الأخبار
الخميس, 30 آذار/مارس 2017 10:40

التقرير الشهري الثالث والعشرون

قيم الموضوع
(0 أصوات)

 فبراير 2017م

ناقش أعضاء ملتقى أسبار خلال شهر فبراير 2017م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • تحديات أمام لغتنا العربية في يومها العالمي.
  • أولويات تطوير النظام الضريبي في المملكة.
  • مصادر تهديد أمن الخليج في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية الراهنة.
  • الجامعات السعودية بين المطرقة والسندان.

محتويات التقرير

المحور الأول: تحديات أمام لغتنا العربية في يومها العالمي

  • الورقة الرئيسة: د. زياد الدريس
  • التعقيب الأول: د. مساعد المحيا
  • التعقيب الثاني: د. منصور المطيري
  • المداخلات حول القضية:
  • اللغة العربية: توصيف لبعض جوانب الأزمة والتحديات
  • اللغات تموت بالسكتة الحضارية
  • ثنائية اللغة العربية بين العامية والفصحى في يومها العالمي
  • نحن .. لسنا الأفضل بالضرورة ولغتنا العربية ليست أفضل اللغات
  • البعد الاستراتيجي لأزمة اللغة العربية
  • في يوم اللغة العربية، ما هو التغريب؟
  • وسائل تعزيز اللغة العربية وتجاوز أزمتها
  • مشروع نهضوي للغة العربية: سلسلة العرب ينطقون ويكتبون العربية

المحور الثاني: أولويات تطوير النظام الضريبي في المملكة

  • الورقة الرئيسة: أ. محمد بن فهد العمران
  • التعقيب الأول: أ. جمال ملائكة
  • التعقيب الثاني: م. أسامة كردي
  • المداخلات حول القضية:
  • النظام الضريبي البريطاني و التعديلات الأخيرة عليه “كنموذج”
  • البيئة الراهنة للنظام الضريبي الحالي في المملكة
  • الزكاة والضرائب: أوجه الشبه والاختلاف
  • الضرائب من زاوية سياسية واجتماعية
  • توصيات ختامية لتطوير النظام الضريبي في المملكة

المحور الثالث: مصادر تهديد أمن الخليج في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية الراهنة

  • الورقة الرئيسة: د. خالد الدخيل
  • التعقيب الأول: د. عبدالله العساف
  • التعقيب الثاني: د. فهد الحارثي
  • المداخلات حول القضية:
  • مفهوم الأمن الوطني وأبعاده.
  • مهددات أمن الخليج والسعودية على وجه الخصوص.
  • رؤية استشرافية: نحو مواجهة التحديات أمام مستقبل دول الخليج.

المحور الرابع: الجامعات السعودية بين المطرقة والسندان

  • الورقة الرئيسة: د. طلحة فدعق
  • التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف
  • التعقيب الثاني: أ. خالد الحارثي
  • المداخلات حول القضية:
  • الجامعات السعودية والإشكالات الراهنة
  • مقترحات تطوير الجامعات من أجل نقلة نوعية

 

المحور الأول

تحديات أمام لغتنا العربية في يومها العالمي

الورقة الرئيسة: د. زياد الدريس

‎احتفل العالم، بقيادة منظمة اليونسكو، خلال الأسبوع الماضي بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي يتزامن مع يوم ١٨ ديسمبر من كل عام.

‎هذه الاحتفالية في دورتها السنوية الخامسة حتى الآن، ما زالت تثير أسئلة مكرورة بشأن تحديات عديدة تواجه هذه اللغة، سأتناول هنا ثلاثة من هذه التحديات:

أولاً:

‎غياب أو ضمور الاعتزاز باللغة العربية عند أهلها، وانجذابهم لاستخدام غيرها حتى عند عدم الحاجة لذلك، كما يحدث في كثير من المؤتمرات أو الاجتماعات الدولية خصوصاً، رغم توفير الترجمة الفورية.

‎لماذا لا يشعر الإنسان العربي بالفخر في استخدام لغته العربية كما يفعل الفرنسي والإسباني والصيني مثلاً؟!هل للهزيمة السياسية والتنموية دورٌ في ذلك؟ وهل هو السبب الوحيد، أم أن الأسباب الاقتصادية/ العولمية أكثر تأثيراً في ذلك؟!

‎استخدام اللغة والتحدث بها هو أكبر دليل على الاعتزاز بها، ما سوى ذلك من أعمال وأقوال وجهود وبحوث، هي كلها خدمات مكمّلة للفعل الأساسي الذي هو أن « نتكلم».

‎المديح والإطراء الخطابي للغتنا العربية، لا يجدي كثيراً لا في اكتساب المزيد من الناطقين بغيرها ولا في استرجاع المارقين منها. وقد تكون آثاره عكسية خصوصا عندما يتم بناء زخارف المديح للغتنا على ركام النيل من اللغات الأخرى واستصغارها.

‎المدخل الحقيقي والفعال لرفع مكانة اللغة العربية هو ليس في كثرة مديحها… بل في كثرة استخدامها.

اللغة والهوية توأم، واللغات هي مسار أساسي وفذ لتفكيك الهويات المتوترة، التي وصفها أمين معلوف بالهويات القاتلة. لا شك أن كثيراً من الفروقات بين الهويات البناءة والهويات الهدامة يكمن في اللغة… اللغة المفخخة!

ثانياً:

العجز والضمور الذي تواجهه اللغة العربية أمام تقنيات المستقبل ومستجداته.

‎فاللغة قد تموت… عندما يصيبها الهزال والضعف، إما بسبب عدم تغذيتها أو بسبب تركها مقعدة وخاملة في مكان مغلق، لا تخرج إلى الهواء الطلق وتخالط الناس وتتفاعل مع جوانب الحياة، فتموت مهملة كما تموت العجائز في دور المسنين!

‎إذا اتفقنا على هذا التصور بالكينونة الحيوية للغة، فيمكننا القول بأن اللغات تنقرض أيضا مثلما تنقرض الحيوانات.

‎لماذا تنقرض الحيوانات؟ إما لعجز وضعف فيها عن مواصلة الحياة بكفاءة، أو لعكس ذلك تماماً وهو تعاظم سيطرتها ونفوذها على الأرض بما يهدد استمرار أو نشوء كائنات أخرى أصغر وأضعف.

‎هل تنقرض اللغات أيضا لنفس العلة، أو العلتين بالأصح؟!

‎العلة الأولى مؤكدة، فاللغة عندما تعجز أو تضعف، لعجز أهلها أو فنائهم، فإنها تفنى بالمثل. أما العلة الأخرى فهي مدار تأمل ونظر !

‎دعونا نتساءل: هل مازالت البشرية تلد لغات جديدة؟ وهل يمكن ولادة لغات جديدة من دون السماح بانقراض لغات قديمة؟!

‎لو لم تنقرض اللغة اللاتينية التي كانت مهيمنة على كثير من أراضي أوروبا، هل كانت ستولد وتترعرع اللغات الفرنسية والإسبانية والإيطالية المتداولة الآن؟

‎هل تعاظمت وهيمنت اللاتينية مثلما هيمن الديناصور، ثم انقرضت مثلما انقرض الديناصور؟ ‎وهل ستصبح اللغة الإنكليزية من خلال هيمنتها على العالم الآن هي الديناصور القادم … بتعاظمه ثم انقراضه؟!

‎لكن اللغة العربية كانت قد «تدنصرت» في قرون مضت على رقعة واسعة وممتدة من العالم، حتى ما قبل سقوط الأندلس، فلماذا لم تنقرض العربية مثلما انقرضت اللاتينية والهيروغليفية والسومرية وغيرها؟!

وهذا يقودنا تلقائياً إلى التحدي الأخير هنا حول قداسة اللغة العربية!

ثالثاً:

‎من منطلق ديني نؤمن بأن اللغة العربية لا يمكن أن تنقرض مهما أهملها أهلها كما انقرضت لغات عديدة ، سبق ذكر بعضها.

‎لن تنقرض اللغة العربية لأن الله عز وجل قد ضمن حفظها بحفظ القرآن الكريم. لكن هذا الوعد الرباني هل يعني ضرورة ربط اللغة العربية بالدِّين الإسلامي، أو جعلها لغة مقدسة غير قابلة للنقد أو للتغيير!

ينبغي أن نتجرد ونكون أكثر إنصافاً فنقول: مثلما أن الإسلام ليس للعرب فقط، فإن اللغة العربية ليست للمسلمين فقط.

أقول هذا وفي ذهني قائمة أسماء من الذين خدموا العربية من غير المسلمين كالبعلبكي واليازجي وحلاق والبستاني والكرملي، وباحثون كثر أيضا من غير العرب، بعضهم خدم اللغة العربية بما لم يفعله عشرة مجتمعون من علماء اللغة من المسلمين.

وختاماً، فإني أرى ضرورة الامتنان والعرفان لكل من أسهم في الاهتمام باللغة العربية، سواءً كان ذلك منطلقاً من دوافع دينية أو قومية أو ذوقية لجماليات اللغة العربية.

التعقيب الأول: د. مساعد المحيا

تحدث د. زياد في ورقته عن التحديات التي تواجه اللغة في يومها العالمي، والجوانب التي أشار إليها جديرة بالاهتمام، وقد استهل ورقته بالإشارة لمظهر مقلق من مظاهر عدم تقدير اللغة حيث أشار إلى ‎(غياب أو ضمور الاعتزاز باللغة العربية عند أهلها، وانجذابهم لاستخدام غيرها حتى عند عدم الحاجة لذلك، كما يحدث في كثير من المؤتمرات أو الاجتماعات الدولية) وأضيف إلى ذلك حين الحديث مع الآخرين أو الكتابة عبر الحسابات الشخصية.

هذا الأمر أحسب أن سببه بلا شك عدم الاعتزاز بالعربية والشعور بأن غيرها أفضل ولذا فإن هناك حاجة إلى وجود نظام يلزم المتحدثين والمؤتمرات بأن تكون اللغة العربية هي لغة المؤتمر ؛ إذ أن على الجهات المنظمة أن تلزم المتحدثين العرب بأن تكون لغتهم التي يستخدمونها هي العربية.

هذا النظام ينبغي أن يشتمل على تفعيل لما سبق وأن صدر من تعليمات بشأن ضرورة العناية باللغة العربية .. وعلى إلزام كل المؤسسات والشركات بأن تكون اللغة العربية هي اللغة التي تستخدمها في اسمها ولوحاتها وإعلاناتها؛ فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم وهي اللغة الرسمية للدولة.

د. زياد أشار إلى أن “استخدام اللغة والتحدث بها هو أكبر دليل على الاعتزاز بها،” وأكد على ذلك بقوله “المدخل الحقيقي والفعال لرفع مكانة اللغة العربية هو ليس في كثرة مديحها… بل في كثرة استخدامها”.

هذا المعنى أضفي له أن لا يكون اهتمامنا باللغة اهتماما احتفائيا شكليا يرتبط بيوم عالمي نقيم فيه بعض الفعاليات ثم نغيب عنها وتغيب عن مجالسنا واهتمامنا بل نعمل بخلاف ذلك.

لفت نظري خطاب تشكيل لجنة للعناية باللغة العربية من قبل وزارة التعليم كتبوا اسم اثنين من أعضائها باللغة الإنجليزية.

نحن نحتاج أن نكون قدوة لأبنائنا في استخدام اللغة في العملية التعليمية وأن لا تطغى علينا اللهجات المحلية فالاهتمام بالعربية يعني أن نمنحها الكثير من الاستخدام.

إن أحد التحديات التي أشار إليها د. زياد هو روح الانهزامية لدى عدد من النخب وبالتالي لدى كثير من الشباب والفتيات. نحن لم نقنع أنفسنا بجمال اللغة وعظمة ما تحمله من إبداع ولو عملنا على ذلك لنجحنا في تسويق ذلك وفي خلق حب أبنائنا للغة.

في كتاب الله إبداع وجمال وحسن بيان وفي كلام المصطفي ﷺ جوامع الكلم، وفي تراثنا و أدبنا العربي الكثير من جمال اللغة في الشعر والخطب، حتى كتبت قصائد من أجمل الشعر، وقيلت حكم وخطب فيها تفرد وقدرات لغوية فريدة. هناك خطب كتبت بدون حرف الألف وأخرى بدون الراء وأخرى بدون نقط. هناك أبيات في قصيدة تقرأها من أي اتجاه فتشكل المعنى نفسه وأخرى تعطي معنى آخر… كلمات كثيرة تحمل معاني جميلة وهي لوحة معبرة من صور الواقع.

أحد التحديات المهمة للغة العربية أنها ينبغي أن تبقى جزءا من هوية ثقافية وطنية وإقليمية وإسلامية؛ فهي لغة القرآن ولغة حديث النبي المصطفى ﷺ ولذا فهي  تحمل إرثا دينيا وفكريا وثقافيا أسهم في بناء حضارة إسلامية عظيمة قامت على المعرفة .. هذا التحدي يتطلب إيمانا عميقا بذلك.

ومما لفت نظري أن هناك من يصنفنا وربما يقف منا موقفا بسبب اللغة… ففي الفترة القريبة الماضية‏ تم انزال آدم صالح وهو أمريكي من أصل عربي من طائرة خطوط ديلتا الأمريكية بسبب تحدثه اللغة العربية مع والدته عبر الهاتف ….!!

من التحديات استخدام غير العربية في التعبير .. وأنا هنا لا أتحدث عن النقل أو الاستشهاد للتوثيق وإنما عن معنى يمكن نقله بالعربية أو ترجمته.. وهو ما يستمرئه البعض في حالات كثيرة .. ومالم يحب المرء لغته كحبه لنفسه فلن يجد متعته في التعبير فيها كما يجده المحب لها.

أحد التحديات ضعف طلابنا في اللغة إلى الحد الذي يمكن معه القول بأن غالبية الطلاب لا يحسنون الكتابة الصحيحة بل إن عددا من البرامج والتقارير الإذاعية والتلفزيونية يرد فيها أخطاء فادحة مما يعزز أهمية حاجة طلابنا وكل العاملين في تقديم مواد للجمهور ونحوهم لدورات تدريبية في اللغة العربية وبخاصة فيما يطور مهاراتهم اللغوية. بل نحن نحتاج لعودة مادة الإملاء لتكون مادة مستقلة لكل المراحل التعليمية فهي الجسر الذي يصلنا باللغة السليمة.

صحيح أن هناك توظيف جيد للغة في منهج لغتي والكفايات في الثانوي الذي يشتمل على كل المواد العربية النحو والنصوص والإملاء ويبدي بعض المعلمين سرورهم من ذلك .. لكن يبدو أن المخرجات تزداد ضعفا.. طبعا أحد مشكلاتنا في التعليم هي أساليب التقويم التي شجعت على الإهمال ولم تحفز على الحصول على تميز أو نجاح؛ ولذا فإن إتقان اللغة قد يحتاج إلى الإملاء مع تطبيق جيد للنحو الوظيفي.

ومن التحديات عملية التعليم نفسها إذ يبدو أننا لازلنا نبحث عن أي الأساليب أفضل في عملية التعليم. ولكي يكون ما أورده هنا له رصيد من الواقع بعثت برسالة لمعلمين متخصصين في اللغة وسألتهما عن المنهج الحالي وهل يحقق ما نصبو إليه ولماذا..فكانت إجاباتهما بأنه بالنسبة لمنهج لغتي والكفايات فإنهما يضمان ( القواعد والإملاء والقراءة والمحفوظات والبلاغة والخط ) في كتاب واحد، لذا يرون وهذا كما يقولون رأي من لهم باع طويل في تدريس اللغة أنه لا يعتمد عليه في التأسيس وأنه ضيع كثيراً من معالم اللغة؛ حيث قامت الوزارة بتقسيم المنهج إلى خمس وحدات وكان الهدف هو دمج هذه الوحدات بعضها مع بعض كما في المناهج الشامية وهي طريقة تقوم على نص أدبي ثم تستخرج منه القاعدة.

وفي الحقيقة أن منهج النحو قوي جدا، ويعتمد على تحصيل الطالب في السنوات السابقة كلها، لكن المنهج في النحو كثير ومتعب وليس فيه تطبيق كما أن في المنهج تناقضات؛ فالوحدة الأولى تعلمهم الكتابة الصحيحة، والنطق الصحيح، وفي الاتصال الكتابي يحضر نصوصا سيئة وفيها أخطاء، بل وفيها “مترجم” والشكوى لله. والنصوص الشعرية تعد على أصابع اليد الواحدة إن كانت كثيرة، وهي في التمارين فقط، يحق للأستاذ حذفها، والبلاغة صفحة واحدة في مقرر “عرب 1” ولا يستطيع الأستاذ شرح هذه الصفحة ولو شرحها في فصل كامل.

يقترح أحدهما أن الفكرة الصائبة دمج الوحدات في كتاب واحد، باستثناء الإملاء والخط ويبدأ الطالب باستخراج القاعدة من النص الأدبي الرائع. وطبعا هذه غير مطبقة إذ منهج النحو لوحده “الوحدة الأولى” يحتاج فصلا كاملا لشرحه وبالتالي فهو حسب اجتهاد المعلم.

وعن رأي أحدهما في المناهج الجديدة والقديمة؟  لو أخذوا المناهج القديمة ودمجوا “النحو والأدب والبلاغة” في مقرر واحد لكانت أفضل، خاصة حين يكون عندنا مادة أخرى اسمها التحرير. ويعترف المعلم بأن من أسباب فشل المنهج الجديد هو المعلم حيث يقول: حقيقة نحن المعلمين فاشلون إضافة إلى أن أحد مشكلاتنا في الابتدائي أن المنهج يدرسه غير المختص.

اختلف مع د. زياد حين قال بأن عددا من غير المسلمين خدموا اللغة اكثر من المسلمين .. فاللغة خدمها أكابر علمائها عبر العصور المختلفة، ولا يمكن أن يكون ما قدمه غير المسلمين أفضل مما قدمه علماء المسلمين عبر التاريخ.

ختاما أجدني مع د. زياد حين قال: العربية عندنا ليست خياراً كما هي عند دول أخرى؛ بل هي التزام وطني وقومي وديني.

التعقيب الثاني: د. منصور المطيري

الشكر الجزيل الوافي و المستحق للدكتور. زياد الدريس على طرحه هذه القضية المهمة و الكبيرة .. أوافقه في كل ما طرح و أساهم معه مساهمة قليل الزاد و مزجى البضاعة،  متجاوزاً التأكيد المعروف و الواضح على ارتباط العربية بالإسلام ارتباطاً لا تنفك عراه ، و لا يمكن كسره و فصله .. انهيار العربية انهيار للإسلام ، و انهيار الإسلام انهيار للعربية، و ما القومية إلا أيديولوجيا يمكن أن تذوب تحت أي ظرف .. مفاهيم الإسلام حملتها قوالب لغوية عربية فارتبط بذلك الحامل و المحمول ..من حقل اللغة العربية اختار الله على علم مصطلحات الرسالة.. الصيام الذي يعني الإمساك في لغة العرب أصبح الفريضة المعروفة لدينا جميعاً، و قل مثل ذلك عن الصلاة و الحج و الجهاد و الإيمان و الإسلام و النفاق و الكفر و غير ذلك .. انتقلت كلها من الحقل اللغوي إلى حقل المصطلح الشرعي.

مقدمة:

تتجاوز اللغة أن تكون وسيلة اتصال فقط إلى كونها جزءاً أصيلاً من الهوية . فإذا كانت أي هوية تتكون من جوهر وهامش ؛ الجوهر الذي لا يجوز تغييره كالعقائد و القوانين و اللغة ؛ و الهامش الذي يجوز تغييره كالفلكلور واللباس وما شابهه. فإن اللغة تحتل مع التصورات و العقائد جوهر الهوية ، وهذا يعني أن التغير و التبدل فيها يحيل الأمة إلى أمة أخرى ذات هوية مختلفة .. لم يعد الإنجليز لاتينيين، و الفرنسيون لم يعودوا كذلك و قل نفس الشيء عن بقية الشعوب الأوربية التي استبدلت لغتها القومية الحديثة بلغتها اللاتينية القديمة فأصبحت تنسب إليها ..

و لأن اللغة العربية جزء جوهري في هوية العربي فإن كل الدساتير العربية تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية.

وبالنسبة للمسلم أينما وجد؛ عربياً كان أم أعجمياً تظل اللغة العربية جزء من هويته الذاتية الشخصية لأمور لعل أقلها أنه لا يستطيع إقامة شعائره الدينية الإسلامية إلا بها .

من المسؤول:

يجب أن أشير إلى أمر مهمٍ وهو أن اللغة العربية بحد ذاتها ليست مسؤولة عن الأزمة التي تعيشها، فهي لغة مرنة و واسعة و منضبطة ؛ اختارها الله على علم لتحمل رسالته إلى الناس و تستوعبها؛ ( لكنْ اللهُ يشهد بما أَنْزَلَ إليك ، أنزله بعلمه ، و الملائكة يشهدون ..) و (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم).. ( قرآناً عربياً غير ذي عوج ..) ..

وهذه الدعوى لا تنفي الأزمة التي تواجهها اللغة العربية حاليا ، و بما أننا نؤمن أنها في ذاتها ليست مسؤولة عن الأزمة فإن المسؤولية تلقى حينئذ بلا شك على المتحدثين بها ..

مشكلة اللغة العربية في حملتها و أهلها والمتحدثين بها المعاصرين. و تقع المسؤولية حصراً على صانعي السياسة الذين يتجاهلون و يجهلون أهمية وضع سياسات لغوية تنمي و تحمي اللغة الرسمية.. ومن أكبر الأدلة على ذلك أن من اقترح يوماً نهتم به باللغة العربية هو منظمة دولية ( اليونسكو ) ولم تظهر الدعوة في أي من البلاد العربية..

الإنسان العربي المعاصر ( السياسي و المثقف ) إنسان مأزوم لأنه مهزوم ، و قد وصلت الهزيمة عند البعض إلى أن تكون هزيمة نفسية ساحقة لا يرى في لغته و لا في تاريخه و لا في دينه و أحياناً و لا في تكوينه العرقي شيئاً يستحق أن يفخر به ؛ ولذلك هو يتخلى عنه ويتمنى طمسه ، وفي أقل الأحوال لا يبالي به .. ظهرت دعوات في بداية القرن الماضي تدعو إلى هجر العربية الفصحى و الكتابة بالعامية تقليداً لما حصل للاتينية ، و طالب البعض بكتابة أحرفها باللاتينية حيث شـُغلت بعض مجامع اللغة العربية بنقاش هذا الموضوع لفترات .. لكنها تلاشت كلها، و إن كان تحويل الأحرف إلى اللاتينية نجح في بعض البلاد الإسلامية..

الأزمة التي تواجهها اللغة العربية جعلت بعض مفكري العرب يربطها بالانتحار اللغوي ويطالب بما هو أهم من الأمن الاقتصادي و الأمن المائي و هو الأمن اللغوي ، فقد كتب الدكتور عبدالسلام المسدي كتابين في هذا المجال ( العرب و الانتحار اللغوي ) و كتاب ( الهوية العربية و الأمن اللغوي ) محاولاً لفت الانتباه إلى عمق الأزمة و فداحة آثارها ..

طبيعة الأزمة:

أزمة اللغة العربية تتلخص في:

  • مزاحمة اللغات الأجنبية لها في الاستعمال اليومي وفي مجال العلم والفكر ( المفاهيم و المصطلحات ) و التعليم و التجارة و الاقتصاد ..
  • وهو الأخطر : زحف اللهجات العامية عليها.. و هو زحف شديد و سريع ..

وهذان الأمران يعنيان: هجر اللغة العربية عند الاستعمال ، وضعف الملكة اللغوية. و إهمال تعليمها بالشكل اللائق بها.. فضلاً عن وقوع أهلها في أسر المفاهيم و المصطلحات و التصورات التي يفرزها الفكر الغربي و الفكر العامي ( فاللغة حامل لفكرة، أو وعاء مملوء بمضمون فكري ). و قد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الضعف الذي تمثل في انتشار الجهل بقواعد التركيب و الإعراب وقواعد الكتابة، فضلاً عن ضعف البيان و البلاغة، وفي أحيان كثيرة ضعف في تسمية الأشياء بأسمائها و هو أبسط أدوار اللغة..

مزاحمة اللغات الأجنبية وثيقة الصلة بالإشكال الحضاري الناتج عن سيادة وهيمنة الأنموذج الحضاري الغربي المتمثل في سيادة إرثه الفلسفي و التقني والعلمي وتفوقه. هذه الهيمنة جعلت الواقع رهين الأفكار التي يطرحها، و اللغة التي يستعملها. فأصبح هناك نوع من التسليم أو الاستسلام لهذا الأنموذج .. وفي ظل الفوضى العارمة في العالم العربي تختفي أهمية اللغة العربية بحسبانها أداة تواصل فقط يمكن الاستعاضة عنها بأية لغة .. ولذلك نرى كيف أننا تحت ضغط هذا التوجه العولمي الذي هو عبارة عن منظومة متكاملة لهوية مختلفة نستهلك لغته كما نستهلك منتجاته الأخرى .. الجامعات الغربية الآن تفتح فروعها في الخليج كله لا لتعلم باللغة العربية و لكن لتعلم باللغة الأجنبية .. كان الجيل الأول من الجامعات الأجنبية ( الجامعة الأمريكية في بيروت و القاهرة و غيرها) يركز على تغيير الفكر دون أن يتجاوز إلى تغيير اللغة العربية .. بينما خطى جيل الجامعات الجديدة خطوة أكبر في تغيير اللغة ، و يعضد كل ذلك طيف واسع من المدارس العالمية (International). عندما أرى انتشار هذه المدارس يأتي في ذهني مباشرةً المشروع الذي أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية عام ٢٠٠٢ وباركه مجلس الشيوخ تحت اسم (مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط) حيث نصت هذه المبادرة في ذلك الوقت على  “إصلاح وضع الطفل العربي” من خلال مشروع تعليمي يُعيد تشكيل تصوره للوجود وللكون و للآخر. و الحقيقة أن الاندفاع  لتعلم اللغات الأجنبية ليس بالضرورة نتيجة فعل و تخطيط أجنبي بل هو في كثير من الأحيان بدافع ذاتي ناتج عن رغبة في تحقيق نجاح شخصي توفره معرفة اللغة الأجنبية لارتباط النجاح في سوق العمل بها.. و لهذا السبب وغيره نضع اللوم في أزمة اللغة العربية على السياسيين الذين بيدهم وضع الخطط العامة..

و أما بالنسبة للهجات العامية فهي في نظري الخطر الماحق. ليست المشكلة في وجود اللهجة العامية جنباً إلى جنب مع اللغة العربية فهذا كان موجوداً منذ فترة مبكرة في تاريخ العربية .. و قد أحصت الدكتورة نفوسة زكريا التي كتبت كتاباً رائعاً حول ( تاريخ الدعوة إلى العامية ) حوالي عشرة مؤلفات عن العامية يعود تاريخ تأليفها إلى القرن الثاني الهجري و ما تلاه ..

و لكن المشكلة الحقيقية هي في أمرين :

  1. انتشار استعمال العامية بشكل كبير في الوطن العربي ربما يؤدي إلى تفجير العربية من الداخل و تشظيها كما حصل للغة اللاتينية.
  2. زحف اللهجات العامية على المجالات الخاصة باللغة العربية الفصحى أي مجالات التعليم و الإعلام والمكاتبات الرسمية و مجال التأليف و الكتابة الأدبية. اللهجات العامية يجب أن تبقى داخل إطار الاستعمال الطبعي اليومي نفرح بها و نحزن بها و نشتم بها و لكن ينبغي أن تكون بعيدة عن التعليم و الإعلام و الكتابة؛ هذه الأمور ينبغي حصرها في لغة العلم والمعرفة أي لغة الثقافة العليا.

أوهام:

  • من الأوهام اعتقاد أن اللغة العربية ليست في خطر لأنها محفوظة بحفظ الله لها .. هذا فهم غريب وعجيب و متخلف لفهم المقصود بحفظ الله للكتاب.. لو كان الحفظ يأتي ذاتياً و آلياً لنزل القرآن في تابوت وبقي فيه كما بقيت التوراة. و لكن الحفظ يكون باعتقاد الحفظ الإلهي مقروناً بفعل الأسباب .. انظر كيف انتفض الصحابة مرتين لما أحسوا بخطر ضياع القرآن أو جزءٍ منه : المرة الأولى حين جمعوه في مصحف واحد بعد أن كان متفرقاً .. و الثانية حين كتبوه بلغة قريش خوفاً من تعصب الناس للغاتهم .. فحفظ باجتهادهم وفعلهم القرآن الكريم .. و بالنسبة للغة العربية بشكل عام كان حفظ المسلمين لها بتقعيد قواعدها و جمع مفرداتها في قواميس هائلة ، و في ضبط رسمها و شكلها بالنقط و الحروف ، وفوق ذلك باستعمالها و نشرها في الآفاق وجعلها لغة العلم و الكتابة.. و بكلمة وجيزة كانت اللغة العربية حية لحياة أهلها. ويرجع إدراك هذا القضية إلى مسألة مهمة و هي أن اللغة في الواقع ظاهرة اجتماعية يطرأ عليها ما يطرأ على الظواهر الاجتماعية من تغير ..
  • لا يعني أبداً الحفاظ على الهوية بشكل عام و اللغة العربية بشكل خاص العزلة و الانكفاء على الذات ، أو الخوف من الاحتكاك الحضاري ، أو بناء سياج حديدي في وجه الاتجاه العالمي المعاصر ، فهذا مضر وغير ممكن و لا واقعي ..و لكن التفاعل الحضاري لا يعني أبداً التخلي عن العربية . و من الأوهام الكبيرة اعتقاد أن التفاعل مع العالم لا يكون إلا باللغة الإنجليزية أو الفرنسية والتخلي عن العربية.. فإجادة اللغات شيء و هجر العربية شيء آخر. الأول ضروري للتثاقف و الثاني هزيمة و في نفس الوقت عائق أمام النهوض الحضاري .. فالحضارة لا تبنى إلا باللغة الأصلية و لا تبنى بلغة أجنبية .. و لا توجد في التاريخ أمة بنت حضارتها بالاعتماد على لغة أخرى.. والواقع لا يسعف أحد في هذا.. اليابان و كوريا و فيتنام و الصين تتطور بلغتها مع عدم انغلاقها عليها، فالمنتج الياباني ينتجه أناس لا يجيدون غير لغتهم الأصلية ، ولكنه يسوق باللغة الأجنبية .
  • يقول بعض المتخصصين في علم اللغة التطبيقي أن دماغ الطفل لا يمكن أن يتبرمج على لغتين أصليتين في نفس الوقت . بل لا يمكن برمجته إلا على لغة أصلية واحدة ثم تأتي بعد ذلك مرحلة يمكنه بكل سهولة تعلم لغات أخرى .. هذا الأمر يوحي بخطأ وجريمة الاتجاه الذي يدفع الطفل العربي قبل تعلمه لغته العربية إلى تعلم اللغة الأجنبية، فنتيجة هذا الأمر و الله أعلم انفصام لغوي عند الطفل. رأيت أطفال بعض الأصدقاء و الزملاء الذين تساهل آباؤهم في هذا الموضوع تحت سطوة المظهرية الكاذبة والجهل الفاضح يعانون الأمرين لعدم قدرتهم على التواصل مع مجتمعهم، فضلاً عن التعبير البليغ عن مشاعرهم و آمالهم .. أحدهم عمل حادثاً لم يستطع أن يتفاهم مع الناس. و أحدهم يعاني في تحليل و فهم الكلام الذي يقال له ويحملق بعينيه حتى بدا كأنه غبي جداً بينما هو شديد الذكاء، و لكن لا تسعفه اللغة.
  • الحفاظ على اللغة العربية يجب أن يتم وفق سياسات عليا يتبناها الساسة في العالم العربي كله، و من الوهم اعتقاد أن دولة بمفردها تستطيع القيام بالعمل اللازم و الكافي لتفعيل اللغة العربية ، وهذا لا يعني التخلي عن سياسة وطنية ذاتية لخدمة وتفعيل اللغة العربية داخل كل بلد عربي ، و لكن المقصود أن دفع اللغة العربية إلى الصدارة لا يمكن أن يتم إلا بتضافر الجهود للدول العربية جميعها.

المداخلات حول القضية:

  • اللغة العربية: توصيف لبعض جوانب الأزمة والتحديات

أوضح د. زياد الدريس معقباً على ما ذكره د. مساعد المحيا، أنه لم ينكر جهود علماء المسلمين في خدمة اللغة العربية، لكنه أراد أن لا ننكر أيضا جهود علماء العربية غير المسلمين، فقد كانت العبارة المذكورة دقيقة وجاء فيها: “أن بعضهم خدم اللغة العربية بما لم يفعله “عشرة مجتمعون من علماء اللغة من المسلمين”.

وفيما يخص تعقيب د. منصور، أشار د. زياد إلى أن اللغة والهوية توأم، واللغات هي مسار أساسي وفذ لتفكيك الهويات المتوترة، التي وصفها أمين معلوف بالهويات القاتلة. لا شك أن كثيراً من الفروقات بين الهويات البناءة والهويات الهدامة يكمن في اللغة… اللغة المفخخة!

وذكر د. منصور المطيري مثالاً للتدليل على أزمة اللغة العربية الحالية فقال: استمعت مرةً إلى حوار حول مشكلات اللغة العربية؛ و كان أحد المتحدثين الدكتور نصرالله الشاعر و هو أحد المهتمين باللغة العربية فذكر أنه كان يعمل في مؤسسة تعليمية و تربوية كبيرة في إحدى الدول العربية ، و في إحدى النشرات التي تصدرها المؤسسة حدث خطأ في كتابة كلمة باللغة الإنجليزية (soljier) بدلاً من  ( soldier) فهاج مدير المؤسسة و وجه خطاب لوم و توبيخ اشتمل على عشرة أخطاء كبيرة في اللغة العربية؛ لذلك العربية في أزمة.

وعقبت د. منيرة الغدير على المحاور التي تضمنتها الورقة الرئيسة بقولها: المحور الأول، أثار فيه د. زياد أسئلة مهمة عن عدم اعتزاز العرب بلغتهم، والعامل السياسي،   جعل الهوية العربية تهتز بل تهرب للظل خوفاً وقلقاً مما يلاحقها من شبهة، وإتهام، ومطاردة.

أما النقطة التي من المهم الإشارة إليها هي علاقة صغارنا وشبابنا باللغة العربية؛ الكثير من الأبحاث وجدت أن الكل تقريباً يجيب في الاستبانات المتعددة عن حب اللغة العربية، ولكنه يفضّل الإنجليزية والسبب أن الأخيرة “ممتعة  “fun” “exciting “؛ إذا نحن أمام إشكالية التدريس وتدريب المعلم وعدم توظيف الطرائق الحديثة التي تتلاءم مع جيل الشاشات والنص المنفلت.

وفيما يتعلق بالخوف من انقراض اللغة العربية في المحور الثاني، نجد أن التقنية جعلت اللغة العربية تتفرع في مسارات جديدة وهذا تويتر يغرد بها، وصفحات الفيسبوك تزدان بصفحات شعراء وأدباء وكتاب العربية ونقاشات متابعيهم؛ ماذا عن النصوص الأدبية والفكرية التي انبثقت من المدونات، وظهور الصحافة الإلكترونية، الخ؟ فإن التقنية هي حياة جديدة للعربية وأمام المؤسسات والجامعات عبء كبير لتكثيف المحتوى العربي على الشبكة والسعي لترجمة النصوص  والمصطلحات الجديدة.

وبخصوص الجملة الواردة في المحور الثالث، “العربية ليست للمسلمين فقط” أتفق مع د. زياد، وباقتفاء الأثر التاريخي وحتى الألفية الجديدة، اللغة العربية ازدهرت بشكل منقطع النظير في الغرب بعد الحادي عشر من سبتمبر وتحولت صفوف اللغة العربية من صف واحد أو اثنين في الجامعات الكبرى إلى ثمان أو عشر صفوف للمستوى الأول فقط؛ وكثرت الوظائف في تخصصات تعليم اللغة العربية، الأدب، دراسات الشرق الأوسط والإسلام. والإقبال مازال مستمراً حتى اليوم ولكن يجب تجسير الهوة ما بين الاهتمام بلغتنا في الغرب وعدم تقديمنا لمشاريع تركز على الاهتمام باللغة العربية لخلق فرص من أجل “صناعة” ثقافة الحوار المتجاوزة للحدود.

وأوجز د. حامد الشراري ملاحظاته حول ما يجري في الساحة بخصوص اللغة العربية فيما يلي:

  • اندفاع بعض المسؤولين عند لقاءات الوفود الرسمية في استخدام لغة الوفد بحجة إتقانها دون مراعاة التعليمات والتوجيهات باستخدام اللغة العربية في تلك اللقاءات والاجتماعات الرسمية.
  • بالرغم من القرارات التي تطلقها وزارة البلديات من حين إلى آخر بإلزام المحلات التجارية استخدام اللغة العربية في مسمياتها، نجد العديد من المحلات وفي ازدياد لم تتقيد بتلك القرارات، إما لضعف العقوبات أو تهاون من الجهة في تطبيق القرارات.
  • الضعف التوعوي من الجهات الحكومية والمؤسسات غير الحكومية ذات العلاقة باللغة العربية في تبيين الضرر الذي سيلحق في لغتنا على المدى البعيد الناتج من التوسع في استخدام كلمات غير عربية وبوجه خاص في وسائل التواصل الاجتماعي برغم وجود البديل.
  • الاندفاع المجتمعي للغة الإنجليزية دون التفريق بين الغاية والوسيلة.
  • التحجج بأن اللغة الإنجليزية هي لغة العصر لغة العلم والتقنية وتعلمها أصبح من الضرورات.. نعم نتفق مع ذلك، لكن، هل نستكن لهذا .. ونبقى تابعين ؟!! هل نستطيع أن نجعل اللغة العربية لغة قادرة على التعبير عن المفاهيم العلمية بشكل سلس..؟

وذكر د. خالد الرديعان في تعقيبه أننا نواجه صعوبة شديدة في الجامعة مع طلبتنا في استخدامهم للغة العربية؛ وخاصة عندما نطلب منهم كتابة أوراق بحثية أو خطط بحث وحتى رسائل ماجستير ودكتوراه. كما أنهم يجدون صعوبة في التحدث بالفصحى البسيطة (اللغة البيضاء التي نقرأها في الصحافة). وبعد تمحيص شديد تبين له أن المشكلة تعود إلى عدة أسباب ومنها:

  • أولا: الطالب عندنا لا يقرأ كثيرا حتى تستقيم كتابته؛ فعادة القراءة ليست ضمن هواياته المحببة رغم أنها غير مكلفة بل ومفيدة، والقراءة  هي وقود الكاتب ومن لا يقرأ بكثافة فلن يستطيع الكتابة والتعبير بلغة جيدة.. القراءة تزودنا بمفردات جديدة، وأساليب بلاغية، وتعبيرات مجازية تضفي على الموضوع بهاء لغويا وتمكننا من توصيل ما نود قوله بكل يسر وسهولة.
  • ثانيا: لعبت التقنية الحديثة والمستوردة دورا مهما في تهميش اللغة العربية؛ فهذه التقنية تأتي في طريقة تشغيلها واستخدامها باللغة  الإنجليزية غالبا مما زاد من أهمية الأخيرة ومن ثم القول أنها لغة العلم والعصر.. الأجهزة الكهربائية وأجهزة الاتصالات من تليفونات جوالة وغيرها هي خير مثال على ذلك. وليس الأمر كذلك بل إن الرسائل القصيرة في وسائل التواصل الاجتماعي يتم كتابتها بلغة هجين من العربية والانجليزية، وأحيانا يتم استخدام حروف لاتينية لكتابة كلمات عربية. أضيف إلى ذلك أن كثرة الاعتماد على الأجهزة اللوحية والجوالات والحواسيب في الكتابة نتج عنه أمر سيء للغاية يتمثل بضعف الخط اليدوي عند الناشئة في جميع المستويات الدراسية؛ فأصبحوا يواجهون صعوبة في مهارة الكتابة بالقلم. ومن ذلك ضعف التدوين في المحاضرات والاستغناء عن الكتابة بتصوير ما يكتب على السبورة بأجهزة الجوالات.
  • ثالثا: من أسباب ضعف اللغة العربية هو تحول الذائقة الأدبية عند الناشئة؛ فأصبحوا يتذوقون الشعر العامي والنبطي، ولا يفهمون الشعر  العربي الفصيح والذي يحوي كنوز مهمة يجدر تذوقها وترديدها وهذه مهمة تقع على وزارات التعليم ومن يعدون مناهجها في اللغة العربية. والكلام هنا لا يعني ضرورة القطيعة مع الشعر النبطي؛ فمعظمنا يحبه وربما يقرضه لكن ذلك لا يعني كذلك تهميش الشعر العربي الفصيح الذي يزودنا بمفردات جميلة وصور بلاغية لا نجدها في اللغة المحكية.
  • رابعا: إهمالنا للقرآن قراءة وتفسيرا وعناية به. الطالب عندنا يشعر وكأنك تعاقبه إذا طلبت منه حفظ سورة أو جزء من القرآن. هذه مشكلة  تربوية يلزم معالجتها لجعل القرآن الكريم مادة محببة للناشئة.. ويمكن وضع بعض الرسوم الكرتونية في الطبعات المخصصة للأطفال لتحبيبهم بالقرآن ومن ثم فهم آياته.

وحول أهمية اللغة على المستوى البيولوجي ونمو الطفل قدم د. الرديعان هذه النادرة للتدليل على العلاقة بين اللغة والنمو العقلي؛ باعتبار أن التفكير والذكاء عند الطفل لا يتقدمان من دون لغة، حيث يُنصح بأن نتحدث إلى الطفل كثيرا: (*)” يحكى أن فردريك الثاني حاكم صقلية في القرن الثالث عشر والذي كان شاعرا موهوبا كان لديه سؤال مؤرق حول اللغة. فعّن له أن يعرف أية لغة وبأي أسلوب سيتكلم الأطفال عندما يكبرون إذا لم يسمعوا كلاما من أحد في فترة طفولتهم. ولذا أمر بدفع عدد من الأطفال حديثي الولادة إلى مرضعات ومربيات ليرضعنهم وينظفنهم، ويعتنين بهم، ولكن دون أن يصدر عن المربيات أي صوت (لا مناغاة ولا كلاما).

وكان هدفه من إجراء التجربة معرفة ما إذا كان الأطفال سيتكلمون عندما يكبرون اللغة العبرية التي كانت الأقدم أو اليونانية أو اللاتينية أو العربية أو اللغة المحلية في صقلية التي يتكلمها آباؤهم وأمهاتهم. ولكن جهده ذهب عبثا، إذ مات جميع الأطفال الذين دُفع بهم لهذه التجربة، ذلك أنهم لم يستطيعوا العيش بدون تدليل المرضعات ورؤية وجوه باسمة وسماع كلمات وأصوات تشعرهم بالحب والحنان.

وقد تأكدت هذه النتائج المؤسفة فيما بعد. ففي عام ١٩١٥ لاحظ طبيب في مستشفى جونز هوبكنز أن نسبة هائلة (نحو ٩٠٪‏) من الأطفال الذين أدخلوا إلى مياتم ودور حضانة في بالتيمور بولاية ميريلاند (الأمريكية) ماتوا خلال العام الأول من إدخالهم رغم أنهم حظوا بعناية ورعاية كافيتين.

وفي عام ١٩٥٨، توصل باحث في التحليل النفسي إلى الاستنتاج بأن انعدام عناية الأم وإثارتها لأحاسيس طفلها وإظهار حبها له يؤدي إلى تخلف جسماني وعاطفي وإلى معدل وفيات عال. فقد وجد أن من مجموع ٩١ طفلا كانوا موضوع دراسته في بيوت حضانة في الولايات المتحدة الشرقية وكندا مات ٣٤ طفلا رغم الطعام الجيد والعناية الطبية الفائقة”.

ومن جانبها توقفت د. طلحة فدعق عند بعض القضايا المثارة فيما يتعلق باللغة والهوية والمجتمع – سيسيولوجيا اللغة – حيث قالت ما يلي:

  • أولا : أشار د. زياد في معرض طرحه حول أهمية اعتزاز العربي بالعربية كجزء من تكوين هويته إلى اللغة وأهميتها كأداة من أدوات تتفكك  الهويات المتوترة أو القاتلة كما أشار إليها – حسب الورقة الرئيسة – أمين معلوف وبعض المصطلحات ذات العلاقة مثل: الهويات البناءة – الهويات الهدامة – اللغة المفخخة !!

نعم توجد علاقة بين اللغة والهوية. هذه العلاقة تتجلي – كما أشار أحد الباحثين وهو عيسى برهومه – في كون  اللغة هوية وليست ” الهوية لغة ” فمن وجهة نظره فإن علاقة اللغة بالهوية هي علاقة الخاص بالعام فالهوية أعم من اللغة ولها تجليات أخرى غيرها.

اللغة أيضا عند ابن خلدون هي أداة للهيمنة فمن يملك القوة – وهو الغالب – يملك السيطرة وهيمنة لغته وهو ما كان عليه حال الممالك الإسلامية حسب ابن خلدون والاعتقاد أن الحال يعكسه الآن في علاقتنا بالغرب المتطور ولغته .

إذا: من منظور سيسيولوجي فالمجتمعات العربية تعكس إشكالية كبري في مسألة الهوية .. تشرذم العرب وتشظي الهوية القومية ( العربية ) علي جميع المستويات هو أمر واضح للعيان ، وأحد تجلياته هو أزمة اللغة العربية وما تواجهه من تحديات .. لسنا القوة المهيمنة لا فكريا و لا سياسيا ولا اقتصاديا وبالتالي فجزء من هويتنا وهي اللغة العربية لم يعد يتمتع بذلك الحضور للغة المهيمن عالميا.

  • ثانيا : النقطة الأخرى ولها علاقة بالسابق هو كون اللغة ظاهرة اجتماعية – وهو ما أشار إليه د. منصور المطيري – وهذه النقطة هامة  فصل فيها علم اجتماع اللغة والذي باختصار يري أن اللغة كنسق فرعي هي أحد مكونان النسق الاجتماعي الكلي وترتبط به بنائيا ووظيفيا . إذا هناك عوامل اجتماعية وثقافيه وتاريخية تؤثر علي اللغة كظاهرة اجتماعية – انظر علي سبيل المثال بيير باولو في اللغة والسياق الاجتماعي وتحليله لهذه السياقات. أيضا ارتباط اللغة بالبني الفكرية السائدة – كما أشار بيار في كتابه سيسيولوجيا اللغة .

إذا وضع اللغة العربية لا يمكن فصله عن وضع المجتمعات العربية وسياقاتها المفككة – الآن – ومشكلاتها المتداخلة علي جميع المستويات. وهي تحديات لا يمكن التصدي لها علي المستوي اللغوي مالم تعالج البنيه الاجتماعية والفكرية ككل . جزء من هويتنا المفككة هي لغتنا العربية المفككة – إذا اتفقنا أصلا أن لدينا مشكلة وتحديات علي هذا المستوي.

وبالنسبة للتخصصات الأكاديمية وتدريسها باللغة العربية: الطب والعلوم نموذجا: هناك تحفظ حول ذلك ليس بسبب قصور اللغة العربية ذاتها؛ لكن لأننا لم نعد لاعبين رئيسيين في ساحة إنتاج تلك العلوم – ولا نملك أدواتها – والترجمة غير مجدية هنا وهذه إشكالية… لكن كيف نحافظ علي قوة اللغة وتماسكها في إطار استيعاب لغة الآخر وثقافته ؟ هذا هو التحدي ! أيضا كيف نسهم في صناعة العلوم الإنسانية هذا تحدي آخر !

بالنسبة للجيل الحالي – الجامعي تحديدا -، أو ما يمكن تسميته الجيل الهلامي الثقافة فقطعا لغته هلامية كهلامية ثقافته. لقد أشار البعض إلى تدني لغة الطالب الجامعي وهي معاناه لنا كأساتذة . لغة الطالب هي نتاج مؤسسات التربية السابقة للجامعة من أسرة ومدرسة وإعلام أيضا ثم يتوقع من الجامعة أن تصلح ما أفسده الدهر !

القراءة والعلاقة بالكتاب تغير شكلها و أطرها وحتي حميميتها ، في أحسن الأحوال استبدلت بالقارئ الإلكتروني أو المنتج الإلكتروني لكن نوعية المقروء اختلف. من يملك مكتبة ورقية أو كتب ورقية الآن في منزله ؟ طرحت هذا السؤال علي طالباتي فوجدت أن ٥٪‏ فقط من أجبن نعم ليس مكتبه و إنما كتب للوالد غالبا. ومن يقرأ كتب الآن ؟ للأسف النسبة أقل من متواضعة.

وكما يذكر البعض للكتاب والقراءة تأثيرهما في لغة الخطاب .. فكيف هي لغة الخطاب لدي الجيل الحالي؟ أتحدث هنا – والكلام لـ د. طلحة – من منظور مدرس جامعي مع طلبته وطالباته في قاعه المحاضرات ولغة الحوار مطلب أساسي ..وهؤلاء الطلبة والطالبات شريحه ممثله للجيل الحالي ..للأسف معظمهم ومعظمهن يحتاجون إلى إعادة تأهيل لغوي للعربية علي مراحل أو مستويات: الفهم (الإدراك)، والتعبير ( الحديث )، والقراءة والكتابة. إجادة أي مرحلة من تلك المراحل لا يعني بالضرورة إجادة المراحل الأخرى لأنها بقدر ترابطها بقدر انفصالها في حيثياتها فعلي سبيل المثال ليس كل من يجيد التعبير والحديث هو فاهم ..لذلك تبقي أصول المنطق ضرورية في التدريس .. وعلي ذكر المنطق هناك تجربة خاصة مررنا بها في مرحله من مراحل الدراسات العليا حيث قرر أحد الأساتذة – يبدو أنه محبط من لغة الخطاب – أن ندرس منطق أرسطو في البداية ثم نقارنه بمنطق ابن خلدون كما كتبه الوردي … وفهمت لاحقا لماذا ؟ .. من الضروري أن تفهم وتؤسس لوعي على مستوي الفكر يمتد للغة واستخدامها ..وهذه أحد النقاط المهملة – لا ندري قصدا أم سهوا – في نظامنا التعليمي.

وقال د.م. نصر الصحاف: الواقع يقول أنه عندما كانت الأمة الإسلامية في عزها كانت اللغة العربية تدرس للغربيين والشرقيين في كل أرجاء المعمورة أما وقد أفل نجم العرب فلماذا تتوقع غير هذا؟

نعم هناك نوع من الهروب إلى لغات المنتصرين فلماذا تستنكر ذلك ولَم تستنكره عندما كان العرب وحضارتهم في أوجها وكان أمراء الغرب والشرق يبتعثون أبناءهم لدراسة العلوم والطب والفلك والأدب بالعربية في بغداد؟

ملاحظة صغيرة حول قصور العرب في تطوير اللغة العربية تتمحور في الصراع (كمثال واحد فقط) حول تسمية الراديو بالمذياع والتلفزيون بالتلفاز والحاسوب بدل الكمبيوتر!!

وإذا قارنا ذلك بكتاب الله سبحانه وتعالى في الإتيان بالمصطلحات الأجنبية “الغير عربية” كما هي بدون أن تنقص من المضمون شيئاً كقوله تعالى في وصف قوم بالمصطلح الصيني “يأجوج ومأجوج” !!

نقطة الاختلاف الثانية هي ما ذكره د. زياد في معرض استنكاره على مستخدمي غير العربية في إلقاء أوراقهم وبحوثهم في المنتديات العربية. هنا من المهم توضح بعض الجوانب الخفية: غير أن لغة المؤتمر المقررة في معظم المحافل العلمية هي الإنجليزية وحتى في فرنسا ؛ وذلك أن هذه المنتديات عادة هي علمية في الأصل لذا كانت الإنجليزية هي الأساس ما عدا ذلك فنتفق بأن اللغة يمكن أن تكون المحلية حسب البلد وخاصة إذا كان الموضوع ذي صبغة أدبية.

الاتهام باطل فيما يتعلق بقبول لغات أخرى مكان العربية من حيث المصطلحات وأذكر هنا بالتحديد تجربتي الشخصية فترة ما بعد الدراسة الجامعية الأولية (فترة بكالوريوس)، حيث كنت في بيئة دراسية إنجليزية بحتة أي لا ناطق بالعربية سواي في قرية نائية ولمدد تتجاوز السنة والنصف وعند العودة للوطن كانت أسرتي تنتقدني وبشدة لمجرد الاستعاضة ببعض الكلمات الإنجليزية مكان العربية !!  وجدت حينها أن الأفضل هو الصمت بعض الأحيان عن التفوه والاستعاضة بكلمات إنجليزية إذ لم أتذكر أو أجد المناسب منها عربياً !! والعكس صحيح بعد استقراري بالمملكة لفترات طويلة ومن ثم السفر إلى الغرب فأجد نفسي أبحث عن كلمات إنجليزية ذات مضمون أعمق وخصوصاً في مناظرات فكرية تستدعي البلاغة والوضوح اللغوي!

أخيراً وليس آخر على كل مناصري اللغة العربية أن يوجهوا انتقاداتهم “بموضوعية أكثر” إلى إدارة المرور ووزارة النقل قبل أن يصبوا جام غضبهم فينتقدوا المؤتمرات العلمية أو المطالبة المجحفة بتعريبها أو جعل اللغة العربية هي المطلب لكل متحدث بها في تلك المؤتمرات ولعدة أسباب:

  • الترجمة غير الدقيقة: وهنا لا ألقي اللوم على المترجم المسكين الذي قد لا يفهم كنه القضية العلمية التي هو بصدد ترجمتها سواء آنياً أو تحميل الباحث جزاء ترجمتها إلى العربية وما أدراك ما تعنيه هذه المهمة من تعقيدات ليس أولها ضعف المصطلحات العلمية العربية المطابقة في المعنى لها باللغة الإنجليزية وليس آخرها هزالة المصطلحات “المعربة” !!
  • من منطلق تجربتي الشخصية أيضا وتخصصياً (كمهندس مدني درست النقل، وكمخطط عمراني كذلك) أجدني في أشد الاستغراب في الطرق السريعة مع اللوحات الإرشادية للشوارع حيث أنها باللغتين العربية والإنجليزية مما يتسبب في الحوادث المرورية ! كيف لا واللوحة هي ضعف الحجم لتستوعب اسم الشارع “الطويل جداً” وبلغتين !! أضف إلى ذلك الخط الصغير أيضا لاستيعاب لغتين لنفس المسمى !! مما يودي إلى تباطؤ في حركة السير ليتسنى للسائق قراءة اللوحة قبل فوات الأوان !!

أما انتقاد المرور فهو من جهتين: ليس فقط غيابه الملحوظ عن أداء دوره ولكن أيضا لإصراره على كتابة الأرقام الهندية بالإضافة إلى العربية والحروف العربية المغايرة لمثيلاتها بالإنجليزية وحشر كل ذلك في لوحة السيارة!!  كان الأجدر الالتزام باللغة والحروف والأرقام العربية في كل ما سبق وعلى كل الوافدين تعلم العربية مثل ما نفعل نحن عندما نسافر ونقيم في بلادهم فنتعلم لغتهم فهذا أقل ما يجب أن نطلبه منهم !! وليس حشر ثلاث لغات في لوحة واحدة!!

من المهم النظر إلى هذا الموضوع من كل الزوايا والعلمية منها بالأخص كونها هي الأساس وليس الاقتصار على الأدب فقط. و أخيراً أمل من الجميع عدم المزايدة في هذا الموضوع بالوطنية والاعتزاز إلى آخره؛ لأن كل واحد منا معني بهذه اللغة وكما ذكر د. زياد فإن جل من أثروها هم أساساً ليسوا عرباً !!

وعلق د. زياد الدريس بقوله: لستُ أنا الذي تحدّث بتوسع عن استخدام اللغات الأجنبية في المنتديات والمؤتمرات، لكني أؤكد من جانبي أني لا أرى مانعاً من إلقاء عربي للبحث بالإنجليزية في مؤتمر علمي. ربما كان الحديث عن استخدام الإنجليزية في غير حاجة، يعني إذا وجدت الحاجة ففعلك مبرر.

ومن جديد قال د.م. نصر الصحاف أنه لا يمكن أن يكون هذا العموم على تجربة التعلم باللغات الأجنبية للمراحل التعليمية سواء الابتدائية أو غيرها. لماذا لا يكون الجمع بين الاثنين؟ وكمثال مباشر فإن كل أبنائي يدرسوا في مدرسة أجنبية ولكل المراحل من الروضة إلى الثانوي ! طبعاً لم يتعلموا العربية أو المقررات الدينية في تلك المدرسة حينها ولكن هذا لا يرفع مسؤوليتي أمام الله عن أمانة نشأتهم في عنقي ! ولذلك بحثنا ووجدنا مدرسة ممتازة تدرسهم اللغة العربية والمواد الدينية حسب المنهج المعتمد من الوزارة والسنة الدراسية. خصصنا لذلك أربع ساعات لكل من يومي الخميس والجمعة بالإضافة إلى درس مدته ساعة واحدة فقط أثناء أيام الأسبوع حسب الجدول ! أضف إلى ذلك كان أحدنا يتكلم معهم فقط بالعربية بينما الآخر لا يتحدث معهم بغير الإنجليزية وبذلك احتفظوا باللغتين. النتيجة استيعاب المنهجين وبلغتين مختلفة وبكل سهولة .

وتساءل د. زياد الدريس: هل يمكن تعميم هذا التفرّد الذي ذكره د. نصر على كافة أو حتى معظم الأسر التي تضع أبناءها في مدارس أجنبية؟!

وأجاب  د.م. نصر الصحاف بأنه يمكن ذلك؛ فالهدف من تسجيلهم في مدارس أجنبية ليس “البرستيج” كما يعتقد البعض ولكن  قوة المناهج وتكاملها ونوعية هيئة التدريس وإيمانهم بالرسالة التعليمية وإشراكهم للأسرة في تنمية فلذات الأكباد !

