الأخبار
الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:38

التقرير الشهري الثاني والعشرون

قيم الموضوع
(0 أصوات)

يناير 2017م

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر يناير 2017م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • الإنتاجية في الاقتصاد السعودي.
  • الجمعيات التعاونية: الاقتصاد المنسي.
  • صناعة المؤتمرات في المملكة (منتدى أسبار الدولي ٢٠١٦ أنموذجاً).
  • الميزانية بين فكر الحكومة وتطلعات المواطن.

محتويات التقرير

المحور الأول: الإنتاجية في الاقتصاد السعودي

  • الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني
  • التعقيب الأول: د. عبدالسلام الوايل
  • التعقيب الثاني: أ. خالد الوابل
  • المداخلات حول القضية:
  • واقع ومعوقات الإنتاجية في الاقتصاد السعودي
  • توصيات لرفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد السعودي

المحور الثاني: الجمعيات التعاونية: القطاع المنسي

  • الورقة الرئيسة: د. خالد الرديعان
  • التعقيب الأول: م. خالد العثمان
  • التعقيب الثاني: أ. خالد الحارثي
  • المداخلات حول القضية:
  • نشأة وتطور فكرة التعاونيات
  • مجلس الجمعيات التعاونية في المملكة
  • هل التعاونيات قطاع ربحي؟
  • أسباب القصور في العمل التعاوني
  • تجربة قبيلة (آل سرحان شهران) في جنوب المملكة
  • العمل التعاوني ضرورة حضارية وحتمية
  • رؤية استشرافية لمستقبل التعاونيات وآليات تطويرها

المحور الثالث: صناعة المؤتمرات في المملكة ( منتدى أسبار الدولي ٢٠١٦ أنموذجاً)

  • الورقة الرئيسة: د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • التعقيب الأول: د. عبد الله بن صالح الحمود
  • التعقيب الثاني: د. نوف الغامدي
  • المداخلات حول القضية:
  • أهمية صناعة المؤتمرات ورصد لبعض جوانب الخلل
  • البرنامج الوطني للمعارض والمؤتمرات
  • العقبات الحكومية وإشكالات أخرى ذات صلة
  • غياب العمل المؤسسي
  • قصور البنية التحتية
  • صناعة المؤتمرات وحرية الفكر
  • المؤتمرات العلميّة الخليجيّة بين «الشلليّة» وضياع المرجعيّة
  • آليات تطوير صناعة المؤتمرات في المملكة
  • تجربة منتدى أسبار الدولي: أسباب النجاح ومقومات الاستمرار

المحور الرابع: الميزانية بين فكر الحكومة وتطلعات المواطن

  • الورقة الرئيسة: د. نوف الغامدي
  • التعقيب الأول: د. حميد المزروع
  • التعقيب الثاني: د. الجازي الشبيكي
  • التعقيب الثالث: م. حسام بحيري
  • التعقيب الرابع: د. جاسر الحربش
  • التعقيب الخامس: د. علي الحكمي
  • المداخلات حول القضية:
  • الميزانية وتحديات الواقع السعودي
  • النخب وقادة الرأي بين خطابين في القضايا التنموية.. الميزانية نموذجا
  • تأثير السلطة القضائية في الحماية المفترضة لتنويع مصادر الميزانية العامة
  • رؤية استشرافية: الميزانية وآفاق المستقبل

المحور الأول

الإنتاجية في الاقتصاد السعودي



الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني

مدخل:

الإنسان مستخلف في الأرض، هذا جزء أصيل من عقيدتنا نحن المسلمين و بنص قرآني كريم، و ما يميز الإنسان عن باقي مخلوقات الله الحية أنه يملك الفكر و العقل و القيم و التدبر و يميز بين المفيد و غير المفيد و الخير و الشر، و له السلطة على ما عداه مما خلق الله، و قد جعل الله تحت تصرفه الكثير من القدرات الذاتية و الموارد بشتى أنواعها.  ومن سنن الله سنة التدافع و أن الطبيعة البشرية جبلت على حب الذات و الاستكثار و التملك وهو ما يولد صراعا على الموارد من جهة و صراعا بين البشر أنفسهم من جهة أخرى  بل بينهم و بين البيئة و ما عليها.

الإنتاج هو محصلة الدمج الديناميكي و الفني العقلاني بين العمل الإنساني و الموارد الأخرى المتاحة له أي بين العمل و رأس المال و تقنيات الإنتاج و النظرية الاقتصادية و صنوها الاقتصاد السياسي يقولان الكثير حول دور كل من هذه العوامل في الإنتاج و مدى ما ينسب إلى أي من هذه العوامل.  و قد تقدمت البشرية و تراكمت الثروات و رؤوس الأموال و زادت المداخيل و تحسنت مستويات المعيشة من خلال العمليات الإنتاجية و تطويرها و تحسينها  المستمر منذ نزل آدم و حواء على هذا الكوكب.

و الإنتاج أنواع:

  • إنتاج  فكري و علمي و تقني قد يؤدي في مراحل متأخرة منه إلى تطوير منتجات جديدة  أو تحسين منتجات موجودة .
  • إنتاج خدمي يستخدم و يخفي وراءه منتجات مادية كثيرة.
  • إنتاج مادي لسلع  تباع و تشترى في الأسواق و هذا يمثل الإنتاج الأكثر وضوحا و قابلية للقياس و الأكبر حجما و قيمة و إشباعا للحاجات الإنسانية.

و الأصل في النشاط الإنتاجي أنه إنتاج خاص إلا أن ظهور الدولة أصبح مبررا و ضروريا لكي تقدم خدمات (الدولة الحارسة العدل و الأمن و الدفاع) و هي خدمات مكلفة جدا و لا  يمكن عرضها و طلبها و تبادلها في الأسواق.  إلا أن الدولة تجاوزت وظيفتها الأصلية هذه و دخلت في النشاط الإنتاجي الخدمي و السلعي بسبب الفكر الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي الذي أخذ ينحو منحى اشتراكيا و شيوعيا في القرن  الماضي (و قد فشلت و انهارت النظم الشيوعية إلى غير رجعة). حتى في الدول الغربية تدخلت الدول كثيرا بسبب التحولات في التوازنات السياسية الداخلية و بسبب قصور الأسواق و الفجوات في الدخول و تغول الرأسمالية، إلا أن هذا التدخل كانت له عيوبه أيضا فظهرت موجة التخصيص، و ها نحن نشهد موجة (ترمبية) كأنها ستجتاح العالم الغربي في السنوات القادمة. أين كل هذا من الإنتاجية  كمفهوم و كذلك أين من الإنتاجية في الاقتصاد السعودي؟ أقول :

  • قياس الإنتاجية صعب جدا إلا بمقاربات إحصائية لا أكثر لأن القياس صعب ستاتيكيا (أي في لحظة معينة) فضلا عن ديناميكيا (أي متابعة تغيرها المستمر) و ذلك لأن مثل هذا القياس يتطلب معرفة و تقييم كل إنتاج فردي في كل نشاط اقتصادي في كل لحظة و عبر الزمن و هذا مستحيل. و لذلك يلجأ الباحثون إلى المقارنات.
  • الحديث ينصب دائما على إنتاجية العامل مع التثبيت (التحليلي) للعاملين المهمين الآخرين رأس المال و تقنيات الإنتاج.
  • قد تقاس إنتاجية العامل بقسمة الإنتاج الكلي على عدد العمال في النشاط (و بذلك ينسب الإنتاج كله إلى العمل!) .

الإنتاجية في الاقتصاد السعودي مثل أي اقتصاد آخر متوزعة بين القطاعين العام و الخاص و بين العامل السعودي و نظيره الوافد و بين إنتاج الخدمات و إنتاج السلع و بين الإنتاجيات القطاعية المختلفة ( الزراعية و الصناعية و التجارية و الصحية و التعليمية  و غيرها). واقعنا الاقتصادي يقول بأن:

  • إنتاجنا المادي ضعيف جدا.
  • معظم العمالة السعودية إما أنها في القطاع الحكومي الخدمي بطبعه و الموبوء أصلا بالبطالة المقنعة أو أنها عاطلة و معطلة (العمالة النسائية  معطلة نسبيا) .
  • العمالة في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية تعتمد على العمالة الوافدة.
  • لا توجد طبقة عاملة وطنية منتجة مع بعض الاستثناءات.
  • أن ناتجنا الوطني متضخم  بالإنتاج (الاستخراج !) النفطي و العائدات النفطية و لا يصلح إطلاقا لقياس متوسط الإنتاجية.
  • إن الطابع الريعي- الرعوي هو سبب و نتيجة لكل ذلك أو لجله على الأقل.
  • أن الدولة أنفقت الكثير على البنى التحتية و التقنيات مما كان يجب أن يرفع إنتاجية العامل السعودي.

القول بأن إنتاجية السعودي تعادل ساعة واحدة في تعميم مخل و خطأ منهجي و مفهومي حتى و إن قصرنا ذلك على العاملين في القطاع الحكومي و حتى هذا الإنتاجية لا تقاس بالزمن بل بما ينتج في الزمن المتوسط كمؤشر للإنتاجية خادعة جدا فكيف إذا كان ذلك مصحوبا بالتعميم! الأصح أن نقول أننا قد نستنتج أن الإنتاجية في الاقتصاد السعودي ضعيفة و ضعيفة جدا للأسباب التي ذكرتها سابقا و لأسباب أخرى، نحتاج إلى مشروع بحثي ممنهج لقياس و تقدير الإنتاجية في كل قطاع.

التعقيب الأول: د. عبدالسلام الوايل

إن موضوع قضيتنا، كما هو ملاحظ، اقتصادي بحت. وكثيرا ما تعودنا على طرقه إما من قبل الاقتصاديين أو باستخدام أدواتهم ومفاهيمهم. غير أني سأكتب تعقيبي منطلقا من تخصصي وما يفترض أني أجيده. لذا فإن هذا التعقيب سيكون من زاوية سوسيولوجية.

كثيرا ما تناول المختصون في علم الاجتماع قضية الإنتاجية. و تتركز النقاشات عادة على نوعية النظام الاقتصادي السائد في المجتمع و ما ينتج عنه من أخلاقيات و قيم عمل. و يشار عادة للمجتمعات العربية بوصفها مجتمعات ريعية. ولذا يشكل الريع و مفاهيمه قيمها الإنتاجية. و ليست الدول النفطية و حدها الريعية. فالدول التي تعتمد على السياحة مثلا هي ريعية أيضا، حيث تمثل آثار الغابرين مصدرا أساسيا للدخل.

الاقتصاد الريعي ينتج أخلاقاً ريعية في الإنتاج، حيث تدر الطبيعة، و ليس الإنتاج، عوائد عالية. بعبارة أخرى، في الاقتصاد الإنتاجي، الذي هو نقيض الاقتصاد الإنتاجية، يكون الاعتماد في المداخيل على ما ينتجه البشر من أعمال. فيما يكون الاعتماد في المداخيل بالنسبة للإنتاج الريعي على ما تنتجه الأرض. لذا، للاقتصاد الريعي أخلاقه المميزة له. سمة الأخلاق الريعية في جانبها الإنتاجي أنها إما غير متواصلة، موسمية مثلا، أو أن إنتاجيتها اليومية قليلة. لذا، فإن هناك قناعة أن الأفراد في الاقتصادات الريعية ذوي إنتاجية قليلة.

وفيما يخص مجتمعنا السعودي، فإنه يمكن إيراد شواهد تعضد هذه المقدمة النظرية و كذلك شواهد تناقضها. و فيما يشار إلى القطاع الحكومي باعتباره موئلاً للضعف الإنتاجي، فإن قطاع صناعة النفط و البتروكيماويات يشهدان على إنتاجية عالية للمواطن السعودي.

و من الواضح أن رؤية 2030 انطلقت من مسلمات شبيهة بما طرح أعلاه. و تأمل برفع إنتاجية الفرد من أجل رفع إنتاجية الاقتصاد و بالتالي الاعتماد على ما ينتجه الإنسان من عوائد، باعتبار أن العائد النفطي، الذي هو أساس رخاءنا، غير أمن و لا مستقر و أنه من الأفضل إيجاد موارد متأتية عن الإنتاجية.

سآخذ الصادرات غير النفطية كمؤشر على ضعف الطبيعة الإنتاجية للاقتصاد السعودي ككل. إذ تبين مراجعة الإحصاءات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسة النقد و هيئة الإحصاءات على مدار العقود الأربعة الماضية حقيقة واضحة تتمثل في تراجع نسبة مساهمة الصادرات غير النفطية من إجمالي الناتج المحلي في فترات ارتفاع أسعار النفط، حيث تكون في حدود 7 إلى 8% تقريباً. فيما ترتفع هذه النسبة في فترات انحسار أسعار النفط، في الربع الماضي قفزت مساهمة هذه الصادرات في الناتج المحلي إلى 11%.  و غالبا يعود ذلك لكل من تراجع واردات النفط، و بالتالي تراجع الناتج المحلي ذاته. و برغم أنه من غير الواضح مدى مساهمة الفرد السعودي في إنتاج هذه الصادرات، مقارنة بمساهمة العاملين الأجانب، فإن الأرقام بحد ذاتها مؤشر مقلق على الذي “ننتجه” و نقدر على تصديره. و تؤكد لغة الأرقام أكثر على حقيقة أن ما يرفع قيمة صادراتنا غير النفطية أو يخفضها هو سعر النفط. ففيما شكلت هذه الصادرات حوالي 14.5% من جملة الصادرات في السنوات الخمس بين 2010 و حتى 2014 (من ورقة عمل لأحمد البكر من مؤسسة النقد) فإن مساهمة هذه الصادرات ارتفعت إلى 18.5% من جملة الصادرات شهر سبتمبر الماضي (مصلحة الإحصاءات). هذه الأرقام توضح الحقيقة الشهيرة عن الطبيعة الريعية للاقتصاد.

إن مسوح القوى العاملة تعضد الحقائق أعلاه و تبينها. فبحسب إحصائيات هيئة الإحصاء عن القوى العاملة في الربع الثالث من هذه السنة يتضح أن 60% من هذه القوى تعمل في الأعمال الإدارية و الدفاع و الخدمات الاجتماعية و التعليم. كان حضور السعوديين ضعيفا في قطاعي التشييد و تجارة الجملة و التجزئة، وهي قطاعات تحتاج إنتاجية عالية، مقابل كون هذين القطاعين هما المستقطب الأعلى لشغل القوى العاملة غير السعودية، حيث احتلا 46% من نسبة اشتغال غير السعوديين. و مع التوجه لتشجيع الشباب على خوض مجال ريادة الأعمال، باعتباره المنشط الواعد لتوظيف هؤلاء الشبان بدلا من القطاع الحكومي، فإنه يمكن النظر مستقبلا إلى قطاع مثل تجارة الجملة و التجزئة، مثلاً، عبر المؤسسات الصغيرة و المتوسطة، ليكون مؤشراً معقولاً على مدى تزايد إنتاجية المواطن في النشاط الاقتصادي. سننتظر و نرى.

التعقيب الثاني: أ. خالد الوابل

السؤال هو كيف نتحول من مجتمع مستهلك إلى مجتمع منتج؟

هذه تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى ولكن قبلها لابد أن نعترف أن لدينا مشكلة في الإنتاجية وسببها المكون الرئيسي في هذا الموضوع هو العنصر البشري. وأعتقد هذه لها علاقة بتشريعات الدولة، خصوصا ما يتعلق بسهولة الاستيراد، وكذلك سهولة استقدام اليد العاملة، وفتح باب الاستيراد على مصرعيها يقتل الصناعة المحلية، وفتح باب الاستقدام يقضي على فرصة إنتاجية المواطن وحصوله على الفرصة. المواطن وإنتاجيته أصبحت موضوع للتساؤل بعد الطفرة الأولى في منتصف السبعينات وبداية الثمانينات. وهذا يعزز ما ذكرته في موضوع الاستقدام والاستيراد.

لذا ما نحتاجه هو وجود اتحادات عمالية تسعى للحفاظ على مصلحة أعضاءها ويقابله في الجانب الآخر تشجيع حكومي لهذه الاتحادات على هيئة تخفيضات وبدلات حتى يكون لدينا طبقة عمالية مقبولة اجتماعيا واقتصادياً؛ وإن كان اقتصادنا ريعي من جهة الدولة ففي المقابل تجد معظم نشاط القطاع الخاص “اذا استثنينا البنوك وشركات الدولة” يتمحور حول العقار “أراضي بيضاء” ووكالات تجارية وهذه لا تقدم للإنتاجية قيمة مضافة.

المداخلات حول القضية:

  • واقع ومعوقات الإنتاجية في الاقتصاد السعودي

أشار د. خالد الرديعان في مداخلته إلى أن الاقتصاد والرأسمالية عموما لا يزدهران في بيئة لا تشجع على الإنتاج والنزعة أو المبادرة الفردية. الأخيرة ليست ضمن سمات المجتمع العربي عموما؛ فلكي يتقدم الإنتاج فإن هناك شروط اجتماعية وفردية لهذا التقدم. يأتي على رأس الشروط الاجتماعية طبيعة النظام الاجتماعي ومدى ما يمنحه من حرية على كافة الصعد. وهذا لن يتأتى في ظل الدول الريعية عادة بل في المجتمعات التي تتنوع فيها وسائل الإنتاج وتكون فيها الملكية للأفراد والشركات وليس ملكية الدولة كما في حالة دول النفط. لماذا مثلا تقدمت كوريا الجنوبية ؟ لأن لديها تنوع في الإنتاج ولأن الدولة لا تسيطر على عملية الإنتاج تماما ولا تمتلك جميع وسائل الإنتاج، في حين أن كوريا الشمالية تخلفت كثيرا بسبب تطبيقها للتأميم والنظام الاشتراكي الذي يقتل الحافز عند الأفراد في ظل غياب الملكية الفردية بمعناها الواسع.

بكلمة أخرى نمو الرأسمالية والتي قوامها الإنتاج الكبير mass production تتطلب نظاما اجتماعيا مرنا يؤمن بالحريات على كل الصُعد سياسيا واقتصاديا وثقافيا. نظرية “دعه يمر دعه يعمل” هي حجر الزاوية في الموضوع. الأمارات نجحت نجاح منقطع النظير في هذا الباب مقارنة بدول الخليج الأخرى التي تكبل اقتصادياتها بيروقراطية حكومية إضافة إلى استشراء الفساد وغياب المحاسبة والشفافية.

على المستوى الفردي تستلزم عملية الإنتاج قيم ومعايير اجتماعية محفزة على المنافسة والفردانية وهي أمور يفتقرها مجتمعنا لكونه “مجتمع كلي” egalitarian حيث المبادرات الفردية ليست ضمن القيم الفردية.. هناك شذوذ عن هذه القاعدة بالطبع لكن في العموم الأفراد يموت لديهم الحافر الفردي بسبب معوقات ثقافية واجتماعية تحد من انطلاقهم ومبادراتهم.

لن أتحدث عن “ثقافة العيب” في العمل فقد أشبعناها بحثا ولكني أشير إلى مشكلة رجال الأعمال الذين يبحثون عن العمالة الرخيصة ومن ثم ضغوطهم على الحكومة لجلب عمالة وافدة مما فاقم من مشكلة البطالة في مجتمعنا. أيضا فتوجههم نحو الأنشطة غير الإنتاجية (التجارة والتوزيع مثلا) وتغييب التصنيع فإن هذا خلق عند الجمهور اعتمادا متناميا على الحكومة مما كرّس ريعية اقتصادها وأنها هي من يعتني بأفرادها في جميع الظروف. بذات الوقت القيم الاجتماعية تدفع الأفراد للنظر إلى الحكومة بهذه الطريقة وأنها هي كل شيء. أشار البعض كذلك إلى عدم تبلور طبقة عاملة working class بالمعنى المتعارف عليه.  تبلور طبقة عاملة سيولد لديها وعي طبقي بأهمية دورها؛ ما يستلزم إحداث تغييرات سياسية وظهور نقابات واتحادات عمالية وهذا شرط غير متحقق لطبيعة نظامنا الاجتماعي التقليدي.

وبدوره قال د. ناصر القعود: إن الموضوع واسع ومتعدد الجوانب؛ فهل يركز على إنتاجية الاقتصاد السعودي بشكل كلي أم على إنتاجية كل قطاع أم على إنتاجية العامل سعوديا كان أو وافداً . وقد أحسن د. سعد صنعا عندما أكد على صعوبة قياس الإنتاجية في الاقتصاد الكلي لاسيما مع وجود خلافات نظرية في مفهوم الناتج الكلي وهل يتضمن ناتج الموارد الناضبة وهل يضاف إليه إنتاج القطاع العائلي . ولسنا في حاجة لتأكيد تأثير القطاع النفطي السلبي على إنتاجية وتنافسية القطاعات الإنتاجية الأخرى أو ما يعرف بالمرض الهولندي . ومع صعوبة قياس الإنتاجية فإنه يمكن دراسة تغير الإنتاجية في قطاع معين أو إنتاجية العامل في قطاع معين عبر الزمن لتغير العوامل الأخرى لا سيما عامل التقنية والتدريب المناسب وبث أخلاقيات العمل وإضافة الحوافز اللازمة . وَمِمَّا هو جدير بالإشارة أن مساهمة قطاع الخدمات في الاقتصادات المتقدمة يفوق بكثير مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج القومي، مما يتطلب التركيز عليها في الاقتصاد السعودي لاسيما أن النجاح في القطاعات الإنتاجية يتطلب توفر مزايا نسبية للقدرة على المنافسة العالمية ، الأمر الذي يفسر أن الصناعات المعتمدة على النفط ومنتجاته تشكل غالبية صادرات القطاع الصناعي السعودي .

وأوضح م. خالد العثمان أنه يختلف بعض الشيء مع ما ذكره د. عبد السلام؛ فصحيح أن الأنشطة الرعوية ليست من إنتاج البشر كما هو الحال في الثروات الطبيعية والمعالم السياحية.. لكن إدارتها وتشغيلها وتوظيف مكتسباتها ليس منتجا رعويا بل هو منتج عمل بشري بامتياز .. المعالم السياحية لا تحقق عائدا إن لم تنشأ حولها صناعة لإدارتها وخدمة زوارها وإسكانهم وإطعامهم وتثقيفهم والترفيه عنهم وغير ذلك مما يقع في إطار الخدمة السياحية .. الأمر نفسه ينجر على كل القطاعات التي وصفها د. عبد السلام بالرعوية فهي لا تحقق عائدا إنتاجيا بذاتها دون جهد بشري.

ومن جانبه قال أ. خالد الحارثي: أعتقد أن خيارات صياغة نموذج العمل وأدوات الرقابة والمحاسبة تحدد إلى شكل كبير ظاهرة الإنتاجية والأداء ، كما يؤثر فيها بشكل كبير مستوى احتساب الإنسان  كمحور ومحرك للإنتاجية.

يدعوني فقدان التكامل بين قطاعات العمل وبين المجتمع إلى تسليط الضوء على هذه الصِّلة ، تحت العنوان “تكامل الإنتاجية في الاقتصاد السعودي بين الحكومة والمجتمع “

في تصوري أن استمرار الدولة في إنشاء مشاريع كبرى في البنية التحتية والصناعية ودعم التشريعات التي تنحاز دون التباس إلى الإنتاجية والابتكار والإبداع ، والإنسان السعودي ، وتطوير برامج الحوافز (الاستراتيجية) للمشاركة الأهلية والمجتمعية في العملية الإنتاجية ككل هو السبيل الذي يعزز ويرفع ويصنف الإنتاجية في الاقتصاد السعودي.

بعد زيارة الملك سلمان للمنطقة وتدشين عدد كبير من مشروعات الطاقة والصناعات البترولية تأتي مسئولية كبرى على وزارة العمل لبناء جسور بين الوظائف التي تخلقها هذه المشروعات وبين الشباب السعودي ، حيث يمثل عنصر توطين الوظائف أهمية كبيرة في تنمية الإنتاجية والتأثير الإيجابي في الناتج القومي الإجمالي ودعم ميزان المدفوعات.

كما تتولى الوزارة أيضا التنمية الاجتماعية التي لا تزال مشلولة وتشكل مأزق للتنمية ، وأعتقد أن توليها إدارة الضمان الاجتماعي هو سبب تعطلها وشللها ، والتوقيت مناسب جدا ليستقل الضمان الاجتماعي عن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وتقوم الوزارة بالتركيز على دمج التنمية الاجتماعية والأنشطة الاجتماعية وتأسيس المنصات الوطنية الكبرى من التعاونيات (حوافز استراتيجية) والجمعيات الأهلية الشراكات مع وزارة البلدية لتطوير مراكز الأحياء وتكثيفها وتكثيف أنشطتها .

المجتمع السعودي يحمل إرث كبير من الإنجازات في تاريخ البشرية ، واختلاف شكل قياس الإنتاجية من مجتمع ريعي إلى مجتمع معرفي في نظري هو تحدي معرفي وتشويش في وعي الحاضر ، ويتطلب تمكين هذا الوعي عزم في الانحياز له لتتبناه شرائح المجتمع وتؤمن به.

أعتقد أن بناء منظومة تحسين الإنتاجية يعبر إليها عن طريق مثلث التشريعات والحوافز والمشاركة المجتمعية.

وفي تصور د. حميد المزروع فإننا نحتاج أن نميز ما بين  التجارة وطرق تسويقها وبين الإنتاج الفعلي الذي يتطلب تحويل مواد خام ( مدخلات ) يتم تحويلها إلى منتجات ذات استخدام معين .

والجمعيات التعاونية كمثال في تقديره لا تختلف كثيرا عن مفهوم الاقتصاد التكافلي بين أفراد المجتمع ، في حين أن الإنتاج يتطلب التحويل والتطوير المستمر لإبقاء المنتج في وضع تنافسي .

وركز د. خالد بن دهيش مداخلته حول تدني إنتاجية الموظف السعودي في القطاع الحكومي ، وقال فيها: “لقد كثر الحديث عن هذا التدني حتى أن الوزير المسئول عن كل ما يتعلق بالموظف السعودي بالقطاع الحكومي أكد و نشر معلومة غير دقيقة عن إنتاجية الموظف الحكومي تتضمن أن إنتاجيته في اليوم في حدود ساعة واحدة من سبع ساعات !!! بالرغم من أن وزارته هي المسؤول الأول عن أسباب هذا التدني في الإنتاجية .

لا أقول أن إنتاجية الموظف الحكومي غير متدنية ، و لكن أقول أن تدني إنتاجية الموظف هي ضحيه مجموعة من العوامل الاقتصادية و التنظيمية و الاجتماعية أدت إلى تدني الإنتاجية لدى نسبة كبيرة من الموظفين الحكوميين خاصة من هم في المستويات المتوسطة و الأقل ، و من أهم هذه العوامل تدني سلم الرواتب لهذه الفئة فهو عامل أدى إلى تدني إنتاجيتهم ، كما أن تدني المستوى التعليمي ( امتلاكهم للمعرفة على حساب المهارات ) و قلة الخبرة و فرص التدريب ، و من العوامل المهمة للتدني عدم التساوي في الأجر بغض النظر عن مدى امتلاكهم للمهارات و القدرات المطلوبة ، فهناك تساوي بين الأعمال التي تتطلب جهداَ بدنياَ مع الأعمال التي تتطلب جهداَ معرفياَ ، فكل خريج جامعي يعين على المرتبة السادسة أو السابعة فيتساوون في المرتب ، ناهيك عن افتقادهم الاهتمام بتطبيق التخطيط الوظيفي ( Career Path) في القطاع الحكومي مقارنة بتطبيقه بالقطاع الخاص مثل البنوك في تطبيقها التخطيط الوظيفي بشكل رائع . فالموظف الحكومي يمضي ردحاَ من الزمن وهو يؤدي نفس العمل الروتيني الممل ، فكان الأجدر على هذا الوزير أن يعمل على كل ما يزيد من إنتاجية الموظف و يكون دقيق في صفه و أن لا يفخر بأنه يعمل على خفض مرتب الموظف و سحب المزايا التشجيعية  و التحفيزية منهم بل  يساعدهم على زيادة الإنتاجية”.

وأوضح م. أسامة كردي أنه و فيما يخص القطاع الخاص السعودي ، فإن إنتاجيته مرتفعة جداً بالمقارنة مع نظرائه في منطقتنا بل و بالمقارنة مع الكثير من نظرائه في الدول صاحبة الخبرة الطويلة في دخول القطاع الخاص للمجال الاقتصادي … و حسب معرفته بالإنتاجية الاقتصادية ، فهي تكاد تكون حصرياً إنتاجية الموظف و نوعية منتجاته ، و في بعض الأحيان لأسباب محددة تدخل إنتاجية رأس المال في الحسبان .. و على الرغم من وجود العديد من مراكز الإنتاجية حول العالم ، إلا أنه لا يوجد مثل هذا المركز في المملكة على الرغم من محاولات القطاع الخاص إنشاءه بتمويل منه أو من الحكومة .. و بالعودة إلى تعريف الإنتاجية فهي فيما يخص العامل تتعلق بعلمه و تدريبه و تنظيم وقته في العمل لإنتاج وحدات العمل المتوقعة منه ، كما تتعلق بمناخ عمله المباشر و غير المباشر ( الراتب و المميزات ) .. و فيما يخص المنتج ، تختص الإنتاجية بدراسة نوعية المنتج و تطابقه مع المواصفات المطلوبة و سعره و تكاليفه و إمكانيات تطويره و مدى وصوله إلى الأسواق بكميات تتناسب مع الحاجة لها فيك كل سوق .. و جميع هذه العوامل تتطلب إنشاء مراكز تنمية و تطوير الإنتاجية.

وذكر د. علي الحارثي أن الإنتاجية مدخلات ومخرجات . المدخلات مواد وموارد متعددة أهمها المورد البشري ، والمخرجات هي ناتج العملية الديناميكية للموارد والمواد . زيادة أو نقص الإنتاجية في أي مجتمع نامي أو متطور في اعتقادي مرتبطة بمجمل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، حتى وإن توفرت العناصر الثلاثة التي أشار لها د. سعد ( العمل الإنساني ،، ورأس المال ،، وتقنيات الإنتاج ). فإذا لم يقم في الدولة صناعات عصريه وتجهيزات وآليات حديثة وما يلزمها من تقنيات متطورة ، وتسهيل إجراءات عمل وانفتاح سياسي للنقابات ، وتوفير خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية وترفيهية ، وتدريب متميز ،وكفاءة تشغيلية تخدم العلاقة بين المدخلات والمخرجات ، لتخفيض كلفة الإنتاج وتخفيض الأسعار وساعات العمل ، فستكون النتيجة الفشل . العنصر الأهم في العملية هو الإنسان أولاً. المواطن هو المعوًل عليه في قياس الإنتاجية ، لأن العامل الأجنبي مؤقت ومتحول في أي لحظه، لأن كثير من الخبراء يؤمن بأن دراسة الإنتاجية هي دراسة لجودة الموارد البشرية بصفته رأس المال الاجتماعي ذو المقدرة والمهارة الإدارية والفنية والتنظيمية الذي يستطيع تحقيق إنتاجية عالية وبكفاءة متميزة . فأيننا من ذلك ؟ دول كثيره ليس لديها ثروات طبيعية البته ولكنها في مقدمة الدول رخاءً وقوة اقتصادية وتصدير وجوده نوعيه وكفاءة عالية نتيجةً لبناء الإنسان الفكري والعملي والمهاري والمعرفي .

  • توصيات لرفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد السعودي

ذكر د. سعد الشهراني أنه و من أجل رفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد السعودي ، نحتاج إلى:

  • إعادة بناء الطبقة العاملة الوطنية.
  • إعادة هيكلة القطاع الصناعي و تطويره لينتج منتجات حديثة يمكن أن ننافس بها في الأسواق العالمية.
  • إلزام القطاع الإنتاجي الخاص بميزانيات سنوية للبحث و التطوير من أجل ضمان استمرار تطوير منتجات جديدة أو المنتجات الحالية فكثير من المنتجات يتقادم عليها العصر و التقنيات و تموت (دورة حياة المنتج).
  • الاستمرار في تطوير قطاعات الخدمات خصوصا المولدة للفرص الوظيفية الجاذبة للعمالة السعودية ( السياحة و السفر و النقل و خدمات التعليم و الصحة و الغذاء و البناء و تجارة التجزئة و غيرها ).

وأشار م. خالد العثمان إلى أنه وبصدد الحديث عن تحفيز الإنتاجية لدى العامل وخاصة منسوبي القطاع الحكومي تبرز فكرة التحفيز ومبدأ الثواب والعقاب .. إذا كان كل الموظفين الحكوميين يحكمهم كادر وظيفي قائم على مراتب ودرجات لا تميز بين إنتاجية شخص وآخر فما الذي يحفز الموظفين للتنافس على الإنتاجية ؟ هذا النظام يخلق حالة من الكسل والتبلد والتواكل حيث الجميع يحصلون على عوائد متساوية بغض النظر عن تفاوت معدلات الإنتاجية بينهم. كذلك فإن تنمية الشعور بالمسئولية الوطنية ووحدة الهدف والمصير وأهمية دور كل فرد مهما كان صغيرا وتنمية روح العمل الجماعي والتكاملي كل هذه عوامل مهمة لرفع إنتاجية العاملين.

ويرى أ. سمير خميس: أنه لرفع إنتاجية الموظف السعودي في القطاعين الحكومي والخاص من الممكن الاستعانة بالمصطلح الذي نقله لنا الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله المتمثل في “الجماعات الوظيفية”.. فالمسيري يصف يهود أوربا بالجماعات الوظيفية التي كانت تستأثر بالأعمال التي كانت تأنف منها مجتمعات أوربا المسيحية.. لو أسقطنا هذا المصطلح على واقعنا لوجدنا كثيراً من السعوديين يأنفون العمل في الكثير من الأعمال لاعتبارات اجتماعية في الغالب.. وبما أننا مهوى لكثير من أفئدة الناس فقد حبانا الله بالكثير من الثقافات المختلفة لأمم اختارت العيش بين ظهرانينا، فلو استغللنا وجودهم ونظمنا وضعهم المعيشي ومنحناهم الجنسية السعودية لأصبح الكثير من هذه الأعمال يشغلها أناس ولدوا وعاشوا وتشربوا قيم هذا الوطن الكبير عوضاً عن جحافل المستقدمين والمستقدمات ثم لا تلبث هذه الوظائف التي يأنف منها السعوديون أن تتحول قبلة لهم ووسيلة مناسبة لتأمين العيش الكريم الأمر الذي من شأنه خلق المنافسة المأمولة التي تزيد من إنتاجية المواطن في القطاعين الحكومي والخاص تماماً مثلما حدث في أوربا عندما أصبحت الصدارة للأعمال التي كان يأنفون منها سابقاً.

وترى د. نوف الغامدي أنه لابد من تحفيز القطاع الخاص لدعم إنتاجية الاقتصاد السعودي؛ وذلك لدوره المهم والمحوري في تغير النظام الاقتصادي ليكون قاطرة للنمو والاستقرار الاقتصادي في السعودية بدلا من الإدمان المزمن على المورد النفطي. ولابد من التمهيد إلى تحول سلس نحو القطاع الخاص والتصفية التدريجية لمنشآت القطاع العام من دون الإضرار بالقوى العاملة فيه عبر زجهم في مشاريع متوسطة وصغيرة تلقى الدعم الحكومي. هناك برامج طرحت إلا أن معظم هذه البرامج بقيت حبرا على ورق نظرا لعدم واقعيتها كونها كانت وصفات جاهزة للتحول نحو القطاع الخاص بعيدة عن الواقع الاقتصادي في السعودية ومتطلباته.

١- القطاع الخاص ودوره المأمول

إن تعزيز دور القطاع الخاص وتحفيزه على أخذ دوره الريادي يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد الوطني وفك الاختناق المالي الذي نعاني منه من خلال ما يلي:

  • استيعاب عدد كبير من الأيدي العاملة وبشتى الأعمار والمهارات نظرًا لتوفر فرص عمل متنوعة في شتى قطاعات الاقتصادية تتناسب مع معظم المهارات المتوفرة، وبذلك يرفع القطاع الخاص عن كاهل الحكومة مسؤولية توفير فرص عمل لجميع الباحثين عنها.
  • ارتباطاً بالنقطة السابقة، يؤدي امتصاص البطالة عبر فرص العمل التي يقدمها القطاع الخاص إلى تحقيق دخول للعاملين تتحول إلى طلب فعال قادر على تحفيز النشاط الاقتصادي بدلا من ارتباط القطاع الخاص بالإنفاق الحكومي والمرتبط أساسا بالتقلبات في سعر النفط.
  • بيع الشركات والمنشئات الحكومية غير القادرة على الإنتاج، أو إتباع منهج المشاركة مع القطاع الخاص، سيوفر للحكومة موارد مالية جيدة نظراً لتوقف الدعم السنوي المقدم لهذه الشركات لأجل ممارسة أعمالها من جهة، والحصول على مبالغ كبيرة مقابل بيع هذه الشركات من جهة أخرى ( الخصخصة ).
  • نهضة القطاع الخاص واضطلاعه بمهمة توفير السلع والخدمات في البلد، مع حماية جمركية من قبل الحكومة، سيوفر جبهة عريضة من السلع المحلية تحد من نزيف العملة الأجنبية بسبب الاستيراد المذهل من جهة وتحقق الأمن الغذائي للبلد من جهة أخرى.
  • استحواذ القطاع الخاص على جزء أكبر من عملية الإنتاج على حساب تقليص دور الدولة سيزيد من كفاءة استعمال الموارد الاقتصادية.
  • بفعل التشابكات القطاعية فإن نهضة القطاع الخاص (الصناعي تحديدا) سيحفز بدوره كلا من القطاع الزراعي والتجاري والخدمي وغيرها من القطاعات الاقتصادية.

٢- تحديات انطلاق القطاع الخاص

إن القطاع الخاص يعاني من مجموعة من المشكلات والعوائق التي تحول دون تطوره بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر:

  • تدهور الوضع الأمني وعدم الاستقرار السياسي في العالم والوطن العربي تحديداً.
  • الافتقار إلى سياسات واستراتيجيات تدعم القطاع الخاص وتقادم وتعقيد الإطارين القانوني والتنظيمي اللذين صمما لاقتصاد مخطط مركزياً.
  • عدم كفاية مصادر التمويل المتاحة وطول المدة اللازمة للحصول على قروض استثمارية.
  • انهيار البنية التحتية المادية وعدم كفاية إمدادات الطاقة والمياه.
  • شحة الموارد البشرية المؤهلة لاسيما العمالة الماهرة.
  • سوء إدارة الملف الاقتصادي من لدن صناع القرار.
  • الاستيراد المنفلت وعدم قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
  • تعقيد الحلقات البيروقراطية وتفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري.

٣- القطاع الخاص وسياسات التحفيز المطلوبة

بدأت الدولة في دعم هذا القطاع من خلال مبادرات 2020 وذلك من خلال إطلاق مبادرة جديدة لتطوير القطاع الخاص في سياق المنهاج الحكومي للإصلاح الاقتصادي. مع ذلك، يشار إلى إخفاق عدد كبير من البرامج الحكومية التي نُفذت خلال العقد المنصرم لدعم القطاع الخاص وتذليل عقبات انطلاقه، لأنها كانت مجزأة ولا تندرج ضمن استراتيجية مترابطة أو خطة تتضمن إجراءات متعاقبة يمكن أن تستعملها الحكومة في معالجة المشكلات التي تعرقل ظهور قطاع خاص فاعل. إن تطوير مكانة وأداء القطاع الخاص يعتبر قضية جوهرية يتوجب أن ترتكز عليها السياسات الاقتصادية من خلال تبني استراتيجية مثلى لتطوير القطاع الخاص تعكس الفهم الصحيح والتصور الواضح لآليات وسبل تفعيل دوره في النشاط الاقتصادي، لذا ينبغي على الحكومة إطلاق حزمة من السياسات والإجراءات المناسبة لتحفيز وتعزيز هذا القطاع في المرحلة الراهنة لعل أبرزها:

  • البدء بحوار بين الحكومة والقطاع الخاص، حيث تتشاور الحكومة (مجلس الوزراء أو من خلال مجلس الاقتصاد والتنمية) مع القطاع الخاص عند وضع سياسات أو قوانين أو أنظمة أو تعليمات من خلال لقاءات وندوات مشتركة لمراجعة وتبسيط الإطار القانوني والتنظيمي المتعلق بنشاط القطاع الخاص تذليل العراقيل التي تعوق انطلاقه وحقيقة نستحدث الآن برنامج خاص في هذا المحور تحت مسمى ( نقطة تحول ) لدعم هذا التوجه .
  • توفير التمويل الكافي للقطاع الخاص عبر إصدار قوانين جديدة وإزالة التعقيدات الروتينية وتحسين فرص هذا القطاع في الحصول على تمويل ملائم يتناسب والفرص الاستثمارية، والعمل على استحداث آليات تمويل جديدة تكون متاحة لمعظم الشركات والمؤسسات الخاصة، لاسيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
  • ضرورة توفير مناخ ملائم ومحفز يساعد على تنشيط القطاع الخاص من خلال توفير البنية التحتية المطلوبة والحماية الأمنية للمشروعات والمؤسسات العاملة .
  • تبني برامج متقدمة للتدريب والتأهيل تساهم في تمكين قوة العمل السعودية ورفع مستوى مهارتها بحيث تكون هذه البرامج متجانسة ومتناغمة مع متطلبات سوق العمل السعودي، لأجل رفد القطاع الخاص بأيد عاملة متنوعة المهارات تتلاءم واحتياجات السوق.
  • العمل على تسهيل إجراءات منح تصاريح الاستثمار وتخصيص الأراضي المطلوبة للمشروعات الاستثمارية ومنح حماية جمركية من السلع المماثلة لأجل تمكين القطاع الخاص من النفاذ إلى الأسواق المحلية ومنافسة المنتج الأجنبي والاستحواذ على الأسواق المحلية وتطبيق سياسة إحلال الواردات .
  • إحداث شراكة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق التكامل في النشاط الاقتصادي وبما يخدم كلا القطاعين، ويؤسس لنمو ديناميكي للقطاع الخاص يمكنه من الحصول على فرص أفضل لتوسيع نشاطه ومن ثم تعزيز مكانته وأدائه بما يعود بالفائدة على النشاط الاقتصادي ككل.
  • إيجاد سوق تنافسي واجتماعي بعيد عن الاحتكار، من خلال سن قوانين تؤطر عمل الأسواق المحلية وتزيد من كفاءتها في تخصيص الموارد.

وعلق أ. مطشر المرشد على ما طرحته د. نوف ، بأن التركيز على توسيع قاعدة الصناعات الصغيرة والمتوسطة وفي مجالات متنوعة سوف يحدث نقلة نوعية بما يخص إنتاجية الاقتصاد الوطني والتقدم في اتجاه رفع مستوى إنتاجية الفرد  ..  إلا أنه وفي الوضع الحالي للقطاع الخاص لا يتفق مع الرأي بأن هذا القطاع أصبح قادرًا على التحليق وحده ، فقطاعنا الخاص للأسف أصبح يتكل وبشكل مفرط على الدعم والإنفاق الحكومي ، أي أصبح مثله مثل أطياف المجتمع “رعوي ” وينتظر الفرصة المواتية للانقضاض نحو الاستحواذ على قطاعات قامت الدولة بتجهيزها وصرفت المليارات لكي تصبح تلك الأصول مربحة. وفي اعتقاده نحن يجب أن نعود لنقطة انطلاق  وليس من أين انتهى الآخرين ، أي أننا يجب أن نضع الأنظمة والتشريعات ونختار استراتيجية واضحه للإنفاق الحكومي وكل هذه الإجراءات يجب أن تكون محفزة على الإنتاجية.

وأضاف د. سعد الشهراني أن إنتاجية الموظف العام موضوع و مكون مهم من الإنتاجية في الاقتصاد بالرغم من أنه أمر ميؤوس منه عندنا في نظر البعض! للقيادات الإدارية الأثر البالغ في رفع مستوى إنتاجية الأجهزة الحكومية و إنتاجية الموظف العام ؛ وليت أن اختيار هذه القيادات يعتمد على سيرة المرشحين و تجاربهم الناجحة في الإدارة ، و ليت أنه يطلب منهم عند التكليف التقدم بخطة لرفع الإنتاجية و تحسين بيئة العمل ( بما في ذلك العلاقات الإنسانية ) و تقديم تقرير بمدى نجاحه في تطبيقها بعد سنة ( مثلا ) من التكليف. ومن المهم كذلك إيلاء الاهتمام الكافي بإنتاجية الموظف لعدة أسباب منها أن هناك قبولا لفرضية أن إنتاجية الموظفين العامين أقل من إنتاجية العاملين في القطاع الخاص في جميع دول العالم على اختلاف الأنظمة السياسية  و الاجتماعية و دليل ذلك أيضا أن أحد أهم أسباب انهيار النظم الشيوعية و الاشتراكية هو انخفاض إنتاجية العمال و ضعف تحفيزهم و سلب إرادتهم في التملك و التفرد.  في المملكة ليس هناك رابط بين إنتاجية الموظف العام وأجره بل قد يكون بعض الموظفين عبئا على الإنتاجية العامة للجهاز الذي يعمل فيه فهو مكلف من زاويتين:

  • يأخذ راتبا.
  • يؤثر سلبا على إنتاجية زملاءه.

و أمور أخرى تجعل إنتاجية معظم موظفي الدولة منخفضة جداً.

