الأخبار
الجمعة, 25 أيار 2018 13:07

ملتقى أسبار: التقرير الشهري رقم (38) لشهر مايو 2018

قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

غلاف تقرير شهري 38 مايو

 

مايو 2018

 

القضية الأولى:

الورقة الرئيسة: إجراءات التوطين الأخيرة في الميزان

  • ·الكاتب: أ. جمال ملائكة
  • ·المعقبان:
  • ·د. حميد المزرع
  • ·مها عقيل
  • ·إدار الحوار: د. عائشة الأحمدي

القضية الثانية:

الورقة الرئيسة: مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة

  • ·الكاتب: م. أسامة كردي
  • ·المعقبان:
  • ·د. زهير رضوان
  • ·م. خالد العثمان
  • ·إدارة الحوار: د. نوف الغامدي

القضية الثالثة:

الورقة الرئيسة: الجمعيات العلمية والمهنية ودورها في التنمية

  • ·الكاتب: د. رياض نجم
  • ·المعقبان:
  • ·د. ريم الفريان
  • ·م. سالم المري
  • ·مدير الحوار: أ. عبد الله الضويحي

القضية الرابعة:

الورقة الرئيسة: (القمة العربية الثقافية) المنتظرة، هل ستصنع فارقاً؟!

  • ·الكاتب : د. زياد الدريس
  • ·المعقبان :
  • ·د. مساعد المحيا
  • ·م. عبد السلام الوايل
  • ·مدير الحوار : أ. سمير خميس الزهراني

تمهيد

ناقش أعضاء ملتقى أسبار خلال شهر مايو 2018 م العديد من الموضوعات المهمة، والتي تمَّ طرحُها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • إجراءات التوطين الأخيرة في الميزان
  • مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة
  • الجمعيات العلمية والمهنية ودورها في التنمية
  • (القمة العربية الثقافية) المنتظرة، هل ستصنع فارقاً؟!

القضية الأولى

الورقة الرئيسة

إجراءات التوطين الأخيرة في الميزان

¤      الكاتب: أ. جمال ملائكة.

مقدمة:

إن من أهداف رؤية المملكة 2030م تخفيض البطالة إلى 7%، وهو ما أكَّده سمو ولي العهد من أن الرؤية ستوفِّر بيئة العمل المناسبة للمواطن السعودي، والمملكة تخطِّط لبناء مؤسسات، وشركات عملاقة بالتعاون مع القطاع الخاص، والاستثمار في شباب وشابات الوطن، وتدريبهم وتأهيلهم لدعم احتياجات السوق السعودي. يتم ذلك بالتزامن مع الخطة الاستراتيجية التي وضعتها الدولة لتوطين الوظائف في جميع أنحاء المملكة، وهناك تصحيح حقيقي لوضع سوق العمل السعودي، من خلال الإجراءات التي تؤكِّد أن المملكة مقبلة على توطين كثير من الوظائف لخدمة شباب وشابات الوطن، وتقليص حجم البطالة في المملكة، ووزارة العمل تقوم بتنفيذ هذه التوجهات، فهناك إغلاق وإلغاء يجري للعديد من المهن، واقتصارها على السعودي؛ لذا كانت قضية التوطين من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها الأستاذ/ جمال ملائكة، وناقش فيها إجراءات التوطين في الميزان. وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة، وجرت حولها مداخلات عديدة، ناقشت أكثر المهن حاجة إلى التوطين، وعلاقة التوطين بـــ (قضية الوافدين - مخرجات التعليم – التدريب المهني – المؤهلات المهنية والفنية – المسار المهني – عوائق قبول الوظائف المهنية)، أيضًا تطرقت المداخلات لمشاكل توطين الوظائف وإشكاليات إجراءات التوطين. وكذلك تمَّ استعراض تجارب وإجراءات مهمة لتحقيق التوطين، وسياسات وإجراءات التوطين. وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديد من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها الأستاذ/ جمال ملائكة، وعقَّب عليها الدكتور/ حميد المزروع، والأستاذة/ مها عقيل.

كتب الأستاذ/ جمال ملائكة في ورقته الرئيسة عن (إجراءات التوطين الأخيرة في الميزان):

يعتبر موضوع التوطين هو من أشدِّ المواضيع صعوبةً؛ لأسباب عديدة ومعقدة، منها-على سبيل المثال وليس الحصر-:

1. عدم مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل.

2. انخفاض تكلفة العمالة الوافدة مقارنة بالمواطن.

3. ضعف إنتاجية المواطن مقارنة بالوافد.

4. عدم استعداد القطاع الخاص لتدريب المواطنين.

5. التوسُّع الكبير والمشوب بالفساد لاستخراج التأشيرات، حيث أصبحت هذه مهنة وصنعة، ومصدر أموال للفاسدين.

6. الخطأ الكبير بالتوسع في أعداد المقبولين في الجامعات، بالرغم من ضعف مستواهم العلمي، وكان من المفترض إنشاء معاهد للتدريب المهني على بعض الأعمال، مثل: (المحاسبة، والتأمين، والأعمال المكتبية...وغيرها)، تكون مدة الدراسة بها سنتين.

إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن الدولة حاولت سابقًا حل هذه المعضلة، ولم تنجح محاولاتها في توطين الوظائف؛ مثل ما قامت به الدولة من فرض نسب محددة للمواطنين في المنشآت، وقصر بعض المهن على السعوديين، وبرنامج نطاقات... إلخ. وفي الآونة الأخيرة قامت الدولة مؤخرًا بالتالي:

1. فَرْض رسوم تصاعدية على الوافد.

2. فَرْض رسوم على تابعي الوافد.

3. توسيع عدد المهن القاصرة على المواطن، والتي وصلت إلى اثنتي عشرة مهنة.

4. تشجيع توظيف المرأة.

5. السماح للمرأة بقيادة السيارات؛ مما يسمح لها بالذهاب للعمل، وتقليل تكلفة التنقل بالنسبة لها.

6. التوسُّع في الترخيص للشركات الأجنبية للعمل في المملكة، بتملك 100٪‏ من رأس المال.

ويُلاحظ أن بعض هذه الإجراءات قد أثرت على القطاع الخاص وبالتالي الاستثمار، وأغلقت العديد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوازى ذلك مع هبوط قطاع العقار، وهبوط مداخيل النفط، وغيرها من المؤثرات، وهو ما أدَّى إلى أن تعاني المملكة من انكماش اقتصادي عام 2017. وعلى الرغم من ذلك أرى أن قرارات الدولة هذه تُعدُّ إجراءات حاسمة وصارمة، وستؤدي- إن عاجلًا أو آجلًا- إلى توطين الكثير من الوظائف، خاصة قطاع التجزئة ذا الأعداد الهائلة.

إلا أنه ينبغي التعاون بين الدولة والقطاع الخاص في:

ا- تدريب وتأهيل المواطن لشغل هذه المهن.

ب-الوصول إلى حد مقبول للرواتب حسب كل قطاع، وعلى القطاع الخاص مشاركة جزء من أرباحه مع المواطن عن طريق رواتب معقولة.

ج-تحديد ساعات ملائمة للعمل، فمن غير المعقول أن تقفل المحال أبوابها في وقت متأخر، وهو ما يؤثر على حياة المواطن العائلية والشخصية.

د-تحديد ساعات العمل الأسبوعية إلى 5 أيام عمل؛ كون المواطن لديه التزامات أخرى خارج العمل.

وكان تعقيب الدكتور/ حميد المزروع على الورقة:

1. إن بناء ثقافة العمل تُغرس من المراحل السِنية المبكرة في المنزل ، حيث يجب أن يعلِّم الوالدان الأبناء تحمُّل بعض المسؤوليات المنزلية، والانضباط (discipline)، وكما هو معروف فإن عسف الخيول الصغيرة أسهل بكثير من الكبيرة.

2. تمهين بعض المقررات الدراسية للمراحل الدراسية المتوسطة؛ لتمكين الأبناء من اكتشاف ميولهم ومهاراتهم، وتأهيلهم على تحمُّل المسؤولية، وتقدير أهمية العمل والإنتاج. كما يُتوقع من نظام الجامعات الجديد أن يركِّز على متطلبات سوق العمل، عن طريق تكثيف المقررات العملية والتطبيقية.

3. أنظمة وزارة العمل والسعودة: كانت وما زالت أنظمة وزارة العمل، سواء المتصل منها بتوظيف السعوديين أو بالاستقدام، غير مفعلة بشكل جاد، وأضحت هذه الأنظمة عبر الوقت من أهم مهددات السعودة في القطاع الخاص، وآخرها نظام نطاقات الذي عزَّز بشكل ملحوظ من نسبة ارتفاع الوظائف الوهمية، وتدني نسبة الرواتب. وأقترحُ في هذا الخصوص، وفِي هذه المرحلة من الإصلاحات الهيكلية التي تشهدها المملكة على كافة الأصعدة، بأن تتابع وزارة العمل تطبيق وحراسة أنظمة السعودة بشكل منتظم، وليس بنظام الحملات الموسمية، وأن تُشجِّع الوزارة على قيام شركات مساهمة متخصصة في إدارة شؤون الموارد البشرية المستقدمة والمؤهلة من الخارج، يمكن مراقبتها وحوكمة إداراتها، والتدقيق على مؤهلات العمالة الوافدة، خاصة المهنية منها، على أن تُقدِّم هذه الشركات خدمات تأجير الأيدي العاملة بنظام العقود الداخلية للشركات والمؤسسات الصغيرة المحتاجة، وبذلك يتم التخلص من ظاهرة التستر وتجار الإقامات الذين أساءوا لاقتصاد وسمعة الدولة.

4. الهيئة العامة للعمالة الوطنية: إن تأسيس هيئة وطنية تقوم محل النقابات بالدول الأخرى يساعد بشكل كبير على حل المشاكل، ورعاية مصالح جميع الأطراف ذات العلاقة، فكلما كانت شركات القطاع الخاص قوية، ساهم ذلك من رفع قدراتها على النمو المتواصل، والتوسُّع والتوظيف، ويُفضل أن يتكون أعضاء هذه الهيئة بشكل متوازن من القطاع الخاص، وممثلين من المواطنين المشهود لهم بالصلاح والحكمة.

5. القطاع الخاص والأمان الوظيفي: هناك عدة أسباب تؤدي إلى عزوف الشباب عن العمل بالقطاع الخاص، أبرزها: عدم وجود سُلَّم وظيفي (مالي، إداري) لمعظم المؤسسات والشركات الصغيرة، وكذلك عدم وجود وصف وظيفي لطبيعة الأعمال، أو برامج لتطوير قدرات الموظفين، مثل الدورات التدريبية. وكذلك ضعف الرواتب، وطول ساعات العمل. بالإضافة إلى وجود بعض الأنظمة غير العادلة بوزارة العمل، التي تتيح لصاحب العمل فصل السعودي بشكل تعسفي دون تقديم أسباب مقنعة، (تحديدًا المادة رقم 77). ويُذكر أن هذه المادة استُخدمت بشكل خاص في المؤسسات التي كانت تُمارس السعودة الوهمية.

6. النساء والقطاع الخاص: من المؤشرات الإيجابية التي يمكن ملاحظتها في الآونة الأخيرة الارتفاع الملحوظ في نسبة سَعوَدَة محلات تجارة التجزئة بالموظفات السعوديات العصاميات، بنسبة تفوق الموظفين السعوديين.

7. هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة: تعدُّ هذه الهيئة الحديثة التأسيس إحدى المنصات الحيوية لانطلاق ورعاية الأعمال للأفراد والمؤسسات والجامعات، ويمكن أن تساهم في تسهيل ممارسة أنواع مختلفة من حيث الإدارة والتشغيل للأعمال؛ مما يدفع بدخول المزيد من المواطنين والمواطنات للعمل بالقطاع الخاص.

كما عقبًت الأستاذة/ مها عقيل على الورقة:

بأن تعقيبها على ما طُرح في هذه الورقة التي تتناول قضية برامج التوطين الحالية وما إذا كانت تدعم السعودة؟ أو أضرت بسياسة التوظيف؟ سيركز على نقطتين رئيستين: الأولى، نوعية الوظائف للتوطين. والثانية: تأثير برامج التوطين على الاقتصاد. وسأتحدث من واقع ملاحظتي للوضع، وحديثي مع بعض المختصين في مجال الموارد البشرية وأصحاب الأعمال.

نوعية الوظائف: يركز برنامج التوظيف الحالي على قطاع التجزئة، وخاصة نقاط البيع. وسؤالي: هل يوجد العدد الكافي من السعوديين المؤهلين والراغبين في العمل كبائعين في كل هذه المحلات من قطع غيار، وسجاد ومفروشات، وأواني منزلية... إلخ، وليس فقط في المولات؟ أعتقد: الجواب هو: لا، وبالتالي ستغلق الكثير من المحلات، وهو ما يحدث الآن.

خريجو الجامعات-سواء من الداخل أو العائدين من الخارج بشهادات بكالوريوس وماجستير في تخصصات مختلفة من إدارة، وتسويق، وهندسة، وتقنية معلومات، وأسنان، وإعلام، وفنون، وغيرها-يواجهون مشكلة حقيقية في التوظيف. لا يوجد وظائف تناسب شهاداتهم، والمتاح الآن هو محلات البيع. أو معظم الوظائف المتوفرة متركزة في الرياض، سواء في قطاع عام أو خاص. هناك سوء توزيع جغرافي للوظائف، وتكديس الوظائف في منطقة واحدة؛ مما سيشكل ضغطًا سكانيًّا وعبئًا على البنية التحتية، كما أنه لا يخدم النمو الاقتصادي في باقي المناطق.

وهذا يقودنا لنقطة أخرى في نوعية الوظائف، وهي الوظائف الإدارية والمتخصصة -المتوسطة والعليا -في القطاع الخاص، التي لا يزال فيها عدد كبير من الوافدين الذين يمكن إحلالهم بسعوديين؛ بشرط أن تكون هناك سياسة وفترة نقل للمعرفة والخبرة. الرسوم التي وُضعت على الموظفين الأجانب وأسرهم هي نوع من "التطفيش"، ولكنها ليست سياسة ناجحة للتوطين. فكثير من الشركات الكبرى تدفع هذه الرسوم نيابة عنهم؛ لأنها متمسكة بهم، لخبرتهم وأدائهم المهني العالي، ولأنه ليس لديها البديل السعودي الآن بنفس الكفاءة والجودة، وهو أمر بالطبع يؤثر على دخل هذه الشركات؛ مما اضطر بعضها لتقليص مجالات عملها. وكلها أمور تؤثر بدورها على النمو الاقتصادي، وحركة السوق.

التأثير على الاقتصاد: أعتقد الهدف من برنامج التوطين الحالي ليس السعودة، وإنما التخلص من العمالة الزائدة عن الحاجة، الموجودة في قطاع التجزئة، وخاصة العمالة غير الماهرة unskilled Labor، والتي تشكل عبئًا على البنية التحتية والخدمات العامة، بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية والأمنية. كما أن هذه البرامج ستقلص العدد الكبير من المحلات العشوائية، والتي تبيع بضائع رخيصة سيئة الجودة. وهذا جيد في حد ذاته.

ولكن في المقابل تسببت هذه البرامج في إغلاق الكثير من المحلات، وتضررت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ لعدم وجود سعوديين يرغبون في العمل في محلات البيع، أو غير مؤهلين، أو ليس لديهم خبرة، أو غير ملتزمين في عملهم ومهملين؛ مما سيجبر الكثير من أصحاب هذه المؤسسات على الوقوف بأنفسهم في المحلات أو إغلاقها، خاصة أن هناك رسومًا، وإجراءات وتعقيدات بيروقراطية ورقابية أخرى من الجهات الحكومية، تضيق على أصحاب الأعمال، ولا تسهل أعمالهم. هذه أشياء يجب حلها قبل فرض السعودة.

ويُلاحظ الآن كساد في الأسواق، وبطء في حركة البيع؛ مما سيؤثر على الاقتصاد والنمو. من جهة أخرى سيجبر هذا أيضًا مالكي الأسواق والعقارات على تخفيض الإيجارات، وهذا جيد في حد ذاته، ولكنه لن يحل مشكلة البطالة، وتوطين الوظائف.

أعتقد أن الحكومة ستعود مرة أخرى لفتح باب العمالة الأجنبية، ولكن يجب أن تكون مقننة، وحسب الحاجة الفعلية، وليس عشوائيًّا وبدون قيود أو نظام.

¤      المداخلات حول القضية:

إجراءات التوطين في الميزان:

ذهب د. محمد الملحم إلى أن السياسة المتبعة مع الوافدين ليست هي الأسلوب الأمثل لحل مشكلات متراكمة. كما أن فرض السعودي على الشركات دون تدريب وتهيئة يضرُّ بالقطاع الخاص، وبخاصة المؤسسات الصغيرة؛ مما يخلق أساليب التفاف متنوعة على النظام، ومع أنها قاسية ومكلفة جدًّا؛ لصرامة النظام، وتتبُّع المشرِّع لكل احتمالات تجنُّب التطبيق الفعلي، ومع ذلك فلا تزال هناك حالة من الكرِّ والفرِّ بين الطرفين.عندما تقف وزارة العمل ملوحة بسيف الأنظمة والتنظيمات المتسارعة والقاسية لحل مشكلة وزارة أخرى لم تتمكن من القبض على المتلاعبين؛ تحدث هذه الظاهرة الغريبة في ملاحقة صغار المستثمرين.

-أنا لا أبدي اعتراضي على التوطين، فهو مطلب وطني وطموح لصالح أبنائنا.

-ولكن الطريقة القائمة في التعامل مع القضية غير مناسبة.

-وأشار د. راشد العبد الكريم إلى أن هناك شريحتين تَقبَّلتا هذه الإجراءات بترحيب: العاطلون، والتجار النظاميون غير المتسترين.

-مشكلة هذه الإجراءات أنها تحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها، وقد يصاحبها أو يتلوها شيء من الصعوبات والعقبات، فالمراحل الانتقالية - خاصة الحازمة والحاسمة - صعبة، ولا بد فيها من تضحيات، ولا تخلو من أخطاء.

وأرى أن هذه الإجراءات حتى تكون فعالة لابد أن يصاحبها عمل فعلي لتهيئة الشباب لاقتناص الفرص المتولدة عن هذه الإجراءات، مثل: فتح برامج قصيرة للتهيئة أو إعادة التأهيل. وأظنُّ أن تأهيل الجامعات ليس عائقًا، فغالب الأيدي العاملة ليست في تخصصها الجامعي. وكذلك تحتاج تكييف بيئة العمل - بقدر الإمكان - لتتناسب مع أحوال معظم طالبي العمل. كما لا بد من إيجاد نموذج فاعل efficientللوظيفة في القطاع الخاص السعودي. بالإضافة إلى أهمية التوعية (للمواطنين، والمقيمين) بأن هذا شأن وطني اقتصادي، لا علاقة له بالعنصرية أو العداء للآخر.

من جانبها ترى أ. فايزة الحربي أن خطوات خطة التوطين في غالبها إيجابية، وتخدم المواطن بشكل مباشر، وهذا ما لمسناه منذ بدايات التوطين، التي حملت مساحات وظيفية أكبر للشباب، لكن أرى وجود إشكالية في غياب الوافد بشكل مفاجئ، وسرعة حمل متاعه، وبالأخص في الأعمال المهنية الأقل؛ كون المواطن يحتاج وقتًا كبيرًا لممارسة هذه المهن كمهنة له، ومصدر رزق.

وأرى بنظرة ناقدة وجوب الوقوف قليلًا لوضع خطة مرنة، وبعض الآليات للتخفيف من حدة هذه المشكلة التي قد تواجه المجتمع بندرة العاملين في هذه المهن، وارتفاع أجورهم حدَّ اللامعقول، على سبيل المثال: يمكن تقليص الرسوم على العاملين في مثل هذه المهن، أو إيقاف تصاعد الرسوم عليهم، أو إعفاؤهم رغبةً في استمرارية بقائهم. ويمكن تحديد الرسوم على أعمال محددة يمتهنها الوافدون وزيادتها سنويًّا، وبالتالي يتم الأمر بشكل تدريجي ليستوعب المواطن الوضع، ويحاول مواجهة الواقع الجديد، سواء التدريب على بعض الأعمال البسيطة؛ كالكهرباء والسباكة، أو استيعاب إمكانية ممارستها كعمل ومهنة، وهذا يتطلب وقتًا ليس بالقصير، خصوصًا امتهانها كعمل.

أضاف أ. محمد الدندني أن الوافدين المغادرين من المصاحبين لأهلهم أعدادهم لا يُستهان بها، وهم مَنْ يُستفاد منهم كقوة شرائية كبيرة، يستتبع ذلك أنَّ مَنْ سيبقى من الوافدين لن يكون استهلاكه كالسابق، حتى في السكن سيختلف الوضع.

عقَّب على ذلك أ. جمال ملائكة أن هذا استنتاج صحيح، ولكن من المفترض بعد "فترة" لا يمكن تحديدها أن المواطن الذي يجد عملًا مكان الوافد الذي سيرحل، سيُنفق أضعاف ما كان ينفقه الوافد.

التوطين والتعامل مع قضية الوافدين:

أشار أ. محمد الدندني إلى أنه نُوقش على جانب ندوات واجتماعات تحت مظلة غرفة الشرقية، وضمن لجنة المحتوى المحلي، مقترح أن يكون في كل بلد من البلدان التي نستقدم منها العمالة معهد ومركز center of excellenceيغطي أغلب التخصصات، وتكون مهمته التأكد من كفاءة القادم للعمل في السعوديه نظريًّا وعمليًّا. هذا المركز يهم الكثير من قطاعات الدولة، بالإضافة للقطاع الخاص. وبحكم اتساع الاقتصاد السعودي لن نستغني عن الأيدي العاملة الأجنبية، ولو وصلنا إلى معدل 0% بطالة؛ لذا يجب الحرص على الأجنبي والعربي الكفء.

بجانب الصبغة الفنية والعملية لهذا المركز ممكن أن يعرف القادم بقوانين العمل في السعودية، وماله من حقوق وما عليه من واجبات، مع التركيز على أخلاقيات العمل في الأمانة والإخلاص. يكون هذا المركز تحت إشراف السفارة في البلد المضيف، والشرط الأساسي ألا يعمل في هذا المركز أي مواطن من نفس البلد. يكون المركز طرفًا ثالثًا مع سعوديين مختصين ما أمكن. يوجد شركات عالمية مختصة في هذا العمل ومشهود لها عالميًّا، تكون مسؤولة عن إصدار شهادة موثقة بأهلية القادم.

هذا ما أكَّده د. حميد المزروع من أن المملكة، وإن كانت لا تستغني عن إخواننا العرب أو الأجانب، لكن ما تحتاجه المملكة حاليًّا نوعية مختلفة من أصحاب المهن والكفاءات التي تساهم في نقل المعرفة، وتعزِّز من الناتج المحلي المرتبط بالإنتاج والتصدير، وتدريب أبنائنا وبناتنا.

أكثر المهن حاجة إلى التوطين:

يرى د. خالد الرديعان أن أكثر المهن التي بحاجة إلى توطين-في تقديري- هي في قطاع البيع بالتجزئة، والعمل في المتاجر الكبيرة. هذه المهن فيها نسبة تستُّر عالية، وعدد كبير من العمالة الوافدة؛ ما يعني نزف مالي يصبُّ في بنوك دول أخرى. لو تأملنا هذه المهن لوجدناها-وبكل بساطة- لا تحتاج إلى تدريب مكثف، بل تحتاج إلى تدريب بسيط، ربما لعدة أيام. فمثلًا: مهنة البيع في المراكز التجارية والمولات الكبيرة في مدننا، فيها فرص كثيرة يُفترض توطينها وبسرعة، وبعناصر نسائية تحديدًا؛ بحكم أن أكثرية المترددين على هذه المراكز هنَّ الأمهات وأطفالهن، ومن ثَمَّ يزول تحفُّظ البعض حول عمل المرأة فيها. بالإضافة إلى توفُّر شروط الأمان، وساعات العمل المحددة في هذه المراكز، بعكس الوضع في المحلات المنعزلة التي قد لا تناسب المرأة.

وهناك مهن أخرى يُفترض سرعة توطينها كتلك التي في المطاعم (في الطهي وإعداد الطعام)، لأسباب لا تخفى على القارئ؛ فهناك غشٌ وتدليسٌ من قِبل بعض العمالة الوافدة في الأطعمة وصلاحيتها، وكثيرًا ما يتم كشف مخالفات في هذا الجانب؛ كطهي مواد فاسدة، وتقديم أطعمة منتهية الصلاحية. هذه المهن لا تحتاج أكثر من شهادة صحية للعاملين والعاملات بها، مع افتراض وجود مهارة الطهي عند المتقدمين أو المتقدمات لهذه المهن.

أيضًا، فإن بعض المهن في الشركات الكبرى والوكالات، مثل الوظائف المكتبية والمحاسبية-يمكن سرعة توطينها، فهي وظائف لا تحتاج إلى مؤهلات عليا، بل دبلومات بعد الثانوية، أو تدريب لعدة أسابيع، مع توفير ذلك من قِبل معاهد متخصصة، على أن يكون التدريب في هذه المعاهد بناء على حاجة الشركات، ليكون التدريب منتهيًا بالتوظيف. وربما ينشأ تكتل للشركات والمؤسسات، بحيث تُموّل معاهد التدريب لخفض نفقاته، حتى لا تضطر كل شركة إلى إنشاء معهد خاص بها.

التوطين والتدريب المهني:

في تصوُّر د.عائشة الأحمدي أن إجراءات التوطين ما لم تركِّز على التدريب التحويلي لمخرجات التعليم، التي هي بيت الداء، ورَأْب التصدُّعات الحادثة في هذا المخرج، بداية من نقص المعرفة، وانتهاءً بالاتجاهات نحو العمل، والالتزام بقِيمه، فهي في النهاية ستكون جهودًا تضيف عبئًا على التنمية، أكثر من كونها حلول إصلاح.

اتفق معها في ذلك أ. جمال ملائكة، حيث ذهب إلى أنه لو تم التركيز على المعاهد التقنية- بشرط أن تكون فعَّالة وقوية- وكذلك على معاهد ما بعد التوجيهي "لمدة سنتين" لتدريس مكثف على أمور، مثل: المحاسبة، التأمين، إدارة مستودعات، موارد بشرية...إلخ مما يحتاجه سوق العمل، أعتقد أنه سيكون أفضل بمراحل، من أن يتم إدخال المواطن جامعة لمدة 4 أو 5 سنوات في تخصصات غير مفيدة.

أضاف د. خالد بن دهيش أن هذا هو التوجُّه الحالي لدى الدولة، فقد أسندت المهمة للمؤسسة العامة للتدريب المهني والتقني. ولكن السؤال هو: هل هذه المؤسسة حقَّقت توجه الدولة؟ في هذا السياق، ذكر د. رياض نجم، برغم كل ما تقوم وقامت به المؤسسة فهو غير كاف وغير فعَّال، فالمملكة في هذه المرحلة بحاجة لمهنيين يقومون بالعمل بأنفسهم، وليس بأن يمتلكوا ورشًا يعمل فيها أجانب يقومون باستقدامهم. لقد تحول خريجو المعاهد المهنية إلى تجار، وليسوا مهنيين.

من جانبه أضاف أ. محمد الدندني أن هناك تعاونًا حاليًّا بين شركة أرامكو والمؤسسة العامة للتدريب، وأعتقد أن الباب مفتوح لتعاون مع الشركات الكبرى.

كما أضاف د. خالد بن دهيش أنه في ظل برامج ومبادرات رؤية المملكة 2030 سوف يتم وضع قياس لمؤشرات الأداء؛ لقياس مدى تحقيق أداء الأجهزة الحكومية للأهداف التي تسعى لتحقيقها، وكذلك الخطط والاستراتيجيات المتخذة للقضاء على البطالة. حيث إن الواقع أثبت أن هناك محاولات لم يُكتب لبعضها النجاح لمسار التدريب المهني.

وبالتالي فإنه يمكن قياس أداء المؤسسة العامة للتدريب. فلديها 37 كلية تميز (2015) تشغلها منظمات وجامعات أجنبية متخصصة، وبمقررات تدريبية ملاءمة لحاجة سوق العمل، إلى جانب المعاهد المتخصصة التابعة للمؤسسة.

التوطين ومخرجات التعليم:

في اعتقاد د. خالد الرديعان، يُفترض أن لا نقلق من مخرجات التعليم، بالذهاب إلى أنها غير متوائمة مع متطلبات سوق العمل، فجميع المهن عمومًا تحتاج إلى تدريب خاص؛ فالمهندس المتخرج حديثًا قد يحتاج فترة مران تطول أو تقصر لممارسة مهنته حتى لو عمل في شركة هندسية. أيضًا فإن هناك الكثير من المهن التي لا علاقة لها بالمؤهل التعليمي مباشرة؛ وأقصد بذلك المهن التي لا تتطلب مهارات عالية؛ كالمهن المكتبية، والبيع والشراء، والتوزيع، ومسك الدفاتر، وما يشبهها.

يستطيع _ مثلًا _ خريج بكالوريوس التاريخ أن يجد عملًا في مهنة مكتبية، أو مركز تجاري، أو شركة بعد فترة تدريب قصيرة، وبالتالي فإنه من الضروري عدم التقليل من قيمة هذه التخصصات. لكن يُفترض أن تكون أعداد الطلبة المقبولين فيها قليلة حتى لا يحدث تكدُّس. وهو ما أكَّده د. راشد العبد الكريم بأن هذا هو المعمول به في أكثر دول العالم.

التوطين والمؤهلات المهنية والفنية:

في اعتقاد د. عائشة الأحمدي، أن مشكلتنا الحقيقية هي في غياب المؤهلات الوسطية (المهنية والفنية)، وتسكينها على وظائف حقيقية في سلالم المهن. ومازالت الجهود متواضعة في برامج الجامعات نحو تمهين التعليم، والأقل منها تواضعًا هو التدريب التحويلي للمؤهلات العليا، لا سيما تلك التي تخدم التخصصات النظرية.

وافقها في ذلك أ. محمد الدندني، وأضاف: إننا في التعليم الفني والمهني أضعنا سنين طويلة بمخرجات ضعيفة، ومدربين ومعلمين أضعف، لا يجيدون لغة الصناعة ولغة الآلة.

كما أننا نحتاج إلى أرقام وإحصائيات عن المهن، وأعداد العاملين، وما هو مردودها المالي؛ كي تُبنى عليها الخطط في بناء معاهد وكليات تقنية ذات مستوى عملي جيد. أمَّا أن نجعل الجامعات مربوطة فقط من أجل سوق العمل فهذا خطير، الجامعة بوتقة للثقافة وللعلم، وأيضًا للباحثين والكتَّاب والمفكرين. ولكن لابد أن تركِّز الجامعات الجديدة، وتتميز بتخصصات معينة، وليس بالضرورة أن تغطي كلَّ التخصصات.

