الأخبار
السبت, 03 كانون1/ديسمبر 2016 16:46

التقرير الشهري الخامس

قيم الموضوع
(0 أصوات)
التقرير الشهري الخامس
تحميل المرفقات :

شهر أغسطس 2015م

 ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر أغسطس 2015م العديد من الموضوعات بالغة الأهمية، وشملت القضايا المحورية التي تم طرها للحوار الموضوعي على مدار الشهر: مستقبل العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والصور الذهنية المتبادلة  للمجتمع السعودي عبر الشبكات الاجتماعية ووسائط الاتصال الشخصي، إضافة لقضية الآداب العامة و دور المبادئ و القيم النبيلة في تمثلها في الفكر و الاتجاه والسلوك ووسائل تعزيزها في المجتمع، وكذلك قضية تنظيم الزكاة باعتبارها أحد أهم روافد معالجة الفقر في المجتمع السعودي المعاصر.

       كما فرض تفجير الطوارئ الإرهابي مناقشة أبعاد القضية في محاولة للتفسير والفهم الموضوعي والعقلاني بعيداً عن الاكتفاء بالاستنكار والشجب فقط. ويتضمن التقرير كذلك نقاشاً مهماً حول الحضور النسائي لمباراة السوبر في لندن وما يتعلق بردود الفعل المتباينة بشأنه.

       أيضاً يتضمن التقرير (في مبحث مستقل) ملخصاً للقاء الثقافي لمنتدى أسبار والذي عقد بتاريخ الاثنين 10/8/2015م بمقر مركز أسبار بعنوان: مستقبل الاقتصاد العالمي، وتأثيراته على المنطقة بحضور البروفيسور الباكستاني خالد مالك (المتحدث الرئيس) وبمشاركة نخبة من أعضاء المنتدى.

       وقد حظيت جميع هذه القضايا التي تضمنها التقرير الخامس لمنتدى أسبار بنقاشات مثمرة وتحليلات بناءة وجادة، بجانب الرصانة والعمق اللازمين، فضلاً عن محاولة تفنيد الأبعاد المتضمنة في إطار كل قضية من القضايا المثارة على حده وفي ضوء خصوصية كلاً منها.

محتويات التقرير

المبحث الأول: مستقبل العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية

  • المدخل والطرح العام
  • العلاقة بين إيران ودول الخليج: الأبعاد الكامنة والمهددات الفعلية
  • الاستراتيجية الخليجية المستقبلية مع إيران: رؤية استشرافية للآليات الملائمة

المبحث الثاني: الصور الذهنية المتبادلة للمجتمع السعودي عبر الشبكات الاجتماعية

ووسائط الاتصال الشخصي

  • المدخل والطرح العام
  • حول مضمون الصورة الذهنية: تعقيبات / مناقشات تحليلية
  • الصورة الذهنية للمجتمع السعودي: أين تكمن مواطن الخلل؟
  • تعزيز الصورة الذهنية الايجابية للمجتمع السعودي: هل ثمة آليات مقترحة؟

المبحث الثالث: تفجير الطوارئ الإرهابي: محاولة للتفسير والفهم (بعيداً عن الاستنكار والشجب)

  • التفجير الإرهابي: لمحة موجزة عن الحادث
  • تفجير الطوارئ من منظور تحليلي: الأسباب وهل من سبل فعالة للمواجهة الحقيقية؟
  • مواجهة داعش: نحو عاصفة حزم جديدة (المكاسب والمحاذير)

المبحث الرابع: الآداب العامة و دور المبادئ و القيم النبيلة في تمثلها في الفكر و الاتجاه والسلوك ووسائل تعزيزها في المجتمع

  • المدخل والطرح العام
  • الآداب العامة: مناقشة للمضامين الكامنة
  • وسائل تعزيز الآداب العامة في المجتمع السعودي: نحو آليات مؤثرة

المبحث الخامس: الحضور النسائي لمباراة السوبر في لندن

  • الحضور النسائي: جدل وردود فعل متباينة
  • بعيداً عن جدل الحضور النسائي: وماذا عن قلة منافذ الترويح؟

المبحث السادس: تنظيم الزكاة باعتبارها أحد أهم روافد معالجة الفقر في المجتمع السعودي المعاصر

  • المدخل والطرح العام
  • تنظيم الزكاة: تعقيبات ومناقشات حول الواقع الحالي ونواحي القصور
  • مقترحات عملية لتنظيم الزكاة: نحو آليات فاعلة لمعالجة الإشكالات الراهنة

المبحث السابع: مستقبل الاقتصاد العالمي، وتأثيراته على المنطقة: تقرير حول اللقاء الثقافي لمنتدى أسبار

  • تعريف بالمتحدث الرئيس
  • المدخل والطرح العام
  • أبرز التحديات الاقتصادية أمام دول الخليج والمملكة
  • مواجهة التحديات الاقتصادية: الآليات مقترحة
  • التعقيبات والمناقشات

المبحث الأول

مستقبل العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية

المدخل والطرح العام:

       طرح د. محمد السلمي ورقة عمل حول مستقبل العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد وجد أن من الأهمية بمكان قبل استعراض العلاقات المستقبلية بين الجانبين التعريج سريعاً على طبيعة العلاقة حالياً والموقف الخليجي من إيران وهل تشكل طهران تهديداً لهذه الدول أم لا؟

       بداية يرى د. محمد السلمي أنه لا يوجد اتفاق خليجي موحد (نقطة ضعف خليجية واضحة) حول كيفية التعامل مع إيران، بل إن دول الخليج يمكن تقسيمها في هذا الصدد إلى قسمين رئيسيين:

  • أولاً: دول لها علاقات متوترة مع إيران، (الإمارات، البحرين والسعودية) ولهذا التوتر أسبابه ومبرراته. فإيران تحتل ثلاث جزر إماراتية منذ أواخر عام 19700م، وترفض طهران حل هذا الخلاف بالطرق الدبلوماسية كما ترفض اللجوء للمحكمة الدولية. رغم ذلك فهناك علاقات اقتصادية جيدة بين إمارة دبي وإيران. من جانبها، تعاني مملكة البحرين من تدخلات إيرانية متكررة في شؤونها الداخلية من خلال دعم مثيري الشغب في البلاد وتهريب المتفجرات وتدريب الإرهابيين والتهديدات المتكررة بضم البحرين إلى إيران وغير ذلك. أما فيما يتعلق بالعلاقات السعودية-الإيرانية، فهناك علاقة تنافسية بين البلدين على النفوذ في المنطقة لأنهما تمثلان أكبر دولتين ويرى بعض المراقبين أن كلاً من هاتين الدولتين تحاول أن تقوي نفوذها على حساب الأخرى. إلا أن الجانب الإيراني تجاوز ذلك إلى التدخل في الشأن الداخلي السعودي عبر التركيز على العنصر الطائفي ومحاولة التغرير ببعض الشيعة في الداخل السعودي للقيام بعمليات إرهابية وإثارة الشغب واستهداف رجال الأمن وكذلك زرع الخلايا التجسسية في المملكة. ويمكن القول أن هناك نوعاً من الحرب الباردة بين طهران والرياض خاصة منذ انطلاق ما يعرف بـ«الربيع العربي» في عام 2011م. أما فيما يتعلق بالعلاقة مع الإمارات فهي عدائية نسبياً بسبب قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران إلا أن ذلك لم يمنع إمارة دبي دون غيرها من بناء علاقة اقتصادية كبيرة مع إيران.
  • ثانياً: دول تمتلك علاقات شبه طبيعية مع إيران (الكويت، عمان وقطر). فالعلاقات بين هذه الدول الثلاث وإيران جيدة إلى حد كبير، حتى  وإن كانت بشكل متفاوت ورغم وجود بعض الخلافات حول قضايا إقليمية مثل الخلاف في وجهات النظر بين الدوحة وطهران حول الأزمة السورية. إن طبيعة علاقة مسقط بطهران مختلفة تماماً عن بقية الدول الخليجية. فالعلاقات بين البلدين متينة جداً وعمان لا ترى في إيران تهديدًا حقيقيًا على المنطقة العربية.

       وفيما يخص العلاقة المستقبلية يعتبر د. محمد السلمي الاتفاق بين إيران والقوى العظمى حول برنامج إيران النووي والانفتاح الغربي المحتمل على إيران اختباراً حقيقياً لمدى تماسك دول الخليج أمام الضغوطات الغربية للتقارب مع إيران:

  • من جانبها تحاول طهران بشكل مكثف التركيز على تفتيت المنظومة الخليجية واللعب على العلاقات الثنائية وتأتي زيارة ظريف الأخيرة للكويت والدوحة وقريباً لمسقط وربما أبو ظبي في هذا الإطار والهدف الأكبر للساسة في إيران جعل السعودية تواجه عزلة سياسية حتى في الإطار الخليجي كي تجبر الرياض على الانفتاح على طهران دون أي تنازلات حقيقية من الجانب الإيراني عن موقفه تجاه القضايا الإقليمية خاصة اليمن والعراق والبحرين ولبنان وإثارة القلاقل في شرق السعودية.
  • يبدو أن الدوحة والكويت ستتقاربان بشكل أكبر في الأيام القادمة مع طهران أما مسقط فهي منسجمة كثيراً مع النظام الإيراني وبالتالي لن يطرأ تغيراً حقيقياً في علاقتها مع طهران وقد نشهد المزيد من الاستثمارات الإيرانية في عمان خاصة في مجال الطاقة والبنية التحتية وكذلك توقيع المزيد من عقود إمداد السلطنة بالغاز الإيراني وكذلك بناء سكة حديدة تربط البلدين.
  • بالنسبة لمستقبل العلاقات بين الإمارات وإيران فإن دبي لن تفرط في التبادل الاقتصادي مع إيران خاصة في ظل الانفتاح التجاري الغربي مع طهران، إلا أن أبوظبي قد تتريث في تحسين العلاقة السياسية مع إيران وستحاول الموازنة حفاظاً على علاقتها مع الرياض وقد تكتفي مؤقتاً بعلاقة متزنة نسبياً مع طهران.
  • فيما يتعلق بمستقبل العلاقات السعودية الإيرانية، يعتقد د. محمد السلمي أن السعودية لن تندفع نحو طهران في القريب العاجل وهناك أسباب مقنعة جداً لكلا الطرفين في عدم التقارب في ظل الظروف الراهنة بل يمكننا القول أن العلاقة بين الجانبين قد تتعقد أكثر في الأيام القادمة وقد يكون ذلك بشكل متسارع جداً (البحرين ستكون منسجمة تماماً مع الموقف السعودي). من هنا قد تعمل المملكة سريعاً على ترميم علاقتها مع بعض الدول خاصة تركيا وتزيل حالات الغموض من الموقف الباكستاني من عاصفة الحزم. أيضا يمكن قراءة زيارة الأمير محمد بن سلمان الأخيرة لجمهورية مصر العربية في هذا الإطار خاصة أن البيان الختامي المشترك للزيارة أكد على التعاون العسكري وبناء القوة العسكرية العربية المشتركة.
  • ولخلق المزيد من العزلة لإيران في العالم الإسلامي، ربما تحتاج السعودية المزيد من الجهود الدبلوماسية وكذلك ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية خاصة مع دول مثل الباكستان وإندونيسيا وماليزيا علاوة على بناء علاقات جيدة مع دول آسيا الوسطى التي تعتبرها إيران الباحة الخلفية لها ولا ينبغي الاقتراب منها. يمكن للمملكة لاحقاً اقتراح تجميد عضوية إيران في بعض المنظمات والهيئات الإسلامية خاصة إن استمرت طهران في عربدتها السياسية في الداخل العربي والإسلامي وهذا موقف ربما يتأخر لعدم ضمان نتائجه وخشية المزيد من الانقسامات الإسلامية لكن يمكن للرياض استقراء المواقف بشكل ثنائي مع الدول الإسلامية الكبرى والمؤثرة وضمان تأييدها قبل طرحه علانية وقد يكون من الأفضل طرحه من قبل دولة غير المملكة أيضاً ومن ثم يتم دعمه بقوة.

