الأخبار
الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:37

التقرير الشهري الحادي والعشرون

قيم الموضوع
(0 أصوات)

ديسمبر 2016م

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر ديسمبر 2016م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • الاقتصاد الخليجي والعربي بين التنافس والتكامل
  • الأمن الوطني في ظل المتغيرات الدولية
  • مؤسسات المجتمع المدني العربية: هل أفسدت وسائلها غاياتها؟
  • الهوية الخليجية: الواقع والمأمول

محتويات التقرير

المحور الأول: الاقتصاد الخليجي والعربي بين التنافس والتكامل

  • الورقة الرئيسة: م. خالد العثمان
  • التعقيب الأول: أ. خالد الحارثي
  • التعقيب الثاني: د. حميد المزروع
  • التعقيب الثالث: أ.د. صدقة فاضل
  • التعقيب الرابع: د. ناصر القعود
  • المداخلات حول القضية:
  • الاقتصاد الخليجي والإشكالات الراهنة
  • رؤية استشرافية: نحو التكامل الاقتصاد الخليجي والعربي

المحور الثاني: الأمن الوطني في ظل المتغيرات الدولية

  • الورقة الرئيسة: د. علي الحارثي
  • التعقيب الأول: د. سعد الشهراني
  • التعقيب الثاني: م. حسام بحيري
  • المداخلات حول القضية:
  • أبعاد قضية الأمن الوطني وتشابكاتها المعاصرة
  • القبيلة العربيّة وإشكاليّة الوطن والدولة.
  • الأمن الوطني: منظور نفسي
  • الأمن الوطني و تأثير وسائل الإعلام المحلية والدولية
  • التعليم والأمن الوطني
  • آليات الحفاظ على الأمن الوطني للمملكة

المحور الثالث: مؤسسات المجتمع المدني العربية: هل أفسدت وسائلها غاياتها؟

  • الورقة الرئيسة: د. فايز الشهري
  • التعقيب الأول: د. عبد الله بن صالح الحمود
  • التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان
  • المداخلات حول القضية:
  • مؤسسات المجتمع المدني العربي: واقعها والإشكالات المرتبطة بدورها الراهن
  • آليات تفعيل دور وتأثير مؤسسات المجتمع المدني العربي

المحور الرابع: الهوية الخليجية: الواقع والمأمول

  • الورقة الرئيسة: أ. كوثر الأربش
  • ماهي الهوية الخليجية؟ ما الذي يحددها؟
  • معوقات الهوية الخليجية
  • كيف نكرس الهوية الخليجية؟
  • التعقيب الأول: أ. أسمهان الغامدي
  • التعقيب الثاني: أ. سعيد الزهراني
  • المداخلات حول القضية:
  • الهوية الخليجية: المحددات والمهددات
  • آليات تعزيز الهوية الخليجية

المحور الأول

الاقتصاد الخليجي والعربي بين التنافس والتكامل

الورقة الرئيسة: م. خالد العثمان

أكتب هذه الورقة وأنا على متن الطائرة في إحدى رحلات جولة مكوكية بين بعض دول شرق آسيا ، فوجدتني أعقد المقارنة بين واقع التكامل الاقتصادي بين دول الآسيان في مقابل واقع مرير من الشتات والتفكك في العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وواقع آخر أقل كثيرا من حجم الإمكانات والتطلعات بل وحتى القرارات في العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي . وعلى الرغم من أن الاقتصاد والسياسة هما وجهان لعملة واحدة كما يقال ، إلا أنني أجزم أن العلاقات والمصالح الاقتصادية والتنموية يمكن أن تكون رافدا مهما لتنمية العلاقات السياسية بين الدول العربية انطلاقا من مبادئ وحدة الدين والدم واللغة والمصير المشترك . ومع ذلك ، فإن واقع التفكك الذي تعيشه الدول العربية في علاقاتها السياسية البينية ، والضعف الهيكلي لدور جامعة الدول العربية في القيام بدور فاعل في هذا المجال ، وتزايد الصراعات والحروب في المنطقة والتدخلات الخارجية فيها ، كل ذلك انعكس واقعا مريرا في العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية ، إلى درجة أن الجامعة عجزت لسنوات طويلة عن تفعيل قرار زعماء الجامعة بتأسيس السوق العربية المشتركة ، وبات هذا الحلم أملا منسيا وضربا من ضروب الخيال . وحتى تظهر نية حقيقية لرأب الصدع الهائل في هيكل جامعة الدول العربية ومعالجة المشكلات الجذرية القائمة بين الدول العربية ، فإنه لا يمكن في الحقيقة الحديث عن تكامل اقتصادي عربي ، وسيظل المظهر العام للعلاقات الاقتصادية العربية حالة من التفكك والتنافس وغياب التعاون الصناعي والتقني والمعرفي وحتى البشري . ولذلك ، فإن من الضروري أن تسعى دول مجلس التعاون الخليجي لمعالجة هذه الظاهرة على مستوى دول المجلس ، ليس فقط لتسن نموذجا ربما يغري بقية الدول العربية لاتباعه وتبنيه في الدائرة العربية الأوسع ، بل أيضا حتى تحقق لذاتها ولشعوبها فرصا تنموية أفضل بدل أن تنجر إلى النموذج العربي المهترئ .

وعلى مستوى الدول الخليجية ، يمكن القول أن هناك نوايا وبرامج وخطط وقرارات لتحقيق تكامل اقتصادي فاعل بين دول المجلس ، ومن ذلك مثلا الاتحاد الجمركي والعملة الخليجية الموحدة والربط الكهربائي وغير ذلك . ومع ذلك ، فإن كل ما نراه يعاني إما من بطء في التنفيذ والتفعيل ، أو تحفظ بعض الدول على بعض تلك الخطوات والانسحاب منها ، والأهم أنه لا يرقى إلى مستوى الطموح والتطلعات التي يتحدث عنها قادة المجلس ، ولا إلى مستوى الإمكانات التي تملكها هذه الدول . والأنكأ ، بروز مشاهد متعددة من التنافس المحموم في عدد من القطاعات بين دول المجلس ، بل وربما داخل بعض تلك الدول . هذا التنافس يفقد هذه الدول مزاياها النسبية ، ويفتت الجهود ويشتت الفرص بما يؤدي إلى ضياعها وربما انتقالها وهجرتها إلى مناطق أخرى اقليمية . سأضرب هنا بعضا من الأمثلة على هذا التنافس المحموم الذي يتعمق أحيانا ليصبح صراعا مدمرا لكل أطرافه.

  • المطارات المحورية .. حيث كان مطار دبي الأول في المنطقة الذي يتبنى القيام بهذا الدور ، ويكتسب بالفعل مركزا عالميا متقدما في  النقل الجوي والربط بين الشرق والغرب . ولكن نجاح نموذج مطار دبي أغرى إمارات ودولا خليجية أخرى لتقليد هذا النموذج ، فأصبح في المنطقة مطارات أبو ظبي والدوحة وقريبا الكويت والرياض وجدة . وفي النتيجة باتت هذه المطارات تتنافس على ذات العدد من المسافرين العابرين عبر المنطقة ، وسيؤدي بالتأكيد إلى فشل معظمها وضياع الأموال التي استثمرت فيها .
  • المراكز المالية .. وكلنا يعلم أن البحرين كانت على الدوام المركز المالي الأهم في المنطقة بعد أن انتقلت المصارف الأجنبية والعالمية إليها  من بيروت إبان الحرب الأهلية . ولكن المشهد يبرز بجلاء الجهد الذي بذلته دبي لتأسيس مركز دبي المالي واستقطاب المصارف التي انتقل بعضها من البحرين خصوصا مع تأثير الأحداث المؤسفة التي شهدتها . وتسعى قطر أيضا إلى تكرار نفس النموذج التنافسي ، ويتحدث بعض المسئولين في مصارف عالمية في البحرين عن عروض مغرية تقدمها قطر لهم لنقل مقراتهم إليها من البحرين . مركز الملك عبد الله المالي في الرياض سيكون عنصرا جاذبا لعدد من تلك المصارف العالمية خصوصا مع ما سيتاح له من امتيازات تحدثت عنها رؤية 2030 .
  • الصناعات .. وربما تكون المملكة سباقة في هذا المجال خاصة مع إعلان الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله أن الصناعة هي خيارنا  الاستراتيجي ، وخاصة مع النجاح المبهر لمدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين ، ونموذج المدن الصناعية ومناطق التقنية ، وغير ذلك الكثير . إلا أن الحديث عن تبني الصناعة أيضا خيارا استراتيجيا بدأ يتكرر من مسئولي بعض الدول الخليجية الأخرى . هذا التوجه ليس مشكلة بحد ذاته فمجالات الصناعة متعددة ومتنوعة ، لكن الخشية هي دخول الدول أيضا في صراع تنافسي نتيجة تكرار ذات الصناعات بما في ذلك الصراع على حقوق الملكية الفكرية . سيكون من الأجدر بكل تأكيد وضع استراتيجية صناعية شاملة تشترك فيها كل دول الخليج ، وربما حتى من شاء الانضمام لها من الدول العربية ، وذلك لتأسيس منظومة صناعية متكاملة في كل مراحل التصنيع الأساسي والتحويلي والمساند والتجميعي .

في الخلاصة ، موضوع التعاون والتكامل الخليجي لا زال بعيدا عن تحقيق التطلعات ، ومن الضروري تفعيل دور الدائرة الاقتصادية في مجلس التعاون الخليجي لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود .

التعقيب الأول: أ. خالد الحارثي

يهمني كثيرا في هذه القضية النتائج والمصالح التي يحققها في نظري الاقتصاد السعودي والإنسان السعودي من هذه العلاقات والارتباطات أكثر من درجة الأهمية التي تنظر إلى أُطر العلاقات والكتل ومصالح الدول الأخرى ، حيث يمكن الوصول للغايات بطرق متعددة علينا عبء إيجادها والتنقيب عنها.

أعتقد أن الآفاق أمام خيارات المملكة في مصالحها عربيا وخليجيا على جبهات التنافس والتكامل كبيرة جدا ، إذا أخذنا بالحسبان العدد الكبير من الدول التي تربطها مع المملكة حدود مشتركة على البحر الأحمر والخليج العربي بجانب الحدود البرية الممتدة من كل الجهات تقريبا مما يضع المملكة في مركز دائرة من المصالح المتنوعة التي لا تحكمها ضرورة إطار تكتل ، بل مصالح ثنائية تتباين مع كل دولة على حدة عن بقية الدول بحسب مصفوفة التكامل التي توفرها موارد وطموحات المملكة الوطنية للدولة الشريك في المصالح الثنائية.

المملكة تتفوق على جاراتها من الدول بوفرة الموارد وتنوعها ، ويتوفر لها مقومات القدرة على إضافة القيمة للموارد والمواد الخام من دول الجوار وتحقيق الطموحات في تنويع الإنتاج وزيادة القيمة المضافة ، والقيام بدور يستفيد من الموقع الفريد وحجم ونوعية الثروات الهائلة غير المستثمرة.

في تصوري أن تعثر الجهود الرامية لبناء التكتلات خلال العقود الماضية يقدم للملكة اليوم فرصة مهمة تتمكن فيها المملكة من بناء المجمعات الصناعية الكبرى بالشراكة والتعاون مع قادة الصناعات المختلفة في العالم بما توفره المملكة من مواد خام من ذاتها ومن المنطقة سواء في مجال الغذاء أو أي مجال تقدم فيه المملكة بعض أو كل القيمة المضافة في المنتجات النهائية ، ويزيد من تخفيض وتقنين وحوكمة الاحتياج للعمالة الأجنبية الماهرة. إضافة إلى ما تقدمه الاتفاقات الثنائية للمملكة من نطاق واسع للحركة في التفاوض حول الأسعار والشكل والموضوع ويوازن ميزان المدفوعات دون الاعتماد على النفط.

هذا لا يلغي أهمية التكتلات الإقليمية والقومية ولكن دون أن نقف مكتوفي الأيدي حتى تنضج فرص التكتلات بالظهور والفاعلية. وفيما أعتقد أن هذا الدور الذي يتوخى من المملكة يجعلها أكثر جاذبية لتحقيق وإنجاز التكتلات على المدى المتوسط والبعيد. ويضخم الاحتياج للتعامل الإيجابي للمملكة مع مقومات رؤية ٢٠٣٠ كالموقع والمساحة والإطلالة على المضائق والمعابر الدولية ، ويزيد من المزايا النسبية والتنافسية لمطاراتها وموانئها ومراكزها المالية ، وتنشيط وتسريع إنجاز أهداف مراحل التحول لاقتصاد المعرفة.

تعتمد في كثير من الأحيان اقتصاديات المعرفة على الفكرة الأصيلة ، والتطبيق المبتكر ، ودمج الأهداف المتجانسة نوعا والمتعددة كماً لتحقيق المصالح على محور ٣٦٠ درجة ما أمكن ، وهذا زخم كافٍ ودفع تنموي للتطوير والتوسع في البنية التحتية للمواصلات والنقل للمواد الخام والخام المطور والمنتجات والسلع ، والبنية التحتية للطاقة والطاقة المتجددة ، والبنية التحتية المطورة للاتصالات والتقنية والبنية التحتية في البيئات الصناعية والعلمية.

وختاما ، الطريق غير معبد لعزم عربي أو خليجي موحد بالعزم والإصرار لإنجاز الاستحقاقات الجامعة سواء خليجيا أو عربيا ، ويأتي دور المملكة بهذه المحاور في رأيي لتحقيق التوازن في المنطقة وتتويج المملكة بمكانتها المستحقة التي تربط مصالح الدول بالمملكة أبعد من الارتباط الوجداني والبعد الروحي إلى البعد المادي البراجماتي الذي تنجح معه السياسات والاستراتيجيات وتزيد قابلية تحققها وإنجاز أهدافها.

التعقيب الثاني: د. حميد المزروع

تناول م. خالد العثمان قضية تمس واقع ومستقبل الاقتصاد الخليجي  والعربي علي ضوء  ضبابية  المشهد السياسي الحالي  ، والتحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها المنطقة ، خاصة بعد انخفاض أسعار البترول، وأثر ذلك علي توجه  دول مجلس التعاون الخليجي علي تبني وتطبيق  منظومة الاقتصاد التنافسي والمتنوع .

تختلف درجة اعتماد الدول الخليجية والعربية في نسبة صادرات النفط والغاز في ناتجها الوطني ، وإن كان ما زال يمثل نسبة عالية تتراوح ما بين ٦٠- ٩٠٪ ، لذا كان من الضروري علي الدول العربية أن تعيد النظر بهيكلة ميزانياتها السنوية بتقليص المصروفات ، وإيجاد  مصادر دخل أخرى مثل؛ الرفع التدريجي لأسعار الطاقة، فرض الرسوم والضرائب مقابل الخدمات الحكومية، تطبيق ضريبة القيمة المُضافة ، والتوجه إلى خصخصة الشركات الحكومية والمرافق الخدمية للحصول علي عوائد مالية مجزية ، ولتجويد الإنتاج في نفس الوقت ، إلى جانب أهمية إعطاء القطاع الخاص زمام القيادة والمبادرة في إدارة القطاع الصناعي والتجاري .

 ولتقوية القطاع الخاص ؛ أقترح أن توجه الحكومات الخليجية نسبة محددة من الأموال المحصلة من الضرائب (١٥-٢٠٪) ، لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة لتمكينها من النهوض باقتصاديات المنطقة .

إن التنمية  المستدامة وتنويع مصادر الدخل لدول مجلس التعاون الخليجي والدول العَربية تتطلب اعتماد خطط مالية وتشريعية واضحة ، مع وجود الأدوات اللازمة لتنفيذها، حتي يتمكن قطاع الأعمال من المشاركة الفعلية في تأسيس أنشطة اقتصادية متنوعة تساهم بالناتج الوطني لهذه الدول ، وتساهم في تخفيض نسبة البطالة المتصاعدة ، والتي بدأت  آثارها تظهر بالفعل في بعض الدول العربية علي شكل اضطرابات اجتماعية والهجرة ، وهذا ناتج بسبب تراكم ممارسة السياسات المالية والاقتصادية غير المناسبة أو الفساد ، ولذلك تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي علي وجه التحديد المباشرة في تنفيذ الأهداف  التنموية بأنواعها و التي يطمح لها المواطن الخليجي منذ حوالي عقدين، والتجاوز عن الإشكالات السياسية المفتعلة التي أدت الي تأجيل عدد من القرارات الاقتصادية الحيوية؛ مثل العملة الموحدة، وتوحيد التشريعات والأنظمة لتسهيل الاندماجات بين الكيانات الصناعية والمصرفية  المتشابهة لتقويتها ،وتفعيل التجارة البينية ، وتسهيل تأسيس الشركات المشتركة وفقا لتوفر الموارد والإمكانات لكل دولة.

إن الاقتصاد الحديث يعتمد علي الابتكار والإبداع في التصنيع والتسويق وليس علي الاقتصاد التقليدي الجامد ، والذي يعتمد علي استخراج وتصدير المواد البترولية والخامات الأولية ، وتظهر هنا حاجة الدّول الخليجية والعربية لتأهيل مواطنيها للمستقبل ، بتأهيلهم للعمل بالمهن المتخصصة ، والتي ترتبط بقطاعات التنمية المعاصرة والمتنوعة مثل التصميم ، البرمجة ، خطوط الإنتاج والصيانة ، وفي نفس الوقت الإسراع باعتماد  التشريعات المناسبة للنهوض بالاقتصاد المعرفي ، والأخير يعد أحدا أهم الروافد الاقتصادية للدول النامية .

وينبغي أن تبدأ دول الخليج العربي بتنفيذ الإجراءات الأتية:

  • أولا : تخفيض أو دمج كليات العلوم الإنسانية وتأسيس عدد مناسب من كليات أو معاهد العلوم المهنية أو التطبيقية التي يحتاجها  القطاع الخاص بشكل دائم .
  • ثانيا: أن تبدأ باستقطاب الكفاءات العربية المتخصصة بالعلوم التطبيقية والتقنية ، للاستفادة منها ،ولتوطين التقنية وتطويرها، وكذلك  لتأسيس جيل من المختصين لإدارة القطاع الصناعي باعتباره القطاع الأكثر أهمية لتنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل .
  • ثالثا: أقترح أن يساهم الإعلام بتغير المفهوم المتجذر عند أطياف المجتمع بأفضلية الوظيفة الحكومية ، بعد تأهيل الشباب مهاريا ونفسيا  للدخول بالوظائف المتنوعة التي يوفرها القطاع الخاص . كما تحتاج الجهات المختصة أن تستعد للتداعيات  الاجتماعية التي حتما ستنتج عن تطبيق الاقتصاد التنافسي؛ بأن تهيأ المجتمع لهذه المرحلة الانتقالية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية .
  • رابعا: تسهيل إجراءات تحول الشركات العائلية الي شركات مساهمة لتتمكن من النمو ولضمان استمرارها .

يجب أن تنطلق اقتصاديات الدول العربية علي مبدأ التنافس من أجل التكامل ، والتكافل لمصلحة الجميع لتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع  الثروات واستحداث الفرص الوظيفية بشكل متجدد.

إن اختلاف الموارد والثروات الطبيعية بالعالم العربي يعد ميزة إضافية لهذه الدّول لتكريس مفهوم التبادل التجاري من خلال تفعيل اتفاقيات الإعفاء الضريبي ورفع قيمة الصادرات بين الدول الخليجية والعربية لتعزيز التنمية المستدامة ولتوفير الاستقرار الاجتماعي .

إن حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها المنطقة يفرض علي أصحاب القرار الاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي فتح أفاق وتحالفات استراتيجية جديدة مع الحكومات والشركات الصناعية المتطورة في أسيا ، مثل الصين وكوريا الجنوبية ، لخلق  فرص اقتصادية وتجارية ، والدخول في استثمارات مشتركة مثل تصنيع الأدوية ، الغذاء ، وأخرى متعددة .

التعقيب الثالث: أ.د. صدقة فاضل

أعتقد أن السياسة هي التي تسير الأمور في كل الدول وبخاصة في دولنا العربية . هذا لا يعنى اطلاقا أن بقية مجالات الحياة العامة وخاصة الاقتصاد هي أقل أهمية . الشاهد أن السياسة ( الإدارة ) هي التي تدير كل فعاليات المجتمع أي مجتمع . فالسياسة تعرف بانها : الإدارة العليا للشأن العام في البلد أي بلد .  يصعب في البلاد ذات الحكومات غير التمثيلية أن نتوقع أن مصلحة البلد هي نفسها مصلحة النظام القائم في ذلك البلد . في أغلب بلادنا العربية يكون للنظام القائم فيها القول الفصل في تحديد مسار الأحداث … بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى حتى ولو كانت مصلحة اقتصادية واجتماعية مؤكدة .

 وإن انتقلنا الآن للحديث عن التعاون الاقتصادي فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي نجد أن ما نسميه بالسياسة التعاونية الخليجية بدأت عام 1971م وتوجت بقيام مجلس التعاون عام 1981م . ومع قيام المجلس أبرمت الدول الست الأعضاء الاتفاقية الاقتصادية الموحدة . وأعطيت فترة خمس سنوات اعتبارا من العام 1983م لاكتمال تحقيق هدفها وهو إقامة ” وحدة اقتصادية ” كاملة فيما بين الدول الست الأعضاء.  ولكن حتى الآن ( عام 2016م ) لم يتحقق من بنود هذه الاتفاقية سوى حوالى 15 في المئة. .. ؟! ما هي أسباب هذا التعثر فيما بين أكثر دول العالم تقاربا وتشابها على معظم المستويات ؟  إنها السياسة. ويمكن أن نفكك هذا المسبب الكبير إلى عدة عناصر أصغر، لعل من أهمها: ضعف الثقة بالآخرين، والرغبة الجامحة في عدم التنازل عن أي قدر من “السيادة” مهما قل.

التعقيب الرابع: د. ناصر القعود

إن شمولية وعمومية عنوان القضية تجعل من الصعب الإلمام بأطرافه المتعددة في هذا التعقيب . ومن المناسب التعريف بمفهوم التكامل الاقتصادي . هذا المفهوم يعنى بمراحل الربط بين اقتصادات مجموعة من الدول بهدف زيادة قدراتها الاقتصادية والتفاوضية وتشجيع النمو وتعزيز التنمية فيها وتوسيع السوق أمام منتجاتها . ومراحل التكامل الأكثر تداولا في الأدبيات الاقتصادية تبدأ بمنطقة التجارة الحرة ويليها الاتحاد الجمركي ثم السوق المشتركة وانتهاءً بالاتحاد النقدي والاقتصادي ، وذلك ما حققه الاتحاد الأوربي ، النموذج الأنجح للتكتلات الاقتصادية .

وقد سعى مجلس التعاون لدول الخليج العربية للأخذ بهذا النموذج فأقام منطقة التجارة الحرة عام ١٩٨٣ وتوصل إلى الاتحاد الجمركي عام ٢٠٠٣ وأعلن عن قيام السوق الخليجية المشتركة ابتداء من مستهل عام ٢٠٠٨، واتفق على أسس ومتطلبات الاتحاد النقدي ، وأنشأت أربع دول المجلس النقدي الخليجي عام ٢٠١٠، إضافة إلى إنشاء عدد من المؤسسات الخليجية المشتركة ( مثل هيئة الخليج للاستثمار وهيئة التقييس و هيئة الربط الكهربائي ومركز الإحصاء لدول المجلس ….). فالتكامل هنا يقصد به تكامل اقتصادات مجموعة من الدول بدءاً بتشجيع المنتجات الوطنية في دول المجموعة والسماح بانتقالها بين هذه الدول بدون رسوم جمركية مما يساعد على تحقيق المنافسة و تحسن الإنتاجية ، وبعد توحيد التعرفة وإقامة الاتحاد الجمركي تنتقل البضائع الوطنية والخارجية بدون قيود بين هذه الدول ، الأمر الذي يزيد من كفاءة الموانئ والمنافسة بين الموردين وانخفاض التكاليف على المستهلكين . ومتى قامت السوق المشتركة سمح بانتقال كل عناصر الإنتاج ، العمل و رأس المال و البضائع ، بدون قيود بين هذه الدول و نشأ عن ذلك ما يسمى بالمواطنة الاقتصادية التي يعامل فيها مواطنو هذه الدول في أي دولة من دول المجموعة نفس معاملة مواطنيها دون تمييز في كافة المجالات الاقتصادية لاسيما العمل والاستثمار والتمتع بالخدمات التعليمية والصحية .

فالتكامل الاقتصادي لا يعني اندماج الوحدات الإنتاجية والمؤسسات أو تكتلهم في كيان واحد فالمنافسة مطلوبة وتوسيع السوق يشجع عليها مما يرفع الإنتاجية و يحسّن النوعية . قياس نجاح دول المجلس في التكامل الاقتصادي لا يكون بقياس مدى التنافس بين المؤسسات والشركات، فالتنافسية بشروطها مطلوبة اقتصاديا لتحسين المنتج وخفض تكاليفه ، وفي الوقت نفسه فإن التكامل الرأسي بين الصناعات المترابطة بهدف الاستفادة من اقتصاديات الحجم مطلوب ومحمود .

ويمكن قياس نجاح التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون بمدى استفادة المواطنين أفرادا ومؤسسات من السوق الخليجية المشتركة ويتأتى ذلك من مدى التزام الدول الأعضاء بتنفيذ متطلباتها.  واتفق مع م. خالد بأنه رغم ما تحقق من نجاحات ، مازال التكامل بين دول المجلس دون الطموحات، غير أن العلاج لن بتم من خلال الإدارة الاقتصادية في الأمانة العامة في المجلس ، رغم أهمية دورها ، بل ينبغي أن يتم من خلال إيمان الدول الأعضاء بضرورة المزيد من التكامل وتنفيذ ما اتفق عليه من قرارات وسياسات واستراتيجيات للتكامل الانمائي، وقبل ذلك معالجة الاختلالات الهيكلية في اقتصاد دول المجلس المتمثّلة في هيمنة العمالة الوافدة على القطاعات الإنتاجية والخدمية و سوق العمل وهيمنة النفط على بقية القطاعات . أما محاولات التكامل على المستوى العربي رغم قدمها لم تنجح ولم تتبع إطارا منهجيا ، فقد جربت السوق العربية المشتركة قبل أو أنها وفشلت ، واتجهت مؤخرا إلى المنهج التكاملي ، واتفقت على إقامة منطقة التجارة العربية الكبرى ولم تنفذ كما ينبغي للأسباب التي أشار إليها م. خالد .

المداخلات حول قضية: (الاقتصاد الخليجي والعربي بين التنافس والتكامل)

  • الاقتصاد الخليجي والإشكالات الراهنة

ذكرت د. نوف الغامدي أنه وبالرغم من الأهمية النسبية لحجم الاقتصاد الخليجي الذي بلغ 1.62 تريليون دولار. إلاّ أنه يشكل فقط 2.2% من الاقتصاد العالمي و10% من الاقتصاد الأمريكي و18% من الاقتصاد الصيني. وبالرغم من وجود قواسم مشتركة بين الاقتصادات الوطنية لدول المجلس، على اعتبارها اقتصادات ريعية تشكل عوائد النفط معظم دخولها القومية، إلاّ أنها تتفاوت في حجم الناتج المحلي لكل منها، بما يؤثر على توجهات الأنشطة الاقتصادية محليا أو دوليا. كذلك فإن القرار الاقتصادي يبقي مرهوناً بالمتغيرات السياسية التي أعاقت الكثير أو أبطأت أو أخرت تنفيذ العديد من المشاريع التي تكون البنية الأساسية للتكامل الاقتصادي، وحقيقة فأن هناك معوقات عدة للتكامل الاقتصادي منها:

  • الاختلالات الهيكلية: معظم دول الخليج والعالم العربي تعتمد على سلعه أو عدة سلع معينه ونفتقر إلى المقدرة على التحول وهو ما  يجعل توجهنا نحو التفكك أكثر منه إلى التكامل .
  • النزوع إلى القطرية: وهو البعد عن التحالفات الجماعية مقابل النزعات الثنائية أو الفردية التي تخدم المصلحة .
  • العوامل الاجتماعية .
  • ضعف وغياب الإدارة السياسية الواعية .
  • صعوبة التنسيق الاقتصادي بين الدول الخليجية والعربية : فالدول الخليجية اعتمدت على سلعه واحدة وهي البترول؛ ولا يوجد تنافس  حقيقي فاعل بينها ، أما الدول العربية فهناك اختلال في التخطيط الاقتصادي والتشريعات والتنظيمات لكل منها.
  • التبعية الاقتصادية والمالية للدول الغربية: من خلال الاحتياج السلعي أو البترولي.

وتساءلت أ. أسمهان الغامدي: لماذا التقاعس في تنفيذ القرارات التي اتفق عليها قادة المجلس من خلال الجهات التنفيذية ؟ ولمصلحة من إذا كان تفعيلها يخدم جميع الدول بالإيجاب؟

وأوضح م. خالد العثمان أنه لا يستطيع الجزم إن كان السبب في الحقيقة هو تقاعس أم قلة كفاءة أو قلة إرادة أو تباين في أولويات المصالح لكل دولة .. وربما يكون خليط من كل ذلك وأسباب أخرى أيضا سياسية واجتماعية ومادية .. المهم في رأيه هو النتيجة التي يراها خطرا محدقا بدول الخليج في ظل تنامي المصالح الذاتية البراجماتية كما وصفها أ. خالد الحارثي على المصالح الخليجية الأشمل .. وتوسيع الإسقاط على حال الدول العربية هو أكثر إيلاما بالطبع.

أيضا فإن المشكلة أن دور الإدارة الاقتصادية غير واضح المعالم وغير معلوم في الأوساط التجارية والاستثمارية .. لم نسمع ابدا عن أي تواجد لها في محافل مثلا مع الغرف التجارية أو المنتديات الاقتصادية .. دورها كما يبدو مقتصر على تناول بعض الملفات الاقتصادية على مستوى التنسيق بين قيادات دول المجلس .. وهو بالتأكيد دور قاصر ونظري وبعيد عن الميدان؛ مثلا .. السعودية أعلنت عن رؤية ٢٠٣٠ .. وقبل أسابيع قطر أيضا أعلنت عن رؤية ٢٠٣٠ .. والبحرين كان لها رؤية .. وأبو ظبي كذلك .. وكانت الأمنية أن نرى شيئا من التنسيق بين هذه الرؤى على الأقل على سبيل المقارنة والتحليل ودراسة محاور التعارض والتناقض والتنافس والتكامل والتعاون والانسجام في رؤية استراتيجية اقتصادية شاملة لدول المجلس كافة.

وأشار د. حميد المزروع أنه يمكن التأسيس للتكامل الاقتصادي بين الدّول علي سبيل المثال في  الاقتصاد الزراعة وتصنيع الغداء ، حيث  يمكن الاستفادة من الموارد المائية   الموجود في عدد  من الدول العربية ، وتوفير التمويل الازم من الدول الخليجية ، وبالتالي  يتحقق التكامل ونقلل من كلفة فاتورة الغذاء .

وتساءلت أ. أسمهان الغامدي: هل يكون عدم تساوي القدرة الاقتصادية أو قربها سببا في عدم وجود دعم سياسي كامل وكاف؟

ويعتقد أ. خالد الحارثي أنه لا دخل للبنية التحتية لمشاريع تمكين المملكة من الاستحقاقات جغرافيا، والجغرافيا السياسية لا تشمل المستثمر الأجنبي بل هي استثمارات المال العام والمحافظ الوطنية. الحاجة إلى السيولة والأموال الأجنبية تأتي من شُح الثروات الوطنية وعجز المال العام عن تمويل المشروعات الكبرى (مشروعات البنية التحتية) وهذا لا ينطبق على المملكة.  بل لدى المملكة فرص أكبر للتمويل وهي إصدار صكوك خاصة لتمويل مشاريع البنية التحتية من خلال القطاع الخاص السعودي، وهذه ميزة إضافية لدعم القرارات في التوجهات المذكورة دون ضغوطات أجنبية بشأن التمويل مثلاً.

وقال م. أسامة كردي: أنا من المتفائلين و قد أوضح د صدقة سبب تفاؤلي: فعلى المستوى الخليجي : فقد أوضح التقدم الذي تم في مجال  التعاون الاقتصادي مع الحاجة إلى توسع قنواته و تطويره .. لكن لا ننسى أن اقتصاديات الدول الخليجية متشابهة و ليست متكاملة مما يؤدي إلى صعوبة رفع مستوى التعاون فيما بينها و لهذا الأمر نجد التركيز على تنسيق العمل المؤسسي ( الجمارك و العملة الموحدة كمثال ) حيث لا يخفي أن النفط و الغاز هو المسيطر على اقتصاديات هذه الدول. و يتطلب هذا التوسع في التنسيق إلى المستوى الثقافي و العلمي.

أما على المستوى العربي: فإن توقيع اتفاقية ( البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة العربية الحرة الكبرى ) منذ حوالي ١٠ سنوات كان خطوة مهمة  جداً و أدت هذه المنطقة دورها في تنمية التجارة العربية ( حسب دراسات أحد مؤسسات الأمم المتحدة ) و لكن أحداث الربيع العربي أثرت – بطبيعة الحال – على هذا الجزء المهم من التعاون العربي مما يتطلب الجد في بحث مجالات أوسع للتعاون العربي.

ورداً على تساؤل مؤداه: أنه وإذا كان هناك محاولات جادة من قبل الدول وخاصة الخليجية فلماذا تفشل في كل مرة .. هل هناك فجوة بين الإرادة الاقتصادية والسلطة السياسية؟ قال د. ناصر القعود إن جهود وخطوات التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون لم تفشل بل نجحت وحققت العديد من الإنجازات ومع ذلك ما زالت دون الطموحات. فقد أنجزت مراحل التكامل الثلاث ، منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة ومازالت نموذجا ناجحا على الصعيد العربي والآسيوي ، فهي بهذا المفهوم متقدمة على مجموعة الآسيان . المهم أن نتفق أن الهدف من التكامل واتفاقياته الذي تتم بين مجموعة من الدول هو تهيئة البيئة الاقتصادية وزيادة قدرتها على تعزيز النمو وجذب الاستثمارات وإتاحة الفرصة للفاعلين في الاقتصاد وخاصة القطاع الخاص للمنافسة في سوق أكبر والتكامل الإنتاجي في القطاعات الإنتاجية القابلة للتكامل .