المسار المهني:

أشار د. خالد بن دهيش إلى أن هناك دراسة لإيجاد مسار مهني في المدارس الثانوية، كما هو موجود في بعض الدول المتقدمة (أستراليا مثلًا)، إلا أن هذا التوجه مكلِّف ماديًّا، إلى جانب أن النظرة الاجتماعية الخاطئة نحو هذا النوع من التدريب في بعض مناطق المملكة، التي تشكِّل عائقًا في توجُّه الشَّباب له.

وذهب د. خالد الرديعان إلى أنه يمكن أن يُطبَّق جزئيًّا في مناطق مختارة؛ لمعرفة مدى نجاحه، وفي حال كان إيجابيًّا يمكن تعميمه على سائر المناطق. هناك تباين ثقافي - اجتماعي بين مناطق المملكة؛ فما هو غير مقبول اجتماعيًّا في منطقة ما قد يتم قبوله في مناطق أخرى.

أضاف د. حميد المزروع أن المسار المهني يفترض أن يبدأ مباشرة بعد انتهاء الطالب من المرحلة الدراسية المتوسطة، خاصة لدرجة الدبلوم (سنتين -ثلاث سنين).

بينما من وجهة نظر د. رياض نجم، يجب أن نسعى لإقناع المجتمع في الإقبال على جميع الوظائف مهما تدنت، فليس هناك وظيفة مناسبة للسعودي وأُخرى غير مناسبة، مثل تشجيع توطين وظائف الإنشاءات.

عوائق قبول الوظائف المهنية:

يرى أ. محمد الدندني أن موضوع عدم قبول بعض الأعمال المهنية مبالغ فيه لدرجة كبيرة. فهناك العديد من المناطق في المملكة لا توجد بها هذه العقدة؛ كالشرقية، والقصيم، والحجاز. ربما أن بعض قبائل الجنوب والشمال لديها هذه العقدة، ولكنها ليست متأصلة. وأرى أن الحل يكمن في تثقيف الناس، بالإضافة إلى العائد المادي الذي سيحفِّز الشباب لقبول هذه الأعمال؛ لذا فإن إضافة مواد فنية ومهنية من الصغر في المرحلة الإعدادية والثانوية أمرٌ مطلوبٌ. إلا أن د. خالد بن دهيش لا يتفق مع التقليل من العامل الاجتماعي، بالرغم من اختلافه من منطقة لأخرى، ففي إحدى المناطق الإدارية قام أحد المستثمرين بفتح كلية للعلوم الطبية التطبيقية وبها قسم للتمريض للبنات، لم يتقدم للقسم راغبات من بنات المنطقة؛ مما اضطره لعدم فتح القسم.

من جانبه أكَّد د. رياض نجم أن العائق الأساسي لعدم إقبال الشباب على الوظائف المهنية هو المردود المادي، وبعده بمراحل يأتي العائق الاجتماعي. فعلى مدى الخمسين عامًا الماضية كنَّا نطلب التنمية بسعر رخيص، ولم نرغب في دفع الثمن الفعلي. وهذا لا ينسجم مع الرغبة في التوطين. اتفق معه في ذلك د. علي صديق الحكمي، حيث ذكر أن الشباب السعودي في سابك وأرامكو وغيرها يعملون في جميع الأعمال المهنية، وسعداء؛ لأن تلك الشركات تقدِّر جهودهم، وتوفِّر بيئة عمل صحية وسليمة، وتدريبًا وفرصًا للترقي وفق مسار مهني، ومزاياها المالية جيدة. كما وافقتهم د. عائشة الأحمدي في أن العوائد المادية هي التي تضفي القيمة الاجتماعية على المهن؛ فالوظائف العليا ترتبط أهميتها في المجتمعات بالعوائد المادية منها.

مشاكل توطين الوظائف:

يعتقد م. خالد العثمان أن إحدى مشكلات توطين الوظائف غياب التخطيط المسبق والفهم الكافي لمتطلبات سوق العمل. فهناك غياب شبه تام لبرامج التأهيل والتدريب في الوظائف الفنية المساعدة، مثل الخدمات الهندسية والمالية والمحاسبية والقانونية والإدارية المساعدة، كما أن هناك- مثلًا- أكثر من300 ألف وظيفة في مجال الخدمات الهندسية المساعدة- مثل: المساحة، وحساب الكميات، والرسم الهندسي، والتصميم الداخلي، وغيرها- مشغولة بوافدين، ولا يوجد برامج كافية لتدريب وتأهيل سعوديين فيها، بينما هي وظائف جيدة المردود، ومريحة وملائمة اجتماعيًّا. كذلك وظائف كاتب الحسابات، ومدخلي البيانات، المالية، وغيرها. فكل مؤسسة بحاجة إلى محاسب بدرجة دبلوم وليس بكالوريوس، وهناك أكثر من 800 ألف سجل تجاري؛ وهو ما يعني توفُّر 800 ألف وظيفة من هذه الفئة. إلا أن المحاسب الخريج بدرجة بكالوريوس يريد وظيفة عالية المردود، ولا يكتفي بوظيفة كاتب حسابات.

وأرى أن الشريحة المتوسطة في الوظائف مهملة تمامًا. ربما أن مجال التمريض والخدمات الطبية المساعدة أفضل حالًا. كما أنه ما زال يحمل فرصًا هائلة للتوطين.

في هذا السياق، ذهب د. رياض نجم إلى أنه بالرغم من اتفاقه على عدم وجود قدر كافٍ من التدريب والتأهيل، لكن في الوقت نفسه فإن راتب المحاسب غير السعودي- مثلًا- في المؤسسات الصغيرة لا يتجاوز 3000 ريال في الشهر، وهذا غير مُجزٍ بالنسبة للسعودي. وقسْ على ذلك في معظم الوظائف. ولا زلتُ أرى أن الحدَّ الأدنى للأجور (للسعودي وغيره) سيحل جزءًا كبيرًا من المشكلة بشكل سريع.

إشكاليات إجراءات التوطين:

يرى د.مساعد المحيا أن موضوع التوطين يواجه إشكاليات إدارية واقتصادية وثقافية.

القرارات التي تصدر اليوم من مختلف الجهات متكئة على برامج الرؤية، أصبحت تُنتج مؤسساتٍ ترحل من المجتمع الاقتصادي، وسعوديين يتم الاستغناء عنهم، ومحلاتٍ تغلق وفقًا لكثير من الشروط التي توضع أمامهم. في مقابل سياسات تَعِدُ بمزيد من الوظائف وفقًا للبرامج التي يتم الإعلان عنها تباعًا.

ما تتخذه الدولة اليوم من إجراءات تجاه رفع تكلفة العامل الأجنبي، أحسبه هو القرار الذي يمكن أن يكون طريقًا في نهاية المطاف لتحقيق التوطين، دون قرارات تتعلق بمنح هذه الشركة النطاق الأخضر أو الأصفر. بيد أن الأمر أشبه بعملية تكميم تتطلب الكثير من الصبر والتحمل، ليتكيف التجار على بيئة الاقتصاد الجديدة. لذا فإن عملية التوطين لا يصلح أن تكون محلًا للاستجداء، أو لبرامج التوعية للتجار وأصحاب الشركات؛ وإنما هي إجراءات تجعل أصحاب الشركات يبحثون عن السعودي لتوظيفه رغبةً فيه. وبرغم حجم البطالة لدينا إلا أن عددًا من الشركات بدأت تبحث فعلًا عن السعوديين والسعوديات ليكونوا جزءًا من برامج أنشطتهم وإنتاجهم.

في السياق ذاته، قامت د.عائشة الأحمدي بطرح عدد من الأسئلة تتعلق بتحديد الإشكاليات الحقيقية للتوطين، حيث ذكرت أننا إذا أردنا أن نضع أوزانًا نسبية للعوامل المعوقة أو المساعدة للتوطين في مجتمعنا السعودي، فهل العوامل تتقارب في أوزانها النسبية من بعضها؟ أم أن هناك عاملًا، مثل التعليم، يُلقى عليه المسؤولية كاملة، ولا تعدو العوامل الأخرى أن تكون مساعدة له؟ أي تحديد مناطق الموج الأعلى في التأثير سلبًا وإيجابًا في قضية التوطين، ثم هل التوطين هدفٌ أساسي، حتى على حساب الإنتاجية، وما يتبعها من نمو اقتصادي؟

وفي هذا الإطار، يرى د. محمد الملحم أن مشكلة التوطين ليست معضلة تحتاج عقولًا وأفكارًا وطرقًا مختلفة، ولكنها مشكلة أزمات إدارية مركبة ومتشابكة، إن كنَّا جادين فيها فلن تحيرنا كثيرًا إذا وُجد التكامل والتعاون، وحسن الأداء، والعمل بروح وطنية؛ وإذا وُجد الأفراد المناسبون في المواقع الحساسة لحل هذه الأزمة ستحل؛ وإذا صُمِّمت خطة "وطنية" توحّد الجهود، وتذلل الصعاب، وتفهم لغة العامة، وتستخدم فكر الخاصة، فستصل إلى الهدف، هذا ما نحتاجه للتوطين.

أضاف أ. محمد الدندني: نعم، إذا وُجدت الإرادة وُجِد الطريق والهدف. إن مشكلتنا في التوطين لا تتعلق بعدد السكان. ربما تكون هذه مشكلة لدول عدد مواطنيها أربعة أو خمسة أضعاف مواطني المملكة مع موارد أقل. إلا أنني أرى أن مشكلتنا اجتماعية، وَتعوُّد على سهولة العيش، ومع ذلك لا يجب أن يُهمل معدل النمو السكاني أيضًا، الذي من المفترض أن يتناسب مع النمو الاقتصادي، حيث يمكننا صيانة مستوى معيشي طيب للجميع.

تجارب وإجراءات مهمة لتحقيق التوطين:

أورد د. محمد الملحم مقالًا للكاتب الصحفي سامي الريامي، نُشر في الموقع الإلكتروني لصحيفة "الإمارات اليوم" بعنوان: "هل ستتنافس الدوائر على التخفيض كما تنافست على رفع الرسوم؟"1

يتلخص المقال حول: توجيه محمد بن راشد إلى الدوائر والمؤسسات في دبي نحو تخفيض رسوم الرُّخص التجارية والإيجارات بعد أن تسببت قرارات مدراء الدوائر في هروب المستثمرين من أسواق الدولة.

ودعا الكاتب سامي الريامي جميع المسؤولين عن الرسوم والتكاليف الباهظة إلى تحمُّل المسؤولية، والإعلان عن المبادرات وأسعار الرُّخص التجارية الجديدة، وإيجاد سُبُل لإعادة المستثمرين بعد أن تسببوا في هروبهم.

سياسات وإجراءات التوطين:

يعتقد د. سعد الشهراني أن خطط التنمية والسياسات الإدارية المصاحبة لها شوَّهت سوق العمل على مدى الخمسين عاما الماضية، والسبب الرئيس-في رأيي- يعود إلى التوسُّع الكبير المتسارع في الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، وحرق المراحل التنموية، خصوصًا في اتجاه الرفاهية والاستهلاك على حساب الإنتاجية، وهذا أدَّى إلى فتح الباب على مصراعيه للعمالة الأجنبية الرخيصة، حتى وصلت نسبة المكون السكاني الأجنبي ما يقارب 27% إلى 29%، واستقرت عند هذه النسبة لعقود ثم اتجهت للارتفاع، وهذا غير مقبول في مرحلة سياسات التوطين والتحوُّل والرؤية.

كما أن الفجوات في سوق العمل التي نتجت من هذه الخطط والسياسات تشمل: الفجوة بين بيئة عمل القطاع العام ونظيرتها في القطاع الخاص، والفجوة بين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة، والفجوة في هياكل الأجور، والفجوة في الإنتاجية، والفجوة في المهارات، والفجوة في أخلاقيات العمل، والفجوات في جانب الطلب، والفجوات في جانب العرض، والفجوة بين العمالة النسائية والعمالة الرجالية، والفجوات في الأمن الوظيفي. وهي فجوات حقيقية ومتداخلة، وتغذي كلٌّ منها الأخرى.

قد تكون سياسات التوطين حقَّقت بعض التغيير المقصود، ولكنها- في رأيي- لا تزال أبعد من أن تكون خططًا علمية شاملة لقفل هذه الفجوات، وتصحيح التشوُّهات في سوق العمل، التي أصبحت على مدى طويل بنائية ومتلبكة في النسيج الاقتصادي، والسكاني والاجتماعي، بل إن لها أبعادها السياسية مع الدول المصدرة للعمالة. ببساطة: نحن نحتاج إلى مثل هذه الخطط والبرامج  المتكاملة الموجهة لسوق العمل؛ لإحداث تغيير في سلوكياتنا جميعًا: (المسؤول الحكومي على كل المستويات-المواطن-الملاك والمدراء في القطاع الخاص - العامل المواطن -العامل الوافد).

وأضاف د. خالد الرديعان، بما أن الدولة الآن تجمع ضرائب، سواء من الأعمال التجارية أو غيرها، فلماذا لا تُوجَّه هذه المبالغ- تحديدًا-نحو رفع سقف الأجور، بحيث يتحمل القطاع الخاص الحد الأدنى من مرتب الموظف، وتتولى الدولة صرف جزء من الضرائب لدعم رواتب الموظفين، بحيث تكون الرواتب مغرية في القطاع الخاص؟

أدرك أن صندوق الموارد يتحمل جزءًا، لكن مقترحي هو رفع سقف دعم الرواتب إلى مستوى جاذب للشباب للقطاع الخاص. ما يقوله الاقتصاديون عادة هو أن تحديد الأجور يتعارض مع فكرة السوق الحر، والاقتصاد المفتوح، وبالتالي لا يميلون إلى مبدأ تحديد الأجور.

وترى د. وفاء الرشيد أن المقاعد الشرفية في مجالس إدارات الجمعيات هدفها استحداث موارد مالية للجمعية، وهذا دورها الرئيس. أمَّا تلمُّس حاجات الناس فهو دور الإدارة، هكذا هي مجالس الإدارات غير الربحية.

¤      التوصيات المقترحة:

عمل دراسة وطنية موسَّعة تشمل جميع مناطق المملكة، تعكس وجهة نظر الشباب من الجنسين حول الأمور التالية: وجهة نظر الشباب في التوطين، معوقات التوطين، محفزات التوطين وعوامل نجاحه، نوع المهن التي يمكن توطينها، مرئيات الشباب حول دور القطاع الحكومي والقطاع الخاص في الدفع قدمًا بالتوطين.

-    تقييم تجربة التوطين للمهن التي تمَّ بالفعل توطينها.

- سرعة توطين بعض الوظائف، مثل: قطاع البيع بالتجزئة، والعمل في المتاجر الكبرى، وفي المطاعم، وكذلك الوظائف المكتبية والمحاسبية في الشركات الكبرى والوكالات.

-    فَرْض نسبة على الشركات والمستثمرين في السعودية تتعلق بالتوطين.

-    وضع مزايا أخرى للشركات والمستثمرين المهتمين باستقطاب المواطنين السعوديين للعمل لديهم.

أن يتم التركيز على المعاهد التقنية ومعاهد ما بعد التوجيهي لمدة سنتين، لتدريس مكثف في بعض التخصصات؛ كالمحاسبة، والتأمين، والموارد البشرية.

ضرورة تسكين المؤهلات المهنية والفنية على وظائف السُّلم المهني، مع الاهتمام بالتدريب التحويلي للمؤهلات العليا.

تطبيق المسار المهني في المدارس الثانوية في مناطق مختارة من المملكة؛ لاختبار مدى نجاحه، ثم يتم تعميمه بعد ذلك.

الاهتمام ببرامج التأهيل والتدريب في الوظائف الفنية المساعدة، مثل: الخدمات الهندسية، والمالية، والمحاسبية، والقانونية، والإدارية المساعدة.

ضرورة سد الفجوة بين مخرجات وزارة التعليم وسوق العمل؛ بالتعاون مع الجامعات، ووزارة العمل، والمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني.

¤      الملخص التنفيذي:

القضية: إجراءات التوطين الأخيرة في الميزان.

تزامنًا مع أهداف رؤية المملكة 2030 بتخفيض نسبة البطالة، وما أكَّده سمو ولي العهد من أن الرؤية ستوفِّر بيئة العمل المناسبة للمواطن السعودي، والخطة الاستراتيجية التي وضعتها الدولة لتوطين الوظائف في جميع أنحاء المملكة؛ كانت قضية التوطين من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها أ. جمال ملائكة، والتي تناولت إجراءات التوطين الأخيرة. وتم التعقيب على موضوع الورقة، وجرت حولها مداخلات عديدة، ناقشت أكثر المهن حاجة إلى التوطين، وعلاقة التوطين بـــ (قضية الوافدين- مخرجات التعليم – التدريب المهني – المؤهلات المهنية والفنية – المسار المهني – عوائق قبول الوظائف المهنية). أيضًا تطرقت المداخلات لمشكلات توطين الوظائف، وإشكاليات إجراءات التوطين. وكذلك تم استعراض تجارب وإجراءات مهمة لتحقيق التوطين، وسياسات وإجراءات التوطين.

وذهب أ. جمال ملائكة إلى أن قضية التوطين من القضايا الصعبة؛ لارتباطها بقضايا أخرى، يأتي في مقدمتها: عدم مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل، وانخفاض تكلفة العمالة الوافدة، وارتفاع إنتاجيتها مقارنة بالعمالة الوطنية.

وبالرغم من أن الدولة لم تنجح في حل هذه المشكلة من خلال الحلول التي وضعتها، إلا أن الدولة قامت مؤخرًا باتخاذ بعض الإجراءات المهمة والمعضدة للتوطين، منها: فرض رسوم تصاعدية على الوافدين ومرافقيهم، والتوسُّع في المهن والوظائف القاصرة على المواطنين، بالإضافة إلى تشجيع توظيف المرأة. وإن كانت بعض هذه الإجراءات ستؤثِّر على القطاع الخاص، ومن ثَمَّ على الاستثمار في الداخل، إلا أنها ستؤدي في النهاية إلى توطين الكثير من الوظائف، خاصة في قطاع التجزئة.

وتلخصت التعقيبات التي جرت على هذه الورقة في أنَّ عزوف الشباب عن العمل في القطاع الخاص يرجع إلى عدم وجود سُلّم وظيفي لمعظم المؤسسات والشركات، وضعف الرواتب، وطول ساعات العمل، وعدم وجود برامج لتطوير قدرات الموظفين. كما أن برنامج التوظيف الحالي يركِّز على قطاع التجزئة، بالرغم من أنه لا يوجد عدد كاف من السعوديين المؤهلين لهذه الوظائف. بالإضافة إلى أن هناك سوء توزيع جغرافي للوظائف، وتكديس معظمها في مدينة الرياض، وهو لا يخدم النمو الاقتصادي في باقي المناطق.

ورصدت المداخلات التي دارت حول موضوع الورقة أهمَّ المشكلات التي تواجه التوطين؛ كغياب المؤهلات الوسطية المهنية والفنية، والتدريب التحويلي للمؤهلات العليا، وكذلك غياب التخطيط المسبق والفهم الكافي لمتطلبات سوق العمل، بالإضافة إلى غياب شبه تام لبرامج التأهيل والتدريب.

وذهب البعض إلى أن السياسة المتبعة مع الوافدين ليست هي الأسلوب الأمثل، كما أن فرض السعودي على الشركات دون تدريب يضرُّ بالقطاع الخاص.

واستعرضت المداخلات كذلك، عوائق قبول الوظائف المهنية، مثل العائد المادي، يأتي بعده العائق الاجتماعي بمراحل، فالعوائد المادية هي التي تضفي القيمة الاجتماعية على المهن.

كما تناولت المداخلات سياسات وإجراءات التوطين، وكيف أن خطط التنمية والسياسات الإدارية المصاحبة لها شوَّهت سوق العمل، والسبب يعود إلى التوسُّع الكبير المتسارع في الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، وحَرْق المراحل التنموية، خصوصًا في اتجاه الرفاهية، والاستهلاك على حساب الإنتاجية؛ وهذا أدَّى إلى فتح الباب على مصراعيه للعمالة الأجنبية الرخيصة. كما أن الفجوات في سوق العمل التي نتجت من هذه الخطط والسياسات شملت الفجوة بين بيئة عمل القطاع العام ونظيرتها في القطاع الخاص، وبين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة، وفي هياكل الأجور، وفي الإنتاجية، وفي المهارات، وفي أخلاقيات العمل، وبين العمالة النسائية والعمالة الرجالية، والفجوات في الأمن الوظيفي. وقد تكون سياسات التوطين حقَّقت بعض التغيير المقصود، ولكنها لا تزال أبعد من أن تكون خططًا علمية شاملة، لقفل هذه الفجوات، وتصحيح التشوُّهات في سوق العمل.

وفي نهاية النقاش توصل الملتقى لعدد من التوصيات التي تهدف لدعم التوطين وفعاليته في تحقيق رؤية المملكة وتطلعاتها، أهمها: ضرورة عمل دراسة وطنية موسعة، تشمل جميع مناطق المملكة، وتعكس وجهة نظر الشباب من الجنسين حول التوطين، ومعوقاته ومحفزاته وعوامل نجاحه، ونوع المهن التي يمكن توطينها. وكذلك ضرورة تقييم تجربة التوطين للمهن التي تم بالفعل توطينها، وسرعة توطين بعض الوظائف، مثل: قطاع البيع بالتجزئة، والعمل في المتاجر الكبرى وفي المطاعم، والوظائف المكتبية والمحاسبية. بالإضافة إلى فرض نسبة على الشركات والمستثمرين في السعودية تتعلق بالتوطين. ووضع مزايا أخرى للشركات والمستثمرين المهتمين باستقطاب المواطنين السعوديين للعمل لديهم، وأخيرًا ضرورة سدّ الفجوة بين مخرجات وزارة التعليم وسوق العمل؛ بالتعاون مع الجامعات، ووزارة العمل، والمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني.

 القضية الثانية

الورقة الرئيسة

مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة

¤    الكاتب: م. أسامة كردي

مقدمة

تعد التجارة الالكترونية قطاعاً ناشئة بالمملكة، وتأتي بالتوافق مع الرؤية المستقبلية 2030، حيث حققت العام الماضي نمواً جيداً، بفضل الدعم الكبير في خطة التحول الوطني وما تقدمه وزارة التجارة والصناعة من خلال دعم رؤية المملكة 2030 من تسهيلات، وقيامها بإطلاق تطبيقاً معروفا للمتاجر الالكترونية على الأجهزة الذكية الذي يعد إحدى مبادرات الوزارة ضمن خطط برنامج التحول الوطني 2020 الذي يسهم في تعريف أكثر من 5 آلاف متجر الكتروني سعودي بطريقة ذكية تساعد على دعم المتاجر وتسويقها بشكل مجاني، والإسهام أيضاً بتسويق المتاجر الالكترونية بشكل أكبر وأسهل، والوصول إلى شريحة أكبر مع إبراز المتاجر المميزة منها. وقد حققت السعودية مكانة متميزة بين دول منطقة الخليج في التجارة الإلكترونية، فهي أكبر اقتصاد في المنطقة، وتتميز بقوة شرائية كبيرة وبمجتمع شبابي يستخدم الانترنت ولديه شغف بالتسوق الالكتروني، ومن المتوقع أن تتضاعف تلك التجارة خلال السنوات المقبلة، والمتوقع أن يبلغ حجم التجارة الإلكترونية في المنطقة نحو 70 بليون ريال.

لذا كانت قضية مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها م/ أسامة كردي وناقش فيها مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة. وتم التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت إحصاءات حجم التجارة الإلكترونية في المملكة، الشركات الكبرى في مجال التجارة الإلكترونية، التجارة الإلكترونية "أسواق جديدة للشركات الكبرى"، سوق التجارة الإلكترونية في المملكة، تأثير التجارة الإلكترونية على التجارة المحلية وعلى سوق العمل، أسباب اتجاه المستهلكين إلى التعاملات الإلكترونية، ومدى الاستفادة المحلية من التجارة الإلكترونية، وكذلك تم تقديم قراءة في اقتصاد "أون لاين"، وتقديم رؤية فلسفية للتجارة الإلكترونية، وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديد من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نص الورقة التي كتبها المهندس/ أسامة كردي وعقّب عليها الدكتور/ زهير رضوان والمهندس/ خالد العثمان.

كتب م. أسامة كردي في ورقته الرئيسة عن (مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة):

تقدر هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات حجم التجارة الالكترونية في المملكة (بين الشركات والمستهلكين) بمبلغ 30 مليار ريال لعام 2016 وهي آخر إحصائية متوفرة، وذلك بالمقارنة مع حجم عالمي لهذه التجارة يقدر بــ ٣,٨ ترليون دولار لنفس العام. وهذ الرقم يضع المملكة كأكبر سوق لهذه التجارة في منطقة الشرق الأوسط. كما أوضحت الهيئة أن متوسط إنفاق المستهلك السعودي هو 4 آلاف ريال.

ويأتي حجم هذه التجارة متناسقاً مع ارتفاع نسبة مستخدمي الإنترنت من نسبة السكان في المملكة باعتبارها ضمن الأعلى عالمياً.

وتأتي أهمية التجارة الإلكترونية في الاقتصاد الوطني من مجموعة من المميزات تشمل تنويع الاقتصاد ودعم الناتج المحلي، وإحداث فرص عمل وجذب الاستثمارات مع دعم ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقد تمتد هذه المميزات إلى أن تصبح التجارة الالكترونية داعماً للصناعات المحلية.

ومن الملاحظ أن حجم هذه التجارة مرتفع نسبياً على الرغم من الحاجة إلى مجموعة من الإجراءات لتطوير نصيب التجارة الالكترونية من التجارة بشكل عام في المملكة، ومنها توعية المستهلك ونشر الثقة بالتجارة الإلكترونية وتوفر خدمات التغليف والتوصيل وتحسين وتأمين نظم الدفع الإلكتروني وتطور بنية الاتصالات في المملكة.

ويبدوا أن الحكومة السعودية تنوي استخدام وتطوير التجارة الإلكترونية -بتعاونها مع شركة "أمازون"- لتنظيم قطاع البيع بالمفرق، وتخفيض عدد المحلات  الصغيرة التي ترى الحكومة أنها توظّف ما يزيد عن حاجة المملكة من العمالة الأجنبية، وأنها مواقع للتستر، وكان المتوقع أن يؤخذ في الاعتبار تحديد مستويات معقولة لسعودة هذه المحلات التي يدعم كل منها عائلة سعودية واحدة على الأقل.

ولابد أن نلاحظ أن هناك عدة محاولات لتوفير خدمات التجارة الإلكترونية محلياً مشابهة لخدمات أمازون ومنها "سوق دوت كوم" التي اشترتها أمازون و"نُون دوت كوم" و"آي مول" التابعة للبريد السعودي والتي تعمل منذ 2010، ويدعمها البريد السعودي بخدمة واصل لتوصيل الطرود.

وهنا يجب أن نشير الى نظام التجارة الالكترونية الجديد الذي يشمل تراخيص جديد لهذه التجارة، كما يشمل حماية معلومات المستهلكين وتفاصيل الجهة المقدمة للخدمة، ويهدف من ضمن ما يهدف تعزيز الثقة بين المحل الإلكتروني والمستهلك.

وكان تعقيب د. زهير رضوان

والذي تركز حول تعريف عام عن التجارة الالكترونية والمؤشرات الدولية لقياس تكنولوجيا المعلومات والاتصالات و مؤشر الكثافة الإلكترونية الذي يقدم معلومات عن تأثير الإنترنت على النشاط الاقتصادي في الدول المستهدفة بما فيها دول مجلس التعاون. حيث ذكر أن التجارة الإلكترونية تعد من أهم نتائج تكنولوجيا المعلومات في هذا العصر، وقد أدى استخدامها في المعاملات التجارية إلى تغيرات اقتصادية، واجتماعية، ونفسية، وأفرزت نمطاً جديداً من التسوق، والوظائف، وخلقت فرص عمل جديدة، وغيرت بيئة العمل التقليدية، فالتحدي الذي يواجه المنظمات هو كيفية نقل هذه التكنولوجيا ودمجها داخل المجتمع.

وللتجارة الإلكترونية e-commerce العديد من التعريفات، ولا يوجد تعريف موحد عالمياً بهذا الشأن،.إذ تعرفها منظمة التجارة العالمية بأنها: "مجموعة متكاملة من عمليات عقد الصفقات وتأسيس الروابط التجارية وتوزيع وتسويق وبيع المنتجات الإلكترونية"، بينما تعرفها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنها: "صفقات تجارية تنجز من خلال الشبكات المفتوحة".

كما يعرفها البعض على أنها: "نشاط تجاري يشمل توزيع وتسويق وبيع أو تسليم السلع والخدمات باستخدام الوسائل الإلكترونية"، كما تعرف أيضاً بأنها: "استخدام وسائل إلكترونية لتمكين عمليات التبادل، بما في ذلك بيع وشراء المنتجات والخدمات، التي تتطلب النقل في صورة رقمية أو مادية من مكان إلى آخر".

بينما يرى البعض الآخر أنها: "تنفيذ بعض أو كل العمليات التجارية في السلع والخدمات، عبر شبكة الإنترنت والشبكات التجارية العالمية الأخرى، أي باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهي وسيلة سهلة وسريعة لإبرام الصفقات التجارية الإلكترونية، سواء كانت التجارة في السلع والخدمات أو برامج الكمبيوتر".

ويستخلص مما سبق ذكره أنه يمكن تعريف التجارة الإلكترونية بشكل عام بأنها: "العمليات التجارية التبادلية التي تتم باستعمال الوسائل الإلكترونية لتنفيذ كل ما يتصل بعمليات بيع وشراء السلع والخدمات والمعلومات باستخدام شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى الشبكات التجارية العالمية الأخرى"، ويشمل ذلك:

1. سداد الالتزامات المالية ودفعها.

2. إبرام العقود وعقد الصفقات.

3. التفاوض والتفاعل بين المشتري والبائع.

4. علاقات العملاء التي تدعم عمليات البيع والشراء وخدمات ما بعد البيع.

5. المعلومات عن السلع والبضائع والخدمات.

6. الإعلان عن السلع والبضائع والخدمات.

7. الدعم الفني للسلع التي يشتريها الزبائن.

8. تبادل البيانات إلكترونياً (Electronic Data Interchange) بما في ذلك: (التعاملات المصرفية - الفواتير الإلكترونية - الاستعلام عن السلع -  كتالوجات الأسعار - المراسلات الآلية المرتبطة بعمليات البيع والشراء).