       وفي السياق ذاته، فقد أشار د. محمد السلمي إلى تقريره لهذا الشهر في مجلة “آراء حول الخليج” بعنوان: إيران وحزب الله والموقف من الصراع في سوريا، ومن أبرز ما جاء بالتقرير القول بأن التغيرات السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية منذ نهاية عام 2010م، أو ما يعرف بـ “الربيع العربي” دلالة على ارتباك الموقف الإيراني خلال تلك الفترة، حيث أيدت طهران بعض هذه التغيرات السياسية ورحبت بها ولكن ما أن وصلت موجة التغيير إلى حليفها السوري حتى تغير الموقف وعملت على الفصل بين جميع الثورات العربية من جانب، والثورة السورية، من جانب آخر. من المعلوم أن سوريا تشكل أهمية استراتيجية للنظام الإيراني، ليس بسبب قوة النظام السوري ولكن لأن فقدان هذا الحلف الوثيق بين النظامين يفقد طهران كثيراً من الأوراق الأساسية التي تمتلكها في المنطقة. لقد اتجهت طهران نحو ضخ كل الدّعم المطلوب وخاصة المالي والعسكري للنظام السّوري لإبقائه حياً ومتماسكاً. ومما لا شك فيه أن إيران في حاجة وجودية لحكم حليف لها في سوريا لأنه يشكل بالنسبة لها بوابة رئيسة وممراً حيوياً نحو لبنان حيث حزب الله اللبناني، أحد أهم أذرع إيران العسكرية في المنطقة، كما يعد منفذاً هاماً إلى القارة الأوروبية والدول العربية. وفقدان إيران لهذه البوابة المصيرية يعني محاصرة إيران تماماً بين خصومها كما يشكل تهديداً حقيقياً للنفوذ الإيراني في الداخل العربي بشكل عام خاصة في العراق واليمن ولبنان. ولضمان تحقق هذا الهدف الاستراتيجي، دافعت طهران بكل ضراوة عن نظام بشار الأسد وتعمل في الوقت الراهن أيضاً على إقناع الدول الغربية بصحة موقفها من الأحداث التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط وتسوق لذلك بسبل متعددة ووسائل متنوعة، ويبدو أن هذه الخطوة الإيرانية قد نجحت إلى حد كبير.

       وعندما انطلقت شرارة ما يسمى بـ “الربيع العربي” وأطاحت بالأنظمة في تونس ومصر واليمن وليبيا، بدأت إيران بالترحيب بهذه التغيرات على الساحة العربية واعتبرتها “متعلقة بكرامة الشعوب” وأنه “سوف يأتي يوم وتشتعل هذه البلدان التي نارها لاتزال تحت الرماد”، (تعني بذلك بطبيعة الحال دول الخليج العربي)، وعادت جميع تحركاتهم بالكرامة القومية والعدالة الاجتماعية والحرية وجميعها تحت ظل الدين الإسلامي (4/6/2011م). وقال المرشد الأعلى علي خامنئي أن “الشيء الذي جذبهم (شعوب دول “الربيع العربي”) بكل وضوح هي قضية العزة والكرامة الإنسانية، فقد جرحت يد هؤلاء الحكّام الظالمين كرامة الشعب” (21/3/2011). لم يقف الترحيب الإيراني الكبير بهذه التغيرات على الساحة العربية عند هذا الحد، بل ربط ذلك بما أسماه بـ “الصحوة الإسلامية” وأن هذه التطورات قد استلهمت حِراكها السياسي من الثورة الإيرانية في عام 1979م، وأن “الصحوة الإسلامية هي الكلمة الثابتة والمتأصلة، وتريد الشعوب الإسلامية العدالة والحرية والديموقراطية وكذلك يريدون الاهتمام بهويتهم الإنسانية التي يرونها في الدين الإسلامي، وليست في المدارس الأخرى”، وشدّد ولي الفقيه على أن المواقع الإلكترونية التي تنقل الأخبار الأجنبية دائماً ما تتحدث عن نفوذ إيران وسيطرتها وحضورها في قضايا المنطقة، لكنهم لا يعترفون “دوافعهم المغرضة”، على حد ما يراه خامنئي. ركز ولي الفقيه في تصريحاته هذه على قيم ومفاهيم تدغدغ المشاعر لدى المتلقي العربي مثل “العدالة”، “الحرية”، “الديمقراطية” وما أطلق عليه أيضاً “الهوية الإنسانية”، التي تتوافق جميعها مع قيم ومفاهيم الدين الإسلامي.

       وعندما وصلت موجة الثورات العربية إلى سوريا، تحدث المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي عن ذلك وزعم أن طبيعة الأوضاع في سوريا تختلف عنها في بقية الدول العربية مثل تونس، مصر، ليبيا، واليمن، فتلك الدول، من وجهة نظره، “كانت ثورتها ضد أمريكا وضد الصهيونية لكن في سوريا فإن يد أمريكا واضحة وجلية والصهاينة يتبعون هذه القضية، فنحن لا ينبغي أن نخطئ ولا ينبغي أن ننسى هذا المعيار، وأن تلك الثورة هي ثورة شعبية أصيلة قامت ضد أمريكا والصهيونية، وأن هذه الشعارات في سوريا تعد لمصلحة أمريكا وإسرائيل وأنها ثورة مشبوهة… ونحن سوف نحافظ على هذا المنطق وهذا البيان وهذا التنوير” (30/6/2011م). لم يكتف خامنئي بذلك بل اعتبر حقيقة الأزمة السورية “حرب بالوكالة” من قبل بعض الدول بزعامة أمريكا وبعض القوات الأخرى من أجل توفير مصالح النظام الصهيوني والإضرار بالمقاومة في المنطقة، على حد زعمه(22/8/2012).

       وأشار  د. محمد السلمي إلى أنه وبعد اتفاق نوفمبر 2013 المبدئي بين إيران ومجموعة 5+1 حول الملف النووي الإيراني غيرت إيران “العدسة” التي كانت تنظر من خلالها إلى طبيعة الأوضاع في سوريا. لقد تحولت طهران من إلقاء اللوم على “قوى الاستكبار العالمي” والمخططات “الصهيو-أمريكية” إلى العزف على نغمة “الإرهاب العالمي” التي تتوافق وهواجس القوى العظمى، والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص تجاه الأحداث في المنطقة. ركزت إيران كثيراً على خطر الجماعات الإرهابية التي تنشط في سوريا والعراق وحاولت أن تعمق مزاعم أن هذا الإرهاب قادم ومدعوم من قبل دول إقليمية كالمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، وإن كان التركيز على الأولى هو الأكثر بروزاً وتكراراً. ويظهر التغير في القراءة الإيرانية للأزمة السورية من خلال تصريحات عدد من المسؤولين في الحكومة الإيرانية. ففي لقاء جمعه بالأمين العام للأمم المتحدة في شهر سبتمبر 2014م، بان کی مون، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني أن إيران تسعى دائماً لمكافحة الإرهاب في المنطقة بكل قوة. وقال أيضاً إن الإرهاب والعنف يشكلان خطراً حقيقياً علينا جميعاً، وينبغي القيام بحرب ضروس ضد هذه الجماعات. وفي لقاء أجرته معه قناة “ان بي سي” الأمريكية أشار روحاني إلى ضرورة مكافحة الجماعات الإرهابية في المنطقة وإنه ينبغي أن تكون مكافحتهم عن طريق الشعب والحكومات، وقال للأسف نشهد اليوم في منطقتنا جماعات إرهابية سلبت الهدوء والراحة من الناس وشرّدوا ملايين الأشخاص من منازلهم وقتلوا الأبرياء بكل وحشية وهمجية، مؤكداً بأنه وعلى مدى قرون كان المسلمون واليهود والمسيحيون وأتباع أديان ومعتقدات أخرى يعيشون جنباً إلى جنب في سوريا والعراق بكل راحة واطمئنان. وتسعى إيران من وراء هذه التصريحات إلى بناء شراكة جديدة مع القوى الكبرى تحت مظلة الحرب على الإرهاب من خلال التسويق لمزاعم أن الإرهاب يستهدف إيران كما يستهدف الغرب وأنه سوف يصل إلى أوروبا والغرب بشكل عام بعد أن يقضي على الشيعة في المنطقة.

       وبرأي د. محمد السلمي فإنه وعطفاً على هذه التغيرات المتلاحقة في الموقف الإيراني من الأوضاع في المنطقة والحالة السورية على وجه الخصوص، من غير المستبعد أن نرى تغيراً جديداً في القراءة الإيرانية بعد تنفيذ الاتفاق بين إيران ومجموعة 5+1 حول البرنامج النووي الإيراني. فمثل هذا الاتفاق والملفات السياسية المرتبطة به في منطقة الشرق الأوسط ستلقي بظلالها على تصرفات إيران تجاه دول الجوار ومناطق الصراع في الداخل العربي خاصة في سوريا واليمن والعراق ولبنان، وبالتالي على دول المنطقة الاستعداد جيداً لذلك! كما أن من المهم الإشارة إلى أن إيران تواجه قرارات صعبة في ظل استمرار استنزاف حزب الله في المستنقع السوري فإما الإبقاء على دعم الحزب في مهمته في سوريا أو تقليص الدعم مما يعني خسارة مزدوجة في سوريا ولبنان على حد سواء. كما أن استمرار هدر المال الإيراني على المليشيات في الخارج مع عدم الاكتراث من قبل النظام الإيراني بالأوضاع المعيشية البائسة التي يعاني منها المواطن في الداخل ستزيد من الغضب الشعبي على النظام وقد يتسبب ذلك في حراك شعبي في الداخل الإيراني متى ما رأى الشعب الإيراني أن الفرصة سانحة للجوء للشارع والتعبير عن استيائه من تصرفات النظام الحالية.

العلاقة بين إيران ودول الخليج: الأبعاد الكامنة والمهددات الفعلية

       أوضح م. حسام بحيري بعضاً من الخلط القائم في إدارة الصراع بين إيران ودول الخليج بقوله أن إيران اليوم هي العدو التكتيكي الأول للمملكة العربية السعودية ودول الخليج وتشكل تهديد مباشر لها ولمستقبلها في المنطقة. صراعنا مع إيران ليس بطائفي كما يصور لنا، الصراع الطائفي يقع بين طوائف مثل الشيعة والدروز أو الاباضية والشيعة كمثال , أهل السنة والجماعة ليسوا بطائفة هم الأمة الإسلامية فالصراع مع إيران هو أيديولوجي عرقي بحت وهو صراع بين الصفوية الإيرانية والعرب, الصفويين تجد لديهم كره واحتقار كبير جداً للعرب وثقافتهم وتاريخهم ويؤمنون بنظرية التفوق العرقي على العرب وأنه لابد من تطويعهم وهي تسعى لتحقق تفوقها العرقي وبسط نفوذها على العرب وغيرهم من خلال استغلال المذهب الشيعي والذي دائماً ما يستخدم كحصان طروادة لاختراق المجتمعات العربية ذو الأقليات الشيعية ومن خلاله يبدأو في تشكيل وتكوين أحزاب أو فصائل أو خلايا موالية للنظام الإيراني حسب وضع كل بلد يتعاملون معه واستخدامهم في تحقيق سياساتهم من التكوين الداخلي للبلد المستهدف والإيرانيون بارعون في إدارة التنظيمات وتشكيلها في مختلف مستوياتها ونستطيع أن نرى ذلك في العراق ولبنان والبحرين والكويت وسوريا واليمن وكل دوله عربية يوجد لديها طائفة شيعية يديرون خليط من التنظيمات العسكرية والمدنية والدينية والسياسية حسب كل دولة. اختراقهم ومحاولة تجنيد الطوائف الشيعية العربية سواء كان في السعودية أو البحرين أو غيرها هي أكبر دليل على أنهم يستخدمون سياسة عرقية لأنهم يستخدمون العرب الشيعة في حروب الوكالة كحطب لاستمرار نيران صراعهم في منطقتنا, دائماً المواطن العربي يدفع الثمن وهم محصنون. 35 سنة وهم يدعون مقاومة الصهاينة لتحرير القدس والموت لهم .. الخ … وحتى اليوم لم يقتل إيراني واحد علي أي جبهة مواجهة مع الكيان الصهيوني بل بالعكس اتضح لنا أن هناك عدة اتصالات و مفاهمات مع الصهاينة على مدى سنيين طويلة والمعاملة الرائعة التي يعامل بها اليهود الإيرانيين بداخل إيران من حفظ جميع حقوقهم الدينية والتجارية والمدنية من قبل النظام الصفوي أكبر مثال على ذلك.

