الأخبار
الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:36

التقرير الشهري العشرون

قيم الموضوع
(0 أصوات)

نوفمبر 2016م

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر نوفمبر 2016م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • الإعلام السعودي ومستوى تأهيله
  • تعليم الحوار أم ثقافة الاحترام، أيهما نحتاج أولاً؟
  • صورة السعودية في الخارج : المعالجة و المواجهة
  • مستقبل جاستا والعلاقات السعودية الأمريكية

 محتويات التقرير

المحور الأول: الإعلام السعودي ومستوى تأهيله

  • الورقة الرئيسة: د. إبراهيم البعيز
  • التعقيب الأول: أ. أسمهان الغامدي
  • التعقيب الثاني: أ. عبد المحسن القباني
  • التعقيب الثالث: أ.د. عبدالرحمن العناد
  • المداخلات حول القضية:
  • واقع ومعوقات التأهيل الإعلامي الراهن
  • مقترحات عملية لمعالجة أوجه القصور في التأهيل الإعلامي

المحور الثاني: تعليم الحوار أم ثقافة الاحترام، أيهما نحتاج أولاً؟

  • الورقة الرئيسة: د. زياد الدريس
  • التعقيب الأول: د. فهد اليحيا
  • التعقيب الثاني: أ. خالد الوابل
  • التعقيب الثالث: أ. ندى القنيبط
  • المداخلات حول القضية:
  • إشكالات تعليم الحوار و ثقافة الاحترام
  • الحوار من وجهة نظر إسلامية
  • الحوار من وجهة نظر نفسية
  • توصيات لتعزيز ثقافة الحوار وتأصيل ممارسة الاحترام في المجتمع

المحور الثالث: صورة السعودية في الخارج : المعالجة و المواجهة

  • الورقة الرئيسة: د. فهد الحارثي
  • التعقيب الأول: د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • التعقيب الثاني: د. إبراهيم البعيز
  • المداخلات حول القضية:
  • واقع ومحددات صورة السعودية في الخارج
  • الصورة الذهنيّة للسعوديين هل هي من صنع أيديهم؟
  • تأثير المال السعودي
  • عدم وجود منتجات وطنية أو تواضع مستواها
  • استثمار القوة الناعمة: آليات التعامل مع الإعلام الغربي نموذجاً
  • السعودية ومسؤولية نشر القيم الإسلامية والعربية والدفاع عنها
  • المملكة وحرب الشائعات المغرضة
  • مكاتب الاتصال الدولية: هل تساهم فعلاً في تحسين صورة المملكة
  • ضرورة تجاوز مرحلة الإنكار
  • تحسين (الصورة) أم ‎تحسين (الأصل)”؟
  • صورة السعودية في الخارج في ضوء رؤية المملكة 2030 وبرنامجها الوطني 2020
  • توصيات ختامية: آليات تحسين صورة السعودية في الخارج

المحور الرابع: مستقبل جاستا والعلاقات السعودية الأمريكية

  • الورقة الرئيسة: م. أسامة كردي
  • التعقيب الأول: د. حاتم المرزوقي
  • التعقيب الثاني: أ. علي بن علي
  • التعقيب الثالث: أ. مطشر المرشد
  • المداخلات حول القضية:
  • الوضع الراهن وإشكالاته المعقدة
  • سيناريوهات مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية ما بعد جاستا

المحور الأول

الإعلام السعودي ومستوى تأهيله

الورقة الرئيسة: د. إبراهيم البعيز

أداء الإعلام السعودي على المستوى المحلي غير مرضي، والحضور الإعلامي السعودي لا يتناسب مع الثقل والمكانة الدينية والسياسية والاقتصادية للمملكة على المستويين الإقليمي والعالمي. وتتعدد الأسباب لذلك بين الاعتبارات السياسية والاجتماعية، وما ترتب عليها من تداعيات على البيئة التشريعية والمنطلقات المعيارية لأداء الإعلام السعودي.

ويعتقد البعض أن التأهيل هو السبب الرئيسي في ذلك، حيث شاعت في فترة مضت موجة من النقد لأقسام الإعلام في الجامعات السعودية، وضعف مخرجاتها، مما تسبب في عدم مهنية الإعلام، وهذا صحيح من حيث وصف جزء من الاشكالية، لكن هذه الاشكالية لن تحل طالما أن مشكلة التأهيل الإعلامي لم تفهم من حيث الأسباب التي أدت اليها.

الحقيقة التي قذ تغيب عن أذهان البعض هي أن أقسام الإعلام لم تستطع أن تستقطب الطلاب المتميزين ممن لديهم الموهبة والاستعداد اللازم ليكونوا كفاءات إعلامية واعدة. والسبب الأساسي لذلك أن بيئة العمل الإعلامي ليست واعدة وظيفيا. لذا يحرص الطلاب المتميزون على الالتحاق بتخصصات لها مستقبل وظيفي أفضل من الإعلام مثل التخصصات الصحية والهندسية والإدارية وغيرها. أما أقسام الإعلام فقد تحولت إلى الخيار الثالث (أو الثاني في أحسن الأحوال) لهؤلاء الطلاب المتميزين. وَمِمَّا يعزز ويؤكد هذه الجدلية أن عدد كبير من الإعلاميين البارزين تخصصوا في العلوم الطبية والصيدلة والحاسب والعلوم، وبعد تخرجهم التحقوا بالعمل الإعلامي وبعد نجاحهم فيه نسوا تخصصاتهم.

وَمِمَّا يوكد هذه الجدلية أيضا أن كثيرا من المتميزين والمؤهلين علميا في الإعلام تَرَكُوا المؤسسات الإعلامية والتحقوا بالقطاع العام بحثا عن الأمان الوظيفي المفقود لدى المؤسسات الخاصة العاملة في مجال الإعلام

المحور الثاني لهذه القضية يتعلق بقضية التدريب الإعلامي، وهنا أشير إلى مبادرة وزارة الإعلام قبل حوالي عشرين سنة على تأسيس معهد للتدريب الإعلامي(*)، ورغبت من المؤسسات الصحفية أن تشترك مع بعضها البعض في تأسيس معهد من هذا القبيل (على غرار شركة التوزيع)، لكن تردد المؤسسة الصحفية في تجاوبها للمشاركة أدى إلى إجهاض المشروع وفشله، وبعد عدة سنوات تم إحياء الفكرة من قبل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان حين كان رئيساً لمجلس إدارة الشركة السعودية للأبحاث والنشر، ويبدو أن ثقله ومكانته أحرجت المؤسسات الصحفية ووافقت على مضض وحضر رؤساء التحرير للاجتماع الأول لمشروع المعهد واعتقد أنهم أسهموا ماليا في تأسيس معهد الأمير أحمد بن سلمان، لكن ضعف حماسهم (لاعتبارات مالية وتنظيمية) للاستفادة منه في تأهيل كوادر إعلامية وتدريب حديثي التخرج من أقسام الإعلام جعل من هذا المعهد الكبير في أهدافه هزيل في أدائه.

المحور الثالث أن المؤسسات الصحفية تعتمد بشكل أساسي على المتعاونين والذين تقدر نسبتهم بحوالي ٦٠-٧٠٪‏ من إجمالي كوادرها الصحفية، وهم في الغالب موظفين في قطاعات حكومية، وهمهم الأول هو نشر أخبار إداراتهم، لذا لا يمكن أن تنطبق عليهم مفاهيم الاحتراف الإعلامي سواء المتفرغ أو المستقل freelancers

قبل عشر سنوات بادرت وزارة التعليم العالي بدعوة وزارة الإعلام لعقد ورش عمل عن التأهيل الإعلامي وحاجة المؤسسات الإعلامية(*)، وشاركت كل أقسام الإعلام في الجامعات السعودية، وكل الصحف السعودية (بطلب من وزارة الإعلام) والإذاعة والتلفزيون وكذلك مجموعة ام بي سي وحرصت وزارة التعليم العالي على دعوة ممثلين لثلاثة نماذج في تعليم الإعلام عربيا (الجامعة الأمريكية في القاهرة) وأوروبيا (جامعة بريطانية) وأمريكيا (جامعة أوكلاهوما) لعرض تجاربها في كيفية علاقتها مع المؤسسات الإعلامية

انتهت الورشة بجملة من التوصيات لكن المؤسسات الإعلامية لم تلتزم بها لأنها كانت مكلفة ماليا.

التعقيب الأول: أ. أسمهان الغامدي

بداية يطيب لي أن أشكر د. إبراهيم البعيز على ورقته المهمة، التي تناقش القضية الأهم في المرحلة الحالية والمقبلة، فالإعلام بشقيه التقليدي والجديد أصبح المحرك الأول في قضايا الدول، والمعزز الأهم لثورات الشعوب ( الخريف العربي).

تطرق د. البعيز إلى الحضور الإعلامي السعودي، وبنظري أن الحضور الإعلامي العربي بشكل عام لا يتناسب ومتطلبات المرحلة، فهناك خطر واضح وصريح يحيط العالم العربي بشكل عام والمملكة بشكل خاص، فالأمر يتطلب من الإدارات الإعلامية تكثيف الجهود والعمل (كدينامو) للصحفي.

فمن خلال معايشة قريبة من المؤسسات الإعلامية، أرى أن غالبية الجهود الإعلامية المطروحة ماهي إلا اجتهادات فردية، بعيدا عن إدارة التحرير، إلى جانب التخاذل في تقديم الجديد وعدم وضوح السياسة الإعلامية السعودية وما هو المحظور من المسموح.

فما نجده اليوم مسموح نجده في الغد ممنوع، والسبب أن الأطروحات الصحفية تخضع لرؤية الافراد، وأهواء المسؤولين في المؤسسة الإعلامية، إلى جانب عدم إيمان الصحفي بأنه صاحب رسالة، وأن قلمه وفكره مؤثر ومهم.

أما ما يخص مخرجات التخصصات الإعلامية في الجامعات، فإننا نجدها ضعيفة ولا تناسب المرحلة، بمعنى أنها لا تعتمد على المهنية ولا الممارسات اليومية، وتكتفي بالنظريات الإعلامية البعيدة كل البعد عن الممارسة الإعلامية الحقيقية.

فمن رأيي يفترض أن يكون هناك مقاعد تدريبية مدفوعة في الصحف والقنوات والاذاعات لطلاب الإعلام طوال فترة دراستهم، ليربطوا بين الممارسة العملية والنظريات العلمية، ويكون هناك توازن بعيدا عن التنظير.

ولا أتفق كثيرا مع د. البعيز في عزوف الطلاب عن تخصصات الإعلام في الوقت الحالي، فبعد نشاط مواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت من الحمقى مشاهير، أصبحت الشهرة هاجس لدى الشباب وأصبح مسمى إعلامي هدف وحلم لدى الكثير من الشباب في المرحلة الحالية.

كما أن المؤسسات الإعلامية ووزارة الإعلام والجامعات تتحمل جزء كبير من هذا، فيجب ربط التخصص بالممارسة المهنية وتخصيص مقاعد تدريبية على أن يتم استقطاب الطالب/ة المميز/ة، لينهضوا بالرسالة الإعلامية ويؤدوا المطلوب.

واتفق من جهة أخرى مع د. البعيز في أن المؤسسات الإعلامية لم تعد بيئة واعدة، لاسيما في ظل تراجع نسبة الإعلان، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها المنطقة بشكل عام، لذلك يجب أن تحرص المؤسسات الإعلامية على استحداث استثمارات جادة طويلة المدى لها، لتحافظ على كيانها، ولتعلم بأهمية رسالتها في المجتمع.

أما ما يخص محور اعتماد الصحفيين على المتعاونين، فأعتقد أن هذا سبب كبير في عزوف الإعلاميين عن العمل الإعلامي، بمعنى أنه تحول مفهوم الصحافي من صحافي ميداني إلى مراسل للجهة التي يعمل بها بهدف مادي بحت.

فلم يعد هناك استشعار للمسؤولية الوطنية وأن الإعلام هو السلطة التشريعية الرابعة وأنه المرآة الحقيقية لقضايا المجتمع، فانتقل دوره من صوت الحق إلى صوت المطبل، والهدف للأسف مادي بحت بمباركة من المؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية.

فيجب أن يكون للعمل الإعلامي رخصة ممارسة مهنية تصدر من هيئة الصحفيين السعوديين، وأن يكون هناك تقييم سنوي يرفع للهيئة من قبل المؤسسات، وأن تخلق مناصب صحفية تناسب عمر وعطاء الصحفي، بمعنى أن يتم الاستفادة من بيوت الخبرة الصحفية الميدانية التي خدمت في الميدان كثيرا ولم تعد لديها القدرة على الاستمرار، وأن تعطى مناصب إدارية في المتابعة والتوجيه وتزويد الشباب بالأفكار ومساندتهم في عمليات العصف الذهني.

فنجد للأسف أن المؤسسات تتجاهل فكرة العمر وتضع الصحافي الشاب والمسن في نفس الكفة، وذلك بسبب غياب المناصب الإعلامية وهذا غير صحيح للأسف وغير مشجع للكثير.

في الختام .. لا أرى المحتوى الإعلامي السعودي بالسيء، بل أجده جيد جدا ليقيني بأنه اجتهادي، وفيه نبذل الجهد الكبير للوصول إلى المعلومة الصحيحة في ظل تقاعس المسؤول وتملصه من الصحافي، فكل ما يطرح يسبقه رحلة كفاح كبيرة لن يحتملها إلا من كان ذو نفس طويل وكثير الالحاح.

التعقيب الثاني: أ. عبد المحسن القباني

تمكن الدكتور البعيز من شرح المشكلة واتفق معه فيما قال وأرغب في الإضافة.

  • تمتاز السعودية بأنها سوق إعلامي كبير في المنطقة فيما يعيبها عدم وجود المناخ الملائم لعمل الإعلام. أصاب غيابُ المناخ المشهدَ الإعلامي السعودي برمته بالعطب والتوهان، وهذا برأيي سبب بنيوي في ضعف المخرجات والمدخلات في قطاع التأهيل الإعلامي.
  • لا يمكن أن يعمل أي إعلام بشكل صحيح وأن يكون في المسار المسؤول إلا إذا توفر له مناخ من الحرية والأداء المدني له، بل أن يتمتع بمكانته المعروفة وهو أن يكون فوق الحكومة ليراقبها لا أن يكون تحتها لتراقبه (مع الاعتذار لجورج أوريل). الواقع السعودي يتنافى مع تلك الأطر والمثاليات، فيما ممارسات الإعلام في المملكة استمرت معطوبة لفترة طويلة، فصنعت تلك الممارسات خللا في مفاهيم الصحافة والإعلام وأعاقت نموهما بشكل سوي.
  • أما ما يخص كليات وأقسام الإعلام فهي لفترة طويلة لا تضم إلا سقط متاع عمادات القبول والتسجيل وبالتالي مدخلاتها ضعيفة بالأساس. لا ملامة في ذلك إذ لم يكن السوق الإعلامي السعودي سوقا واعدا وكانت هناك سطوة حكومية على المجال و حدّت من خلاله الفرص. فيما المؤسسات الصحافية كانت تستقطب المتعاونين نظرا لأن أحداث البلد ليست كثيرة و لا تستحق تفريغ عدد ضخم من العاملين. هنا يبرز تساؤل: هل عمل الصحافة السعودية أصلا كان عملا مهنيا يمنح أي متعاون أو متفرغ التكوين الصحيح؟. الإجابة واضحة.
  • حاليا اعتدل الحال قليلا مع فتح الإنترنت المبين. لقد تمتع الأفراد بحرية في النشر والإنتاج وشاهدنا أسماء وأعمال سعودية وصلت للعالمية بجهود فردية ومدنية وانتعشت أقسام الإعلام من كلا الجنسين بمواهب صارت شغوفة بالمجال وترغب في أن تضيف إلى نفسها والمجتمع قيمة مهنية وعلمية. السبب هو أن السياسات الرابضة الماضية تغيرت بفعل الزمن. زاد استثمار القطاع الخاص – مزيد من الصحف والإذاعات- وتعددت المشاريع الناشئة على الإنترنت والتي لا تزال تعمل بعيدا عن التنظيم أو التشريع الحكومي وربما لذلك نجحت وبرزت.
  • كنت في حديث مع رئيس تحرير صحيفة سعودية واختلفنا عما أن كان القطاع طاردا أم لا. لكن اتفقنا على أن القطاع ليس لديه الملاءة المالية العالية لينفقها على مرتبات مجزية مقارنة بقطاعات أخرى. لهذا يقول استطاعت أقسام وشركات العلاقات العامة إغراء المتميزين منهم في العمل الكامل معهم براتب مجز على أن يتحول إلى متعاون مع تلك المؤسسات ويزيد من دخله ويحافظ على توهجه في آن واحد.
  • كان هناك صحافي غير سعودي يعمل في مكتب مؤسسة صحافية أجنبية وقال لي: أشعر أن مستواي انخفض كثيرا مع مرور السنوات وبقائي هنا. ( هو على كل حال غادر)
  • متى نعرف أن إعلامنا بخير وصار لدينا المؤهلون؟:
  • حينما نبحث عن الوسيلة من أجل قراءة تقرير لافت أو تحقيق مثير أو خبر حصري وليس من أجل مقالة رأي.
  • حينما يكون الصحافي السعودي أكثر شهرة وقبول لدى الأفراد من كاتب الرأي.
  • حينما نسمع كلمة الصحافة Journalism/ press أكثر من كلمة الإعلام.
  • حينما يتقلص عدد طلاب أقسام العلاقات العامة وتزدحم أقسام ومسارات الصحافة والتلفزيون والإعلام الرقمي.
  • حينما يتم وأد وصف شخص ما بـ “إعلامي”.
  • حينما نعرف أسماء مراسلي قناة العربية في السعودية. ( التحق بمكتب الرياض لوحده أكثر من 15 مراسل منذ 2003) !!
  • حينما تستقطب مؤسسات غير سعودية كفاءات سعودية ليس من أجل سياسة الفرص العادلة equal opportunity بل لأنهم كفاءة صحافية يحتاجون إليها.
  • حينما تكون هناك مواقف نقابية بين أبناء المهنة حتى وإن اختلفت مؤسساتهم أو توجهاتهم. ما يمس المهنة أو زميلهم فهو يمسهم كلهم. هو اليوم ونحن غدا.

التعقيب الثالث: أ.د. عبدالرحمن العناد

​أشكر د. إبراهيم البعيز لتناوله موضوع التأهيل الإعلامي، ومهنية الإعلاميين في المملكة … وقد تناول د. إبراهيم هذه القضايا من الزوايا المهمة كعلاقة أقسام الإعلام بالجامعات بذلك، وما يلاحظ من ضعف في مخرجاتها، وتقصير المؤسسات الإعلامية، وبخاصة الصحف، في التدريب، واعتمادها شبه الكلي على الهواة والمتعاونين لانخفاض تكلفتهم، والحاجة لإنشاء معاهد متخصصة في التدريب الإعلامي.

وأعود للتأكيد على مسألة ضعف مخرجات أقسام الإعلام التي لها عدد من المسببات والعوامل، إضافة لما ذكره د. إبراهيم، ومن ذلك أن هذه المسألة لها علاقة مباشرة بضعف مخرجات التعليم العام التي تلتحق بالجامعات بشكل عام، كما ولها علاقة بضعف مخرجات مختلف تخصصات الجامعات السعودية، وذلك لتركيزها على التعليم النظري والتلقين، وبحث الطالب عن الدرجات والمؤهل فقط، بغض النظر عن التأهيل والفهم الحقيقي لمتطلبات التخصص، يضاف إلى ذلك إغراق أقسام الإعلام بأعداد كبيرة من الطلاب تفوق قدراتها الاستيعابية، وجل الملتحقين بتخصص الإعلام لم يكن الإعلام، بل كلية الآداب بكل تخصصاتها، أحد خياراتهم للقبول، فيأتون لأقسام الإعلام – باستثناء نسبة محدودة منهم – دون رغبة، وليس لديهم الاستعداد للعمل في مجالات الإعلام، ولهذا يتخصص أكثر من 80% منهم في العلاقات العامة، على اعتبار أنها أقرب للوظيفة الحكومية أو المكتبية، وأبعد التخصصات الدقيقة الأخرى عن الإعلام، وأيسر للبحث عن وظيفة أخرى في غير مجال الإعلام، ولم يكن الحال هكذا في السابق عندما كان القبول – على الأقل في جامعة الملك سعود – يخضع لمقابلة شخصية دقيقة، وتكون أعداد المقبولين محدودة جدا بنحو 60 طالبا، حيث الغي هذا الإجراء – بناء على طلب الجامعة نتيجة الطفرة في أعداد خريجي الثانوية العامة، وزيادة الطلب على المقعد الجامعي أيا كان – وتم الاكتفاء بمعدل عام ونسب محددة في اللغة العربية واللغة الإنجليزية لكي يتم قبول الطلاب آليا من قبل عمادة القبول والتسجيل، سواء بالقسم، أو بكلية الآداب – التي لا تكاد توضع في خيارات القبول للطلاب ويتم توجيه طلاب وطالبات، لم يكونوا يرغبون الالتحاق بها، وقد تجاوز عدد الطلاب المقبولين في قسم الإعلام بجامعة الملك سعود في أحد الفصول أربعمائة طالب، ووصل عدد طلاب القسم نحو 1200 طالب، ولم يكن القسم ولا حتى قاعاته، ناهيك عن معامله واستوديوهاته المحدودة السعة، على استعداد لذلك، وزادت أعداد الطلاب في بعض الشعب لتتجاوز مئة طالب، الأمر الذي انعكس تدريجيا على الأداء التدريسي فتحول تدريجيا ثم كليا تقريبا إلى التعليم النظري والاختبارات النظرية.

والإعلام كما أنه علم، فإن ممارسة مختلف تخصصاته فن ومهنة، والفنون والمهن – كما هو معروف – لا تعتمد في الإعداد لها والتأهيل على التعليم النظري فقط، إذ أنها تتطلب تدريبا عمليا كافيا، وهو ما يتم في التخصصات التطبيقية كالطب والعلوم الطبية والتربية وغيرها، لكن أقسام الإعلام لم تنجح حتى الآن في تنفيذ برامج تدريب قوية تكون استكمالا للتعليم النظري، واقتصرت محاولات الأقسام على التدريب التعاوني لساعات محدودة، وهو تدريب شكلي لا يجد اهتماما حقيقا لا من الجهات التي تقبل بتدريب الطلاب، ولا من الأساتذة المسؤولين عن مقررات التدريب العملي، الذين يتسابقون لأخذها لاحتسابها في نصابهم التدريسي دون جهد يبذل يتناسب مع عدد ساعاتها.

وفي تقديري أن المؤسسات الإعلامية كافة، وأجهزة العلاقات العامة في القطاعين الخاص والعام، تتحمل جزئيا بعضا من مسؤولية تأهيل الإعلاميين في المملكة، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال الجدية في تنفيذ مقررات التدريب العملي لطلاب أقسام الإعلام، ومن خلال عمل دورات تدريبية متخصصة بفنون محددة كالتحرير أو التصوير أو الإخراج … وكذلك من خلال (تنازلها) وقبولها خريجي الأقسام حديثي التخرج لتدريبهم على رأس العمل والصبر عليهم، كما حدث في السابق في القطاع الحكومي الذي استوعب أعدادا كبيرة منهم بناء على معايير الخدمة المدنية فقط (المؤهل)، وقد نجحت نسب كبيرة منهم في العمل الإعلامي، ووصل بعضهم إلى مدراء قنوات تلفزيونية أو إذاعية أو رئاسة تحرير صحف يومية ومجلات، ومناصب عليا في بعض أجهزة الدولة وفي كبرى الشركات والمؤسسات بالمملكة.

أما مهنية الإعلام فهي تتعلق – بالإضافة إلى التأهيل الجيد والرغبة والاستعداد للعمل في المجال – بالتفرغ الكلي والنظر للوظيفة كمهنة وحرفة أساسية، وليست هواية أو (عمل إضافي) أو (عمل آخر)، وهي الصفة الأكثر انتشارا في وسائل الإعلام المطبوعة وفي محطات التلفزيون (الفضائية) الخاصة التي كثرت في الفترة الأخيرة، كما لا تكون مجرد وظيفة حكومية ذات أجر معلوم مضمون سواء عمل صاحبها أو لم يعمل، وهو ما يتطلب تغيير بيئة العمل الإعلامي الحكومي وتطوير لوائحه المالية والإدارية بحيث يتناسب العطاء مع الدخل، ويتم تقدير المواهب المؤهلة والمبدعة وتطويرها وتشجيعها في مجالات الإعلام المختلفة.

بقي أن نذكر أن المتابعات غير المنتظمة لخريجي الإعلام تفيد أن خريج الإعلام ربما يكون مطلوبا في سوق العمل أكثر من غيره من خريجي التخصصات الإنسانية والاجتماعية الأخرى، وهم – أي خريجو – الإعلام يطلبون لعدد كبير من الوظائف في القطاع الخاص، وبعضها بعيد عن الإعلام، فنجحوا في ممارسة عدد كبير من المهن والوظائف المكتبية والميدانية وبخاصة تلك التي تتطلب التعامل مع الجمهور وجها لوجه بما في ذلك المبيعات والتسويق.

المداخلات حول قضية: (التأهيل الإعلامي)

  • واقع ومعوقات التأهيل الإعلامي الراهن

أشار د. خالد الرديعان في تعقيبه أنه يتفق مع د. إبراهيم البعيز في كل ما طرح، كما يتفق مع أ. عبدالمحسن القباني في قضية مناخ الحرية الذي يركز عليه كثيرا في النهوض بالإعلام بشكل عام (Freedom of expression) فهي مسألة في غاية الأهمية وهي ما ينقص الإعلام السعودي وإن كانت تتوفر ولكن ليس بالشكل المطلوب والمأمول. الصحفي والكاتب المحلي عموما يسير في حقل الغام ويواجه صعوبات حتى من قبل زملاءه أحيانا.

وأوضح د. الرديعان أنه يقول ذلك من واقع ما دار حول كتابات طراد العمري.. صحيح قد لا نوافق على أسلوبه وحدة لغته أحيانا، لكن ما يطرحه يظل هم وطني نوافقه عليه باعتقادي أو على الأقل معظمنا. نحن نراه يكتب بجرأة زائدة وبصحيفة غير سعودية وبالتالي يفترض أن نسأل لماذا يكتب في صحيفة غير محلية؟

السبب واضح وهو هامش الحرية الذي قد لا توفره الصحف المحلية ومزاجية بعض رؤساء التحرير ومدى قربهم وبعدهم من صناع القرار.

هناك بالطبع جوانب أخرى للقضية، لكني أشدد على “حرية التعبير” التي يفترض أن تكون واسعة وذلك كأحد الأركان الأساسية التي تساعد في تهيئة الإعلام والدفع به قدما. كما أقترح على صحفنا المحلية أن تبعث بعض كتابها المتفرغين لبعض الدورات والتجول في الخارج لفترة مناسبة لاكتساب المزيد من الخبرات والاحتكاك بغيرهم، وربما يتم إرسال بعضهم للصحف العالمية العريقة للاطلاع على أسلوب عملها ولكسب مزيدا من الخبرة في العمل الصحفي والتحرير.

وذكرت د. عائشة حجازي أن الدورات والبرامج التدريبية في الإعلام وغيرة أصبحت تجارة رائجة، فقد أصبحنا نرى مهرجين ومهرجات في مواقع التواصل واليوتيوب يطلقون على نفسهم إعلاميين ويتحدثون وكأنهم يحملون الشهادات والخبرات العالية، وبما أن أحد تعريفات الإعلام هو سيطرة الأقلية على الأغلبية فهناك سؤال كبير، ما مدى مصداقية أقلية الإعلام المؤثرة في الأغلبية المتأثرة؟

وأشارت أ.د فوزية البكر إلى أن معرفة التجارب العربية والعالمية في تدريس الإعلام وكيف تدار تجعلنا تقيم ما نملك؛ فهي تعرف مثلا أن بعض الجامعات الغربية تؤكد علي التخصص في دراسة الإعلام؛ بمعني أنه يتم تخريج متخصص في الشؤون الاقتصادية وآخر في الشؤون السياسية وهكذا، ولهذا يصبح للإعلامي ثقل حينما يكتب في حين تغلب الهواية أو للعلاقات الشخصية علي مهنة الصحفي في بلادنا ومن ثم قل ما يعتد بما يطرح.

وذهب د. خالد الرديعان إلى أن هناك خيط رفيع بين الكاتب والصحفي يصعب تحديده. وهل يمكن اعتبار الكاتب مبدع والصحفي ناقل خبر.. هل هذا التوصيف صحيح؟

وأوضح أ. عبد المحسن القباني أن الكاتب يقول رأيه، بينما الصحفي يقدم معلومات ويجلب آراء الآخرين ويقول للمتلقي هذه هي.

وذكر أ. مسفر الموسى أن الصحافي قد يصل إلى مراحل متقدمة من جمع المعلومات وتحليلها ومن ثم بناءها وترتيبها ومن ثم الوصول إلى نتائج.. في بعض الفنون الصحافية.. قد يقول الصحافي رأيه في الفرضية الأساسية… ثم يقوم بإثباتها “صحافة العمق”.  وقد يتطلب منه معالجة البيانات الكبيرة من خلال برامج وتطبيقات التحليل الإحصائي.. وبالتالي.. فإن المهارات المطلوبة قد تقودنا إلى نوع التأهيل المطلوب.

على سبيل المثال قد تصدر الحكومات معلومات مضللة لحجم البطالة أو نسبة المحتاجين للسكن… هنا على الصحف أن يكون لديها قسم متخصص في صحافة البيانات لمراجعة مصداقية البيانات أو التقصي مرة أخرى.

وأضافت أ. مها عقيل أنه وحتى الكتاب في صحفنا بعضهم غير مؤهل ليكتب مقالة رأي. هو فقط يطبل أو يلمع أو يبدي رأي غير مدروس بالإضافة أنه من الصعب تفهم كيف لكاتب أن يكون له عمود يومي إذا كان غير متفرغ للكتابة وكيف نقبل أن يكتب عن كل شيء وفي كل شيء. الكتاب المتخصصين قلة وهذه مشكلة أخرى.

أما الحديث عن التأهيل الإعلامي فنحن كل مرة نكرر كثير من النقاط التي ذكرها د. البعيّز و أ. أسمهان الغامدي وأ. عبدالمحسن القباني والبروفيسور العناد في أوراقهم الغنية بالمعلومات والآراء القيمة. المشكلة كما ذكروا هو في اُسلوب التعليم والتدريب في الجامعة وقلة الاهتمام بالتدريب على رأس العمل. كما أن الصحافة أصبحت مهنة من لا مهنة له ومصدر رزق إضافي ليس إلا. ليس هناك أي اهتمام بالمصداقية أو الحرفية أو مستوى الكتابة والطرح. ولكن في الخارج وفي الصحف المحترمة لا يحصل كاتب على شرف نيل عمود سواء يومي أو أسبوعي إلا من كان له خبرة في مجاله أو اسمه معروف وليس لأنه قريب أو صديق رئيس التحرير.

وفي ظن م. خالد العثمان فإن الصحافة عمل جماعي يحتاج فيه الصحفي إلى فرق مساندة وربما باحثين ومحللين وغير ذلك لتناول قضية أو خبر بينما كاتب الرأي يعمل منفردا بطرح رأيه في قضية ما.

وعلق أ. عبد المحسن القباني على ما ذكرته أ. مها بأنه لا يرى أن مشكلة “التأهيل الإعلامي “هي مشكلة الجامعات بل المشكلة بنيوية تتعلق بالنظام الإعلامي والسياسات الحكومية وهيكلة المجتمع.

الواقع عندنا: الإعلام جزء من الحكومة. وهذا بائس.

الطموح: الإعلام جزء من المجتمع.

ويرى أ. مسفر الموسى أنها عملية متكاملة تتداخل جزئياتها… ومن الممكن أن ننظر حتى في طريقة القبول لطلاب الإعلام.. باعتبارهم الحاصلين على درجات النجاح الأقل نسبة في الثانويات العامة… حيث توجههم إدارات القبول إلى أقسام الإعلام وبعض الأقسام لأن رغباتهم لم تتحقق. وبالتالي… فإن نسبة عالية منهم ليس لديها أي طموح صحافي.

ومن جديد أوضحت أ. مها عقيل أن الموضوع هو التأهيل الإعلامي وذلك يبدأ بالتعليم والتدريب، أما ما ذكره أ. عبدالمحسن عن المشكلة البنيوية وارتباط الإعلام بالحكومة بدلا من المجتمع فاتفق معه. إعلامنا مُسير وليس مُخير.

ومن جديد أشار أ. عبد المحسن القباني إلى أن التأهيل عملية متراكمة. فلا يمكن أن يكون هناك تأهيل جيد ومؤسساتنا الرصينة ” الشرق الأوسط.. الحياة .. mbc ..” كانت في الخارج طوال سنوات ذهبية، حيث صقل العرب أنفسهم من خلالها وبقينا نحن في الداخل نتأهل مع أجهزة حكومية وصحف مطبوعة بائسة.

وتعتقد أ.د فوزية البكر أن مشكلة الإعلام عندنا أنه يفتقد المصداقية باعتباره مملوكا للحكومة ومسير بحسب ما تراه.

إذا هو ليس سلطة حقيقية تؤثر في صنع القرار أو توجه الرأي العام، إضافة الي أن موجة الإعلام الالكتروني أصابته في مقتل.

من مكانة الإعلام ودوره في صنع القرار تتحدد مكانة ومهنية الصحافيين والكتاب، وأغلب الظن أننا لا نفتش في صحفنا حين نلتقطها للقراءة سوي عن شيئين : قرار حكومي صادر نقرأ ثناياه أو كاتب مقالة نحترم رأيه.

وقالت أ. مها عقيل: هل يمكن الزام المؤسسات الصحفية بعدم تشغيل الموظفين الحكوميين صحفيين متعاونين؟

المتعاونين هم أحد أسباب ضعف الصحافة عندنا رغم أنني أتعاطف مع السيدات منهم لأن معظم السيدات الصحفيات متعاونات ولكن ينقصهم التدريب والتأهيل.

تصوروا أتى متعاون مع إحدى الصحف يعمل مدرسا ليغطي أحد مؤتمراتنا الصحفية وكان كل همه أن يحصل على البيان الختامي والملخص الخبري الذي سنعده كي يكتب عليه اسمه ويرسله للصحيفة وعندما تأخرنا في عقد المؤتمر الصحفي لأن المؤتمر نفسه لم ينتهي اضطر أن يخرج ليعود لمدرسته ويطاردني بالهاتف لأرسل له المادة جاهزة على الايميل.

وذكر د. إبراهيم البعيز أن المؤسسات الإعلامية الخاصة هي مؤسسات تجارية، لذا من الطبيعي أن تكون قرارتها ذات بعد ربحي ولا يجب أن نلومهم في ذلك، اللوم على من لا يسعى لتطبيق الأنظمة التي وضعها فنظام المؤسسات الصحفية به مادة تلزم المؤسسات على تخصيص نسبة من أرباحها للتدريب، لكن هلامية الصياغة لهذه المادة وعدم تطبيقها هو الذي أسهم في تدني الفرص التدريبية الكوادر الإعلامية الشابة. (المادة الخامسة من الباب الأول لنظام المؤسسات الصحفية).

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا:  سأتحدث عن جملة نقاط أحسبها ذات علاقة بالتأهيل والتدريب .. لاسيما وقد عشت وقتا غير قليل في تدريب الطلاب وفي تدريس مواد ذات طبيعة عملية ..

بداية أود أن أبث بعض روح الأمل من حيث وجود كفاءات لا تزال هي من يدير ويصنع العمل الإعلامي ممن تخرجوا من أقسام الإعلام … ومن حيث حرص الأقسام على وضع خطط جديدة لهذه الأقسام ولشعبها لتستوعب الجديد في الساحة الإعلامية كما هو الشأن لدينا في قسم الإعلام سابقا وحاليا كلية الإعلام والاتصال …

لذا كنت ولازلت أجد طلابنا في كثير من المحطات التلفزيونية والشركات والمؤسسات هم من يتسنمون العمل الإعلامي ..

وأسعدني أن يقول لي مسؤول في إحدى القنوات أن طلاب قسم الإذاعة والتلفزيون في جامعة الإمام أجدهم أكثر تأهيلا وتدريبا … هذا الكلام لا أقوله لأثني على قسمي بقدر ما أنا أستخدمه مؤشرا على وجود اهتمام للتأهيل لدينا في أقسام الإعلام ..

هذه المكاسب اليوم أنا قلق عليها فقد ترحل أو يرحل أكثرها لأسباب عديدة ..

فمن زاوية أخرى مصدرها التخصص والاهتمام بالتدريب والرغبة في الشفافية إضافة إلى أني اعددت بعض الدراسات حول ذلك .. أقول إننا نحن في أقسام الإعلام نتحمل كثيرا من المسؤولية في عدة جوانب ..وسأسرد بعض ذلك مما يمكنني قوله متحفظا على مالا يمكنني الحديث عنه ..

  • نحن لا نمنح المواد ذات الطبيعة العملية والتدريبية لمن يمتلكون مهارات تدريبية كافية أو مناسبة ولا نستقطب لها كفاءات مهنية جيدة ما عدا استثناءات قليلة ..
  • بعض المواد العملية التدريبية قد يتم اسنادها لغير المتخصص، مثلا مشروع تخرج في قسم الإذاعة والتلفزيون يسند لأستاذ في الصحافة ..!!
  • بعض أساتذة المواد العملية يستغلونها في منح أنفسهم الكثير من الإجازات .. وهذا يعني أن الطالب لا يتلقى جرعة كافية .. مثلا مادة من ثلاث ساعات ساعتان في يوم وساعة في يوم آخر قال لهم أستاذ متعاون نكتفي طوال الفصل بالساعتين فقط .. وكل هذا يتم بلا رقيب …!
  • نحن لا نمتلك بيئة الإنتاج التي تتيح للطالب أن يتدرب ويتأهل للعمل فعلا .. فالتجهيزات تتقادم وتتهالك، والاستوديوهات ينقصها الكثير، ولا سبيل حقيقي للتدريب والتأهيل إلا بقناة تمتلكها الجامعة وتكون بيئة تدريبية إنتاجية ..
  • تحديث الاستوديوهات يمر بمعاملات وإجراءات بيروقراطية طويلة وحين تصل لمرحلة الاعتماد النهائي يكون الجديد من التجهيزات المطلوبة قد تقادم ..
  • عدم وجود صيانة وكفاءات قادرة على متابعة متطلبات التجهيزات التي يستخدمها الطلاب في التعلم والتدريب .. مثال هذا العام حتى الآن كل أجهزة الطلاب في إحدى القاعات لدي لا تعمل ..
  • تكليف أساتذة يدرسون مواد ذات طبيعة عملية فيدرسهم المادة برؤية نظرية، مثال أستاذ يدرس مادة تصميم البرامج ولم يفتح الطلاب الأجهزة أو يستخدموها اطلاقا .. كيف يتعلم هؤلاء؟

هناك خلل وقصور كبير، أسبابه كثيرة .

وذكر م. أسامة كردي أنه يتعامل مع الإعلام كمستفيد من خدماته منذ ما يزيد عن عشرين عاماً و قد لاحظ و بوضوح ارتفاع نسبة السعوديين العاملين في قطاع الصحافة كما لاحظ تطور اُسلوب هؤلاء الصحفيين في التعامل مع القضايا المطروحة على الرغم من ما يطرأ من تعديلات على الخبر أو المعلومة من إدارة التحرير. و لا يعني ذلك عدم الحاجة إلى التدريب و التعليم المستمر.

وأضاف د. الرديعان: أن من شروط نجاح الصحافة توفر عدة شروط ومنها أن يكون الشعب قارئا وهذه الخصلة لا تتوفر عندنا… صحيح نعرف القراءة والكتابة لكننا لسنا ممن اعتاد على القراءة النهمة كما تفعل بعض الشعوب. ونستدل على ذلك من قلة الأماكن التي تبيع المادة المطبوعة عموما فهي تقتصر على بعض المحلات وليست ظاهرة شائعة كما في معظم المجتمعات..

والملاحظ أن طريقة إعلامنا عموما غير مهنية البتة.. مثلا ماذا حدث لفتاة جورجيا التي هربت هناك؟ هل تابعتها الصحافة… أنا كقارئ بسيط لا أزال قلق على مصير الفتاة وأتمنى لو أعرف هل انتهى موضوعها على خير…

أيضا الفتاتين اللتين تم احتجازهما في باريس منذ عدة أسابيع. واليوم لدينا فتيات كوريا فالمعلومات عنهما مقتضبة وأن القضية تتابعها السفارة السعودية في سيوول دون تفاصيل.

أين الصحافة التي تتابع وتستقصي لتقديم شيء مفيد للقارئ؟ يمكنني تفهم الجانب الاجتماعي وقضية الفضيحة الخ، لكن يظل على الإعلام دور تنويري مهم يجب القيام به فنحن أمام مشكلة هروب فتيات قد تتفاقم لتصبح ظاهرة اجتماعية.

وقال أ. عبدالله الضويحي: يظل التقصير من جانب الإعلام قائما؛ فبإمكانه معالجة الحدث دون الدخول في القيم والمحاذير الاجتماعية.

وقال د. عبد الله بن صالح الحمود في تعقيبه: إذا ما اردنا أن نتحدث عن الإعلام ، والذي قد أعطي من لدن العديد من المختصين تعاريف عديدة ، منها أن الإعلام هو نشر المعلومات بعد جمعها وانتقائها ، وهو الإقناع عن طريق المعلومات والحقائق والأرقام ، وهو التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت ، وهو ليس تعبيراً ذاتيا من جانب الإعلام .

من هذا التعريف وأنا لست مختصا في الجانب الإعلامي، عدا أنني أعتبر نفسي هاو بحكم مشاركاتي الصحفية ككاتب عمود أسبوعي سابقا في صحيفة الجزيرة في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي .

فقد كنت أرجو في ذلك الزمان حينما أشرع في إعداد مقالة معينة ، أن يكون موضوعها يلامس الحدث أو الأحداث التي تنشئ ويكون المجتمع تواق إلى أن يقرأ هذا أو ذاك الحدث والذي يفترض أن يكون الإعلام خصوصا المقروء حاضرا وبشدة للوصول إلى علاج مأمول.

من هنا كنت أنا وغيري نتوق إلى أن نجد أمامنا وبيننا من هم مختصين في كافة الصنوف الإعلامية.

ولهذا كنت أتساءل لم لا يكون لدينا متخصصين في كافة أو أكثر فروع الإعلام ، ومن ذلك على الأقل ممن هم مختصين في : ( الإعلام الاقتصادي- الإعلام الأمني- الإعلام التربوي – الإعلام السياسي – الإعلام الفني ).

والتساؤل هنا أيضا وهو هل للاختصاصات الإعلامية حاجة تتطلب من أن تدرس في كليات الإعلام أو أقسام الإعلام، أم أن الأمر يتوقف على التدريب والتأهيل ما بعد المرحلة الجامعية أو حتى لأي صحفي ليس بالضرورة أن يكون جامعيا .

في اعتقادي أن الإعلام المتخصص وفي هذه المرحلة يتطلب أن يتوافر في أي مجتمع إعلاميون متخصصون في كافة أفرع الإعلام ، ولا يليق بمهنة الإعلام أن يدعي كائن من كان أنه قادر على أن يكون ذو تخصصات نوعية في الإعلام وفي قطاع أضحت الحاجة إليه تشكل ذود عن المجتمعات .

ومن جانبه قال د. علي الحارثي: كل المواضيع التي بحثها منتدى أسبار من البداية إلى الآن وأخرها الموضوع الذى بين أيدينا ( موضوع التأهيل الإعلامي ) تتحدث عن نقد المخرجات ونقد بيئات عمل طاردة ، مخرجات التعليم والتعليم الجامعي ، مخرجات التدريب المهني والتقني ، مخرجات البحث العلمي وحتى مخرجات الابتعاث من أرقى دول العالم ، إضافةً إلى مخرجات الرؤى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها . أما بيئات العمل في كلا القطاعين الحكومي والخاص فهناك شبه إجماع أو إجماع من الزملاء والزميلات على أنها بيئات في أحسن أحوالها طارده محبِطة مثبٍطة غير محفٍزة ،، وموضوع التأهيل الإعلامي خير شاهد على ذلك . فلا مخرجات أقسام الإعلام جيدة ولا البيئة الإعلامية بأنواعها وأشكالها مفرِحة وجاذبة . فما هي الأسباب؟ هل هي في الإنسان المتلقي؟ هل هي في البنية السياسية المحتكرة؟ هل مرد ذلك السلوك الاجتماعي الذى طبًعته السياسة حتى أصبح أليف للغاية؟ هل هذا يعود لمخرجات الثراء والطفرات اللذان أورثانا الاتكالية وانعدام روح المسؤولية ؟ ..الخ، أم أن طرحنا للمواضيع مجانب للحقيقة ومبالغ في النقد إلى درجة تصديقنا لما نطرح ونقول ؟ أسئلة تحتاج إلى عصف ذهني يربط بين هذه المتاهات والسراب الذى نحسبه ماء .

وعلق أ. عبد المحسن القباني على ما طرحه د. الحارثي بقوله: نقطة الثراء جيدة جدا؛ فمهنة الصحافة لا تنمو في المجتمعات المخملية. ونحن عشنا في ثراء وبحبوحة لعقود انصرفنا من خلالها عن مهن ميدانية ذات جهد خاص.

وأضاف د. إبراهيم البعيز أن هناك ظاهرة تتسم بها الصحافة السعودية، وقل أن نجد لها مثيل في الصحافة العالمية، وهي كثرة كتاب المقالات والأعمدة الصحفية. أتذكر قبل عدة سنوات عملت مع عدد مع الطلاب لحصر الكتاب ومقارنة عددهم بعدد الصحافيين (المراسلين)، ووجدنا أن عدد الكتاب هو الأكثر.

ولعل السبب في ذلك أن المقالات والأعمدة تغطي عجز الصحافة السعودية في الفنون الصحفية الأخرى مثل التحقيقات والتقارير واللقاءات والتحليلات وهذا العجز مؤشر على ضعف المهنية.

والملاحظة الأخرى غياب الكتاب المتخصصين حيث تجد كتاب يتجولون بين مختلف قضايا الشأن العام بدون تركيز ومعرفة تؤهلهم لمساهمات ذات عمق يستحق القراءة، وهم في الغالب يبحثون عن الظهور ، وهنا يمكن أن نتذكر كلمة الملك فهد رحمه الله في اللقاء مع أول مجلس شورى في عام ١٤١٢ حين قال لهم ما معناه “عرفنا معظمكم من كتاباتكم في الصحافة” ومنذ ذلك الحين والتسابق على الكتابة في الصحافة على أشده.

وفي إطار التعقيب على قضية التأهيل الإعلامي، جاءت مداخلة أ. سعيد الزهراني تحت عنوان: التدريب الإعلامي.. إرث الأعراف الإعلامية الثقيل ! وقال فيها: كتب الدكتور عبدالله الغذامي هذه التدوينة التويترية :(عندي اقتراح لأقسام الإعلام، دراسات عليا، عمل أبحاث عن مقاطعات المذيعين.. الإخفاقات ، التوقيت ، نظام البوصلة الذهنية ونماذج للمهارات).

علقت قائلاً: قد ترى أستاذنا أن هذا يتعلق بالأداء والممارسة وهي مهام مراكز التدريب المرموقة فيما يتحتم على دراسات الإعلام بحوث الفلسفة والنظرية.

أستعيد هذا التجاذب لأطرح قضية ضبابية الغاية من مرحلة الدراسات العليا الإعلامية هل هي فلسفية أم وظيفية؟ والسؤال يمتد لمرحلة البكالوريوس أيضا في ظل غياب معامل تدريب قادرة على إنتاج كوادر إعلامية مؤهلة.. ناهيك عن قصور خلل خطط التعليم التي تكتفي بفصل تدريبي واحد فقط وغالباً لا يكون إلا شكلياً..

أعود إلى عنوان هذه المشاركة المتعلق بأعراف المهنة الثقيلة..

في حالتنا الإعلامية المهنية نقف أمام تجربتين استطاعتا كسر تروس الأعراف الإعلامية التي أثقلت الأداء الإعلامي لدينا على امتداد عقود.. وهذه الأعراف في تقديري إحدى أهم معضلات الإنتاج الذي لم يرض عنه أحد..

التجربة الأولى لمؤسسة والثانية لأفراد ..

المؤسسة مثلتها صحيفة الوطن عندما خلقت نقلة نوعية مهمة في تاريخ الصحافة السعودية وأشعلت جذوة التطوير والتجديد والمجاراة..

الأفراد مثلها أستاذنا الدكتور فهد العرابي الحارثي وعصبة مجلة اليمامة أن ذاك.. وما بين هاتين التجربتين وقبلهما وبعدهما تومض بعض المحاولات الأخرى منها تجربة الأستاذ محمد التونسي في قناة الإخبارية.. إلا أن العلامة الفارقة في تقديري لهاتين التجربتين..

التحدي الأهم يكمن في إيجاد بيئة إعلامية خلاّقة وقادرة على توليد الأفكار والمشاريع والتجارب المتجاوزة والقادرة على كسر أعراف المهنة التنميطية التي أثقلت الأداء الإعلامي لدينا.. وبرمجت العقول والكوادر ضمن إطار الممارسة المتكلس..

وقال أ. عبدالله الضويحي في مداخلته: الحديث عن الإعلام في عمومه حديث ذو شجون خاصة لمن عاصره وعايشه ..

عندما دخلت الإعلام قبل أربعين عاما أو أكثر لم يدر بخلدي أنني سأستمر فيه أو ( أحترفه )

كنت وقتها طالبا في الجامعة وأنهيتها في مجال ” العلوم والتربية” متخصصا في ” الفيزياء والرياضيات” وعرض علي التفرغ وقتها واعتذرت واستمريت ” شبه محترف ” لكنه طغى على جوانب كثيرة وأخذ وقتي وجهدي ربما على حساب مصالح دنيوية ..

جيلي والجيل الذي سبقنا وأساتذتنا وفطاحل الإعلام في مصر ولبنان والعراق لم يدرسوه أكاديميا لكنهم نجحوا فيه أكثر من بعض المتخصصين لأسباب ثلاثة:

  • أن دافعهم له كان الهواية وحب المهنة.
  • التأهيل الذاتي.
  • القراءة والاطلاع في شتى المعارف والعلوم بمعنى تثقيف أنفسهم خارج إطار المهنة إيمانا منهم بأهمية ذلك.

السؤال المطروح: اين إعلاميو اليوم من هذا !؟

أشار أ.د. عبدالرحمن العناد في تعقيبه إلى النقطة الأولى؛ عندما تحدث عن أقسام الإعلام وأنها لم تعد تمحص الداخلين إليها وأصبح معيار القبول فيها حصول الطالب على مقعد في الجامعة.

هذا الأسلوب جعل العمل الإعلامي لدى كثيرين يتحول من مهنة إلى وظيفة تؤدى في ساعات معينة مقابل أجر محدد.

أتذكر في النصف الثاني من السبعينات الميلادية وكنت وقتها في جريدة الرياض أن مجموعة من طلبة الإعلام ( يبدو الدفعة الأولى) في جامعة الرياض ( الملك سعود حاليا) كانوا يتدربون لدينا وأذكر منهم إبراهيم المهنا وتركي العيار وسلطان البازعي وصالح السبتي وطلعت وفا (رحمه الله) ومحمد الأحمد منهم من أكمل دراسته العليا ومنهم من احترف المهنة ونجحوا فيها وكان في القسم استوديوهات تلفزيونية وإذاعية متكاملة للتدريب والتأهيل وصدرت رسالة الجامعة لهذا الغرض ..

كانت تلك التجربة ناجحة للطرفين فالطالب يتأهل ميدانيا والصحيفة تحصل على كوادر تنضم إليها فيما بعد كما حصل لجريدة الرياض.

 الآن .. لم تعد هذه التجارب موجودة لأسباب يطول شرحها ..

معوقات التأهيل:

بالإضافة إلى ما ذكره الزملاء هناك في نظري عدد من المستجدات – إن صح التعبير- كان لها دور في ضعف التأهيل الإعلامي لدى الصحف والمؤسسات الإعلامية من أبرزها:

  • الطابع التجاري:

في فترة الركود الاقتصادي منتصف الثمانينات الذي أعقب الطفرة الأولى التفت رجال الأعمال الأعضاء في المؤسسات الصحفية للمؤسسات   لتعويض دخولهم فطغى الطابع التجاري من خلال الإعلان على العمل الصحفي حتى وصل لتحكم المعلن في مسار الصحيفة وهؤلاء لا تهمهم الرسالة الإعلامية قدر أهمية رؤوس أموالهم.

  • التقنية الحديثة:

تطور التكنولوجيا من الهاتف إلى الفاكس ثم النت قتل الصحافة الميدانية التي هي المكان الحقيقي لإعداد الصحفي الذي أصيب بالخمول وتلقي المادة وهو في مكتبه دون عناء يذكر.

  • العلاقات العامة:

تطور الجهات الحكومية وتأسيس إدارات للعلاقات العامة لديها ترسل أخبارها للصحف ويتلقاها الصحفي في مكتبه ويضع عليها اسمه فمحاسبته صارت على القطعة وليس مكافأة ثابتة.

وهذا الأسلوب ألغى الإبداع والبحث عن الحقيقة لدى الصحفي لأن هذه الجهات لا ترسل إلا ما يتوافق وسياستها بل وبعضها أصبحت علاقات عامة للمسئول وليس للجهة.

  • ولا ننسى أيضا: أن هناك صراع قام بين الحرس القديم في الصحف وخريجي أقسام الإعلام كل يدعي أنه الأفضل الأول بخبرته والثاني بشهادته ولم يستفد كل منهما من الآخر.
  • بقي نقطة مهمة:

أن للإعلام وهجه وسحره المستمد من الشهرة والأضواء فأصبح مجالا خصبا لمن هب ودب و ” مهنة من لا مهنة له” ساعد في ذلك القنوات الإعلامية خاصة المرئية باستضافة هؤلاء كمحللين ومنظرين في كثير من القضايا وإضفاء لقب ” إعلامي ” عليهم أو هم الذين أصبحوا يعتبرون أنفسهم كذلك وهو ما تجلى واضحا في الإعلام الرياضي.

  • مقترحات عملية لمعالجة أوجه القصور في التأهيل الإعلامي

من جهته قال أ. عبد المحسن القباني: مراكز التدريب المتميزة هي التي تكون من رحم مؤسسات صحافية وسينمائية ذات جودة عالية في الممارسة. ولأن الثاني لا يتوفر في السعودية فإن الأول غير متوفر.

أما موضوع التدريب في الكليات والأقسام فأظن أن فائدتها محدودة. فأعضاء هيئة التدريس انصرفوا عن تحديث مهاراتهم لارتباطهم بالبحث والنظرية.