كيف نرفع إنتاجية الموظف العام؟

     يمكن زيادة إنتاجية الموظف العام بعدة طر ق تقليدية و معروفين أهمها:

  • التدريب الفعال خصوصا التدريب على رأس العمل.
  • تفعيل الرقابة على الأداء بكل أنواعها.
  • تطبيق نظام الفصل لمن لا يؤدي واجباته الوظيفية و يلتزم بأخلاقي و ضوابط العمل و ساعاته Shape up or ship out
  • القضاء على البطالة المقنعة في أجهزة الدولة أي التخلص من العمالة الزائدة التي لن يؤثر إطلاقا على الخدمة كما و كيفا.
  • التوصيف الكامل و الدقيق للواجبات الوظيفية اليومية لكل موظف بما في ذلك حجم العمل المطلوب إنجازه ( عدد المعاملات المنجزة أو عدد الخدمات المقدمة مثلا ).

نعرف أن بعض هذه السياسات صعبة الاعتماد و التنفيذ سياسيا و اجتماعيا و لكن هذا ما يجب أن يكون أما ما يمكن فهذا أمر آخر.

ويرى د. خالد الرديعان أن تحفيز إنتاج القطاع الخاص قد يستوجب النظر بنظام العمل برمته كساعات العمل والتأمين بعد التقاعد ونظام الحوافز فيما يخص الموظفين. أما على المستوى الأعلى فيفترض وجود خطة واضحة لما نريد وما هو الإنتاج المطلوب وأن يتم تشجيعه بعدة وسائل. نحتاج كذلك إلى رفع وعي المواطن بأهمية ما يقوم به في العملية الاقتصادية وأنه ليس مجرد عامل أو موظف بل شريك. وقد تكون فكرة التعاونيات أحد الحلول لبعض القطاعات الإنتاجية. وأشار د. الرديعان إلى ما نشرته صحيفة البيان حول أسباب نجاح التجربة الإماراتية الاقتصادية وقدرتها على الإنتاج وزيادته. حيث جاء أن الاعتماد على النفط يشكل فقط ٥٪‏ وهي نسبة ضئيلة كما يتضح. وأدناه ملخص لأهم الأسباب التي أسست لنجاح الإمارات:

  • اللامركزية فالإمارات دولة اتحادية وهذه اللامركزية خلصتها من البيروقراطية المعيقة.
  • تأصيل ثقافة التسامح وقدرة الإمارات على استيعاب الآخرين إذا يعيش على أرضها ٢٠٠ جنسية.
  • القدرة على جذب السياح الذين يشكل وجودهم دخلا لا يستهان به في الناتج القومي للإمارات.
  • الاستقرار الأمني للدولة.
  • ضمان الحريات الفردية والحرية للشركات والمستثمرين الأجانب.
  • توفير بيئة مناسبة للمبدعين والمطورين وأصحاب المواهب.
  • وجود بنية تحتية تشمل المرافق والطرق والمطارات الخ..
  • التشريعات المرنة والسريعة.

العوامل أعلاه ساعدت كثيرا في تقدم الإمارات اقتصاديا.. وبالتالي زيادة إنتاجية اقتصادها بمختلف جوانبه. وأضاف د. الرديعان أنه قد لفت انتباهه كثيرا فكرة اللامركزية في الإمارات فهي عامل مساعد في تحسن اقتصادها؛ فلو طبقت هذه الفكرة على مناطق المملكة على الأقل جزئيا وفي بعض المناشط الاقتصادية فإن ذلك قد تكون له آثار إيجابية على الاقتصاد عموما. لو طبقنا اللامركزية فسننجح لتباين مناطق المملكة ثقافيا واجتماعيا. وذلك بإعطاء المناطق صلاحيات واسعة.. طبعا للموضوع محاذير سياسية لا تغيب عن البال لكنه حل مناسب.

ويعتقد د. عبد الله بن صالح الحمود أن دعم المناطق في السعودية كل على حدة ، ومنح فرصة الاختيار والخيار الواسع، سوف يظهر لنا نتاج اقتصادي متعدد الأوجه.  ومعروف عالميا أن كل منطقة ومحافظة ومركز وريف ، كل منهم وحسب الطبيعة البيئية ، فضلا عن ثقافة كل مجتمع صغير هنا وهناك ، لكل منهم الإرث الذي من خلال يمكن الإبداع بمنتجات تعطي التنوع والتنافس بين بيئة وأخرى.

ومن جديد أكدت د. نوف الغامدي أنه لابد لشركات القطاع الخاص أن تعمل على تعزيز بعض الجوانب مثل الإدارة المثلى للموارد وخفض النفقات وتحقيق الإيرادات. كذلك فإن الإدارة الفاعلة للموارد الحالية مع خفض النفقات ومن خلال التخطيط المناسب سيؤدي إلى خفض في الإنتاجية والاستدامة . لذا يجب على القطاع الخاص أن ينهض ويساهم في تلبية احتياجات الاقتصاد الذي يعاني من ظروف صعبة من خلال تعزيز جوانب معينة مثل الابتكار وتطوير الأداء والإنتاجية. يجب على القطاع الخاص أن يضع حداً للإهدار المتكرر في الأصول وهو الأمر الذي كان سائدا في دول الخليج العربي بشكل عام والسعودية بشكل خاص خلال فترات ارتفاع أسعار النفط. يجب العمل أيضا على خفض كلفة الإنتاج. إن بقاء الكثير من الشركات في السوق يعتمد على قيامها بخفض نفقاتها وإعادة هيكلة النشاط.

وفي نفس الإطار، يمكن لعملية اللامركزية الاقتصادية أن تبدأ عبر خلق مناطق حرة لتشجيع الحركة التجارية وإلزام بعض القطاعات المنتجة كقطاع الطاقة، المياه، النقل والأشغال وغيرها من القطاعات، وبمساهمة فاعلة مع البلديات بالشراكة مع القطاع الخاص أو الـ B.O.T.(Build-Operate-Transfer). أما من الناحية الإستراتيجية، فان عملية الانتقال من النظام الاقتصادي المركزي إلى النظام الاقتصادي اللامركزي تبدأ عبر عملية تحوير للاقتصاد وتحويله من اقتصاد خدماتي إلى اقتصاد إنتاجي، يكون عموده الفقري مرتكزاً على مبدأ زيادة الصادرات.  ولكن هذه العملية بحاجة إلى تفعيل الإنتاج ووضع محددات ضمن القطاعات الخدماتية-الصناعية والزراعية، مع الأخذ في الاعتبار تجنب حصول أي نوع من التنافس السلبي، أي المنافسة القائمة على عنصر الأسعار والخدمات والمنتجات المماثلة من المناطق الأخرى، والتركيز على مفهوم ما يعرف بالميزة التفاضلية Comparative Advantage تعمل السلطة المحلية فيها على تطوير القطاعات الاقتصادية وتفعيلها عبر التركيز على إنتاج منتجات أو خدمات متميزة وتسويقها، تصبح من ضمن تخصصها فقط.

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود  إلى أن التركيز في المرحلة المقبلة على القطاع الخاص؛ ولذلك لابد أن يشرع القطاع الخاص في توجه كهذا لضمان ولاء العاملين ، إنتاجيا واستمرارية الانتساب إلى منشآتهم. والأصل في ذلك أن تبدأ الشركات الكبرى من الآن في إعادة هيكلة أنظمتها بما يتفق وهذا التوجه والذي بلا شك ستعود منافعها على الملاك والعاملين، ولا ننسى أن للمستهلكين منافع تعود إليهم بسبب تعودهم على التعامل من منشآت تضمن لهم خدمات جيدة.

بينما ذهب د. عبدالسلام الوايل إلى أن التركيز أكثر على توظيف الشباب لأنفسهم عبر مشاريعهم الخاصة التي قد تكون صغيرة. مفاهيم كريادة الأعمال تقدم تأطيرا عاليا للظاهرة. لكن كالعادة من أجل أن تنجح المشاريع لابد من الجدية والإنتاج.

وأوضح م. خالد العثمان أن بيئة العمل حافز آخر مهم من حوافز رفع الإنتاجية .. أحد النماذج الناجحة في القطاع الحكومي التطوير الذي أحدثه د. توفيق الربيعة على بيئة العمل في وزارة التجارة إبان توليه مهامها.

وأكد د. ناصر القعود على أهمية تحفيز وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، أما بشأن القطاع الخاص الأكبر فإنه يتفق مع ما ذهب إليه أ. مطشر ، فقد أتيحت له العديد من الفرص بإيجاد صناديق التنمية الصناعية والزراعية والعقارية ولم تنعكس على إنتاجيته حيث ينقصه الإبداع وتحمل المخاطرة في المشروعات طويلة المدى . وأختم بأن هناك تحسن في إنتاجية العامل السعودي ، سواءً في القطاع العام أو القطاع الخاص ، وعلى سبيل المثال تحسن الخدمات التي تقدمها وزارة الداخلية ، فلم تزد إنتاجية الموظف فقط بل وفرت الوقت والجهد للمستفيد من هذه الخدمات ومن ثم تتيح له زيادة إنتاجيته ، وبالمثل يقال عن القطاع المصرفي ، وعلى إقبال الشباب السعودي ذكورا وإناثا على مشاريع صغيرة ومتوسطة إبداعية .

المحور الثاني

الجمعيات التعاونية: الاقتصاد المنسي

 

الورقة الرئيسة: د. خالد الرديعان

بداية سأعرّف الجمعية التعاونية ، ثم مبادئ التعاونيات (عالميا)، وبعض الأرقام عن مساهمة التعاونيات في بعض اقتصادات الدول. ثم أنهي المداخلة بحديث عن الجمعيات التعاونية في السعودية وأهم مشكلاتها.

  • تعريف التعاونية (الجمعية التعاونية)

” هي تجمع ذاتي مستقل (عن الحكومات) لأشخاص يهدفون إلى تحقيق احتياجاتهم وطموحاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال منشأة مملوكة على نحو مشترك وتدار بأسلوب ديموقراطي” (الياس، ٢٠١١ : ١٥؛ الرديعان، ٢٠١٣ : ٢٢). وفي السعودية يكفي أن يتقدم ١٢ شخصا لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية للحصول على ترخيص إنشاء تعاونية مع بعض الشروط التي سأعرض لها لاحقا.

  • أهمية التعاونيات

أعلنت الأمم المتحدة العام ٢٠١٢ عاما دوليا للتعاونيات إقرارا منها بأهمية هذه الجمعيات في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وللحد من الفقر وخفض معدلات البطالة وتوفير الاندماج الاجتماعي في مختلف أرجاء العالم. ويسمى الاقتصاد التعاوني بالاقتصاد الثالث ( فهو في منزلة بين الاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي).

  • بعض الأرقام
  • يضم قطاع التعاونيات على الصعيد العالمي ٨٠٠ مليون عضواً في أكثر من ١٠٠ بلد.
  • توفر التعاونيات أكثر من ١٠٠ مليون وظيفة على مستوى العالم.
  • تشكل التعاونيات من الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول نسب مرتفعة تبلغ مثلا في كينيا ٤٥٪‏ ثم ٢٢٪‏ في نيوزيلندا.
  • تسهم التعاونيات في ٧١٪‏ من إنتاج الأسماك في كوريا الجنوبية، ونسبة ٤٠٪‏ من الإنتاج الزراعي في البرازيل.
  • ٢٨ مليون بنغلاديشي يستفيدون من كهرباء تنتجها تعاونيات.
  • ٣٧ مليون أمريكي يحصلون على كهرباء من ٩٠٠ تعاونية كهربائية.
  • يوفر نحو ٤٢٠٠ مصرف تعاوني أوروبي خدمات لنحو ١٤٩ مليون عميلا بما في ذلك مؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم.
  • في كندا ٧٠٪‏ من السكان أعضاء في جمعيات تعاونية وفي فنلندا تبلغ النسبة ٦٢٪‏ ونحو ٣٥٪‏ في فرنسا.
  • ٧٥٪‏ من المنتجين الزراعيين في فرنسا هم جمعيات تعاونية. كما أن ٥٨٪‏ من النرويجيين هم أعضاء تعاونيات ونحو ٣٥ مليون أمريكي أعضاء تعاونيات.
  • في فنلندا التعاونيات مسؤولة عن إنتاج ٧٤٪‏ من اللحوم ومصنعاتها، و٩٦٪‏ من المنتجات الغذائية، و٥٠٪‏ من البيض، و ٣٤٪‏ من التعاملات المصرفية.
  • يتعامل القطاع التعاوني بنحو ١٨١ مليار يورو في فرنسا، و يهيمن على ٦٠٪‏ من تجارة التجزئة المصرفية، و ٤٠٪‏ من الإنتاج الزراعي والغذائي و ٢٥٪‏ من تجارة التجزئة.
  • في الكويت ٧٠٪‏ من تجارة التجزئة هي قطاع تعاوني.
  • ٩٥٪‏ من سوق المنتجات اليومية في نيوزيلندا هي قطاع تعاوني ويشمل ٧٠٪‏ من سوق اللحوم و ٧٠٪‏ من سوق الأسمدة و ٦٢٪‏ من سوق البقالة.
  • في النرويج ٩٦٪‏ من سوق الألبان تعاونيات و كذلك ٥٥٪‏ من إنتاج الأجبان و ٦٨٪‏ من البيض و ٥٢٪‏ من الحبوب و ١٥٪‏ من مواد البناء و ٣٠٪‏ من سوق التأمينات.
  • مبادئ التعاون الأساسية ( مانشستر ١٨٩٥م):
  • مبدأ (١) العضوية اختيارية ومفتوحة في التعاونية.
  • مبدأ (٢) إدارة الأعضاء لتعاونيتهم ديموقراطية.
  • مبدأ (٣) مساهمة العضو اقتصاديا وبعدالة ويدير الأعضاء تعاونيتهم ديموقراطيا.
  • مبدأ (٤) الإدارة في التعاونية ذاتية ومستقلة.
  • مبدأ (٥) التعليم والتدريب والإعلام جزء من نشاط التعاونية.
  • مبدأ (٦) التعاون بين التعاونيات مسألة أساسية.
  • مبدأ (٧) تهتم التعاونية بالمجتمع (النمورة، ٢٠٠٧: ٥-٩).

وهناك سبع منظمات عالمية راسخة معنية بالتعاونيات ومنها “الاتحاد التعاوني العربي” وتأسس عام ١٩٨١م بجهود مصرية بدأت منذ العام ١٩٥٦ بعد انعقاد المؤتمر التعاوني المصري.

  • التعاونيات في المملكة العربية السعودية:

بدأت الحركة التعاونية السعودية عام ١٩٥٩ مع تأسيس أول جمعية تعاونية في مدينة القريات شمال المملكة ثم انتقلت الفكرة إلى مدن أخرى. وفي عام ١٩٦٢ صدر المرسوم الملكي رقم (٢٦) الخاص بتأسيس الجمعيات التعاونية تحت إشراف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بإدارة تسمى “الإدارة العامة للتعاون”. وفي عام ١٩٦٥ بلغ عدد التعاونيات ٣٦ جمعية وبمرور الوقت وصل العدد عام ٢٠١٢ إلى ١٦٥ جمعية يزيد عدد أعضاءها عن ٥٠ ألف عضوا.  وفي إحصائية حديثة (٢٠١٦) فإن أكثر من ٢٠٠ ألف شخص ينتسبون لجمعيات تعاونية بلغ عددها في المملكة ٢١٢ جمعية تعاونية؛ منها ٤٨ جمعية تعاونية زراعية، و ١٤٣ جمعية متعددة الأغراض، و ٨ جمعيات لصيادي الأسماك و ٧ جمعيات خدمات و ٤ جمعيات استهلاكية وجمعية واحدة مهنية وواحدة تسويقية وجمعية واحدة إسكان تعاوني.

  • مشكلات التعاونيات السعودية:

تعاني التعاونيات السعودية من عدة مشكلات يأتي على رأسها أنها تخضع لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية مما يخل بمبدأ أساسي في مبادئ التعاونيات الدولي وهو الاستقلالية. كان يفترض وجود اتحاد تعاوني مستقل بصورة نقابة لحماية التعاونيات. وأجمل أدناه أهم المشكلات:

١- مسيرة التعاونيات التنموية ضعيفة للغاية وتعاني التعاونيات من ضعف الفاعلية والنشاط إضافة إلى سوء توزيعها جغرافيا في المملكة.

٢- تعاني التعاونيات من ضعف التشريعات ( يوجد لائحة تشريعية تعود للعام ١٣٨٢ وعدلت بالمرسوم الملكي رقم م/١٤ الصادر بتاريخ ٣/٩/ ١٤٢٩ . مع ذلك فاللائحة التشريعية ساوت بين التعاونيات ولم تراعي فروق النشاط فيما بينها ولم تخصص لكل نشاط ما يناسبه من التشريعات.

٣- ضعف ثقافة التعاون في المجتمع السعودي،  وتغييبها أحيانا. على سبيل المثال لم يكن هناك نشاط ملحوظ لوزارة الشؤون الاجتماعية عام ٢٠١٢ (سنة التعاونيات) للترويج لثقافة التعاون.

٤- الخلافات المستمرة بين المساهمين ومجالس الإدارات، وأحيانا بين أعضاء مجلس الإدارة أنفسهم وذلك لعدة أسباب منها نقص الشفافية، وتهم الفساد.

٥- نقص التنسيق بين التعاونيات نفسها وهذا إخلال بالمبدأ (٦) من مبادئ التعاون العالمية. يصاحب ذلك قوة المنافسة من القطاعات الأخرى غير التعاونية.

٦- غياب المحاسبة الجادة وسيادة المجاملات والشخصنة في إدارة التعاونيات.

التعقيب الأول: م. خالد العثمان

من الواضح أن د. خالد الرديعان ملم ومتبحر في شؤون الجمعيات التعاونية وتطبيقاتها السابقة في المملكة وما تعانيه من مشكلات وما تواجهه من عقبات . وأتفق تماما معه في القول بأن العقبة الأهم في طريق تفعيل الدور الاقتصادي والتنموي للتعاونيات وتعظيم دورها في تلبية متطلبات المجتمع هي السطوة الحكومية التي فرضها عليها النظام ، سواء بسطوة وزارة العمل والتنمية الاجتماعية على الجمعيات التعاونية أو سطوة وزارة التجارة على الشركات التعاونية التي قننها ونظمها نظام الشركات الجديد . هذه السطوة الحكومية على التعاونيات تتعارض مع المبدأ الذي قامت عليه فكرة التعاونيات أساسا ، وخلقت بالتالي أطرا رقابية مقيدة ومكبلة عطلت الدور الحقيقي المأمول من التعاونيات . ومن جهة أخرى، فإن ممارسات الفساد والتربح الشخصي وسوء الإدارة وغياب أو قصور التأهيل والمعرفة الفنية والمالية في التعاونيات تمثل حالات مشهودة كانت سببا في بعض الحالات إلى أهدار أموال المساهمين أو تقليل جودة المنتجات والخدمات. هذا الواقع لا يؤدي فقط إلى خلافات ونزاعات داخل المؤسسة التعاونية ، بل أدى أيضا إلى التحفظ على هذا الهيكل والتخوف من تكرار مثل هذه الممارسات ، وهو ما يقود إلى تكريس الرقابة الحكومية بحجة محاربة الفساد وحماية المساهمين ، ومن ثم يزيد في تعميق الخلل القائم على زيادة السطوة الحكومية على التعاونيات . معالجة حالات الفساد الإداري والمالي داخل التعاونيات تتطلب نظم حوكمة ملائمة تنسجم مع طبيعة عمل هذه التعاونيات بعيدا عن السطوة الحكومية ، وهو ما يفتقر إليه النظام القائم للتعاونيات في المملكة ، ويتطلب الاسترشاد والتعلم من التجارب الدولية في هذا الجانب على وجه التحديد .

من الضروري أيضا الإشارة إلى أن الهدف الاقتصادي الأهم من التعاونيات هو تيسير الحصول عل  الخدمة أو المنتج بتكلفته الحقيقية دون أعباء ربحية ملموسة أو غير ملموسة كتلك التي تبنى في الممارسات التجارية التقليدية . وهي بذلك تصبح في درجة متوسطة بين العمل التجاري القائم على الربحية والعمل الخيري القائم على رفع كامل التكلفة أو جزء منها عن المستفيد. هذا الهدف هو ما يجعل التعاونيات حلا ناجعا في القضايا التي يكون فيها المنتج أكثر تكلفة على المستهلك وليس في القضايا والمنتجات الاستهلاكية البسيطة. وعلى سبيل المثال، فإن توظيف هيكل التعاونيات في قطاع الإسكان سيكون له أثر هائل في حل أزمة الإسكان في المملكة ، كون هذا القطاع يخضع لممارسات احتكارية من المؤسسات التجارية التي تديره . وعلى سبيل المثال ، فإن دولا كالنرويج وتونس تمكنت من تحقيق نسب تملك مساكن عالية جدا تخطت 80% كنتيجة مباشرة لتوظيف التعاونيات في هذا القطاع . وربما يكون من المناسب أن أعلن أننا نعمل الآن مع عدد من المستثمرين على تأسيس أول برنامج للإسكان التأجيري التعاوني في المملكة تحت مسمى برنامج “إيجار التكلفة” ، وهو برنامج سيعلن عنه قريبا بإذن الله حال اكتمال أركانه الفنية والمالية والنظامية.

التعقيب الثاني: أ. خالد الحارثي

أطرت الورقة الرئيسة لد. خالد الرديعان لقضية الجمعيات التعاونية بشكل علمي وبحثت مشكلاتها في التطبيق في المملكة العربية السعودية ، من هنا أود التوسع بالقضية في الجانب الإداري النقدي والأثر على الاقتصاد والوظائف بالقدر الذي يسمح به التعقيب على موضوع الورقة.

أعتقد أن هناك ثلاثة من العناصر الرئيسية التي منعت الجمعيات التعاونية من الظهور في المجتمع وأخذ مكانها الصحيح ودورها الهام:

1- النظرة البدائية لمفاعيل ودور وقوة الجمعيات التعاونية وأهميتها في كل النظريات الاقتصادية سواء رأسمالية أو اشتراكية أو غيرها وخصوصا الجهل بالأثر المستحسن للإضافة النوعية التي تقدمها الجمعيات التعاونية في الجانب الاجتماعي والاقتصادي والإداري ، والحد من احتكار الممارسة الصحيحة للإدارة والإنتاج والتطوير المعرفي و المهاري وفق العلاقات العمالية القديمة التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في المدن والتجمعات الصناعية في أوروبا.

2- احتكار السلع الاستراتيجية ومنع المنافسة الذي يمارسه كبار المستوردين الأمر الذي حال دون تمكن الجمعيات التعاونية من الحضور لتطوير المنتجات وتخفيف شراهة الاستيراد والاستقدام والتحكم في الأسعار ، مما ساهم في الزج بالاقتصاد في آتون الاعتمادية على الاستيراد والاستقدام وتقليص وحجب مبادرات التطوير والإنتاج المحلي.

3- الفجوة العميقة بين البنية الاقتصادية في العالم المتقدم وبين الاقتصاد في المملكة مما أعتقد معه البعض أن لا دور هناك للجمعيات التعاونية في تقليص الفارق وزاد من تقليص فرص تمكين وظهور الجمعيات التعاونية ، حيث تم تصنيفها تحت حلول الفقر والفقراء وليس رافدا مهما للاقتصاد والمنافسة.

ولعله من المناسب أن نذكر أهمية الجمعيات التعاونية في المجتمع السعودي بالذات، مقارنة بالدول المتقدمة :

1- امتلاك المجتمع بنطاق واسع المرجعية في صياغة نظم وقيم العمل ، ومقومات الاقتصاد بدلا عن احتكار القلة للحقيقة وللمال ، وما يتركه ذلك من آثار سلبية على بنية الاقتصاد وقيم وثقافة العمل والإنتاج . في بريطانيا على سبيل المثال يبلغ عدد المكتتبين في الجمعيات التعاونية ما يقرب من ثلث عدد السكان ، ويشتغل بها أكثر من ربع قوة العمل في بريطانيا.

2- المساهمة في التنمية الاقتصادية والمعرفية في الإدارة والإنتاج وابتكار الحلول والخدمات حسب احتياجات البيئات المحلية.

3- حاجة المملكة لتطوير مفاهيم متقدمة في استيعاب ودمج الفئات العمرية المختلفة وإنتاج أطر عامة في التيسير وفرص زيادة الدخل والجمع بين التعلم المستمر والكسب دون الحاجة إلى التضحية بأي منها أو التضحية بالحياة الاجتماعية والترفيه.

أخيرا ، تقوم الكثير من صناديق الجمعيات التعاونية في العالم المتقدم بالمساهمة بالفوائض في تمويل وتنمية كثير من القطاعات مثل التعليم والصناعة والزراعة وتطوير المنتجات وتبني احتياجات البيئات المحلية والحلول المبتكرة والاقتصادية.

وفِي ظل الرؤية وبرنامج التحول الوطني أعتقد أن مشروع التعاونيات العملاقة سيكون له أكبر الأثار في إحداث التحول.

المداخلات حول القضية:

  • نشأة وتطور فكرة التعاونيات

ذكر د. عبد الله بن صالح الحمود أن المفهوم المختصر للجمعيات التعاونية يشير إلى أنها منظمة مستقلة تتكون من أشخاص يتعاونون ابتداء طوعاً من أجل المنفعة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة أو المحافظة التي يقطنها عدد لابأس به من مجتمع تلك المدينة أو المحافظة ، ومن ثم يصار ذلك إلى أن تكون هذه الجمعيات تأخذ الطابع التجاري المؤدي إلى خدمة المستهلك بأسعار منافسة للسوق المحلي ، فضلا عن اكتساب أرباح للمساهمين في أي جمعية تعاونية ، وإن كانت أرباح محدودة جدا ، إلا أن الهدف الأساس هو دعم اجتماعي واقتصادي. ومن الأهداف السامية لإنشاء الجمعيات التعاونية أو الاستهلاكية ، هدف اقتصادي من الدرجة الأولى لخدمة أهالي المدينة أو المحافظة المعنية ، ولكن هذه الجمعيات تواجه صعوبات متعددة ، سواء من ناحية الدعم المالي أو الأداء الإداري، وهذان الأمران لاشك أنهما يعدان أساس انطلاقة مثل هذه الجمعيات.

لمحة تاريخية:

وأشار د. خالد الرديعان استكمالاً لما طرحه في الورقة الرئيسة، إلى أن تعريف الحلف الدولي للتعاونيات ICA International Co-operative Alliance ومقره جنيف: “التعاونية هي جمعية مستقلة لأشخاص يتحدون طواعية لتحقيق احتياجاتهم وتطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة عن طريق منشأة مملوكة لهم جماعيا تُدار بطريقة ديموقراطية”.

وقد جاءت التعاونيات كردة فعل لسطوة الرأسماليين وجشعهم وذلك كنمط اقتصادي يستلهم بعض المبادئ الاشتراكية. وأعرض أدناه أهم الجهود في نشأت التعاونيات.

  • روبرت أوين (١٨٠٨- ١٨٦٦) يُعزى إلى هذا الاقتصادي الإنجليزي الفضل في نشأة التعاونيات الزراعية وشبه الصناعية. وقد عمل أوين في مصنع غزل ونسيج حيث خبر بؤس العمال وشقاءهم؛ فبدأ بتخفيض ساعات العمل من ١٧ ساعة في اليوم إلى ١٠ ساعات وزاد الأجور ومنع تشغيل الأطفال دون العاشرة، وقام بفتح محلات لبيع السلع الاستهلاكية بثمن منخفض، كما أنشأ رياض أطفال لأبناء العمال.
  • رواد روتشيدل (١٨٤٢). عندما اشتدت الظروف على عائلات الطبقة العاملة في قرية روتشيدل الإنجليزية عام ١٨٤٢ اجتمع ٢٨ عاملا من عمال النسيج في تلك القرية أُطلق عليهم “رواد روتشيدل”. وبعد مناقشة أوضاعهم السيئة أستقر الرأي على إنشاء جمعية تعاونية تكون مهمتها تزويد أعضاءها بكل ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء بسعر منخفض. كما هدفت الجمعية إلى تعليم أبناء العمال وبناء المساكن لكي يتحقق الاكتفاء الذاتي لأعضائها. وفي عام ١٨٤٤ أنشأت هذه الجمعية محل خاص بها. وفي عام ١٨٥٠ أنشأت مطحنة للحبوب. وفي عام ١٨٥٣ أنشأت قسما لتجارة الجملة. بعدها تطور التعاون الاستهلاكي في إنجلترا بفضل رواد روتشيدل وجمعيتهم التعاونية.
  • شارل فوريه (١٧٧٢-١٨٣٧). كان فوريه مفكرا اشتراكيا من فرنسا. وقد دعى إلى التركيز على زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق وفورات في المنتجات الزراعية. وكان يأمل بإنشاء تعاونية لهذا الغرض تتصرف بالفائض الإنتاجي.
  • فردريك رايفايزن (١٨١٨- ١٨٨٨). ظهر هذا المفكر في المانيا ونادى بتحسين وضع العمال والمزارعين عن طريق إنشاء بنوك تعاونية للتسليف والإقراض. وكان يقرض الأفراد مبالغ صغيرة بصفة شخصية لحمايتهم من المرابين والملاك. وقد اعتبرت جهود رايفايزن وزميله شولتز نجاحات مهمة؛ حيث أصبحت المانيا فيما بعد رائدة في التعاون التسليفي الذي انتشر فيما بعد إلى أنحاء مختلفة من العالم.

وفيما يخص المنظمات العالمية والإقليمية المعنية بالتعاونيات:

  • الحلف التعاوني الدولي ica ونشأ عام ١٨٩٥.
  • الاتحاد الدولي للتعاونيات وجمعيات. التعاون التآزرية ونشأ عام ١٩٢٢.
  • الجمعية المصرفية التعاونية الدولية وقامت عام ١٩٢٢.
  • المنظمة الدولية لتعاونيات الإنتاج والخدمات الصناعية والحرفية وتضم ٥٧ بلدا.
  • المنظمة الدولية لتعاونيات الاستهلاك من أجل التوزيع وتأسست عام ١٩٧١.
  • المجلس العالمي بالاتحادات الائتمانية وتأسس عام ١٩٧١.
  • الاتحاد التعاوني العربي وبدأ عام ١٩٥٦ لكنه قام رسميا عام ١٩٨١ بفضل الجهود المصرية.

وهناك عدة تجارب دولية ناجحة في العمل التعاوني؛ كتجربة إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والسويد وكندا والهند والصين وايران. كما أن التجربة الكويتية في التعاونيات ورغم النقد الموجه لها وبعض المشكلات إلا أنها تظل تجربة رائدة في دول الخليج. وبالنسبة لدول الخليج العربية فإن التعاونيات توجد في الكويت والبحرين وتجاربهما رائدة في هذا الباب. أما سلطنة عمان فلا يوجد فيها جمعيات تعاونية وإن كان هناك جهود لإدخالها.  وبالنسبة لقطر فقد تم دمج تعاونياتها في شركة واحدة تحت مسمى (شركة الميرة).

تجربة الكويت رائدة وتعود للعام ١٩٤١ والتي بدأت من مدرسة المباركية بصورة مقصف مدرسي تطور لاحقا إلى ٣٦ جمعية تعاونية. وتوسعت وزاد عددها بعد ذلك ثم صدر قانون تنظيمها عام ١٩٦٢ مع وجود اتحاد كويتي للجمعيات التعاونية يرتبط بالحلف الدولي للتعاونيات والاتحاد العربي. وتشرف وزارة الشؤون على تعاونيات الكويت ولكن بصورة إشراف فضفاض لوجود اتحاد كويتي للتعاونيات. وتقريبا ففي كل حي من أحياء الكويت جمعية تعاونية وغالبا جمعية استهلاكية توفر السلع بأسعار منافسة وبجودة عالية. وقد لعبت التعاونيات الكويتية دورا مهما إبان أزمة الاجتياح العراقي للكويت ؛ حيث قامت بتوفير احتياجات الأعضاء وغيرهم من المواد التموينية كما لعبت دورا مهما في تجميع نشاط المقاومة الكويتية حيث كانت المكان المتاح لاجتماع أفرادها واتخاذ القرارات ومنها ما يتعلق بتوزيع المواد الغذائية على السكان أو الأعمال العسكرية السرية.

وفيما يخص البحرين فتعود تجربة التعاونيات إلى عام ١٩٥٤ بعد إنشاء صندوق التعويضات إضافة إلى قيام جمعيات تعاونية في المدارس اهتمت بتوفير احتياجات التلاميذ فضلا عن أنشطتها الاجتماعية. وقد صدر أول قانون للتعاون (قانون ٨) عام ١٩٧٢ حيث حدد الغرض من تأسيس الجمعيات التعاونية المتمثل في رفع مستوى المستوى الاقتصادي والاجتماعي لأعضاء التعاونية. في ظل القانون ٨ نشأت أول جمعية استهلاكية عام ١٩٧٢ ثم زادت إلى ١١ جمعية بلغ عدد أعضاءها ١٥٢٩٤ عام ١٩٩٣. كما تأسست أول تعاونية زراعية عام ١٩٧٧ وباشرت عملها عام ١٩٨٥. وبلغ عدد جمعيات الخدمات ٤ وبلغ عدد أعضاءها ١٠٤٦ عام ١٩٩٣. ويبلغ عدد الجمعيات التعاونية البحرينية بحلول عام ٢٠٠٨ ما مجموعه ٢٠ تعاونية منها ٨ استهلاكية و١١ جمعية توفير وتسليف وجمعية زراعية واحدة.

  • مجلس الجمعيات التعاونية في المملكة (*)

تم إنشاء مجلس الجمعيات التعاونية بتاريخ 1430/4/9 هـ بموجب المادة (29) من نظام الجمعيات التعاونية الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم (73) وتاريخ 1429/3/9 هـ ويتكون المجلس من سبعة عشر عضواً يمثلون الجمعيات التعاونية في المملكة العربية السعودية والجهات ذات العلاقة بالعمل التعاوني.

الرؤية:

أن نكون الرواد والمرجع للعمل التعاوني في المملكة ليصبح فعالا ومتطوراَ لتحقيق تنمية مستدامة في المملكة العربية السعودية بحلول 2020م.

الرسالة:

تبني الدور الريادي والمبادرة لمساندة ودعم الجمعيات التعاونية في المملكة من خلال تفعيل دور مجلس الجمعيات التعاونية , نشر ثقافة العمل التعاوني , بناء قدرات بشرية ومالية وتقنية , وإرساء شراكات فاعلة لترسيخ ثقافة العمل التعاوني بما يعود بالنفع للمجتمع والاقتصاد الوطني.

الأهداف:

  • التنسيق بين الجمعيات التعاونية لتلافي الازدواجية أو التعارض في الخدمات التي تقدمها.
  • تشجيع التواصل والزيارات وتبادل الخبرات بين الجمعيات التعاونية.
  • دارسة أوضاع الجمعيات التعاونية المتوقفة والمتعثرة من أجل المساعدة للنهوض بها أو التوصية بتعديل اختصاصها أو دمجها مع جمعيات أخرى أو تصفيتها، والعمل على تذليل الصعوبات والمعوقات التي قد تواجه الجمعيات القائمة وتؤثر على تحقيق أهدافها.
  • تحديد النطاق الجغرافي بين الجمعيات التي تتماثل في أهدافها وأنشطتها.
  • العمل على تنظيم لقاءات سنوية دورية للجمعيات لتبادل الأفكار والخبرات لتطوير العمل بالجمعيات بالتنسيق مع الوزارة.
  • التشجيع على إقامة ودعم البرامج التدريبية والتأهيلية للعاملين بالجمعيات التعاونية والقيام بالبحوث والدراسات التي تسهم في تطوير أعمال الجمعيات ورفع كفاءتها.
  • تنسيق الجهود والخدمات التي تقدمها الجمعيات التعاونية في حال الطوارئ والكوارث بالتنسيق مع الجهات المعنية.
  • اقتراح الوسائل الاستثمارية لتنمية موارد الجمعيات التعاونية وتبنيها العمل على إيجاد موارد مالية ثابتة لدعمها.
  • تشجيع تبادل المعلومات والبيانات بين الجمعيات وتسهيلها من خلال آلية محدودة.
  • تشجيع القطاع الخاص لدعم العمل التعاوني والتفاعل معه.
  • هل التعاونيات قطاع ربحي؟

يرى د. خالد الرديعان أن القطاع التعاوني يظل قطاعا ربحيا بحكم انه يتضمن نشاطا اقتصاديا  لكن الربح ليس هدفه الأساسي بل التعاون والتكافل الاجتماعي.

وذهبت د. نوف الغامدي إلى أن التعاونيات في الأساس نشاط اقتصادي بالضرورة أن يكون لها عائد ربحي ، ولكن ليس الهدف الأساسي هو تحقيق الأرباح في المقام الأول ، فتحويلها لأنشطة رأسمالية تحت عنوان مساهمة ، وتحويلها عن هدفها الرئيسي وانحرافها عن أعضائها وخدمة المجتمع وبالتالي تأثيرها سلبي على قطاع التعاونيات. وتظل أهم مشكلة تواجهها الجمعيات التعاونية دائماً التمويل في المشاريع التعاونية الكبرى وذلك خلافاً للجمعيات الزراعية التي لا تواجه تلك المشكلة لوجود صندوق التنمية الزراعي الذي يتكفل بتمويلها ؛ هناك محاولات لإنشاء صندوق يتكفل بتلكّ الجمعيات ولَم يُفعّل بعد ؛ ومن ثم يكون التساؤل المطروح: ماذا عن حوكمة وتصنيف الجمعيات التعاونية؟!

بينما يرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن الهدف الأساس من إنشاء الجمعيات التعاونية هو هدف اجتماعي اقتصادي؛ يهدف في الدرجة الأولى إلى تقديم السلع بأقل التكاليف ، وبالتالي من الطبيعي أن تكون الأرباح نسبيا في أدنى مداخيلها ، ولهذا لا يمكن تحويل التعاونيات إلى شركات مساهمة ، ما يؤدي ذلك إلى زيادة في التكاليف ، فضلا عن الخروج عن دائرة الأهداف المتوخاة من هذه الجمعيات.

في حين يرى م. خالد العثمان أنه لا يصح وصف التعاونيات بالقطاع الربحي ؛ فهيكل التعاونيات اقتصاديا يقوم على توفير المنتجات والخدمات بتكلفتها الحقيقية دون أرباح. وعندما نصف التعاونيات بأنها قطاع ربحي فإن هذا الأمر يضعف حجتها في مقابل القطاع التجاري التقليدي .. من الضروري إبعاد صفة الربحية عن التعاونيات حتى لو كان هيكلها التشغيلي يتضمن تحقيق أرباح لتمويل عملياتها وتكاليفها التشغيلية الذاتية. ربما يكون الفقر دافعا لنشأة التعاونيات لتقليل الأعباء عن المستفيدين مقابل النموذج التجاري الربحي التقليدي .. هذا يشير إلى النمط والثقافة الاستهلاكية المسيطرة على المجتمع السعودي بما فيها من اتكالية وعدم اكتراث بالتكلفة طالما أن هناك من يغطيها. لكن لا يوجد مجتمع ليس به فقراء وطبقات تبحث عن بدائل أجدى وأقل تكلفة لمتطلباتها الحياتية .. الكويت مثلا بلد غني ومع ذلك فيه الكثير من الجمعيات التعاونية الاستهلاكية حتى صار لفظ جمعية شائعا لكل المحلات التجارية الاستهلاكية.

أما بشأن مسألة الحوكمة فهي مطلب رئيس لمعالجة مشكلة مصداقية عمل التعاونيات والتي اهتزت كثيرا جراء بعض حالات الفساد التي شابت عمل بعض التعاونيات القائمة .. لكن قيام الحكومة بالحوكمة لا يصلح وهو ذو طابع تقييدي في العادة .. لذلك من الضروري دراسة الواقع الممارس دوليا وربما يكون هذا أحد مهام الهيئة المقترحة لإدارة هذا القطاع.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن الشائع أن التعاونيات هي فقط في المجال الزراعي وهذا ليس دقيقا. هناك تجارب دولية مذهلة في نوع المناشط التي تقوم بها التعاونيات ومنها تعاونيات لإنتاج الكهرباء وتعاونيات في قطاع الاتصالات وغير ذلك من الأنشطة المنتجة. وهذا يعني أن التعاونية تحقق أرباح جيدة وهو ما يعود لحسن إداراتها ونزاهة العاملين بها. وبخصوص الفقر كمحفز على إنشاء الجمعيات التعاونية فهو ليس سببا كافيا؛ فهناك دول غنية كثيرة كالسويد والنرويج لديها عدد كبير من التعاونيات للحد من الاحتكار وارتفاع أسعار السلع، وتعميق النزعة الإنسانية التعاونية في المجتمعات المحلية.

وأوضح د. سعد الشهراني أن الجمعيات التعاونية تقدم خدماتها لمساهميها فقط بسعار قريبة من التكلفة بما فيها تكاليف التشغيل. و إذا كانت مفتوحة للمستهلكين عموما فهناك بطاقة عضوية للمساهمين تعطيهم تخفيضات أقل من أسعار السوق و تبيع للآخرين بأسعار أعلى. والجمعيات التعاونية الزراعية و الاستهلاكية على وجه الخصوص لا تستهدف الربح من تقديم خدماتها لمساهميها بطريق مباشر و لكنهم يستفيدون من خفض التكلفة لما يشترون و يحصلون عليه من خدماتها. أما بخصوص غيرهم؛ فالجمعيات تكسب و لا بأس من تربحها المشروع منهم، لكن غير الأعضاء لا يجوز و لا يمكن أن يستفيدوا من خدمات و مبيعات الجمعيات التعاونية على قدم المساواة مع المساهمين من غير أن يساهموا في رأسمالها.

وفي تصور م. أسامة كردي فإن هناك ثلاثة أمور تختص بها الجمعيات التعاونية يجب التأكيد عليها وهي:

١. الهدف المحدد و الضيق لأعمالها : تقديم الخدمات الزراعية أو توفير المنتجات الاستهلاكية أو حتى منتج محدد أو خدمة محددة بعينها ( بخلاف الشركات التجارية و المقاولات و المصانع ).

٢. العلاقة المباشرة بين المساهمين فيها : مثل سكان الحي أو المزارعين في منطقة أو مدينة أو قرية محددة. أو عائلة أو قبيلة محددة.

٣. أنها لا تهدف إلى الربح بل تهدف إلى توفير الخدمة بتكلفتها المباشرة و الغير مباشرة. ( وهذه النقطة ذكرها م. خالد العثمان بدون الإشارة إلى أن الجمعيات لا تهدف إلى الربح ).

  • أسباب القصور في العمل التعاوني

من وجهة نظر د. عبد الله بن صالح الحمود فإن ما يعيق مسيرة هذه الجمعيات هو أن الثقافة الحالية لا ترتبط حاليا بمشاريع كهذه، والسبب الرئيس أن الأسواق التجارية خصوصا ما يسمى ( بالسوبر ماركت ) ، تغطي كافة أحياء أي مدينة أو محافظة ، فضلا عن الملاءة المالية التي تضاهي تلك الجمعيات، وأيضا الكفاءة الإدارية التي تعد منافسا كبير لهذه الجمعيات أيضا.

ويرى م. خالد العثمان أن الجمعيات التعاونية هي شكل من أشكال العمل المدني ذو هدف اقتصادي .. وهذا القصور في العمل التعاوني هو جزء من قصور العمل المدني في المملكة.

بينما يعتقد أ. خالد الحارثي أن الذهاب إلى هذا التحليل من منظور مؤسسات المجتمع المدني قد يضلل الوصول للأهداف في تمكين التعاونيات من أدوارها؛ فهذا النوع من الربط والاعتمادية المسبقة قد يحول بيننا وبين تطوير الحلول والمقترحات.

وذهب م. أسامة كردي إلى أنه لا يرى هذه العلاقة بين النشاطين؛ فالقصور في العمل التعاوني مرجعه إلى ارتفاع القوة الشرائية للفرد و انخفاض تكاليف المعيشة و ارتفاع الدعم الحكومي للعديد من المنتجات و الخدمات و بشكل عام عدم توجه مجتمعنا للتعاون. كما أن ارتفاع مستوى المنافسة في السوق يخفض الأسعار و لا يمنح الفرصة للجمعيات التعاونية بالعمل، ويبقى الاحتكار هو أهم أسباب صمود العمل التعاوني، كما أن العمل التعاوني لا يحتاج إلى التحفيز إذا وجدت فرصة فسيتم استغلالها.

وبدوره أكد م. خالد العثمان أنه ليس تحفيزا بل خلق نماذج ناجحة  Success stories فالنماذج الحالية غير مشجعة، والبيروقراطية زادت الطين بلة.

وقال د. عبدالسلام الوايل: لقد أشار د. الرديعان لنقاط مهمة تلك هي ضعف البنية التشريعية إضافة لضعف حماس الجهة المختصة “التنمية الاجتماعية” و عدم الاستقلالية. أظن أن هذه النقاط قد تشرح أسباب تواضع حضور التعاونيات في ثقافة المجتمع السعودي. واجهنا و نواجه مشاكل مجتمعية عويصة لا نجد لها حلا و لم نطرق نهج التعاونيات لتجريب الحلول لها. تخيلوا لو أن محتاجي إسكان في الرياض كونوا جمعية تعاونية و قامت وزارة الإسكان بمنحهم أرض مطورة مزودة بالخدمات، كيف كانت مشكلة الإسكان ستكون. أظن أن الوحدة لن يتجاوز تكلفة بناءها 400 الف.

