضرر السجن.

ففي دراسة سعودية حول آراء القضاة والضباط واختصاصيين اجتماعيين حول البدائل الاجتماعية للعقوبات السالبة للحرية كشف عن اعتقاد52%من القضاة بأن السجن أفضل وسيلة لمعاقبة المخالفين ويتفق عدد من الضباط مع القضاة بنسبة 42% في حين أن 71%من الاخصائيين الاجتماعيين يعارضون السجن كوسيلة لعقاب المخالفين .

ويحتل الجلد البديل الأول المفضل لدى القضاة وفي الدرجة الثانية المصادرة ثم الغرامة وبعدها التعويض .كما يحتل بديل مراقبة الشرطة والحبس المنزلي الدرجة الأخيرة من البدائل التي يرى القضاة تطبيقها .

وتقاربت آراء الضباط مع القضاة على أنه يجب ألا يحال الشخص إلى السجن إلا في الجرائم الكبيرة خاصة في ظل ازدياد أعداد السجناء في السجون.

وهنا لابد أيضا من ذكر أنه وجدت عقوبات قد يحكم بها القاضي هي بديلة عن السجن ولكنها ذات طابع تعبدي لا يجوز أن تكون محلا للمعاقبة والتأديب كالحكم بحفظ قدر من القرآن الكريم أو أحاديث من السنة النبوية أو المكوث في دور العبادة الأمر الذي من شأنه أن يثير الكره والنفور من العبادات التي شرعها الله للقربة والسعادة والأنس به سبحانه.

ذكر د. علي الحارثي أن السجون تقوم ببعض العقوبات البديلة وهذا أمر حسن ، وما نزال نحتاج عمل أكبر وتنظيم أكبر لنصل لنتائج أفضل.

ولذلك لابد من مراعاة ضابطين في ايجاد البدائل المناسبة عن عقوبة السجن وهي المشروعية والواقعية فهناك بعض البدائل يصعب تطبيقها في الواقع وإن كانت مناسبة شرعا ومؤدية للتأديب المأمول.

وقبل تقديم مقترح لبدائل السجن لابد أن نطرح على أنفسنا عدد من الأسئلة والإجابة عليها ومنها:

  • لماذا يذهب الناس للسجن؟
  • هل واقع عقوبة السجن في المملكة يجبرنا على البحث عن بدائل عقابية حتى نستغني عنها أو بمعنى آخر هل عقوبة السجن من السوء حتى يجب أن يكون لها بدائل؟
  • لماذا لانصلح أحوال السجون وإذا لم نستطع حينها علينا أن نبحث عن بدائل؟
  • وأخيرا ماهي البدائل وهل يمكن تفعيلها على أرض الواقع وتسخير كل الامكانيات البشرية والمادية التي قد تكون ضخمة لتنفيذها؟

الاجابة على تلك الاسئلة وغيرها بداية سيقدم العديد من الحلول والبدائل المتاحة والممكنة والتي منها:-

  • العقوبات المالية كالغرامات أو الاستقطاع من الراتب الشهري أو الحرمان من العلاوات.
  • الضرب العلني المتكرر دون السجن.
  • فرض الإقامة الجبرية في المنزل أو الحي.
  • نقل الوظيفة أو السكن إلى مكان آخر في البلاد.
  • الانضمام لإحدى المصانع أو المؤسسات ذات الطابع الحرفي المهني لتعلم المهارات وتأدية الأعمال الحرفية .
  • الحكم بالعمل لدى الجمعيات والمؤسسات التطوعية لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة أو الفقراء وغيرهم.
  • السجن المتقطع على فترات.
  • البدائل ذات الطابع والتأثير النفسي كالوعظ ، التوبيخ، التهديد، الهجر والمقاطعة، التشهير.

وختاما يجب أن يكون في هذه البدائل والعقوبات مصلحة للمجتمع كما أن تكون فيها مصلحة نفسية وأخلاقية واجتماعية واقتصادية للفرد والمجتمع على حد سواء واستثمار طاقته لكسب خبرات لحياته في مجالات متعددة تجنبه العودة للسجن. فالمطلوب هو الإصلاح ومعاقبة المخطئ عن خطئه وليس دفعه إلى خطأ أكبر.

التعقيب الثاني: د. حسين الحكمي

للعقوبات أهمية كبيرة في ضبط وتعديل السلوك البشري ، وهناك أسلوبين شائعين لتعديل السلوك وهما الثواب والعقاب. ولأن موضوعنا هنا عن عقوبات بديلة للسجن فإننا نتحدث عن عقوبات تؤتي أكلها وتؤثر على شخصية المراد معاقبته وتعديل سلوكه عوضا عن زجه في السجن لعدد من السنوات .

السجن أحد الأساليب الشهيرة للعقوبة ، والهدف منه معاقبة الشخص وتعديل سلوكه ، فهو يهدف للإصلاح بالدرجة الأولى من خلال إيقاع عقوبة عزل الشخص عن مجتمعه وحرمانه من عدد من المميزات المتعلقة بحريته التي استخدمها بشكل غير سوي. ومن أشهر العقوبات في الشريعة الإسلامية السجن والجلد والقصاص ، وهي عقوبات قد يكون منصوصا عليها وواجب العمل بها في بعض العقوبات كالحدود مثلا. هناك أيضا انحرافات سلوكية تستحق العقاب يمكن أن تقر المحكمة على الجاني أي نوع من العقوبات بحيث لا تخالف نصا شرعيا. هذه الانحرافات السلوكية يمكن أن يطبق عليها أنواع مختلفة من العقاب عدا السجن وبقية العقوبات التقليدية المتعارف عليها. المغزى من هذه العقوبات هو أن تؤدب صاحب السلوك المنحرف وتصلح من سلوكه وتوقع عليه عقابا لا يسلب حريته فقط بل إنه يعود بالنفع على المجتمع والفرد.

للسجون والإصلاحيات سلبياتها المشهورة والمعروفة وقد تطرق لها د. علي ، مثل التقاء الشخص بعدد من أصحاب السوابق والمجرمين الذين لا ينفع معهم النصح والارشاد والتوجيه وأساليب تعديل السلوك البديلة ولا بد من وضعهم في السجن لمنع أذاهم . مثل هؤلاء يؤثرون على من حولهم بالسلب ، ولذلك فالعقوبات البديلة تساعد على اختلاط من يمكن إصلاحهم وتعديل سلوكهم بمثل هذه الفئة .

مما لفت انتباهي في ورقة الدكتور علي حجم العمل الكبير حول هذا الموضوع من المختصين ومنذ زمن ليس بالقريب ومع ذلك لم يتم البت فيه بشكل واضح وصريح !