هناك حل اقترحه وهو تنويع الكليات والأقسام بصنفين وهم أعضاء الهيئة لينشغلوا بالبحث فيما يكون بعض من في حكمهم (معيد – محاضر) مرتبطين بمقررات ذات الطبيعة العملية والممارسية، و أن تحول تلك الأموال المخصصة لابتعاثهم للدكتوراه إلى أن تكون مخصصة للتدريب الصيفي في مراكز تدريب إقليمية وأجنبية في المهارات ذات العلاقة. وهذا أفضل من الاجبار على إكمال الدكتوراه..

بينما يرى أ.د. عبدالرحمن العناد أن الصحيح هو أن يكون في أقسام الإعلام فنيين مؤهلين عمليا لتولي تدريب الطلاب في حصص التدريب العملي .. يكونون مساعدين للدكاترة، هذا هو المعمول به في جامعات العالم.

واتفقت د. عائشة حجازي مع هذا الرأي باعتبار أن كل ما يؤخذ هو من جانب نظري بحت ويخرج الدارس للعمل ويدرك أن ما تعلمه نظريا إما غير مطبق أو هو غير مؤهل لممارسة ما هو موجود.

وأوضح د. ناصر القعود أنه لينجح الإعلامي ويتميّز لابد له من تعليم وتدريب متميز في تخصص الإعلام إضافة تخصصه في مجال آخر ، اقتصاد أو اجتماع أو سياسة أو أي تخصص آخر ليحظى المجتمع بإعلام متخصص يقدم تقارير متخصصة وليس إعلاما عاما بلا هوية وبلا قدرة على متابعة والإسهام في قضايا المجتمع، إضافة إلى تخصصه.

وبدوره أضاف أ.د. العناد أنه بالنسبة للإعلام المتخصص هناك مدرستان: متخصص يتلقى تدريبا في الإعلام، أو إعلاميا يتلقى تعليما في التخصص.

المدرسة الاولى تناسب إعلاميين للوسائل المتخصصة الموجهة لأصحاب تخصص أو مهنة  والثانية تناسب الصفحات والبرامج المتخصصة في الوسائل العامة الموجهة للجمهور العام.

في حين يرى م. أسامة كردي أن قطاعنا الإعلامي يحتاج بشكل عام إلى التوسع في ترخيص مكاتب الوسائل الإعلامية العالمية و لعل أهم أهداف ذلك هو نقل الصورة الصحيحة عن المملكة و نقل الخبرة العالمية إلينا.

كذلك فإنه ومن خلال تواصله مع الإعلام المرئي المحلي خلال سنوات طويلة ماضية اتضح له بما لا يدع مجالا للشك الحاجة الكبيرة إلى تحسين اُسلوب اختيار العاملين فيه من مخرجين و مصورين و مقدمي البرامج و تدريبهم تدريبا مستمراً.

وفي تصور أ. سمير خميس فإنه إذا أردنا أن نؤهل صحفياً محترفاً لصحافة مهنية فلا بد أن نضمن لصاحبة الجلالة أمرين مهمين، الأول منها يؤدي للثاني:

– حرية الرأي التي بدورها تسمح بظهور عمل صحفي مهني ومحترف يغطي عائداته..

فمع غياب حرية الرأي يتنمط العمل الصحفي ويصبح مكروراً مما يفقده مصداقيته وحداثته وجدته الأمر الذي يجعل من إنشاء صحيفة وضمان استمراريتها وربحها عملاً عسيراً إن لم يكن مستحيلاً..

في دول الخليج – كعادتنا – كنا استثناء، فبدعم حكومي بارز من عائدات النفط الضخمة، قضى في البداية على صحافة الأفراد ثم أسس لصحافة كان قوامها الخوف والرهبة من مناقشة أي محظور في السياسة أو الدين أو المجتمع أو حتى الشؤون المحلية، نشأت صحافة كُتب لها الاستمرارية إلا أنه لم يكتب لها النجاح في مواكبة كثير من القضايا المهمة على كافة المستويات بدءاً من المحلية وحتى العالمية؛ لكنها وللمفارقة كانت تتمتع بعائدات مالية مهولة جراء الإعلانات الضخمة التي تنهمر عليها سيما في تقلد شخصية اعتبارية لدينا لمنصب حساس كالملك أو ولاية العهد أو وفاة أحد هذه الشخصيات..

“لعلي هنا أشير إلى تزامن إنشاء صحيفة الشرق في ذات السنة التي توفي فيها الأمير سلطان والأمير نايف – رحمهما الله – الأمر الذي مكنها من تحقيق الحد الأعلى للإعلان في سنة واحدة رغم حداثة تجربتها”

عائدات النفط لم تكن شراً محضاً على مستوى حرية الرأي، ففي دولة كقطر وفي ظروف مشابهة لدينا أنشئت شبكة إعلامية محترفة جعلت من هذا البلد الصغير من أعتى الأذرع الإعلامية في العالم، في حين أننا لا نزال في بيئة صعبة وملغمة على حد تعبير د. خالد الرديعان الأمر الذي تصبح معه مسألة تأهيل صحفي محترف ترفاً في نظر المؤسسات الصحفية وجهداً لا مردود منه على مستوى المؤسسات الأكاديمية.

وقال د. مساعد المحيا أنه في ورقة علمية قدمها قبل سنتين أشار إلى أن إعلامنا المحلي لم يعد يحتفي بالكفاءات وأنه أصبح بيئة تدريب تتطلب الكثير من الكفاح ليجد الإعلامي بعد ذلك فرصة خارج هذه البيئة لبيئة الإعلام الخاص أو الخارجي، حتى القنوات الخاصة الكثيرة لدينا أصبحت بيئة تجارب للكفاءات السعودية …

لدي قناعة بأن من يصقل الإعلامي هو بيئة العمل الصحفي والتلفزيوني الاحترافية .. ولذا نحتاج أن نخصص مثلا ولو قناة واحدة من قنواتنا لتكون ميدانا مهنيا عالي الجودة ويمكن أن تدار من خبراء عالميين وبتنظيم مؤسسي ينتج الكثير من الكفاءات المهنية ..

الشاب السعودي الذي يتخرج من أقسام الإعلام يملك الكثير من الطموح، لكن هذا الطموح يتكسر حين ينصهر في بيئة عمل تجعله ترسا في ماكينة الإنتاج دون أن تصقل موهبته وتحفزه للإبداع.

ويرى أ. عبد المحسن القباني أن الحكومة ليس عليها واجب ممارسة الإعلام والتلفزة. هي تعرقل التأهيل بسطوتها على الإعلام الداخلي. وطوال عقود كانت تحد من الفرص و لا تخلقها.

جعلت من الصحافة والإعلام بيئة طاردة من خلال سقف الحرية المنخفض وشح تصدير المعلومة وسيطرتها على التوظيف وشح منح الرخص للقطاع الخاص.

لذلك يسأل من يرغب في أن يهب رقبته لقطاع كهذا: لماذا احترف الصنعة وأؤهل نفسي لها؟.. وكيف أؤهلها؟

وعلق د. خالد الرديعان بأنه لا يمكن تأهيل لاعب كرة قدم وأنت تقيد قدميه بكلبشة… كذلك الإعلامي لا يمكن تهيئته وهو مقيد بأنظمة ورقابة وهذا تكتب فيه وهذا خط أحمر وخلافه…

وأضاف د. مساعد المحيا: أن نتصور أن الحكومة ستتخلى عن الإشراف المباشر على المؤسسات الإعلامية وعن سلطتها في إتاحة الرخص للإعلاميين والمؤسسات الإعلامية فهذا يبدو بعيد جدا، لكن دعونا نفكر ونبحث داخل الصندوق نفسه: كيف نجعل إعلامنا قادرا على التأهيل أو المساهمة فيه ..

ما نحتاجه اليوم هو أن يرتفع السقف تدريجيا لنحظى ببيئة إنتاج إعلامي أفضل، مثلا عبد الله الغنمي أحد خريجينا، أوقف قبل أشهر بعد أن كان في برنامجه يحاكي الثامنة، وعبد الله المديفر أوقف بسبب محتوى بعض اللقاءات ..

الكفاءات المهنية نحتاج المحافظة عليها كثيرا، ومن يخطئ يكفي أن نمصع أذنه قليلا مع ابتسامة ذكية وهذا كاف في العقوبة.

وقالت أ. علياء البازعي: نحتاج لإعلام بحثي يدرس و ينشر بشكل سريع.

وذكر أ. خالد الحارثي أن السعودية بحاجة لتمهين الصحافة بمختلف تنوعاتها ومستوياتها.

بينما يرى د. حميد المزروع أن المستقبل للصحافة المتخصصة .

وأشارت أ. هيا السهلي إلى أنه لازالت المبادئ الأساسية للصحفي والمعايير وأمانة النقل يفتقدها الصحفي ، ببساطة لأن صحيفته لم ترفع على موقعها المواثيق الأخلاقية للعمل الصحفي ، وإذا تعاقدت معه لا تسلمه نسخة من ذلك ماذا يجب وماذا لا يجب.

وتأتي قضية التدريب التي يفترض أن كل مؤسسة تحرص عليها لاسيما إذا علمنا أن معظم الصحفيين من خلفيات غير إعلامية .

قواعد التحرير الصحفي واللغة وغيرها مهمة للصحفي. أما مشكلة التدريب فأحيانا تكون من مدرب غير كفوء ! وأحيانا يكون المدرب من نفس المؤسسة ويُفتقد حينها تلاقح التجارب والأفكار !

ومن جانبه قال أ. مسفر الموسى: أتفق أن جدوى التأهيل والتدريب تنعدم إذا كانت البيئة غير محفزة للتطبيق، ولكني مؤمن بالتالي:

  • أن التأهيل الجيد ينتج صحافيين من شأنهم تغيير الواقع.
  • أن ضعف الصحافة في السعودية ليست على إطلاقها بسبب بيئة غير مهنية .. فلازال هناك هامش متاح لو كان لدينا صحافيون يمتلكون الحد الأدنى من التأهيل.

وقالت أ. ليلى الشهراني: اتفق مع ما ذكره د. إبراهيم البعيز حول ضرورة تأهيل وتدريب الإعلامي والصحفي ، والتأهيل لن ينجح إلا في مساحة كبيرة من الحرية وهو ما أشار له أ. عبدالمحسن ، فلا يمكن أن يكون لدينا إعلاما قويا والإعلامي لا يمارس مهنته بالشكل المطلوب وبكل استقلالية في الرأي والتعبير !

فالكويت من أوائل من رفع سقف الحرية في صحافتها وإعلامها وبقيت لفترة طويلة لا تعاني من الخلافات أو التحزبات أو حتى المعارضة الخارجية ببث منشور هنا أو هناك فكل نقد يكتب في العلن ، إذا فحرية الرأي ليست سيئة بكل الأحوال بل أنها تقطع الطريق على من يدس السم في العسل فكلما ارتفعت الشفافية كلما زادت ثقة الشعوب بحكوماتها .

وقطر حلقت في سماء الإعلام من خلال بوابة قناة الجزيرة فرأينا الاحترافية في الطرح والانتقاء المميز لكوادرها ومواكبة الحدث أولا بأول لكن تقتصر هذه الحرية فقط خارج حدودها .

فلا يمكن أن نقرأ نقدا لبعض التصرفات الحكومية كاستقبال الكيان الصهيوني أو استضافة فرق رياضية صهيونية أو غيرها ، فلو حصل هذا في دولة أخرى لبثت القناة الكثير من الأخبار والبرامج واستضافت المحللين للحديث عن ذلك .

في صحافتنا وإعلامنا يشعر المتابع أنها محسوبيات أكثر منها كفاءات ، ولعل هذا من أسباب هجرة المتابع للقنوات السعودية ، كنا نتابعها ثم مع دخول القنوات الأخرى تركناها وأصبحت قناة يشاهدها كبار السن ثم مع مرور الوقت أصبحت منسية عند شريحة كبيرة من المتابعين.

بعض البرامج الصباحية يخيل لك أنها “جلسة سوالف” لا يوجد فيها فائدة أو تشويق لدرجة أنها تجلب النوم من شدة ماهي (مملة) ، تتابع الأخبار فتتحسر على عصر عمالقة الالقاء ماجد الشبل رحمه الله وغالب كامل وحامد الغامدي وغيرهم أصوات وخامات إعلامية فريدة.

أما الصحافة فهناك أقلام جدا جميلة لا نقرأ الصحف إلا من أجل زاوية فلان أو مقالة فلانة ، لكن الوسط الصحفي أصبح اليوم مفتوحا للجميع “أكتب سطر تصير كاتب” بعض الكتاب خرج من بيئة المنتديات سابقا بما في بعضها من فوضوية وبدائية ليدخل عالم الصحافة من أوسع أبوابه ، يكون مشرفا على قسم الشعر الشعبي لفترة ثم تراه يكتب في السياسة والاقتصاد والفن والرياضة وكل شيء ، ما دامت الصحافة تتقبل كل قلم من دون تمحيص وتدقيق فلا عجب أن نرى صحافتنا متأخرة كثيرا ، العجيب أن بعض الصحف سقفها في النشر عالي وبعض الصحف تحجب مقالات أو تقصقص جنحانها وتشوهها من دون أي سبب يخالف سياسة النشر !

ثم تسمح بنشر مقالات أشبه ما تكون بمضاربة حواري مما فيها من عبارات استفزازية غبية لمصادمة فئة من المجتمع وأغلبها تصفية حسابات لا أكثر .

الحرية المنضبطة ، الكفاءات الإعلامية ، الأقلام الصحفية المميزة هي ما نحتاجها ، وقبلها كلها حسن اختيار المسئول عنها ، فالخلل عادة في أي مؤسسة يبدأ من الرأس فإن استقام استقام الجسد كله.

المحور الثاني

تعليم الحوار أم ثقافة الاحترام، أيهما نحتاج أولا؟

الورقة الرئيسة: د. زياد الدريس

١

على غرار مقولة غوبلز الشهيرة: “كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي”، أكاد أقول الآن: كلما سمعت كلمة “حوار” تحسست عصاي!

٢

في ما بعد هجمات 11 سبتمبر أصيب المجتمع الدولي، ومعه المجتمع العربي تبعاً، بما يمكن تسميته: “متلازمة الحوار”. أبرز أعراض هذه المتلازمة هو: سخونة في أطراف الحوار … وانتفاخ وتورم لدى أطراف النزاع، في الوقت ذاته.

تتزايد الحوارات، لكن تتزايد النزاعات أيضاً!

جاء الربيع العربي فزاد الطين بلّة، خلط الأوراق وأذاب الماكياج وكشف العورات. ويكاد الإحباط أن يقتلنا الآن لأننا ظننا أن هذا الربيع هو نهاية المطاف، وكان حريّاً بنا أن نراه بداية المطاف لرحلة تغيير قد تطول.

من المؤكد أن تَفاقُم الاستخدام المبتذل لمفردة (الحوار) في العالم قد أربكنا وأربكها، حتى أوشكت هذه الكلمة الفاخرة أن تفقد هيبتها ووهجها ومن ثمّ فعاليتها التي باتت مهددة بالتلاشي.

ماذا نفعل؟ هل نتوقف عن الحوار .. تعليم الحوار وإذاعته وإشاعته؟

أم نسعى لإيقاف المتاجرين بالحوار؟!

مَنْ المسؤول عن تأزيم الحوار بين الشعوب؟ … هل هم رجال الدين أم رجال الإعلام أم كلاهما وغيرهما ممن يختفي خلف الستار؟!

بل هل ما زال هذا السؤال مشروعاً ومنطقياً بعد أن أصبحت وسائط التواصل الاجتماعي قادرة أن تجعلنا كلنا رجال دين وكلنا رجال إعلام، ما يعني ضرورة إعادة النظر في تأثير النخبة، بل في وجودها الافتراضي؟

٣

قبل أكثر من عشر سنوات تأسس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني. قام المركز بكل حدب وكفاءة بعقد لقاءات سنوية لتنمية أدوات الحوار بين فصائل المجتمع السعودي في مختلف الاهتمامات والمتطلبات اليومية للإنسان.

مركز الحوار الوطني يحظى باحترام كبير، وبتطلعات كانت كبيرة … لكنها بدأت تتصاغر، خصوصاً بعد إصابة المجتمع بحساسية «الربيع» العربي!

ما الذي يعيبه المعترضون على أداء مركز الحوار الوطني؟

الجواب (الجاهز طبعاً): أنه يجمع ويخاطب النخبة من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين، ويرتفع بأدائهم الحواري «الرفيع» أصلاً. لكن هذه الرفعة والارتقاء لا تصل إلى الجماهير / الرعاع / الغوغاء، فيُفسد هؤلاء العوام كل ما صنعته تلك النخبة.

هذه هي الخلاصة (الفوقية) التي يرددها المثقفون!

حسناً، لنذهب إلى إحدى أشهر منصات التعبير عن الرأي في المجتمع السعودي حالياً، وهو موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، ولنفحص بعيّنة عشوائية مجموعة من الأسماء التي اشتهرت بأنها تتقدم صفوف الحوار حول ما يجري في العالم العربي عموماً وانعكاسات ذلك على المجتمع السعودي بشكل خاص. لنلقِ نظرة على اللغة المعرفية واللغة اللفظية المستخدمة بين المتساجلين، ستجد كمّاً هائلاً ومخيفاً، ومقززاً أحياناً، من الأوبئة الثقافية والأخلاقية التي يدار بها النقاش: التصنيف الجزافي والإقصاء والاستعداء والتأليب والتكفير الديني والتخوين الوطني والزعم بالصواب المطلق عند طرف والخطأ المطلق عند الطرف الآخر وعدم القدرة على تحمل سماع الرأي المخالف، السماع فقط، أما قبول الرأي الآخر فهذه مرحلة متقدمة جداً!.

هذا في جانب أسلوب التفكير، أما في أسلوب التعبير فسترى مفردات وصفية متبادلة بين المتحاورين مثل: (كلاب، نباح، عاهر، عربي متصهين، ماسوني متأخون، سلاتيح، سرابيت)، ومفردات أخرى أشد وضاعةً، أترفّع عن إيرادها. (للإحاطة، المفردات تم أخذها بحذافيرها من معرّفات مشاهير).

بقي أن نعرف الآن، هل هذه الأساليب والألفاظ الحوارية تنتسب إلى الغوغاء أم إلى النخبة؟

بالذهاب إلى معرّفات «قادة» هذا الحوار «التويتري» الوضيع سنفاجأ بأن أصحابه: أكاديميون – معلمون – باحثون في الدراسات الاستراتيجية – رؤساء تحرير سابقون – محامون وحقوقيون – وبرلمانيون أحياناً!

إذا لم يكن حاملو هذه الأوصاف هم نخبة المجتمع فمن هي النخبة؟

هذا التشخيص الآنف سيقودني إلى السؤال المحوري:

إلى أيهما نحن أحوج: تعزيز ممارسة الحوار أم تعليم ثقافة الاحترام أولا؟!

٤

 عقب أحداث شارلي إيبدو الفرنسية، والتوترات الجدلية التي أعقبتها حول: على من تقع المسؤولية؟، كان لي شرف اقتراح مشروع قرار إلى اليونسكو (تم اعتماده بعد سنة ونصف من المداولات) عنوانه: تعزيز (ثقافة الاحترام). وقد قلت في جزء من مذكرة القرار التمهيدية: “حضرَتْ وشاعتْ خلال العقود الماضية مبادئ وشعارات عدة مثل: الحوار، التسامح، التفاهم، السلام. لكن هذه هي المرة الأولى التي نضع فيها (الاحترام) على طاولة النقاش والاستخدام ضمن أدوات التداول في اختلافاتنا الطبيعية التي تندرج تحت التنوع الثقافي للبشر”.

لا يمكننا أن نزعم أن هذا المبدأ هو الذي سيكون الحل السحري لمشكلاتنا، لكننا لو قارنّاه مثلاً بمبدأ التسامح الذي لم يعد مصطلحاً حَسَن السمعة الآن كما كان منذ وضعه جون لوك في القرن السابع عشر حتى سنوات قليلة ماضية، إذ بات الكثير من المفكرين والأكاديميين يعيبون على التسامح أنه يأتي عادةً في سياق تراتبي بين قوي وضعيف أو منتصر ومهزوم، فيما يتكئ مبدأ الاحترام على أساس التكافؤ بين الطرفين المتحاورين، بل الأطراف، وهذه ميزة إضافية للاحترام أنه ليس بين طرفين فقط بل أطراف عدة في الوقت ذاته.

غنيّ عن القول أن ثقافة الاحترام ليست سلوكاً فطرياً كما قد يظن بعض الطوباويين، بل هي ثقافة مُحدَثة في سلوك الإنسان، ولأنها كذلك فهي لا بد (لا بد) أن تكون مسنودة بقوانين وأنظمة تكرّسها وتحميها من الغياب الفطري.

وبعد، فإننا حين نقارن بين الحوار والاحترام فإننا في الحقيقة نقارن بين وسيلة وقيمة!

هل يمكن للوسيلة أن تقودنا إلى قيمة؟

أم أن القيمة هي التي تقودنا إلى حُسن استخدام الوسيلة؟

هذا هو السؤال!

التعقيب الأول: د. فهد اليحيا

لا حوار بلا احترام .. ولا احترام بلا حوار

أشكر للدكتور زياد طرحه الوافي وشرحه الكافي في طرقه هذا الموضوع الملتهب! في نظري أي حوار لا يقوم على احترام هو أي شيءٍ آخر إلا أن يكون حواراً!  كما أزعم أنه لن يوجد احترام حقيقي دون حوار!

نعم هناك احترام بلا حوار ولكنه أقرب إلى الخوف منه إلى الاحترام. وكنت أود لو توسع الدكتور في المقابلة بين “التسامح” و”الاحترام” أو لو اقتصرت الورقة على مناقشة هذين المفهومين.

على كل حال، في تقديري أن ثقافة الحوار غائبة عن مجتمعنا لأسباب كثيرة: ففي المجتمعات الأبوية لا يوجد حوار إلا في حدوده الدنيا كما أن الاحترام شبه المقدس المبني على الخوف والرهبة هو السائد. والثاني؛ أن التوجه الوهابي الذي يسفه مخالفيه ويصمهم وينتقص من رجاله ومفاهيمه جعلنا ننشأ تلقائياً على أن وصم المعارضين بالصفات الدنيا هو ديدن الاختلاف. ثالثاً؛ لم يأتِ مفهوم الحوار أو يطرح بهذا الزخم – كما أشار الدكتور زياد- إلا في العقدين الأخيرين تقريباً مع ظهور منتديات الإنترنت أولا ثم وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام غير التقليدي. قبل ذلك كان إعلامنا يخلو من أي حوار اللهم إلا مساجلات بين كبار الباحثين في اللغة والتراث حول جيم جدة وغيرها من هذه المواضيع المتخصصة. لم نر خلافاً أو حواراً في قضايا عامة إلا في مناحي ضيقة وأوقات قليلة. ورابعاً؛ يأتي التعليم الذي يخلو من أي بعد في تعليم ثقافة الاختلاف والحوار. هذا غيضٌ من فيض.

كي لا أطيل؛ أقول أن اللغة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل وعينا بشكل غير واعٍ (هذا القول ليس لي ولكني لا أذكر قائله أو القائلين به). من الأنماط اللغوية السائدة في حديثنا/حوارنا مع المخالف قولنا: “أنا أحترم رأيك ولكن..” وهنا مغالطة كبرى! إذا كنتُ أحترم رأيك فلماذا أفنده وأعارضه! وهنا نقع في تناقض نفسي يجعلنا لا نحترم المخالف كليةً شخصاً ورأياً! إذ نخلط في هذه المقومة بين احترام الشخص ككيان له كل حقوق الاحترام والتقدير، وحقه في أن يكون له رأيه المخالف الذي لا يعجبني فأعترض عليه وأفنده وأشرشحه” وأضرب به عرض الحائط! أرجو أن أكون قد وفقت في إيضاح هذه المسألة!

بقي أن أشير إلى أنه في كثير من المدارس الأجنبية .. وفي مدارس الغرب وكثير من دول الشرق المتقدمة هناك مناهج للحوار والمناظرة. وأذكر إننا في إجازة صيفية ألتقينا بأسرة صديقة (من دولة شقيقة) كان أحد أطفالها مصاباً بشكل خفيف من اضطراب التوحد ولكنه في المدرسة الأجنبية يرأس فريق الحوار والمناظرة فقامت مناظرة بينه وبين زوجتي د. فوزية البكر حول حق المرأة في سواقة السيارة. كانت فوزية تمثل صف المعارضين بينما هو يمثل المدافعين.

أدعوكم إلى مشاهدة فيلم The Great Debaters 2007  فموضوعه له علاقة بكلامنا هنا وهو جدير بالمشاهدة والتأمل!

التعقيب الثاني: أ. خالد الوابل

سؤالي : متى بدأنا الحوار؟

لم نتعلم الحوار لا في المدارس ولا في الجامعات، طيلة عمرنا هناك قلة تتحدث وأكثرية تستمع ولا يجوز لها أن تعترض أو تناقش ، لهذا فنحن حديثي عهد بالحوار.

شبكات التواصل الاجتماعي هي من كشفت لنا غياب الاحترام عند الحوار وكشفت أيضا زيف مصطلح “النخب” ، فلا يوجد نخب في الحوار إلا من رحم ربي .

فالنخبوي وكما ذكرت أعلاه لم يكن يحاور وإنما كان “يلقي” والمتلقي يسمع دون اعتراض أو نقاش.، ولهذا عندما تعرض النخبوي للحوار انكشف زيفه.

فالحوار هو “منتج” جديد علينا وعلى ثقافتنا، ولا عجب فنحن مع كل منتج جديد حسي أو مادي وبدون استثناء نسيء استخدامه في البداية ومن ثم نألفه ، “وهنا تذكرت منولوج “من ذا بيته” وسوء استخدامنا للهاتف في بداياته.

abuse it until you know how to use it

لهذا من وجهة نظري يجب أن نتحلى بالصبر ونستمر في الحوار، وقد تكون أهم حسنات الحوار مستقبلا أنه يعلمنا احترام بعضنا.

وفي الأخير أريد أن أسأل : هل قلة الاحترام في الحوار مقتصر علينا كسعوديين؟

التعقيب الثالث: أ. ندى القنيبط

أوافق د. الدريس في طرحة و أرغب في التركيز على أن “القيمة هي التي تقودنا إلى حسن استخدام الوسيلة “

من هذا المنطلق :

  • نحن كأشخاص من جميع الأطياف نحتاج إلى الاعتراف بوجود قيمة الاحترام و ذلك بتفعيلها بأنفسنا و تبادلها مع الآخرين ابتداء من العاملين و صولاً إلى أصحاب أعلى الدرجات العلمية و العملية.
  • أيضا طريقة تناول المواضيع المختلفة و طراحها و حسن الاستماع لجميع و جهات النظر المختلفة.
  • كمربيين ، يقع علينا مسئولية زرع قيمة الاحترام لدى الأطفال و حتى نمكن هذه القيمة ! علينا العمل فيها أولا و جعلها من ضمن قيمنا الأساسية، و أفضل أسلوب لتعليم الأطفال !!! هو أسلوب التعليم بالقدوة

فكل ما احترمنا الأطفال و تعاملنا معهم باحترام سوف يساعد هذا على غرس تلك القيمة لديهم و أيضا بالمثل احترامنا للأخرين.

  • المؤسسة التعليمية & التربوية ، من المهم تضمين المناهج قيمة الاحترام و ثقافة الحوار وأهميتهما في الحياة الاجتماعية ، استناداً على قوله تعالى:

“وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات:13). والتعارف هنا إنما هو حوار بين هذه الشعوب المختلفة، وبهذا فهو اللغة الحضارية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى, فالحوار ظاهرة إنسانية عالمية وسنة إلهية، نظراً لتفاوت البشر في عقولهم وأفهامهم وأمزجتهم، حيث يقول تبارك وتعالى:” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين” (هود :118).

  • المؤسسة التعليمية & التربوية و تفعيل ثقافة الحوار لابد من تقديم عدد من مقومات الثقافة الحوارية، حتى يكون الطلاب بمختلف المراحل قادرين على التحاور مع بعضهم البعض، وتتمثل هذه المقومات بما يلي:
  • التدريب على الحوار مع النفس، فالحوار الذاتي والنقد الذاتي والمحاسبة الذاتية هي التي تبني المنهجية الحوارية عند الطلبة والتي تقبل الآخر ورأيه.
  • الانفتاح على الطرف الآخر لفهم وجهة نظره من أجل الوصول إلى درجة التفاهم معه.
  • الاعتراف بوجود الآخر والإيمان بحق الآخر في الاختلاف. بل إن من مقومات الحوار ” احترام الآخر والاعتراف بحقه في حرية التعبير عن آرائه ومعتقداته”. فالحوار يسعى لإيجاد فسحة مشتركة بين الطرفين ثم البناء عليها من أجل تعظيم معاني التفاهم والالتقاء مما يوحد عواطف الأفراد ويؤلف بينهم.
  • بناء ثقافة الحوار بين جميع الطلبة، والعمل على إشاعة جو إيجابي للقبول النفسي والعقلي والفكري بينهم، وخَلْق وعي حقيقي يسهم في إنجاح الحوار بين جميع أطياف الطلبة، فهو الطريق الذي يساعد على التخلص من التعصب والانغلاق على الذات، وعدم رؤية الغير بنظرة موضوعية. فالحوار يسهم في بناء جسور الثقة بين الطلبة واستبدال التناقض في المصالح بالتعاون والحوار.

وبالتالي يمكن القول إن أي نهوض مجتمعي لا يمكن أن يتحقق إلا في تأسيس ثقافة حوارية نقدية في الحقول المجتمعية كافة (الأسرة، المؤسسة التعليمية، المؤسسة الوظيفية، المؤسسة الاقتصادية ، المؤسسة الدينية،  وغيرها من المؤسسات) والتي ترسخ حق الآخر في الاختلاف بصرف النظر عن اتجاهه الاجتماعي والفكري والسياسي و الديني. ذلك لأن ثقافة الحوار هي التربة الخصبة لنمو بذرة أي حل لتلك الأزمات والمشكلات العديدة التي تعيشها مجتمعاتنا المعاصرة. إن ثقافة الحوار هي  البوصلة التي ترشدنا إلى الاتجاه الصائب، الاتجاه الحواري النقدي الذي يرفض الإقصاء والتهميش مهما كان مصدره، وبالتالي إعادة الاعتبار الحقيقي لإنسانية كل فرد فعال في المجتمع بل وإشراكه في صنع القرار على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية و الدينية .

المداخلات حول قضية: (تعليم الحوار أم ثقافة الاحترام)

  • إشكالات تعليم الحوار و ثقافة الاحترام

ذكرت د. نوف الغامدي أنه لا يمكن أن تتحقق التنمية والازدهار في أي مجتمع من مجتمعات العالم دون أن يكون هناك استقرار سياسي وأمني. ولا يتحقق هذا الاستقرار دون أن تترسخ ثقافة الحوار وروح التسامح والتنوع الفكري في نفوس هذا المجتمع.

” القيمة ” تدخل في صميم التكوين الثقافي الجمعي والفردي على حد سواء لأن الثقافة المميزة لأية مجموعه توضع على شكل مفاهيم وقيم وأنماط وسلوك، ومنظومة معرفية تحققت لدى أنساق متتالية من الجماعات البشرية عبر مراحل متعددة.

فالوعي بثقافة الحوار له أثر إيجابي في الانفتاح لتعدد الآراء أو على الأقل الاقتراب من الديموقراطية الحوارية .

والحوارات أنواع عدة منها:

  • الحوار الوطني:

هو الحوار الذي يجري بين أبناء المجتمع لمناقشة القضايا الوطنية من خلال مؤسسات المجتمع المدني أو الأمني وقد يكون في مؤسسة عامة تعنى بالحوار الوطني مثل مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني .

  • الحوار الديني:

وهو حوار يجري بين مجموعة من الناس للتعرف على تعاليم ديننا الإسلامي ودعوة الآخرين إلى الدخول في ديننا وشرح بعض الكتب الفقهية.

  • الحوار الاقتصادي:

ويعنى هذا الحوار بالجوانب الاقتصادية التي تتناول المواطن أو المؤسسات الاقتصادية وتتخذ هذه الحوارات أدوات متعددة من خلال اللقاءات المتلفزة أو من خلال المنتديات الاقتصادية أو من خلال المؤتمرات الاقتصادية، كما حدث في مدينة الرياض قبل أيام قريبة مما جعل أصحاب التخصص الواحد يناقشون بفاعلية جميع الهموم والرؤى الاقتصادية تحت مظلة وطنية متخصصة.

  • الحوار التربوي:

تعمل المؤسسات التربوية في تحديد العديد من الموضوعات التربوية للحوار حولها مع المعنيين بالشأن التربوي من مفكرين ومثقفين وباحثين وتربويين ومن أهم هذه الحوارات المؤتمرات التربوية السنوية أو لقاءات الجمعيات المتخصصة مثل جمعية جستن التربوية ولقاءات الإشراف التربوي، وتعمل هذه الحوارات على نشر الرؤى والأفكار التربوية وتصحيح المفاهيم الخاطئة.

  • الحوار الأمني:

وهي الحوارات التي تعقد في المؤسسات الأمنية لمناقشة القضايا التي تهم المجتمع وتعمل على التواصل معه من خلال المؤتمرات والندوات والبحوث الأمنية لمناقشة مواضيع الجريمة والحرائق وحوادث السير والمخدرات وغيرها للوصول إلى حلول والاستفادة من الأطروحات والأبحاث التي تنشر للوصول إلى تكامل في الخدمات الأمنية.

  • الحوار السياسي:

وهذه الحوارات مهمة في حياة الدول والعالم كله إذ أن هذه الحوارات تعمل على مناقشة قضايا الحدود ومشكلاتها وتعمل على إيقاف الحروب وتبعاتها، كما أنها تعمل على عقد اتفاقيات صلح ومعاهدات بين الدول وغيرها.

  • الحوار الاجتماعي:

وهي حوارات تعقد في المؤسسات الاجتماعية لمناقشة القضايا الاجتماعية من خلال المؤسسات الحكومية والمؤسسات الأهلية.

  • الحوار الرياضي:

مجموعة من الحوارات تعقد في الأندية الرياضية من خلال المعارض أو المؤتمرات التي تعقد وتستخدم فيها وسائل الإعلام المتنوعة لنشر الأفكار والمعلومات والقوانين الجديدة وغيرها.

  • الحوار التلقائي:

وهي أكثر الحوارات التي تجري في حياتنا اليومية من خلال لقاءاتنا في المناسبات الاجتماعية والمنازل وفي اتصالاتنا الهاتفية وهي حوارات متنوعة وغير مركزة تبدأ فجأة وتنقطع وغالباً لا تركز على موضوع محدد ولا تتوصل إلى نتائج محددة.

وحقيقة كل نوع بحد ذاته قضية منفصلة لتكون توجهات فكرية مختلفة ونمذجتها قد تكون عامل أساسي في تحسين وتطوير البنية الفكرية للمجتمع والبعد عن التعصب والمذهبية والقبلية والأهم البعد عن ظهور المستنقعات الفكرية المتطرفة .

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن الحوار يعرف اصطلاحا بأنه نشاط عقلي ولفظي يقدم المتحاورون الأدلة والحجج والبراهين التي تبرر وجهات نظرهم بحرية تامة من أجل الوصول إلى حل لمشكلة أو توضيح لقضية ما .

فضلا عن أن للحوار آداب جمة ينبغي للأطراف جميعهم التحلي بها والالتزام بها حتى لا يتحول كلامهم إلى مراء أو جدال .

من هنا لابد لنا أن ندرك ونعلم أن الحوار يعني التقيد أو الالتزام بمعايير إنسانية ، وأنه لن تتحقق حلول لأي مشكلة كانت أو الوصول إلى الإيضاح لقضية مثارة ، إلا من خلال إتباع خطوات تتسم بآداب محددة ليصل أطراف الحوار إلى أهداف من أجلها نشأ الحوار .

وأنه خلاف ما هو مفترض الإتيان به من حوار بناء فذاك يعني أن واقع الحال بين أطراف الحوار لا يعد حوار بالمفهوم الحقيقي لهذه المفردة ، إنما يعد لغطا وصخب وأنه يحدث فيه ما فيه من الإساءة للآخر، أو أن يحدث كما يقال خروج عن النص ، وهذا أيضا إساءة للحوار بأكمله .

فالحوار الذي يتأمله من هو صادق في حواره مع الآخرين هو أن يتحقق المرجو من الحوار أو الحوارات عامة ، فالأمر هنا يبدأ باحترام الآخر، بدءا بإعطاء الفرصة للحديث دون مقاطعة ، وانتهاء بتقديم الشكر والثناء على ما يبديه المحاور من رأي ، مرورا بحضور الكلم المليء بالاحترام من إنصات وتقبل الرأي والرأي الآخر.

وللحوار فوائد ، فالحوار لا يتوقف عند الخروج بحل مشكلة أو الإيضاح عن غموض قضية ما فحسب ، فمن فوائده ما يلي :

  • يتم من خلاله تبادل الأفكار بين الناس وتتفاعل فيه الخبرات ، ويتحقق من ذلك انتشار ثقافي في قبول الرأي والرأي الآخر .
  • يساعد على تنمية التفكير وصقل شخصية الفرد ، وهذا بحد ذاته يعد مدرسة تخدم الأجيال .
  • من فوائد الحوار أنه يولد لدى الفرد أفكار جديدة .
  • يكون الفرد في نشاط ذهني مستمر .
  • يسهم في التخلص من الأفكار الخاطئة ، التي لربما كانت سببا في توجهات غير حميدة لدى الفرد أو المجتمع .
  • يساعد على الوصول إلى الحقيقة أو على الأقل يسير إلى حقائق كانت غائبة لدى البعض .

وأوضح د. حميد المزروع أنه و في حواراتنا الثقافية تعودنا أن نستمع  لنرد لا لنفهم ، ربما ورثنا ذلك لطبيعة إلقاء الخطاب الديني والوعظي من ناحية ، والإسراف في استخدام الأمثال والحكم حتي وإن كانت منتهية الصلاحية . وقد حجم ذلك من حرية الحوار.

وذكرت أ.د. سامية العمودي أن ما يشغلها هو الدين والخطاب الديني الذي يقوم البعض بأدلجته ليوقف أي تفكير أو حوار، ونشر ثقافة الطاعة والإتباع دون نقاش وزرع بذرة الإحساس بالذنب والإثم عند من يناقش غيره سواء كان هذا الآخر ولياً أو أباً أو زوجاً واحتساب الأجر على الطاعة والانقياد لا على التفكير والحوار مع أن هذا عكس ما درج عليه السلف الصالح وما جاءت به الشريعة.

وتساءل م. خالد العثمان: هل الدين هو البند الوحيد الذي يوظف لقمع الحوار؟ .. ألا يصح القول أن هناك وسائل قمع أخرى كثيرة بما فيها القبلية والوطنية والمصلحية وغير ذلك ؟

وأجابت أ.د. سامية العمودي بأنه صحيح أن كلها تلعب دوراً ولكن أقواها الدين؛ فنحن شعب متدين بالفطرة واستغلال الدين له تأثير قوي على أدلجة الكثيرين وبرمجتهمً “شعب يطلب الأجر والجنة حتى في الانقياد الأعمى”.

وقال د. حمزة بيت المال: إن السؤال الآن هو هل الحوار هو هدف بحد ذاته أم أنه وسيلة لتثبيت مبدأ التعددية في أي بناء اجتماعي؟ أذكر قبل فترة لقاء إذاعي مع أحد الشيوخ الكبار، ورده على سؤال عن الحوار مع المختلف، وكان جوابه نتحاور معهم علنا نقنعهم، وهذا يدل على النظرة للحوار كانه في اتجاه واحد.

ومن جانبه قال د. عبدالله بن ناصر الحمود : إن من أجمل ما تعلمت في أدبيات الحوار، أن له ثلاث فرضيات:

  • الإقدام والاستمرار فيه .
  • التجمد حياله ولريبة .
  • الهروب منه .

وأجمل من ذلك أن الهروب إحدى أدواته عندما يصبح هو مهددا للكرامة أو للحياة. ومن هنا فهمت لماذا لا يحب العرب الحوار.

ومن أجمل ما تعلمت أيضا.. أن مادة الحوار هي التصورات والمواقف.. وليس العقائد والمسلمات، ومن هنا.. أدركت لماذا لا ننجح في حواراتنا؛ لأن أول ما نبدأ به عادة ما ليس موضوع حوار أصلا، ولأننا نحمل الناس في حواراتنا على مسلماتنا وعقائدنا أو نحاورهم على أساسها.

وأشارت أ. فاطمة الشريف إلى أن مفهوم “ثقافة الاحترام” يضعنا أمام قضية معرفية تتعلق بتأسيس السؤال: هل بوسعنا أن نصف ثقافة معينة بأنها ثقافة احترام، من دون أن يكون لانحيازنا الطارئ إلى “الاحترام في طرح الرأي وتقبل الرأي” أثر بيِّـن في الحكم؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما مقومات هذه الثقافة، وما الأسس التي تجعل منها ثقافة احترام نتفق عليها جميعا؟

وعليه فقد تساءل م. خالد العثمان: هل الاحترام ثقافة تتباين من مجتمع لآخر أم قيمة أساسية من القيم الإنسانية؟

وأوضحت أ. فاطمة الشريف أنها ترى أنها قيمة إنسانية ثابتة وإن اختلفت التعريفات أو المساحة التي تشملها من مجتمع إلى آخر حسب الأعراف في بعض الأحيان وحسب القيم الدينية لذلك المجتمع في أحيان أخرى.

وأضافت: يبرز هنا سؤال مهم، هل الرأي الذي يطرح أثناء حوار معين هو ملازم للمصلحة؛ بمعنى هل جميع ما نطرح من آراء أثناء حواراتنا هو لطرح وجهات نظر لمصالح فردية ؟

وفي اعتقادها أن هذا هو جوهر الرأي إن استطعنا تفكيك بنية الحوار.

وأشار د. سعد الشهراني إلى أن الاحترام شرط ضروري (وإن كان غير كاف) للحوار؛ فالاحترام حق عليك للمختلف عنك، و الاحترام يتطلب الاعتراف بحقوق الآخر و بحقوق الإنسان بصرف النظر عن أي اعتبار آخر.

كذلك فإن الحوار وسيلة و الاحترام حق، والاختلاف حقيقة من حقائق  الحياة حتى بين الإخوة و داخل الأسرة الواحدة.

و لا منطلق للحوار إلا بقبول الآخر المختلف و بإعطاء كل مختلف عنا حق الاحترام. وكون التساؤل كيف نرسخ هذه المبادئ في حياتنا اليومية و كيف نجعل هذا من أهم محاور تعليمنا و تربيتنا؟ هذا هو التحدي.

وأشارت أ. ليلى الشهراني إلى أننا نردد دائما (أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية) وننسى أن كثيرا من الحروب الكلامية والخلافات قامت على اختلاف رأي ، ونلاحظ ذلك في برامج التواصل التي أزاحت الستار عن الأخطاء التي نقع فيها عند تعاملنا مع بعضنا البعض ، لعل البداية من مقاعد الدراسة فالمعالجة الخاطئة لاختلاف من يختلف من الطلاب أو الطالبات هي العقاب الجماعي أو الانتصار لطرف دون الآخر دون فتح نوافذ الحوار بينهم وتبادل الآراء والأفكار ، لدينا فقط سياسة (الرأي الواحد ، الفكرة الواحدة ) حتى في النجاح والتفوق في أي مجال (طبي أو ثقافي أو تعليمي أو ديني أو سياسي أو عسكري أو رياضي) نبرز فقط (البطل الواحد) ونهمش البقية .

من شروط الحوار الناجح (الفهم وحسن الظن والاحترام) وبدونها يفشل أي حوار قبل أن يبدأ ، أن تجد من يفهمك ويختلف معك خير من أن تجد من يوافقك وهو لم يفهم مقصدك لأن المختلف معك يفتح لك أكثر من نافذة أما المتفق فلا يضيف لك أي شيء. والهدف من أي حوار هو الفائدة إن كان الهدف من البداية نبيل أما إن كان فقط لإفحام الخصوم فهو (خوار) وليس حوار ، النبرة الخاطئة في عرض قضية عادلة تتسبب في تشنج الآراء وتشتت الفكرة ، البرامج الحوارية (بعضها) في العالم العربي تربي المشاهد على أن الحوار كحلبة المصارعة يجب أن يخرج في نهاية الحلقة (مهزوم ومنتصر) مع أن الأصل جلب متحاورين على درجة كبيرة من الوعي وضبط النفس وقبلها كلها على دراية بما يتحاورون فيه وليس الانشغال بالمتحاور عن (نقاط الحوار) .

بعض الأكاديميين والنخب الثقافية والدعاة شوه “مفهوم الحوار” وتأثر بهم جمهورهم ومعجبيهم ، ونلاحظ ذلك في كل نقاش يفتحونه مع من يختلفون معه فتسمع عبارات غريبة مثل (قصف الجبهة ، اجلد ، أكوي ، أضغط المضغوط أكثر) هذا ما يتسبب في موت الحوار ثقافة (لا أريكم إلا ما أرى).

وطرح م. خالد العثمان تساؤلا حول تأثير مظاهر العنصرية على الاحترام والحوار ؟ والمقصود هو العنصرية بمختلف صورها .. قبلية ومناطقية وعرقية ولونية وطبقية وغير ذلك.

ويرى د.م. نصر الصحاف أن الملاحظ في وسائل التواصل الاجتماعي وبالذات في القروبات مظاهر كثيرة للعنصرية والتهكم بالجنس واللون والطائفية والمناطقية بكل أريحية إلى درجة مقززة .

وهو شخصياً يعتبر ذلك أحد نتاج انفتاح مجتمع مكبوت و غير مثقف على تقنية جديدة بدون أدنى فهم لقيم التعامل مع الغير واعتبارها وسيلة للتنفيس والتسلية لا أكثر !!

وقال د. مساعد المحيا: لدي تساؤل: هل يمكن أن يكون هذا الحوار والحديث حوله وحول الاحترام سببا في أن نتمثل ذلك في حواراتنا مع كل إشكاليات الحوار …

شخصيا الحظ أن البعض وهو يناقش أسباب ضعف الحوار لدينا يسحق أطيافا في المجتمع ويريد أن يقلب المجتمع ليتحول كما يريد أن يشكله ….

فكرة الاحترام التي أشار لها د. زياد وتبناها في اليونسكو ، أظن أننا لو تعلمناها عمليا لكنا أفضل في نظرتنا المجتمعية ..

البعض يصر على مناقشة آراء زميل هنا أو هناك .. رغبة وطمعا في تغيير رأيه …

الذي أراه أن النخب يصعب جدا أن تغير مواقفها فقط هي تتماهى مع الموقف القريب من اتجاهاتها ومواقفها؛ لذا لا تتحمس كثيرا لإقناع أي شخص فهو لن يغير وجهة نظره إطلاقا.

الأهم هو تبادل الآراء والمعلومات؛ بل من واقع اهتمامي بالتأثير حين تتبنى الرد فإنه يصبح الاقتناع بما تقول صعبا بل مستحيلا..

أنت قد تنجح قليلا حين تعبر عن وجهة نظرك متماهيا قليلا مع رؤية من تناقشه مع ضخ كم من المعلومات التي تصب في اتجاه رؤيتك …

الخلاصة لا تتحمس لمن يحمل رؤية محددة وواضحة تجاه أمر معين؛ فإنك لو اقتلعت له جبل أحد فلن تستطيع أن تقتلع قناعته؛ إذا المرء دائما يبحث ويتفق مع من يعزز قناعاته واتجاهاته، وطبعا ليس المقصود بهذا كبار السن، بل كل شخص يملك تصورا عن نفسه بأنه ناضج فكريا ، يتعذر تغيير رأيه أو مواقفه بمجرد طرح رأي مخالف ؛ فمثل هؤلاء يحتاج اتصال شخصي مباشر ومكثف ولفترة طويلة من ثقات يحبهم ويقتنع بطرحهم هنا يمكن أن تتغير بعض تصوراته …

ما أعنيه هو التأكيد على أن غايتك أن توضح وجهة نظرك مبرزا أدلتك، ولا تكن معنيا بأن يقتنع، تماما هو في مفهوم ليس عليك هداهم ..

أهم شيء في الحوار أنه فن يتقن الحديث عنه الكثيرون لكنهم يفشلون في ممارسته.

وقالت أ.د فوزية البكر: في قسمنا ومنذ ظهرت موضة الحوار بعد ظهور مركز الحوار الوطني والطلاب والطالبات لا هم لهم إلا مناقشة هذا الموضوع الذي قتل بحثا ولكن في النهاية لم تتمكن رسائلهم لا في تعليمهم أو تعليم أحد قواعد الحوار الحضاري المبني علي احترام ثم قبول الاختلاف.

ذكر د. زياد أن الاحترام ليس حاجة فطرية ولست واثقة من ذلك.

ابراهام ماسلو في نظريته الحاجات والتي وضعها علي هيئة هرم.  وضع الحاجة الي التقدير والاحترام كأحد الاحتياجات العليا بعد أن تتوفر الاحتياجات الأساسية من أمن وأكل وسكن وسماها التقدير وتحقيق الذات ، وقد اعتمدنا علي هذه النظرية كأطر نظرية لدراسة أعدتها إحدى  طالباتي في الماجستير منذ زمن وعنوانها الاحترام كما تراه معلمات وطالبات المرحلة الثانوية في المدينة المنورة وأظهرت اختلافا جذريا في رؤية الطالبات للاحترام عن معاملتهن اللاتي رأين أن احترام الطالبة للمعلّمة حق مسلم لهن في حين رأت الطالبات عكس ذلك فالاحترام كما رأينه يكتسب ولا يعطي من خلال احترام المعلمة لهن وحوارها الهادئ معهن .

وذكرت أ.د فوزية البكر أنها حين كانت في تفرغ في فرجينيا قامت بزيارات عديدة للأكاديمية السعودية هناك وأذهلها ما تتلقاه فتيات الثانوية وشبابها من تدريبات علي كل مستويات الحوار وخاصة ما يسمونه. يونايتد نيشن United Nation

وهو نادٍ موجود في كل ثانويات أمريكا ويدخل فيه الطالب للتدرب علي اُسلوب الحوار والمجادلة والدبيت وهي المساجلة وبالطرق التي تتم داخل أروقة الأمم المتحدة بحيث تمثل كل طالبة دولة وتعطي مثلا خمس دقائق فقط لعرض أهم الحقائق المتعلقة بموضوعها والذي يجب أن تقنع فيه باقي الأعضاء للتصويت لها. وتحدث منافسات بين كل ثانويات أمريكا بحيث تعمل المدارس ليل نهار لتدريب طلابها للفوز.

وهكذا ورغم الفروقات الثقافية والحضارية بيننا وبينهم إلا أنهم أيضا لا يتركون أمر التدرب علي مهارات الحوار والإقناع وحل النزعات للمهارة الذاتية أو الحظ الخ، فكل شيء يتم التدرب عليه وهو للأسف ما لا يوجد في أنظمتنا التعليمية.

وذكر د. خالد الرديعان أن تعقيبه يتناول بعض معوقات الحوار في مجتمعنا (السعودي) فهذا يهمنا بالدرجة الأولى بحكم أن لكل مجتمع ظروفه مع التذكير أن لدينا خصوصيات ثقافية تميزنا عن سائر المجتمعات. وتتمثل أهم معوقات الحوار فيما يلي:

  • أولا: أبوية المجتمع تعد معوقا أساسيا في الحوار، وهذه سمة ثقافية للمجتمع العربي عموما والمجتمعات ذات البنية القبلية خصوصا؛ ما  يعني أن الحوار قد يندرج في خانة التطاول على من هم “أكبر” منك! وهذا نجده في الحوار مع علماء الدين والمحت إلى ذلك د. سامية العمودي. وحتى على مستوى الأسرة نجد ذلك منتشرا….

يقدم لنا هذا المعوق (الأبوية) مؤشرا صغيرا حول أحد أسباب انتشار الاستبداد السياسي على نطاق واسع في مجتمعاتنا العربية؛ فالمجتمعات البطركية ذات البنية الأبوية تغّيب الحوار ليحل مكانه الاستبداد بالرأي أو بغيره، كما يقدم لنا هذا المؤشر ملمح لفشل الممارسات الديموقراطية.

  • ثانياً: غياب خصلة التسامح عند المتحاورين والتمترس خلف وهم يقول أن الحقيقة عندي وما يقوله سواي هراء أو أنه لا يستحق المناقشة  والحوار. هذه الخصلة ترتبط بالثقافة كذلك ويلزم تفكيكها والتعليم والتحديث السياسي كفيلان بحل هذه الإشكالية.
  • ثالثاً: هناك مشكلة لغوية- ثقافية- نفسية تتعلق بالهدف من الحوار. نحن على سبيل المثال نمجد اللغة وتستهوينا بلاغتها وبالتالي يصبح الهدف من الحوار استعراض قدراتنا اللغوية ومحاولة إفحام الخصم كمرحلة أولى “لتحطيمه” وبعد ذلك نفكر بمقولاته. الدكتور حميد المزروع أشار إلى ذلك. بمعنى آخر نحن نتحاور لإفحام المقابل بدلا من فهمه والتعاطي مع مقولاته.
  • رابعاً: غياب منصات الحوار الحقيقية بعد استثناء مركز الحوار الوطني يعد معوقا آخر.

لا يكفي أن يكون هناك جهة واحدة ترعى الحوار وبطريقة رسمية؛ إذ لابد أن يكون هناك منصات مختلفة للحوار في المدارس والجامعات ووسائل الاعلام وقبل ذلك في الأسرة.

صحيح أن “تويتر” ميدان واسع للحوار الاجتماعي لكننا نحتاج عدة سنوات حتى نرى حوارا راقيا وخاليا من اللغة البذيئة التي أشار لها د. زياد. في حوارات تويتر لا يتجه النقد مثلا للفكرة المطروحة ولكن لقائلها وهذا أحد معوقات حواراتنا التويترية فهي حوارات متوترة ومشخصنة.

ولو عقدنا على سبيل المثال مقارنة بين تعليقات القراء على المقالات المنشورة في صحفنا وتعليقات الأمريكيين على ما يكتب في صحفهم، لوجدنا البون شاسعا؛ فقراءنا يشتمون الكاتب ويلجأون للسخرية من طرحه ومن ثم تضيع الفكرة؛ بينما القارئ الغربي يناقش فكرة الكاتب مباشرة ولا يلجأ لتجريح صاحبها مهما اختلف معه.