وترى د. طلحة فدعق أنه يبدو واضحا أن الطبقة الاجتماعية لها دورها في التعامل مع تلك المعطيات خصوصا ما يتعلق بأسلوب الحياه ونمط تعليم الأبناء وغيره … فهل هناك فروق طبقيه في التعامل مع اللغة وقضاياها ؟ والمقصود لغة النخبة التي تعكس اهتماماتهم حتي بقضايا اللغة وهي قطعا تختلف عن لغة العامة واهتماماتهم بقضايا اللغة … ضمن هذا الطرح يتبلور إطار لابد من فهمه ثقافيا وحضاريا وتاريخيا أيضا لفهم مازق اللغة الحالي.

وأوضح د.م. نصر الصحاف أن كل ما يهدف إليه هو التأكيد على أن اللغة العربية لم تواكب التقدم الحضاري أو التقني كما هو مطلوب ولذلك تعاني من تداعيات وعلى مدى طويل! ومن وجهة نظره هناك عدة أمور تسببت في هذه المشكلة:

  • آثار الاستعمار على مدى عصور والتخلف الحضاري والعلمي الذي نعيشه كأمة.
  • عدم مواكبة المجمع اللغوي للتقنيات والعلوم الحديثة.
  • الشعور بالانهزامية نظراً لكوننا مجتمع مستهلك بالدرجة الأولى لما ينتجه بقية العالم بعد تصدير المواد الأولية الخام الأساس لكل صناعاتهم بثمن زهيد مقارنة للسعر المبالغ فيه بعد التصنيع.
  • عدم الاهتمام المجتمعي بالعلم والعلماء مما ساهم في تسرب العقول وإثرائها لمجتمعات أخرى غربية بالصناعات والابتكارات.

وقالت أ. علياء البازعي: موضوع اللغة العربية: ماذا تعني المدارس المطبقة للمناهج الدولية؟

  • تعني أن اللغة العربية تدرس بها كلغة ثانية!! حتى و إن قالوا غير ذلك!!
  • تعني أن هؤلاء الأطفال يسمعون و يقرأون و يكتبون و يتكلمون باللغة الإنجليزية 75% من اليوم الدراسي إن لم يكن أكثر!! ثم يعودون للبيت و في ظل ضعف التواصل الشفهي مع أفراد الأسرة يستكمل الطفل انغماسه بالثقافة الأجنبية لغة و قلبا و قالبا من خلال التقنية و التلفزيون…هذا عدا استكمال الدراسة في البيت نظرا لكثافة المواد و صعوبتها وقلة المعلمين القادرين على توصيل المعلومة بشكل صحيح باللغة الإنجليزية و لصعوبتها على الأهل…فيتلقى الطفل دروس خصوصية باللغة الأجنبية…و يستكمل انغماسه بها!!

تخيلوا معي أبناء هذا الجيل عندما يصبحون آباء:

  • كيف و ماذا سيعلمون أبناءهم؟
  • كيف ستكون هويتهم؟
  • ماهي اللغة التي يستخدمونها في حياتهم اليومية؟

يؤسفني أن اللغة العربية لا تحظى بأي اهتمام لدى وزارة التعليم…و إلا لما سمحت للمدارس الأهلية/ الأجنبية بنشر هذه الفوضى اللغوية.

لا نجد بلد في العالم تدرس به اللغة الأم كلغة ثانية إلا بلادنا العربية. لن نجد في فرنسا مثلا طفل يتكلم فرنسية مكسرة…لكن نجد طفل سعودي يتكلم عربية مكسرة. في بلجيكا يمنع تعليم أي لغة غير اللغة الوطنية قبل سن السابعة…لدينا من يتفاخر أن طفله الصغير لا يجيد اللغة العربية.

وقال م. أسامة كردي: الاهتمام باللغة الإنجليزية لا يمنع من التأكيد على أهمية اللغة العربية.. كان من أهم المقررات التي درستها في جامعة الملك فهد هو ( كتابة التقارير الفنية باللغة العربية ) و استفدت منه كثيراً .. أنا أرى أن التعليم مهم جدا. و على نفس المستوى تأتي أهمية التطبيق.. و التطبيق يشمل التنظيم الحكومي لاستخدام اللغة العربية.. أما الحاجة إلى اللغة الإنجليزية فسببها أولا العولمة و ثانياً فشل مؤسسات اللغة العربية في مجال التعريب و الترجمة.

أحزن كثيراً عند زيارتي إلى العديد من الدول العربية عندما أرى إهمال اللغة العربية في التواصل بين أبناء الدولة و في مواقع العمل و في الفنادق و في لوحات الشوارع حتى أني لاحظت كافة لوحات المحلات في أحد الشوارع المصرية باللغة الإنجليزية و عدم وجود كلمة واحدة عربية .. و قِس على ذلك مدن الشام و المغرب العربي .. و على الرغم من أني لا أحبذ التدخل الحكومي في كل جوانب الحياة ، إلا أني تمنيت أن تطبق هذه الدول ما تطبقه المملكة في الكثير من الأمور المتعلقة باستخدام اللغة العربية. و لا يعني هذا أننا وصلنا إلى مرحلة الكمال و لكننا اقتربنا.

ومن وجهة نظر أ. يوسف الكويليت فإن موضوع أزمة اللغة العربية بدأت مع سنوات التغريب والدعوات التي صحبتها من شخصيات عربية في الشام ومصر والمغرب ممن اعتبروا العرب ولغتهم استعمار جديد فدعوا إلى العودة لجذورهم القومية واللغوية وهذا جزء من محنة هذه اللغة. فلقد درسنا قواعد اللغة من متون معقدة وكذلك زاد المستقنع في الفقه وغيرها ومع ذلك جاء التأسيس جيدا يحمد للمدرسين الأوائل هذا الفضل. الآن كبرت الأزمة، الجوائز لشعراء النبطي والمسرحيات تكتب وتؤدى بالعامية المحلية، ونحرف لغتنا مع البائع والعامل حتى يفهمنا ، والفواتير والمخاطبات والرسائل مع الشركات والبنوك تتم باللغة الإنجليزية، أما المسافر لدول الخليج فإذا لم يتقن الإنجليزية أو الأوردية فلا يستطيع قضاء أي غرض ، وأما أطفالنا فهم ضحية التعليم والتخاطب مع العاملة والسائق وحتى أصحاب الدكاكين . نحن في أزمة وجود مع لغتنا وبالتالي لم ينفعنا أصحاب المجامع ولا من خلفوا لنا بعدهم لأن الدول العربية ليس في هاجسها أن لغتهم تعني هويتم ووجودهم ومستقبلهم.

وذكرت أ.د. سامية العمودي أن اللغة العربية زاخرة وثرية ولكننا نحن الذين تخلينا عنها وفي الطب تحديداً كانت هناك محاولات ومطالبات بتعريب الطب ولم يتحقق لها النجاح حيث أن كل المصادر وجميع المجلات الطبية والمراجع باللغة الإنجليزية والبلد الوحيد الذي يتم تدريس الطب فيه باللغة العربية هو سوريا وبمجرد تخرجهم تواجههم صعوبات الدراسات العليا وحضور المؤتمرات. وفي المقابل تغير نمط الحياة وأصبحت اللغة الإنجليزية “برستيج”، والحاق الأبناء بالمدارس الأجنبية مصدر فخر وتفاخر، وجاءت التقنيات الحديثة فاستبدل الكتاب بها، وأشعر بالحزن على اللغة وضياع الهوية وأتمنى عمل مشروع وطني كبير لتعزيز القراءة باللغة العربية.

وقال د. زياد الدريس: أتذكّر جدلاً طويلاً وعميقاً دار قبل سنوات حول ضرورة أو أضرار التعلّم باللغة الإنكليزية في الصفوف الدراسية الأولى، وليس تعلّم اللغة الإنكليزية، فشتّان بين المسلكين!

الجدل ما زال يدور، وإن خفّ ضجيجه، خصوصاً بعد أن حذّرت اليونسكو قبل سنوات من خطورة تعلّم الأطفال بلغة أجنبية، في بدايات تعليمهم على هويّتهم واندماجهم في المجتمع المحلي وقدرتهم على المشاركة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بطابعها المحلي.

أتذكّر في هذا السياق قصة صديق التقيته مع ابنه في إحدى المناسبات، سألت الابن عن سير دراسته وهو في نهاية المرحلة الثانوية وإلى أي التخصصات سيتجه في المرحلة الجامعية وعن اهتماماته وقراءاته، لكني لاحظت ركاكة لغوية في إجاباته ومعاناة في النطق، فتريثت في مواصلة الدردشة رأفةً به!

عندما غادر الابن، التفتُّ إلى الأب فوجدت حرجاً في وجهه. قال فوراً ومن دون أن أسأله: منذ أن وُلد وضعنا له مربية غير عربية كي تتحدث معه بالإنكليزية، وعندما بلغ سن المدرسة أدخلناه مدرسة أجنبية، وحتى إذا عاد إلى البيت نتحدث معه أنا وأمه بالإنكليزية. كنا نستملحه في طفولته إذا تكلم بالإنكليزية، ثم في سن المدرسة صرنا نفتخر عند ضيوفنا إتقانه اللغة الأجنبية، والآن حين كبر صرت أخجل أمام الآخرين من ركاكة حديثه معهم بالعربية. كنا نردّ على الذين كانوا يحذروننا في صغره بأن تحذيرهم مبالغٌ فيه لأن العربية هي لغته الأم وسيتقنها حتماً. ولا نعرف كيف مرّت الأيام سريعة حتى بلغ هذا السن وأصبح يتحرج من مجالسة أقرانه من الأقارب والأصدقاء، ليس بسبب الحاجز اللغوي فقط، بل والثقافي أيضا إذ لا تسمح له لغته الركيكة بمتابعة الأخبار والأحداث للمجتمع المحلي، وبالتالي الدخول معهم في معترك نقاشاتهم. وهذه ليست حكاية فردية، بل هي حالة كثيرين من أبناء الذوات خصوصاً!

وقال د. منصور المطيري إن العالم المتقارب و المنفتح على بعضه ليس خطراً في كل حين ، بل يحمل فرصاً للغة العربية لكي تنتشر و تتوسع لو كان أهل هذه اللغة في كامل عافيتهم . بحكم عملي قمنا بزيارة لبعض الكليات العسكرية الأمريكية فوجدنا أن اثنتين من أشهر الكليات هناك و هما وست بوينت ، و في إم أي ، قد استحدثتا برنامجا و تخصصاً للغة العربية ضمن التخصص في الشرق الأوسط ، يتخرج الطالب فيه ضابطا متخصصاً في اللغة العربية. حدث هذا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر و حاجة الجيش الأمريكي إلى متخصصين في شؤون الشرق الأوسط ولغته. وقد قابلت بعض الطلاب و الطالبات الذين أخبروني أنهم يخططون لقضاء ستة أشهر في المنطقة العربية مع بعض العوائل العربية (الأردن ، المغرب ، اليمن ، و مصر) قبل التخرج. ويلقى هذا البرنامج إقبالاً من الطلاب حيث أخبروني بوجود شعبتين كل شعبة حوالي ٢٢ طالباً يدرسهم أساتذة من المغرب العربي. وقد قابلت طلاب إحدى الشعب ومكثت معهم محاضرة كاملة. اللافت للانتباه أن أسئلتهم تركزت حول نقطتين؛

  • العداء بين المملكة و إيران.
  • و الظلم الذي تتعرض له المرأة في السعودية (وفي هذه النقطة قلت كل ما تسمعونه كذب و دعاية سوداء.. المرأة السعودية أكثر نساء العالمين دلالاً.. و هي في عيون أهلها و قلوبهم.. و أما الحجاب فهو عبادة وجزء من الدين الإسلامي. و المشكلات التي تحدث لها تحدث أضعاف أضعافها في مجتمعكم). لحق بي بعدها أستاذهم المغربي و شكرني على صراحتي و وضوحي .. و بين لي أن الإعلام يلعب في عقولهم بشكل فظيع.

ما لفت انتباهي هو سرعة تأقلم المؤسسات التعليمية هناك مع المستجدات كاستحداث هذه البرامج التي قد تحتاج عقود من الزمن عندنا حتى تُقر.

في الصين و اليابان وفي روسيا تدفع المصالح الاقتصادية والتجارة البعض إلى تعلم اللغة العربية مدفوعين بحاجة التواصل مع العالم العربي لهذه الأغراض؛ المشكلة أننا لا نقدم فرصاً كافية لتعلم العربية ؛ كما أن الفرد في العالم الإسلامي قد تدفعه حاجات ذات علاقة بالديانة الإسلامية و تعلمها لتعلم اللغة العربية. كل هذا قد يوجد فرصاً تجارية (أو احتسابية و تطوعية) تتركز حول تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

وأوضح أ. عبدالرزاق الفيفي أن مما يؤسف له تردي الاهتمام باللغة العربية والتعاطي الحياتي معها، وأحد الأسباب الرئيسة المؤدية لضعف التطبيق أو انحراف الفهم أو توارد الشبهات دينيا وكل ما يخص مفهوم الوسطية في التدين و الاستقامة هو فقدانهم لأهم أداة لفهم القران والسنة على الوجه الصحيح وهي فهم اللغة العربية. ولا غرابة أن إضعاف لغة أي أمة تسهل الطريق على العدو لاستعمارها و إضعاف انتمائها لهويتها وإدماجها في رؤيته.

وأُضافت د. الجازي الشبيكي أن بعض أهالي الأطفال أو الطلبة بشكل عام في المدارس الخاصة يتحملون جزءاً من المسؤولية من خلال مساهمتهم في إضعاف اهتمام أبناءهم  بالتحدث باللغة العربية في رسائلهم  وتواصلهم الاجتماعي التقني  بل حتى في بطاقات الدعوات الخاصة بحفلات التخرج والنجاح وحفلات أعياد الميلاد.

وأشار أ. عبد المحسن القباني: إلى ما قاله الكاتب والصحافي البريطاني الشهير روبرت فيسك في مقالة له من أن أحد أسباب “تراجع العرب عن تفوقهم العلمي” هو اللغة العربية. وتساءل فيسك في مقالته في صحيفة الإندبندنت تحت عنوان (هل يتعثر تقدم العرب بسبب لغتهم المتحجرة؟) عما إذا كان السبب يعود إلى اختلاف اللغة التي يتكلم بها العرب واللغة التي يكتبونها.

ومن جهتها ترى أ. فاطمة الشريف أن أحد معوقات اللغة العربية و تحدياتها تعميق الفجوة بين الترفيه وصناعته إن صح التعبير واستخدام اللغة العربية في وسائل الإعلام المختلفة مثلا : فالناظر إلى الإعلام العربي بوسائله المسموعة والمرئية، الأرضية والفضائية، يجد أن اللغة العامية هي المستخدمة في المسلسلات و الأفلام و المسرحيات والبرامج الترفيهية ، والتعليق على المباريات ، ويعمد أصحاب المصانع والشركات، والمحلات التجارية إلى الإعلان في الصحف والمجلات، والإذاعة والتليفزيون بلغة عامية تختلط فيها بالفصحى اختلاطًا مشينًا، ولا يتم استخدام الفصحى إلا في نشرات الأخبار.

ومن جانبه أشار د. علي الحارثي إلى أن أسباب وإرهاصات متعددة نخرت مكانة اللغة في السنة وعقول وقلوب ووجدان أصحابها ، فنحن أمام سيل جارف ، القوي سياسيا واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً وعسكرياً من الشرق والغرب طوًق رقابنا استهلاكيا بما في ذلك اللغة، ونحن إنسقنا بوعي وبغير وعي لكل ما أنتجته حضارتهم حتى نسينا انفسنا وتراثنا ولغتنا ، التعليم لم يعد يهتم باللغة ولا بمقوماتها من إملاء وخط وتعبير ونحو وصرف وبلاغه ، التوظيف يشترط إجادة اللغة الإنجليزية قراءةً وكتابه ، التعاملات والعقود باللغة الإنجليزية ، أسماء المحلات التجارية والصناعية والدعاية والإعلان أغلبها باللغة الإنجليزية أو معربة بنفس لغة ونطق لغة القوم ، المدارس الأجنبية انتشرت كالهشيم في مدننا ، التخاطب والتعامل والتقارير والوصفات الصحية باللغة الإنجليزية ، يخربون بيوتهم بأيديهم وتواكلهم وتآكلهم وأيدي المنتجين.

وقال د. عبدالله بن ناصر الحمود حول أزمة اللغة العربية: إنها.. قصة حضارة.. سادت ثم بادت.. “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.

إحياء اللغة.. ليس بإنعاشها ذاتها.. فهي ليست سوى تبع من  “غزية”.. إن غوت غزية غوت اللغة .. وإن ترشد غزية ترشد لغتها.

جهد أهل اللغة في ميدان إنقاذها.. مع جلالته.. مضحك أحيانا.. كأنه فقط بوح عن شعور كامن بالذنب..  وهو ذنب لم يقترفوه. أتذكرون جهدهم حين عربوا “ساندوتش”  ب  “شاطر ومشطور بينهما طازج”، هكذا .. تماما.. يكون الشعور بالرضا بإنقاذ اللغة. حين بكون أهل اللغة وحدهم من يتصدى لإنعاشها.. فيأتون بالعجائب.. ومن سواهم من أهل الصناعات الأخرى.. منهم من لا يجيدون نطق البسملة.. وطلاب الجامعات منهم من لا يستطيع أن يجيب اختبار مقرر الدراسة بغير العامية.

وأشار د. عبدالله بن ناصر الحمود إلى أنه سبق وأن أجري دراسة ناقشت اتجاهات المغردين الخليجيين نحو ازدواجية اللغة في الإعلام الخليجي.. ومعلوم أن اللغة الإعلامية من أهم مصادر التلقي لدى الجمهور في الدول النامية بشكل خاص. وهذه الدراسة قدمت للملتقى التنسيقي للجامعات والمؤسسات المعنية باللغة العربية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي نظمه في مدينة الرياض مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية خلال شهر جمادى الثانية 1434هـ. وكان من أهم نتائج هذه الدراسة ما يلي:

  • مدى مواجهة الإعلام الخليجي مشكلة حقيقية جراء ازدواجية اللغة

يرى المشاركون في تعبئة الاستبيان أن استخدام الإعلام الخليجي للغة العربية الفصحى مقابل استخدامه للغات أخرى أو لهجات محلية يختلف من فئة برامجية إلى أخرى. ففي حين يبرز استخدام الفصحى في البرامج الإخبارية والحوارية السياسية والثقافية بشكل عام، تسود الازدواجية اللغوية في البرامج المنوعة والرياضية والمسلسلات والأفلام. غير أن المشاركين، مع هذه الرؤية الموضوعية، عبروا عن قلقهم تجاه ازدواجية اللغة في الإعلام الخليجي، ورأت النسبة الأغلب أن الإعلام الخليجي يواجه مشكلة حقيقية جراء الازدواجية اللغوية. ويثير المشاركون إشكالية “التلقي” اللغوي، حيث يقرون بأن توظيف أكثر من لغة أو استخدام اللهجات المحلية يدفع الجمهور وبخاصة الأجيال الناشئة إلى “تلقي” اللغة بطرق مشوهة وغير سليمة. ويؤكد عدد من المشاركين أنهم يلاحظون تأثير ذلك على أفراد أسرهم.

ويوضح بعض المشاركين، أن اللهجة اللبنانية سائدة في الإعلام الخليجي، وأن عددا من مقدمي البرامج من الجنسية اللبنانية، عملوا على إشاعة مفردات كثيرة ليست عربية فصحى، ولا حتى خليجية. ويعزون ذلك إلى أسباب أهمها استقطاب وسائل الإعلام الخليجية لعاملين من الجنسية اللبنانية الشقيقة. كما يثير عدد من المشاركين إشكالية سعي بعض المتحدثين في وسائل الإعلام أو الكتاب إلى إبراز ملكاته اللغوية عبر استخدام مفردات للغات أجنبية أو أخرى للهجات محلية. ويربط بعض المشاركين بين هذا الشعور وتكوين مراكز بحثية في الخليج اعتمدت اللغات الأجنبية لغة رسمية لها في بعض دول الخليج.

ومن زاوية أخرى، يرى بعض المشاركين أن استخدام لهجات البلد المصدر للوسيلة الإعلامية أمر مقبول باعتبار أن الرسالة الإعلامية موجهة لذات المجتمع، وإن كان الإعلام الفضائي والجديد تجاوز بها الحدود الجغرافية. هذه الفئة وهي نسبة ضئيلة من المشاركين ترى أنه لا ضير من استخدام اللهجات المحلية على هذا النحو، بل يذهبون إلى أن شيوعها واستخدامها وسيلة مناسبة لأن يتعلمها الآخرون.

  • تفضيل التزام الإعلام الخليجي باستخدام اللغة العربية الفصحى

يكاد يجمع المشاركون في تعبئة الاستبيان على أمرين مهمين جدا: الأول، تفضيل استخدام اللغة العربية الفصحى في الإعلام، والثاني صعوبة تطبيق الأمر لأن اللهجات المحلية شائع في الحياة العامة للناس، ولأن اللغة العربية الفصحى تواجه إشكالية فهمها ومعرفتها لدى كثير من فئات المجتمع، كما أن إيصال الرسائل الإعلامية من وجهة نظر هؤلاء سيكون أيسر باستخدام اللهجات المحلية. بل ذهب يعضهم إلى أن اللغة الفصحى لا تتناسب أبدا مع بعض البرامج مثل البرامج الترفيهية والأسرية.

أما المؤيدون لاستخدام اللغة الفصحى فيعيدون السبب إلى أن اللغة العربية لغة القرآن الكريم، ولتيسير التواصل بين كافة الشعوب العربية، وتعويد الناس على سماعها، وإثرائهم بجزالتها. ويتساءل عدد من المشاركين عن السبب وراء أن الدول المتقدمة لا تتغير لغتها في الشارع عن لغة إعلامها.

  • أسباب ازدواجية اللغة في الإعلام الخليجي

يتفق كافة المشاركين على أن شيوع ازدواجية اللغة في الحياة اليومية للمجتمعات الخليجية هو أهم أسباب ازدواجية اللغة في الإعلام الخليجي. ويذكر عدد منهم أن ثمة بواعث أدت لهذه النتيجة، منها الضعف العام النسبي في اللغة العربية لدى كثيرين من العاملين في الإعلام الخليجي، والشعور بالحاجة للتواصل مع الناس باللهجات المحلية لضمان وصول المعاني والأفكار. إضافة إلى عدم وجود نظام رقابي حازم يمكنه مواجهة هذه المشكلة بحرفية عالية. كما يعبر عدد من المشاركين عن أن شيوع التعليم في عدد من المدارس الخاصة بلغات غير العربية دفع إلى الشعور بضرورة استخدام غير العربية في كافة الظروف. وفي ذات السياق يرى بعض المشاركين أن ثمة اعتقادا عميقا بأن اللغة الإنجليزية مثلا لغة يسيرة في التفاهم، وعملية في عدد من مجريات الأمور. كما أن غياب الهدف من الممارسة الإعلامية والضعف المهني أسباب أخرى لها دلالتها في هذا الإطار. أيضا، بروز وسائل الإعلام الجديد، والأدوار المحورية فيه لعدد من اللغات غير العربية، والنزعات الربحية التسويقية، ساعد على تفاقم المشكلة. ويذهب بعض المشاركين إلى حد التعبير عن أن بعض الإعلاميين الخليجيين لديهم شعور بالدونية للهوية العربية، ولديهم قابلية للاستعمار الثقافي واللغوي. وهناك من يعزو الأمر لسياقات الحياة الثقافية الاجتماعية في الخليج والتعددية السكانية، وضرورات التنمية، والتفاعلات اليومية لسكان المنطقة مع غير العرب سواء في دول الخليج أو خارجها.

  • مستقبل استخدام اللغة العربية الفصحى في الإعلام الخليجي

يسود شعور عام لدى المشاركين بعدم التفاؤل لمستقبل استخدام اللغة العربية الفصحى في الإعلام الخليجي. ويعزو معظم المشاركين ذلك إلى شيوع تقنيات الاتصال الجديدة وتطبيقاتها المتطورة جدا التي تستخدم اللغة الإنجليزية بشكل رئيس. كما أن غياب الرؤى الاستراتيجية ذات العلاقة بدعم مستقبل استخدام اللغة الفصحى في مؤسسات الإعلام، سيؤدي إلى مستقبل غير مطمئن في هذا المجال. وفي المقابل يوجد نسبة قليلة من المشاركين، يرون أن المستقبل يمكن أن يكشف عن تطورات مهمة نتيجة الشعور الحالي بضعف واقع استخدام اللغة العربية، في حين لا يعرف عدد قليل آخر، ما الذي يمكن أن يحدث بإذن الله تعالى؟، ولا يمكنهم توقع شيء ما.

  • مقترحات المغردين حول ازدواجية اللغة في الإعلام الخليجي

مع الإقرار بإشكالية ازدواجية اللغة في الإعلام الخليجي، يعرض المشاركون عددا من المقترحات، تؤكد على ضرورة العناية باللغة العربية في الإعلام، وأيضا في المدارس والجامعات. ويقترح بعضهم إنشاء معاهد متطورة لتعليم اللغة العربية وتطبيقاتها أسوة بما هو متاح من معاهد لتعليم اللغات الأجنبية. كما يقترح المشاركون دعم برامج تبادل البرامج الناجحة بين دول المجلس وبخاصة تلك التي تضع من اللغة العربية الفصحى منهجية لها. كما أنه من المهم تدريب وتأهيل الإعلاميين الخليجيين وبالذات المعدين ومقدمي البرامج. وأن تكون الإجادة التامة للغة العربية أحد شروط القبول في أقسام الإعلام في الجامعات الخليجية. ومع تقديم عدد من المقترحات يقر معظم المشاركين، أن إجادة الإعلام الخليجي للغة العربية والتحلل من مشكلة الازدواجية اللغوية مرهون بتنمية شاملة في الفكر والثقافة، لأن اللغة ليست سوى انعكاس لحال الناس، ووسيلة للتعبير عن مكنوناتهم النفسية والاجتماعية والثقافية.

  • اللغات تموت بالسكتة الحضارية

في تصور د. جاسر الحربش فإنه وفي مجال استعمال اللغة العربية اليومي تنقصنا القدوات اللغوية من الرموز القيادية في كل المجالات ، فهؤلاء لا يتخاطبون ولا يخطبون بلغة عربية سليمة تغري الشباب على الاقتداء بها، ويشمل ذلك حتى الأئمة والمدرسين والزعامات السياسية. وفي مجال العلوم الإنسانية والمادية أهل اللغة العربية في حالة ضمور دماغي ، واللغة العلمية الراقية تصاب بالسكتة الدماغية مثل أهلها.

وتطرق د. جاسر الحربش إلى مقال له بجريدة الجزيرة بتاريخ 2 ربيع الأول 1436هـ بعنوان: “اللغات تموت بالسكتة الحضارية” وجاء فيه: أتابع الجهود الصادقة من عدة حكومات عربية لحماية اللغة العربية من الاندثار والاختفاء من عقول وألسنة الأجيال القادمة. الجهود مشكورة لكنها لن تثمر شيئاً في أجواء الإرهاب المذهبي والطائفي والطبقي والعداوات بين المكونات الداخلية والخارجية.

المحافظة على لغة خافتة حضارياً وإعادتها إلى الحركة والنشاط يجب أن يكون في المختبرات ومعاهد العلوم والأبحاث التطبيقية والكليات العسكرية، وأولاً وقبل كل شيء في التعليم المدرسي. ما عدا ذلك سوف يبقى مجرد جهود نبيلة قد تطيل قليلاً في عمر اللغة، لكنها لن تفي بغرض الإنقاذ من الاندثار.

المصاب بالسكتة لا يستفيق بالخطابة والقصائد وإنما بالصدمة الكهربائية الحضارية. والمؤتمرات والمهرجانات وجوائز المليون ومسابقات الإلقاء لا دور لها في بقاء اللغة وازدهارها. عاملان فقط يحافظان على اللغات القومية ويوسعان في انتشارها، الأبحاث والإنجازات العلمية بمعناها التجديدي الحقيقي، وقوة الردع العسكري الكافية للحصول على الهيبة والاحترام.

الرصيد التراكمي القديم للغات قد يرشحها للقيام بدور المرجعية الدينية في فهم النصوص ودور المرجعية التراثية للتنقيب في الآثار والتاريخ. كم عربياً يتكلم الآن اللغة الحميرية أو الثمودية أو النبطية، وما بقى من الهيروغليفية والسانسكريتية والفارسية الإخمنية القديمة؟.

اللغة العبرية بقيت في تراتيل وترانيم النصوص اليهودية، لكنها دخلت في سبات طويل بعيد عن الاستعمال المعيشي امتد لمئات القرون. العلماء اليهود كانوا يشاركون بأبحاثهم العلمية بلغات وإمكانات الدول التي يعيشون فيها ويحملون هوياتها الوطنية.

مشروع ثيودور هيرتزل في البحث عن وطن لليهود، ثم التحصين المادي بالعلم والقوة العسكرية، ذلك هو ما أعاد اللغة العبرية إلى الحياة، رغم أنها لم تعد العبرية الأصلية الأولى وتطعمت بخليط مفردات ومصطلحات من لغات أجنبية كثيرة، منها اللغة العربية. وقواعد اللغة العبرية الحديثة مشتقة إلى حد كبير من قواعد اللغة العربية، لأن العبرية فقدت أصولها البنيوية والتركيبية والاشتقاقية أثناء الشتات اليهودي والانقطاع الطويل بين الهوية والإنجاز الحضاري والقوة العسكرية.

قبل أن تصاب أي لغة بالسكتة النهائية، أي السكتة الحضارية التي لا ترجى حياة بعدها تكون قد دخلت في حالة سبات انقطاعي؛ بســبب عجز من يتكلمونها عن الإنجـــاز العلمي والمنطقي والفلســـفي والتأمل العقلاني في الكون. في تلك المرحلة يكون أهل تلك اللغة تحسبهم أيقاظاً وهم رقود، يتكلمون ولكن بما يشبه الهذيان.

عندما يموت العلم بمفهومه العقلاني في إحدى البيئات اللغوية يتسارع التآكل والهزال الاجتماعي على كل المستويات. النتيجة السريعة هي تسلط عقلية الكثرة الجاهلة على القلة المتبقية من القدرات العلمية والفكرية، واضطهادها لدرجة الإخراس وكتم الأنفاس. النتيجة التالية هي التباهي بالقديم كمحاولة بائسة وعقيمة لمقاومة لغات وحضارات أقوام غزاة آخرين.

الفارق بين القوتين، المحلية والغازية، يؤدي كقدر محتوم إلى الانتكاس نحو تدمير الذات. المهزوم علمياً وعسكرياً يشعر بالحسد والإحباط الحضاري والعجز، فيسقط حسده وعجزه وإحباطه على الداخل الخاص. الداخل الخاص هنا هو تلك القلة المتبقية التي ما زالت تمتلك بعض القدرة على التفكير العقلاني وتشخيص الاعتلال والضعف، وتحاول الهمس بما تبقى لها من نفس بأن الاستمرار في هذا الطريق خطأ وسوف ينتهي بموت الجميع. الإرهاب المدمر والعودة إلى همجية ما قبل الأديان والقوانين تصبح حينئذ نتائج حتمية.

في هذه الظروف تكون اللغة مجرد ضحية أخرى تضاف إلى قائمة الخسائر والضحايا والخراب. المسألة اليهودية (The Jewish Question) التي بعثها هيرتزل الصهيوني قبل قرن ونصف قامت كحركة إحيائية مضادة، بهدف إعادة الهوية الجامعة لليهود بلغة واحدة وفي وطن واحد. و لم يكن المشروع الاستيطاني اليهودي في بلد عربي لينجح دون العمل الجبار لبناء ما يسمى جيش الدفاع الإسرائيلي والبنية العلمية المتفوقة. عادت العبرية إلى الحياة تحت حماية التطور العلمي والقوة العسكرية في أرض منهوبة كان وما زال أهلها يمضغون التاريخ القديم ويستنكرون التجديد ويبعدون المجددين من قائمة الأولويات.

اللغة العربية الكامنة في قلب مصاب بالسكتة الحضارية تحتاج إلى صدمة كهربائية تجديدية.

  • ثنائية اللغة العربية بين العامية والفصحى في يومها العالمي

أشارت أ.د فوزية البكر إلى معضلة تعلم اللغة العربية عبر محلوله د. السوري عبدالله الدنان، حيث ذكرت – في مقال لها بجريدة الجزيرة بتاريخ 23 ربيع الأول 20161438هـ  بعنوان: “ثنائية اللغة العربية بين العامية والفصحى في يومها العالمي” – أن أطفالنا يتعلمون لغتهم المحكية من خلالنا وذلك عن طريق محاكاة ما نتفوه به من كلمات دارجة وبذا فهم يتعرفون مثلا على (الشباك) أو هو (الطاقة) في بعض المناطق في حين يكونون مضطرين لتعلم لفظ جديد لنفس الشيء بعد الدخول للمدرسة وهو لفظ (النافذة) في حين لا يكون الأطفال في ثقافات ولغات أخرى مثل تلك الناطقة باللغة الإنجليزية مضطرين لذلك لتوحد الكلمات ما بين اللغة المحكية والمكتوبة.

هذه الثنائية اللغوية للغتنا العربية تولد ثنائية فكرية فما قد نفكر فيه قد لا نستطيع فعليا وضعه في قوالب لغوية مقروءة مما يولد صعوبات في التعبير كما يولد علاقة (ثنائية) بلغة حميمة هي (العامية) ولغة رسمية هي (الفصحى الكلاسيكية) فكيف نوفق بين هذه الثنائيات في لغتنا العربية؟

استطاع الدكتور السوري عبدالله الدنان ومنذ السبعينيات إدراك ذلك فتوصل إلى طرق مبتكرة تحفظ للأطفال تعلم العربية الفصحى منذ ولادتهم لكن في ذات الوقت تحفظ لهم تعلم اللغة العامية المحكية في أوساطهم حتى يتمكنوا من التواصل مع من حولهم. قام بتجربة ذلك على أولاده أنفسهم ومنذ ولادتهم فبدء بالتحدث مع ابنه باسل الذي ولد عام 1977 بالعربية الفصحى فيما بقيت الأم تحدث طفلها بالعامية وما أن بلغ الابن الثالثة من عمره إلا وكان يتحدث الفصحى محافظاً على الحركات الأعرابية وهو ما كرره مع ابنته لونا التي ولدت عام 1981 التي أجادت الفصحى هي أيضا وبحركاتها من رفع وضم ونصب منذ سن الثالثة بما حقق رفع الذائقة اللغوية لأبنائه لتذوق وتجويد اللغة كما فعل أبناؤنا الأوائل.

والفكرة ظهرت مع دكتور الدنان أثناء دراسته للحصول على درجة الدكتوراه في العلوم اللغوية التطبيقية بجامعة لندن، حيث درس ما كشفه علماء اللغة منذ زهاء نصف قرن وهو أن الأطفال منذ ولادتهم وحتى سن السادسة تكون أدمغتهم مهيأة لتعلم اللغة بتراكيبها المعقدة عبر جهاز اكتشاف اللغة الذي يسمى بالإنجليزية language acquisition device التي تمكن الطفل من كشف قواعد اللغة (أية لغة) ذاتياً ثم تمكنه تدريجياً من محاكاتها وإنتاجها وهو ما يسمى في علوم اللغة بطريقة الاكتساب الفطري لكن هذه القدرة تبدأ في الضمور مع سن السادسة، حيث تتغير بيولوجية الدماغ لتتحول من تعلم اللغات إلى تعلم المعرفة وهو ما يسمى الطريقة المعرفية التي يتعلم فيها الطفل (قواعد اللغة) حتى يستطيعوا محاكاتها مما يصعب تعليم اللغة على أبنائنا كلما كبروا.

ما طرحه دكتور الدنان طبق بنجاح في مئات المدارس عبر عالمنا العربي بما فيها السعودية، حيث قام أثناء وزارة دكتور الرشيد – رحمه الله – بتدريب مئات من معلمات رياض الأطفال في عدد من مدن المملكة للتحدث مع الأطفال بالعربية المبسطة طوال يومهم المدرسي وهو حقق نجاحات باهرة في تعلم اللغة وحبها بين طلاب المدارس.

لغتنا العربية لا تحتاج الكثير للدفاع عنها فهي باقية قوية ما بقي القرآن الكريم نبراساً نهتدي به، لكن هذا الكلام لا يكفي فكم من حولكم من الأطفال من يستطيع أن يعبر عن نفسه ومشاعره (وحتى بلغة عامية) دون أن تتداخل عشرات الكلمات الإنجليزية المكسرة (لغة العاملات المنزليات) عدا عن عجز طلاب المدارس والجامعات من كتابة فقرة كاملة بلغة عربية سليمة.

لا أقول هذا للتأنيب فأنا أكثر من يكره لوم الآخرين لكن الحقائق المعاشة صارخة بما فيها من أحبهم من حولي ولا أعرف في الحقيقة كيف يمكن لنا استرجاع طرق ناجعة مثل تلك التي استخدمها دكتور الدنان في روضته في دمشق أولاً منذ الثمانينيات، ثم حاول نشرها عبر محاضراته وورش عمله.

أعلموني: هل لديكم طريقة لإرغام الأجيال الحديثة على القراءة باللغة العربية؟ هل من أحد يمتلك مفاتيح ذهبية تمرر سحر اللغة العربية الخلاب إلى عقول ونفوس الأجيال الجديدة في أوطاننا الناطقة باللغة العربية؟

  • نحن .. لسنا الأفضل بالضرورة ولغتنا العربية ليست أفضل اللغات 

كتب د. عبد الله بن ناصر الحمود تحت هذا العنوان: لست أدري لماذا انزعج نفر من الناس عندما كتب أحد أساتذة العلوم الشرعية من القادرين على التفكير والاستنتاج، في العدد (16009) من جريدة الحياة عن عدم وجود الدليل (الشرعي) على أن اللغة العربية هي أفضل اللغات، أو أنها لغة أهل الجنة. لقد كان طرح الدكتور، محمد صفاء العلواني، طرحا صريحا وواضحا بأن القضية تكمن في عدم وجود الاستدلال الشرعي على تلك الأفضلية، وليس على أن زيداً أو عمراً يحبان العربية ويفضلانها على بقية لغات أهل الأرض. فالعرض الفكري الذي شدني وأسر فضولي أن الكاتب كان ينفي مبدأ (التفاضل بين اللغات) على أساس شرعي، أو الجزم بالأفضلية الشرعية للغة العربية، وليس نفي أفضلية اللغة العربية عنده أو عند غيره ممن هام وعشق العربية.

إن عشق (قيس) ل (ليلى الأخيلية)، لا يمكن أن يجعل منها أجمل فتيات العرب والعجم، وإن هيام (عنترة) ب (عبلة) لا ينبت الجوى على (عبلة) في قلوب من هم سوى (عنترة) من الرجال، الذين لم يحظوا بقلب (عبلة). وللناس فيما يعشقون مذاهب. أن نعشق العربية ونحبها، فهذا شأننا.. لأننا عربٌ نفخر (بعروبيتنا)، ونذود دونها، ونحمي حماها. لكن هذا أمر.. وأن يكون الاعتقاد بأفضليتها واجبا شرعيا، أمر آخر. لن أدعي الخوض ..هنا.. في الترجيح والتأويل والاستدلال الشرعي، فلست من أهل العلوم الشرعية، ولا أدعي ذلك. غير أنني امتثالا لأمر الله تعالى أُعمل العقل في تدبر القضايا والموضوعات، وأتعهدها بالمراجعة من حين إلى حين. وأقرأ وأفهم وأسترشد، وأبحث عن الدليل الشرعي عند أهل الشريعة، وأنظر في حججهم وقوة استدلالاتهم، لأتبع من تبدو الحجة عنده أقوى والبرهان لديه أظهر. وقد قرأت كلام الرجل في جريدة الحياة وشدني موضوعه كثيرا، وقوة استدلاله الشرعي والعقلي على نفي الأفضلية الشرعية المطلقة للغة العربية. ثم قرأت لمن كتب معقبا عليه في الجريدة ذاتها، في العددين (16016) و(16023)، وكذا في جريدة الجزيرة، في العدد (12559)، فلم أجد من الاستدلال شيئا.. عند هؤلاء، ولا من الحجة الشرعية ما يدحض القول بعدم أفضلية اللغة العربية (أفضلية شرعية) نتعبد الله بها لذاتها ولحروفها ولألفاظها ولمركباتها ولبلاغتها ولنحوها ولصرفها. وحيث لا يبدو أن ثمة دليلا صريحا على أفضلية اللغة العربية أو على أفضلية جنس العرب، أو على أن العربية هي لغة أهل الجنة، فسأبقى أحب هذه اللغة وأهيم بها وبأهلها، ولكنها (أبدا) ليست أفضل اللغات ولا أتمها ولا أكملها بالضرورة، رغم كل ما تتمتع به من ثراء وقوة. وحتى أبدد شيئا من أقوى حجج المتأولين لأفضلية اللغة بنزول القرآن الكريم بها واصطفائها من بين اللغات لكتاب الله تعالى، فقد ذكر الدكتور محمد صفاء ما يبين أن قدسية وخصوصية القرآن الكريم وتعبّد الحق تبارك وتعالى لنا بتلاوته، إنما هو لذات القرآن الكريم، وليس لذات اللغة. وكذا أوراق المصحف الشريف إنما تكسب قدسيتها، وأحكام مساسها، لما كتب عليها من آيات الذكر الحكيم. وفيما سوى ذلك، فهي لا تعدو أن تكون ورقا غير ذي قيمه حتى لو أنها استخدمت لكتابة أكمل وأجمل وأفضل قصائد العرب، مثلا. ثم إن الله تعالى قد اختار لغات أخرى غير العربية فأنزل بها التوراة والإنجيل، وكلها كتبٌ من عند الله تعالى وفيها كلامه جل جلاله.

إن اللغة في أبسط معانيها وعاء للمضمون وللمحتوى، وللثقافة، وأداة للتفاعل بين أبنائها. وفي زمننا الحاضر الذي تدنت فيه مخرجاتنا الثقافية، وعز بيننا التفاعل لعمارة الأرض بما استخلفنا الله فيه، يبدو من غير المعقول أن ندعي الأفضلية لأيٍّ من منتجاتنا العربية المعاصرة. قد تكون العربية سادت في زمن مضى، وقد يكون العرب أهل مجد وسؤدد في غابرٍ من الزمن، لكن واقعنا العربي اليوم بكل مركباته اللغوية وغير اللغوية يجعلنا أبعد ما نكون من الأفضلية، بالمنظور العام لنا، وإن كان من بيننا من قد يكون فاضلا. إن أي مقارنة بين (العربية) المعاصرة، وعدد من لغات العالم المعاصر، ومن بينها: الإنجليزية، والصينية، واليابانية، تحديدا، سوف تقلق كثيرين عندما يعرفون أن العالم المعاصر قد يدين بالفضل لهذه اللغات ولأهلها، في حين يلقون حمما من السخرية والازدراء للعرب وللمجتمعات العربية. ولنا في حكاية ابن الأعرابي درس عربي، إذ سأله الخليفة أي الدارين أفضل: دار أبيه، أم دار الخليفة. فقال الطفل: ما دام الخليفة في دار أبي فدار أبي أفضل. لقد وعى هذا الصبي العربي أن دار الخليفة ليست بذات قيمة ما دام الخليفة خارجها، وأن دار أبيه هي الأفضل لأن فيها الخليفة. فالتفاضل مبني على المضمون والمحتوى، وليس على رغباتنا وأهوائنا وأمانينا. أيها الكاتب المبدع محمد صفاء، إنني أجزم أنك حين تدعو للبحث عن الدليل الشرعي لنراجع في ضوئه كثيرا من مدخراتنا وقناعاتنا، فأنت تقلق كثيرين لا يروق لهم ذلك، ممن لم يتعودوا على إعمال الفكر أصلا، ناهيك عن آخرين اتخذوا من مقولة (الله لا يغير علينا) منهجا ارتضوه واستكانوا إليه. ولكن أيضا أنت بذلك توقظ همة آخرين، أرجو أن يكونوا هم الأغلبية الصامتة، فيعيدوا النظر في كثير من موروثات شعوبنا، مما يحتاج تعاهدا مستمرا بالمراجعات والتقويم، بحثا عن الأصوب والأصح، وسعيا لترك العنصرية والشعوبية (المنتنة). فعوضا عن تخدير شبابنا بأحلام الأفضلية المزعومة، علينا أن نوقظ فيهم حس التنافس والعمل البناء من أجل أن نكون (فعلا) نحن الأفضل، ومن أجل أن يكون تفاضلنا مع غيرنا تفاضلا نديا قائما على معايير كبرى كثيرة ومتعددة في مقدمتها معيار (التقوى)، وما أدراك ما التقوى؟ وليس الجنس ولا اللون ولا اللغة من بينها. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(*)

  • البعد الاستراتيجي لأزمة اللغة العربية

ركز د. فهد الحارثي على البعد الاستراتيجي لأزمة اللغة العربية ، حيث قال في هذا الصدد: أول ما يصادفني في مدخل هذه الطريق أزمة الحضارة العربية نفسها ، لقد توقفت هذه الحضارة عن النمو منذ مئات السنين ، واكتفت بالتهافت على موائد الكرام واللئام على حدٍ سواء ، فهي تشتري نعيمها ولا تصنعه ، بل هي عاجزة كل العجز عن ذلك ، لأنها لاهية بأمراض وأعرض عمقت هزيمتها وفتت في عزيمتها .

ولكي نعالج أزمة اللغة لا بد أن نتدارك أمر ” المضمون ” أي الحضارة نفسها.

الخطابة في المؤتمرات والمحافل باللغة العربية مجرد دافع إلى الإعلان عن الوجود ولكن ليس هذا ما سيعيد للغة عزتها وسؤددها.

لغات العام اليوم كلها تعاني من الركاكة والعيوب في التعبير والكتابة بما ذلك اللغة الإنجليزية نفسها.. لغة القوة والهيمنة ، فلا ينبغي أن يكون حديثنا هنا حول كيف تستقيم لغة المدرس وكيف تقل أخطاء التلاميذ ، فمثل هذا الكلام مكانه قسم اللغة العربية في كلية التربية. ينبغي أن يكون الحديث عن أزمة الحضارة وأزمة المصير.

لا يجب تصعيد مستويات الإحباط فاللغة الإنجليزية لم تتفوق على لغات الكون لأنها جميلة أو شاعرية ، هي أصبحت كذلك لأنها لغة السلم والحرب ، واللغة الصارمة لما بعد الحداثة . والفرنسيون والألمان والإسبان أصبحت اللغة الإنجليزية عندهم حق وإلا فإنهم سيكونون خارج لعبة العولمة ، هذا هو واقع التجارة العالمية اليوم ، ولغة العقود والصفقات ، لغة المعرفة الجديدة والاقتصادات الجديدة .

ولنحل مشكلتنا مع الجمود الحضاري أو هو الهزال الحضاري الشديد .. عندها تصبح اللغة العربية ملء الكون.

قيل للأمريكان (بلاش) من غزو العالم بالقوة الخشنة ، أي بالدبابات والطائرات والذخيرة الحية .. اغزوا العالم بقوتكم الناعمة ، أي حضارة الحداثة ، ثم ما بعد الحداثة ، وهذا ما حدث بالفعل ، لكن أمريكا اللعينة لا تتردد أحيانا في استخدام القوتين معاً !!

وعلقت د. نوف الغامدي بأن مفاتيح العلوم فعلاً بيد الغرب بعد أن أضعناها بأيدينا، ماذا فعلنا نحن لنميز لغتنا ونحافظ على تقدمها، لا يمكننا أن نوطن المعرفة مالم نوطن اللغة.

وأوضح  د. علي الحكمي أن الدول المتقدمة في الترتيب العالمي في العلوم والرياضيات تدرس هاتين المادتين بلغتها الأم، كوريا اليابان تايوان فنلندا الخ. أما نحن فضيعنا مشيتنا ولم نتقن مشية الأمم المتقدمة.

ويرى د. خالد الرديعان أنه وحتى لو تخلف شعب من الشعوب حضاريا فهذا لا يمنعه من الاهتمام بلغته وإحياءها والحفاظ عليها من الاندثار؛ فاللغة لها وظيفة أخرى غير وظيفة نقل العلم والمعرفة والتواصل الإنساني.

إن أهم وظيفة تقوم بها اللغة هي “تعميق الهوية”؛  فاللغة عنصر مهم في هذا الجانب. اللغة هي وعاء الثقافة ومن لا ثقافة له أو أن ثقافته هجينة تصبح هويته على المحك.

الآن قد نسأل عن الهوية وهل هي مهمة إلى هذه الدرجة، والإجابة نعم فالهوية هي كينونتنا الوجودية التي نعرف بها أنفسنا ويعرفنا الآخرون بها. كعرب نحن لسنا طارئين على التاريخ رغم كل هذا التراجع الذي نراه اليوم. نحن أهل دين سماوي نزل كتابه باللغة العربية وهذا يكفي.

بينما يرى م. حسام بحيري أن اللغة العربية  لا تستطيع أن تواكب التقدم الحضاري الحالي بسبب أن اللغة العربية لغة مقفلة لا تسمح بدخول كلمات أو معاني جديدة أن تدخل إلى قاموسها بعكس اللغة الإنجليزية والتي تعتبر لغة ديناميكية تسمح بدخول كلمات ومعاني جديده في اللغة. المشكلة ليست في لغتنا العربية بقدر ماهي مشكلة القائمين عليها والذين لا يسمحون بتعريب أو استحداث كلمات جديدة في القاموس العربي. إننا بحاجة إلى تحديد تعاملنا مع اللغة العربية هل سنسمح بإضافة كلمات جديده تستحدث باستمرار أسوة بعدد من اللغات الأخرى أم سنبقي على حمايتها من أي” تدخل خارجي”.

وذكرت أ. ليلى الشهراني أنه لا يمنع الإنسان أن يكون متعلما كل اللغات والعلوم ما دام يملك مخزونا لغويا من لغته الأم ، ولعل الدكتور القصيبي الذي شرق وغرب بل وتزوج من امرأة غير عربية لكن بقي اعتزازه باللغة ومحافظته عليها بل والكتابة عنها.

لا يلزم أن نقرن تخلفنا الحضاري الذي تسبب به السياسي في كل نقاشاتنا ، ولا يلزم أن نجلد ذواتنا بسبب ذلك ، لدينا أشياء جميلة تستحق أن نبرزها وأولها لغتنا ، لا ذنب لهذا البحر الزاخر بما نفعله نحن من تأخر تنموي أو علمي حتى نقتل لغتنا أو نقلل منها .

لدينا مواهب رائعة تجعلنا نتنفس بعمق ونقول (ما زالت لغتنا بخير) ، وإن كان التعليم مازال مقصرا كثيرا في حق هذه (الفاتنة) ، نحتاج تأسيس متين لقواعد هذه اللغة ونحتاج أكثر لعودة مناهج (الخط والإملاء والتعبير والمطالعة) فإلى الآن نتعثر بكسرة وتحرجنا الهمزة وقد نقلب كامل المعنى بخطأ نحوي ! إنها لغة زاهرة تنبض بالحياة لا دخل لها ببرتوكولات السياسة ولا بسباق الحضارة فهي لوحدها حضارة !

وأضاف د. فهد الحارثي أن هناك ثمة اتفاق على الاعتزاز بلغتنا ، فهي ، عدا مسألة الهوية ، أصل في رسالتنا ، ولكن نؤمن في الوقت نفسه أن خروج الحضارة العربية والإسلامية من أزمتها وركودها لابد أن يأخذ بوسائل وأدوات المتقدمين وأصحاب القوة في العالم ، فهؤلاء هم الذين يستحوذون على أسرار القوة ، ولا سبيل إلى الوصول إلى أسرار القوة  إلا بالقبض على مفاتيح ” المعرفة ” ، وهذه المفاتيح ليست عندنا ولن نظفر بها إن لم نقتحم المارد في قمقمه ، ثم نتجاوزه !

وذهب د. زياد الدريس إلى أن النهوض باللغة العربية يمكن أن يكون مسبقاً أحد مسببات النهضة الحضارية التي ننشدها، ويمكن أن يكون لاحقاً أحد نتائجها، (كما حدث في نهضة اللغة الإنجليزية).

  • في يوم اللغة العربية، ما هو التغريب؟

تحت عنوان ” في يوم اللغة العربية، ما هو التغريب؟” لخصت أ. هيا السهلي رؤيتها في هذا الإطار فيما القول بأنه لم تحظ لغة باهتمام أهلها كما حظيت اللغة العربية حين أقاموا لها المهرجانات وتسابقوا في نحت الكلمات والمصطلحات بل جعلوا من الشعر ديوانهم الأكبر ومؤرخ أيامهم.

كان الشعراء والخطباء مقدمين في قبائلهم لأنهم القادرين على تخليد ذكرها وحفظ أمجادها وشخوصها.

كانت قصيدة ترفع حاكما وتبقي ذكره حيا في ذاكرة الأجيال وأخرى تهشم صورته بين الناس، ولعل في قصائد أبي الطيب المتنبي في سيف الدولة وكافور الأخشيدي مثال ساطع.

برع العرب في اللغة وتراكيبها ونظمها حتى إذا تنزل القرآن الكريم معجزة تتحداهم في موطن فخرهم فأعجزهم، صارت اللغة جزءا ركينا في الدين الجديد.

لم تعد ميدانا للفخر والمدح والهجاء وذكر الحوادث بل صارت لغة العبادة والعلم والفقه.

واليوم بينما يواجه العرب تحديات جسام تهدد حضورهم السياسي والجغرافي وتوشك أن تحيلهم أقلية في مواطنهم التاريخية، تواجه اللغة هي الأخرى تحديات جعلتها غريبة على ألسنة أبنائها.

وبينما يتجه كثيرون لتعلم اللغات الأجنبية باعتبارها لغات العلوم ومن متطلبات الحصول على عمل يدر دخلا أكبر تنحسر مساحات الاهتمام باللغة العربية وتضيق.

إن نظرة على صورة المتحدثين بالعربية الفصحى في السينما العربية والمسرح تكشف عن حجم التحول بين فخر الأجداد بلغتهم وسخرية الأحفاد منها، وتسلط الضوء على نظرة تتشكل بوعي أو دون وعي في صفوف العرب، فمعلم العربية والمتحدث بها صورة كاريكاتورية تستدعي الضحك لا الاحترام بين أبناء اللغة اليوم.

وإن كانت اللغات الأجنبية هي علامة من علامات العلم والثقافة والتمدن فإن اللهجات لم تعد لغة الشارع فحسب بل صارت تزاحم الفصحى في الشعر والصحافة المرئية، بل أن البعض صار يجهر بضرورة اعتمادها للكتابة المطبوعة.

هذه الحقائق لا تستدعي ذرف الدموع بل تتطلب جهودا لتغييرها والعمل على إعادة البريق للغة العربية، وتحويلها إلى لغة عالمية. لا ذنب للغتنا نحن الذنب وإن كنا لا نتساوى في هذا.

 من بين الجهود التي تبذلها أطراف من بيننا تسعى لخدمة اللغة العربية والذود عنها ما كان يقوم به رئيس الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية د. زياد الدريس ، وعمله الدؤوب في ترسيخ اليوم العالمي للغة العربية. حيث يحرص د. الدريس أن تكون الاحتفالية باليوم العالمي للغة العربية احتفاء يليق بها سواء في مضامين الندوات المصاحبة للاحتفالية أو الضيوف الذين أثروا الاحتفال بنقاشاتهم وحواراتهم التفاعلية . حينما كنت بينهم أشعر بالزهو ومعه اطمئنان أن لغتي ستقاوم طوفان العولمة التي توشك أن تأكل من أطراف ألسنة أبناءها . لكل متحدث حجة في بقاء اللغة العربية ومقاومتها وآخرين جنحو نحو الخوف من احتضارها. أما بالنسبة لي فخرجت بأن اللغة العربية يستحيل أن تندثر وخاصة أن القرآن الكريم يعزز بقاءها وانتشارها ، ولكني في الوقت نفسها أخشى أن يصيبنا عجز في فهم مفرداتها ومعانيها خاصة في ظل اختزال مقررات اللغة العربية في مادة واحدة لا تفي بتعزيز اللغة العربية نطقا وكتابة وفهما.

تغريب اللغة

عندما يردد محافظون أن التغريب يغزو مجتمعنا بتحرير المرأة وتدجين الشباب فإن التغريب الذي أراه وأوشك أن أرى ملامحه هو أن تكون اللغة الإنجليزية هي اللغة المحكية بين الشباب في مجالسهم وفي مؤتمراتهم ومنتدياتهم العربية والموجهة للشباب العربي.

في آخر منتدى حضرته لمؤسسة مسك الخيرية ، بحجم سعادتي بطموح الشباب فيه بقدر ما أحزنني لغة حوارهم بينهم وكأن لا هوية عربية تجمعهم .

هؤلاء وما بعد هؤلاء كيف يؤصلون جذور مفردة في القرآن الكريم واشتقاقاتها العربية إذا اختلفوا في معناها وارتبطت بأحكام مختلفة على اختلاف معانيها ؟!