مجلس التعاون أنشأ مؤسسات ومشاريع مشتركة ، لقد اكتمل الربط الكهربائي بين دول المجلس وهيئة التقييس وتوحيد المقاييس مهم للمنتجين هناك سياسات زراعية ومائية مشتركة واستراتيجيات صناعية وبترولية واستراتيجيات سكانية وتنموية طويلة المدى (٢٠٠٠-٢٠٢٥) واتفق عليها منذ أمد طويل بعضها نفذ والبعض الآخر ينتظر التنفيذ. واتفق مع م. أسامة في تفاؤله وتشابه الاقتصادات لا يتنافى مع التكامل بل مدعاة له لأن اتساع السوق قد يوسع من الخيارات أمام هذه الاقتصادات المتشابهة .

أما دور الأمانة العامة (القطاع الاقتصادي) فدور أي أمانة أن يقدم الاقتراحات ويطرح مشاريع القرارات والاتفاقيات والتنسيق والمتابعة مع الدول الأعضاء والتعريف بما يصدر عن المجلس واتفق مع م. خالد أن دورها الإعلامي مازال محدودا ، وأضيف أن هناك اجتماعات منتظمة بين الأمانة العامة وبين الغرف التجارية والصناعية الخليجية ، وتشارك في الاجتماعات الفنية ذات العلاقة بالقطاع الخاص .

ويرى م. أسامة كردي أنه على الرغم من عدم توافر معلومات لديه يمكن بواسطتها قياس مستوى نجاح تحالف الآسيان و لكن مجرد توقيع اتفاقية إنشاءه هو تقدم مهم.

وعلق م. خالد العثمان بأن التكامل المؤسسي الذي تحدث عنه د. ناصر يقابله تنافس سلبي محموم وقد تضمنت الورقة ثلاثة أمثلة عليه وهناك غيرها الكثير .. مثل هذا التنافس يضعف الفرص ويقلل من العوائد. وهناك أيضا تنافس ايجابي مثل تنافس شركات الاتصالات وتقنية المعلومات. والحديث هنا أكثر على المستوى الاستثماري والتجاري وليس المؤسسي العام.

كذلك فإن المسألة ليست تفاؤل أو تشاؤم بل تباينات نشهدها على أرض الواقع؛ فعلى سبيل المثال فإن نجاح الطفرة العقارية في دبي تبعه نهج مماثل في الدوحة وأبو ظبي .. وهو ما خلق فقاعات عقارية انعكست سلبا على كل تلك الأسواق بما فيها دبي. وبالنسبة للآسيان فلعل أحد الجوانب الجيدة هو تخصص التوزيع للأنشطة الصناعية بين الدول بشكل تكاملي يقوم على المزايا النسبية لكل دولة. ولا تزال ممارسة الأعمال التجارية بين دول المجلس تتطلب تعدد التراخيص والإجراءات.

وقال د. عبد الله بن صالح الحمود أن مجموعة آسيان لديها حزم اقتصادية أفضل مما تقوم به مجموعة دول التعاون الخليجي للأسف. بينما هناك صعوبات عديدة تواجه النمو الاقتصادي الخليجي. كما أن لدينا مشكلات في مبدأ التكتل الاقتصادي وصولاً إلى التكامل الاقتصادي المنشود. أين الإمارات وعمان من المشاركة في البنك المركزي الخليجي؟ أيضا لاتزال البضائع ما بين دول الخليج مجمركة دخولا وخروجا. وللأسف لا يوجد نظام وتنظيم موحد؛ أين الانتقال المنشود إلى الاتحاد بعد مرحلة التعاون؟ عمان مستقلة على الدوام إلا نسبيا ولشيء لا يذكر .

ماهي الخطوات التي يعد من خلالها مجلس التعاون متقدم على مجموعة الآسيان؟ لا ألاحظ شيء يجعل من مجلس التعاون متفوقا على آسيان، رغم أنه تأسس منذ أكثر من 36 سنة، ولايزال دون و دون طموح الشعب الخليجي. فمجلس التعاون لدول الخليج العربية أو كما يعرف باسم مجلس التعاون الخليجي هو منظمة إقليمية سياسية و اقتصادية عربية مكونة من ست دول أعضاء تطل على الخليج العربي هي الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت. تأسس المجلس في 25 مايو 1981 بالاجتماع المنعقد في الرياض المملكة العربية السعودية وكان كل من الشيخ جابر الأحمد الصباح والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من أصحاب فكرة إنشائه. ويتولى الأمانة العامة للمجلس حاليًا عبد اللطيف بن راشد الزياني. ويتخذ المجلس من الرياض مقراً له.

وفي تصور أ. خالد الحارثي لا تزال رؤية الملك عبدالله في الاتحاد غير مخططة من المجلس بشكل ملموس.

وأشار أ.د. صدقة فاضل إلى أنه قد مضى أكثر من أربعين عاما مضت على بدء السياسة التعاونية الخليجية ( منذ استقلال الإمارات والبحرين وقطر ) و35 سنة على قيام مجلس التعاون الخليجي ولم تصل درجة انصهار المجلس بكل مجالات تعاونه لأكثر من 20 في المئة. بينما هناك كونفدراليات مشابهة نشأت بعد قيام مجلسنا بسنوات حققت حوالى 50 في المئة انصهار دولي. تلك هي إحدى نتائج إحدى الدراسات العلمية التي اطلع عليها مؤخرا . هل قدر لمجلس التعاون الخليجي أن لا يتجاوز هذا المستوى المنخفض؟

وحول معايير مدى الانصهار الاقتصادي التي اعتمدت في الدراسة فهي: التبادل الاقتصادي البيني ونسبته إلى مجموع التبادل ؛ مدى توحد التعرفة الجمركية تجاه الدول الأخرى؛ التعرفة الجمركية البينية ؛ مدى سهولة انتقال الأفراد ورؤوس الأموال ؛ مدى التنسيق المالي .  أما بالنسبة لدرجة الانصهار الدولي الكلى فكان أكبر معيار هو : مدى مساهمة الدولة العضو في صناعة القرار المشترك . وتبين أن الدولة العضو بيدها 100 في المئة من وزن عملية إصدار القرار الذى لا يصدر حتى الآن إلا بالإجماع.

وذكر د. ناصر القعود أن الآسيان عمرها ليس سنة فهي موجودة  منذ الثمانينيّات. والمقارنة فقط من حيث مراحل التكامل فالآسيان لم يحققوا السوق المشتركة، ومقارنته بينهما من حيث إنجازات الوحدات الاقتصادية ، وليس المقصود أن يُفهم أن هناك رضا تحقق بل الحقيقة أن هناك بطء في التنفيذ.

وأوضح د. خالد الرديعان في تعقيبه أن الوحدة الخليجية أو الاتحاد بين دول مجلس التعاون لم يتعمق كمطلب شعبي لمواطني دول المجلس رغم مرور ما يزيد عن ٣6 سنة من تأسيس المجلس. كثير مما يقال عن المجلس هو أمنيات أكثر من كونه واقعا ملموسا. هذا بدوره يعد عائقا كبيرا ويعود في جانب منه إلى طبيعة أنظمة الحكم في دول المجلس؛ فهي نظم تقليدية ولم تصل بعد إلى مرحلة “السلطة القانونية” إذا أستعرنا مفهوم عالم الاجتماع ماكس فيبر وتقسيماته لأنماط السلطة الثلاث (التقليدية، الكاريزمية، القانونية).  وواقعاً فإن السلطة التقليدية حذرة جدا وسلحفائية في تحركاتها، وتضع حساب للتغيرات الإقليمية والمحلية التي قد تهز من مكانتها في مرحلة ما، ولا سيما أنها أنظمة غير ديموقراطية ومشدودة إلى تقاليد سياسية موغلة في محليتها مما يحد من اندماجها مع نظم أخرى حتى لو كانت مشابهة لها من الخارج.

صحيح أن دول المجلس تتشابه من الخارج وبعض الداخل لكن هذا لا يكفي، لأن أنظمتها السياسية غير ممأسسة بدرجة كافية رغم عراقتها وقدمها. لو أنها ممأسسة فإن ذلك سيحد من هواجسها “المتخيلة” من التغيرات التي قد تترتب على التغيرات الاقتصادية والسياسية التي سيفرضها الاندماج  أو الوحدة. أما السلطة القانونية (ذات الدساتير المكتوبة واللوائح التي تحدد طريقة انتقال السلطة وطريقة تداولها) فإنها عادة تجنح نحو التحديث بل ومنفتحة جدا على كل ما من شأنه تعظيم الفوائد الاقتصادية كالتجمعات الإقليمية ذات الطابع الاقتصادي كما في نموذج النمور الآسيوية. نموذج الاتحاد الأوروبي ماثل أمامنا؛ فهو يضم دول ديموقراطية ذات اقتصاد رأسمالي حر وتعمل وفق لوائح وأنظمة ودساتير (سلطة قانونية) تحد من تدخل الرموز السياسية في مسيرة الاتحاد وتعطي بنفس الوقت مساحة واسعة لشعوب الاتحاد للتعبير عما تريد. هذا قد يعطينا مؤشر آخر حول سبب تلكؤ الاتحاد الأوروبي في عدم قبول عضوية تركيا بزعم أن نظامها السياسي غير مستقر والدليل محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا منذ عدة أشهر.

نحن كشعوب خليجية مثلا لا نعرف كيف ينتقل الحكم في دول المنظومة الخليجية؛ فالأمور تخضع لمعايير تقليدية غير مكتوبة تنفي عن هذه الدول برمتها فكرة ” السلطة القانونية” فالأمور لا تدار بطريقة قوانين مكتوبة ومعروفة. بل أن غياب القائد يجعلنا نقع في التخمينات حول النظام القادم وما إذا كان سينهج نهج سلفه أم سيأخذ نهجا آخر. وقس على ذلك فكرة الاندماج مع اقتصادات أخرى فهي قضية تخضع لمشيئة الحاكم ومستشاريه دون أن تكون مبنية على أسس علمية وحاجات اقتصادية لشعوب هذه الدول. الأمور كما يتضح مشخصنة وإلا لماذا يوجد قرارات اقتصادية وسياسية تم الاتفاق عليها ولم يصار إلى تنفيذها طيلة الخمس وثلاثين سنة الماضية عمر مجلس التعاون. هذا أمر محير ويعني من جهة أخرى أن الشعوب التي تتوق للتكامل والاندماج الاقتصادي ليس لها رأي شعبي في مستقبلها عدا ما تعبر عنه في وسائل إعلامها غير الرسمي الذي لا تلتفت اليه الحكومات ولا تستمع إلى نبضه. غياب صوت الشعوب في كل ما يخصها، وشخصنة النظم السياسية في دول المجلس، وغموض المستقبل الاقتصادي وتذبذبه عقبات تقف في وجه وحدة دول مجلس التعاون وتحد من عملية اندماجها أو على الأقل تكاملها اقتصاديا وإن كنا لا نرى أهمية للتكامل الاقتصادي وذلك لتشابه اقتصادياتها التي تعتمد على النفط في المقام الأول. الحديث يفترض أن يكون عن “الاندماج الكامل” والتام بين اقتصادات هذه الدول ومن ثم التوجه إلى الوحدة الكاملة.

هناك توجس لدى النخب السياسية في دول المجلس أن أي قرارات كبرى للمجلس ستكون لها تبعات هم غير مستعدين لتحملها. يعزّز هذه الفرضية تباين السياسة الخارجية بين دول المجلس؛ ففي الوقت الذي تنفتح فيه بعض دول المجلس على العالم نجد أن دولا أخرى أقل ايقاعا في هذا الجانب. وليس الأمر كذلك بل أن الفجوة بين دول المجلس (بسبب العولمة والتثاقف) تتسع على المستويين الثقافي والاجتماعي وهي مسألة تجعل فكرة الاتحاد بأي صيغة (اقتصاديا أو سياسيا) مسألة مشكوك فيها بل وتصبح مستحيلة.

وأخيرا فإن مجلس التعاون مهم للغاية وبقاءه ضرورة في ظل هذا التشظي العربي لكن قراراته تحتاج إلى سرعة تفعيل ومتابعة، على أن تتنازل كل دولة عن شيء من سيادتها وكبريائها لبقاء المجلس لكي يخدم شعوب دوله.

و بخصوص موضوع التكامل البيني والعلاقات البينية بين المملكة وبعض الدول العربية، تساءلت أ. أسمهان الغامدي: هل هناك نماذج واعدة يمكن تسليط الضوء عليها ؟ أوضح د. خالد الرديعان أن هناك مستثمرين سعوديين في بعض الدول العربية وتحديدا مصر والسودان وقد يكون دور المستثمرين أهم من أدوار الحكومات عند توفر الشروط التي تحمي استثماراتهم، مع ملاحظة أن عدم الاستقرار السياسي لمعظم الدول العربية يحد من أي نشاط للاستثمار؛ ومن ثم يكون الاتجاه نحو أنشطة غير منتجة كشراء عقارات وأشياء لا تخلق وظائف كما حدث في تركيا.

وقال م. أسامة كردي: لا ننسى أنه على المستوى العربي ، تستحوذ فرنسا على مجموعة من الاتفاقيات التجارية الثنائية مع دول شمال إفريقيا لتسهيل صادراتها إلى فرنسا (و في بعض الأحيان إلى أوروبا ) و هذا يجعل دول الشمال الأفريقي أقل اهتماماً بمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ، خاصة مع سهولة النقل إلى أوروبا بالمقارنة مع المشرق العربي.

في حين يرى م. خالد العثمان أن استثمار السعوديين في دول أخرى ليس مؤشرا ولا علامة من علامات التكامل الاقتصادي بين الدول .. هذا بحث عن عوائد استثمارية جيدة لا غير .. وفي النموذج السعودي هي في الغالب استثمارات مضاربية أو اكتنازية غير منتجة .

التكامل الذي نتحدث عنه هو بناء هيكل استثماري متكامل بين دول المنظومة على المستوى القطاعي .. مثلا .. في قطاع تحلية المياه .. يكون اختصاص المعرفة والأعمال الهندسية في الإمارات .. تصنيع المعدات في السعودية .. شركات التشغيل في قطر .. في المحصلة تكون هذه الشركات منظومة متكاملة وليست متنافسة. و هذا مجرد مثل بسيط جدا.

أما فيما يخص القرار السياسي، فهو لا يمنع ذلك لكنه لا يحفزه ولا يدعو له ولا يتبناه .. وفي مثل الأنظمة السياسية التقليدية لا تأتي المبادرات من الحكومات أبدا .. المطلوب مبادرات من القطاع الخاص في إطار توجه عام تتبناه وتدعمه وتسوق له الحكومات .. لذلك من المهم تفعيل دور الإدارة الاقتصادية في مجلس التعاون لقيادة هذا الدور بالتعاون مع المؤسسات ذات العلاقة.

تناثر الجهود بين دول المجلس في قضية مصيرية مشتركة خطأ فادح .. حتى في إطار توجهات الخصخصة التي يجري الحديث عنها حاليا لا زالت القطرية طاغية. في المقابل نجد دول الخليج تتناثر جهودها وتتنافس على ذات الكعكة بحسب ما طرح في الورقة الرئيسة حول المطارات المحورية.

وقالت د. نوف الغامدي: مع الأسف مجلس التعاون الخليجي اختصر أدواره على مناقشة أسعار النفط واتخاذ المواقف السياسية بعيداً عن صناعة قوة وتكتل خليجي اقتصادي … كان من الممكن التعاون الخليجي في صناعة تكتلات اقتصادية مشتركة ، الدخول في خصخصة القطاعات، ولكن مع الأسف تحول دوره لتصريحات إعلامية !

ومن وجهة نظر م. أسامة كردي فإن الخبرة الأوربية للوحدة تستحق الاهتمام و التطبيق لدينا و يعتقد أن مبدأ المفوضية ( الأوربية ) يتفوق على الأمانة العامة ( الخليجية و العربية ) و الفرق بين الاثنين هو أنه في المفوضية تجتمع كافة مكونات الدول الأوربية بشكل دوري بينما في اُسلوب الأمانة العامة لا تجتمع سوى الحكومات أو مسؤوليها.

واتفق د. خالد الرديعان مع هذا الطرح وأضاف أن التجربة الأوروبية واتحادها تستحق التأمل فقد بدأت بالسوق الأوروبية المشتركة عام ١٩٥٧وانتهت بالاتحاد الاوروبي.؛ فميزة التكتلات الاقتصادية أنها أيضا تخفف من حدة الخلافات بين الدول فالكل يتجهون لتعظيم فوائدهم وينشأ بينهم تعاون اقتصادي يخفف من مشكلات السياسة.

وتساءلت أ. أسمهان الغامدي: هل هناك معلومات كافية متبادلة بين دول المجلس خصوصا والدول العربية عموما لتحسين فرص التعاون والتكامل بدلا من التنافس السلبي على الأعمال والمشاريع ؟

وفي هذا الشأن، ذكر م. خالد العثمان أن قضية المعلومات قضية تمثل أزمة داخل كل دولة من دول الخليج فضلا عن تداولها بين دول المجلس .. وهناك تقصير كبير من غرف التجارة الخليجية في تبادل المعلومات وهذا شأن آخر يجب أن يناط بالدائرة الاقتصادية في أمانة المجلس.

الفارق بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي أن الأول نشأ على أساس سياسي وأمني ثم جاء الشأن الاقتصادي على طرف الاهتمامات بينما في الثاني كان الشأن الاقتصادي هو الأساس حيث قام الاتحاد على أساس السوق الأوروبية المشتركة التي سبقت تشكيله.

بينما يرى د. حميد المزروع أن هناك فرق بين المراكز التي تقع علي خليج مقفل وممر دولي بأهمية وحيوية البحر الأحمر ، وكذلك في تكلفة النقل ، عموما هذا لا يمنع من تكامل الميزات الجغرافية  مع الخبرات والتمويل وبالنهاية الجميع مستفيد.

وأوضح م. خالد العثمان أن التكامل مطلوب .. لكن ثلاثة مطارات محورية بنفس المميزات وعلى خط واحد خطأ فادح .. هذه المطارات بنيت فقط لخدمة نشاط شركة الطيران المحلية لكل مدينة .. وهذه أيضا منافسة مخلة ليست في صالح الشركات الثلاث على المدى البعيد.

أما م. أسامة كردي فيرى أنه لا يمكن اعتبار هذا الأمر خطاء فادح ما لم نعلم حجم السوق و توسعه المستقبلي و نصيب كل مطار منه ، إحدى العلامات على حجم السوق هو أن مطار دبي يعمل بأكثر من طاقته القصوى حتى أنهم قاموا بإنشاء مبنى جديد خصص للخطوط غير الإماراتية ؛ و هذا يعني أن الطلب عالٍ و يمكن تنشيط مطارات أخرى ، كما أن المنافسة امر مطلوب بعكس الاحتكار .. هنا يمكن أن نترك قوى السوق تعمل بطبيعتها.

ومن جانبه قال د. سعد الشهراني: أن الاقتصادات الخليجية مرت بتحولات  و تطورات كثيرة و كبيرة جدا على الصعيد الوطني و على المستوى الكلي لاقتصادات بينها مشتركات  كثيرة لعل أهمها مشترك النفط و التشابه في الخلفية التاريخية لبنية هذه الاقتصادات و في الأطر السياسية و الاجتماعية للنشاط الاقتصادي و في بنيتها المعاصرة.

و لأن هذه الاقتصادات هي اقتصادات ريعية في دول رعوية فإن أول الإفرازات تمثل في تشكل أسواق عمل مشوهة و غير إنتاجية و في تشكل أنماط استهلاكية مرضية ( من المرض )  و في نشاطات تجارية طفيلية و قطاع خاص أصبح في معظمه  عميلا (agent) للاقتصادات الأجنبية المنتجة و قطاع صناعي وهمي إلى حد كبير و صناعات من الأجيال الأولى التي تقادم الزمن عليها على أحسن تقدير ( التي يطلق عليها بدائل  الاستيراد ). و لا شك أن في قولي هذا تعميمات لا بد من التحفظ عليها.

في مثل هذه البيئة  الاقتصادية لا نتوقع اختراقات كبرى لا على الصعيد الوطني و لا على الصعيد الخليجي . اكتب هذا كتذكير بالإشكالات التي أصبحت لازمة و (معروكة) في بنية الاقتصاد الخليجي(built-in)؛ و هذا لا يعني أنه لم يتحقق شيء بل هناك إنجازات كبيرة جدا خصوصا في مجالات الخدمات و الصحة و التعليم والأهم في البنية الأساسية.

و الأكثر أهمية أن التعاون و التكامل قطع مسافة ليست بالهينة كما أشار لذلك د. القعود  بحكم متابعته و خبرته و عمله في الأمانة العامة ،  فها نحن على أبواب العملة الموحدة  (وقد نبقى عند هذا الباب لسنوات طويلة بعد انتكاسات النموذج الأوروبي!) و كما نعلم فإن الوحدة النقدية هي أعلى مستويات التكامل الاقتصادي كما لا ننسى أن حرية التنقل للعامل الخليجي و رأس المال الخليجي بين دول المجلس أصبح حقيقة واقعة و هذه إنجازات.

و من زاوية أخرى لا أرى إطلاقا أن التنافس في المشروعات و النشاطات ينعكس أو سينعكس سلبا على  جدواها مهما تكررت بين دول المجلس و لا على مستقبل التكامل لأن المتغيرات و التجربة تدل على عدم حدوث ذلك؛ فها هي تجربة دبي تتكرر في أبو ظبي و قطر ( المتضرر الوحيد  من عدم التنسيق كانت البحرين التي لم تدعم لكي تكون هونج كونج الخليج ). و لا ننسى أن السكان يزيدون بنسب عالية و أن الطلب المحلي و الدولي كبير على الاستثمارات و المنتجات التي قد تبدو متنافسة سلبيا و أكبر مثال على ذلك سوق العقارات و المطارات و خطوط الطيران و مصانع البتروكيماويات و كثير من الصناعات الاستهلاكية و غير الاستهلاكية التي تستهلك محليا و التي تصدر أيضا. و لذلك فإن من المهم عند إقامة المشروعات الإنتاجية المشتركة أو المتنافسة  أن تستهدف التصدير و ليس فقط الأسواق المحلية؛ لأن ما قد يبدو سوقا ضيقة محليا هو في الحقيقة  أسواق عالمية مفتوحة.  أما التكامل على المستوى العربي فقد يكون المدخل الإقليمي و الجغرافي (أي التكامل بين الأقاليم العربية التي على شاكلة دول الخليج) هو المدخل الممكن و إن كانت المعطيات لا تشجع إطلاقا في المدى المنظور.

وبدوره قال د. إبراهيم البعيز: لم أرى نجاح لدول مجلس التعاون في التنسيق إلا في المجالين الأمني والعسكري. لكن التنسيق والتعاون في المجالات الأخرى الثقافية والتعليمية لم ينجح. مع بداية المجلس كان هناك أكثر من عشرة مشاريع أو مبادرات ثقافية وإعلامية مشتركة بين دول المجلس، وكلها انتهت إلى الفشل، ولم ينجح منها إلا برنامج “سلامتك” لأنه لم يقترب من المحظور “السياسة وسخونتها”. التنسيق والتكامل الاقتصادي لن يكون أكثر حظا من المجالات الثقافية والإعلامية، فهو من المناطق الحساسة، وهذا العجز في التنسيق كان عقبة في مفاوضات دول مجلس التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي.   من ناحية ثانية – اقتصادات دول مجلس التعاون اقتصادي ريعي، وما عسى الاقتصادات الرعية أن تجد من مجالات للتنسيق والتكامل. فكلها دول بترولية ولم تخطط لصناعات غير الصناعات النفطية، وبالتالي أضحت دول مجلس التعاون في حالات من التنافس أكثر من كونها تكامل وتعاون.

وقال د. مساعد المحيا في تعقيبه حول قضية الاقتصاد الخليجي والعربي بين التنافس والتكامل أنه من الواضح أن دول الخليج مضت كثيرا في بعض مظاهر التكامل والتنافس وأن الاحباط لازال يسيطر على كثيرين نتيجة عدم قدرة دول الخليج خاصة على الوصول لآمال الشعوب الخليجية التي وُعدت كثيرا بتكامل كبير بينما لم يرو منه سوى مظاهر يسيرة جدا مقارنة بالآمال والطموحات. شخصيا أميل إلى أن الفرص كانت أكثر تهيئة إبان الرموز القيادية التي صنعت هذا التكتل .. بينما تتراجع اليوم بعض مظاهر هذا التكامل باستثناء الجانب الأمني وبعض الأشياء الخدمية بسبب الهوة التي بدأت تتسع بين بعض دول الخليج.

مهما كنا نحلم فالواقع أن دول الخليج بدأت تخرج من عباءة الأخت الكبرى وبدأ الشعور يزداد لدى عدد منها بالندية في عدد من المواقف. ومن حق كل دولة أن يكون لها قرارها ورؤيتها لكن التجانس في طبيعة الحكم بين دول الخليج يفرض أن تكون طبيعة التنازلات كبيرة  لمصلحة مستقبل  كل الدول لا سيما وأن الأخطار اليوم تتهدد كل الدول الخليجية؛ فالبحرين تعيش حالة أزمة مع فئات ذات ولاء إيراني كادت تعصف بملك البلاد لولا تدخل المملكة. والكويت اليوم بدأت في مناخها روح شيعية يكاد ولاؤها لإيران ومالم تنطفئ هذه الجذوة فالحريق قد يكون مشابها لما كان في لبنان. والسعودية هالها حال اليمن بعد سيطرة الحوثيين عليه فبادرت بعاصفة الحزم ووجدت من الخليجيين دعما ومشاركة. ولعل ما يعزز ما ذهبت إليه هنا من أن دول الخليج كانت أقرب للتكامل في عهد صانعي هذا المجلس …اليوم ومع كل الأخطار التي تتهدد دول الخليج لا سيما إثر الربيع العربي، لا أجد دول الخليج تهرول باتجاه التكامل والوحدة ..!!

إن ساعات القلق والتوتر جديرة بأن تكون سببا في الوحدة والاجتماع وربما التكامل .. وحين لا يكون ذلك فواضح أن ثمة معوقات تجذرت وكبرت ويكفي مثالا على هذا موضوع البنك المركزي والوحدة الخليجية إبان عهد الملك عبد الله .. ومن لا تجمعهم مؤشرات الخوف وتكالب الأعداء، فيقدموا تنازلات كبيرة فلن يجتمعوا أبدا.

  • رؤية استشرافية: نحو التكامل الاقتصاد الخليجي والعربي

في تصور د. حامد الشراري قد يكون من المناسب التركيز على الأعمال اللوجستية لنصل إلى التكامل الاقتصادي بين دول الخليج، لنكون منظومة اقتصادية منافسة، منها:

  • إيجاد برلمان موحد وتأسيس مجالس أعمال شبابية موحدة.
  • الاستعجال بالربط الكهربائي وسكك الحديد.
  • الشراكة الفعلية بين مراكز البحوث والتطوير والجامعات.
  • الشراكة بين مؤسسات المجتمع المدني.

وترى د. نوف الغامدي أنه قد يكون من الضروري الآن إنشاء مركز مصرفي إسلامي ونظام مصرفي موحد.

وقال د. خالد الرديعان: حتى لا يكون الكلام نظريا فإن اتحاد دول المجلس أو وحدتها أو على الأقل اندماج اقتصاداتها يستلزم بعض الشروط الأساسية؛ كوضوح مستقبل الأنظمة السياسية نفسها التي يفترض أن تتخلص من الصيغ التقليدية في اتخاذ القرار وذلك بزيادة المشاركة الشعبية في القرارات المصيرية من خلال برلمانات منتخبة تستطيع أن تقرر ما هو في صالحها. أما البقاء هكذا والمراوحة بين ما يقال في مؤتمرات القمة وما يجري فعلا فإنه لن يفيد وسيؤخرنا أكثر مما نحن متأخرين. كما أن ارتهان القرارات بما فيها القرارات الاقتصادية وربطها بالمواقف السياسية في المنطقة والتأني في التنفيذ سيجعل العمل مجرد ملهاة وإضاعة للوقت. لا يكفي استعراض البوارج وراجمات الصواريخ في مياه الخليج العربي للقول أن المجلس فاعل ومؤثر وأن هناك وحدة خليجية تحميه، في حين أن كل دولة من دوله تمارس سياسة خارجية تتعارض أحيانا مع دول المجلس الأخرى. الشعوب ليست بهذه السذاجة فهي تعرف المخاطر التي تحيق بها وتعرف أين تتجه البوصلة.

وأوضح د. حميد المزروع أن الموقع الاستراتيجي للمملكة  بين قارة أوربا وأسيا يجعل منها مركز دوليا منافسا ( اقتصاديا ) للنقل الجوي والبحري ، وبالتالي هناك في تقديره فرص استثمارية واعدة في هذا المجال لتعظيم حركة  النقل والتخزين ومتطلبات اللوجستك بأنواعها ، ويمكن تأسيس شركات مساهمة متخصصة محلية وخليجية ، لتطوير هذا القطاع واستحداث الاف الفرص الوظيفية . ومن جهة أخرى، فإنه و في جميع دول العالم المصالح الاقتصادية هي من توجه السياسة ، ومن ثم علي التجار والصناعيين بدول الخليج أن لا ينتظروا التمويل الحكومي والقرارات الاقتصادية ، فهناك عدد من الأعمال التجارية والفرص الصناعية المشتركة  التي يمكن أن تنطلق إذا رغب أصحاب القطاع الخاص بتأسيسها.

ويعتقد م. حسام بحيري أن مشروع مد أنابيب لتصدير البترول إلى الساحل العماني أو خليج عدن فكره مجدية، وستخلصنا من مشكلة المضايق التي نعاني منها وعلى المدى الطويل تقلل من تكلفة التصدير والشحن؛ فعادة في الدول التي يوجد لديها شبكة سكك حديد تكون تكلفة الشحن هي الأقل دائما.

وفي اعتقاد د. نوف الغامدي فإن التكامل الاقتصادي له انعكاسات كبيرة على التكامل الثقافي، فـملامح التكامل الثقافي لها أوجها وملامح متنوّعة، هي تعبير تلقائي عن مختلف المراحل التي عاشتها وتعيشها المنطقة العربية، حيث تتجاور الطموحات والأحلام والانكسارات والنكسات في أعمال فنية وأدبية، جنباً إلى جنب مع ما حفرته في الحياة اليومية من ثقوب لا يمحوها سوى التكامل في فعل إبداع جديد يبتكر لهذه المنطقة من إرثها الثقافي والإبداعي هوية متجددة. كذلك فإن التكامل الاقتصادي له انعكاسات المهمة على التنمية من خلال الدخول في مشاريع متنوعة في شكلها التجاري. أيضا فإن التأثير الفكري والثقافي من خلال الإنتاج الفكري المشترك له تأثير قوي على هوية العرب في الغرب.

ومن جهة أخرى فإن الأمن الغذائي يأتي على رأس قائمة التحديات الرئيسة التي تواجه الدول العربية والخليجية. إن مشروعات الزراعة العربية لم تحقق الزيادة المستهدفة في الإنتاجية، لمواجهة الطلب المتزايد على الأغذية، والأسباب عديدة منها:

  • ضعف البنية التحتية.
  • البيئة الاستثمارية.
  • الموارد المالية.
  • البحث العلمي.
  • الخدمات الزراعية.

مما أدى إلى اتساع الفجوة الغذائية التي بلغت عام 2010 نحو 41 مليار دولار، ويتوقع أن تصل إلى نحو 89 مليار دولار في عام 2020. ولسد الفجوة لابد من العمل على استثمارات زراعية مشتركة بين الدول العربية تتراوح بين 65 مليار دولار و80 ملياراً .

وفي ذات الإطار، فقد كشفت شركة إرنست آند يونح في دراسة لها بعنوان “قوة التكامل” في مؤتمر صحفي لها بدبي عن الناتج المحلي الإجمالي سيتعزز في دول المجلس في حال التكامل بين بعضها بنسبة 3.4% أي بنحو 36 مليار دولار كما يمكن أن يجعلها سادس أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030. وأوضحت الدراسة أن منافع التكامل ستعود بالنفع على دول الخليج الست كافة,  إلا أن أكبر المكاسب ستكون لصالح السعودية والإمارات والبحرين وعُمان، وستستحوذ هذه الدول الأربع على زيادة في الناتج المحلي تتراوح بين 3.5% و4.1%، وأنه في حال قررت دول المجلس أن تغدو سوقًا واحدة بدلاً عن ستة أسواق منفصلة لكل منها سياسته وإجراءاته ستكون مجتمعة تاسع أكبر اقتصاد في العالم بحجم يماثل الاقتصاد الكندي والاقتصاد الروسي ويقارب حجم الاقتصاد الهندي.

وإذا حافظ الاقتصاد الخليجي الناشئ على معدل نمو سنوي قدره 3.2% خلال السنوات الـ15 القادمة، فمن الممكن أن يصبح سادس أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030، وبذلك يكون قد اقترب من حجم الاقتصاد الياباني. لكن مع الأسف مازلنا نسير خلف دراسات شركات أجنبية .. ماكينزي، إيرنست آند يونج وشركائها.

التكتلات تواجه معوقات كثيرة، منها ما هو تاريخي ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي، كما أن من المحتمل أن يمثل التكتل الاقتصادي عبئاً على اقتصادات بعض الدول ومن ثم يكون عبئاً على الاقتصاد العالمي بشكل عام، إذ تشتمل هذه التكتلات على أعضاء ذات اقتصادات متباينة منها ما هو قوي ومنها ما هو ضعيف، ومن ثم نجد أن الاقتصادات الضعيفة أو “الطفيلية” تمثل عبئاً على الدول ذات الاقتصادات القوية في نفس التكتل، وبالتالي فهي لا تقدم مساندة للتكتل في وقت الأزمات، وهو ما حدث بالفعل داخل منطقة اليورو التي بات احتمال زوالها أو تجزئتها يُطرَح بشكل صريح خلال الأيام الماضية. ومن ثم فرض انهيار الاتحاد الأوروبي وتبخر حلم الوحدة التي لم تنشأ على أساس صحيح، حسبما يرى الأوروبيون أنفسهم. وما نراه الآن من أن الاتحاد الأوروبي يعانى مشاكل كبيرة يمكن أن نطلق عليها أزمة حقيقية لا يعرف سياسيوه كيفية الخروج منها، تعتبر نتيجة منطقية لأزمة الديون السيادية المتفاقمة التي تئن تحت وطأتها اليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، وكنتيجة منطقية أيضا بات من المتاح الحديث عن “فرضية” انهيار الاتحاد الأوروبي أو على الأقل منطقة “اليورو”.