من منافع العقوبات البديلة أنها تساعد على تعليم الشخص مهارات جديدة ومعارف جديدة ويمكن أن تساعده في الحصول على مصدر دخل ومهنة مناسبة له . كما تفيد العقوبات البديلة في توفير أموال على الدولة لأن من يتم سجنهم يكلفون الدولة مبالغ جراء سجن الشخص المنحرف سلوكيا.

العقوبات البديلة عادة تحل محل عقوبة متعارف عليها ومعمول بها كالسجن مثلا ، لكن القاضي يحكم بالعقوبة البديلة عندما يرى أن هذه العقوبة ستحقق الهدف وتصل لمنفعة أكبر على الشخص والمجتمع .

عندما يتم الزج بشاب في السجن بسبب سلوك منحرف بسيط يستحق عليه العقاب فإننا كمجتمع بهذا الشكل قد نكون ألقينا به إلى التهلكة وأضرينا بها وبالمجتمع بعد أن يخرج لأن السجن سيكون له انعكاسات سلبية على شخصيته ونفسيته وسلوكه جراء الخبرة التي تعلمها فترة كونه في السجن .

السجن عبارة عن عقاب سلبي يهدف للحد من حرية الشخص في حدود معينة ، أما العقوبات البديلة فهي عقوبات إيجابية تعود بالنفع على الشخص ومجتمعه . فعندما يخطئ شاب ويرى القاضي أنه يستحق السجن بناء على معطيات القضية لعدد من الأشهر فإن السجن لن يعود بمنفعة على المجتمع ، لكن تكليف هذا الشاب بأعمال تخدم المجتمع وإلحاقه بدورات تدريبية مرتبطة بالسلوك المنحرف الذي قام به فإنه بذلك يكون قد استفاد على المستوى الشخصي ويكون مجتمعه استفاد من الخدمات المجتمعية التي قام بها .

الخدمات البديلة قد تكون نوع من العمل المجتمعي لكنه بدون أجر فيقوم الشخص بعمل أعمال كان يفترض أن يحصل الشخص على مقابل مادي عنها ، لكن في هذه الحالة يقوم الشخص بالعمل والعقوبة تكون عدم حصوله على العائد المادي. مثل هذه الأعمال يمكن من خلالها أن يتعلم الفرد ما ينفعه وأسرته ومجتمعه مستقبلا وربما كانت هي وظيفته مستقبلا بعد انتهاء العقوبة.

هنالك مجالات عدة للعقوبات البديلة ، منها أن ترتبط العقوبة بمجال المخالفة السلوكية التي قام بها الشخص ، أو من خلال تقديم مساعدات اجتماعية في المستشفيات والمدارس ودور الرعاية الاجتماعية ، أو بالقيام بأدوار مساعدة للقائمين بخدمات اجتماعية ميدانية فيها نوع من الجهد والبذل وخدمة المجتمع كالإسعاف والطوارئ والمرور.

إقرار العقوبات البديلة لا ينفع مع كل الانحرافات السلوكية والجرائم كما أنه لا يؤتي أكله مع كل الأشخاص بنفس المستوى . لذى من المهم أن يكون للأخصائيين الاجتماعيين الدارسين لتخصص الخدمة الاجتماعية وتخصص علم النفس دور في العقوبات البديلة . فيقوم القاضي بعرض الشخص المنحرف سلوكيا على الأخصائي الاجتماعي والأخصائي النفسي للاستئناس بآرائهم التخصصية ومدى ملائمة العقوبات البديلة للشخص المحكوم .

في الختام فإن العقوبات البديلة لها من يعارضها ويرى أن الشخص صاحب السلوك المنحرف والمجرم لا بد أن يحصل على عقاب يوقع به الضرر ، كالسجن الذي يحد من حريته ، أو الجلد الذي يؤلم الجسد ، أو الأخذ من ماله كغرامة . وهذا الفكر موجود في كل المجتمعات وليس لدينا فقط. هنا علينا أن نفرق بين الانحرافات السلوكية ونوعها وتعديها والعقوبة المناسبة له ، وكذلك شخصية الشخص ذو السلوك المنحرف وظرفه الشخصية والبيئية .

التعقيب الثالث: د. خالد الرديعان

نعلم جميعا أن دخول السجن مهما قيل عنه يظل “وصمة عار” وليس كما يقال “أن السجن للرجال” ؛ فهذه حيلة نفسية يلجأ إليها معتادو دخول السجون لتبرير أخطاءهم.

معظم البحوث الاجتماعية التي تناولت عقوبة السجن أكدت على أن وصمة السجن stigma التي تلحق بالسجين تعد أحد الأسباب الرئيسية التي تجعله يعود للسجن مرة أخرى؛ فجزء كبير من أرباب السوابق يشعرون بهوان الذات والدونية والرفض المجتمعي ما يدفعهم غالبا للقيام بسلوكيات منحرفة تعيدهم للسجن مرة أخرى.

ومن النظريات الشهيرة بالموضوع ما يسمى “بنظرية الاختلاط التفاضلي” لادوين ساثرلاند والتي تقول أن الفرد باختلاطه مع المجرمين والمنحرفين فإنه سيتبنى مواقفهم وتبريراتهم للجريمة؛ ومن ثم قد يرتكب الجريمة والعودة للسجن حيث يخالط مرة أخرى عتاة المجرمين الذين كثيرا ما برروا سلوكهم.. ولعل أشهر ما سمعت في هذا الباب قول أحد المساجين المفرج عنهم: “هناك غيري ممن قام بسلوك منحرف لكنه لم يقع في قبضة العدالة؛ فأنا لست الوحيد؛ هناك من يشربون الخمر ومن يزنون ومن يسرقون المال العام لكنهم لم يقعوا كما وقعت!!!”. ويكرر بعض المساجين هذه العبارة لتبرير ما قاموا به دون أن يظهر عليهم ما يشير إلى ندمهم تجاه ما سجنوا من أجله.

وبناء على نظريتي “الوصم الاجتماعي والاختلاط التفاضلي”  فإن العقوبات البديلة للسجن تظل ملحة للغاية وذلك للتخلص من قضية “الوصم” التي تلاحق المفرج عنهم من جهة، ومن جهة أخرى للحد من اختلاط صغار المنحرفين- ممن يؤمل عودتهم للسلوك القويم – مع عتاة المجرمين.