       وبخصوص منظومة دول مجلس التعاون الخليجي وعلاقتها مع إيران ومستقبلها يتفق م. حسام بحيري مع د محمد السلمي في أن عدم وجود استراتيجية موحدة لمجابهة إيران الصفوية هي أكبر مشكلة تعترينا في إدارة هذا الصراع وأسباب ذلك أن كل دولة خليجية تتعامل مع إيران وفق مصالحها الخاصة بها وعلاقة إيران مع الإمارات كما تم التوضيح أكبر مثال على ذلك حيث إن إيران محتله جزر إماراتية بالقوة وفرضت هيمنتها عليها وهذا عمل معادي لدولة الإمارات كدولة ولكن مصالح إمارة دبي تقتضي التعامل مع إيران لأن لها مصالح تجارية كبيرة معها وهذه برأيه شيء مخجل ومهزلة وتخبط سياسيي من قبل دولة الإمارات وتتحمل مسؤوليته ويتكرر السيناريو هذا بصورة أخرى في سلطنة عمان والكويت الدولتين اللتين لا تريدا الدخول مع أي مواجهة مع إيران مهما كانت طبيعة هذه المواجهة أيضاً لأسبابهم الخاصة في حالة سلطنة عمان أو الساذجة في حالة الكويت والتي باعتقاده تعد وقتية لأنها سياسة أشخاص على رأس السلطة لن تطول أكثر من سياسة دول تدير مدارس سياسية محترفة. أصبح واضحا الآن أن السعودية ستتحمل إدارة هذا الصراع بمفردها تقريباً لن نذكر البحرين وقطر بتفاصيل لأنهم – برأي م. حسام بحيري – أصغر من أن يلعبوا أي دور في إدارة هذا الصراع؛ البحرين باختصار مرتبطة بالسعودية ارتباط كامل ولا مفر لها من توحيد مواقفها مع السعودية بينما قطر ستستخدم إيران لتحقيق توازن في علاقتها إذا اشتد خلافها مع السعودية ولذلك من المهم أن تتقارب السعودية وتبني تحالف مستمر مع قطر وهذا ممكن تحقيقه، فقطر دولة يمكن احتوائها لصالحنا.

       ويعتقد م. حسام بحيري أن الصراع المستقبلي مع إيران سيحتد ويتصاعد بل نحن اليوم دخلنا مرحلة جديدة من الصراع مع إيران ذهبت أيام الشجب والاستنكار وبدء العمل الميداني الفعلي في مواجهة المد الإيراني في مناطق الصراع في العالم العربي واليمن وسوريا أكبر مثال على ذلك, في سوريا عسكرياً التوازن القتالي انتقل لصالحنا، وسقوط النظام السوري أصبح مسألة وقت ليس إلا. ويعتقد م. حسام أيضاً أن السعودية الآن بدأت تعد لمرحلة ما بعد بشار أما اليمن نستطيع أن نرى الحوثيين الآن في تراجع وأصبحوا في موقف المدافع وخسائرهم ستستمر ولن يستطيعوا تعويضها بأي شكل من الأشكال سقوطهم أيضاً أصبح مسألة وقت ولكن حتى إذا انهزموا سيكون لهم وجود دائم في اليمن وسيشكلون مصدر قلق وخطرهم على أمننا سيستمر ولن يصفو عند هزيمتهم وانسحابهم من صنعاء وعدن سنري مشاكل مستقبلية معهم وهذا شبه مؤكد. هذان العاملان يشكلان نكسه كبيرة لإيران لأن سقوط سوريا سيضعف النفوذ الإيراني في لبنان وحزب الله سيضعف تدريجياً على المدى الطويل بفقدانه حليفه الأقوى سوريا. نحن الآن في وضع ممتاز في صراعنا مع إيران والاتفاق النووي بين إيران والغرب لم يكن يأتي في وقت أفضل من الآن لإيران لأنهم في هذا الوقت بالذات وتحت الظروف الحالية بأمس الحاجة لرفع العقوبات الاقتصادية لضخ أموال وأسلحة في أماكن الصراع الحالي وزيادة رقعة الصراع لاستنزاف السعودية وإضعافها. السعودية ستجد نفسها وحيدة في صراعها مع إيران المستقبلي ولا يمكن الاستعانة بالقوى الإقليمية السنية في منطقتنا وهي باكستان وتركيا ومصر ولكل دولة أسبابها المختلفة.

       أيضاً يرى م. حسام بحيري أننا نحن العرب عامة ارتكبنا أخطاء شنيعة وندفع ثمنها الآن في التعامل مع الأقليات الدينية العربية في جميع أنحاء العالم العربي وهذا بدأ في صراعنا مع الكيان الصهيوني في أربعينيات القرن الماضي. جميع الأقليات الدينية في العالم العربي تشعر بالخطر والخوف, اليوم معنى أن تكون مواطن عربي انحصر في السنة فقط، يهود العرب هربوا للصهاينة ومسيحي العرب اتجهوا إلى الغرب وشيعة العرب اتجهوا لإيران، وأفضل سياسة نتبعها هي استرجاع شمولية العروبة لكل الناطقين بها بدون أي تفرقه لأن معركتنا القادمة مع إيران هي معركة عربية بحتة والدول الإسلامية الأخرى لن تنقاد لها إلا في حالة واحدة فقط وهي لحماية المقدسات الإسلامية لأن العالم كله سواء إسلامي أو غير إسلامي سأم صراعاتنا غير المنتهية بسبب سياسات كارثية غير مدروسة لا تدار من قبل مختصين ومحترفين.

       ويرى د. حميد المزروع أن ورقة د. محمد السلمي عن مستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية قد بنيت دون شك على ضوء التطورات السياسية الحالية و طموح إيران الواضح بتصدير الثورة الإيرانية و ما تحمله من ترسيخ لمشروعها الطائفي في المنطقة، و حتى تتمكن دول مجلس التعاون الخليجي من الحد من هذا النفوذ عليها أيضاً أن تبادر بتعزيز علاقتها مع الحكومة العراقية الحالية خاصة مع القيادات أصحاب القرار السيادي، كما وأن تتعاون مع رموز مكونات الشعب العراقي بجميع أطيافه ( السنة ، الأكراد ، الشيعة العرب ، والمثقفين بشكل عام ) ، الهدف من ذلك هو التأسيس لمرحلة مستقبلية تقلل من نفوذ إيران بالمنطقة ، وكذلك من انفرادها بالقرارات السيادية للعراق الذي تربطنا به الجغرافيا والعشائر العربية و المصالح المشتركة و التي من حق المملكة و دول مجلس التعاون الخليجي أن تحافظ عليها وذلك تحقيقاً لاستقرارها و مستقبل أمنها السياسي و الاقتصادي.

       وعلق د. منصور المطيري بقوله إن الصورة التي يراها تتلخص في أن العمالقة يخططون ويرسمون المشهد المستقبلي كما يحبون ثم يأمرون .. و يبقى مدى قدرتنا على الرفض أو المناورة و التمنع إذا كانت الأمور على غير ما نشتهي .. و هذا يعتمد على ما عندنا من أوراق نستطيع اللعب بها .. و إذا كنا لا نملك أوراقاً ذات قيمة فهذه الدول الكبرى و معها القوى الإقليمية المتحالفة معها ستلعب بنا كما تشاء.

       وأشار د. فايز الشهري إلى أن إيران تبقى أسيرة ثلاثة حبوس:

  • الحبس الأول: حبس الثورة الذي قضى على مفهوم الدولة وإيران الملالي تعلم يقينا أن لا شرعية لها إلا بتدوير مصطلحات الثورة  وتصديرها.
  • الحبس الثاني: هو المذهب الذي قضم (الدين) واختصره بشكل لا يسمح له بالحياة في روح الشعب الإيراني. وهذه الورطة حولت الشيعة  العرب من مواطنين لهم مذهبهم إلى أقليات تتحين الفرصة في محيط سني يتربص ويحذر.
  • الحبس الثالث: حبس القومية الفارسية التي تصالح معها الملالي وخدموها وأحيوا تاريخها وأعيادها وهمشوا 60% من القوميات الشريكة  في الوطن.

       وعرض د. فايز الشهري وجهة نظره حول الاتفاق النووي ومشروع الشرق الأوسط الجديد بالإشارة إلى مقالة له في هذا الخصوص ذكر فيها أن بعض التحليلات العربيّة في موضوع ما وراء الاتفاق النووي بين الغرب وإيران ذهبتْ مذاهب شتى. بعض الطروحات تملكتها الأمنيات وربما حالة التشفي أكثر من كونها قراءة للوقائع المتتابعة. أما التحليلات في المشهد الخليجي فكانت في معظمها نوعاً من تفريغ الشحنات العاطفيّة المسكونة بالخيبة من خيانة (الصديق) الأميركي للعرب. وذهب بعض المحلّلين العرب إلى حد توقع انهيار الاتفاق على يد الجمهوريين والمؤسسة التشريعيّة الأميركيّة في قراءة عجلى للمماحكات السياسيّة من قبل الجمهوريين والإعلام المحسوب عليهم. ولكن من يرصد مجمل الصورة يكتشف أن الأميركيين المهمين والمهتمين لم يختلفوا كثيراً على مبدأ الاتفاق وإن اختلف بعضهم مع توقيته الذي قد يعيق – بحسب بعض الأصوات- تسريع السياسة الأميركيّة الجديدة الداعمة لتغيير التحالفات ومعادلات الجغرافيا السياسيّة في المنطقة. ويبدو الانسجام الأميركي العام مع روح الاتفاق جليّا في طروحات بعض النخب ومراكز البحث التي تتفق على أن إدارة “أوباما” ربّما تعزّز بهذا سياسة استثمار ملفات التأزيم المفتوحة في المنطقة والعالم لتعزيز مرتكزات القرن الأميركي الجديد. وهذا الاتجاه يمكن استنتاجه مما كتب عن اتفاق تطبيع العلاقات الأميركيّة مع كوبا – بعد 50 عاماً من القطيعة – وبالطبع الاتفاق مع إيران وكذلك سلسلة المحادثات الغربيّة – الأميركية المتواصلة سراً وعلناً مع كوريا الشماليّة والتي ما انفكت تصطدم في كل مرّة بسور الصين العظيم. وفي هذا السياق كتب الجمهوريان الكهلان هنري كسينجر (92عاما) وجورج شولتز (95عاما) مقالة مشتركة مهمّة (وول ستريت جورنال 7 أبريل) عما بعد الاتفاق النووي. وعلى الرغم من أن الطابع العام للمقالة كان أقرب إلى المعارضة إلا أنهما ركّزا على تقديم المقترحات. والأهم أن “كيسنجر” و”شولتز” يريان أن الاتفاق “فرصة لجر إيران إلى طريق تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط”. وفي مجال تسويق السياسة الأميركيّة القادمة يقول ثعلبا السياسة إنّ “إيران دولة وطنيّة مهمة، ولديها ثقافة وتاريخ عريق، وهويّة وطنيّة، وسكان متعلمون؛ وستكون عودة ظهورها كشريك حدثًا يمكن الاعتماد عليه” كون الشرق الأوسط بحسب الوزيرين “لا يستطيع جلب الاستقرار لنفسه، ولن يستطيع توازن القوى فرض نفسه بشكل طبيعي خارج المنافسة الإيرانيّة (الشيعيّة) السنيّة”.