وعلق م. خالد العثمان بأن النقاط التي تطرق إليها د. خالد الرديعان تثير أيضا مجموعة من التساؤلات منها:

  • هل مركز الحوار الوطني نموذج ناجح ؟ .. وهل تعثره والمبالغة في هيكله الإداري سبب في إضعاف ثقافة الحوار ؟
  • هل تويتر ووسائل التواصل الاجتماعي هي منصات حوار بالمفهوم الصحيح ؟
  • هل الحوار يتطلب أن يكون وجها لوجه وليس مستترا وراء أسماء مستعارة وشخصيات وهمية ؟
  • هل الحوار المباشر أجلب للاحترام وأكثر فعالية نتيجة التواصل البصري والنفسي المباشر بين أطراف الحوار ؟
  • أليس نمط التعليم الذي يتبنى التلقين عوضا عن البحث والنقاش والحوار سببا في قتل ثقافة الحوار عند الصغار ؟

ويرى د. فايز الشهري أنه و بلا شك فإن مركز الحوار نجح في جعل مصطلحات الحوار دارجة وجمع أقطاب الخلاف ومصنعي الاختلاف تحت سقف واحد وخطى الخطوة الأولى وهي الاعتراف.

ما فشلت فيه المؤسسات فيما بعد هو القدرة على نقل الحوار من المؤسسة الرسمية إلى الثقافة الشعبية.

وبخصوص تويتر لا يمكن النظر إليه كساحة حوار مثمر ولعل فضيلة تويتر الكبرى أن المجتمع دخل في مكاشفة صريحة لذاته وأدواته.

في القضايا الكبرى لا يتحاور المغردون ولكن يصطف كل فريق وراء الخندق ( الرمز) الذي يملك تسخين موضوع النقاش ومن ثم حشره في زاوية ما يصوره على أنه من المسلمات.

وفِي كل الأحوال ثقافة الحوار لدينا لازالت تعاني (شعبيا) من التجييش (ونخبويا) تعاني من التربص والانتهازية.

وانتهى د. فايز إلى أنه شخصيا يفضل ترويج مصطلح التسامح والتعايش حتى يأتي جيل نقي يقرأ ما وراء عظمة ( لكم دينكم ولي دين).

ويرى م. خالد العثمان أن التسامح لا يعني القناعة برؤية الطرف الآخر.

وأضاف د. الرديعان: التسامح هو أن تقبل الآخر كما هو لا كما يجب أن يكون.

لنسأل أنفسنا هل نحن متسامحون كسنة مع الشيعة والعكس وكبدو مع الحضر والعكس وغير ذلك من التنميطات أو التصنيفات؟

الواقع يقول لا فنحن نخلق حواجز للحد من التسامح ومن ثم الاحترام والحوار.

سأعطي مثال صغير على ما ذكرت: يقول السني مثلا لا تأكل من طعام الشيعي فقد يغشك وهذه الفكرة منتشرة على نطاق واسع الهدف منها توسيع الفجوة بين الطرفين حتى وإن دخلوا بعلاقة تبادلية مصلحية symbiotic relationship فكيف تريدهم أن يدخلوا بما هو أبعد من ذلك.. هناك ترسبات اجتماعية تغذيها ثقافة شعبية تجنح نحو القطيعة بين شرائح المجتمع. وبالمناسبة فقضية سني- شيعي لم تكن ذات أهمية في المجتمع العراقي تحديدا لوجود زيجات مختلطة بين الفئتين.. الزواج مؤشر مناسب لقياس الظاهرة. وبما أننا لا نزال نتحدث عن “كفاءة النسب” في الزواج في مجتمعنا فإن مستوى التسامح عندنا أقل من المأمول؛ وإذا كان هناك من عدم تسامح بين الطائفتين مؤخرا فهو بسبب بعض رجال الدين.

وعلق د. مساعد المحيا بأن الموضوع ما بين السنة والشيعة موضوع تاريخي ولا ينبغي تحميل واقعه على متغيرات اليوم وظروفه.

وقال د. الرديعان: أن المخيال الشعبي يغذي هذه الفرقة بين الطائفتين ونحن نستجيب لذلك. دعنا ننسى قضية سني – شيعي فهي كما ذكر د. مساعد فهي قضية دينية تاريخية لكن ما الرأي بقضية تكافؤ النسب؛ ألا تقدم لنا مؤشرا حول درجة التسامح الاجتماعي؟

ويرى د. فايز الشهري أن مسالة السنة والشيعة الْيَوْمَ أعمق من أي عصر مضى … هناك عمائم تقود مجانين الفرقتين من خامنئي إلى البغدادي … ولا يهونون بعض الحواشي في الطرفين.

وأضاف د. عبدالله بن ناصر الحمود أن الحوار السني الشيعي فيه مآخذ كبرى؛ لأنه لا يخلو من صراع عقدي، وهنا يصبح مجرد التفكير في الحوار أمر عجيب..

لا حوار  بين أهل العقائد في ذات العقائد، ليتنا نتحاور في تصورات وآراء الآخر .. دون اعتبار لعقيدته حتى لو عبد حمارا أسود..

وقال د. مساعد المحيا: لدي رأي في أن طبيعتنا البيولوجية أو العرقية العربية لها علاقة أقوى من المذهب والفكر الذي نصطف معه …

لاحظ أي برنامج تلفزيوني يكون فيه حوار عربي عربي مرارا ينتهي بالعراك أو التشنج؛ بينما الضيف الأمريكي أو الأوربي لا يغضب ولا ينفعل ويتحدث بكثير من الهدوء برغم كل الاستفزازات له .

وأشار د. فايز الشهري إلى أن عقلية الإنسان العربي في مجملها بكل أسف عقلية الغلبة والانتصار ولذلك أتت المناظرات العربية قديما وقبلها الشعر وفقا لهذا التصور وسرنا في عصرنا الحاضر على ما غرسه آباؤنا فينا.

وطرح م. خالد العثمان تساؤلا مفاده: هل هناك علاقة بين ثقافة الحوار وممارسة الديموقراطية في العالم العربي عموما والسعودي خصوصا ؟

ويرى د. مساعد المحيا أن البيئة لها تأثير بالتأكيد؛ لكن المؤثر الأكبر شيء أعمق ، فيمكن ملاحظة البرلمانات العربية ونحوها كيف تنتهي الحوارات فيها (الأردن الكويت أنموذجا).

وتساءل م. خالد العثمان عن المبادرتين اللتين أعلن عنهما الشيخ محمد بن راشد حول التسامح؟

وفي هذا السياق قال د. فايز الشهري: مع كامل التقدير لتجربة الإمارات؛ ولكن 20% مواطنين في محيط الوافدين لا تصنع إلا قضية واحدة وهي الخلل الديمغرافي.

وبدوره قال د. عبدالله بن ناصر الحمود :اتفق مع د فايز في مضمون هذه الرؤية الواقعية جدا، وأضيف أن معضلتنا مع الحوار أننا نريده أن يقود لما نريده من خلاصة ونتيجة هي عندنا معلبة سلفا..

وليس هذا وحسب.. بل عندما يحقق الحوار المزعوم غايتنا تلك نمنع الحوار حتى نحتاج المزايدة عليه من جديد، بمعنى تحاوروا ولكن افعلوا ما نريده، وإذا نحن لا نريد حوار .. اصمتوا.

وأوضح د. مساعد المحيا أن مركز الحوار نشأ لغرض وانتهى الغرض بامتصاص بعض الاحتقانات وتخفيفها بين أطياف البلد الفكرية ؛ فبعد سنتين أو ثلاث أصبح مركزا يجتمع فيه العديد من المسؤولين والمواطنين ..ليلقي كل فرد رغباته وتطلعاته مع بعض أشكال الحوار الخفيفة …

طبعا له جهود في إنتاج مواد علمية وإقامة برامج تدريبية ؛ لكن هذه لا تتسق وحجم ما يؤمل منه.

المشكلة عندي أن إقامة مركز للحوار من الدولة يعني أن هناك مشكلة في الحوار؛ وهذا يتطلب شفافية أكبر بالاعتراف بوجود أطياف ورموز لهذه الأطياف؛ وإلا فإن الحوار لن يسمي الأشياء بأسمائها، وسيظل يخرج بنتائج عامة.

ويرى د. خالد الرديعان أن مركز الحوار بالشكل الراهن غير مرض. ما هو ظاهر للناس هو المبنى وأنه أصبح ادارة حكومية ربما تدار بعقلية بيروقراطية لا تختلف عن إدارة أي قطاع آخر.

وفي الغالب لم يكن هناك خطة أو استراتيجية لما بعد هذه الحوارات التي جرت وتم توثيقها بآلاف الصفحات لتصبح أضابير مهجورة في أرشيف المركز. بل إن المركز اتجه لنشاط آخر ليس له علاقة بالحوار فأصدر موسوعة ضخمة عن المملكة (٢٢ مجلدا). ما هو مطلوب أن يكون هناك مخرجات لأنشطة المركز.. وتوسع في فتح فروع له في مناطق المملكة لتعزيز وتعميم ثقافة الحوار الذي يفترض أن يتناول القضايا التي تهم الناس مباشرة..

الاقصاء لا يزال كما هو والاصطفاف على أشده والتطرف محلك سر! فما الذي تغير بعد ظهور مركز الحوار؟

ومن المهم التساؤل: من هم الذين يتحاورون وما شروط اختيارهم وكيف يتم ذلك؟

وأشار د. زياد إلى أن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني تجربة سعودية فريدة على المستوى العربي.

استبشر الناس به كثيرا في بداياته، وخصوصا في اللقاء الذي جمع على أريكة واحدة ممثلي: السلفية والصوفية والشيعة. وعُقدت عليه آمال عريضة في فتح باب الحوار، لكن فجأة انشقّ باب الحوار ولم ينفتح فقط!

وقع هذا الانشقاق بالتزامن بين متغيّرين جذريين وقعا بين عامي ٢٠١٠-٢٠١١، هما:

الربيع العربي

والربيع التويتري!

أما الأول فوقائعه وأحداثه ومتغيراته واختلاف الناس حوله لا تحتاج إلى تفصيل.

أما الآخر فهو الذي على مساس حميم بمحور قضية تعليم الحوار و ثقافة الاحترام، وأعني به انكباب الناس في بلادي على تويتر بوصفه منصة حوارية أولى من نوعها.

ما الذي أوقف أو عطّل مسيرة الحوار الوطني؟ هل هو الربيع العربي أم تويتر، أم كلاهما بوصفهما حَدَثٌ ووسيلة؟! سأترك لكم محاولة الإجابة.

أما محاولتي فأوجزها في أن الربيع وتويتر لم يُحدثا نمطاً جديداً في التفكير، بل سمحا لنمط جديد من التعبير عن الأفكار ليظهر فوق السطح.

وذكر د. حاتم المرزوقي أن الاحترام أساس لكل ما له أساس.. سواء كان حوارا أو غيره.. الاحترام يسبق كل شيء ولا يسبقه غيره. هذه في تقديره قضية محسومة.. القضية التي لابد أن تحرر ما هو الحوار ما هو الهدف منه.. كيف يكون وماهي وسائله وغاياته.. كيف نعززه  وكيف نغرسه في وجدان المجتمع.. لماذا نجح الحوار في مجتمعات وأخفق في أخرى.. حينما نتحدث عن الحوار نتطلع إلى غرب المحيط وشمال المتوسط.. فهل هذا هو النموذج.. أم هناك نماذج أخرى وربما في تاريخنا وتراثنا ما يشكل لنا أنموذجا في الحوار أكثر قدرة في التماهي مع العقل العربي.

وعلق د. زياد الدريس إجمالا على ما تضمنته المداخلات السابقة بقوله: أجد لزاماً عليّ، وجدانياً، ونحن نتناول موضوع (الحوار) أن نتذكر ملك الحوار عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله، ذاك الرجل الذي زرع بذرة الحوار في أرضنا الصحراوية الجافة!

هو ليس مسؤولاً إن نمت النبتة وأورقت أم لا؟! فهذه مسؤوليتنا نحن وآخرين معنا.

أقول هذا، رغم ثقتي بأن النبتة ستثمر يوماً ما بإذن الله وإن تأخر نموّها.

أدرك أن الموضوع واسع وفضفاض، بل وشائك في كثير من جوانبه. وإن استجبنا للمد والجزر في هذا الموضوع فقد لا نخرج منه بصيد ثمين.

بودّي أن نركز على إشكالية الحوار والاحترام، أيهما يسبق الآخر، وأيهما يلزمنا أكثر؟!

لا يكفي بأن نقول ونردد بأن مجتمعنا قمعي أحادي ، ثم ماذا؟!

نحن هنا كي نشخّص ذواتنا ونشرّحها، لا لنجلدها فقط.

الشعوب الأخرى لا تحترم بعضها بعضاً انطلاقاً من قيم ذاتية، بل بسبب دُربة تعليمية وانضباط مقنّن بقوانين حقوقية.

أردت فضلاً لفت انتباهكم لهذا المنحى خصوصاً.

كذلك فقد لاحظت خلطاً بين الحوار والتسامح والاحترام؛ فالاحترام ثقافة ومفهوم وكذلك التسامح، بينما الحوار مجرد وسيلة.

وقد أشرت في ورقتي إلى أن خطاب الانتلجنسيا السائد الآن لم يعد يحفل بمفهوم التسامح كما كان يفعل من قبل، إذ بدأ يُنظر لمفهوم التسامح على أنه مفهوم يحمل في طياته (المنّة والتفضّل)، بينما يخلو مفهوم الاحترام المتكافئ من هذه العلة.

وعلق د. حاتم المرزوقي بأن الاحترام يبدأ بقبول الآخر. وقبول الآخر هنا لا يعني بالضرورة القناعة بمعتقده أو سلوكه.. وإنما قبول اختلافه.. وغرض الحوار مع المخالف من هذا المبدأ لا يقتضي الإقناع  وإنما الوصول إلى المشترك الذي يمكن من خلاله التعايش.. أو صناعة التعايش.

وذكر د. حميد المزروع أنه لا يري علاقة بين مصطلح الصناعة والتعايش؛ فالصناعة هي فن تحويل المواد الخام إلى منتج له وظيفة محددة ، أما التعايش فهو أن تتقبل الغير باختلاف آرائه أو مظهره . ، والمريض يضطر أن يتعايش مع آلامه .

وأوضح د. زياد الدريس أن التعايش يحتاج إلى (عقد اجتماعي) يضمن له التماسك والاستمرار.

ويبدو أن سر الفارق الجوهري بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة يكمن في وجود/غياب العقد الاجتماعي.

صحيح أن العقد الاجتماعي في أوروبا لم يمنع قيام الحربين العالميتين، لكنه هو الذي ساعد أوروبا على سرعة النهوض والتخلص من آثار الحربين.

وقالت أ. فاطمة الشريف: هناك نقطة جوهرية أيضا تبرز حين التطرق إلى مصطلح التسامح” وهي مصطلح “التساهل الفكري؛ هل تندرج ضمن أدبيات الحوار وضرورياته أم أنها خارج السياق الفكري للحوار وتبقى محصورة حين التطرق للتسامح الديني وحقوق الأقليات؟

وأشار د. حاتم المرزوقي إلى أن القادر على صناعة التعايش هو القادر على صناعة السلم.. صناعة التعايش تكون أرسخ أسسًا وأعمق جذورًا إذا تمثلت الاحترام مبدأ وانتهجت الحوار وسيلة.. فبينما يعاني مفهوم التعايش من الانهيار والانهاك في أزمنة الخلافات والاختلافات، فإن التعايش تلزمه القوه لتحمل آراء الناس واختلافاتهم، وتعوزه التحكم في نوازع النفس وكبح جماحها، هذه هي المواد الخام والحوار هو المصنع والتعايش هو المنتج. هذه صناعة التعايش.

ومن جديد ذكر د. زياد الدريس أن مصطلح التساهل يفضي إلى استفزاز فئة معروفة في المجتمع، فلنحذر عند استخدامه من آثاره العكسية!

عموماً، فإن فكرة التعايش والتراضي والتغاضي، مؤصلة في ديننا وقرآننا عبر آيات قرآنية عديدة، لكن كأن بعض من في مجتمعنا من الدعاة والوعاظ لم يقرأها من قبل!

(وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)

(ولو أراد ربك لجعل الناس أمة واحدة)

(فذكّر إنما أنت مذكِّر، لستَ عليهم بمصيطر)

وغيرها من الآيات التي تصب في نفس السياق التعايشي، وقبول الآخر من دون شيطنته.

وبدوره ذكر د. منصور المطيري حول الحوار و المناظرة ما قاله ابن كثير عن الإمام عبدالله بن قدامة: ‏كان لا يناظر أحداً إلا وهو يبتسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه !!

في الحوار العملي و التطبيقي و في جزئية التفاوض .. التفاوض مثل المغازلة و المراقصة. ويمكن الرجوع هنا إلى موقع هارفارد بزنس ريفيو العربية – كيف تفاوض بلطف دون أن تكون لقمة سائغة (*).

وتساءل م. خالد العثمان: هل غياب العقد الاجتماعي الذي يُفعل الحوار هو ما عطل النهوض في ليبيا مثلا ؟ وأضاف د. زياد الدريس قوله: لنوسّع السؤال قليلاً ونجعله عن الربيع العربي عموما؟

وأشار د. مساعد المحيا إلى أنه ليس فقط ليبيا، وإنما أكثر المناطق المشتعلة تشهد حوارات ، وأحيانا يكون لها ثمارها، في لوزان اليوم ممثلو دول اجتمعوا ليتحاوروا حول سوريا …

لكن الأجندة المسبقة تجعل الاجتماع لقاء لفرض وصاية …

أيضا تنظيمات المعارضة السورية اجتمعوا كثيرا للحوار وانتهوا لقرارات ومواقف وكثيرا ما عادوا بلا موقف حازم …

اليمنيون المتحاورون في الكويت ظلوا عدة أشهر يتحاورون والنتيجة لا شيء ..

شخصيا فإن د. مساعد يميل إلى أن اليمن ستنتهي الأزمة فيها بالحوار .. لكنه حوار المقتنعين بأهميته والباذلين للتنازلات لمصلحة اليمن، وبدون الحوار سيبقى الصراع مستمر.

وفي تصور أ. سلمان العمري فإن الحوار بالنسبة لمجتمعنا يعتبر حديثا ؛ وحتى الآن مع الأسف الشديد لم نفهم منهجية الحوار بالمعنى الصحيح . وعليه فقد تساءل: هل للتركيبة السكانية ونمطيتها أثر في ذلك؟ وهل لبيئتنا الاجتماعية والنظرة المناطقية والقبلية أثر في عدم القبول والاستيعاب؟

نحتاج إلى سنوات طويلة لتغيير واقع المجتمع ومن أهمها عدم توفير الثقافة ابتداءا لكثير من القضايا المستعملة مثلا بدأنا بسوق الأسهم ولم يكن لدى المتعاملين فيها ثقافة.

ودخلت التقنية بايجابياتها وسلبياتها ولم نأخذ أبجديات التعلم في كيفية الاستخدام. وهكذا الحوار نحتاج إلى ترسيخه في إطار الأسرة والمدرسة أولاً.

وأضاف أ. مسفر الموسى: بل هي منصات الحوار المفتوح.. وهي النموذج الواقعي لممارسة الحوار.. وبالتالي، فإن ما يجري عليه من رقابة ومنع وإيقاف وإقصاء.. تمثل واقعنا الحقيقي في تقبل الرأي المختلف..

الحوارات المغلقة والمنظمة وذات الترتيبات المسبقة.. تعتبر نماذج صناعية لا يعتد بها لقياس مدى كفاءة الحوار في بلد ما.

وأشار د. الرديعان إلى أن تويتر ساحة حوار كبيرة لكن الأطراف المتحاورة فيه غير متساوية في المستويات.. هو أشبه ما يكون بسوق كبير تجد فيه المحلات الراقية وبديكور فخم وتجد فيه الباعة المتجولين والشحاذين والحواة وباعة الخردة .. موزاييك اجتماعي بامتياز.

وذكر أ. خالد الوابل أن ‏الحوار الفكري عادة ما يكون ذهاب وإياب ، لكن ‏عندنا الحوار الفكري خروج المغلوب.

وقال د. علي الحارثي: من أدب الحوار أن نستهلًه بالاحترام . اتفق مع من يرى أن الاحترام قيمة عظيمه واجبة من قيم كل المجتمعات البشرية ، فهو قيمة حميدة لكل شيء في الحياة ، وإحساس بنزعةٍ متميزةٍ لما في الآخر وعنده من إيجابيات ورؤى وطروحات. وإذا لم يكن لأهداف الحوار وآدابه ومقاصده احترام لما يضبط المسار للوصول إلى نتيجة موضوعية مقنعه فلا قيمة له . والحوار كما هو معلوم نشاط عقلي ولفظي بين المتحاورين ودعمه بالحجج والأدلة تجعل من أحدهما مقنعاً للآخر ، أو على الأقل يقف احتراماً لرأيه ولو لم يكن مقتنع . وليس من الاحترام أن تشعر الطرف الآخر بأن رأيه خطأ ورأيك الصواب . رحم الله الشافعي ( رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ).

هل قيمة الاحترام ممكنة التعلم والاكتساب كثقافة مجتمعية ؟ أعتقد ذلك ، قدوةً وسلوكاً . هل ممكن تعلٌم الحوار؟ أعتقد ذلك ، لأن له مبادئ وأهداف ومقاصد وآداب وسلوك في كل الاتجاهات ، وبالتالي برمجة مقوماته ممكنةٌ في كل المستويات التعليمية وغيرها. هما متلازمان متكاملان . الاحترام قيمه والحوار وسيلة أحدهما مبتدأ والآخر أثر لمن له نظر.

وأضاف د. فهد اليحيا: هذا الموضوع الحيوي يمتلئ ويفيض بالتعليقات والإضافات الثرية والمفيدة بل إن بعضها يكتشف آفاق جديد! كل المشاركين نعي الحوار المبني على الاحترام .. وننعى وفاته قبل أن يولد: أريد كل واحد منا .. أن يسترخي في مقعده .. ويأخذ تنفساً عميقاً وهو مغلق عينيه .. ويسترجع بضعة مواقف في “حوارات” شفهية أو كتابة .. ويرى بحياد وأريحية إلى أي مدى هو “محاور” يتبع أصول الحوار ويتمتع بقدر من احترام شخص محاوره المخالف!!

وقال أ. عبدالله الضويحي في مداخلته حول قضية: تعليم الحوار أم ثقافة الاحترام: ‏اسمحوا لي أن أبدأ بهذه الطرفة:

يقال أن اعرابيا ‏فقد له حُواراً ( الحوار بضم الحاء كما هو معروف صغير الناقة ) وأثناء متابعته لنشرة الأخبار سمع المذيع يقول:

حوار بين الجزائر والمغرب حول الصحراء المغربية فقال الأعرابي:

يا ويلي وش وداك هناك !؟

فهم الأعرابي البسيط للحوار وفقده له مثل فهمنا لحوارنا وفقدنا له في كثير من الأحيان ..

بل إن كثيرا منا ينطقها بضم الحاء فيقول “مركز الحُوار الوطني”

أرجو أن لا أخطئ عندما أقول أن الحوار تشريع إلهي قبل نشأة الخليقة متمثلا ذلك في حواره سبحانه مع الملائكة قبل خلق آدم ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك … الآية )

ثم حواره جل وعلا مع إبليس ورفضه السجود لآدم الذي جاء في أكثر من موضع في القرآن ومطول في بعضها وهو العارف والقادر أن ينهيه من البداية لكنه سبحانه أراد بهذا أن يوجه لنا رسالة نحن البشر باعتماد الحوار في حياتنا ..

— القرآن الكريم  مليء بالشواهد وقصص الأنبياء التي تؤكد على الحوار ( إبراهيم مع أبيه .. نوح مع ابنه .. يوسف مع إخوته .. موسى مع فرعون ) ومحمد ﷺ مع عمه وحوارات الأنبياء والرسل مع أقوامهم بل أن سورة ( طه ) في معظمها قصص تؤكد هذا المفهوم وهناك سورة اسمها ( المجادلة ) كما دعا لذلك في أكثر من موضع دون تفرقة بين عرق أو جنس أو عقيدة ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء .. )

بل إنه شجب من يعترض على الحوار ويرفضه في أكثر من موضع ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر … الآية ) ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون )

أريد أن أصل إلى نقطة مهمة وهي بالرغم من هذا كله هناك من يفسر بعض الآيات أو يؤولها للوصول لهدف معين مغلقا باب الحوار ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )

— الأمثال الشعبية ..

نتاج تجارب الشعوب وهي حالات فردية لكننا عممناها ليصبح بعضها قواعد نسير عليها وجزء من ثقافتنا ( الشيوخ أبخص ) ( الرجال ما يرجع في كلامه ) .. وعندما كنا في مقاعد الدراسة تعلق بعض اللوحات ( العصا لمن عصا )

حتى جيل اليوم اختلق أمثالا معاصرة ( لا يكثر ) وغيرها ..

— الإعلام ..

الإعلام لا يعول عليه فهو أحد الأسباب فالبرامج الحوارية التي تستضيف النخب ويفترض أن تكون نموذجا لحوار راق هي من تفتقد ثقافة الحوار وآدابه بالتراشق بين الضيوف بالماء والكراسي والشتائم.

د. فهد يقول أن صحافتنا كانت تخلو من الحوار عدا بعض المساجلات الأدبية مثل جيم جدة، ولعلي أختلف معه فقد كانت في تلك الفترة تعيش مرحلة مزدهرة أطلق عليها ( المعارك الأدبية ) التي دارت بين محمد حسن عواد وحمزة شحاته وبين عبدالقدوس الأنصاري وحمد الجاسر وبين عبدالله بن إدريس وعبدالله بن خميس وغيرهم كثير حتى في المجالات الرياضية؛ لكن ما يعيب بعض هذه الحوارات تناولها الجانب الشخصي مما سبب القطيعة بين بعض أطرافها عقودا من الزمن.

— التعليم ..

هو الأساس نعم أتفق مع أ. ندى القنيبط معظم بيوتنا كما قال د. فهد ( أبوية ) والمدرسة يفترض أنها المكان التربوي المناسب ؛ أتساءل دائما عن حصة التعبير، ففي نظري أنها أهم حصة إذا يفترض أن تتحول لورش عمل وخطابة وتدريب على الحوار ..

كانت أين قضيت العطلة الصيفية !؟ واليوم المطير !؟ و تحديد عدد الصفحات ولم يكن المدرس يقرأ ما نكتب ! ولولا الإطالة لذكرت أمثلة لذلك !

وحصص النشاط تتحول لبرامج مكررة ومملة؛ لأن القائمين على ذلك غير مؤهلين وليس هناك من يتابعهم من إدارة وإشراف ..

لا توجد حصص ولا زيارات ميدانية للطلاب خاصة بتنمية ثقافة الحوار واحترام الرأي ..

وفي رأيي أن من يتجه للشخصنة في الحوار لا يفتقد أدواته وأديباته فقط بل لأنه يفتقد الحجة..

وحول التساؤل: ما مدى تأثير بيئتنا الصحراوية على سلوكنا الاجتماعي خاصة فيما يتعلق بلغة الحوار !؟ ذكر أ. عبدالله الضويحي أن هذا اختزال لبيئتنا…. وهو سبب أساسي لمشاكل الحوار.

في حين أشارت أ. ليلى الشهراني أن لابن خلدون مقولة في تأثير البيئة على شخصية الإنسان يقول : “للبقاع تأثير على الطباع ، فكلما كانت البقعة من الأرض ندية مزهرة أثرت على طبع ساكنيها بالرقة” لكنها ليست مؤمنة بها بشكل كامل؛ فبعض العمالة من دول شرق آسيا وهم في بيئات الخضرة والنظرة والأنهار طباعهم جلفة، وبعض البيئات الجافة الصحراوية خرج منها من يحمل خصال (الحلم والأناة وحسن الأخلاق) ، ولا شك أن الإنسان ابن بيئته لكنه يؤثر في البيئة ويشكلها إن أراد (إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم).

وعلق م. خالد العثمان بقوله أن مداخلة أ. عبدالله الضويحي تثير تساؤلا يتكرر في كثير من القضايا: متى وكيف بالضبط حصل هذا التحول السلبي في ممارسات المجتمع بعيدا عن الأصول التي تضمنتها النصوص والتعاليم والمبادئ الدينية السامية؟

وفي هذا الإطار قال أ. عبدالله الضويحي: أعتقد من الصعب أن نحدد فترة معينة أو فاصلا زمنيا لمثل هذا التغير ..

في نظري يرتبط بحالتين: تركيبة المجتمع، والفرد نفسه الذي هو جزء من هذا المجتمع ..

وأشرت في مداخلتي أنها قديمة قدم الأزل وحدثت مع كل الأنبياء والرسل من أقوامهم ..

وفي الجاهلية أيضا تؤكدها كثير من الأحداث مثل حرب داحس والغبراء وقصائد الشعراء وأدبيات المرحلة ..

( إلا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا )، وخطبة الحجاج المشهورة ..

جاء الإسلام على يد نبي الهدى  ﷺ فهذب النفوس وحاول أن يضع إطارا للسلوك وكانت الحالتان موجودتان في نظري ..

عصرنا الحالي امتداد لسابقه وأعتقد أن هناك العديد من العوامل ..

فنحن حديثو عهد بالتعليم والثقافة قياسا بالشعوب الأخرى وكانت نسبة الأمية لدينا إلى عهد تشكل رقما كبيرا ..

مظاهر الكبت والقمع وربما كان للاستعمار دور فيها ولدت ردود فعل مضادة بل رسخت مثل هذه الأساليب ( توارث أجيال )

والعامل المهم جدا عدم فهمنا للإسلام الحقيقي وتطبيقنا له كسلوك؛ فالإسلام لدينا في كثير من تعاملاتنا مظهر وعبادات أكثر من كونه منهج حياة حتى بالنسبة لمن يعول عليهم شرح أبعاده الحقيقية وتطبيقه؛ وهذا أدى لغياب القدوة في البيت والمدرسة والشارع والحياة العامة.

ويرى د. حسين الحكمي أن ثقافتنا المحلية لا تشجع على الحوار ، فالكبير كثيرا ما ينهر الصغار عن الحديث في مجالس الكبار ، ويتم تسفيه آرائهم والضحك على كلامهم والانتقاص من أي فكرة كانت ، والمدرسة نفس المنهج تتبع، فنجد أسلوب التدريس تلقين وحفظ فقط دون حوار أو نقاش ، لا يوجد تعليم للتفكير الناقد الذي يشجع عدى طرح الرأي المخالف والمختلف. في بعض المدارس هناك معلمون يتهكمون بالطالب الذي يجيب إجابة خاطئة أو يقدم رأي مختلف ويصفون الطالب بالغباء والبلاهة ويقومون باستحقاره واستحقار رأيه ! كيف لبيئة مثل هذه أن تنمي ثقافة الحوار وتقبل المخالف؟!

وتساءل د. حميد المزروع: هل أنتجت ثقافتنا جيلا لديه رهاب من الحوار بسبب الإقصاء المبكر من إعطاء الفرصة للتعبير ، والتمكين من المشاركة !

وقالت أ. هيا السهلي: يحتاج الطالب أن يتمتع بكامل أهليته وحقه الذي منحه الله له (وهديناه النجدين ) !

من حقه أن يعتنق رأيه ولا يرى صواب رأيك !

ما عليك إلا البلاغ لا هدايته.

لماذا عندما نؤمن برأي أو ننقله نجعل على عاتقنا إقناع الآخر ؟!

الأصل تحرير العقول ، ثم عرض القول عليها أن آمنت أو معها حذاءها وسقاءها.

  • الحوار من وجهة نظر إسلامية

عرض م. خالد العثمان لمقال منشور بصحيفة النهار اللبنانية حول الحوار من وجهة نظر إسلامية للكاتب محمد السماك (*) وجاء فيه أنه وفي  الأساس، لا يكون الحوار إلا مع الآخر. وتحديداً مع الآخر المختلف. أن هدف الحوار هو شرح وجهة النظر وتبيان المعطيات التي تقوم عليها، وفي الوقت نفسه الانفتاح على الآخر لفهم وجهة نظره ثم للتفاهم معه. ذلك بأن التفاهم لا يكون من دون فهم متبادل. والحوار هو الطريق إلى استيعاب المعطيات والوقائع المكونة لمواقف الطرفين المتحاورين، ثم إلى تفاهمها.

في ثقافتنا الإسلامية، كما يقول ابو الوليد الباجي، أن من اجتهد وأصاب الحق فقد أجر أجرين. أجر الاجتهاد وأجر الاصابة للحق. ومن اجتهد وأخطأ فقد أجر أجراً واحداً لاجتهاده ولم يؤثم على “الخطأ”. نفهم من ذلك أن الاجتهاد، كأي عمل فكري إنساني، مفتوح على الخطأ والصواب. فهو ليس مقدساً ولا مطلقاً ولا ثابتاً، بل هو إنساني، محدود، ومتغير.
وفي ثقافتنا الإسلامية أيضا أن “رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. نفهم من ذلك أيضا أنه ليس لأحد أن يدعي الحقيقة المطلقة. وليس له أن يخطئ الآخرين لمجرد اقتناعهم برأي مخالف. فالحقيقة نسبية. والبحث عن الحقيقة، حتى من وجهة نظر الآخر المختلف، طريق مباشر من طرق المعرفة. وهو في الوقت نفسه اسمى أنواع الحوار.

وفي ثقافتنا الإسلامية كذلك، أن الحوار يتطلب أولا وقبل كل شيء الاعتراف بوجود الآخر المختلف، واحترام حقه ليس في تبني رأي أو موقف أو اجتهاد مختلف فحسب، بل احترام حقه في الدفاع عن هذا الرأي أو الموقف أو الاجتهاد، ثم واجبه في تحمل مسؤولية ما هو مقتنع به.

ولأن الحوار يحتم وجود الآخر، فلا بد من تعريف الآخر. وهو تعريف لا يمكن أن يتم في معزل عن الأنا. إن فهم الآخر، ثم التفاهم معه، لا يتحققان من دون أن تتسع الأنا له. وبالتالي، كلما سما الإنسان وترفع عن أنانيته، أوجد في ذاته مكاناً أرحب للآخر. إن الحقيقة ليست في الأنا. أنها تتكامل مع الآخر، حتى في نسبيتها. وهي لا تكتمل في إطلاقتيها إلا بالله. والحوار مع الآخر اكتشاف للأنا وإضاءة ساطعة على الثغر والنواقص التي لا تخلو منها شخصية إنسانية. ولذلك يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “الآخر هو وسيط بيني وبين نفسي، وهو مفتاح لفهم ذاتي والإحساس بوجودي”.

الآخر قد يكون فرداً وقد يكون جماعة. وفي الحالين، قد يكون مؤمناً، وقد يكون كتابياً وقد يكون كافراً. الآخر المؤمن هو للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً. والآخر الكتابي في المجتمع الإسلامي هو في ذمة المسلم (*) والرسول يقول “من آذى ذمياً فقد آذاني”. أما الآخر  الكافر، فالعلاقة معه مبنية على قاعدة “لكم دينكم ولي ديني”. وفي كل الحالات، فإن العلاقة بين المسلم والآخر يختصرها الحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول محمد “المسلم من سلم الناس من يده ولسانه”.

يقرر الإسلام الاختلاف كحقيقة إنسانية طبيعية، ويتعامل معها على هذا الأساس. {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير} (سورة الحجرات، الآية 13).

خلق الله الناس مختلفين اثنياً واجتماعياً وثقافياً ولغوياً، ولكنهم في الأساس “أمة واحدة” كما جاء في القرآن الكريم: {وما كان الناس الا أمة واحدة فاختلفوا} (سورة يونس. الآية 19)، أي أن اختلافاتهم على تعددها لا تلغي الوحدة الإنسانية.

تقوم هذه الوحدة على الاختلاف، وليس على التماثل أو التطابق. ذلك أن الاختلاف آية من آيات عظمة الله، ومظهر من مظاهر روعة إبداعه في الخلق. يقول القرآن الكريم: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} (سورة الروم، الآية 22). والقاعدة الإسلامية كما حددها الرسول محمد هي أن {لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى}. وبالتالي فإن الاختلاف العرقي لا يشكل قاعدة لأفضلية ولا لدونية. فهو اختلاف في إطار الأمة الإنسانية الواحدة، يحتم احترام الآخر كما هو على الصورة التي خلقه الله عليها.

إذا كان احترام الآخر كما هو لوناً ولساناً (أي اثنياً وثقافياً) يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام، فإن احترامه كما هو عقيدة وإيماناً هو احترام لمبدأ حرية الاختيار والتزام بقاعدة عدم الاكراه في الدين.

فالقرآن الكريم يقول: {لكل وجهة هو موليها} (سورة البقرة، الآية 148). وفي إشارة واضحة إلى تعدد التوجهات يقول أيضا: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} (سورة البقرة، الآية 145).
ذلك أنه مع اختلاف الألسن والألوان، كان من طبيعة رحمة الله اختلاف الشرائع والمناهج، وهو ما أكده القرآن الكريم بقوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما أتاكم. فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} (سورة المائدة، الآية 48). و{الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} (سورة الحج، الآية 69). و{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين} (سورة هود، الآية 118).

أرسى القرآن الكريم قواعد واضحة للاعتراف بالآخر وبوجهة نظره إجلاء للحقيقة، بما في ذلك، بل في مقدمة ذلك، الحقيقة الإلهية.

حوار الله والشيطان

في حوار الله والشيطان، كما ورد في سورة الأعراف، (الآيات من 10 إلى 18) يقول القرآن الكريم: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس لم يكن من الساجدين. قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين. قال انظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين. قال فيما أغويتني لأقعدَنّ لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجدُ أكثرهم شاكرين. قال أخرج منها مذءوماً مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين}.

من خلال هذا الحوار الإلهي مع الشيطان، تبرز حقيقة الثواب والعقاب، الخير والشر، الإيمان والكفر. وما كان لصورة هذه الحقيقة أن تكتمل من دون هذا الحوار. وما كان لهذا الحوار أن يقوم من دون وجود الآخر.

وفي حوار الله مع الأنبياء تبرز حقيقة الإعجاز الإلهي: {وإذا قال إبراهيم ربِ أرني كيف تحيِ الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ قال بلىَ ولكن ليطمئن قلبي. قال فخذ أربعة من الطير فصُرهُنّ اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعيا وأعلم أن الله عزيز حكيم} (سورة البقرة، الآية 260). وفي حوار الله مع عباده، تبرز حقيقة العدل الإلهي، حيث ورد في الآية الكريمة: {قال ربِ لمَ حشرتني أعمى وقد كُنتُ بصيراً. قال كذلك أتتكَ آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (سورة طه، الآيات من 124- 125).

وفي حوار الأنبياء مع الناس، تبرز حقيقة التربية الإلهية، في الآية الأولى من سورة المجادلة: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما أن الله سميع بصير} (المجادلة، الآية 1). كما تبرز حقيقة الهداية الإلهية: {الم ترَ إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيِ ويميت. قال أنا أحيِ وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فآت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} (سورة البقرة، الآية 258). وفي حوار الناس مع الناس، تبرز حقيقة الجشع الإنساني: {وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفرا} (سورة الكهف، الآية 34). تبين هذه الآيات الكريمة أن الحوار يتطلب وجود تباينات واختلافات في الموقع وفي الفكر وفي الاجتهاد وفي الرؤى. وفي ذلك انعكاس طبيعي للتنوع الذي يعتبر في حدّ ذاته آية من آيات القدرة الإلهية على الخلق ومظهراً من مظاهر عظمته وتجلياته.

إن وحدة الجنس أو اللون أو اللغة ليست ضرورة حتمية لا يتحقق التفاهم من دونها. لذلك لا بد، من أجل إقامة علاقات مبنية على المحبة والاحترام، من الحوار على قاعدة هذه الاختلافات التي خلقها الله، وأرادها أن تكون، والتي يتكشف للعلم أنها موجودة حتى في الجينات الوراثية التي تشكل بعناصرها شخصية كل منا وتمايزاتها.

إن للحوار قواعده وآدابه. ولعل من أبرز هذه القواعد والآداب ما ورد في سورة سبأ. كان الرسول محمد يحاور غير المؤمنين شارحاً ومبيناً ومبلغاً. ولكنهم كان يصرون على أن الحق إلى جانبهم. فحسم الحوار معهم على قاعدة النص: {قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (سورة سبأ، الآية 24). لقد وضع الرسول نفسه في مستوى من يحاور تاركاً الحكم لله، وهو اسمى تعبير عن احترام حرية الآخر في الاختيار، وعن احترام اختياره حتى ولو كان على خطأ. وذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال القرآن الكريم في الآية التالية مباشرة: {قل لا تُسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} (سورة سبأ، الآية 25). فكان من آداب الحوار بل من المبالغة في هذه الآداب أن وصف اختياره للحق وهو على حق بأنه إجرام (في نظرهم). ووصف اختيارهم للباطل وهم على باطل بأنه مجرد عمل. ثم ترك الحكم لله: {قل يجمع بيننا ربنا، ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتّاح العليم} (سورة سبأ، الآية 26).. إن احترام حرية الاختيار هنا ليس احتراماً للخطأ. فتسفيه وجهة نظر الآخر ومحاولة اسقاطها ليسا الهدف الذي لا يكون الحوار مجدياً إلا إذا تحقق. إن من أهداف الحوار تعريف الآخر على وجهة نظر لا يعرفها، ومحاولة إقناعه بالتي هي أحسن بموقف ينكره أو يتنكر له. وهو أمر يشكل في حد ذاته أحد أهم عناصر الاحتكاك الفكري والتكامل الثقافي والتدافع الحضاري بين الناس. ومن دون ذلك يركد الذهن ويفقد التعطش إلى المعرفة عودَ الثقاب الذي يلهبه، وتتحول مساحات الفكر إلى بحيرات آسنة. وفي ذلك يقول القرآن الكريم: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (سورة البقرة، الآية 251). إن الاختلاف بين الناس، وما يشكل الاختلاف من تدافع، يشكلان أحد أهم موجبات عدم فساد الأرض.

هناك فوارق كثيرة بين علاقة الإرادة وعلاقة الفرض. العلاقة الأولى هي نتيجة حوار وثمرة تفاهم، وهي بالتالي فعل إرادي تحقق المحبة والاحترام والثقة. أما العلاقة الثانية فهي حال تنكر لحق الآخر وتجاهل لتمايزاته ولخصائصه، وتجاوز للحوار كوسيلة لفهمه وللتفاهم معه. وهي بالتالي حال مفروضة. وكل ما هو مفروض مرفوض من حيث المبدأ، ومن حيث الأساس، ولذلك فإنها لا تحقق سوى البغضاء والكراهية وعدم الثقة.

أرسى مجتمع المدينة المنورة في عهد النبي محمد قاعدة لإقامة نسق تعاوني بين فئات الناس من مؤمنين وأهل كتاب في أمة واحدة. الوثيقة النبوية أقرت أصحاب الآراء على آرائهم وتكفّلت بحمايتهم كما هم. قام مجتمع المدينة على قاعدة نشر الدعوة مع احتضان الاختلاف. وليس مع تجاهله ولا مع محاولة الغائه.

حاور النبي نصارى نجران في بيته في المدينة المنورة وأحسن وفادتهم. وعندما حان وقت صلاتهم، لم يجد النبي أي غضاضة في دعوتهم، كما تذكر رواياتُ ثقة، إلى أداء صلاتهم. أن العقيدة، في الإسلام، تستقر بالفكر اختياراً ولا تُلْصقُ باللسان قهراً واجباراً. والقرآن الكريم يقول {لا اكراه في الدين} (سورة البقرة، الآية 256)، والـ”لا” هنا نافية وليست ناهية. أي أنها لا تعني لا تكرهوا الناس في الدين، ولكنها تعني أن الدين لا يكتمل وهو لا يكون أساساً بالإكراه.

على قاعدة هذه السابقة النبوية في دولة المدينة الأولى، فإن الإسلام لا يضيق بتنوع الانتماء العقدي، ولا يؤمن بالنقاء العرقي (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فإذا كان التنوع من طبيعة تكوين المجتمع، فإن الحوار هو الطريق الوحيد الذي يؤدي بالاختيار الحر وبالمحبة إلى الوفاق والتفاهم والوحدة. ذلك أن البديل عن الحوار هو القطيعة والانكفاء على الذات، وتطوير ثقافة الحذر والشك والعداء للآخر.

إن من مقومات الحضارة العربية – الإسلامية احترام الآخر والانفتاح عليه والتكامل معه، وليس تجاهله أو الغاؤه أو تذويبه. ويشهد تعدد الأقليات الدينية والاثنية في العالم الإسلامي، ومحافظة هذه الأقليات على خصائصها العنصرية، وعلى تراثها العقدي والديني، وعلى لغاتها وثقافاتها الخاصة، على هذه الحقيقة وأصالتها. إن اعتراف الإسلام بالآخر، ومحاورته بالتي هي أحسن وقبوله كما هو، لا يعود بالضرورة إلى تسامح المسلمين، بل إلى سماحة الإسلام والى جوهر الشريعة الإسلامية.

فالحوار – كالصداقة – لا يولد بالضغط ولا بالترغيب. علينا (كما جاء في وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني بشأن الحوار مع الإسلام) “أن نعمل تدريجياً على تغيير عقلية وذهنية إخوتنا المسيحيين لأن المهم بالنسبة إلينا، كما هو مهم بالنسبة للآخرين، محاولة اكتشاف الإنسان كما يعيش وكما يأمل أن يكون، ولا يهمنا الماضي بقدر ما يهمنا هذا الإنسان المتجه نحو آفاق المستقبل للحصول على عدالة أكثر، وحقيقة أكثر، وحبّ أكثر. هذا هو الرجل الذي يجب أن نعرف. ومع هذا الرجل فقط، يمكن أن نشيد ونبني حواراً أصيلاً وحقيقياً”. ويستشهد النص الفاتيكاني بما قاله المستشرق ماسينيون من أنه “لكي نفهم الإنسان الآخر، يجب أن لا نستولي عليه وندمجه فينا، بل يجب أن نكون ضيوفه”.

إن للحوار أهدافاً مختلفة. فهو إما أن يكون وسيلة لتنفيس أزمة ولمنع انفجارها، وإما أن يكون سعياً لاستباق وقوع الأزمة ولمنع تكوّن أسبابها، وإما أن يكون محاولة لحل أزمة قائمة ولاحتواء مضاعفاتها. في هذه الحالات الثلاث تكون مهمة الحوار هي العمل على:

  • إبراز الجوامع المشتركة في العقيدة والأخلاق والثقافة.
  • تعميق المصالح المشتركة في الانماء والاقتصاد والمصالح.
  • توسيع مجالات التداخل في النشاطات الاجتماعية الأهلية (كالأندية الرياضية والجمعيات الكشفية والمؤسسات التعليمية والاستشفائية).
  • التأكيد على صدقية قيم الاعتدال وتوسيع قاعدتها التربوية.
  • إغناء الثقافة الحوارية التي تقوم على عدم رفض الآخر، والانفتاح على وجهة نظره واحترامها، وعدم التمترس وراء اجتهادات فكرية صدئة من خلال التعامل معها – أي مع هذه الاجتهادات – وكأنها مقدسات ثابتة غير قابلة لإعادة النظر.

التفاهم 

إن أي حوار يستلزم من حيث المبدأ تحديداً مسبقاً لأمرين أساسيين: الأمر الأول هو التفاهم على ماذا نتحاور، والأمر الآخر هو التفاهم لماذا نتحاور. أي أنه لا بد من تحديد منطلقات الحوار وقواعده.

ينطلق الحوار من قواعد منطقية وعلمية تعتمد على الحجة والبرهان، ويتوسل الجدال بالتي هي أحسن، والموعظة الحسنة. فالله خاطب موسى بقوله: اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري، اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى. (سورة طه، الآيات 41-44). ويأمر بإتباع الحكمة في الدعوة: {ومن أحسنُ قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالّتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (سورة فصلت، الآيتان 32-34).

وتأكيداً لهذا المنهج ينهى الله المؤمنين عن إتباع أساليب السفهاء ومجاراتهم في السب والتسفيه لمعتقدات الآخر: {ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم} (سورة الانعام، الآية 108). و “لا بد لكي يبدأ الحوار أن يمتلك أطرافه حرية الحركة الفكرية التي ترافقها ثقة الفرد بشخصيته الفكرية المستقلة، فلا ينسحق أمام الآخر لما يحس فيه من العظمة والقوة التي يمتلكها الآخر، فتتضاءل إزاء ذلك ثقته بنفسه وبالتالي بفكره وقابليته لأن يكون طرفاً للحوار فيتجمد ويتحول إلى صدى للأفكار التي يتلقاها من الآخر” (عبد الرحمن حللي – حرية الاعتقاد في القرآن الكريم، المركز الثقافي العربي – المغرب، ،2001 ص94 – 96).

لذلك أمر الله رسوله أن يحقق ذلك ويوفّره لمحاوريه: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى اليّ} (سورة الكهف، الآية 110)، {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مَسّني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} (سورة الأعراف، الآية 188).

فاذا امتلك أطراف الحوار الحرية الكاملة فأول ما يناقش فيه هو المنهج الفكري – قبل المناقشة في طبيعة الفكر وتفاصيله – في محاولة لتعريفهم بالحقيقة التي غفلوا عنها، وهي أن القضايا الفكرية لا ترتبط بالقضايا الشخصية. فلكل مجاله ولكل أصوله التي ينطلق منها ويمتدّ اليها: {وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقِلون شيئاً ولا يهتدون} (سورة البقرة، الآية 170).

كما لا بد لكي ينجح الحوار من أن يتم في الأجواء الهادئة ليبتعد التفكير فيها عن الأجواء الانفعالية التي تبتعد بالإنسان عن الوقوف مع نفسه وقفة تأمل وتفكير، فإنه قد يخضع للجو الاجتماعي ويستسلم لا شعورياً مما يفقده استقلاله الفكري: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} (سورة سبأ، الآية 46)، فاعتبر القرآن اتهام النبي بالجنون خاضعاً للجو الانفعالي العدائي لخصومه، لذلك دعاهم إلى الانفصال عن هذا الجو والتفكير بانفراد وهدوء (مرجع سابق – عبد الرحمن حللي).

والمنهج القرآني في الحوار يرشد إلى انهائه بمهمة وأداء رسالة يبقى أثرها في الضمير، إن لم يظهر أثرها في الفكر، إنه أسلوب لا يسيء إلى الخصم بل يؤكد حريته واستقلاليته، ويقوده إلى موقع المسؤولية ليتحرك الجميع في إطارها وينطلقوا منها ومعها في أكثر من مجال” (انظر: فضل الله (محمد حسين)، الحوار أبعاد وايحاءات ودلالات – مجلة المنطلق: ،16 عدد 105 – ربيع الأول 1414 هـ).

إن في ثقافة الحوار في الإسلام آداباً وقيماً ومنهجاً أخلاقياً يحترم الإنسان وحريته في الاختيار، كما يحترم حقه في الاختلاف وفي المجادلة. وفي النتيجة أن “من اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فعليها وما ربك بظلام للعبيد”.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أنه عندما يتحاور المسلم مع غيره ويكون حوارهم دينيا محضا فإن القضية عند المسلم “محسومة” سلفا وبالتالي لا جدوى من الحوار بينهما.

إن ما هو مطلوب ليس أن يقنع أحد الطرفين محاوره بصحة دينه أو معتقده فهذا منزلق لن يؤدي إلى نتيجة.

المطلوب هو مزيدا من الفهم بحيث يتفهم كل طرف موقف الطرف الآخر دون شرط الاقتناع.. هذا يقودنا إلى ضرورة توفر الاحترام بين المتحاورين لكن هذا الاحترام لا يتوفر عادة عند المسلم بسبب ما تم ذكره أعلاه..

وأضاف د. الرديعان: سألت مجموعة من المسيحيين إذا كانوا يعتقدون بصحة إنجيلهم وما إذا كان محرفا أم لا.. جميعهم ينكرون ذلك ويعتقدون بصحة كتابهم وصحة معتقدهم.

لذلك واستكمالا لما سبق فإن المسلم في حواره مع المسيحي سينطلق من فكرة أن الإنجيل محرف وهذا ما قرأناه في القرآن الكريم. هذا سيمنع استمرار الحوار وبالتالي يفترض تجنب الحوار بهذه الطريقة والوصول إلى صيغة البحث عن المشترك بين الأديان. ونفس القضية عندما يتحاور السني مع الشيعي فكل منهما معبأ بما لديه من “حقائق” يصعب تزحزحه عنها ومن ثم ينقطع الحوار في مرحلة ما. وبالتالي يفترض أن يكون حوار الأديان والمذاهب للفهم والبحث عن المشترك وليس للإقناع.

وترى أ. فاطمة الشريف أن مكمن الصعوبة في حوار الأديان أنه ينطوي دائما على ضرورة الإقناع وضرورة الانتصار لأحد من الطرفين من منطلق العنصرية الدينية البحتة عند الغالب.

ويرى م. خالد العثمان أن حوار الأديان قد يكون من أصعب مستويات الحوار لأنه يمس المعتقدات. ومن المهم أن يكون بالفعل حوار للفهم وليس للإقناع. وأضف تساؤل مهم: ولم لا يكون هذا حال كل الحوارات .. حوارات للفهم وليس الإقناع .. هذا ما تحدث عنه السماك في المقال المشار إليه.

في حين يرى د. فهد اليحيا أن من الخطأ أن يكون الهدف من الحوار الإقناع أو الإفحام! إن حدث الإقناع فنعمة .. ولكن الهدف الأساسي: فهم الآخر منه هو ..! وشيء أخر: ربما يهدف الحوار إلى إقناع أو تغيير مفاهيم الحضور وليس المشاركين.

ويرى د. فايز الشهري أن فكرة حوار الأديان غير ناجحة عربيا لجملة من الأسباب:

  • أولا: مشروعات الحوار تتم بتوظيف سياسي تكتيكي.
  • ثانيا: في الوعي واللاوعي العربي هناك نفي تام وأحيانا يؤصل شرعا لفضيلة نبذ وكراهية للمختلف والمخالف.
  • ثالثا: لا يقوم بمشاريع الحوار مؤسسات فكرية تحظى باحترام فكري وشيء من الإجماع.
  • رابعا: غياب المرجعيات الصلبة للحوار فنجد أن المشاريع تهتز عند ملامسة الأصول الدينية والثقافية والمجتمعية.
  • خامسا: انتهازية النخب الممثلة لمكونات الحوار لتحقيق مكاسب وإهمال القضية .

وتساءل د.م. نصر الصحاف: إذا كان هذا واقعاً فما هو الهدف من فكرة حوار الأديان طوال هذه السنين ؟

ويرى د. فايز الشهري أنه للأسف لم يخرج عن كونه حالة من الديكور السياسي المرحلي ولهذا لم ولن يثمر.