لقد تبين لنا من دراسة حديثة أنجزها مركز أسبار أن نحو ٦٥٪‏ من القابعين في السجون هم من فئة الشباب الذين تقع أعمارهم بين ١٩ إلى ٣٠ سنة، وهي فئة يجدر بنا العناية بها والحد من دخولها السجن بكل السبل الممكنة حتى لا يعتادوا حياة السجن وما ينتج عنها من مآسي تنعكس على السجين والمحيطين به والمجتمع برمته. هذا لا يعني عدم معاقبتهم ولكن يلزم ضرورة النظر فيما ارتكبوه من سلوكيات منحرفة؛ فبعضها ليست بذات الخطورة التي تستوجب حجزه في السجن لعدة أشهر وربما لعدة سنوات.

كما أنه لا يخفى على العارفين أن سجوننا مكتظة فهي تضم بين جنباتها نحوا من ٥٠ الف سجين وسجينه ٧٪‏ منهم إناث وبعضهن بجنح ومخالفات يمكن تطبيق بدائل السجن عليها لحماية أسرهن من الوصم وحفاظا على حياتهن الأسرية من التصدع والطلاق وضياع الأبناء.

لقد اطلعت عن كثب على حالات لنساء تم إيداعهن السجن لخطأ ما لكنهن تعرضن للنبذ من قبل أسرهن والمحيطين بهن؛ بل إن بعضهن ومنهن صغيرات تم إيداعهن بدور رعاية الفتيات بعد عقوبة السجن وذلك لسنوات طويلة بسبب رفضهن من قبل أسرهن لحساسية تتعلق بجرائم المرأة التي كثيرا ما يتم ربطها بشرف وعرض الأسرة وهو ما لا ينطبق على الرجل.

وأني أضم صوتي لصوت د. علي في ايجاد بدائل مناسبة لعقوبة السجن؛ كخدمة المجتمع، والسوار الالكتروني، والمنع من السفر، وحجب بعض الخدمات، والسجن مع وقف التنفيذ، أو الغرامات المالية المرتفعة لبعض المخالفات التي يمكن تطبيق بدائل عقوبة السجن عليها.

هناك بالطبع جرائم من غير المناسب تطبيق بدائل السجن عليها لكن هذه الجرائم قد لا تشكل النسبة الأكبر. وبالمناسبة فإن أكثر الجرائم شيوعا في مجتمعنا ومن واقع الدراسات والاحصاءات هي ترويج المخدرات.

ولراغبي الزيادة عن بدائل السجن فإنني أحيل القارئ الكريم لدراسة أعدتها الزميلة د. نورة ناصر القحطاني عن بدائل السجن للنساء وكانت عبارة عن أطروحة دكتوراه أشرف عليها زميلنا الدكتور حميد الشايجي في جامعة الملك سعود. الدراسة غطت الموضوع من مختلف جوانبه وانتهت إلى مجموعة من التوصيات المفيدة.

أما من يريد معرفة تفاصيل عن حياة الفتيات المنبوذات من أسرهن ممن دخلن السجن لسبب ما، فإنني أحيله كذلك لدراسة ممتازة أعدتها الزميلة د. هند خالد العتيبي في هذا الموضوع حيث درست حياة ٧٠ فتاة في دار رعاية الفتيات التي تشرف عليها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية. الدراستان مودع منهما نسخ في مكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة الملك سلمان بجامعة الملك سعود.

بقي أن أشير إلى أن مصطلح “الاصلاحيات” هو المعمول به رسميا كمسمى بديل لمفردة “السجن” ما يؤكد أن حجز منتهكي ومنتهكات القانون ليس القصد منه سلب حريتهم كهدف رئيسي، ولكن لإصلاحهم ما أمكن وجعلهم أعضاء نافعين لمجتمعاتهم وهي السياسة التي تتبناها المملكة؛ إلا أن ضعف برامج التأهيل rehabilitation داخل الإصلاحيات ضعيفة للغاية ولا تفي بالغرض وذلك لعدة أسباب يمكن تناولها في مداخلة لاحقة.

وبالطبع فنحن بحاجة إلى “تقنين آخر” للمخالفات والانتهاكات التي تناسبها “بدائل عقوبة السجن” وخاصة ما تندرج تحت جرائم التعزير حتى يكون ذلك عرفا قابلا للتنفيذ ولمنع التجاوزات والشطط في بعض الأحكام القضائية التي قد تتم دون قصد بالطبع. ويؤخذ بالاعتبار جنس وعمر ومؤهلات وخبرات الجاني أو الجانية وسجله الجنائي لتكون العقوبة البديلة للسجن مفيدة للمجتمع ودافعا لإصلاح من تُطبق بحقهم.

المداخلات حول قضية: (العقوبات البديلة للسجن)

  • العقوبات البديلة للسجن: الواقع والإشكاليات

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن العقوبة عامة هي جزاء جراء ما اقترفه مذنب ما ، ومن يحدد طبيعة العقوبة ودرجة حدوثها هو القاضي المكلف ، ومعروف أن في الأزمنة الماضية كانت العقوبة التي بخلاف عقوبات جرائم الحدود والقصاص، هو السجن ، والسجن عقوبة اعتادت عليها البشرية منذ قرون طويلة .

وعند حدوث متغيرات اجتماعية واقتصادية في بيئات عديدة ، ولتغير نمط العلاقات المجتمعية، ظهرت الحاجة الملحة إلى السعي نحو إيجاد بدائل يرى البعض أن فيها من المنفعة للمجتمع قبل أن تكون منفعة مباشرة للمذنب نفسه، وهي حسب الواقع المعاش أضحت بدائل عقوبة السجن حاجة مجتمعية أكثر من أنها مزية أو تسهيل للمذنب ، ولكن لاتعد البدائل عامة حل جزئي أو حتى نهائي قبل أن نتعرف عن الأسباب التي أدت إلى اللجوء إلى هذا النمط العقابي الحديث، أما عن الأسباب الرئيسة التي أنتجت هذه الخاصية الجديدة من العقوبات فهي ما يلي :

  • محدودية مقرات السجون في بعض المناطق والمحافظات ، كما أن البعض من المحافظات لا تتوافر فيها مقرات للسجون.
  • امتلاء مقرات السجون بأعداد كبيرة من السجناء والتي تصل إلى أكثر من الطاقة الاستيعابية لكل وحدة أو عنبر .
  • المستوى الصحي المتواضع لبعض العنابر .
  • حدوث بعض من المشكلات التي تنجم من السجناء فيما بينهم ، فضلا عن عدم التوافق في الفئة العمرية والعقلية بين السجناء ، وكذا إشراك محترفي الإجرام مع مستجدي الإجرام.

ومسألة البدائل الحديثة لعقوبات السجن أو ما يسمى بحبس ( الحرية ) ، لم تأت في مجملها للأسباب المنوه عنها أعلاه فحسب إنما تلك الأسباب هي جزء من نتاج بدائل السجن .