المحور الثاني

الأمن الوطني في ظل المتغيرات الدولية

الورقة الرئيسة: د. علي الحارثي

الأمن الوطني ذي ثلاث شعب ، لا ظليلٍ ولا يغني من اللهب إلا الله . يتمحور مفهومه حول توسيع دائرة المصالح الوطنية ، ومنع التهديدات الداخلية و الخارجية ، ويتطلب رفع مستوى قدرات ونماء مؤسسات الدولة والمجتمع وتنظيم استخدام الوسائل والأدوات والموارد المتاحة لخدمة الأهداف الاستراتيجية العليا في محيط الشعب الثلاث ، ( الأمن الوطني الداخلي والإقليمي والدولي ) .هذه الشعب متفاعلةً فيما بينها نتيجة للمتغيرات التي يسودها غالباً الغموض وتضارب المصالح في عالمٍ متأزم تختل فيه موازين القوى .

الأمن الوطني الداخلي تنتظم وتتفاعل فيه قضايا وأبعاد أمنية متعددة ومتداخلة ، لا ينفك بعضها عن بعض ، وإن كان تأثيرها نسبي كأولويات يتطلبها المجتمع ويتطلع إليها . (أمن سياسي واقتصادي واجتماعي وفكري وثقافي وعقدي وصحي وتعليمي وصناعي ومائي وزراعي وغذائي وعسكري وما لكل واحدٍ منها من عناصر). كل بعد من هذه الأبعاد متدثر بالمشاكل ، وقد يتطور الواحد منها سلباً إلى أن يصبح مهدداً للأمن الداخلي الوطني ،  فكيف إذا اجتمعت كلًها أو بعضها كمكون سلبي تتعارض فيه المصالح والغايات الفردية والمجتمعية مع الدولة وبين بعضها البعض مرحلةً يتعذر معها الحل السلمي . أمننا الوطن الداخلي في بعض أبعاده الحساسة يشوبه مرضٌ عضال . الدولة نظام شمولي مستأثرةٌ بالسلطة ، المجتمع بأطيافه مهمًش وبعيد عن المشاركة في قضاياه وقضايا الوطن ، الحريًات مشلولة ، الخلل تشعب حتي تغلغل فيه الفساد والمحسوبية . وبالرغم من أن الظروف الراهنة وما يحاك لتفتيتنا تقتضي تجاوز التناوش الداخلي ، إلا أن الشعب المرجانية وسهول وأودية التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام وحوارات المجالس والمنتديات تزخر بالتناوش الحاد  نتيجةً لانفصام الشخصية الوطنية بين الدولة والمجتمع من جانب ، وانقسام مكونات المجتمع وأطيافه من جانبٍ آخر .

استقرار البعد الإقليمي من عدمه له تأثيره المباشر وغير المباشر على أمننا الوطني ، فمنذ ثلاثة عقود وبالذات في الوقت الحاضر أصبح ذو خطورةٍ  بالغة التعقيد ، إيران كشًرت عن أنيابها وخططها للسيطرة على العالم العربي ، والمملكة والحرمين الهدف الأساسي لمكاسب عديده في جعبتها ، منها نشر المذهب الرافضي في العالم ، تذويب الإسلام السني ، وإعادة السيطرة الفارسية الصفوية على الجزيرة العربية وإذلال أهلها ، وها هو الحشد الشعبي الصفوي وليس العراقي كما يدعون على حدودنا وحدود الكويت والأردن ، والحرس الثوري وحزب اللَّات هم من يحارب في سوريا ، و أذنابهم في اليمن يرسلون صواريخ إيران علينا وآخرها للحرم ، والقوى الدولية مساندتها ظاهرة وباطنة لإيران في كل الحروب القائمة في المنطقة وفى مشروعهم المشترك لمحاصرتنا واستنزافنا وإضعافنا عسكرياً واقتصادياً بل وتقسيمنا وما خفي أعظم ، وبقية البلدان الإقليمية القريبة منًا وحولنا غارقه في وحل الحروب والفقر والمرض والإفلاس ، وبعضها لم نعد نثق في مناصرتهم لنا حتي ولو كانوا أولي قربى وفى أحسن حال . فهل هناك أخطر علينا مما هو واقع ومقصود لنا ؟

ثالث الأثافي البعد الدولي وعلاقته بأمننا الوطني . نشأ بعد الحرب العالمية الثانية أحلاف عسكرية ومعسكرات أيدولوجية ، معسكر شرقي يتزعمه الاتحاد السوفييتي ، وغربي تتزعمه أمريكا ، إنحزنا للمعسكر الغربي وعادينا المعسكر الشرقي ، وحاربناه في كل مكان مع المعسكر الغربي وأنفقنا مبالغ كبيرة وسمحنا لأبنائنا بالجهاد في أفغانستان اعتقاداً جازماً بأن الغرب سيكون معنا في كل المواقف وفى أحلك الظروف ، وأن حليفتنا أمريكا ستكون السند بعد الله لمن يريد بمنطقتنا شراً ، ونسينا بل أزحنا من عقولنا الحقد الصليبي الدفين لنا ، وإذا بهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وأرسى يضعونا العدو اللدود القديم الجديد. ما يجري في منطقتنا العربية مخطط له كما رسموا وأرادوا. صنعوا الإرهاب للحرب علينا باسم الإرهاب وإذكائه فيما بيننا لإعادة تقسيم المنطقة وإشاعة فوضى القتل والتدمير والتهجير وتعميق الفتن الطائفية والعرقية. إنها الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان . كل ما يحيط بِنَا مشتعل بالحروب والفتن والدمار والتهجير والجوع والمرض والإفلاس ، العراق ، سوريا ، اليمن ، مصر ، ليبيا ، السودان ، الصومال ، لبنان وغيرها. وإعلامهم الآن وسياساتهم ونواياهم وخططهم محتشدة ضدنا ومتوجهةٌ إلينا لتصنع بِنَا مثلهم. الاتحاد السوفييتي لن ينسى عداءنا ومحاربتنا له أثناء الحرب الباردة ، ما يقوم به في سوريا سياسياً في مجلس الأمن بالفيتو وعسكرياً على الأرض هو ضدنا ومساندة مستميتةٌ لعدوتنا إيران وأذنابها ، أمريكا هي من خطط ويدير هذه الفوضى للوصول إلى ما أسمته بالشرق الأوسط الجديد .أمريكا تحالفاتها مبنيةٌ على استراتيجيتها بعيدة المدى ، وبالتالي تحالفاتها متغيرة تبعاً لذلك ، محاولة الإطاحة بتركيا مثال ، قلب المجن علينا والتحول لإيران دليل على تحول سياساتها وتحالفاتها ونظرتها لمصالحها ، وما يدور من مشاورات واجتماعات ومؤتمرات وقرارات أممية ما هو إلا تبادل أدوار لذر الرماد في العيون .

ما المخرج والمعالجة:

رغم فوات الأوان على عدم معالجة كثير من عناصر البعد الأمني الداخلي ، ولأن المجتمع أصبح واعي وفاعل وملم بتشريعات وممارسة العالم الديموقراطية فما لا يدرك كلًه لا يترك جلًه ، ما تدور حوله مطالب المجتمع ، ويحتاج تطبيقه إلى ممارسة عدة سنوات هو اللحمة الوطنية بين المجتمع والدولة ومشاركة المجتمع في اتخاذ القرارات ووضع الاستراتيجيات لكل مفاصل الحياة ومسايرة العالم بما لا يخالف حرام الشريعة الإسلامية القاطعة ، وما لم تبدأ و تسارع السلطات بوضع التشريعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتطبيقاتها فإن الوضع الداخلي سيظل هش ومتنافر وغير متفائل بالمشاركة في رسم السياسة العامة ، فسيحقق عدم الرضى الداخلي ويزيد الكثير من الضغوط الدولية ، الوضع الإقليمي ، خطره واضح والتعامل معه يقتضي الدبلوماسية المرنة واستخدام كل السبل والمناورات السياسية مالم تتجاوز الخطوط الحمراء ، كما هو الوضع في اليمن ومع إيران . لا للتصعيد الإعلامي الغير منضبط والهياط اللفظي ولا للتخاذل.

البعد الخارجي في الوقت الحاضر مرير. الهجوم الإعلامي على المملكة وبالذات من أمريكا يحتاج إلى توضيح الحقيقة وتفنيدها بالأساليب المؤثرة والمقنعة ، لأنه كما يقول (فيردمان) رصاصة الإعلام أقوى من أي سلاح ، والحروب لم تعد تحسم الأمور على المدى البعيد وإن تحقق لها بعض النجاح في العاجل . نحتاج إلى توسيع دوائر التحالفات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية . نحتاج إلى إعادة النظر في تقديم المعونات بما يخدم مصالحنا نحتاج إلى إعادة النظر في إعلاناتنا للدول والمنظمات ، نحتاج إلى الاعتماد على النفس لا على الغير سياسةً وتصنيعاً وثقافةً واتخاذ قرار ،……الخ).

التعقيب الأول: د. سعد الشهراني

في البداية أنا أرى أن هذه القضية هي أم القضايا و كثير جدا من القضايا التي نوقشت في هذا المنتدى هي جزئيات من هذه القضية. الأمن الوطني مفهوم نسبي واسع و له مقومات أساسية تتركز في المقومات العقدية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية الاجتماعية و مقوم القوة : الصلبة و الناعمة. و كل مقوم من هذه المقومات له أبعاد داخلية و خارجية و له مهددات و فيه مجالات و فرص كبيرة لتعزيز الأمن الوطني. ومن يدرس القوة و مصادرها يعلم أن أهم مصادرها هو التنظيم أي تنظيم الموارد المتاحة و المفترضة للقوة الوطنية الشاملة و في مقدمتها صحة الجسم السياسي و حيوية الاقتصاد. ما الذي تغير و يتغير في البيئة  الوطنية و الإقليمية و الدولية؟

  • في الشأن السياسي الداخلي لم تتغير بنية النظام السياسي و لن تتغير و لا نريدها أن تتغير إلا في اتجاه إيجابي مثل توسيع دائرة المشاركة في صنع و اتخاذ القرار أي في اتجاه يحافظ على المكتسبات الوطنية و على الكيان و الوحدة الوطنية .

التغيير الذي حصل في الآونة الأخيرة كان في نمط الاستخلاف succession  و من يخلف من في هرم السلطة و في طريقة صنع القرار و لا تزال الفردية و الشخصانية طاغية و ربما أكثر من ذي قبل.

أيضا حصل تغير في الجرأة السياسية و الندية و الاستباقية وفي مواجهة المهددات الواقعة و المحتملة على المستوى الإقليمي و الدولي و ربما الاندفاع غير المحسوب. أيضا حصل تغير مهم في الهيكلة الحكومية خصوصا إلغاء المجالس العليا و إنشاء المجلسين اللذين يرأسهما و لي العهد و وليه .

  • في المشهد الإقليمي تغير الكثير و من أهم المتغيرات تصاعد النفوذ الإيراني و الجرأة الروسية في المنطقة و العالم و التراجع الأمريكي و تخليها عن دورها التقليدي في الخليج و الغموض الشديد و التوجس من مستقبل علاقاتنا مع أمريكا و تفاهمها مع إيران و سماحها بتصاعد القوة الإيرانية و احتمال أن تستطيع  إيران  تطوير قدراتها النووية و اللا ربيع العربي و تفتت المنظومة العربية على ضعفها أصلا و صعود المليشيات و المنظمات الإرهابية و التغير الكبير في المشهد الداخلي في كل من العراق و اليمن و سوريا و ضعف مصر و التلون التركي و ضعف التماسك الخليجي .
  • في المشهد الدولي يمثل صعود روسيا و جرأتها مع جيرانها و احتلالها للقرم و تفاهمها مع أمريكا على تقاسم النفوذ و التراجع الأمريكي و الأوروبي .

 و أخيرا لا تزال نقاط الضعف التي منها يمكن أن يخترق أمننا الوطني هي نفسها منذ سنوات طويلة:

  • ضعف و غموض التنمية و التغيير السياسي مما يزيد قابليتنا للاختراق و ضعف التلاحم و الشفافية بين الدولة و المجتمع و خصوصا النخب و قادة الرأي و المختصين و المثقفين و المفكرين الذين يتحرقون ألما لما يرون من تهميش و صم أذان أمام الرأي العام و أمام إخفاق كثير من الوزراء و الوزارات . على أن هناك معطيات و تجارب تجعلنا نتفاءل فالكل يعلنها مدوية نحن مع القيادة .
  • تبعيتنا في معطيات القوة المادية أي التسليح فلا نزال معتمدين على من يريد دائما أن يبتزنا و يستنزف مواردنا؛ فلا يوجد لدينا مصانع تسليح للذخائر و الأسلحة الحديثة و الذكية و أسلحة الردع و لهذا أبعاد كثيرة قد لا يتسع المجال للتوسع فيها .
  • الضعف الإنتاجي خصوصا في الصناعات الحديثة و التقنيات المتقدمة فنحن استهلاكيون لمنتجات لا نصنعها و نحن في مجموعة العشرين بسبب بالون النفط لا أكثر .

أعطني اقتصادا  ينمو و يتقدم و ينتج منتجات تصدر لكل أسواق العالم أعطك دولة قوية و أمنا وطنيا معافى .

  • تعدد الاستراتيجيات الفوقية و ضعف الخطط التنفيذية و لعل في رؤية 2030 ما يجعلنا نتفاءل و  لعل فيها تغذيات راجعة تصحح المسارات و تعكس القرارات الخاطئة و تخرجنا من أسر ماكينزي و أخواتها .
  • العمل بردود الأفعال و ليس بالمبادرات و الاستباقيات و إن لمسنا بعض التغير في هذا السلوك حيث لوحظ أننا  أصبحنا مبادرين نوعا ما و لم نعد نعمل فقط بردود الأفعال .
  • قد تكمن أهم نقاط الضعف في الحقيقة أن قوتنا الناعمة لا تستخدم كما يجب بل هي معطلة بالشخصانية و التفرد بصنع و اتخاذ القرار .

  في  هذه الرمال السياسية و الجيوبوليتيكية  المتحركة و في وجود متغير داخلي مهم : رؤية 2030، يصبح السؤال الأهم في سلسلة تساؤلات مهمة: أين الأمن الوطني في هذه الرؤية و هل ما تستهدفه و أعلن من مصالح و فوائد يمكن أن يتحقق بالدرجة التي تعزز أمننا الوطني و هل حملت في ثناياها مهددات لم نحسب حسابها!

  إذا وضعنا أنفسنا في مسارات إيجابية تعكس و تصحح الاتجاهات وتفك الاختناقات السياسية و الإدارية في كثير مما أشرت إليه أعلاه فسيكون أمننا الوطني في حال أفضل.

التعقيب الثاني: م. حسام بحيري

الأمن الوطني قضيه لم نلتفت إليها إلا مؤخرا بعد أن أدركنا حجم المخاطر التي تحيط بنا وشهدنا سقوط أنظمة حكم هشة ودخول شعوبها في دوامة الاضطرابات والقلاقل. منظورنا لها كان أمني بحت ولكن اليوم وفي ظل الظروف الراهنة تطور هذا المفهوم ليشمل كل ما يتعلق ببلدنا داخليا وخارجيا. اليوم نحن في أمس الحاجة لتحصين أنفسنا من الأخطار المحيطة بنا لأنه أصبح واضح أن دولتنا مستهدفة فعليا من قبل دول إقليمية وقوى غربية تهدد أراضينا وأمننا واقتصادنا ومعتقداتنا أيضا. تطوير قدراتنا لبناء استراتيجية فعالة لحماية أراضينا وشعوبنا واقتصادنا ومعتقداتنا وترسيخ الولاء والانتماء أصبح ضرورة ملحة اليوم و ليس اختيار. الأمن الوطني يعتمد على قدرة الدولة في حماية أراضيها, أمنها , معتقداتها وثرواتها الطبيعية بالاعتماد على مقدرتها العسكرية, السياسية, الاقتصادية, الأمنية.

داخليا لابد من ترسيخ فكر الانتماء والتقبل بين جميع فئات الشعب لتجذير الولاء للوطن التي تشكل أول خطوط الدفاع ضد أي محاولة خارجية تستهدفنا وتحاول التغلغل إلى شعوبنا إيديولوجيا وفكريا, تكنولوجيا الاتصالات المتاحة اليوم لجميع فئات شعوبنا تسهل الوصول لهم والتأثير عليهم وملئ الفراغ الموجود بعقولهم بسبب أننا لم نملئ هذا الفراغ فأتحنا الفرصة للغير للوصول والتأثير ونستطيع أن نرى هذا الأمر بوضوح اقتصاديا بقدرة الشركات الغربية للوصول للمستهلك العربي وإقناعه أن منتجهم يقدم فائدة ملموسة أفضل من منتج بلاده المحلي وزرعوا موقع قدم داخل البلاد يستطيعون الحفاظ عليه من خلال توجيه قدرة بلادهم السياسية والعسكرية والاقتصادية لحماية أسواقهم داخل أراضينا. نحن ساهمنا بذلك بدون أن نعلم بسبب عدم الوعي الاقتصادي الذي نعيشه في عالمنا العربي ومثل ما تغلغلوا اقتصاديا في أسواقنا يستطيعون استخدام نفس الموارد للتغلغل سياسيا وأيديولوجيا والتأثير على شبابنا واتجاهاتهم الفكرية.

خارجيا نعيش اليوم في عالم مختلف تماما عما عهدناه, هناك انشقاق واضح داخل عالمنا الإسلامي وهناك بعد بين توجهات عالمنا الإسلامي والتوجهات الغربية وأصبحنا اليوم نمشي في خطين متوازيين لن يلتقيا أبدا ونستطيع أن نرى الاتجاه اليميني المتطرف الصاعد في الحياة السياسية الغربية وهو ينم عن اختيار شعوبهم لمسار الحماية والمواجهة عوضا عن العمل و المشاركة مع الشعوب الأخرى ولا أرى أي اختيار لنا غير الاعتماد على أنفسنا والالتفات نحو عالمنا العربي الإسلامي بقوة من خلال بناء قواعد اقتصادية تساهم في تنمية الشعوب وتقويتها وبناء حصانة لها ضد تغلغل القوى الخارجية التي لا هدف لها إلا السيطرة على مواردنا وفرض آرائها وقيمها الغربية كبديل عن قيمنا, الشعوب العربية المتأثرة بالغرب دفعت ثمنا فادحا لاتجاه بوصلتها السياسية نحو الغرب لتأثرهم القوي بالأيدولوجيات الفكرية والسياسية الغربية بينما في الخليج, توجهنا العربي الإسلامي أعطى شعوبنا حصانة ومكنتها من تفادي الدخول في دوامة الاضطرابات السياسية التي عصفت بالدول العربية التي كانت مليئة بالشعارات المستوردة الخاوية من أي مضمون ملموس لان شعوبهم اعتقدت أن التوجه الغربي السياسي هو الطريق التلقائي نحو الإصلاح, هذه الشعوب لم تكن محصنه أيديولوجيا لأن مفهوم الأمن الوطني الداخلي لديهم كان محصور في المسائل الأمنية فقط ولم تحصنها فكريا وسمحت بل وساهمت في انتشار الأفكار المستوردة إليها ودفعت ثمن غالي لفقدان هويتها العربية والإسلامية, نستطيع القول أننا في السعودية والخليج كنا ومازلنا في الاتجاه الصحيح ولابد أن نطور تحالفاتنا العربية والإسلامية باستقلالية تامة عن التوجهات الغربية الدولية التي نصبت نفسها ندا لنا واثبت أن استثمارنا في تحالفاتهم السياسية والاقتصادية على مدى عقود طويله لم يأتي إلينا إلا بنتائج كارثيه وكان استثمار فاشل بجدارة. في مجتمعاتهم اليوم الإسلام والعروبة أصبحت كلمات سلبية بل تنم عن همجية في عقولهم ولذلك أصبح ليس لدينا اختيار إلا الاعتماد على أنفسنا وعلى عالمنا العربي الإسلامي في بناء تحالفات اقتصادية وسياسية تضمن لنا البقاء وحماية طرقنا التي اخترناها في الحياة.

المداخلات حول قضية: (الأمن الوطني في ظل المتغيرات الدولية)

  • أبعاد قضية الأمن الوطني وتشابكاتها المعاصرة

أشار د. حسين الحكمي أن البعض يعرف مفهوم  الأمن الوطني أنه حماية الدولة للأرض والشعب والمصالح والأيديولوجيا و الثقافة والاقتصاد من أي مهددات خارجية ، إضافة إلى التصدي لجميع المشاكل الداخلية والعمل على حلها والتوازن سياسيا لمنع الاستقطاب و زيادة وحدة الكلمة وتجذير الولاء والانتماء للوطن والقيادة. وهذا التعريف قد يمكننا من تحديد تعليقاتنا حول قضية الأمن الوطني برمتها. إن الأمن الوطني لا يتأثر بالجانب الدولي فقط ، فهناك جوانب أخرى كثيرة يمكن أن تؤثر على الأمن الوطني، مثل العامل الاقتصادي ، المتغيرات الدولية ، السياسات الخارجية وتغير السياسة الداخلية ، البطالة ، التوزيع العادل بين المناطق . ها نحن نرى كل يوم وآخر نوع من التذمر من الشباب ومن النساء ومن أفراد بعض المناطق و هم يشكون ضعف الخدمات التي تقدم له ومعاناتهم مع الدوائر الحكومية ومع موظفي تلك الدوائر.

الجانب الاجتماعي يتضمن مجموعة من المتغيرات التي يمكن أن تتسبب في تقويض الأمن الوطني ، ليس فقط العامل الخارجي والدولي بل المحلي أيضا ، كيف لمواطن يشعر بالظلم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وخدميا أن يشعر بالولاء والانتماء ويقوم بدوره في الحفاظ على أمن الوطن ؟! رؤية ٢٠٣٠ والتي يجهل بعض المواطنين كثير من خفاياها وآليات تطبيقها يفاجأون كل يوم وآخر بضغوط اقتصادية ومالية إما بالاقتطاع من المخصصات التي يحصلون عليها كرواتب أو من خلال رفع الدعم عن بعض الخدمات أو بإقرار ضرائب لم تكن معروفة لهم مسبقا.

للمتغيرات الدولية بالتأكيد أثرها على أمن الوطن ، وأيضا المتغيرات الداخلية تؤثر أيضا ، في ظل حرب في الجنوب وتأهب في الشمال لما قد يحصل في سوريا ومواجهة لمؤامرة إيرانية إعلاميا وشعبيا وسياسيا تصدر قرارات تثير المواطن الذي هو خط الدفاع الأول ، فتصدر قرارات تثير حنقه وتشعره بأنه على الهامش ولا رأي له ! الشعب في القترة الماضية مر بصدمة قوية ربما لم يفق منها بعد ، لكن آثارها بدأت تظهر وقد تتسبب في إثارة ولغط قد تصعب مواجهته ، وحينها سيفقد السياسي ورقة دفاع قوية كان يمتلكها في مواجهة الصراعات الداخلية الخارجية . علينا أن نكون صرحاء مع أنفسنا في الحديث عن الأمن الوطني والتحديات التي تواجهه فالوطن وطننا جميعا ولن نرضى له الخسارة.  نتحدث عن الأمن الوطني وهناك مسؤولين كل يوم وآخر يخرجون يثيرون المواطن بتصاريح تقلل من عمله وقيمته وقيمة ما يعمل ، وآخر تلك التصاريح : “أكد وكيل وزارة المالية الأسبق الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالعزيز الدخيل أن السعوديين لا يستحقون زيادة رواتبهم، كونهم لا يعملون بكد وجهد بل يبحثون عن الراحة “.

وأوضح د. علي الحارثي أن الأمن الوطني حماية الدولة بمكوناتها ( أرض وشعب ونظام وجميع المصالح ) من التهديدات . التهديد في مفهومه العام هو بلوغ تعارض المصالح والغايات الداخلية والخارجية مرحلةً يتعذر معها إيجاد حل سلمي يوفر للدولة الحد الأدنى من أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعقدي والعسكري . وعناصر التهديد تبدأ من مستوى وحدة التحليل الرئيسيّة للتهديد ( الفردي والجماعي الداخلي ) إرهاب ، مظاهرات غير سلميه لعدم تحقيق المطالَب ، احتقان اجتماعي قد ينفجر في أي لحظه نتيجة التهميش والتفرد وعدم العدالة والمساواة ، ومصادرة الحقوق الإنسانية التي جميعها تولد عدم الولاء والانتماء الوطني ، إضافة إلى خنق الحريات والإعلام المريض كما أشار د. إبراهيم البعيز ، وكما سبق الإشارة في الورقة الرئيسة ، الإعلام أصبح الحاسم للمعارك وأقوى من كل سلاح . وما شهدناه من إرهاب فردي وجماعي وامتعاض اجتماعي له علاقه بالسياسات والإجراءات والعلاقات الإقليمية والدولية الفاشلة في جوانب كثيرةٍ منها، لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار صيغة الأمن الوطني على ضوء الركائز الأساسية : إدراك التهديدات الداخلية والخارجية ، رسم استراتيجية لتنمية قوى الدولة ، القدرة على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية ، و إعداد سيناريوهات محتملة واتخاذ إجراءات المواجهة .

أما د. عبد الله بن صالح الحمود فقال في تعقيبه: تأتي مناقشة قضية الأمن الوطني في ظل المتغيرات الدولية في وقت نشهد صراعات متعددة الاتجاهات ، عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية ، و التي بالفعل تتطلب الوصول إلى تعريفات حقيقية لمفهوم الأمن الوطني الشامل ، وكذا ما يفرضه واقع الحال من وجوب توافر حلول مناسبة عن ما يحدث من سلبيات تحدق بالواقع الوطني. ولعلي بداية أسهم في تقديم تعريف موجز عن مفهوم الأمن الوطني ، ومن ثم التطرق إلى ما أراه يدعم حال الأمن الوطني في السعودية.

مفهوم الأمن الوطني:

مفهوم الأمن الوطني يعبر عن وجوب توافر الحماية الأساسية للمواطنين والمقيمين على أرض أي دولة ، كما يعرف بأنه استخدام الوسائل الأمنية للمحافظة على سير الحياة اليومية بمنهجية تؤمن للأفراد حياة أمنة تتجلى في عدة مجالات ، والأمن الوطني الواجب الإتيان به يعني توافر أمن مطلق يتنوع بتنوع ما تمتلكه الدولة من مقومات ، سعيا في عدم الوقوع  في أزمات تؤدي إلى التسبب بالضرر لمكونات المجتمع البشرية والمادية.

و إذا ما تحدثنا عن تعريف الأمن الوطني على المستوى السياسي الدولي، فهو قدرة الحكومة على رد أي عدوان قد تتعرض له الدولةُ من قبل دولة أخرى ، سواءً باستخدام الدفاع العسكري، أو أي أسلوب يساهم في المحافظة على تطبيق الأمن الخارجي والداخلي للدولة ، تفاديا لعدم سيطرة أي دولة للأمن عامة . وهناك عدد من الأساسيات التي يقوم عليها الأمن الوطني وهي:

  • الاستعداد الدائم للتهديدات التي قد تواجه الدولة، سواءً من مصادر داخلية أو خارجية.
  • الحرص على تطبيق كافة الاستراتيجيات الأمنية.
  • توفير كافة الوسائل التي تساهم في مواجهة الاعتداءات العسكرية وغير العسكرية على أراضي الدولة.
  • المحافظة على بناء الجيش، والقوة العسكرية والأمنية ، حتى تكون قادرة على توفير الحماية اللازمة للأفراد، والمؤسسات.

   وللأمن الوطني أبعاد متعددة والتي لابد أن تكون حاضرة وبتطور وتقدم قائمين للحفاظ على كينونة الدولة ، وتأتى هذه الأبعاد في الآتي:

1- البُعد العسكري:

 والذي يعتمد على دور قوات الجيش والشرطة ، في توفير الأمن الوطني ضد أية اعتداءات، أو مخاطر مخطط لها من قبل جهات خارجية، وهنا يتطلب الأمر أن يكون لكافة القطاعات العسكرية من جيش وأمن داخلي الاستعداد المستمر للذود لحماية الوطن .

2- البعد الاقتصادي:

  البُعد الاقتصادي هو الذي يحرص على استيعاب أية أزمة اقتصادية عند حدوثها، مع وجود احتمال لحدوث تأثيرات سلبية على الأمن الوطني، لذلك تسعى الدولة لإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات الاقتصادية التي تواجهها، وخصوصاً التي تؤثر على الحاجات الأساسية للأفراد، باعتبار توفيرها أساساً مهماً من أساسيات الأمن الوطني.

3- البعد السياسي:

 البُعد السياسي هو الذي يتكامل مع البُعد العسكري، من خلال المحافظة على سيادة الدولة على أراضيها، وحمايتها من أية تدخلات خارجية، مما قد تؤدي للسيطرة على أمنها الداخلي، وأيضا يعتمد البُعد السياسي على توفير المساواة، والحقوق الإنسانية للأفراد داخل الدولة، للمحافظة على استقرارها، ومنع حدوث أية أزمات داخلية، قد تنتج عنها نتائج سلبية، تؤثر على الأمن الوطني.

4- البعد الأيديولوجي:

  وهو الذي يساهم في تعزيز انتماء المواطنين لوطنهم، من خلال توفير الحماية الاجتماعية لهم، من التعرض لأية اعتداءات، أو جرائم داخل البيئة التي يعيشون فيها، لذلك يرتبط البُعد الأيديولوجي بكافة الوسائل، والأساليب المستخدمة لتوفير الأمن الداخلي والوطني من خلال المحافظة على المجتمع، وتعزيز فكرة تقبل الأفراد للاختلافات الدينية، والثقافية، والفكرية بينهم .

و ذكر أ. عبدالله الضويحي في مداخلته أن الأمن في اللغة هو الطمأنينة وهو ضد الفزع والخوف؛ فإذا تحققت الطمأنينة تحقق الأمن. وهو كمفهوم قديم قدم الخليقة لكنه كمصطلح يعتبر حديثا ومن الأدبيات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية ( 1939 – 1945 ) والتي تبحث في كيفية تحقيق الأمن وتلافي الحروب فنشأ مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1975 ثم بدأ ينتشر استخدامه في الكيانات المختلفة للحفاظ على أمنها وكذلك في الأدبيات السياسية والاجتماعية.

وعودة لمفهوم الأمن وهاجسه نجد أنه ظهر قبل بدء الخليقة ( وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .. الآية ). وصدق حدسهم عندما قتل قابيل أخاه هابيل وهما إبنا آدم في أول حادثة قتل في التأريخ ( واتل عليهما نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا .. الآية ).  وفي قصص الأنبياء جميعهم ومنها موسى عندما استغاثه الذي من شيعته ( فأصبح في المدينة خائفا يترقب .. الآية ) ( فخرج منها خائفا يترقب .. الآية ) وقصة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عندما بحث عنه بالتفكر في ملكوت السموات والأرض ” الكوكب ثم القمر ثم الشمس ..” وانتهى بقوله تعالى ( الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) وقصة نبينا محمد ﷺ عندما نزل عليه الوحي ( دثروني دثروني .. ) والقصص هنا كثيرة.

وأضاف أ. عبدالله الضويحي: ما أود الوصول إليه أن الأمن في نظري يبدأ من الفرد، إذا حصل الأمن للفرد فهذا أدعى ليحصل للمجتمع ثم الوطن أو الأمة. وإذا كان الفرد لا يستطيع الاطمئنان على نفسه وأسرته في غياب الأمن فالوطن والأمة كذلك فغيابه أدعى لتأثر علاقة الإنسان بربه وتعطل بعض العبادات كالحج الذي يتطلب الأمن القومي بين الدول. أعتقد أننا لا نستشرف المستقبل ولا نجيد قراءته بدءا من الستينيات ثم ثورة الخميني مرورا بحادثة جهيمان وأفغانستان وغزو الكويت .. كنا نتعامل مع كل حادثة كحالة فردية ينتهي التفكير فيها وآثارها بانتهائها كحدث حتى جاءت ثالثة الأثافي ” الحادي عشر من سبتمبر” . تخدرنا بعض الآيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث ونركن إليها دون تمعن في مضامينها ودون إدراك أن الله سبحانه يدعونا للتفكر فيها والبحث عن الأسباب والمسببات .. حتى وصلنا لهذه المرحلة التي “اتسع فيها الشق على الراقع ” و ” تكاثرت فيه الضباء على خراش “.

عندما بدأ البث الفضائي بداية التسعينيات بقناة واحدة كان العقلاء وقراء المستقبل يحذرون من توسعه ويطالبون بالتعامل مع الواقع وتحصين الأمة من خلال الفكر فيما كانت فئة أخرى تستبعد حدوثه وتهون منه بالقدرة على التشويش عليه ولن أدخل في المزيد عندما تحول هؤلاء إلى أبطاله ونجومه. و إعلامنا الرسمي أحد الأدوات، وهو يتحمل المسئولية فيما حدث ولازال وكان بإمكانه معالجته عندما كان أحاديا .. ورغم ما حدث من تطور وتأثير لا زال يراوح مكانه بل يزداد سوءاً .

وتناولت د. نوف الغامدي في تعقيبها قضية الأمن الوطني في ضوء ثلاث متغيرات مهمة:

الأول: متغير التوازن:

يوازن هذا المتغير بين تجميع القوى داخلياً، وتنسيق المطالب خارجياً، هذا المتغير يتفاعل، مع البعد السياسي للأمن الوطني، بشقيه الداخلي والخارجي، حيث يتحقق التوازن في السياسة الداخلية، بتماسك القوى المكونة للمجتمع من طوائف، وجماعات مذهبية (دينياً أو سياسياً) وطبقات المجتمع. بينما يتحقق التوازن في السياسة الخارجية، بتحديد المطالب من العلاقات الخارجية المتاحة، التي يمكن الحصول عليها.

الثاني: متغير الرفاهية:

هذا المتغير بقياس قدرة المجتمع على رفع مستوى المعيشة، وتغير الأنماط المعيشية للمواطنين إلى الأفضل، نتيجة للتنمية الحقيقية للدخل الوطني. ويقاس هذا المتغير بعدة معدلات، تُعد المؤشر على تقدم المجتمع نحو الرفاهية، أهمها مؤشر الناتج الوطني الإجمالي، ومتوسط الدخل الفردي، ومتوسط نصيب الفرد من الناتج الوطني الإجمالي.