  • وسائل تعزيز اللغة العربية وتجاوز أزمتها

تطرق د. علي الحارثي إلى بعض الرؤى والحلول ؛ رغم صعوبتها وصدمتها وعدم القدرة على تطبيقها إلا إذا أردنا و أراد المسؤولون في الأمة العربية استدراك ولو الحد الأدنى من البقاء والثبات للغتهم وللأجيال القادمة، وتتضمن ما يلي:

  • إعادة مادة الإملاء والخط إلى مناهج الأربعة أعوام الأولى في المرحلة الابتدائية، ومادة الإنشاء ( التعبير ) في بقية المراحل الأخرى مع استمرار الإملاء إلى نهاية المرحلة المتوسطة بقرار من الدولة إذا لم يكن سبقه قرارا من الدولة.
  • تأهيل نخبة من المعلمين للقيام بهذه المهمة حتى يؤتي القرار أكله .
  • إعادة تدريس النحو والصرف والبلاغة من المرحلة المتوسطة إن لم يكن من أواخر المرحلة الابتدائية وتهيئة المعلمين لذلك مع التبسيط للمادة.
  • التقويم المستمر للطالب والأستاذ للتحقق من النتائج المرغوبة في هذه المواد كما في غيرها.
  • عدم السماح للمدارس العالمية بالتدريس بغير اللغة العربية وترجمة المناهج التي يرغبون تدريسها إلى اللغة العربية حتى لا تصبح اللغة العربية لغة ثانية في عقر دارها.
  • تدريس العلوم الطبية والهندسية وغيرها من العلوم الطبيعية في الجامعات باللغة العربية وترجمة المواد والمصطلحات، ومن يرى صعوبة ذلك فكأنما يقول أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب وفهم ومدلول المصطلحات رغم غزارة مدلولاتها ومعانيها.
  • اشتراط إجادة اللغة العربية قراءةً وكتابةً للتوظيف كما هو اشتراط اللغة الإنجليزية.
  • اشتراط إقامة الندوات والمؤتمرات في المملكة باللغة العربية كلغةٍ رئيسية وأي لغة أخرى كلغةٍ ثانية.
  • اشتراط الحديث باللغة العربية لكل مسؤول أو محاضر في المحافل الدولية والمؤتمرات والندوات التي يتوفر فيها ترجمة فورية .
  • اشتراط أن تكون لوحات الأماكن التجارية والصناعية والفنادق والمطاعم وكل النشاطات التجارية والسياحية والدعاية والإعلان وغيرها باللغة العربية ومن البيئة والتراث.
  • العمل على إقناع الدول العربية من خلال الجامعة العربية على اعتماد تلك الرؤى والطروحات إذا نحن طبقناها . الإناء إذا كان فارغاً لا أحد يلتفت إليه.

وذكرت د. طلحة فدعق فيما يتعلق بقضية اللغة والتشريعات أن د. مساعد ود. منصور أشارا إلى أهمية التشريعات لدعم اللغة و أهمية دور النسق السياسي ( الدولة ) في سن السياسات والتشريعات المعززة ليس فقط لاستخدام اللغة لكن أيضا تفعيل تلك التشريعات مؤسساتيا . ويمكن الإشارة إلى تجربة المملكة في سن قرارات تتعلق باللغة العربية عكستها تشريعات وأحكام وقوانين مؤسسات الدولة وتم جمعها وتدوينها وتحليلها إحصائيا من قبل مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية في أحد أعماله الرائدة . إذا الدولة تلعب دورا حاسما في تفعيل استخدام اللغة العربية من خلال الأنظمة والتشريعات.

نقطة أخرى تتعلق بالتشريعات والسياسات لكن ليس علي مستوي الدولة و إنما علي المستوي التخصصي البحثي في تشجيع الدراسات المتعلقة بالسياسات اللغوية والتخطيط اللغوي لدعم اللغة العربية وبحوثها وهذه أحد الثغرات علي المستوي البحثي لسياسات اللغة.

وترى أ. ليلى الشهراني أننا نحتاج إبرازها كلغة أولى في كل محافلنا ومؤتمراتنا وفِي كلمات ممثلينا وفي كل تعاملاتنا كما يفعل الأقوام مع لغاتهم الأخرى ، فالاعتزاز باللغة والهوية هو من يجعل لنا حضورا يليق بنا.

وفي سياق مكمل، أوضح د. مساعد المحيا أنه وبدون شك فإن المعلم هو الذي يمارس تطبيق المقرر وهو جزء من المنهج الدراسي. والمعلمون وبخاصة المميزين بمثابة بيت خبرة كبير ينبغي أن تحفل بهم الوزارة وتحتفي بهم وتثري بهم عمليات تطوير مناهج اللغة العربية ، والوزارة بالفعل تصطفي عينات وتفيد منهم ، لكن ما يقصده أن تدعو الوزارة من كل منطقة جغرافية عددا كبيرا من معلمي العربية المتميزين في حلقات نقاش لتثري عمليات التطوير والتغيير من بيئة العمل التعليمية.

ومن وجهة نظر أ. فاطمة الشريف فإن من المهم الأخذ بالمقترحات التالية:

  • إعادة النظر في البرامج الأكاديمية التي تقدم في مجال دراسة اللغة العربية في المدارس والجامعات، من حيث الكم والنوع. بهدف رفع مستوى التدريس بالمواد اللغوية والأدبية.
  • حثّ جميع المدرسين، في مراحل التعليم المختلفة، وتدريبهم أيضا، على أن تكون لغة التدريس لديهم هي اللغة العربية السليمة الخالية من الشوائب والأخطاء.
  • عقد دورات لغوية وتربوية منظمة، لمعلمي اللغة العربية في مراحل التعليم و ضرورة عقد دورات لغوية مماثلة لأولئك العاملين في مجال الإعلام والإعلان والترفيه.
  • تشجيع الطلبة على القراءة الحرَّة، والمطالعة غير المنهجية، وإقامة النوادي الثقافية.
  • توطين اللغة العربية كلغة للمنتج الثقافي والترفيهي في العالم العربي وتشجيع الإنتاج الفني باللغة العربية الفصحى.

وذكر د. حامد الشراري أن من المهم حث أصحاب التخصصات العلمية والتقنية والطبية أن يدلو بدلوهم لدعم لغتنا، لغة القرآن الكريم، لعلنا نخرج بتوصيات نوعية تساعد أصحاب القرار في دعم اللغة العربية. وفي هذه الجزئية استشهد بكلام د. محمد عصفور عندما قال: (إننا الأمة الوحيدة التي تدرس المواد العلمية في كلياتها بلغة غير لغتها العربية.. لا أتوقع أن ينشأ عندنا علم بدون أن نفكر باللغة العربية).

إن الاهتمام بالترجمة لا ينحصر فقط على الإضافة العلمية والمعرفية كمياً وكيفياً للأدبيات العلمية العربية وإنما يمتد ليشمل عنصراً مهماً ومفصلياً يتناول تعميق الثقافة العلمية ، والمقصود تبيئة المفاهيم العلمية في العلوم والهندسة والطب وإخضاعها للتفكير اللغوي العربي أي جعل اللغة العربية لغة قادرة على التعبير عن المفاهيم العلمية بشكل سلس ولعل هذا سوف يساعد على فتح المجال في تدريس العلوم العلمية باللغة العربية والتأليف بها بوصفها لغة قومية حية وهذا ما تفعله جميع الأمم التي تعتز بلغتها.

أيضا إن الهدف من الترجمة لكتاب متخصص في علم معين ربما لا يبنى على حاجة السوق الآنية وإنما مساهمة في عجلة العلم العربية لتكوين قاعدة علمية للأجيال القادمة وإثراء للمكتبة العربية لزيادة الثقافة المعرفية للمجتمع، وخير دليل على ذلك وجود كتب عفا عليها الزمن في المكتبات العلمية وقد خدمت حقبه من التاريخ ولربما تخدم في المستقبل.

إن مجال الترجمة يجب أن يقتصر على أمهات الكتب العلمية (المرجعية: أفضل كتاب شامل، معتمد عالمياً، في مجال علمي معين يُختار من قبل متخصصين في نفس المجال) أولاً في وقتنا الحاضر ومن ثم ترجمة الكتب المصاحبة والتأليف والبحث لمستقبل أمة متطورة تقنياً ليكون متوافقاً لما نسمع عنه في هذه الأيام حول توطين التقنية والتوسع بجامعات ذات اختصاصات علمية وفنية. كم من الجهود نحتاجها في ترجمة العلوم العلمية حتى نستطيع فهم الحضارة القائمة لردم الفجوة العلمية والمعرفية العميقة بين الدول العربية والدول الصناعية، حتى بعض الدول النامية، في عصر القدرات العلمية التي أصبحت هي العنصر الحاسم في تحقيق السيطرة الاقتصادية والعسكرية. أخيراً لا شك أن التقدير من قبل المسؤولين للترجمة بشكل عام وخصوصاً في المجالات العلمية المتمثلة بالحوافز المادية المجزية والمعنوية في الترقية ستكون دافعاً لبذل الجهد من قبل أعضاء هيئة التدريس وبوقت بدأ فيه التضييق وإبعاد الطلبة العرب الدارسين في الغرب خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية عن دراسة المجالات العلمية والتقنية المتقدمة بسبب الإجراءات المتشددة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.

 إن الترجمة هي مقدمة للإبداع والبحث العلمي، ألم يبدأ العرب أولاً بترجمة ثقافات وعلوم الآخرين إلى لغتهم قبل أن ينتقلوا إلى الإبداع والبحث، أضف إلى ذلك هناك مسلمة مفادها، أن الإنسان لا يمكن أن يبدع ويخترع دون أن يفكر باللغة التي يعرفها جيداً. وفي هذا المجال يقول فارتان غريغوريان «لم يكتف العباسيون بالترجمة، ولكن جمعوا المعرفة وأضافوا إليها.. بحيث كانت هذه الحقبة الإسلامية بحق، بوتقة للثقافات والأديان والتعلم والمعرفة، حقبة أنشأت حضارات عظيمة وأثرت على أخرى من أفريقيا حتى الصين».

و اقترح د. حامد الشراري أربع محاور أو نقاط مختصرة لدعم الترجمة العلمية، وهي كما يلي:

  • إعطاء مجال الترجمة أكبر قدر من نقاط الترقية لعضو هيئة التدريس. فلا شك أن الترجمة علم بحد ذاته وبالتالي ترجمة كتاب علمي متقدم لا يقل صعوبة عن البحث والتأليف، وربما يحتاج لجهد أكبر ووقت أطول. البحث أسرع للنشر وأقل مجهود وكلاهما لهما نفس الوزن من حيث النقاط المحتسبة للترقية (نقطة واحدة للبحث ونقطة للترجمة!)، لذا فإن إعطاء نقاط أكثر للترجمة بضوابط تعتمد أساساً على صعوبة المادة العلمية وحجم الكتاب سيكون أحد عوامل التحفيز للعمل بجد من أجل الحصول على الترقية. إن ترجمة كتاب علمي جيد سيخدم المجتمع أفضل من بحث ينشر في دورية أو مجلة علمية دولية، ولربما يخدم جهة أجنبية وذلك لعدم إمكانية تطبيقه محلياً (على سبيل المثال). والدعوة موجهة لوزارة التعليم لإعادة النظر في نظام الترقية الحالي.
  • تكوين فريق للترجمة، بمعنى أن تكون الترجمة بتشكيل فريق عمل بدلاً من الترجمة الفردية لسبب أن المجموعة (أو الفريق) تعطي عمقاً أكثر من الترجمة الراقية التي ربما تعتمد على الترجمة بالمفهوم المعتمد على القواعد العربية أكثر من الترجمة الحرفية. والفريق يكون أكثر تشجيعاً بعضه لبعض بسبب الالتزام باجتماعات دورية لمتابعة ما توصل إليه بالترجمة ومعالجة القصور إذا وجد وأيضا يكون كإدارة ذاتية لأعضائها. أن تكوين الفريق الجيد ودعمه، لتتراكم خبراته مع الوقت ومع إدخال أعضاء جدد بشكل دائم للفريق المترجم المتخصص في ترجمة كتاب معين يضمن الاستمرارية والنجاح. ربما بعض العلماء المبدعين عنده الإمكانية لترجمة الكتاب كاملاً لوحده وفي هذه الحالة يجب الموافقة المسبقة من قبل الجهة المسؤولة عن الترجمة على الكتاب لكي لا يتشتت الجهد في ترجمة كتاب لا يعتبر مرجعاً قيّماً من قبل الآخرين، والاختيار للكتاب من عدة متخصصين أفضل من واحد، وبدون بيروقراطية إدارية التي ربما تحبط حماس المترجم. إن تحديث الكتاب المترجم (إعادة طبعه) مع ما يطرأ من تحديث وتطوير في الكتاب الأصلي يجب أن يستمر وإيكالها لنفس فريق الترجمة إن أمكن، أخيراً إن المترجم أو فريق الترجمة (العلمي) ليس متخصصاً باللغة الأجنبية المراد ترجمتها، وإنما كانت وسيلة لحصوله على هذا العلم، ولربما عنده بعض القصور في جانب التعريب وقواعد اللغة العربية وهذا يحتم وجود فريق علمي مؤهل يوفر من قبل الهيئة (انظر النقطة ٤) عند الحاجة والحمد لله الكفاءات المؤهلة متوافرة بكليات ومعاهد اللغات العربية المنتشرة في هذا الوطن المعطاء.
  • دعم رجال الأعمال وأصحاب المكتبات والمؤسسات ذات العلاقة.. إن تحمل رجال الأعمال لتكاليف الترجمة والدعم الفني لذلك ومساهمة أصحاب المكتبات في طباعتها بجودة وإخراجها بصورة متطورة جذابة متوافقة مع الكتاب الأصلي ونشرهم إن أمكن لهي مسؤولية دينية ووطنية تسجل بالتاريخ لهؤلاء الرجال الذين يساهمون في توطين العلم الحديث ولإعطاء جزء من حقوقهم التاريخية ومدى مساهمتهم بنشر العلم . ومن الضروري أن يدون أسماءهم بجانب المؤلفين والمترجمين تحت اسم الداعمين؛ فأهمية دعم ترجمة كتاب قيم لا تقل عن أهمية بناء قاعة في جامعة أو بناء كلية تعليمية تبقى ذي سمعة داخلية وربما داخل أسوار المؤسسة التعليمية إلا نادراً، أما الكتاب المترجم ذو القيمة والجودة العالية سيجتاز حدود الوطن وينتشر في معظم الدول العربية. ويمكن أن تكون أيضا مبادرة من رجال الأعمال الخيرين لإنشاء مبنى مركز أو هيئة للترجمة تكون نواة لعمل مؤسسي منتظم.
  • هيئة للترجمة والتنسيق (أو مجمع للترجمة) مستقلة ذات شخصية اعتبارية؛ فوجود هيئة مؤهلة مسؤوليتها التنسيق بين المترجمين ودور النشر والداعمين له، محلياً أو خليجياً أو عربياً، والمؤلفين الأصليين مطلب رئيسي، على أن تكون هذه الهيئة مبنية على قواعد علمية واضحة خالية من البيروقراطية الإدارية لتكون بيت خبرة مع الزمن ولتكن مشاركاً رئيسياً باحتضان العلم وتوطينه. على أن تقوم الهيئة بإنشاء قاعدة بيانات مربوطة بالجهات الأكاديمية والمكتبات العامة والخاصة والاستفادة من التقنية الحديثة في مجال الترجمة الآلية والأساليب المعاصرة في النهوض بالترجمة وتجارب الآخرين في مجال الترجمة كاليابان … ومن مهام الهيئة أن تتولى تنسيق عقد المؤتمرات والندوات وورش العمل لتبادل الخبرات بين المختصين والتنسيق مع الجمعيات العربية الأخرى للترجمة لتلافي الازدواجية في الترجمة وتشتت الجهود. وأيضا، أن تضع خطة زمنية للترجمة كافية مع مراعاة ظروف المترجمين وارتباطاتهم الأخرى واقتراح المبالغ المجزية ليكون حافزاً للترجمة. إن وجود مركز أو هيئة للترجمة لهو خطوة أولى لاحتضان العلم وتوطينه وبالتالي المساهمة في إنتاج المعرفة.

وعرض د. خالد بن دهيش لوجهة نظره حول دعم وتشجيع الطلاب في جميع المراحل التعليمية ( العام والعالي )  بالوطن العربي والإسلامي  والطلاب من عرب المهجر ، من خلال إنشاء جوائز سنوية عالمية للمتفوقين والمبدعين في مجالات اللغة العربية أسوة بجائز الملك عبد العزيز العالمية لحفظ القران الكريم ، و أسوة بالجوائز العالمية للمتفوقين في المجالات العلمية كالرياضيات والفيزياء وغيرها ، على أن تتبنى هذه الجائزة العالمية وزارة التعليم بالمملكة ؛ فالمملكة لها قصب السبق عندما تم إحداث :

  • جائزة الملك فيصل العالمية التي خصصت جائزة للآداب و للدراسات اللغوية للباحثين في مجال اللغة العربية.
  • جائزة الأمير نايف للطلاب لحفظ الحديث والسيرة النبوية.
  • جائزة الملك عبد الله للترجمة.
  • كما أن هناك جوائز خصصها مجلس اللغة العربية في دبي؛ حيث فاز مركز القياس والتقويم بالمملكة بجائزة لمبادرته بوضع اختبار للغة العربية لغير الناطقين بها ، وهذا إنجاز يدعم ويشجع الدارسين للغة العربية من غير الناطقين بها لتطوير قدراتهم اللغوية .
  • و أيضا وضعت جامعة العين بالإمارات العربية أداة لقياس الكفاءة في اللغة العربية للناطقين بها .

ومن المهم أن يكون بالمملكة جائزة عالمية للطلاب لكل مرحلة تعليمية جائزة ، لتشجيع الطلاب على التفوق والإبداع في اللغة العربية .

ومن جهة أخرى فإنه وعندما نرى و نسمع أبناء الجاليات العربية المقيمين خارج حدود الوطن العربي وهم لا يتكلمون اللغة العربية و لا يقرأون أو يكتبون  بها ، نشعر بإحساس الندم على هذا التحول من لغتهم الأم إلى لغة وثقافة بلاد المهجر ، لذا فمن المهم أن تكون في تلك البلدان التي انتقلوا لها جمعيات لتعليم اللغة العربية تسهم في المحافظة على اللغة العربية من خلال تعليمها للعرب المقيمين بتلك البلدان تربطهم بلغتهم الأم وثقافتهم جيل بعد جيل ، على أن تدعم هذه الجمعيات مالياً من الدول العربية بالمعلمين غير المؤدلجين وبالمقررات التعليمية المناسبة . وتقدم جوائز معنوية للمنتظمين المتفوقين منهم . ولقد قدمت المملكة مساهمة محدودة في هذا المجال  بافتتاح مدارس سعودية تحت الإشراف التعليمي لوزارة التعليم في معظم العواصم الأوربية وفي أمريكا وروسيا تعلم أبناء المقيمين دينهم ولغتهم وتربطهم بثقافتهم إلى جانب المقررات الدراسية ولكنها لا تخدم سواء نسبة ضئيلة جداً إلى جانب تعليم  أبناء الدبلوماسيين والطلاب السعوديين والعرب .

وذكر م. خالد العثمان مثالين لحالة من حالات مبادرات الحلول التي تتطلب احتواء مؤسسي على أمل أن تسهم في إعادة لغتنا العربية إلى مكانتها وهي مؤسسة الثقافة الإسلامية مؤسسة إسبانية مقرها في مدريد وترفع راية محاربة الإسلاموفوبيا عن طريق إبراز معالم الحضارة الإسلامية في الأندلس دون أية مقاربات لا دينية ولا سياسية .. فقط حضارة.. ومن معالم هذه الحضارة الخط العربي الذي يعد أحد وسائل إبراز جماليات اللغة بتأثيرها البصري.. هذه المؤسسة تصارع من أجل البقاء وتستجدي ليس الدعم والتبرعات بل التعاون والتآزر لنشر أنشطتها ورسالتها في العالم بأسره.. وفي المقابل مؤسساتنا الحكومية والداعمة في العالم العربي وفي السعودية خصوصا غافلة عن اقتناص هكذا فرصة لتحقيق مكاسب جمة أحدها تنمية الشعور بجمال اللغة العربية.

والمثال الآخر .. مكتبة تشستر بيتي في دبلن والتي تضم مجموعة من أقدم المخطوطات الإسلامية ومنها نسخ أقلية من أقدم مخطوطات القرآن الكريم .. هذه المعروضات تجوب العالم لكن لا أحد تقريبا في العالم العربي يعلن عنها شيئا.. لم لا يكون هناك مناشط وبرامج للتعاون مع مثل هذه المؤسسات التي تبرز الجانب الحضاري للتاريخ الإسلامي والعربي.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن تعلم اللغات الأخرى يجب أن يكون وسيلة لاقتناص معارفهم ومن ثم توطينها أن صح التعبير.. المشكلة أن التوطين يتطلب جهدا موازيا في التعريب الذي أشار إليه م. أسامة كردي.. بدون تعريب تصبح الحلفة غير مكتملة ونجد أنفسنا محاصرين في الموقع الآخر.

وذكر د. سعد الشهراني أنه ولا شك أن لغتنا تواجه تحديات و تجريفا (على حد تعبير د  حسناء القنيعير في مقال لها في جريدة الرياض ) مستمرا منذ عقود بل منذ الهجمة الاستعمارية الغربية في القرنين الماضيين. ومن المهم التطرق إلى النقاط التالية في هذا الشأن:

  • القرآن هو معين اللغة العربية و كذلك العلوم الأساسية أي علوم اللغة و الدين (العقائد و القيم) التي إذا أضفنا لهما التاريخ والجغرافيا لكانت جوهر و مدار الهوية و هذا يصدق علينا كما يصدق على غيرنا. وفي هذا الجانب يمكن ملاحظة أن معظم من حفظ القرآن في صغره أو درس في حلقات تحفيظ القران يتمتع بحس و قدرات لغوية و مهارات في الكتابة و الحديث أفضل من كثير من أولئك الذين لم يمروا بنفس التجربة و هذا يأخذنا إلى النقطة الثانية التي يجب أن تكون في صلب تطوير التعليم لدينا.
  • المهارات اللغوية الأصلية أربع كما نعلم و هي مرتبة حسب بداية التعلم في مرحلة الطفولة:
  • الاستماع.
  • التحدث.
  • القراءة.
  • الكتابة.

فبالإضافة إلى الجوانب اللغوية الشكلية نحوا و إعرابا و خطأ و إملاء فإن الأهم هو الألفاظ و المعاني و الدلالات و الوضوح و السياقات و بناء الجمل ( و الفقرات في الكتابة) و التعبير عن الأفكار و الآراء و الفصاحة و مخارج الحروف و الحوار و فن السؤال، و هذه ليست مهارات لغوية فقط بل هي مهارات تعلم و اتصال.

ونستنتج أن اللغة القوية شرط ضروري للتعلم الصحيح و لذلك فإننا إذا كرسنا الجزء الأكبر من التعليم الأساسي ( و خصوصا في المرحلة الابتدائية ) لتعليم اللغة بطريقة صحيحة فإن هذا سيضعنا على مسار تطويري حقيقي للتعليم.

  • التحدي الذي توجهه اللغة العربية في بلاد العرب الأصلية هي من صنعنا تجاهلا و إهمالا من الجميع و على وجه التحديد من:
  • المؤسسات التعليمية و التربوية.
  • الجمعيات  العلمية و مراكز البحوث.
  • مؤسسات الدولة في تعاملاتها الإدارية.
  • قطاع الأعمال خصوصا المؤسسات التجارية و الشركات في تعاملاتها اليومية.
  • الأسرة في التربية و الحرص على النمو اللغوي السليم للأطفال.

و بالمقابل كل هذه المؤسسات يجب أن تشترك في إعادة الاعتبار للغتنا استماعا وتحدثا و قراءة و كتابة من خلال خطة وطنية مميزة و متقدمة على كل ما سبقها من جهود وطنية أو عربية أو إسلامية أو دولية.

ونحن لها؛ ليس بمعنى أننا الأجدر فهذا علمه عند الله؛ و لكن بمعنى أن علينا مسؤولية كبرى هنا في المملكة العربية السعودية و هي مهد العرب و العربية و مهبط الوحي و مهوى أفئدة  المسلمين و حفظ و قراء كتاب الله الذي أنزل بلسان عربي مبين، فأين نحن من هذه المسؤولية!

  • لا شك أن هناك مشاكل و تحديات حقيقية تواجه لغتنا و خصوصا أن التعلم و التعليم و الثقافة والفكر بل و أداء الأعمال تتأثر مباشرة و سلبا بالضعف اللغوي فإذا نجت الأجيال الأكبر فإن الشباب يعاني من مشاكل كبرى في تعلمهم و نرى ذلك واضحا في المهارات اللغوية للأبناء و لخريجي التعليم العام و الجامعي و العالي.
  • نحتاج إلى مسابقات لغوية في الخطابة و التحدث و الحوار و الجدل و المناظرة و في الكتابة و غيرها و بشكل مستمر في مدارسنا و جامعاتنا و أنديتنا.
  • هل توجد جمعية لأصدقاء اللغة العربية في المملكة وهل يمكن إنعاشها أو بعث الحياة بها إن كانت موجودة، أو تأسيسها أن لم توجد؟

وذكر د. حاتم المرزوقي أنه في خضم الحديث عن تمكين اللغة العربية.. تواجهنا في الجامعات قضية تتعلق بمجالات عمل خريج كلية اللغة العربية. أو بمعنى آخر كيف يمكن أن نربط مخرجات برامج كلية اللغة العربية بسوق العمل. خريجو كليات اللغة العربية بأقسامها يواجهون اليوم تحديا في البحث عن فرص عمل. ويتم حالياً دراسة هذا الموضوع على نحو تكون فيه مخرجاتنا متوافقة مع احتياج سوق العمل.

ويرى د. حميد المزروع أن تمهين مخرجات الأقسام النظرية وخاصة اللغة العربية والعلوم الأخرى أصبح معاناة دولية حتي بالدول الأكثر تطورا؛ فالأقسام تحتاج إلى التقليل من المقررات المعرفية والتلقين وتحويلها إلى مقررات مهارية قابلة للتطبيق والعرض بالوسائل التدريسية الحديثة ، كما نحتاج أيضا إلى دمج الأقسام النظرية المتشابهة لتقليل أعداد الخريجين.

تزدهر اللغة وتستمر إذا تمكنت من فرض أهميتها كوسيلة تعبير بالمقام الأول . وإذا عجزت اللغة عن استيعاب القيم العصرية الحديثة ومنها التمرير عبر وسائط التواصل الإلكتروني، والمقصود هنا البرامج الحاسوبية الحديثة ، بدأت تفقد مكانتها كوسيلة وتصبح   غير عملية أو  ملائمة لنقل القيم الفكرية المعاصرة.

واقترحت د. طلحة فدعق علي مستوي الجامعة والدراسة الأكاديمية ، وضع مقرر من متطلبات الجامعة يقيس المهارات الأربع في اللغة العربية الأكاديمية : استماع وفهم وكتابة وقراءة (علي نمط الأيلتس الإنجليزي) ..لأنه عبء علي المدرس الجامعي أن يؤسس من لا أساس له ..، هذا قد يحسن نوعا ما مستوى الطلبة.

أيضا قد يكون مشروع تحسين مهارات اللغة العربية في استخداماتها الأكاديمية أحد مصادر جذب هؤلاء الخريجين وخلق فرص عمل لهم بتدريبهم علي “كورسات” أو دورات تعطي للطلبة والطالبات وأيضا الملتحقين بالتخصصات الأدبية لتحسين مستواهم ، فلابد أن تتواكب مخرجات الجامعة مع متطلبات سوق العمل. خريجو اللغة العربية أين هم من العمل كباحثين في اللغة وقضاياها… كمحررين وكتاب ممن يمتلك منهم الموهبة والميل لهذا العمل ..مستشارين في مجال تطوير مقررات اللغة في الوزارة أو المؤسسات التابعة لها…. باحثين في مجال التخطيط اللغوي والسياسات اللغوية .المسألة تحتاج تخطيط وتمكين لتلك التخصصات لكنها ليست مستحيلة. كذلك فإن سياسة الجامعات والكليات والأقسام لابد أن يعاد النظر فيها لمثل تلك للقضايا… ومع برنامج التحول الوطني من المهم أن يعيد الكل حساباته خصوصا ليعض البرامج ، إن الفرصة مناسبة الآن لقيام نوع من الحراك داخل التخصص ذاته لإعادة تقييم وتقويم الكثير من الأمور … ليس فقط أقسام اللغة العربية لكن معظم التخصصات النظرية.

ويعتقد أ. خالد الحارثي أنه من الصعب جدا أن تتطور اللغة العربية وتأخذ مكانتها المتقدمة المأمولة دون كتابة وأقلام وفكر متقدم وعلمي تستقر فيه العديد من المفاهيم والتصورات والنظريات الحديثة من مختلف العلوم والإنسانيات وتعج فيه النقاشات والنقد المنهجي والعلمي حتى تسود هذه اللغة التي تولد الجمل والمصطلحات المستجدة والمحْدثة.

ويتحمل المجتمع العلمي والثقافي مسئولية كبرى حيث نادرا ما نجد كتابات فكرية تستخدم اللغة استخداما حديثا وتثير السياقات الفكرية التي تطور استخدامات اللغة وتقدم الأفكار الحديثة والاصطلاحات الفكرية والثقافية ذات العمق والأصل العلمي الحديث. كما أن نسبة لا يستهان بها من موضوعات وقضايا المجتمع العلمي في المملكة قديمة ولا تحتاج إلى توظيف اللغة توظيفا تزدهر معه اللغة وتتطور.

هذا ينطبق على كل النطاق الواسع من الكتابة والنقد. بل إن الكتابة النقدية معدومة وليس لها قبول أو شهية ، وهذا هو أحد أهم الأسباب التي تدعو لدراسة العلاقة بين اللغة والمجتمع العلمي والفكري.

وأشار أ. خالد الحارثي إلى أنه فكريا لا شك أن تعدد اللغات يثري الذهن ويوسع المدارك ويخصب الأفكار ، لكنه لا يمنع حدوث نفس الشيء وأكثر منه عند المتميز ممن لا يجيد سوى لغة واحدة لغته الأم ، ولكنه مطلع وأفقه واسع يستوعب مستجدات العلوم الحديثة ومنطقها وفلسفتها وأصولها وقواعدها.

واشتراط اللغة الإنجليزية في التوظيف في المملكة وبقاء المراسلات الرسمية باللغة الأجنبية من أكبر معاول هدم اللغة العربية عند الشباب، وتنفير منها ويضعها على المحك في المقارنات؛ هذا مما يعد جزء من المغالطات المنطقية الكبرى المضادة لثقافة العمل والإنتاج والمحبطة للتخطيط والجهد الحكومي.

  • مشروع نهضوي للغة العربية: سلسلة العرب ينطقون ويكتبون العربية

أشار د. عبدالله بن ناصر الحمود إلى مشروع نهضوي للغة العربية سبق وأن أعده ولا يزال بانتظار من يتبناه إنتاجا تحت عنوان: “سلسلة العرب .. ينطقون .. ويكتبون .. العربية” كما يلي:

الإطار العام

تمهيد

سلسلة “العرب .. ينطقون ويكتبون العربية” سلسلة (مسموعة مرئية) تهدف لمعالجة العديد من الأخطاء التي يقع فيها العربي عندما ينطق أو يكتب لغته العربية، وهي أخطاء لم تعد قاصرة على العامة من الناس، بل سجلت الدراسات المتخصصة تزايدا ملحوظا في وقوع النخب والمثقفين وكتاب الرأي، والشباب بكل فئاتهم في أخطاء في النطق وفي الكتابة بشكل ليس مقبولا ويهدد سلامة اللغة وصورتها وقدرتها على المنافسة مع اللغات العالمية الحية.

يقول د. محمود عمار، أحد رواد الثقافة العربية وأساتذة الأدب في المملكة: “أصبح الخطأ في اللغة هماً يؤرق جفون المهتمين والمعلمين وأولياء الأمور، وأساتذة الجامعات، والغُيُر من أبناء الأمة، وضجت الشكوى من هذا الضعف في كثير من البلدان العربية، وتنادت الصحف، والندوات، والمؤتمرات، والمجامع بأن هذا الضعف أصبح بدرجة يهدد اللغة العربية واقعاً ومستقبلاً، ويُخشى منه على الأمة، وشخصيتها، وعقيدتها، وكيانها، وصلتها بتراثها وجذورها”.

هذا الأمر، أوجب التصدي لهذه الظاهرة المتزايدة، ومحاولة تقديم بعض الحلول بالوسائل الإعلامية والاتصالية المعاصرة الأكثر فعالية وتأثيرا.

تنتج هذه السلسلة شكليا وموضوعيا بمواصفات عالية جدا في صناعة الإنتاج المرئي المسموع، بالقدر الذي يجعل كل حلقة من حلقات هذه السلسلة جاذبة لشرائح الجمهور المختلفة وبخاصة الشباب الذين يمثلون أغلبية كبرى في الوطن العربي، مع تقدم مهاراتهم وخبراتهم في استخدام وسائل وتقنيات الإعلام والاتصال. وتبلغ حلقات هذه السلسلة خمسين حلقة (50) مدة كل حلقة فيها عشر دقائق (10)، تنتج مسجلة.

ولضمان قدر عال من جودة المحتوى والشكل لهذه السلسلة، يسير إعداد الحلقات وفق آلية محددة، وطموحة في جذب اهتمام المشاهد، وتحفيزه على متابعة المشاهدة، عبر عدة آليات معتبرة في علم الإعلام والاتصال. وفي ما يلي، عرض لتلك الآليات.

بناء حلقات السلسلة

  • يتم إعداد حلقات سلسلة “العرب.. ينطقون ويكتبون العربية” بطريقة بنائية تكاملية بحيث تحقق مجتمعة الهدف العام من إنتاج السلسلة وهو (دعم المعرفة الدقيقة باللغة العربية نطقا وكتابة). ويتم بناء الحلقات وفق أسلوب وقالب موحد لإعطاء هذه السلسلة القدرة على جذب الانتباه من ناحية، ومن ناحية أخرى لرفع القدرة على التذكر لكافة المحتويات التي سوف تقدمها الحلقات.
  • تنقسم كل حلقة من حلقات السلسلة إلى ثلاثة أجزاء رئيسة، الجزء الأول يوثق الخطأ اللغوي في النطق أو في الكتابة، في حين يعالج الجزء الثاني من الحلقة هذا الخطأ ويقرب النطق أو الكتابة الصحيحين للجمهور، أما الجزء الثالث فهو عبارة عن قاعدة لغوية من قواعد اللغة ذات العلاقة بموضوع الحلقة.
  • يتم إنتاج الجزء الأول من كل حلقة ميدانيا في الغالب، بينما الجزء الثاني يتم إنتاجه في الأستوديو.
  • يتم اختيار أحد الشباب المؤهلين تأهيلا علميا ومهنيا عاليا، ليتولى تقديم كافة الحلقات.

ويسير إنتاج هذه السلسلة في كل حلقة من حلقاتها على المعادل الإنتاجي التالي:

  • الجزء الأول من الحلقة: خمس دقائق ميدانية:
  • تتنوع البيئة الميدانية لإنتاج هذا الجزء، بحيث تضمن التنوع والجدة والتشويق، وأيضا الملاءمة مع موضوع كل حلقة. وبالتالي يمكن أن ينتج هذا الجزء من حلقات السلسلة في الجامعات، أو المدارس، أو المجمعات التجارية، أو المقاهي والمطاعم، أو المنتجعات والمرافق العامة، ونحو ذلك.
  • يمكن أن يبنى هذا الجزء على مصادر أولية للأخطاء في اللغة مثل المقالات الصحفية، والمواد الإعلامية في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، والبرامج العربية الفصيحة، والمسلسلات العربية الفصيحة، والندوات والمؤتمرات، ونحو ذلك.
  • يؤخذ بالاعتبار، بالتأكيد، كافة الحقوق الفكرية والشخصية، لكافة المواد التي يتم الاستشهاد بها أو تضمينها في حلقات السلسلة بما يضمن قوة وصلابة الأبعاد القانونية والنظامية لهذا الإنتاج.
  • يستهدف هذا الجزء من الحلقة، كما سبقت الإشارة، بيان موطن الخطأ اللغوي، وطبيعته، وأهميته، ويحدد الإشكالات المعرفية وغير المعرفية التي تترتب على ترسخ الخطأ اللغوي.
  • نظرا لأهمية “التشويق” باعتباره عنصرا مهما في إنتاج هذه السلسلة، يتم التناوب في اختيار طبيعة الجمهور الذي يقع منه عادة الخطأ، حيث تراوح الحلقات بين الشباب والكبار، المهنيين والأكاديميين، والمثقفين، والعامة، وهكذا.. لتحقيق قدر عال من التنوع والجاذبية.
  • تتنوع موضوعات الحلقات، مثلا:
  • أخطاء في الخط والكتابة العربية.
  • أخطاء في الإملاء، بحيث تخصص كل حلقة لخطأ إملائي أو مجموعة أخطاء إملائية.
  • أخطاء العبارات والكلمات الدخيلة على اللغة العربية.
  • أخطاء في النطق والتعبير السليم.
  • أخطاء في الصياغات والتراكيب اللغوية.
  • أخطاء في البناء العام للنصوص العربية في الخطابات والتقارير ونحوها.
  • يتم إنتاج هذا الجزء الميداني من الحلقة، بمواصفات إنتاج عالية عبر توظيف ما يحتاجه من عناصر الإنتاج المرئي المسموع كمعالجات الجرافيك والمونتاج الاحترافيين والمؤثرات المرئية والمسموعة الملائمة، وكذلك استخدام الكاميرات عالية الجودة والحوامل المناسبة للموضوع كالعربات والكرينات بحسب احتياج كل حلقة.
  • يتضمن الجزء الأول من كل حلقة عرضا مركزا مختارا لانطباعات وآراء الجمهور العام حول الأخطاء المرصودة لذات الحلقة وتصوراتهم لموقع الخطأ ومن ثم الصواب. ويفيد ذلك في إضفاء الكثير من عناصر التشويق والجذب، ويحقق أحيانا قدرا جيدا من الطرافة.
  • يتولى الشاب (مقدم الحلقات) كافة مهمات الربط والتعليق على موضوعات الجزء الأول من كل حلقة وفي الاحتياج.
  • الجزء الثاني من الحلقة: أربع دقائق أستوديو مع الضيف الرئيس للسلسلة
  • داخل الأستوديو، وفي بيئة تصمم خصيصا لهذه السلسلة بمواصفات شكلية وفنية رفيعة، يتم إنتاج الجزء الثاني من السلسلة.
  • يستضاف للجزء الثاني من كل حلقة ضيف ثابت لجميع الحلقات بإذن الله تعالى، على أن يكون الضيف شخصية متخصصة في اللغة العربية وآدابها، مرموقة ومقبولة إعلاميا واتصاليا تتولى في كافة الحلقات التعليق على الأخطاء وبيان الصواب، بطريقة سلسة ومعاصرة وجذابة.
  • يكون الشاب (مقدم الحلقات) الشخصية المحورية في كافة حلقات السلسلة، حيث يتولى محاورة الضيف في الأستوديو والوصول إلى الخلاصات المهمة لكل حلقة في الجزء الثاني منها.
  • يكون الحوار داخل الأستوديو باللغة العربية الفصحى الميسرة، وخال تماما من الأخطاء اللغوية والنحوية والبيانية وغيرها، حيث تفرض رقابة لغوية صارمة على كل الحلقات أثناء التسجيل.
  • يتسم الحوار بالخفة والحركة، ويتناغم مع البيئة المتجددة للإعلام والاتصال.
  • الجزء الثالث من الحلقة: دقيقة واحدة.. قاعدة من قواعد اللغة العربية
  • تعرض كل حلقة في نهايتها، شريحة تعريفية بإحدى قواعد اللغة العربية، وآدابها بالشكل الذي يتكامل مع موضوع الحلقة وما يرد فيها من أفكار.
  • تنتج هذه الشريحة بمواصفات فنية عالية باستخدام تقنية الجرافيكس، وتطبيقات الإنفوحرافيك.
  • تكون الشريحة منطوقة ومكتوبة في ذات الوقت بمؤثرات مرئية ومسموعة مناسبة.

المحور الثاني

أولويات تطوير النظام الضريبي في المملكة

الورقة الرئيسة: أ. محمد بن فهد العمران

عند الحديث عن النظام الضريبي في المملكة، نجد أنه نظام قائم على ضريبة الدخل فقط  وموجه لغير السعوديين فقط ( سواء كانوا أشخاصاً طبيعيين أم اعتبارين و سواء كانوا مقيمين أم غير مقيمين ) لكنه بالتأكيد لا يتماشى مع التغيرات الجوهرية التي شهدها الاقتصاد السعودي مؤخرا بعد تطبيق برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠م و الرؤية السعودية ٢٠٣٠م مما يعني أن هذا النظام حتما  سيفقد مصداقيته إذا لم يشهد تطورات كبيرة.

من أهم هذه المتغيرات الجوهرية، ما يتعلق بتطبيق ضريبة السلع الانتقائية (الضارة) المتوقع بدء تطبيقها في شهر إبريل ٢٠١٧م ( بنسب تتراوح بين ٥٠٪‏ على المشروبات الغازية و ١٠٠٪‏ على التبغ و مشروبات الطاقة ) و ضريبة القيمة المضافة المتوقع بدء تطبيقها في يناير ٢٠١٨م بنسبة ٥٪‏، حيث أن الجديد هو أن تطبيق هذه الضرائب سيشمل المواطنين والمقيمين معاً وأن هناك غياباً للأنظمة واللوائح والإجراءات الخاصة بهذه الضرائب ضمن الهيئة العامة للزكاة والدخل التي تسابق الزمن لتجهيز هذه النواقص.

مما سبق، يتبين أن النظام الضريبي يجب أن لا يكون مقصوراً على ضريبة الدخل فقط ( بالرغم من تضمنها لضريبة المكاسب الرأسمالية وضريبة الاقتطاع بينما كان من الواجب فصلها عن ضريبة الدخل)، بل يجب أن يكون نظاما شاملاً ومرناً ليشمل جميع أنواع الضرائب المطبقة حالياً أو المتوقع تطبيقها قريباً أو تلك التي تحت الدراسة ( مثل ضريبة تحويل الأموال للخارج ) وأن يكون موجهاً للمواطنين والمقيمين على حد سواء.

من أهم التحديات التي ستواجه النظام الضريبي في المملكة مستقبلاً ما يتعلق بوضع الأنظمة واللوائح والإجراءات الخاصة بتطبيق كل نوع من الضرائب، و تأسيس إدارات داخلية في الهيئة وفروعها لإدارة و تحصيل هذه الضرائب، وتوفير كادر وظيفي يستطيع التعامل مع كل نوع من الضرائب وفق المعايير المهنية وتدريبهم على أعلى مستوى وأخيرا وضع آليات صارمة للرقابة وتطبيق العقوبات والغرامات أمام أي محاولات للتهرب الضريبي مستقبلاً.

لا شك أن النظام الضريبي في المملكة يحتاج إلى غربلة كاملة بهدف تطويره وهذا قد يتسبب بضرر لدى البعض، لكن يجب أن ننظر إلى مستقبل أبنائنا وأحفادنا و بالتالي يتوجب علينا جميعاً أن نتعاون في ذلك على اعتبار أن الضريبة هي إحدى أهم الأدوات لتحويل اقتصاد المملكة من اقتصاد ريعي قائم على الإيرادات النفطية فقط إلى اقتصاد قوي ومتنوع قائم على الإنتاجية والتنمية المستدامة.

في المقابل، يجب أن نضع في الاعتبار أن حكومة المملكة حفظها الله تعهدت بتحسين مستويات الخدمات العامة المقدمة للمواطنين والمقيمين في قطاعات التعليم والصحة والنقل وغيرها ضمن المبادرات والخطط المنصوص عليها في برنامج التحول الوطني والرؤية السعودية و أنها تعهدت أيضا بمحاربة الفساد من خلال تفعيل برنامج الخصخصة وآليات الرقابة على الأداء الحكومي.

في الختام، يجب أن لا ننسى أن المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها وحتى العام ١٣٨٠ هجري ١٩٦٠ ميلادي ( فترة ما قبل طفرة النفط ) كانت تفرض ضرائب على المواطنين على شكل ضريبة دمغة للعقارات وضريبة طرق بنسبة ٢٪‏ ثم تم إلغاء هذه الضرائب بسبب الإيرادات النفطية والاكتفاء بضريبة الدخل على الأجانب أسوة بما هو مطبق في غالبية الدول الإقليمية و العالمية وبنفس النسب الضريبية تقريبا.

التعقيب الأول: أ. جمال ملائكة

أولا لابد من تأييد موضوع فرض الضرائب في السعودية لأسباب عديدة و واضحة أهمها لضمان استدامة و استمرارية قيام الحكومة بالتزاماتها تجاه الشعب و البلاد و أي اعتراض علي المبدأ يدل علي عدم فهم أن البديل هو انهيار لهذه الالتزامات في وقت ليس بعيدا. ثانيا: هناك “شروط” موضوعية لفرض الضرائب منها علي سبيل المثال:

  • ضرب الفساد بجميع صوره و أشكاله بيد من “فولاذ” و في كل وقت.
  • أن تقوم الدولة في حال فرض ضريبة لخدمة معينة أن تقدم الخدمة علي أعلى معايير و مواصفات دولية.
  • أن تتم غربلة الجهات التي ستفرض الضريبة للتأكد من أن “تكلفة” الخدمة تتم علي أعلى معايير الشفافية و أن العمليات تتم باعلي المعايير المهنية و الاقتصادية و لا يشوبها هدر أو فساد أو سوء إدارة.
  • أن تقوم الدولة بإيجاد “ألية” واضحة للمراقبة و المحاسبة من قبل الدولة و نعم من قبل “دافعي الضريبة”.
  • أن يكون هناك حساب و عقاب لمقدم الخدمة في حال التجاوزات و لا يكفي “كف اليد”.

و أقترح أن نقوم و بدون إبطاء بالتعاون مع دول تطبق الضرائب بصورة ناجحة و ليس لها غايات سياسية مثل اليابان و ألمانيا و سويسرا و الدول الإسكندنافية حتي نستفيد من خبراتهم التراكمية و “عدم إعادة إنتاج العجلة ” وإضاعة الوقت و الجهد و المال و نقوم بتطويع نظمهم بما يتلائم مع وضعنا و كذلك تدريب كوادر من “المبتعثين” المتميزين و ذلك لأن الأجهزة الحالية تعاني من ترهل و بيروقراطية الخ .

كما اقترح أن تُطبٓق ضرائب دخل علي الشركات و الأثرياء دون إبطاء كما طالب الدكتور عبدالعزيز الدخيل فلا يجوز فرض ضرائب علي الأفراد مثل ضريبة القيمة المضافة ولا يتم فرض ضرائب و لو قليلة نسبيا علي قطاع الأعمال و الأثرياء الذين استفادوا من هذه البلاد (لا ننكر إفادتهم للبلاد بالطبع).

أخيرا لا بد من القيام بخطة شاملة متكاملة بالتوقيت الملائم تشمل ما ذُكر أعلاه بجانب أفكار أخرى علي أن يتضمن ذلك حملة توعوية و إعلامية لضمان تفهم المواطن لما سيتم فرضه بعد أن تقام ورش مكثفة تشمل مختصين من مجلس الشوري و الاقتصاديين و أساتذة الجامعات المتخصصين و رجال الأعمال و المثقفين لضمان شمولية الآراء و أخذ ما لم يتم أخذة في الاعتبار ضمن الاعتبارات الأخرى بالطبع.

التعقيب الثاني: م. أسامة كردي

لا أرى الحاجة بتاتاً لتطوير النظام الضريبي في المملكة.. أما سبب ذلك فهو أولاً عدم مناسبة التوقيت بتاتاً ،، ليس الآن و لا خلال السنوات القليلة القادمة بسبب ما تمر فيه المملكة و العالم من النواحي الاقتصادية و المالية .. و ثانياً أن الخبرة العالمية هي أن أي ( تطوير ) لأي نظام ضريبي تكون نتيجته زيادة تعقيد النظام و رفع نسب و أنواع الضرائب !! و لكني في نفس الوقت أرى ضرورة وضع القواعد و الأسس اللازمة لتحصيل ضريبة القيمة المُضافة لأن هذه الأسس ستؤثر على أسلوب البيع في أسواق التجزئة.

كما أن أهم القواعد المالية العالمية المتعلقة بالضرائب هي أن رؤوس الأموال يجب أن تبقى لدي القطاع الخاص بدل انتقالها إلى الحكومة على شكل ضرائب لأن دورة رأس المال لدى القطاع الخاص أكثر فعالية و إنتاجية من دورته لدى الحكومة. حيت لم نرى – تاريخياً – لا داخل و لا خارج المملكة أي علاقة تربط بين تعديل الضرائب و إصلاح الخدمات.

و سأحاول هنا أن أوضح النواحي السلبية و الإيجابية ( إن وجدت ) لأنواع الضرائب المذكورة في ورقة العمل:

  • ضريبة الأرباح على المستثمر الأجنبي: من الأمور الأكثر تأثيراً على القرار الاستثماري ، و تعتبر المملكة من أقل الدول في هذه الناحية ، ٢٠٪‏ .. و لكنها ليست منافسة بما فيه الكفاية لأن هذه الضريبة تنخفض إلى ١٠٠٪‏ في بعض الدول في منطقتنا ، فإذا يمكن تخفيضها و لا يجوز زيادتها لتأثير ذلك سلبياً على خطط الاستثمار في رؤية ٢٠٣٠. و بالمناسبة ، أنا لا أعلم أن هناك ضريبة دخل على الأشخاص الطبيعيين المقيمين في المملكة على الرغم من وجودها في أحد الأنظمة في المملكة.
  • رفع الجمارك على بعض المنتجات و ضريبة القيمة المُضافة : لا شك أن هذه الضرائب سوف ترفع من تكاليف المعيشة في المملكة و  بالتالي ترفع نسبة التضخم و إن كان لها تأثير إيجابي متعلق بترشيد الإنفاق لدى الأسر المقيمة في المملكة كما أنها ترفع الدخل الحكومي مما قد يؤدي إلى تخفيض الرسوم الحكومية أو على الأقل عدم إحداث رسوم جديدة .. و مما يخفف من تأثير هذه الضرائب على وضع المملكة التنافسي اقتصادياً هو تطبيقها على المستوى الخليجي.
  • الرسوم بأنواعها التي صدرت أخيرا على العمالة الأجنبية المقيمة في المملكة : أعتقد جازما أنها ستكون أفضل وسائل سَعوَدَة الوظائف  في المملكة على الرغم من أنها لا تفرق بين التخصصات و الخبرات التي يمكن سعودتها و التي لا يمكن أو يصعب سعودتها .. و لكن من المؤكد أن هذه الرسوم ( و هي شكل من أشكال الضرائب ) سيكون لها آثار سلبية على القطاع الخاص لأثرها في ارتفاع التكاليف مما يؤثر سلباً على عدة أهداف في رؤية ٢٠٣٠ المتعلقة بدور القطاع في الاقتصاد السعودي.

و لولا الحرص على الاختصار لتحدثت كذلك عن ضريبة المكاسب الرأس مالية و ضريبة الاستقطاع و ضريبة تحويل الأموال إلى الخارج و يمكن أن تكون هذه الضرائب موضوع مداخلات متعددة خلال مناقشة الموضوع في منتدى أسبار.

المداخلات حول القضية:

  • النظام الضريبي البريطاني و التعديلات الأخيرة عليه “كنموذج”

قدم أ. محمد بن فهد العمران شرحا مختصراً عن النظام الضريبي البريطاني و التعديلات الأخيرة عليه. حيث قال في هذا الصدد: كحال الدول المتقدمة، تمثل الضرائب المصدر الرئيسي لدخل بريطانيا حيث تشكل الضرائب اكثر من ٩٠٪‏ من إيرادات الحكومة البريطانية و لهذا السبب يكتسب هذا الموضوع أهمية كبرى للدول المتقدمة بما فيها بريطانيا لارتباطه الوثيق بالسياسات المالية. ويقوم النظام الضريبي البريطاني على أربعة تعريفات أساسية و هي:

  • مقيم دائم domicile
  • غير مقيم دائم non domicile
  • و مقيم مؤقت resident
  • و غير مقيم مؤقت non resident

وهذه التعريفات لها شروط:

  • فالمقيم الدائم هو المولود في بريطانيا أو الذي عنوانه الدائم في بريطانيا أو الذي أقام في بريطانيا بشكل متواصل فترات طويلة (تزيد مثلا عن ٧ سنوات متصلة أو ٩ سنوات متقطعة الخ صمن جدول يحدد ذاك).
  • و المقيم المؤقت هو الذي يقيم في بريطانيا لفترة تزيد عن ١٨٠ يوم في السنة الواحدة و لا تنطبق عليه معايير المقيم الدائم ضمن جدول يحدد ذلك.

طبعا هذا لا ينطبق على من لديهم تأشيرات دراسة أو علاج. لكن هنا يجب الانتباه إلى أن كثير من العرب الذين لديهم تأشيرات زيارة أو سياحة و يسكنون لفترة تزيد عن ١٨٠ يوم في السنة مثلا فإنهم تلقائيا يصبحون مقيمين دون أن يعلموا و هذا يعني أنه يتوجب عليهم تعبئة الإقرار الضريبي و دفع الضرائب داخل و خارج بريطانيا و إن كانوا سياح !!

و الغريب كما يلاحظ أن الجنسية البريطانية ليس لها علاقة بالنظام الضريبي. و هذا يعني أن النظام الضريبي عندهم أهم من الجنسية و في الحقيقة الالتزام بدفع الضرائب عندهم هو الذي يكسب الأفراد الجنسية و الحقوق الطبيعية كالعلاج الطبي و التعليم الخ و ليس العكس ؛ فمثلا طالما أن المهاجر غير الشرعي يعمل و يسدد الضرائب بانتظام فهو يكتسب الحقوق الطبيعية كالعلاج و التعليم الخ و يستطيع تصحيح وضعه ليحصل على الإقامة و ربما الجنسية طالما أنه يعمل و يسدد الشرائية بانتظام.

وبالطبع فإن قائمة الضرائب طويلة جدا في بريطانيا و لا تنتهي و دائما ما يطورون و يعدلون في نظامهم الضريبي لكن أهم الضرائب هناك هي:

  • ضريبة الدخل على الأفراد و التي تصل إلى ٤٥٪‏ سنويا و على الشركات و التي تصل إلى ٢٠٪‏ سنويا .
  • ضريبة التأمين الوطني (خاصة بالعمل و المرض) بنسبة ٢٠٪‏ سنويا.
  • ضريبة المكاسب الرأسمالية على جميع الأصول بنسبة ٢٨٪‏ لمرة واحدة.
  • ضريبة التركة على العقارات و الحسابات البنكية (على من يتوفى) بنسبة ٤٠٪‏ لمرة واحدة و تهدف لمحاربة اكتناز الأموال .
  • ضريبة الدمغة stamp duty على تناقل الأوراق المالية و العقارات و التي تصل إلى ١٥٪‏ من القيمة السوقية على تناقل العقارات المملوكة لشركات مسجلة في مناطق الاوفشور.
  • ضريبة القيمة المُضافة على المبيعات vat بنسبة ٢٠٪‏ و هذه الضريبة يعرفها السياح الخليجيون في بريطانيا جيدا لأنهم يستردونها عند مغادرة الحدود.
  • ضريبة العقارات السنوية ated و هي ضريبة جديدة فرضت عام ٢٠١٣م على العقارات التي تزيد قيمتها السوقية عن ٣ مليون جنيه بنسبة تتراوح بين ٦-١٢٪‏ سنويا.

و غيرها الكثير من أنواع الضرائب. ومن المهم الإشارة إلى نقطة يجهلها الكثير و هي أنك لو كنت في زيارة سياحية قصيرة لبريطانيا لعدة أيام و قمت خلالها بعمل تجاري أو مصرفي، مثل توقيع عقد تجاري مع مدير شركة فرنسية لمشروع في المملكة، أو قابلت مسؤول حسابك المصرفي في سويسرا لاستثمار صندوق مسجل في سويسرا؛ ففي هذه الحالات يتوجب عليك تعبئة الإقرار الضريبي البريطاني و ستعرض نفسك لمساءلات قانونية بتهمة التهرب الضريبي و إن كان الطرفين و الموضوع ليس لهم علاقة ببريطانيا لكن لكونه تم داخل البلد فهذا يخضعه لقانون الضرائب البريطاني.

وبالنسبة للمقيم المؤقت، فهو سيدفع نفس الضرائب التي يدفعها المقيم الدائم و لكن بنسب أقل ، و كما هو إلزاما على المقيم الدائم، على المقيم المؤقت أن يدفع ضرائب عن جميع أصوله التي يملكها خارج حدود بريطانيا و لو تعذر عليه إحصاءها أو تقديرها فيتوجب عليه سداد مبلع مقطوع. و هذا الأمر شهد تعديلات في الفترة الأخيرة تماما كما فعلت الولايات المتحدة (في قانون فاتكا) و فرنسا عندما ألزموا مواطنيهم بدفع ضرائب على جميع الأصول التي يملكوها خارج أمريكا و فرنسا.

ويلاحظ كذلك أن النظام الضريبي البريطاني أخذ من الشريعة الإسلامية مبدأ محاربة الاكتناز من خلال فرض ضريبة التركة بنسبة ٤٠٪‏ على من يتوفى و لديه أرصدة بنكية أو عقارات. و الهدف من هذه الضريبة هي إجبار ملاك رؤوس الأموال على تشغيل أموالهم في أصول و مصانع و تجارة مدرة للدخل و تساعد على خلق وظائف جديدة بدلا من اكتنازها على شكل أرصدة بنكية أو عقارات.

أما بخصوص التعديلات الجديدة في النظام الضريبي البريطاني و التي سيتم العمل بها اعتبارا من إبريل القادم و هي تهم كل من يملك عقارات في بريطانيا، من الضروري القول كمقدمة، الحكومة البريطانية (كحال حكومات الدول المتقدمة) تسعى لتطوير نظامها الضريبي باستمرار لمعالجة الثغرات و لتحسين إيراداتها الوطنية.

و من أهم الثغرات هي التصدي لمناطق الاوفشور التي أصبحت اليوم أكبر المراكز المالية حول العالم بأصول تقدر بعشرات التريليونات من الدولارات و إن كانت هذه المناطق تخضع لحكم التاج البريطاني. لذلك فالحكومة البريطانية خلال السنوات الأخيرة تحاول التضييق على الاستثمارات الموجودة في بريطانيا و المملوكة باسم كيانات الترست و شركات الاوفشور لأنها تتمتع بنِسَب ضريبية تفضيلية بسبب ارتباطها بالتاج البريطاني، و لهذا قامت في ٢٠١٦م بالإعلان عن تعديل جديد في ضريبة التركة اعتبارا من إبريل ٢٠١٧م لتفرض هذه الضريبة بنسبة ٤٠٪‏ على كيانات الترست و شركات الاوفشور لتصبح ضريبة مزدوجة إضافة على الأفراد. يعني لو كان هناك عقار في بريطانيا مملوك لترست أو شركة اوفشور، في السابق لا يشمله ضريبة التركة لكن قريبا ستشمله ضريبة التركة بنسبة ٤٠٪‏ على الترست و الشركة إضافة إلى ٤٠٪‏ أخرى على الفرد المستفيد من الترست أو الفرد المساهم في الشركة عند وفاته !!