  • الحوار من وجهة نظر نفسية

تناول د. علي الحكمي الحوار من وجهة نظر نفسية ، وخاصة فيما يتعلق بمعوقات الحوار الفعال ومن أهمها:

  • التصنيف والصورة النمطية والأفكار المسبقة

فعندما نصنف شخصاً ما، فالنتيجة الحتمية أن نكون انتقائيين في الانتباه لما يقول، ومتحيزين في تفسيراتنا لما نقول، فربما نكون متفقين بنسبة كبيرة في مواقفنا، ولكن تصنيفنا للشخص المقابل أو أفكارنا المسبقة عنه قد تشكل هالة أو غطاء يشعرنا بأن موقف الشخص أبعد بكثير عما هو عليه في الواقع.

  • الثقة المفرطة في الأحكام الاحتمالية:

فعندما نفرط في تقديرنا لصحة أحكامنا، فإن قناة استقبالنا للمعلومات المخالفة لنا تضيق لدرجة لا تسمح لنا بالحكم على صحة تلك المعلومات أو حاجتنا لتعديل أفكارنا.

  • التمركز حول العرق Ethnocentrism

وهي الحالة التي يعتقد فيها الإنسان أن مجموعته التي ينتمي إليها (عرقه، أو ثقافته أو مجتمعه …. إلخ) هي الأهم والأفضل مقارنة بمن يقع خارج مجموعته.  مما يؤدي به إلى العزوف عن الاستماع لهم أو الحوار معه أو حتى الاعتراف بحقهم في أن تكون لهم آراءهم الجديرة بالاحترام.

  • التمركز حول الذات Ethnocentrism

وهي الحالة التي يعتبر فيها الشخص نفسه أنه محور جميع الأشياء، ويتجاهل المعايير الاجتماعية، ويصبح عديم الاهتمام بمعتقدات الآخرين أو اتجاهاتهم أو اهتماماتهم، مما يؤدي به لتجنب الحوار معهم أو احترام آرائهم.

  • الأجندات الخفية Hidden agendas

وهي النوايا والخطط والدوافع التي لا تعلن للآخرين ولكنها توجه الحوار مع الآخرين بطريقة مباشرة وقد تحرفه عن أهدافه المعلنة.

وتساءل م. خالد العثمان: هل نحن بحاجة لإدراج مبادئ ومناهج المنطق والفلسفة في التعليم؟

وأجاب د. علي الحكمي: بالتأكيد، وهي مدرجة الآن في مناهج البكالوريا الدولية كمادة مستقلة، والتي تدرس كذلك نظرية المعرفة.

ومن جهته يرى د. زياد الدريس أن غياب تدريس الفلسفة والمنطق عندنا هو سبب إضافي في ضعف قدرتنا على تحليل الأمور واتخاذ الآراء أو القرارات وفق تراتبية منطقية غير ناشزة.

في حين قال د. مساعد المحيا: قد اختلف مع من يرى أن الحوار يمكن أن يتم تعلمه في التعليم العام هكذا عبر مناهج عامة.. ولا حتى في الجامعي  دون الأخذ في الحسبان المؤثرات الأخرى؛ إلا إذا كان القصد هو عملية التعليم ذاتها دون الاهتمام بأن يتحول ذلك إلى سلوك ؛ مثلا الشاب الغضوب والعجول، هؤلاء لو تعلمه حتى الصباح يخفق عند أول اختبار، ومثلا الشاب الذي يعيش في بيئته حياة الكبت ومصادرة الرأي .. هذه البيئة تؤثر عليه ، والمعلم الذي نريده أن ينشر ثقافة الحوار ويعلمها لطلابه يأتيه الموجه ويلزمه بتوجيهات لا يستطيع معها أن يتبنى إلا رأي الموجه ،.

لست ممن يدعو للإحباط، لكن دعونا نتقمص ما ينبغي أن يكون حتى نكون واقعيين، لقد جربت مع طلابنا أساليب كثيرة في التعليم، وحاولت أن استثيرهم ليشاركوا ويعلقوا ويناقشوا، ولمست أن البعض فقط هم الذين يشاركون بينما أكثرهم يكتفي ببعض كلمات …

لا تفسير لدي سوى أن البيئة التي وجدو فيها علمتهم أحادية الرأي، ومصدريته؛ لذا يتلقون منك كالإسفنجة حين تمتص الماء؛ إنهم يشاهدونك كالتلفزيون إلا من رحم الله …

أبناؤنا اليوم يجدون أن مستقبل البلاد يصنع بلا حوار مع أهله  وأصحاب الشأن فيه وتتخذ قرارات دون أي حوار وتحت أي مظلة أو قبة ؛ بل حتى قبة الشورى التي تعد ميدانا للحوار في كثير من الأنظمة والمواد لم يشاركوا في صناعة هذا المستقبل …

هذا الأمر يجعلني محبطا بعض الشي من أننا نريد أن نعلم أبناءنا ما نفتقده علي مستوى القرارات التي تتعلق بالمواطن .

وتساءل خالد العثمان : وما هو السبيل لتغيير هذا الواقع ؟ .. لا يمكن الاستسلام والتسليم دون مبادرات جادة للعلاج.

وأوضح د. مساعد المحيا أنه بالطبع لا يدعو للاستسلام؛ ولكنه يميل إلى أن لا نقسو على المواطن والشباب ونحن نسلبهم إرادتهم أصلا …

الوطن يحتاج أن يرى المسؤول يتحاور مع المواطن ويستمع لرأيه ويأخذ بكثير مما يراه المواطنون …

الوطن أولا يحتاج مسؤول يقبل الحوار في قرار تحويل رواتب الدولة لأشهر لا علاقة لنا بها تاريخيا أو واقعيا ، ويقنع الناس بما اتخذته الدولة ..

عدم وجود مسؤول يقدم المعلومة ويتقبل الحوار ويستمع للمواطنين بكثير من التقدير والاحترام يجعلني أشعر أننا لازلنا في المربع رقم واحد .

  • توصيات لتعزيز ثقافة الحوار وتأصيل ممارسة الاحترام في المجتمع

من وجهة نظر د.م. نصر الصحاف فإنه ونظراً لأننا مجتمع غير مثقف فإن أهمية المدرسة تفوق كل الأجهزة الأخرى كالمنزل والوظيفة في تطوير منظومة الحوار وغرس مفهوم الاحترام لدى الأفراد لبقية المجتمع وتعليم آدابه واحترام الرأي الآخر. وبذلك تكون المدرسة هي نقطة البداية لغرس مفهوم الحوار واحترام الآخر بالدرجة الاولى !!

وعلق م. خالد العثمان بأننا نحتاج حوارا يحترم رأي المحاورين لكي نقنع القائمين على التعليم بهذه الرؤية؛ فالتعويل على التعليم لمعالجة قضايا القيم والأخلاق في رأيه لن يجدي نفعا .. هو لن يقود إلا إلى تأجيل المشكلة .. ومن الواضح أن ما تصلحه المدرسة يفسده المجتمع والعكس بالعكس.

وأضاف د.م. نصر الصحاف أننا مجتمع لا يُتم أي شيء إلا إذا جاء من الأعلى إلى الأسفل  From top to bottom

ولذلك إذا أردت ذلك فلا يكون إلا بأمر من فوق !!  عندها يحترم القائمين على التعليم وينفذون الأوامر !

وقال م. خالد العثمان : لكن الأوامر والتعليمات لا تضمن حسن التنفيذ .. ولا يمكن انتظار جيل كامل لنرى نتيجة المعالجة عبر التعليم.

ويرى د. حميد المزروع أن البداية الطبيعية لثقافة الحوار تزرع بالمنزل ، وتهذب بالمدرسة ، وتنتشر وتزدهر عبر الحوارات الثقافية العامة .

في حين أوضح  د. سعد الشهراني أننا نحتاج إلى ممارسات تعليمية في المدارس و الجامعات يقوم فيها الطلاب بمناقشة قضايا عامة في شكل فرق متنافسة لا يخرج منها الطلاب منتصرون و لا مهزومون بل متعلمون لمبدأ الاحترام و فن الحوار.

وقالت أ.د. سامية العمودي: أمر آخر عند كثيرين قناعة بأننا شعب الله المختار ووحدي أملك الحقيقة إذن كيف أحاورك من علياء وكيف أحاورك وأنا مقتنع أنك على خطأ.

نزرع في البيت فرضيات ينشأ عليها الأبناء ويخرجوا للمدرسة والمسجد فيتم تعزيزها كيف يحترموا رأي الآخر وهم مؤمنين أنهم هم الحق ولا غيرهم على حق.

يصعب أن تحاور من لم يتعلم الحوار ويمارسه في بيته ولم يحترم الاختلاف بينه وبين غيره في المدرسة والمسجد.

وفي ضوء ذلك يرى د.م. نصر الصحاف أنه لا يمكن الاعتماد على البيت في ذلك ويجب الاعتماد على برامج توعوية مكثفة في مختلف مراحل التعليم للمجتمع !

تماشياً مع مبدأ فاقد الشيء لا يعطيه كما تم الإشارة في مداخلة سابقة لفرضية أن مجتمعنا غير مثقف أبداً والخلل الملحوظ لتعريف النخب هو أقوى دليل !!

واتفقت أ.د. سامية العمودي مع هذا الطرح من ناحية حاجتنا إلى برامج توعوية لكن إشكالية التعليم برأيها أنهم يعيشون بعقلية كله تمام والتحديث مفقود أو محدود.

وأضاف د.م. نصر الصحاف أن هذا يحتم أكثر موافقة صاحب القرار على أهمية الموضوع للمجتمع واقتناعه بضرورة فرضه كمادة ثقافية قائمة بحد ذاتها في مختلف مراحل التعليم والتأهيل.

بينما اختلف د. سعد الشهراني مع من يرى عدم جدوى التعليم و المدرسة و الجامعة في تأصيل حق الاحترام و مبدأ الحوار؛ فلماذا لا يكون التعليم هو المطية و الوسيلة للتغيير الاجتماعي في هذا الاتجاه، وأضاف أنه يتفهم التحفظ على دور التعليم لأن واقعه الحالي غير مرض بالمرة، لكنه ينطلق من ما يجب أن يكون لا من ما هو كائن، فالمهم تأصيل تعلم و تعليم احترام الآخر المختلف و فن أو ثقافة الحوار في برامج مدارسنا و جامعاتنا، و هذا لا يمنع إطلاقا من استخدام كل الوسائل الأخرى (بل يجب استخدامها) للوصول إلى مجتمع تسوده ثقافة الاحترام و الحوار. ويبقى التعليم وسيلة مهمة جدا لم نحسن بناءها بل أهملناها كأهم وسيلة للرقي بالمجتمع في كل الاتجاهات.

وعليه تساءل م. خالد العثمان: إذن نموذج التعليم دافع لترسيخ ثقافة الحوار .. أليس كذلك ؟

وأجابت أ.د فوزية البكر أنه إذا استطعنا نقل مؤسسات التعليم من الحالة الرسمية والبيروقراطية التي هي عليها الآن والتي حولت عمل المعلم إلى موظف حكومي لا تعنيه التربية ولا يعنيه التعليم بقدر استلام راتبه آخر الشهر إلا من رحم ربي منهم.

وأكد د. حاتم المرزوقي أن التعليم هو المرتكز الأول، بل والأهم في تأصيل ثقافة الحوار. كذلك فإن لكل وسيلة غاية.. والحوار وسيلة ولابد أن يكون لها غايات.. إن أردنا تعزيز  ثقافة الحوار عند الأجيال القادمة، فلابد أن توظف برامج التعليم الحوار للوصول إلى غايات يلمسها الطاب والطالبة.. هنا يرتبط الحوار بالمنجز.. وهنا تتشكل أهمية الحوار في وجدان النشء.

الحوار ثقافة مجتمعية.. ثقافة تتشكل عبر تضمينها في منهج حياة المجتمع.. ترتبط بغايات.. تتشكل في وجدان المجتمعات.. تكون نسقا حياتيا.. تبدأ بالأسرة.. تمر بالتعليم.. تتداخل مع صنع القرار.. تكون وسيلة للوصول إلى رأي توافقي.. هل ثقافتنا العربية حاضنة للحوار أم طاردة له. متى كان الحوار في المجتمع العربي وسيلة يحصد الفرد من خلالها إنجازا مجتمعيا. الحوار أشمل من طاولة وميكرفون وحديث ينتهي بالدعوة إلى وجبة عشاء…هل ثقافة “شاوروهن وخالفوهن” محفزة لثقافة الحوار.

وعلق م. خالد العثمان بأننا بحاجة لحلول عاجلة موازية إذ لا يمكن انتظار تصحيح المفاهيم لجيل كامل عبر التعليم .

وأشار د. حاتم المرزوقي إلى أن تنمية ثقافة الحوار ليست من فئة برامج المكاسب السريعة، ولا ينبغي أن تكون. ثقافة الحوار تبنى وتتشكل عبر سلسة طويلة من برامج وطنية توظف الحوار كوسيلة من وسائل التوافق والوصول إلى القرار الرشيد.

وتساءل م. خالد العثمان عن دور مجلس الشورى في ترسيخ ثقافة الحوار وهل المجلس يمثل أصلا نموذجا يحتذى لممارسة الحوار البناء؟

و في تقدير د. حاتم المرزوقي فإن مجلس الشورى في بناءه النظامي  يشكل أنموذجا منهجيا يدعم ثقافة الحوار.. فالحوار هو الوسيلة للوصول إلى قناعة المجلس بقضية معينة، لا غنى لأي عضو عن تنمية مهاراته في الإقناع.. حيث يرتبط هذا الحوار بمنجز يلمسه الأعضاء وكثير من الناس.

مثال ذلك عند تقديم التوصيات الإضافية من الأعضاء على موضوع معين، يتم التصويت أولا على ملائمة مناقشة التوصية، ثم إن حازت التوصية على أغلبية إجرائية بملائمة المناقشة، يتم مناقشتها نظاما من مؤيدين ومعارضين..  ثم تطرح للتصويت فإن حازت على أغلبية موضوعية صارت التوصية قرار.

من الطبيعي أن يتم معارضة زميل لتوصية زميل آخر.. وربما تؤدي هذه المعارضة إلى إسقاط التوصية، ولكن كل ذلك لا يؤثر على العلاقة الشخصية بين المتحاورين.. ويكون قرار المجلس بأغلبية أعضاءه حكما يفصل بين المؤيد والمعارض. هذا الارتباط بين الحوار والمنجز يضع ثقافة الحوار في منزله رفيعة عند الأعضاء. فيهتمون به ويطورون مهاراتهم في الإقناع والتحضير لإثبات أو نفي قناعاتهم بالموضوع قيد النقاش.

مناقشة التوصيات الإضافية غير واحدة آلية من عشرات الوسائل الممنهجة للحوار سواء كان داخل المجلس أو في اللجان المتخصصة أو التخصصية أو البرلمانية.

وذكر د. خالد الرديعان أن د. حاتم أشار إلى “الإقناع” في الحوار لكن هناك معوق صغير من المهم تسليط الضوء عليه. فقد يقدم عضو مجلس الشورى فكرة جميلة وبراجماتية ومفيدة لكنه لا يعرضها بلغة بليغة مقنعة وهنا قد لا تجد الفكرة الاهتمام الكافي.

وهنا يشير إلى اللغة وأهميتها في توصيل الفكرة ولا سيما أن الشعوب العربية مفتونة بالبلاغة والكلمات الرنانة فحتى الكلمات الجوفاء يكون لها تأثير بالغ.

وأوضح د. حاتم المرزوقي أنه يحدث أن كثير من الأفكار الجيدة تسقط بسبب الشكل في الإلقاء والإقناع. وكثير من دون ذلك تنجح بتأثير من قوة البيان. هذه طبيعة الحوار والتحاور.

مجلس الشورى والمجالس البرلمانية تعتمد بشكل رئيسي على قوة البيان في الإلقاء والتواصل. يتعجب أحيانا من قراء ولم يسمع كيف وافق المجلس على فكرة معينة وعندما يعلم من قدمها يزول العجب لمعرفته بقوة بيان المتقدم والعكس صحيح.

وعلق د. خالد الرديعان بأن اللغة هي أداة الحوار ويفترض في مثل هذه الحال أن تعرض الفكرة بلغة جيدة ومقنعة.. الشيخ عبدالرحمن السديس يستخدم في خطبه بعض أبيات الشعر ويسرف في السجع لاعتقاده أن هذا مؤثر وهو بالفعل مؤثر على بعض الشرائح الاجتماعية التي يأسرها سحر الكلمة. قال صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا.

وتساءلت أ. فاطمة الشريف: هل الهدف من الحوار الإقناع ؟ حيث أنها تعتقد أن في هذا المفهوم اختزال لما هو أعم وأشمل ، فالحوار حاجة إنسانية ضرورية سواء كان مع الآخر أو مع النفس أو مع العالم الموازي اختزاله في الإقناع يقلل من أهميته في نظرها.

ويرى د. خالد الرديعان أنه قد يكون الإقناع مهما في مجلس الشورى، كما أن هناك شروط محددة للتواصل والحوار ومنها كما ذكر د. حاتم لغة الجسد والتواصل البصري وبعض التكنيكات التي يعرفها المختصون.

وعليه فقد تساءل م. خالد العثمان وماذا عن بقية المجالس .. البلدية والمناطق وغيرها ؟ .. أين هي من ثقافة الحوار ؟

وأشار د. حاتم المرزوقي إلى أن قلة من يتحدثون بالمجلس ارتجالا ولهم دربة في التواصل بلغة الجسد وفي استخدام نبرات الصوت المؤثر.. وهؤلاء لهم تأثير واضح على قرار المجلس.. ومن يقرأون من ورقة أمامهم تأثيرهم يظل محدودا.

نحن بحاجة إلى تحرير مفهوم الحوار وغاياته. ما هي غاية الحوار؟ ففي تقديره الوصول إلى توفير القناعات نحو قضية معينة هي الغاية من الحوار.

وقال م. خالد العثمان: هذا ما قصدته عندما طرحت تساؤلي حول اعتبار تويتر ووسائل التواصل الاجتماعي منصات للحوار في حقيقتها؛ فلا أعتقد أن الحوار يجب أن ينتهي لأن يقنع أحد الطرفين الآخر بوجهة نظره .. الحوار بحد ذاته ممارسة تعبر عن الاحترام والقبول والقدرة على الاستماع.

وذكرت أ. فاطمة الشريف أن الحوار يفترض أن جميع الآراء والأفكار والرؤى والتصورات مشروعة، على قدم المساواة، وليس لأي منها قيمة مطلقة، لأنها نتاج الذات الإنسانية . ومشروعيتها تأتي من مشروعية الاختلاف. فضلاً عن كونها،  تعبيراً عن مصالح مختلفة ومتباينة ومتعارضة. فالرأي ملازم للمصلحة ، عرض الآراء في الحوار وتجابه الآراء المختلفة والمتعارضة يخفي دوماً تجابه المصالح وتعارضها. وبقدر ما يمكن للحوار أن ينتج من حقائق جديدة للمتحاورين تغدو فضاء مشتركاً  ، ينتج مفهوماً جديداً للمصلحة يستوعب جميع المصالح  ، وهو  اسم المصلحة العامة وهي نتاج جمع واحترام  المصالح الخاصة والفردية على اختلافها واختلاف أصحابها واختلاف الطروحات.

وتساءل د. حاتم المرزوقي: ماذا بعد الاحترام والاستماع.. هذه جميعها مطلب لحوار صحي. لكن ما غاية الحوار؟

وأوضح م. خالد العثمان أنه وفي الحالات التي تستوجب الوصول إلى قرار يكون التصويت هو الحاسم كما في الشورى؛ لكن إن لم يكن حاجة لقرار فالحوار نتيجة كافية.

وتطرق د. حاتم المرزوقي إلى أنه بعد سماع الجمهور للحوار بين مرشحي الرئاسة الأمريكية، السؤال الأول بعد المناظرة هو من فاز بالحوار. من نجح في توفير قناعة الناخب. بل يتم التصويت لحظيا لقياس درجة التأثير عند كل كلمة وعند كل حركة أثناء الحوار.

الحوار لماذا وعن ماذا وما غايته.. نحن الآن نتحاور عن قضية الحوار.. الغاية تحرير مفهوم الحوار والبحث في “وسائل” تعزيز الحوار. كل يدلي بدلوه وكل يجتهد في توفير القناعة برأيه.. ثم يكون توافقا أو لا يكون. وإنما المؤكد أننا نتحاور في موضوع معين لغاية معينة وبمنهج محدد.

وأضاف د. حاتم: لمركزية الحوار في مجتمعنا العربي وجذورها في ثقافتنا الإسلامية عمق تربوي قد يكون عاملا في عدم حفز النشء على الحوار.. أتأمل كثيرا في الأقوال المأثورة حول قضية الحوار.. ‎مثل ذلك.. أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقا، ‎لا تخاصم أحدًا ولا تناظره إلى آخره من الأقوال التي تضع قضية الحوار مع الآخر في منظومة المحظورات وتركه من المندوبات.. تربيتنا ترتكز بقوة على هكذا معطيات.. اجلس مع الكبار واستمع ولا تناقش، لا تجادل شيخا وإن كان الحق معك، لا تخطئ ولا تنتقد الأسن.. كل هذه التوجيهات يتلقاها الصغار وينشئوا عليها..

حفز ثقافة الحوار يتطلب الخلاص من هذه المفاهيم.. أو على الأقل الإيضاح أن المندوب من ترك الجدال ليس المقصود به إبداء الرأي والحوار الايجابي.. وأنه ليس من الاحترام المطلق ترك محاورة الأسن.. وعلى كبير السن فتح المجال للصغار للمشاركة في النقاش وإبداء الرأي. هنا يكون للحوار قيمة مركزية في وجدان الصغير.. وهنا ينشأ مثمنا لثقافة الحوار.

وترى أ.د فوزية البكر أن العوامل الثقافية تلعب دورا كبيرا في تشكيل رؤيتنا و ردود أفعالنا تجاه ما يحيط بِنَا ، لذا فإن التدريب عبر نظام التعليم أو  قنوات التنشئة الاجتماعية الأخرى كالأسرة والمسجد و نادي الحي هو خير معين للتغلب علي تحزباتنا الذاتية التي زرعتها البيئة الثقافية المحيطة.

وأضاف د. مساعد المحيا: لكن الانتماء للوطن، ولعقيدته والقيم التي تنتمي لها ؛ لابد وأن تجعل حوارك متأثرا بها ومنسجما معها.

وأشار د. سعد الشهراني في سياق محاولة التوصل لتوصيات عملية لتعزيز ثقافة الحوار وتأصيل ممارسة الاحترام في المجتمع إلى أنه لا بد من تعليم الحوار و المناظرة و التفاوض بالممارسة في مدارسنا و جامعاتنا وفق برنامج مدروس و قيم عليا و خطط تدريبية و منافسات مستمرة و مكثفة و متنقلة بين المدارس و الجامعات و المناطق و بضوابط علمية ليتعلم أبناؤنا كيفية الافصاح عن المواقف و الدفاع عن المصالح و فهم و قبول الآخر و أن  الاختلاف معه أمر طبيعي و أن الأصل هو التنوع و ليتعلموا و يكتسبوا مزيدا من الثقة بالنفس و احترام الذات و احترام  الآخر و فهم أن الاحترام يكتسب بالسلوك السوي و بقدر ما تحترم الآخرين يحترمونك و أن احترام الآخر حق له حتى و إن اختلفت معه .

والموضوع يستحق من جهود و إمكانات و زمن و خطط الوزارة و المدارس و الجامعات الكثير لأن الفوائد  كبيرة و كثيرة جدا.

وأضاف د. خالد الرديعان أن هناك مادة تدّرس اسمها خطابة speech في مدارس الغرب لتعويد الطلاب على الكلام والارتجال.. لماذا لا نطبق شيء مثل ذلك بدلا من بعض المواد غير المفيدة..؟

كذلك فقد أضافت أ.د فوزية البكر إلى هذه التوصية المهمة ضرورة تعليم منهجيات الحوار وقبول الآخر أن نعلم أيضا ما يسمي Conflict resolution وهو اُسلوب حل المنازعات.  ويضم برامج لا حصر لها ولكل الأعمار يتم تدريب الطلاب عليها حتي يتمكنوا من السيطرة علي غضبهم والتعامل مع مشاعر الفشل والاحباط والطرق السلمية لحل النزاعات والاختلافات ؛ وهذه متوفرة بكثرة في الولايات المتحدة بل توجد مراكز أبحاث و مؤتمرات سنوية تخصص لها حصريا.

وقالت أ. ليلى الشهراني: ليس لدينا مشكلة مع الفصاحة والمبادرة بالنقاش الخلل في الصدور التي تتقبل ما يطرح على الساحة ، قد تجد في الساحة ناقد وأديب ومثقف وأكاديمي يبادر بالحوار مع مسؤول ما في مسألة (حفظ الحقوق الفكرية) ثم يفاجئ بإيقافه من الكتابة لأن (الصدور اليوم ما عادت شمالية) السلطة والتعليم والإعلام والمجتمع والأسرة كل هذه المنظومة إن لم يكن فيها مساحة للأخذ والرد وتعدد الآراء فلن ننعم ببيئة حوارية مثل بقية العالم ، إن الحوار للعقول بمثابة النافذة التي يدخل منها الهواء والضوء مهما بلغت درجة الاختلافات فنحن نحتاجه كثيرا لإخراج العقول من جمودها على الأقل الحوار من أقصر الطرق لتحفيز العقل على التفكير والتدبر.

وعلق د. الرديعان بأن أي حديث أو حوار سيدور حول واحد من ثلاثة: أشخاص، أفكار، أشياء. وبالتالي يمكن الحديث عن الأشياء فهذا أقل ضررا. بمعنى أنه يمكن تدريب الطلاب على الحديث عن السيارة بدلا من الحديث عن قيادة المرأة للسيارة.

وتساءل د. مساعد المحيا: كيف يمكن أن نتوقع من التعليم أن ينتج لنا شابا قادرا على الحوار وأستاذه لا يملك الصلاحية في نقد أي شيء في جهته وفقا لقواعد سلوك الموظفين الجديدة ؟

كذلك هل سيكون لقرار “وزارة العمل والتنمية الاجتماعية” الجديد بالسماح بتأسيس جمعيات ثقافية وفنية ورياضية وعلمية وبيئية فرصة إتاحة بيئات حوارية، فقد سمح نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجديد بإنشاء جمعيات ومؤسسات وفقاً لـ 10 تصنيفات رئيسية متفرعة لأنشطة عديدة، و24 تصنيفاً فرعياً، و67 تصنيفاً دقيقاً، تتنوع ما بين رياضية وثقافية وعلمية وإرشادية وبيئية، هل سيسهم هذا فعلا بتنشيط الحراك الرياضي والاجتماعي والفني ..الخ وينتج بيئة يستثمرها المجتمع في لقاءات حوارية واسعة .. بعض التفاؤل مطلوب.

ومن جديد تساءل م. خالد العثمان : ألا ترون أن الحوار المنفلت يمكن أن يتجاوز حدودا يراها آخرون خطوطا حمراء؟ .. أليس عدم الاتفاق على الخطوط الحمراء هو ما يجعل من يملك شيئا من سلطة يوظفها لقمع الحوار الذي لا يعجبه ؟

هل يمكن تحديد المجالات التي يمكن أن تحدد لها خطوط حمراء؟ (الدين، السياسة، نظام الحكم، المال العام) ، هل هذه قضايا عصية على الحوار وتتطلب خطوطا حمراء؟

وذهبت د. نوف الغامدي إلى أنه بالفعل الاتفاق على الخطوط الحمراء لا يعطي أصحاب السلطة دفة الحوار فتميل حسب طموحاتهم .

ويرى د.م. نصر الصحاف أنه لو ارتقينا إلى مستوى النخب بالمفهوم العام فيمكن معالجة كل من هذه الموضوعات الأربع على طريقة لا حياء في الدين، وكذلك لا خطوط حمراء أو زرقاء في هذه الموضوعات فقط إذا كان الهدف الغيرة على الوطن والمجتمع كما هو الحال تطور الأمم لا ينتظر …والأهمية في الشفافية والموضوعية وهذا واجب المثقفين في كل مجتمع وكل مكان وحق المثقفين امام الخالق قبل الحاكم !

تحديد موضوعات الحوار يكبل العقل المنفتح وبذلك يكون التكرار ونبدأ لعبة الدوران في حلقة مفرغة !

ويعتقد د. الرديعان أن هذه الموضوعات تتفاوت في أهميتها… موضوع المال العام يفترض مناقشته بشفافية تامة وكذلك السياسة.. أما الدين فنحن نناقشه باستمرار ولا محظور في ذلك طالما الهدف هو تجديد الخطاب الديني والخروج من ورطة التشدد. والاقتراح أن يكون الحوار حول القضايا وثيقة الصلة بالمعاش اليومي الذي يهم الناس… قضايا صغيرة تشغل المواطن وتتعلق بقوت يومه من تعليم وصحة وسكن أبناءه وغير ذلك مما هو ملح ويومي، بجانب القضايا التي تخص المرأة والفتاة والطفل وكبار السن. يفترض كذلك استضافة مسؤول أو وزير والتحاور معه حول قضايا وزارته.

وتساءل م. خالد العثمان: أليس مجلس الشورى والمجالس الأخرى البلدية والمناطق وغيرها هي المكان الذي يفترض أن يتبنى مثل هذه الحوارات ؟ أليس الحوار داخل هذه المؤسسات وسيلة لمعالجة قضايا التنمية والمجتمع ؟

وأوضح د. زياد الدريس أن هذه هي الأماكن الطبيعية لمزاولة الحوار المجتمعي حول قضايا المعيشة اليومية والتنمية والحقوق والرقابة والمحاسبة. أما المؤسسات التعليمية فهي فقط محاضن لتعليم مهارة الحوار مستقبلاً.

وفي ظن أ.د فوزية البكر فإنها مؤسسات رسمية ولن تسمح في بلد كبلدنا بأن تعرض أية وجهات نظر تخالف أو حتي تعدل القول الرسمي.

إن مؤسسات التعليم عبر برامج منظمة ومدروسة وفي كل المستويات بدءا من رياض الأطفال صعودا للجامعات هي المكان الأمثل هذا طبعا لا يقلل من دور المؤسسات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني.

أيضا فإن تعلم مهارات الحوار وقبول الآخر المختلف يمكن أن يدعم من خلال التفاعل مع ثقافات أخرى ومؤسسات عالمية، وهي الخبرات التي تتيحها كل المؤسسات التعليمية العالمية ، ماعدا مؤسساتنا المحلية .

إن المؤسسات التعليمية بالفعل تعد حواضن تدريب لكن من هناك تبدء فكرة قبول الاختلاف ، وحين تنمو سيكون لدينا بالضرورة حوار صحي حتي داخل المؤسسة الرسمية.

وفي ظن م. خالد العثمان فإن المقصود هو الاستعانة بمؤسسات عالمية لتطوير النموذج المحلي ونقل التجربة العالمية وليس القيام بالدور المطلوب محليا، وليس المقصود ماكينزي أخرى .. المطلوب محتوى ونماذج مجربة وناجحة وخاصة من مؤسسات المجتمع المدني العالمية.

ويرى د.م. نصر الصحاف أن مجلس الشورى يفترض أن يتبنى مثل هذه الحوارات ولكن تعودنا من مجلس الشورى أنه في واد والنَّاس في واد آخر.

ومن ناحية أخرى فإنه لا يمكن الاستعانة في كل شيء بالاستيراد من الخارج !

بعض الأمور تحتم على المجتمعات الأخذ بزمام الأمور الفكرية بنفسها ولنفسها وخاصة إذا كان لديها كم هائل من الخصوصيات التي يندر أن تجد شعباً آخر شبيه له !

الحكمة تقتضي إنشاء مؤسسة سعودية وليست عالمية لتأهيل المجتمع على ثقافة الحوار والأخذ بثوابت اجتماعية ودينية وسياسية معينة ومنضبطة لتحقيق المطلوب على مدى زمني معقول كخطة خمسية أو عشرية …الخ

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن لدينا مثلا الأندية الأدبية فهي لا تقدم شيء يذكر.. يمكن أن تكون مكان مناسب لبعض الحوارات الاجتماعية.

وذكرت أ. فاطمة الشريف من ضمن التوصيات لتعزيز ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر؛ تفعيل القوانين التي تجرم وتعاقب جرم التطاول أو عدم احترام الرأي الآخر واستخدام الألفاظ الجارحة في الحوارات العامة سواء كانت على تويتر أو منصات أخرى .

وأشار م. خالد العثمان  إلى أن المطلوب في هذا الشأن سن قوانين كافية وصارمة ثم تفعيلها.

وأوصى د. زياد الدريس بأولوية تكريس ثقافة الاحترام، من خلال ثلاثة منافذ: التعليم (عبر المؤسسات التعليمية)، والتثقيف (عبر وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية)، والتأديب (عبر وضع حزمة قوانين تضبط هذا الشأن وتعاقب أي تجاوزات تخالفه).

ويرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن هناك آداب للحوار يفترض أن تكون حاضرة في كل بيئة حوارية يراد لها النجاح وذلك بما يلي :

  • أن تكون كافة الأطراف المتحاورة على علم تام بموضوع الحوار ، والنقاط التي يتأمل الجميع الخروج بها عند نهاية اللقاء التحاوري .
  • لابد أن يقر كل طرف متحاور بالاعتراف بالخطأ في حال خالف رأيه الصواب ، وهذا الأمر يعد أساس لمسيرة حوار ناجح .
  • أن يتأدب كل طرف مع الآخر باختيار الألفاظ المناسبة التي يرتضي المحاور أن يسمعها من غيره .
  • أن يحترم كل طرف عقيدة الطرف الآخر ومبادئه وأن يراعي نفسيته ، وهذا يتطلب أن يكون شرطا أساسيا في الدخول أو المشاركة في حوار يراد له النجاح .
  • أن يكون الدافع الرئيس لدى جميع أطراف الحوار إصابة الحقيقة ، وأن يكون الوصول إلى الصواب والحق هو الهدف الأساس من إقامة الحوار أصلا .
  • البعد عن الغضب أو طرح كلمات استفزازية ، مهما يكن السبب أو التشبث بوسيلة مردها الإساءة إلى الآخرين ، مع الحرص على الاعتدال حتى ينتهي الحوار .
  • أن يكون لدى كافة الأطراف قدرة على التعبير ، والاختصار في الطرح قدر المستطاع ، حيث أن الإطالة في الحوار مردها أخذ وقت غير مستحق ، كونه مغتصب من الآخرين .
  • المرونة في الحوار مطلب أساس للوصول إلى حلول منشودة .
  • الإصغاء للطرف الآخر والاستفادة من طرحه وكبت جماح النفس عند الرغبة في الجدال ، والعرب تقول : رأس الأدب كله الفهم والتفهم والإصغاء إلى المتكلم ، ومن أهم الفوائد التي نجنيها من هذه النقطة اكتساب صفة الحلم .

ومن جانبه أوصى أ. مسفر الموسى بما يلي:

  • الحوار سلوك حضاري مدني… ولذلك، على الحكومات الاكتفاء بالتشريعات التنظيمية وترك المجال لمؤسسات المجتمع المدني للقيام بهذا الدور وتحفيزها على ذلك.
  • سن قوانين تجرم المؤسسات الحكومية وغير الحكومية التي تساهم بطرق مباشرة أو غير مباشرة في إقصاء الآخر والرأي المختلف.. على سبيل المثال؛ بعض وسائل الإعلام وبالتعليمات الشفهية والمكتوبة تدعم الرأي الأحادي.. كما أن بعض لجان المقابلات في بعض المؤسسات مهمتها الأساسية فرز الآراء المختلفة.
  • تطوير النموذج التشريعي الرسمي.. ليكون متماهيا مع الحوار الشعبي العام.

وذكرت أ. فاطمة الشريف أنه يجب أن نعي أن المجتمع المدني،  فضاء مشتركاً من الحرية،  وثقافة الحوار ليست معطى ناجزاً، بل ما ينتجه الحوار مع الذات ومع الآخر ومع العالم، بشرط احترام وتقبل الاختلاف أيا كان دون أدنى رغبة في إقناع أو تعديل أو تغير الآخر لأنها ليست المهمة الأساسية للحوار أو قاعدة البناء فيه ، الحوار قيمة بحد ذاتها تستحق المحافظة والتطور والاستمرار.

وأشار  د. علي الحكمي أنه وفيما يتعلق بالحوار المجتمعي يمكن أن نميز بين نوعين من الحوار:

  • الحوار الشامل بين جميع أطياف المجتمع.
  • والحوار الانتقائي الذي يتم فيه اختيار فئات معينة وعدم إتاحة الفرصة لفئات أخرى بالمشاركة في الحوار أو تهميشها.

والمشكلة تكون عندما يكون الانتقاء متحيزاً لصالح فئات أو أشخاص دون آخرين. والظن أن الحوار الانتقائي لا يؤدي إلى نتائج ملموسة. بل قد تكون له آثاراً سلبية.

ويمكن تجاوز الحوار الانتقائي بأن يتاح لمؤسسات المجتمع المدني أن يكون لها دور أكثر فاعلية في الحوار المجتمعي الشامل.

حتى الحوارات المتخصصة قد تكون انتقائية. تخيل مثلاً حوار حول موضوع اقتصادي لا يمثل المشاركون فيه الطيف داخل شريحة الاقتصاديين بحيث ينتقى من لهم وجهات نظر معينة أو يكون لهم ثقل أكبر من الآخرين.

وأوضح أ. مسفر الموسى أن هناك ما يسمى بقواعد البيانات أو بيانات الأسماء.. تستخدم عادة في الأنشطة الدورية أو المستمرة.. وهي إلى حد بعيد إقصائية على نمطين..

  • الأول؛ عفوي.. باعتبار أن اللجان المنظمة تعتمد عليها في الدورات اللاحقة تكاسلا.
  • الثاني؛ مقصود.. فهي الأسماء التي تم اختيارها وانتقائها بعناية.. وبالتالي، ففرص بقائها أولى من البحث عن أسماء جديدة قد تتصادم  مع أهداف النشاط الدوري.

في كلا الحالتين… خطابنا واحد ورأينا بالإجماع.. وهذا وهم..

هذه الانتقائية وما يوازيها (الاقصاء)… هي المشار إليها ولكن في التجربة المحلية.

وفي تصور د. حميد المزروع فإن محفزات قيام الحوار الوطني كانت لاحتواء الفكر المتطرف والارهاب بشكل خاص ، وبالتالي جاءت نتائجه محدودة ومتلازمة مع أهداف قيامه .

ومن المهم احترام قيم الحوار والتي تنطلق من التربية المنزلية وتنتشر بين أطياف المجتمع خلال الندوات الرسمية ونقاشات المجتمع المدني .

وأشار د. خالد بن دهيش إلى دراسة عن ( مستوى ثقافة الحوار في المجتمع السعودي ) أجراها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بعد عامين أو ثلاثة أعوام  من بدء الحوار الوطني ، والتي أظهرت نتائجها حول رؤية أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية (مجتمع الدراسة )، ارتفاع مستوى ثقافة الحوار لدى الطبقة المثقفة عنها لدى الطبقة العاملة ، وهذه إشارة قوية إلى الحاجة إلى رفع مستوى ثقافة الحوار في مجتمعنا.

كما أظهرت الدراسة أن المجتمع مستعد لتقبل ثقافة الحوار. كما أن الدراسة تطرقت إلى العوامل المؤثرة في مستوى ثقافة الحوار ، حيث أظهرت أن التعليم أحتل المركز الأول ثم التربية الأسرية ثم الإعلام وأخيراً اللقاءات والأنشطة الثقافية.

كما أهتمت الدراسة بقياس مدى فاعلية اللقاءات الوطنية للحوار التي يشرف عليها مركز الملك عبد العزيز للحوار ، حيث أظهرت الدراسة أن نسبة ٤٤٪‏ من عينة الدراسة أجابت بعدم علمها بمستوى الفاعلية كون اللقاءات مغلقة جزئياً وأن فكرة لقاءات الحوار حديثة وقت الدراسة.

لذا يرى د. خالد بن دهيش مناسبة التوصية بإعادة الدراسة بعد مضي عقد من الزمان لقياس مستوى التطور الذي حصل على مستوى ثقافة الحوار في المجتمع السعودي. وعمل المقارنة لمعرفة التطور خلال عقد من الزمان ، ووضع الحلول لتسريع رفع مستوى ثقافة الحوار في مجتمعنا خاصة في ظل الانتشار السريع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في مجتمعنا.

وذكر د. خالد الرديعان أنه لكي ينجح أي حوار يحتاج إلى ما يلي:

  • حرية الحوار والمتحاورين.
  • وجود ما يتحاورون حوله.
  • منصة أو قناة للحوار.

أما ما يحتاجه المتحاورون لكي يتحاوروا فيتضمن:

  • احترام متبادل.
  • تقبل بعضهم البعض.
  • أن يكون هدف الجميع مصلحة الوطن.
  • عدم تخوين كل فئة للفئة الأخرى ودرجة عالية من التسامح فيما بينهم حتى وإن اختلفوا.

المحور الثالث

صورة السعودية في الخارج : المعالجة و المواجهة

الورقة الرئيسة: د. فهد الحارثي

الوضع الراهن لصورة المملكة في الخارج غير مريح أبداً ، فهناك تكثيف سلبي شديد على أمور وقضايا تندرج ، أكثرها ، في ملف واحد وهو ملف الإصلاحات الداخلية : مثل تمكين المرأة ، المشاركة السياسية في التشريع والمراقبة والمحاسبة ، ودعم منظمات المجتمع المدني ، و حرية التعبير ومعها الحريات الأخرى ، و تجديد السلفية السعودية ” الوهابية ” .

وهكذا تظهر وسائل الإعلام والمحافل المعادية المملكة في صورة الدولة الظلامية التي تمثل تهديدا للقيم الإنسانية المشتركة . وتلتقي حول هذه المائدة مصالح الكثيرين من خصوم المملكة والمتربصين بها ، والوضع يزداد تفاقماً كلما هربنا إلى الأمام ، وأدرنا ظهورنا لهذه المسائل ، تاركين للخصوم أن يغمدوا نصالهم وسكاكينهم في ظهورنا وصدورنا ونحن غارقون في حالة استسلام أو هي حالة الضعف و قلة الحيلة .

إن هذا هو ما حدث مع الأسف في السنوات الماضية معتمدين ربما على نظرية مثالية مفادها أن ” الحق ” يمكنه أن ينتصب واقفاً وحده ، حتى إذا أدركنا خطأ هذه النظرية كان الركب قد ارتحل ، والصورة قد تلوثت بما يجعلها تحتاج إلى وقت أطول ، وجهد أكبر ، وتكلفة أعلى ، كي تعود إلى موقعها الصحيح المرضي لنا المزعج لخصومنا .

نعم .. أهملنا طويلا فكرة التخطيط لإقامة مراكز قوى ، ومراكز ضغط في الفضاء السياسي الأمريكي على سبيل المثال ، وتركنا الساحة لإسرائيل وإيران اللذين عملا بجد وإخلاص في هذا السبيل ما هيأ للنتائج المزعجة لنا اليوم ليس في أمريكا وحدها بل في العالم كله . فلا يشك عاقل أن من أذكى نيران ولادة قانون ” جاستا” هما اللوبيان الاسرائيلي والإيراني في ظل غياب كامل لأي قوى ضغط حقيقية سعودية .

كل شيء هنا كان يمكن الدفاع عنه ، ولكن لم يكن هناك مع الأسف دفاع حقيقي وقوي ومستمر . كانت هناك مجرد تدخلات خجولة ، ومتقطعة ، ومترددة ، وخائفة أحياناً. وهذه تدخلات لا ينتظر لها النجاح أبداً ، بل لم تكن ترقى حتى إلى مستوى المسكّنات ، فالألم والالتهابات كانت دائماً أعتى من القدرة على السيطرة عليها .

من السهل أن تشرح للعالم بتركيز وموضوعية وثقة بعض أنساقك الاجتماعية  والثقافية ، وحتى لو لم يرق لهذا العالم شرحك وتفسيرك فهو سيقدر موقفك ، وسيحترم اختلافك ، وأكثر ما يمكن أن ينالك جراء ” الاختلاف ” هو أن تصبح بالنسبة له من ” الغرائبيات ” المثيرة ، ولكن لن يصل الوضع إلى حدٌ التناقض والعداء والتربص وإعلان المواجهة إلا في حالة واحدة ، وهي عندما يتدخل الخصوم والمتربصون فيضيفون إلى حالتك ما يلزم من الفلافل والبهارات !! ومن أبرز تلك الفلافل والبهارات التأكيد بأنك تشكل خطراً ما حقاً على مستقبل العالم ومستقبل ثقافته وحضارته وقيمه .

من السهل كذلك أن تكشف للعالم نوايا خصومك ، والأهداف التي يثيرون من أجلها كل هذه الأتربة والغبار ، والأسباب الحقيقية وراء بث مثل هذه الأنفاس السامة من حولك .

وفي مثل هذه الأوضاع ، بالعموم ، ليس المطلوب تبرير البطء في بعض الإصلاحات الداخلية عندنا ، ولكن المطلوب بالأحرى التشديد على أن الحملات التي توجه ضد المملكة ليس هدفها ” الفزعة ” لإنقاذ المواطن السعودي ، والمساهمة في رسم مستقبله الأمثل ، بل العكس تماما فالهدف هو زعزعة ثقة هذا المواطن في حاضره ومستقبله ، وقبل ذلك وبعده تلويث تاريخه وثقافته .

نعترف بأن حركتنا قد يشوبها بعض البطء لأسباب مقنعة للبعض وغير مقنعة للبعض الآخر ، ولكن هؤلاء الذين يجعلون من هذه الأمور مادة لهجماتهم المركزة علينا ليس لهم هدف أبعد من الإساءة والتشويه وإضعاف الموقف ، لمبررات تصب في مصالحهم هم وحدهم . وأظن أننا في هذا المستوى من التحليل لابد أن نصل إلى نتيجة لا تبدو معقدة أبداً ، وهي أننا نحن أنفسنا ،  بشكل أو بآخر ، مسؤولون عما يحدث لنا من إساءات وإيذاء ، فإذا كنّا نعلم أن هناك ملفات محددة تثقل علينا ، ونحن في الوقت ذاته مؤمنون بأننا مقبلون في يوم ما على قفل تلك الملفات والانتهاء منها إلى الأبد، فلماذا لا نفعل ذلك الآن وبدون تلكؤ أو تأخير؟! بل لماذا لم نفعل ذلك بالأمس ؟!

خذ مثلا بسيطا ، وهو المثل الذي تحول إلى أيقونة ومفتاح للسخرية و للنيل من البلاد والعباد : قيادة المرأة للسيارة ، فأنا أقسم بأن المرأة السعودية ستقود يوما ما سيارتها في بلادها ، وأقسم بأن من يقاوم هذه الفكرة اليوم سيخرج دفتر الشيكات من غمده ليشتري لزوجته أو لابنته السيارة التي ستقودها بنفسها ، إذن لماذا لا نعجل بتفجير هذا ” الدمّل ” لنزيحه عن طريق المدافعين عن قضايا المملكة الكبرى ، فهم يتعثرون فيه وهم منطلقون نحو الأهم ، فالخصوم لا يترددون في رميه في وجوههم كلما حمي الوطيس ، فتتحول المعركة هكذا إلى اسكتش سخيف للسخرية والتندر .

وهناك أمثلة كثيرة أخرى نحن شركاء في جعلها مادة للإساءة الينا ، ولا أريد أن أستغرق في ذكرها هنا ، ولكنها تحتاج إلى معالجة ، ومنها عاجلاً الانتخابات في مجلس الشورى ، ودعم صلاحياته في الرقابة والمحاسبة ، ومنها وضع التشريعات المتطورة لدعم وجود منظمات المجتمع المدني التي ليس المطلوب منها أن  تنافس الحكومة أو تعرقل مسيرتها ، بل المطلوب منها أن تؤازرها وتدعمها . ومنها ( وهذا مشروع ضخم ومهم ) تجديد السلفية السعودية ، أو ” الوهابية ” كما يحلو للخارج أن يسميها ، فمن شأن ذلك أن يخفف من تأجيج المشاعر تجاه السعودية بعد أن حول العالم المعادي السعودية إلى لقمة سائغة وسهلة الهضم عندما يحتدم الكلام عما يناقض القيم الإنسانية العليا ، فالسعودية متهمة بنشر ” ثقافة الكراهية ” والاحتراب مع الآخر ، فيلصق ب ” الوهابية ” كل ما هو سلبي ومسيء ، حتى بدا أنه من الصعب جدا اليوم ” تسويق ” الوهابية بوضعها الحالي ، ما يعني بوضوح ضرورة العكوف بجدية على مشروع إعادة إنتاجها بطريقة لا تظهرها متصادمة مع العالم . فلا عيب أبداً في المراجعة الجادة والمخلصة لسلفيتنا بما يضمن عدم المساس بثوابت الدين ، ولكن يسمح ، بالمقابل ، بالانفراج على الفضاءات الإسلامية الأخرى . فلنعترف أن السلفية السعودية تصارع اليوم بعض محاولات ” العزل ” حتى من قبل بعض ” أهل السنة ”  أنفسهم ، ولا مواجهة لمثل هذه المحاولات بأفضل من الإصلاح والتجديد ، وليس هناك من هو معصوم غير صاحب ذلك القبر !

كل النظريات القديمة في الصمت وقفل الأبواب والنوافذ لم تعد صالحة اليوم .

وكل نظريات تحميل ” الزمن ” مسؤولية إيجاد الحلول لبعض المعضلات لم تعد بذات قيمة.

بل أن كل أدوات الزمن القديم ومآلاته أصبح استخدامها لمعالجة المشكلات أو لاستيعابها يضر أكثر مما ينفع ، وهو يبطئ البرء والشفاء ، بل قد يفاقم الأمراض نفسها .

التعقيب الأول: د. عبدالله بن ناصر الحمود

أشكر أستاذنا القدير د. فهد العرابي الحارثي على طرقه هذا الموضوع العصي على التحليل والنقد، بقدر ما تتقاذفه الحقائق والأكاذيب، من كل حدب وصوب.

أشكر أستاذنا د. فهد للحس الوطني الرفيع الذي بدا في مستهل مداخلته. وأشكره للغيرة التي بدت على عباراته وجمله وكلماته، عندما بدأ مدافعا عن “السعودية”، وحق له ولها هذا الدفاع المستميت في تفنيد مقاصد الخصوم، وعبث المندفعين معهم دون تثبت لما يفعلون بـ “السعودية” في معرض هجومهم الإعلامي وتعزيز الصور السالبة عنها وطنا، وإنسانا، وتاريخا، وحضارة، وملة.

أشكر أستاذنا العزيز لأنه أراد أن يقول لنا شيئا مهما، وهو أنه يجب أن ندفع عنا البلاء.. مهما حصل .. ومهما كان فينا من عوار .. فقد “كذب” المشوِّهون ولو “صدقوا”.

هذا.. درس مهم في الوطنية. ودرس عميق في سنة التدافع .. ودرس عظيم في صناعة السيادة على الأرض.

شكرا .. للدكتور فهد، لأنه ما لبث يتأبط هذه الدروس .. حتى غلبته “الحقائق” وكسرت من شوكته “المثالب” ووهن عُود خطابه، فعاد غضبانَ أسِفا على نماذج من واقعنا المأزوم .. يُقلِّب صفحاته .. ليُخرج لنا ملفات “المرأة” و “مجلس الشورى” و”مؤسسات المجتمع المدني” .. وغيرها كثير مما ألمح إليه، ويعلمه الخاصة والعامة على حد سواء.

هنا.. وفي هذا المفترق الفكري العجيب تقوم “داحس والغبراء” في ذهنية الرجل لتعلن وطيس المعركة بين “فهد العرابي الحارثي” (الوطني) .. و “فهد العرابي الحارثي” (المثقف) .. و”فهد العرابي الحارثي” (المفكر).. ويشتد الصراع هنا.. لتقِل فرص التلاقي بين أطراف النزاع الثلاثة.. فيبدأ العتاب .. عتاب المحب.. الذي يكاد يفقد محبوبته.. فيقسم أن “المرأة” السعودية ستقود السيارة يوما ما .. فلِم لا تقودها اليوم .. ونغلق ملفها المأزوم هذا؟..

ألم أقل لكم أن الموضوع عصي على التحليل والنقد؟

إن لموضوع “الصورة الذهنية” مكوّنان رئيسان هما:

  • “صحة موضوع الصورة أو جزء منه” فإن صح فهي الصورة، وإن صح جزؤه فهي المبالغة. ويصعب هنا التدخل لضعف الحجج المضادة.
  • “التجني والافتراء”، فإن حدثا أثرا سلبا في الصورة.. ويمكن هنا التدخل بشرط امتلاك أدوات الفعل المضاد.

وتقود النظرة التحليلية لواقع فعلنا مع صورتنا في الخارج، إلى نتيجتين:

  • أننا نخفق في الدفاع عن المكوّن الأول، لأن كلَّ أو جزءا مما يتم تداوله موضوعا للصورة،.. هو عندنا بالفعل.
  • أننا نخفق في الدفاع عن المكوّن الثاني، لأن آلتنا الإعلامية متردية جدا بالقدر الذي لا يسمعنا عبرها أحد ذو بال، ولأننا لم نتعوّد رفع مطالبنا للتقاضي ضد من افترى علينا، أو أننا لا نتوافر على محامين وقضاة دوليين مهرة.

وهنا، يمكنني القول، أن “أس” قضيتنا (إيران) والتحولات الدولية المترتبة على كل ما له علاقة ب (إيران) اليوم.. فإيران في الألفية الجديدة، غير إيران ما قبلها. وجُلّ الصور السلبية عنا والمفترية علينا، لها علاقة عضوية بتحولات المشهد الدولي في الألفية الجديدة.

إيران.. تعبث.. وتعتدي.. وتطمح..  ولا يضيرها أن تغدر.. وتخون.. من أجل مآربها المشؤومة والمشبوهة في المنطقة.. وظهرت مناصرة القوى الدولية لها علنا.. وصرنا.. بين الأفعى .. والشيطان. ولا أحد يعنيه اليوم أمرنا .. فخيارات العالم الأقوى اليوم.. تتباعد عنا.. وتتكالب ضدنا وتستنزف مدخراتنا. لقد ظهر التشكيك في كل ماله صلة بنا.. مذهبنا.. فكرنا.. اقتصادنا.. شبابنا.. مناهجنا.. حتى منظماتنا الدولية تمت شيطنتها هذه المكاشفة الراهنة .. في تحالف القوى الدولية مع إيران ..  هي وحدها ما يميز المرحلة العصيبة اليوم.. العصية على التحليل والنقد.

حقيقة الاستنزاف التي تراد لنا من صناع الموت.. ومرتزقة السلاح.. وجوعى السيادة العالمية.. حقيقة باتت ظاهرة.. وهذا.. ليس أبدا.. في صالحنا

ليس على مستوى “صورتنا في الخارج” بل على مستوى “كينونتنا” و “مستقبلنا”.