ليت أن هناك جمعية من محتاجي السكن تقوم هي بالتعاقد مع مقاول أو شركة. كان يمكن لوزارة الإسكان نزع ملكية عريض مثلا و تكلفته منخفضة و تطويره و بيعه على جمعية كهذه بنفس سعر التكلفة. لتقوم الجمعية ببناء الوحدات. عندها لن تكلف الوحدة كثيرا. لبناء فيلا من 400 متر ستكون التكلفة في حدود 550 إلى 600 الف: 140 للأرض و 400 للبناء، على أساس أن سعر متر عريض حاليا و قبل التطوير أقل من 200 في المتوسط. عادة سعر التطوير يكلف 150 ريال للمتر. فمشروع كهذا يحتاج تعاونية.

وأضاف م. أسامة كردي قوله: من منطلق أن التعاونيات عمل اقتصادي بحت .. فأنا اختلف مع من يقول أن نهج التعاونيات مطلوب في مجتمعنا.. بل هو مرتبط بالتعرف على فرصة أو فرص تجارية تخدم مجموعة محددة من الأفراد.

وفي تصور أ. خالد الحارثي فإن الوقوع في مأزق ربط التعاونيات بالمنافسة أو عدم جدوى التعاونيات في المملكة؛ يجعلنا ننظر للتعاونيات كحلول مشروطة وهذا يناقض واقع أنها رافد مهم في الاقتصاد.

ومن جديد علق م. أسامة كردي بأن التعاونيات لا بد أن تكون مشروطة بجدوى اقتصادية ليساهم فيها المستفيدون من خدماتها و مموليها.. و بالتالي تكون رافداً مهم في الاقتصاد.

في حين يرى م. خالد العثمان  أن التعاونيات لا تبنى على أسس اقتصادية ربحية بحتة تفترض عوامل الجدوى والمنافسة وغير ذلك .. يصح أن يختار عدد من الناس التعاون والتكافل لتحقيق منفعة خاصة بهم وتفادي دفع أعباء ربحية للغير.. هذا نموذج لا علاقة له لا بالفقر ولا بالجدوى الاقتصادية.

وبدوره أكد م. أسامة كردي أنه وإذا كانت التعاونية تحقق منفعة خاصة لملاكها و تجعلهم يتفادوا دفع أعباء ربحية للغير، فهذه عين الجدوى الاقتصادية !!

وتساءلت د. نوف الغامدي: وكيف تستمر تلكّ التعاونيات إذا لم تحقق منفعة لاستدامتها؟! العمل الخيري والمسؤولية الاجتماعية دون عوائد محكوم عليه بالفشل.

وأتفق م. خالد العثمان مع ذلك لكنه أضاف أن هذه الجدوى لا تقاس بالطرق الاقتصادية التقليدية.

وأشار د. ناصر القعود إلى أن توزيع الأرباح في الجمعيات التعاونية يشجع الأعضاء على التعامل مع الجمعية وشراء منتجاتها وخدماتها، حيث يوزع الجزء الأكبر من الأرباح أو الفائض وفقا لحجم المشتريات لكل عضو والمتبقي من الأرباح يوزع وفقا لحصة العضو من رأس المال.

وتعتقد أ. مها عقيل أن أحد أسباب غياب الجمعيات التعاونية هو غياب أي نقاش حولها، وللتدليل على ذلك تساءلت: هل تم طرح موضوع الجمعيات التعاونية ضمن موضوع أسس وأنظمة المجتمع المدني وتفعيله أثناء مناقشة ذلك في مجلس الشورى أو مجلس الوزراء؟

ومن وجهة نظر د. عائشة حجازي فإن الجمعيات التعاونية قد تكون وسيلة للتخفيف من الضغوط الاقتصادية على الأسر وهي من العوامل المؤثرة إلى حد بعيد في مساعدة الأفراد في التخلص من بعض الأعباء والضغوط التي تأتي من جراء رغبة الفرد في تأمين مستلزماته المعيشية في ظل غلاء المعيشة.

وعندما نتحدث عن الصحة النفسية والتي تعني الحياة التي تتضمن الرفاهية والاستقلال والجدارة والكفاءة الذاتية بين الأجيال وإمكانات الفرد الفكرية والعاطفية وكذلك رفاهية الفرد التي تشمل القدرة على إدراك قدراتهم والتعامل مع ضغوط الحياة العادية والإنتاج ومساعدة المجتمع فإننا ندرك الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات التعاونية بكل ما فيها من تكوين جماعات تتحد وتتكاتف في تأمين متطلبات العيش الاقتصادي الآمن لجميع أفرادها في تعزيز الصحة النفسية وبعد الأفراد عن التوتر والقلق الذي قد يعاني منه الكثير بسبب عدم القدرة على سد الحاجة وتوفير متطلبات الحياة الكريمة . إن فقدان الثقة الشائع بين الناس ناتج عن عدم الوعي بالعمل الجماعي وفائدته ، والذي يحتاج إلى وقت لجني ثماره والناس اعتادت على الثمار السريعة في ظل المتغيرات الاقتصادية المتتابعة.

وفي تصور د. نوف الغامدي فإنه وإذا كان هناك من يشارك وزارة العمل والتنمية الاجتماعية في عدم وصول هذا المفهوم التعاوني إلى الناس وضعف مشاركتهم في العمل في تلك الجمعيات فهو المؤسسة الإعلامية، بكل وسائلها ومصادر الضخ الإعلامي التي تعتمد عليها.. وبالتالي فإن الحاجة في هذه الحالة تكون ملحة لإيجاد تشريعات تتعاون على إنتاجها كل من وزارة العمل والتنمية، ووزارة الإعلام وتشارك فيها المؤسسات الإعلامية بصورة فاعلة باعتبار أن الجمعيات التعاونية هي جزء من الأنشطة التي يتولاها المجتمع المدني في الأصل.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: أظن أن الجمعيات التعاونية وبخاصة الاستهلاكية في مجتمعنا أظهرت فشلا كبيرا، ويبدو أنها تراجعت كثيرا، وأكثر النماذج الصامدة هناك عوامل اجتماعية أو مناطقية أو قبلية ساعدت على استمرارها. وبالمناسبة الجمعيات في الكويت تتعرض لاهتزاز كبير، ويشوب عمل عدد منها فساد تناولته الصحافة لديهم، بل حلت وزارة الشؤون الاجتماعية قرابة ٢٠ من مجالس الإدارة بسبب الفساد الإداري والمالي. وربما لا يمكن التفاؤل كثيرا بنجاح الجمعيات التعاونية لعدة أسباب منها: عدم قدرة هذه الجمعيات على امتلاك أدوات العمل الاحترافي ، وميل عدد منها إلى أن تكون جمعية خيرية ، وشعور إدارتها التنفيذية بأنهم هم من يمتلكون القرار وإهمال المساهمين ، يضاف لذلك أن ثقافة العمل التعاوني القائمة على  الأسلوب الانتخابي لم تتسلل إلى بيئتنا العملية ؛ إذ غالب ما يحدث هو أنها ستصبح جمعية خيرية باسم جمعية تعاونية .

ولعل التجارب الفاشلة هي أحد أسباب إحجام الكثيرين من الدخول في جمعيات تعاونية، نحن نحتاج لمن يعيد هذه الثقة ببرامج وأنظمة مقنعة. والمطلع على التنظيمات الخاصة بعدد من المراكز الاجتماعية والجمعيات يجد أن سلطة الوزارة تضع التنظيمات ثم تمارس تطبيقا لها وفق تفسيرها… مما يتيح للشللية والمعارف الخاصة الحصول على مواقف تصبح في صالح البعض ممن لهم تفسيرات خاصة لأداء جمعياتهم . وكثير من هذه الجمعيات متطوعون أو مشاركون بمبالغ غير كبيرة لا تجعل المرء يبذل جهودا كبيرة في الحصول على حقوقهم؛ لذا يفضل السكوت أو الانسحاب لاسيما حين تدار الجمعية بطريقة لا تتفق مع أهدافها أو يتم تفسير أهدافها على نحو مصلحي.

وقال أ. خالد الحارثي : تمثل قضية الجمعيات التعاونية تحد قائم لفئات متنوعة في المجتمع تشمل التجار ومرورا بالأكاديميين وحتى الموظف الرسمي المناط به تنفيذ ودعم الأنظمة . وقد تلقت التعاونيات الكثير من الاتهامات التي تصل إلى أيديولوجيا الاقتصاد السياسي وعنصرية التعالي بتهمة حلول الفقر. وهذا من شأنه الحط من قدرها وتقليص أهميتها وانحرافها عن مقاصدها بل وتوظيفها عكس غاياتها.  وتجدر الإشارة إلى أن هناك فارق رفيع ودقيق بين التعاونيات في المستوى المفاهيمي من ناحية وبين :

– مفهوم الصناديق والاستثمارات الخيرية.

– مفهوم النظرية التجارية في تعظيم الأرباح وخفض التكاليف.

– مفهوم صناديق التكافل والتأمين التكافلي.

هذا الفارق يعظم احتمالية الالتباس وتبني وجهات نظر تفتح المجال لتأخر ولادة تعاونيات ناجحة تقوم بوظيفتها والتأثير في (الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي) بشكل إيجابي على اقتصاديات الأفراد والتنمية الاجتماعية.  في الإطار النظري أي خلط ولبس من هذا النوع يخرجها من مفهوم التعاونيات إلى المفاهيم الأخرى غير ذات الصِّلة ، ويؤثر في المستوى التطبيقي والعملي لتتكرس تلك المفاهيم مجددا وتذهب قدرة مفهوم التعاونيات لخدمة القلة واحتكار المفهوم وتشويهه وتتسبب في قصور أداء مبتغاه.  تجارب الدول العربية بصفتها مجتمعات نامية ليست مشجعة جدا ؛ وذلك لأنها مرتبطة بالفقر ووصمة حلول الدخل المحدود ومصطلحاته ومغالطات منتشرة لم تفند ولم تحلل مثل “مخرجات التعليم لا تناسب سوق العمل” أو دفع الشباب نحو العمل التجاري فيتم توظيف عبارات رنانة لتحل محل العلوم وقواعد المعرفة بما لهذه العبارات من سحر وجاذبية يقع ضحيتها الكثير من العلماء والمفكرين في مجتمعنا ، وتعمل على تقزيم دور الجامعات وتهميش دور العمل الوظيفي والمهني وتراكم الخبرات.

التجارب التي عليها التعويل هي تجارب مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة وهو المنظور الذي يهم المملكة ، وفيما يلي أمثلة التشويش الكبير الذي يمكن أن يتعدى الشخص المتوسط إلى أعلى الرتب الوظيفية والدرجات العلمية في الفترة الماضية أعلن وزير العمل الجديد أنه سيعمل على تخفيض القبول في الجامعات بنسبة ٥٠ في المئة . وأعلن وزير التعليم عزمه على إلغاء تخصصات لا تناسب سوق العمل؛ في حين أن المملكة بذلت جهدا غير مسبوق حازت به التقدير والجوائز على منجزات محو الأمية التي وصلت أكثر من ٩٦٪‏ عام ٢٠١٤ لا يزال ما يقارب ١٥٪‏ – ٢٠٪‏ من العمالة الأمية وغير الماهرة تقلص المنجز من ٩٦٪‏ إلى ٧٥٪‏ تقريبا ، ولم تبني وزارة العمل على هذا المكتسبات بل تسير في مسار يخفض منها بدلا عن العمل على التقليص الحاد من استقدام العمالة الأجنبية الأمية وغير الماهرة ، وبدلا عن أن تتبنى المنجز لتطوير بيئات وشروط ومواصفات العمل ومستويات الأجور وصيغة العلاقات التعاقديّة استبدلت ذلك بالهروب للأمام واتهمت الجامعات والتعليم وخيارات الشباب. التعاونيات استراتيجيا تقوم بهذا الدور وهو توطين الوظائف وتطوير بيئات العمل وليس الإعفاء من رسوم استقدام العمالة ورسوم الإقامة.

وعندما تقوم وزارة التعليم بالقياس على نسب الانضمام للجامعات في الدول المتقدمة متجاهلة مكتسبات وبيئة واقتصاديات مجتمع واقتصاد المعرفة ، وتضع خططا لتمكين هذه النسب بالتنسيق مع وزارة العمل فهذه كارثة تضيع على مجتمعنا التحصيل العلمي والترقي المعرفي لإنجاز جسور التحول نحو مجتمع المعرفة. وبهذا تغلق الكثير من الأبواب أمام التعاونيات في الجامعات حيث أن التعاونيات في المفهوم الحديث (لا يشبه تجربة الدول العربية) تتبنى مناهج التيسير في الإدارة وتتبنى التعليم المستمر وهما منهجان يصعب أن يخرجا إلى النور دون تمكين الجامعات والأكاديميين من تطويرها وثقلهما وتأطيرهما ودمجهما في السياسات العامة والتشريعات الخاصة بالعمل والتعليم.

أيضا فقد تطرق د. سعد الشهراني إلى أن هناك خلط بين:

1- الجمعيات الحقوقية.

2- الجمعيات المهنية.

3- الجمعيات الخيرية.

4- الجمعيات التعاونية.

و ربما أن ذلك يرجع إلى أنها جميعا ليست من القطاع الخاص التقليدي ( و إن كانت من القطاع الأهلي ) و خارج التنظيم الحكومي الرسمي ( و إن أخضعت في تنظيماتنا للإشراف و السلطة الحكومية بدرجة لا تماثل معظم التجارب العالمية ). فضلا عن أن وضع هذه الجمعيات غير واضح و ملتبس من منظور و مفهوم منظمات المجتمع المدني.  نحتاج إلى دراسة مقارنة (مع أفضل الممارسات و التجارب الدولية و ما يناسبنا منها) حول هذه الجمعيات من حيث طبيعتها و تطورها و مستقبلها في المملكة.

ولاحظ د. علي الحارثي أن معضلات التعاونيات انحصرت في ثلاثة أمور:

١- انتفاء مبدأ الاستقلالية وسيطرة الدولة على التشريع والترخيص والدعم والرقابة، وكلها معضلات تميت الحي أو تجعله في غيبوبة.

٢- الفساد المالي والإداري والرقابي الذى رافق الجمعيات المرخصة مما أمات الرغبة عند الغالبية من المجتمع المشاركة في ذلك .

٣-الغموض في المبادئ والأهداف ما بين أن تكون ربحية أو غير ربحية وبين أن تكون مؤسسة أو شركة وبين أن تكون مشاعة للجميع ومحدودة الانتماء لعائلة أو لحي أو لقبيلة أو غير ذلك.

  • تجربة قبيلة (آل سرحان شهران) في جنوب المملكة

ذكرت أ. ليلى الشهراني تجربة ناجحة لقبيلة (آل سرحان شهران) في جنوب المملكة ، وقد تكون جمعيتها التعاونية من أقدم الجمعيات ربما تمتد لثلاثين عاما أو أكثر. وما يميزها (التنظيم ، اجتماع الكلمة) لذلك نجدها القبيلة الأكثر اكتفاء ، سوقها يدعمه أفراد القبيلة بالتسوق منه ، وما تجنيه من مشاريع يعود على دعم فقراء القبيلة أو تزويج المعسر أو استصلاح المدارس والمباني وعلاج من لا يستطيع العلاج ، ولعل هذا أفضل بكثير من فتح جمعيات خيرية تعتمد في المقام الأول على التبرعات ، فالجمعيات التعاونية تحقق مبدأ التعاون، والعمل والتراحم وتجنب المحتاج من القبيلة أو الحي مذلة السؤال والطلب ، بل وتفتح أبواب العمل بتنوع مشاريعها وتوظيف أبنائها .

وعلق د. عبدالرحمن الهدلق بأن الجمعية التعاونية لقبيلة ال سرحان من شهران انتقلت من المحلية إلى الإقليمية ووصل خيرها إلى مخيم الزعتري من خلال دعم سكان المخيم بعشرات الكرفانات السكنية.

وأوضحت أ. مها عقيل أن الانتقال من المحلية إلى العالمية تجربة مهمة ويجب تسليط الضوء الإعلامي عليها لتحظى على مزيد من الدعم والإشادة محليا ودوليا، من ثم يكون التساؤل المهم: كيف يمكن الاستفادة من تجربة قبيلة ال سرحان شهران – المشار إليها سلفاً – وتعميمها؟

وأشارت أ. ليلى الشهراني حول هذه النقطة الأخيرة إلى أن الجمعيات التعاونية لا يمكن أن تنجح إلا في بيئات تعي أهميتها ، في كثير من الأسر أو القبائل يوجد ما يسمى (صندوق العشيرة) تجمع فيه مبالغ مالية من الموظفين ، ثم تبقى حبيسة الحساب البنكي وغالبا تصرف في دفع (الدية) لقاتل أو معتدي وقليل ما نراها تصرف في تغيير واقع فقير أو معسر . أما كيفية الاستفادة من التجربة، فتحتاج تتبع ودراسة لقصص نجاح بعض الجمعيات من البداية.

جمعية آل سرحان : عمل مؤسسي منظم قام عليه شباب ، وضعوا صندوقا يشارك فيه أبناء القبيلة كلهم بمبلغ مالي رمزي شهريا ، ما تجمع منه في البدايات افتتحوا به سوقا ومحطة بنزين للسيارات،  ثم بدأت تتوسع أعمالهم التجارية والزراعية والعقارية إلى أن أصبحت شركات. ومشوارها في الألف ميل بدأ بخطوة واستمر لسنوات حتى دخلوا الآن في مرحلة الحصاد ، ولاستنساخ التجربة فلا تحتاج أكثر من نية جادة وعمل دؤوب واجتماع كلمة وأمانة ، فليست العبرة بكثرة ما يوضع في سلة الجمعية من مال بل في كيفية تصريفه واستثماره وتنميته وإلا لن يؤتي أكله.

وأضافت أ. ليلى الشهراني في مداخلة لاحقة: لفت نظري وأنا أقرأ عن الجمعيات التعاونية في الخليج ، “جمعية دبي التعاونية لصيد الأسماك” والتي تأسست في العام ١٩٨٩، والهدف منها تنمية روح التعاون بين الصيادين في إمارة دبي لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ، ووجدت دعما ماديا ومعنويا من محمد بن راشد ، أعجبتني رؤيتها ومهمتها وهدفها والتي حددتها في ثلاث محاور :

  • تنظيم مهنة الصيد وتجارة الأسماك والبحريات.
  • حماية وتوطين مهنة الصيد في إمارة دبي من خلال رفع مستوى الخدمات والتسهيلات المقدمة للصيادين .
  • الارتقاء بمهنة الصيد وتنمية روح التعاون بين الصيادين .

هذه النماذج الجميلة في عمل الجمعيات التعاونية من حولنا يحفز على تكرار التجربة عندنا، (توطين الصيد) (توطين التجارة) (توطين الزراعة) (توطين قطاع الدواجن واللحوم) وغيرها ستساهم بلا شك بتوفير الكثير من الفرص الوظيفية وستخلق مجتمعات تعاونية عاملة .

  • العمل التعاوني ضرورة حضارية وحتمية

  أورد م. خالد العثمان نص ورقة عمل مهمة عن التعاونيات كتبها أ. حمود بن عليثة الحربي وهو من شيوخ العمل التعاوني في المملكة، تحت عنوان: ” العمل التعاوني ضرورة حضارية وحتمية وأكفأ وسيلة لتحقيق الرفاه بمعناه الشامل”، ونصها كالتالي:

أولاً ما هو مفهوم التنمية ؟

التنمية بمفهومها الشامل تعني كل الجهود التي تبذلها الدولة وقطاعاتها العامة والخاصة بقصد استغلال كافة مواردها وطاقاتها المالية والبشرية المتاحة بغية تطوير حياة المجتمع والارتقاء به إلى أعلى المستويات وتحقيق الرفاه والأمن الاقتصادي والاجتماعي والعسكري الذي يحمي هذه المنجزات ويهيئ للمجتمع مناخاً نفسياً واجتماعيا واقتصاديا للوصول إلى تحقيق هذا الهدف السامي ويسهم في القضاء على كثير من المشكلات التي تعاني منها دول العالم قاطبة .

ثانيا: اهتمام الدولة بهذا القطاع

اهتمت القيادة بالعمل التعاوني واعتبرته من أسس التنمية وركائزها ووسيلة للتوطين , بدءاً بدعم الجهود الفردية للرواد الاجتماعيين في مرحلة التأسيس ثم تنظيمها وتسجيلها كجمعيات عندما أنشئت وزارة الشؤون الاجتماعية عام 1380 هـ وصدور نظام لائحة الجمعيات التعاونية عام 1382 هـ ثم توج ذلك بصدور النظام التعاوني الجديد , وإنشاء مجلس الجمعيات التعاونية بقرار مجلس الوزراء الموقر رقم (73) وتاريخ 29/3/1429 هـ , وصدور الأمر السامي الكريم بدعم الجمعيات بمبلغ ( 100.000.000 ) مائة مليون ريال سنوياً ودعمها بمبلغ ثلاثين مليون ريال عاجلة لمرة واحدة لتأسيس عدد من الجمعيات الجديدة ودعم القائم منها مما يؤكد توجه الأمر السامي الكريم بدعم هذا القطاع لأهميته في معالجة الكثير من المشكلات الكبيرة منها ( البطالة , الغلاء , الاحتكار , الجهل )…… وغيرها من المشاكل التي تؤرق الدول وتثقل كاهلها لذلك فقد وافق مجلس الوزراء الموقر في إحدى جلساته بحث وزارة الشؤون الاجتماعية على التوسع في إنشاء الجمعيات التعاونية ودعمها وتزامن هذا , مع التوجيه بدعم وزارة التجارة والصناعة بشرياً ومادياً لتمكينها من تطبيق نظام مكافحة التستر على أحسن وجه وقيام الجهات المختصة بتكثيف الجولات التفتيشية وإبلاغ وزارة التجارة والصناعة وبلا شك فالربط بين الحالتين لم يأت من فراغ وإنما من إحساس القيادة بأهمية العمل التعاوني  وتأكيد للتوجهات الاستراتيجية للمملكة بأن الجمعيات التعاونية بمختلف أشكالها تعزز مشاركة المواطنين في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأنها في طريقها لأن تصبح عاملا رئيسا من عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة و الخدمات والحد من الفقر  والإسهام الفعال في القضاء على البطالة والحد من سيطرة العمالة الوافدة على مفاصل الأنشطة التجارية والزراعية والمهنية ونحن يهذا التوجه نحصد نتائج وتجارب عالمية ناجحة أثبتت أن الجمعيات التعاونية أوسع المنظمات الاجتماعية والاقتصادية انتشارا في العالم وفي ظل مختلف الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية.

ثالثا  دور الجمعيات التعاونية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية ؟

من المعلوم أن الجمعيات التعاونية تمثل أهم الركائز والأسس والوسائل لتحقيق تطلعات حكومتنا الرشيدة في تحقيق التنمية ورفع مستوى المجتمع السعودي من كافة النواحي للأسباب التالية:

  1. العمل التعاوني يتيح المجال للمشاركة الشعبية من كافة شرائح المجتمع وخاصة أصحاب الدخول المنخفضة والمحدودة اللتين تمثلان أكبر نسبة من السكان .
  2. فتح مجالات جديدة ومتنوعة للاستثمار.
  3. تنمية روح التكاتف والتآزر بين الأعضاء في كل جمعية تعاونية مما يؤدى إلى تعميق الولاء والمشاركة الوجدانية وبالتالي تحقيق الأهداف الفردية والتعاونية العامة والتصدي لكافة المشاكل التي تواجه العمل التعاوني .
  4. تطوير وتنمية المفاهيم الديمقراطية لدى الأفراد عن طريق انتخاب مجالس الإدارات وتشكيل اللجان والعمل بها من خلال التوزيع العادل للإنتاج والخدمات.
  5. الرفع من مستوى ذوي الدخل المحدود اقتصاديا واجتماعيا وثقافياً من خلال زيادة دخولهم لاسيما أنهم يشكلون أكثر من ثلثي السكان.
  6. المساهمة في خفض معدلات البطالة وعلاج أخطارها الكثيرة بحكم أن العمل التعاوني يشتمل على كافة التخصصات , في الزراعة , والتعليم , والنقل , والتدريب , والإسكان , والصناعة , والمجال الاستهلاكي , وغيرها …… , ويحتاج إلى أعداد كبيرة من العاملين وبمختلف الخبرات والمؤهلات والمستويات والحاجة إليهم لا تتوقف لأن القطاع التعاوني نام ومتطور على الدوام والخطة الخمسية التي وضعها المجلس سيتم من خلالها تأسيس (5211 ) جمعية وتوظيف أكثر من نصف مليون بحول الله.
  7. محاربة ظاهرة الغلاء والاحتكار التي ظهرت في السنوات الأخيرة وأصبحت دول العالم تعاني من ارتفاع كلفة المعيشة وفي المملكة صار تأمين الغذاء والسكن يقتطع نسبة كبيرة من ميزانية الأسرة السعودية بما يفوق 60 % تقريباً من دخل الأسرة ويعود ذلك إلى اقتصار التوريد على شركات الاستيراد وقطاع التجزئة . مما أدى إلى انتشار ظاهرة أخرى خطيرة وهي الاحتكار ولا سبيل إلى معالجة ذلك إلا بتطوير وانتشار العمل التعاوني والذي يمثل أهم العوامل في القضاء على هاتين الظاهرتين عن طريق قيام الجمعيات التعاونية باستيراد السلع الاستهلاكية والأساسية وتوزيعها على الجمعيات التعاونية المنتشرة في كافة أنحاء المملكة , بسعر معقول لا يزيد عن سعر التكلفة وتوزيع بعض الأرباح البسيطة على المساهمين فيها من تلك الأحياء أو المدن الصغيرة.

رابعاً معوقات العمل التعاوني:

إذن مما سبق تفصيله عن أهمية العمل التعاوني في رفع مستوى معيشة المجتمع وعلاج كثير من المشكلات الكبيرة ( أمنياً , اقتصاديا , اجتماعيا , تعليمياً , سكناً , نقلاً , تدريباً , صحة ) ….. وغير ذلك.

  وما رأيناه من اهتمام الحكومة الرشيدة بالعمل التعاوني منذ خمسين عاماً , والتوجيه بدعمه والتوسع في انتشار جمعياته التعاونية والسعي إلى التكامل الخليجي لتحقيق هذا الغرض بشكل تكاملي ومنظم لكل ذلك يتساءل الكثيرون عن أسباب ضعف العمل التعاوني وتباطؤ نموه والتأخر في إنشاء الجمعيات , وعدم مواءمته لأهمية المملكة وثقلها الديني والاقتصادي والسياسي ومكانتها بين دول العالم ….. فماهي الأسباب ؟

1 ) عدم تطوير وتحديث وتيسير إجراءات التراخيص: 

فرغم مرور خمسين عاماً على نظام الجمعيات التعاونية وتحديثه والتوجيهات السامية بالتوسع في إنشاء الجمعيات ودعمها. إلا أنه لم يواكب ذلك تطوير للإجراءات والآليات لإنشاء الجمعيات لدى الجهات المختصة , فنظام التراخيص وتعقيداته لم يطرأ عليه أي تغيير في اتجاه التيسير والتسهيل لتنفيذ الأوامر الكريمة … وهذا ما أكده تقرير حديث لخبراء الصندوق الدولي للتنمية (إيفاد) الذي رصد أن مدة الترخيص تتجاوز العامين الأمر الذى يتطلب وبسرعة معالجته وتنفيذ توصية منظمة العمل الدولي بإنشاء أطار مؤسسي , يسمح بتسجيل الجمعيات بطريقة آلية وسريعة وإجراءات مبسطة وغير مكلفة , خاصة وأننا نرى العالم من حولنا يعتمد التراخيص بمجرد رفع الطلب أو الأخطار من المؤسسين عبر البريد الإلكتروني والرد عليهم بنفس الطريقة وبأسرع وقت . وترخص وزارة التجارة المؤسسات والشركات والمصانع في أيام معدودات.  وتسود قناعة بأنه في ظل الواقع لن نحقق الهدف الاستراتيجي ما لم يتحول مجلس الجمعيات إلى هيئة تختص بالقطاع التعاوني على غرار ما هو سائد في الدول المتقدمة و إنشاء صندوق خاص للتنمية التعاونية لدعم وتمويل أنشطة الجمعيات التعاونية على شكل قروض ميسرة مستردة لتحقيق أهداف الدولة التكاملية في توفير الرفاهية والطمأنينة للمواطنين من خلال الجمعيات التعاونية وتعزيز شعور المواطنين بأهمية الجمعيات التعاونية وقدرتها على تحقيق أهدافها وإخراج القطاع التعاوني من الاعتماد على الإعانات غير المستردة إلى الاعتماد على إيرادات والقروض الميسرة الملزم بسدادها.

ومجلس الجمعيات مهيئا ليكون هيئة من حيث تكوينه وقدرات أعضائه فقرار مجلس الوزراء الموقر ( 73 ) وتاريخ 9/3/1429 هـ قضى بتكوين مجلس للجمعيات التعاونية , من ( 17 ) سبعة عشر عضواً بينهم ( 11 ) أحد عشر عضوا يمثلون الجمعيات التعاونية , و( 6 ) وستة أعضاء يمثلون الجهات الحكومية ذات العلاقة .

2) غياب مفهوم العمل التعاوني سواء من جانب المسؤولين أو المواطنين :

نرى ذلك لدى المسؤولين مع الأسف الشديد وحتى لدى تلك الوزرات ذات العلاقة الممثلة في المجلس ففيما عدا وزارة المالية ووزارة الزراعة ووزارة الإسكان والجهود الجاري العمل عليها مع وزارة العمل فإن باقي الوزارات المعنية بالسياسة الوطنية إزاء التعاونيات لا تتصرف بما يتسق مع هذه السياسة بما في ذلك الوزارات التي تعلن عبر مواقعها الرسمية اعتمادها الجمعيات التعاونية في تحقيق أهدافها نعم تباطؤ العمل التعاوني  يؤكد غياب المفهوم بدليل أن هناك خللاً واضحاً فالمعلوم أن العالم المتقدم لديه في استراتيجيات التنمية الاهتمام منصب على العمل التعاوني أكثر من الخيري وعدد الجمعيات التعاونية يفوق الجمعيات الخيرية بأضعاف مضاعفة باعتبار الجمعيات التعاونية كيانات اقتصادية ومن ركائز التنمية ولها خطط واستراتيجيات بينما الجمعيات الخيرية كيانات تطوعية تعتمد على الإعانات والهبات التي قد لا تستجيب في الأزمات ومع ذلك فعندنا أكثر من تسعمائة جمعية خيرية بينما لا تتجاوز الجمعيات التعاونية 191 جمعية مع الأسف الشديد فالهرم مقلوب لدينا كما يقول خبراء التنمية .أي أن التنمية المستدامة أسفل الهرم بينما المساعدات الآنية في قمة الهرم  كما أن اختلاط المفهوم بين الجمعيات التعاونية والجمعيات الخيرية لدى بعض صناع القرار ولد لديهم فهما وقناعة خاطئة بأن الجمعيات التعاونية لا ينشئها إلا الفقراء والطبقة المتوسطة علما بأن نظام الجمعيات بالمملكة ولائحته التنفيذية صريح بأن الجمعية التعاونية هي كل جمعية يكونها أفراد بهدف تحسبن الحالة الاقتصادية والاجتماعية في نواحي الإنتاج أم الاستهلاك أم التسويق أم الخدمات وفق المبادي التعاونية بهدف  تحقيق مصالح اقتصادية واجتماعية للمساهمين وبجهودهم المشتركة ينتج عنها تخفيض ثمن تكلفة منتجات أو خدمات أو تحسينها للمستهلكين. وذلك بمزاولة المساهمين أعمال المنتجين أو المستفيدين. كما أن الشواهد المحلية و العالمية توكد أن صناعة البدائل ليست مهمة فئات اجتماعية تقع تحت ضغط الفقر، إنما توفير هذه البدائل سيمكن هذه الفئات من الانحياز لها، طالما كانت تتمتع بجودة وأسعار أرخص وعائد يطال مجموعا سكانيا يحاول أن ينشط عملية تعاونية لتوفير احتياجاته اليومية. ومن الطبيعي أن يغيب مفهوم العمل التعاوني لدى المواطنين طالما غاب عن المسؤولين وواضعي الاستراتيجيات إلى جانب أن المواطن لا يهتم بشيء إلا إذا راَه على أرض الواقع ولامس احتياجاته الأساسية وعالج همومه ومشكلاته اليومية. إن مجرد علم المواطن أن إجراءات الترخيص لتأسيس جمعية تعاونية تتجاوز العامين  كفيل بنسف كافة الجهود الرامية لنشر الثقافة التعاونية لدى المواطن والحديث عن أهميتها في علاج مشاكله ودعوته للانخراط والمساهمة في إنشائها وإداراتها.

3) ضوابط صرف الإعانات للجمعيات التعاونية

تضمن النظام بمادته الربعة والثلاثون أن لا تصرف الإعانات الواردة بالنظام إلا بعد أن تتأكد الوزارة من قدرة الجمعية على مواصلة العمل وتحقيق أهدافها وقد فسرت اللائحة ذلك (بعدم صرف الإعانة إلا بعد تنفيذ الجمعية لمشاريعها وإدراج التكاليف منصرفة في ميزانيتها ) مما حد من استفادة الجمعيات من الإعانة السنوية للجمعيات التعاونية البالغة115 مليون وتحويل 70% منها لتعزيز الدعم للجمعيات الخيرية المخصص لها دعم سنويا بأكثر من (450مليون).

وقياسا على التجارب العالمية الناجحة فإن من الأجدى دعم الجمعيات التعاونية والقطاع التعاوني بشكل عام على شكل قروض ميسرة لا هبات أو إعانات مالية مباشرة للمحافظة على رأس المال, وقصر الإعانات على تخصيص أراض وبناء المقرات. والدعم التفضيلي بحق الجمعيات بالانتفاع من الأراضي الحكومية لإقامة المشاريع والأنشطة التعاونية. وتسهيل الإجراءات المطلوب اتخاذها عند مراجعتها صناديق الإقراض الحكومية المختلفة بما فيها تسهيل الإجراءات المتعلقة بالضمانات وإعفاء الجمعيات التعاونية من الرسوم الجمركية لواردتها من السلع والمواد والمعدات الأساسية وفقا لما كان معتمدا في نظام الجمعيات التعاونية السابق  كما يمكن الاستفادة من تجربة وزارة الزراعة في برنامج الدعم العيني للجمعيات الزراعية والذي شمل معاصر الزيتون ومعامل التمور ومصانع الثلج وشاحنات نقل ومعدات زراعية مختلفة. الخبراء الوطنيون المتطوعون من متقاعدي القطاع الحكومي والخاص يذللون نقص التمويل السنوي لمجلس الجمعيات.

الدعم السنوي المخصص للمجلس من وزارة الشؤون الاجتماعية ( 5 مليون ) وخطط واستراتيجيات المجلس الخمسية الموافق عليها من الوزارة لتوسيع مجالات ونطاقات العمل التعاوني في المملكة اعتبارا من ( 2014-2018 ) م ,  تأسيس ( 2511 ) ألفان وخمسمائة وإحدى عشرة جمعية تعاونية في مختلف المجالات , والسعي لإيجاد أكثر من نصف مليون فرصة عمل وبميزانية قدرها 15 مليار ريال سعودي سعياً إلى الوصول بالمملكة إلى مراكز متقدمة لتكون ضمن أفضل عشر دول في الاقتصاد التعاوني. وقد طالبت الجمعية العمومية للجمعيات التعاونية بالمملكة الوزارة بتخصيص 20% من الإعانة السنوية ( 100 مليون ريال) المعتمدة من المقام السامي ، لدعم البرامج والمشاريع التعاونية التي ينفذها مجلس الجمعيات لصالح القطاع  التعاوني الكلي على مستوى المملكة قياساً على ما هو متبع في النظم التعاونية بالدول الأوربية وأمريكا وكندا. عدم انضمام المملكة للاتحادات التعاونية الدولية والعربية حرمنا من الاستفادة من تجارب وأبحاث وبرامج الاتحادات الدولية والعربية، ومن لجنة خبراء التعاون العرب.

على الرغم من قيام وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بتقديم الدعم المالي لإنشاء الجمعيات التعاونية، واستيفاء متطلبات التأسيس، إلا أننا أغفلنا أن النهضة التعاونية لن تتم إلا بتوفير الإدارة العلمية الرشيدة للتعاونيات، فلقد أثبتت التجارب العالمية (أنه لا تعاون بلا تعاونيين) فالإنسان التعاوني الواعي المدرك لأهداف التعاون هو الضمان الأول لبناء قوة تشارك بكل الوعي والفعالية في قيادة ورقابة وتنفيذ أهداف العمل التعاوني، كما أن عدم انضمام المملكة للاتحادات التعاونية الدولية والعربية التي تساهم المملكة بجزء كبير من ميزانياتها بشكل مباشر أو غير مباشر قد حرمنا من الاستفادة من تجارب وأبحاث وبرامج الاتحادات الدولية والعربية، ومن لجنة خبراء التعاون العرب في جامعة الدول العربية التي تهتم بالتنسيق بين الحركات التعاونية في الأقطار العربية ومعالجة قضاياها المهمة والمصيرية وتوحيد المصطلحات التعاونية وتبادل الخبرات والخبراء ونقل المعارف والمهارات الدولية للقطاع التعاوني وما توفره من دعم فني ومشورة وتطوير للعمل التعاوني بالمملكة. ومن هنا فلابد لنا من التركيز على النهوض بالإمكانيات البشرية للقاعدة التعاونية العريضة بشكل وآلية تنسجم مع روح عصر المعرفة من خلال تأسيس مراكز للتدريب التعاوني بالمناطق تتولى تنفيذ المبدأ التعاوني الخاص بأن تتولى التعاونيات تعليم وتدريب أعضائها، والممثلين المنتخبين، والمديرين والموظفين لكي يسهموا بفاعلية في تنمية تعاونيا تهم من خلال:

  • إعداد الكوادر المهنية والمدربين التعاونيين.
  • تدريب أعضاء مجالس الإدارات الحاليين وصقل مواهبهم في مجالات (التسويق – المراجعة – الحسابات) لتوفير الحد الأدنى من المعرفة والمهارة اللازمة لاستمرارهم في عضوية مجلس الإدارة.
  • تدريب الأعضاء المرشحين للدخول بمجالس إدارات الجمعيات واعتماد اجتيازهم للتدريب كشرط أساسي لاستكمال إجراءات الترشيح وعدم قبول أي مرشح لعضوية مجلس الجمعيات التعاونية أو الجمعيات ما لم يكن قد حصل على دورة تدريبية في الإدارة التعاونية وربط التراخيص لأي جمعية باجتياز مجلس إدارتها بدورة تدريبية للإدارة التعاونية.
  • تدريب المنتسبين للجمعيات التعاونية من أعضاء الجمعيات العمومية والعاملين بها.

المبادرات التعاونية إلى أين؟

انطلاقا من أن الجمعيات التعاونية مؤسسات تنموية تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول تجمع القدرات والإمكانيات وتوجهها لدعم الاقتصاد الوطني، ولأن التعاون أصبح أساسا في تطوير وتنمية المجتمعات المحلية. وتحقيق خدمات اقتصادية لمرافق حيوية في مختلف شؤون حياة المواطنين في مجالات الزراعة والمهن الحرفية والتموين الاستهلاكي والعيادات الطبية ورياض الأطفال وتنمية الموارد البشرية والأغراض الاجتماعية والتنموية المتعدد أطلق مجلس الجمعيات التعاونية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية 13 مبادرة تعاونية ولأنها تعاونيات غير تقليدية فقد واجه عدد منها عراقيل المفهوم والروتين وبالأخص الجمعيات التعاونية الصحية والتعليمية والسياحية وجمعيات التدريب والاستشارات والجمعيات التعاونية لخدمات الحج والعمرة و التعاونيات الإعلامية وتعاونيات تنمية الموارد البشرية أن واقع إجراءات التأسيس لدينا لا تحفز المبادرين على إنشاء جمعيات تعاونية جديدة، خاصة في مجال المبادرات التعاونية التي تم إطلاقها وما واجه المبادرين لها من عقبات.

الجمعيات الاستهلاكية ملف متأرجح بين وزارة التجارة ووزارة الشئون الاجتماعية فأين موقع المجلس من الأعراب؟

من رسالة الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة اليوم الدولي للتعاونيات ‘ أثبتت التعاونيات، من خلال تركيزها المتميز على القِيَم، أنها نموذج تجاري مرن له مقومات البقاء ويمكنه أن يزدهر حتى في الأوقات الصعبة. وقد ساعد هذا النجاح على حماية العديد من الأسر والمجتمعات المحلية من الانزلاق في هوة الفقر. ” القطاع التعاوني عموما اعتمده العالم حبل النجاة لتوازن المجتمع وتوقف سقوط الطبقة المتوسطة إلى قاع الفقر والحرمان وبراثن البطالة وما يترتب عليها من آثار اجتماعية وأمنية . أما ظهور الموجات البشرية المتزايدة المعالة بالصدقات والحرمان فقد أصبح معياراً ومؤشراً لضعف السياسات التنموية الاجتماعية والاقتصادية وناقوس إعلان للأخطار منادياً بشعار ( التعاونيات هي الحل ).

وبناء على الأمر السامي الكريم رقم 7938 وتاريخ4-3-1435هـ القاضي بدعم مجلس الجمعيات التعاونية بمبلغ (30) مليون ريال لمرة واحدة لتأسيس عدد من الأسواق التعاونية الجديدة ودعم القائم منها وأن يتم الصرف من هذ المبلغ   قدم المجلس الآلية المناسبة التي تضمن قيام قطاع استهلاكي تعاوني قوي رشيد قادر على المنافسة مع ضمان المحافظة على الأموال العامة تتمثل بقيام المجلس نفسه وبدعم من الحكومة بعملية تمويل تأسيس الأسواق التعاونية على أراض مملوكة للجمعيات أو مستأجرة  بعقود طويلة الأجل قابلة للتجديد ولضمان حصول الجمعيات التعاونية على البضائع والسلع بمواصفات جيدة وبأسعار مناسبة ولسد الطريق أيضا أمام أي نوع من أنواع الفساد فإن المجلس سيتولى المسؤوليات والمهام التالية :

  1. يتولى المجلس تحديد مواقع الأسواق التعاونية الجديدة أو القائمة التي سيتم دعمها من خلال تقديم قرض حسن لا يزيد عن (2) مليون ريال للأسواق الجديدة ومليون ريال للأسواق القائمة لها يسدد على شكل أقساط خلال مدة لا تتجاوز (10) سنوات.
  2. توحيد عمليات الشراء من خلال إدارة متخصصة في المجلس تتولى عملية التأمين الموحد للسلع التموينية الأساسية.
  3. التعاقد مع شركات التأمين لتقديم الخدمات التأمينية للأسواق التعاونية.

4.مراقبة المخزون والمبيعات من خلال نظام آلي يربط جميع الأسواق التعاونية في المجلس وتمكن وزارة التجارة والصناعة من الدخول إلى هذا النظام لمعرفة حجم المخزون لدى هذه الأسواق وأسعار البيع.

5.وضع استراتيجيات وخطط لتوزيع السلع الاستهلاكية على جميع الأسواق التعاونية الاستهلاكية عبر قنوات توزيع متطورة وعالية المستوى.

6.اكتساب صفة الجهة الاعتبارية، المعتدة كمنظم رئيسي مسئول عن عمل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في المملكة العربية السعودية.

7.تلتزم الجمعية بإدارة وتشغيل المشروع بصورة مباشرة و تمكن المجلس من الرقابة الدائمة على المشروع وعلى حساباتها وعلى مخزونها من البضائع والتجهيزات. وقد استكمل المجلس إعداد لائحة الإقراض التعاوني والدليل الإجرائي واستقبال طلبات الجمعيات ومن المخطط له تدشين أول الأسواق التعاونية في الربع الأول من هذا العام1436.

الجمعيات التعاونية للإعلام والمسرح

توجد العديد من التجارب الدولية الناجحة في مجال الملكية التعاونية لوسائل الإعلام، كوكالة الأسيوشياتد برس، كما أن هناك اتجاها عالميا للتوسع في الملكية التعاونية لوسائل  الإعلام، ويتوافق هذا مع إعلان الأمم المتحدة عام 2012 العام الدولي للتعاونيات، الذي يشكل دعماً للدور البارز للملكية التعاونية في دعم التنمية، ويقوم هذا النمط على امتلاك عدد كبير من المساهمين في هذه الوسيلة لأرصدة صغيرة، وينتخبون جمعية عمومية، ومجلس إدارة يعبر عنهم. وهذا النمط من الملكية يحافظ على أداء الوسيلة الإعلامية بمعزل عن التأثر باستراتيجية مالك محدد أو عدد قليل من الملاك، كما أن زيادة عدد المالكين مع ازدياد دور الجمعية العمومية يزيد من مناعتها وقدرتها على المنافسة. وقد تقدم عدد من المواطنين لتأسيس جمعية تعاونية تضم أعضاء  يعملون في الإعلام وتكنولوجيا الإعلام بما فيهم الأشخاص الاعتباريين ملتزمين بنظام الجمعيات التعاونية بهدف تحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية لأعضائها ومتبعين في ذلك المبادي التعاونية لتحقيق أهداف من أهمها توفير فرص العمل والإسهام في نشر الفكر والإعلام التعاوني علي أوسع نطاق ممكن وفقا للأساليب العلمية المتعارف عليها وعقد الدورات التدريبية  لتأهيل الكوادر الإعلامية المتخصصة بالإعلام التعاوني وتقنياته والتعاون في مجالات الإنتاج الاحترافي للبرامج الإعلامية المختلفة كالأفلام التثقيفية والإرشادية والملصقات والمعارض وكافة الوسائل السمعية والبصرية التي شأنها نشر الوعي المجتمعي في كافة المجالات.