وبدائل السجن لاشك أن في تطبيقها من لدن بعض القضاة يعد نهج أتى منه منافع لابأس بها وإن كانت عقوبات حديثة عهد بالمجتمع إنما تعد بداية لطريق يتأمل منه الجميع أن تكون بديل وشريك لعقوبات لابد أن ندرك أن منها ما يعد تعزيز من تقدير للإنسانية وتخفيف من توسيع دائرة وصم اجتماعي قد لا يفارق صاحبه عقود طويلة .

والبدائل التي تطبق حاليا وعلى سبيل المثال لا للحصر مثل ( نظافة المساجد أو المدن ، الخدمات الاجتماعية ، الأعمال التطوعية ، وغير ذلك من المناشط التي تفيد المحكوم عليه في حياته وتخفف عليه من وطأة وصمة اجتماعيا قد لا تفارقه ، وفي المقابل ينتفع المجتمع من إنتاجه أيضا ، لاشك أنه نهج قويم ونافع للمجتمع ، إلا أن السعي نحو تطوير هذه العقوبات أمر ملح لجعلها عقوبات تخدم المجتمع عامة وكذا تمثل رادع لعدم العود للجريمة وعقوبة مرضية للجميع.

وترى د. فوزية البكر أن من الواضح أن هناك اتفاق عام علي أهمية بدائل السجن المتنوعة التي تم الإشارة لها وتحديدا (لمعالجة المخالفين المبتدئين وذوي الصدفة في الإجرام والأحداث ومن في حكمهم ، وفي القضايا البسيطة (الجنح والمخالفات) والذين تصل نسبتهم حسب بعض الدراسات والإحصائيات في بعض الدول العربية إلى أكثر من ٥٠ في المائة ).

المجتمع الدولي والمحلي ومنذ الثمانينات ينادي بأهمية الأخذ بها لكن يبدو أن المشكلة تكمن وكما أشار د. الحارثي في (أن الأمر متروك للأخذ بالعقوبات البديلة للسجن لمن يرغب من رجال العدالة في تطبيق ما يراه حسب هواه ورغبته ومعرفته ، وهنا تكمن الإشكالية)، وهي فعلا إشكالية كبيرة أن لا يكون هناك خطوط واضحة وملزمة يتقيد بها رجال العدالة أياً كان موقعهم في ما يتعلق بنوع العقوبات التي يقررونها خاصة في الجنح البسيطة مما يعيدنا إلي مسألة تقنين الأحكام التي سبق لهذا المنتدي أن طرحها.

في حين أوضح د. عيسى الغيث أن الموضوع هو (بدائل السجن) – وليس (عقوبات بدائل السجن) لكونه يشمل جميع المراحل (التحقيق، الحكم، التنفيذ) وكل الجهات المختصة (القضاء، الحكومة “الداخلية وغيرها”) – من المهم طرحه وبيان حقيقته الشرعية والقانونية وواقعه التنفيذي وأثر ذلك على المسجون وأسرته ومجتمعه ودولته.

ويعتقد أن هذا الموضوع محسوم من حيث أهمية إقراره من السلطة التشريعية وتطبيقه من السلطة القضائية وتنفيذه من السلطة التنفيذية.

ولكن مشكلتنا في ثلاثة أمور :

  • إشغالنا حيث البحث والمناقشة لهذا الموضوع في الاجتماعات عن مسائل جدلية لا تنتهي ولا يمكن الاتفاق عليها وإنما بالتوافق حولها ومن ذلك الصراع حول المصطلح (البدائل) وهل يجوز أن تكون العقوبة عمل تعبدي أو حتى اجتماعي، في حين أنه بإمكاننا حسم الموضوع بمعالجات معقولة لهذه الإيرادات الجدلية، لاسيما أن السجن ليس عقوبة نبوية وإنما عمرية لضرورة سياسة شرعية لتحقيق مصلحة عامة، والعقوبة في الإسلام هي الجلد (المعقول والمرشد وليس المبالغ فيه) لأن فيه زجر له وردع لغيره حين إشهار التنفيذ مشاهدة وإعلاناً والذين غاب للأسف في هذا الوقت مما قلل من أثره في الزجر لصاحبه والردع لمشاهده ومن بلغهم خبره.
  • منذ سنوات ومشروع بدائل السجن لدى هيئة الخبراء حيث تم رفعه من وزارة العدل ولا يزال حبيس الأدراج، ولذا فالإرادة السياسية هي الحل لكل مشاكلنا، والدليل كنموذج حسم موضوع رسوم الأراضي خلال شهر من المجالس الثلاثة الاقتصادي والوزراء والشورى.
  • الحكم ببدائل السجن حتى الآن هو جوازي لا وجوبي على القضاة، ولكن عدم وجود نظام يلزم وينظم ويساعد القضاة على ذلك خارج مسؤولية السلطة القضائية لاسيما بعد رفع مشروع النظام لمجلس الوزراء، وكذلك بعض الأحكام يتعذر تطبيقها أو لا يناسب الحكم بها لأن هناك فرق بين أن تكون العقوبة زجرية وبين أن تكون تأديبية، وكذلك لا يوجد جهات تنفيذية جاهزة لتطبيق البدائل إلا بجهود واجتهادات ذاتية، ولا ضمانات لتنفيذها فضلاً عن حسن أثرها.

ومن ناحيته قال أ. عبدالله الضويحي: الخطأ والعقاب متلازمان منذ بدء الخليقة فالحياة على هذه الأرض بدأت بخطأ وعقاب ( قصة أبينا آدم وخروجه من الجنة ) وقصة ( إبليس ) في أول ذنب عُصي به الله فكانت عاقبته خلوده في النار. وأعتقد أن تشريعات حمورابي الذي حكم بابل ( 1752 – 1792 ق.م ) هي أول قوانين وضعية واضحة ومحددة.
وفي قصة سيدنا يوسف عليه السلام تأكيد على وجود السجن كعقوبة ( ودخل معه السجن فتيان ) أما سجن سيدنا يوسف ففيه دلالة على أنه ليس شرطا أن كل مسجون هو مخطئ.
ولو تتبعنا القرآن الكريم والسيرة النبوية لوجدنا الكثير مما يشير للعقوبات ولبدائلها. وقد أفاض الزملاء في الحديث عن بدائل السجن ولعلي لا أضيف جديدا لكنني سأتطرق للبدائل من جوانب أخرى كبدائل عقوبات وليس كبدائل سجن وما مدى إمكانية تطبيقها ومدى فائدتها أيضا لدي مثالان من الواقع بحكم تخصصي وقربي من المجالين التربوي والرياضي.
الأول :

