الأخبار
الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:34

التقرير الشهري السابع عشر

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أغسطس 2016م

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر أغسطس 2016م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة
  • مستقبل الشركات العائلية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي
  • التعليم في المملكة .. رؤية استشرافية
  • الخدمة الوطنية الالزامية
  • النقل العام

محتويات التقرير

المحور الأول: تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة

  • الورقة الرئيسة: أ.د. عبدالرحمن العناد
  • التعقيب الأول: أ. خالد الحارثي
  • التعقيب الثاني: د. حامد الشراري
  • التعقيب الثالث: م. سالم المري
  • التعقيب الرابع: د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • التعقيب الخامس: د. علي الحكمي
  • المداخلات حول القضية:
  • الرؤى حول واقع تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة
  • التصورات والآليات المقترحة لتحقيق التنمية الشاملة المتكافئة

المحور الثاني: مستقبل الشركات العائلية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي

  • الورقة الرئيسة: د. نوف الغامدي
  • التعقيب الأول: د. محمد الصبان
  • التعقيب الثاني: د. ناصر القعود
  • المداخلات حول القضية:
  • مفهوم الشركات العائلية
  • الواقع الراهن للشركات العائلية والإشكالات ذات العلاقة
  • مقترحات تطوير الشركات العائلية وتفعيل دورها في الاقتصاد الوطني

المحور الثالث: التعليم في المملكة.. رؤية استشرافية

  • بعض ملامح الواقع والإشكالات المتعلقة بقضية التعليم
  • معضلة التعليم عندنا وكيف نواجهها
  • براءة التعليم … تكمن في إعادة تعليم البراءة
  • حلول مقترحة

المحور الرابع: الخدمة الوطنية الالزامية

  • الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني
  • التعقيب الأول: د. حاتم المرزوقي
  • التعقيب الثاني: د. علي الحارثي
  • التعقيب الثالث: د. خالد الرديعان
  • المداخلات حول القضية:
  • الخدمة الوطنية الإلزامية ومدى جدواها
  • الخدمة الوطنية الإلزامية: مقترحات التفعيل والبدائل المتاحة

المحور الخامس: النقل العام

  • الورقة الرئيسة: د. حاتم المرزوقي
  • التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف
  • التعقيب الثاني: أ. هيا السهلي
  • المداخلات حول القضية:
  • تشخيص واقع النقل العام في المملكة
  • آليات تطوير النقل العام والإفادة المجتمعية منه

 المحور الأول

تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة

إلي أعلي
الورقة الرئيسة: أ.د. عبدالرحمن العناد

مع بدء برنامج التحول الوطني في المملكة هذا العام (2016)، تكون خطة التنمية الخمسية العاشرة (2015-2019) قد دخلت عامها الثاني، ما يستدعي مراجعة هذه الخطة لتتواكب مع رؤية المملكة 2030، ومع توجهات برنامج التحول الوطني 2020. وكان لخطط التنمية المتلاحقة التي بدأت منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما دور كبير في تنمية الوطن وتحقيق رفاهية المواطن، وقد اتجهت منذ الخطة الخمسية الأولى إلى تطوير البنى التحتية وتزويد السكان بالخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والمياه والكهرباء وشبكات الطرق، إلى جانب تطوير المرافق والخدمات البلدية وتشجيع الصناعات وتطوير المناطق الصناعية وتنمية القطاع الزراعي، إلا أن معظم هذه الخدمات تركزت في بعض المدن والمناطق دون غيرها، وكان للمناطق الكبرى نصيب الأسد من مشروعات تلك الخطط ومن المنصرف من الميزانيات الكبيرة التي خصصت لتلك الخطط، وهو أمر طبيعي – إلى حد ما – نظرا للكثافة السكانية التي تسكن تلك المناطق، حيث أن ثلثي سكان المملكة تقريبا يقطنون في ثلاث مناطق (الرياض، مكة المكرمة، الشرقية). وهكذا فإنه على الرغم مما حققته خطط التنمية في المملكة من نجاحات تنموية مختلفة في كافة المناطق، إلا أن التنمية في المدن والمراكز الكبرى كانت الأكبر ما ساهم في إيجاد تنمية مناطقية غير متوازنة.

أدى تركز التنمية في المناطق الكبيرة إلى نزوح نسب كبيرة من السكان من الريف والمناطق النائية إلى المناطق الكبيرة، وساهم في ذلك توفر فرص التعليم الجامعي والوظائف وفرص الأعمال الأخرى فيها وهو ما لم يتوفر في المناطق الصغيرة،  كما أدى ذلك إلى نشوء مشكلات تنموية مثل ازدياد حدة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية سواء على مستوى المناطق أو المحافظات، الأمر الذي جعل بعض الشرائح السكانية في تلك المناطق غير راضية عن توزيع التنمية بين المناطق المختلفة.

تنبهت الدولة لهذا الأمر في السنوات العشر الأخيرة، وبخاصة إبان فترة تولى الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – الحكم في البلاد، حيث قام بزيارات متتابعة لكافة مناطق المملكة، واطلع عن كثب على احتياجات تلك المناطق ومتطلباتها ومعوقات التنمية بها، واستفادت تلك المناطق من عدد من المشروعات التي أعلنت أو وضعت أساساتها خلال تلك الزيارات، وبعضها لازال في طور التنفيذ كوعد الشمال وقطار الشمال، لكن بعضها تعثر أو لم يرى النور حتى تاريخه كالمدن الاقتصادية التي أعلنت في جازان وحائل وغيرها من المناطق. وكان من ثمار تلك الالتفاتة إنشاء جامعات في المناطق النائية، مما حد من هجرة طلبتها إلى المدن لإكمال التعليم الجامعي ، ولكن – كما يرى بعض المراقبين –  فإن المشكلة لم تحل، إذ أن الخريجين من هذه الجامعات لا يجدون أعمالا في مناطقهم، ما يعني استمرار مشكلة النزوح للمدن والمناطق الكبرى، كما أن بعض المناطق تنقصها خدمات أساسية مهمة كالمستشفيات التخصصية التي تقدم خدمات طبية مقبولة للحد من السفر للدول المجاورة أو التحويل لمستشفيات المدن الكبرى طلبا للعلاج.

وكانت هناك محاولات لدعم التنمية وتنشيطها في المناطق النائية من خلال تشجيع الاستثمار بها، مثل تعديل نظام صندوق التنمية الصناعية السعودي بحيث يكون قرض الصندوق بما لا يزيد على 50% من التمويل المطلوب للمشروع أو تطويره، وللصندوق رفع هذه النسبة إلى 75% في المناطق أو المدن الأقل نموا، وتكون مدة استيفاء القرض الذي يقدمه الصندوق بما لا يزيد على خمس عشر سنة ، وللصندوق زيادة هذه المدة إلى عشرين سنة في المناطق أو المدن الأقل نموا، لكن هذا وحده لا يكفي، ولا زالت هناك حاجة كبيرة لتنفيذ مشروعات إنتاجية وخلق وظائف وفرص عمل كافية لأبناء تلك المناطق، ويعتقد أن حل هذه الإشكالية ربما يكمن في تطبيق الإدارة اللامركزية بفاعلية في مجال التخطيط وتوزيع الميزانيات على المناطق مع السماح لأصحاب القرار في المناطق نفسها ومجلس المنطقة تحديدا لتحديد الأوليات وتوجيه النفقات بما يحقق التنمية المتوازنة بين المناطق.

التعقيب الأول: أ. خالد الحارثي

ما أن تذكر مفردة “التنمية” إلّا وتستدعى خطط التنمية الخمسية ،كما تستدعى أيضا الطموحات الوطنية في تطوير البنية التحتية والمرافق العامة للدولة بكافة مؤسساتها لأداء الخدمة العامة ورعاية الإنسان والمجتمع والرقي لمواكبة دول العالم حضاريا ومدنيا ومعرفيا حتى لا نكون فريسة لسياسات وأطماع الدول العظمى السابقة في المنطقة على ولادة المملكة ، ولتحقيق جدارتنا بهذه النعم وتكريسها لأبناءها ، وبناء جسور التواصل بين مرتكز تنموي رئيس أول وهو إرث الحضارة العربي الاسلامي وبين حاضر اليوم ومستقبل الأجيال. فهي مقوم من مقومات البقاء خصوصا مع ظهور الثروات الطبيعية والبشرية التي نبّأت بملامح دور للملكة وإنسانها لم يخطر ببال الدول العظمى أبان تشكل الدولة ، وأثار حفيظة الدول العظمى التي تخشى عودة الدور الريادي والحضاري العربي الإسلامي لإنسان هذه الأرض المباركة ، ومنافسته لها بفضل العمق العربي والإسلامي ورسالة التوحيد والوحدة والنماء والمصداقية التي حمل لوائها الملوك المؤسسون حتى من لم يمهله الأجل منهم ليكون ملكا كالأمير سلطان والأمير نايف.

من هذا المنطلق فللتنمية وخططها الخمسية أهمية كبرى تتجاوز البنية التحتية المادية وما تحقق منها ومالم يتحقق ، أهمية كبرى في حق الوجود ونعمة الاستقرار والتطور لموقع يعد الأهم في العالم في استراتيجيات الجغرافية السياسية ، والأهم في العالم في استراتيجيات الاقتصاد من حيث وفرة الثروات الطبيعية وتنوعها ، والأهم في العالم في عمقه العربي والإسلامي من حيث المناعة والحصانة والمكانة. وهذا بحد ذاته كاف لتكون التنمية قضية من قضايا الأسبوع بل وكل يوم.

وكمدخل للتعقيب على قضية تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة ، وللوقوف على أبواب المراجعة والتصويب ، لمواكبة الرؤية التاريخية 2030 السعودية ، وبرنامج التحول الوطني 2020 ، أرى أن نستعرض بعض أهم معالم تحديات التنمية في المملكة كمدخل للوصول إلى الرؤية وبرنامج التحول الوطني.

تحديات التنمية في المملكة

في سنوات التأسيس في مطلع القرن العشرين كانت المملكة ذات المساحة الواسعة الممتدة على أغلب الجزيرة العربية جغرافيا ببنية تحتية من القرن السادس عشر حيث لا شبكات للقطارات والمواصلات ولا إرثا تنمويا ولا حضريا ولا مدنيا ولا تعليميا سابقا لتبني عليه ، فنحن وبكل فخر بدأنا التنمية من الصفر إلى ما نراه اليوم.

ولنقف على ما أنجزنا في مقابل ما نحتاجه ، فإن أغلب ما نراه اليوم هو “تنمية عمودية” لا تلبي الطلب ولا تلبي الطموحات ، ويغيب عنها مقوم الاستدامة في القطاع العام والقطاع الخاص وتتسبب في تفاقم الازدواجيات السلبية التي تقض مضاجعنا مثل:

– كبر المساحة في مقابل شح الأراضي وغلاءها.

– وفرة السيولة في مقابل غياب التنوع الاستثماري.

– غزارة الإنفاق الحكومي وخلق الوظائف في مقابل ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الأجور.

– وفرة المناطق الثرية بالموارد الطبيعية في مقابل خلوها من السكان وخلوها من أسس الجاذبية للعيش فيها.

– وفرة المدن والحواضر في مقابل قلة مناطق التركز السكاني.

وهذه قضايا تنمية بامتياز ، والنظر لها يتطلب النظر التنموي في الفكر الإداري عند الكادر العام ، الذي ركز بشكل مبالغ فيه على تبني نظريات تنمية المدن الكبرى في مقابل ضعف تنمية المجتمعات المحلية ، وساهم في ضعف دور البلديات وعنايتها بالمجتمعات المحلية وتطويرها وإظهار المزايا النسبية للمناطق ، مما تسبب في تهميشها ، وهذا ناتج عن غياب مناهج التيسير في الفكر الإداري المناسبة لطبيعة وثقافة سكان المملكة ، وغياب الممارسة الإدارية المستمدة من بيئة المجتمعات المحلية ، وضيع الفرصة لأهمية التنمية الأفقية التي هي المكون الأساسي للأرضية الصلبة لبنية المجتمع اقتصاديا وتعليميا وثقافيا وموروثا.

و للخروج بخلاصة ، أعتقد أن مكمن المقومات الرئيسة للتوجهات الأساسية لتحقيق التكافؤ في تنمية مناطق المملكة ، للتوافق مع الرؤية يأتي في تشكيل منظومة التحول ذات الأربع محاور التالية:

  • المحور الأول:

دعم التنمية الأفقية بالمزايا النسبية المتعددة في مناطق المملكة لتنمية المجتمعات المحلية المتعددة:

1.1 الساحلان الغربي والشرقي ثريان بالفرص الاستثمارية في مجال الزراعة المائية (مزارع الأسماك والاستزراع البحري) ، كما تتوفر لكل منهما مزايا نسبية خاصة ففي الساحل الشرقي يمكن زراعة اللؤلؤ فيما  يتوفر في الساحل الغربي المرجان الذي يوفر البيئة المثالية للسياحية الساحلية والشواطئية والغوص والترفيه البحري.

1.2 المناطق الزراعية وواحات زراعة التمور: تزخر منطقة جبال السروات الممتدة من مدينة الطائف التاريخية حتى مدينة نجران التاريخية أيضا بالارتفاع الشاهق والثراء بالغابات الطبيعية ومزارع الورد والخضار والبقول والفاكهة واللوز والأشجار العاسلة (إنتاج العسل) ووفرة المياه. وهذه المناطق تعاني من قلة التنمية المستدامة ، وتغيب عنها الموارد لتشجيع الاستقرار وتنمية المجتمع المحلي. ينطبق ذلك أيضا على واحات زراعة التمور في وسط وشرق المملكة (القصيم والأحساء والخرج) ومنطقة المدينة المنورة حيث تعاني المجتمعات المحلية من شح الفرص الاستثمارية لتنمية المزايا النسبية لديها ، وكذلك الحال في منطقة حائل والمنطقة الشمالية التي تشتهر بالتمور والرعي وتسمين المواشي والدواجن. هذه المناطق المذكورة تمتاز باعتدال مناخها الذي يشجع على سياحة منتجعات الشتاء والصيف والانطلاق في الطبيعة وتنمية اقتصاديات المجتمعات المحلية.

  • المحور الثاني:

الاعتماد الرئيسي على معايير وأسس التنمية المستدامة في التخطيط وفي الإدارة : يلزم لتنمية المجتمعات المحلية وبناء التنمية الأفقية الواسعة  التي تلبي الاحتياجات للسكان على ثلاث عناصر:

2.1  التمويل والحماية لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

2.2 منع المنافسة من العمالة الأجنبية على فرص العمل والفرص التجارية والخفض الكبير والسريع لأعداد العمالة الأجنبية التي بلغت أكثر من 12 مليون العام الماضي حسب التقرير الإحصائي لوزارة العمل 2015م أي ما يزيد عن عدد الذكور في المملكة ، واعتبره زيادة عن الطاقة الاستيعابية للبلاد.

2.3 التطوير والدعم المستدام لتعظيم الموارد المائية وموارد الطاقة المتجددة : تحتاج المملكة إلى أن تمتلك أكثر مجتمع يمتلك كافة الأحجام من محطات تحلية المياه عددا وتقنية عبر الأبحاث والشراكات مع الجامعات ومراكز الأبحاث السعودية والأجنبية ونقل المعرفة وتوطينها في هذا المجال. وذلك قائم بنفس الأسس على مشروعات توليد ونقل وتوزيع الطاقة المتجددة من كافة الأحجام ومختلف التقنيات والدعم بالبحث العلمي والاستثمار المستدام فيه.

  • المحور الثالث:

تطوير روافد التمويل الأهلي وكسر الاحتكار : وتأتي أهمية هذا المحور  كمحور استدامة تتنامى فيه معدلات توطين المهن وتتوازن فيه أسعار  السلع الاستراتيجية والاحتياجات الضرورية تحفظ به الحقوق ويبني سلة أمان اقتصادي وأمن غذائي عن طريق البنوك التعاونية والشركات التعاونية العملاقة والمتوسطة والصغيرة وتكثيفها وتشجيعها لاستثمار الثقافة التضامنية لممارسات صحيحة وصحية.

  • المحور الرابع:

الشركات الحكومية الصناعية الكبرى والمدن الصناعية والشركات شبه الحكومية : وتكمن أهميتها لاستيعاب الطموحات الصناعية ودعم الابتكار  وتطوير البحث العلمي في الشأن المحلي وتطوير المنتجات المحلية وخفض الاستيراد لدعم ميزان المدفوعات وتشجيع المجتمعات الأهلية على امتلاك القدرات في التنوع المهني والصناعي والاقتصادي ونشر المعرفة.

لعل في هذه المقترحات المتواضعة استدراكا لما فاتنا من تكافؤ في تنمية المناطق ، ومساهمة فاعلة في الحد من الهجرات المكثفة ، وضياع وإهمال الثروات الطبيعية في مجتمعاتها المحلية ، بهدف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

التعقيب الثاني: د. حامد الشراري

منذ بداية التسعينات الهجرية بدأت حركة التنمية والتطوير وذلك بإعلان خطة التنمية الخمسية الأولى ومن بعدها توالت خطط التنمية حتى العاشرة، وقد تنبهت الحكومة لأهمية التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة مع بداية الخطة الرابعة. هذه الخطط أحدثت نقلة نوعية في تنمية مناطق المملكة، إلا أنه ومع مرور الزمن تركزت التنمية في المناطق الثلاث الكبرى (الوسطى والغربية والشرقية) مما سبب هجرة من المناطق الأخرى لهذه المناطق حتى أصبحت تستحوذ على ثلثي عدد السكان تقريبا واتسعت الفجوة التنموية بينها وبين المناطق الأخرى حتى بداية عهد الملك عبدالله- رحمه الله-، مداخلتي على هذه القضية تتلخص بنقطتين:

  • الأولى: عهد الملك عبدالله والتنمية المتوازنة…

في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز- رحمه الله- أطلق شعار التنمية المتوازنة بين المناطق وفعّلها من خلال زيارته لجميع المناطق ووضع حجر الأساس ودشن مشاريع تنموية ضخمة كالمدن الجامعية والطبية و الاقتصادية.. الخ، هذه الحقبة اتسمت بالتركيز على الكم أكثر من الكيف واختزل الزمن للتنمية والانجاز وأصبحت مناطق المملكة ورش عمل ووضعت الحوافز لتشجيع المستثمرين للاستثمار للمناطق الأقل كما أشار د. العناد في ورقته. هذا الحراك (مستفيدة من الدخل العالي للنفط) أحدث نقلة تنموية متميزة ساهمت بشكل ملحوظ في الحد من الهجرة إلى المناطق الكبرى، إلا أن هناك أمور جوهرية نحتاج التوقف عندها، وهي:

  • أن هذه التنمية المتوازنة بين المناطق تحتاج تنمية متوازنة أخرى بين مدن ومحافظات ومراكز المنطقة الواحدة؛ بمعنى أن العاصمة الإدارية للمنطقة استحوذت على نصيب الأسد من تلك التنمية مما أحدث تباين بين تنمية مدن ومحافظات ومراكز وقرى المنطقة الواحدة.
  • يبدو أن الحوافز التشجيعية للمستثمرين للاستثمار في تلك المناطق لإيجاد فرص عمل لأبناء المناطق غير كافية مما نتج عنه نزوح أبناء تلك المناطق للمناطق الكبرى الثلاث مرة أخرى للبحث عن فرص عمل بالرغم من المقومات الاستثمارية في تلك المناطق.
  • استنساخ الجامعات بكلياتها وأقسامها حتى في مبانيها دون أخذ بعين الاعتبار التمايز النسبي بين المناطق من حيث مواردها ومقدراتها وبيئتها ومناخها وجغرافيتها…
  • التكلفة التشغيلية العالية لتلك المنشآت الضخمة (المشاريع التنموية) وصيانتها..
  • الثانية: عهد الملك سلمان ورؤية المملكة 2030…

في الثامن عشر من شهر رجب لعام 1437هـ وافق مجلس الوزراء برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله- على رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي تسعى إلى تطوير البلد اقتصاديا من خلال تنويع مصادر الدخل، وتعالج الخلل في الخطط التنموية السابقة، والاستثمار الأمثل لمقدرات وامكانيات البلد معتمدة على ثلاث مرتكزات هي العمق العربي والإسلامي والقوة الاستثمارية والموقع الجغرافي. هذه الرؤية ستعمل على استثمار المزايا التنافسية لكل منطقة مع النظر في جدوى تأسيس مناطق خاصة لقطاعات واعدة منها المناطق اللوجستية والسياحية والصناعية والمالية وغيرها وبأنظمة ولوائح خاصة لتعزيز الاستثمارات النوعية. فكل منطقة من مناطق المملكة تتميز بميزة خاصة عن غيرها، التي هي مكامن قوة لها، فلنأخذ بعض الميز النسبية لمناطق الشمال كأمثلة لفرص الاستثمار فيها:

  • المناطق الشمالية الغربية إلى مشارف منطقة المدينة المنورة من أفضل المناطق للاستثمار في إنتاج الطاقة الشمسية لتركز أشعة الشمس وقلة الغبار الذي يسبب تشتيت أشعة الشمس .
  • المناطق الشمالية تملك ملايين من أشجار الزيتون المنتجة إلا أن هناك قصور واضح في انتشار منتجات أشجار الزيتون في أسواق المملكة مقارنة بالمستورد من الخارج ووجود فجوة كبيرة بين العرض والطلب على زيت الزيتون، ويعزوا غالب المنتجون لزيت الزيتون والمزارعون أن هذا التباين بسبب عدم وجود آليات تسويق متطورة لهذا المحصول الغذائي الوطني الاستراتيجي والمنتجات الصناعية المصاحبة له كالصابون وغيره.
  • منطقة شمال البحر الأحمر – منطقة تبوك- تزخر بشواطئ بكر ومناظر طبيعية رائعة ومعالم تاريخية وأثرية وأجواء مناسبة غالب العام وتتميز بمقومات الجذب السياحي والاستثماري تبدأ من مدينة ضباء حتى مدينة حقل على رأس خليج العقبة، تحتاج إلى مشروع وطني استثماري ضخم “مارشال” لاستغلالها واستثمارها سياحيا وتجاريا كإنشاء مدينة ترفيهية عالمية وربط هذه المنطقة بمدينة وعد الشمال ومدينة جدة بسكك حديد وطرق سريعة وانشاء مطار وتطوير الموانئ هناك. وستزداد أهمية تلك المنطقة عند الانتهاء من جسر الملك سلمان البري الذي سيربط المملكة بمصر .
  • تطوير أو إيجاد مناشط سياحية نوعية جاذبة بجانب ما هو موجود:
  • جعل رالي حائل الدولي بالنفود الكبرى مناسبة وطنية تكرس لها الجهود.
  • استغلال واستثمار المحميات البرية سياحيا كمحمية حرة الحرة والطبيق والخنفة…الخ.
  • إيجاد سباق للدراجات الهوائية ينطلق من قلعة مارد في دومة الجندل مرورا ببحيرة دومة الجندل وينتهي بقلعة زعبل بمدينة سكاكا بمسافة ٢٥ كم تقريبا يتزامن مع مهرجان الزيتون بالجوف السنوي.
  • تاريخيا، فلنتذكر ما أحدثه إنشاء خط التابلاين من حراك نهضوي وحضاري في مدن الحدود الشمالية في الماضي.

ولمعالجة الضغط على الخدمات والحد من الهجرة إلى المناطق الرئيسية وزيادة الحراك الاقتصادي واستثمار الموارد بشكل أمثل في المناطق النامية بشكل عام قد يكون من المناسب النظر بالتالي:

  • نقل بعض قطاعات الدولة المدنية أو العسكرية إلى مناطق أخرى كما صدر – على حد علمي – بنقل كلية الملك فيصل الجوية بمدينة الرياض إلى منطقة حائل، ولنا في إنشاء المدن العسكرية (كتبوك) مثالا.
  • وضع خارطة استثمارية للميز النسبية والتنافسية ( كأطلس استثماري اقتصادي) لأهم الفرص الاستثمارية في المناطق الأقل نموا، شاملا المؤشرات الاقتصادية والبنى التحتية والخدمات والقوى العاملة، والحوافز التشجيعية التمييزية المناسبة لكل منطقة.
  • زيادة المناطق الإدارية (13 منطقة) وإعادة تقسيمها بناء على معايير تحقق التنمية المتوازنة والمستدامة وبما يتلاءم مع عدد السكان والمساحة الجغرافية.
  • إعادة هيكلة ميزانية الدولة على أساس حاجات المناطق وليس حاجات الوزارات.
  • العلاقة بين مجالس المناطق والمجالس البلدية والمحلية والأجهزة المركزية التنفيذية وتداخل الصلاحيات..
  • إعادة هيكلة بعض الأقسام في جامعات المناطق الأقل نمو لتتواكب مع متطلبات رؤية المملكة 2030 وتتوافق مخرجاتها مع المميزات النسبية لمناطقها.
  • أهمية مساهمة القطاع الخاص ورجال الأعمال في تنمية المراكز والقرى النائية ومشاركتهم الفعلية في البنية التحتية وتوفير الخدمات العامة فيها.
  • إيجاد برنامج وطني يشمل صندوق تمويلي لتنمية المراكز والقرى النائية وتوفير الخدمات الأساسية لها يساهم فيه القطاع الخاص بجانب ما توفره الدولة.

هذا جزء بسيط من ما تزخر به المناطق الشمالية (حائل، الحدود الشمالية، الجوف، وتبوك) من فرص ومقومات.

التعقيب الثالث: م. سالم المري

على الرغم مما تحقق في المملكة ، ولله الحمد، من تنمية ورفاهية إلا أنني اختلف مع د. العناد في أن ما تحقق من تنمية يعود إلى خطط التنمية السابقة التي بدأت منذ أكثر من خمسة وأربعين عام. فالخطط الخمسية فشلت في تحقيق أهدافها ولم تكن تؤخذ بجدية من قبل الجهات الحكومية المختلفة. والدليل على ذلك أنها جميعا وضعت تنويع مصادر الدخل الوطني، وتقليل الاعتماد على النفط، في الناتج الإجمالي المحلي هدفاً رئيساً، ولكن بعد انقضاء 45 عاماً لا يزال النفط يمثل 90% من الدخل الحكومي.

وبرنامج التحول الوطني الحالي هو في الواقع محاولة لتصحيح ما فشلت فيه تلك الخطط. أما ما تحقق من تنمية وخدمات ورفاهية فهي بسبب إرادة القيادات المتعاقبة في الدولة واستجابة لحاجات ملحة يطالب بها المواطنون وليست بناء على خطط محكمة.

وكذلك لا اتفق مع د. العناد فيما ذهب اليه بأنه كان للمناطق الكبرى نصيب الأسد من مشروعات تلك الخطط ومما صرف من الميزانيات نظرا للكثافة السكانية التي تسكن تلك المناطق.

والحقيقة أن العكس صحيح فالتكدس السكاني في المناطق الرئيسة هو بسبب تكدس المشاريع التنموية في المناطق الرئيسة والذي بدوره أتى بسبب قصر مناصب الدولة على ابناء تلك المناطق. فلم يكن في المملكة اصلا مدنا بكثافه سكانيه كبيرة إلا حديثا بعد مشاريع التنمية.

وعلى الرغم من كل ذلك فقد كان هناك توجه واضح من قيادة الدولة نحو توسيع دائرة الاهتمام وتوزيع مشاريع التنمية، ومثال ذلك توجيهات خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، أمام مجلس الشورى عام 1428هـ، حينما أكد أن هناك مناطق تحتاج إلى مزيد من العناية، ولكن هذا الاهتمام من رأس الهرم في السلطة لم يستطع الانعكاس كناتج ملموس بقدر ما أعطته الدولة من اهتمام حيث نجد أن هناك فروقاً كبيرة بين هذه الرؤية وبين تنفيذها، ونجد أن التنمية في المملكة تفتقر للتوازن من حيث عدم وجود توزيع عادل لمشروعات التنمية بين مختلف المناطق، وكذلك من حيث عدم وجود تناغم بين المكونات الرئيسة للتنمية كالمشروعات الخدمية والمكون البشري والتعليمي مما أجبر السكان على الانتقال إلى المدن الكبرى بحثا عن العمل والخدمات لتحسين ظروفهم المعيشية.

  • أسباب التنمية غير المتوازنة:

عند البحث في أسباب التنمية غير المتوازنة نجد ما يلي:

  • تفاوت مراكز القوى عند توزيع المشروعات التنموية فالمدن الكبيرة وبعض المناطق تكون مدعومة بمسؤولين كبار لهم نفوذ لا يقارن بالمدن الصغيرة والقرى والهجر والأرياف. ولذلك فإن اشراك المواطنين في صنع القرار وخاصة أبناء الريف والمناطق النائية من متطلبات التنمية المتوازنة.
  • عدم وجود سياسة ضريبية فاعلة تتحكم في مسار الاستثمارات وتوجيهها للمدن الصغيرة والقرى والأطراف، مما يؤدي إلى تكدس وتشبع في الاستثمار الحكومي والخاص في المدن الكبيرة على حساب المدن الصغيرة والأرياف.
  • بعض التشريعات المالية والإدارية مقيدة لصلاحية المناطق والمحافظات بالتصرف في مخصصاتها التنموية إن وجدت، حيث تبقى صلاحية مجالس المناطق والإمارات مقصورة على التوصية واختيار الأولويات دون أن يكون هناك صلاحيات ومخصصات للصرف والمناقلة بين المشروعات التنموية المختلفة.
  • تقصير وضعف الإدارة المحلية لبعض المناطق، ممثلة في أمير أو محافظ المنطقة ومجالس المناطق المعينة من قبل الإمارة والتي لا تمثل مواطني المنطقة تمثيلا حقيقيا، أضف إلى ذلك ضعف المجالس البلدية ومحدودية صلاحياتها. ومع أن الحاكم الإداري في مناطق المملكة نجح نجاحا باهرا في الجانب الأمني من التنمية نتيجة لارتباطه المباشر مع وزارة الداخلية إلا أنه فشل إلى حد كبير في القيام بدوره التنموي حتى أن مهامه وصلاحياته بهذا الشأن غير واضحة كما أن إجراءات المحاسبة معدومة. وترافق ذلك مع افتقار العديد من الوزارات إلى وجود أجهزة معنية بتقدير احتياجات المناطق وتحقيقها.
  • المشاريع التنموية من المفترض أن تعتمد على الاستحقاقات والدراسات المستندة إلى الحاجات الفعلية للمحافظات ولكن هذه الدراسات إن وجدت ضعيفة و أحيانا تتعرض للتحوير وتعوج رقابها لمصالح معينة بناء على الفئوية والمناطقية والمحسوبية.
  • هناك مركزية إدارية حكومية انعكست على الخدمات فجعلتها متركزة في العاصمة الرياض أو في العواصم الإدارية للمناطق بينما كان بالإمكان توزيع هذه الخدمات كالمستشفيات والجامعات و المعاهد و المصانع و مقار الهيئات و المؤسسات على المدن و القرى المختلفة على مستوى المملكة لإحيائها.
  • نتيجة التنمية غير المتوازنة

تؤدي التنمية غير المتوازنة إلى مشاكل عدة، كالتفاوت التنموي بين المناطق والمدن وتفاوت الدخول بين أفراد المجتمع، بالإضافة إلى الهجرة من الأرياف إلى المدن، ومن المدن الصغيرة إلى الكبيرة، ومن الأطراف إلى المراكز، و تؤدي إلى تكدس السكان وتجمعهم في الحواضر والمدن الكبيرة على حساب المدن الصغيرة والنائية والتجمعات الريفية والقروية،

وهذا التفاوت يرفع التكاليف المالية على الدولة، نتيجةً للنمو الفوضوي غير المخطط للمدن الكبيرة، مما يجعله من المستحيل الوفاء بالخدمات الأساسية للسكان كالتعليم والصحة والطرق والكهرباء والمياه. إضافة إلى الآثار الاجتماعية والأمنية، حيث تنتشر الجريمة والسلوكيات الاجتماعية غير المرغوبة في المدن الكبيرة، وتكثر الأزمات المرورية،

ويتضح مما تقدم أن هناك ضرورة ملحّة لإعادة النظر في طريقة توزيع المشاريع وبرامج التنمية والتأكد من تعميمها على كافة المناطق بشكل متوازن، حتى ينال المواطن في مختلف أرجاء الوطن نصيبه من فرص العمل والتنمية الاجتماعية والخدمية، مما سيساعد في إعادة هيكلة توزيع الكثافة السكانية ويخفف الضغط السكاني على المدن الرئيسة. وسيؤدي ذلك أيضا إلى إحياء المناطق الريفية و مناطق الأطراف والمناطق النائية ووقف الهجرة منها للمدن الرئيسة وإحداث هجرة معاكسة.

التعقيب الرابع: د. عبدالله بن ناصر الحمود

في مداخلتي.. سأحاول أن أحقق أمرين. الأول، أن أكون مختصرا قدر الإمكان. والثاني، أن أكون مباشرا وغير مكرر لأفكار يتم تداولها في هذا السياق.

أعتقد أن من ضرورات التنمية المتوازنة أن نحسم موقفنا العملي أولا من الأمور التالية:

  • مدى رغبتنا وجديتنا في تحقيق تنمية متوازنة فعلية.
  • مدى امتلاكنا لأدوات تحقيق التنمية المتوازنة. وهنا لابد من امتلاك ما يلي:
  • الإرادة النافذة غير المواربة
  • الكفاءة القيادية والأهلية الإدارية في كافة القطاعات المجتمعية
  • النظام الإداري التكاملي غير المركزي.
  • الكفاية التمويلية
  • معايير دقيقة للجودة
  • أنظمة فعالة للتقويم والمراقبة والمساءلة والتحفيز.

أعتقد أن الحديث عن التنمية من حيث الفكرة دون ضمان تحقق ما سبق ذكره، حديث لا يتعدى القول به.

أما في ظل غياب الرؤى الجيدة والمتابعة والجودة واللامركزية، فيصبح الحديث عن التنمية المناطقية المتوازنة .. مجرد أمنيات لا يمكن لأحد تصور حدوثها واقعا. فالمركزية بالرغم من ملاءمتها لحلول مجتمعية كثيرة، فهي داء لا تصلح للعمل المتوازن. فكفة المركز في كل التجارب على مر التاريخ تميل عن كفة الأطراف. وبالتالي، تعجز المجتمعات عن تحقيق أمانيها في التنمية المتوازنة.

في تجربتنا السعودية مثلا، لا أدري كيف يمكن أن تحقق إمارات المناطق الرفاه لأبناء المنطقة، أو حتى أن توفر الخدمات والمرافق في المنطقة في ظل هيكلة وطنية مركزية لكافة الخدمات والمرافق في الصحة والتعليم والإسكان والخدمة الاجتماعية وغيرها من القطاعات؟ ما الذي يمكن أن يفعله مدير فرعي لإحدى الوزارات التي في المركز؟ ثم كيف يمكن ضمان التوازن في عمل كل مديري الفروع في المناطق ومدير الفرع أضيق حيلة من أن يتخذ قرارات تنفيذية ناهيك عن قرارات التخطيط الاستراتيجي.

وحتى يمكن الحديث عن تنمية متوازنة. ينبغي، في ظني، البدء بالتحول للإدارة الوطنية الإبداعية التكاملية، وتحقيق استقلالية تامة للقرارات التنموية المناطقية في ضوء خطة استراتيجية وطنية محكمة.

  • النموذج السعودي في التنمية

لا يمكن للمهتمين بقضايا وموضوعات التنمية المجتمعية الحديث عن (التنمية الشاملة) في المجتمعات الإنسانية دون استحضار التجربة السعودية وخصوصا منذ منتصف السبعينات الميلادية الماضية التي شهدت انطلاق الخطط الخمسية للتنمية السعودية بخطط  ضرورات التوطين والتعليم والصحة.. وحتى نهاية التسعينات تحديدا التي شهدت خطط السعودة والخصخصة.

فتلك الفترة كانت نموذجا شاهدا لقدرة الإنسان في العصر الحديث على فعل الخير.

فمن المهم جدا.. الإقرار بما فعلته السعودية من أجل تنمية شاملة رائدة.. وبما أنجزته في هذا المجال الأكثر كلفة وتعقيدا.

ومن شواهد ذلك:

  • لم يكن يسيرا أبدا في عقدين من الزمان أن ينتقل البدو من السعوديين من العيش في الصحراء والخيم إلى القرى والمدن.. لكنه حصل بالفعل خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي .. وكانت تلك الحقبة مرحلة مهمة في التوطين وبناء الحضارة البشرية في أكثر من بقعة في الخارطة السعودية.
  • لم يكن متخيلا أبدا .. أن يكون الوالدان بنسبة عالية في المجتمع أميين لا يجيدان القراءة والكتابة.. وابنهما يحمل شهادات عليا من أعرق الجامعات العربية والأجنبية..
  • لكنه حصل.. وشهدت نهاية السبعينات وسنوات الثمانينات الماضية هذه الحقيقة العظيمة في تنمية الإنسان والمجتمع وبشكل ملحوظ داخل عدد كبير جدا من الأسر السعودية.
  • لم يكن متصورا أبدا.. أن تتعلم المرأة في نجد تحديدا.. وما جاورها.. لأسباب مجتمعية وثقافية ظاهرة.. لكنها تعلمت.. منذ بداية الستينات.. وازدادت تعليما وتأهيلا مع خطط التنمية في السبعينات والثمانينات.. ثم لم يكن متصورا أن تبتعث مثل الرجل للدراسة في الجامعات العالمية.. لكنها ابتعثت في التسعينات وما بعدها.. ثم لم يكن متصورا أن تشارك سياسيا وإداريا ومجتمعيا.. ففعلت منذ التسعينات .. واستمرت في الفعل بجني مساحات متجددة من أنواع وأشكال الفعل التنموي..
  • الطفل السعودي الذي كان يجري حافيا خلف سيارة مبيد الحشرات.. ويتنشق دخان المبيد بفتحتي أنفه الصغيرتين وبفمه الفاغر وهو يجري .. دون وعي منه ومن أهله.. كبر .. وتعلم.. وتحول.. وصار مسؤولا تنمويا رائدا..
  • السعودي الذي لم يكن يجيد إدارة حسابات مزرعته.. أو ماشيته.. كبر أبناؤه وأداروا البنوك .. والمؤسسات المالية الكبرى.. والجامعات.. والشركات العملاقة..
  • مكاتب وزارات الدولة في التعليم والصحة والخدمة الاجتماعية والماء والكهرباء والاقتصاد وغيرها.. التي كانت تعج بالموظفين المتعاقدين من العرب خاصة استبدلت منذ بداية التسعينات الماضية موظفيها بكفاءات سعودية .. واستطاع الشباب السعودي أن يقوم بدوره.. ويواصل مشوار تنمية مجتمعه ..
  • السعودي الكادح.. الذي كان مطلع القرن الماضي .. يأكل الجراد.. ويصطاد الضب ليأكله أيضا (عوزا وليس تراثا).. ويتناوب هو وأفراد أسرته وأقرانه على مص نوى التمر من شدة الجوع.. صار هو نفسه وأبناؤه معه يتقنون صناعة الموائد.. والتلذذ بطيب العيش.. في تحول تنموي دراماتيكي غير مسبوق..
  • السعودية التي كانت تتهددها الخلافات القبلية ويخيف أهلها قطاع الطرق.. أول القرن الميلادي الماضي .. صارت وطنا عظيما متحدا متعاضدا قاد حرب تحرير الكويت.. نهاية القرن.. وقاد عاصفة الحزم .. ويقود إعادة الأمل اليوم .. في كثير من دول الجوار وليس فقط في اليمن..
  • السعودية التي وصمت بالإرهاب.. صارت خلال عقد واحد من نشأة الكارثة .. تكافح الإرهاب العالمي.. وتناصح الجانحين.. وتنجح ..

تلك .. محض.. شواهد موجزة ومقتضبة .. لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن التنمية أبدا….

ولمزيد بيان.. فقد واجه العمل التنموي السعودي محطات مهمة أثرت فيه إيجابا وسلبا.

فمما أثر إيجابا .. الطفرة الأولى خلال سنوات السبعينات الماضية نتيجة ارتفاع أسعار النفط ومحدودية متطلبات التنمية حينذاك سواء بالنسبة لعدد السكان الذي كان قليلا أو لتجربة التنمية ذاتها التي كانت في بداياتها، ومنه أيضا الطفرة الثانية نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة وبدايات العقد الثاني.. أيضا نتيجة للارتفاع الكبير في أسعار النفط حينها.

ومما أثر سلبا.. الأزمة المالية بداية الثمانينات الميلادية الماضية نتيجة اضطراب أسعار النفط .. وأحداث أفغانستان حربا وفكرا.. وحربا الخليج الأولى والثانية وبروز ظاهرة الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001.

أيضا.. التنامي الكبير في عدد السكان بالقدر الذي سجلت معه المملكة مطلع الألفية الجديدة أحد أكثر المجتمعات الإنسانية في زيادة عدد السكان.

لقد تحول عدد السكان من ثلاثة ملايين بداية القرن.. إلى أكثر من ثلاثين مليونا في نهايته.. ومن مجتمع بسيط متجانس.. إلى مجتمع معقد العلاقات نصف سكانه من الأيدي العاملة الخارجية متعددي الجنسيات.

  • السعودية بين تنمية المركز .. والأطراف

يمكن القول.. أنه حتى نهاية التسعينان الميلادية الماضية لم يكن ثمة إشكالات تنموية كبرى يواجهها المجتمع السعودي اللهم ما عدا ما كانت تتوافر عليه البيئة التنموية من رؤى ناقدة لمجمل مجالات التنمية وأبعادها الثقافية والاجتماعية.. وهي بيئة كانت ثرية وعميقة الجدل حول التنمية.

لقد كأن موضوع التنمية المتوازنة من بين أهم جدليات التنمية السعودية منذ عقود من الزمن..  لكن سنوات التسعينات الماضية هي المرحلة التي يمكن القول أنها منعطف تاريخي مهم في نظرة المجتمع للفروق بين تنمية المركز وتنمية الأطراف.

وانبرت الأقلام الناقدة تفند الفروق بين المركز والأطراف سواء في مجالات التنمية التحتية للخدمات والمرافق أم التنمية الفوقية في مجالات التعليم والمؤسسات الثقافية والفكرية.

ستة عوامل يمكن الإيمان بأنها كانت وراء القلق المجتمعي المتنامي نحو التنمية المتوازنة..

  • ارتفاع عدد السكان وزيادة الطلب على المنافع الفردية والعائلية من التنمية.
  • توسع المدن والقرى وتعدد مرافقها وخدماتها التنموية وارتفاع تكلفة التشغيل والتطوير والصيانة.
  • تحمل الدولة لأدوار إقليمية ودولية متزايدة وارتفاع تكلفة الوفاء الاختياري أو القسري بهذه الأدوار.
  • ارتفاع تطلعات الفرد في المجتمع نتيجة تسارع التحول التنموي وتأثيراته على قرارات الأفراد والأسر وتعقد العلاقة بين الناس وضرورات العيش الكريم.
  • ظهور نماذج من عدم التكافؤ التنموي بالفعل بين المركز والأطراف.. فقد حظي المركز بنصيب وافر جدا من الفعل التنموي مقابل نصيب أقل كثيرا للأطراف.. وهذا الأمر أوجد العديد من المقارنات التي أجراها الناس من حولهم.
  • عدم الكفاية في حلول التنمية المتوازنة التي تم تبنيها .. فمن أبرز تلك الحلول إنشاء جامعات في الأطراف حتى ناهزت الجامعات السعودية الثلاثين جامعة خلال أقل من عقدين.. بعد أن كنا نكتفي بسبع جامعات لأكثر من خمسة عقود.

لكن هذا الحل المهم لذاته.. لم يكن مصحوبا بمنظومة من الفعل التنموي المناطقي.. فأصبح يواجه تحديات من نوع جديد تمثلت في عدم قدرة الأطراف على استقطاب كفاءات للعمل في جامعاتها.. وكذلك العجز الواضح في توفير الأطراف لأسواق عمل تتناغم ومخرجات تلك الجامعات.. فعاد الأمر كأنه لم يكن خيارا ناجعا في تحقيق تنمية متوازنة قادرة على تحقيق التكامل المناطقي في منظومة وطنية واحدة.

  • حلول مقترحة لتحقيق تنمية متوازنة

ينبغي الإقرار، في البداية، بوجود ضرورة لإجراء مراجعات عميقة في مجمل الرؤى والسلوكيات التنموية الراهنة.

صحيح أن جهات الاختصاص وفي مقدمتها وزارة التخطيط.. تقوم بجهود رائعة في هذا السياق.. لكن يبدو أن ثمة شيء ما يحول دون تحقيق هذه الجهات لرضا فعاليات المجتمع.. فوتيرة النقد تزداد.. والحقائق التنموية على الأرض تواجه تحديات عميقة في المركز وفي الأطراف .. لكنها في الأطراف أدهى وأمر على مستويات الكفاية والجودة.

وفي ظني، أن الحديث عن حلول مقترحة لن يفيد إن ذهبنا نرسخ ذات المنهج المركزي في إدارة التنمية.

لقد كبر المجتمع. وتعددت مدنه وقراه.. واتسعت منظومة الاحتياجات التنموية للناس.. ولم يعد ممكنا العمل وفق المنظور الرعوي المركزي القائم حاليا.

لا بد من التفكير في أصل الإشكال واقتراح حلول منهجية.. وليس مجرد بدائل أو خيارات تنفيذية..

أعتقد أن من ضرورات التنمية المتوازنة مستقبلا في المملكة أن نحسم موقفنا العملي أو لا من مدى رغبتنا وجديتنا في تحقيق تنمية متوازنة فعلية.

ثم ننظر في مدى امتلاكنا لأدوات تحقيق تلك التنمية المتوازنة. وهنا لا بد من امتلاك ما يلي:

  • العمل من أجل التغيير بإرادة وإدارة نافذتين غير مواربتين.
  • الكفاءة القيادية والأهلية الإدارية في كافة القطاعات المجتمعية ذات العلاقة بالتنمية الشاملة من أي زاوية.
  • النظام الإداري التكاملي غير المركزي. وهنا لا بد من إعادة النظر في الأنظمة الأساسية في المملكة.. وأهمها نظام المناطق، الذي ربما سيكون أفضل وأكمل لو أنه منح الإدارة الحكومية في المنطقة صلاحيات تنموية تخطيطية ومالية وتنفيذية واسعة، واكتفى المركز بوضع الأطر الوطنية الاستراتيجية بما يشمل المتابعة والقياس والتقويم.
  • الكفاية التمويلية.. ولن يتأتى ذلك دون تحقيق مقتضيات رؤية 2030 لتنويع مصادر الدخل الوطني. فقد أصبح من نافلة القول الحديث عن خطورة الاعتماد الكلي على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل الوطني.
  • معايير دقيقة للجودة وأنظمة فعالة للتقويم والمراقبة والمساءلة والتحفيز.

ومن هنا، أخشى أن يكون الحديث عن التنمية المتوازنة دون رؤية وطنية جديدة.. ودون مسؤوليات مناطقية نافذة..  حديث لا يتعدى القول به.

كما أخشى أن يكون الحديث عن التنمية المناطقية المتوازنة .. مجرد أمنيات لا يمكن حدوثها واقعا.

فالمركزية بالرغم من ملاءمتها لحلول مجتمعية كثيرة سبقت في العقود الماضية، فهي داء لا تصلح للعمل المتوازن الراهن.

لقد أصبح السؤال مشروعا.. هل يمكن في تجربتنا السعودية أن تحقق إمارات المناطق الرفاه لأبناء المنطقة، أو حتى أن توفر الخدمات والمرافق اللازمة في المنطقة في ظل هيكلة وطنية مركزية لكافة الخدمات والمرافق في الصحة والتعليم والإسكان والخدمة الاجتماعية وغيرها من القطاعات؟ وما الذي يمكن أن يفعله مدير فرعي لإحدى الوزارات في منطقة ما وهو خاضع لرئيسه  في المركز الذي يتلقى كل احتياجات كل مديري الفروع…

خلاصة الأمر..

حتى يمكن الحديث عن تنمية متوازنة. ينبغي، في ظني، البدء بالتحول للإدارة الوطنية الإبداعية التكاملية، وتحقيق استقلالية تامة للقرارات التنموية المناطقية في ضوء تطوير عميق للإدارات المناطقية وخطة استراتيجية وطنية محكمة.

التعقيب الخامس: د. علي الحكمي

يعتبر تكافؤ التنمية بين المناطق ضرورة وطنية لما له من دور كبير في تعزيز اللحمة الوطنية وتحقيق الأهداف التنموية للمملكة بشكل عام، ولذلك فإن من المهم أن ننظر للتنمية المناطقية على أنها استثمار للمستقبل وطريق للتنمية الاقتصادية وليس كعبء على الدولة. فكل منطقة من مناطق المملكة لها جوانب قوة اقتصادية وإمكانات متاحة كبيرة، نحتاج تحديدها والبناء عليها وتوظيفها كركائز للتنمية المستدامة.

وتحقيق التكافؤ في التنمية المناطقية مشكلة تعاني منها الكثير من دول العالم. ولذلك فقد استرعى هذا التحدي اهتمام المنظمات التنموية العالمية ومنها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والتي تعرف التنمية المناطقية على أنها “جهود عامة من الدول لتقليل التفاوت التنموي المناطقي في الخدمات من خلال مساندة توفر فرص عمل، ودعم تحقيق الرفاهية للمواطنين، وتحفيز الأنشطة الاقتصادية في المناطق”.  ووفقاً للمنظمة، فإن معظم السياسات في دول العالم كانت تطمح لتحقيق ذلك من خلال مشاريع البنية الاقتصادية الكبرى وجذب استثمارات للمناطق، ولكن هذه السياسات لم تنجح في تقليل التفاوت التنموي بينها، ولم تساعد المناطق المتأخرة في اللحاق بالمناطق الأخرى، بالرغم من تخصيص ميزانيات مرتفعة، مما أدى إلى عدم الاستغلال الكافي للموارد في تلك المناطق، وضعف التماسك الاجتماعي في تلك الدول.

ولذلك أوصت المنظمة في تقرير لها باتخاذ مجموعة من الإجراءات لتقليص التفاوت بين المناطق وتحقيق تنمية مناطقية أفضل من خلال تعزيز القدرة التنافسية للمناطق وبناء اقتصاديات قوية ومستدامة، وتعزيز الحوكمة المبدعة والفعالة في جميع المستويات الإدارية، وتبني سياسات جديدة توظف الموارد العامة لتحقيق نتائج تنافسية، ويمكن تلخيص التناول الجديد الذي توصي به المنظمة بما يلي:

  • تبني استراتيجيات تنموية تعتمد على عوامل ترفع من أداء المؤسسات الاقتصادية المحلية (في المناطق) وخاصة القطاع الخاص.
  • التركيز على الموارد والإمكانات التي تختص بها كل منطقة.
  • التركيز على الفرص المتاحة في كل منطقة وعدم الاقتصار على تلبية الاحتياجات.
  • تبني نظام حوكمة فعال على جميع المستويات (الوطني والمناطقي والمحلي) مع مزيد من تفويض الصلاحيات المتعلقة بالتنمية للمناطق.
  • وجود مؤشرات اقتصادية واجتماعية دقيقة عن تحقق أهداف السياسات التنموية في المناطق.

وفي اعتقادي أن المملكة يمكن أن تستفيد من هذه النظرة الشاملة لعناصر التنمية المناطقية والبداية بالسياسات الاقتصادية الفعالة والتركيز على تنفيذ الخطط وقياس فاعلية الأداء على مستوى المناطق.