ربما نكون اليوم.. أحوج من أي زمن مضى.. لتكوين فريق ضليع في كل شيء.. ليدير أزمتنا المنظورة مع العالم. ولينظر كيف السبيل إلى ردم مكونيّ صورتنا في الخارج.

ويقوم “تشويه سمعتنا” على نوع من النقد المحموم، والمتعدي أحيانا، للوضع العام في السعودية. وهو نقد يرتكز على بعض مظاهر الحياة، ويقوم على منطلقات غربية ذات علاقة بحقوق الإنسان، والمرأة، والمشاركة السياسية، ونحو ذلك.

وأعتى صور هذا النقد، ما يكون جزءا من منظومة استراتيجية عدائية بالفعل، وبالتالي ليس نتاج رؤية إعلامية وحسب.

إن التاريخ يعلمنا، أن سلسلة الهجوم على الدول والشعوب، تبدأ بحلقة تشويه السمعة.

فالسعودية اليوم، تواجه أشكالا وألوانا من تشويه السمعة ليست بخافية على الملاحظين.

وإعلام تشويه السمعة، له جمهور عصي على غيره من الإعلام.

وهذا النوع من النقد “الهجومي”، معلوماتي جدا، وحصيف جدا، ويتمظهر بالموضوعية،  وينطلق من مفارقات الواقع، وأهدافه الإعلامية. من أقوال وأفعال المؤسسات الرسمية السعودية، ومن تعقيدات الواقع الثقافي والاجتماعي السعودي، ومن تركات الماضي، ومحطات التاريخ المعاصر القريب.

وبالتالي، فلا شك في أن بلادنا تواجه اليوم هذا النوع من النقد، “نقد تشويه السمعة”، ولذلك ما وراءه من مقاصد الإضرار بالدولة والمجتمع، بعد أن تتم مرحلة التشويه هذه، ويصبح الرأي العام داعما لأي حلقة أخرى في سلسلة الاعتداء.

لقد أمكن أن يوجد داعمين محليين وإقليمين، لقوى دولية نجحت بكل أسف في مرحلة تشويه السمعة.

وفهم ذلك مبكرا،  وفحصه جيدا،  يبدو خيارا وحيدا للمواجهة.  لتكون مواجهتنا استراتيجية وشاملة. إننا نحتاج منظومة من الفعل الاستراتيجي المتكامل..  وهو الفعل الذي يقوم على الشراكة المجتمعية في مواجهة المخاطر..  ولا يقصر على مؤسسات الدولة فقط.

نحن نحتاج إلى إصلاحات حقيقية، كما أشار د. فهد بوضوح تام، ونحتاج أيضا، إلى المحاسبة القانونية لدى المنظمات والمحاكم المعنية.

فمن يعتدي علينا بخطابه الإعلامي،  أو بمحتوى وسيلته الإعلامية،  يجب أن نردعه بالقضاء. وحجتنا في القضاء تكون فاعلة وقوية..  لأن من الناقدين لنا من يقترفون جنايات نشر وجرائم معلومات، ويكذبون ويدعون..  وهذا كله مناط التقاضي. ولا بد من جر أهمهم للمحاكمة بعرائض ادعاء يعدها نخبة من الإعلاميين والقانونيين عندنا. لا بد من إشاعة ثقافة أننا نقاضي من يعتدي علينا إعلاميا..  ونظفر بحقنا.

وخلاصة الأمر، أن الطريق الذي أمامنا طويل جدا..  والمتربصين بنا على جنباته يتنادون كلما حانت لهم فرصة. ورحلتنا الراهنة لن تكون بردا وسلاما أبدا..  لتعقيدات حساباتها على مسرحنا الداخلي أولا،  ثم لتعاظم اصطفاف الخصوم على جنبات طريق عبورنا التاريخي الراهن.

صورة السعودية في الخارج.. تحتاج .. بإيجاز.. أن نحسن أكثر.. إدارتنا لها.. وأن لا نهون مما يفعله خصومنا..

فالسلفية تتوارى، والولاءات والبراءات التي بنيت عليها تتهاوى.. وهي كما قال د. فهد بحاجة لأن يتم صقلها وبيانها.

لكنني أقول أنا.. ليتنا لا نتخندق حتى في خندق السلفية هذا، وكفى بالإسلام نسبا لنا.

أما الوهابية .. فشأن عظيم آخر من شؤون “صورتنا”.. بل “تلطيخ” صورتنا..  ليتنا أيضا.. لا نتخندق بها..

التعقيب الثاني: د. إبراهيم البعيز

1

في البداية أشكر الدكتور فهد على هذه الورقة المتميزة. وحرصا على وقت الجميع، لن أسهب في الثناء عليها، فكاتبها من العارفين والمراقبين للمشهد الإعلامي على المستويين المحلي الخارجي.

أتفق جدا مع الدكتور فهد على ضرورة الإصلاحات الداخلية لحتميتها، فهي الضامن بعد الله لمستقبل تنموي يسير باتجاه دولة القانون والمؤسسات، ولا نريد لمبادرات الإصلاح أن تكون لإرضاء الآخر وتجنب انتقاداته.

2

لم تعد سلبية تناول الإعلام الغربي للمملكة والتشويه لصورتها مقتصرة على الاختلاف في وجهات النظر حول القضايا السياسية، أو إبراز جوانب القصور في القضايا الشائكة والمتعلقة بمسيرة البلاد نحو التنمية والإصلاح مثل المشاركة السياسية، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة، بل وصل الأمر إلى مغالطات ومبالغات تنال من ثقافة المجتمع السعودي وتتهمه بنشر التطرف والتحريض على العنف السياسي من منطلقات دينية، وتصل هذه المغالطات في كثير من الأحيان إلى أساليب لا توجد عادة إلا في وسائل الإعلام التعبوي للأنظمة الشمولية.

ومن الأمثلة على ذلك تسابقت صحف أمريكية إلى إضافة اسم المملكة في عناوين الأخبار عن منفذي الهجوم الإرهابي الدامي في كاليفورنيا في شهر ديسمبر 2015، حيث عنونت كل من صحيفة وول ستريت جورنال وصحيفة لوس إنجليس تايمز الخبر بالإشارة إلى زيارتهما للسعودية وعقد قرانهما في مكة المكرمة.

وتكررت القضية مع أخبار العملية الإرهابية في إسطنبول منتصف يناير 2016، حيث أشارت رويترز إلى أن منفذ العملية مولود في المملكة، لكنها لم تشر إلى أنه غادر قبل عشرين عاما. وتمادت الإنديبندنت في التضليل، وكتبت على صفحتها الأولى بأنه سعودي. وهناك الكثير من الأمثلة التي تشير إلى ذلك النهج الغير مهني في تعامل الصحافة الغربية مع المملكة.

لا تقتصر السلبية تجاه المملكة على الأخبار وكتاب المقالات والأعمدة، بل تجاوزت ذلك إلى الافتتاحيات التي يفترض أنها تمثل وجهة نظر الصحيفة. حيث كتبت الإنديبندنت افتتاحية بعنوان “تستحق السعودية تلك السمعة السيئة عالميا، ولن تستطيع أية مهارة في العلاقات العامة تغيير ذلك”، وحرصت الجريدة على تشويه صورة المملكة بكل ما تملك من أساليب المغالطة والخلط بين قضايا متباينة لا رباط بينها سوى اسم المملكة. بدأت المقالة بوصف تنفيذ الحكم القضائي في مجموعات إرهابية “بالقطع الجماعي لرؤوس المعارضين”، ثم وصفت عاصفة الحزم بأنها ” اقبح من كل تلك الحروب التي شوهت كوكبنا الأرضي”، وتختم بوصف المشاريع العمرانية في مكة المكرمة بـ “التخريب المعماري والأثري”. وكذلك كتبت نيويورك تايمز افتتاحية  بعنوان “العالم يحصد ما زرع السعوديين” تعزف فيها تلك النغمة المشروخة حول اتهامات المملكة بدعم المنظمات الإرهابية المتطرفة.

لم يكن من بين منفذي تفجيرات بروكسل في مارس 2016 من له علاقة أو ارتباط بالمملكة بشكل مباشر أو غير مباشر، لكن هذا لم يمنع واشنطن بوست أن تنشر في اليوم التالي للعملية الإرهابية مقالة بعنوان “الأصول السعودية للتهديدات الإسلامية في بلجيكا” نبش الكاتب في تاريخ العلاقات السعودية البلجيكية، والزيارات الرسمية بين البلدين، وما ترتب عليها من تعاون وتنسيق بين حكومتي البلدين لإنشاء المركز الإسلامي والثقافي في بروكسل، وكرر نفس الادعاءات والتهم بأن السعودية تدعم المتطرفين من خلال المراكز الإسلامية في أوروبا.

كل هذه الأمثلة ليس لها من علاقة بالسياسة الداخلية للمملكة، بل هي مواقف تغذيها المصالح السياسية والاقتصادية.

3

صحيح أن وسائل الإعلام الغربية – وبخاصة الصحافة – تتمتع بقدر  كبير من الاستقلالية المالية والتنظيمية، مما منحها مساحة واسعة من الحرية في مناقشة الشأن العام على المستويين المحلي والعالمي، ومكنها من تحقيق مراتب متقدمة على مؤشرات التنصيف لحرية الصحافة، وأن تكون سلطة رابعة تمثلت في قدرتها على فضح الكثير من حالات الفساد المالي والسياسي. لكن هذه الاستقلالية والفضاء الرحب من  الحرية لا يعني بالضرورة غياب الأخطاء والتحيزات السياسية والثقافية فيما تنشره الصحافة الغربية من أخبار  وتقارير ومقالات. ومن الشواهد على تلك الأخطاء نشر صحيفة جارديان سبع وثلاثين مادة صحفية مفبركة خلال عامي 2015 و 2016 .

تزخر أدبيات الإعلام بعدد من الدراسات التي تناولت الأخطاء في الصحافة الأمريكية، وتعود بداياتها إلى 1936م. وأشارت هذه الدراسات إلى أن 52% من المواد الصحفية (أخبار وتقارير وتحقيقات) بها أخطاء تتجاوز مجرد الأخطاء اللغوية والمطبعية، لتشمل اقتباسات خاطئة أو تحريف متعمد لها، أو نشر أرقام غير دقيقة، أو وضع عناوين مثيرة خاطئة بهدف التضليل والإثارة.

يشير نقاد ومراقبون لأداء الإعلام الغربي إلى الكثير من الحالات والأمثلة التي تؤكد عدم دقته خاصة في الأخبار المتعلقة بالقضايا السياسية الدولية، ولعل أبرز الأسباب في ذلك هيمنة المصالح السياسية والأيديولوجية على تناول تلك القضايا، مع عدم الاحترافية في تناولها وأخذها خارج سياقها التاريخي والسياسي.

4

اتفق مع الدكتور فهد في قوله “أهملنا طويلا فكرة التخطيط لإقامة مراكز قوى ، ومراكز ضغط في الفضاء السياسي الأمريكي على سبيل المثال ، وتركنا الساحة لإسرائيل وإيران اللذين عملا بجد وإخلاص في هذا السبيل ما هيأ للنتائج المزعجة لنا اليوم ليس في أمريكا وحدها بل في العالم كله . فلا يشك عاقل أن من أذكى نيران ولادة قانون ” جاستا” هما اللوبيان الإسرائيلي والإيراني في ظل غياب كامل لأي قوى ضغط حقيقية سعودية.”

الكل يعرف بعض الشيء عن اللوبي الإسرائيلي والقوى الصهيونية المؤيدة لها في المؤسسات الإعلامية والسياسية الغربية وخاصة في أمريكا. لكن ماذا عن اللوبي الإيراني.

تعود الإرهاصات الأولى لاهتمام الحكومة الإيرانية بالجالية الأمريكية من أصول فارسية  بتجمع رتبت له الحكومة الإيرانية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 1998م، حيث القى الرئيس خاتمي خطابا ردم فيه الفجوة التي بينهم وبين الحكومة، وقال في خطابه (لقد لعبت الهجرة طوال التاريخ دورا في ربط الحضارات والأمم مع بعضها البعض، والهجرة قيمة تنموية مهمة جدا، ونحن لا ننظر لها نظرة سيئة على الإطلاق). وهنا يشير إلى أن نظرة الحكومة الإيرانية للمهاجرين قد تغيرت وأنه يعول عليهم كجسور للتواصل مع أمريكا.

وفي العام التالي (نوفمبر 1999) رتبت الحكومة الإيرانية لقاء آخر في قبرص دعت إليه مهاجرين إيرانيين مقيمين في أوروبا وأمريكا الشمالية للتباحث معهم حول ما يمكنهم عمله لدعم المصالح الاستراتيجية لموطنهم الأصلي. ومن أبرز الشخصيات التي شاركت في هذا المؤتمر تيريتا بارسي Trita Parsi الذي نجح بعد أقل من ثلاث سنوات (2002م) في إنشاء المجلس الوطني للأمريكان الإيرانيين National Iranian American Council والذي يهدف إلى تعزيز حضور الأمريكان الإيرانيين في المشهد السياسي وتعزيز العلاقات بين الشعبين الأمريكي والإيراني. ونجح هذا المجلس بعد عدة أشهر من تأسيسه في عام 2003 في صياغة وتسويق مشروع كان يعرف بـ “الصفقة الكبرى Grand Bargen ” وهو البذرة الأولى للاتفاق النووي بين أمريكا وإيران.

إذا استطاع هذا اللوبي أن ينجح خلال عام واحد في أن يخترق المؤسسة السياسة، ويضع البذرة الأولى لأهم مشروع تصالح بين أمريكا وإيران على الرغم من معارضة اللوبي الصهيوني، فهو لن يكون عاجزا على اختراق وسائل الإعلام الأمريكية، لخدمة المصالح الإيرانية.

5

نحن لا نمتلك المقومات المطلوبة مثل تلك المتاحة لإيران وإسرائيل ليكون لنا لوبي في الولايات المتحدة (ليس هناك أمريكان من أصول سعودية، وعلاقاتنا مع الأمريكان-العرب والأمريكان-المسلمين لا يعول عليها). أرى أن خيارنا في الدبلوماسية العامة، فهي البديل العملي عن كل أساليب الإعلام الرسمي والتقليدي الذي تجاوزه الزمن.

المداخلات حول القضية:

  • واقع ومحددات صورة السعودية في الخارج

أشار د. خالد الرديعان في تعقيبه إلى أننا يجب ألا ننسى بالطبع الظروف التي تمر بها المنطقة وتحديدا اشتداد موجات الإرهاب الذي يتدثر بالإسلام السلفي وما ينسب للدعوة الوهابية التي يرى العالم الغربي أن فكرها وأطروحاتها تقف خلف هذه الجماعات الإرهابية على الأقل كمرجعية فقهية. هذه الموجات عززت من تشويه صورة المملكة في الخارج بعد اشتداد ضربات داعش وعبثها في المنطقة وعملياتها في أوروبا. اشتداد هذه الموجات لم يصحبها قيامنا بإصلاحات في الداخل عدا بعض المعالجات السطحية التي لم تنفذ إلى عمق المشكلة لتبدد قتامة الصورة وتشعر “الخارجي” والداخلي كذلك أن هناك مراجعات وإصلاحات حقيقية. تاريخيا فقد كان لدينا فرصة سانحة للتغيير والتحديث عام ١٩٧٩م وما بعد ذلك بعد إخماد تمرد جهيمان، لكننا ولسوء الحظ انكفأنا على أنفسنا بعد لملمة جراحنا. وللمفارقة فقد تبنينا معظم ما تمرد جهيمان من أجله؛ مما كرّس التشدد وحدّ من حركة التحديث التي كانت قد بدأت قبل التمرد الجهيماني البغيض بعدة سنوات.

مع ذلك لاحت لنا فرصة أخرى بعد عقد من الزمان عام ١٩٩٠م وما تلا ذلك أثناء حرب الخليج الثانية لكننا وكالعادة انكفأنا على أنفسنا مرة أخرى في حمى زيادة نفوذ الجماعات المتشددة ( بما فيها بعض الرموز الرسمية) التي سعت إلى مد نفوذها وهي في ذات الوقت تعرقل كل ما من شأنه تحديث المجتمع وتحسين صورته المهترئة.

ثم جاءت ثالثة الأثافي وللمفارقة بعد عقد آخر وذلك عام ٢٠٠١م مع أحداث سبتمبر الدامية وبروز القاعدة التي أعطى ظهورها زخما للعمليات الإرهابية التي يقف خلفها فكر صدامي مع كل العالم. فكر تم نسبته للوهابية السعودية؛ القضية التي أنهكنا أنفسنا طيلة السنوات الماضية بنفيها دون القيام بعمل جذري وبنيوي في تصحيح الخطاب الديني السائد لعلاج تبعاتها التي كان منها زيادة تشويه الصورة السعودية المشوهة قبل ذلك بعقود.

قضية واحدة كنا نتمترس خلفها وهي أننا “وسطيون” وأننا براء مما يجري دون أن يصدقنا أحد… انفقنا ملايين الريالات على البحوث والدراسات والورش والمؤتمرات وأسسنا مركزا لحوار أتباع الأديان لتأكيد وسطيتنا وأننا ضد التشدد والتطرف والإرهاب وأننا مع التحديث والتسامح والانفتاح وقبول الآخر في حين أن الواقع وبكل موضوعية وتجرد لا يعكس ذلك بالصورة المأمولة والمتوقعة.

كما أن الأحداث في المنطقة ومنذ ٢٠١١ ( الربيع العربي، سوريا، الحرب ضد الحوثيين، الاتفاق النووي لإيران، هبوط أسعار النفط، تخلي الرفاق عنا) وضعتنا مرة أخرى في عين العاصفة وجعلت مساوئنا وسلبياتنا مادة إعلامية وسبق صحفي في الصفحات الأولى للصحف الغربية. بعض ما يُكتب عنا لا يخلو من الحقيقة بالتأكيد ومعظمه هجوم وتشفي لكننا نظل في النهاية مسؤولين عن معظم ما يقال ويكتب عنا.

صحيح أننا قمنا ببعض التغييرات على عدة مستويات ليس كإرادة شعبية وحكومية بالطبع ولكن استجابة لضغوط خارجية بعد أن اكتوينا بنار الإرهاب الذي ضربنا في عقر دارنا ومن أبناءنا. لسوء الحظ جاءت التغييرات متأخرة بعد أن تغول التطرف والتشدد وأصبح ثقافة سائدة مما كرّس صورة بغيضة عن المملكة وشعبها إضافة إلى عوامل أخرى تم ذكرها سلفاً. يفترض أن نتحمل نتيجة ترددنا وممانعتنا في إحداث التغييرات المطلوبة في الوقت المناسب، وأن لا يمنعنا ذلك من العمل والعمل الدؤوب وليس ترديد الكلام والجعجعة التي لا تفيد أو ممارسة المعالجات السطحية.

نحن كالعادة نشتكي من قتامة صورتنا، ونحمّل الآخرين مسؤولية عدم فهمنا بل وتعمد الإساءة إلينا وتشويهنا بمناسبة وبغير مناسبة في حين أننا لا نقوم بما هو مطلوب منا القيام به للولوج إلى الحداثة وتغيير الصورة السلبية التي تشكلت عنا خلال العقود الماضية. وحتى لا يكون الكلام نظريا فإن المطلوب واضح ولا يحتاج كثير من الذكاء: تجديد الخطاب الديني، تحديث سياسي حقيقي، منح مزيدا من الحقوق للمرأة، وإصلاح اقتصادي يجتث الفساد بكل أشكاله. عندها تصبح صورتنا ناصعة وايجابية دون الحاجة إلى شركة علاقات عامة لإصلاح صورتنا.

ويرى م. خالد العثمان أننا ننجرف كثيرا في حصر الصورة النمطية عنا في الخارج لتلك المكونة في أمريكا خصوصا وبعض دول أوروبا .. وهو أمر بالتأكيد يستدعي المعالجة بالعصا تارة وبالجزرة تارة أخرى .. لكنه أيضا أمر يستدعي البناء على النظرة الايجابية في الجهات الأخرى من العالم واستجلابها في المحافل الدولية لتحقيق توازن منطقي في هذا الإطار.

ومن وجهة نظر د. فهد الحارثي فإن من الخطأ الصاق صورة المملكة في الخارج بوزارة إعلام؛ فصورة المملكة في الخارج تشكلها منظومة كاملة من العناصر:

  • الحكومة، ويشوبها قصور في التعبير عن سياساتها.
  • الإعلام المحلي والخاص، وهو منشغل تماما بقضاياه، وما يتناوله من مظاهر يعتبرها شاذة ويعتبرها الغرب ثقافة مجتمع.
  • مثقفي المجتمع ومفكريه، وهم منشغلون بالتحاور فيما بينهم ويفتقدون القدرة على مخاطبة العالم الخارجي .
  • مواقع التواصل الاجتماعي وروادها مبهورين بمستوى الحرية التي توفرها، وتحولت إلى ساحة حرب رأي وليس تبادل للرأي .

ولعل هنالك عناصر مجتمعية أخرى تساهم في تشكيل الصورة النمطية.

إن تصحيح الصورة الذهنية يبدأ من الداخل لا من الخارج؛ ويمكن طرح مثال واحد فقط يمكن البناء عليه، وهو قيادة المرأة للسيارة، الضرر الذي أحدثته في صورة المملكة انسحب على حقوق المرأة برمتها، بل وأثار التساؤلات حول حقوق الإنسان كاملة في المملكة، وأعمى أبصار الرأي العام العالمي عن كل التقدم الذي حققته ولازالت المرأة في المجالات التنموية والسياسية، حتى لو كان تمثيل المرأة في الشورى ٢٠٪‏ وهو أعلى تمثيل برلماني للمرأة في العالم.

وبرأي أ. ليلى الشهراني فإن هناك بعض النشطاء والمثقفين نقلوا صورة مشوهة كثيرا عنا فما أن يختلف مع أي جهاز حكومي أو مؤسسة دينية إلا ويتوجه للمنابر الإعلامية أو الحقوقية في الخارج ، أليس من بيننا من قال أن في كل بيت (داعشي) وبيننا من قال أنه في بلد لا يسمع أهله الغناء والموسيقى ويحرم كل شيء بالرغم من أن أكثر نجوم الغناء وشركات الإنتاج والتوزيع الموسيقي من بلدنا !

نحن نعيش ازدواجية لم نستطع علاجها حقيقة لذلك لا يرى العالم إلا الصورة المائلة ، تعميم (الإرهاب والتشدد وسوء التعامل والفساد المالي والأخلاقي على كل الشعب) هو ما أضر بالصورة ، تخبط بعض الأغنياء والمتخمين أظهر للعالم أن السعودي بئر نفط متحرك (غبي من السهولة استغفاله) ، وتشدد بعض المتطرفين أظهر السعودي في نظر البعض إنسان متوحش متعطش للدماء ، تعامل البعض بفوقية جعل سمعة السعودي الإنسانية في الحضيض ونحن نرى ضرب العمالة أو شكوى بعض المقيمين من تعامل أرباب عملهم دون أن يتم إنصافهم بأحكام تحفظ حقوقهم .

وفي تصور أ.د. صدقة فاضل فإننا كغالبية مثقفينا ومتعلمينا لدينا سلوكيات غريبة تنطلق من منطق لا يمت بصلة للعصر. نعتقد أننا الأفضل بين الناس وفى ذات الوقت نحمل في دواخلنا عقدة الخواجة بشكلها الثقافي ومضمونها السخيف.

نحتاج إلى إصلاح جذري حتى يمكن لنا أن ندخل العصر ونحظى باحترام الآخرين . الترقيع والتركيز على الجزئيات فقط لا يفيد . لابد من مراجعة شاملة لتفكيرنا وثقافتنا … تصلح المعوج وتبلور الإيجابي.

ومن جانبه قال د. سعد الشهراني: إن صورة المملكة لدى الآخر يحكمها ما يحكم صورة الآخر لدينا : فيها الحقيقي و فيها المتصور و الانطباعي المعمم من الجزئي  للكلي و فيها المستدعى من التاريخي للمعاصر و غير ذلك من العوامل و الأبعاد المتعددة و المتراكمة و المستجدة .

صور الأمم و الشعوب و الثقافات عن بعضها البعض (و منها صورتنا لدى الآخر) فيها ما يرضي و ما لا يرضي و فيها ما هو موضوعي و يقترب من الحقيقة و فيها ما لا يمت للصورة الحقيقية بأي صلة .

صورتنا لدى الآخر مركبة من الصور التاريخية للعرب و المسلمين و البدو التي رسمها المستشرقون و الرحالة الذين جابوا ربوع الجزيرة على مدى قرون، و فيها ما هو حديث ينسحب على تاريخنا الحديث الذي لا نزال نرسمه و لا يزال العالم يرسمها .

كل ما كُتب عن الملك عبدالعزيز و كل خصائص و سمات نظامنا السياسي و كل ما كُتب عن الوهابية والسلفية و القبيلة و الرجل العربي  و المرأة و البترول و أرامكو و علاقاتنا مع العرب و المسلمين و مع الغرب و دول العالم الأخرى و سلوكياتنا و مواقفنا السياسية إبان الحرب الباردة و مواقفنا و دورنا في الأحداث الإقليمية و الدولية وصولا إلى اللا ربيع  العربي و طريقة تعاملنا مع مواردنا الاقتصادية و مع البيئة و سلوكيات سياحنا( زلامسي  و بانكوك و غيرهما!) و سلوكيات شبابنا و أثرياءنا و مسؤولينا و ممثلينا في المحافل الدولية فضلا عن السمات و الخصائص و اللباس و العادات الظاهرة للأخر.. كل ذلك يشكل مكونات صورتنا لدى الآخر و إطارها العام.

تعاملنا مع الحجاج و المعتمرين و مع الوافدين و الأجانب عموما مصدر آخر مهم لتكوين و ترسيخ صورة معينة عنا لدى الأفراد و الشعوب الأخرى حتى لدى أقرب الشعوب لنا: الخليجيين و اليمنيين. لدينا قصور في إيصال ما هو حقيقي و جميل لدينا و هو كثير، و لدينا قصور في تصحيح ما هو غير حقيقي أو مكذوب عنا.

إن هذا الأمر يستحق و يرقى لأن يكون قضية أمن وطني لأن سمعتنا على المحك كدولة تعيش هذا العصر .

لدينا منجزات تنموية هائلة في التعليم و الخدمات و البنية الأساسية و معطيات أخرى منها أن هذه البلاد هي مهد العروبة و الإسلام و وجود الحرمين الشريفين و منجز الوحدة التاريخية لأقاليم رئيسة من جزيرة العرب .

لكن بالمقابل هناك إخفاقات واضحة للعيان خصوصا في مجالات أهمها ما يلي :

  • القوة الوطنية الناعمة و الصلبة خصوصا في إنتاج أسلحة الردع؛ فالآخر يحترمك إن كنت قويا و نظمت مصادر قوتك و استخدمتها استخداما مرشدا و هذا موضوع يطول الحديث فيه.
  • الإنتاجية و النجاح الاقتصادي المساهم في الاقتصاد الدولي و هذا موضوع أكثر أهمية.
  • الإدارة الحديثة للدولة و التنمية و المشاركة السياسية.
  • الصورة الذهنيّة للسعوديين هل هي من صنع أيديهم؟

قال د. فايز الشهري في هذا الإطار: كم شكونا من الإعلام الخارجي (المتربّص!) ولطالما تجادلنا حول إصرار الخصوم على قولبتنا أمام الرأي العام العالمي في صورة ذهنيّة سلبيّة. ربما يكون في هذه الإسقاطات شيء من الصحّة ولكن الصحيح أن هذه بعض من ثمار تقصيرنا في تسويق أجمل ما لدينا. لقد كنّا في عصر ما قبل الإنترنت نقرأ ونسمع قصصا عن تصرفات بعض الحمقى ومحدثي النعمة في عواصم السياحة العالميّة ولكن التأثير آنذاك كان محدودا ولا يلبث أن يُنسى. أما اليوم فقد تغيّر الحال في عالم التواصل الاجتماعي إلى وضع خطير يستحق المراجعة.

وهذا الوضع (الأخلاقي) ثماره المرّة على المشهد الإلكتروني اليوم تكاثرت بعد أن وضعنا بين أيدي بعض المراهقين وقليلي التربية وسائل تواصل عالميّة ولم نربهم كي يحسنوا استغلالها. استرعى انتباهي أول الأمر مقطع مصوّر وصلني وفيه شاب لم يحظ بنصيب من التربية وهو يحاور فتاة غربيّة بكل ما في قاموس السفاهة وفي آخر المقطع يدعوها بكلمات فجّة للإسلام الذي لم يمتثله فقرّرت أن أستكشف هذا العالم بما فيه ومن فيه.

راجعت بعض قوائم الحسابات والأسماء الأكثر شهرة وزيارة في بعض تطبيقات التواصل فماذا كانت النتيجة؟ وجدت على تطبيق نجما “أهبل” يتحرش بالأطفال، وعلى ذات التطبيق بزغ مراهق واشتهر وهو يظهر أسناناً لم تعرف العناية الصحيّة والطبيّة يتعاطى التدخين ببذاءة وغباء ويتحدّث بعربيّة مكسرة وإنجليزيّة مرقّعة مع فتاة أميركيّة تجاهد مع متابعيها الذين استجلبهم سلوك هذا “الكائن” القادم من خارج نور اللباقة واللياقة. وإن استعرضت برامج التواصل ستجد كما وجدت قطعانا من المراهقات ممن نزعن براقع الحياء ولبسن “وقاحة” التحدي يتغنجن ببلاهة أو يتراقصن بميوعة وخفة ذوق وملبس رغبة في نجوميّة ثمنها في واقع الإعلام الجديد اليوم هو المزيد من بذيء القول والعمل والمجاهرة بالفضيحة في غياب الأسرة المسؤولة.

الإعلام الجديد هو فرصتنا التاريخيّة (الوحيدة) كي نحاور العالم ونقدّم أنفسنا بما يليق بنا ونقطع الطريق على وسطاء الشر الذين طالما قدّمونا في صور الشهوانيين المتخلفين والإرهابيين. ولكن ما يصنعه هؤلاء التائهون في شعاب التقنية سيضيع كل جهد.

أعلم بأننا مثل كل المجتمعات وأعلم بأن لدينا شوارع خلفيّة تخرج منها أصوات تثير الغبار وتكشف المستور من تقصيرنا ولكن الحال صار مثار سؤال وعجب. ومما يحزن أن الإشكالات لم تتوقف على مشاغبات وقلّة حياء مراهقين ونزق شباب فلقد رأيت مقاطع كهول ونساء ورجال بأجسام بغال يستظرفون فيما بينهم ببذاءة وقلّة ذوق وينقلونه للإعلام الجديد فينتقل لبرامج الحوارات العالميّة صورة راسخة عن المجتمع والدين والحضارة.

ليست المشكلة هنا في حريّة الاتصال والتعبير فقد ضمنها الإعلام الجديد للجميع، المشكلة أنّنا أصبحنا ديناً ودنيا أمام امتحان حضاري لا سابق له. وما يصنعه بعضنا بصورتنا لا يزول أثره بالاتفاقيات الرسميّة ولا يمكن محوه من ذاكرة الشعوب والحواسيب بمذكرات تفاهم.

هذا الركام أصبح وسيصبح جزءاً أصيلاً في مرجعيات تشكيل الصورة الذهنيّة عنّا وهي صورة نحن من يصنعها بأيدينا. وما يدهشك أكثر هو أن هؤلاء المشتهرين بترويج الوقاحة يجدون قدراً من التصفيق والتهليل والاستضافات الإعلاميّة ليعاد تصديرهم رموزاً وقدوات لأجيال لا تعلم أين الطريق!

وذهبت د. نوف الغامدي إلى أننا شعب غير اتصالي، فالسعودي متوجس وحذر على الدوام، وغير مبادر مع الآخر، ودائماً ما يظهر بمظهر المنعزل المترفع المتعجرف في عيون الآخرين. هو بالتأكيد ليس كذلك. ولكن طبيعته التي لا تتماهى بسهولة مع الأجنبي، أياً كان هذا الأجنبي، هي ما تجعل الآخرين يظنون هذا الظن فيه. السعودي همومه وتطلعاته أممية وهذه مشكلة، وفي الوقت نفسه هو غير اتصالي على المستوى الفردي وهذه مشكلة أخرى.

وأضاف د. خالد الرديعان: لكل شعب تقريبا صور نمطية stereotype  يرسمها الآخرون عنه. أغلب تلك الصور زائفة بالطبع ودافعها الدندنة على الوتر الإثني؛  كاستنقاص أو شيطنة الآخر انطلاقا من فكرة (نحن مقابل هم) ولا يخلو الأمر من نزعة استعلاء.

يُقال عن اليهودي مثلا أنه جشع والاسكتلندي بخيل والبولندي والايرلندي ساذجان. ونقول في السعودية عن الهندي أنه غبي ونلصق بكل جنسية جملة من الصفات الزائفة استنقاصا لهم.

وفي الغرب يلصق بالعربي بعض الصفات السلبية التي لا نحب سماعها ( بدوي ، غير متحضر والقائمة تطول حتى وصلت إلى “إرهابي” إذا كان مسلما). وتُعد الأحداث السياسية والتثاقف عوامل مهمة في تكريس الصور النمطية ثم يأتي الإعلام والأعمال الأدبية والصحفية للترويج لها.

يعيد توماس اريكسون وهو أنثروبولوجي سويدي قام بدراسة إثنية في مجتمع تعددي (١٩٩٣) بروز هذه الفروق لوظيفتها في رسم حدود أو تخوم boundaries بين جماعات تتصارع في الغالب على موارد شحيحة. أستاذه فردريك بارث وهو سويدي آخر وقام بدراسات في إيران وباكستان وسلطنة عمان لاحظ أن بعض المهن ترتبط بفئات إثنية محددة؛ بسبب الصورة التي رُسمت عنهم مسبقا. هنا أصبح للصور النمطية وظيفة اقتصادية في مسألة تقسيم العمل للتخفيف من حدة التنافس على الموارد الشحيحة. يمكننا ملاحظة فرضية بارث عندنا في المجتمع السعودي؛ فالمهن اليدوية ترتبط عادة بجنسيات محددة؛ فنحن نجد الهنود أكثر براعة في مهنة الخياطة ويمارسونها، والباكستانيون في أعمال البناء الشاقة، في حين نفضل السوداني في المهن التي تستوجب أمانة عالية بحكم أنه “أمين” ولا يسرق وذلك كصورة نمطية نعّرفه بها بحكم أن لدينا عدد كبير من الوافدين. عدم نجاح سعودة بعض المهن قد نعيده إلى فكرة التنافس على الموارد بين الوافد والسعودي؛ فكثيرا من السعوديين لم ينجحوا في مهنهم في السوق بسبب محاربتهم من الوافد. أردت القول من ذلك أن للصور النمطية كذلك تأثيرات سلبية نراها في عدم نجاح “السعودة”.

ومن جانبه أوضح م. خالد العثمان أن أحد المؤثرات الهامة في صورة المملكة في الخارج هي ممارسات وتصرفات السعوديين في الدول التي يزورونها إما للسياحة أو للدراسة أو للعمل .. ومن المهم أن نقر أولا أن هناك الكثير من التأثيرات السلبية لهذه الممارسات .. والأمر أبعد من مجرد تصرفات البعض من السعوديين المشينة في الأماكن العامة وما إلى ذلك من سلوكيات فردية في الأصل لكنها نمطية بالعموم .. لكنها تتجاوزها إلى التأثيرات الملموسة للمال السعودي في تلك الدول التي يغزوها لغرض الاستثمار فيوقع آثارا تضخمية تؤثر سلبا على حياة مواطني تلك الدول وينشأ عنها .. وربما بتجييش واستغلال من جهات معادية .. انطباعات سلبية وتذمر وامتعاض من هذا الوجود السعودي ينمو ويترعرع حتى يسهم في تشويه الصورة السعودية في الأذهان.

إن هذه الصور النمطية المشار إليها هي صور صحيحة في الغالب وتتبنى التعميم القائم على تجارب فردية متناثرة تتواتر صحتها بالتناقل بين الناس ومن ثم تنشأ هذه الصور النمطية التي تترسخ بمزيد من الممارسات المبنية على القناعة بها ومعظم هذه الممارسات اقتصادية الشكل.. بل إن بعض الشعوب تبنت هذه الصور النمطية وبنت عليها هياكل عمل .. فمثلا التمريض أصبح معروفا عالميا بتميز الفلبينيات والايرلنديات فيه وهذان البلدان مصدران للمرضات للعالم .. والهند ومثيلاتها أصبحت مركز البرمجيات في العالم .. وغير ذلك الكثير .. بعض الصور النمطية تتحول إلى مزايا نسبية حتى ولو نشأت أساسا نقيصة أو وصمة عار.

المشكلة أن تكون هذه الصور النمطية سببا لممارسات ممنهجة على مستوى الدولة وليس فقط الناس .. عندما يتبناها الإعلام وتصبح وسيلة لحشد مواقف عدائية من دولة أخرى .. وهذا ما بتنا نراه في السنوات الأخيرة تجاه المملكة وهو موضوع هذه القضية .. التوظيف السياسي للصور النمطية هو أحد الصور السلبية والخطرة لفكرة توظيف الصور النمطية بخلاف التوظيف الاقتصادي.

  • تأثير المال السعودي

تطرق م. خالد العثمان إلي نقطة مهمة تتعلق بتأثير المال السعودي والاستثمارات الخاصة في دول العالم وربطها أيضا بالجانب الديني وضرب مثال على ذلك حيث قال: البوسنة والهرسك دولة اتجهت إليها مؤخرا أموال المستثمرين والمضاربين السعوديين فعاثت فسادا في ذلك البلد بنظرتهم المضاربية الضيقة البعيدة كل البعد عن المعنى الحقيقي للاستثمار التنموي المنتج فوضعوها في أراض ومزارع وعقارات الأمر الذي أدى إلى تضخم في الأسعار بدأ يؤثر على قدرة أهل البلد في الحصول على عقارات بأسعار مناسبة في متناول أيديهم ودخولهم المحدودة .. الجانب الديني في الموضوع أن كثيرا من هؤلاء المستثمرين هم من الفئة المتدينة الذين جذبتهم البوسنة ببيئتها المحافظة نسبيا ومناخها الإسلامي ذو التأثير العثماني .. في النتيجة بدأ يشيع في هذا البلد حديث متذمر من هذا الوضع .. حتى أن الصحافة هناك بدأت تنتقد وجود السعوديين وتطالب بوضع قيود على وجودهم واستثماراتهم .. وحتى أن رئيس الغرفة التجارية انتقد في اجتماع حضره مع وفد رجال أعمال سعودي إحجام المستثمرين السعوديين عن الفرص الاستثمارية المنتجة التي تخلق وظائف لأهل البلد .. أضف إلى ذلك طبعا ظاهرة البحث عن الزواج من هناك بل وحتى التحايل على الأنظمة التي تمنع التعدد .. وفي النتيجة أصبحت صورة السعوديين هناك أنهم مضاربون مفسدون همهم التربح والزواج وإفساد بيئة البلد.

المستثمرون السعوديون الأفراد هم من الأكبر في العالم .. استثمارات مضاربية أو اكتنازية غير مؤسسية وغير موجهة للتنمية وخلق الوظائف .. تسهم بشكل فعال في التضخم وتشويه الأسواق في الدول التي تغزوها .. ونموذج البوسنة المذكور مثال صارخ .. وقبلها تركيا وإسبانيا وسوريا ومصر وحتى أمريكا نفسها .. ولو أنها أقل تأثرا نسبة لضخامة الاقتصاد الأمريكي.

وذكر د. ناصر القعود أن المال السعودي يشمل إضافة إلى الاستثمارات الخاصة الإعانات والقروض التنموية من قبل الدولة والمساعدات التنموية والإنسانية وهذه بلا شك لها أثر إيجابي في تكوين الصورة وإن كان محدودا لمحدودية التعريف به إعلاميا فقد شمل العديد من الدول دون نظر لدين أو جنس وشمل معظم القارات.

وأوضح أ. عبد المحسن القباني أنه لا يجد تفسيرا لتكرار نيويورك تايمز موضوع دور السعودية في تشكيل أصولي كوسوفو. اختلط السياسي بالمهني؛ حتى في غير الغرب، هناك انزعاج من التمويل السعودي للجمعيات والمؤسسات الإسلامية بل البعض يراه تدخلا سعوديا في الشؤون الداخلية ومحاولة تشكيل ثقافي. ويزيد عليهم ضجرهم أن هذه الثقافة هي ثقافة “وهابية سلفية”.

  • عدم وجود منتجات وطنية أو تواضع مستواها

ترى د. نوف الغامدي أن عدم وجود منتجات وطنية تتفق عليها جميع الهويات الفرعية في المملكة وتقدمها للعالم منتجاً «صنع في السعودية» قد يكون عاملاً مؤثراً في استمرار الصور النمطية عن المملكة كما هي دون تغيير.

المنتخب السعودي لكرة القدم كان مثالاً جيداً لهذه المنتجات في فترة من الفترات حينما كان السعوديون بطوائفهم وأعراقهم كافة يلتفون حوله صانعين منه مفردة وتفصيلاً صغيراً لهوية وطنية جامعة.

اليوم أين هي منتجاتنا التي نقدمها للعالم؟ أين موسيقانا؟ أين تراثنا؟ لقد فشلنا فشلاً ذريعاً في تسويق هذه المنتجات!

وذكر م. خالد العثمان أنه حتى معرض المملكة بين الأمس واليوم توقف .. حتى معرض اكسبو ميلان الأخير غابت عنه السعودية .. في المقابل العالم كله يعرف عن الإمارات وقطر ويتحدث بإعجاب عن التطور الحاصل فيهما مع أن المعظم لا يدري أين يقع هذا البلدان أصلا.

وذكر د.م. نصر الصحاف أنه للأسف وأثناء تنقل هذه المعارض للمملكة بين الأمس واليوم كانت تقدم وتحسب كذلك من قبل الغرب والعالم بأنها بروباغاندا حكومية لتحسين صورة بلد فقط وليس واقع ملموس لما هو عليه فعلاً !

وأن هذه المعارض كانت في حقيقتها مغايرة لما عايشه الزائر أو المقيم من تجربة؛ ولذلك فقد أفرغت هذه المعارض من مضمونها ووصمت بالبروباغاندا الحكومية فكان الأثر سلبي على المدى البعيد. وَمِمَّا زاد الطين بلة هو كثرة التطبيل الإعلامي الداخلي لهذه المعارض وعدم إجراء أي دراسات للوقوف على آثارها الإيجابية أو السلبية على سمعة المملكة !!

وأشارت أ. علياء البازعي إلى أننا لا نرى أنشطة للجاليات العربية في أمريكا وبالذات الخليجية منها أكثر من معارض تعريفية تركز على التراث و صور بسيطة من الحاضر.

  • استثمار القوة الناعمة: آليات التعامل مع الإعلام الغربي نموذجاً

أشار د. فهد الحارثي إلى أننا نخوض حروبنا في اليمن وفي سوريا ونحن نستعد للدفاع عن الخليج من أي مهددات مصيرية متربصة من الخصم التاريخي المحاذي والمجاور لدولنا . وينبغي أن لا نغفل أو لا نهمل الحروب الأخرى التي يخوضها ضدنا مجموعة من الخصوم في ميادين السياسة والثقافة . وإذا قررنا أن ننتصر في حروبنا العسكرية فإن مواجهة الحروب السياسية لا تقل أهمية بأي حال.

وأكد م. خالد العثمان أن القوة الناعمة يمكن أن تكون أكثر نجاعة وأوقع أثرا من القوة العسكرية الضاربة.

وتساءلت د. نوف الغامدي: أليست الحروب السياسية جميعها في الأصل سببها اقتصادي؟

وبدوره تساءل د. فهد الحارثي: إذا كانت لدينا القوة العسكرية الضاربة التي أدهشت كثيرين فهل لدينا القوة الناعمة التي تستطيع أن تدفع عنا شرور الأعداء ؟!

فالعداوات التي تواجهها السعودية في البيئات الكبرى لصناعة السياسات ليس من أسبابها دائما الاقتصاد ؛ هي حروب ” وجود ” فلن يكتفي الخصوم بإنهاك السعودية اقتصاديا لأن السعودية إقليميا وعربيا وإسلاميا ذات موقع قيادي فاعل وصانع للتاريخ ( المقدسات الإسلامية ) ، زِد على ذلك أنها تتمتع عالميا بنفس الموقع .لأن المنافسة مع السعودية قاصمة بالنسبة لخصومها أو هذا هو المفروض .

وأضافت د. نوف الغامدي إلى ما تقدم عدم إيمان السعودي بالحدود القُطْرية، فهويته أممية على الدوام. فهو مشغول دائماً بما يحدث خارج أرضه ويظن أن عليه بصفته مسلماً أن يشارك في حل كل قضايا المسلمين العالقة في العالم.

هذا التضارب غير المعالج بين مفهومي «المسلم في الأمة» و«المواطن في الدولة» جعل السعودي عالقاً في المنطقة الوسطى بين النظرية والتطبيق بلا هوية واضحة المعالم .

وقال أ. خالد الوابل: هل لي أن أقرأ السعودية بعيون أمريكية حتى نستشف سبب هذه الصورة السلبية؟ وأعني بعيون أمريكية هو المواطن الأمريكي البسيط:

  • ١٥من ١٩ منفذي هجوم ١١ سبتمبر سعوديون.
  • زعيم القاعدة سعودي.
  • السعوديون من أكثر عناصر داعش.
  • مقاطع الفيديو لفتاوي شاذة تصدر من مشايخ سعوديين.
  • المرأة السعودية هي المرأة الوحيدة في العالم التي لا تقود سيارة وأضف إلى ذلك حرمانها من بعض حقوقها.
  • ما تنقله الصحافة الغربية من تصرفات لهيئة الأمر بالمعروف مثل فتاة النخيل ودمية الخرج.
  • البذخ المالي واستعراض السيارات المذهبة في لندن ولوس انجلوس من قبل بعض أبناء الأثرياء.
  • بعض الأحكام المتشددة والمُبالغ فيها التي تصدر من بعض قضاتنا في بعض القضايا “رائف بدوي” على سبيل المثال.
  • دعم المراكز الإسلامية في الخارج دون تدقيق ومراقبة.

السؤال بعد كل هذا: هل بمقدور إعلامنا أن يتصدى لكل هذه الأحداث؟ أشك في ذلك.

وأضاف م. خالد العثمان  مجموعة من القضايا الأخرى وتشمل:

  • قضايا التفريق المبني على عدم تكافؤ النسب.
  • زواج القاصرات.
  • المال السعودي .
  • مؤسسية نظام الحكم ومؤسسات الدولة.
  • مستوى مخرجات التعليم .. ١٢٠ ألف مبتعث سعودي في أمريكا.

وفي اعتقاد أ. فاطمة الشريف فإن الصورة السلبية  والهجمة الإعلامية والسياسية في الخارج كما ذكر د. فهد هي جزء من كل يشمل الهجوم العام على الإسلام والمسلمين وإن اختلفت صوره أو دلالاته بين الحين والآخر؛ فنحن نمثل الإسلام, رمز للإسلام, كلنا رموز للإسلام, بدرجات متفاوتة, و لكن ببساطة نحن لا نحاول تحسين صورة رسمة تشكيلية, نحن تريد تحسين صورتنا أمام الآخر, المسلم أصبح يحس أن أصابع الاتهام تتوجه إليه دائما, و إلى جزء كبير من حياته لا بل إلى وجوده, و إلصاق تهمة ضد معنى وجوده الذي يتمثل بعقيدة و تاريخ و لغة ، في إحدى محاضرات البروفيسور تشومسكي تكلم عن مصطلح “peace process” و كيف يتم استخدامه بالصحف الأمريكية, بالنسبة لأمريكا فإن أي شيء تفعله الحكومة هو الوقوف مع السلم, موضحا الازدواجية بالمعايير, و أن أغلب المصطلحات تحمل تعريفين, أحدهم في قاموس الدولة و الآخر في قاموس الواقع, الإرهاب كما يقول, تعريفه في قاموس الدولة هو استخدام العنف ضد المدنيين للوصول للأهداف السياسية. و لكن هذا التعريف يشمل الدول, لذا في الواقع تستخدمه الدول بإضافة و هي “عندما يفعله الآخر ضدنا”.  وله كتاب آخر  “Manufacturing Consent”  يرى أن الإعلام بشكل عام أصبح سلعة وهذا الرأي لا يخفى على أي أحد , الصحافة تقدم للشركات سلعة مميزة و هي الجمهور, و الحكومة الأمريكية أيضا أداة لشركات عالمية عبر اللوبيات ( كما تفضل د. فهد فيما يخص اللوبي اليهودي واللوبي الإيراني ) , و هذه الصحف أو القنوات تابعة لهذه الشركات في معظمها , و بالتالي أي قرار تريده الحكومة أو هذه الشركات, يتم تصوير الأحداث في العالم كله لما يوافق نظرة هذه الحكومة. لا بطريقة مؤامراتية و لكن بسبب اتصال المصالح، وتطرق  إلى الفرق بين  الكوارث أو الضحايا التي يسببها النظام الأمريكي أو النظام الذي يدعمه النظام الأمريكي لا أهمية لها حتى لو كانت مواطنين أمريكيين. أما  التي تسقط على أيدي الأعداء فيتم التكلم عنها والتركيز عليها وتكثيف التغطية الخاصة بها :

وهنا يبرز سؤالين مهمين مع بعض هذه المعطيات:

  • السؤال الأول: هل هناك ضرورة لتحسين الصورة الخارجية لدى الغرب إذا كنا نرى أن صورتنا وصورة إسلامنا جميلة , فما معنى كلمة  “تحسين” لما هو حسن؟ وهل الهدف هو رضى الآخر بتغيير الواقع الذي نراه جميلا ومقتنعين بحسنه ؟
  • السؤال الثاني: لماذا نجحت إيران في تحسين علاقتها مع الغرب وكسب ثقتهم من جديد كحليف يعتمد عليه دون أن تسعى لتغيير أي  صوره لها عند هذا الغرب أو تحسين الداخل الإيراني عن طريق إيقاف الممارسات الكثيرة من تعدي على حقوق الإنسان وتقليص الديمقراطية والتطبيقات الشرعية كالإعدام الجماعي وكبت الحريات الفردية ؟

وفي هذا الصدد أشارت د. نوف الغامدي إلى خلاصة دراسة أميركية تقول أن إيران تصرف على الإعلام الأميركي قرابة 950 مليون دولار سنويًا، من أجل تشويه دول الخليج، وتحسين صورتها لدى الرأي العام الأميركي. وهذا فعلاً ما أكده وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، حين قال في مقابلة مع التلفزيون الإيراني: «لدينا جالية كبيرة ومتعلمة في أميركا. يجب اعتبار هؤلاء بمثابة ثروة لإيران، حيث إنهم يستطيعون الدفاع عن مصالح بلادهم. بلاد أمهاتهم وآبائهم. يتوجب عليهم ألا يسمحوا بفرض النظرة العدائية ضد إيران في الولايات المتحدة والمجتمع الدولي».

وتقوم هذه المجموعات بنشاطات مختلفة منها: إقامة ندوات، وإصدار دراسات، وعقد مؤتمرات، ونشر مقالات في صحف أميركية متنوعة، وإقامة صداقات مع باحثين وخبراء أميركيين.

وعلق م. خالد العثمان على مداخلة أ. فاطمة الشريف بقوله من المهم الإشارة إلى نقطتين: الأولى .. من قال أننا رمز للإسلام .. ومن الذي يحدد ذلك .. هذا هو لب الخلاف بين الطوائف وكل طائفة ترى أهليتها لهذا التمثيل .. لذلك أنا لا أرى في الحقيقة أن مشكلتنا مع الغرب ذات صبغة دينية .. وأظن أننا نخسر كثيرا بهذه الطريقة .. والأسوأ أننا ربما نسيء إلى الإسلام الذي لا أظن أننا نمثله حق التمثيل وفق الرؤية التي أشار إليها د. فهد .. الصراع هو صراع مصالح .. وهذه هي نقطتي الثانية .. أ. فاطمة أشارت إلى تحسين الصورة في حال السعودية وإلى تحسين العلاقة في حال إيران .. ما يعني أنهما ليسا أمران متلازمان .. ولذلك قامت أمريكا بتحسين علاقاتها مع إيران دون أن تكترث لصورة إيران التي ما زالت تصف أمريكا بالشيطان الأكبر .. بينما أصبح هاجس الصورة بالنسبة لنا أكبر وأهم من هاجس المصالح .

وبدورها أوضحت أ. فاطمة الشريف أنها تتفق تماما مع هذا الطرح، وما قصدته من السؤال عن ضرورة تحسين الصورة من أجل الآخر وعن تجربة إيران في كسب ود المجتمع الدولي دون تغيير صورتها النمطية أو عرض صور مغايرة لما هي عليه فعلا.

وقال د. عبدالله بن ناصر الحمود:  ثمة أمرين مهمين ينبغي تذكرهما..

  • مات المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد أكمل لنا ديننا.
  • مات المصطفى صلى الله عليه وسلم ولم يترك لنا نظاما سياسيا للحكم.

ومع اكتمال الدين دون أن يكون منه النظام السياسي تكون السياسة من أمور الدنيا التي قال عنها صلى الله عليه وسلم (أنتم أدرى بشؤون دنياكم).

إذا.. يلزمنا تجريم كافة أشكال الإسلام السياسي .. ويقتضي ذلك رفض تسييس الدين .. أو تديين السياسة. وأن نبحث عن معادل جديد لعلاقة (السياسي-الديني) لدى كافة الفرق والطوائف. على أن يكون الدين شأنا فرديا لا علاقة للسياسي به إلا ما تقاطع منه مع فرد  آخر في دائرة السياسي. وأن يبقى السياسي يمارس دورا دنيويا لا علاقة له بالديني إلا ما تقاطع معه بالضرورة. وهنا .. يحصل أمر محمود وهو رفع وصاية كل منهما على الآخر.. ومنعها. وبالتالي .. يسير الديني في تعميق المعرفة الدينية الفردية دون شوائب لأن المجتمع سيمنعه من التربح بالدين، ويسير السياسي بمهمته الدنيوية المدنية دون أن يفرض الديني عليه الوصاية.. فيكون أحرى بالحراك المحمود .

لا أعرف كيف عاشت الأمة كل هذه القرون في شرك عظيم بين الديني والسياسي، وكيف لم تعمل على أساس من هذا المنظور .. إذا ..  لكفينا اليوم كثيرا مما نحن فيه من الهرج والمرج.