و هذا أمر مهم جداً يمثل تغير جوهري في تعامل بريطانيا مع مناطق الاوفشور التي تقع تحت التاج البريطاني و تعتبر كدول مستقلة ربما يودي باقتصاديات دول الافوشور بشكل شبه كامل ؛ لذلك يتوجب على كل من يملك اليوم عقارات في بريطانيا إعادة النظر في ملكية عقاره من خلال استشارات قانونية عقارية لتقليل ضريبة التركة قدر الإمكان ؛ كأن يسجل العقار باسمه الشخصي أو اسمه مع عائلته بحد أقصى ٤ كلهم فوق ١٨ سنة و كأن يقوم بالتأمين على حياته (بعض النظر عن شرعية ذلك) بقيمة تعادل ٤٠٪‏ من قيمة عقاره و كأن يجعل قيمة التمويل العقاري تفوق قيمة العقار دائما مع إعطاء ضمانات أخرى للبنك. وفي النقطة الأخيرة، يجب الموازنة بين تكلفة التمويل و نسبة ٤٠٪‏ الخاصة بضريبة التركة لأن نسبة ٤٠٪‏ قد تصبح أقل من تكلفة التمويل بعد ٥ أو ١٠ سنوات فقط .

  • البيئة الراهنة للنظام الضريبي الحالي في المملكة

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود  في مداخلته إلى أن الضريبة هي مال يستقطع أو يحصل من أي إيراد مالي كان ، سواء راتب شهري أو دخل شهري، أو أرباح تتأتى من مناشط المنشآت الاقتصادية في الدولة. وتأتي تطبيقات هذه الضريبة نوعا ومقدارا حسب ما اعتادت عليه الدولة ، وحسب ما تراه يتفق والاحتياجات الفعلية لمواجهة النفقات المستمرة للخدمات التي تقدمها للمجتمع. من هنا تتضح لنا الأهداف المبتغاة من سن قانون ضريبي كأحد قنوات الدخل لموازنة الدولة .

والضرائب متعددة الصنوف، وتأتي على هذه الأنواع وهي:

– ضريبة الأراضي

– ضريبة الأرباح

– ضريبة الرؤوس

– ضريبة التركات

– الضريبة الجمركية

– الضريبة الشخصية

– ضريبة الدخل

– ضريبة العائد على رأس المال

– الضريبة العينية

– الضريبة المتعددة

– ضريبة المبيعات

– ضريبة الممتلكات

– الضريبة الوحيدة

 ولابد هنا أن ندرك أن تشريع هذه الضرائب يأتي وفق الأوضاع الاقتصادية والديموغرافية لأي بلد .

إن مسألة فرض ضريبة أو عدة ضرائب هو توجه ينم على أن الحكومة تتجه إلى توجه يعني أن موازنة الدولة تحتاج إلى مصادر دخل تسهم في مواجهة النفقات العامة التي تواجهها متطلبات مجتمعية متعددة الاحتياجات ، وهنا لابد لنا من القول أن تقنين الضرائب بعد أن يتضح لنا وجوب فرض ذلك ، أن الأمر يتطلب ابتداء بناء استراتيجية وطنية تضع في الحسبان الأسس الفاعلة التي تدعم وتنهض بالخدمات الشاملة لكافة المجالات للمواطن دافع الضرائب ، وهنا وجوب التأكيد على المشرع أن يتفهم ابتداء أن فرض وتحصيل الضريبة يجب أن يكون لها تبعات تهدف نحو تحقيق ما يتأمله دافع الضريبة .

فالتعليم النوعي ، والخدمات الصحية المميزة ، والخدمات البلدية الراقية ، والأمن القوي ، تلك مجالات إذا لم تقترن بدفع الضريبة فلن تعد ضريبة بالمفهوم الحقيقي لدافع الضرائب عامة وفي أي بلد ، أي أنه إذا لم يتحقق لدافع الضرائب ما يشبع  احتياجاته الأساسية فلن يكون لمطالبته بالالتزام الضريبي أي جدوى مرجوة أو قل إن شئت مدفوعات لا طائل منها للوطن والمواطن.

الأمر الآخر إذا كان التوجه الجديد للحكومة والرامي نحو فرض ضريبة للقيمة المضافة حاليا ، وفي عام 2020 م سوف تأتي ضريبة الدخل على أرباح الشركات وربما الأفراد ، فلم إذن ترتفع الرسوم الحكومية حاليا ، والضرائب قادمة ، أليس الأحق في ذلك أن يكتفى بالرسوم الجديدة ، وأن ترتبط أو تقترن الضرائب القادمة بخفض الرسوم وجعلها رسوم رمزية جدا ، فإن لم يحدث ذلك فهذا يعني أننا ننشئ ضرائب مزدوجة تحت مسميات ( رسوم وضرائب ) ، فكيف يمكن تطبيق ذلك خصوصا أمام مداخيل متواضعة لبعض أفراد المجتمع ، وكذا المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، التي نتأمل منها الاستمرارية بعد وجوب تقديم الدعم اللازم سعيا للنهوض بها وجعلها صامدة أمام منافسات محلية ودولية .

وختاما إن كانت مسألة فرض الضريبة أو الضرائب هو أمر لابد منه نحو التوسع في مصادر الدخل، فإنه لابد أن يقابل ذلك خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية وأمنية يتأمل منها الجميع تحقيق غاياته .

وتساءلت د. نوف الغامدي: هل تعتبر الرسوم الحكومية نوع من الضرائب ؟ وما حقيقة برنامج حساب المواطن المفترض أنه لمساعدة المواطن في مواجهة مرحلة التغيير لكنه مع الأسف لن يفي بالغرض؛ فالمبالغ متواضعة ولا تواكب الأسعار المرتفعة والغلاء الاستهلاكي…. وفِي ظل الخصخصة سيُطالب المواطن بدفع أكثر لكل الخدمات أو أغلبها ، ما يؤخذ بـ اليمين سيُصرف بالشمال ( تدوير مالي ) ولا جديد ….!

وفي هذا الصدد أوضح د. سعد الشهراني أن هناك فرق بين الرسوم و الضرائب ؛ فالرسوم أنواع و بينها فروق. أما الضرائب و أنواعها التي أشار د. الحمود لأهمها، جبرية على من ينطبق عليه نوع الضريبة و أهم المعايير مستويات الدخول و الثروات و القدرة الشرائية و لا تقدم أي خدمة من الخدمات العامة بالمقابل لأي دافع ضرائب على وجه الخصوص إلا ما تقدمه الدولة لعامة المواطنين. بينما الرسوم تدفع في الغالب مقابل خدمة يستأثر بها دافع الرسم و هذا ينطبق على رسوم الخدمات التي تقدمها الدول للمواطنين و المقيمين. أما الرسوم الجمركية و ما يماثلها  فهي في الحقيقة ضريبة و نوع من أنواع  ضرائب المبيعات لها نفس الخصائص إلى حد كبير  إلا زمنها فهي تأتي في مرحلة ما قبل البيع للمستهلك النهائي و تجبى سياديا و مباشرة من قبل الحكومة بينما تجبى ضرائب  المبيعات من قبل عارضي  السلع في السوق و هم المكلفون و العبء بطبيعة الحال يقع كاملا على المستهلك.

الرسوم والضرائب في اقتصاد ناشئ من الصعب التأكد من تأثيرها المباشر خاصة إذا كان الاقتصاد يمر بهيكلة عامة تتضمن توجهات رئيسية كالدعم الحكومي والصرف والاستثمار العام. على خلاف المعتاد، فرض الرسوم والضرائب الآن سيعيد تنظيم الصرف العام والخاص ويحسن من كفاءة العمليات لمختلف الأطراف ويدفعهم للابتكار والإبداع.

الأهم في المرحلة الحالية هو أن تستوعب الشركات القائمة حجم هذا التغيير في الاقتصاد وسياساته العامة والتأقلم معه بالشكل الذي يضمن على الأقل بقاؤها واستمراريتها أثناء فترة التحول الوطني.

وأشار أ. محمد بن فهد العمران إلى أنه و بالنسبة لتعقيب أ. جمال ملائكة، فإنه لا شك أن توسيع نطاق الضرائب في المملكة سيكون مؤلماً على الجميع و خصوصا الأسر متوسطة الدخل (ما يزيد دخلها الإجمالي عن ٢٠ الف ريال) على اعتبار أنها ستتقلص مستقبلا، لكن الخيارات البديلة بعد انتهاء عصر النفط ستكون أكثر إيلاماً و لا شك.

هنا يجب أن نضع في الاعتبار أن النفط بعد ٢٠-٣٠ سنة سينظر له بنفس نظرتنا الآن إلى الفحم من منظور التكلفة و البيئة، أضف لذلك أنه في حال استمرار نمو الطلب المحلي على النفط فإننا بعد ١٥ سنة فقط قد لا نجد ما سنصدره للخارج ؛ مما يحتم علينا التحرك جديا من الآن لتقليل اعتمادنا على النفط، و من الطبيعي أن تكون الضرائب بشكليها المباشر و غير المباشر هي الخيارات المتاحة الآن.

إن الدولة تعلم جيدا حساسية توسيع نطاق الضرائب على المواطنين و المقيمين على حد سواء، لكنها تعلم جيدا أيضا أن عليها مسؤوليات لتحسين مستوى الخدمات العامة المقدمة للمواطنين و المقيمين و أن عليها أن تحارب الفساد و سوء الإدارة بفعالية أكبر و هذا هو ما سننتظره جميعا في المستقبل القريب.

وبالنسبة لتعقيب م. أسامة كردي، فإن النظام الضريبي حاليا مع الأسف مصمم على أنه للدخل فقط حتى وصل الأمر لتسمية الهيئة (حتى بعد تحويلها مؤخرا من مصلحة إلى هيئة) بالهيئة العامة للزكاة و الدخل و لم يتطرق الاسم صراحة للضريبة بالعربية بينما تطرق له بالإنجليزية، بل و لا يوجد في الهيكل التنظيمي للهيئة إدارة متخصصة للضريبة !!

أما نطاق عمل النظام الضريبي فالنظام عرف المكلف بتعريفات عديدة و جاء من ضمنها الشخص الطبيعي المقيم غير السعودي الذي يمارس النشاط داخل المملكة و الشخص غير المقيم الذي يمارس النشاط من خلال منشأة و الشخص غير المقيم الذي لديه دخل آخر خاضع للضريبة من مصادر داخل المملكة.

مما يعني أن النظام يشمل ضريبة الدخل على المقيمين الأفراد لكن نطاق التطبيق حاليا يقتصر على حصص الأسهم و قد يتوسع ليشمل دخل جميع المقيمين في أي وقت تقرره الدولة مستقبلا.

و بالنسبة لدورة رأس المال فما ذكره م. أسامة صحيح ؛ لكن الدولة أخذت هذه النقطة في الحسبان عند وضع برنامج التحول الوطني و الرؤية السعودية و درست الخيارات البديلة لحركة رؤوس الأموال الخاصة بالقطاع الخاص و أنه ليس أمامهم مفر إلا بقاء رؤوس الأموال داخل الاقتصاد المحلي لأن خروجها إلى اقتصادات أخرى (بعض النظر عن مرحلتها في الدورة) سيكون أكثر تكلفة و أكثر مخاطرة و لا شك في ذلك. خصوصا و أن الاقتصاد السعودي بدأ تحريره من الآن أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة كخيار استراتيجي مهم و بشكل تدريجي ليس من المنظور الاقتصادي فحسب بل من المنظور السياسي.

و بالنسبة لضريبة الدخل عند ٢٠٪‏ هي في الحقيقة نفس نسبة ضريبة الدخل في معظم الدول الإقليمية لكن لا ننسى أن هناك نظام ضريبي مرن يمنح نسب تقل عن ٢٠٪‏ دون الرجوع لمجلس الوزراء في المناطق الأقل نموا و هذه مرونة مهمة لكن مع الأسف تم إساءة استغلالها من قبل القطاع الخاص. وللتوضيح فقط، ضريبة الدخل ليست ٢٠٪‏ فقط بل تشمل ٣٥٪‏ على مشاريع الغاز و ٨٥٪‏ على مشاريع النفط لكن بالتأكيد تعتبر نسبة٢٠٪‏ هي الأكثر استخداما لأنها تشمل معظم القطاعات الصناعية و الخدمية في المملكة.

أما د. سعد الشهراني فلخص رؤيته لقضية النظام الضريبي في المملكة في النقاط التالية:

  • الدولة المعاصرة الناجحة اقتصاديا هي دولة الضرائب و ليس الدولة الريعية و لا الرعوية و هذا لا يتنافى مع مفهومي الرعاية و الريعية ( للدول التي تملك قاعدة موارد طبيعية كبيرة و منوعة ) بل في مرحلة معينة و بشروط معينة قد يكون هذا النظام الضريبي أساسا ينهض عليه مفهوم العدالة الاجتماعية.
  • الضرائب ضرورية جدا و قادمة لا محالة و السؤال أي ضرائب و من يتحمل أعباءها و كيف يتوزع هذا العبء و كيف تستثمر إيراداتها العامة.
  • من المعلوم أن من شروط النظام الضريبي الناجح ما يلي:
  • العدالة
  • الكفاءة
  • الشمولية
  • المرونة
  • الوضوح و الشفافية
  • القابلية للتطبيق

   و غيرها مما أفاض فيه المختصون في الاقتصاد و المالية العامة و السياسة و القانون و الإدارة، و كل من هذه الشروط له آثاره و دواعيه السياسية و التنموية.

  • النظام الضريبي في المملكة مليء بما يشوب كل هذه الشروط تقريبا و يحتاج إلى نظام حديث و إعادة هيكلة إدارية لتجاوز واقع النظام المتخلف تنمويا و ماليا و قانونيا و واقع مصلحة الزكاة و الدخل الذي نعرفه جميعا ، مع ضرورة فصل الزكاة في هيئة مستقلة لا ترتبط إلا بالملك لتعالج مسألة الفقر من جذورها.
  • إن أي تطوير و تحديث للنظام الضريبي لا بد أن يسبقه و يصاحبه تطبيق مبادئ الشفافية و المحاسبة و المسؤولية لكل مسؤول له سلطة على المال العام.

وذهبت د. نوف الغامدي إلى أن ما تطرق له أ. جمال ملائكة فيما يتعلق بأن تطبيق الضرائب ينطوي على نوع من الاستدامة والاستمرارية لالتزام الحكومة تجاه الشعب، هي نقطة تحتاج إلى مزيد من الإيضاح كونها مزيج بين التفسير الإداري والتشريعي ، كذلك فإن التعقيب تضمن كلمات مهمة وقوية مثل: ضرب الفساد ، معايير ومواصفات دولية، غربلة (على غرار أ. محمد العمران)، محاسبة ورقابة، كف يد… فهل المقصود من ذلك أن تكون مرحلة الهيكلة بها نوع من المركزية والصرامة في التنفيذ ؟!

وفي هذا السياق أشار أ. جمال ملائكة إلى أنه وبالنسبة لموضوع الاستدامة و الاستمرارية فإن ما قصده هو أن الحكومة لن تستطيع الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها بالنسبة لصرف رواتب موظفيها و بالنسبة لعقود الصيانة و التشغيل (إلى وصول الخصخصة إلى منتهاها و قد يأخذ هذا وقتا طويلا) و كذلك و هو الأهم الصرف علي المشاريع و البنية التحتية الخ و كذلك المصاريف الأمنية خاصة في منطقتنا الملتهبة. و بالتالي فإن فرض الضرائب لم يعد ترفا بل ضرورة.

أما بالنسبة للصرامة في التطبيق فهذا لا بد منه و الصرامة هنا ليس فقط في تحصيل الضرائب و لكن التأكد من إعادة هيكلة مقدم الخدمة التي ستفرض الضريبة للتأكد من أنه يقدم الخدمة المطلوبة بالمعايير الدولة و دون هدر أو سوء إدارة أو فساد. و بالنسبة لضريبة الدخل من المهم البدء بتطبيقها علي الشركات و الأثرياء بطريقة متدرجة بشروط سبق الإشارة لها و الأهم و هو أخطر ما في الموضوع عمل “استراتيجية” قوية و شاملة لجذب الاستثمار الداخلي و الخارجي و يعني ذلك أمورا كثيرة جدا منها تحسين الخدمات الحكومية و إصدار التراخيص بالسرعة الكافية و القضاء علي الفساد و البيروقراطية و هذه الأخيرة هي الأصعب لأن فرض الضريبة سهل نسبيا أما تحفيز القطاع الخاص و جذب الاستثمار هو الأصعب و علي الدولة العمل بجدية في هذا الأمر.

وأضاف أ. محمد بن فهد العمران قوله: بحكم العمل في شركة استثمار خاصة Family Office تستثمر في شركات و صناديق حول العالم؛  فلا شك أن النظام الضريبي في المملكة بدائي جداً بالمقارنة مع أنظمة ضريبية لدول عالم ثالث، فما بالكم لو تمت المقارنة مع دول متقدمة أو مناطق الاوفشور . فنحن بشكل دائم نتواصل مع مكاتب المراجعة و المحامين المتخصصين  في القوانين الضريبية لكل دولة، و المؤلم أنه لا يوجد في المملكة اليوم أي مكتب مراجعة أو محاماة متخصص في النظام الضريبي للمملكة أو حتى النظام الزكوي مع الأسف . حيث أننا عندما نراجع الهيئة في أمور تتعلق بتعبئة الإقرار الزكوي (النشاط الأهم للهيئة) نكتشف أنهم لا يملكون الإجابة لكثير من الاستفسارات، و حتى عندما نفوض مكتب مراجعة لمتابعة الإقرار الزكوي لا أحد يدري إذا كانت المعاملة مكتملة أم لا، فما بالكم بالإقرار الضريبي؟

في المقابل، المدير المالي لمجموعتنا و هو في الرياض يقوم بتعبئة الإقرارات الضريبية الخاصة باستثماراتنا في الخارج سنوياً حسب طبيعة كل استثمار و كل بلد و ذلك بسهولة تامة. قد نحتاج للآراء القانونية أحيانا و هذا طبيعي لكن نادرا ما نحتاج للاستفسار الذي إن حصل فإن الإجابة تكون متاحة من مكاتب المراجعة أو الاستشارات القانونية.

وأضافت د. نوف الغامدي: مؤخراً أنهت الزكاة والدخل في السعودية مشروع الإدارة المعنية بالضرائب بعد أن عملت على استحداثها استعداداً لتطبيق ضريبتي السلع الانتقائية في الربع الأول من العام 2017 والقيمة المضافة في 2018 وفقاً للاتفاق الخليجي.

وفي هذا الشأن أشار أ. جمال ملائكة إلى أن ضريبة السلع الانتقائية مهمة جدا و خاصة الضار منها مثل التبغ و المشروبات الغازية و القيمة المضافة مقبولة و ليست بدعة في الدول بشرط (دعم الطبقات قليلة و متوسطة الدخل فقط لا غير).

وتطرق أ. محمد بن فهد العمران إلى أن ضريبة السلع الانتقائية ستكون للسلع المشار إليها و هذا سيكون مكاسب مادية و اجتماعية بعضها يمكن قياسه و البعض يصعب قياسه لكنها ضريبة إيجابية سترفع الوعي بأضرار هذه السلع و حتما ستقلل من مبيعاتها.

أما ضريبة القيمة المُضافة فهي موجودة في معظم دول العالم ما عدا الولايات المتحدة التي تطبق ضريبة المبيعات، و الجميل أن تطبيق هذه الضريبة في المملكة سيكون متناسقا مع دول مجلس التعاون و ستركز على السلع الكمالية.

المشكلة التي ستواجه الهيئة هي تأسيس الإدارات الداخلية التي ستتولى إدارة و تحصيل هذه الضرائب من التجار و المصانع و تنسيق الجهود مع الجهات الحكومية المختلفة مثل الجمارك و وزارة المالية بينما لم يتبقى إلا ٣ شهور فقط على بدء تطبيق ضريبة السلع الانتقائية.

وحاليا يتم تطبيق النظام الضريبي على الشركات الأجنبية غير المقيمة و الأفراد الأجانب المقيمين و غير المقيمين ممن يملكون حصص أسهم في شركات سعودية؛ لكن بعد أشهر قليلة سيشمل التطبيق المواطنين السعوديين (ليس الأفراد و لكن التجار و المصانع و المستوردين) من خلال ضريبة السلع الانتقائية و ضريبة القيمة المُضافة.

بينما أوضح م. أسامة كردي أن النظام الضريبي على الشركات الأجنبية مختلف تماماً عن ضريبة السلع الانتقائية و ضريبة القيمة المُضافة. وهو غير مطبق على الأفراد. وذكر أ. محمد بن فهد العمران أنه ولهذا السبب فإن النظام الضريبي في المملكة يحتاج إلى تطوير.

وأوضح أ. محمد بن فهد العمران أنه وعند تطبيق ضريبة القيمة المُضافة سيتم استثناء أكثر من ١٠٠ سلعة ضرورية و سيكون التركيز على السلع الكمالية.

كما ذكر م. أسامة كردي أن هذا هو المعمول به في معظم إن لم يكن كافة الدول المطبقة لضريبة القيمة المُضافة.

وعليه تساءلت د. نوف الغامدي حول أهمية التوعية المجتمعية من خلال الأسرة لضريبة القيمة المضافة خصوصاً لـ محدودي الدخل ؟  فثقافة ضريبة القيمة المضافة قد تكون مفهوم غير واضح للكثير من طبقات المجتمع .. كيف نستطيع توعيتهم وكيف نفعِّل الدور الإعلامي؟ و ضربت د. نوف مثال لحساب ضريبة القيمة المضافة كما يلي:

  • القيمة المضافة = قيمة الإنتاج عند البيع (المخرجات) – قيمة مستلزمات الإنتاج(المدخلات).
  • فإذا كانت قيمة المخرجات تساوى ألف ريال وقيمة المدخلات “مواد أولية وأهلاك الآلات والماء والكهرباء والهاتف وغيرها” كانت تساوى أربعمائة ريال.
  • وكان معدل الضريبة على القيمة المضافة على هذا الفرق هو 10% من هذه القيمة فإن:
  • الضريبة على القيمة المضافة = (1000-400) × 10 %= 600 × 10%

ومن أهم عقبات ضريبة القيمة المضافة؛ الوكلاء التجاريين. فمن المعروف أن لمعظم السلع التجارية في السعودية وبالذات السلع المعمرة وكلاء تجاريون حصريون. وفي العديد من الحالات يكون هذا الوكيل في جميع أنحاء الدولة. وهنا ماذا سيترتب على التحويل في المخزون من فرع لآخر، أو اللجوء لعقد صفقات الشراء أو إصدار الفواتير في مكان ما دون غيره مما سيضاعف من حجم المبيعات في مكان وتقليص المبيعات في مكان آخر؟

وعلق أ. محمد بن فهد العمران على هذا المثال لحساب قيمة الضريبة المضافة بأنها حسبة عادلة؛ و لهذا فإن معظم دول العالم اليوم تعتمد ضريبة القيمة المُضافة بديلا عن ضريبة المبيعات ، و لا توجد – حسب اعتقاده – دولة في العالم تعتمد ضريبة المبيعات المجحفة سوى الولايات المتحدة لأنها تفرض على قيمة المخرجات كاملة دون خصم تكاليف المدخلات؛ طبعا ضريبة المبيعات و ضريبة الدخل على الأفراد و الشركات تختلف نسبتهم من ولاية لولاية، فمثلا، أقل نسبة ضريبة تطبق على الجامعات و الكليات بين جميع الولايات هي في ولاية ماساشوستس و لهذا السبب تكثر فيها الجامعات و الكليات حيث أن استراتيجية الولاية منذ زمن بعيد هي أن تكون مركزا للتعليم ، فالنظام الفيدرالي الأمريكي أعطى مرونة لكل ولاية أن تحدد استراتيجياتها الضريبية لكن ضمن إطار عام لا يحيدون عنه. و يعتبر الاختلاف بين الولايات الأمريكية في ضرائب الدخل على الأفراد و ضريبة المبيعات سبب مهم لكثرة تنقل المواطنين الأمريكان بين الولايات طوال حياتهم بحسب ظروفهم الاقتصادية ؛ لذلك نجد من الطبيعي أن يكون المواطن الأمريكي العادي مولود في ولاية و عاش طفولته في ولاية أخرى و تزوج في ولاية أخرى ثم أنجب في ولاية أخرى و هكذا، على الرغم من التباعد الجغرافي الكبير بين الولايات.

وذكر د. خالد الرديعان أن هناك مشكلة ملحة لم يتم التطرق لها بصورة كافية.. تتعلق بالضريبة والوافدين. فالمشكلة هي التستر على الوافدين الذين يديرون محلات تجارية ويتعاطون بالنقد في معاملاتهم التجارية؛ يمكن ضبط ذلك بطرق بسيطة كضرورة البيع عن طريق مكائن كاشير وفواتير ومنع البيع دون إيصالات. و يفترض أن يعاد النظر بوظيفة المؤسسات التي تقوم بعمل التحويلات.

وعلق م. خالد العثمان بأن بعض الاقتصاديين يقدر قيمة اقتصاد الظل بحوالي ١٠٠ مليار ريال ، و هذه أموال سائلة تتداول خارج النظام البنكي وهي بالتالي تمثل دخول لشرائح  كثيرة غير خاضعة للضرائب . و الأعمال التي يقوم بها العمالة السائبة من سباكين وكهربائيين وعاملات الماكياج والمساج المنزلي وتنسيق الحدائق وغير ذلك الكثير والكثير جدا يدير أموالا هائلة خارج النظام البنكي .. هذا بالطبع دون الحديث عن العمليات غير الشرعية. و الواقع يقول عكس ذلك ؛ فهؤلاء هم عصب ظاهرة التستر .. كفلاؤهم يسرحونهم دون رقابة ويحصلون منهم على مبالغ مقطوعة شهريا. و مؤسسات الحوالات البنكية لا تسأل العمالة عن مصادر أموالهم .. كثير من هذه الأموال هي من اقتصاد الظل العصي على التطبيق الضريبي.

وأشار  م. خالد العثمان إلى أن هناك مقاربتان للموضوع .. الحاجة لتطوير النظام الضريبي .. وإمكانية تطوير النظام الضريبي .. وهما محوران متباينان لابد من تحديد الأولوية فيهما كما يقول عنوان الورقة الرئيسة .. إذا كان تطوير النظام الضريبي أولوية فعلا فهذا يستلزم تذليل كل العقبات الإجرائية والتنظيمية والتشريعية التي أشار إليها م. أسامة في تعقيبه .. وإذا كانت تلك المعالجات غير واردة ولا ممكنة التطبيق فإن الحديث عن تطوير النظام الضريبي يصبح حديثا من قبيل الترف الفكري .. المهم أن تكون هناك قناعة على كافة المستويات بأهمية وأولوية تطوير وتطبيق النظام الضريبي بدء من أعلى مستويات القيادة حتى يمكن فعلا تذليل العقبات التي تواجه هذا المسار .. وبالتالي فإن المعالجة يجب أن تبدأ بحوار شامل على كل المستويات لحشد جهد كلي متضافر وموجه لإنجاح هذا المسعى التنموي الهام .. أما التعامل مع تطوير النظام الضريبي كإجراء فوقي انتقائي جزافي هدفه فقط تحقيق موارد إضافية للدولة دون إحداث تغيير جذري في هيكل إدارة الدولة فإنه لن يحقق الجدوى المطلوبة منه .. بل قد يحدث آثارا سلبية عكسية ليس أقلها الآثار الاجتماعية المشار إليها لاحقا.

كما أن المعلومات هي أحد أهم مكاسب النظام الضريبي الشامل.. الإقرار الضريبي يوفر معلومات موثقة عن كل شيء في حركة الاقتصاد وحياة الناس وأعمالهم ومداخيلهم ومصارفهم بما يدعم سياسات التخطيط واتخاذ القرار ؛ لذلك فإن تأسيس نظام ضريبي مهم جدا لهذا الهدف حتى لو كانت نسبة الضريبة متدنية جدا إلى الصفر.

ومن جهتها تساءلت د. وفاء الرشيد – اقتباساً من بحث لـ أ. عمار شطا – :

  • كيف سنرتقي بفكر المجتمع من الفكر الريعي: “خير الدولة” إلى فكر الاقتصاد المنتج متعدد الاتجاهات: “التمثيل مقابل التمويل” و مراقبة المواطن لأداء ومصروفات الدولة عبر اختياره ممثليه في الجهات الرقابية؟
  • هل تم دراسة مرونة العرض “Supply Elasticity” على القطاعات الاقتصادية المختلفة وعلى الاقتصاد في العموم من أثر الرفع الممنهج للمقابل المادي على العمال الوافدين وعلى مرافقيهم ومن أثر هيكلة وإصلاح الطاقة؟ وهل أظهرت تلك الدراسة أي محاذير تضخمية مؤثرة أو انتكاسة اقتصادية مباشرة؟
  • هل تم دراسة مرونة الطلب “Demand Elasticity” من طرف المستهلك في العموم وعلى أقسام قطاع التجزئة المختلفة من أثر تكلفة إصلاحات الدعم الحكومي وإصلاحات الطاقة وتخفيض الدعم الحكومي الذي يشمل تخفيض دخل القطاع العام؟ وهل تظهر تلك الدراسة أي محاذير اقتصادية محتملة؟
  • هل هناك دراسات توضح أثر الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد السعودي ورفع الرسوم على تنافسية المملكة في المنطقة وعالميا لجذب رؤوس الأموال؟
  • هل هناك إحصائيات عن رؤوس الأموال المهاجرة نتيجة الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد السعودي وهل هناك خطة زمنية لإعادتها؟
  • ومن ناحية اقتصادية تعتبر آلية احتساب الزكاة مماثلة للضريبة على الدخل في الدول الأخرى، السؤال هل هناك دراسات مقارنة للتكلفة الحقيقة المستقطعة من الدخل على الشركات السعودية بعد احتساب الزكاة ومجمل الرسوم التي تفرضها الدولة الخاصة بالعمالة الأجنبية، والتأمينات الاجتماعية، وتكلفة إصدار التراخيص؟ وهل هناك دراسة استشرافية للنمو المتوقع لتضخم الأسعار نتيجة رفع الرسوم المشار إليها أعلاه وإصلاحات الطاقة؟ وهل تلك الدراسة تظهر محاذير لجمود اقتصادي مرتقب يكون مصاحباً لتضخم الأسعار؟
  • والسؤال الجوهر هنا هو ماذا يأتي أولاً ؛ الجهة الرقابية المحايدة التي تراقب صرف الدولة لهذه الضرائب والجهات القضائية النزيهة التي تضمن للمواطن حقه أو الضرائب ؟

ورداً على هذه التساؤلات يرى أ. جمال ملائكة أن فرض الضرائب يستلزم أن تتوفر الشروط المشار إليها في التعقيب، المشكلة أن الدولة تري أن ذلك ترفا لا تملكه لذا عليها بالعمل علي الفور لتطبيق الشروط دون إبطاء و الموضوع صعب لكن يبدو أن القطار قد تحرك. والضرائب ليست بدعا في الدول و لا توجد دولة تقريبا لا توجد فيها ضرائب و سيتأقلم القطاع الخاص و المجتمع عاجلا أم آجلا . المهم أن تقوم الدولة بالتحرك ببرنامج شامل لتحفيز القطاع الخاص و القضاء علي البيروقراطية (هناك دول اتبعت سياسة الشباك الواحد لإصدار كافة التراخيص و المتطلبات بل و خلال وقت معين و إذا لم يقوموا بذلك يعتبر الترخيص صادرا). وبالطبع فإن موضوع التحفيز ليس فقط إصدار تراخيص و إنما برامج و قوانين و أطر و تحفيز للاستثمار و قضاء علي عوائق و ضرب الفساد الإداري و المالي الخ.

وأشار أ. محمد بن فهد العمران كذلك في رده على تساؤلات د. وفاء الرشيد، إلى أنه تاريخيا نحن شعب يعمل بيديه فآباؤنا و أجدادنا عملوا بأيديهم في الفلاحة و الصناعة و الرعي و صيد السمك الخ، لكن الطفرة النفطية قبل ٤٠-٥٠ سنة هي من جعلت منا شعبا كسولا يعتمد على الحكومة بشكل رئيسي. فعندما ننظر إلى الدخل القومي و سوق العمل ثم نحذف الإيرادات النفطية و موظفي أرامكو، فإن معدل دخل الفرد سيكون عند أرقام مخجلة لن يصدقها أحد. لذلك الحل هو أن نزيد في إنتاجيتنا اليومية في القطاعات غير نفطية، تماما كما فعلت الأجيال السابقة.

وقال أ. سمير خميس: نلحظ أن هناك فوائد متوقعة من إقرار الضرائب بأنواعها؛ ومع عظم هذه الفوائد إلا أنه جرى تأخير إقرارها إلى يومنا هذا. الأمر الذي ترتب عليه غياب المواطن عن المشاركة في بناء هذه الدولة بشكل واضح مع تكفل الدولة بكل ذلك.

الآن ومن خلال الطرح أعلاه أجد سباقاً نحو إقرار هذه الضريبة دون آلية واضحة عدا محاكاة الدول التي لها الأسبقية في هذا الشأن لكن ينبغي الإشارة إلى أن تلك الدول يتمتع فيها المواطن بآليات واضحة في الرقابة والمشاركة السياسية وصنع القرار.

إسقاط واقع آخر على واقعنا لا يترتب عليه فوائد مرجوة يشهد بذلك واقعنا الأعرج في التعليم والصحة وغيرهما الكثير، لم لا نحاول الإجابة على تساؤل معاكس عل الصورة تتضح قليلاً، وماذا لو فشل هذا البرنامج وأصبح عبئاً على المواطن البسيط؟ ماذا لو تهرب منه كبار التجار وأصحاب النفوذ في البلد؟ وحتى المشاركة السياسية فيها في بلد لا تزال معايير الانتخاب فيه قائمة على القبلية والأبعاد الأيدولوجية مما رأيناه ولا نزال نراه عند أمثلة انتخابية سابقة. هذا مع القناعة بأهمية مشاركة المواطن في التنمية وضرورة تحمله فاتورتها الباهظة.

وعلقت د. نوف الغامدي على ذلك بأن اقتصاديات الدول المتقدمة اعتمدت بشكل عام على سياسات رأسمالية لمدة طويلة جعلها تبني بيئات أعمال فعّالة تنمو بذاتها في الغالب بدون الاتكال دائما على الدعم أو الصرف الحكومي. ويمكننا مشاهدة سهولة الأعمال بها في مختلف القطاعات الحيوية في الاقتصاد وانخفاض تكلفة المعاملات وغيرها من العوامل الجاذبة لعمل القطاع الخاص مع وجود رسوم وضرائب متنوعة وبأحجام مختلفة سواء متعلقة بدخل الفرد أو حتى رسوم مقابل الخدمات المقدمة بمختلف أنواعها. أما بالنسبة للسعودية، فقد ضعفت بيئات الأعمال بشكل كبير وحصل تدخل حكومي مباشر وشبه دائم في الاقتصاد وقطاعات الأعمال المختلفة منذ أكثر من عقدين على شكل استثمار حكومي مباشر في أنشطة مختلفة .

وذكر أ. جمال ملائكة أن المُعلن من الدولة أنه لن يتم فرض ضرائب أو رسوم أخرى حتي ٢٠٢٠ عدا ما اُعلِن عنه من زيادات في الكهرباء و الماء و الوقود و ضريبة القيمة المضافة و اتفق مع أ. محمد أن الوضع المالي يستلزم هذه الزيادات و يستلزم ضرائب في وقت قريب بالشروط المشار إليها سابقا. و باختصار الزيادات لا بد منها و ضريبة القيمة المضافة معقولة و كل هذا مع شرط دعم ذوي الدخل المنخفض و يبقي أن تبرهن الدولة أن الدعم فعلا سيساعد هؤلاء.

وأشارت د. نوف الغامدي إلى أن البيئة الضريبية تُعد العامل الأساسي والمفصل الحيوي في نجاح النظام الضريبي في تحقيق أهدافه أو إخفاقه. وأهم عناصر البيئة الضريبية:

١- الضغط الضريبي بركنيه الموضوعي والنفسي.

٢- وجود إدارات ضريبية لتنفيذ قوانين الضرائب بكفاءة.

٣- مرونة النظام الضريبي لمواجهة التغيرات الاجتماعية .

ومن ثم يكون التساؤل: كيف يمكننا التحقق من وجود هذه البيئة الإيجابية ؟!

وفي هذا الإطار ذكر أ. محمد بن فهد العمران، أنه ولإنجاح الهيكلة لابد من وجود أنظمة و لوائح تعيد تنظيم الضرائب الحالية (الدخل و المكاسب الرأسمالية و الاقتطاع) و تغطي الضرائب الجديدة أو التي سيتم تطبيقها في المستقبل

و أيضا لابد من إعادة هيكلة الهيئة لتشمل إدارات متخصصة للضريبة و يتم تدريب الموظفين بأعلى المستويات المهنية خصوصا و أن طبيعة عمل الضريبة هي طبيعة معقدة فيها الكثير من الأساليب المتقدمة للتهرب الضريبي التي تجرمها كثير من الدول، وهنا يجب أن نضع في الاعتبار أن الرسوم على الوافدين هي أحد أهم أشكال الضريبة غير مباشرة إلى جانب الرسوم الجمركية و رفع الدعم عن الوافد و الكهرباء و المياه و رسوم البلديات و رسوم المرور و غيره من الرسوم التي شهدت تعديلات جوهرية اعتبارا من ٢٠١٧م و ٢٠١٨م فيما سبقتنا في ذلك دول خليجية مثل قطر و الإمارات لتحقيق الاسمى المتمثل بإعادة توزيع الدخول و التقليص بين طبقات المجتمع قدر الإمكان.

ومن ناحيته قال د. مساعد المحيا في مداخلته حول قضية النظام الضريبي في المملكة: لا أعرف لماذا نرقص على أنشودة لا يتفق ولا يرحب بها الكثيرون في مجتمعنا، لماذا تريدون أن نغني ونفرح في أمر سيقض من مضاجعنا. نحن نتحدث عن تنويع مصادر الدخل .. لكننا للأسف اخترنا الضرائب لتكون هي الدخل الجديد ثم هتفنا لقد نجحنا ..!

أي نجاح في أن تكون رواتب الناس التي تقدمها الدولة أو الشركات هي الدخل الذي سترتفع به الميزانية؛ الدولة ستعطيك راتبا قليلا ثم ستأخذه بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

في الدول المتقدمة الضرائب ترتفع حيث ترتفع الرواتب أما نحن فالمؤشرات جميعها تتجه نحو استلاب حقوق الناس في حين أنهم سيصارعون الكثير من القوى من حولهم والتي ستتخطفهم وتسلب ما في جيوبهم بسبب وصول الضرائب لكل شيء. يقولون أن ذلك استباقا لما قد يؤول إليه أمر النفط ؛ والنفط إذا نضب لا قدر الله فسيكون كل ما نصنعه اليوم هباء منثورا لأن السيولة الموجودة في السوق ستنتهي ، ولن يكون هناك عملة صعبة ولا سيولة ، وحينها كل شيء سيتغير.

حين نهلل للضرائب فنحن نسمح لأنفسنا أن نكون كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والنفط تحت أرضها مخزون ؛ نحن ننتج عشرة ملايين برميل يوميا تباع بمعدل خمسين دولار أي أن ذلك يحقق لنا دخلا قرابة ٧٠٠ مليار ريال ، هذا الدخل الكبير وفوقه أسعار النفط فوق ١٠٠ دولار ولعدة سنوات حقق لنا فوائض مالية لم نستثمرها ، واليوم نريد أن نستثمر ما سيتم أخذه من جيوب المواطنين والذي يمثل جزءا من احتياجاتهم .

اعتب على بعض المحللين حين ينظر من زاوية واحدة فيؤيد بلا حدود تشريع كثير من الضرائب بل رأيت عددا منهم يقترح ويفترض ضرائب جديدة وكأنه ينبه المخططين لما يتصور أنهم غافلين عنه ..! فيكون كمن رأى والدا يأخذ من أبنائه بعض ما يعطيهم فيقدم له نصائح كثيرة ليأخذ المزيد مما في جيوبهم وربما أفواههم.

ينبغي أن نتصور المشهد كاملا، وأن ندرك أن الضرائب لم تكن في مجتمع إلا كانت المشاركة السياسية جزءا منه حتى أن القرارات التي تتبناها الدولة في كثير من دول العالم تكون مرتبطة بما يسمونه بموافقة دافع الضرائب.

الوزراء تحدثوا قبل أيام أن أسعار الطاقة ستصبح في المعدلات العالمية في ٢٠٢٠ ، والسؤال كيف نكون في المعدلات العالمية فيما يؤخذ من المواطن ولا نكون في المعدلات العالمية فيما يقدم للمواطن من رواتب كافية …؟

  • الزكاة والضرائب: أوجه الشبه والاختلاف

أشارت د. نوف الغامدي إلى أن أوجه الشبه بين الزكاة والضريبة تتمثل فيما يلي:

  • تُؤدي الزكاة جبراً وقسراً إن لم تدفع طواعيةً، كما تُؤدى الضريبة أيضا جبراً و قسراً إن لم تدفع طواعيةً.
  • تتولى الدولة بما لها من سيادة جباية كل من الزكاة والضريبة، وكذا الإشراف على إنفاق حصيلتهما.
  • لكل من الزكاة والضريبة أغراض مالية واجتماعية واقتصادية.

وعلى ذلك، فإن الضريبة تتفق مع الزكاة في أن كلاً منهما إلزامية، وتتولى الدولة جبايتهما، وصرفهما، ولهما مقاصد اجتماعية واقتصادية.

لكن وعلى الرغم من وجود بعض أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة إلا أن هناك العديد من الاختلافات الجوهرية بين كل منهما، ويمكن حصر أهم أوجه هذه الاختلافات فيما يلى :

  • من حيث مصدر التشريع:

إن مصدر التشريع في الزكاة هو المولى سبحانه وتعالى، فهو الذي فرضها، وقد تولت السنة النبوية الشريفة تحديد الأموال التي تجب فيها وأوعيتها ومقاديرها وليس لأحد أن يغير في ذلك بالزيادة أو النقصان، بينما نجد أن مصدر التشريع في الضرائب هو البشر، ولذا فإن وعاءها وأنصبتها ومقاديرها تخضع لاجتهاد البشر، وشتان بين فريضة مصدرها رب البشر وأخرى مصدرها البشر.

  • من حيث دلالة المُصطلح:

إن مُصطلح ” الزكاة ” يعنى الطهارة والنماء والصلاح والبركة، وكلها دلالات تجعل الفرد يخرج زكاة ماله وهو مُستشعر لهذه المعاني، فتخرج الزكاة منه عن طيب خاطر، في حين يدل مصطلح ” الضريبة ” على العبء والإلزام والغرامة، وهي معانى تجعل الفرد ينظر إليها على أنها مغرم، ومن ثم فهو يعمل جاهداً على التفلت منها.

  • من حيث طبيعة كل منهما:

إن الزكاة عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه  كالصلاة والصيام والحج، ولذا كان لابد لها من النية، باعتبارها شرطاً لقبول الأعمال عند المولى سبحانه وتعالى. أما الضريبة فهي التزام مدنى محض خال من كل معاني العبادة و التقرب إلى الله .

  • من حيث كونها ركناً في الإسلام:

إن الزكاة تمثل الركن الثالث من أركان الإسلام الخمس التي لا يقوم إلا بها، في حين تمثل الضريبة أحد الواجبات المالية التي يجوز لولى الأمر فرضها بضوابط معينة. ويترتب على ذلك أنه يجب على الفرد إخراج الزكاة – طالما توافرت شروطها – حتى ولو تصورنا انعدام الحاجة إليها، أما الضريبة فهي تزيد وتقل تبعاً للنفقات العامة للدولة، بل وقد تلغى.

  • من حيث الخاضعين لها :

حيث أن الزكاة عبادة فهي لا تجب إلا على المسلم الذى تتوافر في ماله شروطاً معينةً بخلاف الضريبة التي تفرض على المسلم وغير المسلم.

  • من حيث الثبات:

طالما أن الزكاة مصدرها التشريع السماوي، فإنها تتسم بالثبات والاستقرار من مكان لآخر ومن زمان لآخر، بينما نجد أن قواعد ومبادئ الضريبة تقبل التعديل والتغيير حسب الحاجة.

  • من حيث الأهداف والمقاصد:

للزكاة أهدافها ومقاصدها الروحية كتطهير نفس المُزكي من البخل والشح، وتطهير نفس الفقير من الحقد والحسد والغل. بينما نجد أن أهداف الضريبة بعيدة كل البعد عن هذه الأهداف والمقاصد.

  • من حيث طبيعة الأموال التي تجب فيها:

الزكاة لا تجب إلا في الأموال الطيبة متى توافرت فيها الشروط الموجبة لها، بينما نجد أن الضريبة لا تفرق بين المال الطيب والخبيث، فكلأهما مادة للضريبة.

  • من حيث السعر:

سعر الزكاة نسبى، أما سعر الضريبة فغالباً ما يكون تصاعدياً لمواجهة الاحتياجات المالية.

  • من حيث وقت الأداء:

الزكاة تجب في نهاية كل حول هجري – أي في نهاية كل سنة قمرية – بينما الأصل أن تستحق الضريبة في نهاية كل سنة ميلادية.

  • من حيث المصارف:

مصارف الزكاة محددة بنص الآية 60 من سورة التوبة ” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ…. ” بينما نجد أن مصارف الضريبة توجه لتغطية النفقات العامة للدولة.

  • من حيث مكان الصرف:

الأصل أن تصرف الزكاة في الإقليم الذي جمعت منه ولا تنقل منه إلا عند وجود مسوغ شرعي يستدعي ذلك. أما الضريبة فالأصل فيها أن تجمع من الأقاليم المختلفة وتُرسل إلى الخزانة العامة للدولة.

  • من حيث التقادم:

لا تسقط الزكاة بمضي المدة، وإنما تظل ديناً في عنق المسلم ولا تبرأ ذمته منها. في حين تسقط الضريبة بالتقادم.

  • من حيث جزاء مانعها:

جزاء مانع الزكاة دنيوي وأخروي، في حين يقتصر جزاء مانع الضرائب على الجزاء الدنيوي.

ويتضح مما سبق أن الزكاة فريضة مالية ذات طابع خاص، فهي متميزة في طبيعتها وقواعدها وأنصبتها ومقاديرها ومصارفها ومقاصدها.

وذكر د. عبد الله بن صالح الحمود أن الزكاة بعد جبايتها لها مصارف خاصة بها وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في كتابه مصارف الزّكاة، وحصرها في ثمانية أصناف، قال سبحانه وتعالى:” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ “، . أما بالنسبة للضريبة فهي بعد جبايتها تنفق على توافر خدمات متعددة  لكل من يعيش على أرض الوطن.

وأوضح  د. ناصر القعود أنه يتفق مع م. كردي في أنه ليس هناك ضريبة دخل على الأفراد مواطنين أو غير مواطنين، وأن الزكاة المفروضة على الشركات السعودية والمكاتب المهنية هي بديل عن ضرائب الدخل المطبقة على الشركات الأجنبية. أما نظام ضريبة القيمة المُضافة فهو جاهز لدى دول المجلس وقد نوقش ودرس على مدى سنوات وأقر بشكله النهائي مؤخرا. كذلك فإنه لنجاح أي نظام ضريبي ينبغي أن يراعي العدالة والكفاءة ، و تأثيره على الاقتصاد الكلي ، العدالة في توزيع العبء الضريبي ، وكفاءة إدارة النظام وكفاءة استخدام الإيرادات من الضريبة وانعكاساتها على الاقتصاد والتنمية المجتمعية.

وذهب أ. عبدالرزاق الفيفي إلى أنه وعندما نفرط في التعاطي مع نظامنا الإسلامي في الزكاة وغيره ، نضطر لصنع نظم أخرى أشد مضاضة ، والزكاة لا تغفر لصاحبها في الدنيا و حادثة أبي بكر مع مانعها لا تخفى ، ولكن الواقع يحتاج لتعاطي جاد وحازم كعاصفة الحزم في مثل هذه القضايا ، ولو ركزنا على استراتيجية وطنية لأداء الزكاة ، لتحقق لدينا تنمية مجتمعية عالجنا بها الفقر والبطالة و تحققت التنمية ، ولما وجدنا حينها أي امتعاض في أداء أي ضريبة أخرى مدروسة تحقق مصالح معلومة.

لا ينبغي التعاطي مع النظم الزكوية و الضريبية بشكل مستقل عن بقية النظم الأخرى للدولة التي هدفها التنمية المجتمعية والاقتصادية ؛ فنظام الزكاة من النظم الاقتصادية الرئيسية للدولة المسلمة وهو أحد مميزاتها ، لو فعل بشكل صحيح لعالجنا الفقر والبطالة و لوصلنا لمرحلة من التعاطي المقاصدي مع المصالح التي قد نحتاجها لتعطل أحد مصارف الزكاة لعدم وجود مستحقه .

وأشار د. ياسر البلوي إلى أن الضريبة من وجهة نظر الشريعة تُفرض لظروف طارئة تعجز الدولة عن مواجهتها، وليست تشريعًا أصيلًا بل استثنائيًّا.

وفتوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشهيرة .. للملك المظفر قطز في فرض الضرائب على الناس لأجل الاستعداد والتجهيز لقتال التتار، (إنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص المذهبة، والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا) [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردة، (7/72-73)].

أما فقهاء الحنابلة: فقد أجازوا فرضيتها وسموها الكلف السلطانية، واعتبروها من الجهاد بالمال، وفي ذلك يقول ابن تيمية في الفتاوى إذ يعتبر أن الكلف السلطانية أو ما يأخذه السلطان من أموال الأغنياء يُعد من قبيل الجهاد بالمال؛ فيقول: (وإذا طلب منهم شيئًا يؤخذ على أموالهم ورؤوسهم، مثل الكلف السلطانية التي توضع عليهم كلهم، إما على عدد رءوسهم، أو على عدد دوابهم، أو على أكثر من الخراج الواجب بالشرع، أو تؤخذ منهم الكلف التي أحدثت في غير الأجناس الشرعية، كما يُوضع على المتابعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة وغير ذلك، يُؤخذ منهم إذا باعوا، ويُؤخذ تارة من البائعين، وتارة من المشترين) [الفتاوى، ابن تيمية، (30/40-41)].

الشروط المعتبرة لشرعية الضريبة:

  • أن تكون حاجة الدولة للمال حاجة حقيقية وضرورية لا وهمية أو ظنية، بحيث لا تكون هناك موارد أخرى تستطيع الدولة بها أن تحقق أهدافها.

ومما كتبه النووي إلى الظاهر بيبرس ينصحه، رسالة أوضح له فيها حكم الشرع، قال: (ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء مادام في بيت المال شيء من نقد أو متاع، أو أرض أو ضياع أو غير ذلك، وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان ـ أعز الله أنصاره ـ متفقون على هذا، وبيت المال بحمد الله معمور، زاده الله عمارة وسعة وخيرًا وبركة) [تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النووي، ابن العطار، ص(50-54)، الإمام النووي، عبدالغني الدقر، ص(144، 163)].

  • يُشترط أن يكون فرض الضريبة استثنائيًّا، دعت إليه المصلحة العامة للدولة، وتدبيرًا مؤقتًا حسبما تدعو إليه الضرورة؛ فالقاعدة الفقهية تقول: “التصرف على الشرعية منوط بالمصلحة”، ولذا؛ فإن نفاذ تصرفات الوالي على الغير تتوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن التصرف؛ سواء كانت دينية أو دنيوية، فإن تضمن التصرف منفعة وجب على الغير تنفيذه وإلا فلا [شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا، ص(247)
  • أن توزع أعباء الضريبة على الناس بالعدل، بحيث لا يُرهق فريق من الرعية لحساب فريق آخر، ولا يحابى فريق على حساب فريق آخر بغير مسوغ يقتضي ذلك، ولا نعني بالعدل أن يؤخذ من الجميع مقدارًا واحدًا محددًا؛ فإن المساواة بين المتفاوتين ظلم، فلا يُؤخذ بنسبة واحدة من الجميع، بل يجوز لاعتبارات اجتماعية أو اقتصادية أن تختلف النسبة، فيُؤخذ من فرد أكثر من غيره نظرًا لحاله.

يقول أبو يوسف: (إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر؛ يزيد به الخراج وتكثر به عمارة البلاد، والبركة مع العدل تكون، وهي تُفقد مع الجور) [الخراج، يحيى بن آدم، ص(120-121)].

  • أن يكون التصرف في جباية المال وإنفاقه على الوجه المشروع [الثروة في ظل الإسلام، البهي الخولي، ص(223)]؛ أي يكون فرض الضريبة لإنفاق المال في مصالح الأمة، لا على المعاصي والشهوات والأهواء ، ولا لتنفق على ترفيه أسر طبقة من المجتمع وترفههم. رُوي أن رجلًا كان بينه وبين عمر بن الخطاب قرابة، فسأله مالًا؛ فزجره وأخرجه، فكُلِّم فيه، فقيل: يا أمير المؤمنين، فلأن سألك فزجرته وأخرجته، فقال: (إنه سألني من مال الله ـ ويعني من مال جماعة المسلمين ـ فما معذرتي عند الله أن لقيته ملكًا خائنًا؟)، فلما كان بعد ذلك أعطاه من صلب ماله [تاريخ الطبري، (5/19)، فقه الزكاة، القرضاوي، (2/1085)، الطبقات الكبرى، ابن سعد، (1/219)، أخبار عمر، الطنطاوي، ص(299)].

ولهذا فلابد أن تفرض للدفاع عن الأمة ضد أي عدوان, وتحقيق الأمن الداخلي, وإشباع الحاجة إلى الخدمات الصحية؛ من علاج ومستشفيات ومصانع أدوية ونحوه، وإشباع الحاجات التعليمية من مدارس ومعلمين ونحوه.

  • أن تُؤخذ من فضل المال أو ما يزيد عن حاجة المكلفين الأساسية، فمن كان عنده من المكلفين فضل عن إشباع حاجاته الأساسية أُخذت الضريبة من هذا الفضل، ومن كان لا فضل عنده بعد هذا الإشباع للحاجات الأساسية؛ فلا يؤخذ منه شيء [الأموال في دولة الخلافة، عبد النديم زلوم، ص(142)، سياسة الإنفاق العام في الإسلام، عوف الكفراوي، ص(447)].

وتساءل أ. أسامة نقلي: ما هو دور شركات المحاسبة الدولية التي لها مكاتب في المملكة، مثل شركة earnest & young على سبيل المثال، وهي شركة محاسبية تختص أيضا بموضوع الزكاة والضرائب، وتعمل فيها كفاءات وطنية جيدة ، كما أنها تدير حسابات العديد من الشركات الوطنية الكبرى.

وبدورها تساءلت د. نوف الغامدي: كيف يمكن الدمج بين نظام الضرائب والزكاة ؟! وكيف سيكون انعكاس هيكلة نظام الضرائب على الاستثمارات المحلية والأجنبية؟

وبدوره أوضح أ. محمد بن فهد العمران أن دورها احترافي جدا مع الأنظمة الضريبية الدولية ويتم الاستعانة بخدماتها أحيانا،  لكن دورها بدائي مع النظام الزكوي و الضريبي في المملكة بسبب النظام. كما أنه ولا شك فإن القطاع الخاص في المملكة يحقق في المتوسط هوامش ربح أعلى بكثير من الهوامش التي يحققها المنافسين في غالبية دول العالم. ومع تفعيل الضرائب المباشرة و غير المباشرة في المملكة ستنخفض هوامش الربح في المملكة تدريجيا حتى تصل لمعدلات مقاربة لدول العالم. المهم أن الكاسب الأكبر ستكون الدولة التي ستحقق تنويع لمصادر دخلها (استقرار مالي على المدى الطويل) و ستحقق عدالة أكبر في توزيع الدخل بين طبقات المجتمع. وهناك نقطة مهمة أخرى و هي أن الضرائب الشخصية يجب أن يقوم المستثمر بتعبئة الإقرار الضريبي بنفسه (أو من يعمل معه) سنويا، و دور مكاتب المحاسبة هنا ليس له قيمة عدا إضاعة الوقت و المال.

ويعتقد أ. جمال ملائكة أنه من الممكن الفصل؛ فالضريبة تذهب للحكومة مقابل الخدمات الخ و الزكاة للفقراء عن طريق مصلحة الزكاة طبعا بعد إعادة احتسابها و ممكن إلغاء الزكاة و جعلها بين المسلم و ربه.

  • الضرائب من زاوية سياسية واجتماعية

تناول د. خالد الرديعان موضوع الضرائب من زاوية سياسية واجتماعية ومن ناحية الأثر المتوقع لفرض الضرائب. من خلال الإشارة إلى النقاط التالية:

  • أولا: تسمى الضرائب بالفقه الإسلامي “المكوس ومفردها مكس” وهذه عليها خلاف في مسألة استحصالها، وهناك من يعتقد بحرمة  تطبيقها فهي تشبه “الخراج”، ومن يرون حرمتها يستدلون بالحديث الذي يشير إلى حرمة مال المسلم، وأن المسلم لا يدفع إلا الزكاة المعلومة. هذا الخلاف تحديدا سيثير زوبعة وجدل بين مؤيد ومعارض وسيتم توظيف الجدل فيما لا يخدم أهداف الدولة؛ بل ويعرقل خططها ويؤلب العامة عليها.