المداخلات حول قضية: (تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة)

  • الرؤى حول واقع تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة

يرى د. خالد الرديعان أن مشكلة عدم تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة يعود إلى عدة أسباب أوردها على النحو التالي:

  • الفساد الإداري والمحسوبية؛ فبعض المناطق غير ممثلة بما فيه الكفاية في الجهاز الحكومي التنفيذي، ومن ثم ميل المسؤول في أعلى الجهاز الحكومي إلى خدمة منطقته التي وفد منها وإعطاءها أولوية قصوى في توزيع الخدمات الأساسية؛ كالمياه والكهرباء والاتصالات والتعليم والصحة والطرق والإسكان ومشاريع الصرف الصحي والخدمات البلدية والقروية.
  • تفاوت نفوذ أمراء المناطق؛ فبعضهم يتم تحقيق رغبات منطقته بسهولة بفضل تواصله المستمر مع الوزراء والمسؤولين في حين أن بعضهم أقل حظا في هذا الجانب.
  • بعض المناطق ذات كثافة سكانية منخفضة رغم أهمية موقعها؛ الأمر الذي يقلل من فرص حصولها على بعض المشروعات التنموية. بنفس الوقت تذهب المشاريع إلى مناطق مكتظة سكانيا نسبيا حتى في حال عدم الحاجة الماسة إلى بعض تلك المشروعات.
  • بتقديري فإن المناطق الوسطى فالغربية فالشرقية على التوالي تحظى بالنصيب الأوفر من المشروعات لأسباب اقتصادية وسكانية على حساب المنطقتين الجنوبية والشمالية اللتان تعدان أقل أهمية اقتصادية.
  • بعض المناطق تضم تجمعات قروية وهجر بدوية متناثرة يصعب إيصال الخدمات لها بنفس المستوى مما يدفع بمتخذ القرار إلى إعطاء الأولوية للتجمعات الكبيرة سواء كانت مدن أو قرى.
  • ضعف المبالغ المخصصة لبعض المناطق انطلاقا من قاعدة “الكثافة السكانية” ومن ثم يحدث تفاوت في تقديم المشروعات التنموية والذي يمكن ملاحظته بسهولة.
  • غياب صوت المواطن في المطالبة بالمشروعات التنموية بسبب عدم وجود قنوات تنظم مطالب السكان. صحيح أن هناك مجالس بلدية لكن هذه المجالس معنية فقط بالمشروعات البلدية ولا تتجاوزها إلى الخدمات الأخرى.

وقال د. سعد الشهراني في مداخلته: قضيتنا قضية مزمنة لأنها ابنة البيروقراطية المركزية المتسلطة و التي لا يتغير سادتها إلا ما ندر بعد أن يورثوها أبنائهم بالمعنيين الحقيقي و المجازي.

وأذكر أن الوزير ناظر رحمة الله عليه ألقى الكلمة الرئيسة في أحد لقاءات مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون و أتى على بعض الجوانب التي نتناولها الآن و كان ذلك منذ أوائل الثمانينيات من القرن الميلادي المنصرم، و ها نحن نجترها (و عذرا للكلمة ) بعد ما يزيد عن ثلاثين عاما. مرة أخرى فتش عن الإرادة و الإدارة في كل شؤوننا.

ينسب للملك عبدالله رحمة الله عليه عن رجل ثقة و كان ضمن وفد في جلسة خاصة و كان  المتحدث للتو فتح موضوع احتياجات منطقة عسير أن الملك قال للوفد قبل أن يكملوا مطالبهم عن حق:

بنروح وراكم شوي

يقصد منطقة جازان

و قال و فعل..

الرجل كأن حقيقة مهتما بالأطراف و الأقاليم خارج المناطق الثلاث. و لقد تحسن الوضع الخدماتي نسبيا منذ ذلك الوقت.

وأنا اؤيد بالمطلق كل ما ورد في مداخلة د. الحمود و د. الرديعان أعلاه، فلقد تحقق الكثير من المنجزات التنموية و لله الحمد.

و بالمناسبة هناك قضية اقتصادية تنموية مسكوت عنها و لها علاقة بموضوعنا و هي قضية  توزيع الثروة و الدخل على المستوى الفردي و الاجتماعي أي التوازن الإقليمي و المناطقي من حيث نصيب المنطقة و سكانها من الثروة الوطنية المتحكم بها مركزيا، وهذه تدخل فيما يسمى بالاقتصاد السياسي و لندعها فهي ملتبسة و الإنجاز فيها صعب و الحديث فيها أصعب..

خططنا التنموية أغفلت هذا الجانب و اتجهت للخدمات و الرفاه وأنجز فيهما الكثير و ادعت أنها تناولت الإنتاج و الإنتاجية و هنا الاخفاق الحقيقي .. فقد دمرنا الطبقة العاملة المنتجة بمعايير زمانها.

و بعيدا عن النفط و ملحقاته اتجهنا للتصنيع الاستهلاكي و مصانع بالمفتاح يتقادم الزمن على منتجاتها، لا تقوم بتشغيل قوى عاملة وطنية و لا تدفع ضرائب  بل إن ما يدفع للعمالة الأجنبية هو ضرائب على  دخلنا الوطني لصالح الأمم الأخرى..  بل ليت ملاكها يعيدون جزءا من المال العام الذي منحوه في أشكال متعددة.

التنمية غير المتوازنة و غير المنتجة ضاعفت و فاقمت مشاكلنا التنموية أصلا ..

لم لا تؤخذ المعايير السكانية للمشاريع في الاعتبار بل يتم تجاهلها عمدا و الالتفاف حولها حتى في الميزانيات، و هذا هو سر الهجرة إلى المدن الكبرى و هذا هو السبب الرئيس  للتنمية غير المتوازنة جغرافيا.

العقل المنحاز أصلا لا يقبل مثل هذه الحقيقة التي تستوجب انحيازا تنمويا لصالح المناطق التي تم التمييز ضدها مسبقا لنبدأ مشوارا تنمويا متوازنا جديدا!

وذكر د. إبراهيم البعيز أنه قبل عدة أشهر قام بدراسة تحليلية أولية عن الاختبار التحصيلي الذي يجريه المركز الوطني للقياس والتقويم.

وكشفت الدراسة عن المستور حول مستوى التعليم العام، والتباين الواضح بين مناطق المملكة في مستوى أداء الطلاب. ويظهر ذلك جليا في الجدول التالي حول متوسط أداء المدارس في الاختبار التحصيلي.

ونتيجة هذا الاختبار تعتبر من أهم معايير المفاضلة بين المتقدمين للالتحاق بالجامعة. وهذا التباين الذي كشفته اختبارات مركز القياس دعوة صريحة لنا للنظر في إشكالية التعليم في بعض المناطق، مما يهدد من مستوى العدالة والمساواة في الفرص التعليمية في الجامعات المتميزة، وعلى المنافسة في سوق الفرص الوظيفية الواعدة.

الخلل في توازن التنمية يمكن أن تكشفه الإحصاءات المتاحة حين تتم المقارنات بين مناطق المملكة ومنها: نسبة أعداد الأسرة في المستشفيات إلى عدد سكان المنطقة، وكذلك عدد المقاعد المتاحة للتعليم العالي في كل منطقة (الجامعات والكليات) مع عدد خريجي الثانوية العامة في ذات المنطقة.

وعلق د. علي الحكمي بأن ما أو رده د. البعيز بمثابة مؤشرات خطيرة. واتفق م. سالم المري مع هذا الرأي وأضاف أنها بالفعل مؤشرات خطيرة لأن سكان الأطراف والأرياف والقرى ليس لديهم الامكانيات المتوفرة في المناطق الأخرى لأسباب اقتصادية وأسباب خدمية تنموية.

ومن ناحية أخرى الجامعات والشركات لا تثق بنتائج الثانوية العامة بل تركز على نتائج اختبارات أخرى كالتحصيلي والقياس والانجليزي وغيرها.

كما أن أصحاب الدخل المحدود ليس لديهم إمكانيات لإلحاق أبنائهم بمدارس خاصة ودورات تقوية متخصصة بل إن مثل هذه الخدمات غير متوفرة في مناطقهم.

وهذا أحدث فرز خطير لمن يدخلون الجامعات وبالذات التخصصات الجيدة وكذلك من يدخلون في الأعمال المهمة مثل أرامكو وسابك وشركة الكهرباء مثلا؟!

وأضاف د. حامد الشراري لما تم ذكره، صعوبة استقطاب الكفاءات المتميزة لجامعات المناطق وخصوصا الكليات في محافظات تلك المناطق لعدم توفر البيئة التعليمية والترفيهية والأسواق  الجيدة .

وأورد د. حسين الحكمي ما كتبه سعيد الوهابي يوماً تحت عنوان: ما هو الفرق بين شقراء وصامطة؟ حيث قال: خذوا العبارة التالية وغردوا بها في تويتر:

“عدد سكان جازان 1.5 مليون نسمة ولديهم جامعة واحدة، وعدد سكان شقراء 45 ألف نسمة ولديهم جامعة واحدة”

بحسب مصلحة الإحصاءات العامة فإن عدد سكان شقراء خلال هذا العام هو 45 ألف نسمة بينما عدد سكان القنفذة 300 ألف نسمة وعدد سكان صامطة 225  ألف نسمة، تتوقع أن التنمية يجب أن تكون عادلة ولكن ما يحدث في الواقع هو عكس هذا، بحسب ميزانية البلدية فإن معدل ما تصرفه وزارة الشؤون البلدية على إنسان شقراء هو 1333 ريالا بينما نصيب إنسان صامطة هو 440 ريالا، عدد الأسرة في مستشفى شقراء أضعاف عدد الأسرة لإنسان صامطة من حيث عدد السكان، يوجد في شقراء جامعة باسمها بلغت نفقاتها هذا العام مليار ريال، هذا يعني مزيدا من الوظائف والمميزات لسكان شقراء، في المقابل يعيش نصف مليون مواطن في صامطة والقنفذة بلا جامعة ولا مليار ريال ولا هم يحزنون، وزارة التجارة والصناعة اختارت شقراء كأحد المدن لبناء مدينة صناعية عبر برنامج مدن الحكومي بينما أساس التنمية في صامطة هو سوق الاثنين الذي يعقد منذ قرون.

ماذا لو وُلد طفل ما في شقراء وآخر في صامطة؟، مع هذا الفرق في الإنفاق الحكومي بين المدينتين ستختلف حياتهما بالطبع، إنسان شقراء يعيش في مدينة فيها حدائق ومستشفى جيد وحي نظيف ووالده تعلم في جامعة شقراء بينما إنسان صامطة يرعى الغنم، إنسان شقراء جيل بعد جيل يتعلم أكثر ويتسيد أكثر وإنسان صامطة يطالب المسؤلين ويتراجع، عندما التقى داود الشريان في إحدى حلقات برنامجه مجموعة من أهالي قرى شرق هروب في منطقة جازان كانوا يشتكون من أن مطالبهم تصل فعلاً إلى مجلس المنطقة ثم تختفي، جزء من مشكلة التنمية في السعودية هي المركزية، صلاحيات مجلس المنطقة هي الرصد ورفع التقارير وكأنه شرطي مرور، كل المشاريع وخطط التنمية تتم في الرياض والرياض فقط، عندما زار الملك عبدالله جازان قالها بوضوح أن المنطقة لم تأخذ نصيبها من التنمية، صامطة وشقراء هنا أمثلة فقط لشرح وجهة نظري، هناك أملج وأشيقر، حفر الباطن والخرج، سدير والليث، كل المقارنات ستنتهي إلى أن هناك من يعزز اللاعدالة في التنمية المحلية.

وفي السياق ذاته، قال د.م. نصر الصحاف: أبدأ بالإشارة إلى موضوع مهم غفل عنه الكثير ويصب في صلب القضية ألا وهو التخطيط العمراني الشامل أو بدقة أكثر غياب التخطيط العمراني الشامل واستبداله بالتخطيط العشوائي – إن صح التعبير –  في معظم المناطق والدور السلبي لنتائجه!! ولنكن صريحين بعض الشيء في تسمية الشيء بنفسه وبدون حساسية مفرطة!

وأتساءل عن دور وزارة التخطيط و مصلحة الإحصاءات العامة في هذا الموضوع!

إذ أن الموضوع يفترض الضلوع بالأرقام والبيانات الموثقة وكذلك إسقاطات هذه الأرقام من حيث تعداد السكان وكثافتها وتكديسها في بعض المدن.

ومن بعض المسببات المؤدية إلى التركز العشوائي في مدن دون أخرى هو الغياب الكلي للتخطيط العمراني الرصين والمهني كما هو متبع في الدول المتقدمة !!

ومن هذه الأسباب:

  • الافتقار إلى الأرقام ومن ذلك التعداد الصحيح.
  • الافتقار إلى البيانات المتراكمة من الأجيال السابقة (توجد في المجتمعات المتقدمة لغرض الضرائب فتجدها دقيقة جداً ومعين لدراسات المستقبل).
  • تحديد الدراسات للتخطيط العمراني بعشر سنوات لا يعطي أهمية كافية للنتائج المترتبة فتخرج معظم الدراسات لدينا بنتائج غير واقعية ولا تخدم الهدف منها لقصور المدة الزمنية.
  • تراكم هذا النوع من الدراسات لا يخدم المجتمع بل يكرس التخبط الذي نحن فيه!!
  • الخطط الخمسية ساهمت في الرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمواطن إلا أنها تكرس الاعتماد على نتاج نمطي لا يدفع عجلة التقدم بل يكرس العلة من خطة خمسية تلو الأخرى؛ ويعمل بها عموماً في دول العالم الثالث ولكن للأسف بعد أربعين عام من البدء بها لم يتغير شيء إلا بعد طرح رؤية ٢٠٣٠ لدول العالم الثالث في الأمم المتحدة منذ سنتين.
  • الفساد الإداري من أبرز سمات عدم التوازن في التنمية بين المناطق.
  • غياب صوت المواطن عبر نظام شفاف يضمن وصول مطالبته لصاحب القرار بالتساوي شكل ولا يزال عائق يضاف إلى اتساع الخلل في التوازن التنموي المنشود في المناطق والأمثلة كثيرة (منطقة جازان من حيث الكثافة السكانية ومحدودية المرافق الهامة والمنطقة الشرقية من حيث الثروة الطبيعية وافتقارها إلى ما يعكس ذلك على أرض الواقع والمنطقة الوسطى وما تحظى به على حساب الجميع!!)
  • الشللية (أهون من توصيف أخر كالعنصرية مثلاً !!) في تنسيق المقدرات لجهة جغرافية بعينها على حساب أخرى !!
  • الاعتماد المفرط على الشركات الاستشارية الأجنبية في إيجاد الحلول بغض النظر عن المسوغات المحلية للدراسات المبني عليها (الاستشاري مكنزي ودراستها الأخيرة كمثال حي وناقص – بل يفتقر إلى أبسط الأسس العلمية في التحليل!!!)
  • الغياب الفاضح والواضح للمتخصصين – أبناء البلد المواطنون – عن المشاركة الفعلية للدراسة !!!

أما د. خالد بن دهيش فتطرق إلى مثال عن الخطة التنموية الشاملة لمنطقة المدينة المنورة التي سبق أن وضعت تحت أشراف الأمير مقرن بن عبد العزيز إبان إمارته على منطقة المدينة المنورة .

لقد كانت خطة تنموية شاملة لكافة أنحاء المنطقة ، حيث قام بإبلاغها لكافة قطاعات الدولة للعمل على تحقيقها وفق الأولويات التي تضمنتها الخطة ، وكان سموه يتابعها ، وأعتقد أنه بعد رحيل  سموه إلى الاستخبارات تغير الحال.

القصد من هذا المثال أن هناك – وللأسف الشديد- خلل يأتي بعد رحيل أي مسؤول وتعيين آخر تتغير التوجهات والخطط وفقاً للأجندة التي سيتبناها المسؤول الجديد ، فتذهب الجهود السلف ونبدأ من جديد مع الخلف وهكذا دواليك والضحية المنطقة وتنميتها. ووضعت منطقة المدينة كمثال فقط لمعايشة ذلك المثال ،، والمعاناة نفسها في  معظم قطاعات الدولة.

كما أن الخطط التنموية الخمسية للمناطق تحمل الكثير من المشروعات والبرامج التي بذل في إعدادها الكثير من الجهد والمال والوقت وعند وقت التنفيذ من خلال اعتماد الميزانيات من قبل وزارة المالية ينتهى الحلم وتتدخل عدة أمور لتوزيع الكعكة السنوية والشاطر يكسب النصيب الأوفر.

وذكر د. علي الحارثي فيما يخص أسباب عدم تكافؤ التنمية بين المناطق ما يلي:

  • المركزية هي السبب الرئيس لهذا التفاوت . قبل سنوات أشار أمير منطقه إلى أنه حان الوقت لاستقلال ميزانية المناطق فكاد التصريح أن يعصف به ، لأن أمراء المناطق ليس لديهم صلاحية لأي مشروع إلا بمقدار صلته بصاحب القرار أو الشحاذة اللطيفة من الوزير .
  • التركيز على مناطق معدودة لا تصل إلى عدد أصابع اليد دون غيرها ، استشعرها المواطن العادي مع بداية الخطط الخمسية الأولي (١-٢-٣).

وأضاف قوله: سمعت قصة دعابة من مواطن أمي عندما زارت لجنة عالية المستوى من وزارات متعددة مناطق الأطراف بعد حادث جهيمان لبحث أحوال المناطق ، أقام أهالي القرية مأدبة غداء تكريماً لهم وهذا الرجل المسن صاحب نكتة ودعابة حقق لأعضاء اللجنة ساعة ترفيه وعند المغادرة سألوه إن كأن يرغب خدمة ، حلف لهم أنهم لا يستطيعون تقديم الخدمة التي يريدها ، وبعد إلحاح قال لهم ،هل تستطيعون أن تأخذوا هذه المنطقة معكم سنة أو سنتين إلى نجد وتعيدوها لنا ؟ وأعتقد أن بعض الأمر لا زال قائماً لبعض المناطق رغم مضي أكثر من ٣٥ عاماً على هذه الدعابة .

  • خوف وفقر وجهل المواطنين بالتنمية المستدامة التي يحتاجونها لمناطقهم ومحافظاتهم ومراكزهم وقراهم لأن المطالَب تفسر سياسياً أكثر مما تفسر تنموياً .
  • كثير من أمراء المناطق والمحافظين ينطبق عليهم ما ينطبق على المواطنين ، ولذا كان همهم مصالحهم والحفاظ على الأمن والسكينة .
  • الهزال الإداري للأمانات والبلديات وغيرها من الدوائر وما رافق من فساد مالي وإداري .
  • هل التحول والرؤية ستحقق التكافؤ التنموي بعد ما حل بالمناطق من مشكلات مستعصية للحل وفى زمن الشح المالي ؟ ربما لا إلا من خلال تحديد ميزانية مستقلة لكل منطقه يشترك في توزيعها على المحافظات والمراكز والهجر كل من أمير المنطقة ومجلس المنطقة والوزارة المعنية.

وذكر د.م. نصر الصحاف أنه لا يتفق أبداً مع تحميل المواطن أي سبب لعدم تنمية منطقته كما ورد في (٣) أعلاه !!

فمن واجب الدولة توعيته وطمأنته على ما يريده هو لتنمية منطقته وهذا ما تفعله الدول المتقدمة لتزداد تقدما ونفس ذلك لا تفعله الدول النامية بشتى الأعذار فتظل متخلفة دوماً !!

وأوضح أ.د. عبدالرحمن العناد أن جهل المواطن تتحمله الدولة لا شك في هذا …. ولكن لا ننكر أن هناك بطانات منافقة ومواطنين جهلة يكررون أمام أمراء المناطق والمسؤولين أن كل شيء على ما يرام وأن الدولة أعزها الله ما قصرت والخير واجد … حتى وهو حفيان عريان .. ثقافة احمد ربك !!!

في برنامج إذاعي مواطن يتحدث عن قريته فيقول الحمد لله الدولة ما قصرت بس نبي كهرباء وتلفون ومدرسة ومستوصف وطريق زفلت … !!!

وعلق أ. خالد الحارثي بأنه إذا أصبحت التنمية تقاس بواسطة عبارات المواطن من اللباقة والمجاملة فهذا يعتبر مشكلة ( فكر ) عند النخبة .

المواطن لم يستشار ولم يشارك ولم تتاح له الفرصة لتقديم احتياجاته في تخطيط التنمية ، فليس من العدل ولا المنطق تعليق فشل التنمية عليه أو مشاركته في الفشل وهو لم يشارك في أي مدخلات لها.

وطرح د. عبد الله بن صالح الحمود وجهة نظره حول موضوع: تكافؤ التنمية بين مناطق المملكة العربية السعودية، وجاء فيها: من نافلة القول أن الوصول إلى مفهوم التنمية ، أي لتحقيق التنمية في مجالات عدة ، هو أمر يتطلب تحقيق خطوات متعددة ومتنوعة ، وتلك تبدأ عبر مراحل تسمى مراحل النمو ، بمعنى أن تحقيق التنمية بالمفهوم الرئيس لها وهو (التنمية الشاملة) ، لا يتأتى إلا بتحقيق مراحل النمو ، وهذا ما يؤكده مستشارو وخبراء صناعة التنمية من أن هناك دول نامية وهناك أيضا دول تنمية ، وهذه الأخيرة أصبحت كذلك بعد أن تجاوزت عتبات النمو.

هذه المقدمة مدخل للكتابة حول التنمية وكيفية الوصول إليها من أن النمو هو بداية الانطلاقة  للوصول إلى التنمية الشاملة .

وبعيدا عن التشريعات السابقة التي مرت على المملكة العربية السعودية لتحقيق تنمية سواء مستدامة أو مؤقتة ، من خطط خمسية مضى على تطبيقها خمس وأربعين عاما ، مرورا بمشروع التحول الوطني 2020م ، وانتهاء برؤية السعودية 2030م .

وعن مسألة تكافؤ التنمية بين مناطق الدولة أو مقاطعاتها أو المحافظات ، والمناشدة للوصول إلى تكافؤ منشود ، أرى هنا أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك بينهم تكافؤ في الوصول إلى تنمية بالتساو ، فإذا أخذنا على سبيل المثال عاصمة أي دولة ، فإنه من المفترض بل من الطبيعي أن تكون طبيعة الخدمات في العاصمة تختلف عن المدن الأخرى ، بحكم أن العواصم هي المقر السياسي لأي دولة ، وهذا لا يعني أن المدن خارج العاصمة لا يمكن لها أن تتمتع  بخدمات نوعية أو شبه مماثلة لما في العاصمة ، إنما المقصد هنا هو فارق الاحتياجات الخاصة بالعاصمة عن المدينة.

وحالة الوضع التنموي للمملكة العربية السعودية والتي هي محور قضية هذه الأسبوع ، نلحظ أن هناك معوقات ، البعض منها سببه التخطيط ، والبعض الآخر سببه الضعف الإداري ، واللذان كانا سببا في عدم دفع عجلة النمو لتحقيق تنمية مستدامة مؤملة.

فمنذ أن صدر نظام المناطق والذي تفرع من كل منطقة محافظات ومراكز ، كان تنظيما ولايزال يفترض أن يكون الأداء الإداري من خلاله للدولة يسير وفق تنظيم يخدم المصالح الوطنية لكافة المواطنين ، ولكن المؤسف له أنه وحينما تبدأ مسيرة التطبيق العملي نلحظ أن هناك مسببات تحول دون تحقيق ما هو مؤمل من تنظيم وطني كهذا .

من هنا تبدأ البداية عن معرفة هذه الأسباب وهي كالتالي :

يلاحظ أن إمارات المناطق والتي تعد المشرف العام والمرجع الرئيس لكل شؤون وشجون أي منطقة ما إداريا ، أن في هيكلها الإداري لا يتضمن توافر إدارات تعنى بالمجالات (الاقتصادية والاجتماعية) ، حيث ما هو معروف عن مناشط إمارات المناطق في السعودية هو العمل الأمني في الدرجة الأولى ، ولهذا يصعب الأمر معه أن تتحقق تنمية شاملة إداريا واقتصاديا واجتماعيا وتعليميا لأي منطقة ، وإن كان مجلس المنطقة من بين أعضاءه مدراء فروع القطاعات الحكومية ، فالمجلس مهما يكن يظل نشاطه تنسيقي وغير مخول بمناقشة ميزانية منطقته مثلا أو حتى يعمل وفق برنامج مرسوم لمنطقته لتلك الأسباب وأسباب أخرى مركزية تتصل بالمركز الرئيس في العاصمة، مما أضعف معه دفة الأداء لتطوير إداري شامل مأمول.

في معظم مناطق أو محافظات الدول التي تحققت فيها التنمية ، كانت لديها رؤى ، أهما الاستدراك من أن كل منطقة أو محافظة لها احتياجاتها الخاصة المعروفة مسبقا اقتصاديا واجتماعيا بحكم طبيعة المنطقة اجتماعيا وثقافيا، بل من المعروف أن الثقافات تختلف بين منطقة وأخرى ، فما هو مقبول ثقافيا في منطقة ما لا يمكن قبوله في منطقة أخرى ، وهذا بحد ذاته مؤشر اجتماعي يؤكد طبيعة احتياج كل منطقة عن الأخرى.

من السلبيات التي أضعفت الخدمات المقدمة لأي منطقة هو عدم الاستنارة بآراء أهالي المنطقة ومعرفة الاحتياجات الملح منها وغير الملح ، وبالتالي حينما تعتمد وتنفذ مشروعات تنموية في منطقة ما وكان المفترض أن تنفذ في منطقة أخرى فذاك أحد الأسباب التي أدت إلى حرمان الإتيان بخدمات منطقة على حساب منطقة أخرى.

هناك مثال واضح عن ضعف التخطيط في العقود الماضية ، اذكر على سبيل المثال ومنذ قرابة خمس وأربعين عام تقريباً عندما أنشئ المعهد الملكي الصناعي والذي جرى تغيير اسمه إلى المعهد الثانوي الصناعي بالرياض ، أليس من المفترض ومن الأنجع أن يكون إنشائه في مناطق أخرى شبه صناعية أو زراعية بدلا من إنشائه في العاصمة الرياض ، والتي قد نجحت فيها معاهد كالمدارس الثانوية التجارية والمساعدين الفنيين ومعهد البريد ، وهو ما يتفق مع الاحتياج الإداري والفني آنذاك في العاصمة ، وبنفس الاتجاه تتكرر الأخطاء حاليا وهو حينما تأسست جامعات جديدة في كافة المناطق السعودية وبعض محافظاتها ، لم يراع أيضا مسألة في غاية الأهمية وهو أن الجامعات التي أنشأت أخيرا جامعات تقليدية في طبيعة مخرجاتها التعليمية والتي تتماثل مع مخرجات الجامعات التي سبقتها في التأسيس منذ عقود طويلة في المناطق الكبرى أو الرئيسة كما تسمى لدينا ، بمعنى لم لا تكون جامعات مختلفة المخرجات على سبيل المثال ، جامعة صناعية وثانية تختص بالتكنولوجيا وأخرى طبية وهكذا، وهذا في ظني أيضا أحد الإخفاقات القائمة الآن في محدودية أعداد الخريجين في تخصصات الندرة والتي لازال نصيب الأسد منها يتجه للتعاقد الأجنبي القائم والمستمر لسد تلك الاحتياجات النادرة والملحة.

وعلق د. خالد الرديعان على الطرح السابق بقوله: لفت انتباهي القول بأن إمارات المناطق مشغولة بالجانب الأمني أكثر من انشغالها بخدمات المنطقة الأخرى وبالتالي أثني على الرأي بأن يتسع مفهوم الإمارة لتشمل كل النواحي التي لها علاقة بتنمية المنطقة.

هذا يتأتى بأن يكون في الإمارة إدارة خاصة للتنسيق بين مختلف القطاعات وتتواصل مع الوزارات مباشرة بإشراف أمير المنطقة. وقد تسمى “وكالة الإمارة لشؤون التنمية”.

وعقب د. عبد الله بن صالح الحمود بقوله: لاحظ على سبيل المثال لا للحصر ، في الهيكل الإداري لإمارة منطقة الرياض والتي تحتضن عاصمة البلاد،  يتضمن إدارة تعنى بخدمات المنطقة تتبع وكيل الإمارة المساعد ، ويتفرع من هذه الإدارة ثلاثة إدارات تعنى الأولى بالشأن المحلي وثانية تعنى بتنمية وتنسيق الخدمات وأخرى تعنى بمتابعة الخدمات .

كيف تتأمل أن يتأتى تنمية شاملة من خلال هذه الإدارة التي أتت في جزء بسيط من هذا الهيكل الإداري.

ومن جديد أوضح د. الرديعان أن موقع الإدارة المذكورة ضعيف في الهيكل الإداري ويفترض أن يرأسها وكيل خاص بالتنمية وليس وكيل مساعد.

وبدوره قال د. عبد الله بن صالح الحمود: بل يفترض أن يكون وكيلا بالمرتبة الممتاز لأنه عند ترأسه لاجتماع لإدارات حكومية أو يراسلهم خطابيا يستحيل ذلك وهو بالمرتبة الرابعة عشرة وأولئك البعض منهم بالخامسة عشر .

وقالت أ. هيا السهلي: الرياض تذكرني بأم البنين الكثير تزوجهم ويستقل كل ولد بمنزل إلا أنه حتى فنجال القهوة لا يشربه إلا في بيت والدته فلا يخلو بيتها من ابن داخل وابن خارج ، وحنّه ورنّه .

سابك في الجبيل وسابك في الرياض

البترول في الشرقية والوزارة في الرياض

الزراعة والمياه في الأحساء ووزارة الزراعة في الرياض

هيئة ملكية في لجبيل وينبع ، وهيئة ملكية للجبيل وينبع في الرياض !!

واختلف د.م. نصر الصحاف مع الرأي بتنمية العاصمة على حساب بقية المدن؛ فالعكس هو الصحيح في دول متقدمة كثيراً مثل الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا الخ.

فعلى سبيل المثال لنستعرض الولايات المتحدة كمثال فتجد أن مقاطعة كولومبيا كعاصمة فيدرالية لا تحظى بكثير من ميزات المدن المهمة الأخرى مثل نيويورك أو لوس أنجليس أو غيرها ….

أما لو قارنا على مستوى الولايات فحدث ولا حرج حيث أنه في المعتاد تكون عاصمة الولاية محصورة في قرية أو مدينة صغيرة تبعد كثيراً أو قليلاً عن أهم المدن التجارية بالولاية ولا تنعم بمزايا المدن الكبيرة من حيث المرافق.

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أنه لم يغفل حق المدن الأخرى في مداخلته ، وأضاف: لقد استثنيت العاصمة كوجوب توافر مرافق خدمية تتفق والاحتياج السياسي لها كعاصمة سياسية..

ولكن للحق أنا مع تطور و وجوب توافر الخدمات في مناطق ومحافظات عدة .. وأدرك البعد الاجتماعي الذي له احتياجه الخاص لكل مدينة ومحافظة وقرية ، فما قلته لا يتناقض  مع المفترض الإتيان به ، ولذلك أكدت على أمر المساواة بين المناطق كحق مشروع ، وتفاديا لنشؤ نزوح مجتمعي يكون ضرره أشد من نفعه.

وذكر د. حميد المزروع أنه من الناحية الأثرية والتاريخية اعتمد التوزيع السكاني في الجزيرة العربية قديما علي المناطق التي تتوافر بها المصادر المائية والموارد الاقتصادية الأخرى ، وكذلك في الواحات الأساسية ، وقد عرفت هذا المراكز السكانية بالنقوش القديمة (المسند) باسم قرية مثل قرية الفاو ، وقد ازدهرت هذه القرى والتي عرفها الرحالة المستشرقون باسم (محطات  القوافل) أو ما يعرف ( caravans station )، وذلك لموقعها الاستراتيجي علي الطريق التجاري القديم ، الذي كان يمتد من اليمن عبر نجران وجرش،  ثم يتفرع الطريق إلى فرعين الأول محاذيا لسلسلة جبال عسير، ومنها إلى مكة ويثرب و مواصلا باتجاه الشمال حتي ينتهي في غزة ، أما الفرع الثاني فكان يمر بقرية الفاو من ثم إلى اليمامة محاذيا لسلسلة جبال طويق . و علي امتداد هذا الطرق التجارية القديمة والمحطات التجارية ، تمركزت القبائل العربية بعد تحالفها مع بعضها وأسست ما يعرف الممالك العربية القديمة حوالي ( ١٠٠٠ق. م) وبشكل تدريجي تحول سكان البادية إلى الاستقرار الدائم أو الموسمي في هذه القري الصغيرة أو الحواضر ، مستفيدة من التجارة الدولية التي كانت تعبر عبر أراضيهم مثل المواد العطرية و لبان المرة والمنسوجات والتوابل ، وقد تأسست خلال تلك الفترة عدة مُدن منها تيماء، دومة الجندل العلا ، ثاج، قرية الفاو وعدد كبير من القري أو المحطات والموانئ التي خدمت هذه التجارة الدولية .

نفس هذه الطرق التجارية القديمة التي عرفت قبل الإسلام استخدمت خلال الفترة الإسلامية ، حيث عرفت بطرق الحج ( اليماني والكوفي وغيره ) .

ويتضح لنا من خلال هذه المقدمة المختصرة  بأن استدامة المراكز السكانية قديما أعتمد علي توفر المصادر المائية بالمقام الأول والنشاط الاقتصادي ( زراعي- رعوي ) في تلك الفترة.

الانتشار الأفقي الغير منظم الذي شهدته المملكة خلال العقود الماضية كلف خزينة الدولة مئات المليارات ، طبيعة الموارد الطبيعية لكل منطقة والجدوى الاقتصادية هي من يجب أن يحدد حجم ونوع التنمية التي تحتاجها كل منطقة .

تنمية الهجر المنعزلة شتت جهود الدولة وأصبحت عبئ أضافي عَلي ميزانية الدولة ، خاصة في توفير وصيانة الخدمات إلى جانب توفير الأمن .

نصيب المنطقة الشرقية من ميزانية التنمية خاصة المشاريع الصناعية يعادل منطقة الرياض إذا لم يفوقها !! نتمنى أن تكون هناك إحصاءات دقيقة لأجل موضوعية الآراء.

كذلك فإن تنمية المناطق كانت وما زالت إلى حد الآن، تعتمد علي قوة ونفوذ أمير المنطقة عند أصحاب القرار .

وأضاف د. خالد الرديعان أنه يستطيع أن يشير إلى مجموعة من المدن التي كانت متساوية في تخلفها التنموي خلال سنوات الطفرة لكنها أصبحت لاحقا متفاوتة تنمويا بصورة حادة لاحقا.. يعود جزء من ذلك إلى نفوذ أمير المنطقة بالدرجة الأولى.

وقال د. مساعد المحيا: التغير الكبير في كل مناطق المملكة بين اليوم وما قبل ٤٠ عاما هو اللوحة الجميلة لما استطاعت الدولة صناعته على أرض الواقع .. وهو أمر يراه دون شك حتى الأعمى ..

لكن التباين في ذلك بين المناطق هو ما يجعل المرء يشعر حين يكون في مدينة مكتملة الخدمات بأنه في مدينة تنافس المدن العالمية في طرقها وخدماتها.. بينما حين يكون في مدينة أخرى لا يشعر بذلك إطلاقا ….

أيضاً فإن التنمية المتوازنة ترتبط بحجم السكان وبالمناطق التي يسكنونها.

أحد الأسئلة المهمة هي أن المملكة قارة كبيرة إذ نسبة السكان لمساحتها (١٥ فرد لكل كم) لكن من حيث الواقع هناك كثافة سكانية بمناطق معينة

وفي المقابل هناك مناطق قليلة السكان ..

هذه الكثافة يختلف سبب نموها وتوزيعها إذ هي في بعض المناطق ترتبط بالحركة التنموية والاقتصادية وبالتالي فهي نتيجة طبيعية لها، لكن في مناطق أخرى هي نتاج ثقافة تؤمن بالتوالد وكثرة الانجاب على الرغم من ضيق فرص العيش والعمل ..

فهل تدور التنمية المتوازنة مع هذه الكثافة أيا كانت أم ترتبط بطبيعة الاقتصاد والكثافة السكانية التي ترتبط بعجلة الاقتصاد ودورته  …؟

وهل التنمية المتوازنة ينبغي أن تدور مع الكثافة السكانية فقط أم مع الكثافة السكانية المرتبطة بعجلة التنمية الاقتصادية – المصانع والمؤسسات الإنتاجية والشركات التجارية – وبالمناسبة جزء كبير من الكثافة السكانية غير سعوديين وأكثرهم الذين يعملون ويديرون عجلة وحركة المصانع والشركات وعادة ما يحتاج هؤلاء الكثير من المتطلبات التنموية بوصفها مما يعزز بقاءهم …

ويمكن ضرب أمثلة للانتشار الأفقي.. ومن ذلك أن كثيرون في المنطقة الوسطى وفي الشمال والجنوب كل أو احد أو ثنين يجلسون في قمة جبل أو منطقة نائية ويريدون كل الخدمات لديهم..

الطرق التي عبدت والجبال التي شقت بعضها لو اقتنع أهلها بالانتقال لأقرب مركز حضري أو ريفي لربما قلل هذا كثيرا من التكلفة ..

من حق كل منطقة أن تصلها كل الخدمات لكن هل من حق كل مزارع مزرعته نائية، أو صاحب بيت شعر في البر أن تنشأ له كثير من الخدمات ..

للأسف إن أكثر ذلك كان بمثابة أسلوب لتمويل الفرد أكثر من كونه عملا تنمويا؛ فالفرد يبقى بمنطقة معينة ويستثمر بعض علاقاته فيكون هو رئيس المركز والبيت له  فيستأجر منه .. وبيت آخر يستأجر مدرسة للأولاد وآخر للبنات وهكذا .

وأضاف د. المحيا تعليقا على موضوع مدى نفوذ أمير المنطقة .. هذا صحيح في الجملة .. لكن ينتابني شعور بأن المناطق التي لم تحظ بالتنمية لم تجد من يسعى لتطويرها .. هناك مسؤول يجثم على صدر منطقته ومسؤول يفتح صدره وقلبه ومكتبه للمواطن ويسعى في كثير من وقته لتطوير المنطقة وجلب المشروعات لها ..

مررنا بفرص تاريخية لو استثمرها المسؤول سيجد الكثير من الدعم والتأييد ..

وفيما يتعلق بأداء المسؤول ثمة جانب أحسبه على قدر من الأهمية ..

إذ أحيانا المسؤول يحاول أن يبرز جهوده عبر استخدام شركات علاقات عامة على حساب بنود الوزارة بحيث يقوم هؤلاء بنمذجة المسؤول وصناعة صورة ذهنية إيجابية عن أدائه ..

فيختفي مع هذا الحشد من التصفيق والضخ الإعلامي أي رأي ينتقد هذا المسؤول بعدم عدالة توزيع برامج الوزارة أو تكافؤ فرصها التنموية …

قديما كان الوزير يعتمد على لغته وقدرته على ضخ معلومات وأخبار تظهر تكامل أداء الوزارة.

واتفق د. إبراهيم البعيز مع ما ذكره د. مساعد، وأضاف: أنه مما يؤكد ذلك ما يدور من همس نسمعه كثيرا حول عدم الانسجام بين أهالي بعض المناطق والأمراء – ونسمع أن بعض الأمراء  يسكن خارج المنطقة مما يشير إلى عدم الإدراك الجدي لاحتياجات المنطقة..

لعلها تصدق التوقعات بأن المرحلة القادمة من تعزيز المشاركة والانتخابات ستصل إلى مجالس المناطق مما قد يعطي تلك المجالس صوتا أقوى في المطالبة بالمشاريع التنموية على المستوى المحلي.

ويعتقد د. حسين الحكمي أن من أسباب عدم توازن التنمية أن البعض يرى السعودي هو ابن نجد فقط أما من على الحدود فإن ولاءتهم لغير السعودية !

وعقب م. خالد العثمان على ما طرحه د. حسين بقوله: .. دعنا نسمي الأشياء بمسمياتها .. ما تتحدث عنه هو ممارسة العنصرية والاستعلاء على أسس مناطقية وقبلية وغيرها.

ولا يظن د. مساعد المحيا إطلاقا أن هذا سببا أو يمكن أن يكون سببا، وأضاف: قد اقتنع مثلا أن الزلفي تستحق الكثير من المشروعات التنموية أكثر من شقراء أو المجمعة مثلا لأسباب منطقية عديدة؛ لكن لا يمكن أن أعتقد أو اتقبل من يري أنه شعب الله المختار .. وبالتالي يرى منطقته أو مجتمعه هو الأحق …

وأوضح أ. خالد الحارثي أن لهذه العنصرية بالذات أثر متعدي يتجاوز المنطقة والقطاع ويؤثر سلبا على الحس الإنساني والوطني عند المواطن.

وبدوره يرى أ. يحيي القحطاني أن كل العوامل والمؤثرات من حولنا من قديم الزمن وهي تزرع القبائلية والمناطقية مهما كنا نريد أن نبتعد عنها أو أن لا نتأثر بها، ولكن لا نستطيع وذلك لقوة انتشارها حولنا.. مشكلة تحتاج وقت ( لحلها ) والظن أننا لن نجد.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن الدولة لا تستطيع أن تلغي العنصرية أو القبلية أو المناطقية كمشاعر من عقول وقلوب الناس فهي موجودة وإن كان بمستويات مختلفة. ما تستطيع الدولة أن تقف بوجهه هو ممارسة العنصرية والتحيز سلوكا؛ وذلك بسن القوانين التي تمنع التمييز بين الأفراد والمناطق والبدو والحضر… الخ.

بعض المناطق تشعر أنها لم تحظى بنصيب كافي من المشروعات التنموية مقارنة بغيرها لأسباب غير مفهومة سوى أن هناك مستوى من الفساد الإداري والمحسوبيات يقف خلف المسألة برمتها.

وكمثال صغير. هناك محافظة في حائل اسمها الشنان قامت وزارة الاسكان ببناء ١٠٠ وحدة سكنية فيها لحل مشكلة السكن في حين أن هذه الوحدات مفروض تكون في مدينة حائل التي تعاني من المشكلة بصورة أوضح. ماهي النتيجة في الشنان؟ فقط أربع مواطنين استلموا وحداتهم السكنية و٩٦ رفضوا استلامها بحجة أن مبلغ ٢٤٠٠ ريال في الشهر كقسط للوحدة السكنية كثير. فالواقع أن الشنان ليس بها مشكلة سكن …!

ويرى أ. مطشر المرشد أن عدم وجود خطة وطنية شاملة لسنوات عديدة ، أدى لتدهور الوضع… والتساؤل: هل تم أخذ وجهات نظر سكان الأطراف والمناطق النائية قبل اختيار رؤية المملكة ٢٠٣٠ ؟  وكيف ستؤثر بهم وعليهم برامج الخصخصة ؟ هل سيحصلون على الخدمات الأساسية كهرباء وماء وصحة دون مغالاة من قبل القطاع الخاص ؟

  • التصورات والآليات المقترحة لتحقيق التنمية الشاملة المتكافئة

أوضح د. حامد الشراري أنه ثمة مشاريع من شأنها أن تفتح – بكل تأكيد – فرص وظيفية لأبناء الشمال وتقلل من نسبة العاطلين.. كمثال على أثر خط التابلاين التنموي والحضاري؛ فمحافظة طريف كانت مرتكز للتنمية  في الماضي، حيث أنشئت في عام 1945م في عهد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه- كإحدى محطات خط التابلاين الرئيسية الذي ينقل النفط الخام من المنطقة الشرقية إلى لبنان، وبفضل الله ثم بسياسة المؤسس الحكيمة وتوجيهه بإنشاء تلك المحطة أصبحت طريف جاذبة للمواطنين لتوفر الخدمات الحديثة آنذاك كالقطاعات الصحية (مستشفى المواساة) والتعليمية والخدماتية والترفيهية ( السينما) وطريق مسفلت ومطار دولي مرتبط ببيروت وعمان ودمشق برحلات مباشرة.

قد يكون من المناسب دراسة جدوى إعادة تأهيل خط التابلاين الحالي للاستفادة منه في تنمية الشمال وإنشاء مصفاة للنفط تخدم مناطق الشمال منها مدينة وعد الشمال التعدينية ومشاريع بسيطا الزراعية الضخمة المستهلكة لمشتقات النفط. مثل هذا المقترح سيسهم في تقليص عدد نأقلات النفط وبالتالي تقليل تكاليف النقل من المنطقة الشرقية إلى مدن الشمال التي تهلك الإسفلت وتزيد تكاليف الصيانة، وتسبب حوادث مميتة على طرق الشمال، وقد تصدر منتجات هذه المصفاة المقترحة للدول المجاورة فيما بعد.

كذلك فإن الإسراع في ربط جميع مناطق المملكة بشبكة خطوط حديدية سيسهم في تنميتها ويزيد الحركة البينية بينها.

أيضاً فإن أغلب المواطنين في المناطق النامية يعملون في القطاع العام (الحكومي أو العسكري )، أما في القطاع الخاص الذي يغلب عليه المؤسسات الصغيرة والمحلات التجارية يستحوذ عليه الأجانب بغالبية عظمى والتي لم تجدي الاجراءات التي اتخذتها وزارة العمل في السابق في سَعوَدَة هذا القطاع ولو بنسبة معينة ..

لذا، جاءت الرؤية ٢٠٣٠ التي من أهداف برامجها معالجة هذا الخلل في السوق السعودي واستيعاب القطاع الخاص للقوى العاملة السعودية وخفض نسبة البطالة وإيجاد ميز تنافسية بين المناطق.

ومن جانبه قال د. محمد الصبان: مشكلة التنمية المتكافئة وأسمح لنفسي استخدام مصطلح التنمية المتوازنة لإرجاع الفضل لاستخدام المصطلح للملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، حيث أول ما ذكره في إحدى جلسات المجلس الاقتصادي الأعلى آلتي ترأسها قبل أن يصبح ملكا للبلاد، حيث خاطبنا في الجلسة أنه يرى أن التركيز في المشاريع تذهبإلى ثلاث مدن فقط عدا مكة والمدينة. وأن الصورة التي لديه أن الفقر وسوء مستوى المعيشة يتسيد بقية المدن وهو ما ” لا يرضي الله ورسوله” بعباراته. ولابد من عمل شيء.

ومن هنا تحركت مختلف الأفكار، ولابد لنا أن نرجع فكرة التنمية المتوازنة لأصحابها.

الهدف الرئيس لإنشاء مدن اقتصادية جديدة يصب في هذا الإطار :

  • أن الهجرة إلى المدن الرئيسية طلبا للتعليم والوظائف قد بلغ مداه، ولا يمكن لها أن تستوعب مزيدا من السكان، خاصة في ظل تزايد العمالة الوافدة المصاحبة لهذه الفرص في المدن الرئيسية.
  • أن إقامة مشروعات جديدة في المدن الرئيسية قد أوجد ضغطا كبيرا على التجهيزات الأساسية فيها من طرق ومطارات ومستشفيات ومدارس وغيرها، ولم تكن هنالك خطط توسعة لها إما لانعدام المساحات للقيام بذلك أو عدم تناغم التوسعة في المشاريع مع مخططي الأمانات.
  • أن تكدس كل التطوير والمشاريع في هذه المدن- إن اتسعت- يفاقم من مشكلة عدم تحقق التنمية المتوازنة.

بطبيعة الحال  فكرة المدن الاقتصادية الجديدة مثالية كفكرة ولكن كان لابد وأن تستند على المزايا المقارنة لكل منطقة يتم إنشاؤها فيها، بعيدا عن المجاملات والضغوط الممارسة، ومحاولة إحداث توازن جغرافي قدر الإمكان يخاطب مختلف أرجاء مملكتنا الحبيبة. وكانت هنالك محاولات جادة وظهرت إلى حيّز الوجود بعض هذه المدن مثل المدينة الاقتصادية ومدينة رأس الخير ونحن بانتظار استكمال كل من جيزان ووعد الشمال.

وكان الهدف الرئيس من إنشاء هذه المدن اعتمادها على رأس المال الخاص في بنائها من الألف إلى الياء، إلا أن ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية ٢٠٠٨ وأحجام الاستثمارات الأجنبية من الإيفاء بوعودها الاستثمارية في هذه المدن دفع الحكومة لأن تتحمل عبئا لم تحسب له. وفي تصوري فإن الاستمرار في هذا النهج لا يجب أن يهدأ.

لكن المدن الاقتصادية وحدها لا يحقق التنمية المتوازنة على الإطلاق، فبعض المناطق لا يمتلك مزايا مجدية تبرر إنشاء مثل هذه المدن فيها، ولذا فلابد وأن يصاحب ذلك تطوير حضاري لهذه المناطق وتوفير الخدمات العامة من تعليم وصحة وغيرها تجعل ممن خططوا على الرحيل منها في فترة معينة أن يقيموا فيها أو على الأقل يؤجلوا مثل هذا الرحيل.

بقيت نقطة مهمة تم التطرق لها أعلاه وهي عدالة توزيع المشروعات. فكلنا يقر أنه لم تكن هنالك عدالة في التوزيع بين المدن والمناطق، وتؤثر ميول الوزراء القادمين لهذه الوزارة أو تلك في ترجيح كفة دون أخرى.

وأرجو أن يكون ذلك شيء من الماضي، وأن يتحرى البرنامج الوطني ورؤية المملكة ٢٠٣٠ تحقيق نوعا من التنمية المتوازنة فهي جزء أساسي من استمرار “وحدتنا الشاملة”.

كما أن التنويع وعدم إقصاء أبناء مختلف المناطق في مختلف المناصب الحكومية يساعد في تحقيق مثل هذا التوازن طبقا للمثل “أهل مكة ادرى بشعابها”.

وأوضح د. الصبان فيما يخص خط التابلاين أنه تم هجره منذ عقود، وإعادة بناءه وتشغيله تتطلب مبالغ طائلة. ولا ننسى أنه كان يمر عبر الشمال إلى أن يصل لبنان مارا بسوريا. وكانت جدواه قائمة من خلال تنويع مصادر تصدير النفط.

لابد من دراسة جدوى اقتصادية جديدة لتبيان التكلفة والعائد، والاجابة على العديد من الأسئلة منها جدوى وأمان مروره بمناطق ملتهبة وموافقتها على ذلك وغير ذلك من الأسئلة.

لا ننس أن أرامكو تستثمر حاليا في الغاز الصخري بالقرب من مدينة وعد الشمال لتوفير قيم الغاز لتوليد الكهرباء وإقامة الصناعات المعتمدة على الغاز مثل البتروكيماويات.

وإن كان أغلب الظن أن إعادة الخط غير مجد، والاستعاضة عنه بما يتوفر من الغاز قد يكون كافيا لإحياء تلك المنطقة. وليس بالضرورة أن تعيش كل مدننا على مصافي تكرير.

ويرى م. سالم المري أن من أهم إخفاقات أرامكو عدم مدها لشبكة أنابيب تنقل المشتقات البترولية والغاز لمختلف مناطق المملكة وتكوين شبكة وطنية لمشتقات البترول والغاز!

وهذا كان بسبب استراتيجيات الشركات الاجنبية التي كانت تملك أرامكو كان همهم فقط إنتاج الخام وتصديره فقط. وللأسف سار الكثير من المسؤولين السعوديين الذين تعاقبوا على إدارة أرامكو على الاستراتيجية الاستعمارية للشركات الاجنبية إلى عهد قريب عندما اضطروا لمسايرة الضغوط من الدولة.

من المفترض أن يكون هناك شبكة وطنية لنقل مشتقات البترول لمختلف المناطق الرئيسة في المملكة!

واتفق د. محمد الصبان مع ما ذكره م. سالم، حيث يرى أنه لم يكن هنالك تخطيط سليم محليا، وكان جل اهتمام أرامكو كم تنتج وكم تصدر. وفي ظل الرؤية ٢٠٣٠ قد تختلف الأمور كثيرا، وليس فقط خطوط أنابيب نقل الغاز، بل أيضا أهملت أرامكو عمليات استكشاف النفط على كامل الساحل الغربي. ( قبل وبعد أن غنى محمد عبده: دستور يالساحل الغربي..)

وتساءل د. حامد الشراري: هل من الممكن الاستفادة من خط التابلاين الحالي بعد تأهيله لنقل المشتقات لمناطق الشمال مثلا؟

وأجاب د. الصبان على هذا التساؤل بأنه سيكون خط أنابيب من أقرب مصفاة إلى هذه المنطقة. هذا أوفر وأرخص. هنالك خط مشابه في محافظة جدة من المصفاة في الجنوب إلى الشمال لتوفير المنتجات للمطار وأجهزته وامتد إلى الشمال.