       ويرى د. فايز الشهري باختصار أن السياسة الأميركيّة الجديدة في المنطقة تعيد رسم التحالفات والخرائط السياسيّة والقوميّة والمذهبيّة بشكل يختلف عن واقعها اليوم. نعم السياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط تتغيّر بعد أن كانت على مدى عقود ترتكز على أمرين: أمن إسرائيل وضمان موارد النفط. ولكن هذين المرتكزين الآن لم يعودا بذات الأولويّة فإسرائيل باتت قويّة بما يكفي وآمنة من العراق المقسّم وسورية المتناحرة، أما إيران “الثورة” فتفاهمات الغرف السريّة مع الغرب أثبتت أن شعار “الموت لإسرائيل” ظلّ فارغ المضمون طيلة عمر الجمهوريّة الإسلاميّة. أمّا مسألة الطاقة فقد تغيرت الحاجات وظهرت البدائل. ولهذا لم يكن من باب المصادفة إطلاق مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” لأول مرة في تل أبيب في يونيو 2006 م على لسان وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس. أمّا إيران ما بعد الاتفاق فقد اكتمل تأهيلها أميركيّا وأوروبيّا لدورها الجديد بعد نجاحها – في استراتيجيّة الفوضى الخلاقة – في العراق وسورية واليمن والتزامها الحرفي بقواعد اللعبة في لبنان.

       وبشكل عام يرى د. فايز الشهري أن إيران (الثورة الإسلامية) لن تكسب في السنوات القريبة من هذا الاتفاق إلا مناكفة العرب والأتراك مستندة على الرضا الغربي. ولكن تبعات الانفتاح على الغرب ستهب ولن يعود بمقدور الملالي وقف مد العولمة بمصطلحات الشيطان الأكبر أو قوى الاستكبار واتهام دول الخليج بالعمالة كونها الآن (والي) الاستكبار منذ تسلم العراق من الأمريكان والعبث في سوريا واليمن تحت النظر الأمريكي.

       وعلق د. محمد السلمي بأن الشعب الإيراني يهتم بالدرجة الأولى بتحسن مستواه المعيشي والتخلص من الانغلاق الذي يعيشه منذ ثورة ١٩٧٩م، وأن ينعم بحياة تضاهي المستوى المعيشي في دول الجوار وبخاصة أن إيران تملك الكثير من الثروات الطبيعية والأراضي الزراعية الخصبة ووفرة المياه علاوة على الغاز والنفط، وكل ذلك يفترض أن يوفر حياة أفضل للشباب الإيراني الطموح والأخطر على النظام عندما يقوم الشباب الإيراني بالمقارنة بحياة مجتمعهم قبل الثورة وبعدها. لا يكترث المواطن الإيراني بالبرنامج النووي واحتفالاته بعد الإعلان عن التوصل للاتفاق ينطلق من منطلقات معيشية بالدرجة الأولى إلا أن النظام حاول استغلال تلك الاحتفالات لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل والخارج معاً. يقول أحد الشباب الإيرانيين لمراسل النيويورك تايمز: “كل ما أتمناه هو أن أتمكن من استخدام بطاقة الصرف الآلي البنكية الخاصة بي في أي دولة أسافر إليها”. طبعا يشعر المواطن بمدى هذه المعاناة حيث يعاني الأمرين عند السفر حتى لدبي أو تركيا ويضطر لحمل نقود قد تعرضه للخطر وكل ذلك بسبب العقوبات. هذا المثال يقدم صورة جلية لمطالب الشارع الإيراني الحقيقية وليست الوهمية التي يروج لها النظام. عندما يتم رفع العقوبات فلن يجد النظام عذراً أمام الشارع الإيراني وإن لم يتحسن المستوى المعيشي للمواطن الإيراني فإن الغضب المكبوت قد ينفجر في وجه الملالي عند أول فرصة ممكنة.  النظام الإيراني سيتعرض لضغوط خارجية أيضاً لن يتمكن من الصمود أمامها إذا حدث الانفتاح على الغرب لأن ذلك الانفتاح سيفتح الباب على مصراعيه للإعلام الغربي والهيئات الحقوقية ونحو ذلك وسيتم فضح ما حاول النظام الإيراني التكتم عليه بل وخنقه لسنوات طويلة.

       كذلك فقد أوضح د. محمد السلمي أنه غير صحيح أن إيران تعتمد في ميزانيتها العامة على النفط بنسبة ٣٣٪. فقد كان هذا مقترحا قدمته حكومة روحاني عندما قدمت الميزانية المقترحة لهذا العام. كانت أيضاً قد وضعت سعر النفط قرابة ٤٥ دولار للبرميل. كل هذه أمنيات ليس إلا، عندما كان سعر النفط فوق ١٠٠ دولار كانت إيران تعتمد على صادراتها النفطية بنسبة بين ٨٠-٨٥٪ وكان هناك عجز في ميزانيتها، أضف إلى ذلك أن إيران رفعت ميزانيتها لهذا العام بنسبة ١٦٪ تقريباً وهذا يجعل السؤال، الآن النفط في بحر ٥٠ دولار فما هو الدخل القومي الجديد الذي قام بتغطية هذا البون الشاسع؟ البرلمان الإيراني اقترح رفع سعر البرميل ليكون فوق ٦٠ دولار. ما عدا ذلك فالأمر للاستهلاك المحلي ومغازلة من الحكومة للشعب.

       وأضاف د. خالد الرديعان أن الشباب الإيراني الذي لم يعاصر ثورة ١٩٧٩ يشكلون النسبة الأكبر من السكان… وهؤلاء لا تعنيهم مفردات الثورة الإسلامية كثيراً فقد شبعوا من الكلام… مشكلات إيران الاجتماعية تكمن في الشباب ومتطلباتهم لحياة كريمة، وقضية الأقليات والعرقيات التي تبدو كالقنبلة الموقوتة التي لا يعرف متى تنفجر… سلوك إيران الخارجي هو هروب من مواجهة هذه القضايا… خلق عدو خارجي وإشغال الشعب به هو حيلة سياسية تمارسها دول كثيرة بهدف توحيد الجبهة الداخلية.

       واتفق د. حميد المزروع مع د. محمد السلمي في الإشارة إلى أن المواطن الإيراني وحتي العراقي يحتاج الي الخدمات والوظائف بالمقام الأول وبوادر الاستياء من سوء الخدمات (الكهرباء) علي سبيل المثال ، بدأت تظهر و تتحول إلي مظاهرات ، كما حصل بالعاصمة بغداد من وقت قريب، ليس لإيران مشروع وطني قابل للتنفيذ ويلبي الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني ، كما وأنه من الصعوبة لأي حكومة معاصرة أن تنجح بالاستمرار وهي تجمع ما بين السلطة الدينية والمدنية المعاصرة ، لذلك فإن الاضطرابات السياسة أو ما يعرف ب Soical Unrest سيزداد تدريجياً مع رفع الحصار الذِي كانت تتعذر به الحكومة الإيرانية.

       في حين توقع د. مشبب القحطاني أن العلاقات مع إيران ستكون أفضل من الآن في ظل انفتاحها على العالم وتنازلها عن طموحها النووي. والهرولة من دول الخليج قائمة وانفرادية ومبررة إلى حد ما في ظل ضعف التنسيق. إيران بحاجه الى ٣٠٠ مليار دولار لتحسين البنيه التحتية وتحسين ملف الاقتصاد، الأمر الذي لا يسده احتياطاتها من النقد ومن عوائد النفط لسنوات خصوصاً أن أسعار النفط ستتأثر بذلك. وبحسب ما ذكره كيري فإن مؤيدو الاتفاق في إيران يبلغون ٣٥ مليون جلهم من فئات عمرية متطلعة لتحسين واقعها المعيشي وستكون جبهة داخلية للحفاظ على مكتسبات الاتفاق. إضافة إلى ذلك سيكون من مصلحه إيران التقليل من نزعتها العدائية بل إن الانفتاح يجبرها بالضرورة على التخلي عن طموحات الهيمنة والنفوذ. والقراءة العاجلة أن دول الخليج ستتعامل مع المستقبل بواقعية وبرجماتية ونتمنى أن تكون استراتيجية.

       أما د. خالد الرديعان فلم يبتعد كثيراً عن طرح د. مشبب القحطاني ؛ باعتبار أن إيران في قادم الأيام ستواجه استحقاقات مهمة للغاية تتعلق بالداخل الإيراني أكثر من الخارج.. شعبها ينتظر منها الكثير خاصة بعد هذه السنوات الطويلة من المفاوضات المضنية مع الغرب والترقب الشعبي لما ستؤول إليه الأمور بعد الاتفاق… الشعب الإيراني غير معني بالعراق أو مضيق هرمز أو البحرين أو السعودية طالما توفرت له مقومات الحياة الكريمة والعمل والرفاه الاجتماعي وهي الأمور التي يربطها الفرد الإيراني برفع العقوبات كما وعدته حكومته.. أو ما ينتظر منها أن تقوم به من أجله.. ويعتقد د. خالد أن حكومة إيران ستلجأ لتغيير بعض سلوكياتها في مقبل الأيام بسبب الاستحقاقات الاقتصادية وسوف تفتح صفحة جديدة وإن كان ببطء مع دول الخليج العربية…ما تقوم به إيران خارج حدودها هو عبء اقتصادي عليها ستحاول ترشيده بكل السبل لذلك فإن د. خالد يقول: لست متشائماً من مستقبل العلاقة السعودية – الإيرانية فهي ستأخذ منحى جديد يجنح نحو البراجماتية للدفع بالاقتصاد الإيراني إلى الأمام… هناك أيضاً مسألة الحجاج الإيرانيين التي تضعها إيران كذلك في الحسبان فهي لها حصة مميزة مقارنة بالدول الأخرى وبالتالي أعتقد أن الإيرانيين ليسوا أغبياء في النظر إلى هذا الجانب…يلزم كذلك حسم الملف اليمني وإنهاء الحرب في أقرب فرصة لخلق بيئة مناسبة للتقارب السعودي – الإيراني .. وعليه فإن قادم الأيام ربما يكشف لنا صورة مغايرة لإيران نتمنى أن تكون في صالح الجميع.

       وذهب أ. سعيد الزهراني إلى أن العامل المشترك في تناول القضية كما ورد في جل التحليلات يتمحور حول الدول العظمى.. بوصفها (رمانة الاتزان) التي تحكم مسار العلاقة وبالتالي لصالح من تكون رجاحة الكفة.. فالشواهد على هذا كثيرة وليس أدل من بروز هذا الموضوع للنقاش والبحث والتداول على كل المستويات.. يأتي هذا بعد أن ضج مرقد الخليج والسعودية على إثر الاتفاق الإيراني والدول الكبرى الذي يعد في إحدى قراءاته تحول رمانة الاتزان إلى الكفة الإيرانية على مختلف المستويات حتى ولو لم يعلن هذا – هناك تسريبات تتحدث عن تفاهمات أمريكية إيرانية واسعة تشمل قضايا المنطقة وليس مجرد عقوبات اقتصادية وبرنامج نووي – .. وفي الجهة المقابلة ارتخاء قبضة المصافحة فيما بين اليد السعودية ويد الدول العظمى.

       ومن زاوية مختلفة، استهل د. عبدالله الحمود تحليله لقضية مستقبل العلاقة بين إيران ودول الخليج بقوله: يبدو أن ثمة إشكال بين المثقف والسياسي في أصل الخلقة. وهو إشكال مترسخ عبر التاريخ، ولا يحده مكان أو زمان. ففي الوقت الذي لا يعلن فيه السياسي إلا ما يجب إعلانه، لا يسكت المثقف إلا عن ما يجب السكوت عنه. وهذا في حق السياسي والمثقف الواعيان والمعتدلان أيضاً؛ لأن السياسي الأحمق والمثقف الأحمق يأتيان بالعجائب نتيجة نشوزهما عن أصل الخلقة. المثقف إنسان مفعم بالمعنى الراهن، بعبر عنه بقوة ويشرحه ويحلله ويفسره باستفاضة، ويطرح كل خيارات المآلات بشفافية عالية جداً، ويكاد يصرخ ليقسم أنه يؤمن جداً بما يقوله. أيا كان التيار الفكري والمدرسة الثقافية اللذين يحركانه. أما السياسي فعينه على المآلات أكثر، ولذلك يقدم خيارات المستقبل دائماً على الأمر الراهن. ومن هنا، يمكن فهم القدر الكبير من التضليل الذي تركن إليه الدوائر السياسية حول العالم، وخوفها العميق من كشف سياقاتها الراهنة بشكل عام، وركونها للتستر على جل ما تراه وتتخذه من مواقف، واستعاضتها بإعلان أي شيء آخر سوى الحقيقة الراهنة.