  • رؤية استشرافية لمستقبل التعاونيات وآليات تطويرها

أشار د. سعد الشهراني إلى أن التعاونيات نشاط اقتصادي و اجتماعي مهم جدا و فيه الكثير من الفرص و الفوائد على المستوى الجزئي (الأفراد و الفئات و المناطق )  و على المستوى الكلي. وهناك الكثير من الآثار و النتائج و الفوائد التي من المتوقع أن تتحقق إذا فعل هذا القطاع و عمم و دعم و انتشر على مساحة الوطن و منها:

  • الآثار على مستوى الأسعار و معدلات التضخم و تنويع المنتجات و الخيارات أمام المستهلك و انخفاض تكاليف المعيشة.
  • تشغيل اليد العاملة الوطنية و خفض معدلات البطالة.
  • الإسهام في تنويع مصادر الدخل ليس على المستوى الجزئي فقط بل على المستوى الكلي أيضا.
  • إنعاش القطاع الزراعي و الزراعات و المزارعين التقليديين الأصغر حجما من الشركات و المزارعين الكبار.
  • دعم نشاط الأسر المنتجة.
  • تخفيف حدة الاحتكار.

الرياض (مثلا) مدينة كبيرة و كل حي كبير يمكن أن تكون له جمعية استهلاكية و يمكن أن تنجح بشرط الإدارة الكفؤة ، بما في ذلك النظام الرقابي الداخلي و الخارجي الصارم و الشفافية ، و دعم الدولة و منع السمك الكبير و ذوي المصالح  من التهامها و إفشالها. كما أن دعم الدولة ليس بالضرورة أن يكون ماليا و مباشرا بل بإعفاءات و حماية قانونية.

وذكر أ. خالد الحارثي أنه نظرا للتحديات القائمة في تنويع الاقتصاد وبناء الجسور للتحول نحو مجتمع المعرفة فإنه يعتقد أن التنظيمات أو صيغة المنظومة التي ستقوم بدور كبير للتغلب على تحديات الوضع القائم والمساهمة بشكل أساسي في الوصول للأهداف تحتم أن تكون المنصة خارج وزارة التنمية الاجتماعية وأن تحظى باستقلال تام. أيضا فإن الدور المطلوب منها كبير ومهم والوقت المتاح ضيق نوعا ما وهذا يطرح أن تحظى برافعة leverage تستطيع حمل المهمة ، إضافة إلى أن وفرة السيولة في يد المواطنين للمساهمة في هذه الصناديق قد لا تكون كافية فيلزم أن تكون الرافعة المذكورة لها هذه القدرة التي تضيع الفرصة على تحكم القلة أو سيطرة الأثرياء.  إن اقرب نموذج لتنصيب هذه المنصة والرافعة أن تقوم صناديق الإقراض الحكومي الموجهة للأفراد بتقديم قروض تضخ مباشرة في صناديق التعاونيات بحصص متساوية للعشر سنوات الأولى ريثما يتماسك البناء وتتغير بيئات التعاونيات نحو التحسن والتمكن.

وفيما يخص الحوكمة، يعتقد أ. خالد الحارثي أن الحوكمة تبدأ باستقلال الجمعيات التعاونية عن الجهاز الحكومي الوزاري ثم بتقنين الحصص والأنصبة لضمان التوزيع العادل للملكيات وضمان الانتشار الواسع لسلطة صناعة القرار في مجالس التعاونيات. أما بالنسبة للتصنيف فإننا بحاجة أيضا لتقنين العدد والأنصبة أو الحصص التي يتيحها التنظيم لكل فرد ، وبصفتنا مجتمعا ناميا نرنو لنكون مجتمعا متحولا في القريب العاجل فإن مراعاة هذه الضوابط سيمكن التعاونيات من لعب الدور المبتغى الذي يقودنا لمجتمع المعرفة بعد مجتمع التحول.

وأكدت د. نوف الغامدي على أن الجمعيات التعاونية تمثل الاقتصاد التضامني والذي سيكون بديلاً عن اقتصاد السوق المهيمن في العالم حاليا، ولكن بإمكانه أن يكون اقتصاداً موازياً قادرا على تحرير ديناميكية النمو المُدمج وإعادة التوازن للمجتمع عن طريق الحد من حجم التفاوت والفوارق الاجتماعية من أجل نمو مدمج؛ فالعديد من شرائح المجتمعات لا تتفهم المفهوم الفلسفي للعمل الاجتماعي والتعاوني والاقتصاد الاجتماعي مع أنّه من أهم وسائل التنمية المستدامة …. وبطبيعة الحال يجب أن يكون (( قطعة من الاقتصاد وليس كله )) …. أن اقتصاد السوق بقوانينه يجب أن يكون العمود الفقري لاقتصاد أي بلد ولكن يجب أن تكون هناك منهجية لموازنة تتلاءم مع الاتجاه الاجتماعي والثقافي لسياسة التنمية خصوصاً في ظل الركود الاقتصادي.

ويعتقد أ. خالد الحارثي أن النظر للتعاونيات بصفتها اقتصادا موازيا أو مستقلا أو بديلا يضعنا في مأزق اقتصادي يخالف النظريات التي يعتد بها في الاقتصاد والاقتصاد السياسي. ومن وجهة نظره أن جميع النظريات في الاقتصاد والاقتصاد السياسي نصبت مسارات لدورة الاقتصاد وقنوات تدفق دورة الإنتاج المادي والمعرفي والخدماتي ومن ضمنها وظيفة ودور التعاونيات وإن اختلف مسماها حسب الاصطلاح .. هذا الضعف الكبير في البنية التحتية والتشغيلية والوظيفية للتعاونيات في المملكة والذي تسبب في أزمات فاقمت أثر التضخم بكل أشكاله سواء في السيولة أو الأسعار أو غيرها فأصبحت مشكلاتنا معقدة وعصية على الحلول التقليدية.

ومن جديد أوضحت د. نوف الغامدي أنه وحتى لا تختلط علينا المصطلحات، فـالاقتصاد الموازي هوّ اقتصاد الظلام الذي ينتج عادة من الركود الاقتصادي كالأعمال التي لا تخضع لأي رقابة حكومية كالأعمال التي تُدار في الخفاء مثَل السباكين والأعمال الخفيفة التي لا سجلات لها. وعندما نتحدث عن الاقتصاد التعاوني أو التضامني فنحن نتحدث عن اقتصاد يدعم بالتوازي جنباً إلى جنب اقتصاد السوق مثل الاقتصاد المعرفي والاقتصاد التعاوني. وحسب تصريح للرئيس الفخري للجمعيات التعاونية الأمير/ سعود بن سلمان بن عبدالعزيز بأن المملكة حريصة بحلول عام 2020 أن تكون من أهم ١٠ دول في مجال الاقتصاد التعاوني (*).

وبدوره أوضح د. خالد الرديعان أن هناك ما يسمى باقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الرسمي informal economic sector وهذا مختلف عما نتحدث عنه. الاقتصاد غير الرسمي يفلت من الرقابة والضرائب ومن أمثلته الباعة المتجولين وكل بيع وشراء يتم دون قيود وتسجيل، ويستخدم النقد (الكاش) للإفلات من العمليات البنكية.

وفيما يخص وسائل الإعلام فهي تقوم عادة على الإعلان لتمويل نشاطاتها في حين أن التعاونيات قد لا تتوفر على قدرة اقتصادية للترويج لنفسها أو النشاط التعاوني عموما.

ومن جهة أخرى فإنه ولضمان نجاح الجمعيات التعاونية فإنه:

  • يلزم وجود جهة (اتحاد، هيئة) تراقب نشاطها وتدافع عنها بنفس الوقت؛ فبقاءها تحت مظلة وزارة العمل والتنمية غير مفيد لها إطلاقا. الاتحاد أو الهيئة المقترحة هي مثل الغرفة التجارية في وظيفتها عموما وإن كان يفترض أن تقوم بدور أوسع في تطبيق مبادئ التعاون السبع.
  • كما أن الهيئة تستطيع أن تكون حلقة وصل بين التعاونيات والجهات الممولة والداعمة للتعاونيات.
  • أيضا نحتاج إلى بنوك أو مصارف تعاونية بنفس الوقت لكي يتم مفهوم التشبيك بصورة أوسع (بين البنوك وسائر التعاونيات).

وتساءلت أ. مها عقيل: هل تستطيع هذه “الهيئة” أو “الاتحاد” العمل باستقلالية بدون أن تكون تحت مظلة وزارة ما؟ فأغلب الظن أن أنظمتنا لا تسمح بذلك، حتى الغرف التجارية تتبع وزارة التجارة.

وبدوره ذكر د. الرديعان أن وزارة العمل سنت قانون للتعاونيات؛ لكنها كجهاز بيروقراطي كبير لا تستطيع القيام بكل شيء. و الهيئة المقترحة تخفف من العبء عن وزارة العمل والتنمية وتكون أكثر قدرة على الحركة. وبقول آخر فإن التعاونيات تحتاج إلى حماية وهو ما لن يتحقق إلا بوجود اتحاد للتعاونيات؛ شيء يشبه النقابة. كما يظل جزء كبير من عمل التعاونيات تجاري بحت ولذلك يفترض أن نبعدها عن الجهات الحكومية كلما كان إلى ذلك سبيلا. نظام التعاونيات الذي سنته وزارة العمل ليس سيئا فهو يحتوي على خمسة أبواب ونحو ٤٣ مادة لتنظيم عملها لكن تظل المشكلة في التطبيق والمراقبة وشفافية التعاونيات فيما يخص نشاطها.

وقدم د. خالد الرديعان مثال (متخيل). عن جمعية تعاونية استهلاكية وكيف تنشأ. حيث قال: لنفرض أن لدينا مجموعة من الأسر المتوسطة الدخل في حي ما وأنها تعاني من ارتفاع أسعار السلع وليس لديها مصادر دخل إضافية. بعض هذه الأسر لديها مدخرات صغيرة لا يمكن استثمارها في الأسهم أو العقار – على سبيل المثال – بسبب أن المستثمر في الأسهم والعقارات قد يحتاج إلى مبالغ كبيرة. هنا يمكن لهذه الأسر أن تؤسس جمعية تعاونية (دكان كبير أو سوبر ماركت) بحيث يتشاركون جميعا برأس ماله بصورة أسهم حسب مدخراتهم؛ فمن كل حسب قدرته. وتقوم الدولة بتقديم جزء من رأس المال بصورة عون. عندما يتم ذلك فسكان الحي سيحصلون على ما يلي:

  • خلقوا عدة وظائف في السوبر ماركت (بائعين ومحاسبين وعمال وسائقين.. الخ). ويتم منح هذه الوظائف للمساهمين وأبناءهم.
  • حصلوا على سلع بسعر منخفض؛ فإذا كانت المحلات الأخرى تعمل هامش ربح بحدود ٢٠٪‏ فالتعاونية الجديدة (السوبر ماركت التعاوني) ستكتفي بنسبة ١٠٪‏ وربما أقل بسبب السعر المنخفض لبضائعها.
  • يحصل سكان الحي على أرباح سنوية من التعاونية جراء مساهمتهم فيها.
  • يديرون تعاونيتهم بأسلوب ديموقراطي مما يعزز هذا المفهوم عندهم.
  • ينشأ بين سكان الحي مستوى من التآزر ينعكس إيجابا على نمط حياتهم.
  • بمرور الوقت فقد يستفيد الأعضاء من الأرباح بتوسيع نشاط تعاونيتهم ليمتد إلى أعمال أخرى.
  • يتم تعزيز فكرة الأمن المجتمعي في الحي، والانتماء، والحفاظ على الممتلكات العامة في الحي، وتعزيز قيم العمل والإنتاج.

وذكر د. خالد بن دهيش مثالاً آخر، حيث قال: عندما كنّا طلاب في المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة كان بالمدرسة جمعية المقصف التعاونية تعلمنا من خلالها العمل التعاوني بالمقصف وتعلمنا كيف نحصل على الربح في نهاية العام ( ندفع عشرة ريالات وفي نهاية العام تعاد لنا العشرة ريالات ومعها ربح مجزي ) للأسف تحول تشغيل المقصف لمتعهد (رجل أعمال) ففقد الطلاب العمل التعاوني بجمعية المقصف التعاونية والمساهمة في رأسماله . أعتقد أن الجمعيات التعاونية بالأحياء لو تمت إدارتها بنفس الحماس الذي كان يدار به المقصف المدرسي بعيداً عن البيروقراطيات التي خنقت العمل التعاوني و أبعدت أبناء الأحياء من أنشاء جمعيات تعاونية استهلاكية ،. لذا أرى مناسبة الطرح الذي يرى ضرورة أن يشرف على الجمعيات التعاونية هيئة يشارك في مجلس إدارتها أعضاء من الجمعيات الناجحة.

وطرحت أ. مها عقيل تساؤل حول مدى وجود توجه وخاصة مع رؤية ٢٠٣٠ لدعم دور الجمعيات التعاونية في الجانب الاقتصادي والتنموي للمملكة؟

وأوضح د. خالد الرديعان في هذا الإطار أنه لم يجد في الرؤية ما يشير إلى ذلك مباشرة تماما كما هو الأمر في قضايا أخرى. لكن بما أننا نتوجه للخصخصة وخلق فرص وظيفية في القطاع الخاص فيفترض الالتفات إلى التعاونيات لدورها في ذلك وللحد كذلك من الفقر. ما نحن بحاجة ماسة إليه هو اتحاد للجمعيات التعاونية للنهوض بها ولبعض التشريعات. إن الحكومة بالتأكيد لها القرار النهائي في ذلك أي خلق هيئة أو اتحاد وإعطاءه صلاحيات واسعة في الإشراف على التعاونيات. هذا يساعد التعاونيات كثيرا في الخروج من هيمنة البيروقراطية الحكومية. لا ننسى أن الجمعيات التعاونية تظل قطاعا ربحيا وتقييده بالجهاز الحكومي يحد من حركته ونشاطه. نريد شيء مثل الغرف التجارية للتعاونيات ولنطلق عليه هيئة بدلا من اتحاد لحساسية المسميات. كذلك فإنه ربما لو كان هناك بعض البنوك أو المصارف التعاونية لحلينا جزء من مشكلة التمويل ولتطبيق مبدأ التعاون بين التعاونيات.

وذكر م. خالد العثمان بخصوص الجانب التوعوي الثقافي لدور الجمعيات التعاونية أن التوعية قضية مهمة لكن من يرفع رايتها ويحمل مسئوليتها .. قطاع التعاونيات ليس له جهة ترعاه .. والوزارة تنظمه وتراقبه لكنها لا ترعاه.. والطروحات التي تأتي من أصحاب التعاونيات محل تشكيك قائم عل التشكيك في أهدافهم أساسا .. من المهم وجود جهة مرجعية ترعى القطاع وتدير شئونه وتطور أعماله بعيدا عن بيروقراطية الوزارة .. وبالتالي أول من تجب توعيته بأهمية التعاونيات هو متخذ القرار حتى يؤمن بأهمية تأسيس هذا الكيان ويدعم وجوده.

وتطرقت أ. ليلى الشهراني إلى أنه و بالنسبة للجمعيات التعاونية في دولة الكويت ، يكفي أن لديهم (اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية) عملهم منظم ومدعوم من الدولة ، وربما هذا ما كتب لها الاستمرارية. وليس بالضرورة أن يكون الدعم مالي لكن وجود غطاء حكومي وتسهيلات هو ما يجعل المستحيل ممكناً.

وفي اعتقاد د. نوف الغامدي فإن أحد أهم أسباب نجاح التجربة الكويتية عدم تدخل الدولة في شؤونها وتوفيرها الأراضي بالمجان وإشرافها على أعمالها وعدم تدخلها في اتخاذ القرار بها ما جعل كل جمعية تعاونية بمثابة البرلمان الصغير في كل منطقة سكنية. والجمعية التعاونية تلعب دورا سياسي غير مباشر فهي تعتبر بمثابة البيت الأول لتخريج القادة السياسيين من خلال الانتخابات التي يتنافس فيها أبناء المنطقة للحصول على عضوية مجلس إدارة الجمعية التي تتم كل عام لتجديد ثلث أعضاء المجلس. كما أن الجمعيات التعاونية في الكويت تلعب دورا مهما في ترسيخ القيم الديمقراطية في المجتمع من خلال تعويد الشعب على إدارة مرافقه بنفسه كما وأيضا هي من مؤسسات المجتمع المدني المهمة؛ بالإضافة إلى أن شعور المواطن بأنه يمتلك الجمعية التعاونية له أثر مهم في نجاح التجربة الكويتية،  فطبقا للقانون لا يمكن تأسيس الجمعية إلا بوجود المساهمين الذين يمتلكون أسهما في الجمعية التعاونية ويديرونها من خلال مجلس إدارة منتخب. كذلك من المهم التأكيد على دور المكاتب الاستشارية المتخصصة في دعم الجمعيات التعاونية خصوصاً المتعثرة منها من النواحي الإدارية والقانونية والمجالات التخصصية مثل ما يتعلق بالبيئة لدعم النواحي المهنية.

أما بخصوص فكرة تحويل التعاونيات إلى شركات مساهمة عامة فهي فكرة ليس لها جدوي ولا تخدم المصلحة العامة، وذلك لأن السياسة العامة للتعاونيات تقوم على أساس خدمة المواطن والوقوف في وجه الغلاء المصطنع والتصدي له وهذا الهدف لن يتحقق مع الشركات المساهمة التي هدفها فقط الربح ومصلحة الشركة وأصحابها في المقام الأول.

وخلصت أ.د فوزية البكر إلى أن عامل قبول الحكومة نفسها للمبادئ ( الشبه ديمقراطية ) التي تقوم عليها هذا النوع من الجمعيات التعاونية هو ما سيوفر الدعم اللوجستي والمادي لها لتنتشر في الأحياء بما ينشر ثقافتها المختلفة تماما عن ثقافة السوبر ماركت.

ويرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن التوسع في الجمعيات التعاونية أو الاستهلاكية هو مطلب وطني خصوصا لمحدودي الدخل وأيضا ممن يعدون فقراء. ولكن لتحقيق نجاحات مأمولة لابد أن تنال هذه الجمعيات دعما ماديا ومعنويا من لدن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية كمشرفة على هذه الجمعيات ، مع تحفيز الأهالي بالمشاركة المالية والإدارية لهذه الجمعيات.

إننا في هذه المرحلة أحوج ما يفترض أن نقوم به وهو السعي نحو تأسيس كيانات اجتماعية واقتصادية أهلية، سواء تعاونية أو مهنية أو خيرية، شريطة أن تتسم بأفعال تدعم وليست تسهم فحسب نحو خدمات جليلة تخدم الوطن والمواطن.

إن مثل هذا التوجه إن أخذ طابع الجدية والصدق في القول والأمانة في العمل ، سوف نصل إلى نجاحات اجتماعية مأمولة. ولهذا فمن الواجب على العديد من أبناء وبنات وطننا الغالي التحرك سريعا نحو توفير قنوات تقود إلى النهوض بالوطن من خلال مؤسسات مجتمع مدني فاعلة.

وهي في الحقيقة رسالة إلى مثقفي هذه البلاد وممن يسعى إلى حب الخير والإسهام تطوعا ودعما في عدة أوجه يرى فيها من المصلحة العامة عندما يكون مبادرا للوصول إلى خدمات اجتماعية واقتصادية تظهر روح المؤازرة والتكاتف بين الجميع ، كسبا لعدالة اجتماعية ينشدها ويرجوها الوطن والمواطنين.

المحور الثالث

صناعة المؤتمرات في المملكة

 منتدى أسبار الدولي ٢٠١٦ أنموذجاً

الورقة الرئيسة: د. عبدالله بن ناصر الحمود

سوف أقدم موضوع هذه القضية من خلال خمسة محاور كما يلي:

  • أولا.. توطئة

تفيد مراجعة عدد من المصادر المتخصصة أن المملكة تتوافر حاليا على أكثر من 500 مكان مناسب لعقد الاجتماعات الكبيرة أو الندوات والمؤتمرات. وتستضيف هذه الأماكن آلاف الاجتماعات في شتى شؤون الحياة.

وتتنوع تلك الأماكن بين أماكن تابعة لمراكز البحوث والجامعات والهيئات والوزارات الحكومية والشركات والمؤسسات في القطاع الخاص.

وقد أصدر مجلس الوزراء مؤخرا قراراً بتشكيل البرنامج الوطني للمعارض والمؤتمرات الذي يعد بمثابة منظمة تنموية ومنظم عام رئيسي للاجتماعات وسياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض في المملكة.

وتفيد ديباجة النظام أنه تم تأسيس البرنامج بغرض تطوير تنظيم المعارض والمؤتمرات بما يتماشى مع القطاعات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها في المملكة.

  • ثانيا: أهمية المؤتمرات في المملكة

إضافة لقدرتها على إثراء المعرفة المتخصصة في المجالات كافة، وتقديم الحلول للعديد من المشكلات المجتمعية والتعقيدات الفكرية والثقافية، تدعم المؤتمرات عملية التنويع الاقتصادي الاستثماري، حيث باستطاعتها أن تولد عائدات ضخمة تساهم إلى حد كبير بالناتج الإجمالي المحلي نتيجة بيع العديد من الخدمات القبلية والمتزامنة والبعدية. وبالتالي تصبح المؤتمرات محركا أساسيا للاقتصاد الوطني.

تلك هي ربما القيمة النفعية الأهم في تطوير صناعة المؤتمرات في المملكة. فللمملكة موقع اقتصادي مهم جدا على مستوى العالم وريادي في المنطقة.

وتسعى المملكة دائمًا في خططها التنموية منذ عقود إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر إنتاجها الاقتصادي، ودعم نمو القطاع الخاص بهدف تقليص الاعتماد على النفط كمورد رئيسي للاقتصاد الوطني.

وقد ظهرت هذه الغاية بوضوح كبير في برنامج التحول الوطني وفي رؤية المملكة 2030.

  • ثالثا: أبرز عوامل تطور صناعة المؤتمرات في المملكة

هناك عوامل رئيسية ساعدت على تطور صناعة المؤتمرات في المملكة، أبرزها ما يلي:

  • تقدم البنى التحتية والفوقية في مؤسسات التعليم والفكر والثقافة في المملكة بشكل عام.
  • النهضة الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها المملكة.
  • توفر المرافق والخدمات والبنية التحتية القوية.
  • امتلاك قطاعات قوية لديها القدرة على الاستثمار في صناعة الاجتماعات.
  • توجه الدولة لدعم التنمية الاقتصادية بشكل عام.
  • تطور نوعي في القطاع الخاص، حيث يبدو متبنيا لسياسات تطويرية مهمة.
  • وفرة المرافق اللازمة وبالذات الفنادق عالية الجودة في عدد من المدن والمناطق الحضرية، والجامعات ومراكز البحوث.
  • وفرة السكان والقوة الاقتصادية.
  • قدرة عالية لدى القطاع الخاص على تقديم الرعايات والدعم.
  • توافر المملكة على أعلى معدل لنمو الناتج المحلي في الشرق الأوسط.
  • بنية تحتية قوية في مجال الاتصالات وخدمات الإنترنت.
  • رابعا: أبرز الملحوظات

يفيد استقراء واقع المؤتمرات في المملكة، أنها على الرغم مما سبق ذكره حول تطور صناعة المؤتمرات في المملكة، إلا أنه يشوب تلك الصناعة شيء من القصور. وأبرز مؤشرات ذلك أمور ثلاثة هي:

  • نمطية التخطيط والتنفيذ، فتكاد تكون المؤتمرات نمطا واحدا في العديد من التفاصيل مما أفقد عددا منها بريق الجدة والابتكار والتأثير والفاعلية.
  • إشكالات ظاهرة تتعلق بالنقص الحاد في جماهيرية المؤتمرات بشكل عام في المملكة وبالتالي قلة عدد الجمهور المتفاعل والحاضر لفعاليات تلك المؤتمرات بالقدر الذي يفقدها أهميتها الجماهيرية.
  • تنتهي معظم المؤتمرات إلى توصيات بصياغات عامة لا تجد طريقها للتنفيذ في أرض الواقع.
  • خامسا: منتدى أسبار الدولي 2016.. نمط جديد في صناعة المؤتمرات في المملكة

ظهر منتدى أسبار الدولي 2016 الذي عقد في مدينة الرياض خلال المدة من 6 إلى 8 ديسمبر 2016  بريادة جديدة لصناعة المؤتمرات في المملكة. وقد ساعدت كافة تفاصيل هذا المنتدى في تعزيز أهميته على مستوى الريادة في هذه الصناعة بمنظور جديد ومكين في المملكة.

ومن شواهد ذلك أمور عدة أبرزها ما يلي:

  • جاء منتدى أسبار الدولي 2016 مبادرة حصيفة من مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام بمدينة الرياض، حيث كسر المنتدى حاجز اقتصار دور مؤسسات القطاع الخاص الرعاية أو التربح من تنظيم الفعاليات، ليقدم نموذجا حيا في تبني فكرة منتدى وطني، والذهاب بهذه الفكرة إلى حيز التنفيذ المتقن دون حسابات ربح مادي مباشر. وهذا الأمر مستحدث في القطاع الخاص القائم على فكرة التربح ابتداء.
  • تبنى المنتدى عددا من منطلقات رؤية المملكة 2030 وأبرز ما في ذلك مساهمة مركز أسبار كقطاع خاص في تخطيط وتنفيذ مشروع وطني ذي قيمة اقتصادية وتنموية كبرى، حيث جاء موضوع المنتدى في مجال اقتصاد المعرفة وتبنى شعارا منطوقا هو المعرفة قوة.
  • وضع المنظمون حدودا عالية للمستوى العام للمنتدى من حيث رؤساء الجلسات والمتحدثين حيث توجه لاستقطاب أفضل الشخصيات العالمية والعربية والسعودية في موضوعه، وهو الأمر الذي جعل مخرجات هذا المنتدى على قدر عال من التخصصية والجدوى.
  • استطاع المنتدى نتيجة الجودة العامة التي ظهر بها استقطاب أعداد كبيرة من الجمهور النوعي الذي حضر فعالياته. لقد تجاوز عدد الحاضرين حفل الافتتاح 750 مهتما نوعيا، في حين تجاوز عدد الحاضرين لجلسات اليومين التاليين لحفل الافتتاح 300 من الرجال والنساء الذين بقوا مهتمين ومتفاعلين من 9 صباحا إلى 6 مساء ليومي الجلسات كاملين.
  • وهذا الاهتمام بالحضور الطوعي للمنتدى من شخصيات نوعية مهتمة ومتفاعلة يمكن الجزم بأنه يحدث للمرة الأولى على نطاقات دولية واسعة لمثل هذا النوع من المؤتمرات.
  • على الرغم من تزامن 6 ورش عمل مع الجلسات إلا أن عدد المستفيدين من تلك الورش تجاوز 150 مشاركا. وهو رقم قياسي دون شك.
  • اهتم المنظمون للمنتدى بوضع هوية محددة واضحة ودقيقة ومعبرة. وبالتالي أصبح للمنتدى هوية محددة واضحة بألوانها وأبعادها المرئية وحدودها التعبيرية استخدمت اللونين الأسود والذهبي بتصميمات معاصرة ومعبرة وجذابة.
  • حرص المنتدى على بناء شراكات مع عدد من مؤسسات القطاعين العام والخاص، وهو أمر أضفى على المنتدى شرعية وطنية مهمة وفضاء تنمويا رائدا.
  • في الوقت الذي شارك في المنتدى عدد من الخبراء فتح المنتدى جلساته لرواد الأعمال من الشباب وهو الأمر الذي عمق العوائد التنموية الإيجابية للمنتدى.
  • تبنى المنتدى ضرورة الانتهاء إلى جملة من المبادرات والبرامج التنفيذية المحددة والمفيدة والواضحة، وذلك عوضا عن مجرد الانتهاء إلى توصيات عامة قد لا تفيد كثيرا. وهذا ما تحقق فعلا حيث تم إطلاق نحو عشر مبادرات أثناء المنتدى.
  • وضع المنتدى اهتماما كبيرا بالعوائد الكلية الوطنية المترتبة على تنظيمه.. وقد ساعدت تلك الرؤية في أن يخرج هذا المنتدى بمركبات مهمة جمعت بين ريادة الفكرة، وشراكة مؤسسات المجتمع، وتخصصية المشاركات، وفاعلية المنتجات.

وبذلك .. أمكن القول بريادة منتدى أسبار الدولي في عامه الأول 2016 مما يجعله في مقدمة الفعاليات المتكاملة مع رؤية المملكة 2030 وكذلك في تحفيز مؤسسات القطاع الخاص لحذو ذات المنهج الذي تبناه مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام.

التعقيب الأول: د. عبد الله بن صالح الحمود

ولعلي في البداية أتحدث عن مفهوم المؤتمرات كمفهوم رئيس ؛ فالأصل في تنظيم المؤتمرات أنه يعد عملاً جماعياً يهدف إلى التكامل من بين الأفراد المنظمين لأي مؤتمر كان ، نوعاً وطبيعة في الأداء ، وذلك من خلال أداء إداري ضمن فريق عمل واحد ، يتسم هذا الفريق بالتضامن والتكاتف والعمل بروح الفريق الواحد ، مع الحرص بتوخي الدقة في الأداء وصولاً إلى إخراج يتحقق منه نجاح مأمول .

وإذا ما تحدثنا عن الدور الرئيس الذي يتصدر أعمال المؤتمرات عامة ، فنجد أن الجلسات العلمية والعملية تعد المرتكز الأساس الذي من خلاله تنتج لنا المصادر المتوخاة من المؤتمر المنعقد ، وذلك من واقع أوراق العمل المقدمة من المتحدثين أعضاء هذه الجلسات المتعددة الأهداف.

ولأن قوام المؤتمرات وتحقيق نجاحاتها ، ترتكز بطبيعة تنظيماتها ومناشطها على لجان يتم تأسيسها بعد تسمية المؤتمر المزمع انعقاده ، ومعرفة الأهداف الرئيسة له ، ومدة انعقاده .

وغالباً هذه اللجان هي:

  • اللجنة العليا أو مجلس إدارة المؤتمر.
  • اللجنة العلمية.
  • اللجنة التنظيمية.
  • اللجنة المالية.
  • لجنة العلاقات العامة والإعلام.
  • اللجنة التنظيمية داخل مقر المؤتمر.
  • اللجنة النسائية داخل مقر المؤتمر.
  • اللجنة الفنية والتسجيل.
  • لجنة المعرض والرعاة.

ومن وجهة نظري ولتحقيق نجاحات مؤملة لأي مؤتمر لابد أن يتسم المؤتمر بتفعيل هذه اللجان بأقصى درجات الدقة ، لإظهار أي مؤتمر بما يتطلع إليه القائمين عليه . تلك مقدمة وددت أن تكون مدخل عام لمفهوم المؤتمرات وطبيعة تطبيقاتها على أرض الواقع .

ومن أهم ما أود التعقيب عليه بورقة د. عبدالله بن ناصر الحمود ، حديثه عن أهمية المؤتمرات في المملكة العربية السعودية ، وهو دعم المؤتمرات لعملية التنويع الاقتصادي الاستثماري ، بهدف توليد عائدات تسهم في الناتج المحلي الإجمالي عند بيع الخدمات القبلية والمتزامنة والبعدية ، ولاشك أن ذلك يعد مسلكا ومحركا فاعلا للاقتصاد الوطني ، خصوصا في هذه المرحلة التي نسعى فيها نحو تنوع مصادر الدخل ، ومنها في الأساس تطبيق مفهوم المعرفة الاقتصادية، تفاديا من الاعتماد على المصدر الرئيس وهو النفط.

وعن ما ذكره أيضا د. عبدالله بن ناصر الحمود ، حول العوامل الرئيسة لتطور صناعة المؤتمرات ، والذي منها استكمال البنى التحتية والفوقية بنسبة عالية في أكثر من مجال .

 ولتحقيق تكامل في إخراج أي منتدى فإن الأمر يتطلب توافر دعم ومساندة للمؤتمرات عامة ومنها أن تكون الجهات الحكومية ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بالمؤتمرات ، أن تكون حاضرة وملبية لمتطلبات نشؤ أي مؤتمر ، وبهذا لابد أن يكون هناك دور ذو استجابة سريعة وفاعلة ، بدءا من أخذ الموافقة على قيام أي مؤتمر ، وكذا  إصدار تأشيرات الدخول للأشخاص المتحدثين القادمين من خارج المملكة العربية السعودية ، مع استجابة مشاركة المسؤولين الحكوميين المستهدفين كمتحدثين في جلسات المؤتمر من لدن منظمي المؤتمر . ولهذا لابد أن ندرك أنه يعول على بعض من القطاعات الحكومية تقديم الدعم والمساندة لمنظمي المؤتمرات حتى يخرج المؤتمر كما خطط له.  وهناك أمور أخرى لا تقل أهمية عن الدعم الحكومي الذي أشرت إليه آنفا وهو أن تتوافر في الدولة بيئات مناسبة لعقد المؤتمرات ، وهنا يعول على القطاع الخاص التوسع في الاستثمار نحو تأسيس قاعة متخصصة للمؤتمرات ، سواء داخل فنادق أو قاعة منفردة متخصصة للمؤتمرات.

ومنتدى أسبار الدولي والذي عقد في الأيام (8،7،6) من شهر ديسمبر لعام 2016م ، ولكونه يعد المؤتمر الأول الذي قام به مركز أسبار ، فقد ظهر بمظهر مشرف للغاية كونه أتى محققاً بدرجة عالية وشمولية نحو المتطلبات الرئيسة لمثل هذه المؤتمرات. وأمام ذلك كان لدي بعض من الملاحظات والتي تعد مقترحات أرجو أن تؤخذ في الحسبان عند انعقاد مؤتمر أسبار الدولي في نسخته الثانية إن شاء الله والتي منها :

  • كانت أعداد المتحدثين في كل جلسة 5 أشخاص والمدة محدودة بطبيعة الحال من أن لكل جلسة هو في حدود خمسة وأربعون دقيقة ، وهذا الأمر لم يمكن المتحدث من أن يقدم مزيداً من ما كان يريد تقديمه ، فضلاً عن أن غالبية الجلسات لم تعط الحضور فرصة لطرح أسئلتهم أو استفساراتهم ومداخلاتهم عامة .

ولهذا اقترح ألا يزيد عدد المتحدثين عن ثلاثة أشخاص في كل جلسة، وقد يستثنى من ذلك العدد بحيث يكون ما بين خمسة إلى سبعة متحدثين في الجلسة الختامية لأهمية ما تقدمه الجلسات الختامية عادة.

  • إن تقديم حفل الافتتاح يعد بوابة رئيسة للتعريف بالمؤتمر ، فضلاً عن الترحيب براعي الحفل الرئيس والجهات الراعية للمؤتمر والمتحدثين والحضور عامة ، ولهذا أقترح هنا أن يكون مقدم حفل الافتتاح مذيع تلفزيوني أو إذاعي معروف عنه بلاغته العربية المتقنة وبصوت جهوري يمتاز عن غيره .
  • يأتي الدعم المالي كأحد العوامل الرئيسة للظهور بمؤتمر يعكس المستوى العام لطبيعة وقوة المؤتمر ، ولعلي هنا اقترح ولكون منتدى أسبار الدولي في بداياته ، وسعياً نحو استقطاب حضور أكبر ومن شرائح متعددة من أفراد المجتمع أن يكون رسم الاشتراك (1500) ريال سعودي ما يعادل 400 دولار أمريكي ، فمن وجهة نظر شخصية أرى أنه مبلغ مناسب ، خصوصاً مع ما يدفعه رعاة المؤتمر  .

وأخيرا شهادة حق أقولها أن مؤتمر أسبار الدولي الوليد وعن ما حققه من نجاحات مشهودة بقيادة رئيس مجلس إدارة المنتدى د. فهد العرابي الحارثي ، ومساندة الزميلات والزملاء ، قد خرج ولله الحمد والمنة بظهور قوي ولافت ، وبنجاح يعد أنموذجاً مشرف بشهادة العديد من الحضور .

التعقيب الثاني: د. نوف الغامدي

تعقيباً على ورقة د. عبدالله فإن الهندسة الفكرية أساس النهوض الاقتصادي ، والعنصر البشري لاعب مؤثر في صناعة المعارض، وفي الوقت الراهن يندرج 5 % فقط من السياح تحت فئة سياحة المعارض والمؤتمرات، التي تُعرف كذلك باسم سوق “سياحة الاجتماعات” وهو أكثر القطاعات ربحية في صناعة السياحة، حيث أن رجال الأعمال الذين يسافرون إلى بلد لحضور معرض تجاري أو مؤتمر يميلون إلى الإنفاق أكثر بكثير من الزوار الآخرين. وبمقدور البلد الذي يجعل من نفسه مكاناً متميزاً لاستضافة الاجتماعات والمعارض والمؤتمرات، أن يستقطب أعداداً كبيرة من الزوار من رجال الأعمال الأجانب. إن السعودية قادرة على اغتنام هذه الفرص السانحة في سوق الاجتماعات.

وتستضيف المملكة ما يقارب الـ 92,500 فعالية سنوياً أغلبها محلية، يشارك فيها حوالي 4,7 مليون زائر بمعدلات إنفاق حوالي 2.2 مليار ريال معظم المشاركين فيها (94%) من زوار اليوم الواحد الذين تصل نسبة تأثيرهم في حركة العرض والطلب لهذه السوق إلى 29% من إجمالي حجم الإنفاق، بينما تمثل معدلات إنفاق بقية المشاركين 6% وهم من السياح المحليين والدوليين الذينً يبيتون ليلة واحدة أو أكثر 71% من إجمالي الإنفاق في هذا السوق. كما تستضيف المملكة من 50 إلى 60 معرضاً دولياً تجارياً واستهلاكياً تشكل ما نسبته 4% من فعاليات هذا السوق.

وهناك آثار اقتصادية مباشرة لهذه الصناعة منها: التبادل التجاري والمعرفي والصفقات التي تعقد خلال المعارض والمؤتمرات، ومصروفات الزوار الدوليين للمعارض والمؤتمرات على السكن، والمواصلات، والخدمات السياحية، أيضا زيادة الاستثمارات في قطاع المعارض والمؤتمرات، والتي تتضمن إنشاء مدن ومراكز، ومرافق المعارض والمؤتمرات، وشركات إدارة مراكز المعارض والمؤتمرات، وشركات تنظيم الفعاليات، والمؤسسات الموردة للفعاليات، وشركات إدارة الوجهات. وبالتالي، زيادة الفرص الوظيفية للمواطن، وإيرادات الجهات المالكة والمنظمة للمعارض والمؤتمرات (مثل: الرعايات، رسوم التسجيل، بيع مساحات للعارضين، بيع حقوق إعلامية، الغرامات، بيع الهدايا)، بالإضافة إلى إيرادات الجهات الموردة للمعارض والمؤتمرات، وتسويق المنتجات و زيادة الأنشطة الدعائية.

وهناك أيضا آثار اقتصادية غير مباشرة منها: إنفاق زوار المعارض والمؤتمرات على الخدمات العامة مثل: الكهرباء، والماء، والاتصالات، ووقود للسيارات، إنفاق زوار المعارض والمؤتمرات على المطاعم، والمقاهي، والتسوق، وشراء الهدايا، ومبيعات المزارعين والمصانع وموردي الخدمات، أيضا الإسهام في التنمية الحضارية وتطوير البنية التحتية، وإبراز الفرص الاستثمارية وتحفيز الاستثمارات في الوجهة المقام فيها المعرض أو المؤتمر.

وعلى الرغم من الآثار الاقتصادية الكبيرة التي تولدها وتجلبها صناعة الاجتماعات، إلا أن الحديث يدور حول إسهام هذه الصناعة في تنشيط الاقتصاد وانتشاله من الأزمات. فعندما يكون الاقتصاد معرض للخطر أو في طور التراجع أو في حالة الركود يصبح هناك حاجة ماسة للتحفيز. وأفضل وسيلة لإيجاد هذا التحفيز هو من خلال مشاركة العامة في عملية تطوير المنتج، والتعليم، والاستثمار، والتطوير المهني، وتبادل الأفكار والمنتجات والتقنيات الجديدة. وهذا هو جُل ما تقوم به المعارض والمؤتمرات والاجتماعات.

وهناك آثار سياحية لقطاع المعارض والمؤتمرات: حيث يعد السياح القادمون بهدف حضور المعارض والمؤتمرات بشتى أنواعها من أكثر السياح من حيث الإنفاق، ولديهم قوة شرائية عالية، وتعمل المعارض والمؤتمرات على زيادة الطلب على الخدمات والمنتجات السياحية في أوقات الركود السياحي وبالتالي توفير الفرص الوظيفية، وتعزيز تجربة السائح وبالتالي زيادة مدة الإقامة، أو تكرار الزيارة للوجهة، وإثراء روزنامة الفعاليات التي تقام في الوجهة، بالإضافة إلى تسويق الوجهات وإبراز هوياتها، وزيادة الطلب على خدمات وبرامج منظمي الرحلات السياحية والمرشدين السياحيين.

أما فيما يتعلق بالآثار الثقافية لقطاع المعارض والمؤتمرات: يلعب هذا القطاع دوراً محورياً في جلب الخبراء وتوطين المعرفة من خلال إكساب الكفاءات الوطنية بالمعارف والعلوم والخبرات الجديدة والممارسات المهنية المطورة. ويُشكل هذا القطاع عنصراً رئيساً من الاقتصاد القائم على المعرفة، بوصفه وسيلة لتطوير قطاعات الأعمال والمجتمعات المهنية والأكاديمية. فالمؤتمرات والندوات والمنتديات على سبيل المثال تعدّ وسيلة متميزة في تطوير قدرات الأشخاص العاملين في جميع القطاعات الحكومية والخاصة، وأيضا وسيلة فعالة لتبادل الثقافات وإبراز الحضارات وإحياء التقاليد و التراث.

 ومن الآثار الاجتماعية لقطاع المعارض والمؤتمرات: فهي بيئة خصبة لمشاركة المجتمع، وبالأخص تنمية التواصل والترابط بالمجتمع المحلي، والمجتمعات ذات المصالح المشتركة، وبالتالي تنمية رأس المال الاجتماعي. حيث يعد رأس المال الاجتماعي مثل غيره من أشكال رأس المال. فهو يشكل أحد الأصول التي يمكن استخدامها،  فقد تزداد وقد تنضب، وليس من السهل استبدالها أو تعويضها. إضافة إلى ذلك، تعد المعارض والمؤتمرات وسيلة لإشغال أوقات فراغ أفراد المجتمع – بجميع فئاته- بما هو مفيد له من النواحي التعليمية والتدريبية. كما أن العمل التطوعي في المعارض والمؤتمرات يعد عنصرا مهما لإشغال أوقات الشباب، والحصول على الخبرة الجيدة.

ومؤكد أن قطاع المعارض والمؤتمرات سيكون من أولويات الدولة، وذلك في إطار برنامج التحول الوطني لتنويع مصادر الدخل، ليكون قطاع صناعة الاجتماعات بمثابة البديل الاقتصادي الذي يضمن عدم الاعتماد على النفط بشكل كلي، إضافة إلى ما يوفره من فرص عمل جديدة للمواطنين، وبحسب التوقعات سيحتل القطاع السياحي ثاني أكبر دخل للدولة بعد النفط وذلك على مدى السنوات القليلة المقبلة وجزء كبير سيعتمد على “سياحة الاجتماعات” وفور الانتهاء من البنية الأساسية للسياحة الداخلية والتي من المتوقع أن تنتهي قريباً على مستوى جميع المناطق، ستكون صناعة المعارض أحد أهم المصادر الجديدة للتحول الوطني وذلك فور انتهاء جميع متطلبات البنية التحتية في البلاد. فهذا القطاع ثري وواعد وداعم رئيس للاقتصاد الوطني، إضافة إلى توفير فرص العمل لكافة شرائح المجتمع.

ولنجاح صناعة الاجتماعات لابد أن تنعكس مخرجاتها على التنمية الاجتماعية والاقتصادية بحيث تكون:

١- مورد كبير للوظائف الدائمة والمؤقتة.

٢- مصدراً للتبادل التجاري والمعرفي والصفقات.

٣- تساهم في التنمية الحضرية وتطوير البنية التحتية .

٤- بيئة لتبادل المعرفة بين الخبراء الدوليين والمحليين والمهنين وأصحاب القرار .

٤- تطوير العاملين في جميع القطاعات وتبادل الخيرات.

٥- تطوير وتنمية رأس المال الاجتماعي.

٧- مجال لتسويق الوجهات السياحية وهويتها.