وحينما كان هنالك تفكير بإغلاق المصفاة وتحويلها إلى شمال جدة، لأسباب غير اقتصادية -(محاولة البعض الاستفادة من أرض المصفاة)-، عارضنا بشدة وكان وجود خط الأنابيب الحجة الرئيسية. ووافقنا الملك عبدالله رحمه الله.

وأضاف م. سالم المري: وكذلك بالنسبة لتصنيع البتروكيماويات؟ وتجميع الصناعات في الجبيل وينبع؟ كان سيكون من الأفضل أمنيا واستراتيجيا واجتماعيا لو فرقت تلك المصانع ووزعت بالقرب من التجمعات السكانية المعروفة كجيزان والأحساء وجدة والرياض والمدينة وحايل وغيرها من مناطق المملكة المختلفة؟ وليس من الدقة بمكان أن الخدمات تستلزم جمع المصانع في مكان جغرافي واحد؟ على الأقل بعض المصانع بالتأكيد يمكن بنائها في مناطق مختلفة؟

وأشار د. حميد المزروع إلى أنه لاشك أن التحول الحضاري ونمط الحياة الحديث تغير بشكل جذري الآن ، إلا أننا مع ذلك لا يمكن أن نخطط لتنمية جميع المناطق الحضرية الحالية بالمملكة بنفس المستوى، خاصة تلك المناطق التي لا تحتوي أصلا علي المقومات الأساسية للنهوض والاستدامة ، ومنها الأهمية الاقتصادية ( صناعية ، زراعية ، موانئ أخري ) ، وذلك لتكلفة التأسيس من ناحية ، وصعوبة استحداث فرص العمل المناسبة لسكانها. وسيكون مصيرها نفس مصير مدن أو محطات القوافل القديمة التي اندثرت مع مواسم الجفاف التي ضربت الجزيرة العربية قديما ، وتحول الطريق التجاري القديم من البر إلى البحر بعد ما عرف الرومان ما يعرف بالرياح الموسمية.

ما تحتاجه المملكة حاليا هو تكثيف عدد المدن الصناعية الحديثة والتي توفر النمط العصري للسكن والمرتبط بوجود فرص عمل حقيقية منتجة ومفيدة للاقتصاد الوطني مثل مدينة الجبيل وينبع وغيرها؛ حيث يسهل تأسيسها وفق متطلبات و معايير المدن الحديثة ، كما تسهم في توازن التوزيع الديموغرافي لسكان المملكة .

الاستراتيجية الجديدة لتنمية مناطق المملكة يحب أن تشمل تغير كود البناء الحالي العالي التكلفة ، والذي أصبح تنفيذه خارج القدرة المالية للمواطنين متوسطي الدخل .

وقال: د. مساعد المحيا: حتى إعلاميا كان هناك بعض الجهود لافتتاح محطات تلفزيون في عدد من المناطق ولكن هذه المحطات لا تعمل إلا في اطار ضيق جدا وفي المناسبات حيث تشارك المحطة بتقرير أو تصوير مادة مسجلة أو لقاء مباشر من خلال وصلة عبر الأقمار الصناعية. وقد انحسر كثيرا دور هذه المحطات وبقي موظفوها مهمشين وبخاصة المهنيين.

أظن المملكة تحتاج على الأقل قناة محلية في كل منطقة ، وهذا ما سيعزز فكرة نشر المواد المحلية والفنون الشعبية وسيتيح الكثير من التنافس بين المحطات ..

كما أن ذلك سيضيئ مناطق كثيرة مهمشة وسينقل للمسؤول واقع تلك المناطق.

ومن وجهة نظر م. أسامة كردي فإن من الواضح أن رؤية ٢٠٣٠ و برنامج التحول ٢٠٢٠ يركزان بشكل كبير على الدخل و الاستثمار الداخلي الحكوميان و لا يوجد ما يدل على الاهتمام بالمناطق في هذا الإطار .. كما أن هذا التوجه لا شك سيؤثر على دور القطاع الخاص في الاقتصاد.

إن المشكلة ليست فيا يجب بل في الحلول الواجب طرحه، و بالإضافة إلى ذلك أذكر ببعض القرارات المخالفة لمبدأ التنمية المتوازية:

  • نقل مقرات البنوك إلى الرياض .. بقي البنك الأهلي .
  • نقل مقر هيئة الطيران المدني إلى الرياض.
  • عدم التوسع في التعليم التقني في المناطق.
  • عدم تسويق ميزة قرض التنمية الصناعي في المناطق.
  • إلغاء زراعة القمح و قريبا الأعلاف على الرغم من أن المستفيد الأول منها هي المناطق الأقل نموا و عدم إحداث البديل.
  • لا يبدو أن هيئة توليد الوظائف ستوجه اهتمامها إلى المناطق. و لا هيئة المؤسسات الصغيرة و المتوسطة.

وفي تصور د. خالد بن دهيش فإن الأمل بعد الله في الرؤية التنموية ٢٠٣٠ وبرنامجها الأول – التحول الوطني ٢٠٢٠ – الذي يظهر عرضه أنه تلمس المعاناة و وضع المعالجات باستحداث إدارات و مراكز مثل :

  • مكتب إدارة المشروعات بالمجلس.
  • المركز الوطني لقياس الأداء بالمجلس.
  • البرنامج الوطني لإدارة المشروعات بوزارة التخطيط.
  • مركز الإنجاز والتدخل السريع.
  • مركز دعم اتخاذ القرار.
  • اللجنة المالية بالمجلس.
  • الفريق الإعلامي بالمجلس.

والتي تم ربطها بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. الذي سيتولى مواجهة التحديات التي تواجه المناطق والسعي لتحقيق الرؤية وبرامجها التنموية؛ وذلك من خلال متابعة تنفيذ الخطط بما يضمن التنمية المتوازنة للمناطق ، و بما يحقق العدالة في توزيع الميزانية السنوية ، و محاسبة المقصر والبعد عن المحسوبيات.

وفي تصور د. سعد الشهراني أن ما نحتاجه في المستقبل هو ما يلي:

  • إعادة هيكلة فكرنا التنموي لنحل القضايا التنموية الأصلية المتمحورة حول ضعف بل ربما انعدام الإنتاجية .
  • تحرير الإرادة و الإدارة من صندوقها القديم و إحلال الفكر الإداري اللامركزي محلها مع صلاحيات و تمويل واسع للإدارة المحلية في الأطراف بشرط الإنتاجية .
  • تحرير الدولة و المجتمع من هيمنة وزارة المالية و خواء وزارة الاقتصاد و التخطيط.
  • اعتبار المعيار السكاني أهم المعايير في توزيع الموارد الوطنية ( التوازن في نصيب كل منطقة من النفقات العامة حسب هذا المعيار) .
  • ربط جميع مناطق المملكة بشبكة قطارات حديثة تمر بالمراكز السكانية الرئيسة و تعزز ترابط الاقتصاد و قطاعاته .
  • رفع مستوى مخرجات التعليم العام و العالي و المهني مع برنامج وطني للتأهيل المبكر للشباب للدخول لسوق العمل .

و على وجه  الخصوص منطقة تهامة بدءا من جنوب مكة إلى أبعد منطقة جنوبا في جازان تحتاج إلى عناية خاصة و القنفذة و ما حولها مهملة و ربما أن الأمير خالد الفيصل سيلتفت لها و هي بالتأكيد تستحق جامعة، وللأمانة و للتذكير فإن هناك نسبة كبرى من سكان المدن الكبرى هم من سكان الأطراف و بالتالي هم محسوبون بسبب الهجرة من سكان المناطق الأكثر حظا في الخدمات و المستوى التنموي، و في الاصل هجرتهم من مناطقهم الأصلية دليل عدم توازن تنموي .

و رغم أن التوازن التنموي مطلب مهم و ملح و هذا وقته إلا أن عدم التوازن هذا هو ظاهرة إنسانية و عالمية حتى في بعض الدول المتقدمة.

ما يميزنا أن الدولة تمسك بزمام الأمور و تملك كل الموارد و لكل مواطن حق متساو في الموارد العامة و الدولة بإرادتها و إدارتها تستطيع عمل الكثير اقتداء بالملك عبدالله رحمه الله، و لعل البيروقراطيون  يقتدون بغازي القصيبي رحمه الله .

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن الوصول إلى تحقيق تنمية شاملة مبتغاه هو السعي نحو بناء الإنسان أول ، وهذا البناء لا يتأتى من خلال بناء مسلح لأبنية مؤسسات تعليمية لنفتخر أن لدينا جامعة بمساحة كذا وبتصميم معماري يفوق جامعات العالم ، التنمية الحقيقية هي تلك التي تبدأ بمراحل نمو منتظمة ، وبمراحل نمو خدمية تتمثل في الخدمات المناسبة لكل منطقة ومحافظة حسب احتياجاتها وقدراتها .

كما أن الرؤى التي بدأت الحكومة في الشروع فيها ( التحول الوطني 2020 م – ورؤية 2030 م ) ، لنضمن لهما النجاح لابد أن تكون تحولات ورؤى تتفق وإمكانات سكان المملكة العربية السعودية ، كل حسب طبيعته الجغرافية ، وكل حسب احتياجه الاجتماعي ، وأخيرا ألا يتأتى تحول وطني ذو متغيرات ثقافية واجتماعية بنموذج موحد يكون ملزم  للكافة ، مما يصعب الأمر معه القبول الاجتماعي ابتداء وصعوبة التطبيق أخيرا.

ومن ناحيته ذهب د. مساعد المحيا إلى القول: الحديث عن إمارات المناطق ووظيفتها يدعوني لطرح سؤال عن مدى أهمية وجودها في رؤية جديدة للمملكة، لماذا لا نكون كبقية دول العالم نحيل العديد من وظيفتها لعمدة المدينة؟

دور أمراء المناطق والمحافظين حاليا أظن أنه دور لن يكون مواكبا لأهداف الرؤية مالم يتم تغيير الصلاحيات وربط كل ذلك بالبلدية وارتباط هؤلاء بوزارة جديدة لشؤون التنمية والمناطق..

البعد الأمني يكفي أن تقوم به أجهزة الأمن .. عدد من هذه الإدارات الخاصة بالإمارات والمحافظات يبدو أنها ارتبطت بظروف نشأة المملكة وبالتالي فهي أجهزة أمنية لا تنموية.

واتفق د. حميد المزروع مع اقتراح د. مساعد؛ حيث يرى أن تعدد الإدارات وتداخل الصلاحيات فيما بينها ساهم في ضعف الأداء. كما يرى أن إدارة المحافظات تحتاج إلى إعادة هيكلة أو تطوير ليتوافق أدائها مع متطلبات المرحلة واحتياجات المواطنين .

الإصلاح الحقيقي يبدأ في تقوية إدارات البلديات من حيث منح الصلاحيات التنفيذية والمالية لأنها هي عين الدولة في تنفيذ ومتابعة المشاريع التنموية لجميع المناطق.

ولاحظ د. خالد الرديعان كذلك أن الإمارات مربوطة فقط بوزارة الداخلية ما يكرس وظيفتها الأمنية.

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أنه إذا أصبح لدينا وزارة تعنى بالتنمية المحلية ويختار لها أحد هذين الاسمين ، في هذه الحالة يمكن تغيير مسمى وزارة الشؤون البلدية والقروية إلى وزارة البلديات. وتنقل وكالة الوزارة للشؤون القروية إلى الوزارة الجديدة حيث سوف يصبح ضمن مهمتها الاهتمام بالقرى والأرياف أيضا. وينقل مهام مجالس إمارات المناطق للوزارة الحديثة. ليبقى مهام الإمارات مهام أمنية وإشراف عام . ومن مهام الوزارة الحديثة:

  • تنمية المرافق والخدمات السكانية بشكل عام.
  • تنمية الأعمال الاقتصادية .
  • تفعيل ومتابعة الخدمات الشاملة للمناطق والمدن والقرى والأرياف والمناطق التي لايزال يقطنها البدو.

ولابد من غطاء أو قل أن شئت مرجعية للقطاعات الأمنية في ظل وجود حاكم إداري والذي يختلف عن الحاكم التنموي إن صح القول .

فهناك إدارات أمنية عديدة ( الشرطة – المرور – الدفاع المدني – المباحث ) كل تلك الإدارات لابد لها من مرجعية بدلا من إشغال وزارة الداخلية فيها.

وقد يقول قائل هناك إدارات كبرى تتبع لهذه المراكز كالأمن العام مثلا الخاص بالمرور والشرطة . وهذا صحيح ولكن يظل وجود قائد عام أو موجه لهم موحد كما هو معمول به في إمارات المناطق أمر لابد منه.

وهناك مقترح آخر لتقليص أعداد الوزارات ما دام الخطط الحالية تتجه إلى تخفيض أعداد الجهات الحكومية، أن تنشئ وكالة لشؤون التنمية المحلية في وزارة الشؤون البلدية والقروية ، وتعادل تسمية الوزارة إلى (وزارة الشؤون البلدية والتنمية المحلية ).

وهذا برأي د. الحمود هو الاتجاه الصحيح ومؤسس في كل منطقة ومحافظة أمانة أو مركز للتنمية المحلية على أمانات المدن التابعة للوزارة.

وفي تصور أ. ليلى الشهراني فإن رقي المكان من رقي الإنسان؛ ولا يمكن أن يكون هناك تنمية حقيقية مالم يصاحبها إحساس بالمسئولية ، البعض “مرضى عبث” ، ما أن يرى مشروع ترفيهي جديد أو  حتى خدمي إلا وتبدأ لديه نزعة التخريب ، حتى المساجد لم تسلم من ذلك.

وطالب م. خالد العثمان بتفعيل دور مجالس المناطق وتكريس مفهوم الإدارة المحلية لكن ليس عن طريق أمراء المناطق بل عن طريق الجهاز البلدي، فضلاً عن ضرورة إخراج استراتيجية محاور التنمية التي اعتمدها مجلس الوزراء قبل أكثر من ١٥ سنة من الأدراج والعمل على تحديثها وتفعيلها ووضعها موضع التنفيذ بشكل جدي وملزم لكل الأجهزة الحكومية.

المحور الثاني

مستقبل الشركات العائلية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي


الورقة الرئيسة: د. نوف الغامدي

تلعب الشركات العائلية دوراً رئيساً في تنشيط الحركة الاقتصادية في منطقة الخليج العربي، ومن المعروف أن العديد من الشركات الخاصة في الخليج العربي هي شركات عائلية، لكنّها تساهم إلى حد كبير في الاقتصادات الوطنية لهذه الدول إلا أن العديد من هذه الشركات تقترب من حافة الخطر خلال المرحلة الانتقالية من جيل إلى آخر، ومن المقدّر أن يتم تحويل تريليون دولار أميركي من الأصول إلى الجيل الثالث خلال العشر سنوات القادمة. ومع ذلك، فعملية الانتقال هذه ليست واضحة، إذ أنه من المعروف أن حوالي 30٪‏ من الشركات العائلية تنتقل إلى الجيل الثاني، وعدد أقل من ذلك بكثير ينتقل إلى الجيل الثالث والرابع بعض التقديرات تصل إلى 12٪‏ و 3٪‏ على التوالي .

ظاهرة انهيار الشركات العائلية:

من العوامل الأساسية لهذه الظاهرة هي الافتقار إلى آليات التخطيط و نظام الحوكمة الصحيح لدعم نظام التوريث والخلافة، إذ يعتبر البعض أن على الشركات العائلية ضرورة تسليم مقاليد الحكم فيها إلى الجيل الجديد الأكثر جهوزية من ناحية التقنيات العصرية لإدارة هذه الشركات والانتقال بها من مرحلة الكتب والدفاتر إلى مرحلة المكننة الكاملة وذلك بالاستفادة من الثورة التقنية للتخفيف من ضغوط العولمة، كما يجب على الشركات العائلية أن تطبق نظم حوكمة فاعلة بهدف الاستمرار والنمو، إذ تتميز حوكمة الشركات العائلية ببعد إضافي، يتجاوز حوكمة الإدارة والأعضاء المساهمين  ليشمل حوكمة أعضاء العائلة الواحدة المساهمين في الشركة، وهو ما يعرف بالدستور العائلي الذي يحدد نظام التعاقب ضمن العائلة، والحوكمة النفسية من خلال تدريبهم على الفصل النفسي بين الإدارة والملكية.

تشكّل الشركات العائليّة دعائمَ الاقتصادات العربيّة في ظلِّ سيطرة الشركات المملوكة للعائلات على نسبة 70% إلى 90% من نشاط القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقد أسّس بعض الشركات العائليّة العربيّة لعلاماتٍ تجاريّة اكتسبت شهرة إقليميّة ودوليّة بفضل اعتمادها أفضل الممارسات الدوليّة.

ومع ذلك فإنه يتعيّن على الشركات الإقليميّة المملوكة للعائلات التي تشكل نسبة 75% بالحدّ الأدنى من اقتصاد القطاع الخاص وتوظّف أكثر من ثلثي القوّة العاملة (أو ما يعادل نسبة 70%) في المنطقة العربية تأمينَ الاستدامة  فتتخطّى استمراريّتها بذلك عهد الآباء المؤسّسين وأنجالهم المباشرين. وفي ظلِّ تحوّل هذا القطاع  إلى العمود الفقريّ للاقتصادات الاقليمية، أصبحت استدامة هذه الشركات مسألة بغاية الأهميّة بالنسبة إلى العائلات ذات الصلة وإلى الدول المعنيّة على حدٍّ سواء.

هذا وسُجّلت حالاتٌ كثيرة لانهيار الشركات التي لا تتكيّف بسرعة كافية وبشكلٍ ممتاز مع العوامل المتغيّرة في خلال العقود القليلة الماضية. لذلك، يجب البحث عن رابط بين نموّ الشركة العائلية ونماذج الأعمال الخاصّة بها والسعي إلى استمرارها.

20 ألف شركة عائلية في دول مجلس التعاون الخليجي الست تتجاوز استثماراتها  750مليار دولار، ويبلغ اجمالي استثماراتها وثرواتها العالمية 2 تريليون دولار أميركي، مما يعني أن ثرواتها وأصولها المحلية والعالمية تتجاوز 2.75 تريليون دولار أمريكي، وهي تشكل ما نسبته 70% من الأعمال التجارية غير الحكومية، وتوفّر وظائف لأكثر من  15مليون فرد من المواطنين والأجانب، كما تساهم بنسبة تراوح بين 60٪‏ و 75٪‏ من الناتج المحلي للاقتصاد.

ومن المتعارف عليه أن 80% من الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي تمر بمرحلة حرجة خلال مرحلة الانتقال الأولى من الجيل الأول إلى الجيل الثاني وخلال مرحلة الانتقال الثانية من الجيل الثاني إلى الجيل الثالث.

إنّ أمد حياة أي شركة عائلية يتوقّف على خمسة محاور تعمل بالتزامن وهي: العائلة، والملكية، المحفظة التجارية والحوكمة، العمل الخيري وإدارة الثروة.

في الماضي، كان هناك بعض الممانعة الاخلاقية لمناقشة مفهوم الخلافة المخططة داخل الأسرة، وهذا يعتبر من الممنوعات، فغالباً ما يكون أفراد العائلة غير مستعدين لتقبل فكرة التغيير في نوعية العلاقات نظراً لغياب المؤسسين الأوائل نتيجة التقاعد أو  الموت، وهذا ما يساهم في تعقيد عملية الانتقال من جيل إلى آخر. ونظراً لهذه الظروف المتميزة، واجه القانونيون تحديات كبيرة في وضع آليات لتلبية احتياجات كل أسرة في التخطيط لعملية تعاقب فعّالة.

في السنوات الأخيرة، تحوّل المناخ للشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي نحو زيادة الوعي بأهمية التخطيط لتعاقب أفراد العائلة على إدارة الشركات مع رغبة أكبر في الحفاظ على تراث الأسرة. ويسعى عدد من مؤسسي الشركات العائلية بنشاط  كبير في تحديد استحقاقات المستفيدين والمساهمين فيما بين أفراد الأسرة والوسائل المشروعة والمبتكرة لنقل ملكية وإدارة أعمالهم إلى الخلفاء بطريقة دقيقة ضماناً لاستمرار هذه الشركات ورؤيتها وأهدافها وإرثها وبالتالي المضي قدماً.

في دراسة أجريناها على فئة كبيرة من الشركات فإن نصف الشركات العائلية الكبرى بمنطقة الخليج والشرق الأوسط ترغب في التحول لشركات مساهمة عامة تتداول أسهمها في البورصات، وأكدت الدراسة أن 20% من الشركات العائلية تخطط فعلياً للتحول إلى مساهمة عامة، بينما تتخوف النسبة المتبقية من الخطوة حفاظا على ثرواتها وتخليد أسماء العائلات المؤسسة.

وأكدت الدراسة أن حوكمة الشركات عبر إنشاء مجالس العائلة وفصل الملكية عن الإدارة وبناء استراتيجيات فعالة وإعادة الهيكلة والاستعانة بالموظفين الأكفاء، مطالب ضرورية لبقاء الشركات العائلية بقوتها الراهنة.

وأثبتت الدراسة أن الشركات العائلية في ازدهار وتمثل أساس اقتصاد بلدان المنطقة، علما أنها تسيطر على أكثر من 90% من حركة النشاط التجاري في منطقة الخليج.

لكن الخطر الأكبر الذي تواجهه هذه الشركات هو “الجيل الثالث” الذي يتسم بالأداء الأسوأ إداريا ويفتت الثروة الضخمة التي جمعها الأجداد والآباء طوال عشرات السنين.

إن 33% من الشركات العائلية طبقت ممارسات الحوكمة بدقّة، فيما بدأت نحو 66٪‏ من الشركات العائلية الخليجية وضع اللبنات الأساسية لتطبيق الحوكمة السليمة في إدارة العمليات الداخلية والخارجية.

وفي سبيل تحقيق تطبيق فعّال لممارسات الحوكمة، لا بد من العمل على تعزيز وعي أفراد العائلة بأهميتها، وطرق تطبيقها، ليس الأفراد المضطلعون بمهام تنفيذية في الشركة أو  المشاركون في تطوير أعمالها فقط، وإنما أيضا الأفراد غير المشاركين أو  المتصلين بأعمال الشركة.

لجأت الشركات العائلية مؤخراً إلى إدراجها في السوق المالية بشركات مساهمة بلغت نحو 16 شركة عائلية من بين 106 شركات مساهمة مغلقة لمواجهة المخاطر المستقبلية في اختلاف وجهات النظر بعد الجيل الأول الذي ينتهي بوفاة مؤسسيها ، أن عدد الشركات المساهمة بلغت 171 شركة بقيمة سوقية 1.629 مليار ريال ما يعني أن 62 % من الشركات المساهمة مغلقة مقابل 38% مساهمات مفتوحة ولخصت عددًا من التسهيلات خلال ورشة عمل “دور السوق المالية السعودية في تعزيز نمو الشركات الخاصة” بعد نظام شركات الشخص الواحد والمتمثل في خفض عدد المساهمين إلى اثنين بدلاً عن 5 مساهمين سابقاً وتخفيض الحد الأدنى من رأس المال إلى 500 الف ريال بدلاً عن مليوني ريال سابقاً وتقليل الاحتياطي النظامي إلى 30% بعد أن كان بـ 50%.

ومعظم الشركات العائلية الخليجية لا يزال فتياً بتاريخ مؤسسي يمتد من 40 إلى 60 عاماً، الأمر الذي يضع هذه الشركات على أعتاب منعطف حساس يحتّم عليها نقل القيادة ضمن مؤسساتها بنجاح وسلاسة من الجيل الأول إلى الجيل الثاني، أو  من الجيل الثاني إلى الجيل الثالث لقياداتها، إلا أن هذه المؤسسات تواجه أخطر المخاوف التي تواجه خلال المرحلة الانتقالية، وهو التعرض للتفكُّك والتقسيم.

من هنا، لا بد من التخطيط المسبَق والمدروس من أجل التعاطي مع الأحداث المستقبلية بحكمة، والعمل على تجنّب حدوث أي اختلال في حالة الانسجام والتوافق العائلي، أو  إمكانية تعطيل أعمال الشركة، وتالياً العمل على منع حدوث أي أضرار للقيمة الاقتصادية للشركة.

وتطرقت الدراسة في مخرجاتها إلى محورين رئيسين في دعم تطوير وتنمية أعمال الشركات العائلية في المنطقة، هما:

  • الحوكمة المؤسسية
  • الجهود المبذولة على صعيد العمل الخيري.

أمّا فيما يتعلق بالتخطيط لتعاقب الأجيال، فالشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي مؤلفة من أسر كبيرة تتعرض لمعوقات عدة خاصة خلال مراحل الانتقال بين الجيلين الثالث والرابع نظراً لتزايد عدد المساهمين من أفراد العائلة والورثة من جيل إلى آخر، مما يزيد من احتمال نشوب الصراعات والنزاعات بين أفراد الأسرة الذين لديهم وجهات نظر مختلفة حول إدارة الشركات العائلية، التوجهات المستقبلية، قرارات الاستثمار والأهم من ذلك إدارة وتشغيل الشركة. هناك يمكن أيضا أن يبرز التنافس في وجهات النظر والمصالح وتقسيم المناصب القيادية والإدارية المتاحة لأفراد الأسرة في الشركة.

إن العديد من الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي حولت أنتباهها تدريجياً نحو خطط الخلافة، مع الحفاظ على الإرث العائلي، فيما بدأ سعي المؤسسين وراء وسائل ذات كفاءة لنقل الملكية للأجيال المقبلة، إذ تهدف الخطط إلى تحقيق الاستمرارية في الإدارة والملكية بشكل فعال نظراً لتعرض الشركات العائلية في دول المجلس إلى مخاطر التقسيم بسبب غياب الأطر القانونية المناسبة التي تدعم استمراريتها، إذ يبدو أن هناك حاجة ماسة لسن قوانين خاصة لمساعدة نقل الخلافة بين الأجيال في الشركات العائلية، نظراً لأهمية هذه الشركات العائلية لاقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن أنها أكبر مساهم في سوق العمل، وتدعم الاستقرار الاجتماعي.

ومع ذلك فإن كبر حجم الأسرة يضع ضغوطاً كثيرة على الشركات العائلية لتنمو سريعاً من أجل الحفاظ على نفس المستوى من الأرباح التي يحققها أفراد العائلة.

إن الأعمال العائلية النموذجية في دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تنمو بمعدل 18% في السنة الواحدة للحفاظ على نفس مستوى الثروة العائلية. تتعاظم هذه المعضلة في دول الخليج العربي على خلفية التداخل الكبير بين “الأسرة” و”الأعمال”. ولذلك الاحتمال أن القرارات التي تتصل بإدارة الأعمال التجارية قد تتضارب مع الأهداف الشخصية للأفراد كبير جداً وعلى سبيل المثال التأثير على الثروة الشخصية ، الارتباط العاطفي بالشركة وأصولها، أو  فرص العمل الشخصية.

وبطبيعة الحال، فإن تزايد عدد أفراد العائلة يحتم زيادة عدد النساء المساهمات في الشركات، وهنا يطرح السؤال الجوهري حول دور المرأة في الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي. العديد من الشركات العائلية على علم بالحاجة إلى معالجة هذه المسألة وهي تسعى إلى زيادة عملية إشراك النساء كقادة ومديرين وأعضاء المجلس.

ورغم حداثتها النسبية، اكتسبت الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي المكانة كتكتلات اقتصادية متعددة القطاعات والأعمال منها البيع بالتجزئة، المؤسسات المالية، العقارات، الضيافة والعديد من القطاعات الأخرى، ومع ذلك تواجه ضغوطاً تجارية خارجية، مثل الحاجة إلى قياس حجم الشركة وتدويل أعمالها خاصة مع زيادة المنافسة داخل المنطقة وعلى الصعيد العالمي.

وكشفت الدراسة الاستقصائية لمجلس الشركات العائلية الخليجية أن 44% من الشركات العائلية تمتلك بالفعل سياسات تعنى بمسألة انتقال القيادة للجيل التالي من أفراد العائلة، بيد أن 17٪‏ فقط من الشركات العائلية تمتلك منهجيات وطُرق تقييم فعّالة لتحديد أدوار ومسؤوليات الجيل التالي من القيادات.

ووفقاً لأفضل المعايير العالمية المعتمدة في هذا المجال، فإن القيام بوضع خطّة تنموية للجيل التالي من القيادات المؤسسية للشركات العائلية، إضافة إلى تطبيق سياسة واضحة لآليات وطرق القيام بالأعمال، من شأنها أن تسهل عملية انتقال القيادة ضمن هذه الشركات، وأن تشكّل مرجعاً مؤسسياً ثابتاً للتعامل مع التحديات المستقبلية.

وأشارت الدراسة إلى أن توضيح «قواعد اللعبة» للجيل التالي من القيادات العائلية المؤسسية في وقت مبكر هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لعملية التخطيط الفعال لنقل القيادة المؤسسية لقيادات الجيل التالي داخل أي مؤسسة عائلية.

تتطلب الأسر الكبيرة والمتسارعة النمو في دول مجلس التعاون الخليجي اتخاذ تدابير وقائية وآليات لحل النزاع، قبل وصولها إلى المحاكم. إن عملية تحكيم ووساطة سرية يمكن أن تساعد الأسر على تسوية المنازعات الداخلية بشكل تعاوني وتكتم، إذ أن التقاضي يمكن أن يسفر عنه خروج صراعات الأسرة إلى العلن.

حتى ولو وضعت الشركات العائلية آليات لحل النزاعات ومعالجة القضايا المتصلة بنقل الملكية، عن طريق بروتوكول أو  دستور داخلي، فذلك يعتبر بمثابة المبادئ التوجيهية الداخلية والاتفاقات الطوعية، التي لا يعمل بها في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يمكن لأي من أفراد الأسرة الطعن بها أمام القضاء المختص خاصة إذ لم تكن متماشية مع مبادئ الشريعة الإسلامية وننصح عادة بوجود مراكز للتحكيم داخل تلك الشركات.

تواجه هذه المؤسسات تحديات كثيرة تقف عائقاً في سبيل خروجها من الإطار المحلي إلى الاقليمي، وتتلخص هذه التحديات بالتالي:

  • خطّة التعاقب الوظيفي والتحوّل من القيادة الأحادية إلى قيادة ذات طابع تشاركيّ.
  • تحدّي تقليص المناصب مع ازدياد عدد أعضاء العائلة الواحدة.
  • تحدّي السيطرة والتحكّم.
  • تحدّي المنافسة في ظل تحرير الأسواق.
  • الأزمات الاقتصادية العالمية.
  • حل النزاعات والتعامل مع اتفاقيات المساهمين ومجالس العائلات.
  • تحدّي اختيار المرشحين: التحيّز والتحالفات العائلية الداخلية.

تدرك الشركات العائلية أن عدم وجود هياكل للحوكمة العائلية يمكن أن يشكل أكبر سبب للصراع، وخاصة حول الخلافة. فالشركة تبدأ بمؤسس فهي «شركة بدون عائلة»، ثم تنتقل إلى الجيل الأول فتكون “عائلة بدون شركة”، لكنها في الأجيال القادمة تكون “شركة عائلية”، وبالتالي لا بد أن تخطط كل شركة لإعداد خلافة في العائلة تكون مقبولة لتحافظ على الشركة. وتزداد أهمية وضع معايير واضحة لاختيار أعضاء الأسرة المؤهلين لقيادة الأعمال التجارية، ووضع معايير مدروسة للحوكمة والشفافية بالنسبة لأعضاء العائلة الذين لا يشاركون بشكل مباشر في إدارة الشركات، وخصوصاً مع الانتقال إلى الجيل الثالث. وحددت 52 بالمئة من الشركات التي أجريت معها مقابلات مسؤوليات واضحة في العلاقة بين المساهمين ومجلس الإدارة، وبين المجلس والإدارة التنفيذية، ولكن 20 ٪‏ فقط من هذه الشركات تشعر بأنها قد نفذت هذا الأمر بشكل كامل حتى الآن. كما لابد أن نركز على إعداد الصف الثاني وتأهيله للمرحلة الانتقالية ووضع الأنظمة لتعاقب الأجيال…أن تسليم هذه الشركات من الجيل الأول للثاني، ومن الثاني إلى الثالث سيكون له تحديات وآثار هائلة على استدامة ونمو هذه الشركات..

من المهم للشركات العائلية أن تؤسس هيكلًا قانونيًا يلائم بأفضل شكل ممكن خطة الخلافة في العمل الأسري، والديناميكيات، والأهداف الأسرية”، وأؤكد على أهمية انتقال الملكية للجيل الثاني بهدوء، نظرًا لأن استمرار الشركات العائلية في دول الخليج مهم باعتبارها الداعم الأبرز والمحرك الرئيس للاقتصاد، إذ تسهم بنسبة تراوح بين 60 و75% في الناتج المحلي للاقتصاد.

إن طبيعة الشركات العائلية “العاطفية” مقارنة مع الشركات الأخرى تعد عقبة رئيسة أمام «إضفاء الطابع المهني» على الشركات العائلية، أي تبني بيئة تجارية أكثر تنافسية من خلال إدخال أنظمة إدارية أكثر صرامة وتوظيف مواهب استثنائية. إن نقاط قوة نموذج الشركات العائلية وضعفها تكمن في كلمة «العائلة»، «يمكن للعمل مع الأقارب أن يخلق مستويات مرتفعة من الثقة والالتزام، ولكنه قد يؤدي إلى التوتر، والصراعات الخفية أو العلنية، في الوقت الذي يكافح الأفراد للفصل بين المنطق والعواطف والعمل على إنجاح مشاريعهم وحياتهم العائلية»، كما ستزداد المخاطر الناجمة عن عدم مواجهة هذه التحديات مع مرور الوقت.

وإذا ما أردنا التحدث بصورة خاصة عن موضوع الابتكار في محيط الشركات العائلية، تبرز أمامنا عقبتان شائعتان غالبا ما تعملان على عرقلة الابتكار في هذه الشركات، وهما:

  • موقف الجيل الأول المسيطر على الشركة العائلية من مسألة التغيير والتطوير في الشركة.
  • تخوف الجيل الجديد من طرح أفكار جديدة بسبب خشيته من الرفض من قبل جيل الآباء.

ومن وحي خبرتنا ومطالعاتنا المتعددة والكثيرة لتجارب الإبداع في الشركات العائلية، سوف نتطرق لأربع قضايا مهمة ترتبط بتشجيع الابتكار في هذه الشركات، وتسهم في التغلب على العقبتين اللتين ذكرناهما للتو.

  • لا بد من التأكيد في البداية على أن الابتكار لا يحدث في الشركة بصورة تلقائية. إن تشجيع الابتكار في الأعمال بصورة عامة، بما في ذلك في الشركات العائلية، بحاجة لخلق ثقافة وبيئة عمل في الشركة تشجعان على الابتكار. لذلك فإن أول خطوة على طريق تشجيع الابتكار في الشركات العائلية هي السعي لتوليد قناعة لدى الجيل المسيطر في الشركة بأهمية التطوير والإبداع في أعمال الشركة لتعزيز القدرة على المنافسة، حيث أن التطوير بات بالفعل قضية حيوية لا غنى عنها للاستمرارية والنمو. ويجب السعي لتثبيت هذه القناعة في رؤية ورسالة الشركة، ومن ثم القيام بوضع البرامج العملية التي تجسد تشجيع الجهود على الابتكار والإبداع.
  • إذا انتقلنا لمستوى البرامج التي تشجع على الابتكار في الشركات العائلية تبرز أمامنا أو لا أهمية وضع نظام سليم للمكافآت. إن الابتكار في الشركات العائلية يبدأ عادة بأشياء بسيطة وقد تكون غير ملموسة بصورة واضحة، ولكن قد تكون لها تأثيرات هائلة في وقت لاحق. لذلك، فإن وضع نظام للمكافآت يقدر مثل هذه الابتكارات والمساهمات حتى ولو كانت صغيرة حين حدوثها قد يشجع على المزيد من الإبداع والابتكار ويعمل تدريجيا على تنمية بيئة وثقافة الابتكار في الشركة. ولدى وضع نظام المكافآت الموجه لتشجيع الابتكار فعلى إدارة الشركة أن تأخذ بالاعتبار استراتيجية وأهداف الشركة لكي يتم ضمان أن البرنامج موجه لخدمة هذه الاستراتيجية والأهداف.
  • إذا انتقلنا لتشجيع الجيل الجديد على الابتكار ونزع الخوف والتردد منه، فإن الإدارة المسيطرة في الشركة بإمكانها أن توجد مساحة معينة من الحرية قد تبدأ صغيرة ومن ثم يتم توسيعها لاحقا بصورة تدريجية للجيل الجديد لتنفيذ أفكاره – حتى وإن كان معرضا للفشل. إن فشله في مشاريعه التجريبية البسيطة الأولى قد يزرع الثمار لنجاح جهوده ومساعيه في المستقبل، خصوصا مع تنامي مهام هذا الجيل في الشركات العائلية على المدى البعيد.
  • ننتقل لمستوى تشجيع وجود بيئة مستدامة للابتكار في الشركات العائلية من خلال التجديد الدائم في المنتجات والخدمات التي تقدمها. فلربما استطاعت الشركة ابتكار منتج جديد وخارق للعادة نجح في إعطائها ميزة تنافسية قوية بالمقارنة مع أقرانها من الشركات العاملة في الصناعة نفسها. ولكن في أيامنا هذه التي تتسم بالتطورات والابتكارات التكنولوجية السريعة، فإن تلك الميزة التنافسية لن تدوم طويلا، وسرعان ما ينتهي مفعولها. لذلك، إذا كان ابتكار الخدمة أو المنتج الجديد يضع الشركة في مركز تنافسي قوي، فإن الابتكارات المنتظمة والدائمة هي التي تؤمن النمو المستدام للشركة. لذلك، لا بدأن تهتم الشركات العائلية في عالم اليوم بتأسيس أقسام للبحوث والدراسات المرتبطة بأعمالها وتخصص ميزانية مالية تتناسب مع قدراتها لاستكشاف الفرص سواء الجديدة أو التطويرية لأعمالها القائمة.
  • أبرز المؤشرات 2015 – 2016
  • 60 ٪‏ – 70 ٪‏ من الأعمال التجارية المختلفة في منطقة الشرق الأوسط مملوكة من قبل الشركات العائلية.
  • 60٪‏ من الشركات العائلية في المنطقة تحقق إيرادات تتجاوز الـ 75 في المئة من السوق المحلي الذي تتواجد فيه.
  • 50٪‏ من الشركات العائلية تمتلك 5 من حَمَلة الأسهم.
  • 50٪‏ من الشركات العائلية توظّف 5 من أفراد العائلة ضمن كوادرها المدربة.
  • 75٪‏ من أعمال الشركات العائلية تُدار من قبل الجيل الأول والجيل الثاني.
  • 88٪‏ من أعمال الشركات العائلية، تتركز ضمن 5 قطاعات أعمال مختلفة هي: قطاع العقارات، قطاع الإنشاءات، قطاع التجزئة، قطاع التصنيع، وقطاع السفر والترفيه.
  • 76٪‏ من الشركات العائلية تمتلك وتدير أعمالاً خارج النطاق الجغرافي لمجلس دول التعاون الخليجي.
  • ملحوظة: الأرقام من دراسات مختلفة لـ :
    • مجلس الغرف السعودية ..
    • اتحاد الغرف الخليجية ..
    • مركز الشركات العائلية الخليجية ..
    • دراسات استراتيجية ضمن مجموعة Chief Outsiders Consulting بالشراكة مع الجمعية البحرينية للشركات العائلية.
    • صندوق النقد الدولي .

وجميعها عبارة عن دراسات ودوريات .

التعقيب الأول: د. محمد الصبان

أود أن أركز تعليقي على نقطتين أساسيتين هنا:

  • أولا: الحوكمة، وهي المشكلة البارزة في أداء الشركات العائلة في الماضي، وربما تعاني منها بعض هذه الشركات إلى وقتنا الحاضر.  فمنطلق مسمى هذا النوع من الشركات ” العائلية” يعطي الانطباع أن مؤسسها هو كل شيء فيها وهو الآمر الناهي وهو مُتَّخِذ قراراتها، وحتى لو تم ذلك في إطار مجالس إداراتها، فإن المؤسس يستمر بأنه كل شيء في الشركة وهو أدرى بمصالحها من أي شخص آخر.

وتبعا لذلك تستمر الشركة في أدائها ” “الارتجالي ربما” تبعا لتجربة المؤسس  الإدارية والفنية ومدى ما يحمله من بعد نظر ورؤية طويلة الأمد.

  • ثانيا: ونظرا لتعقد وتشعب العمليات الإدارية والأسواق والمتعاملين معها، وتكلفة الأخطاء التي ترتكب ماليا وقانونيا، فإن صمودها أمام  الهزات الاقتصادية ضعيف، وهي إن نجحت في فترة من الزمن فليس من الضروري استمرار هذا الصمود اعتمادا على اجتهادات فردية، يعتقد بموجبها صاحب الشركة بأنه الأكثر حرصا على مستقبلها وضمان استمراريتها.
  • ثالثا: أما من حيث الكفاءة الإنتاجية، فإنها تشبه الجهاز الحكومي والذي يضمن توظيف أفراد العائلة فيها دون التدقيق في طبيعة  المؤهلات المطلوبة لهذه الوظيفة أو تلك، انطلاقا من مبدأ “هذا ابننا أو هذه ابنتنا” وهم أولى من أجنبي من خارج العائلة يغير عليها مهما كانا مؤهلاته.

كما أن المساءلة والمحاسبة لها أولويتها المحدودة من منطلق أن أي هدر مالي أو  غيره لا يعتبر هدرا طالما أنه في إطار العائلة يستفيد منه الجميع بصورة أو بأخرى.

  • رابعا: وفي إطار الاحترام والخجل من مصارحة مؤسس الشركة العائلية لسبب أو لآخر، فإن تراكمات الاخطاء تبقى دون تعديل، ويبقى ما  في النفس في النفس دون مصارحة. حتى إذا تغير المؤسس لموته أو لمرضه أو غير ذلك، نجد أن الشركة أصبحت من الضعف بحيث تكون عرضة للانهيار نتيجة لمشاكل داخلية بسيطة – متراكمة – لم يتم حلها.
  • خامسا: ذكرت د. نوف حلولا ضمنية تساعد على الإبقاء على هذه الشركات العائلية ويضمن لها استدامة واستمرارية:

تفعيل الحوكمة المستقلة، وهي ما تؤدي إلى ضبط إيقاع وأداء الشركة والتأكد من وجود المحاسبة والمساءلة لتفويت الفرصة على أي فساد مالي أو  إداري محتمل، ويعدل مسارها القانوني والاقتصادي والمالي والاجتماعي.

  • سادسا: إن طرح الشركة أو جزء من أصولها للاكتتاب العام، يقلل من التعامل معها من منظور “العائلية”، ويدفع الملاك الجدد مهما صغرت نسبة ملكيتهم إلى التأثير في القرارات النهائية التي يتم تبنيها.

ختاما: فإن أهمية بقاء الشركات العائلية مهم للمرحلة القادمة من اقتصادنا في ظل تنفيذ الرؤية السعودية٢٠٣٠، وعليها أن تتأقلم مع الظروف  الجديدة للمناخ الاقتصادي، وتكون قادرة على الاستمرارية من خلال الشراكة والاندماج وتطوير الأداء والمحاسبة والمساءلة، في إطار تجهيز القطاع الخاص لتولي زمام دفة اقتصادنا السعودي في المرحلة القادمة.

التعقيب الثاني: د. ناصر القعود

تناولت الدكتورة نوف واقع الشركات العائلية ، مع التركيز على واقعها في الاقتصاد السعودي، من حيث حجمها في النشاط الاقتصادي و مساهماتها في الاستثمار والتوظيف ، وتطرقت للتحديات التي تواجه هذا النوع من الشركات نتيجة انتقال الملكية والإدارة من جيل إلى جيل ، مشيرة إلى التخوف من إمكانية انهيار بعضها و أسبابه ، وناقشت كذلك مستقبل هذه الشركات ومتطلبات بقائها ونموها وتكيفها مع الواقع الاقتصادي والظروف المستجدة، والسياسات اللازمة لذلك .

حظي موضوع الشركات العائلية بالعديد من الدراسات و الحوارات ، وذلك للتأثير الكبير لهذه الشركات في الاقتصادات المحلية والإقليمية  والدولية من حيث الاستثمارات وتوفير فرص وظيفية وتحسين للخدمات وتطوير للمنتجات .

تتراوح نسب الشركات العائلية إلى مجموع الشركات العاملة في الدول الأوربية ما بين ٧٠ في المائة في البرتغال إلى ٩٥ في المائة في إيطاليا ، وعموما تشكل الشركات العائلية في الاتحاد الأوربي ٧٥ في المائة من الشركات و ٧٠ في المائة من الناتج المحلي الاجمالي .

ركزت الدراسات المعنية بهذا الموضوع على أهمية هيكلة هذه الشركات والتزامها بقواعد الحوكمة والشفافية ، مما يتطلب الفصل بين الملكية والإدارة وضرورة تطوير أعمالها لتحقيق نمو مستمر والاستجابة لمتطلبات المنافسة المحلية والدولية .

يتركز نشاط الشركات العائلية في المملكة في قطاعات التجارة والعقارات والخدمات والمقاولات والتصنيع ، وهي قطاعات هامة ، ومتى استطاعت هذه الشركات مواكبة المستجدات وزادت من قدرتها التنافسية فإنها ستوفر المزيد من الاستثمارات وتتيح المزيد من الفرص الوظيفية.

لقد ساعد إنشاء هيئة السوق المالية السعودية على تحويل عدد من هذه الشركات إلى شركات مساهمة عامة . وللمساعدة في تبني الحوكمة المؤسسية في الشركات العائلية غير المدرجة في السوق المالية أعدت وزارة التجارة والاستثمار ” دليل حوكمة الشركات العائلية السعودية وميثاقها الاسترشادي ” و وضعته على موقع الوزارة الالكتروني .

والمأمول أن تساعد و تشجع هيئة السوق المالية و وزارة التجارة والاستثمار و نظام الشركات الجديد على إدراج المزيد من الشركات العائلية في السوق المالية ، الأمر الذي سينعكس إيجابا على هذه الشركات و يزيد السوق المالية عمقا و تنوعا .

المداخلات حول قضية: (مستقبل الشركات العائلية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي)

  • مفهوم الشركات العائلية

ذكرت د. نوف الغامدي أن الشركات العائلية بالفعل مكون رئيسي للاقتصاد الوطني وفعلاً أغلب الشركات السعودية عائلية … فهي تبدأ بـ مؤسس وقد يكون في أغلب الأحيان ريادي وعصامي فهي «شركة بدون عائلة»، ثم تنتقل إلى الجيل الأول فتكون “عائلة بدون شركة”، وبعدها مع تطور الأجيال تصبح شركة عائلية .

وتعريف الشركة العائلية هذا لا يعني – بالضرورة – وجوب أن تكون الشركة العائلية مملوكة لعائلة واحدة بعينها، ذلك أن كثيرا من الشركات التي يمكن وصفها بأنها من «الشركات العائلية» تعود ملكيتها أو ملكية حصة السيطرة فيها إلى أكثر من عائلة يجمعها رابط عائلي مشترك – كحالة أبناء البنات الذين قد ينتسبون إلى عائلات مختلفة – وهذا ما يلاحظ بجلاء في كثير من الشركات العائلية التي تمر بعهد ملاك الجيل الثاني والثالث الذين يشكلون – رغم اختلاف عوائلهم – ملكية «عائلية» في الشركة من خلال رابط قربى مشترك يصلهم جميعا بمؤسس أو  مؤسسي تلك الشركات.

كما أن وصف الشركة العائلية لا يتقرر – بالضرورة – لكل شركة تتوافر فيها مقومات الملكية العائلية سالفة البيان، حيث إن كثيرا من الشركات المساهمة العامة على سبيل المثال تملك حصة الأغلبية فيها عائلة واحدة – أو  أكثر – بيد أنها لا تعد من منظور عملي شركات عائلية، بالنظر إلى خضوعها – كشركات مساهمة عامة – إلى أحكام حوكمة خاصة وبيئة تنظيمية متفردة، هذا بالإضافة إلى سهولة انتقال حصص الملكية العائلية فيها إلى الجمهور من غير العائلة تداولا في السوق المالية.

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود اعتماداً على (ويكيبيديا) أن الشركة العائلية (بالإنجليزية Family Business) ذات مسؤولية محدودة أصحاب القرار فيها هم من العائلة المالكة للشركة التي يجمعهم رابط القرابة. من نقاط قوتها أنه يعيش أفراد العائلة حياتهم لأجل هذه الشركة، و أغلب افراد العائلة ينخرطون في العمل في سنوات مبكرة من عمرهم فيتشربون أسلوب العمل و مسؤوليته و يتعلمون إدارته و طريقة عمل السوق، و يواكبون التطورات في الزمن من خلال حياتهم الطبيعية و دراستهم الجامعية. نقاط ضعفها يكمن في ما كانت الإدارة من أصحاب العقول غير محبة للتغيير و أصحاب المدارس القديمة فلا يتقبلون دخول الدماء الجديدة للإدارة و اتخاذ القرارات وذلك بسبب نظرتهم الدائمة بعدم كفائتهم و حداثة سنهم. و هناك أيضا من يخلط العمل بالحياة الاجتماعية الطبيعية، حيث أنه قد تنتقل مشاكل العمل إلى المنزل أو  العكس، غير أنه قد لا يستطيع أخد الكلام بحرية و الابداء رأيه في العمل بما هو مصلحة الشركة بسبب أن أحد اقاربه من الأصول أو لا يتقبل النصح أو  التغيير و تطغى ثقافة “العيب”. و هذا ما يؤثر سلبا على سير العمل في الغالب.

وذكر د. ناصر القعود أنه يبدو من الأدبيات أن ليس هناك تعريف مانع جامع للشركة العائلية سواء من حيث شكلها القانوني أو الحجم ومعظم التعريفات تركز على السيطرة على القرار في الشركة من قبل أفراد العائلة ، ومن هنا تأتي صعوبة الوصول إلى إحصاءات دقيقة . والمهم كما ذكر د. سعد المحافظة على الشركات العائلية ذات التأثير في الاقتصاد من الانهيار من خلال تحويلها إلى شركات مساهمة عامة أو  التأكد من تطبيق قواعد الحوكمة والتعهدات العائلية الملزمة باستمرارها وإدارتها بكفاءة .

ومن جانبه ذهب د. حاتم المرزوقي إلى أنه لا يوجد تعريف نظامي للشركات العائلية وليس لها مركز قانوني في المنظومة التشريعية في المملكة. الشركات العائلية هي شركات ذات مسؤولية محدودة تخضع لنظام الشركات ولها ذمة مالية مستقلة. فيما يتعلق باللوائح المنظمة لأعمالها فقد أصدرت الوزارة دليلا لحوكمة الشركات العائلية السعودية وهو ميثاق استرشادي لها. أقرب مثال في الشريعة الاسلامية للشركات العائلية هو الوقف. ولو طبقت أنظمة الوقف على الشركات العائلية المتعثرة لتجاوزن كثير من التحديات الني تواجهها. وأعني بذلك فرض الولاية على هذه الشركات المتعثرة وتعيين مديرا تنفيذيا لها ومجلس إدارة في مرحلتها الانتقالية.

  • الواقع الراهن للشركات العائلية والإشكالات ذات العلاقة

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود في مداخلته إلى أن الشركات العائلية تأتي كأحد الاقتصاديات الرئيسة في العالم ، ولهذا فإنها تشكل محور اقتصادي مهم ومشاركة تنموية لا يستهان بها ، ويؤكد ذلك الحجم التجاري والصناعي الكبيرين اللذان تضطلع به هذه الشركات.