الثالث: متغير القدرة العسكرية:

تأثر مفهوم الأمن الوطني بالتطورات في الأحداث العالمية والإقليمية. وأدى تفاعله معها، إلى تطورات في مفهومه ظهرت في كتابات المحللين والخبراء، الذين رصدوا هذا التطور. فقد تحول مفهوم الأمن الوطني، من تحديد أهداف عامة للدولة، تكفل لها الاستمرار وتحقيق البقاء، إلى مفهوم أكثر دقة يتضمن شقين:

  • تكون الدولة أمنة، إذا لم تصل إلى الدرجة التي يكون عليها أن تضحي فيها، بقيمها لتجنب الحرب.
  • تكون الدولة أمنة، إذا ما أعدت نفسها إعداداً يهيئ لها الانتصار في الحرب، إذا اضطرت إلى مواجهة التحديات والتهديدات.

ومن جانبه قال د. إبراهيم البعيز إن قضية الأمن الوطني قضية مهمة وحساسة وتدخلنا في ممر لا بد من العبور من خلاله، لكن مخاوف العبور تستدعي أخذ “الحيطة والحذر” من الوقوع في المحذور.

اتفق مع م. حسام البحيري في قولة “داخليا لابد من ترسيخ الانتماء…. لتجذير الولاء للوطن”. لذا يستلزم الحوار حول “الأمن الوطني” الإشارة إلى الثورة التقنية وما أسفرت عنه من فضاء افتراضي تتصارع فيه الولاءات والانتماءات الطائفية والقبلية والمناطقية على حساب أمن الوطن واستقراره، وتزداد خطورة هذه الصراعات مع التغيرات المتلاحقة في المشهد السياسي على المستويين الإقليمي والدولي وما أسفرت عنه  من تداعيات خطيرة تهدد أمن الوطن  واستقراره.  ومن هنا تبرز أهمية “المواطنة” كمصطلح تغافلنا طويلا عن إدخاله ضمن مفردات قاموسنا الثقافي، ونسيناه في حواراتنا السياسية ومنتدياتنا الفكرية.  قد تتعدد تعريفات ومفاهيم “المواطنة”، لكن هناك اتفاق على أنها شعور الفرد بالانتماء لوطن يعبر عنه بالولاء له ولقيادته السياسية، وهذا الولاء لا يتحقق إلا بتوازن وتكامل بين الحقوق التي يحصل عليها المواطن، والواجبات التي يلتزم بها تجاه وطنه.  وفيما يتعلق بأهمية الجانب الاقتصادي في الأمن الوطني، ذكر أ. مطشر المرشد أن ارتفاع مستوى الإنتاجية وتنوع الاقتصاد ينتج عنها ارتفاع في دخل الفرد وانتشار وتوازن التنمية .. مما يساعد إلى حد ما على تعافي الأمن الوطني ، رغم أن هناك عوامل أخرى تؤثر بشكل كبير في تحقيق الأمن الوطني ( الداخلي ، الجبهة الداخلية ) ، تتعلق بالعدل والمساواة وأسلوب التعاطي مع قضايا اجتماعيه ليس لها علاقه بالشق الاقتصادي التنموي.

ويرى م. خالد العثمان أن مفهوم الأمن يمتد أيضا ليمس جانب الاستقلال والاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الغير والخضوع الدائم لتهديد الحاجة .. من ذلك مثلا الأمن الغذائي والمائي والصناعي وغير ذلك.

وذهبت أ. ليلى الشهراني إلى أنه لا شك أن الأمن في كل دولة هو الركيزة الرئيسة لحفظها وتقدمها واستقرارها ، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تتقدم علميا واقتصاديا وتنمويا في بيئة مضطربة أو تعاني من الانفلات الأمني .

وبرأيها نحن نركز في الخليج على تهديدات (الإرهاب والمخدرات) وهي بلا شك من أخطرها وأعظمها ، لكن هناك مهددات صغيرة نغفل عنها لتتراكم وتكبر حتى تصبح مستعصية في حلها وتشكل تهديد حقيقيا لا نشعر به إلا بعد تعملقه ، للمفكر والسياسي غازي القصيبي رحمه الله مقولة أشبه بجرس إنذار وهي ( أمن الخليج أمن مؤقت لأنه مرتبط بثراء مؤقت وقد أن الأوان للتفكير في أمن دائم) ولعل من أهم مهددات الأمن (الفقر ، البطالة ، غياب العدالة الاجتماعية ، الظلم ، الفساد) هذه كلها قنابل موقوتة ، والتهاون في علاج بعضها أو كلها يفضي إلى ما لا قد تحمد عقباه .

ومن جانبه قال د. خالد الرديعان في تعقيبه حول قضية الأمن الوطني: لعلي التقط طرف الخيط من د. إبراهيم البعيز الذي أكد كثيرا على مفهوم “المواطنة” ودوره الأساسي في تعزيز الأمن الوطني؛ لأنه ليس من المتوقع أن يشيع الأمن إذا كان مفهوم المواطنة أقل من المأمول وغير متجذر في عقل ووجدان المواطن. المواطنة كحقوق وواجبات هي صمام الأمان الذي يكرس الأمن الوطني وهي الملاذ الأخير بعد الله في تماسك المجتمع السعودي ووقوفه صفا واحدا في وجه الأخطار المحدقة بنا والتي تزايدت في السنتين الأخيرتين.  والمواطنة لا تتعمق إلا بتوسيع هامش المشاركة الشعبية في العملية السياسية والتخلص من قضية الانفراد بالقرارات الكبرى وتهميش دور المواطن. المسألة الثانية التي تعزز الأمن الوطني وأراها ملحة للغاية في هذا التوقيت هي قضية “الشفافية” فيما يتعلق بالمال العام.

نحن طيلة السنوات الماضية لا نعلم الكثير عن مداخيل الدولة وكيفية التصرف بها وأين تذهب عدا ما يُعلن عنه في الميزانية السنوية وهذا غير كافي إطلاقا… لدينا طيلة السنوات الماضية تصور أن الأمور المالية تسير من أحسن إلى أحسن وفجأة بين ليلة وضحاها نكتشف أننا على حافة أزمة اقتصادية حادة لا نعرف كيف حدثت ومتى تنتهي، أزمة جعلت المواطن يتساءل عن صحة الإجراءات التي كانت تتم في العقود الماضية. هذه التساؤلات فتحت الباب أمام قضية أخرى هي قضية “الفساد المالي والإداري” في جسد الدولة وغياب صوت المواطن وقدرته على مراقبة المال العام. عدم الشفافية والفساد بكل صوره عوامل مهمة في تقويض الأمن الوطني وبالتالي يجب أن يتحلى صانع القرار بقدرة فائقة على الشفافية ومكاشفة المواطن بكل خطوة يقوم بها حتى يكون عونا له على تقبل الوضع والتعامل معه بصبر وتحمل. الجميع شركاء في هذا الوطن وثرواته وإمكاناته، لكن هذا الشعور غائب عند المواطن البسيط الذي يفكر بقوت يومه وبمستقبل أبناءه. الناس لديها قلق عميق من الوضع الاقتصادي والمعلومات المتاحة عنه متضاربة وغير كافية.

ومن جديد قال د. حسين الحكمي: ذكر م. حسام البحيري في تعقيبه : ” … ولا أرى أي اختيار لنا غير الاعتماد على أنفسنا والالتفات نحو عالمنا العربي الإسلامي بقوه من خلال بناء قواعد اقتصادية تساهم في تنمية الشعوب وتقويتها وبناء حصانة لها ضد تغلغل القوى الخارجية التي لا هدف لها إلا السيطرة على مواردنا وفرض آرائها وقيمها الغربية كبديل عن قيمنا, الشعوب العربية المتأثرة بالغرب دفعت ثمنا فادحا لاتجاه بوصلتها السياسية نحو الغرب لتأثرهم القوي بالأيدولوجيات الفكرية والسياسية الغربية…”. للجانب السياسي أهميته كعامل مؤثر في الأمن الوطني ، فالسياسات الداخلية والخارجية للدولة تؤثر على الأمن واستقراره ، كما أن العلاقات السياسية الخارجية وما يحصل من حولنا من تغيرات سياسية وحروب وتغير في السلطات يمكن أن يؤثر أيضا على أمننا خصوصا إذا كان ذلك التغيير في دول حليفة .

وذكر د. عبدالسلام الوايل أن الورقة الرئيسية و تعقيب د. سعد تضمنت تركيزا على بعد مهم في صياغة الأمن الوطني يختص بتوسيع مجال المشاركة السياسية و إدماج فئات اجتماعية أوسع في صنع القرارات. و تحتاج هذه النقطة لمزيد من العمل لإيضاح علاقة الأمن الوطني بهذا الاقتراح. سأطرح هنا ما أظنه يساعد في تبيان هذه العلاقة.  لقد بينت التغيرات الدراماتيكية و التحديات الجسام و حتى التهديدات الاستراتيجية لبلادنا خلال نصف العقد الماضي مدى عمق المواطنة السعودية و تجذرها كهوية في نفوس أبناء هذه البلاد و مهجهم. حين نحس بالتهديدات نفزع للوطن متمسكين به كهوية جامعة و كمنجز وحدوي فريد في التجربة الإقليمية.  هذا نجاح كبير لفكرة الوطن و الوطنية و للدولة السعودية كدولة-أمة Nation-state  ضمن النظام العالمي المتكون فيما بعد الحرب الكونية الثانية. هذا النجاح تحقق أساسا بسبب إثبات الأيام أن هذا النموذج (أي الدولة السعودية) مربح لمواطنيه. فهناك الأمن و الرفاه النسبي و أساليب العيش الكريمة. من أجل استدامة هذه الهوية و هذا النجاح و تعميق مشاعر الانتماء للمشروع الوطني و استدخاله في الهوية الذاتية للفرد و من أجل  مساعدة جهازه الحكومي في تحسين أداءه في مكافحة ملفات عويصة و معيقة للتنمية و نجاح مضطرد للنموذج (كملف الفساد البالغ التعقيد و المعوق لنجاح جهود نمو المجتمع) و من أجل عضوية أكثر شرعية في مصفوفة النظام العالمي نحتاج لتوسيع المشاركة و قاعدة صنع القرار الوطني. إننا نمر بفترة تطلعات وثابة و خطوات جازمة للتحول. و من أجل ضمان نجاح أكبر لهذه التحولات فإنه يجدر بنا إشراك فئات اجتماعية أوسع في صنع الطريق الذي قررنا سلوكه. قد تثقل المشاركة من تسارع الخطى. لكنها ضمان أكبر للاستقرار و لتقبل المجتمع لكلفة الطريق الوعرة للانفكاك من سطوة النموذج الريعي.

وترى أ.د فوزية البكر أننا في المملكة شئنا أم أبينا أمام تحديات كبيرة علي القيادة وعلينا جميعا مواجهتها لتأمين سير مركبة هذا الوطن أمنه الله في سره وجهره. إن بعضا من هذه التحديات يتضح في الآتي:

  • تحديات بشرية ستغرق مدننا وقرانا بكثافة بشرية لا طاقة لإمكاناتنا أن تواجهها مهما بعنا من النفط .
  • هناك طبعا التحديات المائية المرعبة التي تنتظر هذه البقعة المكتظة والقلاقل المحيطة بِنَأ من كل صوب.

لكن هناك أيضا تحديات آنية داخلية تكمن في :

  • سوء توزيع مكتسبات التنمية وتفاوتها الهائل بين المدن الكبرى والقري والأرياف مما ولد السخط والشعور بالغبن عند أبناء هذه المناطق وتلاها سيطرة الجهل والتيارات المتطرفة علي معظم المدارس وأماكن العبادة والخدمات الاجتماعية وهو ما يزيد الضغط والتذمر لدي هذه الفئات .
  • عدم أو تجاهل صانعوا القرار لضرورة وجود آليات للمشاركة السياسية تحقق الشفافية في مراقبة المال العام وتسمح بالمشاركة في صنع القرارات علي كل المستويات وخاصة قرارات خطيرة مثل الحرب وغيره .
  • انتشار الفساد بل وتشجيعه بالتصفيق المستمر لكل شيء مما أدى إلى تغليب المصالح الذاتية علي مصلحة الوطن وأدى إلى ظهور مستفيدين ترتبط مصالحهم باستمرار الفساد لذا عليهم رعايته بسد منيع لا يمكن من الوصول لصانع القرار أو بالتلميع للحقائق لتصل بالشكل الذي يتوقعه السياسي وليس بما يحدث علي الأرض .
  • الشعور بعدم العدالة في توزيع مكتسبات وثروات هذه الأمة والفروق الطبقية المخيفة بين فئات المجتمع التي ظهرت في كل نشاط اجتماعي مثل: (الأعراس، المهور.، المنازل، القصور، الاستراحات، إجازات الصيف.. الخ .
  • سوء الخدمات العامة المقدمة للمواطن سواء كانت رعاية صحية أو تعليم أو خدمات رعاية اجتماعية أو بلدية. تريد خدمة جيدة: عليك أن تدفع جيدا حتي في ما يعتبر خدمات أساسية للمواطن . وماذا عن الفقير أو متوسط الدخل ماذا يفعل ؟ يبدأ في إثارة القلاقل .
  • تحديات ذات علاقة بالهوية الوطنية التي لم تحل فهل أنا سعودية أو أنا نجدية أو أنا من شمر من حائل حيث أهلي أم أنا مسلمة ، هل أنا قبيلية أم خضيرية أم بدون ؟ كلها تقاطعات في الهوية يجب أن نعترف كأمة بأنه تم تشجيعها لفترة طويلة بل وحتي الآن من حيث دعم أجهزة الدولة للمظاهر القبيلة؛ فيكفي أن يأتي أحد من العصبة لم يرى في حياته قريبته لكنه كذكر يستطيع إيقاف زواجها إذا لم يوافق عليه والأمثلة في دعم مؤسسات الدولة لنظام القبيلة أكثر من أن يحصي.
  • تحديات جيل التكنولوجيا والمعرفة و جيل الشباب الذي يشكل نصف المجتمع ذكورا وإناثا .
  • القبيلة العربيّة وإشكاليّة الوطن والدولة

تطرق د. فايز الشهري إلى قضية الأمن الوطني من زاوية أخرى وهي تلك المتعلقة بالقبيلة العربيّة وإشكاليّة الوطن والدولة؛ باعتبار المفهوم الشامل الوطني، فالقبيلة في المجتمع السعودي لازالت حجر الزاوية في كثير من الإشكالات المدنية وقد رأينا في مراحل معينة بعض التكتلات القبلية تنزع الوطنية والانتماء عن أحد أفرادها لموقف فكري أو إنساني. فالأمن الوطني في أساسه يعتمد على الناس واتجاهاتهم ونظرتهم لحاضرهم ومستقبلهم وطالما التكوين القبلي والهويات الصغرى تتحكم في كثير من حركة الناس فكيف تستقيم معززات الأمن الوطني وهذه العناصر تتحدد أولوياتها مع القبيلة والمكان الجغرافي.

وفي هذا الصدد أشار إلى أنه لا شك أن التنظيم القبلي في العالم العربي سبق نظام الدولة العصريّة وحافظ إلى حد ما على المجتمعات الإنسانيّة الصغيرة التي شكلت مسمّى القبيلة. إذا فالقبيلة هي حالة تاريخيّة عوضت غياب الدولة في مراحل تاريخيّة كانت “القبيلة” فيها مرجعاً وحاجة للتجمعات الإنسانيّة خاصة في مجالات التكافل والحماية والانتماء. ومن قراءة موروثنا وحاضرنا نجد أن القبيلة العربيّة في تاريخها وبنائها تتغذى في طاقتها وحيويتها على الفخر والقوة ومن هنا ظهر شعر النقائض قديماً والشعر النبطي حديثاً الذي يعتمد في أساسه على الفخر القبلي والانتقاص من الخصوم (القبائل الأخرى).

وحين ظهرت الدولة العربيّة العصريّة فيما بعد الحرب الغربيّة الأولى والثانية ونشأت التكوينات السياسيّة الوطنيّة كانت القبيلة حاضرة في دعم هذه التكوينات والالتفاف حولها.  وفي معظم الحالات كان الحضور هنا بشروط القبيلة لا باستحقاقات الدولة والوطن الناشئ. وقد أدرك العقل الاستعماري الغربي هذه التناقضات؛ فأرسل كتائب الجواسيس والمستشرقين قبل جيوش الاحتلال لفحص كل حجر وبشر وبحث خصائص كل قبيلة لتوظيف المتعارضات لمصالح النظام الاستعماري الذي هيمن على معظم الدول العربيّة وقتها.

واليوم ها هو التاريخ يستعيد بعض أحداثه بأمثلة تكشف إشكاليّة القبيلة مع الوطن ومفهوم الدولة خاصة بعد فشل المشروع السياسي الوطني العربي وتفتت الدولة العربيّة في ليبيا واليمن وبدرجات متفاوتة في سورية والعراق. ولو تأملنا ليبيا القذافي مثلاً نجد أن صاحب هرطقات “الجماهيريّة” وحكم الشعب للشعب كان يستند إلى التحالفات مع قبائل كبيرة مثل “الورفلة” “والمقارحة” “والقذاذفة” دون مشروع وطني عصري في “جماهيريته”. ولعلّ هذا يفسّر كيف انقسمت القبيلة حول “القذافي” وهو يصارع الطواحين في أيامه الأخيرة، ثمّ كيف تصارعت لما رحل “ملك ملوك أفريقيا”.  والعجيب في المشهد الليبي أن معظم السكان (98%) سنيّون تابعون للمذهب المالكي ومع ذلك كانت القبيلة أقوى من المذهب وبالطبع متجاوزة للدين الناهي عن الفرقة والاختلاف. وهكذا ظهر المشهد الليبي شائكاً وغريباً إذ لم يستطع برلمان منتخب وجيش وطني أن يتحركا وفق حسابات وطنيّة ودوليّة تخالف صيحات القبيلة التي تنازع السلطة حصتها في المناصب والمكاسب ولديها (مثلها) قواتها المسلحة التي تتحرّك كيفما انفعل شيخ القبيلة.

وفي اليمن يبدو المشهد أكثر تعقيداً إذ لم تكتف القبيلة بطاقتها العصبيّة المحرّكة لها ولأبنائها فانخرطت في الأيدلوجيا ثم في حسابات مذهبيّة لا تنسجم مع روح القبيلة وجوهرها المؤسس على العرق والحميّة. ولهذا تجد أن في اليمن وحدها رموزا قبليّة تتحدّث تارة بنكهات القوميّة أو ضمن نداءات الإسلام السياسي (سني/شيعي) بل أن هناك شخصيات قبليّة ارتبطت بمفاهيم البعث وشعارات الاشتراكيّة. وكما فعل “القذافي” تحالف “علي صالح” مع قبائل كبيرة مثل “حاشد وبكيل ومذحج” وغيرهم وأنشأ بدهاء سياسي “مصلحة شؤون القبائل” سنة 1980 لجمع شيوخ ووجهاء القبائل وإعطائهم دوراً سياسياً وبالطبع المكافآت الماليّة.

في العراق وسورية على الرغم من تجذّر المجتمع المدني إلا أن فشل الدولة والصراعات المذهبيّة والعرقيّة سرعان ما بعثت روح القبيلة التي لم تجد وقت المحنة بدّا من غض النظر عن تحركات تنظيمات التطرف فسهّلت ودعمت لا حباً في العنف وإنّما انتقاماً وبحثاً عن كيان في عالم ما بعد “الربيع” العربي.

وعلق د. حسين الحكمي بأن مجتمعنا بالفعل مجتمع قبلي وهذا متغير مهم يجب أخذه بعين الاعتبار . و اليمن أيضا مجتمع قبلي ويمكن مقارنة هذا الجانب به إلى حد ما ؛ فلو تأملنا المجتمع اليمني لوجدنا أنا للقبيلة حضور كبير في السلم والحرب ، وهم ليسوا دائما مع السياسي ما أدى إلى كثير من التناحر بين الفينة والأخرى.  ظهر في مجتمعنا بعض النعرات القبلية التي قد ينتج عنها تفكك في اللحمة الوطنية وتمركز حول الهوية الصغرى القبيلة وإغفال الهوية الوطنية أو وضعها في مرتبة متأخرة. الأخذ بعين الاعتبار هذا المتغير يساعد صاحب القرار في التعامل مع الواقع بحكمة.

ويرى أ. مطشر المرشد أن تعمد بعض الجهات الالتفاف ومحاصرة فئات من المجتمع وعزلها أو إجبارها على اتجاه معين .. سوف يكون له إفرازات ليس في صالح الأمن الوطني .

  • الأمن الوطني: منظور نفسي

تناول د. علي الحكمي موضوع الأمن الوطني من زاوية اتخاذ القرار المتعلق بالمخاطر التي تهدد الأمن الوطني، فحماية الأمن الوطني من أي مخاطر محتملة، سواء داخلية أو خارجية، يتطلب سلسلة من القرارات تعتمد فاعليتها وجودتها أولاً على تقدير درجة خطورتها وتأثيراتها المحتملة على الأمن الوطني بطريقة صحيحة وعدم تضخيمها أو التهوين من آثارها. وتقدير الأخطار هو عملية عقلية تقوم على توظيف البيانات والخبرات السابقة للخروج باستنتاج حول درجة خطورة حدث أو موضوع خارجي أو داخلي. وبما أنها عملية عقلية في الأساس، فإنها تتأثر بعدة عوامل نفسية نذكر بعضها على سبيل المثال:

  • تأثير العواطف والاتجاهات والخبرات السابقة:

إدراك الأخطار ليس عملية قائمة على النسب الحقيقية لاحتمالية حدوث الخطر فقط، بل أنه يتأثر أيضا بعواطف الإنسان واتجاهاته وخبراته السابقة، ولذلك فهو ليست عملية علمية بحته. فعلى سبيل المثال، من عانى من خطر سابق بسبب عدم تعامله معه في الوقت وبالأسلوب المناسبين، قد ينزع لأن تكون ردة فعله ناتجة عن تضخيم الخطر وتقدير حجمه على أنه أكبر مما هو في الحقيقة. كما أن عاطفة الإنسان الإيجابية نحو موضوع إجراء معين تجعله في الغالب يعظم منافعه ويقلل من مخاطرة، والعكس صحيح، فعندما تكون اتجاهاته سلبية نحو موضوع ما، فإنه ينزع لتعظيم مخاطره والتقليل من منافعه.

  • التضخيم الاجتماعي للأخطار:

في أحيانٍ كثيرة، يتم تناول حدث أو خطر محتمل معين في وسائل الإعلام العالمية والمحلية بشكل مكثف، ويتحدث عنه الناس في مجالسهم وفي وسائل التواصل الاجتماعي أو تقنيات الاتصال، هذا التعامل المكثف مع الحدث أو الخطر المحتمل يجعل الناس (بمن فيهم محللي الأخطار ومتخذي القرار) يتذكرون تفاصيله، والحوادث الأخرى المشابهة له، وكنتيجة لذلك قد يضخمون من احتمالية وقوعه وحجم آثاره إذا وقع بالفعل وينظرون له على أنه مهدد كبير بينما هو قد لا يكون كذلك.

  • تأثير تفكير المجموعة:

 يعتمد تقدير الأخطار في الغالب على تقديرات مجموعة من الخبراء في مجال الخطر، وقد تتعرض المجموعة لتأثير ما يسمى في أدبيات اتخاذ القرار بتفكير المجموعة (Groupthink )، حيث تفكر المجموعة جميعها في اتجاه واحد، وتنظر للمخاطر من نفس زاوية الرؤية، ولا تضع سيناريوهات عدة للحالة ودرجة خطورتها وتأثيراتها المحتملة. وليس بالضرورة أن تتعمد المجموعة التفكير على هذا النحو، ولكنها قد تقع فيه دون شعور منها؛ ولا يمكن تجنب هذا التأثير إلا بكون المجموعة مكونة من أشخاص ذوي خبرات عدة، وآراء متنوعة، ولديهم القدرة على التعبير عن آرائهم حتى ولو كان الرأي السائد في المجموعة يخالفها، مع توفر مناخ حوار مفتوح يشعر الجميع بالاطمئنان ويشجعهم لأبداء وجهات نظرهم.

  • تأثير ضغط الوقت:

إن الوقت المتاح لاتخاذ قرار ما قد يكون قصير جداً مما يجعل متخذ القرار عرضة لاستخدام استراتيجيات تفكير مبسطة (Heuristics ) بدلاً عن تحليل عميق لنسبة احتمال وقوع الخطر ودرجة حدته إذا وقع.  هذه بعض الجوانب ذات العلاقة، وهي تدل على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات حول التأثيرات النفسية المحتملة.

وفي تصور د. عائشة حجازي فإن الأمن الوطني جزء كبير وعامل مهم جدا في شعور الإنسان بالأمن النفسي والذي يعتبر من الحاجات الأساسية والملحة في نمو الفرد نموا سليما وتمتعه بمستوى متوازن من الصحة النفسية ما ينعكس عليه وعلى أسرته ومجتمعه ووطنه.  ويتكون الأمن النفسي من شقين:

  • الأول: داخلي يتمثل في عملية التوافق النفسي مع الذات ، أي قدرة المرء على حل الصراعات التي تواجهه وقدرته على تحمل الأزمات  والحرمان.
  • الثاني: خارجي و يتمثل في عملية التكيف الاجتماعي، بمعنى قدرة المرء على التلاؤم مع البيئة الخارجية و التوفيق بين المطالب الغريزية و  العالم الخارجي كمحصلة لإشباع الحاجات النفسية.

  وقد أولى علم النفس اهتماما كبيرا بالأمن وظهرت العديد من النظريات في هذا السياق كنظرية الحاجات النفسية ، كما ظهرت العديد من الدراسات التي تناولت العلاقة بين التوافق النفسي والشعور بالأمن بجميع جوانبه الثقافية والاجتماعية والسياسية ووضعت العديد من المقاييس لقياس هذه العلاقة والتي أشارت في أغلبها إلى أهمية تحقق شعور الإنسان بالأمن والانتماء والإحساس بالمسؤولية تجاه وطنه حتى يحقق توافقه النفسي وبلوغ حاجاته الأساسية  فالأمن الوطني في أساسه حماية القيم الداخلية من التهديد الخارجي ناهيك عن حفظ كيان الدولة وحقها وحق شعبها في العيش بسلام دون الشعور بالخطر والتهديد والذي من شأنه نزع الاستقرار والشعور بالأمن النفسي وبدوره يؤدي إلى ظهور الأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية.

  • الأمن الوطني و تأثير وسائل الإعلام المحلية والدولية

تساءل د. حسين الحكمي حول الأمن الوطني في ظل تأثير وسائل الإعلام وتركيزها على سلبيات المجتمع السعودي والتدين السعودي والسياسات السعودية مع المتغيرات الدولية.

وفي هذا الإطار أوضح د. إبراهيم البعيز أن المملكة لاشك وأنها أضحت مؤخرا محط أنظار الإعلام الدولي، فهي تتصدر العناوين الصحفية، والأخبار التلفزيونية، بل تجاوزت ذلك بأن تضاعفت أعداد الكتب والدراسات والندوات التي تتناول المجتمع السعودي، وكأنه مجتمع نزل من كوكب آخر. و أصبح هذا الاهتمام المتنامي مصدر قلق للسعوديين (المسئولين والمثقفين على حد سواء).  والسؤال الآن : هل يجب علينا أن نقلق من ذلك؟ والجواب بالتأكيد، نعم علينا أن نقلق وبشدة. كل ما يقال أو يذاع أو ينشر سيكون له دور مهم في تشكيل صورة نمطية عن المملكة العربية السعودية، على المستويين الرسمي والشعبي. وهذه الصورة ستكون في غالبها سلبية، ولها تداعياتها على المواقف والقرارات السياسية والاقتصادية والثقافية تجاه المملكة ومؤسساتها وأنظمتها، والأخطر من كل ذلك هو أن يكون لها تأثير على قرارات عسكرية، لا سمح الله.  القضية التي لا تقل أهمية عن الإدراك لهذه المشكلة ووصفها، هو أن نفهمها ونعرف كيف يجب التعامل معها.

النقد للحكومة من حيث سياساتها وأدائها أمر لا يجب أن نكون حساسيين تجاهه، فوسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية الغربية انتقدت حكوماتها، وهو حق مشروع لها، لذا لا يجب أن نتوقع أن يكون لحكومتنا حصانة من هذا النقد، فهو أمر طبيعي. ويكفي أن نتذكر خروج نيسكون من البيت الأبيض، وفضيحة كلنتون مع مونيكا وغيرها من فضائح الفساد السياسي والمالي.  مشكلتنا مع العالم الغربي ليست مع الحكومات، بل العكس علاقات المملكة مع الحكومات الغربية تحكمها المصالح المشتركة وتدار في الغالب بأساليب براغماتية، وبما يحقق المصالح المشتركة، وهذه العلاقات تمر بمطبات المواقف السياسية الطارئة، والتي يتم تجاوزها في اللقاءات بين المسؤولين.

مشكلتنا في الأساس مع مؤسسات المجتمع المدني (البرلمانات والمنظمات الحقوقية) والمؤسسات الإعلامية والثقافية. ولتجاوز هذه المشكلة علينا أن نتجاوز الرغبة إلى التفكير في مسألة القدرة. هل لدينا مؤسسات مجتمع مدني قادرة على التواصل مع نظيراتها في الخارج. وهل لدينا مؤسسات إعلامية قادرة على التواصل مع المجتمعات الغربية، وهل لدى مؤسساتنا الثقافية بما فيها الجامعات الاستقلالية السياسية والإدارية التي تمكنها من بناء علاقات ثقافية وأكاديمية يعول عليها مع نظيراتها في الدول المتقدمة. يبدو أن الإجابة على هذه الأسئلة بالنفي. لذا علينا أن نفكر جديا في تجاوز هذه الإشكالية، وذلك بأن نبدأ التفكير الجدي في الإصلاح السياسي والإداري الذي يجعلنا في مواقف الندية للتواصل مع الغرب.

غني عن القول بأن هذه المؤسسات المجتمعية والإعلامية والثقافية، تسهم وبشكل مباشر وغير مباشر في تشكيل الرأي العام لدى صناع القرار وعلى الناخبين، وقد تصدر قرارات تؤثر في أمننا الوطني بكافة محاوره السياسية والاقتصادية وأيضا العسكرية. التشكي والاتكاء على نظريات المؤامرة قد يقنع المواطن في الداخل بأننا مستهدفون، لكنه لن يغير من مواقف الآخر تجاهنا.

وبدورها قالت أ.د. سامية العمودي: عندي إحساس أننا لازلنا نفكر بالتفكير القديم “نحن السعودية” و”نحن السعوديين” ولذا لا ندرك تأثير الملفات الحساسة العالقة مثل ملف حقوق الإنسان وملف المرأة ولا ندرك أنه يقع في صلب الأمن المجتمعي والوطني، لننظر إلى تويتر وحملة الشابات وربما الشباب لموضوع الولاية على المرأة هذه الملفات يتم تهميشها عندنا ويتم تعظيمها عند الإعلام الخارجي وتبدأ الهجمة على مجتمعنا الذي يعيش خارج التاريخ ولازلنا للحظة نقلل من أهمية هذه الملفات وخطرها على الأمن المجتمعي.

واتفق د. إبراهيم البعيز مع ما ذهبت إليه أ.د سامية حول الجانب والتداعيات السلبية لتجاهل إعلامنا لتلك الملفات المتعلقة بالحقوق وتمكين المرأة مما جعلها مادة ثرية للإعلام الغربي وشبكات التواصل الاجتماعي ومشوقة لمجتمعنا الداخلي الذي يبحث عن إعلام بديل الإعلام المحلي.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: حين نجد وسائل الإعلام التقليدية أو حتى الشبكات الاجتماعية تقدم لنا صورة عن الولاء المفعم بحالات عاطفية للوطن ومعه الأهازيج والشيلات فإن من الممكن القول بأن الاختبار الحقيقي لهذا الولاء لم يحدث بعد، وعسى أن يبطئ الله بساعة الشر كما نقول في ثقافتنا الشعبية ..

الناس حين تنتقص حقوقها المالية في مقابل عودة المخصصات للأسر والأفراد من ذوي الفئة المخملية يصبح من المتعذر القول بأن الأمن الوطني بخير وإن استمرت مؤشراته إيجابية نتيجة قدرة الكثير من الآباء والأمهات والنخب الاجتماعية والمواطنين أنفسهم على تحمل غياب العدالة الاجتماعية لفترة معينة .. لكن هذا التحمل كالإبرة المسكنة ينتهي مفعولها بعد حين؛ إذ حين تم إلغاء عدد من البدلات على كثير من موظفي الدولة ساد لدى الناس معنى يتعلق بأهمية الأمن الوطني .. وظل البعض يستخدم هذا المعنى ليقنع الناس بأن غياب هذه البدلات ليس مهما في مقابل فقدان الأمن ، وكتبت حينها بأني لا أعرف ما الذي يجعل المرء يذكرك بفقدان الأمن في حين أن الحديث هو عن فقدان نسبة من دخل الفرد !! هؤلاء يحاولون مصادرة حقك في الغضب وعدم الرضى علما أن لك الحق في الاعتراض ولم تستخدمه . حينها كنت سخرت وقلت هؤلاء كالذي يأتي ليقنع امرأة تزوج زوجها زوجة أخرى فغضبت غضبا شديدا وهذا أيسر وأدنى حقوها ليقول لها أهم شيء هو الأمن وأما غيره فهو أقل شأناً، علما أن الله امتن على قريش بنعمتين هما : الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف ، فالرزق قدمه الله على الأمن .

ما أشارت إليه المداخلات حول المشاركة السياسية هو حجز الزاوية الأهم  في تحقيق الإشباعات التي تصنع الولاء للوطن قبل أي متغير آخر ..إذ لا يمكن أن يبقى الناس وكأنهم رعايا في وطنهم ؛ إذ الولاء للوطن مهم جدا في استجلاب الأمن وفي الحصول على حب يوازي ويزيد على حب القبيلة ودائرة الاهتمامات الشخصية المناطقية والأسرية ؛ حتى على مستوى الأسرة يظل الابن الذي لا يشارك والديه أو لا يمنحاه فرصة المشاركة في أي قرار مهم وبخاصة ما يتعلق به لن يكون محبا لا لهذه الأسرة ولا لأي قرار من قراراتها بل قد يكون معاد لها ولن يتفاعل مع أي منجز من منجزاتها .

ولعل من المهم الإشارة إلى ما كشفت عنه وأظهرته قوى الشبكات الاجتماعية من حشد باتجاه مواقف مجتمعية وشعبية أظهرت وجود مؤشرات تحمل كثيرا من الاحتقان والإحباط وتلك كلها قنابل قد تنفجر في أي وقت وظرف. أما وسائل الإعلام بمفهومها التقليدي والجديد فهي اليوم الرحى التي تدور عليها كثير من المؤثرات في خيط الأمن الوطني.