ختاماً: انعقاد منتدى أسبار في هذا التوقيت هام جدا وكانت خطوة ذكية من أسبار لتكون ذراع مساند للتحول والرؤية فـ Think Tank بحجم أسبار  كفيل بدعم التوجهات الفكرية للمجتمع وبوصلة فاخرة لصُنَّاع القرار . فخورة بهذا المنتدى الذي غيّرٓ فكر المنتديات وأصبح بصمة مميزة في صناعة الاجتماعات والأهم الآن هوّ:

  • مراجعة التوصيات ومتابعة تنفيذها.
  • تكوين فريق استشاري للمنتدى يعمل بصورة مؤسسية ويتابع اللجان المختلفة لضمان جودة المخرجات والبعد عن فردية القرار.
  • العمل على استدامة المنتدى من خلال تفعيل أدواره القطاعية وتحويل المخرجات إلى B2B و G2B لتكوين شراكات حقيقية وتحويل المخرجات لأعمال ترى النور على أرض الواقع .

بإذن الله نحو بداية قوية لانطلاق المنتدى العام القادم بخطوات تنفيذية مؤثرة تصنع بوصلة التغيير الحقيقي ليصبح منتدى أسبار ذو تأثير محلي ، إقليمي ودولي.

المداخلات حول القضية:

  • أهمية صناعة المؤتمرات ورصد لبعض جوانب الخلل

أشار أ. سمير خميس إلى أن هذه القضية مختلفة عما سبق من قضايا لعاملين الأول: أن المنتدى يعيش نشوة نجاح مؤتمره الأول بحسب شهادة القائمين عليه والحاضرين له والمشاركين فيه، والثاني: أن هذا النقاش سيفتح المجال لإبداء الآراء التي تضمن استمراريته وتأثيره. وأضاف: “اهتممنا بتنمية البنيان دون أن يوازي ذلك اهتماماً بنهضة الإنسان” مقولة قد تعبر عن مأزق ثقافي نعيشه في المملكة إذا افترضنا بصحتها.. هل نعول على هذه المؤتمرات في تجسير الهوة بين التنميتين؟

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود  أن المؤتمرات تأتي كأحد العوامل الرئيسة لتجسير الهوة بين التنميتين بالفعل. المؤتمرات هي تجمع ( اجتماعي وثقافي ) ، ولهذا الاهتمام بها يعد في النهاية حضارة بعد اكتساب تنمية حقيقية.

وذهب أ. أمجد المنيف إلى أن الأنسب الحديث عن “صناعة الفعاليات”، كونها أشمل من المؤتمرات، وتستوعب جُل الأحداث والمناسبات. وعلى الجانب الآخر؛ وبالإضافة لكون الفعاليات أحد أهم الموارد لخلق وظائف دائمة ووقتية؛ فهي تقوم بخلق وتوريد الأفكار، التي تصنع مشاريع متوالدة، تتطور وتتغير سريعا. كذلك تعتبر الفعاليات من وسائل التأثير غير المباشرة، والتسويق الذكي، والاحتواء للدول، ومن خلالها يمكن كسب تعاطف صناع القرار، وقادة الرأي والإعلام في العالم.

وقال د. حميد المزروع: أفضل أن نتوافق علي استخدام المصطلح المناسب، هل بالفعل المؤتمرات تصنع ؟ لماذا لا نستخدم مصطلح إدارة المؤتمرات باعتبار المؤتمر يبقي فعالية قابلة للتنوع ( مؤتمر ، ندوة ) ، وقد تهتم بمعالجة موضوع أو موضوعات متداخلة، و تحتاج  إدارة هذه الفعالية إلى تنفيذ مجموعة من الضوابط الإجرائية المتصلة بالتنظيم وفقا لأوليات تقديم هذه الفاعلية .

وفي تصور م. خالد العثمان فإن كلمة صناعة تعني أنها قطاع متكامل متعدد الجوانب والمؤثرات والاختصاصات والجهات ذات العلاقة به .. وليس القصد المفهوم الصناعي الإنتاجي Industry rather than Manufacturing

وترى د. نوف الغامدي أن الأفضل استخدام ( صناعة الفعاليات ) لأن الفعالية مصطلح عام يندرج تحته المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات وغيرها.

ومن ناحيته أوضح د.م. نصر الصحاف أن صناعة المؤتمرات هي فعلاً صناعة بحد ذاتها ولها مردود مادي ربحي حتى في المؤتمرات العلمية ومنها على سبيل المثال American Geophysical Union والذي زاد عدد الحضور في نسخته الأخيرة إلى ٢٤.000، وأكثر من 17.000 محاضرة على مدى أسبوع وتتراوح تسعيرة التسجيل ما بين ٤٠٠ إلى ٨٥٠ دولار.

وأشار د.م. نصر الصحاف إلى أن صناعة المؤتمرات لدينا تعاني من عدة أمور:

  • عدم الاستعداد اللائق والكافي بموضوع المؤتمر.
  • غياب روح العمل الجماعي والتكاملي كفريق واحد ضمن اللجان المنظمة للمؤتمر.
  • الاستكانة من قبل المدراء على الموظفين في تحقيق التفاصيل الدقيقة بدون متابعة جادة.
  • تباين العادات والتقاليد الغربية عن المحلية وتبرز في ضعف الإلمام بأهمية الوقت للمشاركين الأجانب لدى فريق العمل أو اللجان المحلية.
  • كذلك ضرورة وضع ميزانية محددة وإعلان ذلك لأعمال المؤتمر والعمل وفق مقتضيات هذه الميزانية بشفافية ووضوح.
  • أهمية استيعاب الجهات الرسمية والراعية لموضوع المؤتمر وحرصها على إنجاحه ليس لأجل شخصية محددة وإنما إيماناً برسالة المؤتمر وضرورته وبالتالي المساهمة بتفعيل قراراته وتوصياته كما ذكر أحد المشاركين الأجانب في اللقاء الختامي.
  • المقدرة على التعبير بشفافية والمصداقية في النقد الذاتي والهادف بعيد عن الشخصنة.
  • البرنامج الوطني للمعارض والمؤتمرات

ذكرت د. نوف الغامدي أن البرنامج الوطني للمؤتمرات والمعارض ورابطه كالتالي (http://www.secb.gov.sa/ar/pages/home.aspx) هو الجهة التي تُشرف على تراخيص المؤتمرات والمعارض والفعاليات ولها دور كبير في تسهيل إجراءات التراخيص ودعمها من الجهات المعنية. إنً رؤية البرنامج الوطني للمعارض والمؤتمرات تتبلور في أن يكون برنامجاً رائداً في تطوير قطاع المعارض والمؤتمرات، ليصبح القطاع أكثر فاعلية وإنتاجية، فهو يعمل على تطبيق أفضل الممارسات في الإشراف على قطاع المعارض والمؤتمرات بالمملكة، والعمل على تطوير البيئة الداخلية والخارجية المؤثر فيها، لتحقيق أهداف القطاع الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والبيئية، والسياسية. والبرنامج يركز من خلال منظومة سياحة المعارض والمؤتمرات على أربعة أجزاء:

  • أولاً؛ مجموعة أساسية من منتجات المعارض والمؤتمرات وقوة اقتصادية واضحة من المرجح أن تستقطب سياح المعارض والمؤتمرات  في مدن المملكة، وتتمحور حول الأنشطة التجارية والاقتصادية المُنفذة فيه، ودراسة احتياجات المناطق لتعزيز سياحة المعارض والمؤتمرات إلى منشآت اجتماعات لائقة مثلل مراكز المعارض أو المؤتمرات، أو قاعات الاجتماعات في الفنادق، أو أماكن غير تقليدية مثل المتاحف أو المباني التاريخية أو الجامعات.
  • ثانياً؛ خدمات المعارض والمؤتمرات سواءً الأساسية أو المساعدة، وتقدم الخدمات الأساسية من قبل الوسطاء وهم مُنظمو المؤتمرات  والشركات وشركات إدارة الوجهات السياحية التي تقدم عروضاً لاستضافة الاجتماعات وتخطيط الفعاليات وتقديم الخدمات اللوجستية في الموقع.
  • ثالثاً؛ عوامل تمكين قطاع المعارض والمؤتمرات، التي تشير إلى مجموعة متنوعة من العوامل التي تنطوي على التخطيط والتسويق  والمبيعات والبحوث. ويُمثل التخطيط عاملاً مهماً بشكل خاص حيث ترتبط خطط المعارض والمؤتمرات باستراتيجية السياحة الوطنية على المدى الطويل.
  • رابعاً؛ عوامل تمكين النظام التي تشير إلى تعاملاتنا مع أبعاد الأمن والصحة والسلامة والاستدامة البيئية والبنية التحتية، وهي مهمة  لقدرتنا الشاملة على المنافسة على الأعمال الدولية.

يهدف إلى تطوير وتهيئة الظروف النظامية القائمة لتشجيع الاستثمارات في قطاع المعارض والمؤتمرات بالمملكة، والعمل على تطوير مراكز ومدن للمعارض والمؤتمرات لتعزيز قدرات المملكة على إقامة فعاليات كبيرة وذات جودة عالية، كما يعمل على تطوير المعايير الخدمية في قطاع المعارض والمؤتمرات بالمملكة للرقي بجودة فعاليات الأعمال، وتوفير المعلومات القيّمة للمستثمرين والمستفيدين، بالإضافة إلى قياس الآثار الاقتصادية الناتجة من قطاع المعارض والمؤتمرات، ونسبة مساهمتها من الناتج المحلي الإجمالي، وأيضا توفير الفرص الوظيفية، وتطوير الموارد البشرية السعودية، لتصبح من مصادر الدعم الأساسية في قطاع المعارض والمؤتمرات، كما يهتم باستقطاب معارض ومؤتمرات متميزة تسهم في تطوير القطاعات الاقتصادية والخدمية في المملكة وإبراز مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي، ومن أهم مبادراته الأكاديمية الدولية للمعارض والمؤتمرات وتطوير البنية الفكرية والتوعية الاجتماعية بأهمية هذا القطاع من خلال المنتديات التي يعقدها كل عام، وإعادة هيكلة التراخيص وتفعيل نظام التأشيرات السياحية وتصنيف الفعاليات لتحسين أداءها وتحويلها إلى صناعة ابتكارية وتعزيز مشاركة المرأة كعارضة وزائرة وعاملة.

  • العقبات الحكومية وإشكالات أخرى ذات صلة

ذهب د. خالد الرديعان إلى أن هناك توجس من العمل الفكري لدى الجهار الحكومي يشمل المؤتمرات والندوات وبالتالي يفترض وجود مرونة في هذا الجانب وأن تُزال العراقيل البيروقراطية أمام عقد المؤتمرات. يفترض استقلالية الجامعات وعدم التدخل بشؤونها من قبل أي جهاز حكومي؛ فهي تستضيف عددا كبيرا من المؤتمرات والندوات التي لابد من التصريح لها رسميا مما يستغرق وقتا طويلا.

وأوضحت أ.د. سامية العمودي أنه وفي الملتقيات الطبية مشكلة التأخير في الحصول على تراخيص وموافقات على الشخصيات رغم أن المواضيع طبية بحتة لذا يحجم البعض عن عقد المؤتمرات.

وقال أ. سمير خميس: إذن يبدو أننا أمام حالة حكومية تعوق تنظيم المؤتمرات، كيف يمكن ترشيد هذا المعوق؟ ومن المخول له؟ هل هي جهات حكومية أخرى كالجامعات وخلافها؟ أم مؤسسات المجتمع المدني وخلافها؟ أم جهة أخرى ثالثة؟

وقال د. علي الحكمي: لم ولن يمنع أي مؤتمر علمي أو مهني على حد علمي، أما المؤتمرات التي تروج لفكر فهذه الرأي فيها للجهات المختصة. وانا أؤيد حرية الرأي المنضبطة.

الوضع تغير من سنوات. الآن تنظيم المؤتمرات أسهل والبرنامج سرع الإجراءات.  أرجو أن نكون منصفين. وأن نعزز الإيجابيات. أما فيما يخص الاستقلالية فهي مسألة نسبية. فلا يمكن أن تستقل الجامعات في المملكة بشكل كامل لأنها حكومية أصلاً.  لكن نسبة معقولة من الاستقلالية مطلوبة.

وذهب م. خالد العثمان إلى أن تنسيب الاستقلالية مسألة جدلية تختلف باختلاف معايير ومستويات التنسيب .. الواجب أن تكون كل المؤتمرات متاحة تحت طائلة المسئولية التي يتحملها المنظمون والمشاركون .. الرقابة السابقة مكبلة ومعيقة وتمنع التطور المأمول لهذا القطاع المهم اقتصاديا وتنمويا.

في حين يرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن مسألة الموافقات الأمنية أمر حتمي وضروري في كل بلد. الأهم أن تكون هناك سرعة في الاستجابة عند طلب الموافقة. ومن الطبيعي أن يتم رفض مشارك أو متحدث إذا كان للجهات الأمنية ملاحظات عليه أو يعد شخصية غير مرغوب فيها. فذاك يدخل في الأمن الوطني، فلم لا نحرص على ذلك.

ومادام أن البرنامج الوطني للمؤتمرات والمعارض هو حلقة الوصل بين الجهات المختصة وطالبي عقد المؤتمرات، فهذا سوف يسرع ويضمن إقامة أي فعالية في وقتها.

بينما م. خالد العثمان يرى الشأن الأمني مظلة عامة تهم الجميع .. يجب أن تكون المحاسبة هي وسيلة الضبط وليس الرقابة السابقة. وبشأن الموافقات من المهم التساؤل: وما هي معايير مثل هذه الموافقات؟ وكيف نضمن أنها لا تتبع رغبات أو مواقف شخصية؟ .. ناهيك عن حالة التحرز الزائد من كل من هو غربي وغريب.

ومن جديد أوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أنه لا يعتقد أن موافقات كهذه تأتي من قمة الهرم الأمني وبالتالي لا يكون فيها من الشخصنة سواء لصاحب الدعوة أو المدعو.

وعلق م. خالد العثمان: إذن هو التعطيل؛ فموافقات قمة الهرم ليست سهلة المنال بالسرعة المطلوبة.

و أستدرك د. عبد الله بن صالح الحمود بأن البرنامج الوطني للمؤتمرات أسهم ويسهم في تذليل كل ما من شأنه خدمة إقامة المؤتمرات والندوات والمعارض.

وأضافت د. نوف الغامدي أن ذلك صحيح كما أن البرنامج الوطني للمؤتمرات يقوم على إبرام اتفاقيات مع الوزارات المعنية للوصول لفائدة قطاعية .. آخرها كان مع وزارة التعليم حيث تم الاتفاق على اعتماد الساعات التدريبية لورش العمل المقامة في المنتديات والمؤتمرات للعاملين في القطاع وهذا يساعد في رفع نسبة الحضور وأيضا استقطاب أفضل للفئات المستهدفة. كما أن البرنامج مسؤول عن أخذ الموافقات الرسمية عامة. و تأخذ الموافقات من أسبوع لأسبوعين كحد أقصى لأخذ التصريح المبدئي والتقديم على التصريح النهائي قبل إقامة الفعالية بشهرين؛ هذا بالنسبة للمنتديات والمؤتمرات والمعارض الاستهلاكية، أما ورش العمل فالحصول على تراخيصها خلال ٤٨ ساعة. كما أن البرنامج يدعم المنظم في حصوله على تأشيرات الدخول للقادمين من الخارج من خلال البوابة الإلكترونية.

وقال د. خالد الرديعان: يهمني التسهيلات وسرعة اتخاذ قرار الموافقة على المؤتمر؛ فدبي تتفوق علينا في ذلك بمراحل. والأكثر إزعاجا عندنا هم البيروقراطيون ممن يعتقدون أنهم يعملون وهم في الواقع يعطلون كل شيء.

ويعتقد أ. خالد الحارثي أن دبي تخلصت من ذلك كله بفضل التوجه الذي اتخذته في فتح أبوابها للجميع ونظرًا لمحدودية القياس الذي لا ينطبق على المملكة.

ومن وجهة نظر أ. أمجد المنيف فهناك بعض العقبات التي تعترض صناعة المؤتمرات أو ما أسماها الفعاليات في النقاط التالية:

  • أولا: كل الأنظمة الموجودة لإقامة الفعاليات، تظل صورية، لأن أصغر موظف في الإمارة قادر على إلغاء الفعالية، حتى مع وجود كل  التراخيص الواجبة.. مما يفقد الثقة لدى المستثمر، أو المنظمة، في خلق مشروع استثماري مستدام.
  • ثانيا: لا تزل هناك الكثير من العراقيل (غير المنطقية) تجاه زيارة الأجنبي، وتحديدا المرأة، ويمكن تفهم ذلك أمنيا، لكن المبالغة في  التقصي غير منطقية، فدبي على سبيل المثال، رغم صرامة الأمن فيها، إلا أن عشرات المؤتمرات تعقد “يوميا”، بمشاركة وحضور مئات الجنسيات.
  • ثالثا: رغم وجود “البرنامج الوطني” إلا أن الفعالية تحتاج تنسيقا متشعبا، فالأمر يحتاج مباركة “الهيئة” وموافقة “الإمارة”، وغير ذلك، وأنا  أتحدث عن الشيء الطبيعي.
  • رابعا: عدم وجود برامج واضحة، أو حياة فعلية، يمكن أن تكون مغرية للزائر، بحيث يكون له برنامج موازٍ للفعالية التي يشارك فيها.

وعلق م. خالد العثمان على النقطة الرابعة من مداخلة أ. أمجد ، حيث يرى أن الزوار الذين يقدمون لحضور المؤتمرات والفعاليات لا يمكن توقع حصر نشاطهم في حضور المؤتمر أو الفعالية التي قدموا أو دعوا لأجلها .. فهم يريدون شيئا من الترفيه والاستكشاف والسياحة .. وهذا هو أحد مكاسب صناعة الفعاليات بما تحدثه من تنشيط في القطاع السياحي والترفيهي.. وحتى يكون لأولئك الزوار خيارات سياحية متاحة في المستقبل فإن وضع هذا المنشط من ضمن برامج الفعاليات يعد مطلبا مهما وقوة دفع فاعلة لنجاح الفعاليات واستقطاب المشاركين.. كما هو الحال في سياحة ما بعد العمرة والحج يجب أن يكون هناك سياحة ما بعد الفعاليات. ويرى د. الرديعان أن هذا يستوجب إعطاء الضيوف فترة كافية وعدم حصر الوقت بفترة المؤتمر.

وأوضحت أ.د. سامية العمودي أن هذه نقطة يتم الاهتمام بها في إطار جامعة الملك عبدالعزيز؛ حيث يتم ترتيب رحلة للمسلمين لأداء العمرة ولغير المسلمين يتم ترتيب رحلة إلى جدة القديمة والبلد، كما يتم عمل عشاء أحياناً في البحر، وأحياناً يتم إحضار فرق شعبية وهدايا تراثية رمزية.

في حين يرى أ. سمير خميس أنه وإن ربطنا مؤتمراتنا بالسياحة فالوضع لا يبشر بالخير؛ فإذا كانت هيئة السياحة تعاني في جذب المواطن، فهل ستنجح مع غيره؟

بينما يرى م. خالد العثمان أن تأشيرة الدخول السياحية بالأصل يفترض أن تتيح المجال للبقاء في البلد بعض الوقت، ولا يُتوقع منح التأشيرات لمدة الفعالية بالضبط، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ضيوف المؤتمرات معروفون مسبقا ولهم اهتمامات محددة غالبا بالحدث الذي قدموا لأجله .. وهم بذلك ليسوا ممن يبحثون عن صنوف أخرى من السياحة قد يتحفظ عليها البعض؛ وليس من مهام هيئة السياحة جذب أحد للمؤتمرات.. هذا يرجع لمضمون المؤتمر أو الحدث وجاذبيته. وكل مدينة فيها محتوى ثقافي تاريخي يمكن أن يكون مادة للترفيه عن الضيوف، ومدننا وثقافاتنا زاخرة بالكثير مما يمكن تقديمه للسياح .. وهو بذلك أيضا يخلق صناعات وفرص عمل مساندة غير مباشرة.

وحددت أ. فاطمة الشريف أهم المعوقات التي تواجه صناعة المؤتمرات في الوقت الحالي فيما يلي:

  • التراخيص الرسمية وعدم وجود فتره زمنية ثابتة للحصول عليها.
  • التمويل نظرا لصعوبة تسويق بعض الفعاليات وكثرة المنافسة ومحدودية جهات التمويل أو الرعاية.
  • ارتفاع التكاليف الفنية والتقنية لندرة الشركات المحترفة وقلة الأجهزة الحديثة.
  • محدودية الأفكار الخاصة بنوع الفعاليات ومحتواها وتكرار معظمها.
  • عدم تحديد جمهور مستهدف لمعظم الفعاليات واستهداف العامة مع أن جودة المؤتمر في خصخصة جمهور محدد وإن قل عدده.

وتساءل أ. سمير خميس حول ماهية دور العلاقات الشخصية والوزن الاجتماعي في تذليل العقبات الحكومية؟

وفي هذا الشأن يرى م. خالد العثمان أن العلاقات الشخصية والوزن الاجتماعي في المجتمعات غير المؤسسية هي وسيلة شائعة لتجاوز العقبات البيروقراطية في مختلف الأمور .. وتوظيفها في حالة منتدى أسبار الدولي ومحافل أخرى أمر متوقع ومفهوم وغير مستغرب .. المطلوب أن يكون هناك مسار مؤسسي مرن فعال لترخيص المؤتمرات وتذليل العقبات التي تواجهها وتوفير متطلباتها النظامية .. وربما يمثل البرنامج الوطني للمعارض والمؤتمرات مظلة محتملة لتطويره وهيكلته حتى يصبح مظلة نظامية شاملة كاملة لإدارة هذا القطاع بمفهوم النافذة الواحدة.

  • غياب العمل المؤسسي

أشار م. خالد العثمان إلى أن العمل المؤسسي المستدام غائب عموما عن صناعة المؤتمرات والفعاليات في المملكة ويغلب على جلها المنظور الربحي قصير المدى .. وكما ذكر د. عبد الله بن ناصر الحمود في ورقته الرئيسية فإن أحد أهم مفاتيح نجاح مؤتمر منتدى أسبار الدولي هو الحرص الكبير من القائمين عليه على قيمة المحتوى والمضمون وتحجيم الهدف الربحي المباشر .. وبذلك فإن أمام مؤتمر منتدى أسبار الدولي فرصة حقيقية لخلق نموذج مؤسسي مستدام في قطاع صناعة المؤتمرات تحقق مبادئ الاستدامة وتوطين الخبرة والمتابعة الدائمة والتحديث المستمر وبناء الخبرات والتوثيق والمتابعة وغير ذلك .. ربما يكون من المناسب التفكير في تسجيل المؤتمر كمؤسسة أو شركة لها هيكل نظامي وفريق عمل وأمانة عامة.

بالعمل المؤسسي تتحقق الاستدامة وتراكم الخبرات والتطور المستمر وتغيب المصالح قصيرة المدى والمجاملات الشخصية والبهرجة الشكلية وكثير مما يعاب على معظم المؤتمرات والمنتديات التي نراها في المملكة.

وتطرق د. خالد بن دهيش إلى أننا بالمملكة في الغالب نصرف الكثير من المال والجهد والوقت على المؤتمرات يقابل ذلك ضعف في موضوعات المؤتمرات و تكرارها من أكثر من جهة وضعف صياغة محاورها وعدم تغطيتها لتلك المحاور بشكل جيد ، إضافة إلى ضعف الحضور الذي يتناقص بالتدريج من يوم لآخر بشكل يخل بالهدف من مشاركة المعنيين و المهتمين بالموضوع مما يضعف الحوار والتوصيات وهذا يؤدي أيضا إلى استياء المحاضر ، و للأسف أحياناً يتم استدعاء غير مهتمين لتعبئة المقاعد . ومن ملاحظاته أن إحدى الجامعات الكبرى بالرياض قبل سنوات قريبة كانت تعقد أكثر من مؤتمر بالشهر على حساب الطالب بتسخير إمكانات هذه الجامعة لهذه المؤتمرات التي بعضها إعلامية و لها أهداف أخرى  بعيدة عن الهدف أو موضوع المؤتمر.

ومن جهتها أوضحت أ. فاطمة الشريف أنه لا يخفى على الجميع أن الحاجة أصبحت ملحة إلى وجود فهم أعمق واحترافية في تخطيط وإدارة الفعاليات والمؤتمرات ، وقد تشكل لدى القيادات العليا في إدارات القطاع الحكومي والخاص قناعات تفترض بأنه حتى تجني أي جهة ثمار هذه الفعاليات والمؤتمرات يجـب أن تخطط لها بصورة مميزة وفاعلة.

‎واليوم تعتبر خدمات تنظيم المعارض والمؤتمرات الاحترافية من الأنشطة التي تزايد عليها الطلب في المملكة تلبيةً لكثرة الفعاليات التي تقوم بها مختلف الشركات والمؤسسات بل والمنظمات ، ولمختلف الأهداف ، وقد أدى ذلك لتخصص بعض الشركات في هذا النشاط تحديداً تلبية للطلب المتزايد عليه. ‎وهو ما تبعه ظهور الحاجة لوجود فرق عمل قادرة على تخطيط وتنفيذ تلك الأحداث بأسلوب علمي فعال يحقق أهداف المنظمة من تنظيم هذه الفعاليات والمؤتمرات.

ويرى غالبية المعنيين بتخطيط وتنظيم وإدارة الأحداث الخاصة أن النجاح التنظيمي لتلك الفعاليات يعتمد بصفة أساسية على ما يملكه فريق العمل من معرفة وخبرات متراكمة.

‎وسواء كانت هذه الفعالية لغرض إطلاق منتج أو خدمة  أو بغرض علمي تنموي وعرض الإنجازات، إلا أن إدارة الفعاليات والتخطيط لها تبقى من أكثر المجالات تعقيدا وإغراقا في التفاصيل نتيجة للكم الهائل من المهام والإجراءات التي يجب الأخذ بها والتنسيق من أجل توفيرها وإكمالها؛  فتبدأ من خلال تحديد الأهداف التي يسعى الحدث أو المؤتمر لتحقيقها وطبيعة الجمهور المستهدف والعدد المتوقع حضوره والميزانية التي رصدت لتنفيذ الفعالية وكيفية التمويل المالي والأفكار حول التسويق ومستوى التمثيل الرسمي وما إلى ذلك، ‎ثم يأتي بعد ذلك تقديم خطة متكاملة تتضمن مقترحات التنفيذ والخطة الزمنية والمتطلبات الفنية والتكاليف.

  • قصور البنية التحتية

فيما يتعلق بالبنية التحتية التي تشجع على عقد المؤتمرات، ذكر د. خالد الرديعان أنه بمقارنة سريعة نجد أن هناك ٩٢٠ فندق في دبي مقابل٤٥٠ فندق في الرياض، مع أن الرياض أكبر مساحة وعدد سكان.

وأضاف د. عبد الله بن صالح الحمود أن الفنادق ال ٤٥٠ في الرياض غالبيتها غير مهيئة لإقامة مؤتمرات.

في حين قال د. زياد الدريس: “أن العبرة ليست بالكم، بل بالكيف. فالمؤتمرات التي تكثر فيها المشالح والفلاشات تكون دوماً أقل جدوى من غيرها!

ثم إني لا أنسى دوماً مقولة سمعتها من أحد الخبراء الاستراتيجيين قبل ٢٠ سنة، قال: ليست مشكلة السعودية في نقص الدراسات والأبحاث، بل في أنها over studied!”

ومن جانبها قالت أ. علياء البازعي: ذكر د. عبدالله في عرضه وجود أكثر من 500 مقر مهيأة لتتفيذ مؤتمرات…هنا نتساءل كم عدد الغرف الفندقية المجاورة لهذه المقرات و الأهم ما “مستواها؟”

هناك مؤتمر cec “council for exceptional children” يقام سنويا في أمريكا و يحضره آلاف المختصين من أنحاء العالم…يقام كل سنة في مدينة مختلفة و شرط اختيار المدينة هو وجود مالا يقل عن 7000 غرفة فندقية في محيط تنفيذ الفعالية و غالبا ما يفضل أن تكون مشيا على الأقدام.. ولعل هذه العقبة كبيرة في مدننا…ليس المشي على الأقدام “مستحيل” لكن وجود العدد الكافي في حال إقامة فعالية بهذا المستوى.

  • صناعة المؤتمرات وحرية الفكر

تطرق د. خالد الرديعان إلى نقطة يراها مهملة neglected issue ، والنقطة المذكورة تتعلق “بحرية الكلام وحرية الطرح وحرية عقد أي مؤتمر” أقصد حرية تناول موضوع ما “كذيمة” مؤتمر.  فبعض المؤتمرات برأيه قد لا تتم الموافقة على موضوعها من قبل الجهات الرسمية، وكذلك حرية حضور الوفود من خارج المملكة ومن داخلها؛ فأسماء المشاركين لابد أن تمر على لجان فرز تقرر من يصلح ومن لا يصلح وهذا يحمل فكر مخالف وهذا لا يحمل … الخ. وينطبق الأمر ذاته على عقد الندوات الفكرية والأدبية؛ فبعض الموضوعات قد تجد مقاومة من البعض في تناولها أو طرحها.. أذكر من ذلك ندوة فكرية وأدبية صغيرة كان يفترض عقدها قبل سنتين في أحد الأندية الأدبية تتناول أطروحات المفكر السعودي عبدالله القصيمي (متوفى) وقبل الندوة بيوم واحد تم إلغاءها بقرار من أمارة المنطقة دون اعتبار لإدارة النادي والحضور والمشاركين في حين أن الندوة تعقد في صرح ثقافي يعمل تحت مظلة وزارة الثقافة والإعلام.

ويرى د. علي الحكمي أن الذكاء هو التحرك في نطاق المسموح به. وهذا سر تميز مؤتمر أسبار. فمؤتمر أسبار ضخم ومؤثر في النطاق المسموح به.

وفي ظن م. خالد العثمان فإن المؤتمرات مثلها مثل الصحافة والإعلام .. التكبيل المسبق يقتلها في مهدها .. لماذا ارتفع سقف الحرية في الإعلام وبينما ما زال منخفضا جدا في المؤتمرات؟

  • المؤتمرات العلميّة الخليجيّة بين «الشلليّة» وضياع المرجعيّة

تحت هذا العنوان أعلاه، أورد د. فايز الشهري مقالاً له ذو صلة مباشرة بقضية صناعة المؤتمرات، جاء فيه: لم يعد سرّا القول أن معظم المناشط العلميّة التي تنظمها المؤسسات الخليجيّة الخاصّة والعامّة باتت مثل “المحميّات” الخاصة “لشلل” تتنادى فيما بينها وتتواصى على أسماء محدّدة سواء من المتحدّثين العرب أو الضيوف الخليجيين الحصريّين. ومن العجيب أن أسماء هذه “الشلل” لا تتغيّر حتى بتغيّر الموضوعات فهم حاضرون بذواتهم في ندوة عن “اللهجات الخليجيّة” وبعدها في ملتقى “تقنية النانو” وتجدهم أيضا خبراء مؤتمر “الربع الخالي والأمن الغذائي” ومتحدثين متواجدين في لقاء “السلام العالمي والقوة الناعمة”. يقول أحد الظرفاء “ربعي” تجمعهم “قروبات” الوناسة على تطبيق “الواتساب” ومنه ينتثرون إلى مقاهي المؤتمرات والندوات.

والإشكال هنا ليس في تكرار الأسماء فقط ولكن في اجترار الموضوعات وانتهاك التخصص العلمي وهدر المال بلا طائل. على سبيل المثال وخلال الثمانية أشهر الماضية وصلتني بضع دعوات وتابعت بحكم الاهتمام ما يزيد على 20 مناسبة خليجيّة الشيء الوحيد الثابت فيها هو تكرار أسماء المتحدثين و”العكّ” في ذات القضايا دون إضافات تستحق كل هذه “الهيلمة”.

وأذكر أن منسّقة ندوة عن الإعلام الجديد تواصلت معي للمشاركة ولما استفهمت منها عن المشاركين المرشحين ذكرت أسماء ليس بينها مختصّ أو محترف. الطريف أن المنسّقة ذكرت اسم سيّدة مشاركة ينحصر كلّ نشاطها في الإعلام الجديد في بثّ لقطات “سناب شات” لغرف الفنادق التي تُستضاف فيها في المناسبات الخليجيّة (الكثيرة).

وممّا يُذكر (فيُنكر) أن أكاديميّا متخصّصا في “طرق التدريس” طلب ترشيح أسماء إعلاميين روّاد لتكريمهم في ندوة خليجيّة فذكرتُ له بعض من أعرف فاعتذر عن قبول اسم اثنين منهم لعدم قناعته بهم مذكّرا إيّاي بأنّه أحد أعضاء لجنة الترشيح للجوائز الإعلاميّة! هذا الأكاديمي الجهبذ – ما شاء الله – ضيف كل مؤتمر خليجي يتنقل من مدينة إلى مدينة محاضرا في الصراعات والاقتصاد وحتى حقوق المرأة!

يقول المنطق السليم أن غاية أي مؤتمر أو ندوة علميّة هو اجتماع متخصّصين ومحترفين أمام خبراء ومهتمين لبحث ومناقشة قضايا يهتمّ بها منظّم هذه الفعاليّة. والمحصلة النهائيّة (المفترضة) أن يخرج هذا (المؤتمر) أو الندوة بتوصيات “علميّة -عمليّة” تحمل اتجاهات جديدة في الموضوع محل البحث والنقاش. ومن أقل المنافع التي ينبغي استهدافها وتحصيلها في هذه المناسبات إظهار الوجوه الجديدة أو على الأقل إشهار اسم المؤسسة المستضيفة من خلال إطلاق مبادرات رائدة وفي الحد الأدنى إفادة المدينة المستضيفة اقتصاديا وثقافيا.

  • آليات تطوير صناعة المؤتمرات في المملكة

أكد د. عبد الله بن صالح الحمود على أهمية ما يلي:

  • أن على الغرف التجارية الصناعية دور كبير في نقل المفهوم الرئيس لصناعة المؤتمرات.
  • أن يكون هناك تعاون كبير بين مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية ووزارة التجارة والاستثمار، للنهوض بصناعة المؤتمرات كأحد الوجهات الرئيسة للنمو الاقتصادي في البلاد.
  • أيضا هناك مسؤوليات واجبات متعددة تجاه أكثر من جهة حكومية للدعم والنهوض بهذه الصناعة النوعية ، مثل وزارة الداخلية من ناحية التسهيل في إصدار تأشيرات الدخول للمتحدثين في المؤتمرات ، فضلا ، وهيئة السياحة والتراث الوطني في تحفيز القطاع الخاص نحو توافر مقار متعددة لإقامة المؤتمرات على مستوى المملكة العربية السعودية.
  • أما ما يتعلق في تطوير النظرة الحكومية تجاه صناعة المؤتمرات؛ فمن المهم أن يكون لدينا استراتيجية واضحة تؤكد للجميع أن جزء كبير من النمو الاقتصادي يأتي بسبب التوسع في عقد المؤتمرات من الناحيتين (الكم و الكيف).

ويرى د. خالد الرديعان أن وجود قاعات وبنية تحتية لعقد المؤتمرات والندوات لا يكفي للنهوض “بصناعة” المؤتمرات بل لابد من توفر مناخ حرية كافي لعقد المؤتمر .

وتعتقد أ.د. سامية العمودي أننا ينبغي علينا تصنيف المؤتمرات فالعلمية أو الطبية يكتفى بالجامعة أما الثقافية أو الفكرية أو ما فيها من أمور خلافية ربما هنا تحتاج إلى تنظيم آخر.

وأيد د. علي الحكمي الرأي السابق وأضاف أن المؤتمرات الفكرية لابد أن تنظم بإشراف مؤسسات حكومية.

ومن وجهة نظر أ. أمجد المنيف فإن الحلول بالتشريع، والرغبة الحكومية، والإيمان بالمورد قبل كل شيء. كما أن الأفكار كثيرة، وعناصر الإبهار أكثر.. المهم دعم الصناعة، ووضع الأرضية والنظام.

واتفق م. خالد العثمان مع هذا الطرح الأخير، ففي رأيه أن التشريعات هي من يصنع الفرصة وبعدها سيقدم القطاع الخاص على تنمية هذا القطاع والاستثمار فيه .. على الدولة أن تؤمن أن هذا القطاع صناعة متكاملة تتطلب الدعم ورفع العقبات البيروقراطية في ظل توجهات الرؤية الوطنية التي تعول على تمكين القطاع الخاص.

كما تبرز مسألة تأهيل الكفاءات البشرية في مجال إدارة الفعاليات .. وبالإنجليزية Event Management ، وهو تخصص أصبح له مناهج أكاديمية على مستوى البكالوريوس وحتى الدراسات العليا .. بينما في المملكة معظم إن لم يكن كل العاملين في هذا المجال غير مؤهلين أكاديميا للعمل في هذا المجال وجمعوا مهاراتهم وتأهيلهم بالخبرة المبنية على الممارسة العملية والتعلم بالتجربة والخطأ Try and Error

وفي ضوء ذلك يمكن التوصية بإدراج هذا التخصص في مناهج التعليم والتدريب على مختلف المستويات.. خاصة وأنها أعمال ملائمة اجتماعيا وماديا للشباب والشابات السعوديين.

وأوجز د.م نصر الصحاف مجموعة من النقاط الهامة من واقع تجربته الشخصية في التحضير للمؤتمرات سواء في السعودية أو الولايات المتحدة كما يلي:

  • لتحقيق النجاح يتوجب البدء في الاستعدادات للمؤتمر وفق أجندة معينة على أقل تقدير قبل الموعد المقرر بسنة.
  • تبدأ باجتماع كل أسبوعين في الأربع أشهر الأولى وتزيد وتيرتها بعد ذلك لتصل إلى كل عشرة أيام ومن ثم تزداد حتى أسبوعياً في الشهرين الأخيرة قبل الحدث .
  • يناقش في هذه الاجتماعات كل صغيرة وكبيرة حيث تكمن الخفايا في التفاصيل الصغيرة.
  • أما فيما يتعلق بالإجراءات أثناء الفعاليات؛ فيعطى كل مشارك استبيان معد سلفاً لقياس مدى رضاه أو سخطه عن المنتج لتساعد في تحليل النتائج لاحقاً وتلافيها مستقبلاً.
  • مراعاة التفاصيل الصغيرة وإعطاء الموظفين والقائمين على تحضير المواد الفرصة الكاملة في إبداء آراءهم أو الحلول التي يرونها مناسبة.
  • الدعاية/ الإعلام المدروس واستراتيجية الإعلان عن الموعد المحدد للمؤتمر.
  • تجربة منتدى أسبار الدولي: أسباب النجاح ومقومات الاستمرار

ذكر أ. سعيد الزهراني أن نجاح منتدى أسبار .. لا يحتاج إلى استشهاد.. هو موضع بهجة عميقة نعيشها إلى هذه اللحظة.. وهو فرح بمنجز نخبوي جماهيري.. هنا مكمن التحدي.. أن تحظى فعالية نخبوية بحضور جماهيري.. فالأرقام التي تحدث عنها الدكتور الحمود في ورقته تؤشر إلى ألوف مألفة قصدت المنتدى.. والحضور الألفوي هو حضور جماهيري بالتأكيد استطاع المنتدى النخبوي أن يستهويه. وأضاف: عندما أقول نخبوي فأنا أعني الدلالة الفعلية للمصطلح.. لأن هناك منتديات تكتسي ظاهريا بالنخبوية فيما حقيقتها شعبوي قح.. مثالها منتدى شوف الذي يتجاوز حضوره ٣ آلاف.. لم يكونوا حضروا لولا مشاعر الإعلام الجديد الذي وصم بلعنته المفاهيم حتى بات النجم رمزاً في مثل تلك المنتديات!

نجاح منتدى أسبار في دورته الأولى .. يؤشر لنجاحات مستقبلية كبرى.. وهو الأمر الذي يستلزم التفكير في طريقة التعامل مع المستقبل المبهر لأسبار مركزاً ومنتدى.. إن الوقت حان ليصبح أسبار شركة مساهمة لا ترتهن للاسم الكبير د. فهد العرابي الحارثي.. هذا الاسم الذي يمثل اليوم في أسبار كل شيء.. وحين يغيب تحت أي ظرف – لا سمح الله – فسيغيب كل شيء جميل في أسبار.. في حين سيضمن لأسبار الخلود فكرة وتأسيساً ومنتجات حين يتحول إلى نظام المأسسة الكامل.. ويذكرنا منتدى أسبار الوليد.. بمنتدى دافوس السياسي والاقتصادي الشهير.. من مجرد فكرة لرجل اقتصادي نابه تحولت إلى تظاهرة للعلم والمال والتفكير والخطابة والصفقات وقيادة العالم سياسياً واقتصادياً. يحدثنا قوقل عن دافوس بأرقام بمئات الألوف الدولارية اشتراكاً وعضوية وشراكات ونحوها.. وهو فوق هذا منتدى غير ربحي.

وفي تصور د. خالد الرديعان فإن من أسباب نجاح مؤتمر أسبار ما يلي:

  • أهمية موضوعه فهو يتسق مع الخط العام للدولة ورؤيتها.
  • موضوع المؤتمر ملح جدا ويخدم الصالح العام.
  • شخصية الدكتور فهد العرابي ومعرفة الدولة بتوجهاته الوطنية، إضافة إلى قدراته الفذة في الحشد للمؤتمر والتواصل مع الرعاة وإقناعهم بأهمية المؤتمر.
  • افتتاح المؤتمر من جانب أمير الرياض مما أعطاه زخما إعلاميا كبيرا.
  • ضيوف المؤتمر المميزين بتخصصاتهم.
  • عقد المؤتمر في مكان مثالي جدا ومهيئ لمثل هذه المناسبات الكبيرة.
  • الطاقم الفذ الذي عمل مع الدكتور فهد من الزملاء والزميلات في أسبار.

وفي هذا الإطار قال د. عبدالله بن ناصر الحمود: كن ابن من شئت واكتسب أدبا.. يغنيك محموده عن النسب.  عندما أراد مركز أسبار أن يفعل.. فعل .. وتجاوز كافة العقبات الحكومية والخاصة.. فالإرادة تتحطم أمامها كل العقبات.

وأشار م. خالد العثمان إلى أن المؤتمرات خصوصا في المملكة يغلب عليها أن تكون أحد صنفين .. مؤتمرات ترعاها جهات حكومية ويسيطر فيها الجانب الحكومي على الحديث والكلمات والجلسات ويبقى القطاع الخاص والمدني مستمعين صامتين إلا من بعض المداخلات المستجدة .. ومؤتمرات يرعاها القطاع الخاص فيغيب عنها الجانب الحكومي غيابا تاما إلا من فعاليات حفل الافتتاح الذي تغلب عليه المشالح والفلاشات ودروع التكريم ثم ما يلبث الوجود الحكومي أن يختفي من الساحة ويبقى الناس والقطاع الخاص يحاورون أنفسهم حوار الطرشان .. مؤتمر منتدى أسبار تمكن من أن يكسر هذه العزلة وهذا الانفصام في حضور المنتدى والحديث بين مختلف الطوائف الحكومية والخاصة والمهنية .. ومن المؤمل أن يتمكن المنتدى في دوراته القادمة من توسيع وتفعيل هذا الحوار المشترك ضمن إطار المؤتمر .. وأن يتيح مجالا أوسع للحوار مع الجمهور والنقاش المتبادل بين المتحدثين والمتحاورين بدلا من إلقاء أوراق خطابية تسوق لذواتهم وتعرض رؤى ووعودا مستقبلية يعدها البعض حالمة وغير ملموسة.

وبالتركيز على موضوع الطاقم الفذ الذي عمل على إدارة وتنظيم وتنفيذ مؤتمر منتدى أسبار الدولي .. هذا الطاقم جزء منه يعود لشركات ومؤسسات متخصصة بمهام وأدوار معينة .. وهؤلاء يشكرون على عملهم الذي قاموا به مقابل أجر مدفوع ضمن العقود المبرمة مع شركاتهم .. والجزء الآخر التابع للجهة المالكة للمؤتمر وهم في غالبيتهم متطوعون ومستشارون وخبراء غير متفرغين عملوا على مدى عام كامل في تهيئة وتجهيز وتنظيم المؤتمر ومتابعة الفرق والشركات المختلفة، ومن المهم تحفيزهم وتوثيق ما اكتسبوه من خبرات ومهارات وتجارب حتى يمكن البناء عليها لتحقيق مزيد من النجاحات للمؤتمر في الدورات المقبلة .. إذ أنه لا أحد سيقبل إلا أن يبقى المؤتمر على ذات المستوى من الجودة والنجاح علاوة على أن يتراجع لا سمح الله.