ونظراً لأهمية هذه العمليات التجارية التبادلية التي تتم باستعمال الوسائل الإلكترونية لتنفيذ كل ما يتصل بعمليات بيع وشراء السلع والخدمات والمعلومات باستخدام شبكة الإنترنت والشبكات التجارية العالمية الأخرى ومردودها الاقتصادي، وكذلك الاهتمام بتطبيقات الحكومة الإلكترونية والتي تعتمدان على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات حول العالم،  تزايدت الحاجة لوجود آليات لقياس مدى التقدم والإنجاز ومقارنة التجارب الدولية بعضها ببعض لغرض تحديد معايير النجاح وخلق روح التنافس الشريف فيما بينها. تبعاً لذلك؛ ظهرت على الساحة الدولية العديد من المؤشرات التي تهتم بهذا الجانب، منها قياس معاير تطبيقات الحكومة الالكترونية مثل مؤشر اكسنشر الاستشارية  (Accenture) الذي يعتمد على قياس ثلاثة فئات: 1- تجربة إيصال الخدمة للمواطن (50%)، 2-  رضا المواطن (40%)، 3- نضج الخدمة (10%). و مؤشر الأمم المتحدة  (UN E-Government Survey) يعتمد على ثلاث مؤشرات: 1- مؤشر الخدمات الإلكترونية (OSI)؛ 2- مؤشر البنية التحتية للاتصالات (TII)؛ 3- مؤشر رأس المال البشري (HCI) وكل مؤشر له عدة عناصر لقياس المؤشر. ومنها من ركز على تأثير الإنترنت على النشاط الاقتصادي مثل مؤشر مجموعة بوسطن الاستشارية للكثافة الإلكترونية  (The BCG e-Intensity Index) وهذا المؤشر الأخير له علاقة مباشرة بموضوع التجارة الالكترونية.

تأسست مجموعة بوسطن الاستشارية في عام 1963م، وهي أحد الشركات العريقة في مجال الاستشارات الإدارية التي تنتشر في 45 دولة حول العالم. أطلقت هذه المجموعة الاستشارية مؤشر الكثافة الإلكترونية في العام 2009م لقياس فعاليات التجارة الإلكترونية، ومنذ ذلك الحين وقياس هذا المؤشر يتم بشكل سنوي وقد شمل التقرير الأخير الصادر عام 2015م أكثر من 80 دولة.

يتميز هذا المؤشر عن غيره من المؤشرات بأنه يقدم معلومات عن تأثير الإنترنت على النشاط الاقتصادي في الدول المستهدفة بالقياس من خلال ثلاثة مقاييس:

1- تمكين استخدام الإنترنت (50%)، 2- مقدار الصرف على الأنشطة الإلكترونية بما في ذلك الاستثمار في الإعلانات على الإنترنت (25%)،  3- المشاركة من قِبل القطاعات الحكومية والخاصة والأفراد أيضاً في الأنشطة المختلفة على الإنترنت (25%). 

ويقيّم مؤشر الكثافة الإلكترونية  لمجموعة بوسطن الاستشارية مستوى النضج والتقدم في 85 من اقتصادات الإنترنت- تتضمن جميع دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 28، ومعظم دول أميركا اللاتينية وآسيا، و14 دولة أفريقية. ويقدم هذا المؤشر نظرة مفصّلة للعمق والمستوى الذي بلغته النشاطات الرقمية في هذه الدول، إضافة إلى قياس إمكانيات كل واحدة من تلك الدول من حيث البنية التحتية الخاصة بالإنترنت، ومستويات طلب واستخدام خدمات الإنترنت.

وقد أشار م/أسامة كردي  في ورقة القضية إلى تقديرات هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات عن حجم التجارة الإلكترونية في المملكة المبني على تقييم مؤشر الكثافة الإلكترونية  لمجموعة بوسطن الاستشارية.

أما ما يخص تقييم المؤشر لدول العالم ودول مجلس التعاون خاصة، نقلاً عن مجلة "صانعو الحدث"  حيث التقت المجلة مع "هيرمان ريدل" الشريك والمدير الإداري في مجموعة "بوسطن كونسلتينج جروب" الشرق الأوسط الذي تطرق إلى الفائدة الاقتصادية المتحصلة من الإنترنت وتأثير هذا الأخير على الاقتصاد في مختلف دول المنطقة والعالم؛ قال: "في الواقع، يصعب تقييم الفوائد الاقتصادية المتحصلة من الإنترنت من خلال الإحصاءات الرسمية، حيث إنها مصممة لتقييم الصناعات التقليدية. وفي هذا الإطار، فإن قسماً كبيراً من التجارة الإلكترونية يجري تصنيفه ضمن سياق مبيعات التجزئة بشكل عام، حيث يدرج جنباً إلى جنب مع مبيعات المتاجر التقليدية. ومع ذلك، فإننا في مجموعة بوسطن كونسلتينج جروب سخرنا جهداً إضافياً لقياس الأثر الاقتصادي لهذه الشريحة. وهناك تأثير مباشر لها على الناتج المحلي الإجمالي، بما في ذلك جميع أشكال الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي وصافي الصادرات المتحصلة من جميع الأنشطة ذات الصلة بالإنترنت، مثل خدمات الإنترنت الثابتة والمتنقلة والتجارة الإلكترونية والخدمات عبر الإنترنت. وهذا يمثل في بعض اقتصادات الإنترنت المتقدمة، مثل المملكة المتحدة، أكثر من 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. مع ذلك، هناك الكثير مما لا يتم إدراجه في الناتج المحلي الإجمالي. على سبيل المثال، لا يتم إدراج الفوائد الاقتصادية لتعاملات التجارة الإلكترونية عالية الأداء ما بين الشركات (B2B)، إذ أنه لا يجري تصنيف سوى إيرادات المستهلك النهائي في الناتج المحلي الإجمالي. كما أن عمليات البحث والشراء على الإنترنت توفر فوائد هائلة للمستهلك، وهي في الواقع أعلى قيمة من التجارة الإلكترونية نفسها في معظم البلدان. وأخيراً، هناك المزيد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية المتحصلة من الإنترنت، مثل مناهج تعليم وخدمات صحية أفضل تدعم الاقتصاد بشكل غير مباشر".

وعلى مستوى دول المنطقة، شهد اقتصاد الإنترنت تطوراً ملحوظاً ولكنه لا يزال متخلفاً عن إمكاناته الحقيقية، وفي هذا الصدد علق ريدل قائلاً: "نحن نشهد اليوم استخداماً عالمياً شاملاً تقريباً للهاتف الذكي. وقد تم بالفعل تخصيص استثمارات كبيرة في البنية التحتية للإنترنت المتنقل والثابت. ولكن الصورة الحالية في دول الخليج متفاوتة، ففي حين حققت دولة الإمارات ودولة قطر تغطية شاملة بشبكات الألياف الضوئية، لا زالت الدول الأخرى متأخرة عن الركب في توفير النطاق العريض عالي السرعة في جميع أنحائها. كما نشهد فجوة كبيرة أخرى في جميع أنحاء دول مجلس التعاون تتمثل في ترسيخ دعائم منظومة الإنترنت على أساس هذه البنية التحتية. فلا تزال التجارة عبر الإنترنت، على سبيل المثال، غير مواكبة للبلدان الأكثر تقدماً. وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدنا إطلاق المزيد من العروض المبتكرة في الآونة الأخيرة، والتي تكتسب زخماً كبيراً. وبالتالي فإن المنطقة تقف عند نقطة انعطاف محورية، حيث يدخل اقتصاد الإنترنت مرحلة تطور جيدة، وستنمو معدلات الاستخدام بسرعة، الأمر الذي يسفر عن تقديم المزيد من العروض الأفضل والأكثر تطوراً".

واختتم هيرمان ريديل حديثه بالتنويه إلى اختلاف أعمال اقتصاد الإنترنت والعوامل التي تحث الدول على تبنيه فقال: "تتنوع أعمال اقتصاد الإنترنت، إذ يتم بعضها بين الشركات بعضها البعض (B-B) ،  أو بين الشركات والمستهلك  (B-C) أو بين الشركات والحكومات، ومن حيث الحجم تعد التعاملات بين الشركات والمستهلك الأكثر أهمية. ولكن تساهم هذه العناصر الثلاثة بمجملها في ترسيخ دعائم منظومة ملائمة للجميع. وما أن نصل إلى مرحلة يمكن إجراء جميع المعاملات اليومية على الإنترنت، فإنه يصبح من الطبيعي أن تغدو الإنترنت أولوية ويفضلها الجميع على التعاملات التقليدية التي تتطلب المزيد من الوقت لاستكمالها. وعلى مستوى منطقة الخليج، فإن اقتصاد الإنترنت يساهم بشكل كبير في النمو الاقتصادي وتأمين فرص العمل، ويعزز الاستدامة عموماً من خلال دعم جهود التنويع خارج قطاع النفط والغاز. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لتكنولوجيا الإنترنت تعزيز اندماج سكان القرى والهجر في مسيرة التقدم وتسهيل مشاركة المرأة في القوى العاملة. وهذه كلها عوامل مهمة لأي حكومة، ولهذه الأسباب تحديداً، تحرص بوسطن كونسلتينج جروب على مناقشة مبادرات مكرسة لتعزيز اقتصاد الإنترنت مع الحكومات في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي.

كما عقب م خالد العثمان على الورقة

بداية أختلف مع م. أسامة كردي في وصف حجم التجارة الإلكترونية في المملكة بالكبير والمرتفع نسبياً، بل إنني أشك كثيراً في وصفه بالأكبر في منطقة الشرق الأوسط. ورقم 30 مليار دولار في الحقيقة متواضع جداً بالنسبة للحجم الكلي الذي ذكره م. أسامة وهو 3.8 تريليون دولار ولم يبلغ حتى 1% من ذلك الرقم ، عدا عن حقيقة نوعية تلك التجارة الإلكترونية وكم منها نقل لبضائع ومشتريات من خارج المملكة أو مجرد مشتريات ألعاب إلكترونية واشتراكات مواقع وما إلى ذلك .

الحقيقة أن المملكة أمامها الكثير لتقوم بها في مجال التجارة الإلكترونية خاصة وأن رؤية 2030 تضمنت في أهدافها تنشيط التجارة الإلكترونية، ووضعت في محاورها عددا من النقاط التي يمكن أن تسهم في تحقيق ذلك الهدف، بما في ذلك تنمية البنية التحتية للخدمات اللوجستية، وتطوير قطاع الاتصالات والخدمات المالية. وفي الحقيقة، فإن تنمية التجارة الإلكترونية في المقابل سوف يسهم في تحقيق عدد آخر من أهداف رؤية 2030 ، ومن ذلك المساهمة في مكافحة التستر، وتحسين البيئة العمرانية عبر تقليل المنافذ التجارية العشوائية وتحسين نمط الحركة والنقل في الطرق، وتحجيم نقل الأموال خارج النظام البنكي بما يسهم في محاصرة ظاهرة اقتصاد الظل التي أراها أحد أهم عوامل الهدم في الاقتصاد السعودي .

الجانب المهم في هذه القضية هو أثر التجارة الإلكترونية على فرص العمل والتوظيف للمواطنين، والمخاطر التي يمكن أن تهدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الوطنية. هذا الموضوع كان موضوع مواجهة برزت مؤخراً بين شركة أمازون والرئيس الأمريكي ترامب بعد أن تنبه الأخير إلى النمو الكبير الذي تشهده هذه الشركة والمخاطر التي بدأ تبرز على سوق العقارات الأمريكي الذي يعتبر هو وامبراطوريته العقارية لاعباً فاعلاً فيه. والواقع أن هذه المخاطر هي مخاطر حقيقية تستوجب أخذها في الاعتبار ضمن توجهات وتشريعات التجارة الإلكترونية في المملكة، لضمان عدم التأثير السلبي على قطاعات اقتصادية أخرى، بما يمكن أن يؤدي إلى الإلغاء السريع للعديد من فرص العمل التي يشغلها أو يمكن أن يشغلها المواطنون السعوديون .

الجانب الآخر كذلك هو أن سيطرة الشركات العملاقة على القطاعات الحيوية باتت موضوعا لكثير من الجدل والنقاش حول أثرها على منظومة الاقتصاد وفرص تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وما نراه من استحواذ للكيانات العملاقة على تلك الناشئة بمجرد بروز فرص نجاحها ومنافستها. ما ذكره م. أسامة من استحواذ أمازون على سوق دوت كوم وتلك المنافسة الشرسة التي خاضتها حينها مع نون دوت كوم هو مجرد مثال لهذا الواقع، وهناك غيرها الكثير من الأمثلة في قطاعات عديدة ومنها بالطبع التجارة الإلكترونية. وبرأيي فإنه من الضروري أخذ هذه المخاطر أيضاً بعين الاعتبار، فمن جهة تنمية التجارة الإلكترونية تستوجب فتح الحدود وإزالة الحواجز أمام الشركات المتقدمة في هذا المجال لنقل تقنياتها وأنظمتها وتوطينها في المملكة، لكن من جهة أخرى من الضروري ضمان إتاحة المجال للمؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة من الاحتفاظ بدورها في مجمل المنظومة ، ومعالجة ظاهرة الاستحواذ الجائر من المؤسسات الكبيرة على الصغيرة، ليس فقط في قطاع التجارة الإلكترونية موضوع قضية الأسبوع بل في كل القطاعات عموماً.

وأخيراً أود التنبيه إلى ضرورة أن يكون هذا التوجه لتنمية قطاع التجارة الإلكترونية وارداً في اعتبار وزارة التعليم لتأسيس المسارات التعليمية والتدريبية اللازمة لتأهيل الشباب السعودي من الجنسين لخوض غمار هذا القطاع، والتسلح بما يتطلبه من مهارات علمية وتقنية وفنية ومهنية. إذ سيكون من المعيب جداً أن ننتبه فجأة بعد عدة سنوات أن تنمية هذا القطاع انتهت إلى التوسع في الاستقدام ومنح التأشيرات وحرمان شباب الوطن من ثمرة هذا المجهود .

 

¤      المداخلات حول القضية:

إحصاءات حجم التجارة الإلكترونية في المملكة

أشارت د. نوف الغامدي إلى ما أورده م. أسامة في ورقته من إحصاءات أصدرتها هيئة الإتصالات وتقنية المعلومات والتي قدرت حجم التجارة الإلكترونية بمبلغ 30 مليار ريال بالمقارنة بحجم التجارة العالمية الذي يقدر بـ 3.8 تريليون دولار ومتوسط إنفاق الفرد 4000 أي 1.06 ألف دولار. وفي الحقيقة الأرقام كبيرة مما يعني أننا أمام صناعة ناشئة مهمة من وجهة نظر الكاتب، ولكن ما هي القطاعات الأكثر إرتباطاً بمفهوم التجارة الإلكترونية لدينا ؟.

بينما يرى م. خالد العثمان أن هذه الأرقام ليست كبيرة بل متواضعة، لأنها إن كانت كبيرة فما هو الرقم المستهدف إذن؟، وكم يمثل هذا الرقم بالنسبة لحجم الانفاق الاستهلاكي عموماً؟. كما يجب أن لا ننسى أن حصة كبيرة من هذا الرقم الذي يتحدث عن التجارة الإلكترونية هو مجرد اشتراكات ألعاب ومواقع خدمات وما إلى ذلك.

من جانبها أكدت د. نوف الغامدي أن هذه الأرقام أصدرتها هيئة الإتصالات والشبكة السعودية بناء على العمليات المالية وبيانات المستخدمين، وهو ما لا يجب تجاهله، وفي الحقيقة فإن هذه الأرقام لا يستهان بها، وهذا ما دفع وزارة التجارة والإستثمار لتسن القوانين مؤخراً لهذا النوع من التجارة. كما أن تقريراً نشر لـ"عرب نت" أوضح أن المملكة العربية السعودية تعتبر الثانية عربياً في نسبة السيدات العاملات في القطاع الرقمي بعد الإمارات، حيث وصلت نسبة السيدات نحو 24% في المملكة و44% في الإمارات و23% في لبنان، مما يؤكد أن مستقبل الإقتصاد الإلكتروني والرقمي له دور كبير في الإقتصاد الكلي.

التجارة الإلكترونية "أسواق جديدة للشركات الكبرى"

ذهب د. يوسف الرشيدي إلى أن هناك حراك دولي قديم في تفعيل التجارة الإلكترونية لمساندة الأعمال الخاصة بالشركات الكبرى، للوصول إلي أسواق أكثر بأقل تكلفة. وهو أيضاً باب وفرصة كانت ولا تزال رائعة للمشاريع الصغيرة بالذهاب إلى أبعد نقطة في العالم لبيع منتجاتهم وعرض خدماتهم.

ما سيتم هو ليس سحب البساط من تحت أحد، ولكن سيكون العرض أكبر وأفضل من ذي قبل، فاستخدام القنوات الإلكترونية من مواقع ووسائل تواصل اجتماعي سيقلل كلفة التوسع من خلال القنوات التقليدية المتمثلة في المحلات والمعارض على الشركات، و يقلل الأسعار على الأمد البعيد.

الشركات الكبرى في مجال التجارة الإلكترونية

تساءلت د. نوف الغامدي عن تأثير دخول "أمازون" وغيرها من الشركات مثل "علي بابا" و"نون" على مجال التجارة الإلكترونية؟، وهل هي فرصة مهمة لتطوير الأسواق؟.

أجاب عن ذلك م. خالد العثمان بأن "أمازون" و"علي بابا" والأخيرة "نون" هي الشركات الأكبر عالمياً في مجال التجارة الإلكترونية، ويبدو أنها تقتسم العالم في نطاق التغطية والخدمة. فشركة "علي بابا" متخصصة حتى الآن في تغطية الصين وما حولها، بينما "أمازون" تغطي أمريكا وأوروبا وتمتد خدماتها إلى الشرق الأوسط. ويبدو أن "نون" تريد تغطية نطاق الشرق الأوسط وأفريقيا، وهو ما يعني أن قدوم "أمازون" إلى السعودية سيزيد من احتدام المنافسة بينهما بشكل خاص على غرار منافستهما السابقة في الاستحواذ على "سوق دوت كوم".

سوق التجارة الإلكترونية في المملكة

أورد د. خالد الرديعان جزء مقتبس من مقال نشر في الاقتصادية بتاريخ ١٧ يناير 2017م: حيث يذكر كاتب المقال "على الرغم من نموها السريع، لا تزال سوق التجارة الإلكترونية في المملكة حديثة العهد، ففي العام 2016م سجّلت المبيعات الإلكترونية نحو 0.8% من إجمالي مبيعات التجزئة، وهو رقم أقل بكثير من أسواق التجارة الإلكترونية الرائدة وغيرها من الأسواق الإقليمية ذات الصلة مثل الإمارات التي تسجل فيها أسواق التجارة الإلكترونية 1.5%. وإضافة إلى ذلك، لم تحصل الشركات السعودية على حصتها في السوق بعد، حيث إن الشركات العالمية تستحوذ على النسبة الأكبر من السوق. وفي الواقع، فعلى سبيل المثال حقق موقع "أمازون" خلال العام الماضي، حصة تبلغ 15.2% من سوق التجارة الإلكترونية في المملكة رغم عدم امتلاك الشركة لأي مكتب محلي في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.

وبحسب مجموعة بوسطن كونسلتينج جروب الشرق الأوسط، فقد حققت التجارة الإلكترونية نمواً هائلاً على المستوى العالمي، وهناك مؤشرات قوية تفيد بأن المستهلك في السعودية سيتبنى التجارة الإلكترونية كجزء من ممارساته الشرائية، ولكن استعداده لشراء العروض المحلية محدود للغاية، حيث إن 30% من المبيعات تأتي من لاعبين لا يمتلكون أي حضور محلي، وهنا تبرز أهمية إيجاد بيئة أعمال مناسبة للتجارة الإلكترونية. وهناك خمسة عوامل رئيسة يمكنها أن تحقق تطويراً ملحوظا في بيئة الأعمال لتطوير التجارة الإلكترونية. وتتضمن هذه العوامل الخدمات اللوجستية على المستوى المحلي بما يشمل الإشراف على خدمات التوصيل السريعة والخدمات عالية الجودة بأسعار تنافسية، وتوفير إطار عمل تنظيمي يدعم تبني تكنولوجيات الدفع الإلكتروني، وتنظيم إجراءات عمليات استيراد وتصدير سريعة للمنتجات، وتطوير حاضنات لتوفير منصة للإبتكار وريادة الأعمال، وتطوير الاتصال الشبكي من خلال تحديث البنية التحتية التقليدية".

التجارة الإلكترونية وتأثيرها على فرص العمل

يرى أ. محمد الدندني أن التجاره الالكترونية ومع تطورها لدينا ستؤثر على فرص العمل شئنا ام أبينا، ولذا يجب التركيز على كيف أن نضمن حصة اقتصادنا بما فيها فرص العمل وليس على حماية من سيتضرر. وكذلك التركيز على زيادة المحتوى المحلي فيها عملاً وإنتاجاً، وأن لا يطغى على السوق ما هو مستورد فقط. وبالرغم من وجود اهتمام بالشركات الصغيرة والمتوسطه إلا أن القوانين والرسوم وتكلفة العمل تتناقض مع هذا الاتجاه. لذا على وزارة التجاره وهيئة الاستثمار حث هذه الشريحة على الاندماج و تكوين شركات كبرى بإضافة مساهمين جدد.

تأثير التجارة الإلكترونية على التجارة المحلية

في تصور د. خالد بن دهيش أن التجارة الإلكترونية بدأت بسحب البساط من التجار السعوديين، وما يقرب من ٣٠ مليار ريال كان ينفقها المستهلكون وتذهب إلى التاجر السعودي، سواء كان ذلك من خلال مؤسسة أو شركة، والآن أصبح هذا المبلغ يذهب إلى الشركات التي تتعامل بأسلوب التجارة الإلكترونية مثل "أمازون" أو"علي بابا" أو"نون" ..وغيرهم.

وذهب د. سعد الشهراني أن هناك عدة أسباب تدفع بالمستهلك السعودي إلى الذذهاب للسوق الإلكترونية بدلاً من السوق المحلية، من أهم هذه الأسباب:

  1. عدم وجود المنتج في السوق المحلية الأقرب له جغرافياً.
  2. ارتفاع السعر في السوق التجارية التقليدية عنها في العالم وفي السوق الإلكترونية بالتحديد.
  3. عدم الثقة في جودة المنتج في السوق التجارية  التقليدية.
  4. السوق الالكترونية توفر الوقت والجهد والمال.
  5. الضمانات التي يقدمها المورد الإلكتروني.

بالإضافة إلى أن السوق الإلكترونية الوطنية والدولية منافس حقيقي للتجارة الوطنية التقليدية، وستأخذ نصيباً متزايداً من الطلب العام على سلع كثيرة في السوق التقليدية، ولاشك أنه سيكون من آثار ذلك إغلاق وإفلاس بعض النشاطات التقليدية، انخفاض المبيعات والأسعار والأرباح في السوق التجارية التقليدية، واستفادة المستهلك من فوارق السعر.

وعلى المستوى الكلي ستشمل آثار هيمنة السوق الإليكترونية على النشاط التجاري المحلي الأثر على الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وعلى الدخل الوطني بل والدخول الخاصة لأصحاب الاعمال الذين خرجوا من السوق بسبب منافسة السوق الاليكترونية، على سوق التجزئة والموردين التقليديين والعاملين في هذا النشاط.

   من المهم جداً اللحاق بالسوق الإلكترونية لأنها سوق المستقبل، فلابد من دعم هذه السوق وتذليل العقبات أمامها بحيث تنشط محلياً من المنتج أو الموزع المحلي إلى المستهلك المحلي والأهم إلى المستهلك الإقليمي والدولي، وهذا يتطلب ان نحل العقدة التنموية المتأصلة لدينا وهي ضعف القطاع الإنتاجي وعدم وجود المنتجات المنافسة محلياً ودولياً.

ويعتقد د. خالد الرديعان أن التجارة الالكترونية مجرد وسيلة أخرى لسحب النقد من أيدي المواطنين، وإفراغ الوطن منه، بحيث تتوجه الأموال غرباً للولايات المتحدة أو شرقاً للصين هذا أولاً. هذا بالإضافة إلى أن هذه التجارة قد يكون لها تأثير سلبي على التاجر والموزع المحلي وهو ما قد يكون مضراً بالاقتصاد الوطني. وأذكر مثالاً على ذلك: حيث يباع في صيدلياتنا مكملات غذائية وفيتامينات بأسعار مرتفعة جداً، وفي المقابل يمكن طلب هذه الوصفات من الولايات المتحدة بأقل من نصف الثمن، وينطبق ذلك أيضاً على قطع غيار السيارات تحديداً.

وهو ما أكده أ. سمير خميس، حيث يرى أن هذه المخاوف يجب أن تكون في حسبان صانع القرار بحيث يتم التركيز على تحسين قطاع الاتصالات وتخفيف القيود المفروضة عليه، بحيث يمكن صنع كيانات تجارية إلكترونية ولو على المستوى المحلي، ثم التوسع إقليمياً وعالمياً إذا نجحنا في ذلك. أيضاً إصلاح الواقع "المر" للبريد وشركات الشحن التي تعمل في السعودية المنقسمة إلى شركات عالمية بوكالات مهترئة تعمل في السعودية، أو شركات شحن سعودية المنشأ لكننا لا نتذكرها لعدم معرفتنا بها أو لا نذكرها خجلاً من واقعها.

أيضاً ينبغي تطوير الجوانب القانونية المرتبطة بهذه التجارة من تطوير للأنظمة المتعلقة بها وجعلها أكثر مرونة وجاذبية لتنمية هذا القطاع بما أنه المستقبل المنتظر شئنا أم أبينا، وكذلك إنشاء دوائر قضائية تستوعب الواقع المستجد تجارياً،  وتأهيل القطاع الحقوقي من محامين ومؤسسات مجتمع مدني تستطيع التعامل مع هذا الواقع الذي لا يمكن مجابهته بالأمنيات فقط.

بينما ترى د. ريم الفريان أن التجارة الإلكترونية مثل أي تقنية جديدة تحتمل التأثير السلبي أوالايجابي. والمنافسة مطلوبة في أي تجارة أو صناعة. لذا فإن تطوير كفاءاتنا وخدماتنا وتجارتنا أو صناعاتنا هو ما نحتاج أن نركز عليه وليس نقد الأدوات المستخدمة. 

أسباب اتجاه المستهلكين إلى التعاملات الإلكترونية

في رأي د. خالد الرديعان فإن الذين يتجهون للتعاملات الإلكتزونية وشراء مستلزماتهم من الخارج هو بسبب ارتفاع أسعار هذه السلع في السوق المحلية وخاصة الملابس والأغطية والمكملات الغذائية وبعض الأدوية وكذلك قطع الغيار، فأسعار القطع مرتفعة جداً. وربما أن الوكلاء المحليون يكسبون في بيع قطع غيار السيارات أكثر من بيع السيارات نفسها.

بينما ذهب أ. سمير خميس إلى أن السبب في ارتفاع هذه الظاهرة هو الرغبة في اتباع نمط جديد من أنماط الحياة، وسيادة هذا السلوك أو زيادته لدى الأفراد قد تكون لها مسببات نفسية ومجتمعية. وبرغم من حالات النصب الكثيرة في التجارة الإلكترونية خاصة في قطاع الملابس إلا أنه لا زال الطلب عليها مرتفعاً، وربما عندما يلاحظ التجار المحليين انخفاض مبيعاتهم بسبب التجارة الالكترونية وانخفاض أسعارها، فسيلجأون إلى خفض أسعارهم ليتمكنوا من المنافسة.

الاستفادة المحلية من التجارة الإلكترونية

أشار د. رياض نجم إلى أن التجارة الالكترونية لا تعني بالضرورة خروج الأموال من المملكة إلى خارجها. فَلَو أن مستودعات التاجر ووسيلة التوصيل للمستهلك كانت داخل المملكة فسوف تصب كل الأموال المحصلة أو معظمها داخل الاقتصاد السعودي، ويمكن تشجيع ذلك من خلال وضع محفزات للتاجر (سواء سعودي أو غير سعودي) الذي يبني مستودعاته ويستخدم وسائط نقل داخل المملكة .

وبالتأكيد فإن المستفيدين في سلسلة التجارة الإلكترونية يختلفون عن أولئك المستفيدين من التجارة التقليدية بسبب تغير نموذج العمل، وعلى الأخيرين التكيف مع ذلك إذا أرادو الاستدامة .

أضاف م. أسامة كردي أن التجارة الإلكترونية تشمل المنتجات والخدمات الوطنية، فهناك تصور خاطئ أن التجارة الإلكترونية تشمل المنتجات والخدمات الأجنبية فقط، فبواسطة هذه التجارة يمكن شراء منتجات المصنع القريب من المنزل.

وأذكر أن نمو التجارة الالكترونية أدى إلى قيام محل الألعاب الشهير "تويز آر أس" إلى إغلاق كل محلاتهم في أمريكا والاعتماد على البيع الإلكتروني.

أضاف أيضاً د. خالد الرديعان، بما أننا نعاني من مشكلة العمالة الوافدة وكثرتها في البلد فإن التجارة الالكترونية قد تساعد في خفض عددهم.

كما قد تساعد التجارة الالكترونية رغم بعض مساوئها في فتح مجال "العمل النسائي بالتجارة والاستثمار"، والذي يمكن إدارته عن بُعد دون الحاجة إلى عمالة بعدد كبير، إذ يكفي وجود موزعين سعوديين يحصلون على نسبة من عملية ايصال الخدمات والسلع.

من جانبه أكد د. يوسف الرشيدي أن ما يحدث في المنطقة من حراك بين الشركات الصغيرة والمتناهية الصغر واستخدامها البيع من خلال  القنوات الإلكترونية يبين حجم الإزدهار في بلادنا بشكل خاص والمنطقة بشكل عام.

وما دخول "أمازون" في الشرق الأوسط وإنشاء منصة "نون" واستثمار المملكة فيه إلا تعزيزاً للتوجه بجعل التجاره الإلكترونية تنتعش وتعزز من تنافسية المنتجات المحلية ذات رؤوس الأموال المحدوده والمتدنية وما يساندها  انتشار الشركات المتخصصة بالتوصيل من الصغار والكبار.

لذا فأنا أتوقع ازدياد المنافسة وازدهار الأسواق، وسيكون هناك تراجع في التوسع في الحضور الملموس في السوق من خلال المحلات والمعارض، وستقل الفرص الوظيفية المباشرة وتزداد فرص التوظيف من المنزل للدعم والمساندة، وستختفي وظائف وستظهر أخرى.