ما يحدث من الجماهير الرياضية من شغب داخل الملاعب حيث تتم معاقبة النادي المنتمين إليه بغرامات مالية أو نقل مباراته لملعب الخصم وفق قوانين الفيفا والاتحاد المحلي أما المخطئ الحقيقي فقد فلت من العقوبة مما يجعله يكررها وقد يندس من بين الجماهير جماهير من ناد منافس للإساءة له. وأحيانا نادرة يتم إيقاف بعض هؤلاء في السجن أو أخذ تعهد عليه هناك ثم يخلى سبيله !لماذا لا يتم رصد هؤلاء المخالفين ومثيري الشغب ومعاقبتهم ( إلى جانب عقوبات الأندية ) بخدمة مجتمعية مثل المشاركة في تنظيف المدرجات عقب المباراة وغيرها من أعمال مشابهة !؟

الثاني:

في مجال التعليم بالنسبة للتلاميذ الذين يرتكبون بعض السلوكيات المخالفة أو يتأخرون عن الحضور أو التقصير في المادة العلمية أو أداء الواجبات بدلا من معاقبتهم بطرق تؤثر على نفسياتهم لماذا لا نوجد لهم عقوبات بديلة !؟ على سبيل المثال خدمة اجتماعية في المدرسة وبطرق لا تشير إلى أن ذلك نتيجة كسله حتى لا تنعكس سلبا عليه كإعداد تجارب معينة ومساعدة المعلم أو في بعض الجمعيات وغيرها .. وهذا الموضوع بالذات يحتاج لخبراء تعليم قريبين من الوضع خاصة في الفترة الأخيرة ومع تغير المناهج وتطورها.

وأوضحت د. نورة بنت ناصر القحطاني أن السجن يُعد من أكثر العقوبات التي تعتمد عليها السياسات والنظم الجنائية لتحقيق الردع والإصلاح للمجرمين، وحماية البناء الاجتماعي من الأخطار التي قد يتعرض لها نتيجة السلوكيات الإجرامية؛ وبالرغم من ذلك فإن الواقع يُظهر بجلاء أن الإفراط في استخدامه كعقوبة، لم يحقق الأهداف المرجوة منه. كما أظهرت العديد من الدراسات أن للسجن العديد من الأضرار الاجتماعية والنفسية، التي تفوق الإيلام المقصود منه كعقوبة من المفترض أن تتناسب مع طبيعة الجرم أو المخالفة المرتكبة، وأن هذه الأضرار تتعدى المسجون نفسه إلى أسرته وعائلته. وكشفت الدراسات كذلك أن الأضرار الناجمة عن سجن تختلف في شدتها وتأثيرها باختلاف الجنس والنوع الاجتماعي، حيث تفوق الأضرار الناجمة عن سجن المرأة، تلك الأضرار الناجمة عن سجن الرجل، سواء من الناحية الاجتماعية أو الصحية والنفسية، خصوصاً إذا كانت المرأة المسجونة أماً؛ فالنساء داخل السجون يعانين من مشكلات متنوعة أبرزها: سوء حالتهن النفسية وإصابتهن بالعديد من الأمراض النفسية نتيجة الفصل بينهن وبين أطفالهن، بالإضافة إلى ما يحدثه السجن من تفكك أسري ووصم اجتماعي يلحق بالمسجونات وعائلاتهن، خصوصاً في المجتمعات المحافظة التي من بينها المجتمع السعودي، حيث أكدت العديد من الدراسات السعودية أن عقوبة السجن يتعدى ضررها المرأة السعودية إلى غيرها من أفراد أسرتها وعائلتها، حيث يلحق بهم الوصم والعار، وكشفت كذلك عن معاناة المرأة السعودية السجينة قبل وأثناء وبعد تنفيذ العقوبة، جراء العديد من الأضرار النفسية والصحية والاجتماعية التي تتسبب فيها العقوبات السالبة للحرية سواء أكانت سجناً أم حبساً احيتاطياً.