وإذا تحدثنا بلغة الأرقام شبه الدقيقة إحصائيا في عدد من الدول على السبيل المثال لعدد الشركات العائلية المسجلة فيها نلحظ الآتي :

الدولة   العدد من الاجمالي المسجل

إيطاليا             95%

بريطانيا           75%

سويسرا           85%

السويد             90%

اسبانيا             80%

البرتغال           70%

الدول العربية    95%

من هنا يتضح لنا أن منشآت الشركات العائلية تستحوذ على النسبة الأعلى في تأسيس الشركات داخل دولها ، ولهذا لاشك أنه يعول عليها الإسهام الكبير في بناء اقتصاديات بلدانها .

ولكن التجارب أبانت أنه مع النجاحات المحققة لهذه الشركات إلا أن عامل الإخفاق أو التوقف النهائي عن مسيرة أنشطتها هو هاجس يفترض أن تعيه الحكومات ، والأسباب متعددة ، وقد تأتي في الدرجة الأولى عدم إشراك الجيل الثاني في إدارة أعمال هذه الشركات  بنسبة تخدم مسيرتها ،  يأتي أيضا عدم مشاركة الجيل الثالث لهذه الشركات مع الجيل الثاني تمهيدا لتقلد دفة الأعمال، الأمر الذي لابد من استشعاره ، واتخاذ التدابير الممكنة للحفاظ على تلك المنظمات مهما يكن حجمها ودرجة مشاركتها في الناتج المحلي.

وهناك إشكالية أخرى لا تقل ضررا من ضرر الإخفاق أو التوقف لنشاط الشركات العائلية لأسباب عدم مشاركة الجيلين الثاني والثالث ، والمتمثلة في تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة ، والتجارب المشاهدة في المملكة العربية السعودية تؤكد أن غالبية الشركات المحولة لم تعد كما كانت في تميزها من ناحية الإنتاج والمستوى الرقابي ، والسبب أن درجة الأداء الإداري اختلف ، وذلك بسبب تخلي الملاك السابقين عن المشاركة في الإدارة وترك ذلك لأشخاص قليل الخبرة إداريا ، أو أن الصلاحيات المعطاة لهم لا تمكنهم من السيطرة على مفاصل الشركة المحولة أخيرا.

من هنا نكون قد فقدنا منشآت كان لها دور اقتصادي ناجح ، وفي المقابل لم نحصل على أنموذج آخر يعتقد أنه بديل لأنموذج كنا نتأمل منه إضافة كبرى للاقتصاد الوطني.

أوضح أ. خالد الحارثي أن القطاع الخاص ماعدا الشركات المساهمة المدرجة في السوق ينطبق عليه كل محتويات الورقة الرئيسة، وهذا بحد ذاته يعد إلغاء غير مقصود للتصنيفات في وزارة العمل ووزارة التجارة ومجالس الغرف التي تفرق بمعيار الحجم وقطاع الأعمال.

أيضا يصعب تمرير الفرضيات المقدمة في الورقة بمجرد الإلماح لوجود أرقام ونسب دون تأييد نظريات أو مرجعيات الموضوع. وبناء عليه فقد اقترح إما يصار إلى الابتعاد عن الأرقام والنسب قدر الامكان ليكتسب الموضوع شكلا عاما من قضايا الشأن العام، أو يتم وضع الإطار الذي يحدد تعريف الشركة العائلية المقصود في الطرح والذي تناولته النسب والأرقام، وأن تحدد في مكانها مصادر المعلومات.

وقال أ. مسفر الموسى: لم تصدمني النسب العالية… فأغلب الشركات في السعودية بنظرة أولية عائلية.. أغلبها بأسماء الأفراد والعائلة.

واحدة من عوائق الشركات العائلية هي الاستمرارية.. وكنت قد قرأت أن المؤسسات الصحافية الأمريكية قد تحولت إلى التكتلات المؤسسية بسبب هذه الإشكالية.. إلا أنهم واجهوا إشكالية الاحتكار والسيطرة في مقابل مؤسسات الأفراد أو الشركات العائلية الصغيرة.

وعلقت د. نوف الغامدي على ذلك بقولها: أن كثير من المهتمين والمختصين بالشركات العائلية يواجهون صعوبة كبيرة جدا في الوصول لأرضية ثابتة في وجود إحصائيات جداً دقيقة في هذا المجال … جميع الأرقام الواردة والإحصائيات اعتمدت على المعلومات المعلنة من الشركات مع إحصائيات الغرف ودراساتها غلى مستوى الخليج والسعودية وتحليل أداء الشركات …. ومع الأسف هذه التقارير والدراسات غير معلنة على المواقع بل تطلب حسب الاختصاص.

لكن للتنويه نعتبر الجهة الوحيدة التي تجمع تحديث الإحصائيات محلياً و دولياً كمجموعة متخصصه في حلول الشركات العائلية .. وما ذكرته ضمن الورقة خلاصة ما توصلنا له حتى بداية عام ٢٠١٦ ضمن منتدى الشركات العائلية الذي نقيمه كل عام في دبي .

وأشار أ. سلمان العمري إلى أنه لا يختلف اثنان أنّ العلاقات الأسرية والعائلية القائمة على التواد والتراحم والأخوة واحدة من الركائز الأساسية لاستقرار المجتمعات. وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحظى الأسرة والعائلة الكبيرة بمكانة عزيزة في نفوسنا؛ فإليها ننتمي، وبها نُعرف، وتمتد أنسابنا وأحسابنا.

ووجود علاقات أو مصالح تجارية أو مالية تجمع بين أبناء الأسرة الواحدة، أو العائلة الواحدة، في شركات عائلية، يزيد من قوة هذه الأسرة أو العائلة، ويمنحها مزيداً من أسباب التلاحم والتقارب والتواد، القائم على الثقة ووحدة الهدف، لكن ذلك شريطة وضوح التعاملات وشفافيتها، ووجود الضوابط التي تحول دون أن يؤثر تعارض المصالح الذاتية لأفراد هذه الأسرة بالسلب على العلاقات بين الإخوة أو  أبناء العمومة أو حتى عمومة العمومة.

فالوضوح والشفافية ووجود الضوابط التي تحمي الحقوق وتحدد المسؤوليات تمنح مثل هذه الشركات العائلية فرصاً أكبر للنجاح والنمو، دون أدنى تهديد لعلاقات الإخوة أو صلات القربى. وفي واقعنا الكثير من الشركات العائلية التي تؤكد ذلك، بل تقدم الدليل على أن مثل هذه الشركات دعامة من دعائم الاقتصاد الوطني، إلا أنه في المقابل نجد أن الثقة المفرطة بين أبناء بعض العائلات العريقة والمعروفة باتساع نشاطها التجاري والاستثماري كانت سبباً في تمزيق الأواصر بين الإخوة والأشقاء، وتبادل الاتهامات بينهم، حتى وصلت إلى وسائل الإعلام المتنوعة.

والثقة بين الأهل والأقارب أمر مطلوب، لكنها لا يجب أن تكون بديلاً عن وجود ضوابط، تمنع العبث أو التجاوزات، وتحمي لكل ذي حق حقه. والشريعة الغراء، أوصت المسلمين إذا تداينوا بدين أن يكتبوه؛ وذلك للحفاظ على الحقوق، والحفاظ بالتالي على علاقة الأخوة بين المسلمين. ولا حرج أو ضير في هذا، بل الحرج والضرر كل الضرر أن تكون الخلافات بشأن هذه الأموال، أو الأصول التجارية، سبباً في الإساءة إلى أنفسنا وأقرب الناس إلينا.

والملاحَظ في الآونة الأخيرة – مع الأسف – انهيار العديد من الشركات والمؤسسات العائلية، وانتهاؤها على فرقة وخصام، وقليل منها ما انتهى وأفضى إلى حلول ودية تعزز من الاحترام المتبادل، وتزيد من قوة الأسرة والعائلة، وتمنحها المزيد من التلاحم والتقارب، بل العكس – مع الأسف – خاصة حينما يحل الطمع، وتنعدم الثقة، وتغيب الشفافية، وتحل الأنانية، ويبتعد الإيثار.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما الحل لتلافي مثل هذه الإشكالات مستقبلاً مع الشركاء جميعاً أو مع أبناء رب الأسرة الواحدة؟ والجواب لا يختلف فيه اثنان، وهو معلوم، لكنه مغيب واقعياً وعملياً لدى الكثير، ألا وهو التنظيم المكتوب الذي يبيّن الحقوق والالتزامات، ويحدد المسؤوليات، ويضع آلية واضحة ومحددة تسيّر الشركة لسنوات عديدة، وعدم تركها مستقبلاً للاجتهادات الفردية المتعددة التي عادة ما تكون سبيلاً للخلاف والتنازع. وهذا الأمر يغيب عن أذهان كبير العائلة في حياته، وقد لا يحسب حساباً لهذا الأمر؛ لأنه يرى أن الأمور تسير بشكل جيد، لكنه لا يدرك ماذا سيحدث، أو يغمره التفاؤل والثقة في حال الشركة، ولا يظن أن الأمور السليمة الآن قد تؤول إلى مآل آخر؛ فيدب الخصام والفرقة، وتستهدف العلاقات، وتنقطع الصلات.

لقد خسرت أسر كثيرة العديد من روابط علاقاتها، وتحولت إلى خصام وجدل، واندثرت أسماء وشركات كبيرة من السوق المحلي والإقليمي، بل العالمي. فكم كان لدينا من أسماء كبيرة مؤثرة في مسيرة الاقتصاد خبا نورها، وانطفأت شعلتها بوفاة مؤسسها وبانيها، وكم من وكالة تجارية مرموقة أفضى تنازع الورثة إلى انتقالها إلى ملاك آخرين، ما كان لهم أن يحظوا بها لولا ما استجد من إشكالات بين الملاك الجدد.

نعم، إنه غياب الوعي لدى المالك الأول والمؤسس للشركة، أو الثقة المفرطة في الورثة.. نعم، الثقة بحذر، وهي أمر مطلوب بين الأهل والأقارب، لكنها ليست بديلاً عن ضرورة وجود ضوابط تحدد المسؤولية، وتضع الأمور في نصابها، وتحمي حقوق الجميع، وتمنع الاجتهادات، وتسد أبواب الخلاف، وتسهم في دعم روابط العلاقات، والبعد عن الخصام والتنازع.

وتساءل أ. سلمان العمري: هل هناك إحصائية موثقة عن عدد الشركات العائلية في المملكة خصوصا وفي الخليج عموما..؟ وما نسبة انهيار أو فشل الشركات العائلية في المملكة؛ وأسباب ذلك؟

وأجابت د. نوف الغامدي بأنه لا يوجد مع الأسف إحصائية ثابته لعدة أسباب: منها ضبابية المعلومات من قبل الشركات العائلية ، وعدم الإفصاح والشفافية والتكتم …

لذا فـ نحن نعتمد كثيراً على الشكل القانوني للشركات وتصنيفاتها كشركات ذات مسؤولية محدودة، أو تضامنية، أو مساهمة وغيرها ومعدلات تغيرها من دخول وخروج لتلك الشركات ونتائجها السنوية … طبعاً بالشراكة مع مجالس الغرف ومركز المنشآت العائلية.

وأشار م. خالد العثمان في مداخلته حول مستقبل الشركات العائلية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي إلى ما يلي:

  • المعلومات الواردة في ورقة د. نوف الغامدي هامة ومفيدة لكنها تحتاج إلى تمحيص وتحليل. مشكلة الأرقام عموما أنها قد تكون مضللة خاصة في ظل فوضى المعلومات وقصور المهنية والاحترافية بل والمصداقية أحيانا في جمع المعلومات وتزويدها وتحليلها وبناء قرارات عليها . وعلى أي حال ، فإن دور الشركات العائلية في الاقتصاد حيوي وهام جدا ليس في المملكة والخليج فقط بل وفي كل أصقاع العالم ، ومثال ذلك ما ورد في تعليق د. ناصر القعود حول نسبة الشركات العائلية في أوروبا . من هنا تأتي مشكلة استمرارية الشركات العائلية في المملكة وآثارها السلبية على الاقتصاد المحلي فانهيار هذه الشركات يضر كثيرا بهيكل الاقتصاد ويحدث آثارا سلبية كبيرة على مستويات متعددة . لذلك من الضروري دراسة أسباب ضعف الهيكل البنيوية للشركات العائلية والعمل على هيكلتها وحوكمتها ومأسستها وترسيخ فصل الملكية عن الإدارة لضمان الانتقال السلس والكفؤ للأجيال اللاحقة .
  • هناك شركات عائلية انتهت بمجرد انتقالها إلى الجيل الثاني ، ونحن نتحدث عن أسماء مهمة ولها وزنها في الاقتصاد المحلي مثل شركات العويضة والمغربي وأدهم وغيرها الكثير . أحد الأسباب غير المعلنة والغائبة عن التمحيص والمعالجة مثلا هو علاقة المؤسس بالأبناء وممارسات التفضيل والتمييز المرتبطة بأسباب شخصية وعائلية مثل تعدد الزوجات وتفضيل بعض الأبناء عن البعض الآخر والانتماء الاجتماعي والقبلي وغير ذلك . من الأسباب أيضا قصور التأهيل للأبناء والمبالغة في التدليل والتقصير في تنمية حس المسئولية الناجم عن رغبة الأب الذي عانى في بداية حياته في إراحة أبنائه وعدم إذاقتهم مرارة التجربة التي عاشها ، ويخرج في النتيجة أبناء مدللون يتسلمون مهام قيادية دون تأهيل ولا تدريب ولا تدرج وظيفي ويمارسون إدارة هوجاء تحيق بالمؤسسة وتنتهي بها إلى الانهيار .

ومن ناحيته يرى د. سعد الشهراني أن موضوع الشركات العائلية موضوع مهم جدا من منظور الأمن الاقتصادي كمقوم مهم من مقومات الأمن الوطني و ذلك بسبب الحجم أولا و لأنها مصدر دخل وطني و مصدر للإيرادات العامة (الضرائب و الزكاة).

و يفترض بهذا الحجم أنها مشغل لليد العاملة الوطنية (و للأسف هذا غير متحقق أو  بالأصح ما هو كائن بعيد جدا عن ما يجب أن يكون).

و لذلك  لا يجب ان يسمح بانهيار هذه الشركات بسبب تعاقب أجيال الملاك أو الخلافات بين المؤسسين أو الورثة  بل يجب أن تكون هناك هيئة أو جهة عامة تتولى المحافظة على هذه  الكيانات الاقتصادية و حل الخلافات و حفظ الحقوق و التأكد من ان هذه الكيانات مستمرة و تنمو بالرغم من أي خلافات.

أيضاً فإن أمن الشركات العائلية جزء مهم من الأمن الوطن؛ لنتصور لو أن الملك فيصل لم يتدخل عند وفاة محمد بن لادن رحمه الله و لم يضع للشركة هيئة إشراف …. كيف كانت ستتطور و هل كانت ستكون من كبريات شركات المقاولات في العالم !

وأضاف في مداخلة أخرى: كتبت قبل سنوات كتابا بعنوان “اقتصاديات الأمن الوطني” خصصت جزءا منه لشركات التوازن، و بحثت في معيارين في ظل الوعود و الادعاءات بمستقبل هذه الشركات و أثره الاقتصادي و هما:

  • ميزانية البحث العلمي في كل شركة
  • العمالة الوطنية في هذه الشركات

و بالرغم من أن الشركات لم تقدم معلومات كافية، إلا أن ما حصلت عليه من معلومات كان مخيبا للآمال وإن كانت نسبة السعوديين في هذه الشركات لا بأس بها قياسا للقطاع الخاص إلا أن عددهم بعيد جدا عن الادعاءات و لم أجد شركة واحدة خصصت مبالغ للبحث العلمي و نقل التقنية .

لم أتابع ما حصل عن قرب في الفترة الأخيرة و أعرف أن بعض الشركات تميزت نسبيا مثل الاليكترونية المتقدمة و كثير منها ينتج منتجات يحتاجها القطاع العسكري و منتجات مدنية أخرى، و ربما أن نسبة العمالة الوطنية زادت بالمناسبة برامج التوازن معروفة في العقود العسكرية منذ عقود في دول كثيرة  قبل بدء البرنامج لدينا.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن هناك ما يسمى بالنموذج المثالي ideal type في البيروقراطية وضعه عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر وحدد فيه شروط النموذج ومواصفاته لكي يكون فاعلا. والنموذج عند فيبر بناء عقلي يتم الاسترشاد به في دراسة التنظيمات عموما، بما في ذلك الشركات العائلية.

من ضمن شروط هذا النموذج فصل الجانب الشخصي عن التنظيم بحيث يتم تعيين الأكفاء من خارج دائرة الملاك وذلك في المناصب القيادية لزيادة كفاءة الانتاج وتقسيم العمل بصورة مهنية.

ما هو ملحوظ في الشركات العائلية السعودية في الغالب هو غياب هذا الشرط ومن ثم اللجوء إلى تعيين الأقارب في المناصب التنفيذية دون أن يكونوا بالضرورة مؤهلين بدرجة كافية. قد ينجم عن ذلك حدوث خسائر فادحة خاصة وأننا نتحدث عن شركات كبيرة تدير ملايين وأحيانا مليارات الريالات. هناك عدة أمثلة حية لشركات تكبدت خسائر فادحة بسبب إدارتها من قبل ملاك غير متخصصين. وتصبح هذه المشكلة أكثر وضوحا في حال وفاة أحد الشركاء أو  الملاك ومن ثم دخول الشركة بدهاليز قانونية بسبب نظام الوراثة وتبعاته.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: أثير نقاطا أحسبها مهمة ..

نحتاج تجربة الدول الغربية في هذا الأمر؛ فالنسب التي أشار لها د. ناصر في أسبانيا وإيطاليا كبيرة جدا ..

وما هو معروف أن الدول كثيرا ما ترتبط السياسة بنفوذ العوائل المالي؛ فمثلا عائلة بوش من العوائل الثرية التي تمتلك شركات نفط ..

عوائل في اليابان وفي سنغافورة وفي دول الخليج ولبنان وعدد من الدول الأوربية ….

ليت البيئة الاستثمارية لدينا تفيد من تجربة هذه الدول وبخاصة عوامل نجاحها وأساليب أدائها …

بعض الشركات تحولت من الملكية الخاصة إلى ملكية عامة من خلال الاكتتاب مثل الحكير الدريس المعجل العثيم، وهي  ١٦ شركة كما أشارت د نوف لكنها لا تزال عائلية الاسم وكأنما يريدون أن يدخلوا المكتتبين في عائلتهم كما أدخلوهم في استثمارهم ..

فالأمر لم يتجاوز فكرة الرغبة على الاستحواذ على مال سريع وشرعنة ذلك بأدوات قانونية.

أشار البعض لأهمية ودور الشركات العائلية في دعم الاقتصاد من وجوه متعددة من أبرزها إتاحة الوظائف للمواطنين وفي صناعة منتجات وأعمال مهمة ..

ما أود أن أشير إليه هل فعلا هذه الشركات تقدم أكثر مما تأخذ أو على الأقل مثلما تأخذ …

الكثير من هذه الشركات تحصل على دعم مباشر وغير مباشر من الدولة بل كثير منها لا تقوم بشي سوى أنها تأخذ مشروعات لتنفذها مقابل تعميد مباشر أو  مناقصة ، ولا تدفع أي ضريبة ومعلوم أن الشركات في العالم تدفع ضرائب متعددة ..

لذا تأتي الأسئلة المهمة ماذا على هذه الشركات أن تقدم؟ أليس عليها أن تقدم خدمات مجتمعية واجتماعية للمنطقة التي تستثمر فيها .. مثلا فروع بنك الراجحي، ومحطات الدريس، وأسواق العثيم ، مجموعة فتيحي، حلواني اخوان ،العبد اللطيف، مجموعة السريع، الزامل للصناعة ، البابطين ،الطيار ، الحكير ،…..الخ، كل هؤلاء لم يقدموا للأحياء التي تستضيفهم أي خدمة سواء بإقامة حديقة أنموذجية أو مركز ترفيهي أو تعليمي ..

ربما لبعضهم جهود في بعض الجوانب الإنسانية الاجتماعية أو الطبية لكنها محدودة وغير ظاهرة ولا ترتبط بالأحياء التي يعملون فيها ..

خلاصة الأمر .. الشركات العائلية سواء التي لا تزال تحتفظ باسم العائلة أم التي تستخدم اسما تجاريا كل هؤلاء أحسبهم مطالبين بعمل واضح يسعد به الناس من حولهم ويرونه رأي العين ويطعمونه ويستمتعون به.

وعقبت د. نوف الغامدي بأن ما تطرق له د. المحيا بالفعل مهم جدا؛ فهناك ضعف في هذا الجانب من قِبل الشركات العائلية وكلها محاولات خجولة ” فلاشات إعلامية ” …

الحقيقة تعتمد المسؤولية الاجتماعية على المبادرات الحسنة من رجال الأعمال دون وجود إجراءات ملزمة قانونا. لذلك، فإن المسؤولية الاجتماعية تتحقق من خلال الاقتناع والتعليم. ويعتبر أداء المؤسسات الاجتماعية شكلاً من أشكال تقرير الشركات والتنظيمات وإدماجها في نموذج الأعمال التجارية وعليه، فالمسؤولية الاجتماعية نظرية أخلاقية أو أيديولوجية يكون للكيان سواء أكان حكومة أو مؤسسة أو منظمة أو فردا مسؤولية تجاه المجتمع بأسره.

ويمكن أن تكون المسؤولية الاجتماعية سلبية، مما يعني الاعفاء من اللوم أو المسؤولية، أو  تكون المسؤولية الاجتماعية إيجابية، مما يعني أن هناك مسؤولية للعمل بإحسان. كما أن المسئولية الاجتماعية واجب والتزام وليس صدقات وهبات. وتتعدى المسؤولية الاجتماعية كونها عملاً خيرياً بل تعتبر استثماراً اجتماعيا ومساهمة مباشرة نحو المستقبل.

وفي هذا الخصوص يمكن الإشارة إلى الآتي:

  • النقلة النوعية وإعادة صياغة تركيبة شركات القطاع الخاص، حيث تحول بعضها إلى شركات مساهمة عامة، مما يعين على إدراج مفهوم المسئولية الاجتماعية في نظام الشركة.
  • اتجاه الشركات حول العالم، في ظل الأزمة المالية الراهنة، إلى تطبيق مفهوم استراتيجي واسع النطاق للمسؤولية الاجتماعية، لأنها ترى في هذه الأزمة فرصة سانحة لإعادة تقييم الأسس والمفاهيم التي تقوم عليها المسؤولية المتقدمة، فالتوجه نحو اعتماد مفهوم شامل للمسؤولية الاجتماعية، يدمجها في الأسس والنظم الإدارية الخاصة بإدارة الموارد البشرية، ومنها إلى إدارة المشتريات والموردين وخدمة العملاء وغيرها من الإدارات، كما تقلص في الوقت نفسه ميزانية المسؤولية الاجتماعية المحصورة في الأعمال الخيرية وخدمة المجتمع.

وهناك حاجة إلى مجهودات كبيرة لنشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية وثقافة العطاء التنموي بين قطاعات الأعمال والشركات العائلية. ويجب أن تنتشر هذه الثقافة من خلال إبراز الواجب الأخلاقي والديني الذي يتحتم على تلكم الجهات القيام به، وأيضا من خلال وضع القوانين المحفزة لقطاعات الأعمال والتي تجعل من عطائها حافزا لإنجاح وترويج الأنشطة التجارية، و التنمية المستدامة على المدى البعيد.

فعلى المستوى العالمي وفي الدول الصناعية والتجارية الكبرى، أصبح هناك هدف لتحقيق تعاون متوازن بين كل من الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، أي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الثالث، في تحقيق التنمية دون الاعتماد كلية على جهة واحدة والإعفاء الكامل من المسؤولية لجهة أخرى.

النقطة الهامة هنا هيّ: لابد من استمرارية أفراد الجيلين الأول والثاني في لعب دور هام في إدارة شئون الشركات العائلية مع التأسيس المبكر لمفهوم المسئولية الاجتماعية ، ما زالت روح المؤسس المحبة للعمل الخيري موجودة.

وبدوره عقب د. مساعد المحيا على ما طرحت د. نوف بقوله: حديثك عن المسؤولية الاجتماعية للشركات العائلية وتقصيرها في ذلك مسألة مهمة؛ بيد أنك ترين ذلك مسألة أخلاقية تعتمد على مبادرات رجال الأعمال دون وجود إجراءات ملزمة وقانونية ..

شخصيا أجد أن أداء الشركات العائلية في مجتمعاتنا لا يبعث على التفاؤل في جانب القيام بمسؤوليتهم الاجتماعية والمجتمعية وبالتالي فلابد وأن تعمل وزارة التجارة على وضع مشروع قانون يلزم هذه الشركات بالقيام بذلك ويترك لها الخيار بتنفيذ مجموعة من البرامج كل عام ووفقا لأدوات تضمن لهذه الشركات أن لا تضار ولا تتضرر؛ وإلا فإن التزام هذه الشركات بمسؤوليتهم الاجتماعية سيكون سلبيا تماما مثل الصحف ووسائل الاعلام حين  يترك لها الالتزام بالمواثيق الأخلاقية الإعلامية إذ كثيرا ما تفشل هذه الصحف ووسائل الإعلام في القيام بمسؤوليتها نحو المجتمع.

وأضاف د.م. نصر الصحاف: أن غياب التشريعات الملزمة لأصحاب الشركات الكبيرة العائلية وغيرها هو السبب الأساس لعدم تقديم هذه الشركات للأعمال الخدمية والتي تهدف إلى تقديم قيمة مضافة تنعكس إيجابياً على المجتمع !

طبعاً هناك منهم من يقدم مساعدات وبرامج تنموية مثل شركة عبداللطيف جميل وغيره ولكنها محدودة جداً قياساً بمستوى دخول هذه الشركات وغياب معادلة ضريبة الدخل كما هو الحال في بعض الدول !!

ولعلنا نسلط الضوء على البنوك في المملكة والتي تضطر إلى نشر أرباحها الفصلية في وسائل الاعلام وتفوق مئات الملايين الريالات في كل فصل دون أدنى شعور أو التزام بالمسؤولية المجتمعية كما في بقية دول العالم !

أضف إلى ذلك بنوك ” إسلامية ” كالراجحي والتي تبيت أموالها في نيويورك وترابي بها هناك وفي نفس الوقت تتسمى بما هو عكس ذلك وبالمقابل لم نسمع عن شيء يذكر قامت به لخدمة المجتمع !!

واتفق د. مساعد المحيا مع رأي د. نصر وأوضح كذلك أن غياب هذه التشريعات يجعل تلك الشركات تسبح في بحر من العسل المصفى ثم تلتهمه دون أن تقدم بعض واجبها تجاه أفراده؛ ففي الغالب فإن هذه الشركات لن تخسر كثيرا لو قدمت أنموذج ملاعب ترفيهية لأطفال الحي أو نادي ترفيهي رجالي وآخر نسائي ..أو صالة علاج طبيعي ..الخ، لكنها لن تفعل ذلك طائعة مختارة وإنما تحتاج أن تؤطر على ذلك أطرا.

وفي تقدير د. خالد الرديعان فإن المسؤولية الاجتماعية لا تأتي من خلال سن لوائح وأنظمة ولكن من خلال وعي ملاك الشركات نحو دورهم الاجتماعي… لذلك فإنه يميل إلى عدم تقييد المسؤولية بنظام يمكن التحايل عليه..

وبخصوص بنك الراجحي فإنهم – برأيه – يقومون بأعمال كثيرة كنوع من المسؤولية الاجتماعية لكن هناك تقصير إعلامي في تبيان ذلك. ومن أمثلة المسؤولية الاجتماعية ما قام به الراجحي من وقف مزرعة نخيل في القصيم تضم أكثر من ٢٠٠ ألف نخلة مثمرة لتوزيع إنتاجها على المحتاجين.

وأكد م. أسامة كردي أن اهتمام القطاع الخاص بالمسؤولية الاجتماعية كبير جدا و عدم توفر معلومات أو إحصائيات يعني ضرورة الحديث بشكل مختلف .. مثلا الحديث عن نشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية .. و لا ننسى أن المسؤولية الاجتماعية ليست خاصة بالقطاع الخاص بل بالمجتمع بشكل عام و الموسرين جميعهم بشكل خاص.

وذكرت د. أروى أخضر أن من أمثلة المسؤولية الاجتماعية ما قام به الحكير لذوي الإعاقة ممثلا في برنامج عطاء عبارة عن بطاقات سنوية تزود به أسرة المعاق أسبوعيا لعب مجاني بمبلغ ٥٠ ريال مفتوحة أمامه في أي يوم من أيام الأسبوع.

وأشارت أ. علياء البازعي إلى أن من أروع أمثلة المسؤولية الاجتماعية للشركات العائلية هو مركز الجفالي لخدمة ذوي الإعاقة بعنيزة.. خدمات على مستوى عالي جدا…يقدم خدمة لذوي الإعاقة و أسرهم.. و أيضا وظف و درب عدد كبير من الشباب و الشابات.

وأوضح أ. خالد الحارثي أنه وعند توظيف مصطلح المسئولية الاجتماعية في غير سياقاته العلمية يتم حكما نسف نموذج توزيع الثروات العادل ونموذج الأمن والسلم الأهلي.

المراهنون على أنه يمكن لهم أن يفلتوا من العقاب ، وترويض العلم والتشكيك في الحتمية لصالح النسبية وفي المقابل يقتاتون من ذلك ، سواء وعيا وقصدا أو تبعية وجهلا ، سيبتلعهم التحول ولن يمهلهم للاستمرار في الأحلام.

ومن ناحية أخرى فإن المرجو من القطاع الخاص ، المبادرة للكثير من النشاطات التي يتطلبها التطور الهائل في الاحتياجات عند سكان المملكة من الجنسين سعوديين وأجانب من كافة الأعمار؛ لكن وللأسف إن كبار المستثمرين في المملكة رفعوا حواجز الدخول في المنافسة والاستثمار إلى حدود عليا واحتفظوا بالنشاطات الأسهل والأقل تعقيدا المعتمدة على العمالة الرخيصة والاستيراد.

وفي مداخلة ذات صلة، قال م. حسام بحيري: كان هناك حديث مبكرا عن دور القطاع الخاص في برامج التنمية وماذا يتوقع منه في خدمة الاقتصاد المحلي وكشخص يمتلك شركة وجزء من هذا القطاع أستطيع أن أؤكد أن القطاع الخاص في المرحلة الحالية شبه مدمر وإذا استمر الحال لسنة أخرى فتكون هناك كارثه فعلية. لا أحد يتصور مدى الصعوبات والتحديات والتهديدات التي تواجهه هذا القطاع مؤخرا خصوصا من قبل الجهات المشرعة والتي لها ثلاث سنوات وهي تضع جميع العراقيل التي تخطر ببالهم أمامه وتخترع أنظمة جباية تهدد باستمراره. جميع هذه الأنظمة والتشريعات عرقلت القطاع الخاص واقفلت عشرات آلاف من الشركات والمؤسسات واضطرت لتسريح آلاف من الموظفين وأصبح تكلفة تأسيس شركة أو مؤسسة داخل المملكة واستمرارها بوضع قانوني من جميع الجهات المعنية هو الأغلى في العالم بمراحل عديده لدرجة أن تكلفة تأسيس كيانات تجارية في أغلى دول العالم مثل الاتحاد الأوروبي أو اليابان أو امريكا تعادل أقل من عشر التكلفة المحلية. نحن نعاني من سياسات عشوائية متخبطة شرعت من قبل مسؤولين ليس لهم أي خبرة أو دراية في مشاكل أو حلول القطاع الخاص في البلد وكل السياسات التي استحدثت لتوظيف السعوديين في القطاع الخاص أصبحت هي العائق أمام توظيف أي مواطن أو مواطنة. حتى الآن ليس هناك أي مسؤول في البلد يدرك أن مشكلة توظيف السعوديين حلها ليس في وزارة العمل ولكن في وزارة التعليم التي تخرج كل سنة مئات الاف من الطلبة الذين ليس لديهم أي مهارات تعليميه يمكن الاستفادة منها في القطاع الخاص. ما الذي أستفيده من طالب فقيه في أمور اللغة والدين وليس له أي مؤهلات لغوية أو تقنية وهذا أول متطلبات العمل بالقطاع الخاص. التوظيف اليوم سواء لمواطنين أو أجانب اصبح مشكلة كبيرة والكثير من الشركات السعودية الكبرى وخصوصا التقنية تفتح مراكز التدريب والتشغيل خارج المملكة من كثرة الصعوبات التي تواجهها. مثال خذ شركة كودو للأطعمة السريعة مراكز تدريبها وتصنيع منتجاتها في الفلبين لأنه أصبح من الاستحالة فتح مراكز مماثله في المملكة من كثرة الصعوبات التي تواجهها. لو فتحت هذا المراكز في المملكة لكان في غضون ١٠-١٥ سنه المشرفون عليها والمتدربون بها  سيكونون مواطنون ومواطنات لأنه سيتم احلالهم تدريجيا  سنه بعد سنه حتى لو كان بنسب قليلة ويتمكون من التدريب محليا وأخذ خبرة الأجنبي. لي أخ يمتلك هو وعدد من  الشركاء شركة تقنية متقدمة افتتحوا مراكز البرمجة لمنتجاتهم التقنية في دبي ومصر لأنه من الصعب أصلا توظيف قدرات تقنية متقدمة في أي بلد في العالم وقوانين العمل الحالية هم ليسوا في حاجة لمواكبتها لأن الطلب عليهم ولخبراتهم يأتي من جميع دول العالم. والسؤال هو كيف سيتمكنون من نقل هذه التقنية لكوادر وطنية على المدى الطويل إذا لم تكن هذه الكيانات موجوده داخل الوطن. لا يمكن أن نبتدع قانون عمل يساوي في التوظيف بين الكناس في الشارع ودكتور المخ والأعصاب أو خبير برمجة الكمبيوتر و مشرف مبيعات. ولا يمكن أن تكون مؤهلاتك أن تعمل في أي قطاع خاص أنك سعودي فقط. أنا أتكلم عن الصعوبات الموجودة في تأسيس القطاع الخاص الحالية أما الحصول على عقود عمل خصوصا من الدولة أصبح من أصعب الأمور في ظل هذه القوانين لأنها لا تلزم القطاع الحكومي بإعطاء العقود التي توظف سعوديين تم الانفاق عليهم وتدريبهم بكلفة عالية على حساب الأجنبي ناهيك أصلا أن السواد الأعظم من أجهزه القطاع الحكومي تفضل علنا عمل الأجنبي في عقودها من السعودي لأنه في نظرهم هو الأفضل والسعودي هو الأسوأ. أما عقود القطاع الحكومي فهي باختصار ليس فقط لتنفيذ الأعمال ولكن أيضا لتمويلها من قبل الشركات المتعاقدة وكأننا نعمل في القطاع البنكي لنمول المشاريع الحكومية والتي في الأخير لا تدفع لك بغض النظر عن ملتزمات وشروط العقد. توجد المحاكم التجارية ولكن هذا موضوع آخر حساس لا نريد التطرق له خصوصا أن الجهات القضائية التي تلجأ لها لإنصافك من وقف الدفعات الحكومية هي نفسها تعمل في الحكومة.( Catch22) عندما كان لي الفرصة أن أقدم أعمال لشركات أو مؤسسات كبيرة سواء حكومية أو خاصة ونستطيع بفضل الله أن نقدم لهم أعمال جدا جيدة راضيين عليها كانت دائما كلمت الثناء التي نسمعها من العميل الذي يعتقد أنه يمدحنا وبكل سذاجة أنه (لا نصدق أن سعوديين يتمكنون من فعل هذا) للأسف هذا بعض من واقعنا في القطاع الخاص.

وعقب أ. خالد الحارثي تعليقا على مداخلة م. حسام بحيري بقوله: حول التضييق على بيئة الاستثمار وتحويل سوق المملكة الى بيئة طاردة للمواطن المستثمر الصغير والمتوسط : أحب أولا أن أطرح رأيي التحليلي للأسباب الإضافية التي ساهمت في خلق البيئة الطاردة للاستثمار إضافة إلى البيئة الطاردة للتوطين.

  • إصرار بعض لجان الغرف التجارية على تكريس الاعتماد المطلق على الاستقدام وتكريس مستويات الأجور السائدة دون التفكير خارج الصندوق للجمع بين متطلبات التوطين ومتطلبات التشغيل من الاحتياج للعمالة الأجنبية ، وبالتالي لم يتركز النقد لبرامج ومنتجات صندوق الموارد البشرية التي تعاني أيضا من النفس البيروقراطي البعيد عن الحاجة الفعلية والميدانية لأعمال التشغيل.
  • إصرار لجان وزارة العمل ولجان صندوق الموارد البشرية والصناديق الاقراض تحت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية ووزارة التجارة والاستثمار المشتغلة بتطوير النظم والتشريعات والبرامج على الاعتماد الكلي على شركات الاستشارات الأجنبية التي بطبيعة الحال تغيب عنها الخبرة المحلية بشكل كبير فتعمد إلى تبني توجهات الزبون المتمثل في الوزارة والصندوق.
  • ضعف التمثيل والصوت الخاص بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة في الغرف وفي الوزارة والصندوق والمؤسسة العامة للتدريب المهني والتقني وكذلك صناديق الإقراض ، مما يجعل المنتجات لهذه الجهات موجهة نحو الافراد والمنشآت الكبيرة دون حظ وافر وكافي لسد احتياجات ومتطلبات المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
  • عدم مساهمة السياسات المالية وتشجيع مؤسسة النقد البنوك على تطوير منتجات تمويل الأعمال للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بالشكل الكافي لتغطية الاحتياج وضمان حقوق المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الجهات الحكومية أو كبار المتعهدين والمقاولين وتخفيض المخاطر عليهم.

مثل هذه العوامل وبهدف مكافحة التستر وتخفيض الاستقدام (إذا أحسنا الظن) أحبطت المستثمر السعودي وصاحب العمل المهني وقلصت فرص نجاحه ومساهمته في أهداف التنمية والمصالح الوطنية ، بدلا من التركيز على دعم الأنشطة ذات القيمة المضافة التي تدعم على المستويين المتوسط والبعيد من أهداف التوطين والتنوع واستمرار ودعم وجود الخبرات الأجنبية النافعة والمساهمة في نقل التقنية وأقصد بالذات القطاع الصناعي والهندسي والفني.

لا يمكن تصور التنمية دون مواكبة التعليم لهذه الأهداف الطموحة والتي لطالما طالبنا ببرامج خاصة مدعومة من الصناديق ومن الوزارات لتمكين التمهين قبل التخرج وفي بدايات الانخراط الوظيفي.

وعلق د. عبد الله بن صالح الحمود بأن الاستيراد والاستقدام وخفض الرسوم وتسهيل إجراءات التأسيس وما يتبعها من إجراءات رقابية وغيرها ، كل ذلك يعد واجب الإتيان به في منظومة واحدة ، من هنا تبدأ رحلة العلاج وصولا إلى أهداف مبتغاة.

وعن الغرف التجارية فتظل شريك رأي على أقل تقدير لها وليست السبب في ظاهرة الاستقدام أو حتى الاستيراد ، تظل المشكلة إن اسميناها مشكلة أو ظاهرة أن وصلت إلى ذلك ، فهي مسؤولية الجميع ، وهنا علينا أن نفتش عن الأسباب لنجد لها الحلول دون الإسراع في اتخاذ قرارات اعتدنا عليها في الماضي بأن تتخذ قرارات متسارعة وتكون ضد أو مع ونفقد معنى التوازن بين الجميع.

  • مقترحات تطوير الشركات العائلية وتفعيل دورها في الاقتصاد الوطني

أوضح م. خالد العثمان أنه ومن ناحية المبدأ فإن تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة يبدو كما لو كان السبيل الأمثل لمأسسة هذه الشركات وضمان استمراريتها . لكن الواقع يقول غير ذلك ، ويؤكد وقوع كثير من المؤسسات المخلة في هذا المضمار . وفي الحقيقة ، فإن الهدف الأول من تحويل الشركات العائلية إلى مساهمة عامة هو تسييل حصة من هذه الشركات وتحقيق عوائد مادية هائلة للملاك دون أي تغير أو تنازل حقيقي وفعال في السيطرة على إدارة الشركة . وما نراه في سوق المال الآن هو شركات مساهمة عامة متداولة في البورصة وهي تحمل أسماء عوائل ويديرها أفراد من العائلة بعيدا عن معايير التأهيل الحقيقي ، وهو واقع لا يضمن الاستمرارية الحقيقية لهذه الشركات وحمايتها من الانهيار الناجم عن سوء الإدارة ، علاوة على أنه يشكل في رأيي تعظيما للمخاطر على الاقتصاد وتوسيعا لدائرة تأثيرها لتطال الأفراد البسطاء من صغار المستثمرين الذين بادروا لشراء أسهم في هذه الشركات طمعا في تحصيل عوائد عبر مشاركة تلك الأسماء اللامعة في عالم الأعمال . وبالتالي ، فإن الفصل الحقيقي بين الملكية والإدارة هو مطلب هام جدا في كل مستويات التحول للشركات العائلية إلى أي شكل قانوني من أشكال الشركات ، ومن الضروري أن تعمل هيئة سوق المال على مراجعة التشريعات الخاصة بهذا التنظيم لمعالجة هذا الخلل .

ويرى د. سعد الشهراني أنه لمصلحة الملاك و للمصلحة الوطنية يجب أن تتدخل الدولة لضمان بقائها و نموها و التدخل لمنع توقف أو انهيار أي شركة منذ بداية التعاقب أو  الخلافات و أن يكون حل الخلافات بعيدا عن الشركات و كيانها. فضمان استمرا الشركات العائلية هدف وطني و واجب من واجبات الجهات المعنية في الدولة.

وفي الإطار ذاته، أضاف د. عبد الله بن صالح الحمود النقاط التالية:

  • تظل الشركات العائلية هي الأنموذج الأفضل والناجح عالميا.
  • الشركات العائلية تسعى إلى الحفاظ على ديمومتها ، وهذا يعطي مزية في تقديم خدمات أفضل للسوق عن غالبية الشركات التي تحولت من عائلية إلى مساهمة مقفلة أو عامة ، وظهرت بعد ذلك بخدمات متدنية ، بجانب بالفوضى الإدارية، بسبب بقاء الملاك السابقين ( العائلة ) كما هم تنفيذيين في التحول الجديد ولكن بأداء إشرافي غير مباشر للشركة الجديدة.
  • لاشك أن التحول من العائلي إلى العامة أمر تفرضه مسيرة الحياة الاجتماعية فضلا عن الاقتصادية ، إلا أنه لتحقيق نجاحات مؤملة لذلك فإن الأمر يتطلب توافر حوكمة حقيقية ، فضلا عن وجوب سن ضوابط جديدة من قبل وزارة التجارة والاستثمار عند التحول ليكون هناك شراكة حقيقية للتنفيذيين بين الملاك السابقين ومن هم من خارج العائلة ، لضمان تحقيق النجاح قدر المستطاع.

وأشارت د. نوف الغامدي إلى أن التحول إلى شركات مساهمه ما هوّ إلا حل من الحلول لاستمرار الشركات العائلية واستدامتها لكن مع الأسف فالعاملين والمتعمقين في مجال الشركات العائلية يعرفون جيداً أنّ المُنادون بـ التحول ما هو إلا ” نصبة ” كبيرة من بعض المكاتب الاستشارية للحصول على مبالغ ونسب من تلك الشركات لأن التحول لمساهمة يكون من خلال تحويل أحد الأنشطة وليسّ على السجل التجاري الأصلي فبالتالي مازالت المشكلة قائمة !!!

بينما يرى د. حميد المزروع أن المشكلة الحقيقة في خطورة تحويل الشركات العائلية إلى شركة مساهمة عامة وطرحها للاكتتاب العام ، هي في تفخيم أصول بعض هذه الشركات  قبل الاكتتاب و وضع ميزانيات وهمية لتعظيم علاوة الإصدار ، وربما كان سبب تحويلها إلى شركة مساهمة هو للتخارج منها بشكل نهائي خاصة لبعض الشركات التي بدأت تعاني مؤخرا من إجراءات السعودة وارتفاع  الكلفة التشغيلية وقلة الأرباح، أو تلك التي عليها ديون مرتفعة للبنوك .

تحتاج وزارة التجارة وشركة تداول إلى إعادة النظر بمعايير طرح الشركات العائلية لتكون بالفعل من الشركات التي لديها القدرة علي تحقيق الأرباح وخلق فرص عمل حقيقية للمواطنين  بدل أن تكون ملاذات دائمة لتشغيل الأجانب ، مستفيدة في نفس الوقت من الإعفاءات الضريبية التي تقدمها الدولة .

تحديد الحد الأدنى من رأس المال ، ونسبة السعودة يجب أن تكون من ضمن الشروط الأساسية  لتحويل الشركات العائلية إلى مساهمة حتي  تتوافر لهذه الشركات حظوظ الاستدامة والمنافسة محليا وإقليميا .

وذكر أ. خالد الحارثي أن الشركات العائلية في السعودية لا تنطبق عليها تعريفات واشتراطات الاتحاد الاوروبي وبريطانيا وأمريكا وهي فاقدة للأهلية المطروحة للاختصاص في تداول خبراء الإدارة والاقتصاد والتنمية ، كما أرى أن من الأفضل الابتعاد عن تبني هذا المصطلح الذي يجعل الحوكمة كما لو كانت اهتماما خاصا وليس هدفا وطنيا للاقتصاد القومي بالعموم في كافة القطاعات.

وأضاف: في غياب نظم الشفافية والافصاح كالإقرار الضريبي فإن التحول نحو الاكتتاب العام ليس إلا ملاذا للاستمرار في الاستقدام والاستيراد دون محاسبة ، واتفق تماما في ضرورة رفع نسب السعودة وخفض الحد الأعلى من الاحتفاظ بالملكية حتى يتسنى المشاركة في صناعة القرارات الاستراتيجية والتشغيلية. وفيما يخص الأوقاف ، فإن تعليق ولو بعض الأمل على هذه الأداة (الوقف) في الحوكمة من شأنه أن يضلل مفهوم الحوكمة ليصبح مرادفا لأدوات مراكمة الثروات الخاصة ، وليس الحوكمة التي تعني الشفافية والافصاح والالتزام والخضوع للأنظمة Compliance and Governance ..

وأوضح د. حاتم المرزوقي أن الوقف يختلف من حيت التكوين والأغراض عن الشركات العائلية ولكنه نموذج منه.. وهو التأصيل النظامي له.. ففي حين أن نسبة كبيرة من الشركات العائلية تتعثر في الجيل الثالث والرابع نجد أن الأوقاف العائلية تستمر وتتمدد عبر مئات السنين لأنها تتوافر على آلية منضبطة في انتقال إدارتها من جيل إلى جيل بما يكفل استدامتها واستمراريتها.. نحن بحاجة إلى نموذج نظامي يحقق للشركات العائلية مركزا قانونيا واضحا يحتكم اليه، وهذا أقرب مثال ناجح في ثقافتنا عن الشركات العائلية.

ومن جديد أشار أ. خالد الحارثي إلى أن الوقف الممارس في السعودية هو آلية حفظ ثروات خاصة ، وليس وقفا بالمعنى الذي يساهم الواقف في تنمية ورخاء المجتمع ، نظرا لضعف البيئات التشريعية الحالية فقد تسوغ كثيرا من الممارسات الخاضعة للرقابة والضريبة في الدول المتقدمة للتمرير عندنا دون أي قيمة مضافة على الاقتصاد بل فيها تهريب للقيمة المضافة التي ولدها الاقتصاد الوطني للخارج دون أي ثمن في المقابل.

وعقب د. حاتم المرزوقي أنه لا يختلف مع الرأي من حيث اختلاف الأغراض بين الوقف والشركات العائلية.. وإن تشابهت من حيث التكوين.. ما أقصده أن الشركات العائلية لها خصوصية ونحن بحاجة إلى البحث عن نموذج ناجح نفيد منه في معالجة التحديات التي تواجه هذه الشركات.. قد نبحث عن هذا النموذج شرقا وغربا.. ولكن نحتاج كذلك أن نبحث في ثقافتنا وممارساتنا فقد نجد الحل والوقف بتنظيمه وآلياته يعالج كثيرا من هذه التحديات..

لماذا الشركات العائلية تنهار في أجيالها المتعاقبة بينما تستمر الأوقاف مئات السنين.. وكلاهما تكوين عائلي يحقق أرباحا وتوزع على المساهمين.. الفرق هو في الآليات والإجراءات والأنظمة الحاكمة.. ففي حين أن الوقف له مركز قانوني ومنضبط إجرائيا.. نجد أن الشركات ليس لها مركز قانوني ولا يحكمها تشريع يضمن استدامتها.. ونحن حقيقة بحاجة إلى الإفادة من نماذج التجارب الناجحة للتناسب مع خصوصية الشركات العائلية بما يكفل استدامتها ونموها.

الوقف كمصطلح هو نموذج من الشركة العائلية.. موقوف على عائلة محددة.. كلاهما نشاط اقتصادي، منحصر في عائلة واحدة، وكلاهما يوزع أرباحا.. الفرق في حين تتعثر الشركات العائلية نجد أن الأوقاف تستمر وتنمو.. الفرق هو في الأنظمة والإجراءات والحوكمة. ما أدعوا له هو الإفادة من هذا النموذج الناجح. مع الاحاطة بأن نسية من الشركات العائلية التي نجحت طبقت أنظمة الوقف وكذلك الأوقاف المتعثرة ابتعدت عنها..

وفي ضوء ذلك قال أ. خالد الحارثي أن السبب الأكبر الذي ساهم في تردي أوضاع الشركات ذ م م وما في حكمها هو تجميد آليات الرقابة على هذه الشركات وفعالياتها العمالية ، والتي تعد – برأيه – الرافد لذلك التدهور هو الغرف التجارية ، حيث لم ينشأ في مقابلها هيئات/جهات عمالية رسمية مستقلة ماليا وإداريا وجهات رسمية لصغار المستثمرين وريادة الأعمال ، فبالتالي ، تراجعت أدوار الرقابة في الدوائر الحكومية وتراجعت مع عجلة تطور آليات الرقابة والمحاسبة والتوازن.

على سبيل المثال.. لم أسمع بعقوبة من لجان ذات اختصاص قضائي على مخالفات شركة أو  مجلس إدارة في القانون الإداري ، مع العلم أن مخالفات القانون الإداري في المملكة هي الأكثر شيوعا وانتشارا .. على سبيل المثال .. إذا قدمت الدولة القروض من المال العام ، وحصل الإعفاء من السداد بشكل غير نظامي ، وتم الاستثمار بالتهرب والتحايل على الأنظمة ، واستنزاف الاعفاءات الضريبية والرسوم ، والإخلال بالأغراض العليا للامتياز والثروة ، ثم أحيلت فوائض هذا الاستثمار لتكون محافظ خاصة تسمى أوقاف .. فماذا يعتبر ذلك؟ من شاكلة أوتيته على علم عندي.

وأكد م. خالد العثمان على أهمية توظيف آليات الوقف لضبط أداء الشركات العائلية لكن ليس كل الأوقاف تكون على عائلات بل هي متنوعة الأغراض والمقاصد.

وأشارت د. نوف الغامدي إلى أنها طالبت كثيراً بفرض قوانين تُلزم الشركات بتخصيص ولو ١٪‏ من أرباحها لبرامج المسؤولية الاجتماعية كالـ Green Rewards وإيجاد مُحفزات للشركات من خلال تسهيل بعض القوانين ولكن مع الأسف دائماً ما أجد الإجابة أن تلك الشركات غير مُلزمة ! لابد من فرض قوانين على الشركات لصالح برامج المسؤولية المجتمعية فـالمجتمع له حق كبير عليها وهو من صنعها.

وترى أ. علياء البازعي تقنين برامج المسؤولية الاجتماعية.. فيما يحتاجه المجتمع بالفعل…و كمثال ما قام به الحكير مشكورا…هو قدم خدمة لأسرة الطفل ذو الإعاقة تتمثل باللعب المجاني.. هل تحتاج الأسرة للعب مجاني أم لجلسات تخاطب أو علاج وظيفي.. و أيضا كيف تحسب له خدمة لمسؤولية اجتماعية وهو لم يدفعها من أرباحه أو  يخصص لها ميزانية…هي مجرد ألعاب تعمل بوجود هذا الطفل أم عدمه.. القصد هنا تحديد مصارف معينة للمسؤولية الاجتماعية تقدم خدمة حقيقية للمجتمع.