قراءة في اقتصاد |"أون لاين"

أوردت د. نوف الغامدي جزءاً من مقالة لها سبق أن نشرتها تحت عنوان "اقتصاد أونلاين كيف تقرأون هذا النوع من الإقتصاد"، وذكرت "إن التجارة الإلكترونية ليست قطاعاً اقتصادياً واضح المعالم بعد، فالتجارة الإلكترونية حتى الآن ليست سوى "أڤاتار" الأسواق، أي أنها مبادرات إلكترونية للتبادل السلعي والمقايضة، وتحتاج هذه الأسواق الافتراضية إلى أن تتحول إلى صناعة قبل أن نعتبرها قطاعا اقتصاديا، فما أضافته الأسواق الإلكترونية إلى العالم حتى الآن هو فضاء خال من الإجراءات المعقدة لبناء مكان لإلتقاء البائع مع المشتري، دون شروط مسبقة، ولأن الأصل في النمو الاقتصادي هو الحرية، فقد وجد المتعاملين في التجارة الإلكترونية حرية واسعة وتنافسية حقيقية دون قيود حكومية أو رقابة مؤسسية أو بعد مكاني، بل حتى عدم القدرة على الملاحقة الضريبية، أو الرسوم الإدارية، ولكن السعودية من خلال مصلحة الزكاة والدخل أعلنت مؤخراً أن عمليات البيع والشراء في المتاجر الإلكترونية، ستخضع لضريبة القيمة المضافة بنسبة 5%، ابتداءً من مطلع يناير 2018، كما ان وزارة التجارة وضعت ضوابط للتجارة الإلكترونية والمنصات.

وتظل أصعب المراحل في التجارة الإلكترونية قائمة على بعدين: الأول صعوبة التقايض، والثاني صعوبة تسليم السلع الحقيقية، أو لنقل صعوبة الانتقال من الاقتصاد الافتراضي إلى الاقتصاد الحقيقي. فالتقايض حتى الآن يواجه عقبة التحول من العملة الحقيقية النقد "الكاش" إلى العملة الإلكترونية، وتسليم السلع يواجه صعوبات لوجيستية كثيرة".

رؤية فلسفية للتجارة الإلكترونية

استند م. خالد العثمان في حديثه إلى فلسفة أستاذ الفلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد لوتشيانو فلوريدي حيال رؤيته للثورة التي جعلتنا نسير وبسرعة مذهلة نحو تفويض عناصر وسيطة (وكلاء) اصطناعيّة مسلمين لها كياناتنا الذاتية كاملة حتى بتنا كائنات حيّة معلوماتية تعيش في بيئة جديدة هي بيئة الغلاف المعلوماتي الكبير الذي يغلف الكون بأكلمه..وفيها تكون الذوات الإنسانية مجرّد إنفورغات منزوعة الفردية أي مجرّد أرقام أو عناوين الكترونية الأمر الذي سيعمل على تحويلنا إلى سلعة تباع وتشترى عبر عمليات تسيرها العناصر الوسيطة "الوكلاء" عبر الكيانات المتحكمة في فضاء الغلاف المعلوماتي، قد نصبح مثل "الأنفس الميتة" في رواية غوغول ولكن معنا حافظات نقود.. قيمتنا تعتمد على قدرتنا الشرائية كأعضاء في مجموعة العملاء، وهذا يتمّ بنقرة واحدة فقط، كلّ هذا غاية في المساواة، إذ لا أحد على الواب يهمّه من تكون ما دام رقمك التعريفي يدلّ على أنّك من النوع المناسب من المتسوّقين".

يشير فلوريدي أيضاً إلى أن دولاً مثل كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وأمريكا مؤهلون كمجتمعات تاريخ مفرط، لأنّ ما لا يقلّ عن 70٪ من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول يعتمد على السلع غير المادية ذات الصلة بالمعلومات بدلاً من السلع المادية الناتجة من العمليات الزراعية أو الصناعية، وبشكل كبير تعتمد اقتصادات هذه الدول على أصول قائمة على المعلومات (اقتصاد قائم على المعرفة وعلى الخدمات كثيفة الاستخدام للمعلومات، وبخاصة خدمات الأعمال والممتلكات والاتصالات والتمويل والتأمين والترفيه)، وعلى القطاعات العامة الموجهة نحو المعلومات مثل التعليم والإدارة العامة والرعاية الصحية..

في السياق نفسه أضاف د. خالد الرديعان؛ المأزق في الموضوع كله هو أن تقنية الاتصال تتقدم بسرعة مذهلة بطريقة تجلب لنا المخاوف من المستقبل وما يحمل في طياته. والطامة الكبرى أن هذا التقدم وإن كان الكثيرين يرونه إيجابياً إلا أنه في حقيقة الأمر يتم على حساب انسانيتنا إنه يختزلنا إلى كائنات مستهلكة. نحن مجرد بطاقات بلاستيك، بل أقل من ذلك نحن مجرد أرقام آيبانات.

¤      التوصيات

  1. السعي لأن تصبح التجارة الالكترونية داعماً للصناعات المحلية من خلال إحداث فرص عمل، وجذب الاستثمارات، مع دعم ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
  2. تحتاج التجارة الإلكترونية إلى مجموعة من الإجراءات لتطوير نصيبها من التجارة بشكل عام في المملكة مثل نشر الثقة بها، وتوعية المستهلك، وتوفير خدمات التغليف والتوصيل، وتحسين وتأمين نظم الدفع الإلكتروني، وتطوير بنية الاتصالات في المملكة.
  3. تنمية البنية التحتية للخدمات اللوجستية، وتطوير قطاع الاتصالات والخدمات المالية، بمايسهم في تنشيط التجارة الإلكترونية تحقيقاً لأهداف رؤية المملكة 2030.
  4. فتح الحدود وإزالة الحواجز أمام الشركات المتقدمة في مجال التجارة الإلكترونية لنقل تقنياتها وأنظمتها وتوطينها في المملكة، مع ضمان إتاحة المجال للمؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة في الإحتفاظ بدورها في مجمل المنظومة.
  5. حث الجامعات (الحكومية والأهلية) على فتح برامج جامعية ودراسات عليا في مجال التجارة الإلكترونية ووزارة التعليم على تأسيس مسارات تعليمية وتدريبية لتأهيل الشباب السعودي من الجنسين في هذا المجال والتسلح بما يتطلبه من مهارات علمية وتقنية وفنية ومهنية.
  6. التركيز على زيادة المحتوى المحلي في التجارة الإلكترونية عملا وإنتاجاً، وضمان حصة إقتصادنا الوطني بما في ذلك فرص العمل.
  7. حث الشركات الصغيره والمتوسطه في مجال التجارة الإلكترونية من قبل وزارة التجارة والهيئة العامة للإستثمار على الاندماج وتكوين شركات كبرى بإضافة مساهمين جدد.
  8. تفعيل الاستثمار في الأفكار الجديده وبراءات الاختراع محلياً وخارجياً بالإستحواذ على حافظات علمية وأفكار في مرحلة البحث والتطوير ومن ثم العمل على نقلها للقيمة التجارية.
  9. التسريع في تذليل العقبات التي تواجه التجارة الإلكترونية في السعودية على المستوى التقني والمالي اللوجستي بما يسهم في إنتشارها على مستوى واسع.
  10. من الضروري أن تكون هناك برامج توعية شاملة بسلبيات وإيجابيات التجارة الإلكترونية لوضع المستهلك أمام مسؤوليته الوطنية.
  11. تطوير الجوانب القانونية المرتبطة بالتجارة الإلكترونية سواءً ما يتعلق بالأنظمة المتعلقة بها وجعلها أكثر مرونة وجاذبية لتنمية هذا القطاع، أو إنشاء دوائر قضائية تستوعب الواقع المستجد لهذا النوع من التجارة.
  12. حل العقدة التنموية المتأصلة وهي ضعف القطاع الإنتاجي وعدم وجود المنتجات المنافسة محلياً ودولياً، ودعم السوق الإلكترونية، وتذليل العقبات أمامها بحيث تنشط محلياً من المنتج أوالموزع المحلي إلى المستهلك المحلي والأهم إلى المستهلك الخارجي.
  13. يجب على المستفيدين من التجارة التقليدية التكيف مع التجارة الإلكترونية إذا أرادو الإستدامة بسبب تغير نموذج العمل،
  14. وضع محفزات للتاجر (سواء سعودي أو غير سعودي) الذي يبني مستودعاته ويستخدم وسائط نقل داخل المملكة بهدف دعم الإقتصاد المحلي.
  15. تقديم القروض للشبان من الجنسين لتأسيس تطبيقات للبيع الإلكتروني بغرض تشجيعهم ودفعهم لاقتحام السوق.
  16. طرح الأنظمه اللازمة ولائحتها التنفيذية المشرعة والمنظمة لهذا العمل التجاري مع تحديد الضوابط المقننة لهذا النوع من الأنشطة.
  17. نشر ثقافة التجارة الإلكترونية بين النشء من الجنسين وتدريبهم وتأهيلهم على كيفية التعامل معها.
  18. تأسيس جمعية علمية للتجارة الإلكترونية وكذلك إنشاء غرفة تجارية متخصصة بشؤون التجارة الإلكترونية أو لجان وطنية في الغرف التجارية.
  19. تعظيم تأثير الجوانب الإيجابية للتجارة الإلكترونية على التجارة التقليدية من خلال دعم وتطوير آليات التجارة التقليدية للقضاء على أي أثر سلبي قد ينتج من التوسع بالتجارة الإلكترونية على حسابها.
  20. تأسيس مركز وطني لقياس مستوي رضا العملاء لخدمة منصات التسويق الإلكتروني بجميع أنواعه (الأفراد والشركات)، علآ أن تخضع لنظام واضح يكفل حقوق جميع الأطراف.
  21. إنشاء برنامج للتوازن الاقتصادي (offset program) للشركات الأجنبية الكبرى التي ترغب العمل في المملكة في مجال التجارة الالكترونية، بغرض نقل التقنية والمعرفة في هذا المجال وتدريب الكوادر السعودية للعمل فيها.

¤      الملخص التنفيذي

القضية: مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة

تتوافق التجارة الإلكترونية كقطاع ناشئ في المملكة مع الرؤية المستقبلية 2030، حيث حققت العام الماضي نمواً جيداً، بفضل الدعم الكبير في خطة التحول الوطني وما تقدمه وزارة التجارة والصناعة من خلال دعم رؤية المملكة 2030 من تسهيلات، وتحقيق السعودية مكانة متميزة بين دول منطقة الخليج في التجارة الإلكترونية، فهي أكبر اقتصاد في المنطقة، وتتميز بقوة شرائية كبيرة وبمجتمع شبابي يستخدم الانترنت ولديه شغف بالتسوق الالكتروني؛ لذا كانت قضية مستقبل التجارة الإلكترونية من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها م/ أسامة كردي وناقش فيها مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة. وتم التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت إحصاءات حجم التجارة الإلكترونية في المملكة، الشركات الكبرى في مجال التجارة الإلكترونية، التجارة الإلكترونية "أسواق جديدة للشركات الكبرى"، سوق التجارة الإلكترونية في المملكة، تأثير التجارة الإلكترونية على التجارة المحلية وعلى سوق العمل، أسباب اتجاه المستهلكين إلى التعاملات الإلكترونية، ومدى الاستفادة المحلية من التجارة الإلكترونية.

وذهب م. أسامة كردي إلى أن أهمية التجارة الإلكترونية في الاقتصاد الوطني تأتي من مجموعة من المميزات تشمل تنويع الاقتصاد ودعم الناتج المحلي، وإحداث فرص عمل وجذب الاستثمارات مع دعم ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقد تمتد هذه المميزات إلى أن تصبح التجارة الالكترونية داعماً للصناعات المحلية.كما أن هناك عدة محاولات لتوفير خدمات التجارة الإلكترونية محلياً مشابهة لخدمات أمازون.

كما أشار إلى نظام التجارة الالكترونية الجديد الذي يشمل تراخيص جديد لهذه التجارة، وأنه يشمل حماية معلومات المستهلكين وتفاصيل الجهة المقدمة للخدمة، ويهدف من ضمن ما يهدف تعزيز الثقة بين المحل الإلكتروني والمستهلك.

وتلخصت التعقيبات التي جرت على هذه الورقة في أن التجارة الإلكترونية من أهم نتائج تكنولوجيا المعلومات في هذا العصر، وقد أدى استخدامها في المعاملات التجارية إلى تغيرات اقتصادية، واجتماعية، ونفسية، وأفرزت نمطاً جديداً من التسوق، والوظائف، وخلقت فرص عمل جديدة، وغيرت بيئة العمل التقليدية. ولذلك فإن المملكة أمامها الكثير لتقوم بها في مجال التجارة الإلكترونية خاصة وأن رؤية 2030 تضمنت في أهدافها تنشيط التجارة الإلكترونية، ووضعت في محاورها عددا من النقاط التي يمكن أن تسهم في تحقيق ذلك الهدف، بما في ذلك تنمية البنية التحتية للخدمات اللوجستية، وتطوير قطاع الاتصالات والخدمات المالية.

ورصدت المداخلات التي دارت حول موضوع الورقة إحصاءات حجم التجارة الإلكترونية في المملكة، وكيف أن الشركات السعودية لم تحصل على حصتها في السوق بعد، حيث إن الشركات العالمية تستحوذ على النسبة الأكبر من السوق.

وذهب البعض إلى أن التجاره الإلكترونية ومع تطورها في المملكة ستؤثر على فرص العمل، ولذا يجب التركيز على كيفية ضمان الحصول على حصة الاقتصاد السعودي بما فيها فرص العمل، والتركيز على زيادة المحتوى المحلي فيها عملاً وإنتاجاً، وأن لا يطغى على السوق ما هو مستورد فقط.

كما تناولت المداخلات تأثير التجارة الإلكترونية على التجارة المحلية، والأسباب التي تدفع بالمستهلك السعودي إلى الذهاب للسوق الإلكترونية بدلاً من السوق المحلية والتي منها ارتفاع الأسعار وعدة الثقة في جودة المحلي وتوفير الجهد والوقت والمال.

وأكد المناقشون على أهمية اللحاق بالسوق الإلكترونية لأنها سوق المستقبل، فلابد من دعمها، وتذليل العقبات أمامها بحيث تنشط محلياً، ويستفيد منها المنتج والتاجر والموزع والمستهلك المحلي، داخلياً وخارجياً.

وفي نهاية النقاش توصل الملتقى لعدد من التوصيات التي تهدف إلى استقراء مستقبل التجارة الإلكترونية في المملكة ومدى دعمها وفعاليتها في تحقيق رؤية المملكة وتطلعاتها، أهمها: السعي لأن تصبح التجارة الالكترونية داعماً للصناعات المحلية من خلال إحداث فرص عمل، وجذب الاستثمارات، مع دعم ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. تنمية البنية التحتية للخدمات اللوجستية، وتطوير قطاع الاتصالات والخدمات المالية، بما يسهم في تنشيط التجارة الإلكترونية تحقيقاً لأهداف رؤية المملكة 2030. التركيز على زيادة المحتوى المحلي في التجارة الإلكترونية عملا وإنتاجاً. طرح الأنظمه اللازمة ولائحتها التنفيذية المشرعة والمنظمة لهذا العمل التجاري مع تحديد الضوابط المقننة له. فتح الحدود وإزالة الحواجز أمام الشركات المتقدمة في مجال التجارة الإلكترونية لنقل تقنياتها وأنظمتها وتوطينها في المملكة، مع ضمان إتاحة المجال للمؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة في الإحتفاظ بدورها في مجمل المنظومة. تطوير الجوانب القانونية المرتبطة بالتجارة الإلكترونية. إنشاء برنامج للتوازن الاقتصادي (offset program) للشركات الأجنبية الكبرى التي ترغب العمل في المملكة في مجال التجارة الالكترونية، بغرض نقل التقنية والمعرفة في هذا المجال وتدريب الكوادر السعودية للعمل فيها. وتأسيس جمعية علمية للتجارة الإلكترونية وكذلك إنشاء غرفة تجارية متخصصة بشؤون التجارة الإلكترونية أو لجان وطنية في الغرف التجارية.

القضية الثالثة

الورقة الرئيسة

الجمعيات العلمية والمهنية

ودورها في التنمية

¤      الكاتب: د. رياض نجم

مقدمة

تنبع أهمية قضية "الجمعيات العلمية والمهنية ودورها في التنمية" من إرتباطها بالتنمية، وبالتالي كونها ذراعاً مهماً من أذرعة رؤية المملكة 2030، فهي المنوط بها إيجاد علاقة وشراكات فاعلة بين الجهات العلمية والمهنية في المملكة والفرص المتاحة في القطاعين الحكومي والخاص، مع دراسة الاحتياجات الواقعية لسوق العمل.

لذا كانت قضية الجمعيات العلمية والمهنية ودورها في التنمية في المملكة من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها د/ رياض نجم وناقش فيها دور الجمعيات العلمية والمهنية في التنمية في المملكة. وتم التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (الفصل بين الجمعيات العلمية والمهنية، استقلالية الجمعيات العلمية عن الجامعات، دمج الجمعيات، جمعيات متعددة وتخصص واحد، إشكالية الجميعات العلمية، تحديات وعقبات تواجه الجمعيات العلمية والمهنية، الدور المهني للجمعيات، الجمعيات العلمية والتنمية، الجمعيات العلمية والمجال الصحي، الجوانب التنظيمية في الجمعيات العلمية، الرئاسة الفخرية للجمعيات العلمية، أعضاء الجمعيات العلمية: المتطوعين والمتفرغين، الجمعيات العلمية بين الماضي والحاضر، بعض الرؤى لضمان نجاح الجمعيات العلمية، تجارب من الجمعيات العلمية، موارد الجمعيات العلمية)، وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديد من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نص الورقة التي كتبها الدكتور/ رياض نجم وعقّب عليها الدكتورة/ ريم الفريان، والمهندس/ سالم المري.

كتب د. رياض نجم في ورقته الرئيسة عن (الجمعيات المهنية والعلمية ودورها في التنمية):

عندما نبحث عن تعريف لكل من الجمعيات العلمية والجمعيات المهنية نكتشف أن التعاريف لها متداخلة ويستخدم أي من المسميبن بشكل متبادل من تخصص لآخر ومن دولة لأخرى . لهذا فسوف أستخدم مسمى الجمعيات العلمية في هذه الورقة لأنه المسمى الأكثر شيوعا في المملكة. فالجمعية العلمية هي مؤسسة غير ربحية في الغالب، تنشأ لدفع تقدم مجال أو مهنة أو ما شابه وتبني سياسات تخدم هذا المجال أو المهنة والعاملين فيها بما يحقق مصالحها بشكل متوازن دون النظر إلى العائد المادي بالضرورة. وقد تكون عضوية تلك الجمعيات مفتوحة للجميع أو قد تشترط مؤهلات معينة . وقد تكون عضويتها تشريفًا يُمنح للعضو بالانتخاب.

تشمل أنشطة الجمعية العلمية في الغالب عقد مؤتمرات دورية لعرض ومناقشة نتائج الأبحاث الجديدة، ونشر أو رعاية دوريات أكاديمية في مجالها . وقد تقوم بعض الجمعيات العلمية بدور الكيانات المهنية، فتنظم أنشطة أعضائها في سبيل الصالح العام أو الصالح الجماعي للأعضاء. وتعكس الجمعيات العلمية صورة حضارية للمجتمعات التي تنتمي إليها، لأنها تخدمها في المجالات المهنية التي يمثلها أعضاؤها. 

وتعتبر المعلومات التي توفرها الجمعيات العلمية ذات فائدة كبيرة لاتخاذ القرارات في القطاع الخاص الممثل بالشركات الربحية، وكذلك في الوزارات والإدارات الحكومية التي تقدِّم خدماتها للجمهور . والحقيقة أن الجمعيات المهنية لا تستطيع تحقيق الرسالة والأهداف التي تأسست من أجلها إذا لم تتلقَّ الدعم الضروري من الحكومة ومن القطاع الخاص على حد سواء .

نظام الجمعيات العلمية:

صدرت القواعد المنظمة للجمعيات العلمية في الجامعات السعودية بقرار من مجلس التعليم العالي سابقا بعد موافقة خادم الحرمين الشريفين بتاريخ 16/3/1421هـ . وقد نصت هذه القواعد على أنه يجوز للجامعات السعودية إنشاء جمعيات علمية تعمل تحت إشرافها المباشر وتمارس نشاطاتها العامة في تطوير المعارف النظرية والتطبيقية، وتقديم الاستشارات والدراسات العلمية والتطبيقية للقطاعات العامة والخاصة وفق الأحكام التي تتضمنها هذه القواعد .  

أهداف الجمعيات العلمية في المملكة:       

-         تنمية الفكر العلمي في مجال التخصص والعمل على تطويره وتنشيطه.

-         تحقيق التواصل العلمي لأعضاء الجمعية.

-         تقديم المشورة والدراسات في مجال التخصص.

-         تطوير الأداء العلمي والمهني لأعضاء الجمعية.

-         تيسير تبادل الإنتاج العلمي والأفكار العلمية في مجال اهتمامات الجمعية بين الهيئات والمؤسسات المعنية داخل المملكة وخارجها.

الجمعيات العلمية المسجلة في المملكة:

(جامعة الملك سعود 50 "18 طبي" - جامعة الملك عبدالعزيز 27 "16 طبي" - جامعة الامام محمد بن سعود 10 - جامعة الملك فيصل 7 - جامعة الملك فهد للبترول والمعادن 7 - جامعة الملك سعود للتخصصات الطبية  9 - جامعة أم القرى 6 ). بالإضافة إلى بعض الجامعات الأخرى التي لدى كل منها ما لا يزيد عن 4 جمعيات علمية .

المشكلة التي تواجه معظم الجمعيات العلمية في المملكة تكمن في العضوية المتدنية، حيث يلتحق بعضويتها عدد قليل من الأعضاء مقارنة بعدد كبير من المهنيين السعوديين، ناهيك عن الحضور المتدني للمنتسبين لهذه الجمعيات المهنية في ورش العمل والندوات. ويعتقد بعض الأعضاء بأن هذه الجمعيات المهنية لا تقدم برامج كافية تخدم أعضاءها والمجتمع الذي تمارس فيه نشاطاتها، بينما يعتقد البعض الآخر من الذين لا ينتسبون لها بأنها لا تتفق مع احتياجاتهم وميولهم . والنتيجة أن هذه الجمعيات لا تحظى بعضوية فعالة تزيد من حضور ومشاركة الأعضاء الحاليين، ناهيك عن عدم قدرتها على جذب أعضاء جدد فاعلين يسهمون في تطوير نشاطاتها. 

كما تواجه الجمعيات العلمية السعودية صعوبات في تمويل نشاطاتها العديدة، حيث لا يسدد الأعضاء الحاليون الرسوم السنوية للعضوية . وربما تولدت قناعة لدى كثير من المهنيين السعوديين عن الجمعيات المهنية والعلمية بأنها غير مجدية وغير مستقلة أو أنها تدار بأساليب غير مهنية وبالتالي يعزفون عن الالتحاق بعضويتها.

إضافة إلى ذلك فإن التوزيع الجغرافي للجمعيات العلمية والمهنية السعودية يحتاج لإعادة النظر من حيث اقتصار تواجدها على المدن الكبرى ليستفيد منها المهنيون في كل مكان في المملكة. وسيزيد التوزيع الجغرافي الأشمل لنشاطات وفعاليات الجمعيات المهنية السعودية من عدد أعضائها ومردودها المهني.

وكان تعقيب م. سالم المري

التعريف والمظلة النظامية للجمعيات المهنية والعلمية:

الجمعيات المهنية والعلمية تكوين مهم في مؤسسات المجتمع المدني ويصعب التحدث عنها دون التطرق لواقع هذه المؤسسات في المملكة، وهناك خلط عند البعض حول هذه الجمعيات وإلى ذلك أعزو قول الدكتور رياض بتداخل التعاريف بين الجمعيات المهنية والعلمية وما جنح إليه من استخدام مسمى الجمعيات العلمية، فهناك اختلاف بين النشاط المهني والنشاط العلمي، وعلى أية حال فالنشاطان مشمولان ضمن تعريف الجمعيات الأهلية الوارد في نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية والذي أعد في مجلس الشورى عام 1427هـ وتمت الموافقة عليه وإصداره في عهد الملك سلمان حفظه الله في 19/2/1437هـ ، ويعتبر القانون المنظم للمؤسسات المدنية في المملكة، وتندرج الجمعيات المهنية والعلمية تحت مظلته بمسمى "الجمعيات الأهلية".

الجمعيات المهنية منظمات تطوعية ترعى مصالح أعضائها من أصحاب المهنة الواحدة وذوي التخصص العلمي الواحد فيما يخدم الصالح العام، كالمهندسين والأطباء والاجتماعيين والاقتصاديين والمحاسبين والاطباء.. الخ، وتسعى إلى تعزيز الوعي والترابط المهني بين منتسبيها والارتقاء بمستواهم العلمي والثقافي والإسهام في خدمة المجتمع من خلال استثمار كفاءات وخبرات أعضائها، وتعمل على الرقي بالمهن التي أُشهرت لخدمتها.

وفي الكثير من البلدان يطلق عليها النقابات المهنية، وهي تختلف عن النقابات العمالية فمهمة الجمعية أو النقابة المهنية تأتي بالدرجة الأولى لتنظيم ممارسة المهنة بينما تهتم النقابات العمالية بالدفاع عن أعضائها، ووجود جمعيات مهنية فاعلة شرط أساسي  لبناء مجتمع ناضج قائم على أسس المواطنة والتعاون بين كافة أفراده، وهي ضلع مكمل وأساسي في مثلث أحد أضلاعه الدولة والضلع الآخر القطاع الخاص أو رأس المال، حيث تستطيع هذه المؤسسات عند انتظامها تحت مفاهيم وقيم مدنية وأخلاقية دعم الإنسان بالانتقال من الحالة الفردية إلى حالة مجتمعية أكثر عدالة وتكامل، وكلما انخرط المواطن في مؤسسات المجتمع المدني كالجمعيات المهنية استطاع أن يساهم في تحسين وتقدم نمو مجتمعه.

ونتيجة لتأخر صدور نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية سعت بعض الجمعيات المهمه لاستصدار موافقة من مجلس الوزراء تحت مظلة جهات حكومية،  فصدرت موافقة مجلس الوزراء على نظام "الهيئة السعودية للمحامين" تحت مظلة وزارة العدل وهي موافقة استثنائية مثل موافقة المجلس على نظام "هيئة الصحفيين السعوديين" تحت مظلة "وزارة الإعلام، ونظام "هيئة المهندسين" تحت مظلة "وزارة التجارة والصناعة" فهذه الجمعيات المهنية ضرورية ولا يمكن لأي دولة حديثة العمل بدونها.

 وقد صدر نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ليعطي الجمعيات المهنية استقلاليتها ولكن اعتاد الناس عندنا على المسير تحت رعاية مؤسسات الحكومة وحتى المطالبين بالإستقلالية تراهم في نفس الوقت يطالبون بدعم الحكومة مع ما ينطوي عليه الدعم من فقدان لإستقلالية القرار.

ويطلق علي الجمعيات أو النقابات المهنية هيئات إذا ارتبطت بجهات حكومية، ومن التجربة مع جمعية حماية المستهلك سيكون من المفيد نشوء مثل هذه الجمعيات كهيئات تحت رقابة الدولة (وخاصة تلك التي تعني بمهن رئيسة مهمة)، ثم يتم اطلاقها بعد ما تنصج، وهذا هو الأفضل لسببين؛ الأول أن المهن الحرة كالطب والهندسة والمحاماة والصيدلة والمحاسبة وغيرها.. تعتبر مرافق عامة نظراً لأهميتها للدولة والمجتمع مما يدخلها في صميم اختصاص الدولة بكونها القوامة على المصالح والمرافق العامة، على أن تتخلى الدولة عن إدارة شئون المهنة للأعضاء أنفسهم كونهم الأقدر على ذلك، مع احتفاظها بحقها في الإشراف والرقابة تحقيقاً للمصلحة العامة. والسبب الثاني؛ غياب الثقافة النقابية وشح المدخول بدون دعم الدولة على الأقل في بداية الإنطلاق، ومع ذلك يمكن أن يكون هناك انتقائية، فبعض المهن الحرة تكون هيئات بينما يمكن إطلاق بعض الجمعيات الاخرى.

أما الجمعيات العلمية التي في الجامعات السعودية فيقتصر دورها تقريباً في الجانب الأكاديمي بطبيعة تكوينها واهتمامات أعضائها، وفائدتها للقطاع الخاص محدودة جداً، إلا إذا أصبحت جزءاً من جمعيات (أو نقابات) مهنية كبرى ناضجة لها تأثير على التصنيع والتطبيق والمقاييس والمواصفات، ووجود مثل هذه الجمعيات في الجامعات مهم جداً وتعتبر روافد أساسية للجمعيات المهنية والعلمية الكبرى على مستوى الوطن. وتُعد مهنة المحاسبة مثال على ذلك؛ فقد تأسست جمعية المحاسبة السعودية في عام 1401هـ في جامعة الملك سعود بهدف تنمية الفكر المحاسبي، وفي عام 1412 صدر نظام المحاسبين الذي خص الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين بالنهوض بمهنة المحاسبة.

وقد سمح بمثل هذه الجمعيات في الجامعات بشكل خاص قبل صدور نظام خاص بمؤسسات المجتمع المدني، وعندما صدر نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية  استثنى الجمعيات العلمية التي نشأت أو تنشأ في الجامعات وأخرجها من عباءة هذا النظام؛ حيث ُتطبق في شأنها الأحكام والقواعد المنظمة للجمعيات العلمية في الجامعات.

الصعوبات التي تواجه الجمعيات المهنية:

الجمعيات المهنية في المملكة مثلها مثل مؤسسات المجتمع المدني الأخرى تعاني بسبب تغييبها لعقود طويلة فلم يسمح بها بشكل رسمي إلا حديثاً بعد صدور نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وحتى الآن مازال التطبيق متعثراً وتحتاج الى بعض الوقت حتى تنضج وتتبلور بشكل عملي وفاعل. ويمكن تلخيص الصعوبات التي تواجهها الجمعيات المهنية في المملكة بالتالي:

1. قلة الموارد: إن ابتكار الطرق للحصول على موارد ذاتية للجمعيات التطوعية يحتاج إلى إيمان صادق بالفكرة والتفاني ونكران الذات وعدم السعي للمكاسب الشخصية سواء كانت مادية أو معنوية، إضافة إلى بعض الصفات الأخرى التي يفتقر لها قطاع ناشيء مثل هذا القطاع، وهذه أحد العقبات الكبرى التي تواجه العمل التطوعي بشكل عام.