       وأشار د. عبدالله الحمود إلى أن هذه المقدمة المشكلة مهمة في فهم ما يفعله الغرب وتفعله إيران من أجل مآلات الأحداث في منطقتنا. ولذلك عندما يحلل كل من كيسنجر وشولتز الموقف الراهن، فهما يبدئان تحليلهما كمثقفين حالياً، لكن مصل السياسة لا زال في الطحال، فسرعان ما تختلط عندهما الوظيفتان. ومن هنا يمكن فهم الخلط الكبير الذي وقعا فيه عند تقييمهما لخطر إيران على إسرائيل، بعد أن تم تحجيم الخطرين العراقي والسوري،  في نظرهما. اضطرب العملاقان، عندما أرادا تحليل التهديد الإيراني (الراهن) لإسرائيل،  بالقدر الذى يعبران فيه عن مآلات سياسية مجدولة بين الغرب وإيران. فلم يكن الثقافي هنا في وئام مع السياسي.. وظهر الارتباك في الرؤية وفي التعبير عنها. وهو ليس ارتباك ضعف بالتأكيد فلكلاهما من القوة ما تنوء به العصبة من الرجال، لكن النفس الثقافي الضيق لديهما المعني بمناقشة الراهن وفهمه وإعلانه، ناء بحمل الجبروت السياسي المكين لديهما المعني بالمآلات، والمتستر وراء التضليل. وهنا تقدمت السياسة بقوة فقمعت الثقافة وتم التصريح في رؤيتهما بأن إيران لم تستطع وحسب خلال السنوات الماضية من تهديد إسرائيل. طبعاً العملاقان يريدان منا قبول هذه الفرية التحليلية الراهنة، وأيضاً عدم التفكير في ما وراء ذلك من رؤية لمآلات الأحداث في المنطقة، والعقد الأزلي المتجدد بين الغرب وإيران. يبدو أن تربع إيران على طرف العرش الأمريكي في المنطقة كحليف استراتيجي قد أصبح أمراً راهناً. أما المآلات فهي في ما بعد تربع الإيرانيون هذا.

       وعلقت د. الجازي الشبيكي بتأكيدها على أنه ليس كل سياسي أو مثقف ينطبق عليه ما جاء في طرح د. عبدالله الحمود، ولذلك كان مناسباً استدراك د. عبدالله بجملة ( وهذا في حق السياسي والمثقف الواعيان المعتدلان ) وأضافت د. الجازي على ذلك (الصادقان مع أنفسهما ومع مجتمعاتهما).

       أما أ. عبدالله الضويحي فأفضت قراءته لورقة د. محمد السلمي حول مستقبل العلاقة بين إيران ودول الخليج لصياغة تساؤلات محددة وتضمنت ما يلي:

  • أولاً: هل يمكن القول أن حرب الخليج الثانية (غزو الكويت ) فتحت الباب على مصراعيه لدخول إيران للدار الخليجية بعد أن طرقت الباب في  الحرب الأولى مع العراق !؟
  • ثانياً: جاء في ورقة د. محمد السلمي: أن إيران تهدف لتفتيت المنظومة الخليجية من خلال علاقات ثنائية تجعل السعودية في عزلة  لإجبارها على إقامة علاقات مع إيران دون شروط. كما جاء فيها: أن نصف دول مجلس التعاون له علاقات طيبة معها والنصف الآخر علاقته متوترة. هنا يثار تساؤل: هل يمكن قطع الطريق عليها وإجبارها هي من خلال هذين الفريقين: فإما أن يكون الفريق الأول رسول سلام للفريق الثاني. أو أن يسحبه الفريق الثاني إلى صفه فيشكل معه ورقة ضغط تجبرها على ذلك.
  • ثالثاً: إذا نظرنا لعمر الثورة الإسلامية في طهران 1979 نجد أن الجيل الحالي لم يعايشها ولم يجن منها ما يحقق طموحاته وبالتالي هل  يمكن اعتبار تسليم أمريكا العراق لإيران وإطلاق يدها في سوريا ومباركتها في اليمن ومن ثم توقيع الاتفاق النووي .. هل يمكن النظر لهذا على أنه يمهد لسيناريو من شقين: إما أن تنفتح إيران على العالم .. أو أن ينفتح شبابها عليها ويحدث التغيير من الداخل.
  • رابعاً: هل ينطبق على إيران ودول الخليج المثل الشعبي – دون ذكر نصه – والذي يشير إلى رغبة كل منهما في الآخر لكن يمنعه الحياء وهنا تمنعه عزة النفس !؟
  • خامساً: وهذا مهم.. مجلس التعاون نشأ متزامناً مع قيام الثورة الإيرانية تقريباً وهي وحربها مع العراق أحد أسباب قيامه.

ما هو دوره !؟

وماذا كان يعمل طوال تلك السنوات !؟

ألم يكن لديه إلمام بما يحيط بالمنطقة ودراساتها المستقبلية !؟

وماذا عن دوره في توحيد الرأي الخليجي !؟

وميثاق العمل فيه !؟

وأسئلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها !؟

       وفي الإطار ذاته، أشار د. مساعد المحيا إلى أن المعايير التي تحدد طبيعة علاقة المملكة بإيران ترتبط بعدة نقاط:

  • سلطة ولاية الفقيه في إيران إذ هي سلطة لا تتماهى مع منهج المملكة منذ أيامها الأولى للثورة .. ولذا فقد كان هذا النظام يحترف صناعة العداوة مع المملكة منذ ثورة الخميني ولعل الجميع يتذكر كيف كانت إيران تحول الحج إلى بيئة ثورية من خلال مظاهرات ما يسمونها بإعلان البراءة حيث راح ضحية ذلك عدد من الجنود والمواطنين يضاف لذلك ما تم اكتشافه في حقائب الإيرانيين من مواد تي ام تي شديدة الانفجار وما جرى في نفق المعيصم من مآسي.
  • أن علاقة المملكة مع إيران أيام الشاة كانت جيدة بل إن المملكة لم تعترف بالثورة الإيرانية وإنما ظلت تؤيد الشرعية بعد خروج الشاة.
  • لعل أفضل شيء قامت به المملكة وخلال سنوات بناء نهضتها أنها نأت بنفسها عن أن تتورط في أي مشكلات تستنزف مقدراتها وهذا ما أضاع العراق مع صدام وسوريا مع الأسد وليبيا مع القذافي واليمن مع صالح …. ولذا كانت المملكة تدعم ولم تباشر الحرب مع العراق ضد صدام رغبة في كبح جماح النظام الإيراني.
  • السؤال المهم: ما مدى قدرتنا اليوم أن نبني علاقة جديدة مع إيران تقوم على عدم التصلب في المواقف بحيث نستقي فيها المسار من  ذلك المنهج الذي يقوم على عدم افتعال صراع أو حرب ولكن برؤية تتكيف مع المعطيات الجديدة وفي ضوء الاخفاقات التي تعرضت لها إيران عبر الحوثة في اليمن وحزب الله ونظام بشار في سوريا.

       وعلق د. محمد السلمي على ذلك بقوله أن الملك خالد رحب بالتغيير الذي حدث في إيران في تصريحات له على هامش القمة العربية التي عقدت في الجزائر.

       أيضاً أضاف اللواء د. سعد الشهراني أن الجميع في بداية الثورة الإيرانية استبشروا خيراً لأنها رفعت راية الدين و لم يكن أحد في الضفة الأخرى يدرك المذهبية البغيضة والصفوية الكامنة و فوق ذلك كان نظام الشاه مؤيداً و معترفاً بإسرائيل و كان يسوق نفسه كشرطي للخليج واحتل الجزر الثلاث بالتنسيق مع المستعمر اللئيم كما خدعنا الخميني بطرد السفير الإسرائيلي و إعطاء السفارة للفلسطينيين. و لذلك كان موقف الملك خالد و المملكة وموقف العرب جميعاً مرحباً بالتغيير غير أن القناع ما لبث أن كشف عن المخفي وخصوصاً عندما ركب الإيرانيين الغرور و عادوا العالم كله و استعدوا جيرانهم و نادو بتصدير الثورة. وحده صدام حسين أدرك الخطر. وقال د. سعد: لم أكن أطيق ذكره – يقصد صدام حسين – و لكنه رحمه الله وقف أمام المد الصفوي بشجاعة ولكن دخله الغرور لاحقاً بالرغم من أنه مات موتة الشجاع.

       وعقب د. مساعد المحيا بقوله: الشاهد هو أن نظام ولاية الفقيه نظام لا يتفق مع منهج المملكة ومصالحها ومن الصعب أن تكون هناك علاقات جيدة لاسيما مع وجود كثير من المنغصات التي تمارسها إيران.

       وأشار اللواء د. سعد الشهراني إلى أن هذا صحيح و المملكة بطبيعة الأمور مع الشرعية و نظم الحكم القائمة.. ويمكن التمييز بين ثلاث فترات في علاقة المملكة بنظام الملالي: الفترة الأولى قصيرة و كانت المملكة فيها تنتظر مآل الأمور و كانت مع شرعية نظام الشاه إلا أن هذه الفترة انتهت باحتراق ورقة الشاه ثم فترة قصيرة أخرى حاولت فيها المملكة مد الجسور مع النظام الجديد ثم فترة طويلة امتدت حتى الآن تخللها فترات تأزم متعددة وتخللها توافق وهدوء نسبي أيام حكم رافسنجاني و خاتمي. المتشددون يمسكون بزمام الامور هناك الآن و هذه مشكلتنا معهم لأنهم يصدرون مشاكلهم للخارج. بعد موت شعارهم الموت لأمريكا ولإسرائيل وأكذوبة محاربة الشيطان الأكبر قد يأتي جيل سياسي أكثر عقلانية.

الاستراتيجية الخليجية المستقبلية مع إيران: رؤية استشرافية للآليات الملائمة

       يفترض برأي د. حميد المزروع أن تعتمد الاستراتيجية الخليجية المستقبلية مع إيران على ما يلي :

  • الحذر من التحركات الإيرانية بالمنطقة و كشفها أولاً بأول و اتخاذ ما يلزم لمعالجتها.
  • تعزيز العلاقات السياسية و الاقتصادية مع العراق و مستقبلاً مع سوريا لتعظيم المصالح المشتركة وليكن الحضور السياسي و الاقتصادي متواجد بشكل دائم في أذهان المسئولين عند هذه الدول.
  • فتح قنوات اتصال مع القوى المعتدلة في إيران التي تؤمن بالفكر التنموي و احترام القانون الدولي.
  • توثيق ملف جنائي بجميع الجرائم التي تثبت التحقيقات بأن إيران ورائها ، تمهيداً لتقديمها إلي محكمة العدل الدولية.

       ويعتقد م. حسام بحيري أنه ليس لنا خيارات اليوم غير استخدام القوة في مواجهة إيران ولابد من أن نستمر في توسيع رقعة الصراع ضد إيران ومواجهتها واستخدام نفس سياسة الاختراق التي يتبعونها ضدنا؛ لأن إيران أيضاً يوجد لديها أقليات مضطهدة تنتظرنا لمساندتها في صراعها مع النظام الإيراني وحان الوقت للالتفات لهم ومساندتهم.. لابد أن تعي إيران أن صراعها في المنطقة لن يكون ضد السعودية فقط ولكن العالم العربي ككل داخل إيران وخارجها ودول الخليج باستثناء سلطنة عمان المغيبة ليس لها أي اختيار غير أن تقف معنا شاءت أو أبت لأنه لا يوجد لديهم أي عمق استراتيجي والسعودية لن تهب لنجدتهم كل مرة يتبعوا فيها سياسات أحادية فاشلة مناهضة لسياستنا هم أضعف من أن يتخذوا قرارات أحادية وليسوا سادة قراراتهم في هذا الصراع. إذا أرادو الاستقلالية في القرار فليتحملوا نتيجة سياساتهم.. السعودية قادرة على إدارة هذا الصراع بمفردها لأنه ليس لديهم أي شيء يضيفوه لنا، توحيد سياستهم مع السعودية يصب في مصلحتهم أولاً وأخيراً نحن لسنا بحاجتهم بقدر ما هم بحاجتنا وسياسة إيران مع الإمارات في قضية الجزر الثلاث وتدخلاتها السافرة بالبحرين وبناء أحزاب سياسية موالية لها بالكويت دليل على سياسة الهيمنة المتبعة من قبل إيران. نجاح صراعنا المستقبلي ضد إيران لن يأتي على طبق من فضة سيأتي من خلال مواجهة إيران مباشرة في كل معقل عربي. لا ننسى أن سقوط العراق بأيديهم يشكل لنا كارثة حقيقية لأنه بأي وقت يستطيعون استخدام العراق كمنصة إطلاق ضد السعودية وبأوجه عديدة. إن الوقت يداهمنا ولابد من الإسراع في التصعيد ضد إيران قبل ما تلتقط أنفاس نجاحها الاقتصادي وتستخدمه ضدنا.