وذكر د. حامد الشراري أنه مما لاشك فيه أن كثافة عقد المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش وورش العمل واللقاءات العلمية والدراسات والأبحاث وغيرها، هي ظاهرة صحية إذا ما أحُكمت أهدافها ومبرراتها وتم تفعيل مخرجاتها في الوجه الأمثل لخدمة الوطن واقتصاده. هذه المناشط المختلفة التي تعقد سنوياً، يتمخض عنها مئات التوصيات والأفكار الجديرة بالاهتمام وجلها يصب بخدمة الوطن والمواطن بشكل مباشر، آخرها  منتدى أسبار الدولي ، ومنتدى مسك الخيرية الدولي … هذه التوصيات والأفكار تتفاوت أهميتها وقيمتها وظروف طرحها، وهي خلاصة تجارب عملية وعلمية بُذل فيها الجهد والوقت والمال. طبيعياً، هذه التوصيات أو الأفكار ترفع للجهات ذات العلاقة، كثير من تلك التوصيات لا يتم الأخذ بها لأسباب كثيرة منها عدم إمكانية تطبيقها أو جاءت في ظروف غير مناسبة كمثل نقص في الإمكانيات المالية أو الكوادر البشرية الكفيلة بتنفيذها أو عدم القناعة بأهميتها أو واقعيتها أو الضعف في صياغتها، أو تم تفعيلها منذ فترة…إلخ، ونتيجة لذلك تصبح حبيسة الأدراج. هذه التوصيات التي لم يُؤخذ بها – ربما- تناسب في وقت آخر وتكون الظروف مواتية لتنفيذها، أو إعادة النظر فيها وتصبح قابلة للتنفيذ، أو يُستفاد منها في جهات أخرى ليست حكومية كمؤسسات المجتمع المدني أو المؤسسات الخيرية أو القطاع الخاص. تقنياً، ما أحدثته ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات من سرعة وسهولة الوصول للمعلومة والسعة التخزينية العالية مع تكلفة رخيصة، يحتم علينا الاستفادة المثلى من هذه التقنيات خاصة ونحن – بحمد الله- لدينا بنية تقنية مناسبة جداً مقارنة مع كثير من الدول. فأقترح على مركز أسبار إيجاد مستوع وطني إلكتروني أو رقمي (Thinks Tank) كقاعدة معلومات لتلك التوصيات والأفكار والرؤى التي تُطرح على مستوى الوطن، في ظل غياب مؤسسات خاصة تقوم بهذا الدور كما هو معمول به في بعض الدول الغربية كأمريكا، ولم يتم الأخذ بتلك التوصيات لأسباب مذكورة أعلاه، تكون مصنفة ومبوبة بطريقة علمية يمكن الرجوع إليها بسهولة وسرعة عند الحاجة ومن خلال تلك القاعدة يتم معرفة ما تم بشأنها، وبالتالي يُختزل الزمن ويُوفر الجهد والمال من خلال الاستفادة المُثلى من ذلك المستودع للمهتمين وصنَّاع القرار بوجه خاص.

وفي تصور د. خالد بن دهيش فإنه و بالنسبة لمؤتمر منتدى أسبار الدولي فقد نجح بامتياز خاصة أنه من إعداد مركز خاص بمشاركة تطوعية من أعضاء منتداه. و من الطبيعي أن لا يخلو مثل هذا العمل من ملاحظات تطويرية للمؤتمر القادم.

ومن جانبه قال د. علي الحارثي: لن أكرر ما سبق ذكره من النجاح والتميز وبالذات عندما يكون في النسخة الأولى ، بل سأذكر قصة نجاح مؤتمر دولي حضرته أكثر من مرة لنستخلص بعض الفوائد لمؤتمر أسبار. المؤتمر العالمي للإصلاحيات والسجون ، منظمة أهلية بدأ باجتماع مهتمين من هذه القطاعات قبل ١٨عام والآن أعضاؤه متنوعون ما بين أفراد ومؤسسات حكومية وقطاع خاص يقام سنوياً يحضره مهتمون من أكثر من ١٠٠ دولة برنامجه ٥ أيام تتخلله محاضرات علمية تجارب وعروض لواقع الأنظمة والإجراءات والمشاكل والإنجازات والإخفاقات ويقام خلاله ورش عمل كل مشارك يدفع مقابل لذلك ، تتسابق دول ومدن لاستضافته لما يعود على الدولة أو المدينة من فوائد مالية . رغبنا في استضافته حالت العوائق الأمنية والسياسية والتنظيمية والمادية دون ذلك ، له إدارة منتخبة في المركز الرئيس وفروع في أكثر من دولة ونشاطات إقليمية ومحلية وكثير من الفعاليات المصاحبة وأهمها إقامة معارض كبيرة عن التجهيزات والاختراعات والاستشارات التطويرية . من اللافت أن المهتمون أو المشاركون أغلبهم من الدول المتقدمة، بدايته كانت بسيطة والآن مؤسسة أهلية دولية تساندها هيئة الأمم المتحدة، و هناك مؤتمرات دولية وإقليمية مشابهة في مجالات شتى. يجب أن لا تأخذنا نشوة الفرح بما حصل من نجاح ما يجعلنا نسترخي عن استمرار النجاح والتميز والدولية ليصبح ذَا شأن دولي. والمقترح أن يبدأ العمل للسنة القادمة من الآن.

المحور الرابع

الميزانية بين فكر الحكومة وتطلعات المواطن

الورقة الرئيسة: د. نوف الغامدي

الحمد لله على ما منّ الله به علينا وعلى بلادنا من الخير الكثير والنعم فأستعملها أولياء الأمر في خدمة البلاد والعباد وبالشكر تدوم النعم.

جاءت ميزانية المملكة لهذا العام 2017 متفقة مع رؤية 2030، وشملت برامج اقتصادية واجتماعية وتنموية تستهدف الانتقال بالسعودية لمرحلة ما بعد النفط، وذلك يحقق اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي ووطن طموح ، ميزانية هذا العام أقرب ما تكون إلى ميزانية برامج، على الرغم من أن شكلها العام ما زالت تقوم على البنود، كما أن أفق الميزانية لا ينحصر في عام 2017 فقط، بل يمتد سنوات قادمة، فإطلالتها لعام 2020 تستوعب التغييرات التي من المؤمل أن يحدثها برنامج التحول الوطني، ولتحقق تلك المنظومة من برامج الرؤية السعودية 2030. واختلاف الميزانية هذا العام عن سابقاتها يشمل مرتكزات اجتماعية – اقتصادية، وليست مالية بحتة. بمعنى جعل المعطيات الاجتماعية – الاقتصادية تقود هيكلة الميزانية، وليس العكس. فالميزانية العامة الآن أداة لتحقيق “الرؤية السعودية 2030”. جاءت الميزانية لتحمل رسالتين:

  • الرسالة الأولى كانت للمواطن من أجل تعزيز ثقته في اقتصاد بلاده ولتؤكد على أن القرارات الماضية كانت تصب في الصالح العام .
  • أما الرسالة الثانية فهي للخارج بأنّ الاقتصاد السعودي بخير ويتحول فعلياً وبخطى تنفيذية من الاقتصاد الريعي القائم على رعاية الدولة والدعم الحكومي المباشر إلى الاقتصاد التنافسي القائم على الخصخصة والمنافسة وقيادة القطاع الخاص .

جاءت ميزانية السعودية استثنائية إلى حد كبير، وعلى عكس ميزانيات المملكة في السنوات الماضية، تلتزم الحكومة السعودية من خلالها بتطوير سياسات الشفافية والاستدامة المالية عبر عدد من البرامج والخطط الجديدة، التي يجري تطبيقها لأول مرة في السعودية، فقد أعادت الميزانية الجديدة توزيع الدعم على المواطنين السعوديين بشكل عادل، حيث سيحصل كل مستحق للدعم على حاجته، وسيصل الدعم إلى مستحقيه بالشكل الذي يمنع تسرب الدعم إلى الفئات غير المستحقة ( الأثرياء )، كما اشتملت الميزانية الجديدة على خطط طويلة الأمد ستمكن المواطن السعودي والقطاع الخاص من ترتيب أموره وأولوياته لسنوات مقبلة، وذلك بضمان خلو السنوات المقبلة من أي أعباء أو التزامات مفاجئة لم تركز في هذه الميزانية. وتقدم الميزانية حلولاً مبتكرة للخروج بذكاء من عجز الميزانية، وتوفير السيولة المطلوبة لتحقيق النمو الاقتصادي عبر حزمة إصلاحات مبتكرة، كما تجاوزت هذه الميزانية الأسوأ، وكشفت جدية السعودية في برامجها الاقتصادية الإصلاحية، وذلك بالشكل الذي يحول دون التهام الأرصدة الخارجية للمملكة، وبحسب البرامج التي أعلنتها الحكومة فإنه لا توجد قرارات يتم تطبيقها بأثر رجعي، ولن يتم فرض ضريبة دخل على المواطنين أو القطاع الخاص.

كنت قد ذكرت خلال توقعاتي للميزانية بأن المملكة نجحت في تقليص عجز الميزانية إلى 198 مليار مقارنة بالعام الماضي 297 مليار أي بنسبة 7.7 % من الناتج المحلي من خلال الاستخدام الأمثل لأدواتها مثل: تطبيق السياسات الضريبية وضريبة القيمة المضافة وتفعيل دور الوقف والصكوك والاستمرار في الانتقائية لمشاريع البنية التحتية . الميزانية حدث اجتماعي قبل أن يكون اقتصادي والسؤال المهم هنا: ماذا تعني كل تلكّ الأرقام للمواطن ؟ وماهي الخطط التي سَتُنجز لتحسين معيشته ؟ فالميزانية هي لغة أرقام وبالنسبة للمواطن هي احتياجات أساسية يريد أن يسمع تفاصيلها من معالي الوزراء فهو يريد أن يعرف عن الإسكان والتعليم والصحة وغيرها من الأمور التي لها تأثير مباشر على معيشته، ومع الأسف الأرقام تتغير أما كلمات الوزراء فهي مازالت على نفس الوتيرة !

إن التحدي الكبير هوّ قدرة الأجهزة التنفيذية المختلفة على التنفيذ وفق أسلوب وآلية تضمن تحقيق المؤشرات المطلوبة. إن أرقام الميزانية وضخامتها لا تعني للمواطن أي شيء إن لم تترجم إلى واقع حقيقي وملموس ينعكس بحجم مشاريع تنموية تعمل على التحسين من حياته المعيشية وتوفر له مستوى من الخدمات مما يُلبي طموحه وتطلعاته، فنحن كمحللين اقتصاديين دائماً ما نجمل الميزانية بتحليلات إيجابية منطقية في الغالب لكننا لا نذهب إلى العمق في التحليل والبحث عن أثر ومردود الميزانية على المجتمع بكل طبقاته، نذهب إلى البعد الاقتصادي الكلي ونغفل عن البعد الاقتصادي الجزئي .

فالمواطن يريد من الصحة توسعاً في تنفيذها للمشاريع الصحية ليجد السرير وقت الحاجة ويجد العلاج دفعاً للمعاناة التي يعيشها يريد أن تعطيه المؤتمرات والندوات الصحية التي ينفق عليها الكثير نتائج ملموسة في علاج الأمراض المزمنة ورعاية أصحابها يريد من الأرقام المرصودة أن تؤتي أكلها في الارتقاء بالوضع الصحي إذ لا يوجد مبرر بعد أن خص هذا القطاع بمزيد من الاهتمام ليحصد الأرقام التي تؤهله لوضع أكثر تطوراً وأكثر رقيا ولن يقف عائق أمامه ما دامت النوايا مخلصة والجهود وظفت توظيفاً صحيحاً لتحقيق الغاية. المواطن يريد من التعليم توسعاً في بناء المدارس الحكومية رفعاً لمعاناة الطلاب مع المباني المستأجرة، ولا يجد للقائمين عليه عذراً بعد أن أدرك ما خصته الميزانية للتعليم من أرقام مذهلة تزداد عاماً بعد عام، ولا يدرك سر عدم مواءمة العمل مع الكم الرقمي الذي يكمن خلفه كذلك التأخير في التنفيذ، أضف إلى ذلك عدم الاستثمار الصحيح لتلك الأموال في وضع الخطط المناسبة لتطوير المناهج التي أكدت الدراسات أنها لا تزال تعتمد على حشو عقول التلاميذ عن طريق التلقين. وفي جانب البلديات يريد المواطن التعجيل بمشاريع تصريف مياه الأمطار التي أدى عدم الاهتمام بها إلى كوارث لا تزال آثارها المؤلمة تدفعه إلى المطالبة بالاهتمام بهذا الجانب ومنها مشاريع الصرف الصحي حيث يرى أرقاماً لم تستطع رفع معاناته مع مياه المجاري التي تمتلئ بها الشوارع دون تصريف مما أدى إلى التلوث البيئي وما حمى الضنك سوى نتاجه المنذر بما هو أخطر. المواطن يريد من وزارة التعليم العالي ممثلة في الجامعات توسعاً في القبول بعد أن تم التوسع في إعدادها وارتفعت ميزانياتها إلى مليارات الريالات وحق له أن يتساءل ويضع أكثر من علامة استفهام حين يرى ما رصد لها من مبالغ بينما القبول لا يزال في أضيق الحدود فما جدوى الزيادة إذا لم تستثمر في هذا الجانب وهو ما يعنيه وأشد ما يعانيه خوفا على الأجيال من ضياع سيعيشونه إن لم تحتويهم خطط المؤسسات التعليمية.

المواطن يريد من تلك الأرقام مشاريع تنجز في الزمن القياسي لها وفي ذات الوقت الحد من مزاد المنافسات فهو السبب الرئيس لتأخير المشاريع لسنوات ليدفع المجتمع ثمن تأخيرها ولن تخرج الحلول عن منع التعاقد من الباطن وهو ما أدى إلى سوء التنفيذ المقترن بالتأخير نتيجة عدم القدرة على الأداء بتكلفة ظلت تتناقص إلى أن وصلت للمنفذ الأقل. المواطن يريد استثماراً صحيحاً لبنود الميزانية حسب أوجه الإنفاق فما الفائدة من رصد مبالغ تعاد في نهاية العام دون أن توجه في مكانها الصحيح، وأعتقد أن المناقشة التي تتم كل عام بين وزارة المالية وممثلي الجهات الحكومية من مصالح ومؤسسات عامة يجب أن تشتمل المبررات والأسباب التي أدت إلى عدم الاستفادة من المبالغ المرصودة فعودتها في نهاية الحساب الختامي للميزانية يعني أن هناك خللا يتمثل في العجز عن الأداء وسوء التخطيط لدى الجهة المعنية مما جمد تلك المبالغ والتي كان بالإمكان الاستفادة مِنْهَا.

من أهم البرامج التي أطلقت مع الميزانية التوازن المالي 2020 وحساب المواطن وهيّ لتحقيق الأمان الاجتماعي ، ولو أخذنا برنامج حساب المواطن على سبيل المثال والذي يهدف لدعم المواطنين من ذوي الدخل المتوسط والمحدود لتحمل أعباء الصلاحيات الاقتصادية والذي سيتم من خلال المنصة الموحدة لحساب المواطن والتسجيل في البرنامج بطريقة إلكترونية، هل سيتم فتح مكاتب لمساعدة راغبي التسجيل ولا يملكون الوسائل اللازمة والإمكانيات كسكان القرى على سبيل المثال حتى لا نخلق سوق جديد لمن يتكسبون على حساب هذه الفئة ؟ وفِي المجمل فإنّ قرار الدعم الحكومي في التدرج من ذوي الدخل المحدود إلى اﻷعلى إذا لم يشوبه فساد مثل حافز سيكون قرار عظيم .

‏‫حقيقة في الوقت الحالي الميزانية السعودية تعتمد على مصدرين لزيادة مواردها المالية، فرض ضرائب على الوافدين ورفع رسوم الخدمات الحكومية على المواطنين، فعلى سبيل المثال: فرض ضريبة عالية على منتجات التبغ والمشروبات الغازية لن يقضي على التدخين، فقط سيرتفع دخل المؤسسات الضريبية. إنّ وثيقة الميزانية هذا العام ليست وثيقة للنخبة، فقد أصدرت وزارة المالية أيضا نسخة لغير المتخصصين لإدارة التواصل مع المواطن، والميزانية هذا العام تتطلب دخول المواطن كـ«شريك» في إنجاح برامج الدولة المالية. المرحلة القادمة تتطلب تحولا نفسيا وفكريا لدى الناس يوسع فهمها ورؤيتها لعمل الحكومة، وأحد المداخل لإحداث هذا التحول يتحقق عبر رفع مهارات الأسرة للتعامل مع إدارة مواردهم المالية، فالمواطن بحاجة لأن يعرف الضرورات للدعم، ويعرف أيضا ضرورات الرسوم على الخدمات، ويعرف أهمية كل هذا للاقتصاديات الحديثة التي تواجه تغيرات اجتماعية واستثمارية، فنحن نتحول من ثقافة الإسراف إلى الترشيد، ومن الاستهلاك للإنتاج .

التعقيب الأول: د. حميد المزروع

قضية ( الميزانية بين فكر الدولة وتطلعات المواطن ) ، هي بالفعل قضية في غاية الأهمية وتمس بشكل مباشر مستقبل الأسرة السعودية وسلوكها الاجتماعي والاقتصادي. سأركز مداخلتي على محورين أساسيين وهما ما يلي :

  • أولا: تصنيف الشرائح الاجتماعية الأكثر تأثرا من تطبيق الميزانية المالية ٢٠١٧ ، باعتبارها أول ميزانية معيارية لتجسيد رؤية المملكة ٢٠-٣٠.
  • ثانيا: معالجة أثار الأزمات المالية المتوقعة وتخفيف آثارها علي فئات المجتمع المتأثرة بشكل مباشر من تطبيق برامج الميزانية ، وما قد  يترتب عليها من تداعيات اجتماعية متنوعة ، خاصة الأمن الاجتماعي ، الفقر و البطالة ، تسريح العمالة المرتبط بسبب تطبيق برامج الخصخصة ، وأخيرا قدرة القطاع الخاصص علي إدارة الاقتصاد الكلّي للبلاد ، وقدرته علي توليد وظائف بشكل منتظم .
  • الشرائح الاجتماعية الأكثر تأثرا هي ما يلي:

١- منسوبو الضمان الاجتماعي.

٢- المتقاعدون، خاصة الذين يستلمون أقل من ستة الأف ريال.

٣- الأسرة التي يعمل بها الزوج أو الزوجة فقط (ولديها عدة أبناء).

٤-العاطلون عن العمل.

في تقديري أن إدارة ما يعرف بحساب المواطن والمقترح تنفيذه بعد حوالي خمسة أسابيع  سيصعب تنفيذه عمليا نظرا لصعوبة تطبيق المعايير المرتبطة برصد وتقييم جميع الحالات بنفس الوقت وللصعوبات الإجرائية التي ستظهر بسبب استحالة المواصلة في تحديث البيانات ومتابعتها بشكل دائم ، لذلك أقترح بهذا الخصوص ، ولتقليل الأثر الاقتصادي والاجتماعي علي الشرائح الاجتماعية ذات الدخل المنخفض (الضمان الاجتماعي ، المتقاعدين، أخري)، هو بزيادة المخصص أو الراتب بنسبة ١٥٪ .

  • ثالثا: أن أرقام البطالة الحالية ١٢٪ ، والمتوقع ارتفاعها مع بداية تنفيذ برامج الخصخصة لمرافق الدولة تتطلب حلول سريعة ، وأقترح أن تبدأ الدولة بتنفيذ بعض المبادرات الاقتصادية لفتح سوق العمل وتعزيز النمو ليرتفع إلى ٣٣٣٪ ، وإجراء ما يلي :

أ- تسهيل  التشريعات والإجراءات المرتبطة بالاستثمار الأجنبي ، لجلب الشركات العالمية  المتخصصة للعمل داخل المملكة ، خاصة للمشاريع الاقتصادية التي تتوفر موادها الأولية بالمملكة لاستحداث الوظائف اللازمة بشكل فعال .

ب- سرعة تفعيل الاقتصاد الخدمي و السياحي ، وإزالة المعوقات المرتبطة به ، خاصة معوقات التمويل المالي .

ج- اعتماد نظام العمل الجزئي ضمن لائحة الخدمة المدنية، وتحديد الأجور بنظام الساعة أسوة بعدد من الدول الصناعية لتشجيع المواطنين للانخراط المبكر بسوق العمل واكتساب المهارات اللازمة، وكذلك لرفع دخل الأسرة. علما أن الدولة أوقفت التوظيف والترقية رسميا للسنة المالية ٢٠١٧ ، وفقا للأمر السامي المنشور بهذا الخصوص .

د- تحديد الحد الأدنى للأجور بستة آلاف ريال للسعوديين ، وإيقاف الاستقدام بشكل مؤقت ( باستثناء الكفاءات بأنواعها ).

إن ازدياد نسبة البطالة والفقر بالمجتمع ستؤدي حتما إلى ازدياد نسبة الجرائم بأنواعها واستشراء الفساد الإداري مثل الرشوة وغيرها ، لذلك فإن معالجة الأسباب من البداية أفضل بكثير من الانتظار حتي ظهور مؤشرات إحصائية مقلقة عن تدهور أحوال الأمن الاجتماعي والأخلاقي .

هـ- أن الزكاة باعتبارها أحد أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية تحتاج إلى رفع كفاءة (الدخل السنوي  للزكاة حاليا ٢٧ مليار) ، تحصيلها من الشركات والمؤسسات  ، وتوزيعها بشكل عادل علي مستحقيها ، مما سيساعد أفراد المجتمع  الأقل حظا علي حفظ كرامتهم والحصول علي أدني حقوقهم كمواطنين.

التعقيب الثاني: د. الجازي الشبيكي

كما تعودنا من منتدى أسبار في سرعة مواكبة القضايا والأحداث المستجدة وكما تعودنا من أعضاء منتدى أسبار وعضواته من التميز في الطرح ، جاءت ورقة د. نوف الغامدي المعنونة ب ( الميزانية بين فكر الدولة وطموحات المواطن ) لتسلط الضوء على هذه القضية في ضوء تطلعات المواطن العادي ، حيث أُؤكٍد على ما ذكرته د. نوف، أن المواطن يهمه انعكاسات تلك الميزانية على احتياجاته الأساسية وغير الأساسية ومدى ما يمكن للميزانية أن تحققه له. إن الفترة الزمنية التي سبقت الميزانية بعدة أشهر فترة اتسمت بالغضب والشعور بالإحباط بالنسبة لقطاع كبير من المواطنين وخاصة محدودي ومتوسطي الدخل وذلك بسبب إجراءات التقشف المالية التي طالت أغلب العلاوات والبدلات التي كانت رافداً هاماً بالنسبة لهم في ظل تعدد متطلباتهم المعيشية في الوقت الحاضر . وكذلك كان لخروج عدد من المسؤولين على إحدى القنوات الفضائية وحديثهم المُحبِط عن أوضاع الدولة المادية وتوقعات الإفلاس وتدني إنتاجية الموظف الحكومي دور في تأكيد ذلك الشعور الغاضب المُحبَط. إضافة إلى ما يتم الإعلان عنه بين فترة وأخرى في ظل تلك الأزمات المادية على المواطن من التبرعات المالية الكبيرة لعدد من الدول المجاورة.

كما اتسمت الفترة الزمنية التي سبقت الميزانية بالضبابية المعلوماتية حول العديد من القضايا التي تهم المواطن والتي أتاحت الفرصة لانتشار الشائعات غير المستندة على مصادر رسمية معروفة والتي كانت بحاجة إلى ظهور المسؤولين المعنيين بشكل مستمر لتوضيح الأمور . وقبل صدور الميزانية بأيام قلائل اجتمع ولي ولي العهد بعدد من الإعلاميين ومشاهير التواصل الاجتماعي لتوضيح أبعاد صدور القرارات المتعلقة بالميزانية الجديدة بشكل مباشر وكانت معايير اختيار أولئك المجتمعين من وجهة نظري، المعايير التالية:

  • كثرة أعداد المتابعين لهم في قنوات التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية الرياضية.
  • شدة وحدة نقدهم الدائم للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلد.

ولم يكن لذلك الاجتماع والصور التي ظهرت بعده لكلٍ منهم مع ولي ولي العهد صدىً مقبولاً لدى قطاع غير قليل من شرائح المجتمع كما اتضح من تعليقاتهم وهاشتاقاتهم فيما بعد لعدم الرضا عن معايير ذلك الاختيار.

وكان المواطنون يفضلون ظهور المسؤولين مباشرة عبر القنوات الإعلامية للحديث مع كافة الناس حول أبعاد قرارات الميزانية قبل صدورها. وبعد صدور الميزانية وفي نفس اليوم أشاع حديث الوزراء المسؤولين للناس في المؤتمر الصحفي جواً من التفاؤل والاطمئنان ، خاصة ما أوضحوه حول عدم نية الدولة فرض ضرائب على دخول المواطنين بالإضافة إلى طرح برنامج ” حساب المواطن” على الرغم من عدم اكتمال تفاصيله كما أشار لذلك الوزراء المسؤولين وعلى الرغم من تخوٍف الناس من الإعاقات البيروقراطية الإدارية التي قد تصاحب ذلك البرنامج وتعوق فاعلية أداءه .

إن المملكة العربية السعودية التي فرض عليها ثقلها ومكانتها الدينية والسياسية  والاقتصادية تولي زمام المبادرات والتدخلات في عدد من القضايا والمواقف الخليجية والعربية والإسلامية التي أثقلت أعباءها في ظل الانخفاض الحاد لأسعار النفط  والأزمات  الاقتصادية العالمية ، إنها على الرغم من تلك التحديات الخارجية والداخلية ، تعطي أهمية كبيرة لكل ما يمكن أن يحقق للمواطن مستويات معيشية طيبة تضمن له سبل العيش بكرامة  ورفاهية تمكنه من تطوير نفسه والمشاركة في تنمية وتقدم بلادها، وسيتحقق للدولة بعون الله ذلك إذا أخذت في الاعتبار تطلعات المواطن التالية :

  • توفير احتياجاته الأساسية ذات الأولوية من الإسكان والخدمات العلاجية والتعليمية بالمستوى اللائق بآدميته وكرامته وتوفير البنى التحتية المُحققة لذلك.
  • الشفافية في البيانات والمعلومات التي تتعلق بالخطط التنموية والإجراءات التي تخص حقوق ومعاملات المواطن.
  • العدل والنزاهة في تطبيق القرارات والقوانين على الجميع من غير استثناءات.
  • تقوية وتدعيم منظمات المجتمع المدني التي تحقق التوازن بين بيروقراطية الأداء الحكومي والتوجه الربحي الحاد للقطاع الخاص مثل النقابات والجمعيات المهنية وغيرها.
  • توفير مراكز دقيقة ومتقدمة لقياس الرأي والاستطلاع المجتمعي في مختلف المجالات في مختلف مناطق المملكة.
  • تخفيف المركزية الإدارية الحكومية والسعي لتفويض الصلاحيات المتعددة والحقيقية لإدارات المناطق.
  • إعطاء الأولوية بشكل حقيقي وجاد للمواطن قبل غيره وتمكينه من الفرص الوظيفية والاستثمارية في بلاده مع الاستمرار في الاستفادة من الخبرات والتخصصات غير الوطنية.

التعقيب الثالث: م. حسام بحيري

من منظوري كمواطن سعودي لاشك أن ميزانية عام 2017 هي أكثر ميزانية مفصلة في تاريخ إعلان الميزانيات في المملكة وهذا يدل أن الدولة جادة في مساعيها لإصلاح الاقتصاد و بتبذل مجهودات قوية لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. سنة 2016 كانت سنة صعبه للدولة و لقطاع الأعمال وللمواطنين بسبب انخفاض أسعار البترول واعتماد دخل الدولة بشكل كبير عليه وتأثر اقتصادنا بشكل سلبي واتضح لنا اليوم أن اعتمادنا على النفط مهما ارتفعت أسعاره كمصدر دخل رئيس للدولة أصبح يشكل ضرر على اقتصادنا لأنه لا يمكن الاعتماد عليه في بناء سياسة اقتصادية متوازنة ومستدامة ولذلك اتجاهنا لتنويع مصادر الدخل أصبح ضرورة ملحة.

اعتماد المواطنين على الإعانات والخدمات المجانية التي توفرها الدولة لن يستمر على المدى الطويل لأننا دولة كبيرة مترامية الأطراف ذو كثافه سكانية كبيرة نسبيا حيث يشكل المواطنون السعوديون نسبة 0.41 % من سكان العالم وهذا يعني أن 1 من بين 248 شخص في العالم مواطن سعودي يشكل منهم 51% أقل من 30 سنة, خلق فرص وظيفية جديده للشباب سيكون أهم وأكبر تحدي تواجهه المملكة في السنين المقبلة بسبب الأعداد الكبيرة من الخريجين الشباب المقبلين على  سوق العمل, البطالة في اقتصادنا قنبلة زمنية إذا لم يتم التعامل معها كما ينبغي ستسبب لنا مشاكل اجتماعية وأمنية كبيرة مستقبلا, اقتصادنا المحلي لابد من أن يصنع سنويا عدد كبير من الوظائف على المدى الطويل ولابد من التركيز على تعليم المهارات لاستيعاب العدد المتزايد من جيل الشباب ليقودوا اقتصاد البلاد بدلا من أن يكونوا المستفيدين منه, الوقت أصبح عامل لا يصب في صالحنا وإذا لم نفعل شيئا ستكون هناك عواقب وخيمة على اقتصادنا وأمننا الوطني.

الإصلاحات الاقتصادية المعمول بها حاليا خطوه في الطريق الصحيح لإصلاح اقتصادنا لأن الوضع الذي تعودنا عليه في الماضي لا يمكن أن يساهم في الاستدامة الاقتصادية للبلاد. إصلاح الاقتصاد مهم للغاية و صعب ولا يحظى بالقبول لدي الشعوب لأنه سيؤثر سلبيا على دخل المواطن وقطاع الأعمال على المدي القصير ولكن التأثير سيكون إيجابي على المدى الطويل وأهم عامل في إصلاح اقتصاد أي دولة هو قياده سياسية ملتزمة بالإصلاح وتطبيقه ونري ذلك بوضوح في وقتنا الحاضر في التزام جميع أجهزة الدولة بالإصلاح الاقتصادي ورؤية ٢٠٣٠ ، وثاني أهم عامل هو التزام إصلاح الاقتصاد بأي دولة بأهم مبادئ الإصلاح المالية للميزانيات المعمول بها وهي:

  • التعامل مع الميزانيات في حدود واضحة وبمصداقية يمكن التنبؤ بها في السياسة المالية.
  • الميزانيات لابد من أن تتوائم بشكل وثيق مع الأولويات الاستراتيجية متوسطة المدى للدولة.
  • الشفافية والمصداقية المتناهية للبيانات المعلنة وإمكانية الوصول إليها.
  • خيارات الميزانية لابد أن تكون شاملة وقائمة على متطلبات واقعية.
  • الميزانيات لابد أن تقدم وصف شامل ودقيق وموثوق للحالة المالية العامة للدولة.
  • تنفيذ بنود الميزانية لابد أن يكون بإدارة مخطط لها ومراقبة رقابه لصيقة.
  • خلق بيئة تساند وتطلب الأداء من المواطن وأجهزة الدولة قبل تقديم ميزانية مبنية على أداء ونتائج.
  • استحداث نظام محاسبي واضح وذو شفافية يعتمد عليه.

في ميزانية 2017 نجد أننا حققنا عدد كبير من مبادئ الإصلاح المطلوبة في سياستنا المالية وإحدى أهم الأشياء التي تم إضافتها للميزانية هي إضافة إعانات ب 25 بليون ريال لمساندة المواطنين ذوي الدخل المنخفض المتأثرين برفع الإعانات وذلك لتحييد مشكلة تأثير رفع الإعانات على مصادر دخلهم المحدودة والتأكد من استمرارية مشاركتهم في الاقتصاد حتي لوكان بحد أدنى, هذه الإعانات ستصرف غالبا في النطاقات المخصصة لها لمساعدة المواطن في الوفاء بالتزاماته، وستكون مؤقتة للتعامل مع الوضع الحالي للسنة المالية الحالية واحتمال أن يمكن تعويضها في عام 2018 عند تطبيق ضريبة القيمة المضافة ووضع الرسوم على التبغ ومشتقاته والمشروبات الغازية ورفع الدعم عن الوقود وسيعطي للدولة الخيار في استمرارية الإعانات, زيادتها أو إلغائها في السنوات المقبلة حسب التأثير على الاقتصاد, هنا نجد أن التعامل مع وقع الإصلاحات على المواطنين لتحييد المشاكل التي ستطرأ من رفع الإعانات وزيادة الأسعار موجود بقوه في سياسة الدولة وهذا يحسب لها إيجابيا و أسلوب ذكي في التعامل مع مشكله ستطرأ مستقبلا.

كمواطن يهمني استمرارية الإصلاحات الاقتصادية في البلاد على المدى الطويل لأننا بأمس الحاجه لصحوة اقتصادية طال انتظارها لتقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل والتركيز على التنمية البشرية وغرس المسؤولية الاجتماعية نحو وطننا بأن نكون مساهمين في تنميته وليس عالة عليه. وأتمني أن أرى برامج أكثر مستقبليا تستهدف مواردنا البشرية في التنمية لتأهيل المواطنين للتعامل مع الحقبة المقبلة في الاقتصاد ولكن الخوف من أن تتحسن أسعار البترول في المستقبل وتتلاشي تدريجيا فكرة إصلاح الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل ونرجع للمربع الأول. ما يقلقني كمواطن هو الازدياد في الاستدانة من البنوك المحلية والدولية لسد العجز في الميزانية لأن هذا سيزيد حجم الإنفاق غير المنتج للوفاء بالتزامات الديون حيث سيرتفع من 5.4 بليون ريال لعام 2016 إلى 9.3 بليون ريال لعام 2017م وارتفع نسبة الدين العام إلى 12.3% من إجمالي الناتج المحلي وهيا ليس بنسبة كبيرة مقارنة بالدول الأخرى ولكن واضح أنها في ازدياد, لا نريد لأجيالنا القادمة أن تعمل لتفي بالتزامات الدين العام في المستقبل أسوة بدول كثيرة رأت في الاقتراض فرصة للخروج من أزماتها المالية وأصبحت اليوم رهينة لدول مدينة تستخدم الدين ذريعة للضغط و للتدخل في الشئون الداخلية لهذه، الدول ناهيك عن شروط صناديق النقد الدولية التي لا يهمها إلا استرجاع الأموال لبنوكها الدولية بغض النظر عن تبعات سياسات التقشف الاقتصادية التي تفرضها على الدول. ورأينا ذلك في الثمانينات الميلادية في الأرجنتين, البرازيل, كوريا, تايلاند, و إندونيسيا وماليزيا وغيرها من الدول.

أهم مورد لأي دولة هي مواطنيها وأفضل أنواع الاستثمار في أي دولة هو الاستثمار في تعليم وتأهيل مواطنيها ليقودوا اقتصاد دولهم, في الدول التي توصف بكونها اقتصادات سليمة، نجد أن اقتصادها يعتمد بالدرجة الأولي على قطاعها الخاص المنتج ومهارة وحرفية مواطنيها الذي يشكل القوة الدافعة لنجاح اقتصادها، ولو نقارن وضعنا الاقتصادي بأي من هذه الدول سنرى أننا أمام مشوار طويل لتحقيق هذا الهدف, الاستثمار في تعليم المواطنين ، والبدء بتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية تدريجيا ، وخلق بيئة بعيدة عن القيود تحث على ازدهار قطاع الأعمال الخاصة خصوصا في قطاع الأعمال الصغيرة ، وتبني الاحترافية و المهارات عامل مهم جدا في ازدهار اقتصادنا لأن أهم مادة خام نملكها هي بيئتنا البشرية وليس النفط.

التعقيب الرابع: د. جاسر الحربش

الحمد لله على ما من به علينا وعلى بلادنا من الخير والاستقرار. أما أن الميزانية شملت برامج اقتصادية وتنموية فنعم، وأما البرامج الاجتماعية فأود معرفتها. تقسيم المجتمع إلى شرائح طبقيه للتعويض والبدلات قد يكون قبولا ضمنيا بالواقع الاجتماعي لتوزيع الثروات. المطلوب التوسع في برامج تقريب الطبقات وتوزيع الثروات كبرامج اجتماعية وهذا لم ألاحظه. لم أفهم الإشارة إلى أن الميزانية حملت رسالة للخارج بأن الاقتصاد السعودي بخير. هو الحمد لله بخير، ولكن الخارج هو الذي ساهم في تقديم الدراسات الاستشارية للتحول. مفهوم الاقتصاد التنافسي القائم على الخصخصة والمنافسة وقيادة القطاع الخاص كما ذكرت الورقة الرئيسة ، لن يكون عادلا إلا بإشراف مؤسسات المجتمع المدني المستقلة قبل تسليمه فرص الخصخصة ، وإلا نبتت له أنياب أشد افتراسا مما كان عليه قبل الخصخصة.

إعادة توزيع الدعم على المواطنين بشكل عادل هو في الحقيقة وضع مترتب على وجود الفروقات الاجتماعية الموروثة من تجارة الأراضي والمنح واحتكار الوكالات للشركات الكبرى . تصحيح هذه الأوضاع بنص واضح في الميزانية يتكفل بتجسير الفروق الطبقية تدريجيا بدلا من الاحتفاظ بها والتعويض بالبدلات. طموح التحول الوطني يجب أن ينص على الهدف النهائي في التشارك في الفرص والخدمات والسكن والمداخيل . أما أن تقليص عجز الميزانية سوف يحصل فهذا إن شاء الله سيتحقق ، ولكن ليس برفع الكفاءة البشرية الإنتاجية النوعية ، وإنما بالبحث عن قنوات مداخيل جديدة غير إنتاجية لم تكن موجودة من قبل . كما ترون من هذه السطور القليلة سوف تستنتجون أنني من اتباع التشريح النقدي الواضح ولا اكتفي بالتأكيد على الإيجابيات ، لأن ذلك هو ما تكفل به الإعلام بطريقة أكثر من كافية .

التعقيب الخامس: د. علي الحكمي

حديثي لن يتناول الميزانية فهذه قد تناولها الزملاء والزميلات المتخصصين بتفصيل. لكنني سأركز على جانب تقويم العائد من الصرف وفعاليته.

لا شك أن الدولة تخصص الكثير من الموارد المالية لمختلف قطاعات الدولة، ويتطلب ذلك تقويماً للأداء بناء على النواتج الحقيقية لبرامج ومشروعات وخدمات تلك القطاعات. ومع تركيز الدولة على تقويم الأداء ضمن مبادرات التحول الوطني، إلا أن من المهم بمكان التحقق من أن تقويم أداء المؤسسات الحكومية لا يقتصر على الإنجازات كأرقام وإنما يجب أن يتعدى ذلك ليتناول مدى تحقيق الأهداف المستهدفة.  ولنأخذ مثالاً من قطاع التعليم الذي يشكل 30% من ميزانية الدولة، فتوفير التعليم لأعداد من الطلاب هو إنجاز، ولكنه لا يكفي لقياس فاعلية استخدام الموارد في اكتساب الطلاب والطالبات للمهارات والمعارف والاتجاهات المستهدفة، ومدى مواءمة نواتج التعليم مع احتياجات التنمية في المملكة من الكفاءات المؤهلة. ومثال آخر من قطاع التعليم كذلك، عندما يرد في تقارير المؤسسات التعليمية بأنها دربت أعداداً من المعلمين، وهذا إنجاز كذلك، ولكنه لا يعني أن ذلك التدريب للمعلمين أدى إلى إحداث التأثير المطلوب في أدائهم داخل الصف وتبنيهم لممارسات تدريسية تحسن تعلم الطلاب وأدائهم.  ومن ناحية أخرى فقد يكون أثر البرامج طويل المدى ولا يظهر مباشرة، وهذا يتطلب وسائل أخرى في تقويم الأداء لا تنظر للآثار القريبة فقط بل تتعداها لتشمل المتوسطة والقريبة.

المداخلات حول القضية:

  • الميزانية وتحديات الواقع السعودي

أشار د. حسين الحكمي إلى أن من أبرز التعليقات التي تلفت الانتباه ما عنونت به عدد من الصحف ووصفهم للميزانية بـ ” ميزانية الشفافية “. وقد أردفت صحيفة الشرق لهذا الوصف “… وإعادة توزيع الثروة”.  لهذه العناوين عدة تفسيرات تساعد في فهم الرؤية والتوجه العام لإدارة مصادر الدخل في الدولة من الآن وحتى ٢٠٢٠؛ فالعناوين تتضمن تأكيداً غير مباشر أن ما سبق من ميزانيات لم يكن بها شفافية وأن هناك معلومات كثيرة كانت غائبة عن المواطن ، أما الآن فهناك شفافية وسيتم إشراك المواطن وعرض البيانات عليه ليكون شريكا حقيقيا في برنامج التحول الوطني. لم يكن هذا متاحا في السابق عندما كانت هناك وفرة وربما لا يحتاج المواطن للتعرف على أين تذهب تلك المليارات ، أما الآن وقد تم تخفيض راتب المواطن بأن أوقفت عدد من البدلات وأوقفت العلاوة السنوية لأول مرة في تاريخ الدولة السعودية (أظنها أول مرة في التاريخ على مر العصور والدول أيضا) وأن هناك زيادة في الأسعار ستنال جوانب مهمة تمس دخل المواطن ، المواطن الذي كان يحلم في زيادة دخله ليحصل على مسكن مناسب له ولأسرته.

عنوان الشفافية يبشر بأننا سنرى إجابة على تساؤل مؤداه ” أين ميزانية العام الماضي يا معالي الوزير؟” والتساؤل هنا عن المخصصات التي نسمع عنها لكل قطاع مع إعلان الميزانية ولكن في نهاية العام لا نعلم أين ذهبت تلك المبالغ ولا كيف تم صرفها ولا كم المبلغ الذي تم صرفه ! العامل الاقتصادي عامل مهم ومؤثر كثيراً في الوضع الاجتماعي للمواطن ؛ أوقف عمر الفاروق رضي الله عنه حد السرقة عاماً كاملا بسبب المجاعة وتأثر الوضع الاقتصادي ، وهنا يجب أن نعلم أن لتقليص دخل المواطن نتائج قد تكون سلبية ، كأن تنتشر السرقة والجريمة مثلا. نعم قد نحتاج إلى تخفيض النفقات خلال السنوات القادمة ، ومن المهم في نفس الوقت مراعاة الجوانب الاجتماعية أيضا.

الميزانية ليست جانب اقتصادي فقط ، فلها الجانب الاجتماعي الذي يؤثر ويتأثر. المجتمع عبارة عن أنساق متعددة اجتماعية واقتصادية وتعليمية وأمنية وصحية … الخ ، كل هذه الأنساق تؤثر وتتأثر ببعضها البعض. السياسات الاجتماعية تُعنى بشكل كبير بجوانب الرعاية الاجتماعية ، وهي ما يلاحظ أن برنامج التحول الوطني يركز عليها ، فهناك حديث عن خصخصة التعليم والصحة و دعم لمؤسسات القطاع الخاص لتتولى مسؤوليتها مع ذوي الدخل المحدود وفئات المجتمع المحتاجة للدعم الاجتماعي كذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين.  وأخيراً فإنه ومما ذكرت د. نوف أن ولي ولي العهد اجتمع قبل صدور الميزانية مع عدد من مشاهير التواصل الاجتماعي ، هذا الاجتماع يبين لنا أهمية ما يدور في وسائل التواصل الاجتماعي وأنها منصات مؤثرة يتابعها صاحب القرار ، وأن كثيرا مما يدور فيها يؤثر في اتخاذ القرار اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

أما أ. خالد الحارثي فقال في مداخلته: أعبر في هذه المداخلة عن التفوق النوعي الذي حققته المملكة في الاستفادة القصوى (بوضعها الراهن) من مقوماتها الاستراتيجية ، وأصدرت الموازنة العامة بأرقام تتخطى متغيرات أسعار النفط ، ولتستكمل بناء مناعة الأمان التنموي ، الذي يضمن للمملكة استمرار مشاريع التنمية بغض النظر عن أسعار وسوق النفط ، وضمانا لاستقلال التنمية ومشاريع البنية التحتية عن الميزانية.

قدمت الميزانية العديد من مسارات الوصول للرؤية وتبني برنامج التحول الوطني حيث بلغت الزيادة في مخصصات قطاع التجهيزات الأساسية والنقل 41% تقريبا ، وفي قطاع البلديات ما يقرب من 28% وفي قطاع الموارد الاقتصادية 22% وفي قطاع برنامج التحول الوطني 11% ، وهذا بحد ذاته يعبر عن مستوى نجاح إعادة الهيكلة التي استهل بها الملك سلمان عهده والتحسن الكبير الذي أصاب الأداء الحكومي. كما عبر تبويب الإصلاحات الهيكلية والمالية عن مسارات التقدم في التطوير الهيكلي للمؤسسات والإجراءات الحكومية. أعتقد أن هناك ثلاثة محاور تحركت من خلالها الميزانية للعام القادم تتمثل في:

  • أولا: تقنين الدعم الحكومي وتعويم الطاقة الاستهلاكية للخدمات والطاقة لصالح الاقتصاد الكلي ، ولو بشكل غير مباشر لاستشراف  تكامل البنى التحتية في النقل والطاقة. أعتقد أن استمرار وتطور هذا النهج سيصحح كثير من عور وتشوهات الاقتصاد السعودي الذي مني باستنزاف الثروات دون عوائد على الاقتصادد والمواطن.
  • ثانيا: تقنين وتصحيح مستويات الانكشاف على العمالة الأجنبية والهجرات المقنعة والتستر عن طريق الرسوم على المرافقين ورسوم  تشغيل الأجانب الإضافية والاستمرار في برامج التوطين الطموحة. يستمد هذا المحور مكانته بالجهد المزدوج الذي يحققه في خفض مستويات الانكشاف على العمالة الأجنبية وآثار ذلكك على حدة مستويات المقاومة لتطوير الأسواق والمهن ومعايير الجودة المتردية التي تعيق جدوى الاستثمار والمهنة وتعطل التوطين وتفاقم البطالة وتقاوم الحلول. والجهد الآخر يكمن في فرز الأجانب والوقوف على ديموجرافيات السوق السوداء من العمالة الأجنبية التي تتنوع مستوياتها في كل القطاعات الاقتصادية بأعداد ضخمة تفوق قدرات البنية التحتية للدولة في المحافظة على توفير الخدمات والرقي بجودتها وتطوير البيئات المحلية التي خضعت لهذا الاستنزاف وآثاره الاجتماعية المدمرة التي لم نقف بعد على أثرها الفعلي في البناء الاجتماعي ومنظومة القيم السعودية.
  • ثالثا: دعم مشروعات تنمية البنية التحتية للمنصات الاقتصادية اللازمة للمشروعات الكبرى في برنامج التحول . وهذا المحور بالذات يشكل  في نظري قرارات صعبة تحملت الدولة قيادتها، ومن ذلك الإصلاحات الهيكلية التي وقف ضدها أصحاب المصالح الخاصة والفردية . ومن ذلك تأسيس مكتب الدين العامم واختصاصاته لإنشاء سوق صكوك مهمة جدا وذات حجم كبير أخذا بالاعتبار مشاريع المملكة الطموحة، واستحقاقات الرؤية. كما قطعت شوطا كبيرا في الحوكمة وكفاءة الإنفاق الذي مكنها من خفض النفقات العام الماضي وإعادة طرح المشاريع حسب أولوية الجدوى في التنمية ومشاريع برنامج التحول الوطني.