وقال أ. عبد المحسن القباني: لماذا لا نقوم بهجوم مضاد؟. لماذا صورة الغرب برّاقة وشعبيتهم تزداد لدينا؟ كيف يتصور عاقل سوي تشريع زواج الشاذين؟ وكيف يعيش مجتمع يحمل السلاح ؟! كيف لا تهمهم صورتهم في المنطقة وهم الذين أسسوا قناة الحرة وسوا بعد انخفاض شعبيتهن بعد حرب ٢٠٠٣ ناهيك عن مشاريع فرانس 24 ومعهد جوته .. الخ.

يهمني أن تكون مشاريعنا هو فعل لا ردة فعل. لأننا نريد لا لأنهم هم يريدون. نحن نختار الشكل الذي نريد بالسرعة التي نحدد وبالاتجاه الذي نسير إليه؛ بل حتى تدخلهم أحيانا يكون مضرا لأي عمل إصلاحي من خلال رعايتهم لملفات أو شخصيات قد تحظى بقبول لكن يدخل المجتمع في توجس منهم بسبب ذلك الارتباط والتواصل.

‏مشاريعنا الإعلامية الخارجية ليست على ما يرام حتى MBC والعربية هي مشاريع توقفت عن مخاطبة العرب وتوجهت إلى مخاطبة الداخل السعودي.

‏و بصريح العبارة من أفضل المشاريع في العالم العربي على الإطلاق هو مشروع الجزيرة الإنجليزية. قناة الجزيرة الإنجليزية حققت نجاحا باهرا في وصول المعلومة من دول الجنوب إلى دول الشمال عبر الستلايت وكذلك عبر الموقع الإلكتروني.. ‏ليت كان لدينا مشروعا مماثلا تأسس قبل 15 سنة من اليوم.

الغرب غير حضاري معنا. هو وصي ويفرض قيمه على الأمم جمعاء تحت مسمى universal values ولا يقبل إلا ما يراه.

أنا ممن يدعون إلى الهجوم الإعلامي المضاد مستشهدا بأهمية الشعبية لهم في المنطقة ومدللا على ذلك بمشروع قناة الحرة التي اضطروا إليها بعد الحرب على العراق 2003.

أما أن يكون منطلقهم الحوار والايمان أن هناك أمم تؤمن وترى الحياة بغير ما ترون ولها الحق، أو احملوا ثقافتكم وانصرفوا!

ومن وجهة نظر م. حسام بحيري فإن تصور أن الإعلام الغربي يهاجم السعودية هو تصغير لأس المشكلة. الإعلام الغربي ولفتره طويلة يعتمد على نظريات علمية ورياضية لتحقيق أهدافه التي هي في الأخير تنصب على الربح المادي وإلا فلن يستطيع الاستمرار مهما كان مستوى شموخ مؤسستهم الإعلامية وتاريخهم مليء بسقوط مؤسسات إعلامية عريقة محترمه ولكنها لم تدر أرباحا فانتهت. إعلامهم اليوم أذكى من أن يعتمد على حقائق كمصدر رئيسي لانتشاره أصبحت الحقيقة ليست بذات أهمية وشعوبهم يدركون هذا الواقع لأنهم فقدوا ثقتهم فيه من سنيين طويلة وبالذات مع ظهور الانترنت وهذا يفسر اتجاههم نحو وسائل الاتصال الاجتماعي كهروب من واقعهم الإعلامي الفاقد المصداقية. المؤسسات الإعلامية الغربية تعتمد في طريقه طرح إعلامهم خصوصا عن القضايا الأجنبية على علم أو برنامج Perception Management أو ادارة التصور وهذا البرنامج بدا في الثمانينات الميلادية ينتشر في وسائل الإعلام الأمريكية بالذات وهو برنامج موجه خارجيا في الأصل ويعتمد على نشر أو اختلاق قصص دراماتيكية تخلط بين الحقيقة والخيال لشد انتباه الجمهور ليس فقط عن قضايا الشرق الأوسط ولكن عن الاتحاد السوفيتي والصين والحركات الثورية واليسارية في جنوب أمريكا وأي نظام يعادي المعسكر الغربي. ولا يهم إن كانت القصص حقيقة أم لا طالما أن الإعلام يستطيع أن يشد ويجذب انتباه المشاهد من خلال استمراره في التنقل من قصه أو حدث لآخر ويصبح الخبر أداة للتلاعب في عقليه المشاهد الأمريكي وعامل الحقيقة مع الوقت يصبح أقل أهمية وليس المحرك للأحداث. الحقيقة في نظرهم هي عامل يستخدم في تحوير وخلق معلومات لتجعل خصمك يبدو سيئا في عقول المشاهد.  من الأهمية أن نعرف كيف يعمل الإعلام الغربي لكي نعرف أهدافه نحونا. الحقيقة المجردة أن إعلامهم موجه بطريقة جدا محترفة ويكاد يكون من النادر أن نرى دار نشر إعلامية غربية  مشهوره تتخذ موقف محايد من قضايا رئيسية معروفه مثل القضية الفلسطينية أو صورة العرب والإسلام في الغرب, أو موقفهم من بوتين أو خطر الصين المحدق كأمثلة. أي وسيلة إعلامية تتخذ منهج أحادي من هذه القضايا تغرد خارج السرب ولا تكون جزء من منظومتهم الإعلامية التي يعول عليها سياسيهم في نشر أخبار مهمة أو مدهم بمعلومات حصريه تساهم في سجل خبطاتهم الصحفية. هناك تعاون وطيد بين السياسيين الغربيين والإعلامين في المجتمعات الديموقراطية وهم المصدر الرئيس في مد الصحفيين والكتاب بالمعلومات وبينهم علاقة وثيقة؛ لأن السياسي يحتاج الإعلامي لتلميع صورته في مستقبله السياسي الذي يعتمد على الإعلام بالأساس والإعلامي يحتاج السياسي لمده بالمعلومات الحصرية، ولو نقرأ في أكبر الصحف والمجلات الغربية عن تحقيقات أو مقالات فيها معلومات جدا مهمة أو أخبار حصرية لنجدهم دائما يستدلون بتصريح لمسؤول كبير معين في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية أو الدفاع الخ… بدون نشر اسمه (حسب رغبته) هؤلاء الأشخاص عادة ما يكونون أكبر المسؤولين في الإدارة السياسية.

الإعلاميين الغربيين في داخل مجتمعهم عادة يتسمون بالذكاء ويتبعون منهج سياسي وأيديولوجي مبني على قيمهم التي يدافعون عنها بشراسة في إعلامهم ويتكلون على زملائهم الإعلاميين في مجتمعاتهم وعالمهم الغربي ككل في مساندتهم في حال كان هناك أي تحدي يتعلق بالنشر أو إبداء الرأي من قبل أي جهاز حكومي ونجد الدفاع عن قضاياهم الإعلامية دائما تتخذ منحنى شرس، واستطاعوا في خلال العقود الماضية أرسال رسائل قويه لأكبر سياسية أنهم أصغر من أن يتغلبوا عليهم وإذا واجههم أي سياسي أو مسؤول سيكون هناك ثمن باهظ ينعكس عليه في انتخاباته المقبلة سواء كان كشخص أو كحزب والرئيس نيكسون كان أول من تعلم هذا الدرس في قضية ووترغيت. ولذلك يندر أن نرى أفراد في أجهزتهم الحكومية أو القضائية لديها الجرأة أن تتخذ أي موقف ضدهم إلا في القضايا الجنائية.

الإعلام الغربي بدأ بنشر صور سلبية عن العرب عامة منذ السبعينات الميلادية وخصوصا منذ بدء حوادث خطف الطائرات التي كانت تتم من قبل الفصائل الفلسطينية بالإضافة إلى المساهمة الفعالة التي قام بها مجرم الحرب سيئ الذكر هنري كيسنجر والذي كان له رؤية سياسية واضحة أن الأهداف العربية في استرداد حقوق الفلسطينيين كانت ضد استراتيجيته في بناء قوى التوازن العالمي وتمكن من جعل الكيان الصهيوني أن يصنف كحليف للقوى الغربية لأول مرة من خلال إقناع الإعلام الغربي أن أهداف العرب ليست فقط لا تتماشى بل تتعارض مع الأهداف الغربية وتشكل خطرا عليها ومن هنا بدأ الهجوم المستمر المتواصل على العرب عامة ومع الوقت دخل العرب ثم الإسلام ثم السعودية في برنامج ال Perception Management  إلى أن وصل إلى ما وصل اليه اليوم من حرب إعلامية شعواء موجهة ضد السعودية خاصة.

محاولة تغيير صورتنا في إعلامهم ستكون فاشلة تماما و ليس من الذكاء أن ننجر إلى أن ننفق بلايين الريالات في اقتصادهم لتحسين صورتنا في مجتمعاتهم ؛ فلتذهب آراء مجتمعاتهم عنا إلى الجحيم، فآرائهم لاتهمنا ولن تزيد رضا الله عز وجل علينا، وأي محاولة لتحسين صورتنا عندهم سيكون انتصار لهم واعتراف ضمني بصدقية ما ينشرونه عنا، وإعطاء مصداقية لهجومهم على أدياننا ورسلنا وطريقة حياتنا بالإضافة أنه لا يعني وقوف هجومهم ضدنا بل سيكرر مسلسل ابتزازهم الإعلامي لنزف أموالنا في لوبيات وبرامج ودعايات فاشلة فليس هناك أي داعي لأن ندخل في فخهم الابتزازي. إن أفضل طريقة لمواجهتهم إعلامية هي باستخدام نفس الطرق التي يتبعوها والاختلاف أن المشاهد العربي مازال يعتمد على الحقائق ويمكن تطويعه بترسيخ نفس الصورة السلبية عنهم وإتباع نفس سياستهم الإعلامية لجعلهم في موقف الدفاع عن مواقفهم وإيقاف هجومهم ضدنا. نحن نمتلك البنيه الأساسية الإعلامية المناسبة لجذب شعوبنا ولكن ينقصنا الأفراد وهذه مشكلتنا الأساسية في المواجه الإعلامية، وإلا لماذا لم يستخدم الإعلام العربي نفس الأسلوب في التعامل مع الغرب بمرادفة دولهم مع مجازرهم و وحشيتهم التي ارتكبت ومازالت ترتكب ؟ لماذا لا نلقي الضوء على الخطب الدينية الموجودة لديهم وتطرف كنائسهم البروتستانتية التي تهاجم أدياننا يوميا وتستبيح دمائنا نهارا جهارا من على منابرهم ؟ لماذا لا نوجه لهم نفس الاتهامات التي وجهوها لنا وهي الخطاب الديني المتطرف ألإقصائي؟ لماذا نتقبل أن يذهب مواطنون يهود غربيين إلى الكيان الصهيوني ليلتحق بجيشهم ويقتل العرب والمسلمين لأسباب دينية وعرقية بحتة مثلهم مثل داعش ولا نوجه لهم نفس الاتهامات التي وجهوها لنا (يتضح لنا اليوم أن الكيان الصهيوني هو مجرد قصة داعشية ناجحة) لماذا لا يردد هذا ؟ لماذا نسكت على تمويلهم لمنظمات دينية وحكومية تساند العنف والإرهاب ضد العرب والمسلمين لا وبل تعطى إعفاءات ضريبية لهذه التبرعات ولا نتهمهم بتمويل الإرهاب ضدنا؟ أصبح واضح الآن أن المشكلة لا تكمن في إعلامهم ولكن في إعلامنا الهزيل الموجه غير الحر والذي يتخم بالدوغماتيين والمتسلقين والمتزلفين والانتفاعيين والطبالين الخ…

ولكن السؤال هو لماذا نهتم بأن تتحسن صورتنا في نظرهم ؟ لماذا معظم الشعوب العربية تهتم بتحسين مظهرها أمام عالم غربي احتله وباعه واشتراه وابتزه ؟ و هل تهتم الشعوب الغربية بمظهرها أمام العالم العربي والإسلامي أو الشعب السعودي ؟ قطعا لا ولا يكنون لنا أي حسبان. الضرر الذي تسببوا به جدا كبير وليس من السهل إصلاحه.

أجهزتهم الإعلامية لا يهمها السعودية ولا العرب هم يأتون إلينا لحمل ذخيرة إضافية للاستمرار في مهاجمتنا ولابد أن يكون لنا وقفه ضدها ونبدأ في النظر إليها كأجهزة معادية؛ لأن أهدافهم أصبحت مكشوفة ولابد من العمل على استقلالية واحترافية أجهزتنا الإعلامية لأنه بخمولنا هذا أصبحنا ليس فقط مجرمين بنظرهم فقط ولكن مجرمين بحق أنفسنا أيضا بعدم الدفاع عن قيمنا.

وحول الإعلام الغربي وكيفية التعامل معه، أشار أ. خالد الوابل إلى مقاله بذات العنوان والذي جاء فيه: سأتجاوز ما يقال حول الإعلام الغربي ومصداقيته في التعامل مع القضايا العربية والكيل بمكيالين في تناول قضايانا رغم صحته وسأتطرق لكيفية التعامل معه.

فاليوم تتصدر المملكة وأخبارها الصحف الغربية الرصين منها والتابلويد، فهناك النيويورك تايمز والواشنطن بوست والايكونومست، وصولا إلى الديلي ميل والنيويورك بوست، فيا ترى هل هي حملة منظمة أم أن أحداث المنطقة فرضتها؟ والمؤسف في الأمر والذي لا أجد له تفسيرا وهل هو قصور منا أم من هذه الصحف أن جميع التقارير المنشورة عن المملكة لا تجد فيها مفكرا أو مثقفا سعوديا يستشهد برأيه على سبيل المثال كتبت النيويورك تايمز في تقرير مطول لها في 25 أغسطس عن السعودية عنوانه «السعوديون والتطرف.. مشعلو الحرائق ورجال الإطفاء» ويذكر التقرير أنه تمت مقابلة 36 شخصية ما بين رسمية وأكاديمية ومتخصصين ومن عدة دول حول العالم ومع ذلك لا يوجد بينهم سعودي واحد! هل تفتقد هذه الصحف لأسماء مفكرينا ومثقفينا؟ إذا الجواب «نعم» فعلى من نضع اللائمة؟ أم أنها تجاهلتنا عن عمد؟ حتى التقارير التي تكتب من داخل المملكة وإن تمت مقابلة مفكر سعودي عادة ما تقرأ «فضل عدم ذكر اسمه» ومعظم ما تطرحه الصحافة الغربية هو في الأساس «هاشتاقات» سعودية في مواقع التواصل الاجتماعي، تجد فيه المعارض وتجد فيه المؤيد. وليكن اليوم الدور للمجتمع المدني بمفكريه ومثقفيه وأصحاب الرأي بالرد على هذه التقارير بعيدا عن التشنج والنفي القاطع، لأن أي دور رسمي في مثل هذه القضايا يعتبر نوعا من «البروباغاندا» والتي عادة ما يكون فاقدا للمصداقية. وينحصر دور وزارة الثقافة والإعلام بترجمة جميع المقالات التي تتطرق للمملكة بسلب أو إيجاب وتوزيعها على أكبر شريحة من المثقفين وتشجيعهم على الرد ومساعدتهم في ترجمة مقالاتهم وإرسالها كرد للصحيفة، ولدينا الكثير من أكاديميينا ومثقفينا من يعرف بالعقلية الغربية وكيفية مخاطبتها، فلم لا نستفيد منهم؟ ومنها نخلق قاعدة بيانات لدى هذه الصحف عن مفكرينا يمكن العودة لهم مستقبلا في كل شأن سعودي. الأمر الآخر دور الوزارة في التركيز على تعزيز مهارات مسؤولي الإعلام في التعامل مع وسائل الإعلام الغربية وحول نظرة واهتمامات الإعلام الغربي، واستراتيجياته في إثارة الأسئلة، وتوجيه النقد، وكيفية التعامل معه في الأجواء الودية بل وحتى العدائية وتحسين المهارات من أجل رفع صوتنا في المجتمع الدولي من خلال الإعلام. الأمر الآخر وبعيدا عن الحفاوة المبالغ فيها وبعيدا عن الرسميات، هل يمكن لمجموعة من المجتمع دعوة صحفي غربي؟ هل يستطيع مثل مركز أسبار أو سبتية حمد الجاسر أو إثنينية عبدالمقصود خوجه على سبيل المثال دعوة فريد زكريا أو روبرت فيسك أو توماس فرديمان؟ ليأتي ويشاهد بنفسه الحراك الاجتماعي وقضاياه ويستمع لجميع الآراء ولينقلها من مصدرها. وليكن هناك تواصل مستقبلا لإعلاميين آخرين. وأختم في الأخير ولو كان الطلب متأخرا، ماذا لو منح كل خريج مبتعث الحق بدعوة 3 أو أربعة من أساتذته لزيارة المملكة؟ 150 ألف مبتعث في 3 دعوات ستجد لك تقريبا نصف مليون في هذا العالم يدافع عنك. تغريدة : نحن لا نريد تحسين صورة وطننا، نحن نريد فقط نقل الصورة كما هي وبشفافية. فاليوم لا يمكنك أن تخفي شيئا.

  • السعودية ومسؤولية نشر القيم الإسلامية والعربية والدفاع عنها

في تصور د. فهد الحارثي أنه مثلما يعمل الأمريكي على نشر القيم الأمريكية من حق المسلم ، ولاسيما السعودي ، العمل  على نشر القيم الإسلامية والعربية والدفاع عنها.

إذا كان من حق الأمريكي أن يعزز من المشتركات التي تربطه بالشعوب الغربية الأخرى فإن من حق السعودي أن يفعل مثل ذلك فيما يربطه بالشعوب التي تنتظمها حضارة الإسلام. وهذا دائما لا يتناقض مع الانتماء الوطني أو يدحضه. وهذا وجه آخر من وجوه العداوات الشرسة التي تستهدف المملكة .

ووجه م. خالد العثمان سؤالاً لد فهد: ألا ترى أن الشعب الأمريكي متفق عموما على ما أسميته القيم الأمريكية .. بينما نحن نعيش اختلافات وتباينات بل وحتى صراعات سواء في فهم وتطبيق القيم الإسلامية وكذلك في مفهوم الوطنية وقيم الهوية السعودية؟

وأوضح د. فهد الحارثي أنه ينظر إلى القيم الإسلامية العليا التي يتفق عليها الجميع من البعيدين عن المشاحنات الأيدولوجية أو المذهبية، والمقصود أخلاق الإسلام التي كان يمثلها “القدوة” الذي اتبعه أهل ماليزيا وإندونيسيا ، ذلك التاجر الحضرمي الذي حمل في تفكيره وسلوكه قيم الإسلام فدخل الناس بسببه في دين الله أفواجا . والمقصود كذلك الإسلام الذي فتح الأمصار ولم يكره الناس على الدخول فيه ، لكنهم اقتنعوا به لسماحته ولثراء قيمه.

وبدوره ذكر م. خالد العثمان أنه ربما إذن هنا جزء من المشكلة؛ ذلك الإسلام الذي حمله التاجر الحضرمي لم يعد موجودا الآن .. ما نراه الآن صور أخرى متنوعة ومتعارضة ومتنافرة من فهم متمصلح للإسلام والقيم والأخلاق.

ومن جديد أوضح د. فهد الحارثي أن ما يقصده هو الإسلام الذي لا ” يلعن ” الآخر أو يدعو عليه بالويل والثبور . الإسلام الرحب الذي سمح ليهودي المدينة أن يحارب في غزوة أحد كفار قريش إلى جانب جيوش محمد. ولهذا أشار في ورقته إلى أهمية تجديد السلفية السعودية أو ” الوهابية ” لأن ” تسويق” الوضع القائم لم يعد ممكنا ، بل هو يستعدي علينا أكثر مما يخدمنا .

  • المملكة وحرب الشائعات المغرضة

أشار د. فهد الحارثي إلى أن هناك نحو 90 تغريدة في الدقيقة تستهدف أمن المملكة واللحمة الوطنية والنسيج المجتمعي وأكثر من عشرة آلاف حساب في تويتر لإحباط المجتمع السعودي وتشتيت صفوفه بمعدل 6000 حساب عبر تويتر موجهة ضد المملكة لزرع الفتن داخل المجتمع وبث الشائعات و4000 حساب أخرى خصصت لإعادة نشر تلك التغريدات إلى جانب شائعات الواتساب ومقاطع التندر والسخرية المصممة من أياد معادية لأهداف سياسية وأمنية ومخططات دولية تسعى لزعزعة أمن واستقرار المملكة التي تعد الركيزة الأساسية لأمن العالمين العربي والإسلامي. ( فكن مؤمنا كيسا فطنا)… ولا تكن إمعة تنقل وتصدق كل ما يقال أو يكتب عن وطنك… فأمنه من أمنك واستقراره من استقرارك … نأمل أن تصل لأكبر شريحة من مجتمعنا ليعي ويدرك حجم الخطر الذي يحيط بديننا أولا ووطننا وأمننا ثانيا.. كن فطن.

واوضحت أ.د. سامية العمودي أن هذا وحده يحتاج حملة مكثفة مضادة يشترك فيها التعليم والإعلام ورجال الدين؛ ومن المهم التأكيد على دور الإعلام كسلطة رابعة وربما خامسة وسادسة؛ إحدى مشاكلنا برأيها أننا لم نفقه لعبة الإعلام وتعاملنا معه بخجل وقللنا من تأثيره في الرأي العام داخلياً وخارجياً وفي نقل الصورة الذهنية لنا وعننا.

‎وللتدليل على أهمية وجود حملة مضادة لتصحيح صورة المملكة بالخارج ذكرت د. عائشة حجازي ما ذكره مصور انجليزي عاش في المملكة  فترة ثلاث سنوات؛ حيث قال: لقد حاولت خلال الفترة التي كنت فيها في المملكة أن أرسل رسائل لأصدقائي أخبرهم فيها عن الأشياء الرائعة التي اكتشفتها في المملكة وأهلها ولكني صدمت عندما وجدت أنهم جميعا لا يصدقونني.. لقد شعرت بإحباط شديد من عدم تصديقهم لي ولكن سرعان ما تخلصت من هذا الشعور السيئ وتوصلت لفكرة عبارة عن مجموعة الصور التي قررت أن ألتقطها من أجل مساعدة الغرب على رؤية ما رأيته من أشياء طيبة في هذه البلاد”. ولفت “سبستيان” إلى أن المملكة تتعرض لحملة شعواء، وخاصة من خلال “تويتر”، لضمان بقاء تلك الصورة السلبية المزيفة التي روجت لها أفعال وتصريحات بعض العناصر الإرهابية، وعلق على ذلك قائلا، “من المؤسف أن الغرب يصدق كل تلك الصور الزائفة.. أتمنَّى فعلًا أن أنجح في أن أبين للغرب تلك الصورة الجميلة التي رأيتها”.

وتماشيا مع هذا الطرح قالت د. نوف الغامدي أن قوم نوح وَصَموا نوحا ـ عليه السلام ـ بالضلال: “قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين” .. فلم يصمت نوح، بل رد التهمة ونفاها بسرعة وحزم: “قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكن رسول من رب العالمين”.

وَوَصَم قوم هود هودا – عليه السلام – بالسفاهة: “قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين” .. فلم يسكت هود، بل رد التهمة ونفاها بسرعة وحزم: “قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين”.

وأوضحت أ. ليلى الشهراني أن السبب في تصديق الشعب السعودي حتى أتفه الشائعات يعود إلى غياب “الشفافية” بين المواطن والدولة ، هناك فجوة كبيرة إن لم تردم بالحقائق فمن الطبيعي أن تكون مستنقعا يجذب البعوض من كل مكان ، ما زال الخطاب الموجه للسعودي في الداخل خطاب بدائي من حقبة السبعينيات وليس هناك تصور بأن العالم تغير كثيرا وأن وتيرة الوعي في ازدياد.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: ما أشار اليه د. البعيز و آخرون حول وجود حملات ممنهجة ومنظمة تجاه المملكة جدير بأن يجعلنا نهتم بعملية التغيير في الرأي العام والمزاج الغربي مع استصحاب أهمية عدم وجود مظاهر سلبية لدينا؛ فلنفتح أعيننا ونستخدم نظارات تتيح معرفة الواقع الحقيقي وليس المصطنع .

أمريكا من حيث النظام السياسي والإعلامي تتحدث عن الديموقراطية وهي أكثر بلد يدعم الأنظمة التسلطية والشمولية مادامت في كنف المصالح الأمريكية، وهي تتحدث عن الإرهاب في العالم وهي أكثر بلد مارس الإرهاب .. وأنتج الإرهاب .. وغذا الإرهاب .. ورعى مصالح الإرهاب .

الأمريكيون يتحدثون عن السنة والإرهاب وداعش وهم يرون الحشد الشيعي في العراق وجماعة حزب الله في سوريا يمارسون مثل ما تمارسه داعش والمنظمات القريبة منها ومع ذلك يصمتون بل يدعمون بعض عمليات هذا الحشد الشيعي في العراق وهو يفتك بالعراق والعراقيين .

وبالنظر إلى أنموذج تركيا بقيادة أردوغان؛ نجد أن كل ما يجري الحديث عنه من سلبيات لدينا هي متاحة هناك فالمرأة تقود .. والاختلاط هو الأصل .. والولاية غير موجودة …والدولة علمانية .. والخمر يباع .. والحفلات بأنواعها متاحة ..الخ؛ ومع ذلك كانوا وراء الانقلاب على الحكم بدعم واحتضان غولن وجماعته .

حين نتصور أن الأمريكيين يريدون منا فقط أن ننتهي عن بعض الأخطاء وحينها سيحتضنوننا فهذا وهم في عرف المصالح والاستراتيجيات السياسية. الأمريكيون اليوم باعونا واشتروا من يرونه الأقدر على تحقيق مصالحهم ..هذا الفهم يجعلنا نتحرك بعمل جبار وبطرق أفضل وجهد أكبر، أما إن اعتقدنا أن مجرد قيادة المرأة للسيارة ستجعل الصحف الأمريكية مثلا تحتفي بنا بعد أن جعلتنا مادة افتتاحياتها فهذا بعض الوهم، فلا ينبغي أن نبيع الوهم لأنفسنا ثم نشتريه.

باختصار نحن لا ينبغي أن نقلل من أثر أخطاء بعضنا في صناعة صورة سلبية عنا؛ لكن الخطأ الأكبر أن نتصور أن عالم المصالح اليوم الذي تمثله أمريكا وأوروبا تهمه هذه الجوانب وأنه سيحتضننا حين تقود المرأة السيارة أو نقيم حفلا غنائيا مختلطا، نحن مستهدفون فعلا ، كيان المملكة واستقرارها وثروتها، ولن يهنأ الأمريكيون حتى يرو الفوضى الخلاقة تدب في أرضنا وتدك حصوننا أو يروننا قد أنشبنا أنفسنا في عش دبابير سوريا والعراق واليمن.

وأوضح د. حاتم المرزوقي أن الحال قد تغير بعد أحداث ١١ سبتمبر.. فقد كان الغرب في مطلع القرن الميلادي ينظر إلينا بنوستالجيا الصحراء.. ثم في منتصفه بقبول لخصوصيتنا وتفهم لاختلاف مكوننا الثقافي ونسيجنا الاجتماعي.. ثم في ثلثه الأخير كقوة اقتصادية قادرة على وقف الامدادات النفطية، ثم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بدأ بشعر بالخطر يهدد أمنهم الداخلي فتبدلت نظرته من قبول إلى نفور.. ليس للمملكة فحسب بل لكل من يتصل بالفصيل الإسلامي الذي أُسقط مع البرجين الاعتداد الأمريكي في أمنه الوطني. لنفهمه، نحن لابد أن نقرأ التاريخ أيضا بعين الآخر.

واتفقت أ.د فوزية البكر مع ما طرحه د. حاتم المرزوقي حول التغير التاريخي للعلاقة بيننا وبين الولايات المتحدة وخاصة بعد أحداث سبتمبر، وإن كانت ترى أنها تعود الي أبعد من ذلك وتحديدا حين زرعنا الخوف بإمكان إيقاف أمدادات النفط في السبعينات.

إذا هناك مخاوف قوضت علاقتنا التاريخية بالغرب وتحديدا بأمريكا مبنية بالنسبة لهم علي عدم الشعور بالأمان، ثانيا لنناقش القول بأنه من الواضح أن طرح البعض يقوم علي جملة شرطية بأن تسوق المرأة وأن من يتحدث بذلك قد أتي من كوكب آخر وهو مضاد للنسيج الاجتماعي المكون لغالبية المجتمع وأن هؤلاء يحاولون ( استئصال هذا المجتمع والوصاية عليه ) السؤال الذي يجب أن نكون صادقين في طرحه هو الآتي : قيل أن ننشغل في بحث علاقتنا بالآخر، لنبحثها بيننا ولنسأل : من هم الخارجون علي نسيج المجتمع ؟ ومن هم الذين يريدون استئصال المجتمع ؟

أؤكد أولاً: أننا جميعا أبناء أمة مسلمة واحدة وأن لا أحد فينا مضطر لتبرير أو إثبات وطنيته باتهام الآخر. ثانيا : من المهم طرح القضايا الخلافية بشجاعة مثل الاختلاط وحقوق المرأة  ومشاركتها السياسية الخ حتي نتمكن من فهم وجهات نظر بَعضُنَا البعض بدل تقاذف التهم؛ كلنا مسلمون ولكن لا نتبنى جميعا التفسير السلفي المتشدد للإسلام كما لا نتبنى التفسير الطالباني. الإسلام موجود في الباكستان كما هو موجود في تركيا وسوريا و فلسطين وكل هذه المجتمعات تمتلك تفسيرات ثقافية تعجن مع التعاليم الدينية كما نفعل نحن هنا.

أمر آخر في غاية الأهمية وهو أن عالم اليوم يمتلك من المشتركات الحضارية والقيم العامة الشاملة التي نصت عليها الأديان وكذلك المواثيق البشرية مما يجب أن نرسخه في علاقتنا بالعالم إضافة الي اعتزازنا بخصوصيتنا التي يجب أن لا تبقينا خارج التاريخ كما تفعل اليوم.

وفي ذات السياق قال أ. عبدالله الضويحي: بداية أطرح هنا بعض التساؤلات: قبل ثلاثة أو أربعة عقود كيف كان وضعنا الداخلي فيما يتعلق بالحريات والوضع الاجتماعي !؟ وكيف كانت صورتنا في الخارج !؟ وكيف كان يُنظر إلينا !؟

أكرر طرح السؤال بنفس الصيغة ولكن في هذه الأيام وليس قبل عقود !؟

إذا كانت صورتنا في الداخل – كما يرى البعض – هي السبب فالمفروض أن تكون صورتنا الآن أحسن !

ما يحصل هو تناسب عكسي بين الحالتين !!

* أعود للتساؤلات التي طرحتها في البداية آخذا في الاعتبار أنه لا يمكن إغفال ما حصل من أحداث في العقدين الأخيرين ( سبتمبر .. داعش .. وغيرها ) وتأثير ذلك على المشهد وعلى صورتنا في الخارج لأطرح سؤالا لا يقل أهمية: هل نحن الذين دفعنا بأبنائنا لأتون هذه الأحداث وارتضينا ذلك لهم !؟ أم أن هناك جهات خارجية استثمرت الظروف المحيطة بهؤلاء الشباب وبمن حولهم وهيأت المناخ المناسب لهم بالدخول !؟ لأهداف بعيدة المدى تتجاوز الفرد والجماعة وربما الكيانات إلى الأمم.

قبل أربعة عقود وتحديدا 1979 ( ثورة الخميني ) ثم 1980 ( حادثة جهيمان ) وفترة الثمانينيات كان الجواز السعودي مرحب به في كل مكان وكان السعودي يدخل أوروبا وأمريكا ويخرج منها كمن يدخل إلى بيته !! فما الذي حدث !؟ هل نمنا وصحونا لنجد كل شيء تغير !؟ هل تمت كل هذه التحولات بين عشية وضحاها !؟ يقول الفرنسي جوزيف جوبرت: ( إذا كنا نتطلع لمستقبل آمن علينا أن نحترم الماضي وأن لا نثق في الحاضر ) أو ما في معناه. فهل طبقنا هذه المقولة !؟

كانوا يخططون من حولنا وعلينا بدءا من أفغانستان وربما قبلها مرورا بجهيمان وغزو الكويت وكنا نسهر على أنغام أم كلثوم نردد مع الخيام:

( غد بعلم الغيب واليوم لي ) وننسى أن نكمل البيت: ( وكم يخيب الظن بالمقبل )

حتى إذا ما جاء الوقت المناسب بدأ هذا العالم يرمي أوراقه واحدة تلو الأخرى أما نحن فقد (رمينا أوراقنا كاملة .. ورضينا بأي قرار) على رأي نزار قباني !

كنا نعتقد أن المادة هي كل شيء وأن مصلحتنا مع القيادات وولاءها لنا ..تصدرنا قائمة الدول المساعدة لهذه الدولة وتلك، وقاربت مساعدات المملكة الخارجية 300 مليار دولار في الفترة من 1990 إلى 2014، وتصدرنا العالم، وماذا بعد !؟

صحيح أن هناك إملاءات تفرض هذا الشيء لكن ما مدى انعكاس ذلك على صورتنا في الخارج !؟ مجرد بيانات و إشادات نسمع عنها هنا وفي إعلامنا. كنا نكسب القيادات ونخسر الشعوب فاكتشفنا أننا لا نحتفظ بالقيادات ولا نكسب الشعوب !!

وما غزو الكويت وأزمة الخليج عنا ببعيد ..وغيرها الكثير بالأمس القريب .. يقول جوزيف غوبلر: ( اكذب اكذب حتى يصدقك الناس ) ويقول أيضا: (كلما كبرت الكذبة سهل تصديقها)

كانوا يكذبون ويفترون وكنا نقول: دعهم في طغيانهم يعمهون .. ونردد: لو أن كلبا عوى ألقمته حجرا .

سياسة الصمت التي كنا نطبقها في الستينيات وما بعدها لم تعد تجد في عالم اليوم الذي لا يعترف إلا بقوة الحجة ومنطق الكلمة.

إيماننا القوي بالله وتمسكنا بالدين وتقديرنا لعلماءه جعلنا ندور بين فتاويهم وآرائهم (كالمسبحة في يد الإمام) لا نملك الجرأة على مناقشتهم ولا مجادلتهم ولو بالتي هي أحسن ، أصبحنا نردد معهم :

( أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )

( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )

( رب اجعل هذا بلدا آمنا .. )

لا أعترض على أي من هذه الآيات ودلالاتها ولا أزكي نفسي في الإيمان بها .. لكنني أؤمن أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وبالتالي فتأويله يتماشى مع روح العصر ..

تفسير الآيات ومضامينها قبل قرن أو قرنين أو عشرة يختلف عن تفسيرها في العصر الحاضر أو بلغة أخرى يظهر لها تفسير يتماشى وروح العصر وبعض علمائنا حصر نفسه ولم ينطلق لرحاب أوسع ..

ركزنا على ذلك ونسينا ( وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة ) والقوة هنا قد تكون عسكرية أو اقتصادية أو إعلامية .. إلخ.

أتيحت لنا الكثير من الفرص لم نستثمرها لتحسين الصورة أو تعميقها أو الدفاع من رافعة الحرم والنمر وعاصفة الحزم وقبلها الكثير؛ والسبب أننا لا نؤمن بالعمل الجماعي، ولا نثق في القدرات الوطنية، حتى على المستوى المحلي يتوجه المسئول لقناة خارجية ليخاطب الداخل ، وكثير من قراراتنا يغلب عليها الطابع الفردي أو ممن هم بعيدين عن الميدان.

سفاراتنا في الخارج في كثير منها تؤدي دورا بروتوكوليا .. والمكاتب الإعلامية ( قص ولصق ) لما يكتب في الصحف وتقارير تنتهي إلى الأدراج.

الوضع الآن تغير ..ونحن في سباق مع الزمن ..والإعلام تغير .. وأصدق الإعلام أكذبه – إن جاز لي التعبير – أعني الإعلام الموجه للآخر؛ هذا النوع من الإعلام لا يوجد فيه محايد أو صادق .. كما أشرت في مقولة غوبلز قبل قليل، والعقلية الغربية تغيرت؛ يجب أن نخاطبهم بلغتهم وهنا لا أعني لغة الخطاب بقدر ما أعني المعنى الشمولي للغة.

الندوات والمشاركات التي ينتهي أثرها بانتهاء الحدث لم تعد مجدية ولا تسمن أو تغني من جوع. نحتاج لاستراتيجية بعيدة المدى وإعداد شباب واعد ممن تعلم في الغرب لمهمات كهذه .. ومراكز في السفارات لتولي هذه المهمات؛ لدينا مراكز وطنية مؤهلة لوضع مثل هذه الاستراتيجيات وتنفيذها ( أسبار أحدها ) ومراكز البحوث في الجامعات وغيرها وكفاءات وقدرات وطنية قادرة ..

وأختم بمقولة لـ جوزيف غوبلز أشعر أنها ليست ببعيدة عنا: ( انزع عن الشعب تأريخه وسوف يتحول بعد جيل إلى جمهور من الدهماء وبعد جيل آخر ستستطيع أن تحكمه وكأنه قطيع ).

وأشار د. عبدالسلام الوايل إلى أن الورقة الرئيسة حددت بعض مرتكزات الصورة السلبية (المرأة و المشاركة و السلفية السعودية). تحديد دقيق أتفق معه. و يمكن اقتراح عمل دراسة مضمون لحصر القضايا الرئيسية التي تتمحور حولها الصورة السلبية في الطرح الإعلامي الغربي مثلا. و لو عملت دراسة كهذه فستنطلق من فرضية أو س “تجذر” (من النظرية المجذرة grounded theory) تصورا نظريا له علاقة بمنظومات القيم المختلفة بيننا و بين مصدري الصورة السلبية و منتجيها.

وأضاف: لقد طرح المعقب د. عبدالله الحمود حلا لمعضلة الصورة السلبية يتمثل باللجوء للقضاء لمحاسبة المسيئين. و ربما لم استوعب الاقتراح بشكل جيد. لكني أظل اتساءل عن مآلات قضايا نرفعها ضد مقال أو كاريكاتير أو تعليق في فيلم أو دعاية يسخر من منعنا المرأة من القيادة أو عدم وجود صالات سينما في بلادنا أو عدم تمكن مطربينا من إقامة حفلاتهم في بلادنا أو موت …الخ؟!! ماذا ستكون دعاوينا في قضايا كهذه أمام محاكم ترى أن من أوجب واجباتها صون حرية التعبير، التي من أشكالها الحق في السخرية؟!!

لقد طرح د. حاتم إطارا تحقيبيا لصورتنا في الغرب اتفق معه. كنت طالبا في أمريكا بين 1997 و 2005 و عشت “زمن سبتمبر 11” و خبرت بنفسي، كسعودي، كيف تغيرت “نظرتهم” لنا من الاطمئنان للتحالف بيننا (كما رسختها تجربة إخراج صدام من الكويت) إلى أن نكون مصدرا محتملا للتهديد. كانت هجمات سبتمبر نقطة التحول في الصورة الذهنية من الخليط الذي عرضه د. حاتم إلى صورة المصدر للعنف و الإرهاب. تحول صب في خطط القاعدة بلا شك في إعادة تعيين الحدود بيننا و بينهم و تحويل هذه الحدود لجدر و أسوار.

لا أتصور حلا لمعضلة الصورة السلبية لا يرتكز على معالجة داخلية للملفات الثلاثة التي طرحها د. فهد في ورقته، خاصة ملفي السلفية و المرأة، فالملاحظ أنهما أكثر العناصر حضورا في الخطاب المشيد لصورة سلبية عنا.

  • مكاتب الاتصال الدولية: هل تساهم فعلاً في تحسين صورة المملكة

في هذا الإطار تساءلت د. نوف الغامدي: هل نحتاج إلى مكاتب اتصال دولي في جميع السفارات والهيئات بل وحتى الوزارات لتحسين الصورة الذهنية عن السعودية تقوم برصد ما يدور من موضوعات وتحاول أن تعمل بشكل مضاد لها ؟

فالواقع أن انشغال الإعلام العربي بقضايا “المؤامرة الغربية” وتركيزهم عليها في حين أن المؤامرة الحقيقية إن وجدت فهي مؤامرة العربي على نفسه بعدم دفاعه عن ذلك التشويه الذي يتعرض له ويخطط لتحسين صورته في الإعلام الغربي.

وأوضح بعض المختصين أن مثل هذه المكاتب موجودة؛ لكنها لا تستطيع أن تسوق لمنتج سلبي، فعلى سبيل المثال تصريح مسؤول بأن الموظف لا يعمل إلا ساعة انتشر كالنار في الهشيم في الإعلام الخارجي بشكل سلبي. كيف يمكن لأعتى بيوت الخبرة معالجته وهو صادر من مسؤول في الحكومة لم يكلف نفسه حتى عناء تصحيحه شخصيا أو الاعتذار عنه لقتل تناوله.

وعلقت د. نوف الغامدي بأن الوزراء يحتاجون لدورات تأهيل في الخطاب الإعلامي والحوار؛ فهم يخاطبون الدولة بكل أطيافها الفكرية والسياسية والاقتصادية ولابد أن تكون لغة حوارهم ديبلوماسية بعيداً عن التحيّز. التدريب العلمي على الظهور الإعلامي ولغة الجسد والحوار مطلب مهم للمسؤول.

وأشار أ. أسامة نقلي إلى أن الرئيس الأمريكي وأركان إدارته لديهم فريق إعلامي كامل لتدريبهم وتأهيلهم قبل أي ظهور إعلامي، بما في ذلك وضع الرسائل الإعلامية وتجربتها قبل نشرها من المسؤول.

وذكرت أ. علياء البازعي أن مؤسساتنا للأسف تفتقر لمنهجية للتدريب العلمي/العملي للقيادات…أو من في حكمهم ويملكون الظهور و التأثير.

  • ضرورة تجاوز مرحلة الإنكار

أوضحت أ.د. سامية العمودي أننا لا زلنا نعيش جزئياً في مرحلة الإنكار، هناك تحسن بدأنا ندرك أخطائنا بدأنا نعترف ببعضها لكن لا زال كثير منها محل إنكار والأهم رفض الإصلاح مع أنها أوراق نستطيع أن نحرقها على العدو بسهولة تمكين المرأة تمكيناً شاملاً ليس فقط بقيادة سيارة سيغلق ملف عصي لا زال مفتوحاً كجرح يدمي.

إن المشاركة في حمل هموم الوطن وصنع القرار يعمق الانتماء ويجعلك أكثر حدباً على وطنك لأنك شريك فيه. أيضا من المهم تعديل المناهج بجدية تلغي جزءاً من المشكلة وتشعر العالم بجديتك.

نحن بحاجة إلى جلسة مكاشفة تحديد العلاج والبدء فيه واحداً تلو الآخر عندما تتغير وتغير واقعك وتنقحه تظهر صورتك الحقيقية الجميلة فهو وطن جميل لكن بعضنا ساهم في تشويه الصورة بقصد وبغير قصد.

وأبدى د. خالد الرديعان اتفاقه التام مع الرأي القائل أن إصلاح الداخل سيعطي صورة حسنة عنا في الخارج. أي عمل غير ذلك قد يكون مضيعة للوقت والجهد والمال. هناك استحقاقات داخلية لم تتم معالجتها بصورة تجعل لها “دويا” خارجيا لعل أشهرها موضوع المرأة والسيارة، كما حدث مع دخول المرأة السعودية لمجلس الشورى والذي كان له صدى عالمي.

وفي تصور أ.د فوزية البكر فإن القيادة مجرد مؤشر ( لطبيعية ) الحياة من عدمها في مكان ما. هي ليست ولن تكون أهم قضايا المرأة بالتأكيد إذ أن قضية الولاية في رأي أهم وأعم وأكثر تأثيرا. لكن لنتصور أنك سافرت إلى مكان ووجدت أنهم يمنعون الرجال من قيادة سيارتهم أو خروجهم إلا برفقة أحد ماذا سيكون شعورك؟ هكذا العالم ينظر الي الأمر، يجب أن ننظر له بعيون الآخرين وليس في ظل مماحكاتنا الداخلية.

الفضاء العالمي بانتشار وسائل التواصل. وتأثيرات العالم في بعضه البعض اقتصاديا وبيئيا جعل من المستحيل أن نعيش في أبراجها العاجية ونطالب الآخرين بالتصفيق لنا .

وأضافت أ.د. سامية العمودي أن قيادة المرأة وتعديل أنظمة الولاية ستقلب الصورة عن حقوق المرأة وتمكين المرأة هو قرار سياسي واحد يغير الكثير والكثير عننا.

بينما تعتقد د. نوف الغامدي أننا نعيش في إطار وضعنا الغرب فيه وكبرناها كثيراً وكأننا وضعنا مؤشرات قضايانا في أيديهم ولم نُظهر ما تميز به مجتمعنا. إننا مع الأسف نركز على السلبيات وندعو العالم على ولائم فاخرة من مشاكلنا التي نضعها تحت المجهر ونجلد ذاتنا بصورة مؤلمة.

وعارض د. خالد الرديعان هذا الطرح الأخير المتعلق بأن الغرب وضعنا في إطار معين؛ فبرأيه نحن الذين وضعنا أنفسنا في هذا الاطار ونحن الذين أجلنا التحديث والعصرنة.

بينما اختلف د. فايز الشهري مع تبرير د. خالد الأخير؛ باعتبار أن المجتمع لم تتشكل هويته بشكل طبيعي؛ هو في قفزات متتالية دون أن يزرع مستحقاتها؛ ولذلك لا يحصد إلا التناقض؛ لأنه مع الشيء صوتا وضده ممارسة ، والمجتمع ترك قيادته للظروف.

وبدوره علق د. خالد الرديعان بأن المجتمع لا يقود نفسه ولكنه يُقاد؛.. نحن نطرح أسئلة كان يفترض تناولها قبل عدة سنوات… الآن بدأنا نفيق بسبب تصاعد الأزمات المحيطة بنا.. ولكن لا بأس فهناك متسع من الوقت للقيام بما يلزم لتحسين صورتنا. الهويات الوطنية لا تتبلور بنشيد وطني وشكليات.. تتبلور بالأفعال والخطط والخدمات والعدالة الاجتماعية.. الخارج يهتمون بتفاصيلنا كأخبار إعلامية ويتابعون ما يجري عندنا بدليل أنه كان هناك اهتمام عالمي كبير بخبر الانتخابات البلدية التي جرت منذ عدة أشهر… لسنا بمعزل عن العالم فهم يروننا ونحن جزء منهم. وموضوع قيادة المرأة للسيارة موضوع مهم للغاية ليس لأننا نرضي العالم به ولكنه شأن محلي ملح ومطلوب.. مع ذلك فإن السماح بالقيادة سيقدمنا للعالم بصورة أفضل فيما يتعلق بحقوق المرأة.

وأشار د. فهد الحارثي إلى أنه لم يقل بأننا إذا اصلحنا الداخل سيصفق لنا الأمريكيون ، ولَم يقل أن قيادة المرأة للسيارة هي المفتاح السحري إلى قلوب الغربيين كلهم ! ليس من العقل أن يقول أحد بذلك ، فالجميع يعرف كيف يتفاعل الوجدان الأمريكي مع مصالحه ، نحن نقول لا تقرب لخصومك الحجارة التي سيستعذبون “رضخك” بها ، فهم يدركون مدى تأثيرها على الرأي العام عندهم ، ونقول لا تجعل غزو عدوك لك سهلا وميسورا بترك الثغرات التي بإمكانك أن تسدها بلا عناء . وباختصار: لا تقدم له خنجرك الذي سيستمتع بإجرائه في دمك.

وقال د. مساعد المحيا في تعقيبه على ما ذكره د. فهد: لقد كنا أكثر تشددا، وكان الأمريكيون وإعلامهم يحبوننا حبا جما، لم تكن المرأة تحظى بقليل مما حظيت به اليوم ، لكن الإعلام الأمريكي والساسة الأمريكيين كانوا يحتفون بنا كثيرا عدا استثناءات يسيرة؛ الأمريكيون هم الذين بحثوا عن أدوات وحجارة يرجموننا بها في حين أنها كانت من قبل بين أيديهم وأمام أعينهم لكنهم لم يستخدموها. باختصار كثيرون يهتمون بما تطرحه بعض الصحف الأمريكية أو الأوربية لعل ذلك يكون سببا في الضغط على صانع القرار لاتخاذ قرارات مزلزلة مجتمعيا . ما يطرحه البعض واضح أنه يقوم على جملة شرطية بمعنى فقط دعوا المرأة تقود وانزعوا الولاية عليها وسنصبح عالما ورديا يكتب عنا الأمريكيون في افتتاحياتهم كلمات الرضى … لن يرضى عنك الأمريكيون حتى تحقق لهم كل مصالحهم ..”…حتى تتبع ملتهم” السؤال: هل نتوقع أن يتوقف الأمريكيون من الاحتفاء بأي سلوك مجتمعي سيئ لاحقا حتى حين يتم الانتهاء من كل تلك الجوانب؛ حينذاك ستجد أن أمامك قائمة أخرى تدعوك للتنازل.

الخطاب الذي يردد ليل نهار هذه الجوانب يشعرني بأن البعض كأنه كان على كوكب آخر فهبط ووجدها جزءا من نسيجنا الاجتماعي والثقافي. شخصيا أشم رائحة أن مشكلة هؤلاء ليست مع تأثير هذه الجوانب على صورتنا فقط وإنما هناك من يراها قضية مفصلية بوصفه يقف ضد نسيج اجتماعي كبير يمثل غالبية المجتمع، وأخال هؤلاء يحاولون عبثا استئصال هذا المجتمع والوصاية عليه. و هذا المسلك يقلقني لأنه يريد أن يصحح خطأ بخطأ ويريد أن يقف من مكون رئيس مهم جدا موقفا ينشئ احتقانا ورغبة في استئصال مضاد؛ وهنا يكون المجتمع الذي يفترض أن نتصور مستقبله ونسهم في صناعته يكون بيئة احتراب لا أظننا نتحمل نتائجه حتى وإن كان ما نتحدث هي جوانب مشروعة، لذا تظل القضايا المجتمعية الخلافية قضايا حوار اجتماعي متعقل يمتص بهدوء كل جوانب الاحتقان ويعيد إنتاجها ليتقبلها الكثيرون ولا يلزم الكل .. وإلا فنحن نقود المجتمع لخطاب لا يعبأ بالغالبية ولا بالنخب الثقافية والاجتماعية التي تقود زمام المحافظة وترى أن التنازل عن بعض تلك المظاهر هو البوابة لشر مستطير .

وقال د. عبدالله بن ناصر الحمود: لا ندعي أبدا.. أنه لو قادت المرأة وأعطيت حقوقها .. وحفظ المال العام .. ومنحت حريات المشاركة الشاملة..  أن أمريكا ستحبنا.. أو تتحالف معنا.. لا أتذكر أبدا.. أن مفكرا واعيا قال بهذا البتة؛ سيبقى الصراع .. ما بقي البشر، وستجري سنة التدافع، وستمضي سنة تداول الأيام.

لكن ما نقوله .. ونعتقده، إنه من العيب أن تكون قضايانا معلقة بهذه الصغائر، ومن المحرج جدا لنا أننا نمنع المرأة من قيادة السيارة ونجور عليها في بعض شؤونها ونجعل الخلطة  بيننا (بضم الخاء) محرمة ..ونغلق محلاتنا في (كل) أوقات الصلوات.. ونقسم أماكننا العامة إلى عوائل وعزاب.. وتفسد مشروعاتنا التنموية أمامنا ولا نعرف لماذا وكيف؟ وتحتكر أهم مفاصل الحياة في النقل والمعيشة، وأقلها أن يأتي القادمون إلى منافذنا ليقابله العامة والدهماء بعبارة (تكسي يلخو؟) .. أي عجز حضاري  هذا؟

هذه أمور حري بنا وبوطننا الكبير تجاوزها ليكون صراعنا مع الآخر (على شيء ذو قيمة)؛ سنختلف مع الفرس والروم حتى قيام الساعة.. لكن علينا أن يكون اختلافنا اختلاف كبار.. اختلاف أنداد.. اختلاف تدافع..هنا.. بشعر المرء بالعزة حتى في تدافعه.. وهنا.. فقط.. نكاد نضمن أن العزة لنا.. (المؤمنين) دون العالمين، ذلك عندما يكون هوانا تبعا لما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وليس تبعا لما قاله أو فعله نفر من الناس الذين رسخوا في وعينا كل عيوبنا سالفة الذكر حتى ليخيل لبعضنا أنها من الدين.. والدين منها براء .

وعلق د. مساعد المحيا على ذلك بأن الأهم أن لا يستهلكنا هذا الواقع أو يحبطنا فنتخيل أن العمل لا يبدأ الا بتحقيقه؛ نظريا يمكن أن تقضي على بعض تلك السلبيات ، لكن من الناحية العملية سيتعذر ذلك إلا بتحقيق دورة زمانية قد تطول إذ بعضها متجذر في المجتمع؛ لذا من المهم العمل على استثمار عدد من أساليب الوصول للجمهور والنخب الإعلامية والسياسية في كل دول العالم المؤثر، على الأقل لو نبدأ بمثل الجهود التي قامت بها المملكة حين احتل صدام الكويت ووجد بعض التعاطف من عدد من الدول والأطياف العربية والإسلامية ،. كانت هناك وفود إعلامية كبيرة ذهبت في اتجاهات جغرافية كثيرة لشرح الموقف ومحاورة تلك النخب .. طبعا الحديث هنا عن نمط الآلية مع تطوير يضمن لها بعض التأثير، المهم أن نعمل لاستصلاح العطب والعطل لتعود ماكينة الصورة الذهنية للمملكة جميلة بلا خدوش كبيرة تفسدها ، بل وأهم من كل ذلك أن ندرك أننا أمة الإسلام نحمل للبشرية كلها هدى هذا الدين العظيم وتعاليمه وقيمه السمحة ، فهو أعظم رسالة نحملها ونفتخر بها وأن نشعر بأن كل المظاهر السلبية التي انتجها المتشددون لا يمكن أن تهز ثقتنا بديننا وبقيمه وبقدرتنا على إيصاله للناس إذ خير ما نحمله للبشرية كلها هو هذا الدين؛ فنحن حين نتراجع فإننا نتيح الفرصة كاملة للتنظيمات المتشددة أو المذاهب البعيدة عن منهج الإسلام الصحيح.

وفي ذات الإطار قال أ. مسفر الموسى: تخيلوا نصل لهذه النتيجة، لتحسين صورة السعودية.. اسمحوا بقيادة المرأة، لست ضد هذا الحق.. ولكن السعوديين جعلوه أم القضايا.. إذا لم نستطع مشاركة العالم في صناعة المحتوى الاتصالي .. وإلا سنظل في خانة التبرير الدائم.. وسيبقى النموذج كالتالي:

  • (هم) يطرحون القضايا
  • يؤطرونها ويوجهونها
  • يضعونها على قائمة الأولويات
  • (نحن) نستهلكها
  • نخسر دائما.. لأننا نلعب جميعا في خانة الدفاع

نستطيع أن نعكس النموذج الاتصالي السابق.. في حال استثمرنا في صناعة تدفق المعلومات بمشاركة القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني المدعومة. على سبيل المثال لا الحصر.. الدفع بمشروع د. سامية العامودي – “مشروع تمكين المرأة صحياً والحقوق الصحية” – ليصبح مشرعا عالميا لتمكين المرأة… هذا نموذج وحيد ومعه الاف النماذج.