 نحن لانزال نتعاطى مع وسائل الإعلام المحلية والخاصة وبخاصة في جانب الأمن الوطني من زاوية العلاقات العامة وهي الزاوية التي ترى فقط أن الثناء على المنجز المعلن عنه أمنيا واقتصاديا كافيا في إيقاظ الحس الوطني في الاهتمام بأمن الوطن وهذا لعمري لا يقدم كثيرا في هذا الباب وإن توهمه البعض؛ إذ وظيفة وسائل الإعلام تتجاوز ذلك إلى العناية بوظيفة المراقبة لأداء مؤسسات الدولة ومسؤوليها .. فضحا للفساد وإشهارا بالفاسدين…وذلك يتطلب جرأة من الوسيلة والصحفي كما يتطلب في الوقت نفسه ضوءا أخضر من صانع القرار يجعل الوسيلة والصحفي في أمن بسبب ما قد يقدمه من معلومات مؤثرة وخطيرة.

يضاف لذلك أن العلاقة بين الإعلام والأمن هي علاقة متبادلة وتفاعلية إن لم توظف في إطارها الإيجابي فقد تكون سكينا يقطع المجتمع وإبرة وخز مضرة لبنية المجتمع المحافظ والمتماسك ؛ لا سيما وأن النفعيين من بعض الإعلاميين الفاسدين قد يعتلون كراسي بعض الوسائل الإعلامية فيمارسون أبشع أساليب الابتزاز والضغط أو يقومون بمقايضة المسؤول أو التقاطع معه رغبة في الحصول على مصلحة غير راجحة في مقابل مصالح وطنية راجحة .

وسائل إعلامنا المحلية قادرة على أن تصنع شيئا مهما بل أشياء في جانب الأمن الوطني  لكنها تحتاج للثقة من المسؤول ومن الجمهور وكلا الفريقين يبدو أنهم راحلون عنها وعن الاحتفاء بها .. وهذا يعني أن وسائلنا يصدق عليها مقولة إذا لم يشاهدك أحد فأنت لم تقل شيئا … لذا قد أكون ممن يرى أن أداء وسائلنا الإعلامية المحلية يسير باتجاه مضاد للفلسفة التي تريدها المؤسسة الأمنية نحو طبيعة العلاقة بين الوسائل والجمهور وبخاصة في نقل الرسائل الأمنية الوطنية … كما أن الإعلام الجديد بكل تطبيقاته ومنصاته أضحى اليوم يقدم أنموذج القبيلة بوصفها الأهم في الولاء والحب .. وبالتالي حين يتعارض الولاء للقبيلة مع الوطن فإن هناك خللا في الاتصال والرسالة .. ولذا علينا أن نهتم بتقبل أو مواجهة كل ما نشهده عبر الشبكات الاجتماعية من خلل أو زراعة فتنة تصنع فرقة أو تحبط مسؤولا يريد أن يرفع من قيمة الوطن ومقدراته ومؤسساته وليعيد تموضع مكانته في النفوس لدى الجمهور . نحن بحمد الله ينبغي أن يستقر لدينا قناعة بقدراتنا العسكرية وكفاءة أجهزتنا الأمنية  لكن ذلك لا يكفي بحال إذا كان المواطن يشعر بأنه مهمش لا قيمة له سوى أن يصفق أو أن ينتظر أمام شاشة التلفزيون ليستمع ويشاهد قرارات مصيرية تتعلق به أو تهمه دون أن يصنعها أو يشارك في صناعتها.

وتناول د. عبدالله بن ناصر الحمود محور الإعلام السعودي والأمن الوطني بالتطرق إلى أمرين:

  • الأول: دور الإعلام السعودي في مجال الأمن الوطني.
  • الثاني: مواجهة التشويه الذي يصل لمجتمعنا من الخارج.

وقال في هذا الصدد: يبدو أن الموضوع عميق وذو شجون. فالإعلام عندنا بشكل عام فاقد للهوية. وهو كمن ضيع مشيته وعجز عن مجارات مشية الطاووس. يخلط الإعلاميون عندنا كثيرا بين قيم العمل الإعلامي كالمصداقية والدقة والآنية من جانب وأيديولوجيا الإعلام من جانب آخر. فكثير من إعلاميينا السعوديين يعرفون قيم عملهم ويتشبثون بها كل حسب طاقته.. لكن كثيرين منهم لا يعرفون أو ربما أنه لا يعنيهم أو أنهم لا يكترثون بموضوع الأيديولوجيا.. مع أنها المحرك الأهم لعملهم في الأصل..

لو أنهم انطلقوا من عقيدة إعلامية راسخة تقوم على خدمة الدولة بأهدافها وسياساتها ورؤاها.. وأتقنت ذلك لكان منها ما يفيد. لكن إعلامنا عوضا عن تمثل مهماته الوطنية المؤسسية المسؤولة.. غرق في بحر من الاجتهادات التي أتت بأجله. ولا أدل على  ..  (وفاة المرحوم .. إعلامنا الرسمي).. من أن مسؤولينا قد تجاوزوه بخير ما عندهم.. وقصدوا  ال (بان عرب). إعلام.. هذا حاله..  ستكون فرضية دوره الإيجابي في قضايا الأمن الوطني مجرد (مزحة كبيرة) أو أنها .. ضرب من ضروب الوهم. وحتى يكون إعلامنا فاعلا ومؤثرا في صناعة الحياة.. يحتاج أمورا جد يسيرة.. وهي:

  • إرادة القيادة بأن يوكل للإعلام الرسمي هذه المهمة.
  • تحرير هويته ورؤيته للكون والحياة.. ووضع سياساته وخططه وأنظمته وفقا لتلك الرؤية.
  • منحه ما يحتاجه من تمويل.. والتوقف عن التمويل الذاتي عبر الإعلان.. لأن القيم النزيهة للعمل الإعلامي لا تباع ولا تشترى.
  • إيكال الأمر إلى أهله.. وإعفاء كافة غير المؤهلين ممن يعبثون به حاليا.
  • عدم الرضا بما دون الكمال البشري.
  • منحه فرصا للعمل والخطأ دون محاسبة.. لأن الإبداع صنو الخطأ.
  • منحه الثقة والأهلية الوطنية.
  • حمايته بقوة من العابثين به من داخله ومن خارجه.. وكف الأذى عنه.
  • جعله في منافسة دائمة مع بيئة العمل الإعلامي العربي.
  • ضبط مظلته ومرجعيته الرسمية.

وبعد ضمان قدر عال مما سبق.. يمكن الحديث عن الأدوار التي يمكنه القيام بها في مجال الأمن الوطني، أما بالوضع الراهن… فلن يستطيع أن يحمي مشالح ساسته وجهابذة العبث بمقدراته.

  • التعليم والأمن الوطني

أكدت أ. ليلى الشهراني على أهمية دور التعليم في الحفاظ على الأمن الوطني للمملكة. وأضافت: حصوننا التعليمية وللأسف هشة جدا ، ما زالت تعتمد على التلقين ، المجتمعات الأمية من السهل اختراقها ، فهي تتأثر بالشائعات وتصدقها أكثر من الحقائق من دون تمحيص أو تفكير أو تأمل . الانضمام لجماعة إرهابية يبدأ بالتلقين (جاهد في الله أخيا جاهد أن كنت تقيا) ، المخدرات تبدأ بكلمة (جرب) من صديق أو قريب ، الفساد يبدأ (بسرقة بسيطة وبعدها سرقة بسيطة وبعدها تعدى محيطه وصار في الصف الأمامي واحترامي للحرامي) يلقنونهم المبادئ حفظا وواجبات ورقية لكن على الواقع ليس لها تأثير يذكر ، الأمن يبدأ بتحصين العقول ، المجتمعات المتعلمة تتغلب على كثير من مشاكلها (الطائفية والعنصرية والقبلية) أمراض هذا المثلث لا تتكاثر إلا في بيئات الجهل والتخلف ، ونحن كما قيل في (سباق مع التخلف إما أن يقتلنا أو نقتله) ليس لدينا أندية للقراءة والاطلاع ، وليس لدينا مختبرات علمية كافية لأهل المواهب والخبرات ، ليس لدينا ما يحتوي (إرهابيو الشوارع) ممن يسلبون أرواح الناس ويقلقون الأمن الوطني ببيئة متسخة تضم (المهربين وأهل الشذوذ والانحراف). ولو نقبنا أكثر سنجد أسبابا كثيرة ومسببات أكثر كلها مقلقة إن لم تعالج.

ويرى د. خالد بن دهيش أن العلاقة القائمة بين التعليم والأمن الوطني علاقة استراتيجية وجادة تهدف إلى إيجاد مجتمع آمن ومستقر بين فئات الشباب من خلال تعزيز الانتماء للوطن وتضيق الفجوة بين مؤسسات التعليم و مؤسسات الأمن ، لما لهذه العلاقة من مردود كبير لدعم الأمن الوطني والاستقرار ،  فالأمن من الحاجات الأساسية للإنسان ومتلازم مع الحاجات الفسيولوجية من طعام وشراب لقوله تعالى (( الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف )) قريش الآية ٣-٤… لذلك أصبح تعزيز الأمن الفكري من أساسيات الأمن الوطني لتأمين أفكار وعقول المجتمع من الأفكار الخاطئة التي تشكل خطر على المجتمع وخاصة الشباب منه ، وتحقيق أمن العقل البشري ضد كافة أنواع الانحرافات.

والأمل بعد الله في برامج تحقق هذا الهدف مثل برنامج ((( فطن ))) وهو برنامج وطني لوقاية المجتمع من المهددات الأمنية والاجتماعية والثقافية والصحية والاقتصادية. لذلك لابد من دعم وتشجيع أي برنامج يهدف إلى تحقيق الأمن الوطني من خلال الأمن الفكري من كافة مؤسسات الدولة مثل وزارات؛ التعليم، الشؤون الإسلامية، الثقافة والإعلام، الداخلية…الخ و مؤسسات المجتمع المدني.

  • آليات الحفاظ على الأمن الوطني للمملكة

يرى د. إبراهيم البعيز أن الإعلام كمنظومة اجتماعية مسؤول عن نشر الثقافة والمعرفة، وتوفير قنوات للحوار الاجتماعي حول مجمل القضايا المتعلقة بنماء الوطن واستقراره، وتأتي قضية الأمن والسلم الاجتماعي في مقدمة تلك القضايا. ولتحقيق هذه الرسالة الوطنية السامية، يفترض في وسائل الإعلام أن تتبنى في مضامينها بكافة أشكالها المهنية والفنية ما يسهم في تعزيز ذلك الشعور بالمواطنة، وتكون مصدرا للحماس للدفاع عن الوطن ووحدته واستقراره. لقد اضحى لزاما على وسائل إعلامنا أن تكون أكثر جدية ومهنية في تعزيز مفهوم المواطنة، لتكون على قائمة الأهداف والمبادرات لتحقيق رسالتها التنموية المأمولة. ويمكن لوسائل الإعلام أن تحقق هذا الهدف الاستراتيجي من عدة محاور:

  • تطوير البيئة التشريعية بما يعطي وسائل إعلامنا المحلية (المسموعة، والمرئية، والمقروءة) قدرا من الاستقلالية التي تمكنها من تناول قضايا الشأن العام بكل شفافية، مما سيؤهلها لكسب ثقة المواطن، وأبعاده عن وسائل الإعلام الأجنبية الموجهة، وما تحمله كثير منها من أخبار مفبركة تؤدي إلى زعزعة ثقته بوطنه وقيادته.
  • العمل على نشر ثقافة الوعي الإعلامي التي تمكن المواطن من القراءة النقدية لكل ما ينشر ويبث في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ليكون قادرا على التقييم للمصادر الإعلامية (التقليدية والجديدة) ومدى مصداقيتها فيما تنشره من أخبار وآراء وتحليلات عن المملكة بعضها مفبركة أو مغلوطة.
  • التأكيد على كتاب المقالات الصحفية وضيوف البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية على أبعاد الجديلات الطائفية في تناولهم للقضايا والأحداث المعاصرة، وأن تقتصر تحليلاتهم ومرئياتهم على السياقات السياسية والاقتصادية لتك الأحدث، بعيدا عن كل التحيزات الطائفية التي لن نجني منها إلا تعميق الولاءات الطائفية على حساب الولاء للوطن.
  • يمثل الإنجاز الوحدوي للمؤسس الملك عبدالعزيز ورجاله – تغمدهم الله بواسع رحمته – من أبرز المكتسبات الحضارية التي يحق لنا المباهاة بها في منطقة تعيش حالات من الصراع والتشرذم. وعلى وسائل الإعلام أن تتبنى استراتيجية إعلامية تقوم على خطاب يؤكد ويباهي بذلك التنوع الثقافي بين مناطق المملكة، وأن ذلك مصدر قوة يمكن استثمارها لمواجهة كل التحديات التي تهدد أمن الوطن واستقراره.
  • تبني سلسلة من المبادرات لمشاريع إنتاجية في الفنون الدرامية بكافة القنوات المسرحية والسينمائية والإذاعية والتلفزيونية، ويشترك فيها مجموعة من الفنانين السعوديين من كافة الأطياف والخلفيات المناطقية والطائفية تجسد الصور المثلى لأبناء وطن واحد، وإن تعددت خلفياتهم إلا أن ولائهم لوطن واحد.

ومن وجهة نظر د. عائشة حجازي فإن تحقيق الأمن الوطني يقتضي أن نتعامل معه ككل متمثلاً في وحدة واحدة وهو الأمن بمفهومه الشامل وليس كأجزاء متفرقة، بحيث تسعى كل دولة إلى تحقيق الأمن في مساراته المختلفة. وقد عمل الإسلام على استتباب الأمن الشامل بصوره وأنواعه المتعددة، بطرق وأساليب متعددة جعلت كل فرد يستشعر مسئوليته عن أمن أسرته وجيرانه ومجتمعه ووطنه. لذا فإن الأمن بمفهومه الشامل أصبح هاجساً يفوق في بعض جوانبه الهاجس السياسي والاقتصادي في عالمنا اليوم، حيث أن غياب الأمن يقوّض التطور السياسي والاقتصادي، ويغيب معه الاستقرار الضروري في عملية التقدم والتنمية على جميع الأصعدة. وهذا ما نراه يتجلى اليوم في التهديدات الداخلية والخارجية على المملكة ابتداء من الفكر الداخلي المتطرف والمتمثل في داعش وغيره والذي لابد من اتساع دائرة القضاء عليه وإيقاظ عقول أبنائنا ومساعدتهم في التصدي له ومحاربته …والتهديدات الخارجية السياسية والاقتصادية والمؤثرة بشكل كبير على المملكة.

و باعتقاد د. خالد الرديعان فإنه ما لم تجري مكاشفة عامة حول الوضع الاقتصادي للدولة فإن الأمن الاجتماعي وهو جزء من الأمن الوطني عموما سيظل على المحك وسيكون باعثا على القلق الذي يولد الكثير من التوترات الاجتماعية غير المنظورة. وأن أي حديث عن مسكنات أو غير ذلك من التصريحات لن يكون له أثر بل إنه ربما عمّق الهوة بين المواطن وصناع القرار. لأول مرة نرى عمالة وافدة في المملكة تقوم بأعمال إضراب وتخريب بسبب عدم صرف مستحقاتها ولا يُستبعد حدوث ما يشبه ذلك لدى الطبقات محدودة الدخل من المواطنين؛ الطبقات التي تضررت كثيرا من الإجراءات الأخيرة. أزمة السكن وشح المساكن والأراضي وغلاءها لا تزال قائمة ومستويات البطالة بارتفاع وتردي الخدمات الصحية والتعليمية ملموس، فأين المليارات التي رُصدت لكل ذلك طيلة السنوات الماضية. كيف نعمّق الأمن الوطني إذا كانت مطالب المواطن البسيطة واحتياجاته غير متاحة له . هذه أسئلة مطروحة ولاشك أن لها علاقة بالأمن الوطني.

ويرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن دعم الأمن الوطني في السعودية يتطلب بناء استراتيجية وطنية تضع في الحسبان الأسس الفاعلة التي تدعم وتنهض بالروح الوطنية ، هو القيام بمنهج قويم يعد من أساسيات بناء الأوطان.  من هنا لابد أن تأتي هذه الاستراتيجية بتبني الأبعاد الرئيسة الأربعة للنهوض بالوطن وهي ( العسكرية – الاقتصادية  – السياسية – الأيديولوجية ) ، وتطبيقها على أرض الواقع . والتطبيق لابد أن يكون شاملا ومن خلال منظومة تتكامل فيها كافة الاحتياجات التي تجعل المجتمع في مأمن تام. إن عبارة ( أمن وطني ) ، ليست محصورة على بناء قوة عسكرية فحسب ، أمن الوطن يعني بناء أمن شامل ، ولهذا نجد أن بعض الدول التي نلحظ نشؤ الفقر فيها أو الظلم يسود ولو جزء منها ، ذلك يأتي من أن الإيمان بالأمن الوطني يأتي بمفهوم واحد ، دون الارتكاز على الأبعاد الأربعة التي تحقق الرفاة للفرد وفي كافة المجالات كحق مشروع له .

والأمن الوطني الشامل لكي تنعم البلاد به وبما هو مفترض الإتيان به ، لابد أن يؤسس على فرض قوة الأمن ، وقوة الاقتصاد المتين ، وقوة النهج السياسي، وفرض العدالة الاجتماعية. ولهذا فإن الإيمان المطلق بعبارة ( الأمن الوطني ) لابد أن يكون واقع وحاضر لخدمة وطن واعد . توافر الأمن الوطني لا يتأتى من خلال جهد عسكري فحسب. الأمن الوطني يعني وجوب توافر عدة عناصر نحو تكامل منشود. المشكلة لدينا هو عدم تأسيس مؤسسات مجتمع مدني بالمفهوم الحقيقي لذلك، ولهذا نلحظ تدن في ثقافة التطوع ، وثقافة الخدمات العامة. من وجهة نظر أن تلك الأمور وغيرها تعبر عن تكامل أمن وطني مطلوب.

نحن في المملكة العربية السعودية لدينا مشكلة كبرى والتي تتمثل في أن علاقاتنا الخارجية شبه منعدمة أو ربما منعدمة مع شعوب العالم، وهذا يلاحظ حتى علاقات مثقفي السعودية تكون في الغالب مع حكومات. وهذا أدى إلى تباعد في نقل ثقافتنا لدى الشعوب. في هذه المرحلة لابد أن نؤسس إعلام جديد يسهم في ربط علاقات قوية مع مؤسسات مجتمع مدني في أكثر من دولة. فالانكفاء وعدم التغيير ضار لنا.

و أشار أ. عبدالرحمن الطريري إلى أنه وفيما يخص الأمن الوطني فبوصلته الحقيقية يجب أن تبدأ من الداخل، لأكثر من سبب أولها أن هوى أغلب الدول حتى العربية والإسلامية يتبع مصلحتها في غالب الأمر، كما أن البناء القوي للبيت يقيه المخاطر أيا كان الجيران وكيفما هبت العواصف، والبنيان الداخلي القوي يأتي عبر عدة أمور من دعم عدالة القضاء، ودعم دور مؤسسات المجتمع المدني، وحرية التعبير ومحاسبة الفاسدين، كما أن الاهتمام بعقيدة الجيش وبناء قدرات عسكرية تتوافق مع المخاطر الإقليمية، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية بالإضافة لتنويع واردات السلاح من شأنه صنع سياسة عسكرية مستقلة.

أما التغيير في مواقف دول بعيدة مثل الولايات المتحدة، أو بعض الكدر الذي يصيب علاقتنا بحلفاء مقربون مثل باكستان ومصر، فيجب التعامل معه بطرق مختلفة عن الطرق التي عهدناها في الماضي، أما ما يخص الدول الكبرى عامة، فيجب علينا خلق سلة متنوعة من العلاقات المتوازنة، وخلق مصالح للغرب في علاقاته معنا، فلم يعد وجود النفط كافيا ، ولا حتى القوى العسكرية وحدها فهي لم تنفع تركيا حين قرر أوباما التخلي عنها، وفي العلاقات مع الدول الغربية والشرقية الكبرى يجب العناية بالقوة الناعمة، وتوثيق العلاقات الشعبية عبر الجامعات وعبر المناشط الثقافية، كالتي كان يرعاها الملك سلمان في الثمانينات بعنوان “معرض المملكة العربية السعودية بين الأمس واليوم”، فلماذا لا تقام الجنادرية وسوق عكاظ في مختلف المدن الغربية، لابد أن تكون هناك رسالة أن في هذا الوطن تاريخ وعراقة بعيدا عن صورة النفط والتراب والمرأة التي لا تقود السيارة. استعمال القوة الناعمة ليس ترفا، لكنه سيغير ولو على المدى المتوسط، من نظرة الناخب الغربي الذي كان وما زال يطرح حين يسب مرشحه السعودية، أو ينتقد الوهابية، وما موجه اليمين في عدة دول غربية إلا دليل على ذلك النسق. كما أن السياسات مع الدول العربية والإسلامية تحتاج أيضا لتعزيز الجانب الثقافي في العلاقة، بالإضافة لتغيير طرق الدعم من الدعم المباشر، إلى الاستثمار في المشاريع وخلق المصالح الاقتصادية المشتركة، والتي تتحكم في نهاية المطاف في القرار السياسي.

وخلص د. سعد الشهراني إلى أنه ومن أجل تعزيز الأمن الوطني للمملكة فإنه يتحتم اتخاذ الإجراءات التالية:

1 – استكمال الإصلاح  العدلي.

 2 – تطوير منظور جديد و متقدم للإعلام.

 3 – اعتماد الشفافية و الضبط الدستوري للمال العام و الإيرادات و النفقات العامة.

 4 – التنمية السياسية.

هي أمور تحتاج إلى وقفة في هذه اللحظة التاريخية ليكون المجتمع على خط واحد مع الحكومة، و ربما أن صدور و إعلان توجهات عامة بأهداف واضحة في آفاق زمنية محددة سيعزز الرؤية و الأمن الوطني في آن واحد.

وفي تصور م. حسام بحيري فإن أهم مبادرة يمكن اقتراحها تتعلق بترسيخ المواطنة والتقبل وتفعيل قوانين تتعامل مع العنصرية أيا كانت سواء كانت طائفية أو قبلية أو مناطقية. الدولة هي الحاضنة والحامية لمواطنيها وهي المرجع الأول والأخير لضمان حقوق المواطنين بدون أي فروقات. الدول التي لم تهتم بمساواة مواطنيها ومعاملتهم بناء على أعراقهم أو طوائفهم أو أجناسهم تكون مهددة بحروب وانشقاقات داخلية أهلية. مساواة المواطنين بغض النظر عن أجناسهم وأعراقهم وطوائفهم تساهم في بناء حصن داخلي قوي والصراعات تكون مع أطراف خارجية وليس داخلية. على مر التاريخ جميع الدول التي دخلت في صراعات داخلية نجدها استنزفت وضعفت وأصبح من السهل لأي قوى خارجية اختراقها بينما الدول التي ساوت بين مواطنيها صراعاتها دائما خارجية ترسخ قوتها بين الدول. لن يحمي هذه البلاد ويدافع عنها إلا المواطن الذي يعلم أنه ليس فقط مات دفاعا عن الوطن بل أيضا مات دفاعا عن فرص أولاده وأهله لأن يعيشوا حياة أفضل تحت ظل دولة تتقبلهم وتعاملهم سواسيه.

وأضاف د. خالد الرديعان توسيع المشاركة الشعبية؛ بحيث يكون أعضاء مجلس الشورى منتخبين مع توسيع صلاحيات المجلس لمراقبة قرارات الحكومة.

وأشار أ. عبدالله الضويحي إلى أنه لا مناص لنا من الاهتمام بالفرد وبالمواطن فهو الأساس وحجر الزاوية . ولا بد من استراتيجية واضحة الأسس توضع على مدى بعيد. ولعل ثقافة الجيل التي وضعها مركز أسبار قبل سنتين وتم رفعها للجهات المختصة أحد العوامل الهامة إذا ما تم تبنيها وتطبيقها وفق ما جاءت به من رؤى وبرامج.

وترى أ. مها عقيل أنه وبالإضافة إلى مفهوم المواطنة وأهمية المشاركة الشعبية هناك نقطة أخرى وهي الشعور بالملكية للوطن sense of ownership بأنه فرد مهم في تنمية الوطن وأن هذا الوطن ملكه لأنه ساهم في بناءه وتطويره وله الحق في المشاركة في القرارات التي تؤخذ لصالح الوطن ولصالحه وأن جهده وعمله مقدر وأنه ليس عبء على الميزانية وعلى المسؤولين ولذلك سيدافع عن الوطن ويضحي من أجله.

المحور الثالث

مؤسسات المجتمع المدني العربية : هل أفسدت وسائلها غاياتها؟

الورقة الرئيسة: د. فايز الشهري

يطلقون على “المجتمع المدني” مصطلح القطاع الثالث بعد القطاع الحكومي (الأول) وقطاع الأعمال (الثاني) وهناك من يسميه القطاع غير الربحي أو القطاع التطوعي. وفي العصر الحديث توسع المفهوم ليتعدى مفهوم التوازن مع “المجتمع السياسي” إلى المنافسة وأحيانا الصراع مع بقيّة القطاعات خاصة بعد انهيار الأنظمة الشموليّة مع انهيار الاتحاد السوفيتي بوصف “مؤسسات المجتمع” أو نخبها على الأرجح بأنها البديل المؤهل لإدارة حياة الناس. وفي العالم العربي ربما يمكن القول إن هذا المصطلح بتشعباته كان أكبر مورد للمفاهيم الحديثة والتي أخذت نصيبا وافرا من الرواج خلال العقود الثلاثة الماضية. هذا المصطلح لم يحضر لوحده بل ترافق حضوره مع ترويج مصطلحات العولمة والحقوق المدنيّة والحكم الرشيد ونحو ذلك من العبارات والمفاهيم الجديدة. وهو وإن كان مصطلحا بريئا في أصله إلا أن أساليب تسويق وكلاء العولمة له وشدّة حماسهم لمفاهيمه أضرّ به كثيرا.

 ولعل أبرز أسباب الالتباس وربما الاشتباك الذي حصل ويحصل بين رعاة هذه المصطلحات والقطاع الأول (الرسمي) في أكثر من بلد عربي هو أن بعض الأصوات الصاخبة التي رفعت لواء وشعارات” المجتمع المدني” لم تتنزّه كثيرا عن شبهات ارتباطها بمؤسسات أجنبيّة (غربيّة) إما تماهيا مع الفكرة (النبيلة) أو استقبالا للتمويل وتنفيذا للبرامج المستوردة.  ومن جهة أخرى كانت السلطات في أكثر من بلد – لأسبابها الكثيرة- تترك المجال مفتوحا لمن يغذّي نوازع الريبة المجتمعيّة من هذه المفاهيم ويشحنها وتمثّل ذلك بوضوح في غضّ النظر عن الأقلام والمنابر التي تهاجم هذه “الواردات” الفكريّة. ولم يكن خصوم تطبيقات “المجتمع المدني “في حاجة إلى برهان في ظل سيادة قناعة أن لا “مفهوم” يأتي من (الغرب) وهو يبشّر بالخير كما هو مستقر في الوعي الشعبي العام. وكان الرد الحاضر على من يطالب بالتدقيق والتروي في ذمّ ممارسة إنسانيّة لا يخلو من اتهام بحجة أن الغرب ترك استعمار (الأرض) ورحل ولكنه اليوم يعود من خلال بعض العقول التي لديها “القابليّة للاستعمار”.

ما هو المجتمع المدني؟

المهتمون بهذا المجال يقولون إن “المجتمع المدني” مفهوم قديم يرجعه بعضهم إلى اليونانيين القدماء في تفريقهم بين الديني والعسكري والمدني. آخرون يرونه منتج القرن الخامس عشر وما بعده خاصة بعد انهيار نظام الإقطاع في أوروبا وبعضهم يرونه مفهوما طوّره فلاسفة العصر الحديث. وقد تنازع تعريف ومعنى “المجتمع المدني” بشكل خاص ثلّة من المفكرين الماركسيين ومعهم نفر من مفكري الليبراليّة الحديثة وفقا لتصورات الفريقين للمجتمع ونظامه.  ولعل المفكر الإيطالي “غرامشي” (توفي سنة 1937) أبرز من وصف المجتمع المدني الذي رآه في أي نشاط مجتمعي منظم يقوم بوظيفة الهيمنة الثقافيّة والروحيّة على المجتمع في مقابل امتلاك السلطة (المجتمع السياسي) قدرات السيطرة والإكراه.  وفي كل الأحوال يمكن القول إن (مؤسسات) المجتمع المدني وفقا لواقعها هي تلك التنظيمات والجماعات الاختياريّة (التطوعيّة) التي تتكتّل وتنظم أدوار منتسبيها لتقديم خدمات أو تنظيم مصالح ومهن أو حتى رعاية مصالح فئويّة أو عامة وفق علاقة تنظيميّة أو توافقيّة مع الدولة (المؤسسات الرسميّة) وهذا المفهوم العام يضم كل الأنشطة المجتمعيّة في مختلف المجالات.

تحديات التأسيس الحضاري لمؤسسات المجتمع المدني العربي

تتفاوت الفرص والتحديات بشكل عام أمام إنشاء وانتشار مؤسسات المجتمع المدني في المجتمع العربي من بلد إلى آخر ولكن ربما تكون المشتركات من التحديات أكبر حجما وأعمق تأثيرا من قليل الفرص المتاحة.  وفي عرض مختصر كهذا يمكن إيراد أبرز ملامح هذه التحديات على النحو الآتي:

  • أولا: لم تولد هذه المؤسسات في نسق عربي ولا تمتلك تراثا من عمق المجتمع يسندها ويعزّز من نموها وانتشارها.
  • ثانيا: ظهرت هذه المؤسسات في معظمها ظلالا لصور أخرى في مجتمعات غربيّة لا تتشارك بعض قيمها الكبرى مع المجتمعات العربيّة (دور الدين، الحقوق، دور المرأة).
  • ثالثا: استجلاب هذه المؤسسات المدنيّة (المحليّة) لخصومة عامة الناس من خلال طرح أولويات تراها هذه المؤسسات (حقوقيّة) ويراها عامة المجتمع (تنازلات) وخيانة لمنظومة القيم والأعراف ومنها ما يختصم الدين.
  • رابعا: شجاعة بعض المؤسسات (التي ظهرت باسم المجتمع) على المجتمع ذاته وتقاعسها وضعفها فيما يختص بمراكز التأثير والقوة في القطاعين الأول والثاني.
  • خامسا: استئثار النخب بالنشاط العام ومؤسساته وتوظيفه في موازنات ومصالح مع القطاعات الأخرى مع اتهامات النخبة بالانتهازيّة  وتوظيف النشاط المجتمعي لمصالح القلّة.
  • سادسا: فشل كثير من المؤسسات (المجتمعيّة) في استنباط آليات تسمح للجميع بالمشاركة وتعميم الوعي العام بأهميّة أدوارها ومنافعها  وبالتالي توسيع جبهات حمايتها ودعمها.
  • سابعا: مقابل نجاح المؤسسات المدنيّة المختصة بخدمة رجال الأعمال (الغرف التجاريّة مثلا) والنخب (الأندية الرياضيّة والثقافيّة) في  تنظيم ذاتها كان هناك فشل وإفشال واضح لمؤسسات النفع العام والتنظيمات المهنيّة والمصلحيّة التي تهم السواد الأعظم من الناس.
  • ثامنا: نجاح الانتماءات الصغرى (القبيلة/العشيرة/ المذهب) في تقديم البدائل المجتمعيّة وتوفير أشكال الدعم للموالين لها وفشل بعض  المؤسسات المهنيّة والمصلحيّة في رعاية الحد الأدنى من مصالح أعضائها.
  • تاسعا: تردد القطاع الأول (الرسمي) في دعم انطلاق القطاع الثالث وتعزيز مشاركته في إدارة الحياة العامة لإشكالات سياسيّة وأمنيّة  وهذه الإشكالات غالبا ما ترجّح قرار التأني في منح الأذونات والتراخيص. وربما كان وسيكون للدروس التي تعلّمتها السلطات (وربما قطاعات من المجتمعات) من ثمار ما يسمى الربيع العربي آثارها العميقة.
  • عاشرا: ضعف الوعي العام بأهميّة ونبل فكرة الاجتماع إلى (فكرة) ونشاط وتحويله إلى مؤسسة تخدم عموم المجتمع وتعمم النفع في  مقابل نجاح تنظيمات أخرى (عصبيّة/طائفيّة) في تنفيذ الفكرة ولكن بما يخالف روح “المجتمع” المدني.

الخلاصة:

يبدو أن فكرة وروح مؤسسات المجتمع المدني تتمثل أولا: في غرس وصناعة القناعة بالمفهوم ومن ثم ثانيا: تعميم الوعي العام بحق وأهميّة المشاركة وثالثا: إبراز نماذج منظّمات مجتمعيّة تتحقق فيه مفاهيم توزيع الأدوار التي تكفل تحويل أدوات الصراع المجتمعي حول المصالح إلى عوامل إنتاج إيجابيّة تتجلّى فيها عدالة المصالح بين القطاعات الثلاث ضمن معادلات محسوبة يتوافق عليه الجميع وترعاها الأنظمة الشفّافة في كافة المجالات وخاصة التجاريّة والثقافيّة والسياسيّة التي عادة ما تكون مدار المغالبة.

وفي الختام يبقى موضوع المؤسسات المدنيّة ودورها مرهونا بالآتي:

  • أولا: توضيح حدود أدوار القطاع الأول (الحكومي) في التنظيم والتسهيل ومجالات الحركة.
  • ثانيا: رسم حدود نشاط القطاع الثاني (الخاص) لضمان عدم توحشه واستفراده.
  • ثالثا: توافر القناعة لدى القطاعين (الحكومي) الرسمي وقطاع الأعمال (الخاص) بأهميّة القطاع الثالث (المدني) ودوره في التوازن ومن ثم  تسهيل عمله وعدم تهميشه.
  • رابعا: رعاية ودعم البيئة المجتمعيّة لانتخاب أفضل عناصرها للتصدّي لهذه المؤسسات لتتحوّل إلى عناصر قوة للدولة وفضاء مرن  للمجتمع يجد فيه ذاته.