هذه مسألة يفترض أن لا تغيب عن ذهن صانع القرار في مجتمع أعتاد على فكرة الدولة الريعية التي تقدم كل شيء لمواطنيها. نعم قد تكون الضريبة ضرورية بحكم الوضع الاقتصادي الذي تمر به بلادنا ولكن الضرائب تفرض عندما تكون خدمات كالصحة والتعليم والنقل والسكن متوفرة بصورة مرضية. هذه الخدمات للأسف غير متوفرة بالصورة التي يريدها المواطن، ناهيك عن تفشي الفساد والمحسوبية وزيادة معدلات البطالة. هذه القضايا ستثير حنق المواطن البسيط الذي ينتمي للطبقة الوسطى وما دون عندما يجد أن جزء كبير من دخله يدفعه كضرائب في حين أنه لا يحصل على ما يقابلها من خدمات صحية وتعليم ونقل وسكن ورعاية اجتماعية.

  • ثانيا: تقدم الدولة إعانات معلومة لبعض الدول سيتم دفعها حتما من أموال دافعي الضرائب، مما سيفتح على الدولة باب كبير للمساءلة  حول من يستحقها من الدول ومن لا يستحقها في ظل أنها تُقدم دون أخذ رأي المواطن؛ فهي لا تقر من مجلس شورى منتخب بل هو قرار يصدر دون معرفة حيثياته ومبرراته.
  • ثالثا: ما يقلق بحق هو النتائج المتوقعة لما سبق ذكره على الصعيد الاجتماعي؛ فالهوة تتسع بين من يملك ومن لا يملك والطبقة  الوسطى تنكمش وجزء كبير من منتسبيها ينزلون إلى ما دونها بسبب الوضع الاقتصادي؛ الأمر الذي قد يولد توترات اجتماعية الدولة في غنى عنها في هذا الوقت الحرج.

ومن جانبه قال أ. مسفر الموسى: لفت انتباهي عبارة أوردها أ. محمد وهي “أن الحكومة تعهدت بتحسين مستويات ((الخدمة العامة)) في قطاعات التعليم والصحة والنقل” والسؤال: هل هناك نصوص واضحة في الرؤية تناولت التركيز على “الخدمة العامة”.. خصوصا وأن الاتجاه العام يقول بخصخصة نسبة كبيرة من قطاعي التعليم والصحة.. كيف نوائم بين فكرتي الخصخصة والخدمة العامة؟

ورداً على هذا التساؤل ذكر أ. محمد بن فهد العمران أن مبادرات التحول الوطني و الرؤية كلها تركز على تحسين الخدمات الحكومية وفق معايير محددة رقميا و زمنيا؛ و بالتأكيد برامج الخصخصة ستلعب دورا في تحسين الخدمات و لا شك في ذلك. ومن المهم مراعاة أننا أمام منعطف تاريخي و مرحلة مختلفة تماماً عن أي مراحل سابقة عاشها الاقتصاد السعودي. نتفهم الحديث عن مطالبات لتحسين مستوى الخدمات العامة المقدمة للمواطن في مقابل الضريبة و نتفهم المطالبات بحصول المواطن على مساحة أكبر في العملية السياسية أسوة بما هو مطبق في الدول التي تعتمد على الضرائب ؛ لكن يجب أن ندرك أنه في ظل استمرار المتغيرات الحالية و من أهمها نمو الطلب المحلي على النفط بمعدلات مرتفعة تستهلك الآن نحو ثلث إنتاج المملكة من النفط فإننا قبل عام ٢٠٣٠م لن نجد نقطة نفط واحدة للتصدير.

ويعني هذا أن الوضع خطير و أننا يجب أن نسابق الزمن لتقليل الاعتماد على النقط و تنويع مصادر الدخل الوطني مهما كانت النتائج و ردود الأفعال، و السؤال المهم: هل لدينا وقت كافي لتحقيق هذه الأهداف قبل ٢٠٣٠؟

حتى ننجح في تنويع مصادر الدخل و في أن يلعب القطاع الخاص دور القائد للاقتصاد في جميع قطاعاته. ويجب أن نتعامل مع واقعنا الاقتصادي اليوم كما لو أننا لا ننتج نفط من الأساس و تقوم الدولة بسحب يدها من دعم الأنشطة التجارية تماما، عندها لن يجد القطاع الخاص مفر إلا الاستثمار في مختلف القطاعات و لو بهوامش ربحية أقل من السابق ضمن قاعدة “رأس المال جبان”. نعم سنعاني لسنتين أو ثلاث من ارتفاع التضخم و انخفاض في القوة الشرائية الخ لكن ضخ رؤوس الأموال (من مواطنين أو أجانب) في الأنشطة التجارية هي مسألة وقت و الله أعلم و عندها سيلعب القطاع الخاص دور القائد.

ومن جانبه قال د. علي الحارثي: الحديث عن النظام الضريبي متشعب ومتعدد الأوجه ، والدولة بينها وبين المجتمع عقد اجتماعي غير مكتوب منذ اكتشاف النفط ( نظرية العقد الاجتماعي) ، ترعى الدولة مواطنيها وتقدم لهم كافة الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية وما يحقق لهم الرفاه ، وعليه الاستفادة من ذلك مقابل الصمت عن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وحرية الرأي وغيرها . تبدل الحال في الوقت الحاضر ، ومع استخدام مصطلحات متعددة للابتعاد عن مصطلح الضرائب ، إلا أن الجامع بينها في لغة العصر (ضرائب)، هنا لابد من تغير صيغة العقد الاجتماعي ، منح المواطنين حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها مقابل دفع الضرائب التي يتفق عليها الجميع . وبالتالي يقرر المجتمع نوع الضرائب المحققة للتنمية المستدامة والإنتاجية الفردية والجماعية والاستثمارات الآمنة وفق التشريعات والرقابة والمحاسبة الملزمة للحكومة . أما والحال كما يمارس الآن فهو قرارات حكومية بفرض ما تريد وبدون تشريعات وقوانين وأنظمه تكفل حق الجميع المواطن والمقيم والمستثمر والتنمية الاقتصادية. وبشكل مباشر ، إذا لم تتحول الدولة من الدولة الرعوية إلى الدولة الإنتاجية وما يلزم ذلك من تحول سياسي للمواطن الكلمة النهائية فلا نصدق أنفسنا بأننا أمام أولويات تطوير نظام ضريبي أو غيره من التحولات والرؤى الاقتصادية وما تراه (مكنزي ) وشركائها.

ويعتقد أ. عبدالرزاق الفيفي أن التحدي في مبادرات التنمية لدينا والتي منها موضوع (الضرائب) لها أبعاد لابد من أن يدركها المشرع و المنفذ و المواطن: فهناك بعد فلسفي قانوني في تكوين نظام إدارة الدولة ( العقد الاجتماعي ) وفرص تحوله من النظام الريعي إلى الإنتاجي. فدولتنا – أعزها الله – نهجة منذ تأسيسها أن تكون دولة ريعية بما كانت تقتضيه وتستلزمه الظروف والأحوال والمصالح وذلك بأن أخذت على عاتقها أمن ورفاه المواطن وأن تتحمل أيضا تبعات ذلك حرصا على مصلحة دينها و مواطنيها ومقدراتها. وعندما استدعت الحاجة المحلية و الإقليمية و العالمية إلى تحولات في استراتيجيات النفوذ والتحكم والسيطرة إلى اتجاهات حديثة في منهجيات الاقتصاد السياسي ؛ حتم ذلك وغيره من العوامل إلى تحولات مهمة وضرورية وأتت في وقتها حاملة راية رؤية ٢٠٣٠، وكان من نتائج ذلك ما نحن بصدده من مبادرات تهيئ للتحول من دولة ريعية إلى دولة إنتاجية بامتياز – إن شاء الله – فلدينا بفضل الله من ( المقومات و الممكنات و المحفزات ) ما سيجعلنا في صدارة الدول متى كان حزم و عزم  المواطن بمستوى حزم وعزم ولاة أمرنا – أيدهم الله وسدد خطواتهم لما فيه صلاح العباد والبلاد – ولكن ما ينبغي أن ندركه جيدا أنه يستحيل أن نكون دولة ريعية و إنتاجية في وقت واحد ؛ فإما أن نستمر ريعية بأدواتنا السابقة ، أو نتحول إلى دولة إنتاجية. وحتى نصل إلى مستوى مرضي كدولة إنتاجية ويتحقق لدينا إنجاح المبادرات المهمة ومنها ( الضرائب )،  وحتى يتم التعاطي معها من جميع مكونات المجتمع مواطنيه ومؤسساته بشكل فاعل ومثمر لنحقق تطلعات ولاة أمرنا في تحقيق رؤية ٢٠٣٠ ؛ لابد أن نعمل عملية فصل بين المسار الريعي والإنتاجي كنظام إدارة للدولة ؛ فمن لوازم الدولة الإنتاجية هي الوصول لشراكة فاعلة في الدراسة والتخطيط و التصميم والقرار بين صاحب القرار و المستفيد من القرار ، وهذا بفضل الله ما نرى بوادره الطيبة ، ( وعسى أن نرى قريبا تحول بعض مؤسسات الدولة الرقابية و التشريعية كمجلس الشورى ومن في حكمه إلى أدوات ذات لياقة سياسية وتشريعية ورقابية عالية تسهم في التنمية بشكل فاعل ). فمثلا : لكي أدفع ضريبة مقابل خدمةٍ ما ، فلابد أن تكون الجودة عالية أو أن تتوازى الضريبة مع حال مستوى الخدمة .

نحن الآن في مرحلة انتقالية من دولة ريعية إلى إنتاجية ، ولابد في مراحل الانتقال أن تكون مليئة بالتحديات والخبرات و التهيئة المجتمعية للانتقال ؛ فالتعاطي بامتيازات الدولة الريعية مع ممارسة تطبيقات الدولة الإنتاجية يولد أشكالا والعكس كذلك. وأخيرا لكي نكون دولة إنتاجية تنجح في تطبيقاتها الاقتصادية لابد من تحديد المسار بشكل واضح وفاعل.

وأضاف أ. عبدالرزاق الفيفي قوله: أن موضوع الضرائب الحديث فيه يطول والفهم الغربي يقتضي الربط بينها وبين صنع القرار: No representation no taxation ؛ لذا، فإن فتح باب الضرائب في هذا الوقت قد لا يكون في مصلحة المواطن أو الحكومة. وأتمنى أن يؤجل لبعد 2020 . وقد تكون المدة إلى ٢٠٢٠ جيدة لتأسيس وتكوين الخبرات المؤسساتية والنظامية والقانونية والبشرية من الدول الناجحة في تطبيق النظم الضريبية لنكون جاهزين بعد ٢٠٢٠ للبدء بقوة في التطبيقات الضريبية بالتوازي مع التحسينات اللازمة لنظام إدارة الدولة لكي يتماشى ويكتسب اللياقة السياسة ليدرك اللياقة الاقتصادية العالية التي تمر بها البلاد .

سننجح في التعاطي مع النظم الضريبية كمواطنين متى تم تحسين وتطوير ما يلزم؛ لأسباب جوهرية:

  • البعد الديني في موضوع الصدقة و الإحسان و الأوقاف ، فلدينا بعد عقدي ( متى وجد القالب المناسب ) ستكون نتائجه مذهلة ، والمستعرض للتاريخ الدول الإسلامية كان الوقف والصدقات على المرافق العامة وغيرها أحد أدوات التنمية .
  • الشعب بفضل الله على قلب رجل واحد مع ولاة أمره ومستعدون للبذل والصبر مهما كانت سياسة التحسين شاقة ومتى لزم الأمر لصناعة واقع ومستقبل مشرق.
  • كل أطياف المجتمع لديها رغبة واستعداد للتحسين بشكل ملفت وبالذات الشريحة الكبيرة والمؤثرة الشباب ٦٠٪‏ من إجمالي السكان.
  • لدى الدولة قدرة مع خبرائها من أبناء الوطن لتصميم نظم تتناسب مع هويتنا و مقدراتنا و ممكناتنا أكثر من أي خبير أجنبي ولا مانع أن يستفاد من الأجانب ولكن في إطار ما نحدده نحن وليس هم.
  • توصيات ختامية لتطوير النظام الضريبي في المملكة

أوصى أ. محمد بن فهد العمران بما يلي:

  • ضرورة تطوير و إعادة هيكلة أنظمة و لوائح الهية العامة للزكاة و الدخل و خصوصا ما يتعلق منها بالضرائب تماشيا مع المتغيرات الجديدة أو المتوقعة مستقبلا.
  • ضرورة إعادة الهيكلة التنظيمية للهيئة و ربما مسماها القانوني باللغتين الإنجليزية و العربية من خلال وجود إدارات متخصصة للضريبة منفصلة عن الزكاة.
  • توظيف و تدريب العاملين في إدارة الضريبة على مستوى عالي لمواجهة التحديات الكبيرة في المستقبل و تقليل أي محاولات للتهرب الضريبي.
  • تعزيز التعاون مع دول مجلس التعاون و الشركاء التجاريين الأهم للمملكة فيما يتعلق بتكامل الأنظمة الضريبية و ربما زيادة نطاق اتفاقيات تفادي الازدواج الضريبي.

ومن التوصيات المهمة المشار إليها في تعقيب أ. جمال ملائكة:

  • أن نقوم و بدون إبطاء بالتعاون مع دول تطبق الضرائب بصورة ناجحة و ليس لها غايات سياسية مثل اليابان و ألمانيا و سويسرا و الدول الإسكندنافية حتي نستفيد من خبراتهم التراكمية و “عدم إعادة إنتاج العجلة ” وإضاعة الوقت و الجهد و المال و نقوم بتطويع نظمهم بما يتلاءم مع وضعنا و كذلك تدريب كوادر من “المبتعثين” المتميزين و ذلك لأن الأجهزة الحالية تعاني من ترهل و بيروقراطية الخ .
  • أن تُطبٓق ضرائب دخل على الشركات و الأثرياء دون إبطاء، فلا يجوز فرض ضرائب على الأفراد مثل ضريبة القيمة المضافة ولا يتم فرض ضرائب و لو قليلة نسبيا على قطاع الأعمال و الأثرياء الذين استفادوا من هذه البلاد.
  • لا بد من القيام بخطة شاملة متكاملة بالتوقيت الملائم علي أن تتضمن حملة توعوية و إعلامية لضمان تفهم المواطن لما سيتم فرضه بعد أن تقام ورش مكثفة تشمل مختصين من مجلس الشوري و الاقتصاديين و أساتذة الجامعات المتخصصين و رجال الأعمال و المثقفين لضمان شمولية الآراء و أخذ ما لم يتم أخذه في الاعتبار ضمن الاعتبارات الأخرى بالطبع.

ويرى د. سعد الشهراني أن الإصلاح المالي و الضريبي الحقيقي و العادل يتطلب:

  • استثناء السلع الضرورية.
  • تفعيل حساب المواطن ليشعر المقصودون بأثره .
  • زيادة إعانات الضمان الاجتماعي لتتناسب مع خط الكفاية.
  • ضرائب معقولة و عادلة و ربما تصاعدية على الأكثر دخلا و الأكثر ثروة.
  • شفافية و محاسبة و مساءلة.
  • كفاءة في جباية الزكاة و توزيعها.

هذه معطيات (بعضها موجود ولكن من غير كفاءة ) قد تخلق قبولا عاما لضريبة القيمة المضافة أو ضريبة المبيعات و هي أكثر أنواع الضرائب شيوعا في العالم. كما أنه لابد من أن يتعود المواطن القادر على دفع التكاليف الحقيقية و أن يتعلم الادخار و ترشيد الاستهلاك و أن تكون هناك قناعة سياسية و اجتماعية بأن توزع أعباء و تكاليف الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة حسب الثروة و الدخل.

وأوصى م. خالد العثمان بما يلي:

  • بمناسبة إطلاق الإصدار النقدي الجديد أن تقوم مؤسسة النقد بالإعلان عن إلغاء النسخة القديمة من فئة ٥٠٠ و ١٠٠ ريال خلال فترة ٦ أشهر مثلا شريطة أن يقوم الناس باستبدال العملة القديمة بالنسخة الجديدة خلال هذه الفترة وبعدها تصبح النسخة القديمة لاغية بلا قيمة .. بهذه الطريقة يضطر من يكتنزون أموالا سائلة بمبالغ كبيرة إلى إدخالها في النظام البنكي وهو ما سيخرج كثيرا من الأموال من الظل إلى النور بما في ذلك الأموال المتداولة في العمليات الإرهابية والإجرامية وتجارة المخدرات وغيرها.
  • ضرورة أن تكون هناك تشريعات صارمة لتداول النقد قبل فرض أية إجراءات تنفيذية ربما لا تجد الكفاءة والفعالية اللازمة في التطبيق .. أحد أهم الخطوات في هذا المسار .. هي إصدار قانون واضح لتجريم تداول النقد خارج النظام البنكي مصحوبا بعقوبات مغلظة بما فيها مصادرة الأموال المتداولة خارج النظام البنكي.
  • إن تأسيس النظام الضريبي الشامل مطلب مهم بغض النظر عن التحفظات التي أثارها م. أسامة كردي في تعقيبه .. فنسبة الضريبة ومقدارها مسألة متغيرة بتغير الظروف والأحوال .. المهم تأسيس النظام الضريبي المعلوماتي كأساس شامل لترسيخ الثقافة الضريبية على المدى البعيد. فالنظام الضريبي نظام مؤسسي معلوماتي يتغير تأثيره بحسب نسبة الضريبة وشرائح التطبيق .. افتراض التعسف في التطبيق على حساب مقدرات الطبقات الفقيرة استباق مخل.

وأكدت د. نوف الغامدي بدورها على أنه:

  • لابد من بناء نظام معلوماتي متكامل مؤتمت للإدارة الضريبية، وبناء قاعدة معلومات مركزية موحدة للمكلفين وتأمين العدد المطلوب من العاملين وإخضاعهم لدورات تخصصية في هذا المجال، وبناء بنك معلومات مركزي يحتوي على كافة المعلومات المتعلقة بالمكلفين والربط مع قواعد البيانات لباقي الجهات العامة للاستفادة من المعلومات.
  • أهمية تفعيل دور العلاقات العامة والإعلام لتوعية المجتمع وخاصة الشباب لما تعنيه ضريبة القيمة المضافة والأنماط الاستهلاكية.

وأوصى د. خالد الرديعان بإيجاد آليات مناسبة لضبط اقتصاد الظل أو ما يسمى الاقتصاد غير الرسمي Informal economy بحكم أن معظم تداولاته تتم بالنقد (الكاش) الذي يصعب مراقبته.

وأوصى أ. عبدالرزاق الفيفي بما يلي:

  • تفعيل النظم الزكوية بشكل فاعل وفتح المجال لإعادة دراسة التطبيقات الممكنة فيها وتبني المبادرات التي تسهم في علاج قضايا الفقر والبطالة والتنمية.
  • تأجيل تنفيذ أي نظم ضريبية في المرحلة الحالية لعدة اعتبارات إلى ما بعد ٢٠٢٠ حتى يرى المواطن نتائج مبادرات خطة التحول ٢٠٢٠.
  • السعي لتحسين وتطوير اللياقة السياسية لنظام إدارة الدولة بما يتلائم مع اللياقة الاقتصادية من الجانب التشاركي و الرقابي و التشريعي في مؤسسات الدولة كالشورى مثلا.
  • تفعيل دور الإعلام التنموي التوعوي في أوساط المجتمع و بالذات شريحة الشباب في الجامعات حتى نسهم في شراكة مجتمعية يتحمل الجميع إنجاح أي قرار وتحمل تبعاته ونتائجه بوعي وفاعلية ومسؤولية.
  • إعادة ترتيب استراتيجيات طرح النظم الضريبية؛ فالبدء بصناعة الأجواء المناسبة والصحية من ناحية قانونية ومجتمعية و فكرية ، ثم تحسين مستوى الخدمات والقطاعات التي ستتوجه لها النظم الضريبية مثلا : النقل والطرق والبنى التحتية – الصحة – التجارة وحماية المستهلك – تطبيق الحكومة الإلكترونية في كل قطاعات ومؤسسات الدولة على نظير وزارة الداخلية التي أبدعت في ذلك – وهكذا كلما يحسن قطاع لا مانع من فرض ضريبة عليه تتناسب مع ( جودتها + حجم دخل المواطن ) .
  • تأسيس مجاميع ومراكز تفكير و إبداع رسمية ذات مستوى عال من العناية و الرعاية والحماية يتبناها ولي الأمر ؛ تكون حاضنة للنخب المؤهلة الوطنية بشراكة حقيقية مفتوحة للجميع لتؤدي فيه الأدوار الأتية :
  • تقييم الأداء.
  • تطوير الأداء.
  • تحليل الاحتياجات.
  • علاج الأزمات.
  • الدراسات للقضايا الوطنية.
  • تأسيس ومراجعة وتطوير النظم.

وتكون هذه الحاضنة عبارة عن كيان موازي لمجلس الشورى ؛ دوره تزويد المجلس بنتائج ومقترحات و تقييمات و دراسات دورية يستطيع حينها مجلس الشورى اتخاذ قرارات مناسبة وقابلة للتطبيق تراعي الأولوية ، ويكون لهذا الكيان فروع في كل مناطق المملكة ليحتوي كل أبناء الوطن المؤهلين  ويكون بمثابة ( مراكز رصد تنموية  ) تتبع الكيان الرئيسي الذي يتبع مباشرة مجلس الوزراء.

وقال أ. خالد الحارثي: اتفق كثيرا مع الرؤية التي طرحها أ. محمد العمران حول ضرورة تطوير النظام الضريبي ، ليس بقصد تكثيف التدخل الحكومي في الاقتصاد ، ولكن لموازنة ومعادلة الاقتصاد الوطني والتأثير الإيجابي في الظواهر الاقتصادية ومواكبتها.

أعتقد أن هندسة النظام الضريبي يلزمها أن تأخذ بعين الاعتبار في المستوى الاستراتيجي استبعاد غاية تمويل الميزانية الحكومية والرقابة على ذلك للأسباب المعلومة عن هيكل الموارد والثروات والإنتاج في المملكة.

أيضا أن تأخذ بعين الاعتبار إعادة هندسة مبالغ الرسوم لتكون رسما رمزيا وتحال بقية المبالغ لتكون ضريبة نظامية، والأهم من ذلك هو تطوير الرقابة والشفافية على الضرائب وعقوباتها ، ونظم الإفصاح والإقرار الضريبي الفردي.

ويرى أ. مطشر المرشد أن من المهم الانتباه لمستوى و جودة الخدمات .. ما قبل فرض الضرائب ( تحصيل الضرائب من مبيعات البنزين والديزل ما هو تأثيره على البنية التحتية للطرق و البيئة ؟).

ويرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن الأهم والأصلح لمسيرة الشأنين الاقتصادي والاجتماعي أن يكون هناك مرحلة انتقالية هادئة للتحول نحو سياسة ضريبية جديدة لم يعتد عليها المواطن والمقيم ، في دولة لم يسبق عن شرعت مثل ذلك الأمر. ولهذا:

  • لابد أن تتأتى مثل هذه التنظيمات وفق جدول زمني يراعى فيه العامل النفسي لدافع الرسم أو الضريبة.
  • أيضا وهذا الأهم أن تتفق التشريعات الضريبية مع علو الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
  • إن الخروج بضوابط ذات استراتيجية واضحة وتتفق والهدف المراد الوصول إليه ، لن يتأتى أو لن يتحقق جراء أوضاع وقوانين تعيش في ظل غياب استراتيجية التنسيق، فضلا عن صدور ضوابط أو تنظيمات تأتي فجأة دون أن يسبقه إعلان ترويجي يحدد من خلاله جدول زمني في تطبيق رسم أو ضريبة تعطي الفرصة والوقت الكاف لترتيب كما يقال البيت من الداخل.
  • فيما يتعلق بمشاريع الرسوم الحكومية والضرائب من المهم ما يلي:
  • أن ترتبط الضرائب بفاعلية حقيقية للخدمات العامة، بحكم أن الضرائب لاتعد سياسة تنوع لمصادر الدخل بالمفهوم العلمي للاقتصاد ، حيث أنها تعني توافر مداخيل لخزينة الدولة لتلبية متطلبات مجتمعية ضرورية.
  • عند تطبيق الضرائب يفترض أن تكون الرسوم الحكومية كافة رمزية القيمة خصوصا تلك المرتبطة بالفرد مثل رسوم ( جواز السفر- تأشيرات العمالة المنزلية وإقاماتها – رخص القيادة واستمارات السيارات الخاصة – وكل ما يتعلق بالرسوم المرتبطة بالأفراد ).
  • أن يكون تشريع الضرائب بخطوات تدرجية، حتى لا تكون مثقلة على كاهل دافع الضرائب أولا ، وأخيرا حتى نضمن استمراريتها لعقود طويلة مادامت تتفق والمصلحة العامة للوطن.
  • بحكم أن الضريبة على الدخل ( أفراد وأرباح منشآت ) ، تقرر تأجيلها إلى 2020 م ، يقترح أن يراعى في ذلك عدم استحصال الضريبة هذه من الأفراد التي تقل رواتبهم أو مداخيلها عن 7500 ريال شهريا ، وكذا المنشآت الصغيرة والتي تقل أرباحها الشهرية عن 10000 ريال .
  • يقترح أن يؤسس وحدة معالجة وتحصيل الضرائب بالهيئة العامة للزكاة والدخل بكفاءات تتقن اللغة الإنجليزية لخدمة الشركات الأجنبية.

وترى أ. ليلى الشهراني أنه و إن كنا سنتعامل مع الضرائب بمثل معاملتنا مع الزكاة فربما لن تكون فاعلة ، لدينا من يتصدر أثرياء العالم وزكاة أموالهم تكفي للقضاء على فقراء البلد ومع ذلك يزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا!

الضرائب تحتاج لعدالة في جبايتها وحسن توجيهها وصرفها في وجهتها الصحيحة ، وأن لا تتركز في مكان واحد خصوصا إن كانت مفروضة على شركات أو مؤسسات ، أما بالنسبة للمواطن فيجب أن تكون الضريبة على قدر الخدمة المقدمة له ، دافع الضريبة من حقه أن يحصل على ما يليق به.

في حين ذكر م. أسامة كردي أنه على الرغم من كل ما قيل حول قضية تطوير النظام الضريبي؛ لكنه لم يغير رأيه في عدم المساس بالوضع الحالي للضرائب و الرسوم الموجودة حالياً و أنظمتها للأسباب المذكورة في تعقيبه. و أي توجه غير ذلك سيتطلب تعديل النظام الأساسي للحكم بحيث يتملك المواطن الثروات التي تحت أرضه و يعدل نظام مجلس الشورى ليتمكن من إجراء الرقابة و المسائلة المطلوبة للمالية الحكومية و غير ذلك كثير ؛ و هذا أهم كثيراً من إنشاء الإدارات المناسبة لتحصيل الضرائب و الرسوم و إصدار القواعد المنظمة لها.

ويرى د. مساعد المحيا أننا نحتاج قبل أي تطوير لأي نظام ضريبي ما يلي:

  • أن تكون الشفافية هي التي يتم في ضوئها إدارة الاقتصاد، ونحتاج أن يتم القضاء على الفساد لأن الفساد إن بقي ستزداد وتيرته وستجد في الدخول الإضافية المتحصلة من الضرائب من يغترفها بأدوات نظامية.
  • أن تكون العدالة في التوزيع والكفاءة في الاختيار هي الركيزة التي يتم اعتمادها في إدارة مؤسسات الدولة ؛ وذلك يتطلب أولا مجلس شورى منتخب يملك صلاحيات مناقشة تفاصيل الميزانية ويحاسب كل المسؤولين .
  • أن نهتم بتوزيع العبء الضريبي وفقا للأكثر دخلا وبخاصة الذين اثروا من فترات سابقة وأن لا يتحمل المواطن اليوم أخطاء من قصروا في محاسبة الفاسدين ، ومن المهم أن لا نتصور أن حساب المواطن سيرفق بالمواطنين؛ فكل ما يتم أخذه من الشركات والمؤسسات سيدفعه في نهاية المطاف المواطن وبخاصة المواطن الأقل دخلا.

المحور الثالث

مصادر تهديد أمن الخليج في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية الراهنة

الورقة الرئيسة: د. خالد الدخيل

يشير مفهوم الأمن الوطني إلى حماية وحدة الدولة، واستقلالها وسيادتها على أراضيها، بما في ذلك أمن المجتمع واستقرار، وحماية مصالحها خارج حدودها.

مصادر تهديد الأمن الوطني للسعودية ودول الخليج العربية كثيرة ومتعددة. منها مصادر داخلية، مثل الاختلال الخطير في التركيبة السكانية، وغياب قوة عمل محلية أو وطنية، وضعف الحس الوطني، والانقسام الداخلي على أسس مذهبية أو قبلية أو مناطقية. يتكامل مع ذلك الفساد بأشكاله الإدارية والمالية. تأخر معالجة هذه الظواهر وتراكمها يعبر عن تأخر نضج الدولة كمفهوم وكمؤسسة وثقافة حاكمة، وبالتالي قابل لتهديد أمن الدولة والمجتمع. هنا كمصادر تهديد يتداخل فيها الداخلي مع الخارجي مثل الإرهاب والطائفية. مصادر التهديد الخارجية، غالبا ما تكون الأسرع والأكثر تهديدا للأمن الوطني للدولة، خاصة إذا ما تمكنت من تفجير مصادر التهديد الداخلية، أو تحقيق اختراقات للداخل بادعاءات أيديولوجية أو سياسية، أو كلتاهما معا. هذا من حيث العموم. أما في ضوء خصوصية الظروف السائدة حاليا على المستويين الإقليمي والدولي، يمكن القول بأن من أهم مصادر تهديد الأمن القومي للسعودية ولدول مجلس التعاون الخليجي هي: الإرهاب، والطائفية، وعدم الاستقرار الذي تمر به المنطقة العربية منذ بداية عام 2011 نتيجة لتداعيات ثورات الربيع العربي، وما يتفرع عن ذلك من قضايا وخلافات لا يمكن حصرها في هذا الإيجاز.

من الواضح في ضوء الاستقرار الذي تتمتع به دول الخليج حتى الآن بأن مصادر التهديد المباشرة لهذه الدول هي المصادر الخارجية، خاصة الاضطرابات التي تعصف بالمنطقة، وتحولها إلى حروب أهلية في أربع دول عربية هي العراق، واليمن، وسوريا، وليبيا. اثنتان منها ( اليمن والعراق ) على الحدود المباشرة للسعودية ودول الخليج، والثالثة (سوريا) على التخوم الشمالية الغربية للجزيرة العربية. أما الرابعة وهي ليبيا فتقع في المغرب العربي، وبالتالي أقل تهديدا من غيرها.

تنبع أهمية وخطورة هذا المصدر من أنه تتقاطع فيه مصادر التهديد جميعها تقريبا: الحروب الأهلية ــ وهي بطبيعتها حروب قذرة ــ وخطورتها على الجميع، والطائفية التي تغذي هذه الحروب، والإرهاب الذي تفرزه وتنشره في كل اتجاه. وقبل ذلك وبعده التدخلات الخارجية المتنوعة في هذه الحروب كل طرف فيها مدفوع بقناعاته الأيديولوجية، و توجهاته السياسية، وبأولوية مصالحه على غيره على أساس من تلك القناعات والتوجهات. وهي تدخلات تضاعف من تعقيد الوضع الإقليمي فوق ما هو عليه، وتزيد بالتالي من اضطرابه وخطورته على الجميع. في هذا الإطار تأتي إيران بسياساتها العدوانية التوسعية لتشكل بؤرة التهديد الخارجي الأخطر في الظروف الإقليمية السائدة، خاصة بعد نجاحها عمليا في احتلال العراق وسوريا، مضاف إليه دعمها العسكري والسياسي للحوثيين في اليمن.

لماذا إيران هي بؤرة الخطر الآن؟

  • أولا: لأنها تتبنى رسميا الطائفية كأساس لسياساتها الداخلية والخارجية (راجع خاصة المواد 12 و 71 و 115 من الدستور الإيراني).
  • ثانيا: أنها تأخذ، ورسميا أيضا، بآلية الميليشيا الطائفية (الشيعية حصرا ) كرافعة مركزية لسياساتها الإقليمية، ولتداخلاتها في دول الجوار. وبقدر ما أن هذا يعبر عن الطبيعة الدينية للنظام الإيراني، إلا أنه يجنبه تهمة إعلان حروب مباشرة على دول الجوار، كما كان يفعل صدام حسين.
  • ثالثا: أن إيران، واستمرارا مع مشروعها الطائفي تتبنى سياسيا مبدأ تحالف الأقليات في المنطقة، وذلك كبديل للتحالف مع الدول.

تكمن خطورة النهج السياسي الإيراني أنه حول الطائفية في المنطقة من إرث ثقافي إلى عملية سياسية فاعلة على الأرض، وإلى مؤسسات سياسية (ميليشيات وأحزاب) ونصوص دستورية ملزمة. لذلك تحولت الطائفية إلى أساس للتحالفات وإعادة تشكيل الدولة، كما في العراق، ومصدرا للحروب الأهلية، كما في العراق وسوريا، وبالتالي مصدرا للإرهاب. وكل ذلك يشكل أكبر خطر على استقرار المنطقة، وعلى مفهوم الدولة الوطنية، وهي دولة لا تزال هشة ثقافيا وقانونيا وسياسيا.

ومع التسليم بخطورة هذا المصدر الخارجي، إلا أنه لا يقلل بأي شكل من أولوية صيانة الداخل في كل الأحوال والظروف، باعتباره خط الدفاع الأول لمواجهة كافة مصادر التهديد المباشرة والمحتملة. ولمواجهة مخاطر التهديد الإيراني تحديدا لا مناص في الأخير من تبني، على المستويين المحلي والإقليمي، مشروعا مناقض للمشروع الطائفي الذي تأخذ به إيران، وتدفع المنطقة إليه دفعا. وهذا مشروع يتطلب نفسا طويلا، ولا بديل عنه. بدايته المباشرة بتطبيق، وبشكل تدريجي، إصلاحات شاملة سياسية ودستورية وفكرية واقتصادية هدفها إنضاج فكرة الدولة وتعزيز اللحمة الوطنية من خلال التأسيس لأولوية العلم مقابل الفكر الديني، المواطنة مقابل الطائفة، ومفهوم القانون مقابل مفهوم الشريعة، والدولة الوطنية الجامعة مقابل الدين. يتكامل مع ذلك اقتصاديا واجتماعيا التأسيس لأخلاقيات العمل والإنتاج، وخلق قوة عمل محلية تشكل مع رأس المال أساسا لمشاريع إنتاجية تنمو مع الوقت لتصبح مصدر الدخل الرئيس للمواطن.

 في السياق ذاته لا بد للسعودية قبل غيرها من امتلاك قدرات عسكرية تتناسب مع حجمها الديموغرافي والاقتصادي والسياسي، وتتناسب أيضا مع حجم المخاطر التي تتهدد المنطقة، وأولها الخطر الإيراني. الأمر الذي يتطلب تبني فكرة الصناعات العسكرية كجزء من المشاريع الإنتاجية ذاتها.

القدرات العسكرية ضرورية أولا لمواجهة التهديدات المباشرة، ولحماية المشروع المقترح على المدى البعيد.

التعقيب الأول: د. عبدالله العساف

بداية الأمن الوطني الذي تحدث عنه د. خالد في غاية الأهمية والخطورة، ولعلنا استشعرناها هذه الأيام، فالأمن الوطني بمفهومه الشامل: التقني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري والغذائي، فعلى سبيل المثال نحن السعوديون لا نملك هوية واحدة تجمعنا، هويتنا متشتتة بين قبلية ومناطقية لا تبني قوة ولا تؤسس حضارة بل نسيج اجتماعي مهلل قد يذوب عند تعرضه لاختبار حقيقي، فالهوية الوطنية تتمثل في شعور كل فرد منا بتميز الذات الوطنية لديه من خلال:

  • الفخر بالوطن.
  • الحرص على كيان الوطن.
  • التفاني لرفعه الوطن.
  • الحديث باسم الوطن.

كل ذلك يحتاج إلى حراك دائم قوامه الدراسات الاستراتيجية المبنية على استقراء الماضي ومراجعة الحاضر واستشراف المستقبل والعمل على اعتبار تنمية الهوية الوطنية خط الدفاع الأول حفاظاً على هذا الوجود من تحديات التشتت والتفكك والذوبان في ثقافة المجتمعات الوافدة إلينا والتي تشكل أكثرية في أغلب دول الخليج العربي ولنجعل منها قضية التزام وطني وديني وتاريخي ومستقبلي، جمعي وفردي، بالقيم الحضارية والعادات والتقاليد، واللغة واللسان، والعقيدة والإيمان، وتعزيزها واجب وطني يقع على عاتق الجماعة والأفراد، والحكومات والمؤسسات والأسرة معاً، فالمتأمل في التغيرات الديموغرافية لدول المجلس  يمكنه رصد وجود خلل في التركيبة السكانية حيث يوجد سباق غير متكافئ بين معدلات النمو السكاني للمواطنين ومعدلات النمو السكاني للمقيمين ، إلى الدرجة التي تحول فيها بعض أبناء دول الخليج العربي إلى أقلية في وطنهم ولهذا خطورته المتعددة من جميع النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية علاوة على الضغط على الخدمات والمرافق الحكومية وزيادة نسبة البطالة وغيرها مما ينعكس سلباً على الأمن الوطني الشامل الذي تحدث عنه د. خالد بالإضافة إلى تعرض هذه الدول إلى ضغوطات  دولية من قبل منظمات حقوقية وعمالية وغيرها وهذا ما يجب أن تتنبه له دول الخليج بالتحول التدريجي للإحلال  المواطن مكان المقيم ولعل هذا أحد الأهداف الذي تسعى له رؤية المملكة 2030.

وإذا ما نظرنا إلى الاختلاف الطائفي فهو ليس جديداً لكن بعض القوى المحيطة بالمنطقة ذات التأثير الطائفي – إيران – وظفته لصالح مشروعها بكفاءة فبدأ يحقق آثاره في بناء رأس مال سياسي من أبناء الشعوب العربية والإسلامية بعد أن لبست عليهم وغلفت مشروعها السياسي بالطائفية المبنية على العاطفة والتي ليس فيها مجال للعقل ولا للتفاهم والتفاوض وهو ما تفوقت فيه إيران على السعودية بمهارة ، حيث لم نستطع استخدام العامل الطائفي – السني- كما تميزت فيه إيران وكما قال بريمر الحاكم الأمريكي للعراق في عام 2003 حين قال أنه يفضل التعامل مع الشيعة على السنه لأنهم – أي الشيعة – لديهم عنوان واحد أما السنة لهم مائة عنوان .

وبهذا يتضح لنا أن العالم السني الذي يشكل أكثر من 85% من مسلمي العالم هناك من يسعى للقضاء عليه أو على الأقل إضعافه وتفكيكه وجعله رجل القرن الواحد والعشرين المريض، خصوصاً بعد أن استبدله العالم الغربي بالشيوعية ليصبح العدو الأول الذي يهدد الحضارة الغربية من خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وحتى لا ينسى العالم الغربي عدوه الأول بعد مرور خمسة عشر عاماً على تفجير برجي التجارة تم تضخيم وإلصاق أحداث باريس  وبروكسل وميونخ بالإسلام – السني رغم تحفظي الشديد على هذا المصطلح- لتعيد الصدمة إلى الأذهان وتذكر الغافل وتعلم الجيل الجديد الذي لم يع تداعيات الحادي عشر من سبتمبر بعدوهم المتربص بهم، والمتمثل بالإسلام – السني-، وأحيانا الوهابي، ولم تكن تغريدة قناة السي إن إن العربية – بشأن ما حدث في حمص مثلا – 10ديسمبر 2015-  سقطة إعلامية لا يقع فيها حتى المبتدئ في العمل الإعلامي فضلاً عن المحترف، بل رسالة مقصودة تهدف من خلالها إلى الربط بين الإسلام والحكومة السعودية من جهة والإرهاب من جهة أخرى.

وللتذكير فهذا هو نص التغريدة: ” تفجير سيارة مفخخة وسقوط قذائف هاون أطلقتها جماعات إرهابية وهابية مرتبطة بنظام آل سعود”.

إذن ما جرى وما سيجري من تحولات وتطورات جذرية يدعونا لنكون أكثر وعياً بما يراد لنا وبنا، وأن نكون أكثر قوة في زمن لا مكان فيه للضعفاء، فالتغول الإيراني لم يأت من فراغ بل إنه مدعوم من قوى دولية للسيطرة على الهلال الخصيب وحوض المتوسط  كخطوة أولى للسيطرة على العالم الإسلامي.

فإذا كان هذا مشروع الآخرين الذي يجري العمل لتنفيذه بعد أن أجيزت مخططاته، فما هو مشروعنا أهل السنة؟ الجواب بكل أسف ليس لدينا مشروع ناضج متكامل قابل للاستمرار، وإنما لدينا أعمال فردية وتصورات لم تدخل حيز التنفيذ وتحالفات وقتية سرعان ما تختفي لأسباب غير مقبولة، وهذا يقودنا للحديث عن النقطة الأخيرة التي قالها د. خالد وهي التصنيع العسكري، وأنا أقول هنا من يستورد قوته يستورد قراراته، والسلاح في زمن الحرب قوت، ولعلنا نستفيد من تجربتنا الحالية في عاصفة الحزم أشياء كثيرة منها تصنيع السلاح بعد أن تعالت أصوات في بريطانيا ودول الاتحاد الأوربي بفرض حضر على مبيعات السلاح للسعودية.

وأخيراً رسالة خاصة للسعودية ودول الخليج أن تعلم أن قوتها قائمة على ثلاثة قواعد رئيسة : الإسلام (القوة الروحية) وشعوبها ونفطها – الطاقة والمعادن والموقع الاستراتيجي.

التعقيب الثاني: د. فهد الحارثي

لعل المقصود بالتحديات الإقليمية ( بالدرجة الأولى ) القضايا ذات البعد الأمني من مثل :

  • الحرب في اليمن.
  • الحرب في سوريا.
  • التطورات في العراق.
  • التدخلات والتهديدات الإيرانية المباشرة التي تستهدف دول الخليج ، ولاسيما الدول التي تشي بالهشاشة في نظاميها الأمني والدفاعي.

وللتأكيد فإن التهديدات الإيرانية متداخلة ، وبشكل مزعج ومقلق ، مع كل ما سبق ذكره من قضايا ، بل إن بعض تلك القضايا من صناعتها وإنتاجها ، وهي ممهور ببصمتها .

وهذا كله يعني في المجمل أن إيران لم تعد تدع لنا مفراً من المواجهة معها في كل هذه البيئات المشتعلة، وعلى كل المستويات، فإيران دائما هنا، وهي موجودة معنا، في الكثير من تفاصيلنا.

والآن ندخل قليلاً في بعض تلك التفاصيل:

بالنسبة إلى حالة سوريا دعوني أقول بكل ألم وحسرة بأن سوريا قد انتهت ، وهي لن تعود أبداً ، أي أنكم لن تروا ” غداً ” سوريا ” الأمس ” فسوريا اليوم مجرد حطام ، وبشار الأسد نفسه مجرد حطام ، وليس هو أبداً من يدير سوريا في الوقت الراهن، وما نشاهده عبارة عن صراع عض أصابع ومحاولات تكسير عظام روسية – أمريكية ، وروسية – إيرانية  على الأرض السورية .  السوريون قتّلوا ، أو شردوا وأخرجوا من ديارهم ، . وليست السعودية التي تحارب اليوم في سوريا ، بل الذي يحارب قوى أخرى كبرى ، والغاية ليست سوريا في ذاتها ، وإنما الغاية هي تأكيد ” النفوذ الموازي ”  في المنطقة ، وعدم ترك الفرصة لطرف واحد للتفرد بالنفوذ ( أمريكا تحديداً ) وفي هذا الخضم وجد بعض العرب فرصتهم السانحة لمحاولة إضعاف أطراف عربية أخرى أو ابتزازها ، فأيدوا بشار الأسد على الرغم مما يجري في سوريا من قتل وتشريد وتهجير لأصحاب التراب العربي العزيز ، ومن دون النظر إلى المصالح القومية الأعلى ، بل إنهم يفعلون ذلك بعزيمة مسبقة فيغضون  البصر ، بل يغلقونه كلياً عن مستقبل المنطقة الأسود الذي يهدد الجميع ، وهو لن يدع أحدا .

أما بالنسبة للعراق فاعتقادي أن العرب كلهم يضربون كفاً بكف اليوم لإهمالهم العراق والتنازل عنه بمعنى أو بآخر إلى إيران : فراغ كبير تركناه في العراق ، ثم انتبهنا لفداحة خطئنا في وقت جدّ متأخر ، ولات ساعة مندم. وليس هناك في الوقت الراهن ما يشي بأي نجاح في استعادة الموقع العربي في العراق ، وليس للعرب اليوم مكان هناك لو إلى جانب إيران وبمحاذاتها .

في موضوع اليمن يختلف معنى النصر أو الهزيمة من طرف لآخر : هل معنى النصر هو القضاء على الحوثيين ؟! وهل هذا كان الدافع للدخول في حرب اليمن ؟! بطبيعة الحال الجواب : لا . الدافع للدخول في حرب اليمن  كان عودة اليمن إلى العجلة التي اختلت وهي عجلة “الشرعية” وبالتالي إخراج اليمن من نفق حكم المليشيات الذي سيغرقه ويغرقنا معه ، ما يعني أنه بالنسبة إلى السعودية تحديدا كان الدافع ” أيضا ” تأمين حدودها ضد أي مخاطر من أي نوع ، فالسماح بتحقيق طموحات الحوثي يعني ، أنه أن لم يحكم اليمن كله ، فهو سيكون نسخة الجزيرة العربية من حزب الله اللبناني / الإيراني ، وفِي هذا تهديد صريح ومباشر للأمن القومي السعودي ، بل لمستقبل الأمن العربي كله ، فحزب الله لم يعد لبنانيا فحسب ، فهو تحول اليوم إلى قوة “إقليمية ” ضاربة تتدخل في سوريا، وفِي العراق ، وفِي اليمن ، وربما في غيرها . ونشوء جناح له في جنوب الجزيرة خطر ماحق على مستقبل أمة العرب برمتها .

عودة اليمن إلى عجلة الشرعية في هذا السياق من التحليل تعد انتصاراً لقوات التحالف سواء حصل ذلك بالحرب أو بالسلم ، ولهذا جنحت السعودية إلى ما يطرح اليوم من مبادرات للسلام ، وهي مستعدة للاستجابة لها .

إن تأمين الحدود السعودية وضمان مستقبل الأمن القومي العربي هو انتصار ،  وهذا حدث بالفعل اليوم : فقد تم القضاء على مخازن الأسلحة الكبرى ، كما تم القضاء على مالا يقل عن 80% من الصواريخ ، وما نشاهده اليوم من إطلاق إنما يتم عبر منصات متحركة يجري القضاء عليها حالياً . و إيران في اليمن كانت في السابق ” تزوّد ” الحوثيين بالسلاح أما اليوم فهي ” تهرّب ” السلاح إلى الحوثيين ، وهناك فرق بين الحالتين ، فضلا عن أن السلاح المهرب لا يعد من الأسلحة النوعية .

بهذا المستوى من النتائج تكون الحرب في اليمن على نهايتها ، خصوصا بالنسبة إلى السعودية وقوات التحالف ، أما ما زاد عن ذلك في الداخل اليمني فشأن يمني بحت ، وواجب جيران اليمن الاستمرار في مساعدته على الخروج من أزماته الكثيرة ، الحالية والمقبلة ، ومنها الاقتتال نفسه ، الذي ينبغي أن لا نكون في أي يوم مقبل شركاء فيه .

كما ينبغي أن تساهم دول الخليج ( وفِي مقدمتها السعودية )  في الهيكلة الاقتصادية والإدارية لدى الجار الشقيق ، ما يسهم في التأسيس لتنمية مستدامة راسخة .

 وعن المواجهة السعودية الإيرانية في لبنان فهناك من يقول عنها أنها انتهت بتركيبة عون / الحريري ، وهناك من يقول ، على العكس ،  فهي للتوّ تبدأ ، وسنرى ماذا سيحدث ، فلا أمان عندي لحزب الله ولا لمن يتحالف معه .

في العلاقة مع أمريكا ( الحاكم الفعلي للعالم )  هناك الخائفون من وصول ترامب إلى البيت الأبيض ، وهناك من يَرَوْن في وصوله أخف الضررين ، وقد أوحت اختياراته لمساعديه ورجالات دولته الجديدة، أو بعضهم على الأقل ، ببعض الاطمئنان ، فهم تربطهم علاقات طيبة بالسعودية ودول الخليج ، والخوف في أمريكا من إيران لا يقل عن فوبيا ترامب ، ولدى الكثيرين قناعة تامة بأن من أبرز القوى التي وقفت خلف ميكانيزمات صدور قانون جاستا اللوبي الإيراني الذي أضحى شديد التأثير اليوم في الدوائر الأمريكية المختلفة .

وهكذا نلاحظ أننا نعثر ( أو نتعثر ) في إيران في كل وجهة نتجه إليها في المنطقة، بل وخارج المنطقة، ما يعني أن إيران أمس واليوم وغدا هي المهدد الحقيقي لمستقبل المنطقة بشكل مباشر أحيانا وغير مباشر أحيان أخرى.

فرطنا كثيراً في ماضينا مع إيران فماذا نحن فاعلون للمستقبل مع عدو يجعل من كراهيته للخليج والعرب عقيدة لا محيد عنها مهما كلّف الثمن ؟!

المداخلات حول القضية:

  • مفهوم الأمن الوطني وأبعاده

قال د. عبد الله بن صالح الحمود في تعقيبه: بداية أود أن أشير إلى بعض من ما سطره الدكتور عبد الفتاح علي السالم الرشدان ، في كتابه ، ( الأمن الخليجي مصادر التهديد واستراتيجية الحماية ) ، قائلا ، أن كل هذه الأزمات والتهديدات تحدث في منطقة تتميز بموقع مهم في موارده وثرواته واستراتيجياته ، بل أنها إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم ، ويتفاعل أمنها مع أمن مناطق حيوية أخرى : أمن البحر الأحمر ،  وأمن البحر الأبيض المتوسط ، وأمن الممرات الاستراتيجية بين الشرق والغرب ، كما يتحكم أمنها بمدى استمرار تدفق النفط وتزايد أهميته كسلعة استراتيجية ، ومع كل هذا فإن الخليج العربي ما زال يبحث عن قدر من الاستقرار والثقة في المستقبل.

وأردف قائلا ، أن الحديث عن أمن الخليج بشكل متكامل يقتضي ، في الإشارة إلى مجموعة من المتغيرات التي أسهمت في وصول الأوضاع الأمنية في الخليج إلى الحال التي يعيشها اليوم .

مشيرا الكاتب من أنه في ضوء التجربة التي مرَّت بها دول مجلس التعاون الخليجي ، فإن أمنها لا يمكن أن يتحقق من خلال الردع العسكري فقط ، لاسيما على المستوى الداخلي ، والمتمثلة في الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها التي يؤثِّر بعضها في بعض محليًّا وإقليميًّا وحتى عالميًّا ، وإنما هناك أبعاد مختلفة لابد وأن تؤخذ بعين الاعتبار التهديد واهتزاز الثقة بين الدول العربية بعضها ببعض.

حيث ذكر أن أهم الأحداث التي أثَّرت بصورة سلبية على أمن الخليج وأمن الدول المطلَّة عليه هو الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس/آب عام 1990، وما تلاه من تداعيات وانعكاسات سلبية مختلفة وشائكة، وما أحدثه من تحولات في المنطقة العربية، كان أبرزها التحول الذي حصل في رؤية دول الخليج لمصادر التهديد واهتزاز الثقة بين الدول العربية بعضها ببعض.

مؤكدا أن الأمن الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي ، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الأمن القومي العربي ، لأن الخليج ونظامه الإقليمي جزء من النظام الإقليمي العربي في إطاره الأوسع ويرتبط ويؤثر ويتأثر به سلبًا أو إيجابا، ومن ثم صعوبة، أن لم يكن استحالة ، فكِّ الارتباط بينهما.

ولذا يرى الكاتب أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي شهد مزيدًا من حالة عدم الاستقرار والتصدع بسبب إصرار إيران الجارة التاريخية على امتلاك السلاح النووي. حتى هنا اكتفي بما كتبه د. عبدالفتاح حول أمن الخليج وتداعياته.

وهنا أود القول أن الأمن الخليجي يشهد صراعات متعددة الاتجاهات ، عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية ، و التي بالفعل تتطلب الوصول إلى تعريفات حقيقية لمفهوم الأمن الوطني الشامل لدول الخليج العربية .

مفهوم الأمن الوطني يعبر عن وجوب توافر الحماية الأساسية للمواطنين والمقيمين على أرض أي دولة ، كما يعرف بأنه استخدام الوسائل الأمنية للمحافظة على سير الحياة اليومية بمنهجية تؤمن للأفراد حياة أمنة تتجلى في عدة مجالات ، والأمن الوطني الواجب الإتيان به يعني توافر أمن مطلق يتنوع بتنوع ما تمتلكه الدولة من مقومات ، سعيا في عدم الوقوع  في أزمات تؤدي إلى التسبب بالضرر لمكونات المجتمع البشرية والمادية.

واذا ما تحدثنا عن تعريف الأمن الوطني على المستوى السياسي الدولي، فهو قدرة أي حكومة على رد أي عدوان قد تتعرض له الدولةُ من قبل دولة أخرى ، سواءً باستخدام الدفاع العسكري، أو أي أسلوب يساهم في المحافظة على تطبيق الأمن الخارجي والداخلي للدولة ، تفاديا لعدم سيطرة أي دولة للأمن عامة .

وهناك عدد من الأساسيات التي يقوم عليها الأمن الوطني وهي:

  • الاستعداد الدائم للتهديدات التي قد تواجه الدولة، سواءً من مصادر داخلية أو خارجية.
  • الحرص على تطبيق كافة الاستراتيجيات الأمنية.
  • توفير كافة الوسائل التي تساهم في مواجهة الاعتداءات العسكرية وغير العسكرية على أراضي الدولة.
  • المحافظة على بناء الجيش، والقوة العسكرية والأمنية، حتى تكون قادرة على توفير الحماية اللازمة للأفراد، والمؤسسات.

وللأمن الوطني أبعاد متعددة والتي لابد أن تكون حاضرة وبتطور وتقدم قائمين للحفاظ على كينونة أي دولة، وتأتى هذه الأبعاد في الآتي:

1- البُعد العسكري:

 والذي يعتمد على دور قوات الجيش والشرطة ، في توفير الأمن الوطني ضد أية اعتداءات، أو مخاطر مخطط لها من قبل جهات خارجية، وهنا يتطلب الأمر أن يكون لكافة القطاعات العسكرية من جيش وأمن داخلي الاستعداد المستمر للذود لحماية الوطن .

2- البعد الاقتصادي:

البُعد الاقتصادي هو الذي يحرص على استيعاب أية أزمة اقتصادية عند حدوثها، مع وجود احتمال لحدوث تأثيرات سلبية على الأمن الوطني، لذلك تسعى الدولة لإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات الاقتصادية التي تواجهها ، وخصوصاً التي تؤثر على الحاجات الأساسية للأفراد ، باعتبار توفيرها أساساً مهماً من أساسيات الأمن الوطني.

3- البعد السياسي:

 البُعد السياسي هو الذي يتكامل مع البُعد العسكري ، من خلال المحافظة على سيادة الدولة على أراضيها، وحمايتها من أية تدخلات خارجية، مما قد تؤدي للسيطرة على أمنها الداخلي ، وأيضا يعتمد البُعد السياسي على توفير المساواة، والحقوق الإنسانية للأفراد داخل الدولة ، للمحافظة على استقرارها ، ومنع حدوث أية أزمات داخلية ، قد تنتج عنها نتائج سلبية ، تؤثر على الأمن الوطني.

4- البعد الأيديولوجي:

وهو الذي يساهم في تعزيز انتماء المواطنين لوطنهم ، من خلال توفير الحماية الاجتماعية لهم ، من التعرض لأية اعتداءات ، أو جرائم داخل البيئة التي يعيشون فيها ، لذلك يرتبط البُعد الأيديولوجي بكافة الوسائل، والأساليب المستخدمة لتوفير الأمن الداخلي والوطني من خلال المحافظة على المجتمع ، وتعزيز فكرة تقبل الأفراد للاختلافات الدينية، والثقافية، والفكرية بينهم .

  • مهددات أمن الخليج والسعودية على وجه الخصوص

تطرق د. فايز الشهري إلى التحديات “الخمس” الكبرى أمام مستقبل دول مجلس التعاون؛ حيث ذكر أن الراصد في شؤون الخليج العربي يتبيّن أن دول مجلس التعاون ومجتمعاتها ستواجه مجموعة من التحديات المهمّة خلال العقود القادمة.

بعض هذه التحديات تأخذ طبيعة مفصليّة في الكيانات المجتمعيّة الصغيرة لبعض دول الخليج لجهة اختلال التركيبة السكانيّة، وبعضها ذات طبيعة متغيّرة سببا ونتيجة في النواحي الاجتماعيّة والسياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة.

ولكن بشكل عام يمكن تلخيص الملامح الرئيسة لأبرز خمس تحديات كبرى على النحو الآتي:

أولا: التحديات السياسيّة:

باعتبار الثمار المرّة للاستقطابات السياسية الحالية يمكن أيضا النظر معها في الآثار السياسيّة القادمة فيما بعد عواصف الربيع العربي التي لم ولن تسلم منها دول الخليج.

وما يستوجب التنبيه هنا هو أن اللغة والثقافة والحيويّة السياسيّة لدى الشباب في دول مجلس التعاون قد لا تكون على ذات المستوى من الوعي السياسي بالمآلات حيث اختلطت الأوراق ما قد ينتج عن هذا المزيج الكثير من المشكلات في المستقبل.