2. الاعتماد على الدولة بشكل كامل: ومع أنه قد يكون لهذا السبب مسوغاً تاريخياً، إلا أن ذلك يجب أن يتوقف، إذا ما أردنا حراكاً إيجابياً من هذه الجمعيات، حيث أنتج هذا الدعم والاتكالية لدى العاملين في مؤسسات المجتمع المدني خمولاً في دوافع التفكير وندرة في المبادرات ذات الصفات الابتكارية، مما صرف المواطن عن الوعي  بحقوقه وواجباته في هذا المجال.

3. ضعف ثقافة العمل التطوعي  وقلة المشاركة من قبل الأعضاء؛ كما أنه ليس في المجتمع وثقافته أمثلة مضيئة يمكن الاقتداء بها، وهذا واقع يمكن تغييره إلى الأفضل مع الوقت والاهتمام بالتوعية.

4. سوء الإدارة وضعف الخبرة واستخدام هذه الجمعيات للوجاهة: ففي الكثير من الأحيان يستولي على هذه الجمعيات عدد من الأشخاص المتطوعين قليلي الخبرة في الإدارة، ويستخدمونها واجهات دعائية للشهرة، ويحتكرون السلطة فيها، مما يفشل هذه الجمعيات ويفقدها ثقة الناس، ويسيء لسمعتها لدى العامة وخاصة الشباب.  

5. ضعف التشريع والتطبيق: حيث مازالت أنظمة الدولة وإجراءاتها التي تنظم عمل مؤسسات المجتمع المدني تعاني التوجس والخوف من إعطاء المجال لهذا العمل، وهناك نقص كبير فيها، فمع صدور نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية أصبح هناك مظلة نظامية لمؤسسات المجتمع المدني، ولكن مازال هناك حاجة لأنظمة كثيرة مثل نظام للجمعيات المهنية، ونظام للنقابات العمالية وغيرها من الأنظمة المهمة.

6. كما أن هناك مشكلة تتمثل في صعوبة الترخيص، وبطء الإجراءات، وعدم وضوحها في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، والمتطلبات الأمنية لدى وزارة الداخلية. ولابد من إعادة النظر في هذه الاجراءات بشكل عاجل، وبشراكة العاملين والمشتغلين في هذا المجال، حتى تكون الجمعيات والمؤسسات الأهلية شريكاً حقيقياً في التنمية والتوجه الجديد للدولة.

كما عقبت د. ريم الفريان على الورقة

طرحت الورقة قضية مهمة، تتمثل في التحديات التي تواجه الجمعيات العلمية والتي تعاني من ضعف في استقطاب الأعضاء، غياب الحضور والمشاركة الفاعلة من الأعضاء، عدم رضا الفئة المستهدفة من مخرجات الجمعيات العلمية وأسلوب إدارتها، وضعف الموارد المالية للجمعيات العلمية.

والجمعيات العلمية حالياً تفتقر للحوكمة التي بدورها تعطي الجمعيات مصداقية ومهنية تعزز ثقة الفئة المستهدفة من الأعضاء، ومن الجهات التي تقدم الدعم المالي لأعمال وأنشطة الجمعيات.

وبرأيي العديد من أنشطة الجمعيات العلمية حالياً بعيدة عن تطلعات الرؤية، فقد اهتمت الرؤية ببناء اقتصاد مزدهر من خلال دعم الابتكار والتقنيات الحديثة والاستثمار في المجالات والقطاعات الواعدة وفي الموارد البشرية والتنافسية ...الخ، إلا أننا لا نزال نرى فجوة في العلاقة والشراكة بين العديد من الجمعيات العلمية وواقع احتياجات السوق والفرص الواعدة في القطاع الخاص.

في الملتقى الخامس للجمعيات العلمية 2018 التابع لجامعة الملك سعود بعنوان "الجمعيات العلمية والقطاع الخاص، شراكة مجتمعية" ذكر صاحب السمو الأمير الدكتور خالد المشاري آل سعود عضو مجلس الشورى بأن الحوكمة هي أساس كل التحديات، والتي بدورها تضعف المخرجات وتضعف رغبة الداعم المالي للجمعية. وقد قدم الدكتور أحمد الحازمي مدير شؤون البيئة في سابك سابقاً وجهة نظر القطاع الخاص الذي يتهم دائماً بالعزوف عن الدعم المالي للجمعيات العلمية، حيث اختصر الأسباب في ثلاثة أسئلة تحدد رغبة القطاع الخاص في الدعم من عدمه، وهي  كما يلي:

- هل المقترح المقدم للقطاع الخاص ذا نفع واضح على المجتمع؟.

- هل المقترح المقدم للقطاع الخاص ذا جودة عالية في التنفيذ؟.

- هل المقترح المقدم للقطاع الخاص فيه نفع واضح للمنشاة التي تقدم عليها؟.

إذا كانت الإجابة نعم ومعها كل الإثباتات فلن يتردد القطاع الخاص من الدعم لأنه في هذه الحالات يصبح واجباً وطنياً إذا توفرت ميزانية خاصة للمسؤولية الاجتماعية لديهم.

أعتقد أن الجمعيات العلمية اليوم تعاني من أسلوب العمل القديم الذي لم يتواكب مع التطورات السريعة لمرحلة التحول التي نعيشها.  كما أنها بعيدة كل البعد عن احتياجات السوق، لذا أقترح أن تبادر الجمعيات العلمية في إقامة ورش عمل بينها وبين أصحاب العلاقة من القطاعات المختلفة والقطاع الخاص تحديداً للوقوف على الدور الذي ينبغي العمل عليه ليتكامل العمل وتحقق الرؤية.

 

¤      المداخلات حول القضية:

الفصل بين الجمعيات العلمية والمهنية

اتفق د. محمد الملحم مع ما طرح في الورقة بشأن ضرورة الفصل بين الجمعيات العلمية والمهنية. كما أكد على أن دور الحكومة في تفعيل أدوارها ركن مهم لابد من النهوض به، وأن الحوكمة عامل مؤثر في الهوية والجودة والفاعلية. أكد ذلك أيضاً د. حمزة بيت المال، وأضاف أن التحديات أكبر للجمعيات العلمية منها للجمعيات المهنية، ومشكلة الجمعيات العلمية أنها تحتاج في كثير من الأحيان الحضور المجتمعي أكثر من الاهتمام بحجمها؛ المثال على ذلك الندوات أو الملتقات السنوية لهذه الجمعيات ليس بالضرورة أن يهتم فيها بالظهور والأجواء الاحتفالية، فالهدف من هذه اللقاءات العلمية النظر في أحدث توجهات الحقل وسماع أبحاث المشاركين والتعرف على اهتمامات الأعضاء.

استقلالية الجمعيات العلمية عن الجامعات

تساءل أ. عبد الله الضويحي، هل من المناسب استمرار تبعية الجمعيات العلمية للجامعات السعودية؟ أم أنه من الضروري وضعها في بيئة أكثر استقلالية ؟.

المفترض؛ حسب ما ذكر م. سالم المري ألا يكون هناك جمعيات علمية تابعة لقواعد خاصة بالجامعات، وجمعيات علميه مستقلة تحت مظلة نظام الجمعيات والمؤسسات الاهلية. والغريب أن نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية نص على بقاء الجمعيات العلمية في الجامعات تحت القواعد التي أعدت لذلك واستثناها، وهذا قصور في النظام وسيخلق مشكلة.

وأرى أن الوضع الصحيح، أن تكون الجمعيات العلمية بشكل عام في الجامعات أو خارجها خاضعة لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية وأن تكون  مستقله، ولا تخضع لإدارة الجامعات إلا بما ينظم عملها في الجامعات من الناحية اللوجستية.

ويرى د. محمد الملحم أنه يصعب خروج جمعية علمية من ثوب الجامعات أو وزارة او هيئة تشرف عليها، ولكن أرى أن توحد الجمعيات فلا تتكرر جمعية معينة في أكثر من جامعة، وبالتالي فهي تخدم كل الجامعات معاً، وهذا يعطيها قوة في الطرح والميزانيات والأنشطة.

بينما م. خالد العثمان يعتقد عكس ذلك، حيث أن نظام الجمعيات العلمية كبل الجمعيات كثيراً. فجمعية علوم العمران مثلاً كان لها أثر كبير في القطاع قبل أن يعيدها النظام إلى سيطرة جامعة الملك سعود، وبالتالي حُد كثيراً من نشاطها.

ذهب إلى ذلك أيضاً د. حمزة بيت المال، حيث ذكر أنه لا يفترض أن تكون الجمعيات العلمية مؤسسات مجتمع مدني، بل إن الوقت حان لأن تنفصل عن الجامعات، ولقد كان وجودها في الجامعات ان في السابق ضرورة، ولايزال بسبب أن بعضها قد لا تستطيع الاستقلال المالي.

من جانبه أشار د. زياد الدريس إلى أننا حين نفكر في البحث عن بيئة للجمعيات العلمية أكثر إستقلالية من الجامعات، فالخلل ليس في فكرة الارتباط بالجامعات بل في الجامعات نفسها التي يفترض أنها أكثر بيئات الوطن إستقلالية.

الجامعات هي أفضل حاضنة للجمعيات العلمية، بل هي جزء أساسي من المسؤولية الاجتماعية للجامعات. وإذا كانت ممارسة الجامعة أو مدير الجامعة ممارسة استحوازية فيجب أن لا يدفعنا هذا لتفكيك علاقة مفترضة طبيعياً.

وفي ذلك أضاف د. خالد الرديعان أن الجامعات مظلة علمية وأكاديمية توفر للجمعيات درجة من الاستقلالية والصبغة العلمية. فقط تحتاج هذه الجمعيات مزيداً من الدعم المالي، وقد تكون بحال أفضل عند خصخصة الجامعات.

وترى د. عائشة الأحمدي أن إنفصال الجمعيات العلمية عن الجامعات قد يكون إضعافا لها لجوانب عدة:

- أن الوثوقية في الجمعيات العلمية يُستمد من إرتباطها بالجامعات.

- أن إرتباطها بالجامعات يجعل هذه العلاقة ذات طبيعة تبادلية، يستمد كل طرف مدخلاته من الآخر.

- أن إرتباط الجمعيات بالجامعات يجعل إطارها وسياساتها، وخدماتها، أكثر ديناميكية، وأطرها التشريعية أكثر تقنيناً، حيث يحكمها أعراف أكاديمية عريقة الامتدا.

إلا أن د. عبير برهمين أكدت من جانبها على أن تبعية الجمعيات المهنية والعلمية للجامعات يقتلها في مهدها، لأن المشرفين عليها سيكون عملهم من باب الوجاهة الأكاديمية لا العمل المعول عليه لهذه الجمعيات.

وهو ما أيده أ. محمد الدندني، حيث رأى أهمية فصل الجمعيات عن الجامعات بسبب استحواذ الجامعات عليها -إن وجد- من جانب، وإبعاد الجامعة عن أمور ليست من اختصاصها، وليبقى منسوبي الجامعة أعضاءاً في الجمعيات، وذلك لتطعيم الجامعة بالحياة العملية وأيضاً تطعيم الجمعيات العلمية بمستجدات البحث والعلم. وفي كل دول العالم لا علاقة للجامعات بالجمعيات العلمية.

إلا أن د. محمد الملحم ذهب إلى أنه لا يهمنا ما هو موجود في دول العالم، فكل دولة تتخذ ما يناسب أسلوب إدارتها وتركيبها السياسي الخ. لكن ما يهمنا ما يلائم مجتمعنا.

وأرى أن الجمعيات العلمية إما أن تكون تابعة لمراكز بحثية علمية وطنية وهي بذلك تخدم الاقتصاد لخدمتها الابتكار والبحث العلمي، أو تنتسب للجامعات لخدمة البحث الجامعي النمطي وربما تطويره.

وأضافت د مها المنيف، مع أنني من المؤيدين لوجود الجمعيات العلمية تحت مظلة الجامعات إلا أن استغلالها واحتكارها من قبل جامعة واحدة بسبب التكتلات تقلل الفرصة على المهنيين من جامعات أخرى  للحصول على منصب الرئيس أو نائبه أو عضوية مجلس الإداره. ولذلك أعتقد من الأنسب أن هذه الجمعيات تتبع نظام المؤسسات الأهليه في عملها، حتى لا يتم احتكارها من الجامعة المؤسسة.

دمج الجمعيات العلمية

في إطار الحديث عن دمج الجعيات العلمية قام د. رياض نجم بإجراء إحصاء للجمعيات العلمية التي تتشابه في مهامها في الجامعات السعودية، ومن أمثلتها:

  • في مجال الحاسبات ("تقنية المعلومات" بجامعة الملك سعود – "الإنترنت" بجامعة – "الإنترنت" بجامعة القصيم – "المعلوماتية الصحية" بجامعة الملك سعود الصحية).
  • في مجال اللغة ("اللغة العربية" بجامعة الإمام – "تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها" بالجامعة الإسلامية – "اللغات والترجمة" بجامعة الإمام.
  • في مجال التربية ("المناهج والإشراف التربوي"بجامعة أم القرى القرى – "تأكيد الجودة في التعليم" بجامعة القصيم -  "التنمية المهنية في التعليم" بجامعة الملك سعود).
  • في مجال الطب ("طلاب الطب" بجامعة الملك سعود الطبية– "التعليم الطبي" بجامعة الملك خالد.
  • في مجال الإعلام والاتصال ("الإعلام والاتصال" بجامعة الملك سعود – "العلاقات العامة والإعلام" بجامعة الإمام).

وذهب د. رياض إلى ضرورة دمج الجمعيات المتشابهة في الاختصاص لرفع كفاءتها وشمولية اختصاصها، بحيث تخدم الجانب النظري والجانب العملي بشكل تكاملي. وإذا أخرجت لنا الجمعيات العلمية مخرجات تنتهي في المجلات والمنشورات المحكمة والمؤتمرات، فهل نكون قد خدمنا التنمية الاقتصادية والمجتمعية التي نسعى لها؟. وافقه في ذلك م. خالد العثمان حيث أكد على أهمية دمج الجمعيات المهنية والعلمية وإخراجها من سطوة الجامعات، واعتبارها أحد نماذج العمل المدني. وربما كان الفصل نافعاً عندما في حالة وجود معايير واضحة لكل منها وكفاءة أداء مقنعة، لكن الجمعيات العلمية حالياً مغرقة في الأكاديمية وفي نطاق الجامعة التي تتبعها.

وفي اعتقاد د. نوف الغامدي فإن تكوين التحالفات بين الجمعيات المتشابهة والتي ترتبط مخرجاتها ببعضها قد يوفر مخرجات شمولية تستقطب المفكرين، وترفع من جودة مخرجاتهم، والأهم أن ترفع من شهية القطاع الخاص .

بينما لا يرى د. خالد الرديعان أن دمج الجمعيات العلمية في الجامعات المختلفة عملا مفيداً؛ فلكل جامعة شخصيتها المختلفة وتوجهها النظري والعلمي ومصادرها الخاصة. الدمج يلغي عملية التنافس العلمي ويجعل أعضاء الجمعيات العلمية متشابهين في افكارهم وإنتاجهم وأعمالهم. بالإضافة إلى أنه يلغي التنوع والتنوع ثراء. وأعتقد أنه يصلح في حالة النقابات أو الاتحادات المهنية. ويفترض أن نفرق بين العمل الأكاديمي والعمل السياسي، فالجمعيات العلمية هي لخدمة التخصص العلمي بالدرجة الاولى. إلا أن د. رياض نجم يرى أن التنوع والإثراء والمنافسة يمكن أن يحصل إذا تقاربت الجامعات في إمكاناتها المادية والسلطوية، وتساءل؛ كيف تتنافس جمعية تحت مظلة جامعة الملك سعود مع كل ما لديها من إمكانيات مع جمعية في أحد مناطق المملكة الصغيرة ؟.

في الإطار نفسه اتفق د. عبد العزيز الحرقان، و د. خالد بن دهيش حول ضرورة استقلال الجمعيات عن الجامعات، وأضاف د. خالد بن دهيش أنه بحكم عضويته في الجمعية السعودية للإدارة؛ تعثرت هذه الجمعية لمدة تقارب العشر سنوات وحاولنا نقلها من جامعة الملك سعود إلى معهد الإدارة العامة عندما كنت عضواً في مجلس إدارة معهد الإدارة العامة في عام ٢٠٠٠ م تقريباً، وبعد محاولات عديدة تدخلت وزارة التعليم العالي وأوقفت تلك المحاولات وأحيت الجمعية من سباتها قليلاً. أضاف د. رياض نجم، هناك ٩ جمعيات هندسية علمية في الجامعات السعودية، لا يوجد تنسيق أو تعاون بينها وبين هيئة المهندسين. أيضاً ذكر م. خالد العثمان أن المشكلة الأكبر هي إغراق الجمعيات العلمية في الإطار الأكاديمي، والبعد عن أرض الواقع والميدان، والخوض في نقاشات ومساهمات حقيقية وفاعلة في جهود التنمية.

من جانبه يرى د. محمد الملحم أن الفصل أولى حتى لا تطغى اللغة الأكاديمية على الجانب المهني في الجمعيات العلمية. ومع الفصل يتم دمج الجمعيات العلمية المتشابهة، وتشرف عليها وزارة التعليم لا جامعة بعينها، مع إمكانية جعل مقرها في إحدى الجامعات، بحيث يكون في كل جامعة جمعية علمية معينة.

جمعيات متعددة وتخصص واحد

أشار د. خالد الرديعان إلى أن جميع المتخصصين في مجال محدد كالهندسة والطب والعلوم الانسانية وغيرها لابد أن يكون لهم جمعية علمية كرابطة تراقب أداءهم وتمكنهم كذلك من نشر أبحاثهم وخاصة العاملين في القطاع الأكاديمي. كما يفترض أن تنظم الندوات والمؤتمرات وورش العمل لأعضاءها وللمنتسبين لها. تقوم هذه الجمعيات كذلك بمنح التصاريح اللازمة فيما يخص الممارسة كجزء من وظيفتها. وعادة فإن أي جمعية علمية يكون لها مجلة محكمة لنشر البحوث لمساعدة المنتسبين إليها في النشر.

وفي تصور م. خالد العثمان فإن مراقبة أداء أصحاب التخصصات ليس من ضمن اختصاصات الجمعيات العلمية في النظام الحالي للجمعيات العلمية، فجزء من هذا الإجراء تقوم به الهيئات المختصة مثل هيئة المهندسين وهيئة التخصصات الصحية وغيرها.

ويرى أ. محمد الدندني أن الرقابة مطلوبة، ولكن من غير المعقول أن تكون هناك أكثر من جمعية لتخصص واحد. اتفق معه م. سالم المري بأن هذا هذا غير معمول به عالمياً، والمشهور أن جمعية أو هيئة المهندسين واحدة والكل تحت عبائتها مثل الــ IEEE وغيرها، وهناك جمعية للرياضيات غالبيتهم في العادة أكادميين.

التكرار فيه تشتيت للمنتسبين، وهدر للوقت والمصادر. وأعتقد أن جمعية واحدة للمهندسين مثلاً تحت مظلة واحدة تشمل الناحية الأكاديمية والعملية أثرى وأكثر اتصال بين أهل المهنة الواحدة.

بينما يرى د. خالد الرديعان أن وجود جمعيتين لتخصص واحد ليس مشكلة؛ فما أعرفه أن لدينا كإجتماعيين جمعية في جامعة الملك سعود وأخرى في جامعة الإمام، ولكل جمعية نشاطاتها التي تخدم الأكاديميين المنتسبين لها كالنشر وعقد الندوات. وأعتقد أن وجود جمعيتين في تخصص واحد قد يكون سبباً في التنافس الشريف بينهما مما سينعكس على مخرجات جزء من العمل الأكاديمي. بعض الجمعيات تترهل بمرور الوقت وقد يدب فيها الفساد بسبب غياب المنافسة.

من جانبه أكد. خالد العثمان أن مشكلة الجمعيات العلمية تحديداً ليس في الفصل، فهناك جمعيات مثل الهيئة السعودية للمهندسين والجمعية السعودية لعلوم العمران، وأيضاً جمعيات أخرى مثل جمعية الهندسة المدنية والميكانيكية والكهربائية. وغيرها، والفارق بينها كبير. وإنما تكمن المشكلة في إغراقها في الأكاديمية نتيجة لطبيعة النظام الذي يحكمها بما أبعدها عن المجتمع والجانب المهني والتطبيقي في متطلبات التنمية.

كما أن جل نشاط الجمعيات العلمية محاضرات ونشرات علمية مباشرة، ليس هناك أي حراك تفاعلي مع القطاعات المجتمعية الأخرى ذات العلاقة باختصاص كل جمعية، مثل المعارض العامة، دراسات ميدانية، دورات وندوات عامة، تطبيقات عملية وانخراط فعلي في جهود وبرامج التنمية.. وغير ذلك الكثير.

إشكاليات الجمعيات العلمية

يرى د. راشد العبد الكريم أن الجمعية العلمية -على الأقل عرفياً- تختلف عن الجمعيات المهنية، بغض النظر عن التسميات. فالجمعية العلمية تركز على الجانب العلمي النظري، وفي حال تعاطيها مع بعض الجوانب العملية يكون ذلك تبعاً، لا استقلالا. ومن هنا جاء ارتباطها بالجامعات، بعكس الجمعيات المهنية التي تهتم بالجوانب النظامية وما يتبع ذلك من ممارسات.

من واقع خبرتي في عضوية اللجنة الاستشاري للجمعيات العلمية، ورئاستي جمعية جستن (الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية) لدورتين؛ تعاني الجمعيات التربوية من ضعف في الإقبال على الاشتراك فيها، لعدم شعور المستهدفين بأي فائدة من هذا الاشتراك. كما أن الجهات ذات العلاقة - مثل وزارة التعليم، في حال جمعية جستن - لا تساعد في توجيه منسوبيها إلى الاشتراك في هذه الجمعية، مع أنها أقدم جمعية علمية تربوية سعودية (وربما خليجية)، وإلى وقت قرب هي الوحيدة في الميدان.

كذلك تعاني الجمعيات من عدم حصولها على الفرصة أمام تفضيل الشركات الاستشارية الأجنبية. فالوزارة لا ترى الجمعية (مؤسسة استشارية) مؤهلة، وتفضل الشركات الأجنبي عليها.

بالإضافة إلى ضعف الموارد، مع أن الجامعات تدعم دعماً قليلاً، لكن هذا الدعم لا يمكّن الجمعيات من العمل المهني المثمر.

كما أن هناك ضعف في الإقبال على العمل التطوعي في السنوات الأخيرة. فقبل 15 سنة كانت الجمعية تشهد تنافساً كبيراً على مجلس الإدارة، أما في السنوات الخمس الأخيرة لا يكاد يحضر اجتماعات الجمعية العمومية إلا القليل جداً.

الجمعيات العلمية يمكن أن تقدم الكثير، لكنها بحاجة إلى دعم من الجامعات، وبحاجة إلى الثقة من الوزارة والكيانات التربوية الأخرى.

وبالمناسبة (جستن) لها خمسة فروع في عدد من جامعات المملكة، والأعضاء لا يبلغون ألفين (2000)، من أكثر من نصف مليون معلم ومعلمة!.

بينما يرى د. خالد الرديعان أن (جستن) تظل جمعية علمية وليست إتحاد، بمعنى أن وظائفها محدودة ولا تتجاوز الأنشطة الأكاديمية غالباً، حيث لا تعتبر من النقابات الفاعلة والمؤثرة.

أضاف د. راشد العبد الكريم أن اشتراك المعلم (150 ريال) لا يكاد يغطي تكاليف الإصدارات: المجلة التربوية العلمية المحكمة، المجلة الفصلية التربوية العامة، المشاركة في اللقاء "االمؤتمر السنوي"، والمشاركة في اللقاءات الشهرية، بالإضافة إلى عضوية مؤسسة تربوية أكاديمية.

في نفس السياق أشار د. خالد الرديعان إلى أن أغلب الجمعيات العلمية تعتمد على مبالغ الاشتراكات السنوية التي يتم تصنيف بعضها (ذهبي، عادي ..الخ)، واختلاف رسومها. وهذه المبالغ غير كافية للقيام بأنشطة مفيدة للأعضاء، لذلك أتساءل: ألا يوجد طريقة لدعم هذه الجمعيات مالياً من مصادر مختلفة؟ لماذا لا يوفر لها دعم كاف من ميزانيات الجامعات؟ أقترح أن تكون هناك حلول بطرق مناسبة لتمويل هذه الجمعيات دون التأثير على مصداقيتها أو حيادها العلمي.

بينما ذهب أ. عبد الله الضويحي أن مشكلة الجمعيات تكمن في عدم قدرتها على الوصول لجمهورها المستهدف، وتقديم نفسها له وإقناعه بخدماتها. وأعتقد أن جمعية مثل (جستن) جمهورها المستهدف يزيد عن نصف مليون إذا أخذنا في الإعتبار المعلمين والمعلمات والأكاديميين والمتخصصين في علم النفس والتربويين.. إلخ. في حال لو اشترك 10% فقط من هؤلاء لحققت دخلاً ربما يقترب من 10 ملايين.

من جانبها أكدت د. سامية العمودي أن هناك إشكاليات أخرى للجمعيات العلمية تتمثل في اختيار مجالس الإدارة لبعض هذه الجمعيات، حيث تعتمد على العلاقات الشخصية واحتكار بعض الأعضاء لسنوات طويلة، وعدم منح الفرصة للشباب والشابات لإحداث نقلة في منهجية العمل، وإن كان العذر هو عزوف كثيرين عن هذه المواقع وانشغالهم بما يرونه أهم من عضوية مجلس إدارة جمعية.

تحديات وعقبات تواجه الجمعيات العلمية والمهنية

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود أن مسألة نشوء جمعيات بالمفهوم الواسع والعام تظل مطلباً ضرورياً خدمة للقطاع المستهدف.

وتأتي المشكلات المالية والإدارية حجر أساس للنهوض بأي منظمة أياً كانت طبيعة أعمالها، والمفترض أن تشهد أنشطة وأعمال الجمعيات العلمية والمهنية بعداً مغايراً عن الجمعيات الأخرى، سواء الخيرية منها أو التعاونية، لأن ماهية الجمعيات العلمية والمهنية يفترض أن تكون أنموذجاً يحتذى لغيرها من أي منظمة أخرى، والسبب أن المرجو من هذه الجمعيات هو أن تكون المنظم والمطور لأي جهة كانت.

وحول أسباب ضعف أو رداءة أنشطة هذه  الجمعيات، ذكر د. عبد الله الحمود أن المشكلة التي تواجهها الجمعيات تتحدد في أمرين لا ثالث لهما، الأول: ضعف أو انعدام الدعم المالي من الجهات المشرفة على هذه الجمعيات، فضلاً عن صعوبة استقطاب موارد مالية من جهات أخرى لأسباب تنظيمية، وكذلك لعدم وجود علاقة بين الداعم أو الممول لهذه الجمعيات، والأمر الآخر أن الكفاءة الإدارية لهذه الجمعيات غالباً ما تكون شبه منعدمة داخل أروقتها.

وبحكم التجربة العملية، أرى أن العقبات التي تواجه هذه الجمعيات تنحصر في الأمور التالية:

- ضعف مساهمة الأعضاء في أنشطة الجمعية.

- صعوبة تنفيذ برامج علمية أو ثقافية، سواء على هيئة ندوات مصغرة داخل الجامعة أو خارجها، أو حتى مشاركات خارجية إلا بموافقة الجامعة، وهناك مشكلة أخرى تكمن في تأخر الحصول على موافقة إقامة مثل تلك الفعاليات.

- لا يتوافر أية أرصدة أو موازنة مالية للجمعية بصفة سنوية من الجامعة نفسها، مما يبقي أنشطة الجمعية حبراً على ورق .

  - القطاع الخاص يرى أن هذه الجمعيات منظمات متخصصة لا تحقق له منفعة دعائية تعود إليه بفائدة مرجوة، وهذا بحد ذاته يعد أحد المعوقات الأساسية لتنمية موارد أي جمعية علمية أو مهنية .

وأقترح أن تعاد هيكلة أعمال هذه الجمعيات، وذلك من خلال مشروع دراسة متكامل، ويؤخذ في الاعتبار تحقيق الأهداف المتعلقة بطبيعة ونشاط كل جمعية على حدة، فضلاً عن إعطاء كل جمعية صبغة قانونية حسب تخصصها ليسهل الأمر عليها إتخاذ قرارات تدعم صلاحيات خاصة بها، وأن يتم التركيز جيداً على الدعم المالي فهو عصب حياة هذه الجمعيات.

الدور المهني للجمعيات العلمية

في تصور د. سامية العمودي فإن الجمعيات العلمية أصبح دورها نمطي وتعتمد على العلاقات والشركات لرعاية المؤتمرات وهذا بسبب نقص الموارد المالية وتناقصها خاصة في هذه الفترة.

هناك حراك جيد الآن في بعضها، فعلى سبيل المثال جمعية النساء والتوليد عندنا بها عدة لجان حسب التخصصات الدقيقة وهي أمراض العقم والأورام النسائية والمناظير وطب الأجنة وهذه تقوم بعمل دورات متخصصة مُعتمدة من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، وأصبح الأطباء ملزمين بعدد ساعات معينة عند تجديد الترخيص في الهيئة.

لكن أعتقد أن هناك فجوة لازالت بين بعض الجمعيات الطبية وبين تحسين الواقع الصحي وقيامها بدور أكبر في المشاركة في وضع السياسات بالمشاركة مع وزارة الصحة. أضف إلى ذلك دورها في نشر الثقافة الصحية لعموم المجتمع وهذا هو التمكين الصحي كما أنها لا تمثل جهة رسمية لحماية الطبيب وهذا مهم وسيكون جاذباً للإنضمام.

وأرى أنه قد حان الوقت لهذه الجمعيات لدراسة رؤية ٢٠٣٠ واستثمار جوانب التنمية وتحسين جودة الحياة وإدراجها في أهدافها لتكون مواكبة حقيقة لما نطمح له. ومع هذا تظل الجمعيات العلمية الطبية فاعلة في رفع مستوى الأطباء.

على الجانب الآخر ذكرت د. مها المنيف أن الكثير من المهنيين دائماً ما يفكرون فيما سيحصلوا عليه من هذه الجمعيات وليس العكس، وأعتقد أن هذه ثقافة متجذره فينا. بينما الهدف الأساس من تأسيس الجمعيات العلمية دعم التخصص وليست دعم الأشخاص، وهذا ما يفرقها عن النقابات أو الجمعيات المهنية.

الجمعيات العلمية والتنمية

في اعتقاد د. محمد الملحم فإن الجمعيات العلمية لا تضيف كثيراً للتنمية كما تفعله الجمعيات المهنية، فهي تسهم في تسهيل أعمال الأبحاث في الجامعات وأغلبها أبحاث ترقية ولا علاقة لها بالتنمية. أما الجمعيات المهنية فهي تعني الجودة، وتعني نشر الثقافة في مجالها، وحفظ الحقوق، وتفعيل الأنظمة وتطويرها، ومساعدة الجهات الحكومية، وتحسين أفضل الممارسات "المحلية" وتوثيقها، وتعني المشاركة الدولية.. وغيرها الكثير.