والمقصود أن هناك مصارف كثيرة أهم من الألعاب…واللعب المجاني للطفل ذو الإعاقة برأيها تدخل في نطاق النظرة المشفقة…لا شك في حسن نية من أقر هذه الخدمة…لكن النظرة المشفقة مرفوضة تجاه هذا الطفل فهو مثل كل طفل له حق التعليم و الخدمات التي تؤهله للحياة.. والتنسيق عندما يكون من قطاع خاص لقطاع خاص يكون سهل فلا يدخل في روتين الحكومة…مثلا ممكن يشتري قسائم علاج تخاطب من أحد المراكز الخاصة فيحصل الطفل على عدة جلسات مجانا.

وأوضح أ. مطشر المرشد أن المسؤولية الاجتماعية للشركات ( عائلية  وغير عائلية ) تختلف عن الأعمال الخيرية … وتبدأ بـ:

  • معاملة الموظفين والعمال
  • جودة المنتج
  • خدمة المجتمع المباشر أي تحسين في البنية التحتية للحي التي يقع فيه مقر الشركة أو المصنع ..مثلا تشجير حديقة ، بناء مدرسة ، شراء معدات لمستوصف الخ.
  • ثم تتوسع أعمال المسؤولية الاجتماعية حتى أن نصل ، شركات وصناديق تستثمر بمعايير المسؤولية الاجتماعية ، والمعايير تركز على المنتج وكافة نواحي المسؤولية الاجتماعية التي تقودها أي شركة قبل الاستثمار بها ..Ethical investment

وفي اعتقاد د. علي الحارثي فإن الشركات العائلية تتشابه في جميع أحوالها مع بعض الأنظمة الملكية في نجاحها وسقوطها وتعاملها مع الوطن والمواطن بحجة الملكية بأوسع معانيها ، وأن كانت هذه الشركات تخضع في النهاية لسلطان الدولة وقوانينها وأنظمتها التي من السهل أو الممكن التحايل عليها قانونياً أو تلاعباً ، لأن الذهنية تقول هذا ملكي وأنا حر فيه. نعم هناك نجاحات لبعض الشركات في كل الجوانب التي أُشير إليها وهناك إخفاقات للبعض الآخر رغم وجود الحوكمة والمراقبة كما حصل لبعض الشركات التي أضرت بالمواطن المساهم في هذه الشركات فضلاً عن ضررها بالاقتصاد الوطني . لا ننكر أن هناك شركات لها مساهمات مجتمعية وإنسانية كثيره من باب الرغبة في الأجر الأخروي أو  من باب الظهور الإعلامي أو من باب مصانعة الحكومة ومطالبها . باب المسؤولية الاجتماعية باب واسع لسياجه بقوانين وأنظمة إذا لم يكن ناتج عن أريحيةٍ ورغبةٍ من مالك الشركة. وخوفاً على انهيار الشركة لأسباب انتقال الإدارة والملكية من جيل إلى جيل أو  بأسباب الرؤية والإدارة الفاشلة والمنازعات الإرثية والصراعات العائلية على الإدارة وغيرها ، فالأفضل تحويله إلى شركات مساهمة وإبعاد المالكين الأساسيين عن إدارتها إلا من أثبت جدارته وفهمه ويتم اختياره من قبل الجمعية العمومية حتى لا يتضرر الاقتصاد الوطني مما قد يحدث لهذه الشركات .

ولا تعتقد أ.د فوزية البكر أن هناك حًوكمة كافيه أي قوانين ضابطة واضحة داخل هذه الشركات ولا تقصد تدخل الحكومة المفرط في القطاع الخاص فهذا أثبت أنه يعطل  الشركات ولا يدعمها لكن لابد أن تعامل هذه الشركات بطريقة مختلفة حتي نضمن استمرارها في الجيل الثاني حيث أن مساهمتها في الاقتصاد كبير جدا.

بالنسبة لمفهوم المسئولية الاجتماعية فهو لا يبدو لا لنا كعامة ولا للشركات العائلية وهو يتوقف علي وطنية من يديرون هذه الشركات ودرجة وعيهم الوطني ولكنه لا يتضح في أوعية حقيقة كما في الشركات الأجنبية فالأعمال الخيرية التي يقوم بها بل جيت و زوجته فاقت التصور وخاصة في إفريقيا وغيره كما لا ننسي أن هذه الشركات لا تدفع ضرائب أصلا  ومن ثم يجب أن توضع قوانين ضابطة توضح نوع ودرجة المهمة الاجتماعية في النواحي التي تحتاجها الدولة ولنا في الولايات المتحدة التي يقوم المتطوعون فيها والشركات الخاصة بجزء كبير من الخدمات الاجتماعية التي رفعت عن كاهل الدولة الكثير من الواجبات. وهذا ما لا نراه هنا من الشركات العائلية التي استفادت من الفترة النفطية أيما فائدة ولم نري لها أية نواتج اجتماعية حقيقية.

وأخيراً قال أ. خالد الحارثي: ما أخشاه أن يفهم أن هناك إجماع على أن الأمثل هو الاكتتاب العام وهذا يعتبر غلطة كبرى ، بل المطلوب تفعيل نظم الرقابة المدونة في أنظمة وزارة التجارة ووزارة العمل ، وأن تمارس جهات الرقابة الإدارية تحريات أكبر للبحث عن مخالفات القانون الإداري ، وتنفيذ العقوبات بصرامة للحد من انتشار التستر واستباحة حرمات الأسواق والمستهلكين.

واتفق د. عبد الله بن صالح الحمود مع الرأي السابق من حيث تجنب موضوع التحول إلى الاكتتابات العامة وكأن ذلك حلا جذريا لحسن وتقويم الشركات العائلية ، بينما المصلحة العامة تقتضي غير ذلك كما يعلم الجميع.

أم مسألة إشراك أو مشاركة المباحث الإدارية ، فلا أعتقد أن ذلك يدخل ضمن مسؤولياتها الجسام ، كما أنه لو حدث وشاركت في ذلك هذا يعني تخلي كل من وزارتي التجارة والاستثمار و وزارة العمل والتنمية الاجتماعية عن مهامها الرقابية.

واقترح د. عبد الله بن صالح الحمود مجموعة نقاط حول الشركات العائلية يرى أنها تسهم في إيجاد حلول لضمان الارتقاء بهذا الجزء المهم من الاقتصاد الوطني :

  • تظل الشركات العائلية هي الأنموذج الأفضل والناجح عالميا ، ولكن للحفاظ على هذه الكيانات أقترح أن يؤسس لها إدارة خاصة في وزارة التجارة والاستثمار ، بخلاف الإدارة الحالية المسماة ( إدارة الشركات ) ، فهي شركات ذات طابع خاص مختلف الأداء عن الشركات المقفلة أو العامة ، مما يعزز من عامل الرقابة عليها وتقديم المشورة لها ببن وقت وآخر.
  • الشركات العائلية تسعى إلى الحفاظ على ديمومتها بسبب طبيعة التملك فيها والمحصورة على أعداد محدودة من أفراد العائلة والذي غالبا في حدود الأسرة النووية ، وهذا يعطي مزية في تقديم خدمات أفضل للسوق عن غالبية الشركات التي تحولت من عائلية إلى مساهمة مقفلة أو عامة ، والتي ظهرت لنا بخدمات متدنية ، والأسباب هنا متعددة ، يأتي على رأس قائمتها أن الفترة الانتقالية للإدارة السابقة لم تكن داعمة للإدارة الحالية ، أو أن الإدارة السابقة لاتزال مهيمنة إداريا بسبب سيطرتها على الحصة الأكبر لأسهم الشركة المحولة ، وهذه الهيمنة للأسف غالبا لم تكن بالكفاءة السابقة حينما كانت الشركة عائلية.
  • لاشك أن التحول من طبيعة الشركات عائليا إلى العامة ، أمر تفرضه مسيرة الحياة الاجتماعية فضلا عن الاقتصادية ، إلا أنه لتحقيق نجاحات مؤملة لذلك فإن الأمر يتطلب توافر حوكمة حقيقية ، فضلا عن وجوب سن ضوابط جديدة من قبل وزارة التجارة والاستثمار عند التحول ليكون هناك شراكة حقيقية للتنفيذيين بين الملاك السابقين ومن هم من خارج العائلة ، لضمان تحقيق النجاح قدر المستطاع.

المحور الثالث

التعليم في المملكة.. رؤية استشرافية

إلي أعلي
ناقش أعضاء منتدى أسبار قضية التعليم من عدة جوانب شملت بعض من الإشكالات المتعلقة بها، والحلول المقترحة لمواجهة هذه الإشكالات من وجهة نظرهم، بما يتواكب وخطط التنمية ورؤية المملكة 2030.

بعض ملامح الواقع والإشكالات المتعلقة بقضية التعليم

أشار د. خالد الرديعان إلى أن سبب عقم تعليمنا هو طول ساعات الدراسة وإلغاء عقل التلميذ بحشوه بالكثير من المعلومات التي قد لا يحتاج لها… يحتاج تلميذنا: لعب وتسلية + تعليم ينمي تفكيره الناقد + ممارسة طفولته. معادلة بسيطة لا تحتاج إلى عبقري تربية لشرحها. وما يحتاج أن يتعلمه كمواد ثلاث مهارات فقط : قراءة + كتابة + حساب؛  خاصة في الصفوف الأولى إضافة إلى الرسم والأشغال.

أما سبب تبلد تلاميذنا في المراحل المتقدمة المتوسطة والثانوية فهو مادة التاريخ تحديدا فهي عبارة عن مآسي تسبب لهم عقد نفسية. ومن أسباب تراجع التعليم كذلك قضية الثواب والعقاب في المدارس.. إذ يلزم إعادة النظر بذلك.. فعندما يمتنع التلميذ من الغياب عن المدرسة ويحزن لغياب يوم واحد… عندها ينجح تعليمنا.. والواقع أن مدارسنا طاردة.. ولعل قضية التعليم جديرة بأن يتم التركيز عليها في خطة التحول الوطني على التعليم.

وتعليقاً على الفيلم الذي أعده المخرج الأمريكي مايكل مور والذي ذهب فيه إلى فلندا ليتعرف كيف قفزت لتكون الأولى عالميا في التعليم!

قالت د. فوزية البكر: مع احترامي لفيلم مايكل مور فهو يتكلم عن بيئة مدرسية وعائلية و مجتمعية مختلفة كلية عنا وليس أدل علي ذلك حين قالت المعلمة في إجابتها علي اندهاش مور من قصر اليوم الدراسي لديهم وماذا يفعل الطالب وقال مور يتسلقون الأشجار قالت نعم يتسلق الأشجار وإذا وجد أي منهم أي شيء يحضره للمدرسة ونتعلم عنه؛ ومعناه أن بيئة التلميذ الفنلندي ثرية تساعد علي لفت انتباه الطفل لكل مثيرات التعلم فالأم أو الأب يري غصنا أو ورقة أو حشرة فيفتح حوار علمي مع الطفل حوله ليتعلموا عنه.

عندنا وفي المدرسة المعلم وهو المكلف بالتعليم لا يمكنه الخروج عّن حدود منهجه كما أن معرفته مرهونة بالموضوع وبما هو مكتوب فيه في منهج الوزارة فهو لا يثري خبرات الطفل بشيء مختلف ثم يربط هذه الخبرة بخبره سابقة أو يحفز علي خبرة مستقبلية.

إذن المعلم  والأهل والفقر العلمي والثقافي لبيئة المدرسة ولمن يحيطون بالمتعلم تجعل فكرة تقصير ساعات اليوم الدراسي محض أمنية.

ثانيا مشكلة تعليمنا الحقيقية هي أنه لا يعامل كتعليم ولا ينظر له كوسيلة لتنمية إمكانات المتعلم المختلفة علمية وفنية وشخصية واجتماعية؛ هو ساحة تصفيات لحسابات سياسية وثقافية من قبل الممسكين برقبته منذ إنشاءه ولذا فعلي الطالب أن يمضي ساعات وساعات في استظهار نصوص لا تمت لواقعه بصلة ولا تحفزه علي تعلم ذكي.

هناك مهارات أربعة أساسية لأي طالب في أية مرحلة وهي لغته الأم وهي هنا العربية والرياضيات والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية زائد اللغة الانجليزية مع النشاط البدني؛ وهذه المواد هي ما يحقق بيئة ثرية و مشوقة إذا درست بالطريقة الفنلندية.

المعلم والمنهج وبيئة التعلم والاهل هم أعمدة التعلم التي لا يوجد في بيئتنا أي وعي أو تنسيق  بينها لإتاحة فرص التعلم لدي الطفل في كل لحظة من حياته داخل وخارج المدرسة.

وأضافت د. فوزية : هل من المعقول أن هناك حصة رياضة واحدة فقط للبنين في الأسبوع   وطبعا البنات؟ كيف تخصص ساعات وساعات للتلقين والترديد ثم تتوقع طلاب أذكياء؟

موضوع الرياضة البدنية أساسي للجنسين ولدينا نماذج في كل بلاد العالم حيث تصبح المدرسة بما تحويه من بنية أساسية من ملاعب ومسابح مقرا للطالب وأهل الطالب المتطوعين. كذلك الأنشطة الفنية والمهنية. والحوارية.  كم أتمني أن أري في المراحل المتوسطة والثانوية والجامعات فكرة نادي الأمم المتحدة الذي يعطي للطلبة أدوار الدول المختلفة وعليهم أن يتعلموا أساليب الحوار والمناقشة والإقناع ؛ هو نادٍ مشهور في كل أنحاء العالم عدا السعودية فيما أظن.

ما نحتاجه هو ثورة حقيقية تصلح أولا المناهج الدينية سواء في محتوي المنهج أو طرق عرضه وتدريسه حتي يتعلم الطالب قيم هذه المواد قبل حفظها ويتبناها ممارسة من خلال نموذج المعلم والإداري حوله.

أيضا من المهم التغيير الكامل لطرق إعداد المعلمين في كليات التربية التي لا زالت تعيش بعقلية الستينات في مواد أقسامها وطرق تدريبها للمعلمين ( تم إغلاق كليات إعداد المعلمين وتم الحاقها بكليات التربية في الجامعات المختلفة ) ، فضلاً عن تغيير مفهوم بيئة التعلم لتشمل أنواع النشاط البدني والفني والتاريخي والتطوعي وبشكل ممنهج لا عشوائي. أي لا ينظر لها كمواد غير أساسية بل كجزء من خبرة التعلم مثل الطهي في الفيلم؛ فالتلاميذ قد يتعلمون عند ممارسة الطهي أنواع المواد التي دخلت في الكيك وكيفية زراعتها ومعالجتها واقتصادياتها و أنواعها. فن وعلم واقتصاد وأخلاقيات من خلال إعداد كيكة ( يسمي هذا بطريقة المشروعات ).

من المهم إعادة التعليم إلى أحضان عملية التعلم لينظر له لا كأداة للسيطرة والتنشئة الثقافية بل كأداة للتعلم والنمو والتساؤل والبحث، ووراء هذه الأمنيات التي تعتبر بديهيات في أي نظام تعليمي حرب وضرب في السعودية؛ إذ يكفي فقط أن تتحدث عن الطرق التقليدية في تدريس المواد الدينية حتي تنفتح أبواب الجحيم في وجهك.

السياسة والتوازنات هي الأسس الثقافية لتعليمنا، فأين لنا من التعليم الفنلندي المبني علي أسس فلسفية مختلفة.

راجعوا وثيقة سياسة التعليم في المملكة التي لم تتم عليها أية مراجعة منذ تاريخ إنشاءها في الستينات وحتي اليوم، بل قد أشارت رسالة دكتوراه تم مناقشتها قبل أشهر حول سياسة التعليم أن اللجنة العليا لسياسة التعليم لم تجتمع خلال كل هذه السنين إلا تقريبا ١١ مرة أو ربما يزيد قليلا عن ذلك ولدا فالأهداف والرؤية والسياسات لكل مراحل التعليم باقية وستينية بامتياز.

وذكر د. علي الحكمي أن الرياضة أساسية جداً للجميع ذكوراً وإناثاً.  نسبة زيادة الوزن لدى الأطفال من الجنسين في المملكة هي من الأعلى عالمياً (تصل في بعض التقديرات إلى أكثر من 40%). السكر بين الأطفال حوالي 10%. هذه الإحصاءات كارثية وتحمل عبئاً إضافياً على الإنفاق الصحي وكذلك فقدان الانتاجية.

وباعتقاد د. حميد المزروع فإن البداية الحقيقية لإصلاح التعليم بالمملكة تبدا أولا باستحداث وتطبيق لائحة تنظيمية لمعايير اختيار المدرسين والمدرسات ، وبنفس الوقت مراجعة المناهج الدراسية مع التركيز علي تدريس العلوم التطبيقية والمهارات ، هذا ما يحتاجه فعليا سوق العمل.

وعلق أ. عبد المحسن القباني بقوله: ليس هناك حاجة للنقاش.. الوزير العيسى يتصدى بقلمه للتعليم ومشاكله ويبلغنا من خلال صحيفة الحياة: ما باليد حيلة.

ومن جديد قالت د. فوزية البكر: لا يمنع المناقشة في التعليم حتي لو كان الوزير ممتازا مثل د العيسي الذي وفق الله هذه الأمة لاختياره؛ فالوزير نفسه سيجد أنه مربوط في دوامة كبيرة باعتباره يقود أكبر سفينة في هذه البلاد التعليم العام والعالي. ومن يقوي علي جر سفينة بها كل هذه الأحمال من البشر والسياسات والموازنات والتجارب الفاشلة وتطول القائمة.

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن بناء الإنسان يعني برأيه:

  • تطوير التعليم…..
  • تقديم تعليم نوعي….
  • اكتساب علوم نافعة…..
  • في النهاية اكتساب معرفة حقيقية للمجتمع .

عدا ذلك ضياع للوقت ، وخسارة مجتمع بأكمله.

وإجمالا الهدف الأساس الذي يحقق المصلحة العامة هو وجوب تميز المجتمع بعنصرين أساسيين وهما ( المعرفة – السلوك حضاري )…

وهذا بشكل خاص لا يتأتى إلا بإصلاح ثلاث عناصر وهي :

  • تطوير القضاء وتنفيذ أحكامه دون تباطؤ أو تأجيل.
  • تعليم نوعي ، والتحول إلى سياسة التعلم بدلا من التعليم التلقيني.
  • تطوير الطرق والأنظمة المرورية.

إذا نجحنا في ذلك فنحن أفضل بلاد العالم تقدما وحضارة. إن نجاح البيئة من نجاح التعليم كذلك فإن القضاء على الفساد وصولا إلى النزاهة هو من صلب أحكام القضاء ، حينما يحكم القضاء على كائن من كان.

وأشار د.م. نصر الصحاف إلى أن فكرة نادي الأمم المتحدة مطبقة في المدرسة العالمية الأمريكية بالرياض منذ عدة سنوات وهي ناجحة جدا في نتائجها.

الطريق الوحيد هو غربلة الوزارة وكوادرها ونقلهم بعيداً عن التعليم فالتيار المضاد لحركة التعليم والممنهج للتلقين فقط لن يساعدوه أبداً في تحقيق التطور المنشود بل سيعرقلوا كل خطواته التنويرية ثم يصفوه بالفشل كسابقيه !!!

وعقبت د. فوزية البكر بقولها: بالطبع أعرف عن تجربة نادي الأمم المتحدة المطبقة في المدرسة الأمريكية  فأنا عضو في مجلس إدارتها منذ العام ٢٠٠٦ وحتي الآن.

واتفق في أن هناك جهود وأموال هائلة تصرفها الدولة علي التعليم وتحققت كثير من الجهود وليس أقلها القضاء علي الأمية ولكن بلاشك أن بعض الكوادر الداخلية هي من شجع ونفذ أجندة نشطاء الشارع والمسيسين، بجانب الفساد وعقم وتقليدية الأساليب الإدارية التي تدار بها الوزارة والتي أضرت بِنَا جميعا كوطن.

وعقب د. خالد بن دهيش على ما ذكره د. نصر بقوله: أختلف مع ما ذكره د. نصر عن كوادر وزارة التعليم.. لماذا لا اتفق معه ؟ فأنا وأنت والوزير العيسى ويمكن جميع أعضاء منتدى أسبار هم نتاج تعليمنا ، و بصفتي عملت بالوزارة أكثر من ٢٢ عاما ، فإن جل من عمل ويعمل بالوزارة – ولا أزكي على الله أحد منهم-  يعملون بما يمليه عليهم دينهم وأمانتهم وثقة ولاة الأمر فيهم ، و جلهم لم يقفوا أو يسهموا في أفشال أي وزير سابق، فهناك خطط وبرامج موضوعة كل في مجال عمله وصلاحياته يؤديها بإخلاص ومتابعة . وإن كان هناك إخفاقات فمن واقع معايشتي فإنها قد تتركز أو بعضها في عدم وجود المأسسة في العمل فكل وزير يأتي بأجندته معه ويقوم للأسف بنسف بعض ما عُمل من سلفه ، ناهيك عن التدخلات الخارجية القوية التي ترفض كل جديد باسم الدين والعادات والتقاليد قد يصعب أحياناً قدرة الوزير ومسؤولي الوزارة مواجهتها ، حتى عندما اختارت القيادة وفقها وزراء أمراء . ولا أقول هذا دفاعاً عن الوزارة ومسؤوليها ومعظمهم من حملت المؤهلات العليا من جامعات خارجية وداخلية وقد كنت أحدهم ولكن أقول ذلك للأمانة.

وبدوره علق د.م. نصر الصحاف على ما طرحه د. خالد بن دهيش بأن المقصود بالكوادر المشار إليها ليسوا الكل ولكن عدد لا بأس به ولا يخفى على من تعاقبوا كرسي الوزارة !!

طبعاً لا يستثنى هنا الضغوط الخارجية على الوزارة في تثبيت الأساليب البالية في التعليم والمعتمدة على التلقين والغاء العقول أو في تفوق عدد الحصص الدينية على ما سواها من العلوم والرياضيات أو قلة مواد الرياضة البدنية والرسم الفني!!

ولا ننسى أهمية إعادة النظر في غلو الخطاب الديني السائد وعلاقته المباشرة وغير المباشرة في انتشار الفكر الجهادي والذي قد يؤدي الى الاٍرهاب في المجتمع كما هو الحال اليوم!!

كل ذلك على عاتق أي مسؤول منفتح في هذه الوزارة وعلى رأسها الوزير بالطبع !!

وأضاف: اتفق بشدة مع ما ذُكر عن افتقاد الوزارة للعمل المؤسسي وأهميته في تحقيق أعلى قيم التعليم والمعرفة واربط ذلك بحالة تكوين الأجندة الخاصة بكل وزير!  فكل من تسنم هذا المنصب تفاجأ بهذه الحقيقة المرة ولم يجد خيار آخر من محاولة للمأسسة المحلية والتي غالباً لا يحالفها النجاح !

وأشار د. حسين الحكمي إلى مجموعة من المقالات التي كتبها عن التعليم ويمكن الاطلاع عليها كاملة من خلال الرابط التالي:

http://m.aawsat.com/home/writer/hussen%20hakmi?archive=1&date=04/11/2014

معضلة التعليم عندنا وكيف نواجهها

وفي تصور د. عبدالله بن ناصر الحمود فإنه بالإرادة والإدارة نواجه عجزنا في تعليم شبابنا المعرفة والأخلاق. وأستشهد بمقال سابق له وجاء فيه: (معضلة التعليم عندنا)  وأقول ..  معضلة.. لأن ما بتنا نشهده من معظم شبابنا في الطرقات من فهم ضعيف وسلوك ليس حصيف راجلة وراكبة ..  ليس إلا نتاج معضلة تعليمنا. ف (نحن) من (علمناهم) مساوئ الأخلاق .. في مدارسنا وفي مساجدنا وفي بيوتنا..

القاعدة الأولى في مواجهة تلك المعضلة.. الإرادة

والقاعدة الثانية … هي الإدارة

والإرادة .. غير الأماني..  وغير التطلع .. وبالتأكيد شيء آخر غير الرغبة

والإدارة .. غير فعل ما نهواه.. ولكنها فعل ما نحتاجه

للإرادة .. والإدارة .. في مواجهة  (معضلة التعليم) سبع محطات لا فكاك منها .. ودونها يصبح الأمر مجرد عبث بالفكر وبالمال وبالتاريخ وبالإنسان..

هذه المحطات السبع .. هي:

  • معرفة عميقة بالحال الكائن.
  • معرفة عميقة بالحال الواجب.
  • معرفة .. أو تعلم .. كيف يتم تحقيق الأمر الواجب.
  • امتلاك أدوات الفعل الحاملة نحو أداء وتحقيق الواجب.
  • امتلاك أدوات الفعل الحائلة دون عوائق أداء وتحقيق الواجب.
  • تحديد المدى الزمني الدقيق الكافي للانتقال من حال راهنة إلى حال واجبة.
  • عبور هذا الزمن بأدوات الرؤية والفعل والمراقبة والقياس والتقويم.

ربما كان من نوادر الصدف أنه بالإمكان مواجهة معضلة التعليم عبر مخرجات مصطلح واحد يتغير فيه – فقط – موقع حرفي (الدال) و(الراء) ذلك المصطلح هو: (الإرادة) في الحالة الأولى و(الإدارة) في الحالة الثانية.

ولا فرق بين التركيبتين إلا بموقع الحرفين في كل منهما، ثم بما يترتب على الكلمة في الحالتين من معانٍ سامية نبيلة ليس لأي قطاع من قطاعات التعليم عندنا.. وقطاعات السيادة على التعليم أيضا .. من أن يتمثلاها قولاً وعملاً.

ففي حال الصياغة الأولى للكلمة، يحتاج (مجتمعنا) اليوم أن تكون لديه (الإرادة) الكاملة غير المنقوصة، والواثقة غير المشوبة، والحاسمة غير المترددة، لمواجهة هذا الداء الاجتماعي واجتثاثه من جذوره.. (الضعف في التعليم).

وأسوأ ما يمكن أن يخالط عزم المجتمع في المضي نحو تحسين واقعه التعليمي وتجلية موقفه من الكون والحياة، تردد قد يصيب بعض المعنيين بالأمر تعاطفا مع شيء من السائد أو مع سادات السائد. أو تسويفاً، أو اختلالا في التصور وضبابية في الرؤية.

وإذا حل شيء من تلك الأمور بفرد من الأفراد قصرت همته، وضاقت حيلته، وعجز – دون شك – عن أداء واجبه.

وتكون المعضلة أعظم، إذا كان مَن هذه حاله له علاقة بال  .. تعليم .. سياديا.. أو تنفيذيا..

وللسيادة على التعليم تأثيرات عظمى .. حيث الدين والثقافة والمجتمع .. أي مجتمع

وبذلك فلن تكون قدرتنا على مواجهة (معضلة التعليم) كاملة وفاعلة ومؤثرة إن كان من المعنيين بالتعليم عملا.. والتعليم سيادة..  من تقصر (إرادته) أو تعجز (إدارته)، عن الفهم الحصيف.. والفعل القوي الأمين.

وفي العلاقة بين (الإرادة) و(الإدارة) تبرز مواطن كثيرة من إشكالات مؤسساتنا في مواجهة معضلة التعليم..

ففي الوقت الذي يمكن معه ملاحظة الشعور الغالب لدى الناس خاصة وعامة.. بأنه لا بد من فعل شيء ما لإصلاح التعليم.. لا زلنا نقصر دون التعامل الأمثل مع تلك المعضلة.. على مستويي الإرادة .. والإدارة..  فلا تزال تسيطر النزعة التقليدية في التعامل مع مفاصل  المصيبة .. ولا زلنا نؤسس رؤيتنا للمواقف والأفعال على ردود الأفعال التقليدية المتوقعة، وغير المجدية في المواجهة الحقيقية للتهديد الحقيقي لمخرجات مصيبة التعليم.. على جملة من المواربات المقيتة التي ما انفكت تعصف بنا من كل باب..

نفعل ذلك .. مع الأسف الشديد عوضا عن استشعار الموقف الوطني والحاجة المجتمعية المعاصرة للفعل الرشيد.

وتأسيسا على ذلك .. لا بد لإداريينا ومسؤولي قطاعاتنا العامة والخاصة في التعليم سيادة  وفي التعليم وظيفة .. من أن يستشعروا حساسية الموقف وتعقيد القضية وخطورة الإجراءات التي قد يتخذونها، وأن يتبنوا المواقف القيادية الناضجة الملائمة لإدارة المصائب المجتمعية، وأن تكون الأولية للرؤية المتخصصة الأصوب والأتم، وليس لما اعتاده الناس أو ألفوه من المواربات المقيتة..

حتى نصلح التعليم.. نحتاج إجابة صارمة وصريحة وواضحة.. لسؤال يسير جدا

ماذا نريد من هذه الحياة وما حقيقة دورنا فيها.. لماذا نحن هنا؟

الإجابة (الصحيحة).. (وليست أي إجابة مما عهدناه)  تعني رؤيتنا للتعليم .. ثم نمضي بالفعل الرشيد والإدارة الواعية..

إنها بالفعل مصيبة .. لكن عوضا عن أن ننبري لنفي مصائبيتها .. لعلنا نفعل شيئا لننجح .. ونمنع تحولها إلى كارثة وطنية لا سمح الله..

بالتراخي .. وبمزيد من التجاهل واللامبالاة ..  تتحول الأزمات إلى  مصائب ..  وتتحول المصائب إلى كوارث ..

وحينها .. لات ساعة مندم…

وهذه سنة الحياة ..

اللهم احمنا.. واحم بلادنا ومجتمعنا من كل سوء …

براءة التعليم … تكمن في إعادة تعليم البراءة

تحت هذا العنوان ذكر د. فايز الشهري أن التعليم ليس من صنع فكر التطرف ولا شك في ذلك.

ولا يمكن تصديق مزاعم من يتهم حلق التحفيظ أو المواعظ.

التطرف حالة فكرية تكونت في ظل تراكم مدخلات ثقافة مجتمعية حدية صنعتها تحولات المجتمع السريعة ثم عززتها وسائل الاتصال .

خلال فترة اللهث وراء الطفرة ظهر قسم مهم من المجتمع وقد تشكل في لا وعيه صفة الإقصاء والتربص.

ثم ظهر بيننا من ينتقص الأجنبي حتى لو كان مسلما.

وتركنا الأمور تسير بلا هدى فتفشت فينا ثقافة نبذ المختلف مناطقيا وقبائليا.

نحن فقدنا البراءة وصفاء النية

في الزمن الماضي كان أجدادنا أكثر صفاء وبراءة يعاملون الإنسان على أنه إما أخ لهم في الدين أو نظير لهم في الخلق.

الخلاصة: إن أكثر ما نحتاجه اليوم هو مناهج تعلمنا البراءة وتعيد لنا صفاء السريرة وسيقبل علينا وبنا الشرق والغرب.

وعلق د. خالد الرديعان بأن الحديث ليس عن التطرف ولكن عن التعليم عموما فقد فشل في خلق مهارات التفكير الناقد عند التلميذ..

التطرف مجرد مشكلة صغيرة مقارنة بالمشكلات الأخرى التي يعد التعليم مسؤولا عنها إلى حد كبير.. المعلم يحتاج الى إعادة تأهيل كاملة.. معلم اليوم بمؤهلاته التي نعرفها ليس له علاقة بمهنة التربية والتعليم.

وأضاف د. فايز الشهري: التعليم هو مفتاح الحلول كلها ..

لم تعد هناك مؤسسة تملك ست ساعات يوميا من حياة الأجيال الغضة سوى المدرسة

التلفزيون الرسمي لا يملك شيئا

الأسرة لا تملك من أبناءها إلا حق الإيواء والطعام.

وقال أ. سلمان العمري: نريد مناهج تعلم الإنسان مكارم الأخلاق وتغرسها في النشء وتوطدها في الشباب فهي المكسب الحقيقي لنتاج جيل خير

وأوضح د. خالد بن دهيش أن المعلم : هو نتاج جامعاتنا وكلياتنا

المناهج الدينية: لا تملك الوزارة أي سلطة عليها كانت من اختصاص اللجنة العليا لسياسة التعليم ورئيسها من خارج الوزارة.

مناهج في العلوم والرياضيات : تم توفيرها من أكبر شركة متخصصة في أمريكا.

الميزانية السنوية : ٩٢٪‏ منها رواتب

حقائق ومدخلات مهمة للنقاش

حلول مقترحة

في سياق الحديث عن الحلول المقترحة لتحسين مخرجات العملية التعليمية في المملكة، تساءل د. خالد الرديعان: هل تعرفون مدارس الفرسان العالمية؟ هذه المدرسة تعلم تلاميذها بالإنجليزية.. فقط خذوا مناهجها وترجموها.. أما المواد الدينية فلا تلمسوها حتى لا نثير حفيظة البعض..

والمقصود أنه ليس من الحكمة إعادة اختراع العجلة.. لماذا لا نأخذ تجربة ناجحة في التعليم من إحدى الدول ونطبقها؟ تجربة فنلندا أو سنغافورة.. نطبقها في مدارس محددة وفي حال نجاحها نعممها.

وقالت أ. علياء البازعي: لن يستخدم من هذه المناهج إلا العلوم الاجتماعية أيضا طرق التدريس لا تقل أهمية عن المناهج…قد تكون المناهج ممتازة لكن المعلومة لا تصل بالشكل المطلوب.

يصعب تطبيق أي تجربة من دولة أخرى كما هي لاختلاف الكثير من الظروف.. و كما قلت سابقا المناهج ليست كل شيء. ..هي منظومة متكاملة…أعظم و أفضل الأنظمة التعليمية في العالم و منها سنغافورة التي درست تجربتها عن قرب…استغرقت عملية تطوير نظامها التعليمي أكثر من 20 سنة لتصل إلى ماهي عليه…يجب أن تصنع كل دولة نظامها الخاص حسب ظروفها.. والتحديات التي تواجهها…مشروع تطوير يعمل على بناء نموذج رائد متكامل مطبق في ما يقارب 1000 مدرسة… و هو نموذج سعودي تم تطويره بمشاركة بيوت خبرة عريقة في هذا المجال.

في حين ذكرت د. فوزية البكر أنها لا تتفق مع الأخذ بمناهج هذه المدارس ونترجمها. الأهم هي المفاهيم الرياضية والعلمية واللغوية الأساسية المطلوبة في كل مرحلة دراسية ولذا من الضروري أن تتناسب أية مقررات مع واقع المتعلم.

وأوضح د. الرديعان أنه يمكن توطين بعض المناهج لتناسب بيئتنا على أن تقوم بذلك لجنة محترفة.. بما أننا مسلمين.. فيمكن أن تقوم المساجد بدور تربوي في تعليم المادة الدينية ونترك المواد الأخرى للمدرسة.

ومن ثم قالت د. البكر: إذن العبرة هو أن نحدث مناهجنا وتحديدا المواد الدينية التي تحوي معلومات بسيطة وقديمة و نصوص لا تتناسب مع عصرنا الحديث ونحدث طرق تعليمها حتي تصبح مصدرا لنظام أخلاقي يقود الأجيال بدا أن تكون مجرد مقرر مفروض نحفظه.

الأنشطة اللأمنهجية بعد المدرسة أساسية حتي تصبح المدرسة قلب الحي ويساهم الوالدين في إدارة بعض برامجها وخاصة الرياضية.

وأشارت أ. ليلى الشهراني: منذ سنين والحديث مستمر عن التعليم في اليابان ، ثم نجد التعليم مكانك سر ما زال يتخطى بخطوات ثقيلة جدا ، وهذا لا يلغي وجود مخرجات مميزة للتعليم لدينا ، سئمنا من الحديث عن التطوير والتخطيط وغياب التنفيذ !

لا بأس أن نستفيد من تجارب الدول حولنا بدأ من البيئة التعليمية مرورا بالمناهج والكوادر وانتهاء بالطلاب والطالبات

ميزانية التعليم لدينا جدا ضخمة وما زالت بعض المدارس تقسم وقت الفسحة على فترتين حتى لا تختنق الطالبات.

التجارب الناجحة كثيرة جدا وليس بالضرورة استنساخها بل أخذ ما يتلاءم معنا ويناسبنا فلا يمكن أن تزرع نخلة في القطب الشمالي لكن تستطيع أن تستمتع بأكل ثمرها هناك ومثلها التعليم لن نأخذ كل التجارب العالمية لكن قد نستفيد من بعض الأثمار النافعة.

ويرى د.م. نصر الصحاف أنه لا يمكن فك نظام التعليم عن طبيعة المجتمع السعودي فالاثنين مرتبطين جداً وأي تحديث لنظام التعليم يقتضي تغيير جذري لخصائص وطبيعة المجتمع السائدة!!

وأضافت أ. علياء البازعي: لدينا أحد أقل النسب العالمية

في نسبة المعلم للطالب !!

Student – teacher ratio

وهي 1 : 11

تبدو رائعة !! لكنها غير صحية!!

و السبب أن 40% من مدارسنا يقل عدد طلابها عن 100 طالب

لذا أحد أهم التوجهات في برنامج التحول الوطني الخاص بوزارة التعليم هو رفع النسبة إلى  1: 17

ومن وجهة نظر أ. ليلى الشهراني فإنه هنا تبدأ مسئولية الأسرة فإن كانت المدارس للتلقين فقط فالأسرة تكملها بتنويع مصادر التعلم والترفيه في المنزل ، قد يعاني الطفل السعودي من الاختناق في المدرسة والفراغ القاتل داخل البيت الأُسري..

الأسرة تقدم جرعات تربوية وتعليمية ونفسية قد تعوض النقص أو الخلل المدرسي.

وعقب أ. سلمان العمري بأن الأسرة بالفعل هي المحضن الرئيسي والموجه الأول للأبناء تربية وتعليما وترفيها وقبلها سلوكيا.

بينما اختلف د.م. نصر الصحاف مع هذا الطرح حيث يرى أن الاسرة هي نتاج التعليم الملقن (ما نعانيه) وفاقد الشيء لا يعطيه !!

لكن تطوير منظومة التعليم لدينا والغاء التلقين وتفعيل العقل لكل طالب حتى يفكر لنفسه هو الحل الوحيد والضروري للخروج من مأساة واقعنا الأليم وهذا ممكن جره على أمور كثيرة تنخر في جسد المجتمع وليس العكس؛ فالأبناء يقضون وقت أطول في المدرسة من البيت.. ولا يعني هذا إساءة الفهم بأن التربية المنزلية أو الأسرة لا دور لها بل هي مكملة في المنظومة.

وبدورها أوضحت أ. ليلى الشهراني من جديد معلقة على ما طرحه د. نصر: يقال ” فاقد الشيء يمنحك ضعفه ، ذلك أنه يمنح نفسه معك ما فقده”

فالأسرة بيدها الكثير لتقدمه للأبناء هي مدرسة الأخلاق والوعي وهي من يضع اللبنة الأولى في بناء شخصية الطفل من (الثقة والانفتاح وتعزيز السلوك السوي) ثم يتلقى في المدرسة المناهج الدراسية ولا يمكن أن تترك عقله كالحفرة يلقى فيها كل شيء حتى ما يلقيه الأقران في أذنه تحتاج لجلسات مصارحة وحوار ، بالنظر للمدارس ونوعية الطلاب والطالبات نجد العجب العجاب (انفلات أخلاقي ومشاكل ترويج وتدخين وشذوذ وبويات) وقصص لا تنتهي ، هنا لا نلوم المدرسة فقط بل أين دور الأسرة ؟

لا يكفي أن نوفر لهم مصادر التعليم والترفيه لابد من مشاركتهم ، هناك حواجز كبيرة جدا بين الأبناء والوالدين ، وهذا يفسر نجاح مخرجات بعض الأسر تربويا وثقافيا وعلميا وأخلاقيا مع أنهم يدرسون نفس المناهج وفي نفس المدارس.

وفي تصور د. نوف الغامدي فإنه لا يوجد نموذج واحد، لكن تظهر لنا خمس مسارات للخروج من المأزق وإنجاح العملية التعليمية :

  • اللامركزية التي تتمثل في إعطاء أكثر استقلالية للمؤسسات التربوية..
  • الاعتناء أكثر بالتلاميذ المتعثرين في دراستهم،
  • تنويع المؤسسات التربوية.
  • انتداب مدرسين من ذوي الكفاءات العالية.
  • التركيز على فعالية المناهج وطرق التدريس بالترفيه .
  • يُعد النظام التربوي البولوني من أكثر الأنظمة التربوية لامركزية في العالم، تتكفل البلديات بتمويل المدارس بعد أن تأخذ منحة نسبية من الدولة حسب عدد التلاميذ المرسمين في ترابها. يتمتع رؤساء المؤسسات التربوية بكفاءة و حرية في انتداب المدرسين مباشرة و في التصرف في الميزانية المخصصة لكل مدرسة. لذلك تجد بولونيا مكانها و مكانتها في الترتيبات العالمية.
  • تراجعت أفضل المدارس الصينية عن هوسها و ولعها بـ”النوابغ” و “العباقرة” و شرعت في تدعيم “التلامذة المتعثرين دوماً ” و هذا ما لم تفعله بريطانيا مما أثر على نتائجها المدرسية العامة.
  • سمحت الحكومة البريطانية، منذ توني بلير، بتأسيس “مدارس حرة” و وضعتهم تحت تصرف الأولياء و المنظمات الخيرية و الجمعيات لكن التمويل بقي من اختصاص الدولة….. وبدأ العدد بـ 203 في ماي 2010 و بلغ اليوم 1635 “مدرسة حرة”.
  • بعض البلدان، كـ فنلندا أو كوريا الجنوبية، لا تنتدب من الأساتذة إلا الأوائل و ترفع أجورهم على هذا الأساس….. بريطانيا توفر منحاً في الاختصاصات التي تشكو من نقص….. أمريكا تجرّب التمييز بين المدرّسين و دفع الأجر حسب الاستحقاق و كفاءة المدرّس و هذا ما تعارضه دوماً نقابة المدرّسين.

ومن وجهة نظر أ. ندى القنيبط فإن نجاح العمل يتكون من العناصر التالية المدخلات و المخرجات و التغذية العكسية ( المرتجعة) feedback, و تحسين المخرجات على أساس التغذية المرتجعة إذا كانت سلبية و التطور للأفضل إذا كانت إيجابية.

وأضافت: في قطاع التعليم لا أعلم ما هو نوع المعيار أو القياس المستخدم للمعلم أو الطالب أو البيئة التعليمية في آن واحد ، أبنائي تخرجوا و أنا استلم فقط نتائج اختبارات ، لا يوجد تقييم لمستوى المدرسة أو المادة العلمية أو البيئة المدرسية ، أيضا تقييم الأداء المستخدم للموظفين في الدائرة التعليمية تقليدي جداً، غير مرتبط بالمخرجات و التغذية المرتجعة.

ويرى د. خالد الرديعان أن اللامركزية في المؤسسات التربوية التي أشارت لها د. نوف الغامدي قد تكون مهمة للغاية.. فارتباط جميع التلاميذ بمنهج موحد وسياسة واحدة قد يعيق بعض المدارس من الإبداع فيما لو توفرت على عناصر النجاح..

بعض المدارس الأهلية رغم عيوبها ناجحة بسبب تحللها من بيروقراطية وزارة التربية التي تعد معوقا كبيرا في إدخال أنشطة ومناهج جديدة.

أما اللواء د. علي الحارثي فيرى أن ثمة ثلاثة أشياء أساسية لمخرجات تعليمية متميزة بصرف النظر عن المناهج في بادئ الأمر وبالذات في المرحلة الابتدائية وبالأخص إلى السنة الرابعة وهي:- كيف تعلم الطالب يقرأ صح ويفهم ما يقرأ ؟ وكيف تعلم الطالب أن يكتب بشكل صحيح وباليد رغم الاستعاضة عن ذلك في الوقت الحاضر بالآلات لارتباط مهارة الكتابة بالمخ ؟ وكيف تعلم الطالب أن يفكر بشكل صحيح من خلال الرياضيات والعلوم والآداب ؟ هذه الأسس تتصدر المشاكل التعليمية الحديثة في أمريكا تسمًى The three ars ، وبالتالي لابد من تهيئة الأستاذ أولاً وأخيراً للقيام بهذا الدور في المقام الأول ، ولا ننسى بقية العناصر الأخرى في المراحل اللاحقة : مناهج ، بيئة حاضنه ، إدارة ، أستاذ. نعم الأسرة دورها كبير في العملية التعليمية والتربوية ومساعدة المدرسة وإن كان دور الأسر أصبح ضعيفاً بل لا يعول عليه الآن إلا من رحم الله لتحولات أسرية يطول شرحها .

المحور الرابع

الخدمة الوطنية الالزامية

إلي أعلي
الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني

منذ أخرج أبوانا من الجنة و انزلا على هذا الكوكب، و الحياة الانسانية تشهد صراع الخير و الشر و التدافع الإنساني و الصراع على الموارد.

هذه الظاهرة ازدادت وتزداد حدة على مر العصور و نحن نشهد ذروتها في هذه اللحظة التاريخية و ذلك بسبب التكاثر الإنساني و استنزاف و استهلاك و اهلاك الكوكب و موارده. و نعلم جميعا أن هذه الحقيقة الإنسانية هي السبب الرئيس بل ربما السبب الوحيد  لنشوء الدولة بأركانها و الحكومة و سلطاتها.

و كانت الوظيفة الأمنية و لا تزال أهم وظائف الدول و الحكومات ، و تتركز هذه الوظيفة في تحقيق أمن الشعب و الإقليم و السيادة من المهددات الداخلية و الخارجية، و لأجل ذلك أنشئت قوات الأمن الداخلي و الجيوش لأداء هذه الوظيفة في أبعادها و متطلباتها العامة (المسؤولية الأمنية العامة) ، و إلا فان كل مواطن بالغ مكلف مسؤول شرعا و قانونا عن حفظ ضروراته و مصالحه و حفظها أيضا لمن يرعاهم (مسؤولية تقصير) و الامتناع عن التعدي على مثلها لغيره و منع من يرعاهم عن ذلك أيضا (مسؤولية التعدي)..

تاريخيا كان النفير العام هو الاستجابة الطبيعية و الانية لمواجهة التحديات و المهددات للمجاميع البشرية  .بل إن نشوء و تأسيس الدول جاء من مجاميع بشرية اجتمعت على هدف واحد و تبعتها مجتمعاتها و استسلمت لقيادتها طوعا أو قسرا.

و تأسيس المملكة في أدوارها الثلاثة ليس استثناءا و جيش الملك عبدالعزيز كان من هذا النوع و كان (الغازي) يجهز نفسه أو يجهز من مجتمعه الأصغر أو بالقليل جدا من الموارد المتاحة للملك عبدالعزيز على محدوديتها.

و منذ أن استقر الأمر كانت الأجهزة و المؤسسات الأمنية و الدفاعية من أول ما بادر الملك عبدالعزيز لتأسيسه في المسار الذي تطورت فيه مؤسسات الدولة الناشئة حتى أصبحت على ما هي عليه في هذه اللحظة التاريخية . و هكذا تطورت المؤسسات الأمنية والدفاعية حتى غطت المظلة الأمنية والدفاعية كافة أرجاء الوطن وأصبح الانفاق عليها يقترب من 40% من النفقات العامة و أصبحت منظومة أمنية دفاعية حديثة و متكاملة.

لماذا إذا تظهر على السطح المطالبات و الأفكار و الكتابات حول ضرورة التجنيد الإجباري أو الخدمة الوطنية أو خدمة العلم؟

يمكن إجمال أهم الأسباب على النحو التالي :

  • اشتداد الأزمات الاقليمية و تنوع و حدة المهددات المحتملة.
  • ملاحظة التسيب و الاتكالية والضياع و الاستهلاكية و الميوعة على بعض الشباب.
  • خوف البعض من أن اتساع المملكة و طول حدودها و تنوع أعدائها و مهدداتها و احتمال حدوث أكثر من أزمة في وقت واحد، قد لا يمكن المؤسسات من مواجهتها بمواردها البشرية الحالية.
  • انخفاض الوعي و الانتماء الوطني لدى شرائح كثيرة من المجتمع.

أرى أن مسمى ( الخدمة الوطنية ) هو أفضل مسمى فهو مرتبط بالوطن أكثر مما هو مرتبط بالعسكرية و العسكرة. و لا شك أن الخدمة الوطنية تتعزز بكل عمل عام أو خاص مخلص  حتى في غياب نظام الزامي بها.

المقترح أضيق من هذا و لكنه أشمل و أقل عسكرة من التجنيد الاجباري و إن كان يشمله لكنه لا يقف عنده ..

الخدمة الوطنية تكون خدمة علم عسكرية الزامية للشباب القادر مع الاستثناءات المتعارف عليها دوليا و إمكانية الدفع تعويضا. و يمكن أن تكون الخدمة الوطنية للشابات في خدمة الفئات الخاصة و السلامة العامة والتوعية و محو الأمية بل و في الخدمات الصحية في الأزمات و يمكن أن تشمل الخدمة الوطنية خدمة الحجاج و المعتمرين و الخدمة في مواسم الحج والعمرة و العمل مع الكشافة. الأهم أنه لا يستثنى منها أي فئة .الخدمة الوطنية الالزامية توفر زخما اسناديا مهما في أوقات الأزمات و لا يلزم أن تكون بحمل السلاح و لا على الجبهات و لا في أتون الحروب لأن ذلك يتطلب تدريبا و تأهيلا عسكريا متقدما و لكن من هذا الزخم و الاحتياطي الكبير يتم تأهيل من تنطبق عليه الشروط الجسمانية و النفسية على مدى أبعد من المدة الالزامية .

هذا الاحتياطي يوفر جبهة داخلية داعمة لأي جهد خارجي و يجعل الجبهتان الداخلية و الخارجية متكاملتين.

لا أزال أتذكر كم كان المجتمع يموج بالأفكار و التساؤلات إبان أزمة احتلال الكويت و اضطرار المملكة للاستعانة بالقوات الأجنبية و استضافة نصف مليون جندي .كان الكثير يقول في حينه لماذا لا يكون لنا جيش من مليون فأكثر! لماذا لا يكون عندنا تجنيد اجباري!

لا يجب أن يمر شبابنا في عمر التكوين النفسي و الاجتماعي و السياسي و الثقافي كما يمر السهم من الرمية من أجل أن ينشأوا على حب الوطن و التضحية من أجله دون أن يطالبوا بحقوق لا يقومون بما يقابلها من واجبات .

و من فوائد الخدمة الوطنية الالزامية مساهمة كل مواطن في تحمل تكاليف الأمن الوطني  بالجهد لأنه لا توجد ضرائب حقيقية في المملكة فضلا عن اكتساب فوائد معنوية تتمثل في إحساس كل مواطن أنه يساهم في خدمة العلم و الوطن بصرف النظر عن مكانته الاجتماعية أو الاقتصادية أو المنطقة أو الفئة التي ينتمي اليها.

ومن الفوائد أيضا تعزيز المسؤولية الوطنية و المسؤولية الاجتماعية و رو ح المواطنة و الانتماء الوطني و رفع مستواها مبكرا في الشباب من الجنسين.

و من الفوائد أيضا تعزيز الثقة في النفس و المجتمع و في الوطن و الدولة و زيادة اللحمة الوطنية و تخفيف حدة بعض الصفات و الظواهر التي شاعت في الشباب مثل ضعف الشخصية و الرهاب و الاتكالية و الانغماس في الاستهلاكية و اللامبالاة و ضعف المواطنة. ستكون فترة الخدمة الوطنية بمثابة تجربة شخصية و عملية لا تنسى و سيتعلم الشباب التضحية و الوطنية في مكانها الوطني الصحيح و أخلاقيات العمل و روح الفريق و احترام الآخرين و ستشغل أوقات الفراغ.