دعم السينمائيين السعوديين المستقلين.. وستنفذ أفلامهم لمخاطبة الشعوب بصوت السعودية الحديثة

تركيز الاهتمام على منتج صناعي أو تقني فريد… تكون علامته التجارية عالمية.. مثل هونداي وسامسونج وابل.

الخلاصة.. الصورة الذهنية عمل دبلوماسي موجه لا يقوم كله على الحقيقة المطلقة.. وإلا، فإن في كل حضارة ما يعيبها وما يمكن النفاذ إليه وتشويهه.

لم يعد تشويه الصورة لدى الآخر مرتبط بما يسمى تمثيل الآخر (Representing otherness) وإنما تتعلق بتمثيل أنفسنا أمام الآخر من خلال المساهمة الاختيارية في مشاريع متعلقة بهذا النوع..

قال لي أحد أساتذة اللسانيات الذين أثق بروايتهم.. أنه حضر مؤتمرا في جامعة (Macquari) بأستراليا عن المناهج.. يقول أن باحثا سعوديا قدم بحثا عن تغذية المناهج السعودية للإرهاب.. ويقول أن من أساليب إثبات ذلك من خلال عرضه للبحث أمام الحضور هو أن السعودية تقوم بإزالة وإلغاء وتعديل بعض النصوص سواء في المنهج أو في السياسة التعليمية وهذا دليل قاطع على أن السعوديين يعترفون أن مناهجهم تغذي الكراهية والإرهاب…

من القصة أعلاه… يتضح انخراطنا في إنتاج بناء الصورة الذهنية السلبية السعودية للآخر… ولو أن الباحث قدم النتائج نفسها ولكن بتفسير مختلف لما اختل البحث ولما ساهم في هذا التشويه… كأن يستبدل التفسير بإثبات الاعتراف إلى تفسير بإثبات التحول والتغيير والرغبة الجادة لدى السعوديين في محاربة الإرهاب..

والمقصود مما سبق.. أن بعض السعوديين لا يستطيعون التفريق بين الحقل المهني البحت سواء في الأكاديميات أو في الإعلام وبين العمل الدبلوماسي والسياسي والثقافي؛ وقد يعود ذلك إلى اعتقادهم (وقد تكون حقيقة) إلى أن أعمالهم ستحظى بقبول المشاركة والأولوية في الجوائز إذا مشت في هذا الإطار.

بعض البرامج في BBC مثلا التي تهتم بالمناقشة الجادة للداخل البريطاني لا توزع خارجيا.. برنامج بانوراما مثلا لا يمكن مشاهدة أغلب حلقاته من خلال I Play إلا من خلال الاشتراك من داخل بريطانيا… في الوقت الذي تفدم BBC العالمية و DW صورا مشرقة عن ثقافاتهم الداخلية؛ هذا هو معنى القدرة على الفصل بين المهنية البحتة والعمل الدبلوماسي الذكي.

وبرأي  د. حميد المزروع فإننا نحتاج أولا الي تحرير الفكر واحترام الآخر قبل أن نبدأ بتحرير الاقتصاد والتوجه نحو التخصيص والعولمة. مشكلتنا بأننا نفكر ومنذ عقود بنفس الطريقة ، ولذلك نصل إلى نفس النتائج ، نحتاج أن نؤمن بأننا جزء من هذا العالم يؤثر بنا ونؤثر به ، الفكر الأصلح حتما سيبقي ، والممارسات السيئة سيرفضها المجتمع بحكم الاحتياج والتحول الي حياة أفضل .

وذكر م. أسامة كردي مقولة أمريكية تدفع للعمل بدل الحديث Putting our money where our mouth is.

وفي ضوء ذلك قال: نظراً لأهمية العمل المطلوب و نظراً لعدم اهتمام الرأي العالمي برأي الحكومة السعودية في هذه القضايا و اهتمامهم برأي المجتمع المدني و المثقفين و المفكرين في المملكة ، فأني اقترح أن نكون مجموعة تطوعية مهمتها القيام بأعمال الحملة الإعلامية التي تحدثنا عنها مكونة من ١٠ رجال و سيدات .. و ستكون أول أعمال هذه المجموعة إعداد الخطوط العريضة للحملة ثم البحث عن تمويل لها.

وتساءلت د. نوف الغامدي: كيف يمكننا الدفاع عن هويتنا السعودية من دون الدفاع عن الحق في الاختلاف مع السائد.. والكشف عن المفارقات والتناقضات الفظيعة – ذات النزوع المرضي- التي يتخبط فيها المجتمع السعودي؟

فبرأيها أن ما تسوقه وسائل الإعلام الغربية يخضع لاقتصاد سياسي يراد من ورائه ترويج صورة نمطية عن المجتمعات الشرقية، لكن في المقابل من واجبنا، نحن كعرب، أن نتحلى بالجرأة الكافية لإعادة النظر في واقعنا ومفارقاتنا…فما يقوله الآخر – قياسا على قول المرحوم الشافعي- خطأ يحتمل الصواب، وما نقوله صواب يحتمل الخطأ..؟!

  • تحسين (الصورة) أم تحسين (الأصل)”؟

أشار د. زياد الدريس إلى أنه مع الرأي بأن أفضل طريقة لتحسين (الصورة) هو ‎تحسين (الأصل)”. وهذا المطلب ليس بالأمر الهيّن ، وإذا كنّا نشتكي بأن الناس يحملون عنا أكثر من صورة نمطية متناقضة، فإن الشكوى الأكبر والأعمق هي في وجود أكثر من (أصل) فكري واجتماعي لنا نتصارع حولها احتراباً حزبياً في الداخل، وننقلها معنا إلى الخارج.

مشكلتنا ليست في التعددية والتنوع، فأمريكا أكثر تعددية وتنوعاً طيفياً وطائفياً منا لكن الفارق أنهم استطاعوا خلق (عقد اجتماعي) يحترم هذه التعددية ويحميها من أي إقصاء.

‎للأسف، أن الخطاب السلفي (بمفهومه المؤدلج) لا يمكن أن يتوافق أو يقبل بهكذا عقد اجتماعي “تعددي”، لأنه خطاب قائم على نظرية الحقيقة الواحدة!

هل سنستطيع تحسين الصورة، إذا كنّا غير قادرين على تحسين (الأصل)، هذا هو السؤال؟!

وترى أ.د. سامية العمودي أنه ومن أجل تحقيق ذلك هناك أوراق علينا حرقها حتى لا يلعبوا بها وعلى وترها مثل قيادة المرأة وحق الولاية على المرأة؛ ملفات ضرورية لتحسين الصورة وليس عيباً أننا نود أن نحسن الصورة بنشر قيمة حقوقية كالعدل.

ويرى د. ناصر القعود أن تصحيح الصورة الخارجية يتطلب أولا تصحيح الصورة الداخلية وأضاف إلى ما طرح لتصحيحها أهمية تحسين معاملتنا للعمال الأجانب في مختلف القطاعات والمستويات وللزوار خاصة الحجاج والمعتمرين ، فمتى حصل العامل على حقوقه وتم التعامل معه بعدل ولطف أصبح خير سفير لنقل الصورة الإيجابية عن المملكة والعكس صحيح . أن معاملتنا مع المقيم مازالت سلبية وتأثيرها سيئ على الصورة الخارجية.

ويرى د. خالد الرديعان أن الوافدون هم الورقة التي لم نستفد منها بدرجة كافية.. هناك فئة منهم تستطيع أن تقدم لنا الكثير في بلدانها ومع ذلك لم نستفد منهم، أيضا موظفي السفارات والملحقيات عندنا لم نستفد من وجودهم بين ظهرانينا وعزلناهم عنا بصورة منعتهم من رؤيتنا بشكل أفضل.

وأكدت أ. ليلى الشهراني أنه لن تتحسن الصورة خارجيا حتى تتحسن داخليا ، ولن تتحسن داخليا ونحن مثل العجوز النمامة التي تطوف كل بيوت الحي والأحياء المجاورة لتنقل الكلام وتؤلب الصدور على بعضها ، بعض من يقبع اليوم خلف القضبان كان بالأمس يؤلب على مخالفه ويطالب باعتقاله وإنزال أشد العقوبة به ! في محاولة تحسين صورتنا خارجيا خسرنا تآلفنا وتماسكنا داخليا .

وترى د. نوف الغامدي أنه لابد أن نتصالح مع أنفسنا أولاً؛ إن السعودي لا يرى صورته في المرآة جيداً وإن رآها فهي ضبابية ولا يستطيع تحسس ملامحه ووصفها للآخرين.

ومن وجهة نظر د. حميد المزروع فإن بناء الصورة الإيجابية للوطن يرتكز علي ما يلي:

  • أولا : وجود الأنظمة والتشريعات الحكومية وتطبيقها علي جميع مؤسسات الدولة.
  • ثانيا : ترسيخ السلوكيات والآداب العامة عند الأسرة والمجتمع ، وحراسة الأنظمة المرتبطة بها.

وفي تصور م. خالد العثمان فإن حالة الانغلاق التي نعيشها تترك للآخرين فرصة التوجس وتأليف القصص وتبني الصور السلبية .. نادينا كثيرا بفتح الحدود وتسهيل التأشيرات والتوسع في السياحة الخارجية .. انفتاح المجتمع على الخارج يكسر الحواجز ويزيد التواصل والحوار.

في حين يرى م. أسامة كردي أنه لا توجد أي علاقة بين صورتنا الخارجية و واقعنا .. ما نحتاجه هو حملة العلاقات العامة التي أشارت إليها الاندپندنت لتأكيد وضعنا الحقيقي و خططنا المستقبلية و هذه هي أهداف الحملات الإعلامية.

وأضاف: هل يعلم أحد في واشنطن الوضع الحقيقي للمواطن الإيراني و الوضع المشين للاقتصاد الإيراني و الوضع المشين لحقوق الإنسان هناك ؟ و لكن ٩٥٠ مليون دولار تفعل المستحيل !

كنت جزءاً بسيطاً من حملة إعلامية للمملكة أدت إلى موافقة الكونجرس على عقد طائرات إف ١٥ إلى المملكة و أدت إلى نجاح التدخل الأمريكي لتحرير الكويت بدون اعتراض الكونجرس. المطلوب في هذه الحملات الإعلامية الحديث عن المملكة بتعظيم إنجازاتها و الحديث عن توقعاتنا المستقبلية الباهرة لكل القضايا التي طُرحت في هذا النقاش كما لو كانت تحققت فعلاً.

اما أن الصحافة العالمية تتمتع بمساحة واسعة من الاستقلالية فقول لا يتناسب مع الواقع العملي و اُسلوب أصحاب هذه الوسائل في توجيه رؤساء التحرير و المسؤولين في هذه الوسائل لما يريدونه. و كم من صحفي أو حتى رئيس تحرير طرد من عمله لمخالفته أوامر المالك.

بينما ذهب د. عبدالله بن ناصر الحمود إلى أنه عندما نريد تغيير الصورة .. علينا أولا الإقرار بأننا من يصنعها.. وأن لا نبتهل بأن لا يذكيها الآخرون الأشرار.

إن صورة إيران في الغرب ليست جيدة؛ فالصورة شيء، والتحالف شيء آخر؛ ثمة تحالف رأسمالي اشتراكي والصور بينهما سلبية للغاية.

وأوضح أن ما طرحه م. أسامة رؤية جميلة لكنها لا يمكنها الإقلال من فداحة أخطائنا في الداخل؛ مثلا قد تقول لهم أن قيادة المرأة للسيارة موضوع نقاش ثري في المجتمع… لكن ذلك في ظني يثير أيضا شيئا من التحفظ على واقع مجتمع يناقش أهلية المرأة لقيادة السيارة في القرن الحادي والعشرين، أمور أخرى ستكون مثلها ومنها:

  • تحريم الاختلاط وبناء مفاصل المجتمع على أساس منه.
  • المشاركة الشعبية بكل صورها.
  • شكل ولون حجاب المرأة.
  • عدد كبير من الشؤون القضائية للمرأة .
  • قضايا المال العام.

ونحوها.. قد نقول وندافع… لكن لن نضمن قناعة من يسمعنا أبدا وإن هز رأسه.

وعلق م. أسامة كردي بقوله: لابد أن ننهي حالة الانغلاق التي نعيشها و بالذات في القطاع الإعلامي و نفتح أبوابنا للصحفيين و مكاتب الوسائل الإعلامية حيث انتهت أي فائدة لهذا الأسلوب مع تطور التقنية و وسائل التواصل الاجتماعي.

أما ما يمكن أن نقوم به فهو عمل منظم تبتعد عنه و تموله الحكومة و يشمل مجموعة متكاملة من النشاطات منها المعارض و الوفود القادمة و المغادرة و المحاضرات و الندوات و الأفلام ، و أهمية هذا العمل أن النقد الموجه لنا قد يتطور إلى معاداة حقيقية.

وأكدت أ. علياء البازعي على أننا نحتاج بالفعل لحملة إعلامية قوية خارجيا وداخليا ، وأهمية أن تكون داخلية أيضا تنبع من ضرورة العمل على تغيير الصورة لدى المواطنين أنفسهم…و كذلك الموظفين في الأماكن الحيوية. فكما في الدراسة الأمريكية عن الإيرانيين في أمريكا.. يعطون صورة جيدة لبلدهم بأسلوب مدروس و ممنهج…هكذا يجب أن نكون…يجب أن يستشعر المواطن السعودي أهمية دوره في تحسين صورة بلده..

أيضا فإن الإعلام الخارجي مقترن بالديبلوماسية؛ فقد تكون الخارجية هي الأنسب لتبني رسم السياسات و وضع الخطط للإعلام الخارجي و التنفيذ على عدة جهات.

وأوضح  م. خالد العثمان أن كل ما ذكره م. أسامة صحيح ومحل اعتبار وتقصيرنا الرسمي في هذا الجانب واضح .. لكن من الضروري أيضا أن نعالج مشاكلنا الذاتية حتى نخلق حالة من الانسجام والتآلف داخل المجتمع لضمان توحيد الصف في مواجهة هذه الهجمة الإعلامية الغربية .. أحد أهم مفاضل الضعف الذي نعيشه هو حالة الفرقة والاختلاف بين شرائح المجتمع وشعور البعض بسطوة البعض الآخر في ظل غياب الممارسة الديموقراطية الحقيقية والفاعلة. كذلك من الضروري وضع بروتوكول يسيطر على الانفلات الحاصل في وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن جديد أبدى د. عبدالله بن ناصر الحمود اتفاقه مه ما ذهب إليه م. أسامة فيمكن بالحملات أن نفعل الكثير..  لكن مشكلة الحملات عندما تفتقر للواقع القوي المتين .. تصبح مثل العروس الدميمة.. تتزين بالمساحيق فتعبر ليلتها في زهو وبريق… وسرعان ما تنقشع المساحيق في الصباح.. ويحصل الطلاق في حالات كثيرة.. أو الانفصال العاطفي.

وأضاف: كل ما أخشاه.. أننا نعيش حاليا مرحلة الصباح؛ بعض الأمور يمكن ترقيعها.. وأمور أخرى في زمن التواصل هذا.. عصية على الترقيع..

متيقن أنا.. أنكم لو أعدتم الآن جولة جديدة من الحملات… ستواجهون بما لن يواجهكم سابقا من سيل المعرفة بنا وعنا… ثم لا تجدون سبيلا مثل الذي كنتم تجدون حينذاك.

أما  د. عائشة حجازي فترى أن السفراء والمبتعثين والسياح جميعهم مسؤولين عن صورة المملكة في الخارج، كذلك فإن تحسين الصورة الداخلية أيضا أمر بالغ الأهمية لتغيير الصورة الذهنية التي أصبحت ثابتة للأسف عند الكثير من الممارسات والتعليقات الغير مدروسة من المسؤولين وبعض النخب السياسية والثقافية والفكرية التي أصبحت تعج بها مواقع التواصل ضخمت كثيرا من النظرة السلبية عن المملكة.

إن رؤية المملكة التي تعمل حاليا لتعديل وتغيير كثير من الجوانب لابد أن تكون لها خطة مدروسة تستخدم فيها الطاقات البشرية والإعلام وكل ما من شأنه إبراز الوضع الحقيقي والصحيح للشعب والقوانين.

لا يخفى على الجميع أن بعض ما يتداول عنا صحيح يجب أن نقوم بتحسينه وتعديله؛ الجهد لابد أن يكون مكثف في تعديل الفكر الذي يحمله الكثير من الذين هم مسؤولون عن النشء والشباب واستغلال طاقاتهم في وجهتها الصحيحة .

البلد لديه صور مشرقة وساطعة من الواجب إبرازها والعمل على تكثيف نشرها. أفكار البعض ومعتقداتهم التي لازلت تنخر في عقول الشباب وتؤثر فيها سلبا تعزز النظرة التي نراها عند الكثير نحن من نصنع المشهد ونحن من نقوم بترويجه. يوجد بيننا مصابين بمرض تشويه الصورة وتكبيرها ومعظم صورنا المغلوطة تقع بين مقصود لم يفهم ومفهوم لم يقصد والبعض لا يكلف نفسه لزيادة إدراك وفهم فيحول  كل ما حولنا لأداه مشوهة تستخدم ضدنا دوما.

وأكد د. حاتم المرزوقي على أننا نتاج ثقافتنا.. الإعلام مرآة، قد تضيف أو تختزل.. ولكنها تعكس واقعاً.

ومن جانبه قال أ. سمير خميس: لفترة طويلة كنا نتشدد، والعالم من حولنا يحشد ضد تشددنا. لتحسين الصورة لا بد من تجميل الواقع أولاً، فالأجهزة الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي لم تعد تستر شيئاً ولم نعد باستطاعتنا أن نستر عوراتنا؛ فالعالم على استعداد أن يتناسى كم الضحايا الهائل في سوريا مثلاً، وفي ذات الوقت يقيم المشانق لامرأة لا تستطيع قيادة سيارة لدينا.

في هذا الوقت الذي يزمجر فيه التهديد الخارجي ويعربد، فيما الوضع الداخلي يثبت المرة تلو المرة ثباته في المحافظة على الوحدة الوطنية لعله من المناسب أن يتخذ صاحب القرار عدة قرارات من شأنها أن تساعد في تحسين الصورة التي لبثنا عمراً ونحن نشوهها بأيدينا لا بيد عمرو.

وفي سياق محاولة تحسين صورة المملكة، أكدت أ.د فوزية البكر على ما يلي :

  • ضرورة الانفتاح على العالم عن طريق فتح أبوابنا لمن يريد التعرف علينا .
  • الاستفادة من الموجودين من الأجانب حين نقبل الانفتاح عليهم فهم يأتون ويغادرون دون أن يعرفوننا أو نعرفهم وكل عيونهم علي ما يحصلونه من مال في بلد مغلق ومتزمت وخال من البهجة كما يَرَوْن.
  • يجب أن نعترف بأن المشكلة لدينا أولا ثم في كيف يرانا الآخرون وليس العكس.

وذكر أ. سمير خميس بعض المقترحات التي يعتقد أنه بناء عليها سيتحسن واقعنا وبالتالي ستتحسن صورتنا ومنها:

  • استثمار النزعة الأممية في الشباب السعودي وتوظيفها في بناء وطنه.
  • يتم ابتزازنا دائماً بأسامة بن لادن.. نسرد قصصنا عن هذا الرجل ودعم أمريكا له إبان العدوان السوفييتي على أفغانستان عن طريق الإعلام، السينما، جماعات الضغط وهكذا.. فلسنا وحدنا المسؤولين عنه.
  • بناء جسور تواصل حقيقية وفاعلة مع السيدة أمريكا ومع مراكز القوى في العالم.
  • تنقية المناهج من النفس الجهادي وتحويله في الاتجاه الوطني.. فجهاد الإسلام غير جهاد الأوطان.
  • متابعة الخطابات المتطرفة من الجانبين، فالفتاوى الشاذة التي بها نحاصر الدمى الكرتونية، والدعاوى المريبة التي تناقض الإسلام من حيث المبدأ والجوهر يتم محاصرتها والتوعية بها ومكافحتها.
  • الالتفات لوضع المرأة بكل صدق، فهي تحتاج ما تحتاجه ليس لأجل صورتنا.. لكنها تحتاج لأنها فرد فاعل في المجتمع يحق لها ما يحق لأشقائها الرجال ويجب عليها ما يجب عليهم.
  • توسيع دائرة الأمر بالمعروف والنهي وإلحاقها بوزارة الداخلية ويصطبغ عملها بالصبغة الأمنية.
  • حل القضايا العالقة في الإسكان والصحة وغير ذلك من حقوق تمس المواطن في معيشته.
  • تفعيل من أين لك هذا؟ فبتفعيل مثل هذا القانون ستنعدم حالات البذخ والاستعراض التي وصلت شوارع لندن والشانزليزيه.
  • تقنين الأحكام القضائية.. ولا بأس بالمدونات حتى يتم التصالح مع مفردة “قانون”.
  • الحرص على تصدير الصورة العالمية للمسلم العالمي. فالمسلم ما هو إلا رسول خير للعالمين.
  • الخروج بالتعليم من ضيق الاختلافات المذهبية إلى فضاءات الإسلام الرحبة.
  • الإفادة من مختلف النظم الدولية وتوظيفها بما يتسق وتعاليم الإسلام من خلال مناهج تعليمية تساهم في صنع فرد قادر على إعالة نفسه أولاً ومن ثم مجتمعه ووطنه تالياً.
  • توسيع دائرة الترفيه المجتمعي، بصالات السينما والمسارح والمتاحف ومساءلة من يجرم ذلك.
  • أن تكون الدولة موجهة لكل هذا، وأن تتيح الفرصة للمواطن للمشاركة وصنع القرار.

وذهب أ. سلمان العمري إلى أننا نحن بحاجة إلى تصحيح الصورة الذهنية المغلوطة عن المملكة العربية السعودية لدى الشعوب، ووسائل الإعلام ، ونحن قد قصرنا في هذا الجانب من خلال تقصير الأجهزة المعنية بذلك. فنحن نعمل في العمل الخارجي كل بمفرده وليس كمنظومة واحدة، فوزارة الخارجية تعمل بمفردها، ووزارة الثقافة والإعلام تعمل بمفردها وكذلك الأجهزة الأخرى.

للأسف أن هناك وكالة معنية بالإعلام الخارجي في وزارة الثقافة والإعلام ودورها يقتصر مع الأسف على استقبال بعض الوفود الإعلامية وإسكانهم وتنقلاتهم وضيافتهم، وكذلك سفراء خادم الحرمين الشريفين في الخارج ليسوا سواءً في فهم بعض القضايا المطروحة لدينا وهي قضايا دائماً تردّد منذ أكثر من أربعة أو خمس عقود كان من المفترض أن يعمل فريق إعلامي وسياسي واجتماعي أيضا على إعداد الردود المناسبة لها لأن بعضها حقائق تحتاج إلى توضيح تستمد أمورها من الشريعة الإسلامية، وهناك أنظمة في البلد سيادته وحرّيّته في اتخاذ ما يراه، وهناك قصور لدينا يجب معالجته.

نحن لا ندّعي الكمال ولا ندّعي العصمة، ولكن نحتاج إلى فريق عمل يعد أجوبة تؤهل السفراء من خلال دورات أو معلومات يمدّون بها. بالإضافة إلى وجوب توافر مراكز معلومات وإعلام خارجي قوي يكون له مجلس وممثلين من وزارة الخارجية، والإعلام وغيرهم. ويجتمع بين حين وآخر ينظر في القضايا الدائمة أو في القضايا والنوازل المستجدة.

وقالت أ. مها عقيل: علينا أن نحدد ماهي المفاهيم النمطية الخاطئة وماهي الصحيحة. بعضها صحيح ولكننا لا نريد أن نعترف ولا نستطيع أن نصحح المفاهيم إن لم نصحح الواقع.

اتفق أننا يجب أن نحسن الأصل كي “نحسن” أو “نصحح” الصورة ولكن لا يجب أن ننتظر حتى يتم ذلك لنبدأ وإنما نبدأ بالأصل والصورة معا. وأرى أننا يجب أن نحدد أيضا من نريد أن نصحح صورتنا عنده: المسؤولين والحكومة، في الإعلام، أم في نظر الشعب؟ لأن كل جهة من هذه تتطلب استراتيجية وأدوات مختلفة. مع الحكومة الجهات الرسمية هي المنوطة بذلك ووزير الخارجية الجبير وفريقه يقومون بجهد ممتاز. في الإعلام نحتاج إلى إعلام موازي قادر أن يخاطبه ويتفاعل معه بنفس المستوى والأسلوب. مع الشعب نحتاج people to people مثل الزيارات المتبادلة بين الجامعات والمجتمع المدني والطلاب من جميع المراحل ورجال وسيدات الأعمال الخ.

واتفق مع الآراء التي حددت القضايا التي تسهم في رسم صورة معينة عن المملكة وشعبها وهي الإرهاب والمرأة وخاصة قيادة المرأة والفصل بين الرجال والنساء والتشدد الديني وقمع الحريات وباقي القائمة. وفي كل من هذه القضايا نضع استراتيجية وخطوات للتصحيح داخليا والرد والتوضيح خارجيا بالاعتماد على شخصيات تستطيع أن تتحدث بطلاقة ومنطقية وبصراحة عن المشكلة وسبل الحل مع وسائل الإعلام الغربية وفي الاجتماعات والمؤتمرات. نحتاج إلى أقلام نسائية قوية تكتب بالإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات في صحفهم ومجلاتهم. هم يريدون أن يسمعوا منا. نحتاج أيضا رجال دين متنورين يستطيعون أن يعبروا عن آرائهم التي تختلف مع السائد المتشدد في وسائل الإعلام الغربية. باختصار نحتاج أن نظهر الوجه الآخر المتسامح المنفتح العصري (بدون المساس بمبادئ ديننا) ليكون هو الأبرز في الإعلام.

وبدوره قال د. علي الحارثي: استميح البردوني في بيت الشعر:

ماذا أحٍدث عن صنعاء يا أبتي

مليحةٌ عاشقاها السل والجرب .

ليس لدي المزيد إلا العودة لبيت الشعر . المشكلة هي في السل الداخلي المؤدي إلى الوفاه إذا لم يعالج ضيق التنفس والسعال المبحوح منذ عقود ، استغل الخارج كل هذا الوهن والضعف والخضوع والخنوع والتبعية وأيضا الثقة المفرطة في الآخر وشراء الذمم الرديئة المبتزة في كل حين على الصعيد السياسي والإعلامي فأضاف إلى السل الجرب ليقول هذا البلد المريض مرضاً معديأ على العالم اجمع القضاء عليه حتى لا ينتشر مرضه ويستفحل أمره فلا نقوى على معالجته ، وهذه هي الصورة المشوهة التي يمارسها علينا ، جزء منها مستقى من مرضنا الداخلي والجزء الأكبر ما خططه ولازال يخططه بأدواته القاتلة والمتعددة عسكرياً واقتصادياً وإعلامياً وفكرياً . كيف المخرج ؟؟ معالجة السل الداخلي الذى ضاقت به الأنفاس ، وأهم الأدوية الدواء الحقوقي الساسي والمدني ودواء الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وأن لا نتغنًى بما في الإسلام من مبادئ إنسانية وحقوق وحريات وعدالة ومساواه ونحن لا نطبقها . ولأن الإعلام اليوم أصبح السلاح الأكثر تأثيراً وغلبة فلابد من استخدامه الاستخدام الأمثل للمعالجة والمواجهة وإلا الصمت خير . أما تصحيح الصورة خارجياً فلنأخذ في الحسبان أنه ذو أمد طويل ويحتاج إلى فريق متمكن في كل الاتجاهات ومدعوم مادياً ومعنوياً مستفيداً من كل التجارب الناجحة ليصنع مسيرة التصحيح والمواجهة.

وفي مداخلته حول القضية، قال د. عبد الله بن صالح الحمود: إن للخبرات المتعددة لدى صاحب القضية، والتي تسمى عند البعض بالمراحل، أوضحت لنا أن العلاج لداء مضى عليه عقود من الزمن يتطلب العديد من الفحوصات والتحاليل ، لمعرفة طبيعة الداء ، وماهي أفضل السبل للتخفيف من هذا الداء ، ولاشك أن الجميع يطمح إلى علاج شامل ، ولكن كما يقال ، مالا يدرك كله لا يترك جله.

وبطبيعة الحال لا يمكن لأي مجتمع أن يتمكن من الوصول إلى حلول فورية أو متكاملة لقضاياه ، خصوصا إن مضى زمن طويل وهو غارق في أخطاء أو سلبيات ولم يسع إلى علاجها تدريجيا وتزامنا مع نشؤ أي حدث يحدث في مجتمعه، في الوقت الذي الجميع أو الغالبية يجمعون على وجود سلبيات تحتاج إلى علاج.

تلك مقدمة أحببت الإشارة إليها قبل أن أكتب رأي عن هذه القضية ، ولأنني بطبعي أميل إلى سرعة المباشرة في تقديم الحلول ، فلعلي هنا ابدأ بطرح ما أراه محققا لتحسين ما اسميناه هنا بتحسين الصورة السعودية .

الجزء الثاني من عنوان القضية أشار إلى ( المعالجة أولا ثم اتبعها بالمواجهة ) ، وفي ظني أن الأولى أن نبدأ بالمواجهة ، أي بتقديم ما يمكن تقديمه من بيانات أو تصريحات إعلامية متخصصة، سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ، ومن ثم وبعد أن نتأكد أن مواجهتنا لما قيل عنا وصلت لمن كان يتساءل عنا أو ينتقدنا ، ومن خلال أفضل ما يمكن لنا أن تظهر له صورتنا داخليا ، بعد ذلك نسعى إلى ما يتطلب منا علاجه ، لأن بلادنا ولله الحمد تنعم بالعديد من المقومات التي يمكن لنا أن نواجه الآخرين بها ، ومن ثم نبحث عن أوجه القصور لدينا لمعالجة ما يمكن علاجه من أخطاء أو قصور في الحقوق عامة .

في أحد المداخلات قرأت أن قيادة المرأة للسيارة هي أحد المشكلات لدينا ، وأن مجتمعات عديدة تنتقدنا بحجة عدم السماح للمرأة بذلك. والسؤال هل السماح لقيادة المرأة للسيارة هو ما سوف يسهم في تحسين صورتنا أمام تلك المجتمعات ؟ . أعتقد إن قبلنا بهذا النقد دون تروي ودون وضع أولويات لمشكلاتنا واحتياجاتنا الأساسية ، فنحن أسهمنا في إضعاف حقوقنا الأساسية وأمام أولويات قد تأتي مسألة قيادة المرأة للسيارة بعدها بمراحل.

تحدث البعض عن أوضاع ومسؤوليات سفاراتنا بالخارج، وهنا لي عدة وقفات بهذا الخصوص ، السفارات السعودية في الخارج ينقصها العديد ثم العديد من المعالجة ، واختصر ذلك فيما يلي :

  • غالبية مقار السفارات السعودية هي مباني مستأجرة، ولا تتناسب ومستوى التمثيل الخارجي للمملكة العربية السعودية، كما أن التصميم المعماري لأي مبنى خصوصا الداخلي لا يوحي إليك أنك في سفارة سعودية ، بل وكأنك في مقر سكني في الدولة المضيفة .
  • الأمر الأهم وهو أن غالبية العاملين ليسوا ذو تخصص في الأعمال المنوطة بهم ، فمثلا تجد المسؤول عن الرعايا السعوديين ليس متخصص أو متدرب في الجانب الأمني أو الحقوقي وهذه أحد الشروط الواجب توافرها في شخص مكلف بالدفاع عن المواطنين في الخارج ، والبعض منهم لا يتجاوز مؤهلة العلمي عن الثانوية العامة.

كما يلاحظ على بعض العاملين عدم حصولهم على دورات تأهيلية في العمل الدبلوماسي ، وهذا ملاحظ حينما تلتقي بأحد أعضاء البعثة في أغلب السفارات وتتوقع منه الدبلوماسية في الطرح بينما تلحظ تدني في الخبرة الدبلوماسية .

ومثل هذه الأمور لا يمكن أن تسهم في تحسين الصورة خارجيا إذا لم تتوافر الخبرة والكفاءة المطلوبتين ، بل وكيف يتم ذلك مع عدم توافر ملحق إعلامي أو حتى شخصية متمكنة في الجانب الإعلامي على الأقل.

  • وعن تحسين الصورة والمواجهة ، أليس للسينما السعودية إن وجدت دور كبير في نقل ثقافة أي مجتمع لمجتمعات خارجية .

أيضا كيف لنا أن نحسن من صورتنا أو نواجه الآخرين بما يفترض الإتيان به ، دون أن ننقل مشكلاتنا الداخلية لصاحب القرار من خلال مسرح وطني يرتفع فيه سقف الحرية .

  • ‘ تطرق د. ناصر القعود ، إلى مسألة في غاية الأهمية وهي ما مدى الاستفادة من العمالة الوافدة ، العمالة الوافدة تعد منابر إعلامية تنقل لمجتمعاتها ما تجنيه من بذور نحن نبذرها ، وهنا نتساءل ماهي الجهة التي يمكن أن تزرع في هؤلاء حب السعودية، والتعريف بالثقافة السعودية، فضلا عن الأساليب والطرق التي يمكن أن تتولد في أذهان هؤلاء لنقلها إلى بلادهم بصورة نتمنى ونريد لها أن تكون في أحسن حال.
  • ولبناء جيل يكون ممثلا لنا في الداخل والخارج ، هل أعطي جيل الشباب الفرصة للمشاركة في مجالس الحوارات الوطنية ، ومنها جلسات الحوار الوطني ، أم أن ذلك محصور على فئة كبار السن ومن تجاوز الخمسين، ويأتي بعد ذلك ونقول أين الشباب وأين دورهم .
  • تحدث د. إبراهيم البعيز عن مسألة مهمة ، وهي عدم توافر جالية سعودية أو حتى مجموعة من أبناء وبنات الوطن يعيشون في الخارج وخصوصا في أمريكا وبريطانيا وفرنسا ، حتى يمكن لنا دعمهم بكافة السبل التي تمكنهم من الدفاع عن بلادهم ، ونقل الصور الحقيقية عن بلادنا .
  • لاشك أن الأندية الطلابية السعودية في الخارج تؤدي دور لابأس به ، إنما طبيعة الأندية هناك هي وقتية الأداء، فالطلاب قد أتو للدراسة فحسب وحال ما تنتهي هذه المهمة يعودون سريعا للبلاد ويحدث فراغا يحتاج إلى من يملئه .

ولعلي هنا اختم بشيء مما قاله د. عبدالله بن ناصر الحمود ، هذا الإعلامي المتخصص في تحفيز الآخر، وأحيانا في استنطاق الآخر بكلمات ذات بعد إعلامي متعدد الاتجاهات ، فقد قال هذا الإعلامي ( ربما نكون اليوم .. أحوج من أي زمن مضى .. لتكوين فريق ضليع في كل شيء .. ليدير أزمتنا المنظورة مع العالم . ولينظر كيف السبيل إلى ردم مكوني صورتنا في الخارج).. انتهى .

وإن كنت اختلف أحيانا مع هذا الإعلامي القدير، إلا أنني اتفق تماما مع مقولته هذه، والمتمثلة بالفعل في أن الوقت يتطلب تكوين فريقا ضليع في كل شيء ، نعم في كل شيء ، وعن كل شيء .

وقالت د. الجازي الشبيكي تعليقاً على ما ذكره د. فهد الحارثي حول أهمية مواجهة قضايانا وفتح الملفات التي أثقلتنا واتسمت معالجاتها بالبطء الشديد والتدخلات الخجولة المتقطعة المترددة والخائفة أحياناً ، والتي اتفق مع طرح د. فهد لها ، أرى أن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية هو الجهة التنفيذية العليا المفترض تصديها لمعالجة تلك القضايا والملفات بشكل تخطيطي جذري متكامل وتوزيع مهام التنفيذ على الوزارات والهيئات المعنية كلٌ فيما يخصه مع أهمية دفع المجلس بقوة لهيئة كبار العلماء والجهات الفقهية العليا لاستصدار الأحكام الدينية الوسطية فيما يخص المرأة وكذلك فيما يخص المشاركة السياسية في التشريع وغيرها من القضايا؛ لأنه اتضح أن القرار السياسي هو المبضع الوحيد القادر على تفجير الدمامل العائقة لإصلاح تلك القضايا والملفات .

والذي أريد أن أركز عليه هنا هو أن هاتين الجهتين الهامتين اللتين يجب أن يتدخلا بتنسيق قوي لمعالجة قضايانا الداخلية الملحة وهما مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية  والسلطات الدينية العليا لأنهما القادرتان على التأثير في المجتمع السعودي من حيث سهولة القبول بتلك التغييرات إذا كانت صادرة منهما وبمباركتهما .

على سبيل المثال لو تم أخذ موضوع قيادة المرأة للسيارة وتم تكليف الوزارات المعنية من قِبل المجلس الاقتصادي والتنمية بدراسة هذا الموضوع من كافة جوانبه ومدى تأثيراته الاقتصادية والاجتماعية على المجتمع بعيداً عن الرأي الديني ثم تم أخذ نتائج كل تلك الدراسات وبشكل علمي وإحصائي وتدارسه مع هيئة كبار العلماء بأسلوب إقناعي  وبأمر من الملك ، لأمكن  بنظري التوصل إلى نتائج جيدة لصالح السماح للمرأة بالقيادة .

الأمر الآخر الذي تبرز أهميته في تحسين صورة السعودية في الخارج هو الدور المطلوب لزوجات السفراء السعوديين هناك  ، حيث لا يوجد لأغلبهن مشاركات اجتماعية جديرة بالإشادة من حيث التعريف ببلادنا ومشاركة الدولة المستضيفة في مناسباتها الوطنية والاجتماعية والخيرية . واستثمار ذلك في إيصال الرسائل المُراد إيصالها بشكل غير مباشر عن تطور بلادنا بشكل عام والمرأة فيها على وجه الخصوص.

  • صورة السعودية في الخارج في ضوء رؤية المملكة 2030 وبرنامجها الوطني 2020:

في هذا الصدد أشار د. خالد بن دهيش إلى أن وزارة الثقافة و الإعلام هي إحدى الجهات الحكومية المشاركة في برنامج التحول الوطني في مرحلته الأولى بأربعة أهداف استراتيجية ، الهدف الثالث منها هو (( تعزيز صورة المملكة داخلياً و خارجياً)). من خلال رفع نسبة التحسن في الصورة الذهنية عن المملكة من 38% إلى 58 %.

الصورة الذهنية IMAG عرفها هولسي ب ( مجموعة من المعارف والأفكار والمعتقدات التي يكونها الفرد عن الماضي والحاضر والمستقبل ويحتفظ بها وفق نظام معين عن ذاته والعالم الذي يعيش فيه….

إذا هناك هدف استراتيجي في تحسين صورة المملكة في رؤيتنا لمستقبلنا القريب لمجتمع حيوي في اقتصاد مزدهر لوطن طموح. لذا علينا التفاؤل بنجاح خططنا المستقبلية والعمل على التعاون والعمل مع الحكومة على تحقيقها كأفراد و مجتمع مدني وقطاع خاص.

كما أن الهدف الرابع من الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة والإعلام يهدف إلى (تنمية الصناعة الإعلامية والصناعات ذات العلاقة وتعزيز تنافسيتها علمياً) من خلال زيادة عدد الوظائف في صناعة الإعلام ورفع قيمة الناتج المحلي للصناعة الإعلامية وكذلك رفع نسبة عائد الصناعة الإعلامية.

وحتى يكون عندنا صناعة إعلامية قوية (حكومية وخاصة ) متمكنة و قادرة على تحقيق مركز متقدم ضمن الإعلام العالمي فإن الحاجة إلى مراجعة الفكر الإعلامي السعودي لتطويره و إخراجه من الزاوية التي وضع فيها المليئة بالمحاظير وكثرة الخطوط الحمراء. ومراجعة تدريب وتأهيل وتعليم شبابنا ذكوراً و إناثاً يخرجه من واقعه الحالي من خلال الاستفادة من المراكز العالمية في التدريب الإعلامي على رأس العمل أو التطبيقي والمعايشة العملية في المؤسسات الإعلامية المرموقة.

وأوضحت د. نوف الغامدي: بأن الصورة الذهنية للسعودية في الخارج ستنعكس إيجابياً علينا لنواكب مرحلة التحول ونصل للرؤية إذا عملنا على الإعلام داخلياً وخارجياً وألقينا بكل الحجارة التي وضعناها بأيدينا في يد الآخر ليقذفها علينا .

تحسين الصورة يعني تحسين الاستثمار والسياحة والاقتصاد وغيرها ، يعني أن نقلب الطاولة على رؤوسهم وأن لا ندفن رؤوسنا في الرمل. لابد أن ندافع عن قضايانا ومجتمعنا بإيجاد الحلول لا بالصراخ والنعيق الكاذب، و أن نكون شفافين مع أنفسنا نحاور ضمائرنا . أن نٌفّعل الإسلام الصحيح الحقيقي الوسطي الذي وازن بين الحقوق. أن نمثل وطننا خير تمثيل في الخارج. أن تكون أموالنا إضافة حيث حلت لا أن تكون وبال على مجتمعنا ومجتمعات أخرى.

  • توصيات ختامية: آليات تحسين صورة السعودية في الخارج
  • الحاجة إلى منظومة من الفعل الاستراتيجي المتكامل؛ وهو الفعل الذي يقوم على الشراكة المجتمعية في مواجهة المخاطر ولا يقتصر على مؤسسات الدولة فقط. فضلاً عن الحاجة إلى الإصلاحات الحقيقية، و المحاسبة القانونية لدى المنظمات والمحاكم المعنية؛ فمن يعتدي علينا بخطابه الإعلامي، أو بمحتوى وسيلته الإعلامية،  يجب أن نردعه بالقضاء. وحجتنا في القضاء تكون فاعلة وقوية؛ لأن من الناقدين لنا من يقترفون جنايات نشر وجرائم معلومات، ويكذبون ويدعون..  وهذا كله مناط التقاضي. ولا بد من جر أهمهم للمحاكمة بعرائض ادعاء يعدها نخبة من الإعلاميين والقانونيين عندنا. لا بد من إشاعة ثقافة أننا نقاضي من يعتدي علينا إعلاميا ونظفر بحقنا.
  • أن يتصدى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية كجهة تنفيذية عليا للقضايا والملفات التي أثقلتنا واتسمت معالجاتها بالبطء الشديد والتدخلات الخجولة المتقطعة المترددة والخائفة أحيانا، بشكل تخطيطي جذري متكامل وتوزيع مهام التنفيذ على الوزارات والهيئات المعنية كلٌ فيما يخصه مع أهمية دفع المجلس بقوة لهيئة كبار العلماء والجهات الفقهية العليا لاستصدار الأحكام الدينية الوسطية فيما يخص المرأة وكذلك فيما يخص المشاركة السياسية في التشريع وغيرها من القضايا؛ لأنه اتضح أن القرار السياسي هو المبضع الوحيد القادر على تفجير الدمامل العائقة لإصلاح تلك القضايا والملفات .
  • أهمية تجديد السلفية السعودية أو ” الوهابية ” لأن ” تسويق” الوضع القائم لم يعد ممكنا ، بل هو يستعدي علينا أكثر مما يخدمنا .
  • التحديث السياسي الحقيقي، مع منح المزيد من الحقوق للمرأة، جنباً إلى جنب مع إنجاز إصلاح اقتصادي يجتث الفساد بكل أشكاله. عندها تصبح صورتنا ناصعة وايجابية دون الحاجة إلى شركة علاقات عامة لإصلاح صورتنا.
  • وضع استراتيجية وخطوات لتصحيح صورة المملكة داخليا والرد والتوضيح خارجيا لاسيما فيما يتعلق بالقضايا التي تسهم في رسم صورة معينة عن المملكة وشعبها كالإرهاب والمرأة وخاصة قيادة المرأة والفصل بين الرجال والنساء والتشدد الديني وقمع الحريات وباقي القائمة؛ بالاعتماد على شخصيات تستطيع أن تتحدث بطلاقة ومنطقية وبصراحة عن المشكلة وسبل الحل مع وسائل الإعلام الغربية وفي الاجتماعات والمؤتمرات. مع ضرورة إدراك أن العقلية الغربية تغيرت؛ ومن ثم يجب مخاطبة الخارج بلغتهم بالمعنى الشمولي للغة.
  • الندوات والمشاركات التي ينتهي أثرها بانتهاء الحدث لم تعد مجدية ولا تسمن أو تغني من جوع. نحتاج لاستراتيجية بعيدة المدى وإعداد شباب واعد ممن تعلم في الغرب لمهمات كهذه ، مع إيجاد مراكز في السفارات لتولي هذه المهمات؛ لدينا مراكز وطنية مؤهلة لوضع مثل هذه الاستراتيجيات وتنفيذها ( أسبار أحدها ) ومراكز البحوث في الجامعات وغيرها وكفاءات وقدرات وطنية قادرة .
  • إدراك أن تصحيح الصورة الذهنية يبدأ من الداخل لا من الخارج؛ ويمكن طرح مثال واحد فقط يمكن البناء عليه، وهو قيادة المرأة للسيارة، فالضرر الذي أحدثته في صورة المملكة انسحب على حقوق المرأة برمتها، بل وأثار التساؤلات حول حقوق الإنسان كاملة في المملكة، وأعمى أبصار الرأي العام العالمي عن كل التقدم الذي حققته ولازالت المرأة في المجالات التنموية والسياسية.
  • الإعلام الجديد هو فرصتنا التاريخيّة كي نحاور العالم ونقدّم أنفسنا بما يليق بنا ونقطع الطريق على وسطاء الشر الذين طالما قدّمونا في صور الشهوانيين المتخلفين والإرهابيين.
  • يلزمنا تجريم كافة أشكال الإسلام السياسي؛ ويقتضي ذلك رفض تسييس الدين أو تديين السياسة. وأن نبحث عن معادل جديد لعلاقة (السياسي-الديني) لدى كافة الفرق والطوائف. على أن يكون الدين شأنا فرديا لا علاقة للسياسي به إلا ما تقاطع منه مع فرد آخر في دائرة السياسي. وأن يبقى السياسي يمارس دورا دنيويا لا علاقة له بالديني إلا ما تقاطع معه بالضرورة.
  • مشاريعنا الإعلامية الخارجية ليست على ما يرام حتى MBC والعربية هي مشاريع توقفت عن مخاطبة العرب وتوجهت إلى مخاطبة الداخل السعودي وهذا خطأ يجب تداركه وتصحيحه.
  • ينبغي ونحن نخوض حروبنا في اليمن وفي سوريا ونحن نستعد للدفاع عن الخليج من أي مهددات مصيرية متربصة من الخصم التاريخي المحاذي والمجاور لدولنا ؛ أن لا نغفل أو لا نهمل الحروب الأخرى التي يخوضها ضدنا مجموعة من الخصوم في ميادين السياسة والثقافة . وإذا قررنا أن ننتصر في حروبنا العسكرية فإن مواجهة الحروب السياسية لا تقل أهمية بأي حال.
  • ‏قيام وزارة الثقافة والإعلام بترجمة جميع المقالات التي تتطرق للمملكة بسلب أو إيجاب وتوزيعها على أكبر شريحة من المثقفين وتشجيعهم على الرد ومساعدتهم في ترجمة مقالاتهم وإرسالها كرد للصحيفة، والإفادة من الأكاديميين والمثقفين لدينا ممن يعرفون العقلية الغربية وكيفية مخاطبتها، ما يخلق قاعدة بيانات لدى هذه الصحف عن مفكرينا يمكن العودة لهم مستقبلا في كل شأن سعودي.
  • تركيز وزارة الثقافة والإعلام على تعزيز مهارات مسؤولي الإعلام في التعامل مع وسائل الإعلام الغربية وحول نظرة واهتمامات الإعلام الغربي، واستراتيجياته في إثارة الأسئلة، وتوجيه النقد، وكيفية التعامل معه في الأجواء الودية بل وحتى العدائية وتحسين المهارات من أجل رفع صوتنا في المجتمع الدولي من خلال الإعلام.
  • دعم السينمائيين السعوديين المستقلين، وتوجيه أفلامهم لمخاطبة الشعوب الأخرى بصوت السعودية الحديثة.
  • تركيز الاهتمام على منتج صناعي أو تقني سعودي فريد تكون علامته التجارية عالمية مثل هونداي وسامسونج وابل.
  • التوعية بأن الوافدون الأجانب هم الورقة التي لم نستفد منها بدرجة كافية في تصحيح الصورة الخارجية عن المملكة؛ ويتأتى ذلك بتحسين معاملتنا للعمال الأجانب في مختلف القطاعات والمستويات وللزوار خاصة الحجاج والمعتمرين ، فمتى حصل العامل على حقوقه وتم التعامل معه بعدل ولطف أصبح خير سفير لنقل الصورة الإيجابية عن المملكة والعكس صحيح . فالعمالة الوافدة تعد منابر إعلامية تنقل لمجتمعاتها ما تجنيه من بذور نحن نبذرها.
  • استثمار النزعة الأممية في الشباب السعودي وتوظيفها في بناء وطنه.
  • بناء جسور تواصل حقيقية وفاعلة مع أمريكا ومع مراكز القوى في العالم.
  • تنقية المناهج من النفس الجهادي وتحويله في الاتجاه الوطني؛ فجهاد الإسلام غير جهاد الأوطان.
  • متابعة الخطابات المتطرفة من الجانبين، فالفتاوى الشاذة التي بها نحاصر الدمى الكرتونية، والدعاوى المريبة التي تناقض الإسلام من حيث المبدأ والجوهر يتم محاصرتها والتوعية بها ومكافحتها.
  • الالتفات لوضع المرأة بكل صدق، فهي تحتاج ما تحتاجه ليس لأجل صورتنا؛ لكنها تحتاج لأنها فرد فاعل في المجتمع يحق لها ما يحق لأشقائها الرجال ويجب عليها ما يجب عليهم.
  • حل القضايا العالقة في الإسكان والصحة وغير ذلك من حقوق تمس المواطن في معيشته.
  • تفعيل من أين لك هذا؟ فبتفعيل مثل هذا القانون ستنعدم حالات البذخ والاستعراض التي وصلت شوارع لندن والشانزليزيه.
  • تقنين الأحكام القضائية ولا بأس بالمدونات حتى يتم التصالح مع مفردة “قانون”.
  • الخروج بالتعليم من ضيق الاختلافات المذهبية إلى فضاءات الإسلام الرحبة.
  • الإفادة من مختلف النظم الدولية وتوظيفها بما يتسق وتعاليم الإسلام من خلال مناهج تعليمية تساهم في صنع فرد قادر على إعالة نفسه أولاً ومن ثم مجتمعه ووطنه تالياً.
  • توسيع دائرة الترفيه المجتمعي، بصالات السينما والمسارح والمتاحف ومساءلة من يجرم ذلك.
  • أن تكون الدولة موجهة لكل هذا، وأن تتيح الفرصة للمواطن للمشاركة وصنع القرار.
  • أن يقترن دور الإعلام الخارجي في تصحيح صورة المملكة بالجهود الديبلوماسية؛ فقد تكون الخارجية هي الأنسب لتبني رسم السياسات و وضع الخطط للإعلام الخارجي و التنفيذ على عدة جهات.
  • تبرز أهمية اضطلاع زوجات السفراء السعوديين بدور ما في تحسين صورة السعودية في الخارج؛ حيث لا يوجد لأغلبهن مشاركات اجتماعية جديرة بالإشادة من حيث التعريف ببلادنا ومشاركة الدولة المستضيفة في مناسباتها الوطنية والاجتماعية والخيرية. واستثمار ذلك في إيصال الرسائل المُراد إيصالها بشكل غير مباشر عن تطور بلادنا بشكل عام والمرأة فيها على وجه الخصوص.
  • وضع بروتوكول يسيطر على الانفلات الحاصل في وسائل التواصل الاجتماعي.
  • ضرورة الانفتاح علي العالم عن طريق فتح أبوابنا لمن يريد التعرف علينا .
  • العمل على إظهار الوجه الآخر للمملكة المتسامح المنفتح العصري (بدون المساس بمبادئ ديننا) ليكون هو الأبرز في الإعلام.
  • الحرص على تصدير الصورة العالمية للمسلم العالمي. فالمسلم ما هو إلا رسول خير للعالمين.
  • إعطاء الشباب الفرصة للمشاركة في مجالس الحوارات الوطنية ، ومنها جلسات الحوار الوطني ، دون أن يكون ذلك محصور على فئة كبار السن ومن تجاوز الخمسين؛ وذلك من أجل بناء جيل يكون ممثلا لنا في الداخل والخارج.

المحور الرابع

مستقبل جاستا والعلاقات السعودية الأمريكية

الورقة الرئيسة: م. أسامة كردي

لا تهدف ورقة العمل هذه الي الحديث عن طبيعة جاستا و خلفيته باعتبار أن أعضاء أسبار متابعين له منذ طرحه في الكونجرس الأمريكي و اتساع التغطية الإعلامية له ، و يستثنى من ذلك بعض النقاط التي تخدم ورقة العمل هذه.

بعد  تأخر طويل و مفاوضات معقدة داخل الكونجرس بين الأطراف المهتمة ، صدر قرار الكونجرس الخاص بالجاستا. و كانت نتيجة هذه المفاوضات إلغاء الإشارة إلى المملكة و أحداث الحادي عشر من سبتمبر و جعله عاماً لأي دولة تدعم الاٍرهاب.

و يعتبر صدور هذا القرار علامة ضعف للسياسة السعودية في أمريكا التي لم تعر هذا القانون الاهتمام الكافي منذ بدايته بتصور أنه لن يصدر بسبب معارضة الحكومة الأمريكية له و بسبب آخر – في تصوري – و هو تركز اهتماماتنا بالعلاقة في أمريكا مع الحكومة الأمريكية و عدم اهتمامنا بالعلاقة مع الكونجرس بشكل عام و بكل حزب على حده بشكل خاص.

و في رأيي المتواضع ، فإن أهم أسباب صدور هذا القرار في هذا الوقت هو انتخابات الكونجرس التي يتم فيها انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب و ثلث أعضاء مجلس الشيوخ ، حيث لا يرغب الأعضاء في أن يظهروا أنهم ضد ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر و يوضح هذا سبب التصويت شبه الكامل ضد فيتو الرئيس حول جاستا. كما أننا يجب أن نلاحظ ارتفاع مستوي المنافسة بين الحزبين في هذه الانتخابات حيث يأمل الجمهوريون في الاحتفاظ بغالبيتهم في الكونجرس في ضوء الاحتمال المرتفع لفوز كلينتون الديموقراطية في انتخابات الرئاسة.