الجمعيات العلمية والمجال الصحي

ذهب د. خالد بن دهيش إلى أنه بجانب القواعد التنظيمية للجمعيات العلمية بالجامعات السعودية1، تقوم الهيئة السعودية للتخصصّات الصحية بالإشراف على الجمعيات المهنية العلمية الصحية؛ هذه الجمعيات العلمية تقوم يدور كبير  في المجال الصحي، حيث تسعى لتحقيق أهداف مهمة لصالح هيئة التخصصات الصحية مثل تدريب الممارسين الصحيين، والتعليم الصحي المستمر، وإقامة المؤتمرات والندوات، وإصدار القواعد السريرية، وتقويم المؤهلات العلمية، وتقديم المشورة للجهات الصحية وغير ذلك؛ وفِي الحقيقة تقوم هذه الجمعيات بأعمال تفوق الجمعيات العلمية التي تتبع الجامعات.

الجوانب التنظيمية في الجمعيات العلمية

من واقع تجربة د. إبراهيم الزبن الحالية في إدارة جمعية علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة الإمام.. أشار إلى أن عضوية مجلس الإدارة تكون عادةً من خلال الانتخابات التي تعقد في الجمعية العمومية ويشترط أن يرأس مجلس الإدارة من منسوبي الجامعة أما باقي الأعضاء فيكونوا من خارج الجامعة.

وتخضع الجمعية للتوجيهات الإدارية للجامعة أسوة بوحدات الجامعة الأخرى. وتختلف الجامعات في درجة المرونة والدعم الممنوح للجمعية بحسب عوامل عديدة من أهمها اهتمامات الجامعة ومدى قوة التخصص والعلاقات الداخلية والخارجية، وقدرة الجمعية على استقطاب الأعضاء النافذين في المجتمع من ذوي الهيئات الخاصة أو أصحاب رؤوس الأموال أو القطاعات الأهلية وأحياناً الحكومية. وبعض الجمعيات العلمية لديها مساحة مناسبة لاتخاذ القرارات وتنفيذها والبعض محكوم بلوائح الجامعة وإجراءات بيروقراطية وأحيانا بشكل أكثر "تضييقاً"، وإن صح التعبير فهناك تدخل مباشر من وزارة التعليم في الموافقة على برامجها وأنشطتها، لذا فإن الحكم على عمل الجمعيات العلمية "تطبيقياً" ينبغي أن يستدرك فيه هذه العوامل البيئية الداخلية والخارجية، ولا ينظر فقط إلى مستوى الأداء أو الحوكمة، أو الارتباط بخطط التنمية، أو برامج التحول والرؤية..الخ. وبالتالي يمكن الإدعاء بأن الإنتاج العلمي والمجتمعي لأي جمعية علمية يتفاوت بحسب تأثير كل عامل من العوامل التي ذكرت.. وغيرها. وبناءً عليه ومن واقع هذه التجربة الإدارية أرى أن الجمعيات العلمية يفضل أن تستمر تبعيتها للجامعة، على أن يكون لديها القوة والمرونة الكافية والاستقلالية المالية والبشرية من حيث العمل والإنتاج العلمي والمجتمعي، وبما يوفر لها من بيئة محفزة للإنتاج والمنافسة والدخول بعلاقات تشاركية مع القطاع الحكومي والأهلي، وكذلك مع المنظمات الدولية، والجمعيات العلمية والأهلية  الداخلية والخارجية.

بينما ترى د. عبير برهمين أن هناك حاجة ملحة لصدور نظام أو قانون موحد للجمعيات المهنية والعلمية كإطار عام، مع ضرورة وجود مرونة كافية وفقاً لحاجات وخصوصيات كل جمعية حسب نوعها واتجاهها.

كما أعتقد أن هناك ضرورة لاستحداث جهة مستقلة كهيئة استشارية للجمعيات المهنية والعلمية أو نقابات للحرف والمهن المختلفة ولها هيئة إشرافية.

وذهبت د. نوف الغامدي إلى أن التنظيم الداخلي للجمعيات أمر مهم تفتقده أغلبية الجمعيات مما ينعكس سلباً على صورتها الخارجية وحوكمتها، لذا على كل جمعية أن ترسم مخطط تنفيذي لبرامجها وتعلنه، وبالتالي فإن الشراكة مع القطاع الخاص ستحمل الكثير من الشفافية ووضوح الأهداف.

الرئاسة الفخرية للجمعيات العلمية

أشار أ. عبد الله الضويحي أن بعض الجمعيات المهنية والعلمية تلجأ لإختيار شخصيات إعتبارية أو مجتمعية مهمة وفق مواصفات معينة حتى لو لم يكن لها إهتمام أو علاقة باهتمامات الجمعية وتخصصها. لذا أتساءل، مامدى إنعكاس ذلك على أداء الجمعية !؟ وهل له فائدة تذكر بحيث تحذوا  بقية الجمعيات حذوها !؟.

يرى د. عبد الله بن ناصر الحمود إن كان الأمر يقتصر على دوره كرئيس فخري فلا بأس بذلك.

أضاف د. خالد الرديعان أن فكرة الرئيس الفخري هي للحصول على دعم مالي من الرئيس، وللحصول على بعض الامتيازات التي يصعب الحصول عليها غالباً.

بينما يرى م. خالد العثمان أن الرئيس الفخري يصير عبئاً على الجمعية، حيث يصبح الجميع ملزمين باستئذانه في كل شأن. كما أن الحضور الشرفي في المناسبات يمثل هدراً لا معنى له. وفوق ذلك فإن فكرة أن الرئيس الفخري يمكنه تذليل العقبات هو أمر غير دقيق وغير واقعي. والتسلح بالرئاسات الفخرية وما شابهها لا يختلف عن منهج البريوقراطية الإدارية الذي ندعو لمقتها ومحاربتها، والجمعية المهنية أو العلمية يجب أن تثبت وجودها بعملها وليس من خلال الرئيس الشرفي.

اتفق معه م. سالم المري فذهب إلى أن بعض أعضاء الجمعيات يقحمونها في  مشكلات ويحرجون شخصيات اجتماعية ليست لها علاقة بتخصص الجمعية لا من قريب ولا من بعيد، والنتيجة تقييد الجمعية وزيادة مصاريفها.

إلا أن د. عبد الله بن صالح الحمود يختلف في ذلك، حيث يرى أن الرئاسة الفخرية حق مشروع لأي جمعية خيرية كانت أم علمية ومهنية. وأرى أن هذه الرئاسة لا تضر أعمال أو مهام الجمعيات، كما أنها لا تعطي هذا الرئيس أي صلاحية للتدخل في شؤون أو أعمال الجمعيات عامة ، فهي شخصية داعمة وواجهة.

أعضاء الجمعيات العلمية: المتطوعين والمتفرغين

تساءل أ. عبد الله الضويحي، عما إذا جميع الأعضاء في الجمعيات العلمية والأهلية متطوعون؟ أم أن بينهم متفرغون؟.

أجاب م. خالد العثمان عن ذلك، حيث ذكر أنه لا يوجد نظام محدد لذلك. بعض الجمعيات شكلت إدارات تنفيذية كما في جمعية علوم العمران. لكن غالب الجمعيات يديرها مجلس إدارة متطوع، معهم سكرتارية وبعض المساندة الخاصة من مكتب رئيس مجلس الإدارة. وأضاف أ. عبد الله الضويحي أن هذا يعني أهمية وجود متفرغ، على الأقل الأمين العام أو مدير تنفيذي لتفعيل نشاطاتها. إلا أن م. خالد العثمان تساءل عن جدوى تعيين مدير أو جهاز متفرغ بلا نظام وسياسات عمل وخطة واستراتيجية وتمويل وصلاحيات.

الجمعيات العلمية بين الماضي والحاضر

أشار د. خالد بن دهيش إلى أن الجمعيات العلمية في التسعينات من القرن العشرين كانت في أوج نشاطها وقوة عطاءها. وأذكر حين كنت عضواً في مجلس إدارة الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية (جستن) في منتصف التسعينات، كانت الجمعية تعقد مؤتمرها السنوي ويحضره ما يزيد على الألف مشارك لمدة ثلاثة أيام، تطرح فيه العديد من البحوث والدراسات وأوراق العمل لقضية من قضايا التعليم، ويخرج المؤتمر بتوصيات ترفع للمقام السامي ثم للأجهزة المعنية. كما كانت الجمعية تصدر مجلة تربوية محكمة، وتقدم دراسات منها: دراسة قُدمت لوزارة التربية والتعليم عن التعليم الأهلي بالمملكة، كما كانت تصدر صحيفة شهرية (كان رئيس تحريرها عضو مجلس ادارة الجمعية د علي الحكمي )، إضافة إلى تنفيذها برامج تدريبية والعديد من الفعاليات.

أيضاً؛ وبحكم عضويتي في الجمعية السعودية للحاسب الآلي في التسعينات فقد كانت الجمعية تعقد مؤتمراً سنوياً كبيراً يحضره المهتمين من أرجاء المملكة وخارجها، ويتولى الإشراف عليه في كل عام إحدى الجهات الحكومية مثل (وزارات التعليم ، الداخلية ،الدفاع  التعليم المهني، جامعات "الملك عبد العزيز" و"الملك فهد" و"الملك سعود")، ويناقش قضايا في غاية الأهمية. أيضاً كان للجمعية مجلة علمية محكمة نصف سنوية، بجانب تقديم الدراسات في مجال تقنية المعلومات للأجهزة الحكومية ومن تلك الدراسات (إعداد الإستراتيجية الوطنية لتقنية المعلومات للمملكة).

تطوير أداء الجمعيات العلمية

يتصور د. حميد المزروع أن تطوير أداء الجمعيات العلمية ينطلق من إعادة النظر بنظام الجمعيات ومواده، إنطلاقاً من إجراءات وشروط تعيين الرئيس وأعضاء هيئة التحرير وكذلك  الكادر الإداري. لذا أرى ضرورة تعديل النظام ليسمح بدخول أعضاء من خارج الجامعة دون النظر إلى شروط المرتبة العلمية المعقدة، فإن هذا سيؤدي إلى توسيع  دائرة  استقطاب المختصين بمجالات الجمعية، ويوفر الاستقلالية والموضوعية لقراراتها، ويمكن أن يُخصص مقعدين لأعضاء من خارج المملكة لإضفاء البعد الإقليمي والدولي للجمعية، وفق شروط علمية موضوعية.

ويلاحظ ضعف الأداء بسبب إجراءات تحكيم البحوث، وقاعدة بيانات المحكين، وضعف ميزانية الجمعية. ولا شك أن معايير النشر تلعب دوراً مهما في نجاح واستدامة الجمعيات العلمية.

بعض الرؤى لضمان نجاح الجمعيات العلمية

في تصور د. عبد الله بن ناصر الحمود أن العمل في الجمعيات العلمية (بالصيغة التي لدينا) يمكنها النجاح فقط في واحدة من حالتين: الأولى، أن يكون مجلس الإدارة من الكفاءات الشابة الطموحة والمؤهلة، ويمنح الجمعية كل أو معظم وقته تفكيراً وتخطيطاً وتمويلاً ومتابعة تنفيذ. الثانية، أن يكون مجلس الإدارة من الخبراء الأكفاء القادرين على اختيار وتمكين ودعم كوادر شابة مؤهلة وطموحة تقوم بدور مجلس الإدارة المذكورة في الحالة الأولى.

وأرى أن العمل المدني أو شبه المدني يحتاج إضافة للعمل المحترف إلى تضحيات حقيقية على مستوى الوقت والجهد وإنكار الذات حتى يمكن أن ينجح، وهذه ضوابط مهمة قبل النظر إلى المهنية بكافة بنودها. أما حينما تكون الكفاءات القائمة على الجمعيات منشغلة بمهمات أخرى معتبرة فسوف يحد ذلك كثيراً من جودة المنتج وديمومة النجاح، فالعمل المدني وشبه المدني لا يقبل أن يزاحمه شأن آخر، والسبب يكمن في أن طبيعة عمل الجمعيات تقوم على أساس جلب المنافع للمجال، في حين تقوم طبيعة المهمات النفعية على جلب المنافع للذات، وهذان أمران لا يلتقيان غالباً بيسر وسهولة أبداً. ربما كان ذلك الأمر وراء تذبذب نجاحات كل جمعياتنا بين حين وآخر.

أما الصنف الثالث من مجالس الإدارات فأرى أنه يقود الجمعيات لأغراض نفعية خاصة.

أضاف م. خالد العثمان أن النوع الثالث هو الغالب في واقع مجالس إدارات مؤسسات المجتمع المدني بما فيها الجمعيات العلمية والمهنية والغرف التجارية وكل التشكيلات التي يكون اختيارها بالإنتخابات، وذلك عائد لثقافة الإنتخابات، وحالة غياب وفقر الحوكمة والشفافية والعمل المؤسسي.

أضاف أيضاً د. عبد الله بن ناصر الحمود، إن المشكلة الرئيسة في ظني تتمحور حول فكرة العمل المدني ذاتها وآليات تفعيله أكثر من أي شيء آخر، فنحن لا نزال في منزلة بين المنزلتين في فعلنا المدني، وستبقى الجمعيات والهيئات تراوح مكانها ما بقينا في هذه المنزلة يحتاج الأمر رؤية محدثة لكل شيء ذي علاقة بهذا الأمر، ولعل رؤيتنا الطموحة ٢٠٣٠ تتمخض عن شيء من ذلك ولو بعد حين.

تجارب من الجمعيات المهنية

أشار أ. محمد الدندني إلى تجربته مع إحدى الجمعيات المهنية (الظهران الجيولوجية)، وذكر أن هذه الجمعية تأسست عام 1986، وقد تغير الاسم لاحقاً إلى (جمعية الظهران لعلوم الارض  Dhahran Geoscience Society)، كي تحوي كل العلوم المختصة، وتفتح مجالاً لأعضاء جدد، مما أثرى عمل الجمعية.

هذه التجربة تختلف من ناحية أنها أسست خارج العمل الحكومي، حيث أتى الترخيص من وزارة البترول والثروة المعدنية.

بدأت الجمعية بداية متواضعة بعمل محاضرة شهرية. كانت تتوقف أشهر الصيف 6، 7، 8 وتعود في سبتمبر. وكان المحاضرين من داخل المملكة وخارجها، بالإضافة إلى قيامها بعمل رحلات جيولوجية للجيولوجيين وغيرهم للتعريف بطبيعة العمل. وكذلك عمل كورسات يتبرع بها أحد المنتسبين وتكون مخصصة لموظفي إدارة الاستكشاف والتطوير وأيضاً مهندسي البترول الذين كان لهم وما زال جمعية نشطة جداً.

وصلت الجمعية لمرحلة تشبع وبدأ التفكير في جعلها جمعية تشمل المهتمين خارج أرامكوا، وبالفعل فتح المجال لمنسوبي جامعة البترول، ومن ثم فتحت لكل المختصين.

أيضاً، بدأ التفكير في عقد مؤتمر ومعرض كل سنتين، وهنا برزت أهمية إلتحاق الجمعية بجمعية عالمية لتحقيق التعاون وتوسيع الأهداف. وتحقق ذلك من خلال إلحاقها بجمعية الجيولوجيين الأمريكيه لما لها من نشرات علمية ودورها في تنظيم أحسن الموتمرات داخل أمريكا وخارجها. وهنا تقرر أن تكون جمعية الظهران  chapter Middle East مع الاحتفاظ باستقلاليتها وحقها في الترشح لكراسي إدارة الجمعيه الأمريكيه كأعضاء بها وكممثل لجمعية الظهران. نتج عن هذا مؤتمر ومعرض كل سنتين the geo , يقام في البحرين بالتعاون مع الجمعية الأمريكية.

الجمعيه ليس لديها مجلس إدارة بل لجنة رئيسها يكون رئيس الجمعية، التصويت فيها من كافة الأعضاء وليس للمرتبة العلمية أو الدرجة الوظيفية أي تأثير. تشارك عالمياً في مسابقات لأفضل البحوث وغيرها من المسابقات، حتى أبحاث الطلبة لها مسابقة وتدعى جامعات الخليج والمملكة لها. 

ومن خلال تقييم هذه التجربة يمكن الخروج بالنقاط التالي: ضرورة دمج النواحي المهنية مع العلمية في الجمعيات، الاهتمام بالمنتسبين والعمل على تقويتهم في مجال عملهم، الاهتمام بالبعد الإقليمي والدولي للجمعيات، وكذلك البعد العملي في الموتمرات والمعارض، بالإضافة إلى إتاحة الفرص للخريجين الجدد وتدريبهم على إلقاء المحاضرات، وبث الثقة فيهم.

موارد الجمعيات العلمية

يرى د. خالد الرديعان أن الجمعيات العلمية ليست قطاعاً ربحياً فهي لخدمة التخصص وتطويره، وبالتالي يفترض النظر إليها من هذه الزاوية لا من الناحية الاقتصادية.

وبالرغم من ذلك فإنه من الضروري أن يكون لكل جمعية علمية مورد ثابت لتنفق منه على أنشطتها، وحتى لا تضطر للبحث عن رئيس فخري ينفق عليها.

اتفقت معه د. عائشة الأحمدي في ذلك، حيث أكدت على ضرورة وجود مورد ثابت للجمعيات العلمية، فما لم يكن لها مورد ثابت، وقوي، فلن يكون لها وجود اعتباري، فقوتها من قوة هذا المورد، وبدونه تضعف أنشطتها، وتصبح في نهاية الأمر جمعيات ورقية.

في الإطار نفسه أضافت د. نوف الغامدي أن القطاع الخاص حين يدعم جمعية خيرية أو عمل خيري فذلك يكون من باب "المسؤولية الاجتماعية". أمّا دعمه للجمعيات العلمية فهو من مبدأ تحقيق المصلحة على القطاع نفسه.

فالقطاع الخاص لو قام بتخصيص موارد مالية للجمعيات العلمية التي تخدم أنشطته والقطاع الذي يعمل فيه لكي تعمل على صناعات بديلة، فإن القطاع الخاص على المدى البعيد سيخفض من تكاليفه، ويرفع من إنتاجيته ليساهم في تحقيق أهداف التحول، والدخول في شراكات فاعلة.

¤      التوصيات:

  1. إعادة النظر في نظام الجمعيات العلمية والمهنية ووضع نظام واضح ومحدد لمهامها وعضويتها والدور المنوط بها مع الأخذ في الإعتبار حاجات وخصوصيات كل جمعية حسب نوعها واتجاهها وبما يسهم في تحقيق أهدافها.
  2. أن تخضع الجمعيات العلمية والمهنية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ومنحها الإستقلالية التامة بما يعينها على إستقلالية القرار وعدم ربطها بأي جهاز حكومي إلا بما ينظم عملها من الناحية اللوجستيه كمافي الجامعات.
  3. إعادة النظر في التوزيع الجغرافي للجمعيات العلمية والمهنية السعودية ليستفيد منها المهنيون في كل المناطق وبما يسهم في زيادة نشاطاتها وفعالياتها.
  4. أن ترسم الجمعيات العلمية والمهنية مخططاً تنفيذياً لبرامجها وتعلنه، وتخضع للحوكمة بما يبرز هويتها وجودة منتجها ويعزز ثقة الداعم فيها مما يجعل شراكتها مع القطاع الخاص تحمل الكثير من الشفافية ووضوح الأهداف مما يسهم في تمويله لمشاريعها.
  5. دمج الجمعيات المتشابهة في الإختصاص أو على الأقل التقليل منها لرفع كفاءتها وشمولية إختصاصها بحيث تخدم الجانب النظري والجانب العملي بشكل تكاملي.
  6. ضرورة الفصل في النظر إلى الجمعيات العلمية والمهنية وأنظمتها لاختلاف المهام ودور كل منها وبالتالي اختلاف التحديات التي تواجهها.
  7. تعميق ثقافة ( ماذا سأقدم للجمعية بدلاً من العكس ) وحث الجمعيات على التوجه لجمهورها المستهدف والبحث عنه والحرص على أن يكون عضواً فاعلاً فيها ومتفاعلاً مع برامجها ونشاطاتها.
  8. إنشاء بعض الهيئات المهنية تحت رعاية الدولة خاصة التي تعني بمهن رئيسة مهمة حتى تنضج وتصبح قادرة ومؤهلة على تحقيق أهدافها.
  9. البحث عن مصادر تمويل لدعم هذه الجمعيات مالياً سواءً من قبل القطاع الخاص (بصفة مباشرة أو نسبة من عائد المعارض والمؤتمرات ذات العلاقة) أو الدولة بصفة مباشرة أو عن طريق الجامعات (فيما يتعلق بالجمعيات العلمية) لتحقيق الرسالة والأهداف التي تأسست من أجلها.
  10. دراسة إمكانية قيام بعض الجمعيات العلمية  بدور مراكز البحوث (think tank) مقابل مبالغ مالية توفر لها ريع سنوي يسهم في دعم ميزانياتها ونشاطاتها المختلفة.
  11. إعطاء الجمعيات العلمية بما تملكه من خبرات وكفاءات علمية مؤهلة الفرصة في تقديم الإستشارات للجهات الحكومية والقطاع الخاص وحقها الوطني مقابل الشركات الأجنبية.
  12. توجيه الجمعيات المهنية والعلمية بأن تكون مشاريعها المقدمة للقطاع الخاص على مستوى عالٍ  من الجودة في التنفيذ وذات نفع واضح للمجتمع والمنشأة على حد سواء.
  13. عقد ورش عمل خاصة بالجمعيات العلمية والمهنية لتطوير ادائها من حيث الحوكمة ومؤشرات الاداء وورش عمل مشتركة بينها من جهة وبين أصحاب العلاقة من القطاعات المختلفة والقطاع الخاص تحديداً من جهة أخرى  للوقوف على الدور الذي ينبغي العمل عليه ليتكامل العمل بما يحقق رؤية المملكة 2030
  14. تخصيص مقاعد لأعضاء الجمعية العلمية و المهنية من خارج المملكة أو من المقيمين (مقعدين كحد أعلى) لإضفاء البعد الإقليمي والدولي للجمعية  ، وفق شروط علمية موضوعية
  15. دعوة الجمعيات العلمية والمهنية لدراسة رؤية 2030  لاستثمار جوانب التنمية فيها ومنح الفرصة للشباب والشابات لإحداث نقلة في منهجية العمل وتحسين جودة الحياة وإدراجها في أهدافها لتواكب تطلعات وأهداف الرؤية.

¤      الملخص التنفيذي

القضية: الجمعيات العلمية والمهنية ودورها في التنمية

تنبع أهمية قضية "الجمعيات العلمية والمهنية ودورها في التنمية" من إرتباطها بالتنمية، وبالتالي كونها ذراعاً مهماً من أذرعة رؤية المملكة 2030، فهي المنوط بها إيجاد علاقة فاعلة بين الجهات العلمية والمهنية في المملكة والفرص المتاحة في القطاعين الحكومي والخاص، مع دراسة الاحتياجات الواقعية لسوق العمل. لذا كانت قضية الجمعيات العلمية والمهنية ودورها في التنمية في المملكة من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها د/رياض نجم وناقش فيها دور الجمعيات العلمية والمهنية في التنمية في المملكة. وتم التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة.

بدأ د.رياض نجم ورقته بالإشارة إلى أن هناك تداخل في التعريفات بين الجمعيات العلمية والجمعيات المهنية وأن كلا من المسميين يستخدم بشكل متبادل من تخصص لآخر ومن دولة لأخرى. ورأى أن الجمعية العلمية هي مؤسسة غير ربحية في الغالب، تنشأ لدفع تقدم مجال أو مهنة أو ما شابه وتبني سياسات تخدم هذا المجال او المهنة والعاملين فيها بما يحقق مصالحها بشكل متوازن دون النظر الى العائد المادي.

ثم تحدث د.رياض بشيء من التفصيل عن نشاطات هذه الجمعيات، وعن نظام الجمعيات العلمية الذي صدر عام 1421هـ الذي يجيز للجامعات السعودية إنشاء جمعيات علمية تعمل تحت إشرافها المباشر.

وحدد د.رياض المشكلة التي تواجه هذه الجمعيات بالعضوية المتدنية متحدثاً بإسهاب عن ذلك سواء فيما يتعلق بالعدد أو الآلية بالإضافة إلى التوزيع الجغرافي للجمعيات مطالباً بإعادة النظر في ذلك ليستفيد منها المهنيون في كل مكان في المملكة.

وتلخصت التعقيبات التي جرت على هذه الورقة في أن الجمعيات العلمية والمهنية تعتبر تكوينا مهما في مؤسسات المجتمع المدني ويصعب التحدث عنها دون التطرق لواقع هذه المؤسسات في المملكة، مع التأكيد على أنها الضلع الثالث مع الدولة والقطاع الخاص في مثلث دعم الإنسان بالانتقال من الحالة الفردية إلى حالة مجتمعية أكثر عدالة وتكاملاً.

ولكن تواجه الجمعيات العلمية في المملكة العديد من المشاكل أبرزها ما يتعلق بالعضوية، كما أنها تفتقر للحوكمة التي تعطيها مصداقية ومهنية تعزز ثقة الفئة المستهدفة من الأعضاء والجهات التي تقدم الدعم المالي لأعمال وأنشطة الجمعيات. بالإضافة إلى أن أنشطة العديد منها بعيدة عن تطلعات رؤية 2030، ووجود فجوة في العلاقة والشراكة بين العديد من الجمعيات العلمية وواقع احتياجات السوق والفرص الواعدة في القطاع الخاص.

ورصدت المداخلات التي تمت حول موضوع القضية بعض المشاكل التي تعاني منها الجمعيات العلمية منها: ضعف الاقبال على الاشتراك فيها، عدم قدرتها على الوصول لجمهورها، ضعف الموارد، عدم الحصول على فرصة امام تفضيل الشركات الاستثمارية الأجنبية.

وتباينت الآراء حول استقلالية الجميعات العلمية عن الجامعات، حيث ذهب البعض إلى ضرورة الفصل بينهما، بينما رأى البعض الآخر أن هناك صعوبة في عملية الفصل فالجمعيات جزء أساسي من المسؤولية الاجتماعية للجامعات وقد يكون في الفصل إضعاف لها.

أيضاً؛ تباينت الآراء حول دمج الجمعيات التي تتشابه في الاختصاص فبينما ذهب البعض إلى ضرورته لخدمة الجانب النظري والعملي بشكل تكاملي، رأى آخرون أن الدمج يلغي التنافس العلمي والتنوع.

وفي نهاية النقاش توصل الملتقى لعدد من التوصيات التي تهدف لدعم وتطوير الجمعيات العلمية والمهنية لكي تقوم بدورها المنوط بها للمساهمة في تحقيق رؤية 2030 أهمها: إعادة النظر في نظام الجمعيات العلمية والمهنية ووضع نظام واضح ومحدد لمهامها وعضويتها، إعادة النظر في التوزيع الجغرافي للجمعيات العلمية والمهنية السعودية ليستفيد منها المهنيون في كل المناطق، دمج الجمعيات المتشابهة في الإختصاص أو على الأقل التقليل منها لرفع كفاءتها وشمولية إختصاصها، ضرورة الفصل في النظر إلى الجمعيات العلمية والمهنية وأنظمتها لاختلاف المهام ودور كل منها وبالتالي اختلاف التحديات التي تواجهها، البحث عن مصادر تمويل لدعم هذه الجمعيات مالياً سواءً من قبل القطاع الخاص أو الدولة بصفة مباشرة أو عن طريق الجامعات، دعوة الجمعيات العلمية والمهنية لدراسة رؤية 2030  لاستثمار جوانب التنمية فيها ومنح الفرصة للشباب والشابات لإحداث نقلة في منهجية العمل وتحسين جودة الحياة وإدراجها في أهدافها لتواكب تطلعات وأهداف الرؤية.

القضية الرابعة

الورقة الرئيسة

(القمة العربية الثقافية) المنتظرة،

 هل ستصنع فارقاً؟!

¤      الكاتب : د. زياد الدريس

مقدمة

من خلال رؤية 2030 تشهد المملكة تحولات اقتصادية واجتماعسة وسياسية وثقافية، وتأتي دعوة المملكة لقمة عربية ثقافية استعادة لدور المملكة الريادي في الكثير المجالات ومنها المجال الثقافي. لذا كانت قضية القمة العربية الثقافية المنتظرة، والتطلعات والأمنيات المرجوة منها لصالح المجتمع العربي بشكل عام والقافة العربية بشكل خاص، من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها د/ زياد الدريس وناقش فيها ما يمكن أن تتناوله القمة الثقافية العربية والفارق الذي يمكن أن تصنعه، وتم التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: ( المثقفون بين السلاح الحربي والثقافي، مفاهيم متعددة للثقافة والمثقفين، عودة الثقافة السعودية للريادة، الإنتاج الثقافي، تسييس الثقافة، النموذج الثقافي الذي نحتاجه، القمة الثقافية والأمل العربي، الثقافة والواقع العربي، الهوية والثقافة، الجيل الجديد للثقافة. والدور الثقافي للملكة ورؤية 2030)، وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديد من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نص الورقة التي كتبها الدكتور/ زياد الدريس، وعقّب عليها الدكتور/ مساعد المحيا، والمهندس/ عبد السلام الوايل.

كتب د. زياد الدريس في ورقته الرئيسة عن (القمة العربية الثقافية) المنتظرة، هل ستصنع فارقاً؟:

جاء النص التالي ضمن البيان الختامي للقمة العربية التي انعقدت في مدينة الظهران، منتصف أبريل المنصرم: "نرحب بدعوة المملكة العربية السعودية إقامة القمة العربية الثقافية، آملين أن تسهم في دفع عجلة الثقافة والتنوير وإذكاء جذوة القيم العلمية والأخلاقية العربية الأصيلة للحاق بركب الثقافة الذي تخلفت عنه الأمة جراء الحروب والفتن والقلاقل". وأنا كمواطن سعودي يسرني أن الدعوة للقمة العربية الثقافية قد انطلقت من بلادي، وأرجو أن يكتمل فخري فتُعقد في بلادي أيضاً.

ولاشك أن المثقفون تطايروا بتلك التوصية دون غيرها، وتداولوها فرحاً وأملاً، وحُقّ لهم ذلك، فهم يسمعون عن هذه القمة منذ سنوات، لكنهم كلما ظنوا أنها اقتربت منهم ابتعدت أكثر. ومع إيماني بأهمية التفاؤل بأن تصنع هذه القمة الثقافية، إذا تحققت، شيئاً لتحريك جمود الثقافة العربية وخلخلة قوالبها التقليدية، إلا أني أنصح المثقفين عدم الإفراط بالتفاؤل.