إن الشباب و الفراغ و الجدة

مفسد للمرء أي مفسدة

و هناك اتجاهان معاصران فهناك اتجاه لدى دول كثيرة لإلغاء التجنيد الاجباري و اتجاه آخر لإقراره وآخرها الإمارات العربية المتحدة. و كل دولة لها ظروفها و أسبابها في الالغاء و الإقرار.

و لا شك أنه في حال اتجهت النية لإقرار الخدمة الوطنية الالزامية في المملكة فإنه يمكن دراسة تجارب الدول الأخرى و يلزم سن نظام مرن حديث و شامل. و ستكون هناك اشكالات كثيرة في التطبيق و في الإدارة.

المملكة قارة، و إذا كان هناك أكثر من جبهة أو من أزمة فقد لا تكون القوات البرية على وجه الخصوص كافية من حيث العدد .

أما القوات الجوية و قوات الدفاع الجوي و القوات البحرية فقد لا يكون من المناسب أن تكون مشمولة بالخدمة الوطنية لأنها تحتاج إلى قوات مدربة و مهارات متقدمة و العامل الجغرافي فيها يمكن تجاوزه بنوع الأسلحة غير أن القوات البرية هي عماد الجيوش و هي التي تمسك بالأرض دفاعا و هجوما.

الخدمة الوطنية في هذه الورقة تعني العمل في القطاعات الاسنادية و في أجهزة الدولة الأخرى فهي أشمل من العسكرة و أوسع منها وأخف و أقل في متطلباتها الاحترافية و المهارية من القوات العسكرية .

التعقيب الأول: د. حاتم المرزوقي

التجنيد ، خدمة العلم، الخدمة الوطنية – اختيارية أو الزامية، ذكورا وإناثا-  من القضايا التي يصعب البت في رفضها أو تأييدها قبل تحليل أهدافها وغاياتها ووسائلها. ففي حين نجد أن دولاً بدأت في تطبيق التجنيد الاجباري (الإمارات وقطر على سبيل المثال)، نجد أن دولاً راسخة في تطبيق التجنيد الإلزامي تخلت عنه والغته من دساتيرها واستبدلته ببرامج للخدمة العامة وتطوير التعليم والتدريب المهني، والتهيئة الرياضية والبدنية للشباب، والأعمال الاغاثية (الولايات المتحدة وعدد كبير من دول الاتحاد الأوربي من بينها فرنسا والمملكة المتحدة، وكذلك في الهند وباكستان)؛. مناقشة هذه القضية في المملكة والجدل حولها أخذ أبعادا واسعة وأوجه متعددة بين مادح وقادح، ومؤيد ومعارض، وامتد إلى مطالبة سماحة مفتي المملكة (إبريل، 2015) بتطبيق ممارسة التجنيد الالزامي وما استتبعه من رفض أو تأييد على المستويين الرسمي والعام (انظر تصريح سمو وزير الحرس الوطني – لا حاجة للتجنيد الاجباري) . السؤال الأهم في كل هذا ما هو الهدف المحفز للتأييد وماهي الغايات منه وما هي بدائل الوسائل لتحقيق هذه الأهداف والغايات وما هي آليات تطبيقها.

  • أولا وقبل البدء في تحليل هذه القضية علينا معرفة أن حجم العينة المستهدفة هي 2،4 مليون شاب بما يعادل 23% من شباب المملكة.
  • الهدف الذي ينبغي بناء فكرة الخدمة الإلزامية عليه – من وجهة نظري- هو الجانب التربوي للشباب وليس العسكري فقط، من حيث تنشئة الشباب والشابات على الانضباط والنظام في العمل والكفاءة والاعتماد على النفس، والتنشئة الوطنية في تعزيز روح المواطنية لدى شريحة الشباب من خلال اجتماع الشباب في سن مبكرة في مكان واحد، وتلقيهم تدريبا نظاميا وخطابا وطنيا واعيا بعيدا عن التطرف يمينا ويسارا.
  • من الناحية العسكرية، فالجيوش الحديثة لا تعتمد على العدد بقدر اعتمادها على التقنيات، والحروب المعاصرة لا تعتمد فقط على الحسم العسكري وترتكز إضافة عليه في التفوق السياسي والإعلامي والثقافي، والدول تنتصر اليوم بقوة اقتصادها وإنتاجها، وهذا يستتبع تهيئة جيل من الشباب الواعي والمتعلم والمثقف في المجالات الأدبية والعلمية.
  • يستتبع ما ذكرت في الفقرة (2و 3) في عدم مناسبة أن يكون الحافز من تطبيق التجنيد الإلزامي هو “خوف من التهديدات الإقليمية بما قد لا تقوى على مواجهته مؤسستنا العسكرية”، أو أن الشباب بحاجة إلى التجنيد الاجباري لانتشالهم من “الاتكالية والضياع والميوعة” (صحيفة الرياض 14 نوفمبر 2010)، وبكل تأكيد لا يصح – بل لا ينبغي – أن يكون المحفز هو التقليل والتشكيك في مواطنة الشاب السعودي والقول بـ “انخفاض الوعي والوطنية لدى شريحة كبيرة من الشباب”.. جميع هذه العبارات لا تخدم الفكرة، وادعاءات لا تستند إلى ثابت، وأحكام لا يمكن تعميمها أو تغليبها. في واقع الأمر أن الدلائل تشير إلى عكس ذلك كله. فنجد في كل عام أن عدد المتقدمين إلى الالتحاق بالخدمات الأمنية والعسكرية من الشباب أضعاف الاحتياج والقدرة الاستيعابية لمنصات ومراكز التدريب، ليسوا مائعين ولا ضائعين هذه الأعداد الكبيرة من الشباب الذين تقدموا للخدمة عندما دعت لها الدولة في حرب الخليج الثانية، ليسوا مائعين ولا ضائعين هؤلاء الشباب في الحد الجنوبي وفي الثكنات اللذين يفدون الوطن برمائهم وأرواحهم، ليسوا مائعين ولا ضائعين هؤلاء الشباب العاملين في خدمة الحجاج والمعتمرين في برامج الخدمة الوطنية العامة. كذلك فإن مؤسساتنا العسكرية والأمنية قادرة لمواجهة التحديات والمخاطر، والجيش السعودي كقوة دفاعية ورادعة ولله الحمد واحد من أقوى جيوش العالم وواجه وانتصر في أكثر من مواجهة سياسيا عسكريا.
  • من المهم جدا عن مناقشة مقترح التجنيد الإلزامي مناقشة تكلفة هذا المقترح، كثير من الدول تخلت عن التجنيد الإلزامي بسبب التكاليف الباهظة جدا لتطبيق هكذا مقترح، ورأت توجيه هذه التكاليف في إنشاء برامج تنموية تخصص لتهيئة وبناء القدرات الشابة. في ظل ذلك، هل ستتحمل الميزانية العامة للدولة تكلفة تطبيق المقترح؟
  • كذلك من المهم عند مناقشة فكرة التجنيد الإلزامي النظر إلى البعد الحقوقي لهذه الممارسة، وكذلك دستورية اقراره، فينظر كثير إلى أن التجنيد الالزامي هو إجبار الفرد على أداء نشاط معين لم يختر أن يؤديه ويعد بذلك مصادرة لحقه في الاختيار.
  • من متطلبات التجنيد الإلزامي إعداد التشريعات المنظمة له، وتهيئة البيئة المناسبة لتطبيقه، وقياس نتائجه، وتطبيقه على جميع المواطنين (بفئاتهم وطوائفهم وانتماءاتهم وتصنيفاتهم الاجتماعية) بعدالة ومساواة بلا استثناء في التجنيد والمعاملة إلا بنص نظامي.
  • يتطلب التجنيد الإلزامي اختيار التوقيت المناسب لإقراره وتطبيقه، – هل التوقيت الآن مناسبا لهكذا قرار، وهل نحن بحاجة له، قضيه تعوزها التأمل.

ختاما أنا مع الهدف بتنشئة الشباب والشابات على النظام والانضباط وغرس ثقافة العمل وكفاءة الانجاز، وحفز التوجه نحو الأعمال الخيرية والتطوعية والاغاثية، وتعزيز المواطنة. التجنيد – الزامي أو اختياري – هو أحد الوسائل التي يمكن من خلالها الوصول لهذه الغايات، ولكن التجنيد ليس هو البديل الوحيد، فهناك بدائل كثيرة يمكن من خلالها تحقيق هذه الأهداف، من أهمها تطوير التعليم والتدريب المهني، وإعداد برامج لبناء الفرد السعودي في المجالات البدنية والرياضية، وتهيئة الشباب المتعلم والمثقف القادر على العطاء والمنافسة في كافة المجالات الثقافية والعلمية والتقنية والعسكرية. أثبت الشاب السعودي ولازال، والشابة السعودية ولازالت على قوة انتمائه الوطني، ومقدرته على العطاء والتفوق والمنافس، ونحن بحاجة إلى تطوير كافة الوسائل للاستثمار في بناء الإنسان السعودي.

التعقيب الثاني: د. علي الحارثي

بعد احتلال الكويت ، طفى على السطح بعض الأصوات  المطالبة والمنادية بالتجنيد الإجباري (التجنيد العسكري) ولو لفترةٍ مؤقتة ضمن القوات المسلحة والأمن والحرس الوطني ( من سنة إلى ثلاث سنوات ). الاستجابة الرسمية كانت ضئيلة وتمت بمصطلح العمل التطوعي وليس الإجباري. تبخر سريعاً بعد الأزمة وكأن شيئاً لم يكن. في العام ١٤٢٨وكرد فعل لبعض التحديات ومنها البطالة وتحت مظلة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني ، أُنشئ برنامج التدريب العسكري المهني غير الإلزامي في تخصصات تقنيةٍ ومهنية لمدة سنة منها أربعة أشهر تدريب عسكري تكفي عن دورة الفرد الأساسي إذا التحق بالقوات المسلحة والأمنية والحرس الوطني أو في القطاع الحكومي أو الأهلي وفصلين دراسيين في تقنية الحاسب والبرامج المهنية وهو أمر جيد ولا زال العمل به إلى الآن بالرغم من عدم فاعليته الكبيرة والمثلى وعدم القدرة على إيجاد وظائف للخريجين في قطاعات الدولة والقطاع الأهلي ، وهذا بقول الخريجين في وسائل التواصل الاجتماعي!!.. يلتحقون فقط للحصول عَلى راتب ٧٠٠ وأكل وشرب وسكن ثم إلى المنزل إلا النذر اليسير ، وكأن ذلك أريد به بديلاً عن الخدمة الوطنية العسكرية.

في العام ١٤٣٣ تقدم أخونا وزميلنا عضو مجلس الشورى الأستاذ سالم المري بمشروع خدمة العلم التجنيد الإجباري ، لمناقشته في مجلس الشورى ونأمل منه إخبارنا أين وصل به الحال بعد مضي أربع سنوات ، وحتى لو أُقر ومن قراءتي ، فهو مبتسر ، لأنه ترك للحكومة تفسير وتحديد الإجراءات التنفيذية التي من بينها وجود جانب المرونة المنسجمة مع مقامات المجتمع ، بمعنى الاستثناءات المفضية إلى الطبقية وعدم المساواة لا لشيء إلا لمقامات الجاه والمال والعلم والسلطان وما يلحق بها من الإخوان كما هو الحال في التدريب العسكري المهني الغير إلزامي … في بداية هذا العام ، أثارت دعوة مفتي المملكة إلى التجنيد الإجباري ردود أفعال متباينة بين مؤيد وبين معارض ، وإن كانت الغلبة للمؤيدين ، إلا أننا لم نسمع من المسؤولين أي تعليق لا تأييد ولا رفض .

لن أناقش الأسباب التي  يمكن أن تكون أو يكون بعضها سبباً جوهرياً لفرض الخدمة الوطنية الإلزامية أو التجنيد الإجباري وقد كفاني الدكتور سعد مؤونة ذلك . وأعفيت نفسي من البحث في الشروط والآليات والأنظمة والجهات المنظمة لذلك …فما هو المقصود بالخدمة الوطنية ؟ إن لها مفاهيم متعددةٌ حسب الأهداف التي ترغبها الحكومة في كل دولة. هل هي التجنيد العسكري الإجباري الذى يأخذ به قليل من الدول في الوقت الحالي؟ هل المقصود بالخدمة الوطنية الإلزامية المشاركة في التنمية الشاملة لا العسكرة فقط؟ هل هدفها القضاء على البطالة؟ هل هدفها إعداد المواطن للدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه؟ هل هي لتلقينه مبادئ حب الوطن وتنمية روح المواطنة والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع وتعزيز الولاء والانتماء؟ هل المراد بها تعزيز مكانة الدولة داخلياً وخارجياً ودعم مؤسسات الدولة أثناء الأزمات؟ هل هدفها تنمية شخصية المجندين والقضاء على الاتكالية والاستهلاك السلبي والفراغ والضياع المتفشي بين الشباب؟ هذه الأسئلة وعشرات غيرها المتعلقة بمبادئ وأهداف خدمة العلم إذا أُريد تطبيقها أو بعضها يكتنفها في نظري شروط ومبادئ أخرى لابد من وجودها قبل اعتماد الموافقة علي التجنيد من حيث المبدأ. منها:

  • أن يُنص علي ذلك في الدستور أو نظام الحكم ، فهل ذلك منصوص عليه أو يمكن أن ينص عليه؟ لا وجود لذلك عند الحكومة .
  • الولاء والانتماء وحب الوطن لا يغرس في النفوس من خلال التجنيد الإجباري أو الخدمة الوطنية الإلزامية ، وإنما من خلال العدالة والمساواة والحريّة والديموقراطية والمشاركة في اتخاذ القرار والحقوق الإنسانية والوطنية المشروعة لكل مواطن ونقصد بالخدمة الإلزامية تلك التي تطبق على كل مواطن قادر من ١٨ سنه إلى ٣٠ سنه مهما كانت صفته أو موقعه. فهل هذا موجود أو ممكن؟ لا إمكانية لذلك في المستقبل القريب لعدم الإشارة إليه لا في التحول ولا في الرؤية (٢٠٢٠–٢٠٣٠) .
  • أعتقد بل أجزم أن الدولة لا ترى حاجه للخدمة الوطنية الإلزامية أو التجنيد الإجباري حتى في الوقت الراهن الذى تواجه المملكة فيه الكثير من التحديات والمهددات في الشمال والجنوب والشرق لأسباب متعددة منها ما ذكر في الفقرة (٢) أعلاه وأسباب اقتصادية وسياسيه وأسباب عسكرية وظيفية ، تعلن القطاعات العسكرية عن تجنيد جند أو ضباط ويتقدم لهم أضعاف أضعاف العدد الذى يحتاجون وبالتالي لا يَرَوْن هناك حاجة لذلك ( رؤيةٌ ضيقه )…..!!!! ، لقد استبدلت الدولة ذلك بالأسهل ببرنامج التدريب العسكري المهني الغير إلزامي الذى يتقدم له المحتاجين للأكل والشرب والسكن ومصاريف الجيب ….!! مر على إنشائه أكثر من سبعة أعوام .. ، لا نعلم هل حقق أهدافه أم لا .
  • حمل السلاح للمواطنين مشكله للدولة، والتدريب عليه يزيد من شكوك الدولة لما قد يحصل من بعض المطالَب والاحتجاجات وبالتالي يضاف إلى أسباب الإحجام عن التجنيد الإجباري.
  • بدأت كثير من الدول التي أخذت بالتجنيد الإجباري في القرن الماضي بإلغائه منذ سنوات وخاصةً أمريكا و أوروبا لتطور الأسلحة والتكتيك العسكري ( الطيران بأنواعه والبحرية والدفاع الجوي ، وإن كانت القوات البرية تحتاج إلى مساندةٍ في أوقات الحروب والأزمات وهناك دول أخرى تفكر في إلغائه ولم يبق إلا القليل من الذى تأخذ به. ويظهر أن المملكة استشعرت ذلك ووصلت الي قناعة عدم جدواه لأنه كما أشرنا سابقاً يخلق للدولة إشكالات سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة . ..

في رأيي أن الخدمة الوطنية الإلزامية ضرورية كما أشار اليه الدكتور سعد بالمبادئ الجوهرية التي ذكرنا آنفاً لمساندة القوات العسكرية والأمنية في أوقات الأزمات وكذلك المشاركة في التنمية الوطنية الشاملة في القطاع المدني والصناعي والمهني في أوقات السلم والمساندة اللوجستية في أيام الحرب مهما كانت أسباب عدم وجاهة من لا يرى ذلك . جغرافية ومساحة المملكة واسعة جداً تحتاج المشاركة في كل أوجه النشاطات العسكرية والمدنية لتستوعب أعداد كبيرة من الشباب وتحقق ولو بعض الأهداف العامة والخاصة ، والتدريب العسكري المهني القائم حالياً يمكن أن يكون الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها تنظيماً وتطبيقاً طالما تكونت فكرة الجمع بين الأهداف العسكرية والمدنية على السواء وتكون لمدة سنه تدريباً وسنتين تطبيقاً.

التعقيب الثالث: د. خالد الرديعان

التجنيد الاجباري: Conscription

أقدر عاليا ما كتبه د. سعد الشهراني حول الخدمة الوطنية الإلزامية أو التجنيد الاجباري، لكني أتبنى وجهة نظر مخالفة ترى في  التجنيد الإجباري سلبيات تفوق إيجابياته أوردها على النحو التالي:

١- يساهم التجنيد الاجباري في إشاعة “ثقافة السلاح” ورواج استخدامه ومعرفة أنواعه. ومن ثم قد يزداد انتشاره على نطاق واسع بحكم التعرض له واستعماله أثناء التجنيد.

نحن وقبل أن نقر التجنيد نعاني من مشكلة انتشار السلاح الأبيض على نطاق واسع (مسدسات ، كلاشنكوف …الخ) في معظم مناطق المملكة، ومعظم حامليه بتقديري لا يحملون رخص حمل سلاح قانونية، وغالبا يشترونه من مروجين بطرق غير مشروعة؛ فالسلاح يدخل تهريبا تماما كالمخدرات وله سوق رائجة وتحديدا يدخل من جهتين: الجنوب (اليمن) والشمال ( العراق والأردن). وخطورة الأمر تكمن في أن السلاح ليس كالمخدرات؛ فتعاطي المخدرات وترويجها يعد عملا مشينا ومجّرم دينيا واجتماعيا ونظاميا ويتم ترويجه بسرية متناهية، لكن هذا لا ينطبق على السلاح الذي تكتسب حيازته وتجارته قيمة اجتماعية لدى البعض؛ بل إن ذلك يعد من كمال الرجولة عند البعض، وخاصة أبناء القبائل ومناطق الأطراف في المملكة بما في ذلك بعض شرائح المتعلمين وموظفي الدولة. ويتم بيعه والتدرب عليه جهارا بل وبكل فخر.

ما علاقة التجنيد الاجباري بكل ذلك؟

بيئة التجنيد ستكرّس ثقافة السلاح وتعلم استخدامه ومن ثم قد يساهم التجنيد في رواج الأسلحة التي قد تزيد من معدلات الجريمة. السلاح منتشر ويستخدم في المناسبات الاجتماعية بصورة ملحوظة خاصة في أوساط المجتمعات القبلية وينتج عن استخدامه بعض المآسي.

٢- في  حال قيام حروب لا سمح الله فإن التجنيد الاجباري لن يقدم حلولا كافية لحسم المعركة ولن ينفعنا كثيرا زيادة عدد المجندين؛ فالمسألة ستنحصر في توفرنا على تقنية مناسبة وأسلحة حديثة لتعويض نقص الأفراد.. أعتقد أنه انتهى زمن الحروب التقليدية؛ فالاعتماد في  حروب اليوم يقوم على التقنية الحديثة والحروب الالكترونية وسلاح الجو. هذا يعني أن التجنيد الإجباري لن يكون له قيمة تذكر.

٣- سيخلق التجنيد الإجباري اتجاهات إيجابية نحو المهن العسكرية عموما، وبنفس الوقت سيخلق اتجاهات سلبية تجاه المهن الأخرى التي يحتاجها المجتمع وخاصة المهن اليدوية التي لا يكون فيها تراتبية وظيفية. مجتمعنا مغرم بالمهن ذات التراتبية الوظيفية بحكم خلفيته القبلية والبدوية، وميل الأفراد نحو مهن محددة في القطاع الحكومي والانصراف عن سائر المهن وخاصة في  القطاع الخاص.

بعض المهن على سبيل المثال “موصومة اجتماعيا” رغم أنها مطلوبة وشريفة ومردودها المادي جيد. هذه واحدة من المعوقات التي فاقمت من زيادة أعداد الوافدين في مجتمعنا بسبب الوصم الذي تتعرض له بعض المهن (بائع، حلاق، عامل في مطعم، … الخ).

٤- أخشى كثيرا من “عسكرة المجتمع” والتوجه نحو ذلك؛ مما قد يخلق لنا مشكلات أمنية غير منظورة.. جزء كبير من مجتمعنا يتأسس على بنية قبلية وبالتالي فعسكرة المجتمع مع انتشار السلاح الشخصي قد تكون أسباب رئيسية في ظهور احتكاكات قبلية تفت من عضد المجتمع الواحد وتشغل الدولة بأمور هي في غنى عنها.

٥- كما أخشى أن يكون التجنيد الإجباري مثل نظام “حافز” بحيث يستخدمه الشباب للحصول على دخل مؤقت، دون أن يحقق أهدافه الأساسية ومنها تدريب الشباب على بعض المهن المفيدة كما تفعل بعض الدول، ومن ثم نقع بذات المشكلة التي وقع في ها نظام حافز.

بدائل التجنيد الاجباري:

يمكن تطبيق شيء مشابه لنظام “الكولخوز” في الاتحاد السوفييتي سابقا ونظام “الكيبوتز” في إسرائيل وهي المزارع التعاونية الجماعية التي يديرها سكانها دونما الاستعانة بأي شخص من خارج الكيبوتز.

تهدف الكيبوتزات إلى تعليم الشباب مهن كثيرة وتعويدهم على المواقف الصعبة والاعتماد على أنفسهم والتخلي عن بعض القيم الاجتماعية المعيقة للعمل والإنتاج.

ولأننا بلد غير زراعي في مكن عمل مخيمات شبابية الزامية ليس بالضرورة أن تكون تجنيدا؛ بحيث يتعلّم الشاب فيها الانضباط وبعض المهن المفيدة بشرط أن لا تضم أي عمالة وافدة.. ويقوم الشباب بالعمل في المخيمات في كافة المهن؛ كالزراعة البسيطة والبيع في  المحلات وأعمال الصيانة كالكهرباء والسباكة والالكترونيات والحواسيب وغيرها وذلك لكسر شوكة النفور الاجتماعي من العمل اليدوي ولترويضهم على الطاعة واحترام القانون.

هذا الأسلوب البسيط سيخلق اتجاهات ايجابية نحو العمل عموما إضافة إلى تزويد الشباب بمهارات تجعلهم ينصرفون عن تقديس الوظيفة الحكومية المريحة ويتجهون نحو العمل الحر المنتج.

وحتى تنجح الفكرة فلا بأس من إيجاد بنك خاص لخريجي هذه المخيمات يقدم لهم قروض مجزية للبدء بأعمالهم الخاصة (دكاكين بيع تجزئة، ورش صيانة، سيارات نقل، مطاعم، مقاهي، … الخ) علما أن ملايين الفرص متوفرة في هذه الأنشطة الأمر الذي سيوفر مليارات الريالات وتدويرها داخل المملكة.

اما القوات المسلحة في مكن توسيع قاعدتها وضم عدة آلاف من الشباب للقوات البرية والبحرية بشكل دائم، وشراء أحدث أنواع الأسلحة وصناعة بعضها في الداخل بأيدي سعودية مدربة.

المداخلات حول قضية: (الخدمة الوطنية الالزامية)

  • الخدمة الوطنية الإلزامية ومدى جدواها

ذكر م. أسامة كردي أنه ليس لديه شك في التأثير الإيجابي للخدمة الوطنية الالزامية على الشباب السعودي و بالذات في ما يتعلق بأعدادهم لمواجهة الحياة و متطلباتها. وأضاف: أعتقد أن هناك توافق على أهمية هذه الخدمة .. لعلنا نحاول تحديد نوعية هذه الخدمات التي يمكن الاهتمام بها في إطار الخدمة الوطنية الالزامية .. و سأبدأ بالخدمات الالكترونية للوطن بشكل عام و للقطاع العسكري و الأمني بشكل خاص .. و أضيف العمل المرتبط بالأمن الغذائي و العمل المرتبط بالنقل بشكل عام و النقل العسكري بشكل خاص .. و لعلكم تقترحون غيرها.

وقال أ. خالد الحارثي: مشاركتي في قضية (الخدمة الوطنية الإلزامية) ذات سياق إداري وتنموي واجتماعي بقدر الامكان، نظرا لعدم الاختصاص في الجانب العسكري والذي لا يمكن تجاهله أبدا فالتجنيد والتعبئة والمصطلحات ذات نفس المضمون الاستراتيجي هي عسكرية بحتة وتفقد روحها وموضوعها إذا لم تحمل الاختصاص العسكري.

الحقيقة أنني ميال نحو التجنيد كمضمون وإن اختلفت التسمية فلا بأس من تسميتها (الخدمة الوطنية الإلزامية ) دون الإخلال بالشكل التقليدي الذي يعتمد بشكل أساسي على دورة الفرد الأساسي ويعقبها دورة إعداد وعي ثقافي ومهني مكثفة تبني شخصية وإدراك الجيل لهويته وعقيدته السياسية والاجتماعية لتستكمل ما فات في مراحل التعليم العام ، وأن تُعطَى هذه الدورة المكثفة اهتماما كبيرا ، يساهم بجهد أساسي في البناء الفكري عند الشباب ، يعقبها بعد ذلك الانخراط في الخدمة حسب الاحتياج الوطني المخطط الذي يتلمس الرغبات عند المتقدمين بأكثر قدر ممكن ، على ألا يقتصر على الخدمة العسكرية بل يشمل أي مرافق حكومية أخرى ، وحتى القطاع الخاص كخدمة مساندة من مؤسسة الذمة الوطنية الالزامية ، ويشمل الأعمال الموسمية وغير الموسمية مما يمكن لخريجي وخريجات الدفعات التدريبية عمله والقيام به بالحد الأدنى من الجودة والإشراف المطلوب.

أجدني ، بهذا التصور، أضع الفارق الأساسي بين برامج التدريب والحد الأقصى المتوقع منها ، وبرامج التجنيد والحد الأدنى الذي تحققه.

أعتقد أن ذلك يثير حتما عدد من التساؤلات الهامة ، أدعوكم لمناقشتها :

  • هل هناك أرضية قناعة بأهمية (الخدمة الوطنية الإلزامية) في الدوائر العليا لصناعة القرار أو دراسات خلصت إلى عدم الحاجة إليه ، حيث أن هذه النقطة تجعل من هذه المبادرة تهديد يبرر التخوف الذي أبداه د. الرديعان رغم أني لا اتفق اطلاقا مع هذه المخاوف والطروحات التي تقدم الريبة في العقد الاجتماعي أصلا وأساسا.
  • هل مستوى الأداء القائم لأجهزة المرور والشرطة يفي بالطموحات والتطلعات لاستيعاب الخريجين من (الخدمة الوطنية الالزامية) والإشراف عليهم؟ بحكم أن الانضباط والالتزام والاستجابة المبرمجة تعد أحد أهم دروس الاقتداء بالنسبة للمتدرب (المجند).
  • أليس لهذه المبادرة الكبرى أثر ملموس وكبير في نشر وترسيخ الانتماء وتهذيب الفكر والسلوك؟ فهل سنقوم بمتطلبات نجاحها من تكريس المحاسبة والمسئولية والحرص على المقدرات والمكتسبات والمال العام؟
  • وأخيرا هل لدينا أساس هذه العقيدة من الانتماء والحس الوطني الذي يساوي بين الشعب دون أي تمايز طبقي للخضوع لنظام (الخدمة الوطنية الالزامية).

أود القول أن الإعداد الفكري والسلوكي للفتاة والشاب خلال فترة الخدمة يساهم بشكل كبير في توجيه الجهد والأنشطة وترقية وتعزيز الكثير من المفاهيم والتصورات التي تجمع الجيل حول عدد لا يستهان به من القيم والأهداف الوطنية.

  • الخدمة الوطنية الإلزامية: مقترحات التفعيل والبدائل المتاحة

قال م. حسام بحيري: الحقيقة أننا نحتاج إلى برامج مثل هذه لزرع روح الوطنية والالتزام وخدمة الوطن الذي يعطي ويقدم الكثير لمواطنيه بدون أي مقابل حتى أصبح المواطنين متعودين على الأخذ من دون العطاء وفي ظل الظروف الإقليمية الحالية والتهديدات المحيطة بنا التي نمر بها من شمالنا وشرقنا وجنوبنا نحن في أمس الحاجه اليوم لحماية وطننا من التهديدات المحيطة به وهذا لن يتم إلا بسواعد مواطنيه ومواطناته ولاشك في  ذلك ولكن المعضلة الرئيسية هي كيف نستطيع أن نبتدع برنامج شامل يطبق بحذافيره وسواسيه بين الناس وهل يوجد لدينا القدرة الاقتصادية والبنية الأساسية المطلوبة لبناء برامج جديدة تصرف على أكثر من 5 مليون رجل و امرأة من الفئه العمرية التي تقع بين سني 15-24 سنه؟ هذا التزام جدا ضخم على المستوى الاقتصادي, التدريبي, التعليمي, الانشائي , التجهيزي الخ..) لبناء برامج الزامية تمس المواطنين والمواطنات من فئات الشباب. برأيي الشخصي هو عمل جدا صعب ولن يكون لنا المقدرة لاستحداثه نظرا للكم الهائل من الصعوبات والتحديات التي تواجهه. على الرغم من احتياجنا الشديد لبرامج الخدمة الوطنية الالزامية ولكن باعتقادي أنه لابد من وضع برامج وخطط واقعيه نستطيع أن نحققها خصوصا على المدى القصير لتحقيق الأهداف المرجوة وعدم إضاعة الموارد في مشاريع غير واقعية.

مثال : أنا مواطن شاب لم استطع الالتحاق بالجامعة أو الحصول على وظيفة في وقتي الحالي وأريد أن أخدم بلادي من خلال الالتحاق بالخدمة العسكرية ولكن لا أريد أن يكون لي مستقبل وظيفي في القطاع العسكري لبقية حياتي هل يوجد برنامج أستطيع الاستفادة منه في  وضعي الحالي؟ ما المانع من وضع برنامج اختياري للالتحاق بالخدمة العسكرية قصير المدي لمدة 4 سنيين كمثال ومن خلال هذا البرنامج استطيع أن أحقق عدة أهداف في وقت واحد من خدمة الوطن وتقليل نسبة البطالة ورفع مستوى التأهيل العملي والعمالي وسد الاحتياج في التجنيد العسكري والتدريب على المهارات العسكرية و الخدمات المساندة التي يحتاجها القطاع العسكري من أعمال فنية وتقنية وتشغيلية تفيدني في حياتي المدنية التي سأرجع لها بعد عدة سنيين وتمكني من إيجاد وظيفة لأنني الآن متدرب في أفضل المراكز التدريبية وعندي أيضا خبرة وهذا ما يحتاجه القطاع الخاص. البرنامج هذا له ميزة أخرى وهي الاتفاق مع الطلبة والطالبات ذوي التحصيل العلمي الجيد بأن يتم تمويل دراساتهم التقنية والعلمية النادرة بشرط أن يلتحق لخدمة الوطن بعد التخرج لسنين محدودة وبذلك تتمكن الدولة من الاستفادة من العقول النابغة في الوطن حتى لوكان لفترة محددة. أفضل مادة خامة في أي دولة هي الإنسان والاستثمار في البنية البشرية هو أفضل الأموال التي ستنفقها الدولة لأنه بطريقة أو أخرى سيرجع العائد لها في الأخير.

ويرى م. أسامة كردي أنه لابد من التفنن و الإبداع في تحديد ماهية الخدمة الوطنية الالزامية ، فليس من اللازم أن ترتبط بالحرب و الجيش و السلاح فهناك خدمات أخرى متعددة يمكن الزام الشباب بها و تفيدهم في مستقبلهم. مع الوضع في الاعتبار أن الخدمة الالزامية العسكرية المستخدمة في بعض الدول لا تضع المجند على خط المواجهة مع العدو و لكن تضعه في مواقع الخدمات اللوجستية المطلوبة للأعمال العسكرية مثل خدمات النقل و التغذية و ما شابه.

ويرى أ. سمير خميس أنه قد يكون من أسباب طرح فكرة التجنيد الإجباري هو غياب المشروع الوطني الأمر الذي يطرح التجنيد الإجباري كبديل مؤقت.

وتساءل أ. سلمان العمري: لماذا لا يفتح التجنيد التطوعي للشباب على الحد الجنوبي؟ وأضاف: عندي ثقه بأبناء وطني أنهم سيلبون الدعوة وسيتوافد الآلاف من الشباب على الحد الجنوبي.. لقد خاض المجتمع السعودي تجربة التجنيد التطوعي إبان حرب الخليج وكانت نموذجية ومشجعة.

وأيد أ. مطشر المرشد هذا المقترح حيث يرى أن الكل سوف يلبي الدعوة وبمعنويات مرتفعة. وأضاف: التجنيد : ليس فقط لزيادة عدد الجنود ، بل سيكون منبر للتواصل مع شريحه الشباب في المجتمع وتحصينهم ، فبدل أن يقعوا في شرك الاٍرهاب والارهابيين يتم تدريبهم على الانضباطية والمسؤولية ..

أيضا من خلال الخدمة الوطنية ( العسكرية ) سيكون بإمكاننا تدريب الشباب مهن وحرف لم تكن مقبولة لاعتبارات اجتماعية وعادات وتقاليد الخ ، وحين نقول لهم أنت عسكري وتخدم البلد و نحتاجك تتدرب سباك وكهربائي .. سوف يتقبلونها ويقبلها مجتمعهم .

أيضا ترى أ. كوثر الأربش أن الكولخوز! فكرة رائعة ومميزة. وستصنع فارق استراتيجي في المجتمع سيبقى أثره لأجيال كما أنه سيشكل علامة فارقة في الشخصية السعودية. ومن الجدير أن تطبق الفكرة على نطاق واسع جدا في مدن المملكة وقراها وضواحيها.

وأوضح د. خالد الرديعان في هذا الإطار أن الجيش يقوم بدوره على أكمل وجه وليس هناك من نقص في عدد الجنود.. وباعتقاده فإن المسألة ليست أفراد بقدر ماهي تقنية حديثة وتسليح جيد. أما عن الكولخوز فهي فكرة مزارع تعاونية جماعية شاعت في الاتحاد السوفيتي في وقتها ونفذت ويماثلها في اسرائيل الكيبوتز.

وأضاف د. الرديعان: أكرر رأيي حول سلبيات التجنيد الاجباري وقد ذكرتها آنفا.. أما كيف نزرع الولاء وحب النظام والانضباط عند الشباب فإن ذلك يتم بإشاعة العدالة في المجتمع في جميع المناحي وفي الحقوق الأساسية كالتعليم والعمل والسكن والرعاية الصحية، وبسن الأنظمة التي تكفل حفظ الحقوق وحماية الأفراد من الاعتداء على حقوقهم. الفساد كما ذكرنا مرارا وتكرارا هاجس وطني والحد منه سيعزز الولاء ناهيك عن مردوده الاقتصادي على الجميع.

أما التجنيد فهو مجرد زيادة عدد أفراد في القطاع العسكري يعتمدون على الدولة دون أن يكون لذلك بالضرورة مردود اقتصادي يفيد الوطن.. وإذا ما كان هناك نقص في عدد أفراد القوات المسلحة فيمكن فتح وظائف دائمة في هذا القطاع حتى لا نضطر للاستعانة بقوات دول صديقة كما فعلنا في الحرب ضد الحوثيين وقبل ذلك حرب الخليج. نحن دولة كبيرة وقوية ويفترض أن يكون لدينا جيش قوي لا يقل عدد أفراده عن نصف مليون جندي لحماية حدوده المترامية الأطراف… نحن لسنا دولة هامشية أو صغيرة ويحيط بنا دول تتربص بنا الدوائر وبالتالي يجب أن يكون جيشنا قويا وكبيرا.

الحدود الشمالية للمملكة طويلة جدا خاصة الجزء المحاذي للعراق من الكويت إلى طريف وهذه الحدود يفترض تحصينها بشكل إضافي مع عدم التقليل مما هو موجود هناك من قوات. وهذا يتطلب زيادة عدد أفراد القوات المسلحة وتسليحهم بشكل جيد لحروب الصحراء.. المنطقة صحراوية ومفتوحة وقد تكون لا سمح الله باب شر فيما لو ساءت العلاقات مع العراق وايران أكثر مما هي عليه الآن. وطالما أن وضع العراق غير مستقر فيفترض أن نكون يقظين للغاية وأن لا نستسلم للكلام الذي يصدر من حكوماتهم فهي حكومات مسلوبة الإرادة وتوجهها طهران.

هناك أعداد كبيرة من السعوديين يعملون رجال أمن في الشركات الخاصة (سكيورتي) وبعضهم متقاعد من السلك العسكري، فلماذا لا يصمم برنامج للشباب العاطل عن العمل للعمل في هذا القطاع بصورة دوام جزئي ( ساعات محددة أسبوعية) بحيث يتدربون على هذا العمل ويكتسبون بعض المهارات ويغيرون نظرتهم للعمل.

ما الذي كانت تقوم به الجماعات الإرهابية في الداخل وكيف كانت تؤهل المنتمين لها؟ كانت تعمل لهم مخيمات برية بداعي الترفيه وتعلمهم العاب الدفاع عن النفس ( جودو وكاراتيه) وبنفس الوقت تحقنهم بالفكر التكفيري وأحيانا يخرجون برحلات إلى مكة بداعي العمرة وتتضمن تثقيف ايديولوجي وحقن، وكل ذلك يتم تحت مسمى ( مخيمات للترفيه البريء).

ومن ناحية أخرى قال د. الرديعان: إن حديثنا في الخدمة الالزامية “كرجال” يغلب عليه النزعة الذكورية؛ فنحن نتحدث غالبا عن الشباب الذكور في حين نتناسى أن الفتيات يشكلن طاقة لا يجوز الاستهانة بها لكن يلزم طرح بعض المقترحات المفيدة فيما يخص الفتيات. مع ضرورة الإشارة إلى المعوقات التي تواجه المرأة عموما فيما يخص تطبيق الخدمة الالزامية.

وقال د. سعد الشهراني: الخدمة الوطنية بمفهومها الواسع و كما يجب أن تكون لا يجب أن تستثني أحدا ذكورا أو إناثا .. و المجالات المتاحة للفتيات متعددة بشرط الخروج من صندوق التجنيد الالزامي و المفهوم الضيق جدا للخدمة الوطنية.

أيضا فإنه وإذا صدر نظام للخدمة الوطنية فقد يجيز النظام احتساب أنواع و مدد محددة و معينة من التطوع ضمن المدة المحددة للخدمة الوطنية الإلزامية.. التطوع في الحج مثلا. وفيما يخص التجنيد التطوعي فهو ممكن في نشاطات اختيارية اسنادية و معنوية و بالتأكيد في أنشطة غير قتالية لاستحالة ذلك؛ هذا سيكون له أثر معنوي كبير على المقاتلين و المرابطين و على الشباب و احساسهم بالانتماء و يزيد من وطنيتهم و مستوى وعيهم.

وفيما يتعلق بالكولخوز فهي أحد الأفكار الجيدة و أحد أهدافها إيجاد فرص متساوية للعمل لكنها كما أشار م. أسامة فشلت بل فشلت النظم الاشتراكية و الشيوعية و الكيبوتز الاسرائيلي  أهدافه استيطانية و إغراء للهجرة والإقامة و أصبحت قرى و مدن .

الخدمة المدنية الالزامية إن اقرت فالواجب أن تستوعب كل عمل أو مجال أو نشاط فيه خدمة للوطن و ليكن التطوع المؤطر والالتحاق بالمؤسسات الأمنية و العسكرية جزءا منها و في نشاطات اسنادية للمؤسسات القائمة و المكلفة بوظيفة عامة معينة مثل العمل في المؤسسات المعنية بذوي الاحتياجات الخاصة و بأجور رمزية .

أما في الأزمات فالواجب أن لدينا احتياطي يستدعى لدعم الجبهتين الداخلية و الخارجية، و لا نقيس على الحالة اليمنية كما هي الآن بل على الحالة الكويتية.

لا يجب أن تؤدي الخدمة الالزامية إطلاقا إلى العسكرة ، ليس فقط لأنها سلبية بل غير ممكنة و ستحمل المؤسسات العسكرية أكثر من حملها و طاقتها. إن أقرت الخدمة فهي في كل النشاطات و في كل المجالات و  كل أرجاء الوطن.

كذلك وفي هذا الإطار أضاف أ. خالد الحارثي: أعتقد أن الأثر لإشاعة العدالة والحقوق على ترقية مفهوم الوطنية، والولاء والانتماء هو أثر يساهم في تنمية الأثر الإيجابي للخدمة الإلزامية، وإن كانت المزارع الجماعية تعد خدمة وطنية في قاموس الدول التي رعتها فهي نظام رافد أساسي للتشغيل والإنتاج في ذلك المجتمع ولا تخص الشباب فقط ، وبذلك تكون المزارع الجماعية والنماذج المشابهة لها ، مختلفة تماما عن قضية الخدمة الوطنية الالزامية التي نناقشها هنا.

وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أنه يلزم لتحقيق الأهداف الكبرى تبني عدد من الاستراتيجيات المتنوعة لخلق المستقبل الذي نريد ، وفي القضية المطروحة أعتقد أن هناك مبالغة إذا انتظرنا أثر اقتصادي ملموس من خدمة التجنيد أو الخدمة الوطنية.

وقالت أ. ليلى الشهراني : في الأيام الماضية كان حديث أهل الكويت عن الخطوة التي قامت بها حكومتهم باستقدام رجال أمن من بنجلادش !

والعجيب أن شباب الكويت أولى بخدمة بلدهم خصوصا في الأماكن الحيوية الأمنية ، بدلا من قضاء أوقات الكثير منهم في النوادي الرياضية لبناء الأجسام .

ستخسر الدول كثيرا عندما لا تتعامل مع هذه الطاقات الشبابية المهدرة وتوجهها التوجيه السليم ، ولعل ما نراه اليوم من (انفلات أخلاقي) و(دعشنة فكرية) ما هو إلا جزء يسير من سلسلة سلبيات إن لم تعالج بحكمة تعملقت وكبرت واستصعب حلها فيما بعد .

توجيه الشباب بإلزامهم بالخدمة الوطنية يعزز الشعور بالانتماء ، ولا يفهم من التجنيد أنه فقط لتعليم الرماية وفنون الأسلحة والدفاع عن النفس ، فالبعض يرى أنه كي يصرف الشباب عن الملهيات فيجب أن يزرع فيه الشدة فقط وننسى أن نعمق الإنسانية فيهم بالانخراط في المجموعات التطوعية .

التجنيد إن لم يكن شاملا يبدأ بالإعداد النفسي ثم الجسدي ثم الفكري لن يؤتي ثماره .

بالإمكان البدء (بالخدمة الوطنية) من مكان التعليم وهي المدارس للتدرج بتهيئتهم ، لو تم تخصيص ٤ ساعات مثلا في مدارس البنات والأولاد للقيام بأعمال تطوعية مثل خدمة كبار السن ومراكز تأهيل المعاقين ، أو حملات التشجير والتنظيف للشواطئ والحدائق ، وقبلها مدارسهم التي يتعلمون فيها وتقسيمهم لمجموعات كل حسب ميوله وما يبدع فيه ، هذه ستكون دروس عملية مبكرة قبل تحويلها لخدمة إلزامية بعد الثانوي أو الجامعة.

المدرسة لها الأولوية قبل كل شيء فهي وطنهم الصغير وما يفعلونه فيها ينعكس بآثاره على الوطن الكبير ، وبعض المدارس تقوم بتنظيم رحلات شكلية لزيارة دور أيتام أو مسنين ويذهب لها البعض نزهة وليس من باب المسئولية ، وإعطاء الطالب درس في الإحسان والعمل الخيري الحقيقي وإشراكه فيه يعمق الشعور بالمسئولية أكثر ، بعض الطلاب يهربون من مدارسهم أو يقضون ما بعد المدرسة في التفحيط والأذية ، هذه تربي الإنسان في هم.

واتفق أ. مطشر المرشد مع هذا الطرح الأخير وأضاف أنه وفي المدارس الحكومية في أمريكا مرحلة الثانوية هناك برنامج خدمة وطنية اختياري ، ويلبسون بدلات عسكرية ويتم تدريبهم أولا الانضباطية ثانيا يطلب منهم أعمال تطوعية / اجتماعية و ثالثا يتدربون حرف معينه قد يحتاجها الجيش.. يستخدمونهم في الكوارث الطبيعية للحراسات وتنظيم المرور.

وفي تصور أ.د فوزية البكر فإننا هنا لا نتحدث عن العمل التطوعي فالخدمة الالزامية مختلفة ؛ فنحن نتحدث عن خدمة إلزامية سواء عسكرية أو مدنية.

وفي ظنها فإننا لسنا بحاجة الي اختراع العجلة في هذا الشأن فهذا موضوع عجنته الامم قبلنا تجاربا؛ ولذا علينا النظر الي ما يناسبنا ثقافيا وماديا وسياسيا ومحاولة سعودته والعمل به مثل بعض التجارب الناجحة في شمال أوروبا مثل النروج والسويد.

وأكد د. خالد بن دهيش على أهمية طرح هذه القضية وأشار إلى أنه كان هناك تجربة طبقت ابان احتلال الكويت ، وبالتأكيد هناك تقيم لمثل هذا التطبيق أي كان مسماه للاستفادة منه كونه طبق في حالة حرب. كما أنه يرى أهمية تفعيل دور الكشافة بشكل أوسع للخدمة الوطنية وتشجيع الطلاب والطالبات للانضمام للكشافة وتهيئة المدارس لتكون مقار كشفية في نهاية الأسبوع للطلاب والطالبات ولسكان الحي.

ومن جانبه يرى د. حميد المزروع أن البداية المناسبة لأطلاق الخدمة الإلزامية بالمملكة  وبعد أن توضع معاييرها المناسبة ، بأن يسمي (بالجيش الاحتياطي )، علي أن تحدد مهامه بالأدوار الثانوية ، وأن تحسب فترة التدريب كجزء من الخدمة الوظيفية لتشجيع الشباب خاصة الذين ينتظرون الوظائف المناسبة .

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن الخدمة الإلزامية الوطنية ، مفهوم جديد ولا يمكن ربطه أيضا بمفهوم الخدمة العسكرية الإلزامية أيضا. وبالمناسبة يذكر وعلى سبيل المثال أن في دولة سويسرا يعتبر التطوع إلزامياً للذين لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية ، ممن هم في سن 20-60 سنة. وأضاف أن بلادنا ليست بلاد زراعية.. علينا أن نسعى أمام المتاح والممكن.. ولا ننسى أن التقنية العالية تكلفنا الكثير من مواردنا المالية ، فلماذا لا يكون الممكن مقدم على غيره؛ خصوصا أن ما هو ممكن ومتاح بيئيا في بلد ولا يتاح في بلد آخر فإنه يعد ضياع للوقت والمال. دعونا نوجه الأفكار التطوعية لما هو بالمقدور والمستطاع.

في حين أشار د. علي الحارثي إلى أنه ليس في منظور الدولة الأخذ بهذه المفاهيم للأسباب المذكورة سابقاً وأولها وأهمها أن الإلزام وهو عين الموضوع يترتب عليه حقوق سياسية لا سبيل للنظر اليها ، (العدالة المساواة الحقوق الحرية الديموقراطية وغيرها ) أما غير الإلزام والطوعي فهو موجود ( التدريب العسكري المهني ) لكنه في اعتقاده عديم الفاعلية . أما عند إقراره بما يترتب عليه من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية ، فالتجارب الدولية كثيرة نستخلص منها ما يتواءم مع متطلبات التحديات والمهددات والضرورات للعام والخاص والفرد والجماعة. ومن الوسائل لإلزام الجميع بدون استثناء ربط الاستفادة من الخدمات الحكومية بالخدمة الوطنية ، لا توظيف ولا ابتعاث ولا خدمات ولا إسكان ولا غير ذلك كثير قبل الانخراط في الخدمة الإلزامية . بلدنا يحتاج ويستوعب الخدمة الوطنية عسكرياً ومدنياً فهل إليه من سبيل؟

وبدوره أشار: د. حامد الشراري إلى أن ما تحدث عنه وأكده د سعد شمولية الخدمة في السلم والحرب .. ونحن نعايش بداية العمل على تحقيق الرؤية وما تشمله من برامج تهدف إلى تنويع مصادر الدخل معتمدة على العنصر البشري كمرتكز رئيس للتنمية والأمن ..

فمجمل الأوراق والتعقيبات تبحث عن الاستفادة المثلى من الشاب والشابة السعودية وتطوير قدراتهم وتنميتهم لخدمة الوطن  سواء عسكريا أو مدنيا والاستثمار الأمثل لمقدرات البلد البشرية خاصة أن المملكة دولة شابة وكثير من الدول وبوجه خاص الدول الأوربية تفتقدها وتتمنى أنها تمتلك هذه القوة الشابة. لذا، من المهم مناقشتها وسبر هذه من جميع النواحي  لعلنا نخرج بأفكار تخدم صاحب القرار في استثمار مكامن البلد الشابة وتوجيههم توجيه سليم لخدمة بلدهم، منها:

  • تحليل واقعي لوضع الشاب/ة السعودي ومتطلباته وإمكانياته.
  • تحديد الأولويات الوطنية ومراجعة الأنظمة وتطويرها.
  • مراجعة البرامج الوطنية الحالية كبرنامج التأهيل العسكري المهني ومدى تحقيقها لأهدافها ..
  • التفكير بمكونات كبرامج تحقق الغرض دون الولوج بمصطلحات تدخلنا بنقاشات نتجاذبها منها عسكرة المجتمع أو التجنيد أو خلافة ( وهو ما ذهب اليه د. الرديعان) ..فمثلا إقرار نظام التطوع والاستراتيجية الوطنية للشباب قد يحقق جزء من يُطالب به…

الرؤية ٢٠٣٠ تشمل برامج عديده وقد يكون هناك توسع فيها في المستقبل القريب لتشمل ما نصبوا له في نقاشنا.

البرنامج الوطني لإعادة التأهيل:

البرامج الوطنية المتنوعة عند تكاملها تحقق الخدمة الوطنية بمفهومها الشامل ..منها هذا المقترح؛ فقد يكون هذا المقترح أحد برامج الرؤية بمسمى “البرنامج الوطني لإعادة التأهيل” الذي يهدف لمعالجة فئة معينة من العاطلين متدني المستوى وفجوة حدثت بين مخرجات مؤسسات التعليم العالي وحاجة سوق العمل نتيجة للتوسع المتسارع في افتتاح العديد من الجامعات والمعاهد في وقت متزامن دون الأخذ بعين الاعتبار حاجة سوق العمل بشكل دقيق لغرض استيعاب أكبر عدد من خريجي الثانوية حتى أصبح ما تم قبوله بمؤسسات التعليم العالي تجاوز 90% من خريجي الثانوية، من خلال إعادة تأهيلهم تشترك به بعض قطاعات الدولة العسكرية ومؤسسات القطاع الخاص العملاقة، وبمنهج وتفكير خارج الإطار الحالي لمعالجة البطالة يمزج بين التأهيل العسكري والتأهيل المهني، تقدم من خلال بيئة عسكرية يعتبر الانضباط والدقة والالتزام أهم مقوماتها، وبإشراف علمي وتدريبي من خلال مؤسسات قطاع خاص له تجارب جيدة في إعادة التأهيل.