وتأسيساً على ما سبق وغيره تعالت الأصوات المنادية بالبحث عن عقوبات بديلة للسجن عموماً ولسجن المرأة على وجه الخصوص،  يمكن من خلالها تلافى أضرار السجن وسلبياته وفي نفس الوقت تحقق الردع والإصلاح المطلوبين من العقوبة، وفي هذا الإطار جاء المؤتمر الدولي للأمم المتحدة حول موضوع (عقوبة السجن ومعاملة المسجونين) الذي انعقد في “كاراكاس” بفنزويلا (1980م)، وتلته اتفاقية القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (1983م)، ثم قواعد الأمم المتحدة لمعاملة النساء السجينات والتدابير غير الاحتجازية للمجرمات المعروفة بقواعد بانكوك (2011) … وغيرها من المواثيق والمؤتمرات والاتفاقيات التي طالبت المجتمع الدولي بجعل العقوبة السالبة للحرية “السجن” الملاذ الأخير في ميدان العقوبات، وأوصت بالبحث عن بدائل للسجن. كما سعت العديد من الدراسات والأبحاث في البحث عن بدائل لعقوبة السجن تتلاءم مع أوضاع السجون ومرتكبي الجرائم في مجتمعاتها، وقدمت هذه الدراسات مجموعة من بدائل السجن، من أبرزها: العمل للنفع العام، والغرامة، والمراقبة الإلكترونية (السوار الإلكتروني). وفي المملكة العربية السعودية سعت مجموعة من الدراسات نحو تقديم مجموعة من البدائل لعقوبة السجن تنبثق من الشريعة الإسلامية وتتناسب مع المجتمع السعودي وفقاً لآراء المتخصصين من القضاة والضباط والأخصائيين الاجتماعيين، من بينها دراسة الضباعان (2001م) ودراسة الطريمان (2013م) اللتان سعتا إلى التعرف على بدائل السجن من منظور إسلامي، ومدى تطبيق هذه البدائل بالمحاكم السعودية، ودراسة اليوسف (2006م) التي هدفت إلى التعرف على التعرف على مدى نجاح أو فشل السجن كعقوبة إصلاحية وكذلك التعرف على العقوبات البديلة لعقوبة السجن، بالإضافة إلى دراسة العتيبي (2005م) التي هدفت إلى التعرف على مدى تقبل الأسر السعودية للمرأة المحكوم عليها بالسجن، والتي كشفت عن معاناة المرأة السعودية من عدم تقبل الأسرة لها بعد خروجها من السجن، مما يتسبب في عودة (36%) منهن إلى ارتكاب الجرائم، كما أكدت هذه الدراسة على حاجة المحكوم عليهن بالسجن إلى اهتمام جهات الاختصاص والمراكز البحثية، وأهمية تقريب وجهات النظر بين الأسرة و(السجينة) المحكوم عليها، وتحقيق التقبل الأسري المفقود. كما سعت مجموعة أخرى من الدراسات السعودية إلى التعرف على آراء كلمن القضاة والضباط والأخصائيين وكذلك نزيلات السجون فيما يتعلق بالعقوبات البديلة للسجن ومدى جدوها في تحقيق الردع والإصلاح المطلوبين، وفي هذا السياق جاءت دراسة اليوسف (2006م)، ودراسة العتيبي (2011م)، وقد كشفت هذه الدراسات وغيرها عن وجود اتفاق بين القضاة، والضباط والأخصائيين العاملين في مجال السجون على أهمية التفكير في بدائل للسجون بشكل عام في المملكة نتيجة لما أصبحت تعاني منه هذه السجون من ازدحام سجن كعقوبة رادعة في العديد من الجرائم، وكشفت أن الغرامة، والعمل لمصلحة المجتمع، والتعويض، والكفالة الحضورية، تأتي في مقدمة بدائل السجن التي يفضلها الكثير من الضباط والقضاة والأخصائيين الاجتماعيين في المملكة. وفيما يتعلق ببدائل السجن الخاصة بالمرأة السعودية المرتكبة للجريمة تحدياً، أجرت القحطاني (2015م) دراسة مسحية تطبيقية على العاملين في مجال إجرام النساء بمدينة الرياض، شملت كل من القضاة والمحققين والضباط والأخصائيين الاجتماعين، بعنوان “العقوبات البديلة للسجن ودورها في ردع وإصلاح المرأة المجرمة” وقد كشفت هذه الدراسة عن موافقة المبحوثين  بدرجة تراوحت في معظمها بين (الموافق) و(الموافق بشدة) على معظم بدائل السجن المطروحة باعتبارها بدائل رادعة ومصلحة للمرأة السعودية المرتكبة للجريمة، وقد جاءت في مقدمة هذه البدائل وأكثرها ملائمة على الترتيب حضور دورات تدريبية إصلاحية، حفظ القرآن الكريم أو بعضه، الخدمة الإجبارية في الجمعيات الخيرية، البدائل المالية (الغرامة، المصادرة، التعويض)، الإقامة الجبرية بالمنزل، التعهد بعدم إتيان الأفعال الإجرامية. كما كشفت النتائج كذلك عن موافقة المبحوثين على قدرة بدائل السجن على ردع المرأة السعودية المرتكبة للجريمة. وأوصت هذه الدراسة بإعادة النظر في منظومة الأحكام الجزائية بما يتلاءم مع تفعيل بعض بدائل العقوبات السالبة للحرية، فيما يتعلق بالمرأة على وجه الخصوص، سواء أكانت جانية أو مجني عليها.

  • تصورات مستقبلية لتطوير العقوبات البديلة للسجن والإفادة منها

يرى د. عبد الله بن صالح الحمود أنه وبما أن بدائل السجون أضحت حاجة مجتمعية فإن على الجميع الاهتمام والتحرك نحو الوصول إلى طرائق متعددة من البدائل حتى يكون أشبه بتقنين ينفع المحكوم عليه والمجتمع على حد سواء .

وهي رسالة إلى المديرية العامة للسجون و مراكز البحوث في الجامعات ومراكز الدراسات البحثية ومنها مركز أسبار للدراسات والبحوث ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية ، أن تقدم كل جهة من هذه الجهات دراسة أو أكثر تسهم في إيجاد تقنين مقبول وناجع عوضا عن عقوبة السجن.

ومن جانبه يرى د. سعد الشهراني أن هذا الموضوع المهم يجب أن يؤخذ في سياق مراحل النظام العدلي الذي يواجهه كل من يرتكب جنحة أو جناية أو جريمة يعاقب عليها الشرع و القانون أو من يثبت عليه حقا خاصا أو عاما يترتب عليه الايقاف أو حكما بالسجن .

هذه المراحل هي:

  • مرحلة الضبط و التحقيق
  • مرحلة المحاكمة
  • مرحلة تنفيذ الأحكام

و كل هذه المراحل تحكمها أنظمة و لوائح و تعليمات ملزمة.

مرحلة المحاكمة و نوع العقوبة تعتمد على نتائج  التحقيق و ما يطلبه المدعي العام و على ثبوت الحق العام أو الخاص.

لكي يؤسس لبدائل للسجون لابد أولا من تغيير ما يلزم من مواد أنظمة الاجراءات الجزائية  و المرافعات و القضاء و لوائحها ثم بتوسيع قائمة العقوبات المتاحة أما القضاة (وهي عقوبات تعزيرية) .

و من المهم إعادة إثارة الموضوع و وضعه على جدول أعمال مجلس القضاء الأعلى و مجلس الشورى و مجلس الشؤن السياسية و الأمنية وبل و مجلس الوزراء.

الصورة مكتملة و قد تقدمنا كثيرا في متطلبات الأخذ بمفهوم بدائل عقوبة السجن  و يبدو أن هناك قبولا في الوسط العدلي و أن هناك رأيا عاما مساندا لهذا التوجه .

حتى المقام السامي وجه بالأخذ بهذا المفهوم ، فماذا ننتظر بعد!

مرة أخرى المحققون و القضاة هم المعنيون بهذا و لا بد من عقد الدورات و الندوات لهم وبحضورهم ليأخذوا بهذا المفهوم و يؤسس له المحققون و المدعون العامون و يقترحون أو يطلبون عقوبات بديل للسجون كلما أمكن ذلك و بذلك يجد القضاة ما يجعلهم يخرجون من صندوق عقوبات حجز الحرية لأولئك الماثلون أمامهم ممن لا يمثلون خطرا على أنفسهم أو على المجتمع.

وقال د. خالد الرديعان: هناك بدائل تم الحديث عنها كحفر القبور.. ولا أدري إن كانت مناسبة أم لا.. لكن يمكن تطبيقها على العمالة الوافدة ممن تجيد هذه المهنة..

في هذه الحال قد يلزم عمل قائمة مدروسة بالبدائل وتقنينها وتطبيقها على المدانين حسب حال كل واحد منهم؛ فما هو مناسب لشخص قد لا يناسب غيره.. وهنا ضرورة عمل دورات للقضاة.

ومن المهم النظر في المشكلات التي تواجه تبني بدائل السجن لاسيما طريقة التنفيذ وآلياته فقد تحتاج المحكمة إلى تنسيق مع جهات أخرى وهذا فيه بيروقراطية…

ومع خطة التحول الوطني قد تكون بدائل السجن مفيدة فهي ستخفف بعض النفقات عن كاهل الدولة.. أموال يمكن تحويلها إلى ما يسمى قطاع “الرعاية اللاحقة” أي العناية بالمنحرفين من خلال برامج دمج اجتماعي وخلق فرص عمل لهم.