التعقيب الأول: د. عبد الله بن صالح الحمود

ظهرت هذه القضية في وقت تنامت فيه ظواهر سياسية واقتصادية واجتماعية ، آخذة كل واحدة منها منحى متغير للغاية ، وللأسف الشديد أتى هذا التغير بسلبيات خلاف عن ما هو مؤمل من إيجابيات تأتي بالمنفعة للمجتمع ، مما أدى ذلك إلى تحرك العديد من الأفراد في أكثر من مجتمع إلى مجابهة هذه السلبيات ، وتدارك ما يمكن تداركه من خلال التفكير الجاد نحو إنشاء تنظيمات مدنية ، أطلق عليها اسم مؤسسات المجتمع المدني ، للتصدي تجاه ما يعتري المجتمع من أضرار ، فضلا عن السعي إلى تحقيق متطلبات المجتمع الضرورية على وجه الخصوص.  ولهذا ظهر مفهوم مؤسسات المجتمع المدني كأحد الروافد المدنية للإسهام في إيجاد حلول للقضايا المجتمعية.

إن مفهوم المجتمع المدني هو مجموعة من المنظمات التطوعية غير الإجبارية ، والغير ربحية والتي تلعب دورا مهما بين المجتمع والفرد من جهة ، وبين الحكومة من جهة أخرى ؛ بهدف تحقيق مصالح تشمل ، السلام والاستقرار والتكافل الاجتماعي ، متمثلا ذلك في نشر ثقافة يتسم فيها المجتمع ، والبعد عن العنف بكافة أنواعه ، والتميز بكافة صنوفه ، فضلا عن درء مخاطر الترهيب والقمع بكافة أنواعه، ( الديني والقومي والمذهبي والسياسي والفكري ) ، وذلك بهدف الوصول إلى مراتب ( التسامح والمحبة والألفة والتراضي  والتعايش السلمي بين كافة أطياف المجتمع .

      ولهذا تسمى مؤسسات المجتمع المدني بالسلطة الخامسة لاضطلاعها بالدور الرقابي المهم والنزيه ، والتي تأسست في الواقع من أجل الإسهام في توافر الأمن والأمان (السياسي والاجتماعي والاقتصادي) بين أفراد المجتمع عامة . إن مصطلح المجتمع المدني يعبر عن أنواع الأنشطة التطوعية التي تنظمها الجماعة حول مصالح وقيم وأهداف مشتركة خدمة لمجتمعهم. من هنا أود أن يختص التعقيب لدي تجاه هذا الموضوع عن الدور والحاجة لإنشاء مؤسسات مجتمع مدني في المملكة العربية السعودية.

إن مؤسسات المجتمع المدني في السعودية أخذ أغلبها طابع النشاطين (الخيري والإنساني) بشكل كبير ، ولأن هذا الأمر يعد أساس لدعم الفرد والمجتمع عامة، إلا أنه مع متغيرات اجتماعية واقتصادية ، أضحت الحاجة ملحة إلى التوسع في إنشاء مؤسسات مجتمع مدني نوعية ومغايرة ، تكفل للفرد الدعم المعنوي والمادي في مرحلة تشهد تحول كبير نحو تغير ثقافي واجتماعي يشهده المجتمع . من هنا يمكن القول إنه لابد أمام تلك المتغيرات أن تحدث نقلة نوعية وجديدة لمفهوم مؤسسات المجتمع المدني في المملكة العربية السعودية ، وفي حقيقية الأمر أن ظهور مؤسسات مجتمع مدني بمفهوم حقوقي لعدة أوجه هو في واقع الحال دعم للحكومة من جوانب عدة ، منها على وجه الخصوص الجانب الاستشاري ، والجانب المساند للحكومة في إيجاد حلول لبعض من قضايا المجتمع ، وبمعنى آخر ألا يفهم أن قيام مؤسسات مجتمع مدني بمفهوم جديد ومغاير عن واقع الحال أن ذلك يعد منافسا أو تدخلا في الشأن الحكومي .

والدلائل حول ذلك كثيرة لمؤسسات مجتمع مدني قائمة حاليا ، وأدت أدوار أسهمت خدمة للوطن في أنشطة متعددة الأوجه والمجالات ، فعلى سبيل المثال ، الأدوار التي قامت وتقوم بها مؤسسات مجتمع مدني وهي على سبيل المثال ( الغرف التجارية الصناعية – الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان- جمعية حماية المستهلك- الجمعيات الخيرية والتي يصل تعدادها إلى أكثر من خمسمائة جمعية منتشرة في البلاد ).

وهذه المؤسسات وغيرها تعد الوسيط الفاعل التي توصل صوت المجتمع والأفراد لصناع القرار ، فضلا عن أنها تساعد الجهات التشريعية والتنفيذية في رسم الاستراتيجيات ووضع الحلول وتقديم الاستشارات وتزويدها بالإحصائيات ، وهناك أهداف وطنية تنجم جراء حراك كهذا، وهو نشر الوعي الثقافي والصحي والقانوني لدى أفراد المجتمع ، والحراك المؤمل هنا أن ذلك يبعد المجتمع من السلبية والاتكالية، إلى الاعتماد على النفس، فضلا عن الاستفادة من الطاقات والمواهب الكامنة لدى الشباب ، وتبني مفهوم روح المواطنة والانتماء. إن تطوير الحياة الحديثة يتطلب توافر نظام لمؤسسات المجتمع المدني ، مطور عن النظام الحالي ، والذي أتى بضوابط اعتبرت إعاقة نحو تأسيس جمعيات أو هيئات مدنية تهدف إلى تطوير الحياة الحديثة. ولعلي هنا اختم بنقاط محددة والتي اعتبرها خلاصة من المقصود من إيجاد مؤسسات مجتمع مدني بالمفهوم الحقيقي لذلك :

  • نقل هموم المجتمع التي تسيطر على أفراده وتشغل حيزا كبيرا من تفكيرهم إلى الجهات المسؤولة .
  • محاولة التخفيف من الأزمات التي قد تعصف بشؤون مواطني الدولة .
  • الرفع من كفاءة الاحتياجات الإنسانية للأفراد كحقوق مشروعة.
  • إطلاق حملات إعلامية تساعد على بث المفاهيم الرئيسة والأساسية لما يهم الإنسان ويصون له كرامته .
  • إطلاق برامج توعوية لإبراز حقوق الفرد وواجباته التي يجب عليه ألا يفرط بأي منها .

التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان

لن أدخل بتعريف “منظمة المجتمع المدني” والجدل حول ذلك، لكني أعّرفها بأنها تجمّع طوعي لمجموعة من الأفراد بغرض تأسيس تجمع لتحقيق أهداف عامة لصالح المجتمع.. هذا يعني أن منظمة المجتمع المدني غير حكومية وأنها مستقلة وغير ربحية كذلك وأنها تمارس الديموقراطية.  ولكي تنشأ منظمة مجتمع مدني ويتم الاعتراف بها فإنها لابد أن تحصل على تصريح من جهة رسمية.. هذه الجهة قد تمنحها التصريح وقد لا تمنحها حسب نوع النشاط الذي تنوي المنظمة القيام به؛ وذلك لوجود توجس لدى الأجهزة الحكومية عموما من ممارسة المنظمات للعمل السياسي والحقوقي الذي تراه الحكومات العربية مهددا لها أو تدخلا في شؤونها. وإن من أقرب التهم التي قد توصم بها بعض المنظمات (بعد التصريح لها بالعمل) عندما تنتقد سياسة الدولة أو تبين فساد بعض أجهزتها أن تُوصف بأنها تحصل على تمويل خارجي أو أنها تعمل وفق أجندة دولة أخرى وذلك لتشويه سمعتها ومن ثم مطاردة أعضائها والزج بهم في غياهب السجن بدعوى الخيانة وما شابهها. هذا حصل مع مركز ابن خلدون في مصر ورئيسه سعد الدين إبراهيم بسبب نشاطه الثقافي ونقده للسياسة المصرية، ومركز دراسات الوحدة العربية في بيروت الذي كثيرا ما وصف بأنه “تجمع ناصري لبعض المفكرين العرب” وهذه مجرد أمثلة.

وتستخدم الحكومات بعض المحسوبين عليها من الكتّاب ومدعّي الثقافة والمطبلين والدعاة لتلويث سمعة بعض منظمات المجتمع المدني وأحيانا تلجأ إلى شق صف هذه المنظمات من الداخل من خلال استمالة بعض عناصرها وذلك عندما تلعب المنظمة دورا فاعلا في كشف عيوب الجهاز الحكومي وفساده أو توجه سهام النقد لبعض الرموز السياسية في المجتمع. كثيرة هي منظمات المجتمع المدني التي قامت ولعبت دورا مهما في الحياة العامة في العالم العربي ولكن تم إسكاتها وربما حلّها وتجريمها في نهاية الأمر بسبب تدخلها في سياسة الدولة العربية ما يعكس غياب الديموقراطية التي تُعد أهم ميزة يفترض وجودها لنجاح وقيام منظمات المجتمع المدني. منظمات المجتمع المدني وخاصة التي تعمل في المجال الحقوقي والسياسي مغيبة تقريبا في العالم العربي وان وُجدت فإن وجودها يكون في الغالب صوريا وديكور سياسي لإعطاء صورة أن الدولة تسمح بقيام المنظمات المدنية وأنها أي الدولة ديموقراطية.

في جو كهذا يقيد نشوء بعض المنظمات المدنية فإنه يفترض أن تنشط المنظمات التي تمارس أعمالا غير العمل السياسي والحقوقي؛ كالمنظمات الاجتماعية والفنية والخيرية والمهنية والثقافية والتي تقدم خدمات مكملة لخدمات الدولة دون أن تتصادم معها فهذا ما يمكن القيام به في الدول الشمولية والتي لديها حساسية من التجمعات المدنية والأهلية. وحتى تكون هذه المنظمات مستقلة ماليا ولا تقع تحت رحمة الدولة يفترض أن يكون لها مواردها الخاصة والتي قد تكون بصورة تبرعات من الأعضاء أو اشتراكات مالية وربما أوقاف أو بعض الاستثمارات الصغيرة التي تغطي بها تكاليفها. وجود مصدر مالي للمنظمة المدنية يعد أمرا بالغ الأهمية لضمان استقلاليتها من جهة، ومن جهة أخرى للحد من ابتزازها من قبل أي جهة داخلية أو خارجية وحتى لا تتعرض للمساءلة. كما يجب أن تربأ بنفسها وأعضاءها عن استقبال أي مساعدات خارجية حتى لا تُتهم بولائها لجهة خارجية.

أكثر ما يرد في الذهن بهذا الخصوص ما أشيع حول بعض المثقفين المحليين وأنهم من “زوّار السفارات”، لذلك أرّكز على أهمية أن يكون للمنظمة المدنية مصدر دخل محلي؛ ليس بغرض التربح إطلاقا ولكن لتغطية نشاطاتها ونشر مطبوعاتها وتغطية تكاليف مقرها وإدارة شؤونها بحكم أنها تحتاج مقر وربما عددا من الموظفين. ويفترض في أي منظمة مجتمع مدني أن تكون مفتوحة لمن يودون الانتساب لها من المواطنين والمواطنات بصرف النظر عن خلفياتهم طالما كانوا يؤمنون بدورها ولديهم نفس الاهتمامات التي قامت المنظمة من أجلها.

فيما يخص المملكة فإن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تتولى تقديم المشورة والتصريح لمنظمات المجتمع المدني ولديها نظام مكتوب ولوائح تنظم مثل هذا النوع لكن لوائحها بحاجة إلى مراجعة شاملة لتأكيد استقلالية هذه المنظمات. يعيب عمل الوزارة أن أي منظمة يجب أن يوافق عليها الوزير مباشرة بعد تمحيص وتدقيق شديدين مع فحص أسماء المتقدمين للتأكد من سجلهم وأن تجمعهم لا يشكل تهديدا للجهاز الحكومي. وتُحدد فترة للتصريح ليصار إلى تجديده بعد عدة سنوات مما يعد معوقا آخر؛ فمنع التجديد وارد عندما يشعر الوزير أن المنظمة لا تتسق مع الخط العام للدولة أو أيديولوجيتها.

بالمختصر فإن منظمات المجتمع المدني في العالم العربي محفوف عملها بالصعوبات والمعوقات بحكم أن الدول العربية غير معتادة على تعدد الأصوات في المجتمع الواحد، في حين أن هذه المنظمات في الأصل هي نتاج مجتمعات غربية قطعت شوطا كبيرا في النظام الديموقراطي السياسي وحرية الأفراد في التجمع وإنشاء المنظمات الخاصة بهم.

المداخلات حول القضية:

  • مؤسسات المجتمع المدني العربي: واقعها والإشكالات المرتبطة بدورها الراهن

أشار د. سعد الشهراني إلى أن وظائف جمعيات و منظمات المجتمع المدني في رأيه تتمحور حول ما يلي:

  • مراقبة الأداء الحكومي و نقده و دفعه للأفضل.
  • القيام بما هو مفيد و مطلوب اجتماعيا و تعجز الحكومة عن القيام به.
  • الدفاع عن حقوق الأفراد و الفئات الاجتماعية التي قد تتنمر عليهم أجهزة الدولة أو فئات أو أفراد متنفذون.
  • تقديم و تنظيم الدعم الاجتماعي للحكومة و أجهزتها في السلم و الحرب.
  • الدفاع عن مصالح المهنيين و من في حكمهم.
  • تبني حقوق المهمشين و الفئات الخاصة و الطبقات الأقل حظا في المجتمع.

و لا شك أن هذه الوظائف و غيرها من ما يمارس تحت هذه المظلة الواسعة ، تجعل لهذه المنظمات دورا سياسيا بحكم أنها تتقاطع مع وظائف الدولة و من هنا يأتي التردد لدينا لأن هناك خوفا و تخويفا من هذا الدور. و هذا غير مبرر على الإطلاق فهذا الدور يفترض أن يكون داعما و مكملا لوظائف  الدولة لا منافسا لها و هو دور عندما تتبناه الدولة يحسب لها و يزيد الولاء كما أن لهذه المنظمات دورا تنمويا لا يستهان به.

وطرح أ. أمجد المنيف تساؤلاً مؤداه: هل لدينا نماذج تستحق الإشارة، على مستوى البرامج التوعوية النوعية على وجه التحديد، أم أنها متشابهة، وتأثيرها محدود؟

وفي هذا الصدد أوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أنه وإجمالا لاتزال المنظمات الحالية خصوصا في المملكة العربية السعودية دون المستوى المأمول.

 والسبب الرئيس أن السماح لإنشاء مؤسسات مجتمع مدني هو في حدود تقديم الأعمال الخيرية أو شيء محدود من الاستشارات الاجتماعية.  ولهذا كان المؤمل في مرحلة تشتد فيها الحاجة لدعم أفراد المجتمع ، إضافة إلى مؤازرة الحكومة في الوصول إلى خدمات اجتماعية واقتصادية عالية المستوى ، أن يكون هناك جمعيات أو مراكز خدمة شاملة لكل احتياج يراه الفرد من الضروريات له.

ومن جديد تساءل أ. أمجد المنيف حول نظام الجمعيات التعاونية الأخير، وهل يشمل كل التخصصات والتوجهات؟ أم أنه مجرد قانون للسلطة السياسية لاستمرارية السيطرة على هذا القطاع؟

وفي هذا السياق ذكر د. خالد الرديعان أن نظام الجمعيات التعاونية هو الأكثر قبولا والأسرع إجراءات في وزارة العمل والتنمية إذ يكفي تداعي ١٢ شخصا لإنشاء جمعية تعاونية لتتم الموافقة عليها. ويعود ذلك إلى أن الجمعيات التعاونية تمارس أنشطة استثمارية بمعنى أنها بعيدة عن العمل السياسي والحقوقي ومن ثم سرعة الموافقة عليها. ومع كل التسهيلات المقدمة لإنشاء الجمعيات التعاونية إلا أن عددها قليل جدا بحكم أنها محاربة من بعض الأطراف النافذة في المجتمع كبعض التجار الذين يرونها مهددة لمصالحهم.

ويصنف النشاط التعاوني بعبارة “الاقتصاد الثالث” وهناك الكثير مما يمكن قوله عن هذا النشاط على مستوى العالم ودوره الفاعل في توفير قنوات استثمار للجمهور من مختلف الشرائح. وتتمثل مبادئ التعاون الأساسية (مانشستر ١٩٩٥):

  • العضوية اختيارية ومفتوحة.
  • إدارة الأعضاء ديموقراطية.
  • مساهمة العضو اقتصاديا.
  • الإدارة الذاتية والاستقلالية.
  • التعليم والتدريب والإعلام.
  • التعاون بين التعاونيات.
  • الاهتمام بالمجتمع.

بينما يرى م. خالد العثمان أن الجمعيات التعاونية التي تحدث عنها د. الرديعان شيء مختلف عن مؤسسات المجتمع المدني التي تتناولها القضية، فهي أقرب أن تكون هيكل اقتصادي لممارسة أعمال تجارية بمفهوم تعاوني تكافلي. وأضاف قوله: د. عبد الله الحمود تحدث عن الغرف التجارية كنموذج للمؤسسات المدنية .. أجدني أميل للاختلاف معه خاصة في الحالة السعودية؛ فالغرف التجارية لا تستطيع أن تفعل شيئا دون الرجوع لوزارة التجارة، حتى تدخل وزارة التجارة في تشكيل مجالس الغرف ينتقص من حيادها وقدرتها على أداء دور مدني حقيقي.

واتفق د. خالد الرديعان مع هذا الطرح لكنه أوضح أنها مع ذلك تمثل نشاط أهلي وتنطبق عليها شروط منظمات المجتمع المدني في بعض الأوجه.

وتساءل أ. أمجد المنيف: دائماً تعلق الشماعة في معظم القضايا على الوعي المجتمعي، هل نستطيع القول أن المجتمع جاهزا لمجتمع مدني حقيقي، أم ليس بعد؟

وبدوره أشار د. خالد الرديعان إلى أنه ليس الوعي المجتمعي هو المشكلة ولكنها تكمن في اللوائح والجهات التي تُرخص وتصدر التصاريح فهي تغلب الجانب الأمني. هي عقلية عربية بامتياز ترى أن التنظيمات عمل قد يكون مضادا لتوجهات الدولة. وكمثال فقد تقدم بعض الزملاء قبل عام للحصول على تصريح لجمعية للعناية بكبار السن (لاحقا جمعية وقار) واستغرق الحصول على التصريح من وزارة الشؤون (سابقا) عدة أشهر !!! تصريح مثل هذا لا يستغرق أكثر من ٧٢ ساعة في إمارة دبي.

ويرى م. خالد العثمان أن جزء من موضوع الوعي المجتمعي هو في غياب القدرة على انتخاب القيادات وفق أسس موضوعية ومهنية، فهيئة المهندسين هي الهيئة الوحيدة في المملكة التي يعين كامل مجلس إدارتها بالانتخاب .. والنتائج ليست مرضية بتاتا في كل الدورات الماضية وانتخابات الغرف التجارية ليست منها ببعيد.

وعلق د. عبد الله بن صالح الحمود بأنه يظل رغم ذلك للغرف دور كبير اضطلعت به ، وأصبح يؤخذ رأيها ، وتشارك القطاعات الحكومية في الكثير من اتخاذ قرارات صدرت.

وأضاف أ. أمجد المنيف هيئة الصحفيين إلى الهيئات التي يعين كامل مجلس إدارتها بالانتخاب. كما أوضح أن غرفة الرياض كانت ولا زالت بمثابة الخبير، المزود للأنظمة التصويت والاقتراع، لهيئة الصحفيين.

وأوضح م. خالد العثمان أنه لم يقصد التقليل من دور الغرف ومجهوداتها، وإنما هو فقط يتساءل عما إذا كانت فعلا نموذجا كليا للمؤسسات المدنية الصرفة.

وبدوره أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أنه ليس بالضرورة أن تكون أنموذجا متكاملا ، فلا ننسى أنها تظل تعمل في حدود معينة. إنما في اعتقاده أنها تعد منافسة في مناشطها عن غرف عربية كثيرا ، تنظيما وحضورا .

ومن جانبه قال أ. عبدالله الضويحي في مداخلته حول قضية مؤسسات المجتمع المدني: الحقيقة أن العنوان عريض وشائق إلى جانب أهميته. و في رأيي أن تعريف المجتمع المدني عملية نسبية وموضع خلاف مبني على فهم المصطلح وتوظيفه من قبل كثير من الأطراف متعددة الاتجاهات والتيارات. لذلك سأتجاوز هذه النقطة وكثيرا مما تطرق له أصحاب الورقة. يرى كثيرون أن “المجتمع المدني” بمفهومه الحديث  نشأ كمصطلح في أوروبا في القرن السابع عشر نتيجة القمع وسلطة الدولة والكنيسة؛ ولهذا أعتبره كثير من كتب عنه على أنه الوجود الثالث بين الدولة والفرد – كما أشار د. فايز – بين فلسفة تعطي حرية لا محدودة للفرد ونظرية تمنح سلطة وسيطرة للدولة .. بمعنى آخر أن هذه المؤسسة تقع بين مطرقة الدولة وسنديان الفرد! من هنا اعتبره البعض لا يتماشى وتعاليم الدين الإسلامي لأسباب يطول شرحها لذلك أصبح تكوين مثل هذه المؤسسات من المحظورات في هذا المجتمع.

تساؤلات مشروعة مطروحة على الجميع الإجابة عليها: وأنا أقرأ الأوراق طاف بي ركب الليالي .. وأخذني بعيدا لفلسفة أفلاطون والمدينة الفاضلة ألا تعتبر نواة مجتمع مدني ودعوة لتكوينه !؟ أفلاطون انطلق في نظريته من فلسفة أساسها سعي الفرد لإشباع حاجاته وأنه لا يستطيع إشباعها بطريقة فردية ومن هنا نشأت الحاجة للمجتمع. وإذا نرى أن المجتمع المدني نتاج للصراع ألا يعتبر الصراع بين الخير والشر والحق والباطل أساس لذلك !؟ عندما قتل قابيل هابيل ، وعندما بعث الله النبيين ونشأ الصراع بين أممهم هل نعتبر ذلك البداية لإنشاء مجتمع مدني !؟ أم إنشاء دولة سياسية !؟ ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .. الآية ).

سقاية الحاج: الم تكن تتم وفق نظام واضح ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة البيت الحرام .. الآية ) ألا يمكن اعتبارها مؤسسة مجتمع مدني !؟

الحسبة في الإسلام: هي عمل تطوعي في أساسها وعندما أسس لها الخليفة أبو جعفر المنصور ألا يمكن اعتبارها مؤسسة مجتمع مدني !؟

وتساءل أ. أمجد المنيف: هل يفترض أن نمنح الصبغة الإسلامية لأي نظام جديد؟ هل هذا لإقناع المتلقي للقبول به.. أو لوجوب ذلك من وجهة نظر نظامية.

وأشار أ. عبدالله الضويحي إلى أن ما يعنيه أن هناك من وقف ضدها في العصر الحديث لأسباب أيديولوجية وأنها لا تتماهى مع تعاليم الإسلام لتركيزها على حرية الفرد، وهذا يعني تعطيلها نظاما.

ويرى د. حسين الحكمي أن لمؤسسات المجتمع المدني دور كبير في حماية منسوبيها خصوصا إن كانت من تلك التي تكون مثل الرابطة لمجموعة من الموظفين أو من ذوي الاهتمام المشترك. حيث ينتج عنها مطالبات قد تزعج البعض.

أيضاً من الملاحظ أن أداء الجمعيات والمؤسسات المدنية الوطنية بشكلها الحالي إن لم يكن في حيز المحافظة فهو يحاول أن لا يبتعد عنها حتى لا يصطدم مع “المجتمع” ، بالطبع هناك من يفعل ذلك رغم قناعته ورغبته في الخروج من صندوق المحافظة هذا.

ومن وجهة نظر  أ. مها عقيل فإن قوة وتماسك أي مجتمع هي في قوة دوره وتأثيره والصورة الأبرز لهذا الدور هي في مؤسسات المجتمع المدني. لأن هذه المؤسسات التي قد تأتي تحت أي مسمى وفي أي شكل وربما لا تكون واضحة الملامح كمؤسسة هو في تواجدها وقربها للناس وتفاعلها معهم وليس كالمؤسسات الحكومية التي لا يرغب الفرد الاقتراب منها أو التعامل معها إلا للضرورة والأشياء الرسمية التي تتطلب ذلك خاصة وأن دوائرنا الحكومية معروفة بسوء الاستقبال وسوء المعاملة وسوء التنظيم (وهذه نظرة الكثير من الناس رغم أنها لا تنطبق على كل الدوائر بل العكس هناك تحسن ملحوظ ولكن هي سمعة).

بالإضافة إلى أن مؤسسات المجتمع المدني حتى لو كانت غير رسمية تستطيع أن تتحرك وتتجاوب مع الأحداث أو الشكاوى أو المتطلبات بطريقة أسرع لأنها ليست مكبلة بالبيروقراطية لأداء عملها. وكمثال كارثة سيول جدة. أول من أسرع للأماكن المتضررة هم مجموعة من الشباب والشابات المتطوعين استطاعوا أن ينظموا نفسهم ويجمعوا المساعدات والأموال والقيام بالرعاية المطلوبة والإخلاء قبل أن يصل الدفاع المدني واستمرو في ذلك حتى بعد وقوف الأمطار. وهذه المجموعة من المتطوعين حاولوا تأسيس هيئة للمتطوعين للعمل بشكل نظامي ولم ينجحوا بسبب التعقيدات الحكومية.

هناك أمثلة أخرى لمجموعات تقوم بأدوار مهمة في خدمة المجتمع ومعظمها لا يعمل بشكل نظامي وإنما اجتهادات من أفراد مثل مجموعة أصدقاء حدائق جدة استطاعوا أن ينظفوا ويهيئوا الحدائق المهملة في المناطق الفقيرة ليستفيدوا منها سكان الحي. هناك أيضا أصدقاء المرضى وإفطار صائم وغيرها من المجموعات التطوعية التي لو تم تشجيعها والسماح لها بالعمل بشكل نظامي لاستطاعت أن تقوم بدور تنموي ووطني كبير.

و هناك عقبتين في تفعيل المجتمع المدني والقبول بدوره:

  • التعقيدات الحكومية في البيروقراطية والأنظمة.
  • رأي شريحة كبيرة من المجتمع “أين الحكومة؟ لماذا لا تقوم هي بكذا وكذا؟” لا يزال الناس يَرَوْن أن على الحكومة القيام بكل شيء حتى تربية أولادهم لأنهم تعودوا على العطايا وأن الحكومة رعوية.

وعلق أ. أمجد المنيف بقوله: هذا الطرح الأخير يسلط الضوء على جوانب جديدة في القضية، تتمثل في التجمعات غير الرسمية، التي لا تستمر عادة لعدم وجود مظلة جامعة واضحة. والسؤال يتعلق بالنقطة الثانية: هل المجتمع غير مدرك لأهمية المجتمع المدني؟ أم أن لديه لغط في التفريق بين عمل الحكومات والأفراد.. أم لأننا دولة رعوية، جعلت المواطن يفكر أن أدوار البناء كلها حكومية!

وبدورها أوضحت أ. مها عقيل أنه من جهة هناك شريحة كبيرة في المجتمع لا تدرك أهمية المجتمع المدني أو بالأصح ما هو المقصود بالمجتمع المدني ودوره وهؤلاء بحاجة إلى توعية ومع لمسهم لدور المجتمع المدني سيدركون أهميته. بينما هناك شريحة تدرك تماما وتقوم بمبادرات وتجمعات تعتبر نواة لمجتمع مدني فاعل.  ومن جهة أخرى هناك من يرفض تماما فكرة أن يكون للمجتمع دور موازي أو مساند للحكومة في بعض الأمور التي من المفترض أن تقوم بها وذلك لقناعتهم أن هذا دور الحكومة.

وأشار د. علي الحارثي في مداخلته إلى أن مصطلح مؤسسات المجتمع المدني لاشك أنه أصبح متداول في الحوارات وخاصةً الحوار الساسي . بل إن البعض يرى أن حل الإشكال السياسي في العالم العربي بوابته إفساح المجال لمؤسسات المجتمع المدني لتصبح ثقافة ضغط على كل السلطات الثلاث ، الذى أصبح ماثلاً للعيان في الغرب . بينما في عالمنا العربي وإن أفسح المجال ، فإنه فقط لشاشة العرض الساسي المتوائمة مع ما تريده تلك السلطات .  و لا نجاح لمشروع المجتمع السياسي قبل أن تكتمل بنية النظام الساسي الأصل . ( فصل السلطات الثلاث بكل ما تستوجبه من صلاحيات ومراقبة ومحاسبة ، والشروع في الانتخابات ، وحرية الرأي ومطالب العدالة والمساواة أمام القانون) . إذا هذه مفقودة ، فهل سيكون هناك معني لمؤسسات المجتمع المدني ؟ لا يعني عدم المطالبة بإنشاء مثل هذه المؤسسات ، للاستعداد لمستقبل الأيام التي ستتمكن معها من القيام بدورها لمصالح المجتمع والمشاركة في صنع القرار والتنمية المستدامة .

وفي ضوء ذلك ذهب أ. أمجد المنيف إلى أن النموذج التونسي يعد نموذجاً متقدما، وهو ما أنقذ الدولة برأيه في أيام الثورة، وكان الضرر طفيفا مقارنة مع الدول الأخرى.. نظرا لعمل هذه المؤسسات كبديل للحكومة.

واتفق د. علي الحارثي مع وجهة النظر الأخيرة تلك؛ وأن مؤسسات المجتمع المدني لها تأثير إذا قامت ضمن المؤسسات الدستورية الأصل ، وهو ما كان في تونس رغم الفساد السياسي الديموقراطي والقبضة الأمنية الحديدية.

وتساءل م. أسامة كردي حول ( وسائل ) هذه مؤسسات المجتمع المدني العربية و كيف ( أفسدت غاياتها ).

وفي هذا الإطار أوضح د. فايز الشهري أن هذا التساؤل كثيرا ما يردده خصومها ويستدلون بقضايا مثل موضوع التمويل الأجنبي وتنفيذ أجندات مؤسسات غربية وتشجيع بعض ممارسات التمرد على القيم مثل دعم الإلحاد. ومن الاتهامات احتكار النخبة للمؤسسات وعدم تعميم منافعها … وفِي الورقة الرئيسة تفصيل ذلك.

وذكر د. خالد الرديعان أن من المعلوم أن مؤسسات المجتمع المدني “ديموقراطية” في طبيعة تنظيمها وذلك كشرط أساسي.. هذا المفهوم أي الديموقراطية غير متجذر في ثقافتنا بل إنه أحيانا يحمل مدلولا سلبيا ومن ثم الخوف المفتعل من شيوع هذه الممارسة التي قد تمتد إلى ما هو أبعد من منظمة صغيرة. ويقول بعضهم على سبيل المثال: أن الديموقراطية سوف تساعد على تسلل الليبراليين والمنحرفين إلى إدارة المنظمة ومن ثم الخوف من “تغريب” المجتمع.

وقال د. عبدالله بن ناصر الحمود أستطيع أن أؤكد أنه ليس لدينا مؤسسات مجتمع مدني البتة. وهذا الموضوع مشكل في حد ذاته. لدينا مؤسسات حكومية .. وجمعيات حكومية .. وهيئات حكومية..  يتم تشكيلها وإدارتها بطرق مختلفة… تصب في النهاية في سياق حكومي 100%. ومن ثم لا داعي لأي محاولات للتطبيع مع أسي وقواعد المجتمعات المدنية. نحن  نختلف عنها.

وتطرق م: السفير أ. أسامة نقلي إلى أن مؤسسات المجتمع المدني يغلب عليها الطابع التنفيذي مثل الجمعيات الخيرية وما شابهها أو الطابع التنظيمي مثل هيئة الصحفيين وما شابهها. أما مراكز الفكر والدراسات تمتلك خصوصية فكرية، وهذا التقليد معمول به في الولايات المتحدة بتسمية مراكز الفكر بـ think tank ، بينما تسمى الأخرى بـ civil society

ويرى م. خالد العثمان أن ما يجعلها مدنية هو تشكيلها المنفصل عن القطاعين الحكومي والخاص والفكر ربما يكون أحد المنتجات التنفيذية. كذلك فإن سيطرة المفهوم الخيري على العمل المدني في المملكة هو ما أضعف واقع العمل المدني .

كما ذهب د. خالد الرديعان إلى أنه لا يعيب أي منظمة مجتمع مدني أن تكون ربحية لتغطية تكاليفها، فهذا يحقق لها الاستقلالية ويمنع من ابتزازاها وتوجيهها لتبقى مستقلة وتغطي تكاليفها كذلك.

وأكد أ. أسامة نقلي على أنها لابد وأن تكون ربحية للتمكن من الصرف على أنشطتها وبحوثها ودراساتها، ولكن ليس الربح بالمفهوم التجاري؛ بالضبط ، دخل يحقق لها الاستقلالية المطلوبة.

وفي اعتقاد أ. مسفر الموسى فإن الوظيفة الرئيسية لمؤسسات المجتمع المدني هي موازنة الحياة.. بين أباطرة المال (الاقتصاد) والسياسة (الحكومات).. والأيديولوجيا (التيارات والأحزاب). في الإعلام، على سبيل المثال، ظلت مؤسسات المجتمع المدني، التي تبحث عن القيم الإنسانية المجردة من أي مؤثر خارجي، هي الداعم الأول للأعمال المستقلة. في السعودية.. يبحث صناع الأفلام الوثائقية عن داعمين لمشاريعهم الإنسانية والثقافية والحضارية ولا يكادون يجدون مؤسسة تدعمهم.. في بعض الأحيان، تقوم بعض الجهات الحكومية أو الأيديولوجية بالتكفل بالدعم.. ولكنهم سرعان ما يوجهون الأعمال نحو اتجاه معين يتفق مع مصالحهم وأجندتهم.. وكذلك تفعل المؤسسات الخاصة. الخلاصة.. مجتمع بلا مؤسسات مجتمع مدني حقيقية ومثالية، مجتمع مختل وغير متوازن.

وقالت أ. هيا السهلي: أحزاب وتنظيم ، مجتمع حركي ومنظم ! ثقافتنا الدينية أُسست على رفض التنظيم ومشاع فيها ثقافة الأزمات وبينهما التسليم والانتظار ما يفعل القدر. هناك درجة من الخوف المتراكم نحو أي تجمع يحدث قرارا أو تغييرا أو يصدر فكرا، وهناك كسل لمواكبة أي تطور وأي تحديث لأن ذلك يلزم بذل مزيدا من العمل تغيير أنظمة أمنية هيكلة. يعني هناك عقيدة (طمام المرحوم ). في المرحلة ما قبل الجامعة يعين عريف الصف بمزاجية المعلم ، وتقسم الأنشطة باجتهاد إدارة المدرسة والطالب عليه أن ينظم في أحدها طوعا أو كرها لأن المدرسة غير مهتمة بالإنتاج  والأنشطة ومجالس الطلاب مجالس صورية . في الجامعة أعدمونا لا نفس لأي تنظيم أو تكتل، ثم اقبل علينا كل دكتور وبيمينه كتاب نختبر فيه، ومن شذ مات ميتة الجاهلية!