هذا البرنامج المقترح” البرنامج الوطني لإعادة التأهيل” يكون أحد الاذرع الرئيسية التنفيذية لهيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة، وبنفس الوقت يحقق جزء من أهداف استراتيجية التوظيف السعودية خاصة في المدى القصير (سنتين) والمتوسط (ثلاث سنوات)، مع ما يهدف إليه التدريب العسكري المهني محدود النتائج بآلية تقلل من التسرب وتعالج الخلل من خلال دفع مكافئات مجزية وحوافز متميزة للالتحاق بهذا البرنامج. بالإضافة إلى أنه يحقق ما يهدف إليه التجنيد الاجباري في بعض الدول حيث أن المكافأة المجزية هي إجبار- بطريقة غير مباشرة- للانخراط بهذا البرنامج وبالتالي يحدد الشريحة الجادة في العمل و سينخرط في هذا البرنامج العاطل الفعلي. وقد يكون هذا المقترح تطوير لبرنامج التدريب العسكري المهني الحالي.

وتطرقت أ. ندى القنيبط إلى مسألة تمكين المجتمعات للمشاركة في الخدمة الوطنية، ولخصت وجهة نظرها في النقاط التالية:

  • المشاركة في الخدمة الوطنية هي واجب وطني وبالتالي فهي تشمل الفئات العمرية من الجنسين.
  • استثمار قدرات وإمكانات المجتمع من خلال توظيف إمكانات بعض أعضائه المادية وعلاقاتهم لإعداد وتنفيذ برامج خدمة وطنية تعود بالنفع على الحي بصورة عامة وأبنائه بصورة خاصة.
  • تلعب المجتمعات دورا هاما في مجال الخدمة الوطنية من حيث تحديد الاحتياجات والإسهام في حل المشاكل أو النواقص، و بالتالي الحفاظ على المجتمع المدني وتحسين وضعه وجودة الحياة التي يستحقها المواطن .
  • التوعية بالخدمة الوطنية والقدرة على أدائها والعمل فيها يمكن أن تقدم شراكات فيما بين المجتمعات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية

الآليات المستخدمة للتمكين :

  • وجود برنامج وطني يتربى عليه الأطفال ( النشء ) يتم تثقيفهم من خلاله و يؤهلهم في مرحلة عمرية متقدمة لمعرفة حقوقهم وممارسة حرياتهم والتعامل مع الآخر ومشاركته بما يملكه من فكر وإبداع.
  • لا بد من آليات واضحة للحوار والنقاش تمكن الشباب من الاطلاع على المعلومات وحريتهم في الوصول إلى تلك المعلومات.
  • أن تستهدف البرامج التي تندرج تحت “برنامج الخدمة الوطنية” جميع فئات المجتمع دون تمييز( أطفال ، نساء، شباب ، كبار السن ، وذوي الاحتياجات الخاصة ).
  • العمل على إزالة كل المعوقات التي تحول دون مشاركة الشباب في الخدمة الوطنية سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو إدارية أو اقتصادية أو غيرها من المعوقات.
  • العمل على إعداد وتنفيذ برامج وأنشطة تعليمية وتربوية تبين أهمية المشاركة الوطنية ( الخدمة الوطنية ) سواء أكانت برامج تمكين وبناء قدرات أو برامج توعوية لا تقتصر فقط على النشاطات غير الصفية وإنما كجزء من المنهج المدرسي واعتباره قيمة مجتمعية إيجابية .
  • إشراك الشباب في وضع الخطط وتنفيذها والإشراف والرقابة والتقييم وتحديد الأولويات والاحتياجات بما يتلاءم مع طبيعة المجتمع .
  • تشجيع المبادرات التنموية الشبابية من خلال الاعتماد على الموارد الذاتية .
  • أهمية وضوح البرامج التنموية المرتبطة بالشباب مما له علاقة بالخدمة الوطنية والإعلان عنها ( وهو المأمول من رؤية 2030 ) وإيضاح مزاياها وآلية تنفيذها والتدرج في ذلك وشرحها لهم والأسباب التي حدت بالمؤسسة سواء الرسمية أو الأهلية للعمل بهذا المجال.
  • أن تكون هناك مردودات ملموسة على أرض الواقع لهذه البرامج والعمل قدر المستطاع على البرامج ذات الأثر السريع على المجتمع المحلي.

المشكلة التي يعاني منها العمل التطوعي:

في الحقيقة هي عدم تقبل الجيل الجديد له لأنه لم يعتد عليه على اعتبار أن كل شيء متوفر أمامه والدولة تقوم بكل شيء ..

الحياة المادية انعكست على تفكيره وثقافته وهنا يأتي التحدي بتغيير هذه الثقافة لدى هذا الجيل.

علينا أن لا ننتظر الأزمات لنعمق لديه هذا الشعور وإنما ليكون جاهزا ومتشبعا بهذه الثقافة ومتدربا عليه عند الحاجة .

واتفقت أ. ندى القنيبط مع الآراء حول أهمية  دور المرأة عموما ( في مختلف مراحلها العمرية وأيا كان وضعها الاجتماعي ) ودورها في المجتمع بصورة عامة وخاصة الخدمة الوطنية وأضافت: لذلك بدأت مداخلتي بالإشارة لذلك نصاً: ” المشاركة في الخدمة الوطنية هي في نظري واجب وطني وبالتالي فهي تشمل الفئات العمرية من الجنسين “

وبناء عليه رأت أن هناك عددا من الأنشطة ( في الخدمة الوطنية ) يمكن أن تسهم فيها خصوصا الأنشطة التي تلعب الأسرة والمرأة دورا إيجابيا فيها.

أولا: المجال الصحي :

من الممكن أن تشارك المرأة مع المتخصصين لاكتساب الخبرة في المجالات التالية:

  • مراقبة نمو الأطفال.
  • تطعيم الأطفال والأمهات ضد الأمراض الخطيرة عند الحاجة.
  • التوعية بالأمراض المنقولة جنسيا خاصة الإيدز.
  • المشاركة في الحملات الصحية تنظيم المعارض الصحية بهدف التوعية.
  • دعم برامج التغذية الصحية.
  • مكافحة أمراض الإسهال والجفاف لدى الأطفال.
  • ‎دعم برامج تشجيع الرضاعة الطبيعية.
  • تنظيم الحملات الطبية للمناطق النائية.
  • ‎التوعية للعناية بصحة الفم والأسنان.
  • تنظيم العمل في العيادات الخارجية للمستشفيات.

ثانيا : في المجال الاجتماعي :

‎ تقديم الخدمات العامة في :

  • المصليات النسائية في المساجد.
  • ‎الأسواق
  • مساعدة الأطفال ذوي الحالات الخاصة ( مؤسسات الأطفال لذوي الحالات الخاصة, دور المعاقين , دور التربية الفكرية )
  • الإسهام في المشروعات التي تقدم الرعاية للأطفال الذين يعملون في ظروف صعبة
  • تأهيل وتعليم أطفال الشوارع
  • مساعدة السيدات ذوي الحاجة في :( السجون ، دور المسنين ، المستشفيات ، عائلات السجناء ، عائلات الجنود أثناء العمليات العسكرية  )
  • محاربة الآفات الاجتماعية : ( الإدمان : التدخين/المسكرات/المخدرات ،الشعوذة والخرافات والعادات الاجتماعية )

ثالثا : المجال البيئي: المساهمة في تربية النشء على ثقافة :

  • المحافظة على الممتلكات العامة.
  • ‎المحافظة على الحدائق.
  • المحافظة على المياه ،الكهرباء.
  • ‎التخلص من النفايات ، إعادة تدويرها والاستفادة منها.

أيضا تستطيع الفتاة الإسهام في المجالات التالية :

المجال‎ الثقافي ، مجال السلامة والطوارئ ، الطاقة  ، المجال الاقتصادي ، المجالات الإنسانية ، المشاركة في الأسابيع النوعية والأيام العالمية.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا في مداخلته حول قضية (الخدمة الوطنية الإلزامية): أجد أن العالم كله يلجأ لهذا النوع من الخدمة في اطاره العسكري وبخاصة الدول التي تجد نفسها بحاجة لأعمال لوجستية كثيرة تتعلق بالجيش…

الذهاب بهذه الخدمة للأعمال التطوعية هو ممارسة اجتماعية وهذه الممارسة لن يكون مسؤولا عنها الجيش ولا الأجهزة الأمنية وبالتالي كأن الأمر سيذهب لوزارة الشؤون الاجتماعية بحيث تربط الوظيفة في القطاع العام والخاص بإنجاز هذا الفرد أو ذاك لمهمة اجتماعية وفق معايير معينة …

وعلى هذا فإن هذه الخدمة التطوعية ستصبح الزامية وعادة ينبغي أن لا تجعل فردا يمارس عملا تطوعيا وهو ملزم لأنه لن يقوم به برضى ولا بكفاءة مقبولة …

وعلى هذا اعود للمربع الأول حيث بدا لي أنكم تختارون برامج التطوع اتساقا مع عدم قناعة المسؤول بالتدريب العسكري خوفا من عسكرة المجتمع ..!!

نحن نحتاج أن نسأل أنفسنا بشيء من الصراحة والوضوح ..

هل يمكن أن يحتاج الجيش لأفراد يمثلون جيشا احتياطيا .. شخصيا أقول نعم ..

صحيح أن كثيرا من الحرب اليوم تتم عبر الطائرات والصواريخ لكن القوات البرية وسلاح المشاة هم من أهم الوسائل في المحافظة على جغرافية المملكة الواسعة .. وفي الاقتحام واختراق حواجز العدو …

نحن نحتاج أن يتلاشى الهاجس الأمني ليتقبل المسؤول فكرة التجنيد وإعداد كوادر وكفاءات احتياطية مهمة … يمكن استدعاؤها في أي وقت .. وهذا هو (الخدمة الوطنية الإلزامية ).

وعقب د. الرديعان بأنه عادة لا يتم الزج بمجندين جدد في الحروب البرية للاجتياح بحكم نقص تدريبهم الذي لا يتجاوز عادة سنتين… الذين يشاركون في مثل تلك الحروب هم من خضعوا للتدريب عدة سنوات ممن هم مسجلون كجنود نظاميين. ومع ذلك يفترض كما قال د. سعد أن لا نقصر الخدمة الالزامية على التجنيد وأن نوّسع المفهوم بحيث يشمل عدة أعمال.

وقال د. عبد الله بن صالح الحمود: إنه لمن حسن الطالع أن أتى عنوان هذه القضية باسم الخدمة الوطنية الإلزامية ، لأن المفهوم العام حين يذكر عبارة خدمة إلزامية فإن المقصد لذلك يتجه إلى الخدمة العسكرية وعلى وجه الخصوص خدمة التجنيد العسكري الإجباري.

صحيح أنه يندر وجود خدمة إلزامية غير العسكرية في العالم ، وذلك استنادا إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تحل في بعض البلدان .

وفي المملكة العربية السعودية لم يشرع تنظيم إلزامي للخدمة الوطنية سواء عسكريا أو مدنيا ، والتي قد ينتج منه ثقافة تطوعيه ينبثق منها العديد من الخدمات دعما ومؤازرة إنسانيا واجتماعيا.

وبعد أن أصبح العالم يعيش متغيرات اجتماعية واقتصادية ، متعددة الأوجه والمضامين ، إضافة إلى ما حدث ويحدث من تقلبات جغرافية وسياسية ، بات الأمر في هذا الزمان وجوب توافر تدابير ذات طابع إصلاحي يصب في الصالح  الاجتماعي تعزيزا وكفاءة له.

إن مسألة الخدمة الوطنية سواء كانت إلزامية أو اختيارية لاشك أنها ذات مفاهيم ودلائل متعددة ، والهدف الأسمى لها هو معرفة وتقنين المخرجات التي يرجى أن تنبثق منها خدمة وطنية مبتغاة .

وهنا لعلي اقول أن الخروج بمفهوم جديد وبمخرجات يؤمل منها تثقيف المواطن نحو بناء ثقة بالنفس تجعل منه قادر لخدمة دينه ووطنه ، فإن الأمر يتطلب إعداد برنامج ذو منظومة متكاملة ، قد يتضمن ذلك ما هو إلزامي وما هو اختياري ، وهنا وحتى نكون عمليين نحو تشريع يخدم المصلحة العامة ويأتي بدور مؤسسي ، فإن الأمر يستوجب أن يؤسس لتوجه كهذا منظمة مستقلة  تختص في تطبيق التشريعات التي من خلالها نصل إلى تحقيق ما نصبو إلية لخدمة الوطن في مجالات متعددة.

ومن هذا المنطلق اقترح أن يؤسس لذلك هيئة وطنية يعطى لها اسم ( الهيئة العامة للخدمات الوطنية ) ، وأن يتأتى لها تنظيم بضوابط تحقق الأهداف المرجوة من إنشائها.

ومن هذا المنطلق فإنني أرى وجوب شمولية في الدور المفترض أن يتحقق من هذه الهيئة وذلك بما يلي :

  • أولا : الخدمة الاجتماعية

إن الخدمات الاجتماعية ذات مفهوم واسع ، والحاجة لذلك ملحة على الدوام ، وهنا يتوجب أن تقوم هذه الهيئة المقترح إنشائها وبعد الإعلان عن برامجها في هذا الاتجاه ، أن تعقد دورات تدريبية للمقبلين على تقديم الخدمة الاجتماعية التطوعية للمجتمع، ويشمل ذلك زيارات دورية شبه عائلية لمراكز المسنين ، وذوي الاحتياجات الخاصة المقيمين في مراكز التأهيل الاجتماعي.

والهدف من ذلك تعزيز الألفة والمحبة لفئة شاءت الأقدار أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من ظروف اجتماعية افقدتهم صلات اجتماعية كغيرهم .

  • ثانيا : الخدمات البلدية

وهذه الخدمة تنم بطبيعة أعمالها إلى الاهتمام بصحة البيئة ، والدور المفترض الإتيان به من لدن الشباب والفتيات وهو المشاركة نحو الوصول إلى بيئة جغرافية تسهم في النهوض بالمجال البلدي ، ويشمل ذلك ما هو قائم الآن وبشكل دوري لأسابيع النظافة والشجرة ، وإلى العديد من الخدمات البلدية الممكن للمتطوع المشاركة فيها ، لإظهار الشأن البلدي بمظهر مشرف .

  • ثالثا : الخدمة الأمنية

الخدمات الأمنية والتي كانت في السابق تختص فيها بعض الدول نحو تطبيق ما يسمى بالتجنيد العسكري الإجباري .

ولكن مع المتغيرات الاجتماعية والديموغرافية ، باتت الحاجة إلى وجوب اكتساب مهارات أمنية أخرى لدى مواطني أي دولة ، بخلاف التأهيل العسكري المختص بالشأن الدفاعي.

فهناك حاجة ملحة وقائمة على الدوام فيما يتعلق بتدريب المواطن على الدفاع المدني ، وهنا لابد أن يكون ضمن برامج الهيئة المقترحة عقد دورات تدريبية بالتعاون مع المديرية العامة للدفاع المدني ، لتأهيل المتطوع بمناشط الدفاع المدني عامة ، من إطفاء للحرائق وعمليات الإنقاذ أثناء هطول الأمطار ووقوع  الزلازل .

كما أن التدريب على الأمن المروري يعد احتياج آخر في مجال التطوع ، فتنشئ أحيانا اختناقات مرورية في ظل غياب أمن مروري وبالتالي تأهيل المتطوع في ذلك يعد إسهام أمني آخر للوطن .

وأخيرا أرى أنه في حال إنشاء مثل هذه الهيئة سوف يتاح للجميع المشاركة الوطنية في كافة مناحي الحياة ، وأعتقد أن توجه كهذا يزرع الثقة العامة لدى المواطن إدراكا بما تملي عليه مسؤولياته الوطنية ، فضلا عن اكتساب سلوكيات تكون أنموذجا لأجيال قادمة.

وعلق د. خالد الرديعان على الطرح ألأخير بقوله: سبق طرح موضوع الخدمة الالزامية لكي تبدأ من المدارس فهذا قابل للتنفيذ ويعد عاملا لتعزيز الانتماء والوطنية عند الناشئة وأن يتم رفع تصور لوزارة التعليم لتنفيذه بحيث يكون التصور بسيط وعملي كأن يخصص مدة ساعة في الأسبوع لكل طالب أو مجموعة من الطلاب للقيام بعمل يخدم المجتمع ويخصص لذلك درجات… وقد يكون ذلك بديلا مناسبا وتطبيقيا لمادة التربية الوطنية التي لم تعد مفيدة.

وقد يشمل ذلك:

  • نظافة المدرسة وحماية مرافقها.
  • العناية بمساجد الحي.
  • تشجير الحي.
  • تنظيف حدائق الحي.
  • برامج توعوية لسكان الحي يقوم بها الطلاب.
  • حملات لمسح الكتابات على الجدران.
  • دهن الأرصفة .
  • حملات للتوعية بضرر التفحيط يقوم بها الطلاب.
  • حملات لحماية الممتلكات العامة.
  • حملات لتبيان أضرار التدخين والمخدرات.

أما الأحياء الفقيرة فيمكن للطلاب القيام بأعمال إضافية أخرى غير ما ذكر كجمع مبالغ صغيرة وتقديمها لبعض السكان.

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود أن اقتراحه هو أن تتأتى المناشط الاجتماعية سواء أتت تطوعية أو إلزاميا من خلال عمل مؤسسي يعطي من نتائج مخرجات هذا التنظيم أداء أكثر انضباطا ، وأطول ديمومة.

ومسألة قيام الأعمال التطوعية في المدارس أو المساجد أو الأسواق أو في الأحياء عامة ، حينما تخرج فعالياتها من خلال تنظيم مؤسسي فهو يضمن لنا الديمومة أيضا ويسهل الإشراف. ولهذا فالرأي أن يؤسس عندنا هيئة تختص في خدمة هذه الجوانب عامة.

وعقب د. مساعد المحيا بأن فكرة المناشط في المدارس تعني تفعيل الانشطة الللاصفية وهذا شيء مختلف عن الخدمة الإلزامية؛ فالخدمة الالزامية تكون بعد إتمام الدراسة الجامعية أو ما دونها بحيث تكون هي أحد معايير القبول في أي عمل وظيفي عام أو خاص …

الخدمة الالزامية تحتاج تدريب وتأهيل ؛ لدا ينبغي أن لا تصرف عن مؤسسة الجيش أو المؤسسة الأمنية بما فيها الدفاع المدني، وما سوى ذلك فهي أنشطة مجتمعية دون مفهوم الخدمة الالزامية .

ومن جديد أوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن الأهم في ظنه هو التركيز على أمرين الخدمة الوطنية الإلزامية ، وقد تكون عسكرية أو مدنية لسد احتياجات معينه ، والخدمة الوطنية الاختيارية، والتي تصب في الخدمة الاجتماعية عامة.

المحور الخامس

النقل العام

إلي أعلي
الورقة الرئيسة: د. حاتم المرزوقي

يعد النقل بكافة قطاعاته وأنماطه أحد أهم الركائز في تشكيل البنية التحتية لبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في معظم دول العالم. فهو إحدى الأدوات التي تجعل المدن أعلى كفاءة وأكثر تنافسية في جاذبية الاستثمار وفي رفع مستوى المعيشة للسكان. يشمل النقل عدة أنماط (البري، البحري، الجوي)، ويشمل في تنوعه المكاني النقل المحلي والدولي، وفي أغراضه يشمل النقل البلدي والتجاري والسياحي، وفي ملكيته يشمل النقل العام والخاص. هذه الورقة محدودة بالنقل المحلي (داخل وبين المدن) وستحاول مناقشة عدة أنماط من وسائل النقل وبخاصة النقل العام.

تواجه المدن عدة تحديات في النقل، من ضمنها الاختناقات المرورية، والتلوث البيئي والتكلفة الاقتصادية للخدمة، والأمن والسلامة.

وقد واجهت هذه المدن تحديات النقل بعدة وسائل وأنماط ومن بينها انشائية (شبكات النقل العام)، أو إجرائية (الأنظمة والتشريعات).

وقد واجهت المملكة مؤخراً ما واجهته كثير من الدول من تحديات في النقل وخاصة بعد تمدد المدن والزيادة السكانية والهجرة من القرى إلى المدن الكبرى، وبالإضافة إلى ذلك تواجه المملكة تحديات خاصة متعلقة باحتياجات الأسرة في الاعتماد على سائقين ذكور للوفاء بمتطلباتها، وارتفاع أعداد العمالة الوافدة، وتحديات النقل المدني (التعليمي (١) والوظيفي) . وسوف تناقش الورقة موضوع النقل العام وفق المحاور التالية:

النقل البري (الخاص والعام)

النقل البري بشقيه الخاص والعام في المملكة يمكن مناقشته من وجهتين انشائية واجرائية. فمن الناحية الإنشائية تحظي المملكة بشبكة جيدة من الطرق السريعة تربط مدن المملكة، وبشبكات طرق داخل المدن. وفي ظل عدم توفر وسائل للنقل العام داخل المدن سواء حافلات أو قطارات، ومحدودية وسائل النقل العام بين المدن، فيستخدم النقل الخاص في الانتقال بين المدن وداخلها بصورة رئيسية، أدى هذا كله إلى تفاقم مشاكل الاختناقات المرورية (٢)، وما يستتبعه من ارتفاع في نسب الحوادث والوفيات (٣)، وارتفاع معدلات تلوث البيئة، والتكلفة الاقتصادية المرتفعة للنقل الخاص والنقل التجاري الذي يعتمد بدوره على النقل البري للبضائع والحمولات الثقيلة. إضافة إلى ذلك تواجه شبكة الطرق الضخمة تحديا من حيث ارتفاع تكلفة صيانتها وتطويرها ورفع مستوى أدائها وكفاءتها. أما من الناحية الإجرائية فقد بذلت وزارة النقل جهودا كبيرة في مجال الإنشاءات ولم يواكب هذا النشاط الإنشائي نشاطا اجرائيا منظماً لقطاع النقل. ومنها تطوير المنظومة التشريعية والتنظيمية لتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار في مجال النقل، والمحافظة على البيئة، والإجراءات التنظيمية لتكثيف وسائل الأمن والسلامة (إجراءات الترخيص للسائقين والمركبات، ضوابط صيانة شبكات الطرق، تطبيق أنظمة المخالفات المرورية للحد من الحوادث، تنظيم سيارات الأجرة والحافلات الخ).

النقل الجوي

بالإضافة إلى النقل البري (الخاص والعام)، وفي ظل عدم توفر شبكات للنقل العام وبخاصة القطارات بين المدن، ومحدودية النقل بالحافلات، بات يُستخدم النقل الجوي للانتقال بين المدن من أطراف المملكة إلى وسطها ومن أطرافها إلى أطرافها. ويظل النقل الجوي، بالإضافة إلى التكلفة الاقتصادية المرتفعة، وسيلة نقل محدودة وتخدم فئة معينة من المجتمع، ولاعتبارات التكلفة الاقتصادية لا تخدم هذه الوسيلة النقل التجاري والحمولات الضخمة بين أطراف المملكة، فيستمر الضغط على الطرق البرية. ومن جهة أخرى أدى التزام الدولة بالنقل الجوي إلى اشغال المؤسسة العامة للخطوط السعودية بمهمة النقل المحلي المكلف اقتصاديا على حساب تفرغها للنقل الدولي المجدي اقتصاديا في منافستها على حصة من الطيران الدولي.

النقل البحري

النقل البحري بين المدن الساحلية هو إحدى وسائل النقل العام التي يتطلب الاستثمار فيها لانخفاض تكلفتها الاقتصادية وعدم الحاجة إلى انشاءات بنى تحتية ضخمة. وهو من الوسائل التي لم يتم الاستفادة منها حتى الآن في المملكة.

التوصيات

  • انشاء منظومة كاملة ومتكاملة لجميع أنماط النقل العام بين المدن وداخلها، بما يساهم في تحقيق الأهداف التنموية للدولة.
  • تطوير المنظومة التشريعية للنقل في المملكة بما يحقق التهيئة للاستثمار في مجال النقل، وتكثيف وسائل الأمن والسلامة والمحافظة على البيئة، وتطوير السلوك العام في القيادة.
  • توظيف أنظمة النقل الذكية.
  • انشاء مركز وطني لأبحاث النقل (بالتعاون مع مراكز الأبحاث الاجتماعية).
  • البحث في بدائل تمويل مشاريع النقل العام بما يخفف الضغط على المال العام ويدعم مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ وتشغيل مشاريع النقل العام.
  • تطوير الصناعات المتعلقة بالنقل العام بجميع أنماطها وبخاصة أنظمة النقل بالقطارات.

الهوامش

(١) يوجد في مدن المملكة أكثر من 4 ملايين طالب وطالبة في حين أن الخدمة الحالية لنقل الطلاب لا تغطي إلا نحو 25% من الطلب.

(٢) حجم الحركة المرورية ضعف سعة الطرق؛ مما أدى إلى انخفاض متوسط السرعة لبعض المدن من 52 إلى 20 كلم/ساعة.

(٣) بلغ معدل الوفيات في حوادث الطرق في السعودية 17 شخصاً يومياً، بما يعادل شخص كل 40 دقيقة، كما بلغ عدد المصابين أكثر من 68 ألفاً سنويًّا، وزادت الخسائر المادية على 13 مليار ريال في السنة.

التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف

أبدأ بسرد معوقات النقل العام بشقيه داخل المدن وبين المدن.

النقل العام داخل المدن

المعوقات:

  • الازدحام المزمن على بعض الطرق (الشرايين) ومن أسبابه الرئيسة قصور في التخطيط المبدئي للطرق والشوارع لفترات تعتبر قصيرة جداً في تخطيط المدن – كعشرة أو خمس عشرة سنة عوضاً عن ثلاثين إلى خمسين سنة وذلك مرجعه إلى غياب البيانات الإحصائية لدينا أو ضعف هذه الإحصائيات في غياب الرقيب الكمي لهذه الإحصائيات .
  • الفوضى العارمة التي تطغى على المشهد ولا سيما في التنقل أوقات الذروة لسببين : الأول اختلاف ثقافات بل انعدامها في أكثر الأحيان لكثرة جنسيات السائقين (سواقة المرأة لقضاء حاجياتها بنفسها ستفي بحل هذه المشكلة إلى حد كبير) ، وثانياً الغياب الواضح لجهاز المرور وعجزه المزمن عن ضبط الحركة المرورية !
  • عدم توافر بدائل أخرى للنقل العام
  • عدم الدقة في أوقات الرحلات يضعف الرغبة في الاعتماد على وسيلة النقل العام داخل المدن ويشجع على زيادة الازدحام لكثرة استخدام المركبة من أعداد كثيرة في المجتمع!
  • غياب التشريعات التي تحث على التقنين في استيراد المركبات أدى إلى ازدياد مطرد في عدد المركبات داخل المدن مما أدى إلى ارباك عام لمنظومة النقل العام وازدياد الازدحام.
  • أضف إلى ذلك تسارع وتيرة الأعمال الانشائية والبناء لمرافق الطرق في وقت واحد يزيد من التكلفة العامة للمشاريع ويساهم بشكل ملحوظ جداً على درجة الازدحام.

النقل بين المدن (تكاد تكون نفس المعوقات كالنقل داخل المدن).

فَلَو أخذنا مثال على الطرق السريعة لأي من المدن الرئيسية لوجدنا الطريق مكتظ بالحافلات وناقلات السيارات والمركبات الصغيرة على حد سواء!!

فلا توجد شبكة طرق برية مستقلة ومخصصة للشاحنات الثقيلة فقط!! وهذا يشكل خطراً ثنائي على المسافرين :

  • الأول هو تصميم المسار الأيمن (الحارة اليمنى) والتي تخصص عادة للحافلات الثقيلة لا تختلف في مواصفاتها الهندسية عن بقية الحارات مما يسرّع في نهاية العمر الافتراضي للطريق مما ينتج عنه تحول الحافلات عنه ونبذ استخدامه ومضايقة باقي المستخدمين والتسبب بالحوادث الشنيعة!

ومن مفهوم “قصورنا الطبيعي في ادراك أهمية السلامة الجسدية للمواطن خارج إطار الأمن العام ” !!  الفشل الذريع لجهاز المرور في حماية المواطنين والمقيمين في القيام بدوره في حفظ الأرواح والممتلكات!

  • غياب المراقبة المرورية على الطرق السريعة مما يسبب فوضى من مشغلي الحافلات الثقيلة واستخدامها لكل المسارات وبالتالي التعجيل في تلفيات الحارة.

كذلك، أضيف إلى قائمة معوقات النقل العام في المملكة بعض الأمور التي أغفلها د. حاتم لطبيعة الاختصاص:

  • الهندسة السليمة للطرق السريعة والتي تربط بين المدن مغيبة تماماً والطرق الحالية لا ترقى إلى مستوى السلامة الأدنى والمطلوب للحفاظ على حياة المسافر!!
  • الادارة السيئة لمؤسسة الخطوط الجوية على مدى عقود وجمودها وعدم استغلالها لفرص التوسع في مواكبة ازدياد الكثافة السكانية للمملكة وزيادة الطلب هي المسؤولة وحدها عن عدم تطوير منظومة النقل الجوي بين المدن بدرجة تخفف الازدحام الذي بعاني منه المسافر والأضرار الناتجة عن استخدام وسائل النقل المحدودة الأخرى !
  • كذلك أضيف إلى ما ذكره د. حاتم عن النقل البري وانعدام السكك الحديدية ما عدا سكة الرياض الدمام بأن ذلك سبب آخر لكثافة الاستخدام في شبكة الطرق البرية بين المدن لاستغلالها في النقل التجاري والشاحنات الثقيلة يومياً في قصور ملحوظ لغياب الصيانة الدورية المطلوبة لجعلها آمنة دائماً !

التعقيب الثاني: أ. هيا السهلي

تكمن  أهمية قطاع النقل وصناعته في ارتباطه الوثيق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المستدامة ، وهو من أهم القطاعات التي تساهم بشكل فعال في نهضة أي بلد ، وفي السعودية يعتبر النقل الركيزة الحيوية التي تقوم عليها كافة المشاريع والاستثمارات في المملكة .

ومن أهم أهداف النقل الرئيسية هو تسهيل حركة الأفراد والبضائع وربط الخدمات الإدارية والتجارية بطريقة مضمونة وآمنة وأكثر فاعلية لتحقيق نقل حضري موسع يشمل جغرافية المملكة المترامية الأطراف.

ما بين طفرتين

لن تتحقق أهداف النقل أو نضمن استمرارية تحققها مالم تكتمل في السعودية منظومة نقل متكاملة وعصرية تشمل جميع أنماط النقل وتستحث المجتمع في تبديل سلوكياتهم وأنماطهم التي مارسوها منذ الطفرة الاقتصادية الأولى !

وما بين الطفرة الأولى والثانية مرت مدن المملكة وتحديدا الرياض وجدة بنمو يعتبر الأسرع عالميا.

والدراسات الإحصائية تشير إلى أنه بحلول عام 2030 سيزداد سكان الرياض إلى 8 ملايين بالإضافة إلى خمس مدن سعودية يزيد عدد سكان كل منها على مليون نسمة فضلا على أن عددا من المدن تشهد توسعا سريعا في الحجم.

هذا النمو والتمدد العمراني ومع ارتفاع الدخل أدى إلى زيادة في عدد السيارات المملوكة للأسرة السعودية الواحدة  ، كما ساهم تدني كلفة البنزين وانعدام منظومة النقل لامتلاك  أكثر من 60٪ من العمالة في السعودية للسيارات ، ويقدر نمو المعدل الوسطي  لمبيعات السيارات سنويا  حوالي 12٪ .

في السنين الأخيرة بدا واضحا أننا شارفنا على أزمة نقل خاصة داخل المدن الكبيرة -الرياض، جدة ، الدمام – وبين المدن على أثر ذلك أعدت وزارة النقل استراتيجية وطنية   للنقل وتطوير قطاعه وصدرت موافقة مجلس الوزراء على هذه الاستراتيجية و تم إعداد دليل متكامل للتخطيط الشامل لقطاع النقل في المملكة يكفل تحديد الوسائل والآليات اللازمة لعملية التخطيط الشامل وتحديد الجهات المعنية بذلك وصياغة الأنظمة والتشريعات لمشروع تخطيط متكامل وإعداد.

تحديات

التحديات التي تواجه قطاع النقل في السعودية كما أشار إليها د. حاتم تتمحور في (إنشائية وإجرائية)

والحكومة السعودية واجهت التحديات الإنشائية بتوسيع شبكات الطرق التي تربط بين مدن المملكة وداخلها وفي القرى غير أن هذه الشبكات تشكل حلول استراتيجية مكلفة وقد تولد آثار جانبية تدخلنا في شبكة نقل مقفلة !

والخبرات العالمية اثبتت قصورها فضلا أن توسعة الطرق في السعودية كثيرا ما تدخلنا تبعات مالية ترهق ميزانية النقل كنزع الملكيات!

بالإضافة إلى التوسع في شبكات الطرق يرافقه زيادة في عدد الرحلات وحدوث ظاهرتان مروريتان ((تولد الرحلات الإضافية، وتولد الرحلات المكبوتة )) مما يعيدنا لنفس مشاكلنا من اختناقات مرورية وهدر مالي ضخم سواء على المستوى الحكومي بإنشاء وصيانة الطرق ،و دعم الوقود وعدم الاستفادة من تصديره كأهم سلعة وطنية ، أو على مستوى المجتمع في شراء وسائل النقل وصيانتها .

الاستثمار الناجح

إذاً ما عاد  الإنفاق الضخم على مشروعات الطرق خلال العقود الثلاثة الماضية هو الحل المفضل للمدن التي تسعى لتنمية مستدامة بل نحن بحاجة إلى الاستثمار في النقل العام مع الأخذ في الحسبان أن الجدوى الاقتصادية من توفير خدمات النقل العام (العائد المباشر والغير مباشر) يفوق تكلفة المشاريع المطلوب تنفيذه.

وحتى يساهم قطاع النقل في تحقيق خطته الاستراتيجية، لابد من إزالة العوائق المادية والقانونية والإدارية المكبلة للنمو الاقتصادي في قطاع النقل ونمو الاقتصادات ذات العلاقة به. وسن الأنظمة والتشريعات وتحديثها خاصة فيما تتعلق بالاستثمار في هذا القطاع وبما يحقق التكامل بين شبكات ووسائل النقل والإجراءات وتدابير السلامة المرورية .

استراتيجيات موازية

وحتى نضمن ألا تنعكس خطط ومشاريع النقل الوطني بشكل سلبي لابد أن يرافق هذه الاستراتيجية ثلاث استراتيجيات أخرى.

  • الأولى: استراتيجية للسلامة المرورية والصيانة الدورية والتشغيل الدائم ، والتي ستساهم في توطين الوظائف.
  • والثانية: استراتيجية تنظيم الطلب على التنقل وإدارة حركة السير والبيئة وتغيير أنماط الفرد في تنقله .
  • والثالثة: استراتيجية استخدام الأراضي وهي مهمة في دعم تنظيم التنقل .

التوصيات:

  • إعداد الاستراتيجيات الحديثة الأقل تكلفة وصيانة وذات العائد وإعادة دراسة الاستراتيجيات التقليدية في التوسع في شبكات الطرق والتنبؤ بتدفقاتها المستقبلية !
  • إنشاء مراكز بحثية في هندسة النقل والمرور وأخذ توصياتها بعين الاعتبار .
  • إنشاء معاهد متخصصة تخرج فنين ومتخصصين لصيانة وتشغيل النقل العام وتدريب الكوادر الفنية اللازمة .
  • دمج جميع الأدوات الضرورية والخدمات اللوجستية المساندة داخل شبكة النقل العام  التي تساهم في نجاحه وتفضيله على النقل الشخصي.
  • تطوير الأنظمة التقنية بشكل عام وتقنية البرمجيات وتطبيقات المواصلات والمرور التي ترتب إدارة التحكم و التدفقات المرورية.

المداخلات حول قضية: (النقل العام)

  • تشخيص واقع النقل العام في المملكة

أشار م. خالد العثمان إلى أن النقل العام هو أحد أكبر القطاعات التي تتأثر بخصوصية الطابع الاجتماعي للمجتمع السعودي بما يتسم به من صفات تشمل الجنوح للفردية والانعزال وتحاشي “الاختلاط” علاوة على حب التفاخر والفوقية والطبقية وحب التميز . نحن شهدنا جميعا بدايات باصات النقل الجماعي قبل أكثر من 30 سنة ، وبدأت فعلا في أداء دور فاعل في منظومة النقل في المدن التي عملت فيها . لكن تكاثر استعمال الباصات من قبل العمالة دفع كثيرا من فئات المجتمع إلى التعالي على استخدام هذه الوسيلة التي أصبحت بالتدريج وسيلة نقل للعمال ، وفقدت بالتالي جدواها الاقتصادية في منافسة باصات خط البلدة ، فلجأت شركة النقل الجماعي إلى التركيز على النقل بين المدن وإيقاف عملياتها داخل المدن . باصات النقل الجماعي تلك أيضا كرست الفصل العنصري بين الرجال والنساء ، حيث خصصت جزءا صغيرا في خلفية الباصات للنساء فقط . مثل هذه الممارسات إن استمرت وتكررت في مشاريع المترو والنقل العام التي يجري التخطيط لها وتنفيذ بعضها فهي ستقود إلى نفس النتيجة بإعلان فشل ذريع لهذه المنظومة . النقل العام للجميع بلا فصل ولا تمييز ، اللهم عدا التمييز القائم على القدرة الشرائية بأن تكون هناك مثلا درجات متفاوتة في مقصورات الركاب . أما الفصل بين الرجال والنساء ، أو التمييز بين فئات وأخرى فهو سيؤسس للفشل من البداية .

أيضاً فإن انخفاض أسعار الوقود هو أحد الأسباب الدافعة لتفضيل تملك واستخدام السيارات الخاصة والتقليل من الإقبال على استخدام وسائل النقل العام . وأضيف إلى ذلك أيضا أن تملك السيارة هو أحد وسائل التفاخر والمنظرة في المجتمع ، إلى درجة شيوع ظاهرة الاستدانة والتحامل على متطلبات الحياة الأخرى لتحقيق رغبة شراء سيارة أغلى وأكثر لفتا للأنظار ، وهو ما جعل تجارة البيع بالتقسيط تزدهر ازدهارا لافتا مقارنة بالمجتمعات الأخرى . وفي ظني أن إنجاح منظومة النقل العام يتطلب الكثير من الإجراءات الموازية التي تجعل تملك واستخدام السيارة الخاصة أكثر كلفة وعبئا على مالكها ، وتجعل استخدام وسائل النقل العام بديلا أكثر جدوى وعملية . من تلك الإجراءات مثلا رفع أسعار الوقود ، وفرض الرسوم على استخدام الطرق بحسب درجة الازدحام ، وفرض الرسوم على مواقف السيارات ، ورفع نسبة الجمارك على السيارات بحسب درجة الرفاهية والفخامة ، وتصميم برامج تشجيعية لمنسوبي الشركات والجهات الحكومية لتحفيزهم على استخدام وسائل النقل العام وربط ذلك بالعوائد الوظيفية والمنح وغير ذلك.

الأمر الآخر هو قدرة الجهات التشغيلية على إحكام الرقابة والتحكم في مستويات النظافة والصيانة وممارسات الركاب وتصرفاتهم المتوقعة نتيجة عدم تعودهم على متطلبات احترام حقوق الآخرين في وسائل النقل العام . أولئك الذين لا يتورعون عن التدخين وتناول الأطعمة والمشروبات والالتزام بمعايير النظافة الشخصية وغير ذلك سيكونون عوامل طاردة ومنفرة من استخدام وسائل النقل الجماعي إن لم يتم منعهم بحزم .

وفي ضوء الإشارة إلى النقل العام وثقافة المجتمع وأننا شكلنا ثقافة خاصة بنا من سماتها العزلة وإفراطنا بالخصوصية العائلية فيما يتعلق باستخدام وسائل النقل عموما، تطرق د. خالد الرديعان إلى الملاحظات التالية:

  • نحن مثلا نستخدم سياراتنا الخاصة وتركنا النقل العام للعمال حماية للخصوصية العائلية وتعاليا على غيرنا من الوافدين. معظم ركاب باصات النقل الجماعي (سابتكو) هم من الوافدين.
  • نحن مثلا نسبب ارباك لموظفي خطوط الطيران عندما نود الجلوس في الطائرة وضرورة الفصل بين الجنسين وعدم جلوس أفراد الأسرة في مقاعد متفرقة.. أعتقد أن نصف وقت المضيفين قبل الاقلاع يمضونه في معالجة هذه المشكلة التي قل أن نجدها في مجتمع آخر.
  • ملابسنا ( الثوب والبشت والعباية والغترة الخ) ليست مما يساعد على ركوب النقل العام كالقطارات وغيرها.. هذه ليست دعوة لخلع الملابس لكن أن نخرج بتصاميم عملية لبعض ملابسنا المعيقة للحركة. كثيرا ما نشاهد بشت نسائي يلوح والسيارة تسير وكأنه علم دولة افريقية مات زعيمها للتو.
  • قد نتردد في إركاب بعض الناس بسياراتنا ممن نراهم على الطريق في وضع مأمون يسمح بنقلهم وغالبا تعاليا عليهم، مع أن في ذلك أجر عظيم إن تحدثنا إسلاميا.
  • قد نستعير سيارات بعض (صديق يستعير سيارة صديقه الخ) وهي ظاهرة نادرة في المجتمعات الأخرى.
  • التجول في السيارة حتى وإن كنا نذهب إلى لا مكان هي ظاهرة شبابية سعودية بامتياز رغم سلبيات هذه الظاهرة.
  • نحن نُجلس النساء في المقاعد الخلفية والرجال في المقاعد الأمامية. ينطبق ذلك لدى البعض على الأم والزوجة والأخوات الخ.
  • للروس ثقافة القطارات وللإنجليز ثقافة الباصات ولنا ثقافتنا التي عرضت أعلاه بعض سماتها.

وفي الإطار ذاته قال أ. سمير خميس: النقل البري.. اللغز التنموي الفادح؛ فمنذ ثلاثة أشهر وصلت مع زوجتي إلى مدينة ليدز في بريطانيا ..

  • لم أضطر لشراء سيارة لأن منظومة النقل العام تكفيني وزوجتي وزيادة..
  • شبكة القطارات والحافلات تجولت بي ما بين شمال بريطانيا وجنوبها وبأثمان معقولة إلى مرتفعة..
  • بالنسبة للقطارات ألحظ أن هناك خطوطاً مخصصة للنقل الثقيل ومزودة بعربات خاصة لها..
  • طبعاً البريطانيين يدفعون ضريبة عالية لهكذا خدمات رغم ارتفاع أسعارها بشكل عام..
  • حتى هذه اللحظة أسأل نفسي: لماذا هذه العداوة المفترضة بين وزارة النقل والقطارات؟

وأوضح م. خالد العثمان أن مشروع الجسر البري يربط بين الرياض وجدة ويكمل الاتصال من الدمام إلى الجبيل .. المشكلة أنه الآن يواجه مشكلة تمويل والأغلب أن تعود وزارة المالية إلى فكرة طرحه للاستثمار مرة أخرى، أما قطار الحرمين فقد قارب الانجاز ويتوقع أن يدخل التشغيل التجريبي يناير المقبل.

ومن جانبه قال د. سعد الشهراني في مداخلته حول النقل العام: لن أتحدث عن النقل الجوي فهو لا يعاني إلا من تسلط السعودية و ناس و سوء الإدارة أما البنية الأساسية في المطارات فلا بأس بها و لا عن النقل البحري فاستخداماته خارجية و لا تهم المواطن كصيرا والمواني لا بأس بها. فالحديث هو عن النقل البري.

من الواضح أننا تأخرنا كثيرا جدا في تأسيس بنية أساسية متكاملة للنقل البري العام داخل و بين المدن

أولا  – النقل داخل المدن :

يتركز أحد أهم جوانب المشكلة في الخلل الكبير في تخطيط مدننا التي تخلو جميعها تقريبا من متطلبات النقل بالقطارات و بالحافلات حتى وصلت مدننا إلى النقطة التي أصبحت فيها تكاليف مشاريع النقل العام عالية جدا و بمبالغ خيالية مخيفة.

ليست المدن الثلاث الكبرى فقط  بل حتى كثير من المدن الأخرى أصبحت أحياؤها و طرقها مستحيلة على إعادة التخطيط لتستوعب متطلبات وسائل النقل الحديثة إلا بتكاليف باهظة جدا لنزع الملكيات و تأسيس بنية أساسية للنقل العام تتصف بالأمان و بالكفاءة و الفاعلية و القبول العام .

قاتل الله تزاوج الفساد و الإدارة العامة المتخلفة (و كلاهما يغذي الآخر و ناتج عن تغليب المصالح الخاصة للقلة على المصالح العامة على مدى العقود الخمسة الماضية)..

مدننا أصبحت مشوهة و ملوثة (و نحن دولة غير صناعية) بهذا الزواج غير المقدس .

ثانيا – النقل بين المناطق والمدن:

طرقنا البرية لا بأس بها و طاقتها تتحمل نقلا عاما بالحافلات أكثر بكثير من الواقع الحالي ، فقط نحتاج إلى شركات نقل متعددة و تنافسية و ربما نشاط مقنن و مراقب للأفراد ، علما أن  نشاط الأفراد في النقل العام داخل المدن و بين المدن كان من أهم و أول مصادر الدخل لكثير من الأفراد منذ دخول السيارات بل كانت لهم مكانة اجتماعية مميزة .

محطاتنا و الخدمات على هذه الطرق بدأت تتحسن و إن كان التحسن لا يلامس و لا يقترب مما يجب أن يكون عليه و لكن ربما أننا بدانا الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل.

القصور الحقيقي في النقل بين المناطق و المدن هو في عدم وجود منظومة قطارات لنقل المسافرين و المواد و المنتجات و السيارات بين المناطق و المدن .

كم هو جميل أن يكون هناك خط رديف لكل طريق رئيس للسيارات يمر بالمناطق المأهولة بالسكان و نحن نعرف أن التركز السكاني يكاد يكون في خطوط  مستطيلة .

لو تقرر ذلك فنعوذ بالله من الفساد و جني القمقم الذي سيخرج صكوكا لملكية هذه الامتدادات لنهب المال العام مثل ما حصل لكثير من خطوط الطرق و  خطوط الأنابيب في الفترة السابقة .

هذه التشوهات الإدارية و المدنية أنتجت السلوك الاجتماعي الذي تم الإشارة لبعض منه، فأصبحنا مسكونين رغما عنا بعقلية السيارة و تغلغلها في مفاصل حياتنا و أهلكت الحرث و النسل إن جاز التعبير و لوثت مدننا و سلوكياتنا.

وقال د. زياد الدريس في هذا الصدد: إن قضية (النقل العام) ليست قضية تكميلية كما كنّا نعدّها في سنوات مضت، ونسميها (خدمات).

مع انبعاج المدن الحديثة تحوّل النقل العام من مصاف الخدمات إلى الحاجات، ولا أبالغ إذا قلت بأنه يكاد يصطفّ الآن جنباً إلى جنب الضروريات: الأمن والصحة والتعليم.

إذ لا يمكن توفير الخدمات الصحية لكل مواطن من دون نقل عام، ولا يمكن تعميم التعليم للجميع من دون نقل عام.

وسأكتفي لتبيان المقارنة بخاطرة سبق لي كتابتها عن مدينة باريس، “… وبضدّها تتميز الأشياءُ “!

فضلاً، ركّزوا في الخاطرة على ما يمس قضية النقل العام، وتجاوزوا الغزل المدائني (!):

تُعدّ باريس إحدى أجمل مدن العالم.

عشّاق باريس لا يكتفون بهذا الغزل المتحفظ، فهم يجاهرون في عشقهم المتناهي لباريس بالقول: إنها أجمل مدن العالم.

ما هو معيار الجمال عند تصنيف المدن؟

هل هو الإطار المعماري أم نوعية الطقس أم تعامل الناس أم توافر الخدمات، أم هو كل ذلك؟!

ستكون الإجابة الأسهل حتماَ هي الأخيرة لأنها تقدم حلاَ توافقياَ للخروج من مأزق التفضيل بين العناصر الأربعة الرئيسة، وباريس بالذات مؤهلة وجديرة بهذا الحل التوافقي.

لن أتحدث عن الإطار المعماري الفاخر لباريس الذي يجمع بين الكلاسيكية والحداثة في تناسق مذهل، ولا عن نوعية الطقس الذي إذا أمطر بلّل الرؤوس وإذا أشمس أنعش النفوس، ولا عن تعامل الفرنسيين المثير للجدل بين أنفة الارستقراطية وشوائب العنصرية.

سأتحدث عن توافر الخدمات، التي يمكن لأي مدينة في العالم أن تستجلبها، فهي ليست معماراَ تاريخياَ وثقافياَ تراكمياَ لا يمكن تخليقه، كما أنها ليست طقساَ ربانياَ ليس للبشر يدٌ فيه، أما طبائع الفرنسيين فميزة غير متفق عليها لحسن الحظ!

في مدينة باريس يوجد: مطاران دوليان و 6 محطات قطار داخلي ودولي و300 محطة مترو و 1000 باص و 15 ألف سيارة تاكسي.

وفي صباح أحد أيام عام 2007 استيقظنا فوجدنا، هكذا من دون سابق إعلان وإعلام، وسيلة نقل جديدة لأهالي باريس هي الدراجات الهوائية العمومية، بدأت بمحطات معدودة حتى وصلت اليوم إلى 1451 محطة فيها 20 ألف دراجة يتناوب عليها الناس في مشاويرهم اليومية.

ثم استيقظنا في يوم آخر من عام 2011، من دون سابق إعلان أو ملاحق إعلامية !، فوجدنا 3000 سيارة إلكترونية عمومية يتم تشغيلها وإعادة شحنها من محطات مخصصة لذلك، يزداد انتشارها يوماَ بعد آخر، لخدمة 12 مليون ساكن في باريس وضواحيها.

يجدر التنويه أن باريس ليست مدينة أفلاطونية تخلو من الكوارث الطبيعية أو الأزمات المالية أو الحروب، فهي بعد أن تعافت من حرب المئة عام مع مملكة بريطانيا عام 1453 ثم من أعراض الثورة الفرنسية عام 1789 سقطت في أتون الحرب العالمية الأولى عام 1918، ثم لم تكد تتعافى حتى جاءها من يريد أن يهدمها ويقلبها رأساَ على عقب في أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم أربكتها الثورة الطالبية عام 1968. لكنها في كل مرة كانت تتعافى من جديد لتبني من جديد وسيلة رفاهية جديدة لأهلها الذين ضحوا من أجلها حين مرضت!

إذاَ فمدينة باريس تمرّ بمصائب كما تمر بها المدن الأخرى، لكنها تسرع في التعافي منها فيما المدن الأخرى تطيل الأنين والتأوه من آلام المصيبة حتى يحين موعد المصيبة الأخرى!

كما أن سكان باريس ليسوا كلهم متحضرين ففيهم الهمج وقليلو التعليم، كما أنهم ليسوا كلهم أصليين ففيهم المهاجرون والمتسللون والزائرون.

الفارق بين باريس وبعض المدن العربية الأخرى، أن باريس تصنع الإنجاز أولاً ثم تُعلن عنه في الإعلام إذا دعت الحاجة، الآخرون يعلنون عن الإنجاز في الإعلام أولاَ ثم يصنعونه إذا دعت الحاجة !

وذكرت أ. ليلى الشهراني أن أحدى كبيرات السن تتحدث عن وسائل النقل قبل ما يقارب ٤٠ عاما ، وكيف كانت تقضي شئونها الخاصة مثل : مواعيد المستشفيات أو التسوق بل حتى حضور بعض المناسبات من حي إلى حي آخر بعيد .

وزوجها عاش وتوفي رحمه الله وهو لا يقود السيارة ، كانت معظم تنقلاتهم بباصات النقل الجماعي .

لو كان هناك تخطيط جيد للمستقبل لصنعنا في هذه الأربعين عاما شبكات نقل عامة تغطي حاجة مدننا الصغيرة والكبيرة ، القرية قبل المدينة ! وكنا اليوم نتناقش في آليات تطويرها ومواكبة الجديد منها بدلا من البدء من حيث انتهى الآخرون .