​وبدوره أكد د. مساعد المحيا أن القصد من السجن هو التأديب والاصلاح .. ولابد من وجود هذين العنصرين بكل بديل مقترح ..

كما أن بعض المجرمين لا يصلح له إلا السجن فهو خطر على أسرته ومجتمعه ومثل هذا تظل البدائل نزهة له لاسيما حينما يكون مقتدرا ماليا أو يمتلك بنية جسمية قادرة على تحمل بعض الأعباء.

وذهب م. خالد العثمان إلى ان إحدى المشكلات التي تواجه تبني العقوبات البديلة للسجن من كثير من القضاة هي ما يمكن أن يصفه بخليط من ثقافة القمع والتسلط والتشفي التي تقود إلى قناعة بتبني عقوبة السجن كوسيلة للتأديب والزجر .. هذا الواقع نراه ليس فقط في التقاضي بل حتى بشكل أكثر فجاجة في الضبط والتحقيق في الشرط وهيئة التحقيق والادعاء العام وحتى المرور .. هذه الثقافة تتطلب معالجة جذرية عبر تأهيل رجال الشرطة والمحققين والقضاة بمخاطر اللجوء إلى السجن كعقوبة بشكل مباشر كأول الحلول.

وقال م. خالد العثمان في مداخلته: أن آلية النقاط التي تستخدمها بعض الدول في المخالفات المرورية يمكن تطويرها وتوظيفها في المنظومة القضائية للمخالفات والجرائم البسيطة حيث يكون لكل شخص سجل أمني أو قضائي يوثق ما يسجل ضده من مخالفات وعقوبات توزن بميزان النقاط ويتم أخذ هذا الميزان في الأحكام القضائية على مختلف المخالفات وليس الجنائية فقط.

لا جدوى تذكر من سجن واحتجاز أصحاب بعض المخالفات ذات الصفة غير الجنائية مثل المخالفات المرورية والمديونين وأصحاب الالتزامات المالية فسجنهم يضعهم في بيئات قد تزرع فيهم بذور شرور جنائية باحتكاكهم بالمسجونين من أصحاب الأحكام الجنائية . ثم كيف يمكن توقع قيام المسجون المدين بسداد مديونيته إن انقطع عن عمله ، وما ذنب أسرته فيما سيعانون من انقطاع معيلهم عن أداء واجباته الأسرية؟

اطلعت على دراسة للدكتور ياسر البلوي ، وهو قاض سابق ورئيس سابق لإحدى محاكم التنفيذ ، وشارك في الجهود والدراسات التي قامت بها وزارة العدل لوضع نظام للعقوبات البديلة ، وهو مشروع ناضج إلى حد كبير لكنه لم يجد بعد طريقه إلى الاعتماد والتطبيق. دراسة الدكتور ياسر الوافية تطرقت إلى النقاط التالية :

  • تاريخية ومشروعية وإمكانية تجربة القضاء في المملكة العربية السعودية في مجال العقوبات والتدابير البديلة للسجون.
  • المسارات المؤثرة في دعم تجربة التدابير البديلة للسجون في المملكة.
  • خارطة التصور العامة لمراحل تطور تجربة التدابير البديلة للسجون في المملكة.
  • العوائق والعقبات وسبل تحسين إدارة الأداء القضائية للتدابير البديلة للسجون في المملكة.

وقد خرجت هذه الدراسة بمجموعة من التوصيات منها ما يلي:

  • إقرار لوائح العقوبات البديلة ومعاييرها وضوابطها وآلية تنفيذها .
  • التوسع في لجان العفو وتوضيح الآلية التنفيذية للتعامل مع البدائل ومسئوليات الجهات المنفذة.
  • ربط البدائل والعقوبات عموماُ بنظام التنفيذ وإيقافه.
  • توسيع الإشراف القضائي لقاضي التنفيذ في عدة اتجاهات إشرافية تتعلق بالتنفيذ الجنائي. مع منح القاضي صلاحيات وضع المحكوم عليه تحت الاختبار القضائي.
  • مراعاة المرونة في العقوبة في الأنظمة العقابية لتشمل أنواعاً من العقوبات غير السجن.
  • تخصيص السجون والإصلاحيات وإسناد مهمات تنفيذية للعقوبات للجهات الامنية الخاصة ومؤسسات المجتمع المدني من جمعيات خيرية ودور التحفيظ القرآني والمؤسسات الاجتماعية.
  • استخدام التقنية في إنفاذ الأحكام البديلة .
  • دراسات تقويمية حول نجاعة هذه البدائل في الوصول للغرض الي من أجله وضعت.

وبدورها قالت د. نوف الغامدي: حقيقة أميل لاستبدال بعض الأحكام خصوصاً التعزيرية بفكر العمل المجتمعي والعمل الخيري للسجين ومساعدته في خدمة المجتمع من خلال ثقافة ( مسؤولية العقاب ) ويُستثنى منها القضايا التي يتبعها حق خاص أو حد، وهذا يلزم القاضي الربط فيما بين العقوبة البديلة والوصف الجرمي، بالإضافة إلى حال المتهم والسوابق الجنائية على ألا تكون تمثل الجريمة خطورة على المجتمع..

فـالاهتمام بتنصيف المحكوم عليهم داخل السجون وفقاً لمعايير علمية قادرة على حل مشكلة تنوع أساليب ” العقوبات السالبة للحرية التقليدية ” وأن علاج هذه المشكلة يكمن في أساليب تنفيذ العقوبة ..

من بعض نماذج التصنيفات؛ تقسيم المحكوم عليهم بحسب الجنس أو بحسب مدة العقوبة أو بحسب سن المحكوم عليهم أو بحسب وصف المحكوم عليهم مبتدئين أو عائدين أو بحسب كونهم من المعتقلين صحياً أو الأصحاء …

وتساعد هذه التصنيفات على حسن ملاحظة المحكوم عليهم وضمان علاجهم إذا ما عهد بالإشراف عليهم إلى فنيين وتربويين ذوي كفاءة عالية ….

ويمكن للقانون الجنائي أن يساهم بدوره في تقنين هذه الأفكار بحيث يستفيد من مصطلحات العلوم الجنائية في إصلاح مشاكل السجون ولا يجب أن يقتصر الحال على إصلاح أحوال السجون وإنما يجب أن يمتد ليشمل الأخذ بفكرة تدابير الأمن لتحتل مواقع العقوبات السالبة للحرية التقليدية شيئاً فشيئاً بناء على خطة مدروسة يتعهد لرجال السياسة العقابية التنفيذية بوضعها.