١٣ سنة من الدراسة يتخرج الطالب بعدها لا يعرف أبسط حقوقه ولا ثقافة العمل الجماعي فقط يجيد أن يعمل وحده ، وكم الراتب ؟! جيران الحي منذ أكثر من عشرين سنة  ولا يستطيعون جمع شملهم ليقرروا أين يضعون حاوية نفاية الحي (أكرمكم الله ).

  • آليات تفعيل دور وتأثير مؤسسات المجتمع المدني العربي

يرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن المرحلة الحالية تحتاج على الأقل أن يتوافر لدينا مؤسسات مجتمع مدني تتمثل في الآتي:

  • هيئة الحقوق الاقتصادية .
  • هيئة الحقوق الاجتماعية .
  • هيئة الحقوق المدنية الأهلية .
  • هيئة حقوق المتقاعدين ، مع إلغاء جمعية المتقاعدين الحالية .

وأن ترتبط هذه الهيئات بمجلس الوزراء مباشرة ، وليس التنمية الاجتماعية أو غيرها. وهذا يعد في ظنه توجه محمود ، وهو في الأصل ما يحتاجه أي مواطن في بلده.

في حين يعتقد د. خالد الرديعان أن ربط هذه المؤسسات بمجلس الوزراء يقيدها ويحد من استقلاليتها.

و أضاف م. خالد العثمان أن ربطها بمجلس الوزراء يلغي عنها صفة المدنية ويجعلها حكومية. كما ذكر أيضاً أنه مع التوسع في الجمعيات التعاونية ؛ فهي تشيع مفهوم التكافل والتعاون والمشاركة في المجتمع .. لكننا نحتاج أيضا إلى مؤسسات مجتمع مدني فاعلة في مختلف القطاعات وخاصة تلك التي لا تشكل حرجا في تداخل السلطات والمناطق الحساسة. هيكل النقابات المهنية هيكل مفقود في المملكة نتيجة الحساسية من الأدوار السياسية التي طبعت عمل النقابات في بعض الدول .. ونحن خسرنا كثيرا بغياب هذا الهيكل.

وأضاف: إن مؤسسات المجتمع المدني يمكن أن تجسر هوة الثقة بين القطاعين الحكومي والخاص. وكمثال: كنا قبل فترة قد أعددنا مقترحا لتأسيس مؤسسة مجتمع مدني لقطاع الإسكان تقوم بالعديد من الأدوار التي لا يقوم بها القطاعان العام والخاص مثل التوعية والدراسات والبحث والتطوير وإدارة الشراكة بين القطاعين واستقصاء احتياجات الناس ورغباتهم وغير ذلك الكثير .. لكن هذا المشروع ظل حبيس الأدراج في ظل غياب التشريع الملائم لتأسيسه وترخيصه بالطريقة التي تتيح له العمل بعيدا عن أروقة البيروقراطية المكبلة والخانقة. مثل هذا المشروع يمكن أن يتكرر في كثير من القطاعات التنموية والخدمية ويحقق منجزات واختراقات مهمة بعيدة عن الهيكل الرعوي الذي تنظر به الحكومة للقطاع الخاص كمقاول ومتعهد يعمل تحت أنظمة رقابية غير منتجة .

ومن جهته أشار أ. أمجد المنيف إلى أنه يبقى السؤال: ما أسرع إجراء عملي يجب أن تقوم به الحكومة لخلق أرضية لمؤسسات المجتمع المدني؟ غير الأنظمة البيروقراطية بالتأكيد.

وفي تصور أ. مسفر الموسى فإن الإجراء العملي يكمن في تغيير نظام عملية صناعة القرار والتشريع؛ لكي يكون منطلق للعمل والمشاركة المدنية المجتمعية… ولكي يكون لهذه المؤسسات إن تم تفعيلها صوت.

ويعتقد م. خالد العثمان أن ربط دفع وتحفيز نشأة وعمل مؤسسات المجتمع المدني بالتحول الديموقراطي سيعطل كلا المطلبين .. هناك الكثير مما يمكن عمله في جانب تفعيل مؤسسات المجتمع المدني وهو ما يمكن أن يؤسس ويعجل بالتحول الديموقراطي عبر ممارسة تطبيقات ديموقراطية في تلك المؤسسات .

وذكر أ. عبد المحسن القباني أنه يجتاح المجتمع مفاهيم “ريادة الأعمال” بل ويحظى هذا المفهوم بدعم حكومي كبير، ولعلي اقترح أن يتم الترويج لثقافة “ريادة الأعمال الاجتماعية” Social Entrepreneurship كبديل مؤقت عن المجتمع المدني. لعله يزيل بعض الحذر والتوجس.

أما د. مساعد المحيا فقال في مداخلته: نحن يمكن أن نسلي أنفسنا بوجود مؤسسات مجتمع مدني؛ بحيث يمكن أن نقول أن لدينا جمعية الصحافيين، وجمعية الاتصال، وجمعية حقوق الإنسان، وجمعية حماية المستهلك ..هذا إن كان الغاية تسلية النفس وإسعادها بأدوات تشبه أدوات المجتمعات الديموقراطية الأخرى غير أنها لا تملك من الصلاحيات والعمل الاستقلال ما يجعلها مدنية بالفعل . إننا نحتاج أولا إلى اتخاذ قرار بشأن انتخاب نصف أو ثلث مجلس الشورى فهو الخطوة الأولى لمؤسسات مجتمع مدني، وهذا بلا شك يحتاج إلى قناعة صانع القرار؛ وهذا الأمر يصعب أن يتحقق في ضوء عدم مطالبة قوية تنتزع هذا الحق. وعليه فان مؤسسات المجتمع المدني يفترض أن تنشأ في بيئة لا تسمح بإغلاقها أو بتغيير أفرادها المنتخبين من لدن من يريد لهذه المؤسسة أن تكون رجع صدى لما يقول أو يريد .

إن الانتخاب لمجلس الشورى سيعني بطبيعة الحال وبالضرورة انتقال حال المجلس من مجلس استشاري معلم غير ملزم إلى كونه أداة من أدوات صناعة القرار ووسيلة من وسائل الشفافية والمحاسبة.  الحق ينتزع ولا يوهب إطلاقا؛ فمن هو الذي سيعطيك صلاحياته ويتنازل عنها دون أن تحصل عليه بأدوات انتخابية ديموقراطية مشروعة.

المحور الرابع

الهوية الخليجية: الواقع والمأمول

الورقة الرئيسة: أ. كوثر الأربش

ماهي الهوية الخليجية؟ ما الذي يحددها؟

أرى أن قضية الهوية الخليجية لابد أن تعاد للحياة بعد أعوام من الركود والنسيان. ذلك ما لتواجهه المنطقة من مآزق داخلية وخارجية، (الإرهاب، سوريا، الأطماع الإيرانية، النفط وحرب اليمن). مما يضاعف الحاجة لاتحاد كونفدرالي قوي، يشكل جبهة صد للأيدي المتطاولة على أمن المنطقة، و أهمها حماية للوجود الجغرافي من هجمات الدول التوسعية التي تتخذ المذهب مصدر جذب في ظل غياب هوية جامعة قوية ومتعمقة في الوجدان الخليجي. الهوية لها عدة أوجه، هوية ذاتية، هوية وطنية، وهوية إسلامية. الذاتية هي التي تجيب على الأسئلة التالية: من أنا؟ ماذا أريد أن أكون؟ ماهي صورتي عن ذاتي؟ وهي كما أراها نواة للهوية الأوسع (الهوية الوطنية) وهي محل حديثنا الآن. وهي الأكثر تحديا للأسباب التالية:

  • انفجار الانفتاح على الدنيا، التغيرات المذهلة والمتسارعة التي تعتبر عوامل ضغط على الهوية وتجعلها تتسم بالثنائيات والتجاذبات والتداخلات. (الازدواجية بين التقليد والحداثة) (التدين والسلوك الحضاري الذي يفرض نوع من النفعية) (قيم الأصالة من صدق وتآزر وتعاضد وبين منطق السوق وتلاعباته المعهودة) (الازدواجية في الزي والملبس والسلوك/ ما بين تقليدي محافظ وما بين مجدد ومفرط في تقليد المظهر الغربي)
  • انعكاسات أحداث العالم العربي ما بعد الاستقلال، من محن وانتكاسات، ألقت بظلالها على الهوية الخليجية.
  • تعدد الأطر الاجتماعية (القبلية، الريفية، الحضرية، مفرطة الحداثة) أدى لتعقيد الهوية الخليجية وصعوبة إيجاد محددات لكينونتها.
  • الرؤية الثباتية للهوية من جهة، والدعوى للحداثة من جهة أخرى. مما ولد صراعا شرساً بين الحداثيين والتقليدين في مواجهة التغييرات الطارئة والكبرى بعد الطفرة. بحيث حارب التقليديون أي مسار حديث في الأنماط السائدة، فيما فشل الحداثيون في استيراد الحداثة بأسلوب يتناسب مع العقل العام، فبدت على شكل دعوات تغريب وانسلاخ. مما ساهم بتموه وعدم وضوح في التشكل النهائي للهوية الخليجية.
  • استقطاب العمالة الأجنبية بأعداد هائلة من حول العالم، واندماجهم في المجتمع الخليجي، في فترة زمنية حرجة كانت فيه الهوية الخليجية في طور التشكل.

معوقات الهوية الخليجية

إننا أن سلمنا أننا وعلى مستويات عدة لم ننجح بوضع محددات للهوية الخليجية، لا على مستوى اللغة ولا الاصطلاح ولا القيمة الوجدانية. ولا أعني هنا الهوية الجيوسياسية لأن من أهم سماتها الثبات. إنما أعني تلك الهوية الثقافية، الهوية المتشبثة بالوجدان، أي تلك التي تمثل الجانب الانفعالي والجانب الفعلي في آن؛ إلا أنني لا أرى غياب كامل لها، فتقارب اللهجة، واللباس، والأدبيات الثقافية من حكم وأمثال، والتراث والملامح وبعض الطباع الأخلاقية المتأصلة، مازالت تقاوم الذوبان وتميز الفرد الخليجي في مجموع هذا العالم. وللإجابة على السؤال: لماذا لم تتمكن دول الخليج بخلق هوية جامعة تمثل قوة ضغط بمواجهة العولمة مثلا، أو التوسعات الجغرافية، أو الحميات المذهبية، وكانت سببا في التلاحم الاجتماعي والسياسي؟ هناك ثلاث معوقات لذلك:

  • الأصالة القبلية والعشائرية:

حاربت الانفتاح، المد القومي وحلم الوطنية، حاربت الثقافة والسياسة ذات المنحى المدني المؤسساتي. التعصب للقبيلة مقابل التعصب للوطن.

  • العولمة:

في البداية يجب أن نؤمن بأن العولمة هي نموذج أو وجه آخر للإمبريالية الاقتصادية، التي جعلت مكونات المجتمع بكافة أشكالها من: صحافة،  تلفزيون، سينما؛ حتى المؤسسات الصحية تخضع لقانون الربح بشكله النفعي بعد إقصاء البعد الأخلاقي أو الإنساني. وهنا أتذكر جملة شهيرة للشاعر الأمريكي هنري تشارلز بوكوفسكي: ( لقد أصبح العلاج مكلفا لدرجة أنك أيها الإنسان أصبح من الأرخص أن تموت) إشارة منه في كون العولمة جعلت الحقوق الطبية خاضعة لقانون الفائدة الربحية، كذلك هذا ما يقوله المنظر الشهير أنتوني غدنز بأنها أي العولمة: ” عالمٌ من الفوضى”،  المفكر عبد الوهاب المسيري- رحمه الله والذي أحبه كثيرا- ذكر في حواراته المشهورة والتي طبعت لاحقا تحت عنوان: (العلمانية والحداثة والعولمة)  بأن العولمة  وحش تم إطلاقه على هذا العالم وبأنها تحاول جاهدة أن تجعل الإنسان والمجتمع مجرد مادة استهلاكية خالية من المعتقدات والحواس والمشاعر، الكثير من المثقفين الغربيين وصفوها بأنها بوتقة الجحيم. إذا العولمة بسلبياتها: ساهمت بتحطيم الهويات الوطنية عن طريق إثارة العصبيات القبلية والطائفية والعرقية من أجل نهب خيرات البلد.

  • الأصولية الدينية:

التي تقوم على أحادية الوجود ( أنا والآخر) (الضال والمشرك والكافر والصالح) شكلت أهم شرخ في مشروع التماسك الوطني.

كيف نكرس الهوية الخليجية؟

لابد، وقبل كل شيء، أن تتضافر جهود المؤسسات ومراكز الفكر في وضع محددات واضحة للهوية الخليجية. مع مراعاة كل التغييرات السياسية والاجتماعية بما يناسب العقل العام من جهة، وبما لا يكون باعثاً للعزلة والانكفاء عن الاندماج مع ثقافات العالم والتبادل المعرفي والسياسي والاقتصادي معها من جهة أخرى. أي أنه لابد أن يتوفر بالهوية عنصري النماء والحيوية في عملية ديناميكية متحركة، تؤدي إلى كيان متبادل التأثير والتأثر، غير مقاوم للتغييرات. فالهوية لا يمكن أن تكون متصلبة وإلا لن يسعها التعامل مع تحديات الخارج. إذا ما تمكنا من تحديد هوية بهذه القوة والوضوح سيكون العمل على جانبين:

  • تكريس هوية منفعلة:

هي الهوية الوجدانية، والتي تتعلق بالانتماء العاطفي والشعوري، وهي التي تحل إشكالية تأزم الهوية الذاتية. ويمكن للاحتفالات والمهرجانات المشتركة والشعارات أن تنعشها بامتياز. والتقليل من هذه الآليات هو ما يجعل تلك الانتماءات باردة وتتسم بالخفوت ومن ثم الذوبان.

  • تكريس هوية فاعلة:

وهي المتعلقة بالدوافع الفعلية، والتي يكون صاحبها كجندي في ساحة المعركة، دون حسابات شخصية. إن الهوية الفاعلة هي الهوية المنتجة والمنجزة، ذاك الإنجاز الذي يولد شعورا بالاعتزاز الذاتي ويوفر مقعدًا لنا في خارطة العالم، واعترافه بنا. وهذا ما قصرت فيه دول الخليج تجاه القبضة العولمية، أنها لم تتمكن من تشكيل جبهة ضغط تفرض ثقافتها ضمن ثقافات العالم الأقوى. كما فعلت الصين والهند واليابان وألمانيا مثلا. إن المنجز العلمي والاقتصادي هو ما يضمن تلك الجبهة، فاليابان مثلا لم تتغنى بالساموراي وتقف على أطلال الماضي بل تمكنت من تطوير منتجها الصناعي والتقني والعلمي، الذي أصبح علامة فارقة في الثقافة العالمية اليوم. إننا ـــ وليس القصد جلد الذات بقدر ما هو وقوف على الحقيقة ـــ ليس لدينا ذلك المنجز، مازلنا استهلاكيين بامتياز. مما لم يضمن لنا مكانتنا العالمية. ومنها لم ينشأ اعتزازنا بهوياتنا بقدر ما نحن مازلنا نتغنى بماضويتنا الضائعة. ما لدينا اليوم هو هوية الأمجاد وليس هوية الإنجاز.

مقترحات لتعزيز الهوية الخليجية:

  • تضمين سبل تعزيز الهوية الخليجية في المناهج الدراسية لدول مجلس التعاون.
  • دور المؤسسات الإعلامية في إنتاج برامج وأفلام مشتركة، توضح أهمية التعاضد والاندماج الخليجي و أوجه التشابه بين دول الخليج.
  • تسويق السياحة الخليجية، وإبراز معالمها الجاذبة للسائح الداخلي والخارجي.
  • دعم المبادرات الشبابية المشتركة التي تنمي الحس الوطني وتعزز الهوية.
  • طرح جوائز للفن والإبداع على مستوى الخليج، على مستوى عالٍ من الجودة والتقييم النزيه والمستقل عن التحيزات القبلية والطائفية والعرقية.
  • جواز ثقافي مشترك لبعض العاملين والناشطين الثقافيين لتسهيل تنقلهم بين دول المجلس.

ختاما.. هناك الكثير من المقترحات التي يمكن لها أن تعزز الهوية الخليجية، الغاية منها ــ كما ذكرنا سلفًا ـــ تنمية هوية الإنجاز الفاعلة التي هي أهم عوامل تعزيز الحس الوطني وبواعث الوحدة والتعاون الخليجي الذي نطمح له جميعاً.

التعقيب الأول: أ. أسمهان الغامدي

أود أن أضيف بداية أن الهوية الخليجية هي جزء من هوية أكبر وهو الهوية العربية، فالإنسان فالغالب يتمتع بهويات متعددة لا تتقاطع مع الهويات المختلفة، كما لو كانت دوائر متداخلة، فلكل إنسان خليجي هوية دينية وهوية أممية وهوية عربية وهوية خليجية وهوية وطنية. وكل هوية من هذه الهويات متعلقة بما قبلها وما بعدها ولا تتعارض معها إطلاقا، وهذا ما يجب التأكيد عليه، الاختلاف في التوجهات والآراء والمذاهب يجب ألا تتعارض مع هذه الهويات الثابتة التي لا تقبل المساس أو التشكيك. فالهوية الخليجية تعتبر الدائرة الثانية بعد الهوية الوطنية، وأعتقد أن الحاجة الآن في ظل هذه المتغيرات والأوضاع غير المستقرة تستوجب علينا في دول مجلس التعاون الالتفات للهوية الخليجية وتعزيزها، كما أرى أن الخطوات التي اتخذتها دول مجلس التعاون مؤخرا كالدخول في تحالفات، وتوحيد الرؤى والتكاتف تعد بمثابة القفزات نحو تعزيز هذه الهوية.

هناك استهداف واضح ولعب على وتر هويتنا الخليجية، واللعب على جانب الهويات الموروثة (الطائفية والعرقية) !!، فيجب تحصين الهوية الخليجية ضد كل المؤثرات الخارجية التي لا تتفق مع القيم العربية في منطقة الخليج، بالخصوص وسط الصراعات الطائفية التي يشهدها المحيط، وفي ظل تربص بعض القوى الإقليمية بالمنطقة. وحتى ننجح في تعزيز الهوية الخليجية يجب أن نضع إطار حقيقي يعزز من الوحدة الخليجية في المناهج التربوية والتركيز على النشء. إلى جانب دعم المؤسسات الإعلامية لإنتاج مشاريع وبرامج توعوية مشتركة بين دول المجلس، والإسهام في تشجيع المراكز البحثية، والاهتمام بالموروث الشعبي والرسمي والوطني، مع مشاركة دول التعاون في مثل هذه المناسبات.

إضافة إلى تشجيع ودعم المبادرات الشبابية والتطوعية المتخصصة برفع مستوى الحس الوطني وتعزيز الهوية والوحدة الوطنية الخليجية. وكذلك تسويق السياحة لدول مجلس التعاون الخليجي بين المواطنين الخليجيين، فضلاً عن مراجعة قوانين دول المجلس وحوكمتها لمواجهة النزاعات والخطابات، التي تهدد الهوية والوحدة الوطنية الخليجية. ويجب ألا نتجاهل كذلك أهمية وضرورة مراجعة الخطاب الديني وتنقيحه وفق مبادئ الإسلام الوسطى وتوجيه وتفعيل دور المؤسسة الدينية في تبنّي القضايا التي تواجه الخليج وتعزيز الهوية والوحدة الوطنية الخليجية.

التعقيب الثاني: أ. سعيد الزهراني

هويات متعددة.. هوية عميقة واحدة!

البحث الذي يدور في إطاره طرح أ. كوثر هو بحث في المشتركات التي تلتقي عبرها الأجزاء ضمن المعطى المكاني الذي يمثل نقطة الانطلاق بوصفه الحاضنة لمشتركات اللغة والدين واللون والعرق والثقافة عامة.. وغيرها من الأسس المشكلة لقضية الهوية موضع البحث.. وبالنظر إلى المعطى المكاني المجزأ.. تظهر كليته بالأصل في مقابل تجزئته الطارئة بفعل العامل السياسي.. بمعنى أننا أمام هوية كلية في الأصل طرأ تجزئتها وبالتالي أنتجت الهويات المتعددة من رحم هوية كلية واحدة وعميقة.. وهي محور الاشتغال لرسم معالم الهوية العامة لأجزاء المكان المقسمة. التوصيف السابق يتدلّى من مدلول العنوان أعلاه ( هويات متعددة.. هوية عميقة واحدة) ليشرح الحالة الخليجية في إطار فلسفة الهوية وانعكاساتها.. وهو أيضا يشير – أي العنوان – إلى مستويين في بنية مفهوم الهوية؛ إذ يتمثل المستوى الأول في الهوية العميقة للأفراد والمجتمعات التي تتكون من الثوابت والمرتكزات الراسخة مثل الدين واللغة.. بينما يتمثل المستوى الثاني في الهوية السطحية التي تقبل (بل تستلزم) التجدد والتطور والتغير.. وإلا فإن دعوى الهوية ستشكل مأزقاً أمام القائلين بجمودها وثباتها المطلق.

المصير المشترك.. والهوية:

مثلما أشارت أ. كوثر في ورقتها إلى قضية العولمة وانعكاساتها على مفهوم الهوية.. يتكشّف أمام العقل الناقد.. واقع الذوبان الهوياتي العام أمام طوفان عولمي آخر أدواته البيئة الاتصالية الإلكترونية التي أخذت البشرية إلى فضاءات السماوات المفتوحة الخالية من الحدود والحواجز والأطر.. صانعةً هوية افتراضية متماهية لإنسان العالم وحضارته وثقافته.. وهنا تبرز قضية المصائر المشتركة بوصفها عامل الحسم الأوحد للبحث عن المشتركات التي تلتقي عبرها الهويات لتتمكن من مواجهة الأخطار الحسية الممكن وقوعها.. وتحديداً الأخطار السياسية والاقتصادية.. خليجياً.. نصت ديباجة النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية على (المصير المشترك).. باعتباره ارتكازاً متيناً لدول المجلس.. يدفعها الإيمان بأهميته لتأسيس المجلس والمضي في رسم السياسات التي تضمن مصيراً إيجابياً للدول الأعضاء.. وهو ما أشارت إليه الورقة الرئيسة حيال مواجهة الأطماع التوسعية ونحوها.. ماعدا هذا الارتكاز (المصير المشترك) في تقديري.. لدول المجلس ولغيرها من التكوينات في العالم.. سيكون البحث في قضية الهوية ضرباً من الترف الثقافي.. بل قد يكون خطيئة تمس البعد الثقافي الإنساني العام.. فالهوية في أصلها مدار قائم على ثنائية (الأنا والآخر) التي تفضي – حين الإمعان في تقديسها – إلى تقديس الخصوصية والأفضلية والتمايز.. يضاف إلى هذا الجرم لعنة الجمود والتكلّس التي تفرزها أسوار المحافظة على الهوية وبالتالي الجود والموت.. فيما البشرية تمضي إلى إعمار الأرض والسماء.

مأزق النموذج الواحد:

أشرت أعلاه إلى قضية : الهويات المتعددة والهوية العميقة الواحدة.. وأضيف هنا سؤال التنوع والتعدد: لماذا نخشى النماذج المتعددة؟! لاسيما حين نؤمن بأننا نملك في أعماق وجداننا الخليجي الجمعي (هوية عميقة واحدة).. فالهويات العميقة تستعصي على الطمس والذوبان ولن تكون الهويات السطحية معيارًا لقياسها.. ناهيك عن حق الكيانات الخليجية في تقديم هوياتها الخاصة.. التي لا ولن تتعارض مع الهوية الخليجية العامة التي تستمد سماتها المشكلة لها من الهوية العميقة الواحدة المشتركة.

……..

عدو الهويات ليس التعدد.. عدو الهويات التسييس!

المداخلات حول قضية: (الهوية الخليجية)

  • الهوية الخليجية: المحددات والمهددات

استهلت د. نوف الغامدي مداخلتها بالتساؤل: هل هناك هوية خليجية أم أنها هويات خليجية مختلفة ؟  وهل تمتلك هذه الهوية أو الهويات فرص الاستمرارية والنمو مستقبلا وبما يتوافق مع بنية المجتمع الخليجي المعاصر ؟!  وأشارت إلى أن هناك عناصر عدة يرتكز عليها المجتمع الخليجي في تكوين الهوية كالهويات الموروثة (الطائفية والعرقية) ، قضايا التعليم وصراع القيم والازدواجية في المعايير ، وهيمنة الثقافة الاستهلاكية، وجود إرث لغوي، عقائدي، عرقي، ثقافي، وتاريخي يجمع شعوب المنطقة الخليجية والأنظمة الحاكمة وأَّؔسّس لبنة قوية لقيام ثقافة شعبية مشتركة تعرف بـ “الثقافة الخليجية”. كما أن التجارب التاريخية المتفاوتة (الثقافية، السياسية، والفكرية) بين مجتمعات دول الخليج أفرز بنيات ثقافية وطنية تتميز بالخصوصية في كل دولة من دول الخليج.

حقيقة الواقع الاقتصادي الحالي المتفاوت بين دول الخليج وشعوبها وتفاوت الدعم الحكومي في أنظمة الرعاية والضمان الاجتماعي أدى إلى تفاوت طبقي حاد بين مواطني دول الخليج العربي وحتى داخل الدولة الواحدة ، كما أن تبني الحكومات الخليجية منظومة الاقتصاد الرأسمالي الحر Laissez- faire وركوب موجة النيوليبرالية neoliberalism  القائم على التجارة الحرة والسوق المفتوحة والخصخصة والتحرر من القيود عزز من سطوة وثروات العوائل الثرية التقليدية والمتنفذة  والتي تربطها مصالح مع السلطات الحاكمة وذلك أدى لإفراز تفاوت حاد في الثراء بين طبقات الشعب إلى جانب إفراز هذه المنظومة الاقتصادية طبقة جديدة من أثرياء حديثي النعمة Nouveau riche تستفرد بسلوكيات استهلاكية استعراضية أصبحت مرجعية للطبقات الدنيا،  فعززت من هيمنة ثقافة الاستهلاك والتعبية للثقافية الغربية. نعترف أن الجميع في الخليج يشعر بـ القلق الوجودي، لذا لابد من مناقشة دور الهُوية الوطنية في مواجهة الأخطار الخارجية، لسبب منهجي وهو أن المخاطر المتعلقة بالهُوية الوطنية على المستوى السعودي والخليجي كانت مثل كرة الثلج تتدحرج وتكبر شيئا فشيئا، حتى أصبح حجمها يفوق قدرة الدول الخليجية الصغيرة في التغلب عليها.

مما جعل الواقع الداخلي قائما على “هويات متصارعة، بدلاً من أن يقوم على “هويات متصالحة”، مؤمنة بتعددية مكونات أي وطن بدلاً من تكريس ثنائيات تؤجج الصراع من مثل (مواطن/وافد)، و(وطني/وغير وطني)، و(مخلص/وخائن)، و(محافظ/وليبرالي)، و(منتمٍ/وغير منتمٍ)، و(مع الوطن/مع الخارج)، و(ممتن/وجاحد)، و(شيعي/وسُني)، و(مع الحرب/وضد الحرب)، و(مع الاتحاد الخليجي/ وضد الاتحاد الخليجي)، و(مع الديمقراطية/وضد الديمقراطية)، و(مدني/ومحافظ) (وحضري/وبدوي)، و(سلفي/إخواني)، و(متطرف/ومُعتدل)، و(ديني/وعلماني)، و(قومي/وخليجي)، و(حقوقي/ووطني)، و(عُماني/وسعودي/وبحريني/وقطري/وإماراتي/وكويتي)، وهو تعدُّد هُويَّاتي كبير في خطوطه العريضة، قابل للانشطار أكثر إلى هويات صغرى جدا على مستوى المجتمع الواحد، مما يجعلنا أمام موضوع قد يبدو طبيعياً في كثير من المجتمعات التي قدرت على استيعاب المفهوم الحقيقي للهُوية، ولكنه يبدو غير طبيعي في مجتمعات أخرى لا ترى قيمة لكل ذلك الاستيعاب.

وذهب د. حميد المزروع إلى أن الهوية الخليجية وبحكم تطورها الأنثروبولوجي  والبيئي تشكلت من مكونات بشرية ذات ثقافات متباينة ؛الأولي هي المجتمعات الساحلية التي استوطنت المناطق الساحلية منذ  القدم والثانية هي المجتمعات القبلية  المرتبطة بثقافة البادية والتي استوطنت هذه المدن تدريجيا منذ الأربعينات من القرن الماضي ، واندمجت بشكل متفاوت مع بعضها البعض بشكل متفاوت ، تتميز المجتمعات الساحلية وبحكم تواصلها المبكر و المستمر مع الثقافات الأخرى المجاورة مثل إيران و وادي السند ( الهند ، باكستان ، أفغانستان )،  مما أثر في مكونها الثقافي مُنذ القدم وساعد علي أن الاندثار المبكر للعنصرية لحدما بين أطياف المجتمع . لا شك أن هناك عدد غير قليل من المشتركات بين مجتمعات عدة ، أبرزها الديانة واللغة والمصالح المشتركة وأهمها المصير المشترك ، والأخير يعد الأهم حاليا ، خاصة مع  الاستراتيجية التوسعية التي تنتجها إيران عبر طوائفها بالمنطقة . الهوية الخليجية تبقي بالنهاية صورة ذهنية عند المواطن الخليجي تظهر لحاجة المواطن  بالشعور بالأمان والانتماء لأرضة وثقافية .

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أنه لاشك أن من حق كل شعب من شعوب العالم أن يحرص على المحافظة على التميز والتفرد  اجتماعيّاً، وقوميّاً، وثقافيّاً، ولهذا اهتمت الشعوب عامة أن يكون لها هويّةٌ تُساعدُ في الإعلاءِ من شأن الفرد خاصة والمجتمع عامة ، وساهم وجود الهويّة في زيادةِ الوعي بالذّات الثقافيّة والاجتماعيّة، ممّا ساهمَ في تميُّزِ الشّعوب عن بعضهم بعضاً، فالهويّة جزءٌ لا يتجزّأ من نشأة الأفراد منذُ ولادتهم حتّى رحيلهم عن هذه الدنيا.  المجتمع الخليجي شأنه شأن بقية دول العالم قاطبة، له هويته الخاصة به، بل يعد أفضل تميزا من بقية شعوب الأرض، بسبب التقارب الواضح، في الانتماء الديني الواحد ، والعادات والتقاليد.

ومع هذا كله إلا أن مجتمعنا الخليجي لايزال يلحظ ضعف واضح في التقارب الاقتصادي والسياسي والثقافي ، خصوصا أمام توافق كبير  في التقارب الاجتماعي الممتد إلى علاقة النسب وقبلها إلى القرابة .

وطرح د. خالد الرديعان تساؤلاً محورياً حول العوامل التي تساهم في بلورة هوية خليجية موحدة؟

وفي هذا الإطار يرى د. سعد الشهراني أن أول العوامل و أهمها يتمثل في الإرادة السياسية المتوحدة حول المفهوم و المستقبل المشترك و المترابط، و هو شرط ضروري و قد لا يكون كافيا و لكنه ضروري جدا.

في حين يعتقد م. خالد العثمان أن الهوية لا تتشكل بإرادة أحد .. لا سياسية ولا اقتصادية ولا حتى شعبية .. الهوية هي مجموعة متنوعة من الصفات المشتركة بين مجموعة من البشر بعضها مظهري مثل الملبس واللغة وتفرعاتها من لهجات وغير ذلك وبعضها محسوس مثل النمط العمراني والمأكولات والفولكلور وغير ذلك وبعضها غير محسوس مثل العادات والتقاليد وما إلى ذلك.

هذه الصفات المشتركة هي ما يصبغ مجموعة ما من البشر بهوية معينة .. قد تتداخل هذه الصفات مع مجموعات أخرى فتتكون بذلك هويات أخرى ذات دوائر أوسع أو دوائر متداخلة.

ويعتقد د. خالد الرديعان أن الوحدة السياسية لدول الخليج العربية ستكون عاملا قويا في بلورة هوية خليجية… هناك عمل على المستوى السياسي لابد من إنجازه في المستقبل القريب… الأمواج من حول دول الخليج تتلاطم وهناك مساعي حثيثة من قبل بعض القوى العالمية باتجاه تفتيت المنطقة وإعادة صياغتها.. وبالتالي يجب أن يكون هذا الهاجس حاضرا لدى حكام وشعوب دول الخليج العربية. الوعي بأهمية المحافظة على ما هو قائم مسألة في غاية الأهمية ويقع على عاتق صناع القرار مهمة أساسية في اتخاذ قرارات تصب في مصلحة البقاء والحفاظ على الموجود.. هذا بدوره سيسرع من عملية تبلور الهوية وتطبيقاتها على أرض الواقع إذ لا يكفي الانتماء والشعور النفسي بالهوية بل لابد أن يتبع ذلك ممارسات اقتصادية واجتماعية لكي تتجذر الهوية كواقع وليس كشعارات تُردد دون أن يكون لها نتائج ملموسة. المشترك بين شعوب دول الخليج كثير كالدين والنسب واللغة والثقافة المشتركة ووقوعنا في منطقة مستهدفة بسبب ثرواتها وجيوبوليتكيتها مما يعني سهولة اندماج سكانها تحت مظلة واحدة دون إلغاء خصوصيات كل دولة. مجلس التعاون يقوم بدور حيوي في هذا الجانب لكنه بحاجة إلى إعادة صياغة لدوره… نحلم بشيء كالاتحاد الأوروبي بحيث يكون للمجلس سلطة عليا في كثير من القرارات الاقتصادية والدفاعية والسياسية.

وتساءل د. الرديعان: إلى أي حد تكون الهويات الصغرى ( القبيلة ، المذهب، المنطقة الخ) مهددا للهوية الخليجية؟

وأوضح أ. عبدالله الضويحي أن ذلك يتحقق عندما تصبح هذه الهويات الصغرى أولا والوطن ثانيا أو ثالثا. في حين قال د. عبد الله بن صالح الحمود .2: نأمل أن تكون ( القبلية ، المذهب، المنطقة ..الخ ) ، هويات صغرى. فالغالبية العظمى من مجتمعنا الخليجي ، يعد ذلك هويات كبرى ، وللأسف على حساب الدين والإنسانية والأخلاق . والمشكلة ليس فحسب عند الأميين أو الجهلة ، بل حتى غالبية  الأكاديميين، ومن يدعي المدنية والحضارة، لايزالون قابعين للأسف عمليا في تلك البيئات ، خلافا لما يدعون إليه نظريا.