الثقافة غير السياسة، فإذا كانت الثانية عملاً أبوياً (بطريركياً) فإن صنع مسارات الثقافة يتم بأيدي الأبناء (شعبوياً). هذا لا ينفي دور النخبة في تحريف مسارات الثقافة وحياكة ملبوساتها، لكن آلية عمل نخبة الثقافة تختلف كثيراً عن آلية عمل نخبة السياسة، بسبب اختلاف تكوين النخبة في الإطارين أصلاً.

في عام 2013م كان لي شرف تمثيل منظمة اليونسكو في القمة العالمية للصناعة الثقافية في الصين. كان هدف الصينيين توجيه نتائج القمة لخدمة غرض أساسي هو مواجهة مدّ الرأسمالية الثقافية (الأمريكية) في العالم برأسمالية صينية مضادة، وإن تغيرت الأسماء والشعارات.

رسملة القوالب الثقافية وتحويلها إلى أوعية مدرّة للأرباح، سيكون حتماً المحور الرئيس للقمة العربية الثقافية أيضاً. لا مفر من ذلك، ولو كره المثقفون. لكن المثقفين يطمعون في أن يكون إلى جانب المحور الرئيس عن (اقتصاديات الثقافة) محاور أخرى عن "القيم العلمية والأخلاقية العربية الأصيلة"، حسب ما ورد في توصية قمة الظهران.

وأتساءل ما الذي يمكن أن تناقشه القمة الثقافية للعرب:

- أعتقد أن القمة ستناقش إبراز دور عناصر الثقافة العربية المشتركة في تعزيز التناغم والأمن القومي للمواطن العربي، ومع احترام الخصوصيات الثقافية الوطنية (المحلية)، لابد من تحديد القواسم/الخطوط العريضة للثقافة العربية المشتركة وتعزيزها، مثل: اللغة العربية، الميراث الثقافي لعصور الإزدهار العربي، قواسم التاريخ والجغرافيا العربية.

- الالتفات إلى اللغة العربية وإعطائها الاهتمام الكافي إعلامياً وتعليمياً بوصفها مكوناً أساسياً لهويّة الإنسان العربي، وجسراً أساسياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والتقدم الحضاري. لم يسجل تاريخ الحضارات، القديم والحديث، أن حضارةً نهضت وتقدمت بغير لغتها الأم.

- تخصيص مراكز ذات ميزانيات وافرة وكوادر محترفة لأعمال الترجمة، من لغات العالم إلى العربية والعكس، في مختلف الفنون والعلوم والآداب.

- البحث في السبل الأنجع والأكثر فعالية لتعزيز قيم الوسطية والاعتدال بين الشباب العربي، مع التمسك بثوابت التعاليم الإسلامية والتقاليد العربية، وذلك بهدف قطع الطريق على الفكر المتطرف من التغلغل في المجتمعات العربية.

- بحث آلية تعزيز دور المثقف العربي وتمكينه من الإسهام في صنع الوئام الإقليمي والوطني.

- تمكين الثقافة من الإسهام في تكريس الاستقرار السياسي، لا أن يتم توظيف الثقافة والمثقف في التجاذبات السياسية.

- حث الدول العربية كافة على الاهتمام بتراثها المادي (الآثار) وغير المادي (الفنون والممارسات)، وتسجيل تلك العناصر في لائحة التراث العالمي، حمايةً لها من الاندثار أو العبث والإهمال.

- محاولة الوصول إلى آليات لرفع سقف حرية التعبير (المنخفض عربياً) دونما الإضرار بالأمن الوطني أو إشاعة الفوضى الفكرية في المجتمع.

- تفعيل القرارات والأنظمة الصادرة عن المنظمات المتخصصة بشأن (حقوق الملكية الفكرية)، خصوصاً في ظل الاندفاع المحموم للاستثمار في الثقافة.

- تنشيط حضور ودور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو) ومنحها الاهتمام الكافي للقيام بأدوارها المتوقعة في خدمة الثقافة العربية والتعريف بها وبعناصرها داخل وخارج الوطن العربي.

هذه مجموعة محاور يمكن مناقشتها في القمة، لا أُنكر طوباويتها وطموحها العالي جداً أمام المخاوف والتوجسات من أن تنقلب القمة العربية الثقافية إلى قمة تقليدية نمطية تخرج بمجموعة من التوصيات الإنشائية الخالية من خارطة طريق فعلية لتنفيذها. والتوجس الأكبر هو أن يحضر هذه القمة الثقافية كل أحد إلا المثقف.

وأشار د. مساعد المحيا في تعقيبه على هذه الورقة إلى بعض التطلعات والمخاوف من هذه القمة المنتظرة، حيث ذهب إلى: أن تحديد مفهوم الثقافة والمثقف هو أحد الجوانب التي تظهر الكثير من التباين في طبيعة الأنشطة والبرامج الثقافية لدينا، وبالتالي التباين في الطموحات والآمال، وهو ما نفتقده في مؤسساتنا الثقافية. ولعل الصورة العامة لهيئة الثقافة من خلال برامجها وعناصر مجلسها أصبح يذهب بها نحو التركيز على الفلكلور والغناء.

كما أن جمعيات الثقافة لا تعمل ولا تنجز سوى برامج فنية فقط، وكذلك فإن الصفحات الثقافية في الصحافة ومثلها البرامج الثقافية تتجه للأدب والنقد الأدبي والمهتمين به فقط ، وذلك يعني أن الثقافة بالمفهوم العام الذي يحمله كل مثقف ونخبوي أصبحت خارج دائرة الاهتمام الثقافي، لاسيما وأن المثقف يظل يتطلع أن تعني مؤسسته الثقافية بالكثير من البرامج التي تجعل الثقافة نشاطا مجتمعيا وأن تدعم إنتاجه الفكري والعلمي.

وفقاً لذلك، تظل هناك الكثير من التساؤلات حول طبيعة المحتوى الذي ستهتم به هذه القمة الثقافية المزمع عقدها. إذ سيصيب الكثير من المثقفين الإحباط إن انتزعت منهم محاورها واهتماماتها باتجاه الفلكلورات والأغاني العربية وحدها، خاصة وأن هذين النمطين يجدان في مجتمعاتنا العربية الكثير من المؤسسات التي ترعاها وتدعمها.

ولعل مما يعزز رؤيتي تجاه أهمية منح الفكر والإنتاج الفكري والعلمي والبحوث والدراسات مكانتها في ميدان الثقافة وبخاصة في قمة عربية يتوقع أن تكون فرصة مناسبة لفتح صفحة جديدة مع النخب المثقفة ليكونوا أنموذجاً فاعلاً في المجتمع، وليجدوا التكريم عبر الجوائز المتخصصة والمتنوعة، ولتمتد إليهم أيد حانية ترأف بهم، وتقدر حجم صبرهم وتحملهم وتعوضهم عن كل ظروف الحياة وقسوتها. ولعل مما يعزز رؤيتي هذه هو أن الثقافة تظل نشاطاً إجتماعياً، ومن الجميل أن يتم التوسع فيه وجعله هماً وطنياً.

إن تكريم المثقفين والاحتفاء بهم ونمذجتهم مهم في مجتمعنا الذي أصبح كثير من أبنائه (شبابه وفتياته) في حالة من الخواء الفكري والثقافي، حيث ترى ذلك في تدني المستويات التعليمية، ومستوى الفهم والإدراك، والبعد عن القراءة وهجر الكتاب، والعيش مع الوسائل الترفيهية غالب الوقت.

ولذلك فإن الاهتمام بالثقافة على مستوى القمة العربية هو مؤشر جيد لبدء مرحلة يمكن أن تثمر عن صناعة استراتيجية جديدة، تستشرف مستقبل الثقافة العربية، لاسيما وأن البيئات العربية ثرية بمخزون ثقافي وفكري وتاريخي وحضاري.

  وكم سيكون جميلاً أن تحتضن المملكة هذه القمة بوصفها تمثل عمق الثقافة العربية وتاريخها. كما سيكون رائعاً لو تم عقد هذه القمة إبان عقد النسخة 33 من مهرجان الجنادرية، إذ تشتمل برامج هذا المهرجان العديد من الأنشطة الثقافية المهمة والتي تعكس جانباً من هوية المملكة الثقافية.

إضافة إلى القيمة الجميلة لعودة جائزة الدولة التقديرية لدينا، وأن تتسع لتشمل الثقافة والأدب والعلوم الإنسانية والتطبيقية، إذ النمو في الاهتمام الثقافي محلياً هو الأساس لمشروع الريادة العربية.

القمة العربية للثقافة يمكن أن تسهم في كثير من صور نشر البرامج والأنشطة الثقافية العربية وفي التمازج والتقارب بين الثقافات، وفي نشر الكتب الثقافية العربية لتصل لكل العواصم العربية، الأمر الذي يعزز من التقارب بين النخب المثقفة العربية وبين شعوبها، ويتيح مناخاً واسعاً من الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل للثقافة العربية. وأن يعيش المثقفون العرب حالات من التنسيق والتعاون ثقافياً وفقاً لمؤسسات يتم إنشاؤها بعد ذلك، ولربما كان لذلك أثره في المساهمة في بناء وحدة عربية تؤمن بمشروع ثقافي كبير يرتبط بهويتها بدلاً من حالات التشرذم السياسي والاقتصادي التي تعيشها الأمة العربية. وليكون ذلك جداراً صلباً ينجح في مواجهة التحديات التي تواجهها الدول والشعوب العربية.

تظل الرياض عاصمة الثقافة العربية الدائمة وبيت العرب الثقافي وما لم تقم بوظيفتها وتعمل بمستوى قدر مسؤوليتها فلا أخال أن في العرب اليوم من يحمل ذلك الهم سوى الرياض بقيادتها وشعبها.

كما عقب م. عبد السلام الوايل على الورقة

ألاحظ أولا أن دعوة المملكة لقمة عربية للثقافة تتجاور مع اهتمام حكومي بالثقافة تجلّى في إطلاق عدة مؤسسات إما مخصصة للثقافة، كالهيئة العامة للثقافة، أو بمؤسسات تتقاطع مع شؤون ومشاغل ثقافية، كهيئة تطوير بوابة الدرعية والهيئة الملكية للعلا، والهيئة التي ولدت بحضور اجتماعي عملاق، وأعني بها هيئة الترفيه. قد يصبغ هذا الاهتمام الجالب للشؤون الثقافية إلى بؤرة التحولات الاجتماعية التي نشهدها يُصبغ جدول أعمال القمة المرتقبة وقراراتها. محتوى هذا الاهتمام هو تغيير موضعه "المسألة الثقافية". أي نقلها من نشاط يهم فئة اجتماعية صغيرة ومحددة، أي المثقفين، إلى شأن منفتح على شرائح اجتماعية مختلفة، محلية أو خارجية، تضم السياسيين والمستثمرين والسائحين والباحثين عن الترفيه. عنوان هذا التحول إذاً هو نقل تنظيم الشأن الثقافي وتحويله من التمحور حول "المثقف" إلى ميدان واسع تدور فيه اهتمامات مختلفة ومتشابكة تكاد تخترق الخارطة الاجتماعية بتنوعاتها، ولعل في الاختلاف العلني بين هيئة الثقافة وهيئة الترفيه على من له حق إعطاء ترخيص بناء دار أوبرا في البلاد مؤشر على خروج الملف الثقافي من "ضيق المثقف إلى سعة المجتمع".

إن التأثير المتعاظم للصورة والتناقل السهل للمعلومة، وتصاعد استعدادات البشر في كل مكان للصرف على الترفيه والسياحة والتنزه ينقلان بنية الثقافة من مؤسسات تتمحور حول المثقف إلى "سوق" بما تعنيه كلمة السوق من قوانين عرض وطلب وفرص واستثمار ..وغيره. هذا الأمر جعل الثقافة في بؤرة اهتمام السياسيين والقادة المتطلعين لإحداث نقلات تنموية في مجتمعاتهم. وبسبب هذه العوامل، رأينا تغيراً في الهيكلة المؤسسية للثقافة في بلادنا، وينتظر أن تشهد بلاداً عربية تطورات مشابهة. فالرأسمال الثقافي ليس فقط معرفة أو حتى استثماراً مالياً. إنه أيضاً أحد صناع الصورة الذهنية عن البلاد وأهلها وتاريخها وفنونها، وبالتالي تصورات العالم عنها وموقعها في السلم الذي يلقى احترامه إجماعاً بشرياً، أعني سلم الإضافات الحضارية في مسيرة البشرية.

وبناء على ذلك، فإني أتصور أن القمة الثقافية ستُدخل الثقافة من باب التغيرات المشار إليها أعلاه. غالباً، ستقدم القمة الثقافة باعتبارها طائفة واسعة من المكونات، المثقف والمبدع أحدها لكن ليس محورها. مكونات تختزن في داخلها قابلية للاستثمارات السياسية والهوياتية والاقتصادية. وقد ينتج عن القمة إنشاء هيكل مؤسسي لإبراز الإرث الثقافي الإنساني في البلدان العربية، بعض هذا الإرث يعود لآلاف السنين, ويمكن للإليكسو أن تقوم بهذا الدور، إذ تحتاج لتفعيل وتنشيط دورها.

كما أركز على نقطة طرحها د. زياد وتتمثل في حماية حقوق الملكية الفكرية. إذ تعاني الثقافة العربية ضعفاً ثقافياً وقانونياً شديداً في هذا الجانب. وسأذكر مثالين للتدليل على هذا الضعف.

1-  السرقة الأدبية لا تُعد مثلبة في منظومة القيم. إذ يُدان أشخاص وعبر مؤسسات قانونية مختصة بالسرقة ولا يؤثر هذا على مكانتهم الاجتماعية. في المجتمعات التي تشربت منظوماتها القيمية بأهمية حماية الحقوق الفكرية، يمكن لسرقة أدبية أن تقضي على مكانة السارق.

2-  عملت مرة ضمن لجنة لجائزة مرموقة للكتاب. ومن ضمن أحد الأعمال التي فحصتها قمت بفحص مدى الأمانة العلمية عبر التفتيش عن تعريف لمفهوم أورد بدون عزو. وبالبحث عنه في (جوجل) لاحظت أن مؤلفين عرب كثيرين من بلاد عربية مختلفة، من غربي العالم العربي وشرقيه، نقلوه من اشخاص كثيرين متوزعين جغرافياً بين بلدان عربية أيضاً، بحيث يستحيل معرفة من هو المالك الأصلي للتعريف، الذي يبدوا أساساً أن ليس عربي. تدل الحالة على أن "الحقوق الفكرية" كمفهوم ليس راسخ في الثقافة العربية. ولا إبداع بدون مراعاة لهذا المبدأ، إذ يمكن لأي ناقل أن يوهم القراء أنه صاحب التعبيرات التي يسوقها. ولا صيانة لهذا المفهوم بدون رادع قانوني. لذا، و من أجل الاهتمام بالإبداع والأصالة، آمل من القمة المرتقبة التأكيد على هذه الثغرة الخطيرة في التأليف العربي.

أما أكثر ما آمله من القمة الثقافية فهو توجيه النص البيداغوجي لتربية الأجيال الجديدة على المشترك الإنساني بين العرب والأمم الأخرى، والذي يمكن لمجالات الثقافة المستعرضة أعلاه أن تساهم به. فالشخصية العربية أسقيت وعلى مدى العقود الماضية منذ حقبة الاستقلال على مفاهيم معاداة العالم وأنتج هذا افتراق شعوري بين العرب وبعض الأمم المتصدرة للمشهد في عالم اليوم.

 

¤      المداخلات حول القضية

المثقفون بين السلاح الحربي والثقافي

تساءل أ. سمير خميس، كيف يمكن للثقافة أن تتغلب على الحروب في محيط عربي فضل السلاح الحربي على السلاح الفكري والثقافي؟.

أجاب عن ذلك د. زياد الدريس. بكل وضوح، وبعيداً عن الطوباويات، فإنه لا يمكن للثقافة أن تتغلب على الحروب بشكل مطلق. فأوربا الحديثة التي خرجت من رحم (الأنوار) لم تلبث أن خاضت حروباً عديدة توّجتها بالحربين العالميتين. وفي ما بعد هاتين الحربين لم تتوقف عن مزاولة الحروب، لكن فقط نقلتها من حروب بينية إلى حروب بالنيابة.

الثقافة قد تقلّص من الحروب الأهلية (داخل الوطن الواحد) لأن المثقف قد يكون شريكاً فيها سلباً أو إيجاباً، أما الحروب الإقليمية فهذه يديرها السياسيون ويغذّيها تجار الحروب، ولا دور البتة للمثقف فيها.

أضاف د. مساعد المحيا، إن المشكلة تكمن حين يتخلى المثقف عن دوره ويصبح مشرعاً لتلك الحروب، بذرائع بعضها هو مقتنع بها وبعضها خشية أن يُسلب ولاؤه أو هويته أو وطنيته. كما أن من أشد الحروب التي يخوضها المثقف حين يفتح نيران مخزونه السلبي من الجمل والعبارات ليهاجم بها طيفاً معيناً أو جهة أو فرداً.

علق د. زياد الدريس بأنه ليس عيباً أن يكون المثقف غير قادر على إطفاء الحروب. إنما العيب أن يكون المثقف مساهماً في إذكاء الحروب.

مفاهيم متعددة للثقافة والمثقفين

يرى م. عبد السلام الوايل أن طرح فكرة نقل تنظيم الشأن الثقافي وتحويله من التمحور حول المثقف إلى ميدان واسع، تكاد تخترق الخارطة الاجتماعية بتنوعاتها. وأتساءل، ألا يقضي نقل الثقافة من الشأن الثقافي إلى الاجتماعي على خصوصيتها، وبالتالي لا نملك القدرة على تمييزها والتعويل عليها كونها إحدى روافد السمو بالواقع الإنساني؟.

وذكر د. مساعد المحيا أنه لا يحق لنا الادعاء بأن هناك فهم قاصر عن الثقافة، وإنما نحن نعبر عن مفاهيم متعددة للثقافة وفقاً لآمالنا ورؤيتنا. والذين لا يرون الثقافة إلا في الأغنية والفلكلور يفكرون بمنطق ربحي استثماري وترفيهي، وكل هذه الجوانب يصعب أن تصطلح معها الثقافة بمفهومها القائم على الإنتاج الفكري والعلمي.

المثقف وفقاً لمنطق الترفيه والغناء والفلكلور شخص ثري وتدر عليه وظيفته الكثير من الدخل. المثقف الذي صاحب القلم وعشق الكتاب والمكتبة ونظر للحياة وكيف ينبغي أن تكون هذا يعيش حالة بئيسة. وكل مثقفينا الكبار ماتوا فقراء أو مديونين، وحالة اسرهم بئيسة إلا من أكرمته الدولة، أو عاش في محيط اجتماعي حقق له الكرامة في العيش.

أضاف م. عبد السلام الوايل أنه من المؤمل أن انفتاح الجسد الثقافي على المجال العام يؤمّن له عمقاً ورفداً اجتماعيين يكسبان هذا الجسد منعة وقوة.

واحدة من المآخذ على المثقف في المجتمعات العربية، في رأيي، هو تصور المثقف لدوره في المجتمع. غالبا يرى المثقف نفسه بوصفه حامل رسالة، مبشر، نذير، منقذ...الخ هذا الهاجس الرسالي زيادة على زيفه، فالمثقف مثله مثل اللاعب والفنان..الخ، يقلل من حس الجسد الثقافي بالثقافة بمعناها الواسع. إن الثقافة شأن أكبر من المعرفة ونتاجات المثقفين الفكرية. إنها أساليب حياة الشعب وفنه، ومعماره، وأزياءه، وتراثه المادي والمعنوي (بما فيه آدابه الشعبية و حكاياه)، معتمدين تعريفا تايليريا* للثقافة. الذي يرى أن لثقافة culture بوصفها الكل الجامع للغة، والفنون، والأزياء، والمعمار، ومختلف ضروب أساليب عيش مجموعة بشرية.

أضاف د. خالد الرديعان مفاهيم أخرى للثقافة ومفهوم الثقافة والحضارة، حيث ذكر:   

أولا مفهوم الثقافة: في تعريف الثقافة culture فإن أحد الانثربولوجيين (كلوكهون) أحصى مايزيد عن ١٦٠ تعريفاً لها، لكن يظل تعريف ادوارد تايلور ( ١٨٧٠) هو الأشهر  والذي يشير الى انها ذلك الكل المركب الذي يشمل العادات والتقاليد والفولكلور والاخلاق والقيم والفنون، وكل ما انتجه الإنسان بحكم انتماءه الى مجتمع.

وتنقسم الثقافة الى ثلاثة عناصر: مادية تشمل كل ما أنتجه الإنسان من أدوات كالأسلحة والأواني والحلي والملابس والمساكن.. الخ، وعنصر غير مادي ويشمل الأفكار والمعتقدات والاخلاق والقيم والمثل والاعراف والفنون والأغاني والقصص والأساطير وكل ماهو شفوي وفكري. أما العنصر الثالث فهو الرمزي أو الرموز التي يتفق الأفراد على مدلولها فيما بينهم؛ كالإشارات والإيماءات ولغة الجسد، واللغة بمعناها الواسع والتي تعد أرقى أنواع الرموز.

وفقاً لذلك فإن كل إنسان "مثقف" بحكم انه يتوفر على ثقافة تحكم سلوكه؛ فالبدوي في صحراءه مثقف والرجل "البدائي" مثقف، والأمي مثقف... الخ.

والثقافة منتج إنساني بامتياز وهي من أهم الفروق بين الإنسان والمخلوقات الأخرى ولولا الثقافة التي يتم تدوينها وتناقلها عبر الاجيال والاضافة والبناء عليها لظل الانسان أشبه بكائن بدائي أو مخلوق شبيه بالقرد الذي لم يتغير سلوكه منذ أن خلقه الله. والثقافة بهذا المعنى تشير إلى القدرة الفائقة للإنسان على تطويع البيئة والسيطرة عليها وهو ما لا يتوفر للمخلوقات الأخرى.

أما المعنى الدارج للثقافة غير المعنى الانثربولوجي فيحصرها في نمط "السلوك الراقي" والمعارف والفنون مما يجعل معناها ضيقاً؛ فيقال فلان مثقف للإشارة إلى أنه أوتي نصيب من العلم أو أنه يؤلف كتب ومقالات ومسرحيات أو شعر أو أنه يؤلف موسيقى.. الخ

ثانياً: الثقافة والحضارة: هناك تداخل بين المفهومين وللخروج من هذا التداخل فقد اقترح بعض الانثربولوجيين استخدام مفهوم الحضارة للإشارة للتقدم العلمي والتقني أو المدنية civilization ما يعطي انطباع أن الحضارة معنية بمسألة التقدم؛ فنحن عندما نقول الحضارة الإسلامية فإننا بذلك نشير إلى التقدم العلمي والعمراني الذي حدث في مرحلة ما في الدولة الإسلامية، لكن عندما نقول "الثقافة الإسلامية" فإننا نشير الى ماهو أوسع من الحضارة أي كل ما يرد ضمن العناصر الثلاث التي سبق الإشارة اليها. الحضارة هي ترمومتر الثقافة؛ فمن خلالها نحكم على تقدم ثقافة ما وتخلفها وفقاً لنموذج التقدم السائد.

وأضاف د. حمز بيت المال أن هناك ثقافة وطنية عامة يشترك فيها الجميع، وهناك ثقافات فرعية داخل الوطن الواحد، وهناك ثقافات للمؤسسات الكبيرة تحددها قيم ومعايير العمل بها، فقد نقول ثقافة العمل مثلاً في شركة "أرامكو"، أو ثقافة العمل في المؤسسات الإعلامية التي بها قيم مثل سرعة النشر والمصداقية. وأعتقد أن ما نحتاجه في الثقافات العربية هو النظر في القيم الاساسية المكونة لهذه الثقافة والعمل على إعلاء قيم الايجابية منها مثل قيمة الوقت، فكلنا يعلم أنها ضعيفة ولو بمستويات مختلفة بين أفراد المجتمعات العربية.

أما المثقفين فأرى أن دورهم من خلال معالجة هذه الجوانب بالمنتجات الفكرية الفنية مثل الدرما القصة الاغنية أو الأبحاث العملية لتشخيص هذه الأبعاد واقتراح الحلول لها.

عودة الثقافة السعودية للريادة

أشار د. راشد العبد الكريم إلى أن هذه الدعوة للقمة العربية الثقافية حلقة في سلسلة استعادة المملكة العربية السعودية لمكانتها الثقافية اللائقة بها، مواكبة لمكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية. وأعتقد أنها جاءت في وقت مناسب جدا، فالبلد يمر بمرحلة نضج وانفتاح يجب أن تُستثمر. كما أن الثقافة العربية تمر بأزمة، أو على الأقل فترة التقاط أنفاس، قد تكون هي الثغرة التي تنفذ منها الثقافة السعودية للريادة.

الإنتاج الثقافي

في اعتقاد د. راشد العبد الكريم أن أول قضية حرجة تحتاج إلى مناقشة حقيقية هي معنى الثقافة ومكوناتها. ومن له الحق في "اعتماد" منتج ما على أنه ثقافة سعودية، وإنكار منتج آخر، وما هي المعايير (الموضوعية، الصادقة، والبعد عن التعالي) الذي يتصف به غالباً المثقف العربي، أمران لازمان في هذه المرحلة. وهذا يقود إلى مسألة أعقد وهي (أسس الثقافة) الفلسفية والاجتماعية. الأصالة والإبداع أمران ضروريان في هذا السياق، فلا أضر على الثقافة من الاستلاب والاقتصار على الاستجلاب.

من جانبه أضاف أ. محمد الدندني أن الفقر الثقافي هو داء قديم وأعتقد أنه بقدم إنهيار الدوله العباسية الأولى، حيث تغلغلت الشعوبية في الثقافة العربية الإسلامية. أما ما بعد الدولة الوطنية فنتيجة الوضع الطبيعي لدول جديدة أو حديثة الاستقلال فالهم الأكبر هو الحفاظ على هذا المنتج الجديد والذي تزامن مع صراع الأمم في منطقتنا أثناء الحرب الباردة وقيام اسرائيل.

وتساءل ماهي هوية الإنتاج الثقافي السعودي، هل هي (لغته، دينه, موروثه)؟. أعتقد يستحيل أن تذوب الثقافة السعودية في الثقافة الأعم، لأن ليس لدينا إلا العربية، ونحن الأقرب لها لعدم وجود حاجز قطري على سبيل المثال (مصري وعراقي وسوري).

من جانبه أكد د. راشد العبد الكريم، أنه لاشك من أن الطابع المصري كان هو السائد في الثقافة العربية (والشامي ثم المغربي، بعد ذلك إلى حد ما). وكان هو المنوال الذي ينسج عليه ويتغياه أي مثقف سعودي إلى الآن. ويلاحظ أن الإنتاج الثقافي السعودي لا يتجاسر للنهوض وحده، إنما يستقوي بـ ( الخليجي). مع أني أوافق الكاتب علي الموسى - وقلما يحدث هذا - في أن السعودي الآن هو القادر على الوقوف وحده، دون الأشقاء العرب.

وأشار د. مساعد المحيا إلى أنه بالرغم من إيمانه بتعريفات الثقافة ذات المدلول العام لكن لازلت أجد في نفسي شي من هذا التعميم، وهو ربما يتسق مع ثقافات أخرى، لكن لدينا الأمر مختلف فلا أجد أحداً يصف أياً من المطربين إلا بالفنان، ولم أجد أحداً يقول له المثقف أو أنه أحد رموز الثقافة أو الفكر، والأمر كذلك ينطبق على كل فنان تشكيلي أو رسام او عازف ...الخ، نحن نصدق مع أنفسنا حين ننادي ونصف الاشخاص ونضعهم في الحيز الذي يهتمون به فقط. لذا أجد أننا حين نصف أو نعرف أحداً بأنه مثقف وأنهأ المثقفين وأحد رموز الثقافة فإن ذلك يتجه لذوي الفكر والرأي والعلم والبحث.

ولذلك يظن د. راشد العبد الكريم أن جزء من المشكلة راجع للخلط اللفظي في الترجمة بين الثقافة culture والمثقف intellectual ، مما سبب اللبس في المصطلح العربي.

بينما ترى أ. منى أبو سليمان أن جزء من المشكلة أوintellectual pursuits هو أن فلسفة الفنون والأدب والنقد لم تواكب التطورات العالمية ولم تنتشر كثقافة عامة. وزد على ذلك أن ثقافة الشباب السعودي (millenials) اتجهت نحو الفن الرفيع والغناء و الـ gaming، وتجاهلت لحد كبير الأدب و الفلسفة .

تسييس الثقافة

طرح أ. سمير خميس تساؤلاً حول تسييس الثقافة في العالم العربي هل عاد عليها بالخير..؟ أم أنها كانت عبئاً وعائقاً لها؟.

في هذا السياق يرى م. خالد العثمان أن الإجابة على هذا التساؤل تنبع من تساؤل شائع حول تشكيلات الهيئات والأجهزة الحكومية التي أشار إليها د. عبد السلام وما يعيشه بعضها من تنازع الاختصاص (هيئات الترفيه والثقافة والسياحة)، وربما غيرها تتولى مسئوليات ذات علاقة بالثقافة. ولو أضفنا العلوم إلى مجمل تعريف الثقافة لكان الدائرة أوسع. يبقى إذن السؤال قائماً عما إذا كان التسييس هو عبر تشكيل هذه الأجهزة الحكومية أو عبر تسييس العمليات والمشاركة المجتمعية الفعلية. التسييس بنموذجه الحكومي ربما يسهم في إغراق الحراك الثقافي في البيروقراطية والتعقيدات، بينما الثقافة أساساً نتاج مدني بشري يتطلب التحرر من القيود بالرغم من حاجته إلى التنظيم والرقابة التي لا تقيد الإبداع ولا تخنق الموهبة. من هنا يبدو لي أن موضوع تسييس الثقافة يمكن أن يكون محوراً تجيب عليه القمة العربية المنتظرة، كأحد مخرجات حوار عربي متناغم يستهدف تنسيق جهود الحراك الثقافي الموقر على مستوى العالم العربي أجمع.

النموذج الثقافي الذي نحتاجه

يرى د. راشد العبد الكريم أن ثمة أمر آخر يحتاج إلى تأمل، وهو العلاقة بين الثقافة بوصفها إنتاجاً طبيعياً تطورياً evolutionary لمجتمع ما، وغالباً أدبياته تنحو المنحى الوصفي التقريري، وبين الثقافة بوصفها ناتج إبداعي طفري revolutionary ينحو المنحى التوجيهي الريادي، الذي ارتبط تقليدياً بـ (المثقفين). النوع الأولي نحن نتمتع فيه بغنى باذخ قد لا يتوفر في كثير من بلدان العالم. بينما الثاني نعاني فيه من فقر مدقع.