أخيرا ، النظر للتحسن الذي أصاب مشروعات التنمية خلال العشر سنوات الماضية وبفضل الإضافة النوعية المنبثقة من صدور الرؤية أعتقد أن تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي منوط باستمرار العمل المكثف على هذه المحاور وخفض أعداد العمالة الأجنبية التي سلبت من المجتمع حتى فضوله في التعارف والعلاقات المبنية على المخزون الثقافي الأصيل للمجتمع.

ويرى م. حسام بحيري أن أهم عامل في اقتصاد أي دولة هو البيئة البشرية، مستوي تعليمها ومهارتها و احترافيتها و كما تطرق د. على الحكمي في مداخلته للتعليم في المملكة وماهية موائمة نتائج التعليم مع احتياجات التنمية في بلادنا. هذا عامل جدا مهم أن نبدأ بتقييم مستوى التعليم المقدم للطلاب وهل سيفيدهم مستقبلا في الحصول على وظيفه أو تنمية مهارات مهمة نحتاجها في اقتصادنا. التعليم عامل اقتصادي قوي ونرى ذلك خصوصا في الدول الفقيرة في عالمنا العربي الأردن ومصر كمثال عمالتهم المحترفة المتعلمة مصدر دخل رئيسي لاقتصادهم حتي لو لم تتوفر فرص وظيفية كافية في بلدهم أو اقتصادهم ليس لديه القدرة على استيعابهم ولكن يستطيعون الاستفادة من احترافية وتأهيل مواطنيهم من خلال عملهم في الخارج ويصبحون مورد رزق رئيسي للبلاد سواء من خلال المساهمة في الاقتصاد من خلال جلب الأموال من الخارج و توفير النقد الأجنبي اللازم لدفع فواتير الاستيراد.

دولة سنغافورة أفضل مثال على قدرة التعليم في خلق اقتصاد قوي المسؤولين هناك يتفاخرون أنه عندهم الاستطاعة بتوفير أي عمالة متعلمة ماهرة لأي قطاع في اقتصادهم وأصبحت أرض المستنقعات الصغيرة سنغافورة من أغني دول العالم اقتصاديا بفضل الاستثمار السليم في البيئة البشرية؛ هم استحدثوا أنظمة تقييمية لنظام التعليم والتدريب ساهم مساهمة فعالة في إعداد وتأهيل مواطنيهم ونحن في أمس الحاجة إلى نظام مماثل.

وذكر د. حامد الشراري أنه وفي محاولة لإضافة بعد آخر فقد التقى ببعض الشباب وأخذ انطباعاتهم حول الميزانية واتضح له ما يلي :

  • الغالب متفائل جدا بالميزانية.
  • البعض قال هي نفس الميزانيات السابقة إلا أنها وزعت بمسميات جديدة كقطاعات.
  • طبعا، حساب المواطن أخذ النصيب الأكبر من النقاش لكونه العنصر الجديد والمثير، ولوحظ الاندفاع لتحليل بعض الشائعات حول الحساب وما اعتراه من ضبابية.
  • البعض يخشى أن يسري على هذا الحساب ما يسري على “حافز” من إجراءات تعقيدية ويصبح هم المواطن تحديث بياناته أسبوعيا أو شهريا.
  • البعض يتسأل عن الطبقات الاجتماعية وحجمها.. وتعريفها.! وهل ستؤصل الطبقية المجتمعية!
  • منهم من يقول رفع الوقود وخاصة الديزل سيتبعه ارتفاع جميع السلع الأساسية والكمالية.
  • رفع الوقود يرفع الأعباء على المقيم والعمالة الأجنبية والذي سينعكس سلبا على الأسعار والخدمات ويبطء الحركة الاقتصادية وبشكل مباشر على قطاع البناء والإنشاء الذي تقوم فيه العمالة الأجنبية ، لذا يَرَوْن أن هذا سيصحح سوق العمل على المدى البعيد ويفترض أن يصاحب الرفع ضبط ومراقبة شديدة للأسعار الأساسية.
  • منهم من قال أن الميزانية هذه وبرامجها تعيد توجيه الدعم للمستحق وقد تساهم في معالجة المعضلة الرئيسية “البطالة” المتزايدة.
  • أن يتزامن تطبيق رفع الأسعار مع تدشين منظومة النقل العام في المدن التي فيها ذلك.
  • منهم من ذهب أبعد من ذلك واعتبرها فرصة.. وقال هذا التوجه والقرارات قد تساعد في الهجرة العكسية وتحقيق التنمية المتوازنة ؛ بمعنى أن رفع أسعار الوقود والخدمات الأخرى تتحمله المدن والمناطق الأكثر كثافة سكانية وتتزايد لها الهجرة السنوية، وتكون المناطق والمدن الأقل نمو تتدرج فيها أسعار الوقود والخدمات وهو شبيه لما يعمل فيه بالولايات الأمريكية بخصوص الضريبة (الفيدرالية والولاية والمحافظة… )

‎وذهب د. ناصر القعود إلى أن الهدف الأساس من أي إصلاح اقتصادي ينبغي أن يكون تحقيق نمو اقتصادي مستدام يفوق معدل النمو السكاني ليتحسن (يزيد) مستوى الرخاء الاجتماعي والاقتصادي . وذلك يتطلب تنمية مستدامة تزيد من إنتاجية المواطن من خلال التعليم المتميز والتدريب وتحسين مستويات الصحة والخدمات الاجتماعية . لقد ركزت وثيقة تحقيق التوازن المالي كما هو مسماها على التوازن المالي إلى عام ٢٠٢٠ ، وأشارت إلى تأثيرات الأدوات المقترحة لتحقيق التوازن المالي على النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية دون حلول مفصلة لقضية الإنتاجية و معالجة البطالة ، وهما قضيتان أساسيتان .

في حين يرى م. أسامة كردي أنه مما يبعث على الطمأنينة في الميزانية هو اهتمام الحكومة ببرنامجين مهمين هما التخصيص و السعودة. فقد تحدثت الميزانية عن بدء العمل في تخصيص ١٦ جهة حكومية بها ١٠٩ فرص استثمارية كما تم – أخيرا و بعد انتظار طويل – إنشاء مركز حكومي متخصص و مسؤول عن التخصيص .. سابقاً ، كانت كل جهة حكومية مسؤولة عن تخصيص نفسها !!و في مجال السعودة .. توصلت الميزانية إلى أصل الموضوع بوضع رسوم على العمالة نفسها و مرافقيهم .. أتوقع نجاح كبير لهذا الأسلوب الجديد في السعودة.

لكن وبشأن التحديات التي تواجه الميزانية في المقابل أن دور القطاع الخاص لم يكن فاعلاً لا في مراحل إعداد الرؤية و لا في إعداد آليات تنفيذها و لا في مراحل إعداد الميزانية .. لم تحاول الجهات الممثلة للقطاع الخاص نقل مرئياتهم بشكل يضمن قبولها و لم يتم أخذ ما تمكنوا من تقديمه في الاعتبار. كذلك فإن من ضمن التحديات التي تواجه تنفيذ الميزانية هو موضوع سعر النفط الذي يمر سوقه بمرحلة عالية من عدم الاستقرار و التغيير الكبير في قواعد اللعبة و تعدد الجهات و النشاطات المؤثرة عليه. و من ضمن التحديات التي تواجه تنفيذ الميزانية التحدي المتعلق بزيادة الدخل غير النفطي بدون التأثير على القوة الشرائية للمواطن .. و من الواضح أن هناك محاولة حقيقية من الحكومة لمواجهة هذا التحدي عن طريق ( حساب المواطن ). كما أن من ضمن التحديات الاستمرار في نمو القطاع الخاص و رفع نسبة مشاركته في الناتج القومي الإجمالي في ضوء ارتفاع تكاليف الخدمات .. و سيكون النجاح في مواجهة هذا التحدي مرتبط بالنجاح في استخدام مبلغ ال ٢٠٠ مليار المخطط لدعم نشاطات القطاع الخاص بما في ذلك البرامج المستهدف تنفيذها للكفاءة في استخدام الطاقة في القطاعات الصناعية التسعة المحددة في الميزانية. و من تحديات الميزانية تمويل العجز بأفضل و أقل الطرق تكلفة ( الاقتراض الداخلي و الاقتراض الخارجي و السحب من الاحتياطيات ) .. و ستكون هذه المهمة الرئيسيّة ل ( مكتب إدارة الدين العام ) الذي تم إنشاءه في وزارة المالية. و الاقتراض المحلي برأي م. أسامة كردي هو في الواقع فرصة استثمارية للقطاع الخاص السعودي.. كما يرى أن وجود عجز في الميزانية الحكومية هو دليل على اهتمام الحكومة بالاستمرار في الصرف الرأسمالي المتعلق بالمشاريع. و كما ذكرت د نوف ، فهناك التحدي الأزلي أمام الحكومة المتمثل في مقدرة الدوائر الحكومية و موظفيها في تنفيذ متطلبات الميزانية .. و التعامل مع هذا التحدي مرتبط بثلاث أهداف محددة في الرؤية هي تدريب نصف مليون موظف حكومي و وضع مؤشرات لقياس أدائهم و الثالث هو وضع مؤشرات لقياس أداء الدوائر الحكومية نفسها. ولا يرى م. أسامة كردي كذلك أن لمؤسسات المجتمع المدني دور مهم في قياس أداء الأجهزة الحكومية أو الرقابة عليها؛ فقياس الأداء في نظره هو من الأعمال التي يجب أن يقوم بها أحد الأجهزة التنفيذية الحكومية ثم يقوم الجهاز التشريعي/الرقابي بالرقابة عليها .. مثل مجلس الشورى، أما دور مؤسسات المجتمع المدني فمختلف كثيراً و ليس هنا مجال الحديث عنه.

وحول رؤية المستثمر الأجنبي للميزانية؛ كانت الشائعات عن ميزانية انكماشية تحد من رغبة المستثمر الأجنبي و لكن ما صدر كان غير ذلك.. ما نخشاه هو تأثير رسوم التأشيرات التجارية على حجم الاستثمار المطلوب و تأثير رسوم العمرة و الحج على مخططات التوسع في هذين المجالين.

وقالت د. منيرة الغدير: من خلال الاطلاع على الصحافة الأجنبية، يبدو أن خبر إعلان الميزانية مر بهدوء في الإعلام الغربي ما عدا نشر الخبر بشكل مختصر في الوول ستريت جورنال وكاتبه صحفي سعودي، الإندبندنت، سي أن بي سي، حتى أن الهاشتاق #Saudibudget2017 لم يحقق إقبالاً وأغلب من استخدمته المواقع الإعلامية السعودية بالإنجليزية وعدد قليل من المغردين الأجانب. طبعاً الخبر في موقع بلومبيرغ أكثر تفصيلاً وكانت مندوبتها في المؤتمر الصحفي للحديث عن الميزانية، الموقع استخدم عبارة ملفتة وربطها ببرنامج التحول الوطني والأمير محمد بن سلمان والذي يقوده

 ” the biggest economic shakeup in the kingdom’s history in a bid to reduce its reliance on oil”

لم تناقش الأخبار القليلة الاستثمار الأجنبي في السعودية ما عدا جملة عابرة في الإندبندنت، وأعتقد سيلتفت المحللون لمناقشة هذا الموضوع مع بيع أسهم أرامكو أو أي تطورات سياسية كما نعرف. ويبدو أن من الواضح أن موضوع الاستثمار في السعودية ستظلله الصور النمطية في الإعلام الغربي ولا أدري إن كان هناك خطط للتعريف بهذه الفرص الاستثمارية بشكل واسع وتقنية عالية. ربما قد تسيطر بعض المخاوف على المستثمرين الأجانب بسبب بعض الأخبار التي تنشر عن المجتمع السعودي والقوانين فيه وأيضا قلة المادة التعريفية بالفرص الموجودة، والمجتمع.. الخ؛ مما سيحصر الاستثمار في شركات معينة.

وفي سياق متصل قال د. خالد بن دهيش في مداخلته:

  • أولاً : منذ زمن نتمنى و نطالب باستبدال طريقة إعداد الموازنة من طريقة البنود إلى طريقة البرامج والربط الفعلي بينها و بين خطط  الحكومة التنموية الخمسية مع متابعة فاعلة من وزارة التخطيط ، موازنة هذا العام حصل لها تطور من خلال ربط الموازنة برؤية المملكة ٢٠٢٣ و برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠ وهذاا توجه مطلوب منذ زمن والحمد لله. وأيضا سيكون هناك متابعة جادة وقوية من خلال تطبيق قياس معدلات الأداء KPI’s.
  • ثانياً : الخصخصة و ما أدراك ما الخصخصة توجه سبقتنا به دول عديدة منها دول نجحت في تطبيق برامج الخصخصة بنِسَب متفاوتة ودوّل فشلت أو واجهة مشاكل في التطبيق. لذلك فإن الاستعجال في التحول للخصخصة – هناك ( ١٦٦ ) جهة مخطط أن يتم تطبيق الخصخصة عليها – قرار جرئ ومخيف في نفسس الوقت ، و أرى أن يتم استخدام عبارة (توسيع مشاركة القطاع الخاص) وهو توجه الحكومة في رؤيتها وأن يكون التحول تدريجي و بتأني .
  • ثالثاً : أود أن أستعرض تجربة وزارة التربية والتعليم سابقاً وزارة التعليم حالياً في مجال التوسع في مشاركة القطاع الخاص بالتعليم العام  وذلك بحكم إدارتي للمشروع إبان عملي السابق وكيلا للوزارة ، فقد رفعت الوزارة للمقام السامي مقترح يتضمن خصخصة بعض الخدمات التعليمية عام ١٤٢٨ هـ. وشكلت لجنةة من عدد من القطاعات الحكومية ومجلس الغرف، وانتهت اللجنة إلى مجموعة من المبادرات، وقد تم تأسيس شركة تطوير القابضة وأربع شركات فرعية يمتلكهم صندوق الاستثمارات العامة لتنفيذ أربع مبادرات لتوسيع مشاركة القطاع الخاص في التعليم العام وهي :
  • شركة النقل المدرسي.
  • شركة التغذية المدرسية.
  • شركة الخدمات التعليمية.
  • شركة المباني المدرسية.

 أما في مجال خدمات التعليم الرئيسية فقد أكدت الدراسة على قيام الوزارة بالعمل على رفع نسبة التحاق الطلاب في التعليم العام الأهلي من ١٢٪‏ إلى ٢٥٪‏ في عام ٢٠٢٠ وهذه النسبة سوف تؤدي إلى تقليل تكلفة التعليم بأكثر من ٢ مليار ريال ، إضافة إلى ضمان تحسين جودة التعليم ومخرجاته ، وتحسين البيئة المدرسية والخدمات المساندة و تخفيف العبء الإداري على الوزارة مع الأخذ بالاعتبار قيام الوزارة بدفع الرسوم الأساسية أو جزء منها أسوة بما يقدم للجامعات والكليات الأهلية ، وأن تخضع المدارس الأهلية للمعاير التي تضعها هيئة تقويم التعليم. وكذلك رفع نسبة التحاق الأطفال برياض الأطفال للإعمار ٤+٥ سنوات من ١٢ ٪‏ إلى ٤٦ ٪‏ في عام ٢٠٢٢ على أن تقوم الحكومة بدفع نسبة من الرسوم الدراسية لتحقيق توجه الوزارة لجعل مرحلة رياض الأطفال ( التعليم قبل الابتدائي مرحلة تعليمية مستقلة من مراحل التعليم العام ) وكما هو معروف فإن مرحلة رياض الأطفال تؤدي إلى تحسين جودة التعليم في المراحل اللاحقة وتخفض من التكلفة الإجمالية للتعليم مع التأكيد على ضمان تحقيق تغطية عادلة بين مختلف شرائح المجتمع . كما أن هناك (( دراسة )) لإسناد تشغيل نسبة من المدارس الحكومية من قبل الشركات التعليمية بالمملكة ، وبالرجوع إلى برنامج التحول الوطني نجد أن الهدف الاستراتيجي الثامن لوزارة التعليم تضمن رفع مشاركة القطاع الأهلي والخاص في التعليم إلى نسبة ٢٥ ٪‏ في عام ٢٠٢٠ وفق ما سبق تطويره من قبل الوزارة . لذا فإنني أرى أنه لا خوف على التعليم من توسيع مشاركة القطاع الخاص في التعليم العام.

ومن جانبه تساءل أ. يوسف الكويليت: هل دمج وزارات بوزارة هو للتخلص من البيروقراطية والمصاريف أم جاءت لتضيف أعباء جديدة وتركيز الصلاحيات بيد وزير واحد قد لا يستطيع توزيع وقته على مهام تفوق قدراته وهذا اتضح من دورة العمل في هذه الوزارات ؟.

كذلك تساءل أ. خالد الوابل: هل سبق وراجعنا الميزانيات السابقة وما صُرف منها ومالم يُصرف وأين رُحلت الأموال والمتبقي منها والمصروف؟ فهناك مليارات تُحجز للوزارات ومع هذا لا نرى تطور ملموس لخدمات هذه الوزارات وليس هناك محاسبة سواءً للمصروف أو المتبقي.

وبدوره تساءل د. خالد الرديعان: لماذا يكون الحديث دائما عن موازنة العام القادم (المتوقعة) فقط وينقطع الحديث عن موازنة العام الفائت؟ كيف يتأكد المواطن أن موازنة العام الفائت قد حققت الأهداف التي وُضعت من أجلها؟ وأن كل مبلغ رصد لجهاز ما قد تم صرفه بالوجه الصحيح، وما مقدار ما تحقق من مشاريع رُصدت لها مبالغ في العام الفائت؟

وأوضح د. خالد بن دهيش أن هناك حساب ختامي لكل قطاع حكومي للتأكد من أن ميزانية القطاع نفذت وفق ما صدر في قرار اعتماد الميزانية من حيث الإيرادات والمصروفات.

وذكر أ. مطشر المرشد أن الشفافية أقل مما يجب، وهناك اعتقاد بأن ما يتم إعلانه حول الدخل و الإنفاق يفي بالغرض خاصة وأن هناك جدول أداء وتفاصيل مصروفات ومجمل دخل  كل قطاع منفردا ( ثم يعلن صافي دخل القطاع ).

ومن ناحيته أشار د. سعد الشهراني إلى أننا في خضم و زحام من الخطط :

  • الخطة التنموية العاشرة ( و يبدو أنها وضعت أو يجب أن توضع على الرف).
  • التحول الوطني 2020.
  • رؤية 2030.
  • ميزانية 2017 و ما صاحبها من خطط للتوازن المالي و الترشيد و رفع الدعم والإصلاح المالي و حساب المواطن و غيرها.

و لا بد من التذكير بأن هناك أربعة أنواع من السياسات الاقتصادية (من وجهة النظر الاقتصادية):

  • السياسة المالية  fiscal policy و هي في لب قضيتنا من الزاوية الضيقة جدا وتعنى بكل ما له علاقة بإيرادات الدولة و نفقاتها و آثارها المتوخاة و المحتملة.
  • السياسة النقدية monetary policy و تعنى بكل ما له علاقة بالعملة و أسعارها وقوتها الشرائية و عرض النقود و الطلب عليها.

و هاتان السياستان هما في صلب النظرية الاقتصادية الكلية و تستخدم الحكومات  من خلالهما الأدوات المالية و النقدية للتحكم في المتغيرات الاقتصادية الكلية. إلا أن هناك نوعان آخران من السياسات الاقتصادية والاجتماعية تتأثران و تؤثران في نفس المتغيرات و أدوات السياستين المالية و النقدية و هما:

  • سياسات الدخول incomes policies و معها السياسات العمالية و منها سياسات الدعم و الإعانات و التسعير و خلافه، و هي ليست بوضوح و تميز السياستين المالية و النقدية و ربما ليست بأهميتهما أيضا و لكنها مهمة من زاوية العدالة الاجتماعية و من وجهة نظر الاقتصاد السياسي لأنها تعنى بالدخول و تكاليف المعيشة و توزيع الدخول و الفجوات بين الطبقات الاقتصادية.
  • السياسات و الخطط التنموية و هي كل ما يغلف السياسات الثلاث السابقة و يوازي بين آثارها و يحفز التغير و النمو و التطور.

     نحن نعايش و نشهد في هذه المرحلة تغيرات و تحولات غير عادية في السياسات المالية و الدخول و التنمية أما السياسة النقدية ففيها بطبيعتها عنصر ثبات و استقلال له طبيعة فنية. هكذا اقرأ الميزانية الجديدة و ما يتبعها من ميزانيات في السنوات القادمة : تحول في دور الدولة و درجة تدخلها و طريقة إدارتها مما يؤثر على قطاع الأعمال و على الطبقية المتوسطة و الأدنى منها و التي قد نشهد ظهور طبقة جديدة  بينهما يتساقط فيها بعض المتوسطيين و قد لا يرتقي لها بعض الفقراء.  بعد هذه النظرة العامة يمكن التطرق إلى جانبين مهمين مسكوت عنهما في كثير من الأحيان و إن تم الإشارة لهما في سياقات أوسع:

  • الجانب الأول يتعلق بأثر الإنفاق العام: ( في سياقاته التاريخية و التنموية و ليس عند إعلان ميزانية معينة كما نحن في هذه اللحظة )على توزيع الثروات و الدخول . السياسات المالية و التنموية ساهمت و بشكل مباشر في إيجاد فجوات ( تتسع باستمرار) في الثروات و الدخول بين الأفراد و بين المناطق من خلال عدة آليات و عوامل طبعت المرحلة الماضية، من أهمها:
  • القروض الصناعية و العقارية التجارية و الزراعية الكبيرة.
  • الإعانات و الإعفاءات الجمركية.
  • منح الأراضي.
  • ضعف و تخلف النظام الضريبي الذي من أهم أهدافه في أي دولة حديثة إعادة توزيع الدخول و تخفيف تركز الثروات و خصوصا ما يعرف بالضرائب التصاعدية و على الأرباح بالذات.
  • تركز التنمية في مناطق و مدن معينة.

وكانت النتيجة أن الأغنياء ازدادوا غنى و يأخذون من المال و الممتلكات العامة أضعاف نصيبهم منها مقارنة ببقية المواطنين؛ و كان من أهم نتائج  ذلك أن صاحبتنا ظاهرتا الفقر و البطالة على مدى ما يقرب من 50 عاما من التخطيط الرسمي. و كانت هذه الآليات تمارس و تستغل بلا ضوابط و لا معايير مما أوصلنا إلى هذه  النقطة المفصلية و التحويلية و لا يزال هذا موضوع يستحق الوقوف عنده كثيرا.

  • الجانب الثاني يتعلق بالإنفاق على الأمن الوطني و الإنفاق العسكري بالتحديد: فقد كان و لا يزال يمثل نسبة كبرى و الأكبر أحيانا من الإنفاق العام. و في هذه الميزانية كانت نسبته 21% تقريبا من إجمالي تقديرات الإنفاق العام للعام المالي القادم، و هو مؤشر إيجابي من حيث المبدأ في ظل ظروف الحرب و المهددات الإقليمية. مع أن الانطباع العام عن أن هذا الإنفاق غير تنموي انطباع و فهم غير دقيق لأن الإنفاق على القطاع الأمني و العسكري فيه معطيات تنموية واضحة من أهمها أن المدن العسكرية و القواعد الجوية و البحرية هي مدن تنموية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى فضلا عن أن مدنا و مناطق كثير في المملكة قامت و نهضت بسبب وجود هذه المدن و القواعد بل حتى الرياض نفسها استفادت من الإنفاق الأمني و العسكري فكيف بمدن مثل خميس مشيط وحفر الباطن و تبوك و الطائف و الآن جازان و نجران و غيرها، كما أن المستشفيات العسكرية تضاهي المدني إن لم تتفوق عليها و هي مفتوحة أمام فئات كثيرة من المواطنين.

وعلقت أ.د فوزية البكر على الورقة الرئيسة حول الميزانية بأن أكثر ما لفت نظرها هو الدلالات الاجتماعية لأرقام الموازنة فما يعني امرأة في الشمال والجنوب وبعيدة عن المراكز الحضرية هو توفر سرير لابنها المريض في المستشفى القريب لها عند الحاجة بدل الانتظار أو الوساطات والأمر كذلك في الدخول للجامعات، أو حق التمتع بتعليم يعلم فعلا ولا يمارس التجهيل المقصود. كما أن هناك أيضا أهمية محاولة الأسرة السعودية التأقلم مع المتغيرات التي ستفرضها مضاعفة أسعار الخدمات الأساسية كالكهرباء أو الماء ؛ وهذا موضوع كبير ونحتاج متخصصين اجتماعين ونفسيين لمساعدتنا علي اجتياز الأزمة بسلام؛ سنواجه تحديات ضخمة بضخامة المتغيرات التي فرضتها الميزانية الجديدة، مثلا مساحات البيوت في المدن الكبرى ولمن يمثلون الطبقة المتوسطة مثلنا لم تضع في اعتبارها أن سعر الكهرباء سيتضاعف خلال عام ٣٠٠ في المائة؛ والجيل الجديد من أبناءنا ممن ربيناهم معتادون أن يحصلوا ما يريدون وعليهم فقط رفع عقيرتهم للمطالبة بهذا وذاك وسيكون حاضر حتي لو تكبد الأب والأم كل المشقة والسهر ، هؤلاء الذين يطلبون من أمازون ويسافرون في الإجازات القصيرة للترويح عن أنفسهم، كيف سنغيّر طباعهم التي ربيناهم عليها وقت الطفرة؟

أيضا فقد تساءلت أ. ندى القنيبط: فيما يتعلق بالميزانية، ما هو الدور المطلوب من المواطن:

  • معرفة بنود الميزانية, أرقام الميزانية + أو – , القطاعات التي تشملها الميزانية, سياسة الإنفاق و الاستثمار و الادخار للعام المقبل على أساس العام المنصرم.
  • الجهة المسؤولة عن كل قطاع حكومي أو خاص , كيف أعرف كمواطن هل هي تعمل حسب الميزانية المقررة أم لا, و ما هو الإجراء في حالة تحقيق الهدف و في حالة الإخفاق في تحقيق الهدف, و ما هو أثر النتائج في كلتا الحالتين على القطاع و المواطن.
  • إقرار تنويع مصادر الاقتصاد و توزيع المهام على القطاعات غير النفطية (رؤية 2030 ), ما هي الخطة المعلنة لتلك القطاعات حتى يكون المواطن على علم بالمساهمة المطلوبة و الدور المأمول منه لتحقيق الهدف.
  • مبادرات التوازن المالي و التي تردد ذكرها, ما هو دور المواطن من تلك المبادرات , و التي يفهمها مواطنين معنين دون الآخرين و كأن تلك المبادرات إحدى الماركات العالمية المعروفة لدى أهل السفر و السياحة.
  • تنفيذ البرامج المستوردة عن ظهر قلب، بدون تطوير النظام الداخلي لكي يتم العمل بإيمان و قوة.

وفي سياق متصل، و تحت عنوان “الميزانية الجديدة: مدخل إلى علم الرياضيات والترشيد” أورد د. جاسر الحربش ما كتبه في مقال له بجريدة الجزيرة عدد الاثنين 26 ديسمبر 2016 حيث قال: بنهاية هذا العام يكون المواطن السعودي خلَّف وراءه مرحلة الاستهلاك العشوائي التي امتدت عشرات السنين، ودخل إلى مرحلة الترشيد المعيشي التي لا ندري كم سوف تستمر. الآن أصبحت علامة الاستفهام الكبرى متى ندخل إلى المرحلة الإنتاجية النوعية والاكتفاء الذاتي. بالحساب البسيط كنا لسنوات طويلة في مرحلة حساب الطرح فقط، والآن ندخل مرحلة الجمع والقسمة، ونأمل أن نتحول قريباً إلى مرحلة الضرب، ليس بالمعنى التأديبي وإنما بمعنى مضاعفة الأرقام الإنتاجية.

الآن طرحت الميزانية الجديدة مصحوبة بتفاؤل كبير بين المخططين وشروحات وافية من المنفذين، وأيضا بمديح كبير من إعلاميين أكثرهم لا علاقة له بالأرقام والاقتصاد سوى ما هو في حدود الثقافة الفضائية. لنعتبر الموازنة وجبتنا الوطنية لعام كامل، والاقتصاديون طبخوها، أما الإعلاميون فربما ساعدوا في إضافة الملح والبهارات. لدينا مثل قديم يقول أن كثرة الملح تفسد الطعم، ومن الأمثال نستفيد. الملح والبهارات يجب ألا تزيد على المقادير الأساسية للوجبة نفسها. لست اقتصادياً ولا إعلامياً، ولكن حسب ما فهمت من المقروء والمسموع أن هذه الميزانية بداية تحوُّل وطني نحو ترشيد الإنفاق وزيادة الإيرادات وتخفيض العجز باعتماد كفاءة توظيف الأموال ودقة المراقبة والمتابعة، وهذه كلها عناصر تفتح المجال للتفاؤل. للوصول إلى هذه المعادلة الصعبة، بإيرادات وضعت السعر الافتراضي للنفط عند ستين دولاراً للبرميل، سوف يكون هناك بالتدريج التصاعدي حتى عام 2020م زيادة على أسعار الخدمات والمحروقات والطاقة والمواد الاستهلاكية الكمالية وضرائب تتناسب مع المداخيل الشخصية في القطاعين العام والخاص، وعلى البضائع من ذوات القيم المضافة التي يصنفها المخططون الاقتصاديون من الكماليات. بناءً عليه سوف يقسم المجتمع استهلاكياً إلى شرائح اجتماعية من ذوات الدخل المحدود والمتوسط والمرتفع، وسوف يكون هناك بدلات تعويض تراعي الشرائح المحتاجة إلى التعويض.

هنا يتركز اهتمامي على إشكالية المرحلة الانتقالية التي سوف يتحتم على ذوي الدخل المحدود عبورها، كم تطول وكيف ستكون آليات تجسير الفرق الطبقي، وفرز الدعم لمن يحتاج ومن لا يحتاج، وذلك بناءً على ما ترسب في الذاكرة من عشوائيات الضمان الاجتماعي في العقود السابقة. إنها ثقافة عامة لا تحتاج إلى تأكيد أو نفي وزاري تقول أن نصف المواطنين على الأقل من ذوي الدخل المحدود، بعدد أكبر في أفراد الأسرة وبحاجات أكبر للأساسيات المعيشية، علماً أن هؤلاء هم بالذات الذين يدفعون نصف مداخيلهم على الإيجار لأنهم لا يملكون السكن الخاص. بناءً على هذا الواقع العددي والمادي يوجد احتمال لما قد يحصل مؤقتاً لذوي الدخل المحدود:

  • أولاً: قدراتهم الشرائية سوف تضمر كثيرا، بسبب الترشيد جزئياً والعجز المالي كذلك.
  • ثانياً: أطفالهم و مراهقوهم سوف يحرمون من المستهلكات المصنفة من ذوات القيمة المضافة (الغازيات والكاكاوات وقراميش  البقالات والألعاب إلى آخره). صحيح أن هذه الكماليات لا ضرورة لها ولا نفع فيها ولكن الفرق في التدليع الطبقي يوغر الصدور.
  • ثالثاً: فيما بعد خصخصة الرعاية الصحية سوف يحصل منسوبو الطبقة المحدودة الدخل على الكفاءة المعادلة لمداخيلهم في التأمين  الصحي، فقط بما يكفي للخدمات الصحية ذات التكلفة المنخفضة والمتوسطة. أما خصخصة التعليم إن تم تطبيقها فسوف تكون إشكالية اجتماعية، لأنّها تتدخل في الإمكانيات التنافسيةة على مراكز التعليم عالية الجودة مرتفعة الرسوم.
  • وأخيراً هناك مسألة احتمال نزول جزء من ذوي الدخل المتوسط إلى الأسفل بسبب الركود الاقتصادي العالمي والبطالة لأعداد كبيرة من  شبابنا من الجنسين. الطبقة الوسطى هي المحرك العقلي والاقتصادي في كل المجتمعات، وإذا تزحزحت تزحزح المجتمع بكامله.

ومع هذا وبكل ما يعنيه الإخلاص والوفاء للوطن والحرص على استقرار الأجيال القادمة، سوف أبقى متفائلاً بالميزانية والتحول الوطني مع المتفائلين، وسوف أحتفظ بمكاني مع المتابعين للتنفيذ والمراقبة والمحاسبة. واجب التفاؤل يقوم على مفهوم الحديث الشريف : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).

  • النخب وقادة الرأي بين خطابين في القضايا التنموية.. الميزانية نموذجا

تحت هذا العنوان أضاف أ. مسفر الموسى مداخلة مهمة جاء فيها: تبدو مسألة الفصل بين النخب وقادة الرأي مسألة شاقة.. ولكنها في عصر التواصل الاجتماعي باتت أسهل من ذي قبل.. ذلك، أنه أصبح من الممكن أن ترى شخصية عامة غير متخصصة في قضية معينة قائدة للرأي. وعليه، فمن الممكن تصنيف النخبة إلى الجماعة ذات المرجعية المعرفية والتي يربط بينهم تخصص ما، فيما مفهوم قادة الرأي يرتبط أكثر بالجماهيرية والاستمالة والتأثير، ماذا يحدث لهذه النخب وقادة الرأي في المجالين العام والخاص أثناء القرارات المتعلقة بالتنمية؟

من الملاحظ، وباستحضار قرار الميزانية في كل عام، أن النخب تتخلى عن دورها في النقد والمواجهة الصادقة.. من خلال الانخراط في التسويق للقرار.. وهي بذلك تقوم بمهام قادة الرأي المنتخبين من صناع القرار لتهيئة القرار للمجتمع. هم بذلك، يتخلون عن وظيفتهم الحقيقية في خلق التوازن ومواجهة أحادية الرأي التي تطغى في المجال العام من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المفتوح.. بينما في الغرف المغلقة ووسائل التواصل المحدودة الاشتراك يعبرون عن آراء مختلفة..

في الميزانيات السابقة كانوا يتحدثون عن إيجابيات سخاء الميزانية خصوصا في التعليم والصحة ويمتدحون ذلك وبالأمس يشيدون بالترشيد وبإلغاء الدعم عن بعض الخدمات واستبدالها بحساب المواطن. هذا الأمر، وخصوصا بعد الصورة المتكررة سواء للنخب أو لقادة الرأي مع صناع قرار الميزانية، سيسبب فجوة على مستوى الثقة بين المجتمع والنخب. كما سيسهم في تأصيل الرأي الأحادي والمتفق دائما مع أي قرار. كما قد ينتج عنه حالة من القلق العام بأن النخب لا تقوم بمهامها في المشاركة في صناعة القرار وإنما تتحول تلقائيا وبشكل طوعي إلى مسوقة له.. في المقابل، فإن بعض هذه النخب في المجال الخاص تمارس أدوارها الحقيقية في تناول قضايا التنمية بالنقد والتحليل الصادق بعيدا عن ضغوط الدعاية.

والخلاصة، أن من مصلحة أي مجتمع طبيعي أن يكون متوازنا بين متطلبات الدعاية وتهيئة القرارات التنموية للجمهور من جهة، وبين الرأي المستقل والناقد للممارسات الحكومية.. وذلك، لزيادة الثقة لدى الناس ولتجويد القرار خصوصا عندما يشعر صانع القرار بأن هناك من سيتناول قراره بعين الرقيب.

وأضاف أ. خالد الحارثي: أننا نشهد تحولات مهمة فيما يتطلع له المواطن وما تتطلع له الدولة وضرورة أن يكون الوسط الناقل والذي تتبادل فيه الأفكار والنقاشات وسط نزيه وطنيا وفكريا:

  • وطنيا: بمعنى أن خدمة مصالح القلة وتضليل المواطن و خداعه في رأس قائمة الرصد ، حيث أن انتشار الكثير من المغالطات الخادعة (إما جهلا أو عمدا) مثل مفهوم الاقتصاد الريعي واعتمادية المواطن على الدولة في حين أن اقتصاد الريعي قاعدته ملكية الدولة للثروات الوطنية وليس المواطن ، ومثل عدم ملائمة مخرجات التعليم لسوق العمل في حين أنها مغالطة كبرى أيضا تستخدم لترويض المواطن ليمتنع عن نقد الإصرار على كثافة الاستقدام ، فلا يمكن للمؤسسة التعليمية أن تترك مهمة العلم والتعليم والبحث العلمي للوفاء بحاجة القطاع الخاص المملوك للعائلات (القلة مجددا) ولن يحدث ذلك لأنه يستحيل تزويده بغير المعرفة والمهارة إما القبول بالأجر الزهيد المبني على تكلفة معيشة في بلاد أخرى أو التخلي عن الكرامة وشرف العمل وقبول الاستعباد الذي قبل به المستقدم .
  • فكريا: أن عزوف كثير من النخب عن تبني ودراسة العلوم الاجتماعية والإنسانيات الحديثة يبرر لهم (بالجهل بتلك العلوم) كثير من قيم  العنصرية الطبقية والنوعية، في حين أن الأكاديمي العليم يظل محاصرا خشية التهمة بالتنظير أو غيرها من التهم.
  • تأثير السلطة القضائية في الحماية المفترضة لتنويع مصادر الميزانية العامة

قدم د. ياسر البلوي مداخلة تفصيلية في هذا الصدد قال فيها: ليست المملكة الوحيدة التي ليست لها قانون مدني جزائي تجاري إداري  تفصيلي .. نحن تشريعياً أفضل حالاً من بريطانيا مثلاً , فالقانون الإنجليزي هو حقيقة وصف عام وإلا في بريطانيا لا يوجد قانون قضائي مدني مقنن على شكل مواد , وقد عرف هذا بمصطلح القوانين الأنجلو سكسونية, والقوانين الأنجلو سكسونية وهي القوانين الموسعة التي تسير على القانون غير المكتوب كبريطانيا وأمريكا وجنوب أفريقيا ويقابلها القوانين اللاتينية؛ فبريطانيا نظامها القانوني في حقيقته اعتمد تجربة الحضارة الإسلامية في التعامل مع التشريع العام باعتماد المرونة والاحتكام لما استقر مع الزمن , أما القوانين اللاتينية هي التي تسير على القانون المكتوب على شكل مواد كفرنسا وألمانيا وغيرهما. فحقيقة تشريع بريطانيا هو اعتراف ضمني بمفهوم التشريع الإسلامي مؤثر له على مفهوم التشريع اللاتيني نفورا من تجربة قانون الثورة الفرنسية وتعاليا. القانون العام أو المشترك لبريطانيا هو قانون قديم وغير مكتوب وغير مدون على شكل مواد ، ويعتمد أساساً على العرف والتقاليد والسوابق القضائية. وكذلك بريطانيا لا تملك دستوراً مكتوباً، فالدستور الإنجليزي غير مدون في وثيقة واحدة أسوة بالدستور الفرنسي أو الأمريكي أو غيرهما من الدساتير.

ما الهدف من هذه المقدمة ؟

هو الجواب الضمني أن القانون المفصّل ليس شرطاً لسلطة قضائية عادلة محترمة وليس شرطاً لاقتصاد قوي عظيم , المملكة المتحدة من أعظم اقتصاديات العالم وسلطتها القضائية من أكثر المنظومات القضائية العالمية هيبة واحتراما ولم يكن هذا متوقف على وجود قانون على شكل مواد تكثر ثغراته ويكثر معه وجود الاستثناءات , ويكثر معه توالد الفاسدين.

 “إصلاحات لابد منها من أجل قضاء دافع للاقتصاد”

سيكون تعقيبي على ما طرح في جوانب تأثير السلطة القضائية في حماية مفترضة لهذا الإنجاز الإصلاحي في تنويع مصادر الميزانية العامة , فلا يختلف إثنان على أن تطوير البيئة القضائية مهم لدفع الشأن الاقتصادي للأمام وإعطاء الضمانات الكافية لجلب رؤوس الأموال العالمية للاستثمار داخل المملكة , وهذا مهم جداً ولكنه بالتأكيد يأتي بعد إصلاح البيئة الاستثمارية بالمملكة والاستطاعة في جلب هذه الاستثمارات .. إن نجحنا في الميدان الأول سننجح في الميدان الثاني بإذن الله.

“قضاء بمفهوم جديد”

دور القضاء لم يعد ينحصر في البت في النزاعات بين الأطراف فقط, بل أصبح يلعب دورا مهما على مستوى تحقيق التنمية الشاملة , فالعالم أصبح يتكلم لغة اقتصاد السوق و هيمنة عولمة الاقتصاد و لقد أصبحت العلاقة بين القضاء و الاقتصاد من الموضوعات التي تستأثر باهتمام مجموعة كبيرة من رجال الاقتصاد و القانون و غيرهم من متتبعي الشأن العام.

عند الحديث عن البيئة الاقتصادية الجاذبة لرؤوس الأموال لابد لهم من التعريج على المناخ القانوني والتنظيمي للبلد المستهدف , فسن القوانين المحفزة للاستثمار والتي يجب أن تتمتع بالاستقرار وعدم التضارب فيما بينها حتى تجذب الاستثمار، فضلاً عن ضرورة وجود القضاء العادل ونظام التحكيم الذي يتكفل بحسم المنازعات والذي يعتبر من العناصر الهامة في تهيئة المناخ الاستثماري، كما أن للمؤسسات القائمة على تنفيذ القوانين دور كبير في جذب الاستثمار ورشاقته من خلال التسهيلات وتيسير الإجراءات والبعد عن التعقيدات والبيروقراطية وطول الإجراءات.

“القضاء على النطاق العالمي”

في أي بلد عندما يكون انخفاض في معدل الثقة في القانون وفي جهاز العدالة وأصبح يتراجع يوما بعد يوم بالتأكيد سيؤثر سلباً على فرص الاستثمار الأجنبي والاقتصاد المحلي؛ فمن بين المؤشرات القوية التي تعكس مدى عمق ومتانة الاقتصاد في بلد ما، هي وضعية القضاء وتطور بيئته وقوة أدواته التنفيذية ومدى استقلالية أحكامه؟ وهل هو خاضع للتعليمات أم أنه يخضع لروح القانون ولمبادئه العليا؟

“مشروع تطوير مرفق القضاء” .. الإصلاح لا يحتاج لمعجزة !

يعتبر القضاء من أهم المحددات الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية في أي بلد أي أنه يمثل الخطوة الأولى لعملية الاستقرار الأمني من خلال تطبيق مبدأ سيادة القانون والذي يتوقف عليه منح الثقة والاطمئنان للمستثمرين. قبل تسعة أعوام من الآن، أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله-، ومنذ توليه الحكم رؤيته التطويرية الشاملة للقضاء في السعودية، بعد تدشين قرارات عدة لتطوير القضاء في المملكة، تضمنت إطلاق مشروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاء بمشاريع كبيرة، كان لها الأثر الإيجابي على المواطن والمقيم. وتضمن مشروع الملك عبدالله نظام وآلية تطوير شاملة تقوم عليه قطاعات حكومية وقضائية ومالية عدة , وهدف مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى تطوير مرفق القضاء والتوثيق من خلال إعداد خطة استراتيجية لوزارة العدل بعيدة المدى لـ20 عاماً المقبلة، بدءاً من 1430هـ إلى1450هـ، لتطوير مرفق القضاء والتوثيق في جميع المجالات المتعلقة به.

“البيئة القضائية على طاولة مفاوضات المملكة مع منظمة التجارة العالمية”

كان أحد أهم الجوانب التي كانت مسار مفاوضات المملكة مع منظمة التجارة العالمية ، هو مدى تطابق أنظمة المملكة مع اتفاقيات المنظمة المختلفة، وبناء على ذلك صدر قرار مجلس الوزراء رقم (66) وتاريخ 17/3/1421هـ القاضي بأن تقوم جميع الأجهزة الحكومية بمراجعة جميع الأنظمة ذات العلاقة بما يتفق مع ما يقتضيه انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، ورفع ما يتم التوصل إليه لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة وإعداد الدراسات التي تبين المكاسب والتكاليف المترتبة على الانضمام والتهيئة لمرحلة ما بعد الانضمام. كما نص القرار على تشكيل لجنة فرعية للتحضير للجنة الوزارية المكلفة بمهمة متابعة جميع مـا يتخذ من قرارات وما يرسم مـن سياسات وقواعد في النظام التجاري العالمي، وذلك بالقيام بمراجعة مستمرة لمـا يتم التوصل إليه من قبل فريق التفاوض السعودي.  وبناءاً على ذلك فقد حُدثت بعض الأنظمة الموجودة استجابة لشروط المنظمة ومنها على سبيل المثال :-

أ – نظام العلامات التجارية.