وأكد د. سعد الشهراني أن المناطقية و المذهبية و القبلية السلبية و ما يماثلها تهدد الوحد الوطنية على مستوى الدولة الواحدة قبل أن تشكل معوقات لتكوين الهوية الخليجية. فلقد تشكلت هوية خليجية من نوع معين خلال العقود الماضية؛ و لكن ما يعمقها و يرسخها أكثر هو الوحدة السياسية التي تعتمد على الإرادة السياسية للقادة. وفي رأيه هناك (على المستوى الوطني أي على مستوى الدولة الواحدة) متنفذين مستفيدين من ضعف و أضعاف  الهوية الخليجية الموحدة خصوصا أصحاب المصالح  الاقتصادية و أصحاب الولاءات الخارجية و فوق الخليجية.

و لا ننسى أن هناك جماعات  لها ارتباطات ثقافية و دينية و سياسية خارجية اخترقت البنى الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية  في بعض الدول و هي تقاوم الهوية الخليجية التي معطياتها و مكوناتها وطنية عربية إسلامية . ما يشاهد على الحدود العراقية الكويتية و من جدل و صراع في دول مثل البحرين و الكويت من فتح معابد و كنائس في بعض الدول شاهد على هذا الاختراق و هذه المقاومة.

وقالت أ. ليلى الشهراني: “خليجنا واحد وشعبنا واحد” أكثر عبارة رددناها وتغنينا بها ، بل تجاوزتها للشعور بأنه لا فرق بيننا حتى في الكثير من العادات وإن اختلفت اللهجات أو فصلتنا الحدود وأبعدتنا المسافات . في كل دول العالم هناك هوية خاصة بهم، في (الملبس والمأكل والمباني المعمارية بل حتى بالفنون المتنوعة) وتجدهم يحافظون عليها حتى في غربتهم واغترابهم . في الخليج هناك انسلاخ تدريجي من هذه الهوية بدأ بالملبس ثم الحياة الاجتماعية خصوصا في بيئات (الثراء) مرورا بالنهضة العمرانية التي لا تشبهنا !  تجد التنوع في تصاميم المباني والأثاث من (الأوروبي ، المغربي ، التركي ، الأمريكي) لكن عبارة على الطراز الخليجي لن تجدها إلا ما ندر، لست ضد الجديد والمتنوع لكن تطعيمها ببعض البصمات التي تمثل هويتنا أفضل .  لنتأمل الإعلام على سبيل المثال : من يقارن قنوات الخليج سابقا وحاليا يجد الفرق الشاسع ، اليوم القنوات خليجية والهوية (لمختلف شعوب الوطن العربي) حتى الظهور باللبس الخليجي في بعض القنوات أصبح شحيحا ويكاد أن يختفي من شاشاتنا . أخشى أن نصحو يوما ونجد أن الأجيال القادمة تعيش غربة حقيقية في خليجنا العربي،  أما التهديدات الخارجية فيكفي فقط ما نراه من تغيير للتركيبة السكانية في العراق وسوريا ، وكيف ضاعت هوية العراقي والشامي وحلت محلها هويات (هجينة) لندرك أنها ربما أثرت أو تؤثر أو في طريقها للتأثير على داخل بلداننا إن لم نحتوي من بيننا ونفعل قانون التعايش الطبيعي ونمنع من يستغلها ، فإن لم تتبع مذهبي أو فرقتي فلا أقل من أن تجمعنا هوية وطن وهوية خليج .  أو ما يتم تمريره من غزو فكري لمسخ المبادئ و القيم و الأخلاق و العادات الكريمة بل وحتى اللهجات واللغة. الاحتلال الفرنسي سلب من المغاربة والجزائريين هويتهم (العربية) ممثلة في لغتهم وطريقة حياتهم .

وتساءل أ. عبد المحسن القباني: ماهي ضرورة السعي نحو توحيد هوية الإنسان الخليجي؟ هناك تنوع في كل دولة من الدول الست. والتنوع إثراء، أليس كذلك؟ وأضاف: لا يمكن التمييز المطلق في الهويات. هناك الكثير من مكونات الهوية تشكلت من ثقافات أخرى. لنأخذ مثلاً كثير من أغانينا الخالدة كانت من مقامات من بلاد السند مثل مقام نهاوند.. ومقامات أخرى. التعلق بالهوية يحرمنا من الانفتاح على ثقافات ومعارف. لكن نحن في الخليج انفتحنا أكثر من اللازم في استقبال هويات أخرى في وقت لم يكن لدينا مشروع ثقافي حقيقي نقدمه لشعوبنا والشعوب الأخرى. غدا ستدخل الشركات الدولية في بلداننا بشكل أكبر وأعمق و حينها لا تنشد عن هوية مترسخة تواجه غول رأس المال المتوحش، حتى لو خرج الخليجيون في الشوارع كما خرج المعترضون على هوامير التجارة العالمية في سياتل 1999. عالم واحد له هوية واحدة. كم تبقى لهذه العبارة من الوقت كي تصبح واقعا؟

بينما أوضح د. الرديعان أنه و كما ذكر د. زياد حول تأثيرات العولمة على الخصوصيات الثقافية فإنها من جهة أخرى أي العولمة ستلفت انتباهنا إلى الهويات الصغرى وستخلق وعي بأهميتها دون أن يكون هناك تقوقع حولها؛ فالعولمة ستعمم الخاص رغم كل شيء.

وقالت أ. ليلى الشهراني: الشلات الموجودة حاليا أغلبها ليست من صميم الألوان والفلوكورات الشعبية التي تختص بها كل منطقة من مناطقنا بل مجرد تجميع ألحان من هنا وهناك بعضها من الفلوكور العراقي أو الأردني ، أو إعادة بث الأغاني بدون موسيقى وتسميتها شلات ، حتى هذه الفنون ضيعنا هويتها !

وأضاف أ.د. عبدالرحمن العناد أن التنوع داخل حدود المملكة أكثر بكثير من التنوع بين مواطني دول المجلس والسعوديين في المنطقة الشرقية !

وفي تصور م. خالد العثمان فإن التنوع إثراء فعلا .. شرط ألا يذيب هذا التنوع الإطار الجامع لهذا التنوع الذي يميزه عن أطر الهويات الأخرى بما تضمه هي الأخرى من تنوع .. الهوية السعودية مثلا جامعة لتنوع هويات إقليمية حجازية ونجدية وعسيرية وغير ذلك ومع ذلك يجمعها إطار الهوية السعودية.

وأضاف: بحكم الاختصاص والاهتمام بشئون العمارة والعمران تشدني دوما فكرة الهوية العمرانية لمنطقة أو مجتمع ما .. وبالطبع فإن ملامح العمارة المحلية يمكن بسهولة تمييزها بين مناطق المملكة المختلفة وأيضا مناطق الخليج كمفردات ملموسة تعبر عن هوية المكان .. لكن ما تشهده المدن الخليجية الكبرى خصوصا من هجمة حداثية طاغية على النمط المعماري والصيغ العمرانية يمثل في نظري تحديا كبيرا جدا للهوية العمرانية المحلية والجمعية لمنطقة الخليج .. هذه النزعة الحداثية المفعمة بالرأسمالية المتوحشة تجاوزت حتى تلك التطبيقات التي شهدها الغرب والشرق وأصبح التطاول في البنيان والتباهي بالتشكيلات الهندسية المعقدة والمزججة بابتذال وتكلف هي السمة الطاغية لملامح الهوية العمرانية لمعظم المدن الكبرى في دول الخليج. مدننا بالمجمل وخاصة الكبرى منها عجزت عن مواجهة هذا الطوفان .. أنظر إلى دبي وأبو ظبي والدوحة .. أنظر إلى مركز الرياض المالي ونواطح السحاب المتناثرة التي انتشرت في الرياض .. أهذه هي هويات مدننا العربية ؟ حتى السمة الإسلامية التي تراها في المآذن الشامخة في سماء إسطنبول والقاهرة لا تراها في مدننا الخليجية.

ومن جديد تساءل أ. عبد المحسن القباني: لماذا نتحدث عن هوية خليجية؟ وليس هوية سعودية أو عربية أو إسلامية؟

ومن وجهة نظر د. سعد الشهراني فإن الأصل أن هناك مكونات مشتركة (بنية أساسية!) للهوية الخليجية و هذا موجود و الحمد لله. والمفروض أن هناك منجزا من مستوى معين في ترسيخ هوية خليجية جامعة تنامى خلال العقود الماضية و هذا تحقق و لكن من الواضح أنه لا يرقى إلى:

  • الأصل الثقافي و التاريخي الجامع لشعوب دول الخليج العربية.
  • طموح الشعوب و النخب.

القضية ليست في غياب هذه الهوية و لكن في:

  • ضعفها.
  • التناشز السياسي و الاجتماعي (باستخدام تعبير علي الوردي) الذي يبدو أنه يزداد أحيانا لأسباب متعددة.

وتطرق م. خالد العثمان إلى مسألة مدى انسجام الهوية الخليجية مع بعض الدول المرشحة للانضمام لعضوية المجلس مثل اليمن وسابقا العراق.

وفي هذا الإطار يرى د. الرديعان أنه وعندما تتبلور هوية خليجية فإن ذلك سيضعف عوامل التشرذم لدى شعوب هذه الدول ومن ذلك الحد من تأثير الطائفية البغيضة التي يُعاد إحياءها كلما خمدت.. الهوية الخليجية ستكون عامل مساعد في إذابة كثير من الفوارق بين الشعوب وإن كانت لا تلغيها تماما.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: الهوية الخليجية ليست هي التكامل الخليجي أو الوحدة الخليجية؛ الهوية هي سمات هذا المجتمع ومعايير نظرته للحياة كلها ، وكيف يعيش ويتعايش. إلا أن الهوية الخليجية ينبغي أن نعلم أن لها سمات تنتمي لتاريخ هذه الدول؛ هوية ترتبط بكتاب الله وسنة حبيبه ومصفاه ﷺ وهديهما؛  إذ حول مائدتها نجتمع ونتوافق في الأسس والأصول .. التغيرات التي تعيشها مجتمعات الخليج ومجتمع المملكة ينبغي أن لا تقودنا للاعتراف بسمات دخيلة أو معايير ليبرالية تعمل على أن تقنع البعض بأن المجتمع عليه أن يتخلى عن هويته وبالتالي عن دينه أو عن ما جاء به من هدي عظيم .. كل ذلك بسبب ضغط العولمة التي أضحت تأتينا من كل جانب؛ أو بسبب ضعف انتمائنا وتعلقنا بسمات مجتمعات لها هوية أخرى ” حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه “.

من يعتقد أن الهوية الخليجية والسعودية على نحو خاص هي متغيرة فهو يرى أننا في كل عام لنا هوية تتناقص وتختلف معاييرها وفقا للضغوط الاقتصادية والتواصل مع العالم فهو لا يعترف بهوية ذات سمات واضحة ومحددة.

إحدى أكبر مشكلاتنا أننا اليوم تركنا الساحة الإعلامية الخليجية لكفاءات أكثرها لا تنتمي للهوية الخليجية: لا عقيدة ولا ثقافة ولا فكرا ولا سمات اجتماعية؛ وأصبح هؤلاء أو أكثرهم يأمرون الناس أن يبدلوا واقعهم وأن يشتروا به ثمنا بخسا من الخلق والمحافظة بمكر لا يهدأ ليلا ولا نهارا. هناك من يعمل على تفتيت هذه الهوية ليجد بعد ذلك مجتمعا يمكن إعادة هدمه وتشكيله ليكون مجتمعا آخر ..”لبنان أنموذجا ” و العراق واقع حي اليوم وسوريا مستقبلا.

إعادة تكييف المجتمعات العربية اليوم لتكون ذات سمات ديموغرافية مختلفة هو أحد مرتكزات أولئك الذين يعملون على تغيير هوية المجتمعات لتصبح مجتمعات أخرى عبر جيلها القادم الثاني أو الثالث. ما يقلق هو أن البعض من الإعلاميين والنخب بسطاء إلى درجة تجعلهم لا يرون ما يجرى وربما يرون أن طرحا كهذا الطرح الذي أقوله هو تهويل وتضخيم. ما يجري اليوم في اليمن والعراق وقريبا الكويت مقلق جدا.

لازلت وسأظل منافحا عن فكرة أن الهوية ذات علاقة بالعقيدة وبالفكر والثقافة ، وأن دول الخليج هي كيان سياسي يرتبط بمصالح تتغير وتنمو وتضمحل. الهوية مجموعة معايير يؤمن بها الفرد بعضها غرسها لديه والداه وبعضها التعليم وبعضها تعلمها من المجتمع ومن تواصله مع الآخرين، أما الحديث عن الدول ومواقفها وقراراتها فجميعها تتحرك وفق مصالحها التي تتغير بين وقت وآخر.  و الربط بين الأمرين هو ربط بين أمرين مختلفين تماما، ولا أراه سائغا إلا في الدول التي تتعدد فيها الهويات وينشأ فيها خلاف هنا الدول بطبيعة الحال ستحتوي هذه الهويات وبخاصة حين يكون هناك أكثرية وأقلية؛ وهو ما تحرص عليه عدد من الدول وإلا كانت كارثة، وهو ما نجده اليوم في العراق، وقبل ذلك في دول البلقان، وقبل ذلك الهند حين استقلت عنها باكستان، ثم استقلت بنجلادش من باكستان. أما دول الخليج فالهوية تقوم على طبيعة واحدة من الناحية العقدية حيث المكون السني هو الأكثر والغالب

وتطرق د. زياد الدريس إلى أن من الخطأ الظن بأن صراع الهُويّة المحتدم الآن هو حكر على المجتمع السعودي أو المجتمع الخليجي، بل هو موجة عالمية تغشى الشرق والغرب.  هذا الصراع الاجتماعي/ الإيديولوجي لم يوفّر حتى الدول الأوروبية المتقدمة، التي بدا خلال العقود الماضية أنها وصلت إلى استقرار اجتماعي هويّاتي لا يمكن لأي أيديولوجية أن تعبث به! وأضاف د. زياد الدريس: لن أسوِق نماذج أوروبية متنوعة لهذا الصراع المفاجئ، لكن سأستغني عن ذلك كله بنموذج من الدولة التي بدت أكثر دول أوروبا تخلّصاً من صراع الأيديولوجيات بعد الثورة الفرنسية التي أكملت نقائص عصر النهضة الأوروبية. فرنسا هذه تدير حوارات واستفتاءات عديدة، خصوصاً منذ ثلاث سنوات حول (الهوية الفرنسية)، وذلك بعد تكالب عدة مظاهر مثل: التحاق فرنسيين بداعش، صعود شعبية زعيمة اليمين المتطرف ماري لوبين، العودة للمز اليهود بعد أزمة ٢٠٠٨ المالية. كما أن المطالبات الانفصالية في بلجيكا وإسبانيا وبريطانيا على أساس عرقي، هي مظهر أكيد من مظاهر صراع الهويات في دول مدنية “متحضرة”!

ما الذي يجري؟!

هناك في الحقيقة عودة عالمية إلى (الهويات الصغرى )، بعد أن جرّب العالم الطعم الواحد والمتشابه للعولمة خلال الثلاثة عقود الماضية. وقد أشرت في كتابي: (حروب الهويات الصغرى) إلى مظاهر عديدة لهذه الموجة العالمية وتفسيراتها، ومن بين تلك المظاهر في محيطنا عودة الشباب (حديثي السن) إلى الأكلات الشعبية والشيلات والأهازيج الشعبية والألبسة والكشتات والقاموس اللغوي / الشعبي وغيره. ومن المفارقات أن يكون أحد أهم عوامل العودة الشعبية هذه (البدائية، كما يراها كثيرون) هو سبب تقني متطور، وهو ثورة الاتصالات ووسائطها !

كما أن منظمة اليونسكو نفسها التي تعكس النَّفَس العالمي الثقافي باتت تولي اهتماماً أكثر بالثقافات الصغرى من خلال اتفاقيات حديثة للحفاظ على التراث الشفوي والاهتمام باللغات المحلية للشعوب الأصلية. الحالة غير المستقرة لهُويّات العالم ستستمر لسنوات قادمة، نتاج حقبة ما بعد العولمة. قد تطول هذه الحقبة بسبب تأثيرات اقتصادية تتلبّس اللبوس الثقافي أو الديني أحياناً. الهوية الخليجية والسعودية تحديداً ليست بمعزل عن هذه الريح الكونية، وستستمر في حالة عدم استقرار وتجاذبات دينية واجتماعية متنافرة أحياناً، لكن هذا لا يمنع ضرورة استمرار محاولات الوصول إلى توافق هويّاتي، وإن كان نسبياً وربما مؤقتا أيضا.

أما د. علي الحارثي فقال في مداخلته: لا أجد تعريف منضبط للهوية، ولذلك أسفر النقاش عن تشعبات متعارضة ومتداخلة في آن واحد ، دخلت فيها معطيات وأبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية وتاريخيه وإعلامية وسلوكية وأيديولوجيات وعولمة ولغة وعادات وتقاليد وحروب وأطماع في وقت تتسارع فيه الأحداث التي لم تعد تسمح باللحاق بجزئياتها المتناثرة في عالمٍ يسابق الزمن من أجل عولمة الهوية التي يسعى الغرب إلى نشرها وطمس ما عداها من هويات . فأي هويةٍ خليجيةٍ نتحدث عنها ؟ من أخذ أوربا كمثال لتوحيد الهوية الأوروبية مع اختلاف اللغة والدين والثقافة والموروث وحتى اختلاف الأنظمة من ملكية إلى رئاسية إلى برلمانية ، فإن صورة الهوية التي يسعى إلى تحقيقها تجرها السياسة والاقتصاد. ومجلس التعاون له ٣٦ سنة لم ينتج شيئاً يذكر يحقق هوية رقمية واحدة. والوجدان بين شعوب دول الخليج ضاع مع الهياط والتطاول والتغريب في كل شيء تقريباً ، وليس من جدوى لهويةٍ مشتركة رغم التجانس في اللغة والدين والتاريخ والعادات…الخ إلا قرار الاتحاد السياسي والاقتصادي والإعلامي الذى يجسد هذه المقولة مع الاعتذار عن التحريف بعض الشيء ( مالم يكن بالقرآن يكن بالسلطان ). فهل لدى ملوك وأمراء دول الخليج الشجاعة لاتخاذ قرار الاتحاد الكونفدرالي لإنتاج ما يحقق الهوية الخليجية لشعوبها ؟

وبدورها ترى أ. ندى القنيبط أن إشكالية الهوية والقيم لدى جيل  الشباب الخليجي تدور بثلاثة محاور و هي :

1- دور كل دولة من دول الخليج اتجاه جيل الشباب و مدى انخراطهم داخل المؤسسات، و إيمانهم بجدواها، ومساهمتهم في تفعليها.

2- الرقعة الخليجية و جيلها الشاب يمران اليوم بمرحلة دقيقة تحمل العديد من المخاطر والتحديات الخارجية و الداخلية، مما أدي إلى تزعزع هويتهم و بالتالي زرع قيم دخيلة على منطقة الخليج.

3- المؤسسات التي تنتج الهوية والقيم، هي الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والاتصال، و تلك المؤسسات هي من تأطر جيل الشباب، وعلى رأسها المؤسسات الاقتصادية و السياسية والجمعيات المدنية مطالبة بالمساهمة بالتطوير لدى جيل الشباب من حيث ثقافة الحياة، و ثقافة المبادرة والمسؤولية والالتزام بقضايا مجتمعه المحلي و مساهمته بالمجتمع الخليجي، و ثقافة تسلحه بوسائل المناعة الضرورية لصيانة هويته وقيمه و ثقافته.

هذا يتطلب حكمة جديدة للشأن الشبابي قوامها معرفة عميقة لقضايا الشباب، والاستماع اليهم، والاستثمار فيهم، وإشراكهم في العملية التنموية، وتنظيمهم مؤسسيا حول الاختيارات و الورش الكبرى للمجتمع، وذلك في أفق تحويلهم إلى نخب المستقبل. ففي هذه المحاور تكمن الشروط الموضوعية لبناء هوية خليجية قوية وقيم مبنية على الحفاظ على القواسم المشتركة للخليج ، وعلى رأسها وحدة اللغة والعقيدة والتراب والمصير.  فالنخب الخليجية و جيل الشباب مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يعي أن العالم لن ينتظرهم. مما يحتم على المجتمعات الخليجية تطوير ثقافة الفعل واليقظة والمشاركة لدى جيل الشباب.

وأشار د. عبدالسلام الوايل إلى أن أ. كوثر تناولت في ورقتها بعض المعوقات في وجه الوحدة الخليجية. و لعله يمكن إضافة معوقين آخرين. الأول يختص بتفاوت سرعة سير عجلة التنمية بين أقطار الخليج و الثاني يخص إيقاع التفاعل مع التحديات و التحالفات الإقليمية.  وفيما يخص المعوق الأول، فإنه يلاحظ تسارع التنمية في بعض أقطار الخليج، مقابل البطء في أقطار أخرى. إن واحدة من أهم مقومات الهوية الخليجية كان تشابه تشكيلاته المجتمعية، المتأثرة قطعا بوتيرة التنمية في أقطاره. و اليوم و بعد ثورة العولمة و الاتصالات يلاحظ أن بعض أقطار الخليج تسارعت بها التنمية فوصلت بالفعل لمسائل القوى البشرية و العدالة الاجتماعية و تساوي الفرص بين الجنسين، بعد أن أنجزت ملف تنمية البنى التحتية. فيما أن هناك أقطار أخرى تعاني بطئا في تنمية البنى التحتية. و بين النموذجين من تسارع إنجازه في ملف البنى التحتية لكن يحتاج لمزيد من الجهد في ملفات توزيع الفرص و إشراك فئات أكثر و ما شابه. و هذا التفاوت بات يعمل كمعوق لبلورة هوية خليجية.  العائق الثاني يتمثل في تباينات ما داخل منظومة دول المجلس حيال تحديات جسام خليجيا و إقليميا. المواقف حيال القضية السورية و الملف الأمني أبرز مثال.  وختاما فإن هذين العائقين و غيرهما مما تم طرحه لا ينفي وجود بذور واعدة لهوية خليجية مشتركة.

  • آليات تعزيز الهوية الخليجية:

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن توطيد الهوية بين المجتمع الخليجي لابد أن يتمثل في العديد من المنافع التي يراها هذا المجتمع أنها الطريق الأوحد لأن يظهر بالمفهوم الحقيقي للهوية الخليجية الموحدة إن صح هذا القول. من هنا أمام هذه العلاقات المتينة والتي يربطها الدم والنسب أولا ، إنه ليس من الصعوبة بمكان أو مستحيلا أن نزيل العقبات التي تقف حائلة أمام تقدم يرى فيه المواطن الخليجي طريقا لمزيد من الوئام والرفعة وصولا إلى تماسك مأمول ، يثمر في الخروج بمنظومة واحدة شعارها ( الدولة الخليجية ) ، لم لا ونحن نمتلك مكتسبات اجتماعية لا تمتلكها دول أصبحت شبه دولة واحدة ، كمثل دول الاتحاد الأوروبي، وهي دول أقل من دول الخليج ترابط اجتماعي والذي يعد العنصر الأساس لتقارب المجتمعات واتحادها .  إن الوصول السريع إلى اكتساب هوية خليجية حقة ، والنيل من انتماء حقيقي بين شعوب الخليجي العربي ، يمكن أن يتم من خلال الإجراءات التالية :

  • الإسراع في تطبيق سريان العملة الخليجية الموحدة، وأن تقتنع كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان من الدخول في مجلس النقد الخليجي.
  • إصدار جواز خليجي موحد.
  • إلغاء الحواجز الجمركية بين دول مجلس التعاون الخليجي.
  • الإسراع في التحول الاتحاد ، مما يعطي دفع أكبر نحو متغيرات مأمولة.

واتفق د. خالد الرديعان مع الطرح المتعلق بتجانس دول الخليج العربية وضرورة الإفادة من ذلك بصورة هوية موحدة ذات بعد منافعي على المواطن الخليجي. ومن ثم فالكرة في مرمى قادة دول الخليج لاتخاذ قرارات مصيرية ومهمة لجعل الهوية الخليجية واقعا معاشا.. قد يعيق القادة من القيام بذلك تباين سياستهم الخارجية التي ربما أخرت مشاريع الاندماج الاقتصادي والسياسي؛ ومع ذلك يمكن الخروج باتحاد فضفاض ومرن شريطة أن يكون له مردود اقتصادي على مستوى الشعوب وسهولة تنقل دون جواز وممارسة الأعمال التجارية إضافة إلى رفع أي قيود تحد من زواج الخليجي من خليجية لتقوية الأواصر الاجتماعية. ومن المقترحات المطروحة إيجاد مهرجان خليجي سنوي أو كل سنتين بحيث يقام كل مرة بدولة من دول الخليج العربية الست و يكون المهرجان شعبيا بحيث تعرض كل دولة موروثها الثقافي وتراثها الفني والأدبي وأن يستمر عدة أيام.. ولا مانع أن يكون على هامشه عملية تسويق للمنتجات الخليجية لكل دولة بحيث يكون مفيدا لرجال الأعمال في هذه الدول وذلك لتغطية تكاليفه. وقد يصحبه كذلك معرض كتاب لدور النشر الخليجية. عمل ثقافي كهذا سيكون أحد أسباب تعميق الهوية الخليجية في وجدان الناشئة.

ويرى د. حميد المزروع أن التنمية المشتركة بين الاقتصاديات الخليجية، وتعزيز الانتماء لدول مجلس التعاون الخليجي كفيل بتطوير الهوية الخليجية التي ما زالت بطور التشكيل ، العولمة وما تحمله معها من إيجابيات وسلبيات بدأت تتوغل بالمجمع الخليجي. كما أن توحيد السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي أصبح ضرورة؛ يجب أن تشرع دول الخليج بتعيين وزير خارجية واحد يمثل دول مجلس التعاون الخليجي ، ويعين بالتناوب من دول المجلس ، وذلك لتوحيد المواقف السياسية الخارجية ، وإزالة الضبابية عند المجتمعات الخليجية ، وكذلك للقضاء علي دوائر التأليب والشك التي يوجهها الإعلام الخارجي تجاه دول الخليج . المشتركات الخليجية أكبر وأهم بكثير من الاختلافات الثقافية والتي تبقي ذات أبعاد ثقافية محلية ستزول مع الوقت مع تعزيز الانتماء والاندماج والعولمة .

بينما ذهب م. خالد العثمان إلى أنه يختلف جذريا مع مبدأ الربط بين قضيتي الهوية الخليجية والتكامل السياسي الخليجي؛ فالهوية قضية أسمى وأوسع وأشمل وتمثل أساسا لتكامل الشعوب وتواصلهم وتوحدهم وما تشكيل المجلس إلا أحد ثمرات الهوية الخليجية المشتركة .

وترى أ. ليلى الشهراني أن تعزيز الهوية الخليجية يبدأ بالعودة الجادة للجذور وخلع عباءة التبعية العمياء ، والتعافي من مرض جلد الذات في كتابات بعض كتابنا وفي تمثيل بعض فنانينا. النظرة السائدة عن الخليج خيمة وجمل وصحراء وبرميل نفط يصرف بسخاء وشعوب غوغائية ، وعززت هذه النظرة ما نروج له عن أنفسنا في وسائلنا الإعلامية وعن طريق بعض سياحنا.  الحفاظ على جمالية الهوية كما هي مع الاستفادة من كل جديد وتسخيره لإبرازها لكل العالم هو المطلوب . نحن مع العولمة تنطبق علينا قصة (الغراب والطاووس) لم يستطع تقليد مشية الطاووس ولم يستطع العودة لمشيته الحقيقية.

وعلقت أ. علياء البازعي على تأثير العولمة في الهوية بأننا نملك كدول الخليج مالا يملكه الاتحاد الأوروبي مثلا.. ولذلك سعى لخلق ما يسمى بال Europeanism  و هو مفهوم يسعى لدمج العادات و القيم الأوروبية لتصبح مشتركة في جميع الدول ويركز على الجوانب الاجتماعية و الثقافية و الأمنية و الوطنية… (يصبح الفرد فخورا بأوروبيته) على الرغم من أنهم يواجهون تحدي اللغة…و تعصب كل دولة للغتها. في الخليج لا يوجد هذا الحاجز ” اللغوي” لكن يوجد تحدي أكثر صعوبة و هو القبلية و المناطقية. عليه…قد تستطيع العولمة طمس المثير و إحياء الكثير من العادات و القيم…بكن يبدو لنا أنها تقف عاجزة أمام التحدي! وفيما يخص الهوية فإن أحد أهم عناصرها هو اللغة؛ نحن أمام أجيال خليجية تتعلم اللغة العربية كلغة ثانية في مدارسها…و بالذات في المدارس الأهلية…فأين الهوية التي أسعى لتكريسها إن لم ترتبط بلغة!!

وتساءل أ. عبدالله الضويحي حول إمكانية أن يعين متحدث رسمي باسم المجلس!؟ وهل يمكن أن يقوم بهذا الدور !؟

ويرى د. خالد الرديعان أن فكرة أن يكون هناك وزير خارجية واحد لدول مجلس التعاون تعد فكرة ممتازة؛ لكن ذلك يتطلب توحيد السياسة الخارجية لدول المجلس بحيث تقل التباينات فيما بينها؛ وهذا غير متحقق حالياً؛ فلكل دولة شبكتها السياسية مع دول مختلفة مما يعيق التناغم في السياسة الخارجية لدول المجلس ومن ثم استحالة تعيين وزير خارجية يتكلم باسم المجموعة في المحافل الدولية.  مثل هذا الشخص يجب أن يكون عبقريا بحيث يلم بكل السياسات الخارجية لدول المجلس.. بعض هذه السياسات قد تكون متناقضة ومن ثم تصعب مهمة المتحدث. لو أخذنا على سبيل المثال الموقف من ايران أو تركيا لوجدنا تباينات بين دول المجلس في التعاطي مع الدولتين.

وأوضح أ. عبدالله الضويحي أن المشكلة في تباين المواقف بين دول المجلس حول قضايا مصيرية مشتركة. بينما ترى أ. مها عقيل أن الأمين العام يعتبر بمثابة المتحدث باسم الدول الأعضاء.

وفي تصور د. سعد الشهراني فإن الأمر يحتاج إلى خطة اجتماعية و ثقافية ببرامج مستمرة و شاملة لكل أرجاء ( الوطن الخليجي ) مدعومة و معتمدة من القادة تستهدف ترسيخ هذه الهوية. أن أي خطوة تعزز الوحدة السياسية و الاقتصادية ( و قد تحقق الكثير من الأخيرة و القليل من الأولى ) سوف يكون لها أثر ينعكس على المستوى الاجتماعي يرسخ الهوية الخليجية المبنية على الأصول القوية و المصالح المشتركة.  ولعل اليمن يخرج من أزماته  ليكمل العقد في جزيرة العرب لنتحدث في حينه عن هوية أوسع و أكثر تمثيلا للواقع،  و لا ننسى أن الخليج مفهوم جيوبوليتيكي في الأساس.

ومن وجهة نظر أ. خالد الحارثي فإن الشراهة غير المنضبطة لاستقدام العمالة الأجنبية تضعف الهويات المحلية والهوية الخليجية أيضا ، وفي اعتقاده فإن الشأن العمالي وضبط مرونة حركة العمالة يزيد من فرص نجاح توجهات تنمية الموارد البشرية وتوطين المهنة وتنويع الاقتصاد.  أيضا فإن مراعاة الانحياز في صياغة التشريعات الخاصة بالمنظومات للكتلة الخليجية انحيازا ظاهرا نحو المزايا النسبية لدول الخليج وتبنيها صناعيا واقتصاديا، سيكون مفيدا في رسم شكل وحجم التوجهات الاستثمارية.

وذكر د. ناصر القعود أن الهوية الخليجية بالمفاهيم والأوصاف التي تناولتها الورقة الرئيسة والمداخلات جديرة بالدراسة والاهتمام لذاتها رغم أن هناك علاقة تكاملية بين الهوية الخليجية وخطوات التكامل بين دول المجلس، والهوية الخليجية هي الأصل ولأجلها أنشئ المجلس، وكل منهما يعزز الآخر. وجود الهوية الخليجية وتنميتها بمختلف الوسائل، وبمفهومها الواسع الذي لا يتعارض مع الهويات الصغرى والكبرى، سيوجد رأيا عاما خليجيا يدعم ويؤيد خطوات التكامل بين دول المجلس ، ووجود خطوات تكاملية جادة مقرونة بالتنفيذ والتفعيل يعزز الهوية الخليجية والاهتمام المشترك بالمصير الواحد للمنطقة. وذلك يتطلب من المسؤولين في المجلس زيادة الاهتمام بالمواطن الخليجي وتفعيل المواطنة الخليجية والتركيز على مختلف القضايا الثقافية الجامعة لاهتمامات مواطني المجلس . ومن الظواهر الإيجابية في السنوات الأخيرة عقد لقاءات منتظمة لشباب الخليج وطرح القضايا التي تواجه المنطقة بما في ذلك ما يخص الهوية الخليجية .

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

)                   حسب الحروف الأبجدية (

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. أسامة كردي
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • أ. أسمهان الغامدي
  • أ. أمجد المنيف
  • د. حامد الشراري
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • أ. خالد الحارثي
  • د. خالد الرديعان (رئيس لجنة التقارير)
  • م. خالد العثمان (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • د. خالد بن دهيش
  • د. حميد المزروع
  • د. زياد الدريس
  • أ.د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سعيد الزهراني
  • أ.د صدقة فاضل
  • د. عائشة حجازي
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالسلام الوايل
  • أ. عبدالله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • أ. عبد المحسن القباني
  • اللواء د. علي الحارثي
  • د. علي الحكمي
  • أ. علياء البازعي
  • د. فايز الشهري
  • د. فهد الحارثي
  • أ.د. فوزية البكر
  • أ. كوثر الأربش
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • أ. مها عقيل
  • د. ناصر القعود
  • أ. ندى القنيبط
  • د. نوف الغامدي
  • أ. هادي العلياني
  • أ. هيا السهلي
قراءة 153 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:53

أضف تعليق


كود امني
تحديث