ثانيا: التحديات الاقتصاديّة:

من المسلّم به أن الدول الخليجيّة في مجملها هي دول ريعيّة تعتمد على اقتصاد النفط. ومع وضوح تمايزات مختلفة بين هذه الدولة وتلك ولكن الراعي الأساسي والثابت للتنمية والاستقرار هو هذا الذهب الأسود ومتغيراته.

ومن الصعوبة أن ترتهن دول الخليج ومستقبلها لسلعة استراتيجيّة تتأرجح في حسابات الاقتصاد والسياسة والهيمنة العالميّة؛ ولهذا فإن التنمية البشريّة هي رأس المال المتجدّد ما يستلزم إعادة النظر في مفهوم التواكل ونفض غبار التأجيل عن الملفات الاقتصاديّة المؤجلة.

ثالثا: التحديات الاجتماعيّة:

 ويتلخّص هذا التحدي في أربعة أركان:

  • الركن الأول:

قضيّة الطائفيّة والتي تحتاج إلى حلول استراتيجيّة تعمّق العلاقات بين السكان بما يضمن التعايش والنأي بالمجتمعات القادمة عن صراعات لا منتصر فيها.

  • الركن الثاني:

مسألة العمالة الوطنيّة (البطالة) ونسبة غير المواطنين بين السكان والتي قد تدق أسفين الاستقرار السياسي والاجتماعي يوما ما والمستثمرون فيها يتربصون.

  • الركن الثالث:

ويكمن في تحدي الشباب الذين يتجاوزون 60 % من سكان معظم دول مجلس التعاون. هؤلاء الشباب ستكون مطالبهم الحياتيّة والحقوقيّة فوق مستوى الرضا الذي عاش عليه أفراد مجتمعات الخليج الأوائل في سكينة وفورات النفط ومقارنات شظف العيش في الماضي.

  • الركن الرابع:

فئات “البدون” ممن لا يملكون هويات وطنيّة في دول عاشوا وترعرعوا فيها خاصة أبناء القبائل العربيّة التي تحتاج من عقلاء الخليج اليوم إلى معالجة سريعة وواقعيّة حتى لا تغدو ملفا سياسيا واجتماعيا يقلق راحة المستقبل.

رابعا: التحديات الأمنيّة:

تواجه مجتمعات الخليج اليوم تحديات أمنيّة غير مسبوقة خاصة مع انتشار التقنيات الحديثة وثقافة السفر التي أبرزت بعض المظاهر السلوكيّة من خارج منظومة القيم الأصيلة المتوارثة.

وعلى رأس هذه التحديات ملفات التطرّف والمخدرات وبعض مظاهر الإباحيّة والثقافة الإلحاديّة التي ستؤثر بشكل واضح في الاستقرار الروحي وركائز العلاقات والطمأنينة التي ظلت عماد أمن المجتمع الخليجي.

خامسا: التحديات الثقافيّة:

وتتلخص هذه التحديات في أزمة الهويّة والانتماء مع هبوب ريح ثقافة العولمة وتنازع الهويات الصغرى التي زعزعت مفاهيم وتوازنات ربطت بين شرائح المجتمعات الخليجيّة بمختلف طوائفها المذهبيّة والعصبيّة عبر عقود من تشكّل كيان المجتمع الخليجي وانصهاره في مفهوم الدولة.

وأشارت أ. ليلى الشهراني إلى أن الخليج يواجه تهديدات خارجية وداخلية تتمثل فيما يلي:

  • المهددات الخارجية تتمثل في (الأخطبوط الإيراني) وجل ما مررنا به تقف خلفه أصابع فارسية أقلقت مواسم الحج وأصبحت المهدد الرئيس لحدود بلادنا بتحريكها لخلاياها الإرهابية جنوبا وشرقا وشمالا ، ثم يتبعها ابتزاز الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة واستغلالها التهديد الإيراني (لشفط دهون الخليج) من نفط ومال بحجة التسليح تارة والتبادلات التجارية تارة ، من دون أن نرى حلولا ناجحة لكبح جماح هذا التوسع والإرهاب الإيراني وأقرب مثال الصمت عن تدخلاته في (سوريا واليمن والعراق) وهو مالم تفعله مع أي دولة أخرى !

أيضا بعض الدول العربية ممن ساهم الخليج وعلى مدى سنوات في دعم اقتصادها أو تسليحها وحل مشاكلها الداخلية نجد منها النكران والجحود ، بل أن بعض الدول العربية تشاركنا المغنم وعند الحاجة تختفي أو تظهر بمواقف ضبابية .

  • المهددات الداخلية في رأيي تحتاج لعمل أكثر فالبناء يبدأ من الداخل ، الثروة الحقيقية في بناء الإنسان (علميا صناعيا فكريا عسكريا) ، النفط لا يدوم والمال قد ينفد لكن ماذا عن الإنسان؟

البطالة، والفقر ، والجهل، والعنصرية، وغياب العدالة الاجتماعية، والظلم ، المخدرات ، الإرهاب ، تشتيت اللحمة الوطنية وغيرها كلها من أسوأ المهددات التي تواجه الشعوب ، فكل هذه (قنابل موقوتة) قد تنفجر في أي لحظة ، خصوصا مع ما عاشه هذا الجيل من ما يسمى بالربيع العربي !

اليوم العالم أصبح مفتوحا والتهديد لا يقتصر على تصريح سياسي يسيئ لنا ، بل تعداها إلى الدخول في الفراغات والمنافذ التي لم نحسن سدها ، والتي استغلها الأعداء أخبث استغلال ، ولعل ما نعانيه من انضمام بعض الشباب والشابات للمنظمات الإرهابية أو للعصابات الإجرامية هو مما يعمل عليه الأعداء في الخارج والداخل بدون كلل أو ملل !!

ولا يجب أن نستهين بهذه المهددات أو نؤخر حلولها حتى لا نفيق على صدمة مفجعة فخليجنا على صفيح ساخن وكل دولة تضع يدها على قلبها وتردد يا رب سلم عند كل هزة.

وعلق أ. خالد الحارثي على الطرح السابق لـ أ. ليلى الشهراني بقوله: اتفق أنه نُفذ إلينا في أغلب الأحيان من الاعتقاد بالمصالح المشتركة في تبني خط سياسي معين أو دبلوماسية بعينها في حين كانت مثل تلك الخطوات مصائد علقنا فيها لاحقا ، وأهمها في نظري كما تم الإشارة العناية بالإنسان السعودي الذي كان مفضولا في كل الخيارات التي اتخذت وليس بعد مفضلا.

وباعتقاد د. خالد الرديعان فإن المهددات (الداخلية) لأمن الخليج والسعودية على وجه الخصوص تنحصر فيما يلي:

١- الطائفية المذهبية وتوظيفها لخلق انقسامات داخلية.

٢- تسلط المنظمات الدولية ودورها التحريضي.

٣- البطء في حركة الإصلاح السياسي مما يعطي ذرائع لتدخلات دولية.

٤- القنبلتان الاجتماعيتان: الشباب والمرأة.

٥- القنبلة السكانية.

وقال د. خالد الدخيل: بالنسبة لما جاء في تعليق د.  فهد فأجدني اتفق معه. إضافتي الوحيدة لما ذكره أن إيران بالفعل باتت عدو لنا. قد يتساءل البعض هل تحل بذلك مكان إسرائيل؟ وهو سؤال كما يطرحه جماعة “الممانعة” في الشام فيه مزيج من الخبث والسذاجة المتصنعة. إيران ليست إسرائيل. الأولى عدو بسلوكها وسياساتها، وتبنيها للطائفية التي تهدد وحدة الأوطان. وهي عدو بأهدافها وممارساتها كما نشاهدها الآن. بمعنى آخر عدونا ليست إيران الشعب والمجتمع والدولة بمعناها السوسيولوجي الشامل. إيران ليست عدو لنا بذاتها. عدونا هو النظام السياسي الحاكم فيها، الذي أتي إلينا (ولم نذهب إليه) بطائفيته وميليشياته وأحقاده وخرافاته. أتى لينتقم من الحرب العراقية الإيرانية، وليجعل من نفسه دولة للشيعة في المنطقة كما إسرائيل دولة لليهود.

أما إسرائيل فهي عدو بذاتها وسياساتها. وهي تعلن ذلك للملأ على عكس إيران التي تشعل الحروب الطائفية والعسكرية، وتدمر البلدان بدعوى أنها إنما تفعل ذلك لمقاومة إسرائيل.

أما بالنسبة لما جاء في تعليق د. عبدالله العساف أشير إلى أن المنطقة تمر حالياً بما يمكن أن أسميه بزمن “الوهن السني”، وهو وهن يفرض الخروج من المنظور الطائفي باعتباره منظور يشكل خطراً على الجميع، ويخدم المشروع الإيراني في المنطقة. د. عبدالله لم ينطلق في تعليقه من هذا المنظور، لكنني أردت تأكيد هذه الملاحظة انطلاقا من أن ما يحصل للمنطقة وفيها يعبر في جوانب كثيرة منه عن صراع طائفي. فضلا عن إيران تتصرف من منطلقات وأهداف طائفية انسجاما مع كون النظام فيها نظام ديني – ثيوقراطي، يحدد هويته على أساس طائفي معلن.

أما بالنسبة لتصنيع السلاح فهو ضرورة لا تحتمل التأجيل، مع إدراك أن الاستغناء عن استيراده في الظروف الراهنة ترف لا طائل من ورائه. لكن يمكن تغيير مفهوم الاستيراد ليصبح جزءا من مشروعات مشتركة للتصنيع المحلي ونقل تكنولوجيا السلاح بمختلف تفرعاتها إلى الداخل. ولا شك بأن الاستيراد كما كان سائدا لم يعد مفيدا الآن، مكاسبه مؤقتة، ويخضع لقيود سياسية لا تتناسب دائماً مع أهدافنا.

وفي سياق متصل، وبالنسبة للاستقلال النسبي وأنه سيلفت نظر الدول الكبرى وأنه قد يتعارض مع مصالحها، لماذا لم يحدث الشيء نفسه في حالة ماليزيا وكوريا الجنوبية وجنوب إفريقيا وغيرهم؟ مشروع الإصلاح المطلوب لن يتعارض مع مصالح هذه الدول. من ناحية ثانية هو مشروع يمكن أن يتحقق مع بقاء الشراكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. العقبة ليست هنا، وإنما في غياب القناعة به، أو غياب الإرادة السياسية، أو كلأهما معا.

وذكر أ. خالد الحارثي أن صداقة دول مجلس التعاون مع أمريكا انتهت بتدشين اتفاق 5+1 ، وعليه يكون التساؤل: هل ما تعرضت له دول مجلس التعاون جحود أمريكي غير مبرر ( إذا صح ذلك الوصف ) يعتبر مفاجأة للمراقبين والمهتمين والدبلوماسيين؟ هل نحن فعلا في حالة من العجز عن قراءة الواقع حتى نتفادى هذه المفاجآت؟

وفي هذا الشأن أوضح د. فهد الحارثي أن القلق الذي تتسبب فيه إيران بالنسبة إلى أمريكا وأوروبا وإسرائيل صار مصدرا مهما للابتزاز بل التركيع أحيانا ( كثيرا ما تعمد إيران إهانة الغرب وإذلاله ). هذا من جهة ، أما من الجهة الأخرى فإن إيران بالكثير من تصرفاتها تحطب في حبل المصالح الغربية في المنطقة . والواقع أن الغرب لا يثق في إيران وهو بالمقابل يحس بخطر الدول السنية على أمنه ( الإرهاب المنتمي إلى أيديولوجيا سنية بالولادة ) ، وإيران تعد الغرب بأنه سيكون لها دور فعال في القضاء على السنة وإرهابهم معهم ! هذا بالإضافة إلى أن الحروب التي تخوضها إيران في المنطقة بالوكالة فضلا عن أنها خلقت سوقاً رائجة للسلاح فإن من شأنها إنهاك دول السنة وتفتيتها كما هو المشروع الذي لا نريد أن نصدقه نحن على الرغم من أنه يشكل هدفاً لرؤية الغرب وإسرائيل لمستقبل منطقتنا. وهذه هي الضوابط الحاكمة في علاقة الغرب بإيران وبالدول الأخرى في المنطقة .

ومن جانبها قالت د. نوف الغامدي: في فضاء جيوسياسي خليجي ترتطم الإرادات الخليجية بفعل تسارع الأحداث الأمنية والاقتصادية وبفعل تطور البيئة الهيكلية الداخلية للمجتمع الخليجي من جهة والهيكلة الإقليمية بفعل التوازنات الجديدة من جهة ثانية، وقد كان الطموح الواعد أن تتسلحّ الإرادات الخليجية لدول الخليج العربي برسم معالم لسياسة خارجية موحدة وعملة موحّدة وسياسة أمنية متقاربة ودبلوماسية تجابه تسارع الأحداث في الجوار والإقليم على حد السواء، غير أن الذي يحدث هو أن الدول الخليجية حاليا تعيش حالة من الانكفاءات الجديدة بفعل رسم مقاربة أولوية الداخل على الخارج وذلك في ظل هشاشة البنية الداخلية لبعض الدول، فباستثناء الشراكة الاستراتيجية التي رسمتها السعودية والبحرين والاتفاقيات الخاصة بالتعاون المشترك فقد أبان الربيع العربي عن سياسات المحاور الجديدة. وقد أبرزت مسألة التعاطي مع قضايا الإرهاب والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) رؤى متباينة في فهم الدول الخليجية وآليات التحرك الإقليمي وظهرت سياسات جيوسياسية وجيو استراتيجية لم تكن بارزة بشكل جلي في السابق.

ومع سياسة التمدد الإيراني في شكل زحف ناعم تارة أو زحف صلب تارة أخرى، كحالة التحالف الصلب بين إيران وحزب الله وسوريا، وكذا الدور المتعاظم لإيران في الحالة اليمنية، أصبحت التساؤلات تطرح بشكل أكثر عمقاً:

  • هل يمكن الحديث عن “يمننة” (نسبة إلى اليمن) الدول الخليجية التي تعيش فسيفساء اجتماعية وديمغرافية وبنيوية ؟
  • إلى أي مدى يمكن أن تتصالح الإرادات الخليجية في رسم عقيدة أمنية مشتركة وسياسة خارجية متقاربة تجابه التهديدات الجديدة كتهديد الإرهاب الدولي وتهديد التنظيمات الدينية المسلحة وتهديد الصراع الهوياتي؟
  • وفوق ذلك كله إشكالية بناء المواطنة الخليجية؟

هناك عدة إخفاقات أبرزها:

  • تواضع حجم التجارة البينية لدول الأعضاء: ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى تشابه هياكل الصادرات لتلك الدول والتي يمثل البترول عمودها الفقري.
  • استمرار هيمنة الصناعات الاستراتيجية على هيكل الإنتاج السلعي ومحدودية مساهمة قطاع الزراعة والصيد والغابات في هيكل هذا الإنتاج.
  • استمرار الدور المحوري للإيرادات النفطية في دعم الموازنات العامة لدول الخليج وتوفير التمويل اللازم للارتقاء بمستوى الخدمات، إلا أن استمرار هذا الوضع مرهون باستمرار تدفق ريع النفط.
  • استحواذ القطاع المالي على الجانب الأكبر من رؤوس أموال المشروعات المشتركة، وهو الأمر الذي لا يتفق مع جهود تنويع هيكل الإنتاج فضلاً عن وجود فجوة زمنية كبيرة بين التصديق على عدد من القرارات الاستراتيجية وبين دخولها حيز التنفيذ.
  • عكس التطبيق العملي للاتحاد الجمركي إصرار بعض الدول على استمرار المطالبة بشهادة المنشأ عند انتقال السلع الوطنية بين الدول الأعضاء إلى جانب عدم اكتفاء بعض الدول بالرسوم الجمركية المستوفاة على السلع الأجنبية عند نقطة الدخول الواحدة، والمطالبة برسوم أخرى عند دخول تلك السلع لأراضيها.

وذكر أ. خالد الحارثي أن هناك تصورات عند البعض منا لدور سعودي محوري في المنطقة لإقرار السلم والأمن عبر العلاقات والاتفاقات مع حلف الناتو للانخراط فيه إن أمكن ذلك ، ومن ثم يكون التساؤل: هل هناك أفق لذلك في الدبلوماسية السعودية وهل العقبة هي عضوية إسرائيل في الحلف ..؟

وأوضح د. خالد الدخيل أن السعودية حتى الآن لا ترى أن من مصلحتها الانضمام للناتو. إسرائيل ليست عقبة لأنها ليست ولم تكن عضوا في الناتو. ويبدو أن السبب الرئيس لعدم انضمام السعودية للناتو أنه حلف غربي سيضع السعودية في موقف حرج بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، وهي تعتبر دولة إسلامية كبرى، وفيها الحرمين، وينتظر منها أن تتصدى لقضايا العرب والمسلمين خارج إطار التحالف مع الغرب. ولا تنسى صورة الغرب في الذهنية العربية الإسلامية، وهي صورة سلبية جداً خارج إطار تحالف غربي مثل الناتو. ومن زاوية الناتو يختلف الأمر تماما؛ وانضمام السعودية للناتو ليس متاحا حاليا لأسباب يرى أعضاء هذا الحلف أن أغلبها يتعلق بالسعودية وبنيتها السياسية، وهويتها الإسلامية الخ.

وتوسيع رقعة التحالف لا يعتمد بالضرورة على الانضمام للناتو. تجربتنا مع أميركا وبريطانيا شاهد على ذلك، وفي هذا الإطار ربما نلاحظ أنهما لا يعتبران السعودية حليفا بقدر ما أنها شريك معهما. ثم من الواضح أن السعودية لا تطمح كما يبدو أن تتولى دورا قياديا في المنطقة بدليل أنها لم تطرح مشروعا إقليميا. ما طرحته حتى الآن من خلال الرؤية مشروعا للتحول الاقتصادي يخصها هي دون غيرها. وحتى هذه الرؤية تفتقر لبعدها السياسي والدستوري. ما يعني أنها رؤية محدودة، وقد لا تتمكن من تحقيق أهدافها لهذا السبب.

ومن جانبه يرى م. حسام بحيري أن الفرق بين عداوة إيران والكيان الصهيوني هو أن إيران عدو تكتيكي يطرق أبوابنا بعنف ولابد من التعامل معه بشكل فوري بينما الكيان الصهيوني عدو استراتيجي لابد من احتوائه على المدى الطويل وتطوير عدد من الاستراتيجيات للتعامل معه مثل الدخول في سباق تسلح تقليدي لاستنزاف مواردهم وتفعيل عدد من المقاطعات الاقتصادية لعزلهم من اقتصاد الشرق الأوسط ككل ومواجهتهم استخباراتيا وتعريتهم إعلاميا وفضح مواقفهم المتطرفة مثل ما فعلت قناة الجزيرة الإنجليزية في فضح الأهداف الصهيونية في بريطانيا ونرى الآن بداية حمله بريطانية ضد الصهيونية وأخطارها بدأت تظهر على السطح. هذا النوع من الإعلام التي نحتاج إليه بشدة لمواجهة الصهاينة ولكن للأسف إعلامنا المحلي لا يمكن الاعتماد عليه في مواجهتهم.

الحقيقة المجردة التي تظهر لنا اليوم عن الكيان الصهيوني أنه قصة داعشية ناجحة ولابد من التعامل معهم من هذا المنطلق وتعرية أيديولوجيتهم العنصرية الفاشية ولابد من تفعيل عدد من القوانين التي تجرم التعامل معهم أو تمول نشاطاتهم أيا كانت.

المشكلة الرئيسية لدينا أننا دائما نتعامل بسياسة رد الفعل للأحداث التي تظهر وليس بناء على خطه للوصول لأهداف معينة وللأسف سياسة احتواء الكيان الصهيوني أصبحت في ذيل أولوياتنا الاستراتيجية في المنطقة بل ونرى بعض المشبوهين من مجتمعنا يبدئون اتصالات ومقابلات مع الكيان الصهيوني وإرسال رسائل مغلوطة لهم أننا نتقبل فاشيتهم وعنصريتهم خوفا منهم. من المهم جدا أن نقف كعرب وخليجين في صف واحد ضد عدم تقبل الصهاينة في المنطقة ونركز هجومنا على الأيدولوجية الصهيونية العنصرية الفاشية وليس على الأديان والأعراق.  و لابد من تفعيل العروبة في إطار جديد شامل يحتوي جميع الأطياف والأديان لإظهار عظمته الحقيقة , أكبر غلطة ارتكبناها هي حصرنا للعروبة داخل الطائفة السنية ونرى الآن اتجاه بوصلة العرب ذوي الطوائف غير السنية والمسيحين واليهود نحو دول أخرى معادية لنا ولسياساتنا. تقبل الأديان والطوائف الأخرى أصبح أمر مطلوب لإظهار الصراع القائم أنه صراع أيدولوجيات وليس صراع أديان وطوائف. العروبة شاملة ، وليس هناك شك من أننا في صراعنا مع إيران سننتصر عليهم لأنه توجد لدينا القدرة على احتوائهم سياسيا واقتصاديا. من الناحية العسكرية توجد لدينا قدرات عسكريه نوعية متفوقه بمراحل عديدة عن المؤسسة العسكرية الإيرانية وسيصعب عليهم اللحاق بنا. لا يمكن أن نسمح بانتشار جنودهم في العراق وإذا كان لهم تواجد عسكري كبير في أراضي العراق لابد من توجيه ضربات عسكرية استباقية لإرسال رسالة واضحة أننا لن نسمح بأي وجود عسكري إيراني داخل أراضي العراق يهددنا خصوصا أنهم متفوقين في العنصر البشري العسكري ولا يمكن أن نسمح بتواجد عدد كبير من جنودهم في أراضي العراق واذا استهدفوا بعض منشئاتنا النفطية في الخليج كرد فعل فنستطيع أن نستهدف جميع منشئاتهم النفطية وتدمير الصناعة النفطية الإيرانية ووقف تصديرهم للنفط لفترة زمنية كبيرة بالمقابل هم يستطيعون الحاق الضرر بعدد من منشئاتنا النفطية ولكن سيستمر تصدير أكثر من ٦٠٪‏ من النفط السعودي وقادتهم العسكرين يدركون ذلك وإلا كانوا استهدفوا منشئاتنا منذ زمن بعيد. إن الوقت مواتي لزيادة التصعيد مع إيران والتعامل معها بشكل فوري لتحييدها لوجود إدارة أمريكية هوجاء معاديه لإيران ولابد من استغلال الظروف الحالية لصالحنا لأن السنيين القادمة ستكون مليئة بعدد من الصراعات في المنطقة التي تحتم علينا التدخل فيها ولا نستطيع التعامل مع عدة جبهات في وقت واحد.

وفي الإطار ذاته قال أ. عبدالله بن كدسه وكأن النظرة المطروحة تشاؤمية وكأن البركان أوشك على الانفجار .. وهنا أتحدث عن نقطتين رئيسيتين :

أولاً : التهديد الداخلي :

إن الاحتقان الطائفي المذهبي موجود وواضح وهذا لا اختلاف فيه .. لكن حين نتحدث عن عنصرية مناطقية أو قبائلية فهذا موجود بطبيعة الحال وهناك مبالغة كبيرة في وصفه .. و يتلاشى أو يقل كثيراً حين تكون الدولة في مواجهة حقيقية مع عدو.. ولنا في إعلان عاصفة الحزم مثال واضح على التكاتف الشعبي بكل أشكاله وألوانه حتى تلاشت هذه العنصرية بين الناس وكان الجميع يتحدث عن وطن واحد ومصير واحد على الأقل في المحيط الشبابي الذي أعيش بينه وبين ما يعبّر عنه الناس في وسائل التواصل الاجتماعي.

ثانياً : التهديد الإيراني :

إن إيران لم تتحرك إلا بإشارة خضراء أمريكية.. ولعل كل هذا التحرك والدعم للميليشيات لم يتم إلا بعد سقوط بغداد.. رغم وجود مواد تصدير الثورة ودعم الأقليات الشيعية في الدستور منذ عام ١٩٧٩ “باستثناء حزب الله في لبنان والذي تم الترويج له كأداة مقاومة لإسرائيل” .. وهذا يعني أن الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على كف هذا العبث الإيراني الحاصل في المنطقة. ولعلي هنا أقول أن الفرصة كبيرة جداً أمام المملكة ودول الخليج في إقناع الإدارة الأمريكية الجديدة بضرورة الاستقرار السياسي في المنطقة الذي سينتج عنه قدرة أكبر للخلاص من داعش وغيرها من المنظمات الإرهابية وبالتالي ينتج عن ذلك تنمية اقتصادية في المنطقة وأسواق مستهلكة وجديدة للشركات الأمريكية وغيرها .. وهذا كله لا يمكن أن يكون إلا بإرادة أمريكية وهذا ممكن جداً خاصة مع فريق ترامب الجديد والذي لديه موقف عدائي مسبق من إيران.

في حين يرى د. خالد بن دهيش أنه وبجانب التهديدات التي تم التطرق لها ، يجب أن لا نقلل من التهديدات الإيرانية التي تسعى إلى التغيير الثقافي العقدي في دول الخليج بشكل خاص والمنطقة بشكل عام ، وذلك بهدف تغيير التركيبة العقدية على المدى البعيد من خلال استخدامها لقوتها الناعمة. فقد لوحظ منذ أعوام كيف تمكنت إيران من نشر ثقافتها العقدية ومحاولة تغيير المعادلة في المنطقة في المدى البعيد في دول الخليج واليمن والسودان و دول القرن الإفريقي وغيرها ولولا تدخل المملكة ” المتأخر ” لكن الأمر أسوأ ، وخير مثال على ذلك ما تقوم  به حالياً من تغيير للتركيبة العقدية بالعراق وسوريا ولبنان، فقد سخرت إيران خزينتها للصرف المالي الضخم للمنتفعين مادياً على مختلف مستوياتهم في تلك الدول لتحقيق أهدافها ، كما يجب أن لا نغفل عن الانتشار الداخلي لبعض الفئات من أبناء الشيعة من المواطنين في غير مناطقهم التي يتواجدون فيها ( وهذا بالتأكيد من حقهم كمواطنين ) إذا لم يكن ذلك الانتشار ( المحدود ) يتم بتوجيه ودعم مالي من رموزهم الموالين للمرجعية في قم وغيرها و وفق توجيهات لما يسمى بولاية الفقيه لتحقيق أهداف الثورة الخمينية بنشر الثقافة العقدية الشيعية بين تجمعات السكّان من السّنه لتشيع ما أمكن منهم في المدى البعيد في  عمق الوطن ، و هذا الأسلوب للأسف يتم أيضا في بقية دول الخليج.

وقال د. حميد المزروع: تدرك إيران جيدا أن دخولها بحرب عسكرية مع المملكة لن تكون نزهة، ومن المؤكد أنها ستدفع ثمن هذه الحرب بتدمير بنيتها الاقتصادية، وهذا ينسحب علي العراق أيضا.

المملكة تمثل أرض الحرمين لجميع المسلمين وأهميتها الدينية واستقرارا السياسي وجهان لعملة واحدة وتهم جميع الأمة الإسلامية. ولذلك يمكن للمملكة إذا شعرت بأي تهديد  مباشر أن تستحضر وتستعين  بعمقها الديني ، ولا أشك بأنه سيكون حاضر وقت الضرورة حتي لو تقاعست حكومات الدول الإسلامية .

لا شك أن نتائج الحروب مكلفة لجميع الأطراف ، وأستبعد أن تتجرأ إيران بدخول حرب مباشرة مع دول الخليج ، وربما تعتمد علي  حروب بالوكالة عن طريق عملائها وطوائفها التي تأمن بولاية الفقيه . وهذه سيكلف الطوائف العميلة ثمّن خيانتها.

وقال د. سعد الشهراني إن قضية الأمن الوطني هي أم القضايا و معظم القضايا السابقة التي طرحت للحوار في منتدى أسبار تصب في هذه القضية الحبلى و الغنية بأبعادها و مكوناتها المترابطة و المتكاملة سلبا و إيجابا.

التحديات الداخلية واضحة و أسفرت و تسفر عن نفسها و قد أصاب الكثير منا اليأس و الإحباط من إمكانية الخروج من الرتابة و التقليدية في إدارة كثير من الملفات و القضايا. أما التحولات و التحديات الخارجية فهي متغيرة بتغير الأوضاع و التوازنات الإقليمية و الدولية و قد صمدت المملكة و تجاوزت الإشكالات التي أفرزتها حقبة الحرب الباردة و الفترة الثورية – القومية التي عصفت بكثير من الدول  العربية و الإسلامية و ما كان يعرف بدول العالم الثالث ، بل  زادت مكانة المملكة و وزنها السياسي و الحيوبوليتيكي و نحمد الله على أننا خرجنا و سلمنا حتى هذه اللحظة الفارقة في تاريخنا.

أحد أهم أوجه القصور التي انعكست سلبا على الأمن الوطني بمفهومه الشامل هو أن التنمية رسخت الاعتماد على النفط بدلا من أن توجد بدائل و مصادر متنوعة لتنمية مستدامة، فبعد ما يقرب من 50 عاما من التخطيط التنموي الرسمي لم يتحقق هدف من أهم أهداف هذه الخطط و هو الخروج من أسر النفط بل كان و للأسف الشديد من مخرجات التنمية غير المتوازنة أن هناك معدلات مرتفعة للفقر و البطالة لا تتناسب مع الإمكانات و الموارد التي أتاحها النفط نفسه. ليس هذا فقط بل إن التنمية الإدارية و السياسية أهملتا و لم تحظيا بالقدر الكافي الموازي للتنمية الاقتصادية و التغير الاجتماعي و السكاني و الثقافي و التغيرات في البيئة الإقليمية و الدولية.

أيضا قصرنا و تأخرنا كثيرا في بناء اقتصاد منتج إنتاجا حديثا ننافس به في الداخل  منتجات استهلاكية أغرقنا بها من الدول الناجحة اقتصاديا ، دعك من المنافسة بمنتجات مطلوبة في الأسواق العالمية و ما ذلك إلا لنمط التنمية الرعوي- الريعي – الاستهلاكي الذي أهلك فرص بناء طبقة عمالية منتجة و مجتمع يعرف معنى الادخار لغرقه في الاستهلاك المرضي.

و بالرغم من أننا بنينا مؤسسات دفاعية و أمنية ممتازة تتناسب مع هذا الوطن القارة و مكانته التاريخية و الجيوسياسية إلا أننا تأخرنا في بناء صناعة عسكرية تخفف من الاعتمادية المطلقة على الخارج في ما هو جوهري لأمننا الوطني و لحماية هذا الكيان الوطني العظيم.

واستهل م. خالد العثمان طرح وجهة نظره ببيت الشعر القائل: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا افترقن تكسرت آحادا.

وأضاف أن الأمن الوطني حالة عامة تمثل تحديا لكل الدول والشعوب تجاه ما يحوم حولها و يتهددها من مخاطر ومطامع ؛ لكن كل الحلول والخطوط الدفاعية لن تجدي أي نفع ولن يكون لها أية فعالية إذا غاب مفهوم الوحدة الوطنية والانتماء للوطن .. وأكثر ما يفتت هذا الشعور بل ويدمره هو سيادة التفرقة العنصرية والطبقية والمناطقية والقبلية والعرقية والطائفية وغيرها من معاول الهدم ..إذا غاب الشعور بالمساواة والعدل والشراكة وسيادة الشرع والقانون على الجميع بلا تفرقة ولا محاباة وتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات فقل على الأمن الوطني السلام .. وصدق الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم إذ قال “إنما أهلك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”.

أما د. زياد الدريس فقال من جانبه إن اختيار العدو له آليات وأخلاقيات بحيث تجعل الدولة في موضع من يزاول عملية دفاعية مبررة وليست عدوانية. كما أن هذا (العدو) ليس ثابتاً ودائماً، بل هو متغير وفق تغيّر الأحوال المحيطة والمصالح المنوطة بها. لكنّ تغيير العدو يأخذ عادةً زمناً كافياً من أجل تبريره وتمريره.

ظل العالم العربي عقوداً طويلة متوافقاً على (عدو) واحد وموحّد هو العدو الإسرائيلي / الصهيوني. وبقينا نحن الشعوب العربية على هذه الحال، مهما انشغلنا بعداوات صغيرة لوقتٍ قصير، إلا أننا نعود للعدو الكبير المستديم: إسرائيل.

لكن هذه الحال العدائية المستقرة تبدّلت بشكل مربك وغير مسبوق بسببٍ من أعراض ما سمّي الربيع العربي. ففي الخمسة أعوام الماضية فقط ترنّحت مشاعر الشارع العربي بين عدو وآخر بديل لأكثر من مرة».

في ندوة نظمتها إحدى الدول الخليجية في مجلس الشيوخ الفرنسي، تحدّث الباحث الخليجي عن أشد الأخطار التي تهدد منطقة الخليج في الوقت الراهن. مر سريعاً على خطر الإرهاب والتطرف، لكنه مكث طويلاً عند الخطر الإيراني، وذكر تفاصيل قديمة وحديثة عن النزعة التوسعية لدى الجار اللدود، والحروب المعلنة وغير المعلنة لها مع العرب، وتمويلها لمضخات تصدير الثورة والأيديولوجيا الطائفية.

عندما انتهى المتحدث الخليجي من ورقته، سأله رئيس الجلسة (الفرنسي) سؤالاً خبيثاً، قال: فهمت من مداخلتك أن الإرهاب والتطرف ليس هو عدوكم الأول في الخليج، بل إيران هي العدو الأول، هل فهمي صحيح؟!

أجابه الباحث الخليجي، فوراً ومن دون تأمل وتريّث: نعم، إيران هي العدو الأول لنا، والتطرّف والإرهاب يأتي في درجة ثانية من العداء.

كانت هذه الإجابة «المتعجّلة» كفيلة بتغيير مزاج القاعة ونكهة مناقشاتها.

لم ينشغل الحضور في القاعة بموقف الباحث الخليجي من إيران مثلما انشغلوا بموقف الخليجي من التطرّف والعنف والإرهاب، الذي هو عدو العالم الآن.

كان الفرنسي، أو أي غربي، يبحث عن مثل هذه السقطة التي كأنها ستؤكد له التراخي أو التواطؤ بين الخليج والإرهاب.

كنت سآخذ الميكروفون لأقول بكل وضوح: أن التطرّف والعنف والإرهاب هو العدو الأول للبشرية كلها الآن ودائماً، والخليج جزء من هذه المنظومة. وإذا كانت إيران تساعد في تأجيج العنف وفي تغذية التطرّف وفي تحقيق أهداف التنظيمات الإرهابية، بشكل مباشر أو غير مباشر، إذا كانت إيران تفعل ذلك فإنها تصبح جزءاً شريكاً من عدوّي الأول، وليست عدوّاً ثانياً. ينطبق هذا الإدراج على الولايات المتحدة أو روسيا أو أية دولة تنتفع من وراء الإرهاب، تسييساً أو تسليحاً أو أدلجة. لم أكن لأنفي العداء الذي تشكّله إيران لنا (الآن)، لكني كنت سأصوغ إجابتي من دون أن أقع في فخ جعل الإرهاب عدوّاً ثانياً.

وعقب د. خالد الدخيل على ملاحظة د. زياد بأنها في محلها تماما؛ فإيران عدو بسياساتها وأفعالها، وليست عدواً بذاتها كما إسرائيل. وعلى هذا الأساس فإن دورها في تغذية الإرهاب يجعلها في المرتبة نفسها للإرهاب. وذلك لسبب واضح وهو أن الإرهاب بعد ٢٠٠٣ يتغذى بشكل أساسي من الطائفية. وإيران تتعامل مع الطائفية والميليشيات كرافعة رئيسية لدورها الإقليمي. وبالتالي يصبح هناك تماهي بين الإرهاب والدور الإقليمي لإيران. من ناحية ثانية نجد أن الإرهاب قبل ٢٠٠٣، أو إرهاب المرحلة الأفغانية كان يتغذى من الصراع بين الشرق والغرب، والإسلام والغرب. ولذلك يمكن القول بأن إيران هي التي شكلت الإرهاب في مرحلته الثانية، طبعا في ظل الاحتلال الأميركي للعراق والتداعيات التي أطلقها انتهت بالحرب الأهلية الدينية. ثم انتقلت بعد ذلك إلى سوريا من خلال إيران وميليشياتها أيضا.

والقول الشائع بأن إيران الحالية بنظامها الديني الطائفي تصدر الثورة هو قول مغلوط تماما. الثورة بتعريفها هي تطلع للمستقبل، لما هو أفضل في الحقوق والحريات وعناصر القوة والتنمية، والمؤسسات. والعصر الحديث هو نتاج لثورات مثل الفرنسية والبريطانية والأميركية. هذه ثورات صدرت قيمها وإنجازاتها للعالم. هل يجوز أو يمكن بهذا المعنى أن تكون إيران مصدرة للثورة؟! وهي لم تصدر حتى الآن إلا الطائفية والميليشيات والحروب الأهلية وتدمير مفهوم الدولة الوطنية الجامعة كما نشاهد في العراق وسوريا، بل ولبنان أيضا. النظام الإيراني مشدود للوراء، للماضي وليس المستقبل. يستند إلى ولاية الفقيه، وهو مفهوم سياسي ديني يعود إلى القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي. هذا لا يلغي أبدا أن إيران شهدت في عام ١٩٧٩ ثورة اجتماعية حقيقية. لكنها ثورة اختطفت من طبقة رجال دين طائفيين وانتهى بهم الأمر إلى تأسيس نظام ثيوقراطي طائفي. كيف يمكن لنظام مثل أن يصدر ثورة لا يملكها؟!!

وتطرقت د. طلحة فدعق من منحى مغاير انطلاقاً من تساؤل عبدالله حمودي في دراسته الشيخ والمريد حول كيفية تفسير ظاهرة السلطة في مجتمعاتنا العربية ؟ وتساءلت معه حول ماهية علاقة الحاكم بالمحكوم ، وكيف تنعكس تللك العلاقة سلبا أو إيجابا علي منظومة الأمن القومي . انتهي عصر الزعامات من وجهة نظره فهل ثنائية العلاقة بين الشيخ والمريد يمكن أن نستخدمها في تحليل نمط السلطة في مجتمعاتنا الخليجية ( بشكل شبه مقارب للمجتمع المغربي أنموذج تلك الدراسة ) …بغض النظر عن التمفصلات الجزئية واختلاف السياقات الثقافية والاجتماعية والمحتوي التاريخي بين مجتمعات المشرق والمغرب العربي تظل أنماط السلطة في المجتمعات العربية متشابهة في عناصرها البنيوية وبالتالي فالأمن القومي تشكله تلك العلاقة بين الحاكم والمحكوم ونمط السلطة وتركيب الدولة السياسي . تلك العلاقة أيضا ربما تفسر لنا – بشكل أو بآخر – لماذا الأنظمة الملكية استطاعت الحفاظ علي نسبه أعلي من الاستقرار بعد اكتساح الربيع العربي وسقوط الأنظمة الجمهورية بشكل ملفت أمام مهددات الأمن القومي ! وأخيرا وليس آخر هل التغييرات التي مست هياكل السلطة في دول الخليج مؤخرا سيكون لها أثرها الفعال في حماية الأمن القومي؟ وكيف؟

وطرح أ. عبدالله الضويحي وجهة نظره حول قضية أمن الخليج حيث قال: لعلي أبدأ بتساؤل: هل تملك دول مجلس التعاون عموماً والمملكة على وجه الخصوص رؤية استراتيجية وخاصة المملكة لا أقول على المدى البعيد بل وحتى على مدى سنوات قليلة !؟

  • ما هو تأثير النفط عليها !؟ ليس من الجانب التنموي وإنما من جانب فكري ثقافي وسلبي من ناحية أخرى!!
  • الخطط الخمسية التي بدأت منذ نصف قرن ماهي آثارها !؟ وهل احتوت ضمن أوراقها على النظر والتخطيط للجوانب الأمنية والمهددات الخارجية !؟
  • أين مراكز الدراسات الاستراتيجية الوطنية فكراً وهدفاً وإدارة !؟ و لماذا لم ينشأ مركز دراسات استراتيجية لدول مجلس التعاون !؟

قامت ثورة الخميني 1979 وهي في الحقيقة قد بدأت قبل ذلك بسنتين بتحالف عجيب بين الليبراليين واليساريين والجماعات الدينية واعتبرناها شأنا داخلياً ، وحركة جهيمان في نهاية 1979 واعتبرناها حدثاً آنياً ، وحرب الخليج الأولى ” الإيرانية / العراقية ” التي هي في الواقع بداية المد الإيراني لتنتهي هذه الحرب ونفاجأ بغزو صدام للكويت وبينهما القضية الأفغانية لنصل إلى تفجيرات العليا ثم أحداث سبتمبر وداعش ثم الربيع العربي وهنا بدأنا نستشعر الخطر .

كان غيرنا يخطط ويبحث عن قنابل موقوتة لتفجيرها في الوقت المناسب ونحن “نغتسل في بحار النفط” ونردد مع أم كلثوم “غد بعلم الغيب واليوم لي”. اكتفينا برفع شعار القضية الفلسطينية وربما أشغلونا بها فلم نحل قضية فلسطين ولم ننتبه لما حولنا .

كنت دائماً أردد وما زلت أننا ” نكسب القيادات ونخسر الشعوب ” وهو ما ثبت في أكثر من موقف وحالة، لم نخاطب الشعوب ونقنعها بصورتنا الحقيقية وتوجهنا الحقيقي. لم نفكر في تحريك العرب الإيرانيين في مناطق ساخنة داخل إيران !! كنا نختلف على أنفسنا وفيما بيننا حتى على تحديد عدونا الحقيقي وإذا ما أدركناه اختلفنا على طريقة التعامل معه !! مجلس التعاون الذي قام بسبب الحرب الإيرانية العراقية ( المد الإيراني ) ماذا قدم للوحدة الخليجية !؟ منذ قيامة ونحن في كل قمة نقدم نشيد ” خليجنا واحد وشعبنا واحد ” حتى حفظناه عن ظهر قلب ولازالت الهوية الخليجية تبحث عن نفسها !!

ومن ناحية أخرى وفيما يخص الإعلام كما هو معروف أحد الركائز الأساسية للحروب الاستباقية وهناك مقولة معروفة ( الحرب تحسم إعلامياً قبل أن تحسم ميدانياً ) وهنا التساؤل:

ماذا فعلنا في. هذه الناحية !؟ هل يوجد صوت إعلامي موحد لدول الخليج !؟ ألا تستطيع بما أوتيت من قدرات مالية وبشرية أن توجد صوتاً إعلاميا وتوجهاً يخدم قضاياها !؟

من أول الإدارات في مجلس التعاون التي نشأت معه ” الدائرة الإعلامية في المجلس ” لكنها كغيرها من الإدارات في المؤسسات البيروقراطية !

في حين يرى م. أسامة كردي فيما يخص تشخيصه للمهددات الخارجية لدول الخليج ما يلي:

  • إيران: تمثل خطر آني يحتاج إلى التعامل الفوري معه خاصةً و أن هناك من يرى أن إيران قد استنفذت قواها العسكرية و المالية بالانتشار  في اليمن و العراق و سوريا و لبنان و لا ننسى الأحواز و إفريقيا.
  • إسرائيل: خطر حقيقي و لكنه طويل المدي لا يتطلب حراكاً فورياً مع اهتمام دولي مساند للفلسطينيين و مواقف المملكة من هذا  الصراع ، و لا يمنع هذا من التخطيط الطويل الأمد حتي لا تصبح إسرائيل مهدد مباشر للأمن في الخليج. باعتبار أن تهديدها حالياً هو تهديد غير مباشر.
  • أمريكا: لم تعد أمريكا حاكمة العالم بعد تطبيق ( عقيدة أوباما ) لمدة ثمان سنوات ، و المؤشرات تتجه جميعها إلى استمرار ترامب في  تطبيق هذه العقيدة فيما يتعلق بالشرق الأوسط بشكل عام مع استثناء محتمل للتعامل مع إيران ؛ لأن الاتحاد الأوربي أعلن منذ يومين التزامه بالاتفاقية مع إيران .. و بالتالي أهمية أن نوجد بدائل للدعم الأمريكي المفقود.
  • رؤية استشرافية: نحو مواجهة التحديات أمام مستقبل دول الخليج

عرض أ. جمال ملائكة لمجموعة من المقترحات” تتناول تهديدات أمن الخليج في محاولة لإيجاد حلولٍ لها كما يلي:

  • علي هذه البلاد الخروج باستراتيجية متكاملة تشمل الأبعاد السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الدينية و الإعلامية لوضع الأقلية الشيعية التي تستغلها و سوف تستغلها أكثر دولة الملالي في إيران. و قد لفت الانتباه ما ذكرته السيدة كوثر الأربش من الطائفة الشيعية الكريمة و التي قُتل ابنها في تفجير في المنطقة الشرقية حيث أشارت بلا مواربة بكم “الاحتقان” الطائفي و الاجتماعي لهذه الطائفة. كما أن خروج بعض أبناء هذه الطائفة في مظاهرات قبل فترة دليل آخر علي هذا الاحتقان و كذلك بعض الأعمال الإرهابية الشيعية و قتل أفراد من رجال الأمن و بروز شيوخ مثل نمر النمر و لغته الموغلة في الحقد الخ.
  • إيران الآن دولة عدوة و قد أصاب د. خالد الدخيل في التفرقة بين الشعب الإيراني و نظام الملالي و يجب العمل علي اتصال الفكر الإيجابي لهذا الشعب و البعد عن كلمات مثل “الروافض” و “المجوس” و “الفرس” الخ. الملالي يلعبون علي الشرخ التاريخي بين الشيعة و السنة و يجب التنبه لذلك. أو قد تنبهت بلادنا أخيرا إلى تغلغل نظام الملالي في دول مثل جيبوتي و المالديف و السودان الخ و حسنا فعلت بلادنا في ضرب هذا التوغل. و قد نصح الكاتب عبدالله النفيسي باستغلال وجود أقليات مثل العرب و التركمان و البلوش و الأكراد في إيران فنظامهم يستغل الأقليات في بلاد العرب و يهاجمنا في عقر دارنا و هو في أمان تام و يجب ضربه بنفس سلاحه و بشكلأشد .كما أن التدخل في سوريا بالشكل الذي تم كان خاطئا.
  • اليمن : كيف تغافلنا حتي نفيق ذات يومٍ علي قوة الحوثيين و سيطرتهم مع علي صالح علي اليمن؟ أليس هذا فشلا استخباراتيا و ربما فشلا آخر! كما نري اليوم الثمن الباهظ لضرب هذه القوي المرتهنة لإيران و نحن في حرب استنزاف في مستنقع اليمن البلد الصعب جغرافيا و تسلحا للقبائل و الأفراد.
  • ما حدث و يحدث في البحرين خطير و تدخلنا العسكري كان لا بد منه إلا أنه يجب إيجاد حل سياسي توافقي وإذا كانت كل هذه الجموع و الاحتقانات سببها إيران ، فهذا يدل أن هناك مشكلة/مشاكل استغلتها هذه الدولة العدوة .
  • لقد أصاب د. فهد في تشخيصه للمؤامرة التي يشترك فيها بعض دول الغرب مع إسرائيل لتفتيت و تقسيم و تدمير دولنا و المؤامرة أصبحت معروفة بعد فوات الأوان و قد تنبهت تركيا و غيّٓرت اتجاهها ١٨٠ درجة بعد محاولة الانقلاب و تسليح الأكراد الخ لأن تركيا أيضا هدفا مثلها مثل مصر و سوريا و العراق و الخليج.
  • داخليا يجب تناول تحديات ثلاثة : سوء الإدارة و الفساد و البطالة.

وركز د. حميد المزروع علي كيفية التعامل مع إيران باعتبارها العدو المباشر لمجلس التعاون لدول الخليج العربي؛ فطالما أن المشهد السياسي الدولي يتجاهل الجرائم الممنهجة التي ترتكبها الأحزاب الإيرانية بالعراق وسوريا واليمن بحجة محاربة الإرهاب ، وعلي ضوء عدم اليقين من مواقف الحلفاء الاستراتيجيين لدول مجلس التعاون الخليجي ، يمكن اقتراح ما يلي :

  • أولا : أن تتبني دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجية (دفاعية واستباقية ) لاحتواء وإنهاك إيران  وميلشياتها ، بأن تنطلق أهداف هذه  الاستراتيجية من أراضي الدول التي تسيطر عليها إيران بشكل أو بآخر ، وأن تعتمد علي محاربة إيران بنفس أدواتها ، عن طريق تبني أحزاب وطنية ( سنية وشيعية ) ودعمها  ماديا وإعلاميا وحتي عسكريا ، وهذه ستستميل مع الوقت جميع القوميين العرب من العراقيين والسوريين الذين يحلمون باستعادة أوطانهم من الاحتلال الإيراني . يأتي ذلك مقابل تبني ودعم إيران المُعلن للأحزاب والمليشيات الشيعية الطائفية بالدول العربية مثل حزب الدعوة ، وحزب آلات ، وعصائب الحق والحوثة .
  • ثانيا : تفعيل استراتيجية إعلامية أكثر جرأة في توثيق وفضح جرائم إيران بالدول العربية وإيضاح أهدافها وأطماعها بالمنطقة كدولة محتلة .
  • ثالثا : إعداد تقارير إعلامية لواقع إيران من الداخل سواء الأوضاع الاقتصادية المتردية للإيرانيين أو حقوق الإنسان والأقليات بشكل عام .
  • رابعا: تبني رموز المعارضة الإيرانية بالمهجر ودعمها ماديا وإعلاميا.
  • خامسا : أن تطور الدول الخليجية من قدراتها العسكرية ، وتفعل برنامج التجنيد التطوعي للشباب ( خلال الإجازات )، لتأهيلهم علي حمل  السلاح والدفاع عن أوطانهم .
  • سادسا : نقل الإعلام الخارجي للمملكة لوزارة الخارجية بعد تجهيزه بأهداف الاستراتيجية الإعلامية التي تتطلبها المرحلة الحالية لإظهار  مواقف المملكة علي المستوي الدولي .

أما الأمن الداخلي لدول الخليج العربي فإنه أقل خطورة بكثير من التهديد الخارجي ، ويمكن أن يزول الاحتقان الذي قد يتولد من عدة ملفات مثل البطالة والإسكان، إذا شعر المواطن بجدية الإصلاحات الحكومية والقضاء علي الفساد بجميع أنماطه.

وذكر د. خالد الدخيل أن علاقات السعودية حتى الآن منفتحة بشكل عام. لكنها تفتقر لبناء تحالف إقليمي بشكل خاص. والحقيقة أن الدول العربية غير قادرة على تشكيل تحالفات فيما بينها. والسبب الأهم وراء ذلك يعود لعدم نضج الدولة العربية كمفهوم وكمؤسسة. وهذا موضوع ينطوي على تفاصيل كثيرة. لا يمكن بناء تحالف حقيقي من دون أن يكون هناك مشروع إقليمي تلتقي حوله على الأقل الدول العربية الرئيسة. وهذا لا يزال غير مطروح، خاصة من جانب السعودية.

خيار سباق تسلح مع إسرائيل في الظروف الحالية ليس ممكنا، خاصة مع التزام أميركي معلن بضمان تفوق إسرائيل العسكري على العرب مجتمعين. ومعه التزام غربي وروسي بضمان أمن إسرائيل. تبني خيار سباق تسلح يتطلب قبل كل شيء امتلاك صناعات عسكرية كبيرة وعدم الاعتماد على استيراد السلاح كما هو حال العرب حاليا.

ومن ناحية أخرى فإن النفط في طريقه لأن يفقد قيمته الاستراتيجية. هذا طبيعي. لكنه سيأخذ وقتا قبل أن يتجسد في صيغته النهائية. وهذا قد يمتد لأكثر من عشرين سنة. وبالتالي فإن خطورته على المدى المتوسط، وهناك إدراك لأهميته. أخطار الاضطراب في المنطقة وأولها الخطر الإيراني أكثر مباشرة. لكن يبقى أننا لا نملك خيار التعامل مع الأخطار كل واحد منفصل عن الآخر. من هنا أهمية أن يكون مشروع أوسع برؤية استراتيجية تضع الأولويات حسب أهميتها ومباشرتها، لكن ضمن الاستراتيجية ذاتها.

وترى د. نوف الغامدي أن المواقف التي يمر بها الخليج ككل تقتضي إعادة صياغة منظومة السياسة الخارجية الخليجية حتى تتمكن حقيقة من التأثير في صياغة القرار العالمي والإقليمي وبناء على ما سبق يمكن القول أن السياسة الخارجية الخليجية يجب إعادة ضبطها بناء على سلم الربح والخسارة بالمنظور الجماعي الخليجي وهو ما يقتضي تبني عقيدة عسكرية وأمنية خليجية تعلي من قيمة الأمن والمنافع البينية وليس من قيمة التحالفات والعلاقات الضيقة التي تحتمها إكراهات ظرفية فالخليج العربي وحدة اجتماعية واقتصادية تتوفر على عناصر القوة والضغط والتأثير وتمتلك مقومات صناعة القرار الدولي والإقليمي شريطة توفر الإرادة الجماعية.

صحيح أن لكل دولة أجندتها الخاصة لكن التهديد الجماعي واحد ولا يفرق بين السعودية وقطر والبحرين والكويت وعمان والإمارات وعليه فتبني محاور سياسة الصقور وسياسة الاعتدال غير محبذة في التعاطي مع الشأن الدولي الضاغط والزاحف والذي يهدد دول الخليج العربي. وماذا عن استمرار الوضع الراهن في المنطقة على ما هو عليه، سواءً في العراق، أو النظرة الأميركية في المنطقة، أو الملف الإيراني، أو العلاقات بين دول مجلس التعاون. ماذا عن انعكاسات ذلك على دول الخليج و حالة القلق على مستقبل المنطقة؟!

ومن جهة أخرى فإن الدعم الخليجي للقضية الفلسطينية تراجع بشكل كبير لتشديد الخناق على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) باعتبارها تجسد (الخطاب الإخواني) ، ودعوى مكافحة الإرهاب في سيناء ورفح المصرية، وهو ما انعكس سلباً على القضية الفلسطينية وجعل كثير من المتابعين يؤكدون بأن الخطاب الخليجي ينسجم بشكل متناغم مع الخطاب الإسرائيلي المصري الذي اعتبر ما تقوم به حماس تهديد مباشر للأمن المصري والإقليمي، كما أن تكميم كل الأفواه التي تدعو إلى دعم القضية الفلسطينية (والمقصود هنا تيار المقاومة) مع تراجع واضح للخطاب الخليجي الداعي إلى مباركة “عمليات المصالحة الفلسطينية” والذي تزعمه الملك السعودي الراحل (عبد الله بن عبد العزيز).

وأشار د. خالد الدخيل إلى أن التصعيد العسكري مع إيران داخل العراق حاليا تواجهه صعوبات جمة. ليس هناك قواعد أو منشآت عسكرية إيرانية داخل العراق يمكن ضربها. التواجد العسكري الإيراني هناك في أغلبه عبارة عن ميليشيات عراقية وبالتالي فالتصعيد في هذه الحالة سيكون مع العراق وليس إيران. ثم دونك التواجد الأميركي في العراق ما يعني أنك سوف تصطدم مع الأميركيين الذين يرون أن الأولوية هي لضرب داعش. وبالتالي فأي تصعيد عسكري سيفسر أميركيا ودوليا على أنه موجه ضد ما يسمى بالحرب على هذا التنظيم. الدور الأميركي يوفر عمليا غطاء للدور الإيراني في العراق، بل وسوريا أيضا. هل هي مؤامرة؟ ليس بالضرورة.

وعلق أ. أسامة نقلي بأن إدراك الجانب العربي لهذه الحقيقة، استوجب اللجوء إلى خيار تكثيف الضغوط السياسية، وقرار مجلس الأمن الأخير بشأن عدم مشروعية المستوطنات كان من بينها، وكان مؤلماً جداً لإسرائيل. يضاف إليها اعتراف ما يقارب من ١٣٠ دولة بدولة فلسطين، وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها، هذا عدا المؤتمرات الدولية المؤيدة لإقامة الدولة الفلسطينية، وآخرها مؤتمر باريس للسلام؛ صحيح أن هذه الجهود الدبلوماسية لا تعطي نتائج فورية، ولكنها أقل كلفة من الحروب، واستمرارها من شأنه التأكيد على الحقوق الشرعية الفلسطينية مهما تقادم الزمن على القضية.

ومن جديد أوضح د. خالد الدخيل أنه و بالتأكيد هذه الجهود ضرورية لكنها محصورة في بعدها الاقتصادي. وهذا ما يضعف من احتمال نجاحها، أو محدودية هذا النجاح. الموضوع يتطلب مشروع أوسع، والمشروع يتطلب إصلاحات. ومن الواضح أن هناك مقاومة لفكرة إصلاح حقيقي وشامل يتجاوز البعد الاقتصادي.

وعلق أ. أسامة نقلي أيضا على ذلك بأن الحرب قد تعطي نتائج فورية على الأرض، ولكنها أيضا تستلزم وقتاً طويلاً لإصلاح الدمار الذي تخلفه في الممتلكات.. والأهم إصلاح الخلل الذي تسببه في النفسية الإنسانية التي قد تتطلب أجيالا لإصلاحه.

وأضاف م. حسام بحيري: ولماذا نتقبل السياسات الأمريكية في المنطقة بعد الدمار الهائل الذي تسببوا به بغزوهم للعراق. سياساتهم في المنطقة مدمرة وتسببت بنتائج كارثية ولابد من استخدام هذا الحقائق ضدهم وتحمليهم المسؤولية. للأسف لم نستغل هذا الموقف حتى الآن والوقت لم يفت. أما علاقتهم مع الكيان الصهيوني فهي علاقة دينية بحتة مغلفة في إطار سياسي وعسكري ولابد أن نتعامل مع الأمريكان من هذا المنظور؛ لا يستطيعون الاستمرار بالكذب وتبرير تحالفهم مع الكيان الصهيوني على أنهم الديمقراطية الوحيدة في المنطقة؛ الديموقراطية الصهيونية عنصرية  ومرفوضة من قبل الكثير من الدول الديموقراطية الغربية. هناك طرق مباشرة وغير مباشرة في التعامل مع الكيان الصهيوني الأهم هو أن هذا عالمنا ونحن القوة التي لابد من التعامل معها في المنطقة وليس الكيان الصهيوني. لم نفعل شيئا يذكر حتي الآن في حفظ والدفاع عن حقوقنا هذه هي الحقيقة المجردة.