وأتساءل، هل يستطيع "المثقفون" السعوديون التعالي على خلافاتهم الداخلية والبينيّة لتُسامي هذه المكانة المستحقة. وهذا يستوجب أن نخرج بنموذج ثقافي يستوعب الخلاف ويوظفه نمائياً في إطار من الثوابت. هذا النموذج بحاجة إلى استبدال ثقافتنا النقضيّة بثقافة نقدية.

أرى لزاماً، إن كانت هذه القمة ستعقد، أن يكون هناك استعداد سعودي مبكر لها، وتعد لها العدّة، بحيث تستثمر بأفضل ما يمكن لتغيير الصورة النمطية عن السعودية، بعيداً عن النمط التقليدي للمعارض الإعلامية.

القمة الثقافية والأمل العربي

ذهب د. رياض نجم إلى أن القمم العربية على مدى الستين عاماً الماضية كانت قمماً سياسية. وقبل بضع سنوات عقدت قمة أو قمتان إقتصادية . والقناعة العامة لدى المواطن العربي (وربما الحكومات أيضاً) أن هذه القمم لم تخدم الأمة العربية بالشكل المأمول ولم تضعها في موقع المنافس بين أمم الأرض.

إن طرح المملكة إقامة قمة عربية ثقافية في ظل هذا التشتت السياسي بين الدول العربية، لهو قرار صائب في المضمون والتوقيت، فربما تستطيع الثقافة أن تعمل على لم شمل الأمة العربية ما فشلت في عمله السياسة.

وما نأمله من هذه القمة هو أن تتخذ قرارات لتنفيذ برامج تقوم بها المؤسسات الثقافية والمدنية في العالم العربي، ويكون دور الحكومات تنظيمي وليس تنفيذي، وأن تركز هذه البرامج والخطط على التقارب العربي/العربي، وعلى أوجه الاتفاق قبل الخلاف، ومن ثم الإنفتاح على الثقافات الأخرى بما لا يخالف ثوابتنا.

إلا أن أ. محمد الدندني يرى أنه من الإنصاف القول بأن جذور الدعوة إلى عقد قمة عربية ثقافية انطلقت من مجتمع ثقافي وليس من السياسي. وفي أحد مؤتمرات مؤسسة الفكر العربي قبل سنوات (كنت حاضراً) دعا الأمير خالد الفيصل إلى أهمية عقد مثل هذه القمة، وتم إدراجها في التوصيات ثم رفع المقترح إلى جامعة الدول العربية، ومن ذلك الحين بدأ تداول الفكرة، لكن الجامعة لم تتفاعل بما يكفي. ولعل الأمير خالد جدد المقترح إلى القيادة السعودية فتم طرحه في قمة الظهران.

كما أرى أنه لا يجب التفاؤل كثيراً بنتئج هذه القمة فالفرقة في المواقف السياسية كبيرة جداً، والعقد القطرية لكل دولة أكبر مما نتصور، ولكن جعل المملكة تقود حركة ثقافيه هو قوة للملكة أولاً داخلياً وهو الأهم وثانياً في العالم العربي. يجب أن يكون أحد أهداف القمة تنشيط ودعم الثقافة العربية بتعريفها الأشمل، وهو مفيد سياسياً في وجه الهجمة المتوحشة على الهوية العربية. وأرى ان يكون التواصل الثقافي ليس عبر القنوات الرسميه فقط بل بين الجمعيات والأفراد أيضاً، وتسهيل التنقل والزيارات وعقد الفعاليات الثقافية البينية بين كافه الدول ألعربية.

والمهم الآن، هل نستطيع احتضان أو نكون تفعيل الثقافة العربية بدون أن يستفز المثقف العربي وحتى السياسي العربي. وسيكون توجه جيد وجدي لو أُشرك  مجموعه من المثقفين السعوديين والعرب بوضع جدول أعمال القمة.

الثقافة والواقع العربي

يعتقد أ. سمير خميس أن دعوة الحكومات العربية لمثل هذه القمة ربما تكون رسالة مضمونها أن هذه الحكومات أكثر ثقافة وانفتاحاً من شعوبها، أو أنها تعبر عن عجز الثقافة العربية للدرجة التي تحتاج فيها لرافعة حكومية تنعشها وتحييها.

كما أنه يلاحظ في الثقافات الشرقية "اليابانية والكورية تحديداً ومؤخراً الصينية"، وفي الثقافات الغربية التي تقطر رأسمالية وحنيناً لأزمنة الاشتراكية الغابرة، وجود سطوة للثقافة من خلال ارتباطها بالواقع.، وهو ملا نراه في الثقافة العربية وإنما  نلحظ عجزاً في اختراق هذا الواقع، فتنظيرات المثقفين عادة ما تكون حبيسة الأدراج أو معاكسة لهذا الواقع. وإذا أخذنا مثالاً بالربيع العربي، فهناك من المثقفين العرب من تنبأ به، لكنه لم يستطع طرح رؤية مقنعة تتجاوز ما وصل إليه هذا "الربيع". بل هناك من المثقفين من "تعسكر" وأصبح سلاحاً ثقافياً يشهره المستبد مثله مثل أي سلاح حربي..

كذلك فإن البعد الهائل الذي وصلت إليه التقنية في العالمين الشرقي والغربي والتي نضطر لاستيرادها إلى يومنا هذا للأسف. أليست نتيجة لاتجاه ثقافي ساد لعقود أثمر كل هذا التقدم؟ أم أن في هذا الطرح جعجعة ثقافية اعتدناها من المثقفين وزمرتهم؟.

في هذا السياق يرى أ. محمد الدندني أن المثقف العربي وطبقة المثقفين هي نخبه لا تمثل شمولية الثقافة العربية في الشارع، وهذا ليس قصوراً في المثقف ولكن له ظروفه التاريخية والسياسية.

الأمة العربية عرفت بين الامم برسالة الإسلام ونمت وتغذت على هذا الفكر والدين. وأعتقد أن الجمود الذي طال الفكر الإسلامي لسنين لا علاقة له بالدين، فالدين قادر على احتواء كل جديد. كما أن الرسالة الإسلامية معنوية ولَم تواكبها نهضه صناعية ومعرفة تعزز الثقة في نفس الإنسان العربي. وبعد ظهور الدولة الوطنيه مررنا بصراع اليسار العاطفي وكان ديدنه الهجوم على الدين، ونسي أو تكاسل أن يصرف الوقت للبحث في التراث والمحاولة للتغيير والإصلاح من داخل الدين. لا ننكر أن مصطلح رجل الدين وما مررنا فيه لم يحاول أيضاً النهوض والعودة لتصحيح ما شاب الفكر الإسلامي من أخطاء وجمود.  نتج عن هذا فقر ثقافي وازدواجية. قوة الحضارة الغربية ومنتجاتها تغلغلت مادياً ومعنوياً ولكن بقي العجز عن التفاعل معها بثقه لأن هويتنا ضعيفه بسبب عدم وضوح الرؤيا الثقافية.

التعاون العربي الثقافي

ذكر م. أسامة كردي أنه من المؤمنين بحتمية التعاون العربي. ويرى أن ما يجري حالياً من حروب وخلافات قد تساعد في تطوير اهتمامات العرب بتعاونهم على المدى المتوسط والبعيد عندما يَرَوْن بشكل أوضح ما يقود إليه خلافهم. وقد سعدت كثيراً بعقد القمة الاقتصادية العربية في الكويت مؤخراً كما أسعدني ما علمته من نتائج اقتصادية إيجابية لمنطقة التجارة العربية الحرة. ومن هذا المنطلق فإن أملي كبير في أن القمة الثقافية سيكون تأثيرها إيجابياً في التقريب بين المثقفين العرب وأهم من ذلك أن يصبح لهم تأثير على السياسة العربية-العربية. وأراقب باستمرار التجربة الأوربية التي نجحت في تحويل الاتحاد الأوربي - عن طريق المفوضية الأوربية - من مكان تلتقي فيه الحكومات إلى مكان تلتقي في الشعوب.

أما أمنياتي من هذه القمة فهي أن تعالج نواحي الثقافة كل على حدة مثل الأدب والشعر والمسرح والممارسات (النظافة كمثال) وغيرها كثير وأن تخرج الحكومات من التدخل في التعاون العربي الثقافي. وأرى لو أن القمة خرجت بقرار إنشاء (منظمة الثقافة العربية) لكان كافياً.

في هذا السياق علق د. زياد الدريس بأنه يوجد منظمة للثقافة العربية اسمها: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو)، ومقرها تونس. لكنها خاملة وتحتاج إلى تنشيط.  أضاف م. أسامة كردي هذا صحيح، لذلك أدعو إلى إلغاء أي مؤسسات مشابهة غير فاعلة. ومثالي في هذا إلغاء (منظمة الوحدة الافريقية) لصالح (الاتحاد الأفريقي).

نحن .. وقمة الثقافة

في تصور د. عبد الله بن ناصر الحمود فإنه لا يهم إن كانت الثقافة تعني الآداب والفنون، أو النتاج الفكري، أو نمط الحياة اليومية، أو المادة والمعاني للناس، فهذا جدل مفاهيمي تختبىء خلفه أزمة الوعي الإنساني منذ الأزل. ربما كانت أزمة الوعي تلك وراء رؤية بعض اللسانيين الأمريكان الذين نعتوا كلمة الثقافة بأنها كلمة رخيصة Cheap word فكلمة الثقافة بالفعل (وعاء أحمق) لا يتفق على محتواه عاقلان.

ولذلك أقرر من البداية أنني لست متفائلا من نجاح أي جهد يركن إلى مفردة  (الثقافة)، حيث يلاحظ مثلاً النزاع الخفي الراهن بين هيئة الترفيه عندنا وهيئة الثقافة؟ لامتلاك حق (التثقيف)، ومثلها ما ملأ وسائط المحتوى العربي حول (أزمة الثقافة العربية) و(أزمة المثقف العربي) منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اللحظة.

وقبل أن نسعى لنتفق حول مفهوم الثقافة وهو الأمر الذي لن يتحقق، حري بنا أن ننظر إن كان ثمة جدوى راهنة من مراهنتنا على الثقافة العربية أيا كان مدلول تلك المفردة.

العرب اليوم والمسلمون معهم في أكثر مراحل ترديهم تاريخياً، وتعصف بهم ويلات جسيمات قوامها أمور جد خطيرة أبرزها:

-         التخوين: فكثير منهم يخوّن الآخر.

-         الصراع العسكري: فالصراع العسكري قائم في أكثر من قطر عربي وإسلامي.

-         المناورات السياسية: فالسباق السياسي لحصد المكاسب السياسية القطرية والأممية مناورات على أشدها، كأن لم تكن من قبل.

- التيه الإستراتيجي: فلم يمر على العالمين العربي والإسلامي مرحلة تيه إستراتيجي مثلما هي الآن، حيث لم يكد العرب والمسلمون  يبدؤون لملمة جراح فترات الاحتلال والتمتع بالاستقلال النسبي المنقوص، إلا وضربتهم فاجعة التطرف والغلو والإرهاب. وكم كانت مرحلة عصيبة للتشفي، ودق الأسافين، واقتناص الأرباح لكثير من العرب والعجم، وبالتالي لم يعد ثمة منظور إستراتيجي صلب يمكن للعرب والمسلمين المراهنة عليه.

- التشرذم الفكري: لقد كان للسلفية سطوتها ردحاً من الزمن، وكان لغلاتها حظوة غير مسبوقة في عدد من صوامع الفكر والأيديولوجيا، وكان خصومها ظاهرون بحظوات أخرى في صوامع أخرى، وكانت خرائط الفكر بينة بغثها وسمينها.  فاليساريون  واليمينيون  كانوا هنا وهناك بكل فضاءاتهم. واليوم، يبدو أن الفكر العربي والإسلامي يعاني من شرذمة غير مسبوقة يصبح فيها اليميني يسارياً ويمسي فيها اليساري يمينياً، ويبقى من حولهما في تراشق عقيم حول أحكام العبادات والمعاملات وكأن النبي صلى الله عليه وسلم  يبعث البارحة، حيث يتكىء كثيرون على تراث فكري مأزوم، أنتج أزماته حالات شبيهة بالراهن المأزوم ولكن على فترات وبقاع مختلفة، فأزمة اليوم غير المسبوقة تتمايز بشيوعها وعمومها زمنا ومكاناً، وبعمق أثرها وفاعليتها وبصلافة أدواتها وبتعدد أقطابها.

يضاف إلى الخصال الخمس الموجعات، نواتج لا تقل إيلاماً، طالت كافة البنى الاقتصادية والاجتماعية للعرب والمسلمين والحال كذلك. ويصبح الحديث عن  الثقافة العربية أشد إيلاماً، فعن أي ثقافة يتحدث العرب؟.

القمة، مشروع مهم ولكن في حالة واحدة فقط أن تستحضر كل ما سبق، وأن تبدأ بالتفكير الجاد جداً لمواجهته إستراتيجياً، وأن تضع فقط  اللبنة الأولى، فالطريق طويلة جداً جداً ومؤلمة، وتتطلب تضحيات كبرى، والمملكة اليوم بقيادتها الدؤوبة والحاسمة والشابة أقدر من أي زمن مضى لتقلد هذه المهمة التاريخية.

لا أريد مثقفين في قمة الثقافة أبداً فلن يستطيعوا فعل شيء، أريد فقط رجالا سياسيين وإستراتيجيبن أوفياء، قالثقافة لا تعاني من مشكلة المفهوم ولا الممارسة، ولكنها تعاني من أزمة الاستحقاق، والاستحقاق أمر يمنحه السياسيون على مر التااريخ لا المثقفون.

الهوية والثقافة

وحول تساءل أ. محمد الدندني، إن كانت الهوية كائن حي تتغير بتغير  الثقافة أو الثقافات. أجاب د. زياد الدريس بأن الهويات أنواع: هويات كبرى عصية على التغيير، وهويات صغرى عصية على الثبات. كما أن هناك هويات جماعية صفتها الغالبة الثبات، وهويات فردية صفتها الغالبة التحول. الهويات الكبرى مثل: الدين (مسلم أو غير ذلك)، العِرق (عربي أو غير ذلك). أما الهويات الصغرى فهي مثل: المذهب (سني أو غير ذلك)، الوطنية (سعودي أو غير ذلك)، القبيلة (عتيبي أو غير ذلك).

سيلاحظ أن بعض الهويات الكبرى قابلة للتغيير مثل أن يُبَدِّل المسلم دينه. وبعض الهويات الصغرى غير قابلة للتغيير مثل أن العتيبي لا يستطيع أن يتحول إلى شمري.

والهويات المكتسبة يمكن تغييرها مهما كبرت، والهويات الطبيعية لا يمكن تغييرها مهما صغرت.

الجيل الجديد والثقافة

ترى د. وفاء الرشيد أن الجيل الجديد لا يقرأ، وتوصيل الثقافة له أصبح من المستحيل بالوسائل التقليدية، وقد تكون معايير الثقافة بنظرة غداً مغايرة تماماً لما نطمح له.

ويعتقد أ. محمد الدندني أن الأمر متعلق بالتربية في المنزل والمدرسة، بدليل أن هناك دول متقدمة ما زال شعبها يقرأ صغيراً وكبيراً. وإذا لم نقرأ فكيف نحقق ثقافه وتقدم، ولعلها تكون للقراءة الأكاديمية إن لم يقرؤا لأجل الثقافة. ولا يمنع أن تكون هناك طرق غير تقليدية، مع قناعتي أن العقدة ليست بوسيلة الثقافه والقراءة ولكن بمستوى التربية والوعي والإلتزام.

الثقافة والسياسة

أشار د. راشد العبد الكريم إلى أننا نتأرجح بين الثقافة بوصفها فكراً فردياً، وبين الثقافة بوصفها منتجاً اجتماعياً شعبياً. لابد من تحديد إجرائي لينضبط الحوار، فالفكر منتج فردي ومن السهل توجيهه، وتسييسه و(شراؤه). بينما المنتج المجتمعي الطبيعي من الصعب السيطرة عليه، بل قد يكون صورة من صور التمرد على الواقع.

بينما ذهب د. رياض نجم إلى أنه لا يتفق مع النظرة السوداوية بربط الثقافة بالسياسي، وأنه لن تقوم للثقافة قائمة إلا إذا أراد السياسي. فإن كان الأخير قد فشل في جميع المجالات، فما يدعونا لنفترض أنه سينجح في لم الشمل الثقافي، إننا نفقد الأمل جملة وتفصيلاً.

وأرى أنه لا يبنغي أن نحمل كل فشلنا على السياسيين. فالثقافة تنشأ من المجتمع وبين أفراده ولا ننتظر أن تسقط علينا من السماء. وربما تكون الثقافة هي الأمل الوحيد للتقريب بين المجتمعات العربية .

من جانبها ترى  د. وفاء الرشيد أن الضغط بالأغلب يولد الإبداع، والثقافة لها علاقة طردية بالسياسة، وبرأيي بعد ضعف الكتابة والإنتاج اللغوي أصبحت اليوم للثقافة الغنائية والسينمائية والفنية هي آخر الجنود الباقيين للتقريب بين العرب.

الدور الثقافي للملكة ورؤية 2030

أشار أ. عبد الله الضويحي إلى أن فكرة قمة ثقافية عربية ليست جديدة، فقد دعا لها الأمير خالد الفيصل بوصفه رئيساً لمؤسسة الفكر العربي في عام 2009 وتم عقد الاجتماع التحضيري لها في عام 2010 (قبل ثمان سنوات)، ويبدو أنه تم وأدها. ربما لأن النظرة إلى المثقف العربي لازالت قاصرة أو بالأحرى النظرة إلى دوره في قضايا الأمة. إلى أن جاءت قمة الظهران التي استضافتها المملكة العربية السعودية ودعت لعقد قمة ثقافية عربية. والمهم في الدعوة سواء كانت قديمة أم حديثة أنها نبعت من هنا.

الدولة السعودية الرابعة، ومن خلال رؤية 2030 تشهد تحولات كبرى في الكثير من المجالات مما يؤهلها لاستعادة دورها الريادي ولعب أدوارٍ رياديةٍ أخرى، وتأتي الدعوة لقمة ثقافية عربية في هذا الإطار إمتداداً لدورها الريادي في السياسة والإقتصاد، وهي بهذه الدعوة تؤكد نظرتها للمثقف كشريك أساس في صناعة مستقبل الأمة وبناء حضارتها. لقد انتهى -أو يفترض كذلك- دور القيادة أحادية القطب، وانتهى دور التوسع والإنتشار من خلال القوة العسكرية.

العالم اليوم يعيش تحولات مختلفة كما عبر عن ذلك السياسي الأمريكي صامويل هنتنجتون في أطروحة نشرها عام 1993 "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي" وماتلاها من ظهور مصطلح "العولمة" ثم ظاهرة "الإرهاب" وكلها تغيرات هي في أصلها "ثقافية" و"فكرية"، وبالتالي لابد أن تواجه بذات الأسلوب من خلال النظرة إلى المثقف على أنه خط الدفاع الأول أمام هذه التحولات والظواهر وغيرها من المشاكل المجتمعية كالفقر ومحو الأمية والقضايا التي تعصف بعالمنا المعاصر.

من هنا أدركت المملكة العربية السعودية دورها وإيمانها بالفكر والثقافة كسلاح في مواجهة كل هذه التحولات وبالتالي في صناعة الأمم وتقدمها. تبقى تساؤلات مهمة وهي أسئلة مشروعة حول هذه القمة: من هم أقطابها؟، ومن سيمثل من؟، هل سيتحدث السياسي نيابة عن المثقف، ويضع له الإطار الذي يتحرك في داخله؟، أم يتحدث المثقف ويرسم للسياسي خريطة الطريق للمستقبل؟، أو أن يكون شريكاً في ذلك كحدٍ أدنى؟. وكذلك، بماذا ستخرج هذه القمة؟، وهل ستكون نسخة مكررة للقمم السياسية وحتى المتخصصة؟، أم ستكون إسماً على مسمى معبرةً تعبيراً حقيقياً عن المثقف والثقافة مفهوماً ودوراً ومحركاً أساسياً لقضايا الأمة؟، هل ستكون قمة سياسية بمضمون ثقافي؟، أم قمة ثقافية ذات طابع سياسي؟.

أمنيات وتطلعات يأملها أعضاء ملتقى أسبار من القمة العربية الثقافية:

  1. إبراز دور عناصر الثقافة العربية المشتركة في تعزيز التناغم والأمن القومي للمواطن العربي.
  2. مع احترام الخصوصيات الثقافية الوطنية (المحلية)، لابد من تحديد القواسم/الخطوط العريضة للثقافة العربية المشتركة وتعزيزها، مثل: اللغة العربية، الميراث الثقافي لعصور الازدهار العربي، قواسم التاريخ والجغرافيا العربية.
  3. الالتفات إلى اللغة العربية وإعطائها الاهتمام الكافي إعلامياً وتعليمياً بوصفها مكوناً أساسياً لهويّة الإنسان العربي، وجسراً أساسياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والتقدم الحضاري. لم يسجل تاريخ الحضارات، القديم والحديث، أن حضارةً نهضت وتقدمت بغير لغتها الأم.
  4. تخصيص مراكز ذات ميزانيات وافرة وكوادر محترفة لأعمال الترجمة، من لغات العالم إلى العربية والعكس، في مختلف الفنون والعلوم والآداب.
  5. البحث في السبل الأنجع والأكثر فعالية لتعزيز قيم الوسطية والاعتدال بين الشباب العربي، مع مع التمسك بثوابت التعاليم الإسلامية والتقاليد العربية، وذلك بهدف قطع الطريق على الفكر المتطرف من التغلغل في المجتمعات العربية.
  6. بحث آلية تعزيز دور المثقف العربي وتمكينه من الإسهام في صنع الوئام الإقليمي والوطني.
  7. تمكين الثقافة من الإسهام في تكريس الاستقرار السياسي، لا أن يتم توظيف الثقافة والمثقف في التجاذبات السياسية.
  8. حث الدول العربية كافة على الاهتمام بتراثها المادي (الآثار) وغير المادي (الفنون والممارسات)، وتسجيل تلك العناصر في لائحة التراث العالمي، حمايةً لها من الاندثار أو العبث والإهمال.
  9. محاولة الوصول إلى آليات لرفع سقف حرية التعبير (المنخفض عربياً) دونما الإضرار بالأمن الوطني أو إشاعة الفوضى الفكرية في المجتمع.
  10. تفعيل القرارات والأنظمة الصادرة عن المنظمات المتخصصة بشأن (حقوق الملكية الفكرية)، خصوصاً في ظل الاندفاع المحموم للاستثمار في الثقافة.
  11. تنشيط حضور ودور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو) ومنحها الاهتمام الكافي للقيام بأدوارها المتوقعة في خدمة الثقافة العربية والتعريف بها وبعناصرها داخل وخارج الوطن العربي.
  12. حرية التعبير (المنضبطة)
  13. إطلاق مشروع لإصلاح ذات البين العربية.
  14. إطلاق جائزة جامعة الدول العربية لأفضل برامج الإصلاح الثقافي الحكومية والشعبية.
  15. إطلاق برنامج نجوم الثقافة العربية لتكريم الأفراد.
  16. أن تتفق على أسس تحرير الثقافة من السياسة.
  17. أن تخرج الترفيه من الثقافة فتنجح في فرز الفن الثقافي عن غير الثقافي .
  18. أن تعرِّف هوية للثقافة العربية حتى تخلصها من أدران الثقافات الدخيلة.
  19. تبني مركز ترجمة رفيع فنيا و بشريا لترجمة الكتب المهمة في العلوم و الآداب و تنظيم الاستفادة منه للجامعات والأفراد مقابل ثمن رمزي. وتكون الكتب أون لاين.
  20. متاحف تاريخية تحكي للأجيال تاريخ الأمة وصراعاتها وكذلك تاريخ الفنون والآداب والتعريف برواد الامة من علماء وكتاب وفنانين الخ .
  21. العمل على تشجيع العمل الفني الراقي ووضع الشروط له. من غناء وكلمة ومسرح وحماية اللغه العربية ونشرها قدر المستطاع.
  22. أن يكون ضمن اللجنة التي ستعد جدول أعمال القمة مثقفون سعوديون وعرب لنقل هم المثقف السعودي والعربي وربما إدراج بعض الرغبات أعلاه.

¤      الملخص التنفيذي

القضية: (القمة العربية الثقافية) المنتظرة، هل ستصنع فارقاً؟.

من خلال رؤية 2030 تشهد المملكة تحولات اقتصادية واجتماعسة وسياسية وثقافية، وتأتي دعوة المملكة لقمة عربية ثقافية استعادة لدور المملكة الريادي في الكثير المجالات ومنها المجال الثقافي. لذا كانت قضية القمة العربية الثقافية المنتظرة، والتطلعات والأمنيات المرجوة منها لصالح المجتمع العربي بشكل عام والقافة العربية بشكل خاص، من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمها د/ زياد الدريس وناقش فيها ما يمكن أن تتناوله القمة الثقافية العربية والفارق الذي يمكن أن تصنعه، وتم التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة.

بدأ د. زياد الدريس ورقته بالإشارة إلى توصية القمة العربية التي أقيمت في الظهران إبريل الماضي، بشأن الدعوة لإقامة القمة العربية للثقافة، ثم طرح مجموعة من المحاور التي يرى أنها يمكن أن تتناولها القمة العربية الثقافية ، ومنها: إبراز دور عناصر الثقافة العربية المشتركة في تعزيز التناغم والأمن القومي للمواطن العربي. وكذلك الاهتمام باللغة العربية، وبحث آلية تعزيز دور المثقف العربي وتمكينه من الإسهام في وضع الوئام الاقليمي والوطني، بالإضافة إلى تنشيط حضور دور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الأليكسو" ومنحها الإهتمام الكافي للقيام بأدوارها المتوقعة في خدمة الثقافة العربية..

وتلخصت التعقيبات التي جرت على هذه الورقة في أن الاهتمام بالثقافة على مستوى القمة العربية هو مؤشر جيد لبدء مرحلة يمكن أن تثمر عن صناعة استراتيجية جديدة تستشرف مستقبل الثقافة العربية، كما أنها ستكون فرصة مناسبة لفتح صفحة جديدة مع النخب المثقفة ليكونوا أنموذجاً فاعلاً في المجتمع.

بالإضافة أن القمة ستسهم في نقل الثقافة من نشاط يهم فئة اجتماعية صغيرة ومحددة وهم المثقفون إلى شأن منفتح على شرائح اجتماعية مختلفة محلية أو خارجية، وستقدم القمة الثقافة باعتبارها طائفة واسعة من المكونات، المثقف والمبدع أحدها ولكن ليس محورها.

وناقشت المداخلات التي تمت حول موضوع القضية إمكانية أن تتغلب الثقافة على الحروب، واتفق المناقشون أنه لا يمكن أن تتغلب عليها بشكل مطلق، وأنها قد تقلص الحروب الأهلية دون الإقليمية، كما أنه ليس عيباً أن يكون المثقف غير قادر على إطفاء الحروب وإنما العيب أن يكون المثقف مساهماً في إذكاء الحروب.

ورصدت المداخلات مفاهيم متعددة للثقافة والمثقف، وذهبت إلى أن الثقافة شأن أكبر من المعرفة ونتاجات المثقفين الفكرية، وأن من يرون الثقافة في الفلكلور والأغنية يفكرون بمنطق ربحي استثماري ترفيهي، ولذلك يصعب أن تصطلح هذه الجوانب مع الثقافة بمفهومها القائم على الإنتاج الفكري والعلمي.

وحول الدور الثقافي للملكة ورؤية 2030 أشارت المداخلات إلى أنه من خلال الرؤية تشهد المملكة تحولات كبرى في الكثير من المجالات مما يؤهلها لاستعادة دورها الريادي، وتأتي الدعوة لقمة ثقافية عربية امتداد للدور الريادي للملكة في السياسة والاقتصاد.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عدد من الأمنيات أو التطلعات المأمولة من القمة العربية الثقافية، أهمها: إبراز دور عناصر الثقافة العربية المشتركة في تعزيز التناغم والأمن القومي للمواطن العربي، الالتفات إلى اللغة العربية وإعطائها الاهتمام الكافي، البحث في السبل الأكثر فعالية لتعزيز قيم الوسطية والاعتدال بين الشباب العربي، بحث آلية تعزيز دور المثقف العربي وتمكينه من الإسهام في صنع الوئام الإقليمي والوطني، تمكين الثقافة من الإسهام في تكريس الاستقرار السياسي لا أن يتم توظيف الثقافة والمثقف في التجاذبات السياسية، أن تخرج الترفيه من الثقافة فتنجح في فرز الفن الثقافي عن غير الثقافي، وأن تعرِّف هوية للثقافة العربية حتى تخلصها من أدران الثقافات الدخيلة.

 

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

(حسب الحروف الأبجدية)

  • د. إبراهيم الزبن.
  • م. أسامة كردي.
  • أ. جمال ملائكة.
  • د. حمزة بيت المال.
  • د. حميد المزروع.
  • د. خالد الرديعان.
  • م. خالد العثمان.
  • د. خالد بن دهيش.
  • د. راشد العبد الكريم.
  • د. رياض نجم.
  • د. ريم الفريان.
  • د. زهير رضوان.
  • د. زياد الدريس.
  • م. سالم المري.
  • د. سامية العمودي.
  • د. سعد الشهراني.
  • أ. سمير خميس.
  • د. عائشة الأحمدي.
  • م. عبد السلام الوايل.
  • أ. عبد الله الضويحي.
  • د. عبد العزيز الحرقان.
  • د. عبد الله بن صالح الحمود.
  • د. عبد الله بن ناصر الحمود.
  • د. عبير برهمين.
  • د. علي صديق الحكمي.
  • أ. فايزة الحربي.
  • أ. محمد الدندني.
  • د. محمد الملحم.
  • د. محمود رمضان (مُعِدّ التقرير).
  • د. مساعد المحيا.
  • د. مشاري النعيم.
  • أ. منى أبو سليمان.
  • د. مها المنيف.
  • أ. مها عقيل.
  • د. نورة الصويان.
  • د. نوف الغامدي (رئيس لجنة التقارير).
  • د. وفاء الرشيد.

د. يوسف الرشيدي.

1 https://www.emaratalyoum.com/opinion/2018-04-17-1.1090452

1 https://www.ut.edu.sa/documents/197966/3dab37df-99d7-4e23-85cb-6e498fba9dc6.

.

قراءة 352 مرات آخر تعديل على الأحد, 03 حزيران/يونيو 2018 20:47

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بحث الجوال