أن بعض الأحكام التعزيرية قد تضر بالجاني نفسياً وفكرياً وسلوكياً ومادياً، فهو قد يقترف جرماً يعاقب عليه بالسجن والجلد، وحين يلتقي في السجن ببعض المجرمين وأصحاب السوابق قد يغرسون فيه النقمة على المجتمع من جهة ويهوّنون عليه العقوبة من جهة أخرى، وقد يتطبع بعد ذلك بالجريمة..

فـلو كان عقابه في ممارسة عمل يشعره بقدراته، أو يذكره بها، وفي بيئة تشعره بقيمته، وفي وقت يمكّنه من بناء عادة إيجابية بديلة، لكان ذلك بالتأكيد أجدى عليه وعلى المجتمع، لابد أن تكون العقوبات البديلة عن الأحكام التعزيرية متنوعة بحسب الشرائح المستهدفة، ونوع جرمهم، وأن يُجرى تعاون بين وزارة العدل والجهات المختلفة التي يمكن أن تكون مقار لتكليفات المعاقبين..

فالوضع الراهن لا يشجع القاضي بالحكم البديل، باعتبار أنه لا يدري من يخاطب، ولو افترضنا أنه كلف شاباً بالعمل على خدمة المعوقين شهراً وهذه الجهة غير مخولة بالإشراف على مثل هذه الحالات، كذلك لابد من تهيئة حاضنات، وقد تكون وزارة العمل والتنمية الاجتماعية أقرب الوزارات لطبيعتها.. ويمكن أن تكون مكاناً لبعض العقوبات البديلة.

وهذه بعض البدائل التي لم يقر تطبيقها بنص قانوني حتى الآن على ما أعتقد ولم تحدد نوعية البدائل ومتى تطبق ولكن هناك أحكام أصدرها بعض القضاة من منها:

  • نشر في جريدة عكاظ عن حكم قاضي محكمة المويه على أحد المذنبين بعقوبة تنظيف المسجد وحضور حلقات تحفيظ القران الكريم .
  • نشر في جريدة عكاظ أن قاضي محكمة الجزئية بالباحة أصدر حكماً على متعاطي مخدرات بدوام يومي صباحاً ومساءً في مركز الدعوة والإرشاد وحضور النشاطات الدينية أملاً في إصلاحه .
  • كما أصدر قاضي محكمة (الشقيق) حكم السجن على أربعة أحداث بارتياد حلقات تحفيظ القران الكريم وتعليم كتاب الله وربط القاضي الإفراج عن الأحداث الأربعة المواظبة في حضور الحلقات دون غياب.

في حين قالت أ. فايزة الحربي: اقترح لو فصل السجن وخصص للمجرمين المنفذين للجرائم الكبيرة كالقتل والاعتداءات المتعمدة والسرقات الكبيرة  ومروجي المخدرات ومن يعثوا بالأرض فساد  فقط، و إنشاء مباني أخرى بعيدة عن السجون مخصصة ومفصولة تماما عن السجن إدارة ومكانا تسمى بمسميات مناسبة لكل فئة، مثلا دار المديونين لمن قضيته دين لم يسدد فهو فقير محتاج في الغالب..

دار قتل الخطأ

دار مرضى المخدرات لمن ابتلي بتعاطي هذا الداء ….وهكذا

لأن ليس كل من بالسجن مجرم فهناك ضحايا ومرضى

ويعد برنامج  مخصص لكل فئة بما يناسبها وتظل الجهة المعنية بهذه الفئات تتابع خريجي هذه الدور وتعد لهم البرامج البعدية.

وأوضحت أ. أسمهان الغامدي أن السجون جهة تنفيذية .. لكن تتحمل جزء كبير من الشكاوي والسلبيات التي يعاني منها النزيل والنزيلة على حد سواء .

كتأخر الأحكام .. وعدم استلام الفتيات من أهاليهن .. واحتفاظ السجون بهن .. واستلام الفتيات من قبل رجال الهيئات دون مسوغ قضائي يستوجب سجنهن .

وكذلك دمج العديد من القضايا في جناح واحد وبأعمار مختلفة .. فالمفترض جمع أصحاب القضايا المتشابهة في جناح .. والحرص على الفئات العمرية أن تكون متقاربة .

إلى جانب ذلك .. مبدأ العقوبات البديلة من يحدده وهل يقع بحسب مزاجية القاضي ومرونته؟

فلماذا لا يكون هناك مسودة أحكام للقضايا والأعمار التي يستوجب فيها حكم بديل .. وتوضع مجموعة من الخيارات التي يحددها القاضي بحسب البلد .. على أن تحدث كل ثلاث سنوات وفق للمتغيرات الزمانية.

وأشار د. عيسى الغيث إلى أننا نحتاج أن يحسم مجلس الوزراء (بصفته سلطة تنظيمية) هذا الموضوع وذلك بإقرار هذا النظام بعد تعديله وتجويده بمساعدة الأكفاء من كل الجهات ذات العلاقة والاختصاص فضلاً عن المتخصصين من الأكاديميين وتجارب الدول بهذا الخصوص، ومن ثم إصدار اللائحة التنفيذية في وقتها المقنن وبكل جودة، وحينها سوف يلحظ الجميع المصلحة العظمى المتحققة من وراء تنفيذ هذه البدائل.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

(حسب الحروف الأبجدية)

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • أ. أسامة كردي
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • أ. أسمهان الغامدي
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. حاتم المرزوقي
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • د. خالد الرديعان (رئيس لجنة التقارير)
  • م. خالد العثمان
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سعيد الزهراني
  • أ. سلمان العمري
  • أ. سمير خميس
  • د. عائشة حجازي
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • أ. عبدالرحمن الطريري
  • د. عبدالسلام الوايل
  • أ. عبدالله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • أ. عبد المحسن القباني
  • اللواء د. علي الحارثي
  • أ. علي بن علي
  • أ. علياء البازعي
  • د. علي الحكمي
  • د. عيسى الغيث
  • أ. فايزة الحربي
  • د. فهد الحارثي
  • د. فوزية البكر
  • أ. فوزية الجار الله
  • أ. كوثر الأربش
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. محمد الصبان
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مسفر الموسى
  • د. منصور المطيري
  • د. ناصر القعود
  • د.م. نصر الصحاف
  • د. نورة بنت ناصر القحطاني
  • د. نوف الغامدي
  • تقرير 15أ. هادي العلياني
قراءة 103 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 11:09

أضف تعليق


كود امني
تحديث