وذكرت د. نوف الغامدي كمثال أن هناك التباس في مدركات النخب الخليجية الحاكمة للعامل الدولي وخاصة الأمريكي، بشأن كونه عامل داعم للأمن أو خصما منه ويمكن فهم التذبذب والغموض في الموقف الأمريكي، وقد دفع ذلك بالبعض إلى وصف الولايات المتحدة ” بالحليف غير المستقر لدول الخليج “، بل تزايد الإدراك الرسمي لعدد من الدول الخليجية بأن الولايات المتحدة ربما تكون واحدة من مصادر التهديد الجديدة لأمنها الوطني … نحتاج لأن نعود داخل السرب.

وأضاف أ. جمال ملائكة أن الواضح الآن أن هناك مؤامرة/خطة لضرب و تقسيم العالم العربي. وأشارت د. نوف الغامدي إلى أن هذه قد تكون أحد أهم التهديدات الداخلية.

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن مما يراه داعم للأمن الوطني الخليجي ، بناء استراتيجية وطنية تضع في الحسبان الأسس الفاعلة التي تدعم وتنهض بالروح الوطنية؛ ولابد أن تأتي هذه الاستراتيجية بتبني الأبعاد الرئيسة الأربعة للنهوض بالوطن وهي: (العسكرية – الاقتصادية  – السياسية – الأيديولوجية ) ، وتطبيقها على أرض الواقع . والتطبيق من وجهة نظره لابد أن يكون شاملا ومن خلال منظومة تتكامل فيها كافة الاحتياجات التي تجعل المجتمع في مأمن تام. إن عبارة ( أمن وطني ) ، ليست محصورة على بناء قوة عسكرية فحسب ، أمن الوطن يعني بناء أمن شامل ، ولهذا نجد أن بعض الدول التي نلحظ نشوء الفقر فيها أو الظلم يسود ولو جزء منها ، ذلك يأتي من أن الإيمان بالأمن الوطني يأتي بمفهوم واحد ، دون الارتكاز على الأبعاد الأربعة التي تحقق الرفاة للفرد وفي كافة المجالات كحق مشروع له .

والأمن الوطني الشامل لكي تنعم البلاد به وبما هو مفترض الإتيان به ، لابد أن يؤسس على فرض قوة الأمن ، وقوة الاقتصاد المتين ، وقوة النهج السياسي، وفرض العدالة الاجتماعية. ولهذا فإن الإيمان المطلق بعبارة ( الأمن الوطني ) لابد أن يكون واقع وحاضر لخدمة وطن واعد .

والحديث أو التطرق حول ما يُعتقد أنه بعبع الساعة والذي يتمثل اعتقادا في ملالي إيران ، إعطاء هذا البعبع إن صح القول هاجس لأمن الخليج ، دون أن نكون على يقظة من أمرنا في التعرف جيدا على الأسباب الحقيقية التي جعلتنا نضع هذا الهاجس أمامنا وبيننا دوما ،  فذاك أمر لن يحقق لنا أمن منشود . إيران لن تستطيع ، بل لن تجزم في القيام على حرب لدولة خليجية خصوصا بعد تجربتها السابقة مع العراق ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أن إيمانها بإسلامية بلادها يجعلها لن تجرؤ أن تحارب دولة أو دول إسلامية لأجل مصالح شخصية أو سيطرة إقليمية في زمن تغير فيه البناء العالمي . و إيران الملالي تنتهج سياسة أمنية وتشييعية في المنطقة وخارجها ، من خلال سياسة يقال عنها بالوكالة ، ولكن وكالة خفية مثل ما يحدث في سورية واليمن ، وهذا التوجه المستتر هو ما يفترض أن نسعى إلى متابعته وحشد ما يمكن لنا رصد العتاد له للتصدي عن تمدد هو فكري قبل أن يكون ملموسا للعيان.

إننا كخليجيين لم نعد بعد العدة السياسية التي يفترض الإتيان بها للذود الحقيقي من تحركات إيرانية تتوغل بين الفينة والأخرى ، أمام تصريحات خليجية لم يتضح لنا مدى الكفاية أو القدرة التي تواجه ذلك التوغل. إن المواجهة الفكرية في هذا الزمن هو الحل الأكبر للتصدي أمام أي ثقافة فكر تتحول إلى دمار إنساني. لذا وجب على الخليجيين أن يسعون إلى خطط وبناء مشروعات سياسية جديدة تجعل من بلادهم قوة متلاحمة ومترابطة أمام تغيرات إقليمية ودولية.

واتفق م. حسام بحيري مع الطرح السابق وأضاف أنه من الصعب استهداف أي أهداف عسكريه إيرانية واضحة داخل العراق حاليا ولكن هذا لن يستمر. سيكون هناك تواجد عسكري إيراني ولابد من مواجهته أما بخصوص العراق فهو الذي سمح باستخدام أراضيه لتهديد السعودية لتبعيته لإيران وهو حاليا معادلة صغيرة لا تتعدى إلى أن يكون مسرح عمليات تابع لإيران. محاربة داعش الآن يأخذ كل اهتمامهم ولكن داعش ستنتهي قريبا وسيستهدفونا هم والإيرانيين. نحن هدفهم التالي بعد بسط سيطرتهم على أراضيهم وهزيمة داعش. الجيش العراقي بداء يحصل على خبرات قتالية قوية وستستخدم هذه الخبرات ضدنا الأمريكان والروس يدركون هذه الحقيقة و هم ينتظرون هذه اللحظة للبدء بابتزازنا لمساندتنا في حماية أراضينا وسيكون الثمن باهظ لأنه لن يقف عند دفع أموال لهم فقط كالعادة ولكن سيكون على حساب سيادتنا واستقلالنا وإضعاف أمتنا العربية للابد لأننا آخر قلعة عربية صامدة حتى الآن. لابد من البدء بوضع خطة سياسية اقتصادية عسكرية من الآن للاستعداد للمعركة القادمة.

ويرى د. عبدالله العساف أن الحديث عن التحالف في هذا الوقت بالذات يحتاج لوقفة جاده لقراءة الأحداث وتغير السياسات ورسم العلاقات والخرائط الجديدة للمنطقة، فما المقصود بالتحالف!! هل هي علاقة تندرج في إطارها العسكري والدفاعي فقط؟

حليفنا الاستراتيجي أدار لنا طهره دون مقدمات !! وهذا الحليف مع بريطانيا يسعون لتفكيك التحالفات الموجودة- الاتحاد الأوربي- مثلا بدأ بخروج بريطانيا والدور قادم على جميع التحالفات الموجودة في العالم. حتى التحالف الإسلامي محكوم بالقانون الدولي ولا يستطيع اتخاذ خطوة دون إشراك أمريكا للحصول على الغطاء القانوني. و تركيا تائهة بين علاقاتها الاقتصادية وأمنها، تركيا رفعت علاقاتها الاقتصادية مع إيران إلى ٣٠ مليار وزادت صادراتها إلى ٤١ وهناك تنسيق كبير بين الجانبين في الساحة العراقية والسورية أيضا. إذاً الحديث يجب أن يكون عن علاقة استراتيجية لا تحالف.

ويعتقد أ. عبدالرزاق الفيفي أن أبرز مشاكل الدول الإسلامية والعربية والخليجية أنها تبني تحالفاتها السياسية بناء على الأخلاقيات وليس على المصالح ، والأخيرة هي الأسلم و الأوضح و الأكثر مرونة في اللعبة السياسية الدولية قاعدة ( صادقوهم ولا تصدقوهم ). إن التحدي الكبير لدول الخليج هو أنها إلى الآن مترددة في تحديد موقعها في اللعبة السياسية ؛ فهي في منزلة بين منزلتين ( لاعب ) و ( أداة ) ، وهي تخطو خطوة واحدة بطيئة جدا نحو أن تكون لاعب حقيقي في الساحة ولكنها تتراجع بعد ذلك خطوات سريعة ومتقاربة تتيح للآخر مثل ( النظام السياسي الإيراني ) أن يملأ الفراغات التي تتركها دول الخليج بأقل كلفة ؛ مع أن كل الممكنات للدول الخليجية متوافرة بل فيها من الجاهزية ما يجعلها أكثر فاعلية و أثر إيجابيا في عمقها الداخلي و الخارجي .

أيضا فإن فشل الإعلام هو أكبر مهدد داخلي للأمن الفكري و المجتمعي الخليجي من جوانب هي:

  • لغته في الغالب مزيج بين التفكيك و التهديم، ويفترض أن تكون لغته مزيج بين البناء والحماية.
  • لا يسهم في تبني مسؤولية رفع الوعي بالقيم والممارسات التي تخدم رفع مستوى العدالة و التنمية بل العكس.
  • يعزز من الممارسات الشاذة قيمياً والتي تحدث إرباك في تماسك المجتمع.

وبخصوص التعامل السعودي و الخليجي مع المهددات الخارجية ذكر م. أسامة كردي أنه قد اتضح لدى القيادة السعودية في وقت مبكّر أنه ماحك جلدك مثل ظفرك ، فاتخذت مجموعة من الإجراءات لدعم موقفها و الموقف الخليجي السياسي و العسكري في المنطقة:

  • إنشاء التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن و انضمام ١٠ دول إليه.
  • إنشاء التحالف الدولي الإسلامي ضد الإرهاب بشكل عام و ضد داعش بشكل خاص باعتبار إمكانية استخدام هذا التحالف لأغراض أخرى.
  • قطع العلاقات مع إيران و تنظيم حملة دولية مناهضة لها حول العالم.
  • البدء الفوري في تنفيذ أحد أهداف الرؤية المتعلق بتصنيع ٥٠٪‏ من احتياجات القوات العسكرية بالتعاون مع عدد من الدول من ضمنها جنوب إفريقيا باستخدام البنية التحتية المتوفرة في هيئة التصنيع الحربي بعد تعيين محمد الماضي (الرئيس السابق لسابك) رئيساً للهيئة.
  • تقوية العلاقات الدبلوماسية مع العديد من الدول بما في ذلك الدول الإفريقية باعتبار أن إفريقيا هي أحد مناطق التوسع الإيراني.
  • عقد التحالفات الدولية ضمن مجلس التعاون الخليجي مثل مشاركة المغرب و بريطانيا في اجتماعات القمم الخليجية.

و يتضح للمراقب أن المملكة و دول الخليج قد غيرت سياساتها الخارجية ١٨٠ درجة من الدفاع إلى الهجوم و السبب الرئيس لهذا التغيير هو أسلوب أمريكا و الغرب في التعامل مع المسألة السورية. باقي أن تعدل المملكة و دول الخليج سياستها تجاه روسيا للحصول على دعم أكبر من روسيا خاصة في ضوء التوجه الروسي لفرض السلام في سوريا ضد رغبة إيران و النظام السوري و ما قد يتبع ذلك من احتمال التخلص من بشار الأسد.

وذكر أ.د. صدقة فاضل أن أهم الأخطار التي تهدد بلادنا العزيزة هي أخطار ذاتية، نابعة من تأخر وتباطؤ التنمية السياسية الإيجابية فيها. نعم تشهد بلادنا تنمية كبيرة في كافة المجالات… ولكن هذه التنمية يجب أن تتلازم أيضا مع تنمية سياسية وإدارية مناسبة وإلا اختل التوازن وتصاعدت درجة عدم الاستقرار وانخفض الاستقرار السياسي الحقيقي اللازم والضروري لبقاء البلاد ووقوفها في وجه كل الأعاصير…. سواء كانت داخلية أو خارجية.

وأضاف : لا أدرى لماذا يتجنب البعض القضية الأساسية ( الإدارية السياسية ) ويتبارون في التركيز على جزئيات هي من نتائج ما يشتكون منه وإن كان بعضها يصبح لاحقا من ضمن الأسباب التي تتسبب في معظم ما في العرب من تيه وتخلف.

وذهب أ. جمال ملائكة إلى أنه و بصراحة شديدة هناك رأي أن شعوب المنطقة ليسوا علي استعداد لتغيير “الإصلاح” المقنن لأننا قد رأينا دولا عربية عريقة غرقت في فوضى مدمرة و أن المؤامرات المحيطة بنا هدفها الفوضى “الخلاقة” تمهيدا لضربات قاسية تنهي دولا إلى دويلات. و بالتالي نري أن الوقت هو إصلاحات اقتصادية و اجتماعية و علمية الخ. هناك رأي يطالب برفع سقف المطالبات السياسية و هذا ليس وقته علي الأقل حتي تنحسر المؤامرة. وهذا الرأي نابع من التخوف الشديد لما حصل لنا منذ ٢٠١١ تقريبا. هناك مؤامرة كبري حيكت و لا تزال ، ضدنا كعرب و كمسلمين و أن الموضوع كبير جدا وصل إلى ضرب صورة الإسلام في أوروبا و أمريكا تمهيدا لعمل أكبر ندعو الله أن يفشله و الخطة هي تفتيت و تقسيم الدول العربية و ضرب تركيا تمهيدا لهدم الأقصى و تهجير من تبقي من فلسطينيين و الاستيلاء علي ثرواتنا و مراكزنا الجغرافية ضمن اللعبة الدولية ضد روسيا و الصين الخ.

ويرى د. علي الحارثي أن الإصلاح السياسي تبنى عليه الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من خلال حرية الرأي والحوار والمشاركة والمراقبة والمحاسبة خاصةً وأننا مررنا بتجارب إصلاحات اقتصادية وخطط تنموية تهاوت وماتت بعد أن ذهبت الموارد إدراج الرياح ، فكيف نقول هذا ليس وقته . نبدأ على الأقل بالفسائل الأولى التي ستثمر قريباً. وفيما يخص المؤامرة فهي بالفعل كبيرة وخططوا لها منذ زمن ونشروها صراحةً بأن عدوهم القديم الجديد هو الإسلام السني المتمركز في الوطن العربي الغني بثرواته وثقافته وموارده البشرية المتربع على الممرات المائية التي تربط بين الشرق والغرب وها هم ينفذونها في العراق وسوريا واليمن ومصر وتركيا وهجومهم الإعلامي والسياسي والاقتصادي على المملكة وتشويههم لنا ولديننا وحضارتنا وغير ذلك مقدمات لما يريدون بِنَا ، ومن ضمن هجومهم أننا بلد غير ديموقراطي ، فلماذا لا نفوت عليهم الفرصة ونصبح دوله ديموقراطية ؟ هذا ما نريد ، الإصلاح السياسي.

وعلق أ.د. صدقة فاضل بأن المشكلة أنه لا يمكن إجراء أي تنمية صحيحة في أي مجال قبل التنمية الإدارية الأهم . وهناك إمكانية كبيرة للجمع بين الثوابت والعصرنة .   الجميع يعرف أن هناك تحديات كبرى تواجهها أمتنا … تحديات غير مسبوقة … تكاد أن تكون تحديات حياة أو موت . ومواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تكون فعالة ما لم يكن الذات قويا بما فيه الكفاية . ولا يمكن للبلد أن يكون قويا ما لم ينم تنمية سليمة وصحيحة. تلك هي المسألة .

وأكدت د. نوف الغامدي أنه بالفعل بالتنمية والنهضة نستطيع مواجهة التحديات. كما أنه لابد من إعادة تعريف مفهوم المواطنة، ومأسسة انتقال السلطة، وتطوير وتوسيع المشاركة الوطنية في عملية صنع القرار، مع أخذ خطوات عملية في التنمية وتوفير البيئة الاقتصادية والاستثمارية للإبداع والتطوير والإنجاز، مع القضاء على مصادر الإحباط لدى القطاعات الواسعة من المجتمع مع التركيز على الشباب، وذلك عن طريق إيجاد حلول فعّالة للمشكلات المستعصية وفي مقدمتها: البطالة والإسكان ، العمل بجدية وبخطوات تنفيذية على ترسيخ وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات المدنية في المجتمعات الخليجية التي أصبحت الآن في مرحلة استراتيجية من الوعي السياسي والحقوقي.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن مجتمعنا يعاني مستوى من التأزم الداخلي الملحوظ وهذا مهدد أمني كبير يجدر التفكير به مليا. يُضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي الضاغط وضبابية المستقبل في هذا الجانب المهم من حياتنا كسعوديين. وعندما نضيف إلى كل ذلك مشكلة اليمن وتبعاتها وما يجري في عموم المنطقة العربية من حروب وابتزاز سياسي ومشكلات يبدو أنها عصية على الحل وأنها قد تطول فإن كل ذلك مما يزيد وتيرة التأزم. و يلفت الانتباه على سبيل المثال ما تطالعنا به الصحف يوميا من زيادة في معدلات الجريمة وتنوع أنماطها وهو ما قد يعكس جانبا من التأزم.

كيف نخرج من هذا التأزم، وهل لدينا حلول وقائية تمنع تطور الأمور إلى ما هو أسوأ؟ عدة كوابح تحد من القيام بعمل مفيد يعيد الأمور إلى نصابها:

  • الكابح الأول: عجز الإعلام الرسمي وغير الرسمي في خلق صورة واضحة عما نريد وأين وكيف نتجه مستقبلا. وسائل الإعلام تضخ مادة متضاربة تخلق بلبلة وتعمق الانقسام.
  • الكابح الثاني: الهوة بين المسؤول والمواطن وغياب الشفافية المطلوبة في هذه المرحلة وهجمة القرارات والتي لم يعد بإمكان المواطن هضمها ولا بإمكان المسؤول تسويقها وإقناع المواطن بجدواها.
  • الكابح الثالث: يتمثل في المؤسسة الدينية الرسمية وغير الرسمية فهي علاوة على أنها غير متناغمة مع بعضها البعض، فإنها كذلك لا تقوم بما يكفي لخلق الطمأنينة عند الناس في هذه الظروف الاستثنائية.
  • الكابح الرابع والأخير: أن رؤية المملكة ٢٠٣٠ وخطة التحول ليست مقنعة تماما للناس؛ وذلك بسبب الظروف التي ولدت بها، فهي جاءت من دون مقدمات تنبئ عن ملامحها وأين ستأخذنا.

ويرى د. سعد الشهراني أن هناك بارقة أمل في :

  • برنامج التحول الوطني.
  • رؤية 2030.
  • التحالف الإسلامي.
  • برنامج التصنيع العسكري.
  • المبادرات في إنشاء صناعات عسكرية ذكية و ردعية.
  • القرارات الاستباقية الاستراتيجية مثل عاصفة الحزم.
  • الإصلاح المالي.
  • حساب المواطن.

و غيرها مما استجد على الساحة الوطنية أخيرا و لكننا نحتاج بالتأكيد إلى استراتيجية عليا بأهداف واضحة و بخطط تنفيذية لها أهداف قابلة للقياس تقيم و تقوم دوريا و توظيف كل ذلك لتعزيز أمننا الوطني بكل مقوماته و كل معززاته السياسية و الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية – الثقافية مع إعمال مبادئ الشفافية و الوضوح و المساءلة و المحاسبة لكل من يتولى منصبا عاما ؛ لأن مثل هذا سوف يكون عاملا مهما في ترسيخ التلاحم و الإجماع الوطني الذي نتمناه جميعا قيادة و شعبا.

وتساءل أ. خالد الحارثي عن العلاقة بين حس المواطنة في دول مجلس التعاون وبين الأعداد الضخمة من الأجانب كيف يمكن موازنتها لصالح المواطن في ظل مشاريع البنية التحتية الضرورية للتنمية؟

وفي هذا الشأن ذهبت أ. ليلى الشهراني إلى أن تغيير التركيبة السكانية في دول الخليج خطير جدا ، هو أشبه بالاحتلال (البطيء) للتجارة والوظائف وتملك العقار ثم ماذا بعد ؟!

وأضاف د. خالد الرديعان: وهذا يعني أنه لو يُفتح باب التجنيس على مصراعيه لحدث خلل سكاني خطير يجعل معظم سكان دول الخليج أقليات في بلدانهم.

وأوضحت أ. ليلى الشهراني أنها مع تجنيس الكفاءات والبدون من أصول قبائل خليجية معروفة لعمل موازنة في بعض الدول ، أما التجنيس العشوائي فضرره كبير . فبعض دول الخليج أفراد الشرطة هنود ، أو العاملين في المطارات أجانب وهي أماكن حيوية ، الأفضل أن يشغلها المواطن أو يتم تجنيس البدون.

وأوضح د. عبدالله العساف أن من المهم العمل على تفعيل توطين الوظائف بين دول الخليج كجزء من استراتيجية أمنية خليجية، وكذا تدريب المواطنين على الاحتياج الفعلي لسوق العمل، مع رفع الحد الأدنى للأجور؛ فكلما شعر المواطن بأنه جزء من وطنه  – الخليج – فسيرتفع حسه وأداؤه، وهذا الشعور يبنى بتعزيز قيم عليا مشتركة على رأسها:

  • العدل.
  • والحرية المنضبطة.
  • احترام ثقافة المجتمع.
  • وجود رؤية خليجية ملهمة ومحفزة وجامعة. والعمل على دفع القوى المؤهلة لسوق العمل أن تعمل في أي دولة خليجية كمواطني تلك الدولة للحلول التدريجي مكان الأجانب.
  • الانضباط ومراعاة النظام التي تمنع التستر وخلافه.
  • شعور المشاركة الحقيقية تجعل المواطن تنمويا ورجل أمن وسفير.

وفي الختام، ذهب د. علي الحارثي إلى أن موضوع الأمن الوطني وأمن أوطان الخليج العربي في ظل هذه المتغيرات والأحداث الإقليمية والدولية يتمحور مفهومه حول توسيع دائرة المصالح الوطنية ، ومجابهة التهديدات الداخلية والخارجية ، مع رفع مستوى قدرات ونماء مؤسسات الدولة والمجتمع وتنظيم استخدام الوسائل والأدوات والموارد المتاحة لخدمة الأهداف الاستراتيجية العليا في محيط الأمن الوطني الداخلي والتهديدات الإقليمية والدولية. هذه المؤثرات متفاعلة فيما بينها ، نتيجة للمتغيرات وتغير وتضارب المصالح والأحلاف ، في عالمٍ متأزم مختلةٌ فيه موازين القوى . أمننا الوطني الداخلي يشوبه مرض عضال ، الدولة مستأثرةٌ بالسلطة والقرار ولا ترغب التنازل ، والمجتمع يطالب بالمشاركة السياسية والمشاركة في اتخاذ القرار، المطالب في الداخل وبالذات السياسية والاقتصادية ليست على وفاق بين الدولة والمجتمع ، وهذا مكمن الخطر الذى قد يتعذر معه الحل السلمي ، ونصبح جميعاً في مهب الريح ، خاصةً إذا أحاطت بِنَا بروق ورعود وصواعق وعواصف الأخطار الإقليمية من العدو الذى كشًر عن أنيابه (إيران) إلى بعض البلدان العربية التي باتت تحت النفوذ والسياسة الإيرانية، إلى بعض البلدان التي كنّا نعتقد أنها عمقنا الأمني وإذا بها في أحلك الظروف تغرس رماحها في الخاصرة وتدق أسفين العداوة علينا والصداقة مع عدونا . يدعٍم هذه الأخطار الإقليمية والمحلية التدخل الدولي تبعاً لتغير المصالح والاستراتيجيات والرغبة في تدمير المنطقة العربية وبالذات مكون الإسلام السني في المنطقة ومركزه وقبلته المملكة .

القوة هي التي تصنع الأمن والسلام وتحمي الحوزة والدين ، وإذا لم نبادر بتحقيقها في الداخل بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والفكري والثقافي والاعتماد على النفس فهذا مكمن الخطر العصيب ، ولا بد أيضا من مسايرة الأوضاع واستخدام استراتيجية المناورة السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية حتى لا نصبح في عزلة قاتلة ومدمرة .

وترى أ.د فوزية البكر أن من الواضح أن المواطن السعودي اليوم ومهما بلغت بساطته و محدودية تعليمه يري و يدرك الكثير من المهددات المقلقة مثل حرب اليمن والصراع في سوريا والحديث المتواصل عن عدائية إيران حتي لو لم يتمكن من معرفة تفاصيلها لكنه يعرف أن لا قدرة له علي التأثير في هذه المهددات الخارجية بحكم بعده الكامل عن التأثير في صنع القرار وكل ما يتمناه هو أن يعطي الله الحكمة والحنكة السياسية والبطانة الصالحة لحكامه لاتخاذ القرارات في ما يحقق مصلحة وأمن الوطن . هو أيضا مهموم بما هو قادم في الداخل من ارتفاع لفاتورة الكهرباء والماء والبنزين وغيرها من الخدمات والسلع كما لم تتضح أمامه الصورة فيما يخص خصخصة الخدمات الأساسية من تعليم وصحة.

كل هذه الأمور ( الغامضة ) لدي البسطاء والعامة هو الذي يدفعهم إلى القلق والتساؤل وربما يدفع أبناءهم إلى الخروج لاحقا للشارع للاعتراض أو بشكل سلبي للبحث عن المخدرات أو شلل الفوضى الشبابية. لماذا ؟ لأنهم يسألون كيف أدفع أنا وأحرم أنا وأنت  يا من تحكم قابع هناك رغم انشغالك الشديد لكن لا سلطة تحاسبك علي ما تصرف ولا تقلق علي سرير في مستشفى أو مقعد في جامعة .

وأضافت أ.د. فوزية: أقول هذا من منطلق حب وقناعه بأن العائلة المالكة هم الأساس الذي أرسي قواعد هذه الأمة عبر مؤسس الدولة الثالثة الملك عبدالعزيز رحمه الله وهكذا لا خلاف علي أن الدولة السعودية هي من يملك  وسيملك وان ثباتها وبقاءها هو جزء من ثبات  هذه الأرض لكن الأسئلة تتابع ؟ من يحكم وكيف يحكم. وما طريقنا الحقيقي لشفافية أكبر في توزيع وصرف المال العام الذي بات عزيزا الآن ؟ لا يمكن لعاطل عن العمل متعلم أو غير متعلم أن يري هذه القصور العامرة وهذه الخدمات المتدفقة وهذا التداخل الهائل بين المال الملكي وبين القطاع الخاص ولا يصرخ متسائلا  كيف أدفع أنا ثمن خدمة صحية ضعيفة ولا يدفع من هم فوق وهو يملك كل شيء؟ كيف أحصل علي هذا التعليم الهزيل ويحصل من فوق علي أفضل الخدمات ؟

إذا السلطة و نظامها ودور الأسرة الحاكمة وحقوقها والحوكمة والشفافية في إدارة المال العام وإشعار الشباب الذين يشكلون ٦٠ بالمائة من سكان المملكة بأنهم مشاركون إيجابيون في إدارة السفينة إلى بر الأمان ، كلها قضايا جوهرية حاسمة ربما الآن تطرح سرا لكننا نريد أن نديرها ونتعامل معها علنا وهما في منتدي أسبار بين من نثق بهم قبل أن يستغلها الفقر أو الإرهاب أو اضطرابات المنطقة.

المحور الرابع

الجامعات السعودية بين المطرقة والسندان

الورقة الرئيسة: د. طلحة فدعق

كثر الحديث عن علاقة الجامعة بالمجتمع فالجامعة مؤسسة أكاديمية يتوقع منها دور إيجابي وشراكة مجتمعية ذات مردود فعال على جميع المستويات. القضية الراهنة تتمحور حول مأزق الجامعات السعودية المتأرجح بين ما يتوقع منها من جهة وبين حيثيات الواقع الاجتماعي من جهة جامعة وكيفية الخروج من هذا المأزق. الجامعة يفترض أن تلعب دورا هاما في التنمية البشرية من خلال مخرجاتها المتوائمة مع احتياجات المجتمع ومتطلبات سوق العمل. الجامعة يفترض أن تلعب دورا أساسيا أيضا في مجال البحث العلمي وأن تترك بصماتها في مجال التراكم المعرفي والمنجز الحضاري للمجتمع. الجامعة يفترض أن تكون الوجه الممثل لنسق التعليم العالي في ارتباطه بأهداف الرؤية 2030 ومتطلبات برنامج التحول الوطني خصوصا في تأسيس انطلاقة صحيحة نحو المجتمع المعرفي واقتصاد المعرفة.

من هذا المنطلق جاءت أهداف هذه الورقة لتناقش ثلاث محاور رئيسة:

  • أولاً: الجامعات السعودية في ظل التوقعات لدورها التنموي والبحثي والفكري.
  • ثانياً: الجامعات السعودية في ظل الواقع المعاش.
  • ثالثا: الجامعات السعودية ورؤية 2030.

أولا : الجامعات السعودية في ظل التوقعات :

  • فيما يتعلق بالدور التنموي:

يتوقع أن تلعب الجامعات دورا هاما في التنمية البشرية من خلال مخرجاتها المتوافقة مع أهداف التنمية من جهة ومتطلبات سوق العمل من جهة أخرى. لابد أن تتنوع البرامج العلمية للجامعات وتغطي كافة المجالات النظرية والتطبيقية. التنمية البشرية هي المحك الأساسي وتتطلب تأسيسا مبنيا على برامج أكاديمية ذات جودة عالية. أيضا لابد من تحقيق العدالة النوعية – الجندرية – في تلك البرامج بما يسد الاحتياج التنموي ويحقق العدالة الاجتماعية. أيضا لابد أن تكون البرامج الدراسية مواكبة للعصر ومتطلبات مجتمع المعرفة.

  • فيما يتعلق بالبحث العلمي:

يتوقع من الجامعات أن تلعب دورا أساسيا في تنمية قطاع البحوث وأن يكون ذلك الدور منوطاً باستراتيجيات ممنهجة تتبناها الجامعات عبر عمادات البحث العلمي والدراسات العليا والكراسي العلمية. الدور الأساسي للجامعة وللأستاذ الأكاديمي هو البحث العلمي يليه باقي المهام المجدولة في أجندة الجامعات. يتوقع من الجامعات عبر مراكز البحوث فيها أن تكون همزة وصل بين المجتمع وقضاياه من ناحية وبين صناع القرار من ناحية أخرى، سواء على مستوى السياسات العامة أو السياسات الاجتماعية والاقتصادية. يتوقع من الجامعة أن تتيح للأستاذ الجامعي فسحة أكبر للبحث وتسهل انضمامه للمشاريع المدعمة وبرامج التفرع والتواصل العلمي، وأن تخفف نصاب الساعات التدريسية والمهام الإدارية. يتوقع من الجامعات أيضا تقدير باحثيها الأكاديميين والتسويق لهم عبر ربطهم بـالمؤسسات ذات العلاقة إضافة إلى حفظ حقوق المتميزين خصوصا من نشر أبحاثه في دوريات عالمية مرموقة. يتوقع من الجامعات ضمن هذا المضمار ربط مراكزها البحثية بمراكز بحوث عالمية وجامعات متميزة. يتوقع من الجامعات أيضا خلق فرص تنافس شريفة للبحث العلمي بين الأكاديميين وربط توجهاتهم البحثية بمشكلات وقضايا المجتمع وأحد آليات ذلك عقد المؤتمرات الدورية والندوات ذات العلاقة.

  • الدور المعرفي والثقافي:

تعتبر الجامعات صرحا هاما للتراكم العلمي والمعرفي وبناء منجزات حضارية محسوبة للمجتمع. كثير من الجامعات أصبحت رموزا لمنجزات حضارية فكرية وثقافية ساهم بها علماء وباحثون ومفكرون انطلقوا من تلك الجامعات. المجموعات العلمية والبحثية داخل الجامعات تشكل بحد ذاتها مجتمعا معرفيا ينتج ما يمكن تسميته بالثورات العلمية ( اقتباسا من كون )، فتلك الثورات لها بني مؤسسية تفسر تاريخ تطور تلك العلوم وأخال الجامعة – من وجهة نظري – أحد تلك البني المؤسسية الحاضنة للثورات المعرفية. الجامعة منبرا هاما للتغيير الفكري والحراك الثقافي والمعرفي إضافة إلى الحراك السياسي أيضا وذلك من خلال مفكريها ورموزها ممن لهم تأثير على طلبتهم وممن لصوتهم صدى في المحافل الاجتماعية ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

وهكذا فالطرح السابق استعرض الدور المتوقع للجامعات لكن الواقع الفعلي مختلف ويوضحه المحور التالي.

ثانيا : الجامعات السعودية والواقع المعاش :

  • فيما يتعلق بالدور التنموي للجامعات:

تدل كثير من المؤشرات – المنشورة إعلاميا وبحثيا – إلى تدني مستوى أداء الجامعات وفشل معظمها كمؤسسات في أداء دورها المتوقع. أيضا عكست بعض الإحصاءات الرسمية أن نسبة كبيرة من مخرجات الجامعات لا تتناسب مع متطلبات سوق العمل سواء من ناحية التخصصات المطلوبة أو التدريب والتأهيل. مازالت الجامعات تدور في فلك التقليدية في برامجها التي يحتاج معظمها إلى إعادة هيكلة. مازالت المخصصات المالية للجامعات يكتنفها الكثير من الغموض واللاشفافية في مقابل ازدياد الشكاوي من رداءة تجهيزات البنى التحتية. المكانة الاجتماعية للأستاذ الجامعي أصبحت إشكالية مؤرقة في ظل تدني الرواتب الأساسية وقطع البدلات وانعدام بدل السكن والتامين الصحي. ازدياد نسبة المتعاقدين مقابل تسرب السعوديين إشكالية ثانية يرافقها الصعوبات المتعلقة بإحلال المبتعثين واستقطابهم . زيادة الإقبال على الجامعات من خريجي الثانوية وتقليص القبول في ظل شح الإمكانات المتاحة أمراً أصبح واقعا ملحوظاً. أيضا تدني جودة التعليم الجامعي على مستوى البرامج والمقررات والمخرجات إضافة إلى ضعف أداء الأستاذ الجامعي.

  • فيما يتعلق بالبحوث والشراكة المجتمعية:

الواقع الحالي للجامعات السعودية يعكس شح البحوث العلمية في المؤسسات الأكاديمية لعدة أسباب منها تدني أدوار مراكز البحوث في الجامعات أيضا ضعف أداء عمادات البحث العلمي والدراسات العليا والكراسي العلمية. الإنتاج البحثي – إجمالا – قليل وتقليدي ويعاني من اختلالات منهجية مقارنة بالمستويات العالمية للبحوث. البحوث المدعمة عبر الجامعات يكتنفها الكثير من الصعوبات وهناك علامات استفهام حول آلية الإعلان والترشيح لها وتحقيق متطلباتها . تدني المخصصات المالية للبحوث العلمية قضية أخرى. برامج التواصل والتفرغ العلمي والشراكات مع الجامعات الأجنبية تكتنفها الكثير من المعوقات البيروقراطية، وأيضا ضعف المخصصات المالية المخصصة لها تحبط الكثير من الأساتذة الأكاديميين . البيئة الأكاديمية المكبلة للأستاذ الجامعي بكثير من أعباء التدريس والأعمال الإدارية وأعمال اللجان إضافة إلى الصراعات الداخلية كلها تخلق بيئة غير مناسبة لخلق الفكر والإبداع وتطوير الذات. عدم تفعيل الشراكات المجتمعية وبعد الجامعة عن بحث القضايا الاجتماعية يوسع الهوه بين الجامعة والمجتمع.

  • فيما يتعلق بالدور المعرفي والثقافي:

للأسف أصبحت الجامعات مدارس تلقينية بعيده في برامجها ومقرراتها وأداء مدرسيها عن المنهجيات الحديثة في التعليم الأكاديمي الذي يركز على تنمية البعد الفكري والمنهج التحليلي والنقدي للطالب الجامعي. وأصبحت المقررات تعتمد كثيرا على الامتحانات عوضا عن البحوث والمشاريع التي ينبغي للطالب الجامعي أن يتعلم أبجدياتها. المنتج المعرفي للجامعات السعودية ليس بقدر الطموح والتوقعات. كثيرا من التخصصات لاسيما الإنسانيات والعلوم الاجتماعية والشرعية أصبحت تسيطر عليها فئة معينة تشكل مدرسة وتوجهه تقليدي معين يحارب من يخالفه ويصمه بأنه خارج عن النص. أداء الجامعات ضعيف في الابتكار والتراكم المعرفي والحراك الفكري والثقافي. تسرب الكثير من المفكرين والمثقفين الأكاديميين خارج أسوار المؤسسة الأكاديمية وخفتت أصواتهم نتيجة العراقيل التي تواجههم.

ثالثا : الجامعات السعودية في ظل الروية 2030:

عندما نتحدث عن الجامعات فنحن نتحدث عن مؤسسات وتنظيمات لها أكثر اجتماعية منوطة بها تدور ضمن سياقات معينة . تحدثنا عن الدور المتوقع وعن الواقع المعاش وضمنه تفهم العراقيل والممكنات. لا نريد أن نخرج عن موضوعية الطرح لكن هل الجامعات كمؤسسات هي على قدر من المسئولية لتحمل أعباء 2030 ؟ الكلام النظري كثير والمبادرات المطروحة اكثر وعدة تساؤلات تطرح نفسها منها :

  • هل ستخرج جامعاتنا من نفق الفشل الذي لازم أكثرها عبر كل خطط التنمية السابقة ؟
  • هل ستتحول جامعاتنا إلى منبر علمي وبحثي ومنطلق فكري تنويري حضاري؟
  • هل سيرافق 2030 إعادة هيكلة للمؤسسة الأكاديمية وسياسات التعليم العالي بما يحقق توقعات المجتمع؟

هذا غيض من فيض في علاقة الجامعة بالرؤية فالجامعة تبدو الحاضر الغائب في ثنائية هذه العلاقة وأتمني أن لا تصبح الرؤية في علاقتها بالجامعة هي الغائب الذي لن يأتي!!.

التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف

كما أن أهداف هذه الورقة كما ذكرت د. طلحة فدعق تناقش ثلاث محاور رئيسة :

  • أولاً: الجامعات السعودية في ظل التوقعات: خصوصا ما يتعلق بثلاث قضايا هي سد احتياج المجتمع وسوق العمل، البحوث العلمية،  والتراكم المعرفي والثقافي. ويعكس ذلك الدور التنموي الاقتصادي، والبحثي، والثقافي المعرفي للجامعة.
  • ثانياً: الجامعات السعودية في ظل الواقع المعاش.
  • ثالثا: الجامعات السعودية ورؤية 2030.

فسأتناول المحورين الأول والثاني لأهميتهما الواضحة ولن أتناول المحور الأخير لصعوبة الخوض فيه بناء على المعلومات المتوافرة حالياً!

سأكتفي بعرض بعض البنود ذات الأثر المباشر في تفاقم المشكلة:

  • افتقار المناخ المحلي لمقومات وأسس ونظم البحث التطويري (نظراً لبعد البيئة الوظيفية عن الصناعة بأنواعها سوى صناعة البترول).
  • الضعف المزمن في الموارد المالية المطلوبة للبحث العلمي الرصين والجاد.
  • افتقار مزمن في الأرقام الإحصائية مما يعرقل عملية البحث: هل توجد أرقام عن مخرجات جامعة البترول مثلاً بمختلف التخصصات الهندسية وأثرها على صناعة النفط ومقوماتها؟
  • إشكالية فصل مختبرات ومراكز البحوث بين الجنسين مما يترتب عليه مضاعفة الموارد المطلوبة والهدر على حساب المخرجات.
  • غياب المرونة المطلوبة في الجامعات عن واقع الحال ومتطلبات سوق العمل.
  • نظرة المجتمع السعودي الحديث الدونية للمهن الحرفية (لم تكن كذلك في الأجيال السابقة) وعدم قابليته – الظاهرة- لتغيير أو تصحيح هذه النظرة في ظل النزعات القبلية المسيطرة على ثقافة “الخصوصية” في مجتمع هكذا.
  • سوء الإدارة والفساد المستشري في مراكز البحوث الوطنية والشللية واعتمادها المصالح الشخصية على المضمون العلمي.
  • تضارب المصالح بين الجامعات ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وضياع المبادرة البحثية لموائمة متطلبات المجتمع.
  • هذه البنود مجتمعة تؤثر بطريقة مباشرة وغير مباشرة في الموائمة بين مخرجات الجامعات واحتياجات سوق العمل.

صناعة البترول تكاد تكون الصناعة الوحيدة نسبياً للمملكة ولكن الأرقام لا تعكس هذه الحقيقة ! هل ما تخرجه الجامعات من تخصصات هندسية بمختلف أنواعها تعكس ٩٠ ٪‏ من مجموع الخرجين ؟؟   لا.

في مقارنة سريعة بين الدول الصناعية والدول النامية نجد أن مخرجات الجامعات في الأولى تصب في صميم احتياجات مصانعها بينما في الأخيرة ليست كذلك لعدم وجود المصانع أصلاً ! وهذا من شأنه تكريس المشكلة أكثر.  فعلى سبيل المثال أفرزت الجامعات السعودية في العقود الماضية الكثير من الخريجين في شتى التخصصات بدون أدنى فكرة عن متطلبات سوق العمل ! وشاركت كذلك وزارات التخطيط المتتالية ولا تزال بسوء إدارة منقطع النظير في عدم إدراكها لمسؤولياتها تجاه المجتمع في تصحيح المسار بما يخدم المجتمع في رسم و تعزيز المستقبل العملي المشرق!

كذلك المرونة مطلوبة في تغيير المسار آنياً بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية المكبلة والتي تشتكي منها الجامعات دائماً !

في نهاية الأمر مشكلة عدم موائمة مخرجات الجامعات لمتطلبات السوق هي ذات أبعاد كثيرة ولا يمكن حصرها في الجامعات فقط وإنما تشترك معها في الإخفاق وزارة التخطيط والمعاهد المهنية والمراكز البحثية مثل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ووزارة الخدمة المدنية وغيرها كمنظومة واحدة لإعادة السفينة إلى مسارها الصحيح.

التعقيب الثاني: أ. خالد الحارثي

أعتقد أن تعقيبي سيبحث في العلاقات في سياق التحول نحو مجتمع المعرفة ، والذي تأتي الرؤية والتحول ضمن مساراته ، وعلى ذلك أسلط الضوء للتحقق من مدى الكفاية ومدى الملائمة في الشكل والمضمون للجامعات السعودية مع الدور الفاعل والحقيقي الذي يقدم الغايات من وجوده واعتبارها ووظائفها في المستوى القصير والمتوسط والطويل ، وهنا اعتبرت أن النظر للشكل والنظر للمضمون يعطي إضاءة على مكونات أساسية في أهمية البعد الزمني في التراكم المعرفي :

  • في الشكل وأتحدث عن شكل الجامعة الحديث المستمر في حاضر العالم اليوم ، والذي بدأ في أوروبا كما نعرفها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي ، وهو التجمع من أهل الاهتمام والعمل في تعلم العلوم والبحث فيها والتوسع بها دون سلطة على العمل البحثي أو مناهج طلب المعرفة أو موضوعات البحث والعلوم ، وعرفت بأنها “نقابات العلماء” ويتناهى الشرف في المجتمع في التسابق في تمويلها ودعمها بالأوقاف والمنح والهبات . واستمرت ثماني قرون أخذت مؤخرا بها البشرية نحو منجزات حضارية وتوظيف غزير للعلوم في إنتاج المنظومة المادية والنظرية لخدمة الإنسان ، أيضا أنتجت تلك القرون الثمان مستويات من المعرفة ابتكرت فيها العلوم من اختصاصات دقيقة في ذات العلم خرجت عن أطُره ومقوماته وضوابطه الأولى ، مثل الفيزياء التي تفرعت موضوعاتها من ميكانيكا نيوتن إلى ذرة آينشتاين إلى فيزياء الكم. الأثر الكبير أيضا على الوعي الجمعي في المجتمع ونشر حقائق العلوم واعتمادها في اليوميات المُعاشة ، حتى أصبح منطق التشريعات هو الضرورة المتحتمة من البحث العلمي في شأن ما ، حتى خرجت علوم مدرسة الحكومة والسياسات العامة بين العلوم السياسية وبين القانون.
  1. i. الشكل الحاضر للجامعات السعودية يفتقر إلى هذا المستوى من الرواج والمكانة في الوجدان الاجتماعي الذي تمثله الجامعات في العالم المتقدم ومجتمعات المعرفة بالنسبة للفرد في المجتمع وللمؤسسة الاجتماعية ككل من أعلى سلطة إلى أصغر وحدة عمل في المجتمع ، والمحملة بالمصداقية والثقة الراسخة بمحورية الإنسان في البحث العلمي.
  2. ii. وهنا أعتقد أن استقلال الجامعات السعودية ماليا وإداريا في مستوى الميزانية ومجلس الإدارة عن سلطة الحكومية يلبي الكثير من الاحتياجات لدعم الجامعات في إعادة التموضع في المجتمع بمفهوم اندماجي يعوض عن غياب الجامعات عن مجتمعاتنا سبعة قرون بالمقارنة عن المجتمع الأوروبي.
  • أما بشأن المضمون والإثراء المتوخى من المضمون لذلك الشكل الموصوف بنقابة العلماء والحكماء فقد كانت ثروة معرفية كبرى لصالح المجتمعات الأوربية ولدت الكشوف الجغرافية والاستكشاف العلمي والابتكار :

أ. خلال الثمان قرون أنتجت الجامعات والأكاديميات ذات العلاقة بها ، مضامين علمية كبرى أسوق أبرزها من وجهة نظري لمراقبة الظاهرة وآثارها على حياة الإنسان والمجتمع مثل إنتاج فكر “الحالة الطبيعية” ، والعقد الاجتماعي ، وعلوم الاقتصاد ، ونظريات الاقتصاد السياسي ، والهندسة المدنية والتخطيط الحضري ، والطاقة والهندسة الميكانيكية والكهربائية . وهذا يحقق الدلالة في تصوري على المدى الكبير من الاقتراب والاهتمام بالمجتمع والاندماج معه في همومه وشئونه العامة والخاصة والشخصية الفردية.

‌ب. في حين أن الجامعات السعودية تمارس أقل بكثير من دورها ووظيفتها ومكانها في عجلة التنوير والتنمية ، إذ يقتصر دورها على التدريس وتخريج كادر التدريس ، والبحث العلمي متوقف تماما سوى العمل الشكلي منه لاستحقاق تخريج كوادر التدريس ، وأما المشاركة المجتمعية فهي طبعا محصورة في قبول الطلبة وتخريجهم للوظائف المعتمدة على الاستهلاك وليس الإنتاج.

أعتقد أن النواة التي يبني عليها تعقيبي في الإصلاح الضروري لدور ووظائف الجامعات هو قنوات المشاركة المجتمعية، وأقصد هنا مجالس الأحياء التي عبرها يمكن للجامعات أن تقترب من المجتمعات المحلية وتندمج في شئونها وتوظف طاقاتها في هذا الاتجاه الفقير إلى الآن.

المداخلات حول القضية:

  • الجامعات السعودية والإشكالات الراهنة

أوضح د. خالد بن دهيش أنه وبلا شك هناك عدداً من الإشكاليات أو التحديات التي تواجه الجامعات منها :

  • عدم الاعتراف بالإدارة الجامعية كتخصص أو كمهنة؛ فمن غير المناسب تعيين عضو هيئة التدريس في المواقع القيادية إلا إذا كان متخصصا في الإدارة الجامعية أو لديه دبلوم عالي في الإدارة الجامعية.
  • النمطية : حيث يلاحظ أن أغلب الجامعات تكرر نفسها في الأنظمة والهياكل التنظيمية بل أصبحت في مباني متشابهة ( جامعات الأطراف ) فلا مجال للتنافس والإبداع للخروج من هذا الصندوق ، لذا لابد من التركيز على الجامعات المتخصصة والصناعية والافتراضية مثل الجامعة السعودية الإلكترونية وغيرها ، مع منحهم فرص للتنافس والإبداع حتى لا ندع مجال للبيروقراطية الإدارية وبطء الإجراءات وتعدد المستويات الإدارية والمركزية أن تعشعش مما ينعكس على صناعة القرار وتأثيره.
  • عدم منح الجامعات الاستقلال المطلوب فتتدخل الوزارة في معظم القرارات كنسب القبول وأعداد الطلاب المطلوب قبولهم دون مراعاة لإمكانات الجامعة ، وكذلك في استقدام الكفاءات العلمية بالالتزام بسلم وبند الرواتب وغير ذلك.
  • محدودية الميزانيات للجامعات من خلال تركيزها على ضمان توفير بند الرواتب والبدلات في المقام الأول و اعتماد القليل من المال للأبحاث والمشروعات العلمية والتطوير.
  • الجامعات في الغالب هي جامعات للتدريس فقط مما أدى إلى إهمال الوظائف الأخرى للجامعات كالبحث العلمي وخدمة القطاعات الإنتاجية والصناعية والاختراع والتميز والإبداع .
  • هناك نسبة كبيرة من مخرجات الجامعة تفتقد لعدم مواءمتها مع متطلبات سوق العمل ( ماعدا بعض التخصصات كالطبية والتعليمية والهندسية ).
  • الضعف الأكاديمي في معظم التعليم العالي الأهلي الذي يهدف إلى تحقيق الربح فقط.
  • للأسف – في الغالب – هناك تركيز على الجوانب الكمية وإهمال الجوانب المتعلقة بالنوعية أو الجودة أو التميز.
  • زيادة الطلب المجتمعي على التعليم الجامعي لعدم توفر البديل المناسب من حيث النوع و احتياج سوق العمل بالقطاع الخاص فخريجي التعليم والتدريب المهني والتقني يجدون صعوبة في استقطابهم من قبل سوق العمل بالقطاع الخاص لنقص في التأهيل كما يردد القطاع الخاص فبالتالي هناك بطالة من هؤلاء الخرجين .

وأوضح د. عبدالسلام الوايل أن للجامعات ثلاث رسائل رئيسة هي التعليم و البحث العلمي و خدمة المجتمع. والإسهام المجتمعي الأبرز للجامعة في السعودية يتمحور بشكل رئيسي حول رسالة التعليم. فجامعاتنا ظلت مؤسسات تعليمية على الدوام. وكان من الطبيعي أن يكون التركيز في البداية على هذه الرسالة، لحاجة الجهاز الحكومي بالذات لموظفين متعلمين و مؤهلين. و كان على الجامعة السعودية أن تنتظر حتى عقد مضى لتتوسع في رسالة البحث العلمي، حيث بدأت تشهد نموا واسعا في هذه الرسالة، أساسا بسبب توسع القدرة المالية للجامعات و توجيه جزء من هذه القدرات لتشجيع حركة النشر العلمي.

أما فيما يخص الرسالة الثالثة، أي رسالة “خدمة المجتمع”، فالجامعات تشهد تفاوتا واضحا في أداء هذه الرسالة. إذ نشهد جامعات منفتحة بشكل كبير على المجتمع و عرفت حيوية كبيرة في أداء هذه الرسالة. في المقابل فإن بعض الجامعات تبدو إما خجولة أو مترددة في التواصل مع المجتمع المحيط.

وذكر د. خالد الدخيل أن مهام الجامعة الرئيسة هي المحاضرات، والبحث العلمي، والمؤتمرات العلمية، والنشر العلمي. والجامعات السعودية لا تلتزم في الغالب إلا بالجوانب الشكلية لهذه المهام. أسباب ذلك متعددة طبعا. منها البيروقراطية التي جعلت من الجامعات ليس أكثر من دوائر حكومية تخضع للبيئة البيروقراطية وبالتالي فقدت استقلاليتها المالية والإدارية. ومن هذا الأسباب أيضا نقص التمويل، والبحث العلمي الجاد مكلف ماليا. إلى جانب ذلك هناك العبء التدريسي الثقيل من دون مراعاة للفروق بين الأستاذ المنتج علميا وآخر لا يعنيه إلا إلقاء محاضراته كيفما اتفق. ونتيجة لذلك أصبح الأستاذ موظف ليس مطلوبا منه إلا أداء دور وظيفي روتيني مثل أي موظف حكومي آخر. مثلا الأستاذ يحتفظ بوظيفته بغير أن كان منتج علميا أم لا. مستواه العلمي واللغوي متدن بشكل ملحوظ. وهي سمحت بتعيين معيدين مستواهم يعكس مستوى أساتذتهم. ومع الوقت أصبح هذا النمط يعيد إنتاج نفسه بشكل مستمر. مثلا يلاحظ تفشي تقليد مدمر، وهو أن طلاب الدراسات العليا في التخصصات النظرية لا يجوز رسوبهم ولا منحهم تقديرا متدنيا لأن هذا كما يقال يحرمهم من فرصة الوظيفة. مرة أخرى هيمنة فكرة الوظيفة.

العلة الرئيسية التي تعرقل انعتاق الجامعات هو غياب حرية الفكر، والبحث العلمي، وتداخل المنهج العلمي الرصين والفكر الديني الذي يفاقم مشكلة غياب حرية الفكر والبحث. ومن المعروف أنه من دون هذه الحرية لا يمكن للجامعات أن تصبح كذلك، وأن تنهض بالدور المتوقع منها. وعندما تفقد الجامعة استقلالها وتصبح مجرد مؤسسة بيروقراطية، يضاف إلى ذلك غياب حرية الفكر والبحث، وحرية الحصول على المعلومة، لا تنتظر من الجامعة أكثر مما هي عليه، حتى ولو تحسن وضعها المالي.

كما أنه وفي مجتمعنا تحقيق النجاح هو في الحصول على منصب إداري، وليس الحصول على مكانة علمية مستمدة من انهماك في البحث والتنظير وإنتاج المعرفة العلمية. الحصول على هذه غير معترف به بشكل عام. المدهش أن جامعاتنا تبنت هذا الموقف في أنظمتها ومسيرتها التعليمية البيروقراطية. علامة نجاحك في الجامعة ليس إنتاج بحث أو كتاب علمي، وإنما الحصول على منصب، وأعلاها طبعا منصب مدير الجامعة.

إذا كان نظام الجامعة بيروقراطي، ودور أستاذ الجامعة الحقيقي ليس موجودا، وحرية البحث محدودة هل يمكن أن تكون بيئة الجامعة مناسبة للطالب؟

و حول ما إذا كان الطالب يجد في البيئة الجامعية ما يشبع نهمه للعلم والتعلم؛ أفاد د. خالد الرديعان من واقع خبرته الجامعية أن الطالب الجامعي عموما محبط ويبدو وكأنه مدفوعا للدراسة الجامعية دفعاً بسبب رؤية أقرانه في الجامعة من جهة ومن جهة أخرى ضغوط أسرته التي تتوقع منه الحصول على الدرجة الجامعية بأي طريقة وكيفما اتفق. وهذا الوضع ينعكس على الأستاذ كذلك؛ فعندما يرى عدم جدية الطالب يصاب بإحباط آخر يدفعه إلى عدم الجدية في التحضير للمادة وإعطاءها ما تستحق من جهد علمي. الطالب ينظر للجامعة فقط كبوابة للحصول على عمل لاحقا، ومع تنامي فكرة أن الشهادة الجامعية لا تكفي للحصول على عمل أصبحت العملية التعليمية في الجامعة مجرد أداء روتيني فالطالب يتظاهر أنه يتعلم في الجامعة والدكتور يتظاهر بأنه يعلمه مع الاحترام للجميع ومع التأكيد أن هناك نماذج ممتازة من الطلاب والأساتذة تشذ عن ذلك.

وقال د. عبد الله بن صالح الحمود: إن دور الجامعات المفترض الإتيان به عامة ، لا يمكن أن يقتصر على تخريج دفعات متتالية من الطلبة ودفعهم إلى سوق العمل دون التركيز إلى ما تتطلبه هذه السوق من احتياجات فعلية ، فالجامعات بتنظيماتها الأساسية الأكاديمية ليست فحسب عمادات وأساتذة ومحاضرات وقاعات ومعامل ، وطلبة يحضرون لتلقي محاضرات علمية أو نظرية فحسب. ولكنها في حقيقة الأمر هي منظومة اجتماعية متكاملة ، يتحدد من خلالها التطور الذي يشهده المجتمع في كل شؤونه وشجونه ، أيضا في الوقت الذي نتطلع فيه أن تكون الجامعات منارات علم وثقافة يزدان بها الفكر ، تأملنا لبناء إنسان الغد ، الإنسان المفكر ، والإنسان المبدع ، وصولنا إلى الإنسان المنتج.

تلك مقدمة من المهم الإشارة إليها للتأكيد على أن الجامعات هي بيئات وحاضنات تعد ركيزة أساسية لنمو يعد مسلكا حقيقيا للوصول إلى تنمية مبتغاه .

إن الجامعات السعودية لم تصل بعد إلى طموح المجتمع ، والسبب أن غالبية مناشطها التعليمية تعد سياسة تعليمية لم ترق إلى المفهوم المتكامل للمنهجية الأكاديمية التي يفترض أن يكون هناك فرق كبير بينها وبين مؤسسات التعليم العام.

التعليم العالي بطبيعة نهجه هو تعليم يمتاز بعدة عناصر ، أهمها وفي الصدارة أن يكون للبحث العلمي مكانة خاصة في الهيكل التنظيمي الجامعي ، وأن يكتسب دعما ماليا يتفق والأهداف المرجوة من خروج البحوث العلمية بما يخدم المجتمع ، ومسألة أن هناك وكالة في كل جامعة للدراسات العليا والبحث العلمي ، لا يعني بالضرورة أن الجامعة أعطت مكانة خاصة  للبحث العلمي .

والإشكالية الواضحة في الجامعات السعودية ، أنه بعد ظهور جامعات جديدة وبالذات تلك الجامعات التي نشأت في مناطق مشهودة بالإنتاج الزراعي أو الصناعي ، أتت بنموذج شكلا ومضمونا مثل من سبقها في التأسيس بعقود مضت وطويلة ، والمفترض أن تمتاز بمخرجاتها المغايرة والنوعية .