       ويرى د. خالد الرديعان أنه وحتى يتم العمل على تنمية العلاقات مع إيران وإعادتها إلى الوضع الطبيعي يلزم أن يكون هناك موقف خليجي موحد بحيث تقوم سلطنة عمان بدور حيوي في تمهيد الطريق لعلاقات بناءة مع إيران تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الدول على ضفتي الخليج.

       ويتفق أ. سعيد الزهراني مع د. خالد الرديعان ويؤكد على أن ثمة تقارير إعلامية سياسية كثيرة توصي بحتمية توحيد الموقف الخليجي بدلاً من التشظي (عمان والكويت وقطر).. والأهم من هذا أن تدشن السعودية مرحلة دبلوماسية جديدة برؤى واستراتيجيات قادرة على قلب موازين اللعبة.

       أيضاً يرى د. خالد بن دهيش أنه وإذا لم تتحد دول الخليج العربي بشكل أقوى وأوسع في كافة المجالات السياسية والدفاعية والأمنية والاقتصادية فلن تكون قوة تستحق أن يحسب لها حساب في مواجهة مراكز القوى الأخرى في المنطقة مثل إيران التي لها مطامع معروفة بل ومعلنة نحو مملكة البحرين وعدائية معروفة تجاه مملكتنا. فبقاء ولاية الفقيه في إيران على رأس الهرم ستبقي سياسة إيران ذات الأطماع التوسعية ضد أي تقارب ممكن مع دول الخليج العربي الساعية إلى أمنها واستقرارها وازدهارها ، وبلا شك فإن الأرصدة النقدية العائدة لإيران بعد الاتفاق النووي مع الغرب سيكون لها دور داعم لسياسة إيران التوسعية ، وقد أعلن ذلك خامئني في خطابه بعد الاتفاق النووي. لذلك ليس لنا قدرة كدول الخليج لمواجهة الأطماع الإيرانية ما لم نتحد دون أن نعول على أي تقارب ناجح مع إيران فالتجارب السابقة لم تكن ناجحة ولن ينجح التقارب القادم في ظل بقاء منطق ولاية الفقيه ، فالاتحاد قوة ، ورحم الله الملك عبد الله الذي طالب بالاتحاد بدلاً من التعاون بين دول الخليج العربي.

       وأشار اللواء د. سعد الشهراني إلى إمكانية تطبيع العلاقات مع إيران من خلال موقف عربي خليجي لا يستثني إخواننا الذين يغردون خارج السرب الخليجي ( عمان و قطر والكويت ومن المهم ترويضهم باحترام ! ) ويضم مصر و الأردن و المغرب و السودان وربما دول عربية أخرى بديبلوماسية سعودية ديناميكية لا تتوقف و الهدف أن تصل الرسالة لإيران واضحة: العرب لن يقبلوا إطلاقاً هذا النمط من السلوك الإيراني في المنطقة العربية … فلا مهرب من الجغرافيا و لا من المذهبية و لا من المصالح المتضاربة أو المتبادلة و أي أفق آخر ليس في صالح كل الأطراف. لا نلوم الإيرانيين أنهم يعملون لمصالحهم بما في ذلك استخدام المذهب وتجسير العلاقة مع الغرب، بل نلوم أنفسنا نحن لأنهم و الغرب أيضاً يلعبون في ملاعبنا التي هيأناها لهم من خلال تناقضاتنا و قابليتنا للاختراق. في علاقاتنا مع إيران الأفضل ألا ندخل الغرب في الصورة، و يجب ألا ندخل مع إيران في تنافس لإرضاء الغرب إلا في حدود ما هو ضروري و مفيد. مصالحنا و بناء الداخل و تفاهماتنا الاستراتيجية القوية التي لا لبس ولا ضعف فيها مع الدول العربية المركزية والدول الإقليمية الفاعلة و مع القوى الكبرى شرقاً وغرباً و ديبلوماسيتنا المبادرة التي لا تهدأ و الوضوح والحزم في المواقف كل ذلك كفيل بمواجهة إيران. هذا تفكير رغباتي و لكنه ممكن و كل العلاقات الدولية تعود إلى هذا مهما امتد الصراع والتنافس. كذلك فإن حل قضايا اليمن وسوريا و العراق ولبنان (وهي مناطق التماس مع المملكة) و ما يجري في الدوحة تحدد إلى حد ما ما يمكن أن يحدث للعلاقات الخليجية الإيرانية.

       وأشار أ. خالد الوابل إلى خيار مهم وهو خيار العودة للشعوب .. وأن تتصالح الأنظمة مع شعوبها. وأتفق د. مساعد المحيا مع ذلك بقوله أن ما يقلق هو أننا لا نجد أمامنا مشروعات تخرجنا من هذا النفق ..الاقتصاديون والسياسيون والمثقفون لا يزالون يهيمون حبا بأمريكا .. هي تتخلى عنك مع بعض التقدير لك .. لكنك لا تجد البديل الذي يروي عطشك .. يبدو أن أمريكا بالنسبة لنا كالمحرك بينما الدول الأخرى هي مجموعة من القطع الأخرى لا تفيدك كل هذه القطع بدون المحرك ..ولذا يتأكد يوماً بعد يوم العمل بمثل ما قال  أ. خالد الوابل العودة للشعوب .. لكن الجانب الأهم في هذه العلاقة برأي د. مساعد المحيا هو ما مدى قوة انتماء شعوب الخليج لأوطانها وما مدى حرص الحكومات على تقوية ذلك .. وعادة الانتماء يرتبط بالمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية .. والحصول على كل الحقوق مع الوفاء بكل الواجبات.

       بينما أوضح أ. خالد الحارثي أننا في وضع لا يمكن معه استخدام عبارة أ. خالد الوابل المتعلقة بأن تعود دول الخليج إلى شعوبها ، وذلك لعدد من الأسباب يعد من أبرزها :

  • أن المصالح الضيقة لكل من الطبقة السياسية والطبقة البرجوازية في العالم العربي تتطلب إبقاء الشعوب لتعيش في فترة تاريخية سابقة لمستجدات القرن العشرين.
  • أن المؤسسة الدينية في العالم العربي تكرس العيش في فترة زمنية سابقة بقرون على الفترة التي يراد أن تعيشها الشعوب.
  • الاحباط عند الطبقة السياسية في توفير شبكة الأمان التي تحفظ منجزاتها في السابق وتقدم تغيير ملموس.
  • أن فشل الربيع العربي في تحقيق مطالب الشعوب بشكل سلمي وبأقل خسائر ممكنة وبخاصة في الأرواح ، جعل التغيير مرتبط بالمسئولية عنه وعن نجاحه ، وسيضاف إلى مخزون الفشل الحالي والذي قد لا ينتج خيراً.
  • أن فشل المثقفين في هذه الشعوب في تقديم رؤى سلمية للتطوير الاجتماعي والاقتصادي بعيداً عن المطالب السياسية هو أكثر الأسباب المؤثرة التي تمس تطلعات الشعوب والطبقة السياسية بالذات.

       في حين أوضح د. عبدالله الحمود أن دورنا إذاً، عوضاً عن تباكي ما فقدناه، وقد فقدناه بالفعل، أن نتقن ثقافياً دراسة وفهم الأمر الراهن، وأن نكشف بكل شفافية فكرية وثقافية كل المآلات الممكنة، وكيف يمكننا أن نكون خلالها أفضل. أما سياسياً فبذات الهاجس التحليلي،  تبرز أمامنا مجموعة من التساؤلات، المهمة والعميقة جداً في سياقاتها السياسية مثلاً:

  • هل يمكن أن تكون الجزر الثلاث.. في رسم العلاقة المعلنة بين الإمارات وإيران، لعقود مضت، هي ذاتها  الشعار المعلن بين إيران من جانب، وإسرائيل وأمريكا من جانب آخر، (الموت لإسرائيل. الموت لأمريكا)؟!!!! كيف يمكن الإجابة  سياسياً عن هذا التساؤل..  وليس ثقافياً؟
  • أيضاً إذا كانت الكثير من المواقف الراهنة في الخليج، تعد في نظر د. عبدالله الحمود مآلات لما أعلن عنه قبل عقود في هذا الإطار، فكيف يمكن فهم تعقد المواقف الراهنة في الخليج وفي المنطقة، ونفس العداء العربي العربي المتفاقم في ظل تصريحات غربية سياسية تصف السلوك الغربي بقاطرة الأمن والاستقرار.
  • لمصلحة من، يتم تعزيز الاستقطاب الطائفي والعرقي في دولنا؟ وكيف يكون من بيننا من يسره ذلك ويؤججه؟ من هؤلاء الذين يفعلون ذلك من بيننا؟ عندما لم يكن لدينا إعلام مفسد (سياسياً)، جيء بالجزيرة بقضها وقضيضها ودعمت بقوة حتى حققت أهدافها، والآن لم يعد ثمة حاجة لبديل إعلامي سياسي للجزيرة بعد أفولها. ويؤكد د. الحمود أن الذين استبدلوا القاعدة بداعش سياسياً، لحرب المآلات، لن يستبدلو الجزيرة بقناة أخرى سياسية، لحرب الراهن. لقد سقط الراهن، واضطرب. وبقيت منطقتنا حبلى بمآلات الأمور.

       واتفق أ. خالد الحارثي مع ما أشارت إليه بعض الآراء – ومنها ما ذكره د. مساعد المحيا – والتي نصت على النهوض من حالة الاسترخاء؛ لاسيما فيما يتعلق بضرورة إعطاء زخم عالي جداً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية للشعوب المبنية على توجه الجهد الحكومي نحو الإنسان والفرد ، حيث إن الموقف السياسي يتطلب أدوات حقيقية للتفاوض وهذا لا يمكن لمؤسسة الدولة إنتاجه بالاستمرار في بناء ذاتها وتكريس نرجسيتها ، وهذه الاستحالة موجودة في نصوص الوثائق الحكومية الأخيرة (استراتيجية التحول نحو مجتمع المعرفة) والتي أقرت بأن اقتصاد المعرفة لا تنجزه الدولة قبل التحول لمجتمع المعرفة وذلك المجتمع هو الذي ينجز اقتصاد المعرفة وليس الدولة ولا المؤسسة. أما بدون هذه الحقائق وثوابت العلم فالحديث عن السياسة يشبه كثيراً الحكواتي في المقهى العربي وروايات عنتر وأبو زيد.