لكن أن تصل متأخرا خير من أن لا تصل ، وما نراه اليوم هو خطوات مبشرة وإن كانت تمشي الهوينا .

باصات نقل المصلين لمنطقة الحرم المدني خففت على سكان المدينة المنورة وزوارها الكثير من المعاناة خصوصا في أوقات المواسم ، التي تزدحم فيها المواقف السفلية للحرم أو عند إيقاف السيارات الخاصة تكون بعيدة من الحرم مما تتسبب بالمعاناة لكبار السن أو الأطفال ، ومع انتشار محطات النقل في نقاط معينة أصبح من السهولة التنقل بها ذهابا وإيابا.

ماذا لو كنا نمتلك شبكة نقل حديثة مع وجود هذه الأماكن المقدسة لخففنا على الزوار والمصلين وأصبحت أكثر تنظيما ، خصوصا وأن شوارع هذه المدن تشهد ازدحاما مروريا خانقا في مواسم (رمضان والإجازات) .

قد يتطور الانسان إذا سارت به عجلة التنمية لأنه سيرى مشاهد جديدة وسيألف تجارب لم تكن بحسبانه فالإنسان بطبيعته مع الجديد ، لكن أن نقف مكاننا ثم نضع اللوم فقط على بدائية البعض أو اختلاف الثقافات ، فهذه قد تكون من المسببات الكثيرة التي عطلتنا وجعلتنا نأتي متأخرين عن مواكبة كل جديد.

وأوضح أ. خالد الحارثي أن هناك بعض النقاط المخالفة للقواعد والأنظمة التي تحكم التخطيط المتصل بالطرق والحركة في المدن .. ويتحمل عبئها البلدية والمرور في جرم مشترك ..

  • الانتهاكات في عدد المخارج والمداخل للطرق الدولية العابرة للمدن كطريق الملك فهد والدائري الشمالي .
  • سماح المرور للمركبات غير الصالحة للاستخدام الآمن في الطرق بالتجول في المدن.
  • سماح المرور لمركبات غير مرخصة بحمل دعايات أو معلومات عن خدمات دون إيقاف وإزالة.
  • تقصير المرور في السيطرة والضبط على سلوك قادة المركبات العامة من ليموزين إلى شاحنات كبري.
  • امتناع البلدية عن تخصيص مواقع توقف سيارات الأجرة في كل أرجاء المدينة.
  • مزاحمة الأجانب المخالفين وغير المرخصين للمواطن في مؤسسات النقل الخفيف والمتوسط والثقيل دون أي تدخل من المرور أو البلدية في حين تتفاقم بيئات الجريمة والاعتداءات على المواطن وأفراد أسرته.

وضرب أ. أسامة نقلي أحد الأمثلة الواقعية التي توضح مدى أهمية قضية النقل العام حيث قال: في طريق الملك فهد وعند خروجي من العمل في أحد الأيام القريبة، كانت هنالك سيارة شرطة، واضح أنها كانت في مهمة مستعجلة للغاية، حيث قام الشرطي باستخدام كل أنواع التنبيهات لغرض المرور في شارع مكتظ بالسيارات، إلا أن مهمته باءت بالفشل الذريع لأن الخطوط كانت مليئة بالسيارات وبما لا يسمح بإفساح الطريق له والذي كان في حكم المستحيل..

هذا الموقف استدعى إلى ذاكرتي مشهد خط الطوارئ في طرق الولايات المتحدة الذي لا يسمح بمرور السيارات فيه، وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لسيارات شرطة الدولة الرسمية، فكيف هو الحال بالنسبة للنقل العام.

خطوط المواصلات العامة ( الباصات تحديداً ) في مجمل الدول الأوروبية تكون محدده ومخصصة لضمان سير مواصلات النقل العام بكل انسيابية في شوارعها، وضمان حفاظها على مواعيد توقفها في محطاتها بالدقيقة.

وفي مداخلته حول قضية النقل العام، قال د. عبد الله بن صالح الحمود: بداية يمكنني القول كسؤال مباشر عن استخدام وسائل النقل العام ، هل هو اختيار أم اضطرار ..من هنا تكون البداية بعد تلقي إجابة لهذا السؤال.

ولعل الإجابة هنا تأتي بالقول أنه أقل ما يقال عنها أنه أمر حتمي وأساس لتنمية أي وطن ، ولهذا تأتي مشاريع النقل عامة والنقل العام على وجه الخصوص أحد مرتكزات التنمية الوطنية بكافة مجالاتها.

والدلالة على ذلك أن تأخر البدء في تأسيس النقل العام في المملكة العربية السعودية بأساليب علمية ، وتطبيق حضاري ، أضعف لديها العديد من المقومات التي يفترض أن تسهم بل تدعم الحراك الاجتماعي والاقتصادي للبلاد ، واللذان نالهم ما نالهم من التدني النسبي في دفع عجلة التنمية البشرية والاقتصادية.

وهناك تبعات تلاحقت مع مرور الزمن بسبب عدم توفر نقل عام حقيقي في المملكة العربية السعودية وعلى وجه الخصوص في المدن الكبرى ، وهذه التبعات المشهودة تأثر بها المواطن والمقيم اجتماعيا واقتصاديا ، ولأن المدن الكبرى على أقل تقدير استشهادا بها أنه منذ بداية الطفرة الاقتصادية عام 1395 للهجرة والنمو السكان في إطراد ، كما أن ترامي المساحات من طرق وأحياء سكنية ، كل ذلك أسهم في نشؤ ضغط اجتماعي صاحبه استنزاف اقتصادي تمثل في وجوب استقدام سائق خاص لدى غالبية الأسر السعودية وربما بعض من الأجنبية ، وزاد معه أعداد كبيرة من المركبات ، وهذا الأمر تسبب في أضرار أخرى منها اختناقات مرورية في أغلب الطرق والشوارع وداخل الأحياء الحيوية ، هذا فضلا عن تلوث بيئي ناجم من كثرة حركة سير المركبات التي فاق عددها في مدينة الرياض لوحدها قرابة مليون سيارة.

المواصلات العامة هي علامة حضارية تميز أي بلد عن غيره تميزا اجتماعيا واقتصاديا.

والنقل العام حاليا في المملكة العربية السعودية بدأ الشروع والاهتمام بها بمستويات عالية وتقنيات حديث ومواكبة للعصر ، وما تمتاز به خدمة النقل بالقطارات المزمع اكتمالها في السنوات الثلاث المقبلة بمشيئة الله تعالى خصوصا داخل المدن أنها ذات منظومة نقل متكاملة الخدمات بحكم توافر خدمة الأتوبيسات متعددة الأحجام بجانب محطات الوصول لتقريب المسافات للركاب بالقرب من مساكنهم أو أماكن أعمالهم.

وترى أ. هيا السهلي أن تعثر مشاريع القطارات و انعدام القطارات في مدن أخرى أدى إلى الضغط على الخطوط السعودية ، وحول ٧٠٪‏ من رحلاتها لمحطات داخلية في ٢٧مطار بالسعودية؛ بالإضافة حسب ما يصرح مسؤولون في الخطوط أن هناك تسلط من هيئة الطيران وفرض السيطرة على الخطوط وتكبيدها غرامات ومنع الرحلات الإضافية .

ومن الخسائر التي تتكبدها الخطوط السعودية ولم تشرع في حل لها، تحصيل مستحقاتها من بعض الدول التي تمنع خروج الأموال مثل مصر والسودان !!

ومن جهة أخرى تعاني الخطوط من ضعف المشغل (الخدمات الأرضية)

والعامل المهم الذي لا يغفل عنه افتقار الخطوط السعودية لأنواع الطائرات وأحجامها وقلة العدد وتقادمها !

وقالت أ. مها عقيل: لدي سؤال بخصوص النقل العام في السعودية إن حصل، وخاصة بالنسبة للباصات والقطار والمترو، هل ستجلس النساء في الخلف والرجال في الأمام وتكون هناك مقصورات للسيدات وأخرى للعوائل منعا للاختلاط؟ وفي محطات الانتظار صفوف للسيدات وصفوف للرجال؟

وترى أ. مها عقيل أنه وبعيدا عن هذه التساؤلات فإن الذي سيستفيد من النقل العام إن تطور وأصبح كما نأمل مثل باقي الدول هم الأجانب لأن لدينا ثقافة السيارة وتعودنا عليها حتى عندما نسافر نلاحظ أن قليل ممن يركبون المترو أو الباص أو الاندرجراوند، والتساؤل: هل هو عن جهل أو خوف أو وجاهة. أما بالنسبة لتعثر المشاريع فكالعادة ثالوث سوء التخطيط وسوء التنفيذ والفساد يفشلون أي مشروع ويخرج مشوه بأضعاف القيمة وبعد سنوات طويلة.

وفي تصور أ. ليلى الشهراني فإن تقسيم وسائل النقل العام أو تخصيص عربات للنساء بها لا يضر ، وهي مطبقة في بعض الدول التي سبقتنا فلا نجعل منها عائق.

وعقبت أ. مها عقيل بأنها لم تقصد أنها عائق ولكن هل تم أو سيتم التخطيط لذلك عندما تنشأ. ومع ذلك تعتقد أن مجتمعنا يركز كثيرا على هذا الموضوع. كما أن عربات السيدات في هذه الدول اختيارية ولأسباب الأمن وليس الاختلاط. وهي من وجهة نظرها ليست عائق ولكن من الأشياء التي ستؤثر على استخدام وسيلة النقل حسب الطريقة التي يتم تطبيقها.

وأوضح أ. عبدالله الضويحي أن هناك عربات مخصصة للسيدات وأخرى للعوائل وللأفراد، أو أن العوائل والسيدات لهم عربة .. والأفراد عربة .. وبالإمكان معرفة كافة المعلومات من موقع قطار الرياض.

ومن جانبه أشار أ. وليد الحارثي إلى مجموعة من النقاط المحددة التي تلخص وجهة نظره حول قضية النقل العام كما يلي:

  • لدينا تجارب جديرة بالالتفات والاستفادة منها، في النقل العام داخل مدينتي: مكة المكرمة، والمدينة المنورة في موسم الحج والعمرة، وطيلة أيام العام. وهي تجارب ناجحة، ومتطورة، ومتكيفة مع الأعداد الكبيرة التي تزور هذه المدن المقدسة في مواسم الحج، والعمرة.
  • في أغلب المشروعات الجديدة، نلحظ غيابا واضحا لخدمات النقل للمشاة. ففي مدينة جدة مثلا: أنشئت أنفاق وجسور كثيرة، ولكنها لم تلتفت لذلك الإنسان الذي يسير على قدميه، ولم تراعي تخصيص مسارات، أو منافذ ، أو سلالم للمشاة، وهذا يعود بِنَا إلى موضوع التخطيط الهندسي السليم لمشروعات النقل . والآن تحاول أمانة جدة تلافي ذلك ، بعمليات إنقاذ متعثرة، وغير آمنة.
  • عقدت منذ عام 2006 مجموعة من المؤتمرات والندوات آخرها المنتدى الذي نظمته غرفة المنطقة الشرقية في مايو الماضي، وحضرها وشارك فيها وزراء النقل، وجهات ومؤسسات حكومية وأهلية وخاصة يعد النقل العام بين المدن وداخلها من صميم عملها. إضافة إلى الأكاديميين والخبراء من مختلف التخصصات الدقيقة في النقل. لكن النتيجة لم تتغير حتى اليوم.

إن المشكلة تكمن في انعدام الرغبة، وتلاشي الجدية في تغيير الواقع وتحسينه إلى الأفضل، ووجود صاحب قرار جريء يخطط ثم يعمل أكثر مما يتحدث. ولعل لدى البعض أسباب أكثر وجاهة وإقناعا مما تم ذكره، تفسر ذلك.

وذكر د. حسين الحكمي أن هناك مشكلة كبيرة مع المرور في مسألة حقوق المشاة ؛ فالماشي – على سبيل المثال – لا يستطيع أن يعبر الطريق بطريقة نظامية أبداً ، حتى الخطوط البيضاء عند الإشارات لا يمكنه العبور من عليها بسلام وبشكل نظامي . لأنه عندما تضيء الإشارة الحمراء للسيارات لأحد المسارات يبقى هناك أحقية للسيارات التي ستتجه لليمين بالسير.

وأضاف د. حاتم المرزوقي أن تخطيط المدن في المملكة غير متناسب مع البيئة المناخية. ومن الملاحظ ان جميع مدن المملكة تتشابه في تخطيطها – الساحلية، الجبلية، الصحراوية. جميعها مخططة على نمط واحد. فذابت شخصية المدينة وتلاشت هويتها. وكان من المناسب أن يكون لكل مدينة سعودية هويتها الخاصة بها، من حيث موقعها الجغرافي، طبيعة مناخها، نوعية بيئتها، والوظيفة التي تؤديها. وهذا ما نجده في جميع مدن العالم. كل مدينة بشخصية تحكي قصتها وتؤدي أغراضها. فجدة ليست مثل الرياض وحائل ليست مثل الباحة ومكة ليست مثل المدينة.. في التخطيط.. كل مدينة لابد أن يكون لها نموذج اقتصادي وظيفي.. وبناء عليه يتم تخطيطها وفق هذه المعطيات.

عندما نذهب للسياحة نقول نحن نقصد لندن أو باريس أو روما.. نقصد المدينة بنظامها وأنظمتها.. بأرصفة المشاة وبالحدائق والخدمات العامة.. بالمقاهي والاستراحات.. لا نقصد معلما معينا.. المتس تعيش في المدن وتدور المدن ولا تسكن في المعالم.

إن كثير من مشاكلنا التنموية (صحة، وتعليم، ومواصلات وإسكان) يمكن أن نعزوها إلى قصور تخطيط المدن.

  • آليات تطوير النقل العام والإفادة المجتمعية منه

يرى م. خالد العثمان أن النقل العام أصبح الآن مسئولية هيئة اسمها هيئة النقل العام ، وآلت إليها مسئولية تنظيم وإدارة النقل العام داخل المدن . ومن الضروري أن تعلن هذه الهيئة الوليدة عن خططها وبرامجها وحتى نطاق عملها بشكل واضح ومفصل ، ودورها في منظومة النقل الوطني على مستوى المملكة.

وتساءل أ. سمير خميس: لماذا نرهق خطوطنا السعودية الجوية بالنقل الداخلي غير المجدي في كثير من الأحيان في حين أن تفعيل النقل البري سيخفف من معاناة هذا القطاع الحيوي لدينا..

وأضاف: أنا مع إقرار ضريبة نقل على المواطنين إذا كان المواطن هو العلة كما يفترض دائماً..

النقل البري ستتوافر فيه وظائف برواتب مجزية لكثير من فتياننا وفتياتنا العاطلين والعاطلات..

ومن الضروري أن يتم إنشاء قطار يربط الرياض بالحجاز.. قطار من الممكن أن يقلل من فداحة هذا اللغز.

ويعتقد أ. خالد الحارثي أن التوطين للوظائف يتطلب النظر فيما تضيفه التقنية حتى يتخلص السوق من الوظائف القابلة للإلغاء بفضل التطور التقني والمستمر ، بمعنى أن يستند تصميم الوظائف على الاستدامة ولماذا الحل المؤقت والمستنسخ من تطبيقات المجتمعات الأقل تقدما ، أن يعتمد توطين القطاع على معايير تخدم أنسنته لخدمة انضمام الفتاة للمدن الصناعية وقطاعات عديدة تحتاج المرأة فيها إلى مواصلات آمنة تأخذ في الحسبان الحرص المحلي الذي يوليه المجتمع للنساء من رعاية واهتمام إضافي.

ومن جهته أشار د. خالد الرديعان إلى أنه يوجد مدن كثيرة وبعضها كبيرة نسبيا لا يوجد فيها تاكسيات أو سيارات أجرة من نوع الميكروباص، واذا وُجد فهو بعدد محدود للغاية نجدهم في المطارات فقط من بعض السعوديين كبار السن وغالبا من المتقاعدين.

أما من يريد تاكسي داخل المدينة فهذا شبه معدوم إما بسبب صغر حجم المدينة الذي لا يغري بامتلاك التاكسيات، أو لأن الناس تعرف بعض ويتعاونون في إيصال من ليس عنده وسيلة مواصلات.

هذا الوضع خلق فئة من السائقين وغالبا من الوافدين ممن يمارسون أعمال أخرى كالتدريس في مدارس خاصة أو مندوبي مبيعات وموزعي سلع … الخ وذلك للعمل كسائقين. يقوم هؤلاء بتوزيع أرقام تلفوناتهم على الأسر تحت مسمى “سائق خاص” تلجأ له النساء في الغالب ممن لا تتوفر أسرهن على سيارات. بعضهم يتم التعاقد معه لتوصيل المعلمات إلى مدارسهن والبعض لتوصيل الأطفال إلى مدارسهم كذلك ويأخذون أجرة شهرية “على الرأس”.

البعض منهم سياراتهم مهترئة وخارج الخدمة، والمصيبة أنهم قد ينقلون معلمات إلى بعض القرى؛ القضية التي من آثارها ما اصطلح عليه “بحوادث المعلمات”. وبالطبع فحل هذه القضية تحديدا هو بقيادة المعلمة لسيارتها أو نقلها إلى مكان قريب من سكنها أو في مدينتها وهو غالبا ما يتعذر قبل مرور عدة سَنَوات.

والمقترح هو الالتفات إلى المدن الصغيرة؛ فهي تعاني من مشكلة النقل داخلها مع ضرورة التفكير بحلول مناسبة للمعلمات اللاتي يعملن في قرى ومناطق نائية ما يحتم عليهن الانتقال اليومي وأحيانا مئات الكيلومترات مع سائقين غير أكفاء وبسيارات أقل ما يقال عنها أنها غير صالحة للاستعمال ونقل البشر.

يوجد في الرياض نحو ٣٥٠ ألف تاكسي ( ليموزين).. هذا العدد الكبير أليس أحد أسباب الزحام المروري… والمشكلة أنهم لا يتبعون نظام أوبر وكريم فهم يدورون في الشوارع على غير هدى بحثا عن الركاب..

هذا السلوك يخلق مشكلات كثيرة كالزحام وتلويث البيئة وكثرة الحوادث..

يفترض أن يكون في كل حي شركة ليموزينات وأن يتم طلبهم تلفونيا وعندما لا يكون عندهم عمل يتوقفون. وفوق ذلك فكثرة تجول أصحاب الليموزينات فيه هدر لطاقة البنزين.

قبل عدة سنوات سبقت الطفرة كان في الرياض نوع من التاكسيات ماركة “فولفو” وكانت الناس تطلق عليه “حوادث” لكثرة حوادثهم.. الآن تجد أن الليموزين يستحق هذا اللقب بجدارة.

أقل ما يقال عن النقل داخل المدن أنه فوضى عارمة وهدر كبير للموارد والطاقة بسبب سوء التنظيم.. وتراخي إدارات المرور في القيام بواجباتها وكذلك وزارة النقل..

المشكلة تراها في مكة أكثر وضوحا فكل من لديه سيارة يستطيع أن ينقل ركاب سواء كانت سيارة خاصة أو نقل..

وغالبا يقوم أصحاب الوانيتات بنقل ركاب في صندوق السيارة المكشوف وما يترتب على ذلك من خطورة تتعلق بسلامة الركاب.

كما أن نقل بعض السلع بسيارات مكشوفة ظاهرة ملحوظة.. والأمر الذي يشوه بلدنا هو نقل العمال بوانيتات في الجو الحار.. دون أدنى اعتبار لحقوق البشر وكأنهم حيوانات.

يفترض نقل العفش والسلع بسيارة كهذه حتى لا يسقط منها شيء..

ما يجري عادة هو نقل السلع والعفش بسيارات من نوع ديانا مع تعريض العفش للتلف.. يقوم بذلك عمالة باكستانية ومصرية وسودانيين في الغالب… هذا سوق كبير ومتروك للوافدين دون أية تنظيمات.

أيضا قضية الجمال السائبة في الطرق بين المدن تحتاج إلى لفتة من وزارة النقل لعلاجها.

كذلك فطريقة نقل الجمال مؤذية وقد تتسبب بمشكلات مرورية.

يفترض أن يعمم نموذج سيارات يوهول الأمريكية لنقل السلع والمعدات بحيث تكون السيارة مغطاة بالكامل لمنع سقوط أي شيء… ما هو ملاحظ عندنا كذلك طريقة نقل مواد البناء والحديد فكثيرا ما نشاهد كيس أسمنت وقد وقع في الشارع وتسبب بغبار وارباك لحركة المرور.

ولا ننسى سيارة البمب أو الاسمنت المخلوط فبعضها تقذف أسمنت في الشوارع يتصلب بمرور الوقت ويشوه جمال الشارع.

وأضيف إلى ما سبق صهاريج المياه فهي تلوث الشوارع… أما صهاريج شفط المجاري فهذه قصة أخرى فهي تلوث الجو والأرض.

وبناء عليه يمكن اقتراح ما يلي:

  • منع ركوب البشر ونقلهم في أحواض السيارات لخطورة ذلك.
  • الزام أصحاب سيارات نقل البضائع والسلع بتغطية سياراتهم تماما.
  • تغريم أصحاب الابل السائبة غرامات باهظة.

وأضاف د. عبدالله بن ناصر الحمود أن موضوع النقل العام هو مؤرق عندنا… فنحن متخلفون في النقل العام..

نظريات التنمية كلها تعجز عن تفسير مستوى القصور الموجود عندنا في خدمات وفي مرافق النقل العام.. نحتاج أن نبدأ من الصفر في بناء صناعة حقيقية للنقل العام.

وفي نظره .. الأمر لا يحتمل نقاشا ولا حوارا.. فنحن لم نفعل شيئا ذي بال..علينا أن نبدأ.. فكل ما لدينا هو تحت خط البداية..

وقال د. مساعد المحيا: العالم كله مثلنا يشكو ازدحاما، لكن أغلب الدول تغلبوا على كثير من ذلك بإيجاد مختلف الوسائل..

وبخاصة القطار.. خذ مثلا لندن مدينة كبيرة جدا وتاريخ القطارات فيها قديم، تصل لأكثر من مائة عام، وفي نيويورك بدأت القطارات قبل أكثر من مائة وخمس وعشرين عاما ..

السؤال من المستفيد من تأجيل وسيلة القطارات للنقل داخليا وبين المدن ونحن نعلم أن القطار وصل إلى المدينة قبل توحيد المملكة …

الإجابة على هذا السؤال قد تقود إلى أن شبكة القطارات لم تكن خيارا مقبولا للأسف ..

بل اني اجتمعت برئيس قسم الاقتصاد في جامعة الملك سعود رحمه الله قبل عدة سنوات، وجرى نقاش حول الازدحام والاختناقات المرورية والبعد بين المسافات بين المدن وحاجتنا للقطار لكنه كان يصر على أن القطار ليس بذي جدوى اقتصادية وكنت استغرب هذا وأقول له كيف تقول هذا والقطار مثلا في مصر وفي بنجلادش ناجح ومنذ سنوات طويلة والأسعار رخيصة جدا ومع ذلك هو يقوم بمهمة كبيرة في هذه الدول ولا يمكن أن يبقى لولا أنه يحقق دخلا مقبولا  ..

لقد استقليت القطار في عدد من الدول من بينها بريطانيا داخل المدينة وخارجها إذ هو من أفضل الوسائل؛ ربما ارتفاع أسعاره يكون سببا في جعل البعض يحجم عن استخدامه لدينا خاصة حينما يكون حجم العائلة كبيرا .. لكن في تقديري يظل القطار وتعميمه هو الحل.

الدولة انفقت الكثير على إنشاء الطرق .. أظنها لو انفقت بعض المال للبنية الأساسية للقطارات ثم استثمرتها لكان في ذلك خدمة للمواطن وتخفيفا من أعباء المدن ورحمة بالناس من شرور الحوادث …..

إذا كانت شبكة القطارات بدأت في نيويورك مثلا قبل أكثر من ١٢٥عاما ، وهي في أوربا قبل ذلك التاريخ بين المدن والدول.. يعني قبل أن يدخل الملك عبد العزيز طيب الله ثراه الرياض ..

إذا نحن أمامنا تجارب وخبرات بل ودول فقيرة استخدمت هذه الوسيلة ..

نحن بعد أن أفاء الله علينا بفضله كان حري بنا أن نستثمر عوائد النفط وفائضه في هذا الاستثمار.

وفي تصور د. عبد الله بن صالح الحمود فإن الرياض تحتاج إلى طرق ذات جسور من أعلى الطرق الحالية ، ولعل ذلك يتوافر في الخطوط الدائرية ، وطريق الملك فهد ، وشارع التخصصي ، وألا يكون لها مداخل أو مخارج إلا محدودة جدا بهدف خدمة قاطني الأحياء المتباعدة عن وسط الرياض .

وفيما يتعلق بخدمة النقل بالقطارات لاشك أنها أفضل وسائل النقل عالميا خصوصا إذا أتى بجانبها خدمة الأتوبيسات لتقريب المسافات للركاب بالقرب من مساكنهم أو أماكن أعمالهم.

ومسألة عدم الجدوى التي يقال عنها بالنسبة للخدمة بالقطارات في المملكة العربية السعودية في عقود مضت ، لاشك أن من كان يقول ذلك هو محق ، لأنه لو تأسس على سبيل المثال قطار في مدينة الرياض منذ 30 سنة فلن يكن ذلك ذو مردود اقتصادي أو حتى اجتماعي لمحدودية عدد السكان المدينة في ذلك الزمان ، ناهيك عن انعدامية الاستفادة منه في هذه المرحلة التي تتطلب خدمات نقل بتشغيل إلكتروني.

عموما إذا تحدثنا عن مدينة الرياض فالأمر محسوم بالمطلق بحكم أن قطار الرياض قائم تأسيسه بكفاءة عالية ، كما أن خدمات النقل العام من أتوبيسات متعددة الأحجام سوف تكون جنبا إلى جنب مع خدمة النقل بالقطارات.

إن المطلوب الآن هو وجوب التوسع في إيجاد خدمات نقل بالقطارات بين المدن فذاك سوف يؤمن بيئة أكثر أمانا ورفاهية للمجتمع .

وأضاف د. علي الحكمي أنه لو أسسنا قطار الرياض من 30 سنة لكان أقل تكلفة، ولم يحدث الربكة التي نحن فيها الآن، فمشاريع القطارات والمترو تبنى وتتطور وتتوسع مع الوقت.

نحن الآن نحاول تأسيس في سبع سنوات ما قامت به بعض الدول على مدى عشرات السنين بالتدريج وفق الاحتياج وبتكلفة وإرباك أقل.

وبدوره أوضح أ. سمير خميس أن القطارات كانت من أولى وسائل النقل البري إنشاء وانتشاراً حتى قبل السيارات.. يكفي أنها انتشرت في أمريكا و أوربا والسلطنة العثمانية بل ووصلت الحجاز من القرن التاسع عشر وليس من ٣٠ سنة فقط..

لو أوتينا مثلما أوتي غيرنا حكمة واستبصاراً وبعد نظر كان من الممكن تلافي سلبيات كثيرة أقلها قمقم نزع الملكيات كما قال بذلك د. سعد الشهراني..

أما عن قطار الرياض، وقطار الحرمين فالتحديات التي تعترضهما تكفي لتخطيط دولة أخرى وبتكاليف أقل لكنا نعلل أنفسنا: أن نصل متأخرين خير من ألا نصل..

كان من الممكن توفير جزء من هذه التكاليف العالية للأجيال القادمة..

ومن المهم الآن طرح جدوى الفكرة المتمثلة في إشراك المواطن في تكاليف النقل عبر فرض ضريبة نقل على المواطنين، هل من المجدي فرض ضرائب نقل؟

أليس من الضروري إشراك المواطن في تأسيس وصيانة وهيكلة النقل بكافة أشكاله؟

أليس مرهقاً للدولة أن تتكفل بكل هذا المشاريع الهائلة دونما رافد شعبي؟ ماذا عن مواطني الصين واليابان و أوربا وأمريكا.. هل هناك ضرائب تختص بالنقل تفرض عليهم؟ هل الضريبة هي الحل؟

إن مسألة فرض الرسوم والضرائب يجب أن تتأتى مع إصلاحات سياسية جذرية..

مسألة أن تتكفل الدولة بكل شيء فيه إرهاق كبير لكاهل الدولة تكون نتيجته العجز مثلما هو حاصل الآن..

النقل ليس مجرد رفاهاً.. وسائل النقل العام ليست اختياراً؛ بل هي الأصل الذي تبنى عليه وسائل النقل الأخرى..

لو كان لدينا قطارات المدن لقل توسع هذه المدن..

إشراك المواطن بفرض بعض الضرائب عليه، مع إدارة سياسية حازمة لهذا الموضوع .. من المفترض أن تمهد لحل مشاكل النقل.

وأشار م. خالد العثمان إلى أن النقل العام ليس خدمة عامة تقدم للجميع بل هي خيار لمن يرغب استخدامه .. دور الدولة في تحفيز استخدامه عبر زيادة الأعباء على استخدام البدائل الخاصة.. أما وسائل النقل العام نفسها فلها رسوم استخدام وليست مجانية.

ومن جهة أخرى فقد تأخرنا كثيرا في بناء شبكة النقل العام المتكاملة حتى أصبحنا مضطرين لدفع تكلفة بنائها أضعافا مضاعفة .. هو نفس المنطق الذي كان يستخدمه وزير ما عندما برر عدم بناء شبكة تصريف مياه الأمطار بقلة الأمطار في المملكة.

ومن جديد أوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن ما قصده هو إنشاء قطار الرياض والمدينة لم تكتمل عمرانيا ، فضلا عن عدم وضوح رؤية للتمدد العمراني، وفي حدود معينه للرياض سابقا كان يصعب الأمر معه أن يكون هناك احتياج للقطارات في مدينة حدودها محدودة للغاية.

التوسع المتسارع والكبير الذي حل بالمدينة بطفرة غير متوقعة لا يمكن ربطه بافتراض  توافر خدمة قطارات لأجل توافر ذلك فحسب.

الفرق هنا شاسع حينما تقارن الرياض سابقا أي منذ ثلاث أو أربع عقود ونربط ذلك بمدن كانت الصورة تخطيطا وواقعا واضحة لديهم.

النقل العام لا يعتبر نشاط تجاري أو يتطلب في الأصل فرض ضرائب على مستخدميه .

النقل العام ينشئ ليس للرفاة أو لأجل توافر ذلك فحسب ، خدمة النقل العام هي منفعة عامة خدمة للوطن، يعود هذا النفع إلى مجالات اجتماعية واقتصادية وأمنية .

وذكر أ. مطشر المرشد أن قطارات المدن الرئيسة لم تنجح في مدن مسطحاتها واسعة ومترامية الأطراف مثل ( لوس أنجلس ) ، ومدينة الرياض أيضا مسطحاتها واسعة …

بينما في لندن و نيويورك نجحت قطارات المدن لتمركز الحركة والخدمات في خطوط معينة ومتقاربة ، ومع ذلك نجاح قطارات المترو في لندن و نيويورك إلى وجود شبكة محكمة وفعاله من الباصات والتاكسي الخ.

وفي تقدير د. حميد المزروع فإن نظام ال b.o.t ( البناء والتشغيل والتحويل ) ، يعتبر هو النظام الأمثل للدولة حاليا في استكمال البنية التحتية لقطاع النقل بأنواعه .

وفي تصور د. حمزة بيت المال فإن أسلوب PPP يعد الأفضل، مثل ما حصل في مطار المدينة وصالات مطار الرياض الجديدة، وهو أسلوب جديد مطبق كما يظن في أمريكا.

وذكرأ. خالد الحارثي أن ضرائب النقل موجودة في كل الدول ومن ضمنها المملكة ، ولكنها طبعا ليست الممول لأعمال شبكات المواصلات التي تعد أعمال بنية تحتية ..

البنية التحتية للنقل والمواصلات المتوفرة في المملكة هي فقط شبكة الطرق للسيارات التي تربط المملكة باستثناء النقل الجوي ..

البنية التحتية للوسائل الأخرى الباصات والقطارات مكلفة جدا وكانت ستكلف الدولة أضعاف تكلفة شبكة الطرق الحالية ، ولكنها مبررة بحكم مساحة المملكة وموقعها الذي يربط البحار والعالم شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، ولكنها لم تحدث.

فشل المخططون الأوائل في تقديم رؤية مهمة وتحليل منافع الأنفاقcost benefit analysis يأخذ النقل إلى مكانه المأمول من حياة الناس ومشروعات التنمية.

في حين عارض د. عبد الله بن صالح الحمود تطبيق نظام ال BOT في خدمة القطارات ، والسبب أن ذلك مكلف جدا لأي شركة تسعى إلى ذلك ، لأن المردود متدن جدا أو يمثل خسارة مالية واضحة ، بسبب تكلفة الإنشاء وكذا المصارف المالية الكبرى التي تواجه هذا الناقل.

وفي رأيه فإن نظام ال OBT  أكثر نجاحا في الطرق فقط ، للبلدان التي يتطلب المرور على بعض من طرقها لدفع رسوم طرق ، وهذا ملاحظ في مدن بلدان مثل بانكوك وجاكرتا ومدن بلدان أخرى.

إن المسلك المفترض الإتيان به هو التوسع ثم التوسع في شبكة من القطارات ما بين المناطق وبعض من المحافظات .

لأننا في المملكة العربية السعودية لدينا حراك اجتماعي يمتاز عن الغير بقوة التواصل الاجتماعي ، أضف إلى مسألة وجوب تكليف المعلمين والمعلمات في بداية التوظيف خارج مناطقهم ، وبالتالي خدمة النقل عبر القطارات تعد وسيلة ضرورة في هذا الوقت.

من المهم أن تتكاتف جهود الرأي والتنفيذ لتقديم خدمة نقل بين المدن ، فذاك ما هو مأمول الآن لدرء العديد من المخاطر التي يقبع بها العديد من الناس ، حوادث مرورية، وتأخر في إنجاز المهام أيا كان ذلك. وأوضح د. عبد الله أنه على يقين من أن إشكالية النقل داخل المدن ستنتهي فيها خلال الأربع سنوات القادمة .

ومن جهتها قالت أ. ليلى الشهراني: ذكر د. خالد الرديعان في رده مشكورا معاناة بعض المعلمات مع النقل ، وهي معاناة كبيرة جدا خصوصا لمن تعمل في منطقة بعيدة عن منزلها ، والأسواء والأمر من تعمل في مناطق نائية لا يوجد فيها طرق معبدة ، بعض المعلمات في أبها مثلا تقضي ما يقارب الأربع ساعات حتى تصل للقرية التي تعمل فيها ، ويحصل أن يستخدمن أكثر من سائق وسيارة ، فالأول يصل بهن إلى نقطة التجمع ويسلمهن لسائق آخر تكون سيارته قوية وبدفع رباعي لوعورة الطرق وصعوبتها وهذه معاناتهم من سنين طويلة هل يعقل أننا إلى الآن لم نجد الحلول المناسبة لتسهيل تنقلاتهم ؟

نتحدث عن قطارات الجسور والأنفاق ونحن إلى الآن لم نهيئ الطرق بشكل لائق وآمن وجميل.

وأشار د. علي الحارثي إلى أن موضوع النقل الداخلي وبين المدن، متلازماته المعقدة إنشائية وإجرائية ونظامية وتشريعية وثقافية واجتماعية واقتصادية واستراتيجية ، مع تعدد الجهات المسؤولة عن هذه الإشكالية. وإذا لم يكن هناك استراتيجية تحوي كل هذه المتلازمات خلال رؤية ٣٠٢٠ وتحت مظلة المجلس الاقتصادي مباشرةً ، فلن نرى في الوقت القريب حلولاً جذريةٍ تستطيع أي جهةٍ حلًها حتى ولو أُنشئت هيئةٍ مستقلةٍ لذلك .البيئة الاجتماعية والمناخية وغيرها من غير الممكن مقارنتها بغيرها لأنها بيئةٍ طاردةٍ للنجاح في أدق تفاصيلها ، فكيف بها في موضوعٍ كهذا تمثل البيئة بأطيافها المتنوعة نسبة عالية من متطلبات الاستثمار والنجاح ، سوف يضغط موضوع النقل على محاور التنمية اذا أريد حله جذرياً ، لأن العناصر الأخرى من التنمية ترتكز على النقل الداخلي ارتكازاً جوهرياً.

وفي هذا السياق أيد أ. أسامة نقلي وجهة النظر التي طرحت في أن النقل العام يحتاج إلى بنية أساسية للأسف لم تؤخذ في الحسبان في مشاريع تطوير المدن، وأن محاولات بناءها اليوم ستكون بتكاليف عالية جدا، أهمها نزع الملكيات لعمل مسارات محددة لها.

الجانب الآخر الذي ينبغي أخذه في الحسبان الفوضى المرورية العامة التي تعيشها شوارعنا بلا رقيب أو حسيب، وعدم تنظيم هذا الأمر بصورة قاطعة من شأنه افشال أي مشروع للنقل العام، الذي ينبغي أن تكون له ميزة التفرد في الانتقال بين الأحياء بكل يسر وسهولة بعيدا عن ازدحام الطرقات العادي.

ومن جانبه قال أ.د. عبدالرحمن العناد: عن مشروعات النقل العام لا أقول إلا: أن تأتي متأخرا ومكلفا خير من ألا تأتي أبدا.

المشكلة الأخرى التي تزيد من فاتورة الإنشاء تعثر المشروعات ومنها مشاريع النقل العام .. قطار الشمال يخترق نفود وصحارى؛ كان يفترض أن ينطلق بالركاب قبل بضعة سنوات ، لكنه لازال ومحطات الركاب لم تنتهي بعد.

وعلق د. عبد الله بن صالح الحمود بأنه لابد أن هناك من عوائق أمام مشروعات ضخمة كهذه. فأعمال التنفيذ التي تمر بمناطق متعددة المرتفع منها والمنخفض ، ناهيك عن طبيعة بعض المساحات الجغرافية من رمال وأودية كل ذلك يعد من أصعب المعوقات التي تواجه مشاريع كهذه .

وأوضح د. سعد الشهراني أن اقتصاديات النقل و المرور تعتمد على عناصر من أهمها  الجغرافيا و الطبوغرافيا و عدد و كثافة  السكان و كثافة و نوع النشاطات الاقتصادية و التوزيعات المكانية و الإقليمية و البنية الأساسية و حداثتها أو تقادم الزمن عليها .

و كلما يكون عدد السكان أكثر و أكثف و كلما تكون العوامل الجغرافية و الطبوغرافية الطف تكون مشاريع النقل العام أكثر و أفضل جدوى (بصرف النظر عن كون الاستثمارات عامة أو خاصة).

والطرق تمثل نوعا خاصا من الملكيات العامة الذي لا يجوز بيعه و لا رهنه و لا الاستبعاد من فوائده و لا احتكاره و ذلك لطبيعة ملكيتها الموغلة في العمومية.

و بمناسبة الحديث عن الضرائب و الرسوم نتذكر أنه قبل عقود كانت هناك رسوم يدفعها مالك السيارة؛ و النظام الضريبي عندنا ليس متقدما و لا مدروسا و لا منظما مثل الدول المتقدمة و الدولة المعاصرة هي دولة ضرائب و لكن قبل أن تكون كذلك هي دولة إنتاج حقيقي لا دولة ريعية رعوية.

و الضرائب كما هو معروف تفرض على النشاط الاقتصادي و على الدخول و المبيعات و الأرباح و غيرها من أنواع الضرائب  و لا يحتكر دافعها أي فائدة خاصة به لمجرد دفعها و لا يدفعها أصلا لجني فائدة و لكنها تفرض سياديا بعكس الرسوم التي تدفع مقابل فائدة أو نفع معين يحتكره دافع الرسم .

و نعرف جميعا أن هناك رسوما يدفعها مرتادوا طرق معينة في دول كثيرة عند نقاط معينة و يذهب جزء من العائدات إلى الحكومة (أو بين الحكومة المحلية و الحكومة المركزية) و الجزء الآخر يذهب إلى الشركة التي أوكل إليها إنشاء أو تشغيل الطريق و هذا أحد أبسط و  أقدم طرق الخصخصة.

إذا فرضت الدولة رسوما على أي نشاط مثل نشاط النقل العام بجميع أنواعه فبسبب كونها تكاليف على المشغل ستكون بطبيعة الحال جزءا من التسعير و تحمل المستهلك (نحن مثلا ندفع رسوما مباشرة و غير مباشرة لأن جزءا من أسعار التذاكر يعكس ما تدفعه شركات الطيران كرسوم لاستخدام المطار و خدماته).

النقل العام بكل أنوعه أصلا هو نشاط خاص إلا في جوانبه السيادية مثل عدم جواز نقل الملكية (المطارات و الموانئ و الطرق) و الأصل فيه أن يكون خاصا ؛ المهم أن يكون مقننا و مراقبا للمحافظة على جودة الخدمة.

الدولة تقنن و تنظم و تراقب و تترك سوق النقل للقطاع الخاص شركات و أفرادا.

و هذا ما هو للأسف مفقود و سيستمر مفقودا لضعف الأنظمة وضعف تطبيقها و انعدام الرقابة بصرف النظر عن كون الاستثمار عاما أو خاصا.

متى يجب أن تتدخل الدولة في النشاط الخاص؟

تتدخل الدولة عندما تكون التكاليف باهظة جدا أو عندما يحجم القطاع الخاص عن الاستثمار فيه لأي سبب و هذه هي الحجة و التبرير الاقتصادي الذي أشار اليه د. مساعد.

القطاع الخاص السعودي على الرغم من تخمته برؤوس الأموال إلا أن انغماسه و إدمانه على الاستثمارات الطفيلية الغير منتجة خصوصا العقار و الأسواق المالية حال دون دخوله في الاستثمار في النقل العام فضلا عن مضايقة رؤوس الأموال الصغيرة و الأفراد و عدم تقنين نشاطهم و الرقابة عليه .

للتأمل: أوبر خاص و ناجح، وكريم خاص و ناجح، والحافلات التركية في الحج خاص و ناجح.

لقد تركنا هذا القطاع الحيوي و أهملناه و لم نقننه و لم ننظمه و لم نراقب ما هو موجود بل قتلناه.

أما السكك الحديدية فكما تم الإشارة، فقد تأخرنا عقودا بعد الخط اليتيم بين الرياض والدمام و حتى هذا الخط لم يواكب مستجدات التقنية.

مرة أخرى الأصل في هذا النشاط أنه نشاط خاص لا عام و في كلا الحالتين ( كونه خاص أو عاما) المهم الإدارة ثم الإدارة ثم الإدارة : كفاءة و فاعلية و تنظيم و رقابة.

وفي مداخلة لاحقة أوضح د. الشهراني أن خطوط قطار الرياض اختيرت بناء على كثافة الحركة الحالية و المتوقعة و يدعمها نظام نقل بالحافلات الكبيرة و الصغيرة و الرياض أصبحت مدينة مكتظة .

على أي حال تقديم خدمة نقل الأفراد على طريقة أوبر و كريم ( و ما هو على شاكلتهما أو أفضل منهما ) يعتبر حلا جيد جدا لبعض إشكالات النقل خصوصا نقل الأفراد و العوائل و النساء بل و حتى الرجال في بعض شؤونهم.

بينما ذهب أ. خالد الحارثي إلى أننا يجب أن لا نعتقد أن المترو أو القطار أو أي من المفقودات سيحل المشكلة منفردا..

التجارب جميعها مطلوبة والانفتاح للأفكار الجديدة مثل تحويل المدن ذات الطبيعة القاسية مثل الرياض إلى مدن كثيرة الظلال والمساحات المخططة لعبور التيارات الهوائية..

التخطيط المدني المستدام والذي يأخذ باعتبارات البيئة والطبيعة المناخية لا يزال شحيح في مدننا إن لم يكن معدوما..

نحتاج إلى القطار والمترو والباص المحترم النظيف الكلاس وأوبر السعوديين، و مع بعض التعاون الدائم بين البلديات والمرور يمكن للرياض أن تكون مريحة بعض الشيء..

ويمكن لسكان الرياض الذهاب بهذه المقترحات إلى أعلى المستويات والمتابعة عليها حتى لو اضطررنا للذهاب إلى الملك.

ومن جديد قال أ.د. عبدالرحمن العناد من المهم الأخذ بالاعتبار العوائق، وكذلك تقدير وقت التنفيذ بشكل دقيق، على أن يحاسب المقصر مقاولا كان أو مسؤولا.

وعقب د. مساعد المحيا على ما طرحه د. سعد بأن موضوع الضرائب سيتوسع لدينا خلال الأعوام الثلاثة وستزداد بعد ذلك ..

ما يقلق هو أن الضرائب ستزيد من التضخم وكل ما سيتم دفعه من ضرائب من قبل الشركات للدولة سيدفعه المواطن أولا أما التجار والأثرياء فهامش أرباحهم لن يتأثر كثيرا…

والآن هناك توجه لأخذ ٣ ريالات لكل “مشوار” اوبر او كريم  مثلا ومؤكد سيؤخذ من الليموزين ..

نحن في المملكة مقبلون على نمو سكاني كبير ومدينة الرياض مثلا لم تعد تحتمل مركبات أكثر مما هو موجود وهؤلاء الأبناء والبنات يحتاجون تعليما جيدا ووظيفة مناسبة وراتبا مقبولا وحين يتحقق لكثير منهم ذلك فإن الرياض بعد ثلاثين عاما سيكون سكانها أكثر من ١٢ مليون ..

هؤلاء لا يمكن أن تحتملهم شوارع الرياض بحال مما يعني ضرورة أن يكون القطار هو الوسيلة الأهم والأيسر والأرخص ليتنازل أبناؤنا وتتغير ثقافتهم ويتقبلون الحركة عبر القطار وربما لا يهتمون بامتلاك مركبة خاصة ..

لقد كان شبابنا لا يتقبلون السكن في الشقق ثم أصبحوا نتيجة الظرف الاقتصادي يتقبلون ذلك وبغرف أقل ..

البعض يرى أن رفع سعر البنزين سيحل المشكلة في حين أن هذا الرفع سيطال ضرره كل سكان المملكة الذين يقطنون في مدن لا تعاني أي ازدحام ،.

لذا فمن المهم أن يكون مشروع القطار داخل المدينة مشروعا تدعمه الدولة بحيث يكون بسعر رمزي لنصل إلى توازن أكبر في التعامل مع المواطن والمقيم في المدن الكبرى كالرياض وجدة ومكة والمدينة والدمام وبين المواطن في المدن والمحافظات الأخرى؛ وليتحقق في هذه المدن حركة مرورية مقبولة ..

تماما كما تضخ الدولة أموالا طائلة وتنفق انفاقا هائلا على الأنفاق والكباري والطرقات وتتولى صيانتها … فإنها بدعمها لمشروع القطار وتوسع محطاته ستتوقف كثير من مركبات الناس وسيستخدمون القطار ..فقط حين يصبح متاحا وقريبا من الناس ….

الطالبات في جامعات الإمام ونورة والملك سعود مثلا يذقن المر والعلقم حتى يصلن الجامعة ثم يذقنه مرة أخرى ليصلن للبيت .. وقد يمكثن قرابة الساعتين في الطريق ..مع القطار البنات سيذهبن ويعدن وبتكلفة أقل وأمان أكثر ووقت أقل.

وأضاف د. عبد الله بن صالح الحمود أن القطار يصل كل من جامعة الإمام وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن ، مرورا بمطار الملك خالد الدولي… كما يخدم جامعة الملك سعود، قادما من استاد الملك فهد الدولي.

و على الرغم من ملاءمة وأهمية فكرة مترو الرياض.. إلا أن تجاربنا في المطارات والنقل الجماعي، و قطار الدمام تجعل من تشغيل مترو الرياض عندما يشتغل ! قصة ترقب من الطراز النفيس.

إن المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة ومراحل أخرى متقدمة مع النمو السكاني المتسارع  وترامي أطرافها فضلا عن الطبيعة الجغرافية لبعض المناطق ، يتطلب الأمر معه التوسع في إيجاد خدمات نقل بالقطارات بين المدن مما يؤمن بيئة أكثر أمانا ورفاهية للمجتمع .

الأهم حقيقة قبل أن تكتمل مشاريع القطارات والنقل العام ، هو أن تبادر وزارة النقل وهيئة النقل العام ، في إنشاء مسارات خاصة للأتوبيسات ، فإن كان ذلك أمر مستهدف في المرحلة القادمة فذاك ما هو مأمول، وإن لم يؤخذ ذلك في الحسبان فإن خدمات النقل العام لن تؤتي ثمارها .

ويرى م. أسامة كردي أن النقل الجوي قد مر بمرحلة تطويرية مهمة تتمثل في إجراءات تخصيص الخطوط السعودية و خدماتها بالإضافة إلى ترخيص شركة ناس للرحلات الداخلية و الدولية و ترخيص شركة الخليج السعودية و ترخيص شركة المها و لا ننسى التطوير الذي تمر فيه معظم مطاراتنا.

ما زال النقل البري بالحافلات و السيارات يحتاج إلى درجة عالية من الاهتمام و بالذات الاهتمام بترخيص شركات للنقل ببن المدن لتكون منافسة إيجابية لخدمات شركة النقل العام ، كما أن هناك حاجة لتطوير مراكز النقل البري في المدن كما هو الوضع في بعض المدن و منها الرياض.

ومن المؤكد أن تطوير النقل البري بالسيارات و الحافلات و إنشاء مراكز النقل البري سيحدث العديد من الوظائف المناسبة للقوى العاملة السعودية.

وختاما أوضح د. سعد الشهراني أن النقل داخل المدن في نفس أهمية ما بين المدن إن لم يكن أكثر أهمية ، ربما أن وجود خدمة اوبر و كريم حسنت الأوضاع قليلا، و لا شك أن انطلاق (قطار !) مشاريع النقل بالقطارات و المترو سيحسن الأوضاع أكثر في المستقبل. المهم أن يقضى على سيء الذكر “الليموزين” و على طريقة (الكدادين) تماما و أي بدائل أخرى ستكون بإذن الله أفضل و منها على سبيل المثال تاكسي لندن على ارتفاع أسعارهم.

كذلك فقد أكد د. حاتم المرزوقي على أهمية أن يكون لدينا استراتيجية وطنية للنقل. النقل العام بين المدن هو الأولوية وينبغي التركيز عليه. أما النقل داخل المدن فيكتفى مرحليا بتجويده إجرائيا.

النقل داخل المدن بالقطارات (المترو) غير مناسب تخطيطا لمدن تشابه في تخطيطها مدن المملكة.

في حين نجح المترو في المدن الأوربية ذات التخطيط عالي الكثافة.. وفي مناطق محدودة في نيويورك.. لا ينجح مثلا في مدن مفتوحة المحاور مثل لوس انجلس. في دبي من يستخدم المترو..

القطار ينقل من محطة لمحطة.. احتياج ساكن المدن الكبرى النقل من باب لباب.

النقل بين المدن يخفف الضغط على الخطوط الجوية ويفتح محاور تنمية اقتصادية.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

) حسب الحروف الأبجدية (

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • د. أروى أخضر
  • م. أسامة كردي
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • د. حاتم المرزوقي
  • د. حامد الشراري
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • أ. خالد الحارثي
  • د. خالد الرديعان (رئيس لجنة التقارير)
  • م. خالد العثمان
  • د. خالد بن دهيش
  • د. حمزة بيت المال
  • د. حميد المزروع
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سلمان العمري
  • أ. سمير خميس
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • أ. عبدالله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • أ. عبد المحسن القباني
  • اللواء د. علي الحارثي
  • أ. علياء البازعي
  • د. علي الحكمي
  • د. فايز الشهري
  • د. فهد الحارثي
  • أ.د. فوزية البكر
  • أ. كوثر الأربش
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. محمد الصبان
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • أ. مها عقيل
  • د. ناصر القعود
  • أ. ندى القنيبط
  • د.م. نصر الصحاف
  • د. نوف الغامدي
  • أ. هادي العلياني
  • أ. هيا السهلي
  • أ. وليد الحارثي
  • أ. يحيي القحطاني
قراءة 75 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 11:07

أضف تعليق


كود امني
تحديث