ب- نظام حق المؤلف.

جـ- نظام براءة الاختراع.

كما استحدثت أنظمة لم تكن موجودة بالأصل مثل:

أ – نظام الأسرار التجارية.

ب – الاستثمار الأجنبي.

وهذه الأنظمة استحدثت قبل التوقيع النهائي لانضمــام المملكـــة إلى المنظمة لكنها تمت كمتطلبات واستعداد للانضمام. كما صدر مرسوم بإعادة هيكلة القضاء بشكل جذري و ما تضمنه من إيجابيات إداريــة وتنظيمـية إلا أنــه استثنيـت فيه مزيد من اللجان الإدارية ذوات الاختصـــاص القضـائي من القضـــاء مثل نظـــام الاستثمار الأجنبي والتأمين وسوق المــال بالإضافة إلى اللجان الســـابقة وهذه سلبية تؤدي لازدواجية القضــاء.

ويضاف له تحديات أخرى للقضاء في طريق هذا المشروع الضخم من (مناطقية القضاء ، وتجزؤ القضاء , وازدواجيته وتبعثره بمائة لجنة شبه قضائية ، تعدد السلطات القضائية وتعدد المحاكم العليا ، ضعف الإمكانيات المادية والبشرية وعدم توفر الدعم الكافي للسلطة القضائية، تقليص اختصاصات القضاء في نظر بعض المنازعات , عدم التأهيل للنظر في القضايا العامة والأزمات الكبرى) .

على النطاق المحلي:

بقدر ما يكون قضاء بلد ناجعاً و متطوراً بقدر ما يوفر ثقة كبيرة للمجتمع فيه و للفرد في اللجوء إليه لكي يسترد له حقوقه.  إن توفير الاطمئنان للمتقاضين لدى المؤسسة القضائية، وهذا لا يتأتى إلا بالرقي بمستوى الخدمات التي يؤديها من خلال جودة الأداء واستقرار الاجتهاد والعمل القضائيين بما يتوازن وروح التشريع وتحقيق العدل بين مكونات المجتمع، إذ أن الأمن القضائي يعتبر حقيقة ملاذا للكل لدرء تعسف البعض وطغيانه.

ولا شك أن ظروف العمل للمنظومة القضائية قد تؤثر سلبا على التنمية الاقتصادية فإذا كانت المحكمة التجارية تأخذ من أربع إلى ست سنوات للبت في قضية ما فأي مستثمر سيغامر باستثمار أمواله فالمستثمر يبحث دائماً عن الفعالية و السرعة و الأمن و الثقة في كون المعاملات التجارية ستنفّذ بوضوح و أنه في حالة و قوع نزاع بشأنها فإن هناك آليات قانونية تضمن حماية حقوقه. “رأس المال بطبعه جبان”  فإذا لم يطمئن على أمواله و بصورة أخرى إذا لم يكن متأكداً من أن المنظومة القانونية الموجودة تساعده و تمكّنه من حقوقه فهو لا يغامر باستثمار أمواله.

وكذلك القاضي يجب أيكون ذو كفاءة عالية و عليه عدم الاكتفاء بالتكوين القانوني الجامعي فقط و إنما من الضرورة بمكان أن يتواصل التكوين المستمر ومواكبة التطورات التشريعية العالمية والانفتاح على المحيط الخارجي، ففي الجانب الاقتصادي على القاضي الاهتمام بالمسائل التي تهم الجانب المالي وكذلك قوانين التجارة العالمية و الاقتصاد و المحاسبة و الشؤون الاجتماعية.

كما أن هناك ضرورة لتوفير الأجر الكافي للقاضي و الذي يجعله في غنى عن الالتجاء إلى أي باب من الأبواب التي تضعف مكانته و ممارسة مهامه بعيداً عن الإغراءات المادية، إضافة إلى ضرورة تحسين ظروف العمل بتوفير المكاتب و الأجهزة والأدوات اللازمة.

” نظام تنفيذ” أعاد الأمل ..

القطاع القضائي بالمملكة وفي ظل رؤية 2030 الطموحة التي أقرّتها القيادة لبناء مستقبل اقتصادي عصري يعمل على الاستثمار الأمثل للموارد والثروات , ويأتي قضاء التنفيذ بحزمة من الامتيازات غير المسبوقة للحزم والردع للمحافظة على المناخ الاستثماري الآمن وسط منظومة متكاملة من الأنظمة والقوانين التي تحفظ الحقوق في مختلف تعاملات الأوراق التجارية. آخر الإحصائيات عن مختلف محاكم التنفيذ بالمملكة أعطت تصوراً عن حجم المال المتعثر في مختلف الأوراق المالية المتعلقة بالكمبيالات وشيكات وسندات قبض وأحكام أخرى متنوعة لعقارات منقولة أو ثابتة والتي كان لهذه الأموال المتعثرة تأثيرها السلبي على دورة الاقتصاد الوطني ، حيث ظهر إجمالي المبالغ المنفذة التي عملت محاكم التنفيذ في مختلف مناطق المملكة على استرجاعها منذ بدء نظام التنفيذ وحتى الشهر الجاري بلغ 160.586.972.425 مليار ريال  من خلال 393.233 طلباً تنفيذياً وردت إلى محاكم التنفيذ في مختلف مناطق المملكة،  هذه الأموال تمّت معالجتها واستعادتها لمستحقيها بما يعزز من مكانة ومتانة واقع العدالة الناجزة ويوفّر الأمان الاستثماري المأمول.

لا يفوتني التأكيد على أهمية وقيمة ما تقوم به وزارة العدل من أعمال وإجراءات وجهود مشكورة، لتحقيق رؤية خادم الحرمين الشريفين – أيده الله – ومتطلبات الرؤية الوطنية السعودية في ميدان القضاء، وللوزارة فريق عمل نشط تميز بالحرص الواضح على إشراك كل ذوي العلاقة بالعملية القضائية في هذه الجهود.

  • رؤية استشرافية: الميزانية وآفاق المستقبل

من وجهة نظر د. حميد المزروع فإن عجز الموازنة يجب أن لا يعتمد كليا على رفع الدعم عن أسعار الطاقة و فرض الضرائب. تحتاج الدولة إلى تنويع مصادر الدخل عن طريق طرح مشاريع تنموية نوعية تحقق من خلالها مداخيل مالية جديدة وتوليد فرص عمل للجيل الحالي .

بينما يرى م. خالد العثمان أن رفع الدعم ليس الوسيلة الوحيدة لسد عجز الموازنة ، كذلك فإن دور القطاع الخاص في صياغة الرؤية وبرامجها كان غائبا منذ البدء؛ فقبل ثلاثة أشهر نظم مجلس الغرف عددا من ورش العمل لاستقصاء مقترحات ومرئيات ومبادرات القطاع الخاص في إطار الرؤية فيما يبدو كما لو كان استيعاب متأخر قليلا لأهمية التواصل مع القطاع الخاص .

وعلق د. حميد المزروع بأن الخصخصة حسب فهمه هي إعادة لتقييم وتسعير شركات الدولة وبيع جزء منها إلى القطاع الخاص. فعليا هي شركات قائمة ولن يولد طرحها للاكتتاب أرقام إضافية للناتج الوطني أو تحفيز لوظائف جديدة ! بل قَدْ يسرح بعض العاملين منها ، نحتاج إلى مشاريع تنموية جديدة تحقق أهداف عجز الموازنة من ناحية وتحقق  احتياج الموطن والمواطنة من وجود فرص عمل حقيقية .

وأضافت د. نوف الغامدي أن من أهم العقبات الأنظمة والقوانين التي مازالت تقف عائقاً أمام القطاع الخاص والخصخصة كما أننا لا نملك فكر إدارة مشاريع  مجرد قوالب Template فبعضها ينجح وبعضها يتعثر. علينا أن لا نلقي باللوم على القطاع الخاص لفقدان شهيته وعدم ثقته وتفاؤله … معوّقاته لم تُحل … بعض قوانين وزارة العمل والتجارة لا تُحاكي القطاع الخاص وهمومه. التطورات الحالية تقف ضد دخوله في شراكات فهوّ لكي يُقاوم عليه أن يتبع أساليب كثيرة لكن مع الأسف المستهلك أمام هذه المتغيرات العشوائية يفقد ثقته وبالتالي مؤشر ثقة المستهلك في نزول كما أن أنظمة ضريبة القيمة المضافة والضرائب والرسوم التي وضعت لن تكون في صالحه وبالتالي نحتاج حوافز للقطاع الخاص من قبل الوزارات ودعم قطاعي حتى لا نصل لمرحلة يصبح فيها القطاع الخاص يتعامل بـ لغة “نفسي نفسي” . مع الأسف نعيش أكذوبة كبيرة ووزارة التجارة أصبحت تسير على خطاها مع الأسف وكل من لا مهنة له وهي ( ريادة الأعمال ) …. حقيقة هذا موضوع أصبح يشكل خلط كبير وبالتالي سيفقد جدواه مع الزمن لأنه اختلط الحابل بالنابل ولَم نتعامل معه بفكره الحقيق وهو الابتكار الريادي …. ريادة الأعمال فكر وأسلوب تفكير …. النموذج التجاري قد يكون صغير أو متوسط أو متناهي الصغر …. المشاريع الشبابية هي أفكار من وحي المجتمع أو أفكار أجنبية تمت سعودتها وبالتالي هي ليست فكر ريادي. المشاريع الأسرية هي التي تبدأ من المنزل. نحتاج لرفع الاقتصاد ودعم النماذج التجارية إطلاق منشآت صغيرة أو متوسطة أو متناهية الصغر والعمل على ترقيتها بين فترة وأخرى لأنها هي فقط التي تساعد في التوظيف وتدوير الاقتصاد والشراكات … قد تدار من قبل رواد أعمال بفكر ريادي أو تحويل أفكارهم لنماذج. أما الفكر الريادي نفسه فهو يعتمد على الابتكار والاختراع لمنتجات وخدمات لم تكن موجودة من قبل. في تصوري القطاع الخاص يحتاج لـ من يصنفه بالشكل الصحيح والعمل على حل معوقاته وخلق سوق ثانوي له. أيضا فإن توطين الصناعة وتشجيعها له دور مهم لأننا نريد الوصول إلى مرحلة نتبنى فيها إستراتيجية لإحلال الموارد وحقيقة مازالت وزارة التجارة والصناعة لم تحقق الهدف المنشود لذا أفضل أن نبتكر مراكز لإعادة تحديث الصناعة والعمل على مساعدة المصانع في التشغيل وإعادة التشغيل وإيجاد حلول مبتكرة للمصانع المتعثرة.

بينما يرى د. خالد الرديعان أن الصناعة وتصدير المنتجات الصناعية هي البديل الواضح لتنويع الدخل وما عدا ذلك قليل الجدوى.

وأوضح م. حسام بحيري أن بيئة العمل الحالية الموجودة بعد استحداث الأنظمة الجديدة أصبحت مليئة بالعوائق والصعوبات وصارت الآن معادية للقطاع الخاص خصوصا للقطاعات الصغيرة والتي يتركز فيها معظم المهنيون والمحترفين وذوي الخبرة. أصبح من الصعوبة أن تفتح عمل صغير في ظل الشروط المتعددة والتكلفة الباهظة لإنشاء مؤسسه أو شركه صغيره والصعوبات التي تواجهها للبقاء في صفة قانونية مستمرة مع عدد كبير من الأجهزة والتي أصبحت مفروضة فقط لجباية أموال وليس لتقديم أي خدمات تساهم في نجاح أعمالك بشكل مباشر أو حتى غير مباشر. كل كيان خاص مهما بلغ صغره سيساهم في توظيف شخص واحد على الأقل.

لابد من ربط كيانات القطاع الخاص بوزارة التجارة والاقتصاد وفصل سيطرة وزارة العمل عن شركات القطاع الخاص لأنهم الأعلم والأنسب في إدارة أي شيء يختص باقتصاد الدولة.  دور وزارة العمل هو في تدريب وتأهيل العمالة المحلية بجميع أنشطتها وتقنين جلب العمالة الأجنبية. لا أرى أي دور فعال لها في تأهيل المواطنين لسوق العمل الحالي أو المساهمة في سد الحاجة المتزايدة لطبقة الياقات الزرقاء في سوق العمل. وزارة العمل غير مؤهلة في وضع خارطة طريق اقتصادية مبنية على مشاركة القطاع الخاص في بناء الاقتصاد هذا ليس من نطاق عملها وليس لديها الإمكانيات للعمل بذلك.

ومن جهة مكملة فإن الصناعة الحديثة في عصرنا اليوم تعتمد اعتماد أساسي على التكنولوجيا. الصناعة التقليدية لن تكون الحل الأمثل لاقتصادنا. التكنولوجيا الحديثة في القطاع الصناعي هو الحل المثالي لإتباعه في اقتصادنا ولإعطاء مثال تكنولوجيا الطابعات ذو الأبعاد الأربعة والتي تستطيع من خلالها صناعة عدد هائل من المنتجات من كراسي وطاولات إلى أقلام ومشابك وقطع غيار السيارات باستخدام جهاز واحد. تحتاج عشرات المصانع لصنع كل هذه المنتجات ولكن اليوم كلها اختصرت في جهاز واحد هذه الأجهزة حاليا باهظة الثمن ولكنها مع الوقت ستكون متوفرة بأسعار تنافسية واحتمال أن يتم استخدام أكثر من ماده في التصنيع أو الطبع. إذا اتجهنا للصناعات التقليدية سنضيع جهود كثيرة في إعادة تطبيق تكنولوجيا تقليدية ليس لها مردود إيجابي كبير لنا ولها منافسين كثيرين حول العالم . ومن ثم فإن اتجاهنا نحو الصناعات التي تعتمد على علوم التكنولوجيا والمعرفة هو الحل الأمثل.

في حين يرى د. جاسر الحربش حول الخصخصة في مجالي الصحة والتعليم تحديداً أن أسوأ أنواع الأداء الطبي للطبقات المحدودة الدخل موجود في الدول التي خصخصت الطب. وجود أفضل عشرة مراكز طبية عالميا في أمريكا لا يستفيد منها سوى ذوو التأمين المكلف جدا، و يقابلها خدمات متدنية في قطاع عريض من الخدمات الصحية في أمريكا. في بريطانيا بالمقابل التأمين الإضافي لمن يستطيع موجود ولكن الدولة تتكفل بأرقى أنواع الخدمة لمن لا يستطيع التأمين المكلف الاختياري. إن الأمن والتعليم والصحة في دول العالم الثاني والثالث يجب أن تتحمل الدولة مسؤولياتها من الضرائب والمداخيل الأخرى بأنواعها.

كما أن من خصوصيات المجتمعات الحابية حبوا نحو المستقبل أو المحافظة على المكان والزمان أن الرقابة ذاتية وجودتها تتغير حسب الظروف. لم يتطور أي مجتمع إيجابيا حتى تكون مسيرته جزئيا تخضع لرقابة وتقييم ومحاسبة من هيكلية مستقلة، من نفس المجتمع ولكن من خارج الحكومة أو الشركة أو المؤسسة. افتراض حسن النية بترك مهمة التقييم سلبا أو إيجابا للمخطط والممول والمنفذ طوباوية لا تصمد أمام ما يسمى critical judgment. أبسط مثال على ذلك في العالم الثالث كون مكافحة الفساد / هيئات حقوق الإنسان / المؤسسات الإعلامية الرسمية، توابع للحكومة.

الخلاصة: في مؤسسات الرقابة المدنية المستقلة يكون هناك القانوني والمتخصص في مجال الممارسة وممثل للمؤسسة الخاضعة للتقويم ومواطن مستنير، ومحاضر ضبط وسؤال وجواب. وبدون ذلك يصبح من الممكن المبالغة في مدح أو انتقاص المادة الخاضعة للتقييم.

في حين يرى د. ناصر القعود أن التعليم والصحة سلعتان أو خدمتان مهمتهما زيادة الإنتاجية في المجتمع وفوائدهما ( أو أضرارهما في حال سوء الخدمة ) تعود على المجتمع ، ومن غير العدل أن يتحمل الفرد جل تكلفتهما ، وينبغي أن يتحملها المجتمع والحكومة لاسيما إذا كانت الحكومة تهيمن على الموارد الطبيعية في الدولة . وليس من الدقة في شيء أن نقول مثلا أن التعليم العام أو الجامعي في أمريكا مخصخص ، فحتى الجزء الذي لا تنفق عليه الحكومة يقع تحت مسئولية مؤسسات غير ربحية لا سيما الجامعات المرموقة التي تقدم المنح للمتميزين ، وذلك على خلاف من ينادي بالخصخصة بهدف الربحية . التعليم والصحة في حاجة ماسة إلى رفع جودتهما ولكن ليس عن طريق الخصخصة الهادفة للربحية .

وأوضح د. خالد بن دهيش: أن الأهداف الأساسية من خصخصة الخدمات التعليمية هي:

  • تحسين جودة مخرجات التعليم.
  • تحسين جودة الخدمات المساندة والبيئة المدرسية.
  • تخفيف العبء الإداري عن الوزارة ومساعدتها فى التركيز على العملية التعليمية (نشاطها الأساسي) .
  • ترشيد الإنفاق على برامج التعليم .

أما في مجال التعليم الأهلي أو الخاص فالهدف هو زيادة مشاركة القطاع الخاص في التعليم الأهلي أو الخاص. ليصل إلى ٢٥٪‏ في عام ٢٠٢٠. الذي سيكون تقويمه و اعتماده من هيئة التقويم. و بإذن الله لن يكون هناك خوف على مستوى مخرجاته.

ومن المهم إنشاء هيئة للتعليم الأهلي ورياض الأطفال تشرف على التعليم الأهلي والخاص تسعى لأن تكون مخرجاتها تنافس التعليم الحكومي. على أن تدعم الدولة أبناء محدودي الدخل بنسبة لا تقل عن ٧٠٪‏ من الرسوم وفق شروط للالتحاق بالتعليم الأهلي لضمان العدالة الاجتماعية.

وتطرقت أ.د. سامية العمودي إلى مسألة الخصخصة في القطاع الصحي وأشارت إلى أن لها إيجابياتها وسلبياتها لكن إيجابياتها حدت بدول مثل فرنسا وأستراليا وألمانيا إلى أن تكون مراكز الرعاية فيها كذلك والقطاع الحكومي للمستشفيات حوالي ٦٠٪‏ تقريباً ومما يحكم النجاح وجود أنظمة وقوانين ومتابعة. إن القطاع الصحي عندنا قتلته المركزية ومن الضروري حلحلة هذه المركزية.

ومن جانبه قال أ. سمير خميس: عندما تخصخص التعليم ستكون أهدرت رصاصة على مواطن مصاب بجلطة دماغية من الأصل. خصخصة التعليم لن تكون سوى التفاف على واقع التعليم الإداري غير القابل للإصلاح؛ ستكون التفافاً على سياسات التعليم الغابرة، على المقررات الدراسية المتأخرة، على العقبات الاجتماعية الممانعة لكل تحديث. خصخصة من شأنها تكريس واقع آخر للطبقية سنحصد ثمارها مراً وعلقماً. لنراجع سياسات التعليم، لنغير من واقع الإدارة التعليمية، لنلتفت لمقرراتنا بأنفسنا من دون وصاية غربية، لنحجّم الممانعة الاجتماعية ثم بعد ذلك نفكر بالخصخصة.

ومن وجهة نظر د. عبدالله العساف فإن الحكومة كانت في السابق هي من يقود قاطرة الاقتصاد، والقطاع الخاص في المقعد الخلفي، وفجأة توقفت وطالبت القطاع الخاص بالقيادة!! لكن قيادة القطاع الخاص للاقتصاد لا يتم بهذه البساطة؛ فالانتقال والتحول من مرحلة إلى أخرى يستلزم التدرج مع تنفيذ حزمة برامج متكاملة تعضد بعضها وتساهم في تحقيق الهدف.

قد لا تكون الصناعة بمعناها التقليدي مناسبة لنا؛ لكن قد تكون لدينا صناعات أخرى مالية وخدمية وسياحية لامتلاكنا لمقوماتها  وهي أيسر لنا من الصناعة الصغيرة والمتوسطة مع حاجتنا لها لكن تلك سيكون تأثيرها أعظم في جذب رأس المال الأجنبي؛ وكمثال فإن منطقة حائل مثلا موقع متميز جدا في كونه نقطة تحول للطائرات وما يستتبعها من صناعة، ولكن قبل ذلك لابد من العمل على إصلاح أنظمتنا؛ مثلا النظام القضائي من أسباب طرد الاستثمار لعدم وجود أحكام وسوابق قضائية وللخضوع لمزاجية القاضي، ويرتبط بذلك طول مدة التقاضي، واختلاف الأحكام باختلاف الحاكم، أيضا التعليم ومخرجاته هل هي متناغمة مع المرحلة المقبلة، الخلاصة نحن بحاجة إلى الإصلاح أولا.

وذكر م. أسامة كردي أن المهم أن يرتفع دخل صندوق الاستثمارات العامة عن طريق دخوله في استثمارات مشتركة محلية مع القطاع الخاص السعودي في عدة قطاعات منها استبدال الواردات التي تحدث عنها سابقاً د. الحربش، و هذا لا شك سيرفع من الدخل غير النفطي للحكومة. كما أن الصناعة هي خيارنا الأهم و الاستراتيجي .. السبب بسيط .. أن ميزتنا التنافسية التي تكاد تكون وحيدة – ماعدا داخل مكة المكرمة و المدينة المنورة – هي الطاقة.. النفط و الغاز؛ و هي المكون الأساسي للصناعة.. و قد تنبهت الميزانية لهذا الأمر و أظهرت اهتماما بصناعة البتروكيماويات و الأسمدة من الفوسفات و الأسمدة النيتروجينية و الإسمنت و الألمونيوم و الحديد و الصناعات الغذائية و الخزف و الزجاج، ٩ صناعات إما أن تكون أهميتها إستراتيجية أو أن استخدامها للطاقة عالٍ.

وباعتقاد د. حسين الحكمي فإن المعرفة والتكنولوجيا والمعلومات كلها مصادر دخل يمكن الاستفادة منها في تنويع مصادر الدخل. كما يفترض أن يكون للجامعات دور أكبر مما تقوم به الآن؛ فالعصر الحالي يركز على التعلم وليس التعليم ، يمكن للجامعات أن تطور من أدائها بحيث تنتقل من كونها تعليمية إلى منارة تدعم التطور والتنمية في المجتمع. نريد أن نرى مشاريع بحثية كبيرة اقتصاديا واجتماعيا وهندسيا وطبيا ، نريد للجامعات أن تكون القائد في تنمية الوطن. نريد أن نرى وادي التقنية في جامعة الملك سعود مثلا يقدم لنا مشروعا تنمويا يساعد في حل مشاكل البطالة ويرفع من اقتصاد الوطن ويضع بصمة في التحول الوطني.

وقال د. عبد الله بن صالح الحمود: أن الميزانية وما حملته من أرقام وبيانات، لاشك أنها تمثل رؤية وطن ، وتعبر في الوقت نفسه عن مسيرة اجتماعية واقتصادية لتلبية متطلبات واحتياجات وطن واعد.  المواطن مهما يكن قل اهتمامه أو كثر ، مدرك للغة الأرقام أم لا ، ما يهمه هو ما سوف يجنيه على أرض الواقع. هنا الحديث عن ما هو مادي  بالضرورة ليستفيد وينعم به المواطن بطرق مباشرة وغير مباشرة ، والمقصود أن الأهداف المتوخاة من الميزانية وأي ميزانية هو أن يلمس المواطن ما يجعله في مأمن ( معيشيا ورفاهية وأمنا اجتماعيا وأمنا على النفس ) . ولهذا فإن المواطن يتأمل ويرجو أن يشاهد على أرض الواقع ما يشبع احتياجاته ورغباته ، ومن هنا الحديث عن جهات حكومية يفترض أن تكون صمام الأمان للانتفاع أو الاستفادة من ما اعتمد لها من اعتمادات مالية وهي كالتالي:

1 – وزارة العمل والتنمية الاجتماعية.

2- هيئة السياحة والتراث الوطني.

3- الهيئة العامة للرياضة.

4- وزارة الصحة.

5- وزارة التعليم.

هذه الجهات ولعلي أكون مبالغا نوع ما ، أنها جهات حكومية يعول عليها بعد الله بنسبة تصل إلى 70 % ، من أنها هي ما يحقق متطلبات ورفاهية المواطن ، وهنا يكون التساؤل: هل تلك الجهات نحن على يقين أنها تعمل بكامل طاقتها ونظامها المرسوم لها في أنظمتها الأساسية؟ ، البعض لا يعتقد أنها تؤدي ما عليها على الوجه ولو شبه الأكمل. فإن كانت كذلك فهي إذا لن تقدم أو تمنح المواطن ما يرجوه عامة.

لابد أن نبدأ عمليا في ما يسهم في بناء الإنسان، وبناء الإنسان يتطلب تأسيس برامج نوعية، اجتماعية واقتصادية وتعليمية وتدريبية. كما أن الإسراع في تأسيس ما يسمى بحاضنات الأعمال هو مطلب حتمي تتطلبه المرحلة الحالية. وما يفترض أن يتمثل ذلك هو في تأسيس برامج مصممة لدعم تطوير وإنجاح المنشآت الناشئة عن طريق تزويدها بمجموعة من موارد الدعم والخدمات المصممة والمدارة من قبل إدارة الحاضنة .

وعلق م. خالد العثمان بأنه يتفهم دور الوزارات الثلاث المشار إليها، لكن ما هو دور هيئتي السياحة والرياضة في ذلك؟

وبدوره أوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن هيئة السياحة والتراث الوطني ، وهنا الحديث عن قطاع السياحة فقط ، أن هذا القطاع يفترض أن يكون أنموذجا حقيقيا لخدمة السياحة الوطنية ، وأن من ذلك سوف نلحظ توافر فرص وظيفية متعددة الأدوار ، وهنا يجب أن نقر أن للأنشطة السياحية دور كبير في ذلك. والهيئة العامة للرياضة ، هي على ذلك الخطى ، من ذلك إشغال أوقات فراغ الشباب ، وأن التوسع في مناشطها الحقيقية من شأنه توافر فرص عمل أيضا.

وذكر د. منصور المطيري أنه وبعيداً عن التفاصيل حول التحول الحاصل في السياسة الاقتصادية و التنموية في المملكة و اكتفاءاً بالرؤية العامة فالقلق يساوره من تبني نهج الرأسمالية المتوحشة التي أقنعونا بها تحت وطأة الاتجاه العام المسمى بالعولمة وأحد أدواتها الأساسية الخوصصة أو الخصخصة.

إن التحولات التي تكون تحت ضغط لحظة تاريخية معينة، تروج لأنموذج معين لن تلامس المشاكل الحقيقية لأي بلد و لن تحلها بل ستعقد الوضع لأنها ستأتي بمشاكل جديدة.. في موقع هيئة الأمم المتحدة أنموذج مقترح للتنمية تحت مسمى ( التنمية المستدامة ) وهو بالضبط ما تحاول دول عدة  من “الدول النامية” تطبيقه، و من بينها المملكة. هذه النماذج لن تفلح لأنها تفتقد التفاعل الحقيقي مع البيئة و الإنسان في السعودية ، و ما سيحصل هو لوي عنق الإنسان السعودي و بيئته ليتوافق مع هذا الأنموذج ( مثال الحديث عن خصخصة أرامكو ). سبق للعالم الثالث و غيره أن وقع في أسر لحظات آسرة كهذه عادت عليه بالوبال مثل تلك الفترة التي ساد فيها الترويج للاشتراكية و ما تبعه من تبني عدة دول لتلك الفلسفة والانحباس في قفص تلك اللحظة ، و عدم الانتباه إلى البعد الترويجي لفلسفةٍ ما في لحظةٍ ما.

في كل ما يجري لا ننطلق من واقعنا الذاتي و أفكارنا الخاصة وفرصنا المتاحة و قدراتنا و طاقاتنا الذاتية، بل نأتي إلى الفكرة أولاً التي تكون غريبة المنشأ عن واقعنا و مستوردة ، ثم نلقي بها على واقعنا الذي يجب أن يتكيف معها، و إذا لم يمكن أن يتكيف فيجري قصقصته وتشكيله حتى يتناسب مع هذه الفكرة ، و لكن النتيجة تكون مدمرة ، لأن الواقع و المشكلات الحقيقية لم يتم النظر إليها قبل كل شيء ، و إنما يكون التركيز على هذا الأنموذج النظري الغريب كيف يطبق. وللتمثيل: فإن فترة الطفرة الأولى، التي أسست لكل الإنجازات التي نعيشها هي التي خلفت كل التشوهات التي نعيشها؛ و على رأسها ولادة مجتمع طبقي ناتج عن استغلال الوظيفة و النفوذ في تعظيم الثروة الشخصية. هذه الطبقة المتنفذة تحولت فأصبحت تخلق مشاكل للمجتمع ، و إذا صار حل هذه المشاكل ضرورة تبرع نفس موجديها بالحلول، وحصروا الحل في أنفسهم ، مشكلة الإسكان مثال صارخ على دعوانا هذه ( لا يوجد اهتمام بهذه المشكلة ).

ثم هناك التفاوت في التنمية بين المدن والريف ، وما يتبعه من تضخم المدن على حساب الريف وهجر أهله له. و لم نلحظ تحسناً في هذا الجانب إلا في أواخر عهد الملك عبدالله رحمه الله ، و يبدو الآن أن الحال سيعود إلى وضع الريف في خانة الإهمال ، لأن النموذج المتبع الذي يُعلن عنه الآن يستبعد الرفاه و الدعم و يركز على الخصخصة و الضريبة. ثم يأتي خلق نمط من الشخصية المفرطة في الاستهلاك التي تنمية مشاعر المباهاة و المظهرية الجوفاء نتيجةً لصعود قيمة الشكل مقابل قيمة الجوهر، وهذا أحد تجليات الإغراء و الإعلان دون وجود أساليب مماثلة تنشر ثقافة مقابِلة تبين قيمة الأشياء و الحفاظ عليها .. هذه النقطة بالذات و هي نقطة معنوية ( أي نفسية خُلقية ) بعيدة الغور و الآثار في كل ما نفعل و نذر ، حيث أدت إلى مشكلة في كل جهة ، حيث غيبت تلقائياً قيمة الإنجاز الحقيقي و شجعت على الفهلوة والعلاقات الشخصية والاحتيال ، كما أدت إلى صعود من لا يستحق الصعود في سلم المسؤولية ، فاستشرى الضعف في كل الخدمات ، و أسوأ شيء أن يتسرب الضعف إلى التعليم و الصحة. كيف يمكن أن نتفوق في عالم المنافسة الاقتصادية و التعليم يتدهور يوماً بعد يوم و يخرج شخصيات ضحلة و فقيرة في تفكيرها و ثقافتها فضلاً عن خيالها و إبداعها؟ المشكلة ليست أرقام الميزانية .. المشكلة تنحصر في أمور كبرى نتحاشى الحديث عنها؛ تنحصر في أمرين : غياب تام لمبدأي الكفاءة و العدالة بمفهومهما الواسع. لن نحقق شيئاً يذكر إلا إذا اهتممنا بالعدالة التي هي جزء أساسي في إعادة توزيع  الموارد و الثروة بمفهومها الواسع ( مثال على خرق هذا المبدأ : هناك شركة مساهمة كبرى طرحت أسهمها قبل سنوات للاكتتاب العام و مُنحت أرضاً كبيرة في مكان ما .. قام متنفذون بتملك هذه الأرض ثم باعوها على الشركة وأخذوا قيمتها من رأس مال الشركة المجموع عن طريق المساهمة فلم تقم لها قائمة حتى الآن ). كما لن نحقق شيئاً يذكر أيضا إذا لم نهتم بمبدأ الكفاءة.. الكفاءة في استغلال الموارد و توزيعها.. و الكفاءة في تنمية القدرات و الكفاءات البشرية. وكل هذا لن يتم إلا بعمل دؤوب على ترسيخ القيم السليمة الصحيحة و إيجاد الإنسان المتفاني الصادق المتعفف عن الحرام الذي يمتلك مهارات العمل، ثم إيجاد القضاء المستقل الذي يفصل بين الناس بالعدل؛ فالقيم و القضاء وثيقة الصلة بالاقتصاد.

وعلقت د. منيرة الغدير على الطروحات السابقة بأن ملاحظة د. منصور المطيري عن الطبقية التي ظهرت منذ الطفرة الأولى وما جلبته من تفاوت وتغيرات ثقافية وأخلاقية مهمة للنقاش، بل قد تنشأ مجتمعات خفية في أعلى الهرم وفي أسفله مما سيرسخ لطبقية بسمات أخرى في دورة اقتصادية جديدة. ومن ثم فهي تتفق مع القول بوجود انقسام ما بين المركز والهامش وإغفال لما هو خارج مدن الكوزموبوليتيان، نعود لجدلية المركز والهامش؛ فهل سنرى نقاشاً واضحاً يفهمه المواطن البسيط ويتطرق للمناطق والقرى الريفية ومشاريع التنمية فيها والمخصصة لها؟

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: إنني قلق جدا على مستوى المعيشة الكريمة لكثير من المواطنين ؛ فنحن نتحول من الدولة الأبوية والرعوية لدولة الخدمات المدفوعة .. وهنا الناس سيدفعون بطريق مباشر وغير مباشر الكثير من الضرائب التي سترهق دخلهم ؛ وستنشأ الكثير من المشكلات الاجتماعية التي ستجد الدولة أنها غير قادرة على مواجهتها.

الاستقرار الاقتصادي ومدى قدرة الفرد على تلبية احتياجات أسرته هو مما يحقق الاستقرار المجتمعي وفي المقابل حين يتم المضي بهذه الهرولة لتلك الضرائب سيكون هناك هزات اقتصادية على للمستوى الفردي. وحتى حساب المواطن لن يكون قادرا على مواجهة مستوى التضخم والغلاء الذي سيشمل كثيرا من الجوانب الاستهلاكية التي يحتاجها المواطن. والسؤال كيف ستمضي الدولة في برنامجها دون برنامج محدد ودقيق يسهم في الحد من الفساد الذي يتنامى في المجتمع؟ فكرة الضرائب ترتبط بكل دول العالم بمزيد من الشفافية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني وبمزيد من الحقوق السياسية .. ولذا في غالب الدول يتحدثون عن دافع الضرائب وعلاقته بصناعة القرار.

ومن ناحية أخرى، فإن ما أشار إليه د. منصور من أبعاد ينبغي أن يكون هما مجتمعيا يتبناه النخب وينافحون كثيرا في سبيل عدم تغول البعد الضرائبي الذي في الدولة. تحدي البطالة يتنامى في المجتمع ويزداد الخوف من تبعاته أمنيا واجتماعيا ، والبعد الضرائبي يقود أو هو نتاج الخصخصة لخدمات ينبغي أن تبقى مما يقدم للناس بوصف ذلك جزءا من وظيفة الدولة وحتى لا يتغول التجار والأثرياء المجتمع حيث يأكلون الأخضر واليابس وبخاصة دائرة المقدرة الشرائية والكفاية المعيشية. والقلق أن تكون هذه البيئة زارعة ومغذية للاحتقان؛ الدولة تفكر كيف تأخذ الضريبة من التاجر والتاجر سيحول ما أخذته من الدولة ليأخذه من عامة الناس وسيعوض التجار ما أخذته الدولة منهم ويبقى المواطن في نهاية المطاف هو الذي سيدفع ما وضع على التاجر في الأساس.

هذه الطروحات ونحن نعيش وضعا ماليا كبيرا يتعلق بوجود أسعار للنفط وحجم إنتاج يكفي إلى أن يحقق للجميع الكثير من الرفاه، والتفكير ببدائل للنفط ينبغي أن يقوم على جلب استثمارات تخلق وظائف وتحقق مزيدا من الإنتاج. من الممكن أن تأخذ المزيد من الضرائب لمن يفترض أن تكون قد قدمت رواتب عالية جدا؛ فالنرويج دولة نفطية وسياستها في الضرائب كبيرة لكنها تقدم للمواطن خدمات كبيرة فضلا عن رواتب تحقق لأدنى الناس معيشة كريمة. الصورة ليست وردية كما يصورها المتفائلون بإسراف. والنقد المبني على معلومات صحيحة والذي يقود لمستقبل أفضل خير من التطبيل مع عدم إدراك كل معطيات الواقع؛ المهم أن لا يكون النقد مشخصنا ولا يمتلئ بالمواقف التي تتغير بمجرد أن يتم الاحتفاء بصاحبها.

وأكدت أ. ولاء نحاس على أهمية أن تكون هناك خطة واضحة لرفع الأجور وتوفير بيئة عمل مناسبة . وستظل بعض الوظائف غير قابله للسعودة لكنها في ظل القرارات ستكون أكثر تكلفه من راتب الوافد الأساسي أو مهامه؛ فالخشية أننا نرهق صاحب المشروع الصغير بمتطلبات تجعله يهرب لبيئة أفضل خارج الوطن. وأوضحت أنها ليست ضد السعودة بل إن من الضروري إعطاء فرصه لشبابنا للعمل، لكنها ضد إصدار قرار دون أن يرافقه قرارات أخرى تقدم حلول.

ومن جهته يرى د. خالد الرديعان أنه وفي الحديث عن الموازنة يبدو من الواضح أن الطرح برمته هو عن توقعات لما سيتم الحصول عليه من مال وطريقة إنفاقه وسبل مواجهة نقصه والاحتراز في ذلك وكيفية تدبير مداخيل أخرى من مصادر متنوعة غير بيع النفط. و هذه أمور يفهمها عامة الناس دون أن يذّكرهم الاقتصاديون بها فنحن ومنذ خطة التنمية الثانية (١٩٨٠) أو الثالثة ونحن نتحدث عن ضرورة خلق بدائل للنفط دون أن نقوم بما يلزم. السؤال الكبير هو كيف ومن أين يتم تدبير مداخيل جديدة طالما البلد لا يتوفر على قاعدة صناعية متقدمة يمكن تصدير منتجاتها لدول أخرى؟ أيضا لسنا بلدا زراعيا ينتج محاصيل كافية للتصدير بسبب النقص الحاد في المياه. حتى السمك لا نصدره بل إننا نستورد معظمه رغم وقوعنا في بقعة محاطة ببحرين كبيرين من الشرق والغرب بطول سواحل تبلغ نحوا من ٢٠٠٠ كيلو مترا وربما أكثر. كما أن الموازنة وكل ما يجري من خطوات للتحول تريدنا أن نتوجه نحو الخصخصة والقفز دفعة واحدة إلى الرأسمالية في كل شيء ونحن الذين نشأنا على قيم وأعراف اجتماعية ترى أن في الرأسمالية مثالب كثيرة وأنها مما لا يتواءم  بدرجة كافية مع متواضعاتنا وممارساتنا الاجتماعية التي درجنا عليها. نحن لا نزال – مهما قيل غير ذلك – مجتمعا تقليديا بسيطا لا يؤمن جل أفراده بفكرة تراكم رأس المال ومن ثم شيوع سلوكيات إنفاق أقرب ما تكون لسلوك الجماعات التي تعيش في ظل اقتصاد جمعي مشاع. الرأسمالية وبكل بساطة تستوجب شيوع النزعة الفردية، والمبادأة، وسلوكيات وأخلاقيات تعزز فكرة تراكم المال، ونقابات عمال قوية، ونظام اجتماعي وإداري غير متغول في بيروقراطيته وهيمنته على جميع مفاصل الاقتصاد، فهل نتوفر على كل هذه السمات؟

وأضاف د. الرديعان: أنا اشك كثيرا بمستقبل “الرسملة” في بلدنا؛ فهي ليست وليدة ظروف تاريخية متدرجة كما كان الحال عليه في نشأة الرأسمالية في أوروبا والتي سبقها نظام إقطاعي. وحتى النظام الإقطاعي فإنه كان رأسماليا بسبب تركز الثروة والأرض في أيدي طبقة البورجوازية. مع ذلك فقد كان الإقطاع مرحلة أساسية هيأت لنشأة وبروز الرأسمالية الحديثة دون عقبات كبيرة بسبب طبيعة المجتمعات الأوروبية وثقافاتها التي لا تتصادم مع النهج الرأسمالي على المستوى الأيديولوجي والعقدي. ولا داعي للتذكير بما كتبه ماكس فيبر في هذا الباب. المطلوب منا في السنوات القادمة حرق جميع المراحل والقفز دفعة واحدة من النظام الريعي البسيط إلى النظام الرأسمالي الإنتاجي بكل تجلياته (دعه يعمل دعه يمر) النظام الذي لم نضع له أسس كافية في سنوات الرخاء والممتدة من ١٩٧٠ وحتى اليوم.

نحن وبهذه الموازنة وموازنات السنوات القادمة سنقفز قفزة واسعة لكن من سيضمن إننا لن نسقط ؟ هل خلقنا وعي كافي بضرورة التحول والقفز السريع بحيث تقل إمكانات الإخفاق؟ نحن بذلك ننتقل من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق دون مقدمات مدروسة ودون اكتمال شروط الانتقال. حتما سنواجه بعض التوترات الاجتماعية بسبب التضخم والخصخصة وارتفاع نسب البطالة والفرز الطبقي الذي تتضح معالمه يوما بعد آخر في انكماش الطبقة الوسطى واتساع طبقة القاع وهذا على المستوى المحلي. أما على المستوى العربي والإقليمي فلن نكون قادرين على دعم بعض دول المنطقة ممن اعتدنا دعمهم وبسخاء وهذا سيوجد بعض الصعوبات فيما يتعلق بسياستنا الخارجية وسيزداد عدد المناوئين لنا على الصعيد العربي وتحديدا في دول اعتادت سخاء الدعم السعودي.

وفي تصور د. طلحة فدعق فإن ما هو مقلق ليس الميزانية بحد ذاتها لكنه الحراك الذي أحدثته والذي مازال في بداياته . موضوع الطبقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج ودورها كما نظر فيها كارل ماركس سابقا ! هل سيتكرر المشهد بصبغة حداثية جديدة ؟  الوعي الاجتماعي بالواقع وأدواته هل سيثير نوع من السخط لابد من احتوائه أو علي الأقل التخفيف من حدته ؟ الوعي هام لكن كيف يمكن إنتاجه هنا وتوجيهه بما يخدم الإصلاح الاجتماعي؟ الشباب هم الطبقة الديموغرافية المهيمنة حاليا ومستقبلا، فهل مكناهم من أدوات صناعة المستقبل بطريقه أكثر بساطة من كل تلك التعقيدات المهيمنة علي المشهد الحالي؟ قضية التشريعات والسياسات الاجتماعية وتأصيلها كإطار موجه، هل أجدنا صناعتها؟

وفي الختام أوضح. خالد العثمان أن من الواضح أن أحد أهم مخرجات النقاش في هذه القضية هو غياب التواصل الكافي بين الحكومة والمواطن؛ فلا الحكومة أوصلت رؤيتها وشرحت فكرها وخططها للجمهور، ولا الناس وجدوا قنوات تنقل رأيهم وتطلعاتهم وملاحظاتهم إلى الحكومة، وبين هذا وذاك هناك سلبيون وإيجابيون ومتفائلون ومتشائمون ومصدقون ومشككون، لكن ما يجمعهم في قناعتي هو وحدة الهدف في رفعة الوطن بالرغم من اختلاف الأساليب والسبل والمقاربات. كما أن مسألة تطوير وسائل تحديد الدخل ستكون عملية متدرجة تتطور وتزيد دقتها بالممارسة العملية ويتكاثر كم المعلومات التي تسجل وتدرج في النظام؛ لكن هناك محاذير من قدرة بعض الفئات على استخدام التقنية خاصة في المدن الأقل تطورا، هل يمكن البناء على تجربة استخدام التقنية والتسجيل وتحديث البيانات في حافز كنموذج لتوظيف التقنية في هذا المجال؟

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

)                   حسب الحروف الأبجدية (

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • م. أسامة كردي
  • أ. أمجد المنيف
  • د. جاسر الحربش
  • د. حامد الشراري
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • أ. خالد الحارثي
  • د. خالد الرديعان (رئيس لجنة التقارير)
  • م. خالد العثمان (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • أ. خالد الوابل
  • د. خالد بن دهيش
  • د. حميد المزروع
  • د. زياد الدريس
  • أ.د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سعيد الزهراني
  • أ. سمير خميس
  • د. طلحة فدعق
  • د. عائشة حجازي
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالرحمن الهدلق
  • د. عبدالسلام الوايل
  • د. عبدالله العساف
  • أ. عبدالله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • اللواء د. علي الحارثي
  • د. علي الحكمي
  • أ. علياء البازعي
  • أ. فاطمة الشريف
  • د. فايز الشهري
  • د. فهد الحارثي
  • أ.د. فوزية البكر
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • د. منيرة الغدير
  • أ. مها عقيل
  • د. منصور المطيري
  • د. ناصر القعود
  • أ. ندى القنيبط
  • د.م. نصر الصحاف
  • د. نوف الغامدي
  • أ. هادي العلياني
  • أ. ولاء نحاس
  • د. ياسر البلوي
  • أ. يوسف الكويليت

(*) المصدر: مجلس الجمعيات التعاونية، الرابط: http://www.cscs.org.sa/AboutCouncil

(*). نص التصريح منشور في الرابط التالي: http://www.alhayat.com/m/story/12310873

قراءة 164 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:50

أضف تعليق


كود امني
تحديث