       ويعتقد م. سالم المري أن غياب رؤية استراتيجية واضحة في السياسة الخارجية تبرز كسبب مهم أدّى إلى ضعف موقف المملكة الحالي من الأوضاع الإقليمية المتدهورة في المشرق العربي وغلب مواقف ومصالح إيران وخيّب آمال حلفاء المملكة في الداخل والخارج ونحن اليوم في موقع مسؤولية إقليمية أكثر من غيرنا ممّا يحتم علينا مراجعة أداء السياسة الخارجية والاستراتيجية وتصحيحها لحماية الأمن الوطني والقومي ومن دلائل قصور السياسة الخارجية في السنوات الماضية ما يلي:

  • أن تأثير المملكة على السياسة الأميركية تجاه القضايا التي تمس المصلحة الوطنية السعودية والقومية العربية محدود، ولا يتناسب مع حجم المصالح بين البلدين بل إن المملكة تخسر من سمعتها ومصالحها بسبب هذه العلاقة وأكبر دليل أن واشنطن لم تأخذ في اعتبارها مصالح المملكة، حينما تواطأت لتقاسم النفوذ في العراق مع إيران كما لم تأخذ المصلحة السعودية في حساباتها في القضية السورية والأمثلة غير ذلك كثيرة!
  • انتهت السياسة السعودية في العراق بكارثة غزو العراق للكويت، ثم احتلال أميركا للعراق، وأخيراً تقاسم النفوذ فيه بين إيران وأميركا. ثم عجزت المملكة عن الاستفادة من سقوط حكومة المالكي، ولم تنجح مع حكومة العبادي الذي يجاهر بعدائيته للمملكة واعترض على مشاركتها في التحالف ضد داعش ورحب بإيران.
  • قصرت السياسة الخارجية مع الوضع في سورية ولبنان، ومن نتائج ذلك قيام تحالف طائفي بين النظام السوري وإيران واغتيال الحريري، وبروز حزب الله كقوة عسكرية ضاربة تابعة لإيران دون منافس سني حقيقي في لبنان. كما فشلت هذه السياسة، في الكشف عن أن النظام السوري يشكل خطراً كبيراً على المنطقة وحليفاً خطيراً للإيرانيين عكس ما يدعي.
  • الفشل الذريع المشترك مع الدول العربية الأخرى في إدارة ملف الصراع العربي الإسرائيلي بل وأحياناً الابتعاد والتفرج ظناً مناً أن ذلك في المصلحة بينما نخسر موثوقيتنا وسمعتنا أمام الجمهور في الداخل والخارج مما أعطى إيران فرصة المزايدة بفريق الممانعة والمقاومة.

       والخلاصة، يعتقد م. سالم المري أن هناك محورين أساسيين يجب مناقشة مستقبل العلاقة بين إيران ودول الخليج في ضوءهما:

  • أولاً: مراجعة أداء السياسة الخارجية والاستراتيجية المتبعة تجاه إيران وقضايا المشرق العربي في السنوات الماضية لمعرفة ما كان يمكن  تلافيه لتجنب الوضع الراهن مع إيران.
  • ثانياً: الاستراتيجية المقترحة بما يمكن عمله لتصحيح السلبيات التي أوصلتنا للوضع الراهن والتأسيس لمواجهة ناجعة مع إيران في  السنوات القادمة.

       وأضاف م. سالم المري أنه ونتيجة لمواقفنا السياسية السلبية ممّا يجري حولنا من أحداث لسنوات طويلة طورت إيران نفوذها وأصبحت المحاور الرئيس مع الغرب حول مستقبل المشرق العربي مستفيدة من تدخلها الاستعماري في كثير من دول المنطقة بدءاً من لبنان مروراً بسورية والعراق واليمن والبحرين وصولاً إلى فلسطين. والمتوقع أن يدخل التقارب الأمريكي الإيراني المنطقة في صراع ينتج عنه تحديات جسيمة للمملكة ولا يمكن مواجهة تلك التحديات وتجاوزها إلا باستراتيجية فعالة تأخذ في الحسبان ما يلي:

  • إحياء محوري العراق وأفغانستان وخلق المشاكل للحكومة الإيرانية على حدودها حيث ساعدت دول الخليج – (ربما بدون وعي) – واشنطن في تحقيق استراتيجية إيران في الهيمنة الإقليمية في المنطقة عن طريق التخلص من صدام ونظامه في العراق وإسقاط نظام طالبان في أفغانستان وهذان النظامان كانا عدوين لدودين للنظام الإيراني الحالي وعليه يجب السعي لإحياء هذين المحورين وخلق المشاكل لإيران على حدودها عن طريق:
  • محاولة ترويض طالبان وتهذيب سياساتها ومصالحتها مع الغرب ومن ثم إعادة المعتدلين منهم مرة أخرى للحكم أو المشاركة في الحكم في أفغانستان وتحشيدها ضد سياسات إيران الطائفية.
  • محاولة ترويض واحتواء التنظيمات السنية العربية والكردية في العراق ودعمها بحيث يكون للمملكة والخليج حضور قوي في الساحة العراقية مقابل الحضور الإيراني والتنسيق مع الجانب الغربي لإيجاد الحلول العادلة ورعاية المصالح الغربية لدى هذه التنظيمات.
  • رعاية الأطراف الشيعية العربية ذات المواقف المختلفة مع الإيرانيين ودعمها وإبراز أدوارها إعلامياً.
  • استمالة باكستان وأذربيجان ضد السياسات التوسعية الإيرانية وتوثيق العلاقات مع هاتين الدولتين.
  • إعادة النظر في الموقف من الأزمة السورية؛ حيث كان لتراخي دول الخليج تجاه الدور الأمريكي السلبي في بداية أزمة سوريا دور كبير في وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه وبقاء الأسد وتعاظم الدور الإيراني في سوريا وظهور المنظمات الطائفية المتطرفة والتقارب الأمريكي الإيراني الحالي يجعل من الضروري على المملكة إعادة النظر في موقفها من الأزمة السورية على النحو التالي:
  • تقديم المزيد من الأسلحة المتطورة للمعارضة السورية لكي تغير توازن القوى على الأرض.
  • العمل مع تركيا والأردن على فرض حظر جوي على طيران الأسد والضغط على الدول الكبرى بالقبول أو المحايدة.
  • استقطاب التنظيمات السنية وتهذيبها ومحاولة وضع أولويات لعملها يجنبها التصارع حتى سقوط نظام الأسد.
  • استقطاب ودعم التنظيمات الأخرى المعتدلة المعارضة للنظام التي تجمع مختلف الطوائف والأديان وتسعى لإقامة دولة سورية موحدة مثل التنظيمات القومية والليبرالية.
  • استمالة الدول الكبرى خاصة روسيا والصين ومحاولة كسب حيادهم من مسألة سقوط نظام الأسد.
  • الإصرار على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2216 حول اليمن.
  • الحفاظ على تماسك دول مجلس التعاون وعدم قبول إيران كقوة إقليمية مهيمنة وعدم الرضوخ لموافقة الولايات المتحدة على إعطاء إيران أدواراً متزايدة في ملفات المشرق العربي كما في سوريا والعراق واليمن وعدم قبول أي ضغوط أمريكية تهدف إلى القبول بمشاركة إيران في حل تلك الأزمات خاصة الأزمتين السورية واليمنية اللتين كونهما تمثلان خطراً فادحاً على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج؛ لأن مشاركة إيران في الحلول سيفرضها كفاعل إقليمي ضمن منظومة أمنية خليجية جديدة وبديلة لمجلس التعاون وسيتبع ذلك مخاطر أمنية وسياسية واقتصادية على دول الخليج، حيث سيزداد عمل إيران الحالي ضد وحدة الموقف الخليجي، ممّا سيهدّد تماسك منظومة دول مجلس التعاون.
  • على مستوى الجبهة الداخلية:

الاعتماد على النفس في مواجهة القضايا الدفاعية وعدم الاعتماد الكلي على الدول الغربية، فمن غير المضمون قيام الولايات المتحدة بالدفاع عنا ضد أي عدوان إيراني أو عراقي بالرغم من الاتفاقيات العسكرية الثنائية في ظل التقارب الإيراني الأمريكي وهذا يتطلب:

  • الحفاظ على جيش قوي العتاد والعدد بما في ذلك النظر في سن خدمة العلم.
  • سن التشريعات واتخاذ الاجراءات اللازمة لتخفيف اﻻحتقان الطائفي الداخلي وتجريم أعمال التفرقة بين المواطنين.
  • كسب ولاء المواطنين من المذاهب المختلفة واستخدامهم في المواجهة.
  • محاربة المتطرفين من السنة والشيعة وتجريم الترويج للمنظمات الإرهابية السنية والشيعية وخاصة أتباع وﻻية الفقيه.
  • منع المواطنين الشيعة من إرسال الخمس للمراجع الإيرانية والتأكد من صرفها في المجتمعات الشيعية المحلية.
  • تطوير وتشجيع قيام مراجع شيعية محلية وعربية وخليجية موالية أو محايدة.
  • على المستوى الدبلوماسي الخليجي والعربي:

  • الاستفادة من الأمانة العامة لمجلس التعاون في وضع أولويات للسياسة الخارجية لدول الخليج وتوحيد المواقف.
  • خفض العلاقة الدبلوماسية مع إيران وربط العلاقة مع حلفاء إيران العرب بمدى قربهم وبعدهم الفعلي من سياسات إيران.
  • استخدام جامعة الدول العربية للضغط الدبلوماسي على إيران وخفض تمثيلها في دول الجامعة.
  • تقوية دور مصر كحليف عربي مهم بغض النظر عن نظام الحكم.

المبحث الثاني

الصور الذهنية المتبادلة للمجتمع السعودي عبر الشبكات الاجتماعية

ووسائط الاتصال الشخصي

المدخل والطرح العام:

       قدم د. فايز الشهري ورقة بحثية تضمنت تحليلاً محدداً حول موضوع الصور الذهنية المتبادلة  للمجتمع السعودي عبر الشبكات الاجتماعية ووسائط الاتصال الشخصي. وقد أوضح في هذا السياق أن الراصد لمحتوى بعض حسابات الشبكات الاجتماعية التي يديرها السعوديين مثل “تويتر” و “يوتيوب” ونظائرها وكذلك في محتوى وسائط الاتصال الشخصي مثل Whatsapp ورسائل SMS ، يلاحظ كثافة الصور السلبية المتبادلة عن السعوديين بواسطة السعوديين أنفسهم. وعلى سبيل المثال يوجد قرابة 20 حساب جماهيري ضخم على تويتر تخصصت في السخرية من النساء والرجال السعوديين وطريقة حياتهم وزيهم وعاداتهم. كما يلاحظ الراصد ذلك السيل اليومي الجارف من الطرائف الساخرة التي تستهدف كل ما يمثل المجتمع السعودي عبر مختلف الوسائط الإلكترونية.

       وبشكل عام يمكن تقسيم هذه الحسابات والاتجاهات إلى ثلاث مجموعات:

  1. المجموعة الأولى :

وهي تلك التي تصور (المكان) بمعنى آخر تكثيف الوصف الساخر لكل ما تضم المملكة من مدن ومواضع وتأطيرها في صورة سوداوية ساخرة و كئيبة. وترسم هذه المجموعة أيضاً المناشط والاحتفالات والتجمعات الشعبية والوطنية بشكل ساخر من خلال المقارنات مع البلدان الأخرى أو إضافة لقطات ساخرة. وينسحب ذلك على السخرية من أسماء المدن والطبيعة الجغرافية ونحو ذلك.

  1. المجموعة الثانية :

وهذه تخصصت في السخرية من (الإنسان) السعودي في كل أحواله. وهذه المجموعة تصور المرأة والرجل السعودي بشكل منفر. ويحضر في الذهن: الركب السوداء وأبو سروال وفنيلة والإسباني ونحو ذلك.

  1. المجموعة الثالثة :

 وهذه تروج لثقافة السخرية العنصرية بشقيها القبائلية والمناطقية … فتجد عبر الوسائط المتعددة نماذج السخرية بين البدو والحضر والمناطقية وتصنيفاتها وإنتاج وترويج  الطرائف الساخرة من شاكلة: فيه زهراني … واحد مطيري … كان فيه حوطي .. طرش بحر ..قصمنجي …صفر سبعة ونحو ذلك.

       وعلى الرغم من وجود مثل هذه الظواهر وشبيهاتها عربياً إلا أنها لدينا تأخذ اشكالاً حادة فيها قسوة التمييز والتنميط ونرى ونرصد أثرها في الحياة العامة.