ومن ناحية أخرى أوضح د. الرديعان أنه لا يجوز تحميل الجامعات السعودية ما لا تحتمل؛ فهي في النهاية قطاع عام مترهل مثل بقية الأجهزة الحكومية التي ينخر فيها الفساد والمحسوبيات والبيروقراطية. وقد كانت قاصمة الظهر إلغاء وزارة التعليم العالي التي كانت تقوم بدور الحامي النسبي للجامعات رغم أنها كانت جهازا حكومياً يُدار بالعقلية الإدارية العتيدة التي نعرفها جميعا. وللدلالة على ضرر البيروقراطية الإدارية وما تحدثه من شلل في الجامعات فإن إلغاء أو استحداث قسم ما في إحدى الكليات يستغرق عدة سنوات قبل البت فيه بسبب تعدد جهات القرار وبسبب عقلية القطاع العام الذي يفكر بالوظائف ومصالح الأفراد قبل التفكير بالجانب العلمي و الأكاديمي وهذا مجرد مثال.

أيضاً فقد برز في السنوات الأخيرة ظاهرة حملة الدكتوراه؛ بعضهم لم يبتعث من جامعة سعودية وإنما كان دارساً على برنامج الابتعاث أو درس على حسابه الخاص وعندما يصل للمملكة يصطدم بعقبة عدم قبوله للتدريس بإحدى الجامعات بحكم شروط الجامعات؛ ومن هنا يبدأ بإثارة المشكلات وأن الجامعات ضد السعودة وأن من حقه الحصول على وظيفة أكاديمية فقط لأنه يحمل دكتوراه.

إن من يُعين في وظيفة أكاديمية يفترض أن يكون قد تدرج في هذا القطاع معيدا فمحاضرا ثم أستاذا لأن اختياره في الأصل كمعيد تم لاعتبارات أكاديمية ولما يحمله من صفات تؤهله لأن يكون باحثا جيدا وأستاذا جامعيا. أما القول بوجوب تعيين كل سعودي يحمل دكتوراه كأستاذ جامعي فإن هذا سيكون مضرا للجامعات التي يفترض أن تستقطب الكفاءات الممتازة بصرف النظر عن جنسيتهم. بنفس الوقت فإنه يفترض استقطاب المؤهلين من غير حملة الدكتوراه إذا كانوا متميزين للعمل في التدريس الجامعي؛ فبعضهم باحث وله مؤلفات، وكمثال في هذا المقام علامة الجزيرة المرحوم حمد الجاسر الذي لم يكن من الممكن استقطابه للتدريس في جامعة الملك سعود في قسم الجغرافيا أو التاريخ في حينه بسبب تواضع مؤهله العلمي رغم مكانته العلمية وكثرة مؤلفاته.

ومن جانبها طرحت أ. ولاء نحاس بعض التساؤلات الهامة التي تحتاج إلى مناقشتها في هذا السياق، وهي كما يلي:

  • هل نظام التعليم ومنهجيته والمناهج التعليمية المقدمة تواكب التسارع الذي نعيشه في مجال العلم والتقنية والابتكار وغيره من مجالات العلوم ؟ وهل بداية اعترفت بها هذه الجامعات قبل أن تدخلها ضمن التخصصات ؟
  • كيف يتم اختيار الكوادر التي تقدم المادة التعليمية؟ هل ما زالت الشهادات هي الأساس ؟ كيف يمكن لدكتور لم يمارس العمل الحر أن يقدم مادة عن إدارة الأعمال في صميم إنشاء المشاريع مثلا ؟ كيف يمكن أن يتحدث عن سوق لم يعرفه ومعوقات لم يختبرها ؟ بمعنى آخر هل ما زالت الطرق النظرية في تقديم المالية العلمية هي الاحتياج ؟
  • هل تتم دراسة دورية لحاجة السوق وتقييم لمخرجات الجامعات بل وتحديد معايير قياس أداء كل قسم من أقسام الجامعة بناء على عدد المتوظفين من الطلاب بعد التخرج مثلا ؟ كيف يتم الربط بين حاجة السوق ومخرجات الجامعة والتي لطالما ذكرنا أنها أحد الاحتياجات الملحة لكن من وجهة نظري لم نصل لحل بعد .
  • هل يتم الاعتراف بالمعاهد المهنية أو الحرفية كبديل للدراية الجامعية لمن لديه الميول والرغبة ؟ أم أننا ما زلنا نعول النجاح على التخرج الجامعي والذي يدفع بالكثير من الطلاب للتخبط والتعثر لإرضاء المجتمع.
  • كيف يتم مساعدة الطالب على اختيار التخصص الصحيح له وبالتالي تجنب هدر مالي وحجز معقد ربما كان هناك من هو أولى منه به ؟ ما هي الأدوات التي تساعد الطالب في تحديد ميوله وتخصصه بعيدا عن قرارات الأهل أو الخيارات التي تتيحها الجامعة بناء على معدله؟
  • هل دور الجامعات مقتصر على المرحلة الجامعية ؟ أم أن دورها قبل وبعد هذه المرحلة في ذهن ومستقبل الطالب ؟ أين جامعاتنا من هذه المراحل ؟
  • هل ساهمت جامعاتنا بشكل مباشر أو غير مباشر في نسبة السعودة ؟ الجواب أكيد نعم لكن هل ثمة جامعة أخذت على عاتقها قطاعات معينة للمساهمة في رفع نسبة السعودة فيها بما يتناسب مع متطلبات الوظيفة ؟
  • كيف هي خطة الاستفادة من مبتعثينا حول المملكة بعد عودتهم ؟ سواء كانوا مبتعثين من القطاع التعليمي في الجامعة أو خارجها ؟

وفي رأي أ. ولاء نحاس فإن إجابات بعض الأسئلة حتى وان كانت مبادرات قامت بها إحدى أو بعض الجامعات تظل مبادرات فردية تفتقر لقيادة وتوجه واستراتيجية. وهذا لا يعني إنكار دور الجامعات لكنه تطلع إلى أكثر مما تقدمه اليوم. وكمثال للفجوة الحاصلة بين سوق العمل ومخرجات الجامعة، ذكرت مثال يتعلق بشركة بروكتل اند جامبل شركة أجنبية لها مكاتب في السعودية، فقد كان نظام الشركة يقبل الطالب حديث التخرج لكنه يمر بمراحل صعبة قبل اجتياز المقابلة النهائية تشمل اختبارات تقييم ومقابلات شخصية وغيرها لأن الترقية في هذه الشركة تكون داخلية بمعنى لا يمكن أن يتم توظيف مدير من خارج الشركة بل عليه أن يمر بكل المناصب تباعا .

كان المعيار الأساسي للاختيار ليس تخصصه أو شهادته الجامعية، دوما يكون السؤال الأهم خلال المقابلة هو إنجازاته خلال الفترة الجامعية من تطوع ونشاطات خارج المنهج التعليمي وكيف أثرى خبرته في القيادة والعرض والإقناع وغيرها. ومع الأسف لم يكن لخريجينا من الجامعات المحلية حصة كبيرة من هذه الوظائف إلى أن قررت الشركة تغيير المعيار لتضع شرط قبول طالب درس في الجامعات السعودية أن يكون إما عمل لمدة سنة أو اثنين قبل التقدم للوظيفة أو مارس فترة ما قبل التخرج في الشركة نفسها لضمان قدرته على مواكبة قدرات أقرانه.

وطرح د. حميد المزروع تساؤلاً حول نظام الجامعات السعودية والمعمول به حاليا وهل قيد الجامعات في مجالات البحث العلمي وأصبح جزء من مشكلة تطور الجامعات السعودية ؟

وفي هذا الشأن أوضحت د. طلحة فدعق أن القضية متشعبة ومتداخلة. قد تتفق الجامعات في استراتيجية موحدة، لكن لكل منها استراتيجيتها الخاصة وبالذات فيما يتعلق بقضايا البحث العلمي وغالبا عمادات البحث العلمي مسئولة عنها . الإطار العام والأهداف التي توجه استراتيجيات البحث العلمي تحث علي ذلك لكن هناك عراقيل ومحبطات عدة وتعرقل أداء الجامعة وتطورها فعلا في هذا المضمار !

وتساءل د. حميد المزروع: هل تخصيص الجامعات سيحدث نقلة نوعية في تطور الجامعات من حيث مخرجات التعليم ونوعية البحوث العلمية ذات الطبيعة التطبيقية ؟

وفي هذا الإطار أوضح د.م. نصر الصحاف أنه و في الدول النامية لا يحبذ تخصيص الجامعات ولكن التركيز على مخرجاتها بما يتلاءم واحتياجات المجتمع ككل! بحيث تلبي متطلبات التوظيف والاستغناء الكامل عن الأيدي العاملة المستوردة هو الأصل في توطين الوظائف للمجتمعات قبل استفحال المشكلة كما هو واضح في دول الخليج! خصخصة التعليم العالي قد تكون ذات مردود عالي في المجتمعات المتقدمة ولكن في الدول الناشئة هي بحاجة إلى توجيه يخدم المجتمع في المقام الأول وليس الإتجار والربحية كما نراه سائداً الآن ! هذا التوجيه لن يتأتى سوى من الأعلى حيث تتحكم لتوجيه الدفة للمصلحة العامة وليس فقط الشخصية.

ورداً على تساؤل د. حميد المزروع: هل للخطط الدراسية بالأقسام دور مباشر بضعف مخرجات التعليم لكونها تركز أكثر علي الجانب النظري وتهمل الجانب المهاري والمهني، وكيف يتم معالجة الخطط الدراسية لتلائم حاجة القطاع الخاص وخدمة المجتمع ؟

أوضح أ.د. صدقة فاضل أن الخطط الدراسية للأقسام العلمية توضع من قبل القسم العلمي المعنى . ولكن المجلس العلمي غالبا ما يراجع هذه الخطط ويعدلها… متدخلا في شؤن القسم . القضية هنا أيضا لها أبعاد جامعة يجب أخذها في الاعتبار عند التحليل والتقييم.

بينما ترى د. طلحة فدعق – من واقع تخصص في العلوم الاجتماعية – أن كثير من الخطط الدراسية هي قديمة وعندما تطرح في مجالس اقتراحات التطوير تدور أيضا في فلك التقليدية وتأخذ مسارات طويلة يتدخل فيها من يتدخل. النقلات النوعية تتطلب حراكا نوعيا أيضا وهو حراك ينبغي أن يكون من قمة الهرم ذاته حيث لن تستطيع الأقسام مهما عملت أن تغير ساكنا.

ومن جهة أخرى فإن موضوع تسرب الأكاديميين موضوع خطير جدا وسيلقي بظلاله الثقيلة قريبا علينا لاسيما مع تردي الأوضاع المالية للكثير؛ سنقع في مأزق الاحتياج فمن سيغطي العجز لاسيما في التخصصات التطبيقية والتقنية !! أيضا فإن الكوادر التدريسية أو أعضاء هيئة التدريس في الأقسام يفترض أن يكونوا من حاملي درجة الدكتوراه – أستاذ مساعد فما فوق . يدخل معهم ضمنيا طلبة الدراسات العليا ممن تخرج بدرجة ماجستير وتعين علي وظيفة محاضر ، ثم المعيد وهو من يحمل فقط بكالوريوس ويتوقع منه الالتحاق ببرنامج الدراسات العليا.

الشهادة والمؤهل الأكاديمي هو الأساس في اختيار وتعيين الأستاذ الجامعي. وعندما نقول أستاذ فمعناه حامل شهادة الدكتوراه. الخبرة ليس لها علاقه بالتدريس الجامعي لكن خبرة الأستاذ الجامعي مستقاة من بحوثه ودراساته وعلاقته الخارجية بالمؤسسات ذات العلاقة بالنواحي التطبيقية لتخصصه . الأستاذ الجامعي يفترض أن يعمل علي ترقية ذاته وأن يتم اختياره وتعيينه وفقا للنظام وبحسب تميزه في الدرجة والخبرة البحثية والمهنية . هؤلاء هم الثقة لتدريس المقررات المتخصصة والتأسيسية في أقسامهم .

واقع جامعاتنا يشير إلى أن المحاضر والمعيد يعطي في أحيان كثيرة أهمية تفوق حجمه العلمي وتأهيله ، لذلك تلقي عليه أعباء تدريسية لمقررات هامة والنتيجة تنعكس سلبا علي تأسيس الطلبة ذاتهم . مثل هؤلاء في الجامعات الغربية يعملون تحت إشراف الأساتذة للتمرس في العمل الأكاديمي واكتساب خبرة وتخفيف عبء التدريس ليتفرغ الأستاذ للبحث. في جامعاتنا للأسف تضخمت تلك الشريحة وأصبحت تطالب بحقوقها كأساتذة في ظل ضعف أداءاها و تقاعسها – أحيانا كثيرة – عن الابتعاث وفشلها في الحصول علي قبولات للدراسات العليا . فماذا تفعل الأقسام  بهم ؟ لقد أصبحوا عبء عليها وبالتالي أوكلت لهم مهام التدريس في حين أن قله منهم فقط مؤهلة له . وزاد الطين بله بعض القرارات التي لا تخدم الأقسام والبرامج العلمية مثل عدم إجبار تلك الفئة للابتعاث الخارجي. إذا مهام التدريس والكادر التدريسي واختياره هي مهام ليست بالسهولة المتصورة !

أيضا تساءل د. حميد المزروع إلى أي مدى يجب أن تغرس بذور التحول للمجتمع المعرفي بالمراحل الدراسية المبكرة ! لتأتي ثمارها خلال التعليم العالي ! أو تري بأنها مراحل متتابعة تنطلق من الابتدائي وتستمر للجامعة ؟

وحول هذه النقطة يرى أ. خالد الحارثي أن من المهم غرس بذور التحول للمجتمع المعرفي في المراحل الدراسية المبكرة وأيضا من الضروري تدخل الجامعات في العلمية التعليمية ككل ، الجامعات بالأدوات الضرورية والشكل المستقل هي القائد الفكري للمجتمع والحكومة والرساميل والنخب الثقافية. كذلك فإن النقد لا يخص الجامعات بشكلها الحالي وحدها بل يطال القطاع الخاص أيضا الذي أخل برسالة المعرفة ودور العلم ، لكن يمكن القول بأن الجشع الذي يمارسه القطاع الخاص عموما هو نتيجة أكيدة لغياب الدور الرئيس للجامعات في التنوير وتحقيق المعايير في الأحكام وإثراء التشريعات بالعدالة والتكافؤ والتنمية ، القطاع الخاص أيضا وعيا وعمرا هو ناشئ ويحركه الاستغلال والغرائز أكثر من رؤية الاستثمار والعقل والحكمة.

ومن ناحية أخرى، أكد أ. خالد الحارثي على نقطة مرجعية النظريات العلمية في الحوافز والدفع نحو الهدف المباشر وتكريس بيئات تحقيق الفرص والطموحات وليس العكس. فضلا عن ذلك فالمجتمع عانى كثيرا من تقلبات قيمة التعليم العالي وأهميته وما يحققه من فرص ويفتحه من آفاق بسبب تقلص الفرص أمام الخريجين وإلغاء حوافز التخرج مكافأة الخمسين الف ، ومكافأة أرض للأكاديمي ، وهذه بحد ذاتها كافية للابتعاد عن معاقبة الاستثناء التي تكدر صفو المجموع.

ومن جانبه قال د. عبيد سعد العبدلي: هل بالفعل واقع جامعاتنا يعكس تطلعاتنا من مراكز إشعاع وتوجيه؟ الجامعات تقود مجتمعاتها ولكن مع الأسف واقع جامعاتنا تُقاد من مجتمعاتها. ومعظم حديث مدراء ومسؤولي جامعاتنا ينصب حول مواءمة مخرجات جامعاتهم لمتطلبات سوق العمل. هل هذا صحيح؟

قبل مدة سمعنا من وزير العمل التدخل في تحديد نسبة المقبولين في جامعاتنا وحدد معاليه النسبة ب ٥٠٪‏ من خريجين الثانوية. ولم نسمع لوزارة التعليم تعليقا. دمج جامعاتنا في منظومة التعليم العام كان قرار بدون خارطة طريق، اليوم نكمل العامين على هذا القرار ومازالت الجامعات مهمشة وبعضها بقي أشهر عديدة بدون مدير رسمي.

عن أي جامعات نتحدث وهي مُكبلة بقرارات مركزية من الرياض. دعوة محاضر لإلقاء محاضرة تحتاج موافقات من خارج أسوار الجامعة؟ وكذلك اختيار كتاب وغيرها! جامعاتنا محاطة بأسوار وبقوانين تمنع تفاعلها مع مجتمعاتها! جامعاتنا غير محددة أهدافها! هل لدينا جامعات بحثيه؟ وجامعات تدريسية؟ وجامعات مناطق؟ وجامعات محافظات؟ جامعاتنا ثانويات كبيرة يقودها موظفين يطبقون ما يعتقدونه صحيح، الجامعات الجيدة تُديرها أقسامها الأكاديمية. عندما يكون قرار القسم الأكاديمي أقوى من قرار مدير الجامعة، هنا نقول هذه الجامعات الصحيحة؟

أيضا هناك موضوع مهم في التعليم العالي وهو التعليم العالي الأهلي، فلدينا ١٠ جامعات أهلية و ١٨ كلية أهلية. معظمها ضعيفة والمشكلة عدم وجود رقابة وضبط جودة من وزارة التعليم و دور الوزارة ضعيف جدا، و بعض الجامعات والكليات الأهلية لديها كليات طب حدث ولا حرج. ضعف مدخلات وضعف مخرجات.

وعقبت أ.د. سامية العمودي بقولها: ثقافة البحث العلمي ناشئة نسبياً لكن تنبهنا لها والآن نقوم بعقد الدورات وورش العمل من السنوات الدراسية الأولى في الطب وأصبحت البحوث معياراً في المفاضلة عند التعيين كمعيد. ومن الأمور المهمة التي ذكرتها د. طلحة العدالة الجندرية وهذه معضلة كما أن التشدد في عملية الفصل بين الجنسين في هذه المراحل المتقدمة أدت إلى هدر مالي وعبء اقتصادي. كذلك هو التضييق والبيروقراطية وسلسلة الإجراءات وكمية الموافقات التي تعرقل إقامة ملتقيات ودورات مع أنها في صميم عمل المجتمعات. وأخيراً ضعف رواتب أعضاء هيئة التدريس أدى إلى إضعاف مخرجاتها إما بتسرب شريحة وهجرة الأدمغة أو بالعمل في القطاع الخاص لتحسين الدخل والله أعلم ماذا سيحدث بعد إلغاء البدلات وغيره.

وبدوره قال أ. عبدالرزاق الفيفي: قد اختصر كثيرا مما أريد قوله في مقولة قرأتها وهي: يُذكر أن أستاذا جامعيًا كتب لطلابِهِ في مرحلة الدراساتِ العليا رسالةً معبرةً علقها على مدخل كليته كتبَ فيها: «تدمير أي أمة لا يحتاج إلى قنابل نووية أو صواريخ بعيدة المدى، ولكن يحتاج إلى تخفيض نوعية التعليم، والسماح للطلبةِ بالغشّ.. يموت المريض على يد طبيب نجح بالغش. وتنهار البيوت على يد مهندس نجح بالغش. ونخسر الأموال على يد محاسب نجح بالغش. ويموت الدين على يد شيخ نجح بالغش. ويضيع العدل على يد قاضٍ نجح بالغش. ويتفشَّى الجهل في عقول الأبناء على يد معلم نجح بالغش. انهيارُ التعليم يعني انهيار الأمة». عندما نجعل التعليم ( بمعلمه – وتلميذه – ومناهجه – وقوانينه ) الأولوية الأولى حينها سنكون رقم (1) في كل شيء، وبقدر رقم أولوية التعليم لدينا نكون ذلك الرقم صعودا وهبوطا.

وبدوره قال م. خالد العثمان: هل التحفيز المادي الذي برز في الجامعات في الأعوام الماضية أنتج معرفة ونتاجا أكاديميا حقيقيا ذو قيمة ؟ شخصيا أعرف كثيرا من الكراسي العلمية التي أنفقت مواردها على أبحاث لترقيات شخصية ورحلات ترفيهية وما إلى ذلك دون نتاج معرفي حقيقي .. لماذا يكون الحافز المادي فقط هو المحرك للعمل الأكاديمي والبحث العلمي في الجامعات؟

ويرى د.م. نصر الصحاف أن “العلة الرئيسيّة التي تعرقل انعتاق الجامعات هو غياب حرية الفكر، والبحث العلمي وتداخل المنهج العلمي الرصين .الخ”. ويمكن الإشارة هنا لغياب مواد الفلسفة في مناهج الجامعات بدعوى انحرافها عن العقيدة بالرغم من حاجتها الماسة في تحرير الفكر !!  لماذا كل هذه القيود ؟؟

وقال د. عبدالرحمن الهدلق: لدينا مأزق في البحث العلمي خاصة على مستوى الدراسات العليا وكتابة الرسائل. رأيت بعض الطلبة يختارون الدكتور الذي لا يتابع معهم أثناء مراحل الكتابة حتى يتمكنون من تكليف أحد بكتابة الرسالة نيابة عنهم… وهناك مصطلحات متعارف عليها في سوق كتابة الرسائل لمن يستعينون بالآخرين لكتابة رسائلهم مثل تسليم عظم أو تسليم مفتاح والأخيرة تعني تسلم لك الرسالة كاملة كما تسلم لك (الفيلا) بالمفتاح جاهزة. ولهذا عندما أشرف على رسالة أطلب من الطالب الجلوس معي بصفة مستمرة لمناقشته وعندئذ أفرق بين الجاد والمتلاعب. بل بعض الطلبة عندما يكتشف جدية المشرف يطالب الجامعة بتغيير المشرف وللأسف تتم الموافقة على طلبه. لذا لا غرابة أن تعاني مخرجات تعليمنا الجامعي من الضعف في مجال البحث العلمي.

وعقب د. حميد الشايجي بأن هذا هو جوهر المشكلة؛ فبعد أن يتخرج هذا الطالب الذي اشترى رسالته يبدأ يطالب بأحقيته في التوظيف كعضو هيئة تدريس و يؤلب المجتمع على الجامعات أن رفضت تعيينه.

وأضاف د. عبدالرحمن الهدلق قضية جامعة تلفت الانتباه في التعليم الجامعي وهي متعلقة بنظام الانتساب، حيث يرى أن أعدادهم بالآلاف في عدد من الجامعات. نظامه أن يسجل الطالب وفي نهاية الفصل يأتي الطالب أو الطالبة لاختبارات خاصة بهم في فترة ما بعد العصر وفي مدارس التعليم العام. الكتب طبعاً لكل مادة عبارة عن مذكرات يتم الحصول عليها من مكتبات خدمات الطالب وهي عبارة عن ملخصات لا تتجاوز الأربعين صفحة ومرفق معها أسئلة وحلول اختبارات الأعوام الماضية وهي عبارة عن أسئلة موضوعية أي اختر الإجابة الصحيحة أو صح وخطأ. والطالب عادة يذاكر كل مادة صباح ذلك اليوم. ونسبة النجاح لهؤلاء المناسبين مرتفعة. وللعلم أغلب المنتسبين هم من موظفي الدولة ليترقوا بها وكذلك ممن لم يستطيعوا السير في التعليم الجامعي المنتظم. والسؤال الذي يطرح نفسه ما نوع المخرجات التي نتوقعها من هذا النظام التعليمي المبني على الانتساب؟

ومن وجهة نظر د. علي الحارثي فإنه يجد أن القضية أخذت منحى النقد المجحف لجامعاتنا وبصيغ العموم في مخرجاتها ومراكز أبحاثها وخدمة المجتمع وغيرها من الأهداف المعرفية ، ومعظم المشاركين في هذا المنتدى – منتدى أسبار – وفى هذه القضية هم من خرًيجي هذه الجامعات ، ومن خرًيجي التعليم العام والبعض أعضاء هيئة تدريس في هذه الجامعات وبمرتبة أستاذ وأستاذ مشارك …الخ ، وكأننا نقول ها نحن مخرجات هذه الجامعات نقداً للذات أو نحن استثناء وهبنا الله استثناء خارج إطار هذا العالم المريض . لم نجد من تحدث عن إيجابيات التعليم الجامعي لجامعاتنا ، وهو ما ينطبق على اكثر القضايا التي طُرحت في هذا المنتدى ، إلى درجة أن من يقرأ آراءنا ومداخلاتنا وطروحاتنا يجزم بأن الوطن ومؤسساته ومواطنيه في جرفٍ هارٍ من الدمار لا يضاهيه دمار الزلازل والبراكين وحروب داحس والغبراء . هل الطرح بهذا الأسلوب النقدي هو الذى سينقذ الوطن ومؤسساته ومواطنيه من هذه الصيرورة المحزنة ؟ هل أهداف ومهمة المنتدى وأعضائه فقط إبراز فشل الإدارة والإداريين والنعت بالفساد والجهل ونحن جزء منهم ؟ بَعضُنَا كان جزءاً من الإدارة وتقاعد وبعضنا لا زال وزيراً ومدير جامعة ووكيل ومدير عام وعضو مجلس شوري وعضو مجالس جامعات وشركات ..إلخ .ماذا فعلنا لتصحيح المسار السلبي الذي أسلفناه ؟ إننا أمام إشكالية تحتاج النظر إليها بموضوعية.

وعلق د. خالد الرديعان بأن ما تم الإشارة إليه هو نقد بهدف الإصلاح أما الإيجابيات فنحن لا ننكر وجودها.. وفي حال ترديدها أو التركيز عليها وترك ما سواها فإننا قد ندخل في خانة الردح. الجامعة مثل بقية الأجهزة الحكومية فيها فساد ومحسوبيات وهناك تقصير في أداء المهام المناطة بها رغم ضخامة ميزانياتها.. هناك هدر في بعض الموارد ولا تستغل بكفاءة عالية.

وأشار د.م. نصر الصحاف إلى أن ما نفعله ليس جلد للذات وإنما يقع تحت إطار النقد البناء والهادف. ومن غير اللائق أو المطلوب أن نكيل المدح وسرد الإيجابيات القليلة لمنظومة الجامعات مع تواضع منتجاتها !! فليس هكذا ترتقي الأمم !

وقالت د. منيرة الغدير: لفت انتباهي عنوان الورقة الرئيسة “الجامعات السعودية بين المطرقة والسندان” والذي انعكس على مسار النقاش كما لو كان بوصلة له إلى حد ما. أنا لا أتوقع غناء مديح الجامعات وأقدر كل المداخلات التي تم نقاشها بحماس وحرص  ولكن لفت انتباهي عدم تناول العناصر التي تشكل البنية التعليمية والإدارية والبحثية والتي على أساسها اتفق البعض (وأنا منهم) على استقلال الجامعات؛ قبول استقلالية الجامعات بحد ذاته يثير أسئلة عن البنية التعليمية والإدارية والتي تم الإشارة إلى أن فيها الكثير من التعثر والإخفاق في إعداد الطالب/ة والباحث والخدمة المهنية والمجتمعية بالإضافة إلى التعثر الإداري والمالي. فكيف للجامعة أن تستقل بناء على هذه الإشكاليات والتحديات؟ يبدو أن الحلم الطوباوي يسوق(نا) لتخيل جامعة لا تعكس إخفاق منظومة التعليم بدءا من رياض الأطفال وحتى بوابة الحرم الجامعي، وألا تكون، موسومة بثقافة وسياسة المجتمع التي هي نتاجه أو أحد مخرجاته، إن صح التعبير.

هل بالإمكان التركيز على ما يجعل الجامعة أن تكون مستقلة مالياً وإدارياً؟ وماهي التوصيات الواقعية ذات البعد الاستراتيجي لجعل ذلك ممكناً؟ الإشادة  بنجاح جامعة الملك سعود في الوقف تجربة مهمة بالإمكان الاستفادة منها والبناء عليها و وتطويرها. فلو كانت استقلالية الجامعات هي الإطار للتحول المستقبلي سيسهل إيضاح وتنسيق التوصيات  انطلاقا من الطرح العميق في الورقة الرئيسة والمداخلات المحللة له.

النقطة الثانية هي البحث العلمي والنشر في الدوريات العالمية المحكمة. ولقد تناولت المداخلات التحديات التي تواجه الجامعات والباحثين. ولاحظت عدم وجود الإطار العملي أو بالتحديد (Activity Theory ) والذي ناقشته كتب متعددة وهذا الإطار يربط الإدارة/المختبر/المكتبة والأستاذ والطالب والمجتمع مع بعضها لتصب كل الجهود في مسار البحث ودعم دورته، إن صح التعبير، بدلاً من العمل في جزر منفصلة لا تدري عما يدور حولها. وهناك نماذج ناجحة في ربط كل هذه الأنشطة مع بعضها في الجامعات البحثية المعروفة.

النقطة الأخيرة التي أود أن أشير إليها والتي تميز نجاح الجامعات في أمريكا وأوروبا هي بسيطة للغاية وصعبة التنفيذ لدينا: الثقة بالأستاذ. عندما لا يمنح الأستاذ الجامعي /الباحث الأكاديمي الثقة فإن كل شيء سيهتز في المنظومة التعليمية والبحثية. لقد كشف النقاش بشكل غير مباشر عن معاناة الأستاذ الجامعي وعدم منحه الثقة والدعم لكي يبدع وينتج.

  • مقترحات تطوير الجامعات من أجل نقلة نوعية

يرى أ. عبدالرزاق الفيفي أننا نحتاج لمشروع وطني لإعادة صياغة منظومة التعليم والتربية بكل مراحلها ل٣٠ سنة القادمة بما يحقق للجيل شخصية ذات اعتزاز و انتماء لهويتها وتمتلك أدوات التنافسية العالمية في المسارات الأربعة :

١- المناهج.

٢- المعلم.

٣- الطالب.

٤- النظم والقوانين التعليمية.

ولابد أن يشارك في هذا المشروع الوطني خبراء التعليم والتربية – وخبراء الموارد البشرية والتوظيف في القطاع الحكومي والخاص – وخبراء التنمية – وخبراء الموهبة والإبداع والابتكار – وأولياء الأمور – و الطلاب – والمعلمون ، ويعمل المشروع باستراتيجية الإحلال التدريجي على مدار ٥ سنوات.

ومن التوصيات المهمة أن يتبنى ولي الأمر تشكيل لجنة عليا للتعليم والتربية دائمة لرسم سياسات واستراتيجيات وخطط التعليم وتقييم الأداء للثلاثين سنة القادمة ( جيل قادم ) وفق الآتي :

  • رؤيتها: إعادة صياغة منظومة التعليم و التربية.
  • محاورها:
  • الرؤية الجديدة.
  • الإطارات والهوية والسياسات.
  • المخرجات المأمولة .
  • العمليات المطلوبة.
  • المدخلات المفترضة.
  • القوانين والنظم.
  • مراحل الانتقال والتدرج.
  • خطط تأهيل الكادر التعليمي والتربوي والإداري.
  • الرقابة والتقييم والجودة.
  • خطط الاستدامة البشرية و المالية.

                                                                                                                                                                                 أعضائها : 

  • الوزراء .
  • خبراء التعليم والتربية.
  • خبراء الموارد البشرية في الشركات المتنوعة .
  • خبراء شؤون التوظيف في القطاع الحكومي والخاص.
  • خبراء الموهبة والإبداع والابتكار .
  • خبراء القانون والتنظيم والتشريع.

وأشارت د. نوف الغامدي إلى أن رؤية 2030 تحمل مشروعا نهضوياً جباراً يشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وصناعية وتعليمية وترتكز على العنصر البشري الذي هو سرُ تميزها ونجاحها ولا يتأتى ذلك النجاح إلا من خلال الجامعات التي يعول عليها أن تصنع جيلاً يستشرف المستقبل.

والواقع أن أكثر من نصف السعوديين تقل أعمارهم عن (25) عاماً وهذه ميزة يجب استثمارها من خلال التعليم العالي. ويضم هيكل التعليم العالي في بلادنا (38) جامعة حكومية وأهلية منها (28) جامعة حكومية و(10) جامعات أهلية.. إلى جانب عشرات الكليات الأهلية.. ويستوعب التعليم العالي نحو 90 في المائة من خريجي وخريجات المدارس الثانوية.

ولعل من المعروف أن هناك فجوة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل أشير لها بوضوح في رؤية المملكة 2030. ولذلك جاء من ضمن أهداف رؤية المملكة 2030 الخاصة بالتعليم التالي: «سد الفجوة بين التعليم ومتطلبات سوق العمل». وجاء من أهدافها أيضا: «توجيه الطلاب نحو الخيارات الوظيفية والمهنية المناسبة».. وهذا توجه يؤكد ضرورة ربط برامج التعليم الجامعية بالوظائف المتاحة في سوق العمل وفق الاحتياجات المتغيرة. بل ذهبت الرؤية الوطنية إلى أبعد من هذا حين استهدفت تطوير المعايير الوظيفية الخاصة بكل مسار تعليمي. وهو ما يقود إلى ربط وثيق بين البرنامج التعليمي للطالب وبين وظيفته المستقبلية عقب تخرجه.

وحيث أن الرؤية الوطنية وضعت هدف خفض معدل البطالة من 11.6 في المائة إلى 7 في المائة، إضافة إلى إنشاء (هيئة توليد الوظائف) بهدف العمل على تحقيق هذا الهدف.. فإن للجامعات دوراً كبيراً منتظراً في هذا الصدد، وذلك من خلال تخريج كفاءات وطنية مؤهلة ومتخصصة في تخصصات يحتاج إليها سوق العمل.. وليس تخريج خريجين في تخصصات لا يحتاج إليها سوق العمل وبالتالي ينضمون إلى قوائم العاطلين ويرفعون نسب البطالة.

ويتطلب ذلك تحولاً هيكلياً في التخصصات الجامعية.. حيث أن هناك تخصصات جامعية لها حاجة ماسة في سوق العمل في وقت لا تلقى قدراً كافياً من الاهتمام الجامعي.. وما زالت التخصصات النظرية تحتل مساحة واسعة في ميدان التعليم الجامعي.. في وقت تظل هذه التخصصات في معظمها بعيدة عن احتياجات سوق العمل.

ريادة الأعمال والجامعات أيضا محور مهم؛ فهناك دور مهم منتظر للجامعات في مجال ريادة الأعمال والابتكار.. ولهذا الجانب أهمية مستقبلية أكبر.. ولهذا ركزت عليه الرؤية الوطنية حيث جاء فيها ما نصه: «سنركز على الابتكار في التقنيات المتطورة وريادة الأعمال».

وحددت الرؤية هدف رفع مساهمة المنشآت المتوسطة والصغيرة من إجمالي الناتج الوطني من 20 إلى 35 في المائة. ولريادة الأعمال دور مهم في توليد وظائف وأعمال وخفض معدلات البطالة، ومن المعروف أنه مهما توافرت وظائف في أجهزة الدولة وفي القطاع الخاص فإنها لا تكفي الأعداد المتزايدة من الخريجين الجامعيين.

ولهذا يتوجب على الجامعات السعي لتبني مبادرات علمية متطورة في مجالات ريادة الأعمال وصقل مواهب الابتكار لدى الطلاب والطالبات وتطوير منتجاتهم وأفكارهم الإبداعية وترسيخ ثقافة العمل الحر في المجتمع، ومن المؤسف والمستغرب أنه لا يوجد في جامعاتنا حالياً أي برنامج دراسات عليا في مجال ريادة الأعمال ولا على مستوى البكالوريوس .

من الموضوعات المهمة أيضا ( إيجاد مصادر دخل متجددة ) للجامعات (رفع كفاءة الإنفاق). على جامعاتنا أن تكون نموذجاً في هذا المنحى.. وذلك ليس من خلال «التقتير» في الإنفاق..! وإنما من خلال التحول إلى (جامعات منتجة).. وهذا توجه عالمي.. بمعنى أن تقوم الجامعات بتوفير مصادر للتمويل الذاتي.. عبر تقديم منتجات تعليمية.. مثل البرامج التعليمية والتدريبية المختلفة وعلى مختلف المستويات.. سواء كانت برامج دراسات عليا أو برامج الدبلومات المختلفة.. وذلك في تخصصات يحتاجها سوق العمل.. ولكن بعيداً عن برامج الانتساب.. التي لا تقدم تعليماً جامعياً.. وهي معوق كبير أمام جهود الحصول على الاعتمادات الدولية، حيث ترفض هيئات الاعتماد الاعتراف بمثل هذه البرامج، التي ينبغي إيقافها.

وأيضا من موارد التمويل تفعيل مراكز البحث العلمي للجامعات وبناء شراكات مع القطاع الخاص.. وتقديم الاستشارات المختلفة للقطاعات العامة الحكومية والخاصة الأهلية. وقد تكون جامعة حائل نموذج مهم لهذا التنوع فهي تملك معهد تدريب خاص بها وفندق والآن تعمل على إنشاء صروح داخل الحرم الجامعي لتجد مصادر دخل متنوعة، وكذلك الأوقاف لها دور مهم … تنفيذ مشروعات الأوقاف التي تدر دخلاً مالياً جيداً يساهم في تمكينها من تمويل ميزانيتها وتمويل برامجها التعليمية وأبحاثها العلمية، وذلك من خلال استثمار توافر المساحات الواسعة التي حظيت بها جميع جامعاتنا من الدولة، وتشمل مشروعات الأوقاف تشييد فنادق وأبراج سكنية ومراكز تجارية وغيرها.. ويمكن تنفيذ هذه المشروعات بالتعاون مع القطاع الخاص من خلال  الـBOT بحيث يقوم القطاع الخاص ببناء هذه المشروعات واستثمارها سنوات معينة ثم تعود ملكيتها للجامعات.

وأخيراً : الاهتمام بمد جسور التعاون مع الجامعات السعودية فيما بينها ومع الجامعات العالمية كـ Benchmark ، وكذلك الاهتمام بالترجمة وتفعيل دورها خصوصاً الكتب والأبحاث، والتركيز على عقد المؤتمرات العلمية في كافة التخصصات.

وذكر د. خالد الرديعان أن استقلال الجامعات مطلب مهم وضروري لانتشالها من الترهل والفساد على أن يكون لها مجلس أعلى مستقل في قراراته يديره نخبة من الأكاديميين الضليعين من مختلف التخصصات بحيث يكون لكل تخصص ممثل في هذا المجلس يغني عن وزارة التعليم  ويضطلع بمهمة تحديد الميزانية المناسبة لكل جامعة شريطة أن تربط مخصصات الميزانية بمعايير الإنجاز والنشر وبراءات الاختراع وخدمة المجتمع المحلي.

ولأن ما سيقدم من مبالغ للجامعات قد لا تكون كافية فإنه يلزم الاعتناء بالوقف الجامعي ومصادر التمويل الذاتي بحيث تقوم كل جامعة بإنشاء ريع خاص بها يُدار بعقلية القطاع الخاص وربما بالشراكة مع رجال أعمال للحد من أي فساد أو سوء تصرف.

كما يترتب على استقلال الجامعات عدم التشبث بالسعودة في الوظائف الأكاديمية بشرط أن من يتم استقطابهم من الوافدين يجب أن يأتوا من جامعات مرموقة ومشهود لها بدلا من جامعات مغمورة. أما السعوديين فيتم ابتعاث المعيدين لجامعات قوية مع تنويع دول الابتعاث شرقا وغربا وعدم الاقتصار على جامعات الغرب وذلك في بعض التخصصات. دول مثل الهند والصين واليابان وكوريا وتركيا وماليزيا وجنوب إفريقيا تعد جامعاتها متقدمة في بعض التخصصات العلمية والإنسانية وبالتالي يلزم أن لا نتجاهل تجاربهم في هذا الميدان والإفادة منها من خلال ابتعاث المعيدين لها مع وضع شروط صارمة في اختيار المعيدين بعيدة عن الحسابات الشخصية والمحسوبيات.

استقلال الجامعات سيترتب عليه كذلك التفكير مليا بمكافأة الطلاب بحيث يتم ربطها بإنجاز الطالب أو الطالبة ويتم إيقافها عندما يتبين عدم جدية الطالب.

استقلال الجامعات هو مفتاح نجاحها.. وذلك للخروج من رتابة الروتين الحكومي على أن يكون تدخل الحكومة بها محدودا للغاية وبغرض الرقابة لتعزيز الشفافية. صحيح أن الحكومة تدفع للجامعات لكن خلق مصادر تمويل ذاتية لكل جامعة سوف يجعلها تستغني عن التمويل الحكومي شيئا فشيئا.

إن استقلال الجامعات سيمكنها من عقد شراكات مباشرة مع القطاع الخاص وبذلك تتخلص من البيروقراطية الحكومية التي تكبلها.. هذا الأمر سوف ينعكس إيجابا على تقدم البحوث التطبيقية وتمويلها من قبل القطاع الخاص ومن ثم ربط البحوث بالسوق لكي لا تكون دراسات نظرية توضع على الرفوف.

ولأننا في مرحلة تحول اقتصادي فإنه يلزم فتح القبول الجامعي أمام غير السعوديين من أبناء وبنات الوافدين واستقطابهم على أن يدفعوا رسوم مناسبة، كما يمكن استقطاب طلاب وطالبات من الخارج للدراسة عندنا وبرسوم أعلى قليلا على أن يوفر لهم سكن كما تفعل الجامعات الجامعة.

الجامعات السعودية هي وللإنصاف جيدة فيما يخص البنية التحتية والتجهيزات والمرافق، لكن ينقصها الاستقلالية وحرية البحث وربط مخرجاتها البحثية بحاجة المجتمع. الصورة ليست كلها سوداء. وكمثال فإن جامعة الملك سعود طبقت فكرة الوقف وهناك الكثير من المباني التجارية التي تم إنشاءها لهذا الغرض قرب الجامعة وعلى أراضيها بعضها لم يكتمل بعد. مع ذلك لا يمكن الحكم على هذه التجربة قبل إنجاز كل شيء للحكم على نجاعة الوقف كمصدر دخل ثابت للجامعة. وتم بهذا الخصوص إنشاء فندق وبرج تم تأجيره على ديوان المظالم وهناك مجمع تجاري ضخم شارف على الانتهاء يشمل مركز تسوق ومكاتب. وهناك صندوق في الجامعة يسمى صندوق الطالب بحيث يتم اقتطاع مبلغ عشرة ريالات من مكافأة الطالب كل شهر توجه للصندوق لتنفيذ مشاريع تجارية.

القصد من ذلك أن الجامعات تستطيع تدبير موارد خاصة بها عندما تفلت من بيروقراطية العمل الحكومي، بشرط الشفافية ورقابة الأموال للحد من تسلل الفساد الذي غالبا ما يجد طريقه في الأجهزة الحكومية. تستطيع الجامعات كذلك عمل أموال من خلال ما ذكرت د. نوف بعمل منتجات تعليمية ومن ذلك الدورات التدريبية، وقطاع النشر (دار نشر كبرى) والاستشارات. أيضا مدارس خاصة لجميع المستويات دون الجامعة، و رياض أطفال، و ملاعب رياضية، وصالات عرض، ومسارح الخ.

وأخيرا من المهم للغاية فتح جميع التخصصات أمام الطالبات وعدم تقييدهن بتخصصات نظرية أو القول أن بعض التخصصات لا تناسب المرأة.. هذه المقولة يجب أن نتخلص منها تماما.

ويرى د. عبد الله بن صالح الحمود أنه ولتطوير العملية التعليمية الأكاديمية ولبلوغ أفق المعلومة لدى الطلبة لابد أن يكون التعليم الجامعي وتقييم الطالب مستندين على محاضرات مواكبة لتطورات العصر، تركز على الأسس النظرية الأساسية، وتفعيل تدريس الجزء العملي بشكل عملي يقوم به الطالب عمليا بنفسه ، ويعتمد كذلك على كتابة التقارير المعملية التي تساعد الطالب على التفكير والتحليل والاستنتاج ، كما أن الدور المنوط بالأستاذ الجامعي يفترض أن يتحول من دور الملقّن ، إلى دور الشريك مع الطالب في إنجاح العملية الأكاديمية. ولاشك كذلك أن استقلالية الجامعات ، ومنحها صلاحيات أكبر، هو منهج يعطي للجامعات مكانتها الأساسية، ويمنحها ثقة مجتمعية حتى تسهم في خدمة المجتمع .

ويرى أ. جمال ملائكة أن فرض نسبة للسعودة في الجامعات خاصة كارثة كبري. المفروض حسب المؤهل و الخبرة و “القدرات” الخ. وأيد م. حسام بحيري ذلك حيث يرى أن المؤهلات والخبرات أهم من السعودة.

وذكر د. خالد بن دهيش أنه في عام ١٤٢٤ هـ كان عضواً في لجنة إعادة هيكلة التعليم في المملكة ترتبط باللجنة الوزارية لإعادة هيكلة قطاعات الدولة برئاسة الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه الله ، خرجنا بالعديد من التوصيات نفذت غالبيتها وكان منها منح الجامعات الثمان في ذلك الوقت استقلالية شبه كاملة لتلك الجامعات ، بعد دراسة مقارنة عن واقع الجامعات في مجموعة من دول العالم وقد أعترض على تلك التوصية ممثل وزارة التعليم العالي. و بعد ١٤ عام  ، وبعد أن أصبح عددها ٢٨ جامعة في عامنا هذا لا يزال الوضع كما هو بالرغم من أن هناك تصريحات من الوزير السابق والحالي للتعليم بوجود دراسة لاستقلالية الجامعات. الاستقلالية ستحصل للجامعات لا محال. وقد كان من ضمن توصيات اللجنة ( المذكورة أعلاه ) إنشاء المجلس الأعلى للتعليم بديل عن اللجنة العليا لسياسة التعليم و مجلس الجامعات والتعليم العالي ، ولم يباشر المجلس أعماله وألغي العام الماضي.

وقال د. مساعد المحيا: الأهم هو أن لا يتحول دور الجامعة إلى أن تصبح بيئة تخريج لموظفين وفقا لاحتياجات القطاع الخاص؛ فأهداف التعليم الجامعي لا ينبغي أن تكون مصنعا لتخريج الموظفين فقط  للقطاع الخاص؛ إذ وظيفتها الأساسية أهم وأسمى فهي تعمل لتقديم المعرفة المتخصصة والقيام بالبحوث وخدمة المجتمع…وهي الوظائف الثلاث الرئيسة للجامعات.

صحيح أن الجامعات جزء من المجتمع وهي ينبغي أن تشاركه حاضره ومستقبله لكن ذلك لا يعني أن تكون أداة للقطاع الخاص ليختزل دورها. وأخال أن أي مجتمع سيسلم الجامعات للقطاع الخاص ليغير تخصصاتها ومناهجها سيقضي على هذه الجامعات لأنها ينبغي أن لا تكون أداة في يد شركات تتغير طبيعتها وخدماتها ومنتجاتها وبالتالي لا ينبغي ربط مخرجاتها بسوق العمل. فالجامعات يمكن أن تسهم في محاولة معرفة الحلول للقضاء على البطالة وفقا لدراسات علمية تحاول النظر للمشكلة من كل أطرافها وجوانبها وليس فقط النظر لنتيجة محددة سلفا في ذهن التاجر أو مالك المصنع غايتها إعادة صياغة برامج وخطط وأقسام الجامعات لتلبي رغبات سوق العمل؛ لأنها بهذا العمل ستقلل من مستوى جودتها إذ ستصبح وكأنها معاهد تدريب لشركات في السوق؛ فمشكلة البطالة يمكن أن تتفاعل معها عدد من أقسام الجامعات وتقدم رؤيتها للمشكلة على نحو عام لكن لا ينبغي أن تلغي تخصصاتها أو أن تتوقف عن تقديم المعرفة المتخصصة لمن يريد بعيدا عن هموم التوظيف وشجونها.

جانب آخر يتعلق بأهمية مستوى الكفاءة العلمية في إدارة الجامعات وكلياتها وأقسامها، إذ هذا من أهم أدوات الحصول على جودة حقيقية ومميزة، فحين تنخفض جودة معايير اختيار المسؤول فإن الجامعات ستقع في بؤرة الشللية أو البحث عن شخصيات تقوم بالعمل بأي كفاءة كانت. والذي أراه أن جامعاتنا تحتاج لمعايير يتم اختيار المسؤولين في ضوئها وأن يكون هناك لجان ومجالس علمية هي التي تقرر اختيار الكفاءة المناسبة، وأن يعود النظام الانتخابي لتقرر الأقسام رئيسها والكليات عميدها والجامعات مديرها.

وقال د. سعد الشهراني: إذا انطلقنا من حقيقة أن العمل جزء من الوجود و الكرامة الإنسانية و من أن كل إنسان سوي سليم الصحة لا بد أن يكون عاملا في عمر العمل مهما كانت خلفيته سواء تخرج من جامعة أو لم يتخرج ؛ فلابد أن نقبل بحقيقة التلازم بين الجامعة و سوق العمل و أن ذلك هو الأصل و ما عداه استثناء و قد لا يكون لهذا الاستثناء وجود أصلا، عندما يلتحق الشاب بالجامعة فهو لا يدرس للعلم فقط بل ليعمل و يجني دخلا بعد ذلك.

أتفهم ألا نطوع البرامج العلمية الأكاديمية للمتطلبات المهارية للشركات و القطاع الخاص مع أن كثيرا من هذه المهارات و خصوصا المهارات الفكرية و العقلية هي منتج أصيل و مهم من منتجات التعليم الجامعي، و فوق ذلك فإن الوظيفية الأخرى: خدمة المجتمع و البحث العلمي مرتبطتان بسوق العمل أو يجب أن تكون أفضل كذلك بدرجة أو بأخرى.

آن لجدلية التعليم العالي و سوق العمل البيانية أن تنتهي، لا ننسى أيضا أن هناك تعليما عاليا مهنيا و تعليما عاليا متخصصا ( كليات المجتمع و الكليات المهنية و العسكرية ). نحن الأكاديميون و فوقيتنا ( الزائفة أحيانا ) ينبغي ألا تمنعنا من ترسيخ مبدأ أن مؤسسات التعليم العالي ستكون أقوى و ليس أضعف عندما يكون خريجوها أكثر و أسرع اندماجا و قبولا  في سوق العمل و أن ذلك لا يجب أن يكون على حساب جودة التعليم العالي و مخرجاته إطلاقا.

وفي نظر د. عبدالرحمن الهدلق فإن نظام الانتساب نظام غير مجدي وجودته ضعيفة جداً ؛ ولهذا فإن من الضروري دراسة مدى جدوى نظام الانتساب وإعادة النظر فيه إما بتثبيته أو تطويره أو إلغائه.

وأوضحت د. طلحة فدعق أن الجامعات السعودية لديها نوعين من التداخلات فيما يتعلق بإشكالية هويتها؛ هويتها كمؤسسة علمية بغض النظر عن التخصص حيث أصبحت محل جدل أثار تساؤلات عدة منها: هل الجامعة الآن مدرسة تلقينية أم منارة بحث علمي وإعداد جيل يتواكب مع متطلبات العصر؟ أزمتها في علاقتها بالمجتمع حيث حدثت قطيعة في تلك العلاقة فأصبحت بعيدة عن بحث وتداول وطرح ما يمس حياه المجتمع . ناهيك عن البعد الثقافي لها كمؤسسة تنويرية فكرية. من يدير هذا الصرح يفترض أن يكون كادر متمكن وليس إداري بحت يتعامل معها كمؤسسة عادية. الجامعة هي دولة بحد ذاتها بكل ما تحمله الكلمة من رمزيات.

وتوقفت د. طلحة فدعق عند النقطة المتعلقة بطلبة الدراسات العليا . باعتبار أن الإشكالية الآن التي تعاني منها أقسام الطالبات فيما يتعلق بمعيداتنا ومحاضراتنا أننا لن نستطيع إلزامهم بالابتعاث بعد صدور ذلك القرار الذي يمنع الأقسام من إجبارهم علي الابتعاث الخارجي ويترك حرية الاختيار للمعيدة والمحاضرة . فضلت الكثيرات منهن الدراسة في القسم ذاته إن كان لديه برنامج دراسات عليا أو في جامعة داخلية وقس علي ذلك مستوى الاستفادة التي ستعود بها لاحقا. طبعا كثير من الأقسام سهلت التحاقهم ببرامجها مع التساهل في إعطاء الدرجات لضمان نجاحهم. ذلك المعيد أو المحاضر سينهل من نفس الإناء الذي تشرب منه كطالب بكالوريوس. وأخيرا يعود بمستوي ضحل ليعيد إنتاج ما تعلمه. هل هذا ما تريده الجامعات ؟ هذه قضية ضمن قضايا تتعلق فقط بالمعيدين والمحاضرين خصوصا أقسام الطالبات.

وأوضح د. حميد الشايجي أن هذا الكلام صحيح؛ ولكن لابد من مراعاة ظروف بعض المعيدات والمحاضرات اللاتي ليس لديهن محرم لظرف ما، والنظام يصر على وجود المحرم، ولكن المفروض الاتي:

  • يجب أن تدرس الطالبة في جامعة أخرى غير جامعتها للتنويع والابتعاد عن المحسوبيات.
  • على الأقسام أن ترتقي بمستوى برامجها للدراسات العليا وتكون أكثر جديه وأن تكون خططها الدراسية حديثه وتواكب التغيرات على المستوى العالمي والمحلي.

ويعتقد أ. خالد الحارثي أن انفتاح المملكة على تحديات التحول نحو مجتمع المعرفة يسمح للجامعات خصوصا بعد إعلان الرؤية بتفعيل الوظيفة الأساسية للجامعات كي تملأ المساحة  الفارغة بين المجتمعات المحلية وبين الرؤية وبرامج التحول. إنها فرصة لدمج البحث العلمي بالشراكة المجتمعية حتى يمكن للأكاديمي تعويض فروق الدخل من وظيفة التدريس من خلال مخصصات أنشطة البحث العلمي والشراكة المجتمعية ، وتوجيه كلفة البحث العلمي لصالح قيمته بالنسبة للمجتمع.

وأضافت أ.د. سامية العمودي أنه وفي كل قضية نناقشها في منتدى أسبار أو خارجه نصل إلى عامل مشترك وهو الفكر الديني بشكل مباشر أو غير مباشرة؛ لذا فإنه ما لم نعالج هذا الفكر الذي انحرف مساره فنحن نعالج العرض لا المرض.

وعلق د. حميد الشايجي بأنه يلاحظ أن الفكر الديني أصبح الشماعة التي نعلق عليها كل أخطاءنا وتقصيرنا؛ من السهل جدا الهروب من المسئولية وتعليقها على شماعة معينة.

وبدورها عقبت أ.د. سامية العمودي بأن السبب يرجع لأن الفكر الديني يعني كمال الأخلاق وعندما تكتمل منظومة الأخلاق تتغير الحياة.

وفي تصور د. خالد الدخيل فإن العلاج الوحيد ليس معالجة الفكر الديني، فهذا غير ممكن وغير مجد. العلاج الوحيد هو فصله تماما عن العلم والبحث العلمي. المشكلة ليست في الفكر الديني بحد ذاته، وإنما في الخلط بينه وبين العلم ومنهج البحث العلمي.

وذكرت أ. ولاء نحاس أن الطالب يفخر بجامعته حينما:

  • توفر له علم متميز يصل بِه لمرتبه متميزة في العمل.
  • تكون جامعته إحدى أفضل الجامعات في العالم في مجالها.
  • يكون الالتحاق بها صعب لتميز العاملين عليها وانتقائية اختيار المنتسبين فيها من الطلاب وبالتالي يشعر بتميزه.
  • تقدم تخصصات متفردة .
  • لا تعتمد على الوساطات أو الغش أو زيادة الدرجات الغير مدروس أو النجاح على الحافة.

وترى د. الجازي الشبيكي أنه وإذا كانت التوقعات  المجتمعية من الجامعات كبيرة فيما مضى ، فهي في ظل التحولات والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية وما صاحبها من مشكلات وقضايا ومستجدات ، أكبر وأعظم في الوقت الحاضر ولم يعد مقبولاً من الجامعات تجاهل كل ذلك أو البطء في التعامل معه.

هناك حاجة  ماسة إلى السعي الجاد المُخطط المتكامل من قبل جميع جامعاتنا إلى التوظيف التطبيقي للأبحاث والدراسات العلمية للوفاء باحتياجات المجتمع الإنتاجية والخدمية ومعالجة قضاياه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الفكرية. لكن التساؤل هنا، على من تقع مسؤولية تلك المبادرات التكاملية التنسيقية بين جامعاتنا  في ظل ضعف دور وزارة التعليم  في هذا الجانب؟

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

)                   حسب الحروف الأبجدية (

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • م. أسامة كردي
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • أ. أسمهان الغامدي
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. جاسر الحربش
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حاتم المرزوقي
  • د. حامد الشراري
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • د. حميد الشايجي
  • د. حميد المزروع
  • أ. خالد الحارثي
  • د. خالد الدخيل
  • د. خالد الرديعان (رئيس لجنة التقارير)
  • م. خالد العثمان (رئيس اللجنة الإشرافية على ملتقى أسبار)
  • د. خالد بن دهيش
  • د. زياد الدريس
  • أ.د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سمير خميس
  • أ.د صدقة فاضل
  • د. طلحة فدعق
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالرحمن الهدلق
  • أ. عبدالرزاق الفيفي
  • د. عبدالسلام الوايل
  • د. عبدالله العساف
  • أ. عبدالله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • أ. عبدالله بن كدسه
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • أ. عبد المحسن القباني
  • د. عبيد سعد العبدلي
  • اللواء د. علي الحارثي
  • د. علي الحكمي
  • أ. علياء البازعي
  • أ. فاطمة الشريف
  • د. فايز الشهري
  • د. فهد الحارثي
  • أ.د. فوزية البكر
  • أ. ليلى الشهراني
  • أ. محمد بن فهد العمران
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • د. منيرة الغدير
  • د. منصور المطيري
  • د. ناصر القعود
  • د.م. نصر الصحاف
  • د. نوف الغامدي
  • أ. هادي العلياني
  • أ. هيا السهلي
  • أ. ولاء نحاس
  • د. وفاء الرشيد
  • د. ياسر البلوي
  • أ. يوسف الكويليت

(*) – المصدر: بيتر فارب (١٩٨٣) : بنو الإنسان، ترجمة زهير الكرمي، الكويت: عالم المعرفة. ص ١٢-١٣.

(*) http://www.al-jazirah.com/2007/20070311/ar4.htm

لقراءة التقرير بصيغة PDF

قراءة 938 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 12 نيسان/أبريل 2017 06:07

أضف تعليق


كود امني
تحديث