و بلغ اهتمام و استعجال الكونجرس بإصدار هذا القرار أن العديد منهم صرح بعد صدوره بأنهم لم يدرسوه دراسة كاملة و لم يعوا أثره على علاقات أمريكا حول العالم حيث صرح الكثيرين – حكوميين و غير حكوميين – في العديد من الدول برغبتهم في إصدار قانون مشابه يسمح لمواطنيهم برفع قضايا ضد الحكومة الأمريكية في بلدانهم. و من هذه الدول اليابان ( هيروشيما و ناجازاكي ) و فيتنام ( نصف مليون قتيل فيتنامي ) و العراق ( قتلى سجن أبو غريب ) و تركيا ( محاولة الانقلاب ) و غيرهم كثير.

مستقبل العلاقة السعودية الأمريكية يعتمد بدرجة كبيرة على ما سيكون موقف الحكومة الأمريكية القادمة ، فمن السهولة الآن توقع فوز كلنتون بالرئاسة و لكن من الصعوبة بمكان توقع من سيتحكم في مجلسي الكونجرس ، و بالتالي فإن تأثير جاستا علينا – و بالتالي على علاقتنا مع أمريكا – قد يأخذ أي من المنحنيات الآتية :

  • في حالة فوز كلينتون و تغير عدد كبير من أعضاء الكونجرس و ارتفاع عدد الأعضاء الديموقراطيين فإنه من المتوقع أن يصدر قانون أو أكثر يخفف كثيراً من إمكانية رفع قضايا ضد المملكة ، مثل أن يتطلب هذا الأمر موافقة الحكومة الأمريكية قبل قبول المحاكم الأمريكية للقضايا و أن التنفيذ يتطلب مثل هذا الأمر.
  • أما إذا استمرت سيطرة الجمهوريين على الكونجرس فلن يكون بإمكان الرئيسة الأمريكية ( !! ) أن تفعل شيئاً مهماً لتخفيف تأثير جاستا على علاقاتنا مع أمريكا ، خاصة في إطار ما تداولته الأنباء مؤخراً عن نية بعض أعضاء الكونجرس تعديل جاستا ليكون خاصاً بالمملكة فقط تهرباً من استفادة الدول الأخرى منه. مع العلم أن النظام في مسودته الأولى كان فعلاً يتحدث عن المملكة و أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقط و تم تعديله بضغط من الحكومة الأمريكية و من بعض أعضاء الكونجرس. و هذا يتطلب قيامنا بالاستعداد لذلك بطرق يَصعب عليٓ حالياً توقعها.
  • أن تقوم المملكة بتحرك دولي يشمل الدول صاحبة الاستثمارات العالية في أمريكا أو المنظمات الدولية المهتمة بأمر الاستثمار الدولي للحصول على تنازل أمريكي حول جاستا بالتخويف من تأثيره مستقبلاً على الاستثمارات الدولية كافة في أمريكا و بالذات في سندات الحكومة الأمريكية نفسها.

و مع قرب فوز كلينتون بالانتخابات (!) فلابد من النظر إلى موقفها من ( عقيدة أوباما ) التي نشرت في صحيفة ( الأتلانتيك ) و بالذات فيما إذا كانت ستستمر في تطبيقها ، و الملاحظ أنها اتهمت السعودية بتمويل الاٍرهاب و لكن هذا قد يكون موقف انتخابي ، أما ما هو مؤكد فهو حديثها عن ( عدم زيادة حجم القوات الأمريكية في العراق ). أهمية هذا الأمر هو أن تأييد كلينتون لعقيدة أوباما يعني عدم اهتمامها بالتواجد القوي في منطقتنا و بالتالي عدم حاجة أمريكا لحلفاء أقوياء في المنطقة و بالتالي عدم الحرص على إيقاف التأثير السلبي لجاستا على العلاقة مع المملكة. و قد يعني توجه كلنتون – ضمن عقيدة أوباما – إلى تطوير علاقتها مع إيران على حساب الدول الأخرى في المنطقة.

و على أي حال فان تقريري الكونجرس حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر ( ٢٠٠٤ و ٢٠١٥ )  أوضحت عدم مسؤولية الحكومة السعودية عن هذه الأحداث و عدم مشاركة أي مسؤول فيها حتى بعد الكشف عن ال ٢٨ صفحة المطموسة من تقرير ٢٠٠٤ و حتى بعد دراسة كافة المستندات ( ورقية و الكترونية ) التي تم الحصول عليها من مقر أسامة بن لادن.

كما يجب ملاحظة الأحكام التي أصدرها القاضي الڤن هلرستاين في حوالي ١٠٠ قضية داخلية انتهت كلها بإحالتها إلى ( صندوق تعويضات الحادي عشر من سبتمبر ) و لم يحمل أي جهة أمريكية مسؤولية هذه الأحداث لأي من الجهات التي رفعت عليها هذه القضايا سواء مؤسسات الأمن الأمريكية أو خطوط الطيران.

كما أنه إلى الآن لم ترشح لنا أي قضية رفعت ضد المملكة في هذا الإطار سوى قضية واحدة.

و أعتقد أن الوقت قد حان لإصدار نظام في المملكة يسمح للمواطنين برفع قضايا متعلقة بالإرهاب ضد الحكومة الأمريكية من قبل المعاملة بالمثل.

التعقيب الأول: د. حاتم المرزوقي

على الرغم من اختيار “جاستا” عنوانا للقضية، ومدخلا  لمبحث مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية، إلا أن القانون ليس غير فاصلة منقوطة في سجل حافل بأحداث ومنعطفات أكثر تعقيدا وأعمق أثرا من تشريع صدر في ظل ظروف سياسية للداخل الأمريكي فرضت على الصانع التشريعي واقعا لم يكن له من بد غير الرضوخ لضغط الناخب.

ولاستقراء مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية، فلابد من البدء أولا باستعراض تاريخي يحدد نقطة البداية وأهم المراحل المفصلية التي مرت بها العلاقة بين الدولتين وخصائص هذا العلاقة.

المملكة العربية السعودية بثقلها الديني والسياسي والاقتصادي وبموقعها الجغرافي في قلب الشرق الأوسط وفي منطقة الوصل بين قارات العالم، والولايات المتحدة الأمريكية بتفوقها الاقتصادي والعسكري والتقني، وفي ظل التباين الثقافي والسياسي بين البلدين، حتم أن تكون المصالح المشتركة هي ما سوف يؤطر للعلاقة بين الدولتين منذ انطلاقته الرسمية في لقاء القمة الأمريكي السعودي بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانلكين روزفلت في فبراير عام 1945 على ظهر الباخرة الأمريكية “كوينسي”، ومع هذا اللقاء تشكل أحد أهم العلاقات الاستراتيجية في القرن العشرين.

بدأت هذه العلاقة بتعاون سياسي واقتصادي مشترك بين دولة فتية تتوق للتحديث والتطور وبين دولة تسعى للتواجد في منطقة الشرق الأوسط بالتعاون مع شريك سياسي قوي في المنطقة، وحليف اقتصادي قادر على إمداد الآلة الصناعية الأمريكية بما تتطلبه من نفط خام. تطورت مع الوقت هذه العلاقة ولم يعكر صفوها غير الاعتراف الأمريكي بدولة إسرائيل من قبل الرئيس الأمريكي ترومان وتصاعد التوتر في المنطقة بشأن القضية الفلسطينية إلى أن بلغ أوجه بإعلان المملكة عن حظر النفط عن الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الغربية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في عام ١٩٦٧م ووقف إمداد السلاح لها لترجيح قوتها على القوات المصرية. استخدام سلاح النفط كوسيلة فعّالة للضغط على صانع القرار في الولايات المتحدة كانت النقطة المفصلية الأولى في ملف العلاقات بين الدولتين. زاد من حدة هذا التوتر اتفاق أعضاء أوبك على استخدام نفوذهم في آلية ضبط تدفقات النفط في أنحاء العالم بهدف رفع الأسعار مما أثر على الاقتصاديات الصناعية التي تعتمد على بشكل أساسي على النفط ومنها الولايات المتحدة الأمريكية. مع تطور هذه الأحداث، وبإرادة مستقلة، فرضت المملكة نفسها كقوة صانعة للسياسات الاقتصادية العالمية ورقما صعبا لا يمكن تجاوزه.

نقطة الالتقاء المفصلية الثانية أتت هذه المرة من الشرق مع سقوط شاه إيران وظهور الدولة الإيرانية والتي أعلنت في أول ظهور لها عدائها للولايات المتحدة الأمريكية “الشيطان الأكبر”، ومن خلال الاجتياح السوفيتي لأفغانستان. هذه الأحداث ساهمت بشكل كبير في تعميق العلاقات بين الدولتين وإدراك الولايات المتحدة لدور التواجد السعودي كأحد أهم مراكز القوى العربية والإسلامية والمعززة بقوة اقتصادية ضخمة ترتكز في ذلك على إرادة قوية في المضي في مشروعها التنموي بهدف تعزيز قراراها السيادي المستقل، ففي مطلع عام ١٩٧٥م أعلنت المملكة عن إنشاء أكبر مدينتين صناعيتين لمشتقات النفط الخام على مستوى العالم (الجبيل وينبع) والدخول بذلك كمنتج عالمي للمشتقات النفطية، وعزز الحضور الاقتصادي نجاح المملكة في الاستحواذ على الحصة الكاملة لشركة أرامكو من الشريك الأمريكي لتنتهي بذلك إلى السيطرة الكاملة في ترتب إدارة عمليات النفط السعودي. وتحوّلت بذلك دفة تحديد الأسعار والتحكم في السوق النفطي العالمي إلى يد المنتجين وعلى رأسهم المملكة.

توالت الأحداث بسقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، ثم أحداث الحرب العراقية الإيرانية (١٩٨٠-١٩٨٨م)، ثم احتلال الكويت وتحريرها (١٩٩٠م)، كل هذه الأحداث وتراتبها المتسارع زاد من حجم تنسيق العلاقات السعودية الأمريكية. وكان التحدي الأول لهذا العمق من العلاقات سيشهده عام ٢٠٠١م.

في اليوم الحادي عشر من شهر سبتمبر لعام ٢٠٠١م، سقط برجي التجارة العالمي بفعل إرهابي شارك فيه بحسب الرواية الأمريكية خمسة عشر سعوديا من أصل تسعة عشر إرهابي، وتبنته القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، وبرغم أن موقف المملكة الرسمي كان واضحا في إدانة هذا العمل وكانت قبل ذلك وبحركة استباقية ذكية سحبت الرعوية السعودية من أسامة بن لادن المتهم الأول في هذه العملية الإرهابية، إلا أن هذه الأحداث رمت بظلالها على العلاقات السعودية الأمريكية وبخاصة على المستوى الشعبي. وبرغم قوة الهجمات وتأثيرها الكبير في الداخل الأمريكي فقد استمر التنسيق بين الدولتين على المستوى الرسمي لمواجهة الإرهاب العالمي، فلم تتأثر العلاقة على المستوى الرسمي، فالإدارة الأمريكية تعي أن المملكة تعرضت لذات الهجمات الإرهابية ومن ذات المصدر، إلا أن النظرة الشعبية الأمريكية للمملكة تأثرت بشكل سلبي.

حدثت تغييرات كبيرة في السياسة الأمريكية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي بدأت مع إعلانها الحرب على الإرهاب، والحرب على أفغانستان ثم سقوط نظام حكم طالبان، ثم أتت بعد ذلك نقطة الخلاف المفصلية الثالثة وهي الحرب على العراق، وإسقاط نظام صدام حسين وتسليم العراق لإيران وظهورها كقوة إقليمية تعمل على إنفاذ مخططها التوسعي في المنطقة منفكة في ذلك عن المبادئ القانونية والأعراف الدبلوماسية المستقرة، وبغض نظر واضح من الإدارة الأمريكية أو ربما بتمكين منها من خلال تبني الإدارة الأمريكية لمبدأ الفوضى الخلاقة في المنطقة.

الفوضى الخلاقة التي عارضتها المملكة بقوة بل وحذرت منه في غير زمان وغير مكان، بلغ ذروته مع انطلاق شرارة الربيع العربي وبتأييد من الإدارة الأمريكية وتحفظ وتوجس من المملكة زاد من حدة التباين في المواقف السعودية الأمريكية وظهرت بدايات التوتر الحقيقي في العلاقة بين البلدين، وبلغ ذروة هذا التوتر مع إرهاصات الاتفاق النووي مع إيران.

الاتفاق النووي مع إيران وقبل ذلك سياسات الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي أوباما أخذت كثيرا من مخزون الثقة بين الدولتين وأثرت سلبا على العلاقة التاريخية بينهما. شعرت المملكة العربية السعودية بخيبة أمل من التوجه الأمريكي، وفيما يشبه الرعاية والحماية للتدخلات الإيرانية في المصالح العربية وإطلاق يدها في إرباك البيئة الجيوسياسية في المنطقة. وشعرت المملكة كذلك بخذلان الإدارة الأمريكية لملفات عربية مفصلية وعلى رأسها الملف السوري، وواجهت مع ذلك حملة إعلامية أمريكية غير منصفة وغير مسبوقة انتهت بإقرار قانون العدالة في مواجهة الإرهاب “جاستا”. لتبدأ المنطقة بذلك تحولاً على الصعيد الإقليمي.

قانون “جاستا” جاء في ظروف استثنائية للداخل الأمريكي الذي استحوذ عليه الخطاب الانتخابي للرئاسة الأمريكية والكونجرس، وبضغط من الناخب حاز على موافقة وصدر رغم معارضة الإدارة الأمريكية له ومع هذا التباين وعلى الرغم أن القانون لا يخص المملكة تحديدا، إلا أنه يعكس طبيعة العلاقة بين المملكة والولايات المتحدة.

من خلال هذا الاستعراض التاريخي الموجز للعلاقة بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية يمكن استنتاج أهم الخصائص لهذه العلاقة:

  • العلاقة بين الدولتين قائمة على المصالح المشتركة، على الرغم من التباين الثقافي والسياسي بينهما.
  • في تاريخ هذه العلاقة ومنذ تأسيسها كانت المملكة تتعامل مع الولايات المتحدة كند سياسي مستقل وبسياسة واضحة وثابتة، وكشريك سياسي يفرض إرادته متى ما دعت مصلحته الحاجة لذلك، وقبول بالتنسيق السياسي متى ما توفرت للملكة المصلحة في ذلك.
  • التنسيق بين الدولتين يتم على المستوى الرسمي، على حساب الدبلوماسية البرلمانية والمدنية والشعبية.
  • يؤطر العلاقة الرسمية بين الدولتين احترام متبادل بين الطرفين. وتقدير في كثير من المواقف على ما يبذله الطرف الآخر من جهد في الملفات المشتركة.

هذه الخصائص للعلاقة التاريخية بين المملكة والولايات المتحدة تواجه تحديات أولها انتقال الجدل حول هذه العلاقة إلى الدوائر الشعبية في الداخل الأمريكي، ومرور الإقليم العربي بظروف جيوسياسية استثنائية من جهة، والتدخل الإيراني في شؤون الإقليم العربي، كل ذلك في ظل صمت الولايات المتحدة عن البيان الواضح تجاه التزامها بالأمن الخليجي (على خلاف توجه الإدارات الأمريكية السابقة، منذ إعلان نيكسون، كارتر، ريجن، بوش).

في ظل هذه المعطيات ستظل العلاقات السعودية الأمريكية قائمة على التنسيق المباشر بين الطرفين في الملفات المشتركة، وفي توجس حول تباين المواقف في الملفات غير المتفق عليها. لم تتأثر ولن تتأثر في تقديري هذه العلاقة بمن يتولى دفة الإدارة الأمريكية، فجذور هذه العلاقة راسخة في القرار المؤسسي الأمريكي.

المملكة من جهة أخرى ستتجه إلى تنويع أدواتها الدبلوماسية ليتخطى التنسيق الحكومي إلى البرلماني والشعبي والإعلامي، وفي تنويع خارطة تحالفاتها، وستعظم من حضورها الدولي بأخذ زمام المبادرة في إدارة الملفات التي تتقاطع مع مصالحها، والبناء في ذلك على مصادر قوتها الدينية والاقتصادية وثقلها السياسي.

المملكة بكيان متين ومستقر في المنطقة، وبقوة تحالفات سياسية متعددة، ستظل شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة لا يمكن تجاوزه، وستظل الولايات المتحدة بتفوقها الاقتصادي والعسكري والتقني دولة محورية في خارطة التحالفات السعودية. كلا الدولتين تعي أهمية الطرف الآخر للآخر.

التعقيب الثالث: أ. علي بن علي

قبل أن أعرض بعض النقاط عن – جاستا- من جانب قانوني لي تعقيب بسيط على ورقة المهندس/أسامة وهو أن قانون – جاستا- لا يعني ضعف السعودية أو غيرها فهو لعبة انتخابية بحتة ولا علاقة له بالقانون بل أجزم أنه استصدر لاستخدامه في الانتخابات كما أشار م. أسامة في النقطة الرابعة وبشأن والتوقعات في حال فوز أي من المرشحين بشأن التعامل المستقبلي مع قانون – جاستا- فهي كذلك تعود إلى مستوى العلاقة في ذلك الحين بين البلدين ومن هذه النقطة أعرض تعليقي المبسط والمختصر للجانب القانوني عن – جاستا-وفيه أن قانون – جاستا- الأمريكي (العدل ضد رعاة الأعمال الإرهابية) والذي مر بمراحل عديدة منذُ (2004م) حتى تم إقراره في (2016م) ومؤداه مقاضاة الدول الراعية للإرهاب وهو ما ينتهي إلى إلغاء سيادة الدول في القضايا المدنية فيما يتعلق بدعاوى التعويض عن الأعمال الإرهابية والأضرار الناتجة عنها أمام قضاء الولايات المتحدة الأمريكية والعارف بالأنظمة يعلم أن أمام هذا القانون عقبات ومن هذه العقبات ما يتعلق بالأنظمة الخاصة بالسيادة للدول وحصانتها والتي أكد عليها في المادة (2) من الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة وكذلك الاتفاقية الموقعة بين السعودية وأمريكا إضافة إلى التعقيدات القضائية وطول مدتها فإن هناك تعقيدات إجرائية جمة لدى القضاء الأمريكي وما يعقب ذلك من إجراءات تقيد تنفيذ الأحكام الصادرة بخصوص هذا القانون سواء داخلياً أو خارجياً وهذا جميعه يقودنا إلى ما ذكره الكثير من الزملاء المهنيين من أن هذا القانون ليس إلا لعبة سياسية بمظلة قانونية صنع في أروقة السياسة وهي من سيقوم بإضعافه أو عدم وضعه قيد التنفيذ.

ما أشرت إليه أعلاه ليس إلا الجزء من القليل عن قانون – جاستا- والذي ينظر إليه الكثير من بيوت المحاماة الأمريكية بأنه صيد كبير لاستحلاب دول كثيرة ومنها دولتنا – حماها الله.

وختاماً فإنه قد كثرت الكتابة في هذا الموضوع إلا أنني أرى أن الحل النهائي هو في أيدي الساسة وهم من سيقرر في هذا القانون من قوته أو إضعاف بنوده أما لو اختاروا المضي فيه فإن العقبات التي سيواجهها كثر ولا يسع المقال تفصيلها.

التعقيب الثاني: أ. مطشر المرشد

شكرًا م. أسامة على تغطية الجوانب السياسية لقانون جاستا ، وأيضا طرح جميل للتوقعات المستقبلية في حال فاز الحزب الديمقراطي بمنصب الرئيس دون السيطرة على الكونجرس.

لن أتوسع في الطرح عن هذا النطاق لقناعتي بأن قانون جاستا في البداية كان محاولة من بعض بيوت المحاماة للتكسب محاولين استخدام ذريعة قانونية لجر رجال أعمال ومجموعات تجارية وجمعيات خيرية دون التعرض لسيادة الدول. وبعد فشل القضايا المرفوعة ضد بعض رجال الأعمال وأسماء بارزة من أعضاء الأسر الحاكمة في الخليج تقبلت أسر ضحايا ١١سبتمر ومحاميهم الأمر الواقع… لذا يجب معرفة من يقف خلف تحديث وتطوير بنود قانون جاستا و قانون مكافحة تمويل الإرهاب لتصبح البنود وكأنها استهداف واضح للمملكة العربية السعودية .

أيضا لن أتطرق لأخطائنا السابقة في ما يخص كيفية التعامل مع قانون جاستا منذ البداية ، حيث لم تعمل المملكة على ربط الغاء مشروع قانون جاستا بملف التعاون المشترك ضد الإرهاب . وترك المشروع يتنقل في أروقة الدوائر التشريعية فتح المجال لبعض مجموعات الضغط لاستخدامه فور إحساسهم بأن الرئيس أوباما والسياسة الأمريكية تبتعد تدريجيا عن السعودية. وورقة م. أسامة فيها الكثير من التلميحات حول ما هو قائم في حال فوز أيا من الحزبين ، واسمحوا لي أن أذكر هنا بأن أخطائنا المتكررة سببها هو ربط تحركاتنا بمن يجلس في البيت الأبيض . لقد اتضحت الصورة وأصبحت كافة الدول بما فيها اليابان والصين ودوّل أخرى تعي بأن قانون جاستا يستهدف دولة بعينها ولهذا لا أتوقع أنهم سيعادون أمريكا لأجلنا. وأرى أن تعمل المملكة على تطوير وتحديث خطة التحرك لمجابهة قانون وضع بلمسات اللوبي الصهيوني واللوبي الصفوي والهدف هو عزل المملكة وابتزازها سياسيا.

المداخلات حول قضية: (مستقبل جاستا والعلاقات السعودية الأمريكية)

  • الوضع الراهن وإشكالاته المعقدة

أوضح د. سعد الشهراني أنه في سياق ما تم الإشارة إليه حول تاريخ و تطور العلاقات المصلحية السعودية الأمريكية ( و لا غير ذلك إلا التقاؤنا معهم في بعض قيم الحرية و الحقوق و النظم الاقتصادية) و في ظل اختلال موازين القوى في هذه العلاقات و اختلال  الموازين على المستوى الإقليمي و الدولي بل في ظل الحرب الباردة و ما بعدها و نظرا لطبيعة الحكم في المملكة و سمات و تاريخ بناء الدولة.

لم يكن للمملكة إلا التحالف مع المعسكر القوي أي المعسكر الحر كما أسموه و هو المعسكر الغربي القوي ، و حمدا لله أننا فعلنا ذلك و إلا لكنا ذهبنا كما ذهب غيرنا؛ وهذا نجاح استراتيجي كبير بكل المقاييس و القليل من دول العالم العربي و الإسلامي و دول العالم الثالث التي مرت عليها أحداث القرن الماضي و بقيت بعكس حال المملكة.

وقال د. خالد الرديعان: لم يفاجئني قرار جاستا إطلاقا فقد كنت أتوقع شرا كهذا منذ تلك الساعة التي تداعى فيها البرجان أرضا يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١ وأتذكر الزيارة التي قام بها الأمير الوليد بن طلال لنيويورك ومقابلة عمدتها عندما قدم له شيكا بمبلغ عشرة ملايين دولار تبرعا منه لرجال الدفاع المدني في المدينة.

لم اتفاجأ كذلك بقرار جاستا ولاسيما أن الإعلام الأمريكي لم ينفك طيلة السنوات الماضية وهو يردد قصة الخمسة عشر سعوديا ممن شاركوا في الهجوم على البرجين؛ وكأن المملكة مسؤولة عن تصرفاتهم، وهي التي تبرأت من القاعدة وأتباعها وزعيمها قبل ذلك بسنوات (١٩٩٦) وذلك بعد الهجوم على السفارات الأمريكية شرق أفريقيا.

وبالتأكيد فإن الخسائر الأمريكية من العملية كانت فادحة للغاية شملت مقتل ٣٣٠٠ شخصا وجرح عدد كبير من المواطنين الأمريكيين والمقيمين على أراضيها، وسقوط البرجين، وخسائر بالمليارات بحكم أن البرجين يضمان مباني شركات ومؤسسات مالية كثيرة فقدت الكثير من ممتلكاتها ووثائقها، ناهيك عن الأضرار البيئية والصحية التي تعرضت لها مدينة نيويورك عقب سقوط البرجين.

كمسلم وإنسان أتفهم تلك الخسائر الجسيمة، وقبل ذلك أتفهم معاناة الأسر التي فقدت عائل أو قريب أو صديق  فهي تراجيديا إنسانية وكونية بامتياز ولا يجب أن يغيب هذا البعد المأساوي عن بالنا ونحن نناقش هذه القضية. الإعلام الأمريكي سريع التغير وقد ركّز على هذا البعد وبالتالي يجب أن نظهر بمظهر من يهتم بالآخرين.

إن محاولة تفّهم ما يعتلج في صدور الأسر التي عانت بسبب هذه الحادثة أمر في غاية الأهمية.

هذا البعد الإنساني يجب أن يكون حاضرا وبقوة في دفاعنا عن أنفسنا لصد تبعات جاستا؛ فهو سيجعل حججنا أكثر قبولا وأننا لسنا أقل من الأمريكان إنسانية؛ فنحن مسلمون في النهاية ولا نقبل وديننا لا يقبل بإزهاق أرواح الآخرين تحت أي مبرر؛ فما بالك إذا كان العمل يندرج تحت الإرهاب الذي عانينا منه كسعوديين لعدة سنوات..

الخطأ التاريخي الذي وقعنا فيه وله علاقة بقانون جاستا هو أن معظم استثماراتنا والتي تقدر بنحو ٧٥٠ مليار دولار هي في الولايات المتحدة ومن ثم سهولة حجزها والاستيلاء عليها لا سمح الله.. هذا خطأ شنيع وقعنا فيه فقد وضعنا البيض في سلة واحدة ويفترض مستقبلا توزيع استثماراتنا في عدة دول مع تقليص الاستثمارات القائمة في أمريكا إلى حد معقول.

أعتقد أن عقليتنا التجارية (أمريكا عميل تجاري مميز) سببت لنا مشكلات عويصة فنحن لسنا بدوا وأمريكا ليست تاجرا حضريا في مكة أو بريدة لنتعامل معها بهذه الطريقة. تنويع دول الاستثمار مهم للغاية وتوزيع البيض على عدة سلال سيكون عملا حصيفا بامتياز.

لكن ليس ضرب البرجين وقتل الأبرياء… لديهم طرق أخرى أقل ضررا وخارج أراضيهم.

وذكر م. خالد العثمان أنه لا يظن أن أحدا يجادل في مسئولية القاعدة عن الجريمة، السؤال هو عن قانون جاستا وتأثيره على مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية والموقف الرسمي والشعبي منه، وهل جريمة القاعدة تبرر معاقبة دولة بأكملها ؟

إن قانون جاستا ليس ذا تأثير جذري على العلاقات السعودية الأمريكية بدليل استمرار التعاون في العديد من المجالات الاقتصادية العسكرية .. إن القصة لا تعدو أن تكون لعبة انتخابية تنتهي بزوال المؤثر .. وربما يكون الصمت الرسمي السعودي قائما على شيء من التفاهم بهذا الخصوص.

وأشار د. خالد الرديعان أننا نحتاج وقت طويل لإعادة بناء العلاقة مع الولايات المتحدة لكن من الضروري شرح مواقفنا من القاعدة بكل شفافية وتبيان الأضرار التي لحقت بنا منها فهذا يعزز موقفنا كثيرا.

جاستا أصبح قانونا ومهمتنا تعطيل استخدامه بكل الطرق الممكنة وإن كان سيظل سيفا مصلتا على رقابنا لسنوات قادمة.

ولنخرج كذلك من نظرية المؤامرة التي يؤمن فيها بعضنا كالقول أن أحداث سبتمبر مدبرة من الولايات المتحدة نفسها فهذا كلام لا يسمن ولا يغني من جوع.

ومن وجهة نظر د. مساعد المحيا فإن القضية ترتبط بحالة ابتزاز واسعة ستمارسها أمريكا كلما وجدت المملكة تتجه لضخ أي سيولة أو استثمار خارج بنية الاقتصاد الأمريكي.

المملكة تأخرت في التعاطي مع الموضوع حتى صدر ويبدو أن صانع القرار لدينا لديه مستشارون هونوا من هذا القانون وربما اقنعوه بأننا لسنا المعنيين به وأنه غير موجه للمملكة؛ وهذا المعنى وجدته في تغريدات عدد ممن يحظون بعلاقات من داخل الصندوق بعد صدور القرار المملكة عبر مجلس الوزراء أشارت لخطورته على أمريكا نفسها، ثم مع تركيا صدر بيان يتعلق بآثاره، ووصف ‏وزير المالية قانون ‫جاستا بالخطير وأكد أن: الضرر سيلحق بأمريكا.

وفي اليوم نفسه عدد من المسؤولين الأمريكيين أشاروا أنهم ينتقدونه وأنهم سيعملون على تعديله ، المهم أن كل هذه جعجعة بدون دقيق أو طحن ، هل نحن مستعدون فعلا للتعاطي مع آثاره؟

أظن أننا نعول على استخدام المقايضة فربما يكون هذا ما يريده الأمريكيون ..المقايضة على طريقة الأمن مقابل السلام.

ومن جانبه قال م. حسام بحيري أن تمرير قانون جاستا كان غلطه أمريكية في المقام الأول وعلى الرغم أنه شرع لتمكين عائلات ضحايا سبتمبر ١١ لرفع دعاوي ضد السعودية ولكن ممكن استخدام هذا القانون ضد أي دولة أخرى ولذلك نرى امتعاض عدد كبير من الدول على تشريع هذا القانون الذي يرمز في المقام الأول للسقوط الأخلاقي السياسي الأمريكي ويبين مدى إفلاس مشاريعهم المنتخبين واستعدادهم لنقض أي اتفاقيات دولية تلتزم بها دولتهم لتحقيق نصر سياسي هزيل أمام ناخبيهم. تصرفات الحزب الجمهوري ممثل بمرشحهم دونالد ترمب زعزعت ثقة المجتمع الدولي في السياسيين الأمريكيين وهم اليوم يرسلون رسائل واضحة للمجتمع الدولي أنه لا يمكن الاعتماد على التعامل أو التعاون مع الولايات المتحدة وأن التعامل معها مستقبلا قد يجلب مشاكل ومخاطر أكثر من الفوائد ويفضل الاتجاه لسوق أو قوى أخرى يمكن الاعتماد عليها مثل الصين وأوروبا والبرازيل وهذه حقيقه لابد من استثمارها إعلاميا أما فيما يخص استهدافنا من تمرير هذا القانون.

وتعتقد أ.د. صدقة فاضل أن صانعي القرار السياسي الأمريكي أو أغلبهم يعتبرون شعبنا من أكثر الشعوب العربية والإسلامية معاداة لأميركا . كما يظنون أن غالبيتنا متطرفة دينيا؛ وبالتالي فإن نظرتهم إلى بلادنا كثيرا ما تكون سلبية .

وأشار د. حاتم المرزوقي إلى أن أحد أهم المبادئ القانونية المستقرة هو سيادة الدول وإقليمية القوانين. بمعني لا تصدر مؤسسة تشريعية في دولة ما قانونا يتجاوز حدود إقليمها وبخاصة إذا كان هذا التجاوز يطال سيادة دولة أخرى إلا باتفاق بين الدولتين أو الدول ذات العلاقة.

الشكل الصحيح أو المفترض أن يتخذه المشرع هو أن يكون هناك اتفاق ثنائي أو متعدد بين دولة أو أكثر بشأن إجراءات التقاضي وقبول الأحكام و نفاذها في الإقليم المناظر.

جاستا من حيث الشكل هو خروج عن المستقر مبدئا قانونيا وعرفا دوليا.

وأوضح أ. أسامة نقلي أن عدم ظهور التواصل المكثف مع الكونجرس في وسائل الإعلام منذ سنة، لا يعني عدم وجوده. وإقرار قانون جاستا ليس له علاقة بالمنطق ولكن بالظروف السياسية التي صاحبته وأهمها محاولة استمالة الناخبين مع قرب الانتخابات التشريعية، لذلك لم يتم إقرار القانون بالتصويت بل بالتمرير حتى لا يحسب الصوت على العضو.

أكثر ما تخشاه الإدارة ومؤسساتها من هذا القانون أن تتم المعاملة بالمثل من قبل بقية دول العالم، وتخضع أفرادها للمحاسبة خصوصاً وأن أمريكا متورطة في العديد من دول العالم، وسبق وأن رفعت في أوروبا قضايا على جورج بوس الابن وكولن باول وغيرهم من المسؤولين الأمريكان، وأسقطت القضايا بسبب الحصانة السيادية.

والقانون إن كان ظاهره موجه ضد المملكة ودول الخليج إلا أن مضمون القانون ونصوصه عامة يمكن أن تشمل أي دولة وفي أي قضية، لذلك كان موقف الاتحاد الأوروبي قوي ضد القانون وبشكل غير مسبوق. وكذلك الحال بالنسبة لما يقارب من ٢٠ دولة حول العالم بما فيها روسيا والصين.

ومن جانبه قال أ. خالد الحارثي: أعتقد أن جاستا فرصة عظيمة وكبيرة للمملكة تعطي المزيد من الزخم لقضية تداولناها عدة مرات كأحد أهم سياسات الإصلاح المواكب للتغييرات التي حدثت في الشرق الأوسط وفي تداعياتها التي أثرت كثيرا في العلاقات الدولية ككل .

القضية ذات الصلة تتعلق بحملة الجنسية الأمريكية من السعوديين من كل الفئات وضرورة أخذ أثرهم في فتح باب إضافي جديد في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

المملكة لديها مصالح كبرى مع أمريكا وحجم استثماراتها في أمريكا يزيد من أهمية تطوير الجهد الدبلوماسي المدني لتحقيق استدامة العلاقات المثمرة لصالح المملكة على المدى البعيد والمتوسط .

  • سيناريوهات مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية ما بعد جاستا

يرى د. سعد الشهراني أننا في مفترق طرق خطير و لكن ليس عصيا على الله ( فللبيت رب يحميه) و لكن ذلك مشروط بأن نزيل كل أسباب الضعف خصوصا ما يهدد  الكيان و الدولة  و أن نأخذ بكل أسباب القوة المعنوية و المادية و هذا يتطلب تلاحم القيادة و الشعب.

وأضاف: أنا متأكد أننا لن نجتاز المرحلة فقط بل سنحقق تقدما بإذن و لعل في رؤية 2030 شيء من ذلك و لعل في القرارات و الأحكام العدلية الخيرة بصيص أمل لمحاربة الفساد البنائي و لعل الخيارات تتسع  في الانفتاح الاستراتيجي على الدول الصديقة و الشرق و على كل دول العالم لتنويع الآفاق و البدائل الاستراتيجية . جاستا محطة في تاريخ العلاقات السعودية الأمريكية، وستستمر العلاقات و لكن بالتأكيد ليس على ما كانت عليه.

السيناريو الأخطر بعد جاستا يتمثل في صدور أحكام قضائية نهائية متعددة بتعويضات كبيرة و أموالنا لديهم و تحت سيادتهم و لا حماية قانونية لها و استمرار الكونجرس في نفس الاتجاه الذي صدر بموجبه قانون جاستا!

 ماذا أعددنا لتلك اللحظة؟

هل نستطيع إخراج أموالنا من المظلة السيادية الغربية عموما؟

هل هناك اتفاقيات معلنة أو غير معلنة تحمي استثماراتنا لديهم؟

من الضروري أن نسيل تدريجيا ما يمكن تسييله من استثماراتنا في أمريكا و حجتنا معنا في هذه اللحظة الاقتصادية و سيبقى الكثير منها خصوصا الاستثمارات طويلة الأجل، و لعل المشهد السياسي الدولي يتغير أثناء ذلك.

غريب أمرنا؛ فبلدنا جائع استثماريا ولدينا أموال نستثمرها في الخارج. هذه فرصتنا التاريخية نحافظ على أموالنا و نعيدها تحت سيادتنا وننطلق في اتجاه رؤية 2030.

أوضاعنا الاقتصادية تسمح لنا في السنوات القادمة أن نسيل كل ما يمكن تسييله من استثماراتنا قصيرة و متوسطة الأجل  في USA ( من غير استفزاز ) بحجة تمويل عجوزاتنا؛ والهدف الحقيقي استثمارها في الداخل في مشاريع إنتاجية كبرى بالمشاركة مع القطاع الخاص و المدخرات الفردية و لا بأس مع الشركات الأمريكية وربما أن هذا ما سيعزز فرص نجاح رؤية 2030.

وهدف آخر يتمثل في أن تكون مدخراتنا و احتياطياتنا و استثماراتنا تحت سيادتنا لا سيادة غيرنا؛ و مع ذلك سيبقى الكثير من الاستثمارات التي يمكن تنويعها جغرافيا بين الشرق و الغرب و بين السيادات لتعظيم العائدات و لتبقى لنا دالة سياسية و علاقات استثمارية و اقتصادية مع دول العالم المتقدم.

وأوضح أ. مطشر المرشد أنه يمكن تسييل واستعادة الاستثمارات السعودية في أمريكا؛ لكن ذلك يأخذ وقت وهناك صعوبات قد تكون فنية وليس قانونية تتعلق بأسواق المال والتوقيت المناسب.

هناك اجراءات من الممكن أن نقوم بها وقد تحتاج لفريق محترف؛ نجري صفقات swap بحيث نشتري سندات وأصول في بلدان أخرى ( ألمانيا فرنسا بريطانيا الخ ) مقابل سنداتنا الدولارية ، أي نبيعهم مقايضة نعطيهم سندات أمريكية ونشتري منهم سنداتهم.

وفي تصور د.م. نصر الصحاف فإن الأيام ستثبت أن هذا التخوف ليس في محله فالمملكة ليست الدولة الوحيدة التي تستثمر في أمريكا إنما العوائد الكبيرة هي ما يجعلها قبلة للاستثمار من قبل كثير من دول العالم، وليس من مصلحة المملكة تسييل استثماراتها في الولايات المتحدة لأسباب كثيرة ومنها:

  • الظرف الراهن للاقتصاد المحلي وما تمر به المملكة يوجب الاقتراض والاقتراض لأن الفائدة منخفضة نسبياً والبنوك مستعدة للإقراض لقوة الملاءة المالية.
  • تسييل الاستثمارات الخارجية في ظل عدم تنويع مصادر الدخل الحكومي وشح قطاع الصناعة غير البترولي يضعف الملاءة المالية ويعرض المملكة لخطر زيادة الفائدة ويدخلها في دوامة الاقتراض ودفع فوائد أعلى.
  • الاستثمارات الأمريكية هي الوحيدة في العالم التي حافظت على مستواها على مر العقود؛ وفي ظل عدم وجود صناعات ثقيلة في المملكة والاعتماد على مصدر واحد للدخل؛ فالسوق السعودي غير قادر على استيعاب هذا الكم الهائل من الاستثمار مما قد يولد سلبيات أخرى ليس المجال لسردها.

ويعتقد م. حسام بحيري أنه لحمايه أموالنا واستثماراتنا فإنه لا مفر من استخدام مبدأ تعامل الدول بالمثل وأي قضية ترفع ضد المملكة في أي محكمة أمريكية تحت قانون جاستا يعطي لنا الحق تلقائيا برفع الحصانة عن الولايات المتحدة؛ وهذا يشكل فرصه لنا لأننا لن نستطيع سن قانون مماثل لجاستا لخشية فهم دول العالم أننا لا نلتزم باتفاقياتنا معها وأننا قد نستهدفها ونحاول ابتزازها أسوة بالأمريكان ولكن مبدأ التعامل بالمثل يتيح لنا استهداف دولة معينة بحد ذاتها.

وأضاف: شخصيا سعيد بسن قانون جاستا لأنه فضح أمريكا ونواياها الابتزازية نحونا ووضح للعالم مدى خطورة سياسييهم المفلسين وكنا دائما نحتاج إلى الصفعة التي توقظنا من رمي أنفسنا في أحضان أمريكا التي طالما عاملتنا كبرميل بترول لا أكثر ولا أقل, على مدى عقود طويله سخرنا طاقاتنا الاقتصادية ومصالحنا السياسية وصدارتنا في العالم الإسلامي لتخدم مصالح السياسة الأمريكية على حساب مصالحنا الشخصية وأصبح واضح اليوم أن استثمارنا فشل فشلا ذريعا وحان الوقت لرسم سياسة مستقلة جديدة مبنية على مصالحنا أولا وأخيرا.

وقال أ. أمجد المنيف تحت عنوان : ماذا بعد “جاستا”؟! : لا يفترض أن نعيد شرح سيناريو “جاستا”، وما حدث في رحلة التصويت، وتحديدا بعدما أتقن الرئيس الأميركي باراك أوباما دوره بامتياز، حينما زعم أنه حاول نقضه بـ”فيتو” بارد، جاء كما نقول “بلا نفس”، مدعيا أنه يحاول حماية الحصانة الدولية، بينما الحقيقة أنه كان يريد أن يحمي تاريخه الضعيف، في البيت الأبيض، حتى آخر تخبط!

ضج المجتمع الدولي.. بعض الدول الأوروبية استنكرت، وتركيا عارضت، مرورا بالمنطقة العربية، بل أن قادة بعض المؤسسات الأميركية الحساسة غضبوا وحذروا، كمدير الاستخبارات المركزية “جون برينان”، الذي قال أن كل مسؤولي الأمن القومي، في هذه الحكومة، يقدرون مدى خطورة هذا التشريع على مصالح أمننا القومي، ويعرفون كيف سيؤثر فيها سلبا!

الأمر لم يقتصر على المناخ السياسي، وإنما تعدى للفضاء الاقتصادي، حيث نبهت عدد من الشركات الكبرى لمدى خطورته، وحذرت من العمل به.. ولكن السؤال ماذا بعد هذا التشريع؟ هناك نقاط لا بد من الوقوف عليها:

  • أولا، لا يفترض أن نستجيب لماكينات الدعاية الأميركية والإيرانية، والتي تحاول أن تلصق هذا التشريع بالسعودية، حيث لا يوجد إطلاقا  ذكر للمملكة في وثائق القانون الموقع عليه، ولذلك يجب أن نكون أكثر وعيا من التسليم إعلاميا، لأن الاستجابة الإعلامية رضوخ أولي.
  • ثانيا، كل الدول – بلا استثناء – قادرة على تشريع قوانين داخلية مماثلة، وقد لوحت بذلك بلدان مختلفة، كفرنسا وغيرها، وعندها ستتراجع  الولايات المتحدة الأميركية عن هذا التشريع، بعدما تذوق ويلاته، وتكتشف أنها الخاسر الأكبر يوما ما، نظرا لتشعب عملياتها العسكرية، وانتشار جنودها في العالم، وهذا ما أقر به أوباما.
  • ثالثا، لا يجب أن نتعامل مع هذه الأزمة – لو كانت فعلا كذلك – بعقلية عاطفية، من خلال رفع شعارات بالية، وترديد النظريات التي لم  تعد صالحة، وإنما يفترض أن نتعاطى مع المرحلة بلغتها، ونحارب بذات الأدوات، بشكل حديث ومؤسسي ومنظم، وبرؤية موحدة.
  • رابعا، من المهم ألا نسلم للشائعات، أو نساعد على ترويج بعض المخاوف التي ينشرها الجهلة وبعض الرعاع، ويساهم في نشرها بعض  الدخلاء على الصناعة الصحفية، والتي روجت لأحكام وهمية، وضغوطات وتضييق غير حقيقي، حتى قبل أن ترفع القضية الأولى في إطار هذا القانون.
  • خامسا، لو افترضنا (جدلا) أن هناك استهدافا ضمنيا للمملكة، فيجب أن نتذكر أن التقاضي يحتاج سنوات في الإجراءات، وأدلة للإثبات،  وليس لدينا ما نخشاه، ولسنا بدولة هشة تسقطها قضية أو قانون، ولنا هذا الثقل السياسي والاقتصادي والديني، والمكان الجغرافي المحوري في المنطقة.
  • سادسا، وتتبعا لأهم شائعة بعد القرار، والتي تقول بالتحفظ على الممتلكات السعودية، فيجب أن نعلم أن النسخة الثانية المعدلة من  القانون، والموقع عليها، لا يوجد بها ما يسمح للمحاكم الفيدرالية بالتحفظ على الممتلكات السعودية، وإنما هو تهويل مدروس، تم ضخه بعناية، وساعد على نشره متحمسون.
  • سابعا، يجب أن نخاطب المتلقي الأميركي، لنشرح له مدى جسامة الآثار المترتبة على هذا القانون، لأنه هو الأصلح في مخاطبة القانون  من الداخل، والذي يملك الأدوات الديمقراطية المؤثرة، وهنا يجب أن نسأل عما إذا كان هناك “لوبي” سعودي يعمل على ذلك؟
  • ثامنا، هل مؤسساتنا الإعلامية الحالية قادرة على التعامل مع هذه الأزمة! وهل لدينا استراتيجيات لذلك.. وهنا، تحديدا، يجب أن نكون  الفعل، لا ردة الفعل، موقف الرد دوما أضعف، في كل شيء.
  • تاسعا، من الضروري أن نعيد تشخيص الحلفاء بشكل دقيق، وأن نبحث عن فرص خلق تحالفات جديدة، حيوية وجادة، وذات مصالح  عميقة، لا تتغير بتغير المزاج الحكومي، وتستطيع الانفتاح على المتغيرات.
  • عاشرا.. وبمناسبة “جاستا”، ما تعريف الإرهاب؟! ومن يخلقه!.

وعلق أ. مطشر المرشد على ما ذكره أ. أمجد بقوله: بالنسبة للنقطة السادسة فبالفعل لا يوجد نص في النسخة الأخيرة يسمح بالتحفظ على أصول تعود ملكيتها للسعودية .. لكن عدم التجميد أو التحفظ الفوري لا يعني أن رؤوس الأموال والأصول الثابتة السعودية أصبحت محمية وخارج المسألة أو الابتزاز. وبالنسبة للنقطة التاسعة اتفق جدا بأننا بحاجة لإعادة تشخيص الحلفاء.

بشكل دقيق ودوري وبنفس الوقت يجب أن نعيد مراجعة أساليب إدارة تحالفاتنا وأن يصبح لدينا أجندة واضحة لحماية مصالحنا وقضايانا الاستراتيجية؛ ففي السابق لم يتم استخدام ثقل المملكة الاقتصادي بالشكل المطلوب لجعله مرادف ويعزز التحركات الدبلوماسية السعودية ، وهناك أمثلة عدة حول نجاح بعض الدول في توأمة الاقتصاد والدبلوماسية ليتضاعف تأثيرها وثقلها عالميا  كدولة قطر ومؤخراً إيران.

وبالعودة لموضوع جاستا ، لا يخفى على الجميع بأن المملكة و الولايات المتحدة الأمريكية تربطهما علاقات اقتصادية منذ عقود من الزمن وبالتأكيد سيكون هناك أكثر من وسيلة للضغط ، ابتداء من النفط مروراً بشركات خاصة واستثمارات بالسندات الأمريكية إلى المشاريع السعودية الأمريكية المشتركة حول العالم.. ورغم ذلك لا يجب التهديد بسحب الاستثمارات أو استخدام المواجهة الاقتصادية من خلال أسواق النفط ، بل فقط يمكننا الحديث مع الصين ودول البريكس الأخرى بحجة تنويع المخاطر .. فمن الواضح أن أمريكا توجهت نحو إيران بسبب قلقها من سرعة توسع كتلة دول البريكس الذي قد يصبح مهددا لهيمنة الدولار والاقتصاد الأمريكي مستقبلا ، ولأهمية موقع إيران الجغرافي وإطلالتها على بحر قزوين قررت أمريكا التخلي عن حلفاءها من العرب واتجهت نحو إيران بهدف قطع الطريق على دول البريكس ثم استقطاب رؤوس أموال جديدة من إيران لتخفيف هيمنة الصين والسعودية بما يخص امتلاك الديون الأمريكية ( سندات الخزينة ).

وتساءل م. خالد العثمان حول المخاطر الاقتصادية على السعودية جراء هذا القانون وهل يمكن فعلا تجميد الأصول وحجز الطائرات وغير ذلك من الإجراءات التي يتحدث عنها المتخصصون حول القانون وتطبيقاته؟

ويرى أ. مطشر المرشد أنه قد لا تصل إلى هذا الحد ، لكن بالتأكيد ستواجه بعض الاستثمارات والأصول السعودية لمحاولات ابتزاز وقد تصل الأمور لأحكام جائرة في القضايا التجارية أو الاستثمارية ويكون أحد أطرافها جهات سعودية.

ويرى د. خالد الرديعان أننا يجب أن لا نقع في فخ المعايير المزدوجة أو تبرير ما قامت به القاعدة لأن ذلك خطأ جسيم للغاية وأي صوت يبرر لفعل القاعدة يلزم اسكاته والتبروء منه. كما أن محاولة إلقاء التهم يمينا ويسارا على أطراف أخرى غير القاعدة عملا غير مفيد للغاية كنظرية إسرائيل والمخابرات الأمريكية وغير ذلك من النظريات المتهافتة التي لم تصمد أمام الواقع وليس من أدلة كافية عليها. العمل برمته مسؤولة عنه القاعدة تخطيطا وتنفيذا وقد اعترفت بذلك ولم تنكره فلماذا يلجأ البعض إلى نظريات المؤامرة التي لن تساعدنا في الدفاع عن أنفسنا بل تزيد الاحتقان والحنق ضدنا؟

ما يمكننا القيام به كمثقفين ونخب وهيئات شعبية هو إبداء قدر من التعاطف مع أسر الضحايا، وأن نتوجه لهم على وجه الخصوص لشرح موقفنا من القاعدة ومعاناتنا معها طيلة السنوات التي سبقت أحداث سبتمبر وأن نبين أننا ضد أي عمل إرهابي تحت أي مبرر.

الخطوة الثانية قد تكون عملا رسميا يتوجه إلى الكونغرس الأمريكي لشرح وجهة نظرنا حيال القاعدة والإجراءات المبكرة والاحترازية التي قمنا بها للحد من نفوذها ولمكافحة الإرهاب.

مخاطبة الكونجرس مهمة للغاية وهذه يجب أن تكون بصورة زيارات مستمرة يقوم بها سعوديون لديهم قدرة لغوية وخطابية يتم اختيارهم على أساس الكفاءة والقدرة وليس على أساس اعتبارات أخرى.

هناك أيضا مراكز صنع الفكر think tank وضرورة التواصل معهم ودعوة بعض الباحثين المؤثرين فيها لزيارة المملكة وشرح وجهات نظرنا لهم.

كما يجب أن لا ننسى الجامعات الأمريكية الكبرى والمؤثرة فهي تضم نخب أكاديمية مؤثرة في صنع القرار بحيث نرسل وفود أكاديمية لها لشرح مواقفنا والإجابة عن بعض الاستفسارات بخصوص أحداث ١١ سبتمبر.

كتّاب الصحف المؤثرة أيضا فئة مهمة للغاية يلزم دعوة بعضهم للمملكة حتى وإن كنا نختلف مع ما يكتبون وذلك لاطلاعهم على ما لدينا ونمكنهم من لقاء النخب الفكرية في المملكة لشرح مواقفنا وليسمعوا منا ونسمع منهم وبكل شفافية.

كما أن تحميلنا إيران مسؤولية أحداث ١١ سبتمبر والقول أنها مسؤولة عما جرى يعد عملا ساذجا للغاية لن يصدقه أحد بل ويمكن استخدام ذلك ضدنا.

إيران قامت باستضافة عناصر من القاعدة بعد حدوث المشكلة وليس قبلها وهذه نقطة مهمة يفترض أن لا تغيب عن بالنا.. إيران استفادت من القاعدة كما استفاد غيرها لكنها لم تمول عملية ١١ سبتمبر ولم يجد القضاء الأمريكي ما يشير إلى ذلك.

خلاصة ما أود قوله هو أن نركز على أن القاعدة والقاعدة فقط مسؤولة عن العملية برمتها، لكننا كسعوديين انتبهنا إلى مخاطرها كمنظمة إرهابية في مرحلة متقدمة ومن ثم جرمناها وتبرأنا منها ونبهنا إلى خطرها قبل وقوع حادثة سبتمبر.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

)                   حسب الحروف الأبجدية (

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. أسامة كردي
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • أ. أسمهان الغامدي
  • د. الجازي الشبيكي
  • أ. أمجد المنيف
  • د. حاتم المرزوقي
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • د. حمزة بيت المال
  • أ. خالد الحارثي
  • د. خالد الرديعان (رئيس لجنة التقارير)
  • م. خالد العثمان (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • أ. خالد الوابل
  • د. خالد بن دهيش
  • د. حميد المزروع
  • د. زياد الدريس
  • أ.د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سعيد الزهراني
  • أ. سلمان العمري
  • أ. سمير خميس
  • أ.د صدقة فاضل
  • د. عائشة حجازي
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالسلام الوايل
  • أ. عبدالله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • أ. عبد المحسن القباني
  • اللواء د. علي الحارثي
  • د. علي الحكمي
  • أ. علياء البازعي
  • أ. علي بن علي
  • أ. فاطمة الشريف
  • د. فايز الشهري
  • د. فهد الحارثي
  • د. فهد اليحيا
  • أ.د. فوزية البكر
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • د. منصور المطيري
  • أ. مها عقيل
  • د. ناصر القعود
  • أ. ندى القنيبط
  • د.م. نصر الصحاف
  • د. نوف الغامدي
  • أ. هادي العلياني
  • أ. هيا السهلي

(*) – كنت مشاركا في الاجتماعات الأولى لفكرة معهد التدريب الإعلامي.

(*) – كان لي شرف التنسيق والتنظيم لهذه الورشة والمتابعة لتوصياتها.

(*) – http://hbrarabic.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d9%88%d8%b6%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%b7%d9%8a%d9%81%d8%a99/

(*) – http://www.bintjbeil.com/articles/ar/021117_assamak.html

(*) – راجع، د. عمر مسقاوي في مقالة له في جريدة “النهار” تاريخ 19/5/2001 حيث يقول في مفهوم الذمية: “والذمة هنا ليست ذمة حماية  فوقية كما هو أسلوب الحضارة الغربية المعاصرة، بل هي وعاء الذاكرة الابراهيمية. وتعبير “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” هو تكملة مفهوم أهل الذمة. وهذا يعني أن السلطة حين تأخذ بعدها التنظيمي في المفهوم الإسلامي وتنتقل إلى صيغة جديدة في مفهومنا الحديث يصبح وعاء الذمة هو الوعاء الوطني. والوعاء الوطني هو الذمة المتبادلة بين الذين هم في إطارها”.

قراءة 277 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 11:01

أضف تعليق


كود امني
تحديث