       وتأسيساً على ما تقدم طرح د. فايز الشهري مجموعة من التساؤلات كمفاتيح لمناقشة الموضوع على النحو الآتي:

1- ما الخصائص وأيضاً الدوافع النفسية والاجتماعية الشارحة لهذه الظاهرة؟

2- ما مدى تأثير جماهيرية هذه الثقافة في بناء الشخصية الفردية والمجتمعية للأجيال الجديدة (تقدير الذات الفردية والجمعية)؟

3- هل تكشف هذه الظواهر عن خلل أم عن حقيقة المنظومة القيمية وصورة الذات والجماعة لدى أفراد المجتمع؟

 4- كيف يمكن الموازنة بين إشاعة ثقافة المرح من جهة ومن جهة أخرى صيانة مكونات شخصية المجتمع السعودي من الابتذال المؤدي إلى تعزيز صورة سلبية راسخة عن الذات واهتزاز الثقة بالمجتمع أمام الآخر؟

حول مضمون الصورة الذهنية: تعقيبات / مناقشات تحليلية

       عقب أ. عبدالله بن كدسه على ورقة د. فايز الشهري بقوله: لاشك بأن التطور التقني وهذا الانفتاح الاتصالي الحاصل الآن سمح للفرد السعودي أن يرى كل شيء خارج حدود مكانه الذي يعيش فيه ، وبالتالي أصبحت عملية المقارنة موجودة ويقوم بها الكثير من الناس ، وبغض النظر عن الهدف من نشر هذه الصور التي تقارن بين واقع المجتمع السعودي والمجتمعات الأخرى ، نجد أنها غالباً تنتقد ظواهر اجتماعية تستحق النقد والتفكير والتقويم ، على سبيل المثال صور الولائم التي تحمل مبالغة في كمية الطعام المقدم للضيف ومقارنتها بصورة لطاولة طعام في دول أوربا أو أمريكا يجعل الجمهور يفكر ملياً حول صحة ما يقومون به ، بل ويصور هذه العادة على أنها سلبية بحيث يرفض أي شخص أن يكون محل نقد الناس بعد نقدهم وتوعيتهم بخطأ هذا الموضوع ، ومن هنا يرى بأن هذا الأمر إيجابي الهدف ولو كان يظهرنا بطريقة سلبية.

       ويعتقد أ. عبدالله بن كدسه كذلك أن سهولة انتقال المعلومة وهذا التطور الرهيب في تقنية الاتصالات سمح لنا بالتعرض لمثل هذا النقد ، كانت هناك عادات وتقاليد وأعراف سيئة ننتقدها في مجالسنا الخاصة ونقوم بها بالرغم من عدم قناعتنا بها لكنه المجتمع الذي يفرض علينا هذه الأمور ولعل هذا النقد الذي نراه لأفعالنا يغير شيء من بعض هذه السلوكيات السلبية والمبالغة في كثير من الأمور.

       واتفق أ. عبدالله بن كدسه مع د. فايز الشهري بأن هناك مبالغة في النقد ورؤية كثير من الأمور بطريقة سلبية لكن هذا ضريبة وجود ساحة حرة للتعبير. كما يعتقد أخيراً أن برنامج الابتعاث الذي ابتعث مئات الآلاف من الطلاب والطالبات كان أحد الأسباب لانتشار هذه الظاهرة . فعندما يعيش الطالب السعودي في دول العالم الأول حيث تتوفر كل الخدمات التي تقدم على أكمل وجه ويضطر لأن يتأقلم مع ثقافة المكان التي تحترم النظام وأسلوب الحياة البسيط الحضاري ، كل هذا يجعله يصنع الكثير من المقارنات بعد عودته ، لأنه عاش ثقافة أخرى أتاحت له حياة جميلة وبسيطة يتمنى أن يطبقها بنقد الواقع الذي يعيشه.

       أيضاً يتفق د. علي الحكمي مع ما ذهب إليه د. فايز الشهري فيما يخص تصنيف الحسابات والاتجاهات إلى مجموعات ثلاث بناءً على محتواها. لكنه رأى إمكانية إضافة تصنيف من زاوية أخرى وهي مدى شرعية وقانونية هذه التصنيفات. واقترح لكل تصنيف وضعه د. فايز تقسيمه لممارسة لا مخالفة شرعية أو قانونية. وممارسة مخالفة شرعاً أو قانوناً؛ فالطُرف التي تتبادل عن الرجل أو المرأة قد تكون عادية وقد يكون فيها إساءة أو تجريح.. والتعليقات على المناطق الأخرى أيضاً قد تكون عادية وقد تكون عنصرية ..وهكذا يصبح لدينا “ماتريكس” (٣ تصنيفات X ٢ مستويات).

       أما أ. سعيد الزهراني فقد تساءل: هل يقتصر مدلول الصورة الذهنية لمجتمع ما على الجانب السلبي فقط؟ وفي ملمح واحد فقط؟ وهل الصورة الذهنية خاصة بالجانب الساخر فقط؟. وأشار إلى أن هذه أسئلة استفهامية لا نقدية.. ففي سياق ورقة د. فايز التي اقتصرت على توصيف سلبية الحضور الساخر للسعوديين إلكترونياً وفق المحددات الثلاثة التي تضمنتها الورقة.. يبرز جانب الفرائحية التي تؤشر إلى تلك الحالة الثائرة على مجموعات الكبت القدرية بدءاً بالخطاب الديني القبوري ومروراً بتعاليم القبيلة الصارمة والنظم الاجتماعية الموسومة بالعيب وانتهاءً بالأوجاع الشخصية الخاصة.. وهذا برأيه أدى إلى تنامي تلك الحالة الساخرة وبروزها بصورة لافتة.

       وفي تقدير أ. سعيد الزهراني فإن مصطلح (الصورة الذهنية) وفق هذه التساؤلات تعد تعبير شامل ولا يقتصر على مسار أو مساق واحد فقط.. من هنا يعتقد أن الصورة السعودية الذهنية إلكترونياً تتلخص في (الانفعالية).. انفعال اللحظة  وعدم وجود كنترول عقلاني هو العنوان الأبرز.. والانفعال في الغالب سلوك عاطفي.. ولنتأمل مثالاً؛ التفاعل مع تبرعات عتق رقبة من القصاص المليونية –  حروب الجماهير نصرةً لرموزها – مصطلح الدرعمة… الخ.

       بينما عقب م. سالم المري على ما طرحه د. فايز الشهري في ورقته حول الصور الذهنية المتبادلة للمجتمع السعودي عبر الشبكات الاجتماعية ووسائط الاتصال الشخصي بقوله: في ظني فإن كثافة استخدام السعوديين لشبكة التواصل أحد أسباب بروز هذه الصور ولا يعني أنها غير طبيعية وكذلك الفراغ الناتج عن البطالة وعدم الرضى عن الواقع. ولكن معظم الصور تأتي في سياق نكتة ساخرة وليس في شكل تمييز عنصري حاقد. ولا يرى م. سالم في الحقيقة ما يثبت علمياً أن الصور السلبية عن السعوديين في شبكة التواصل الاجتماعي كثيفه وتقع فوق الحد المقبول؟ كمقارنة مثلاً بالمجتمعات الأخرى.

       في حين أوضح أ. عبدالله الضويحي في تعقيبه أنه يعتقد أن ما أشار إليه د. فايز الشهري كان موجوداً في المجتمع لكن وسائط التواصل الاجتماعي أظهرته إلى السطح وأسهمت في نشره على نطاق واسع بل ونقلته إلى الخارج مما ضاعف من حجمها وأعطى الفرصة للبعض من خارج الحدود للدخول بمعرفات سعودية وتزكيتها لأهداف جيوسياسية للتأثير على وحدة الوطن والبنية الداخلية خاصة في هذه المرحلة. ويرى أ. عبدالله الضويحي أنه يمكن تصنيفهم إلى ثلاث فئات:

  1. الأولى: تأخذها على سبيل النكتة دون إدراك لأبعادها وهؤلاء معظمهم من الجيل الجديد والشباب.
  2. الثانية: نوع من التحرش إن جازت التسمية خاصة من الشباب لإثارة البنات ومحاولة فتح حوار معهم وكسب “متابعين جدد” يقابله ردود  من البنات ولو من باب الانتصار للذات وليس الحوار والتجاوب.
  3. الثالثة: ما تم الإشارة إليه في المقدمة من فئة تهدف لزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع وفئاته ومناطقه المختلفة، والتي تؤثر بل وتخلق  ثقافة جديدة لدى جيل اليوم وهنا الخطورة وكما تم الإشارة فقد أسهمت مواقع التواصل في نشرها بل وإضافة متفاعلين معها.

       وأشارت أ. ليلى الشهراني إلى أهمية النقاش المثمر حول موضوع الصورة الذهنية كمشكلة كنا نعاني منها في الواقع ثم انتقلت لمواقع التواصل فأصبحت أكثر وضوحاً وتسبب القلق لمن يهمه صورة بلاده وأهله.. في السابق كنا نعجب من الإنسان المصري وهو في كل نكتة أو مقالة أو فيلم يظهر فيها المصري إما (إبله أو حرامي أو مدمن مراقص ومواخير) والمصرية إما رقاصة أو خادمة ، فارتبطت هذه في الأذهان ، وعندما كبرنا وجدنا أن المبدعين والمبدعات غيبوا ، وحل محلهم نماذج شوهت الصورة العامة لهم. نفس الشيء يحصل معنا ، لم نرى مجتمع يحب جلد ذاته وإظهار عيوبه مثل مجتمعنا ، نضخم ما يحصل عندنا حتى لنظن أننا (أبالسة) ، ولعل من يتابع (الهشتاقات) يلاحظ حجم المشكلة ، نحن ظاهرياً نفاخر بتطبيقنا لتعاليم الإسلام لكن في الحقيقة أنها تتحكم فينا عادات بالية توجهنا للتعالي والعنصرية والتفاخر الممقوت ، فمن سخف العقل توظيف المناطقية للسخرية ، ويتم تأليف النكت السمجة والتعليقات في مجالسنا ثم تصديرها للعالم عبر برامج التواصل ، نحن مشكلتنا منا وفينا ، واليوتيوب وبرامج التواصل ماهي إلا مرآة للوعي المغيب لا نشاهد في معظمها إلا الجانب المظلم ، ولهذا أبرز لنا نجوماً وهمية تنتج التفاهة والسطحية وغيب النجومية الحقيقية والصورة المشرقة للجانب الذي يتم تهميشه. نعم نحن لنا عيوب وأخطاء ككل العالم حولنا ، لكنها ليست بهذه الضخامة والسوداوية التي نراها ، وهذا الظلم المبالغ فيه لصورة الرجل السعودي والمرأة السعودية.

       وأشار د. علي الحكمي إلى أن جميع شعوب العالم تعتقد أنها أفضل من الشعوب الأخرى، هذا شعور طبيعي، المشكلة هي أن يحجب عنك هذا الشعور الحقيقة وموقعك الفعلي بين الأمم على المؤشرات التي تهم في عصرنا الحاضر، فيتقدمون وتبقى في مكانك.

       واتفق د. زياد الدريس مع ما ذكره د الحكمي ، وأضاف كل الشعوب لديها شوفونيتها الخاصة ، تزيد وتنقص من بلد لآخر:

  • عربياً، المصريون يعتقدون بأنهم الأكثر تفوقاً بين العرب في كافة المجالات العلمية والأدبية والفنية ، وهذا صحيح إلى حد كبير ، غير  الصحيح هو اعتقادهم بأن لا أحد يمكنه أن يتفوق عليهم !
  • غربياً ، الفرنسيون يرون أنفسهم مؤسسي عصر النهضة ، بمساندة “طفيفة” من إنجلترا وألمانيا . وكلما قامت ثورة في أي زاوية قصية  من الأرض قالوا إنها وُلدت من رحم الثورة الفرنسية !

       هذا الإعجاب بالنفس يقابله زخم موازٍ من السخرية بالذات ، لكنها سخرية مشروطة ، إذ لا يسمح هؤلاء لأيّ كان أن يسخر منهم ، هم فقط يسخرون من أنفسهم. فالمصري الذي يهاجم وطنه وشعبه ليل نهار لو جاءه سعودي يسخر لأوقفه فوراً بقولتهم الشهيرة : ” إلا مصر “. الحال نفسه بات ينطبق على السعوديين الآن بشكل واضح، فهم يُقذعون في ذم أنفسهم وأهليهم ووطنهم لكن لو خرج أحد غير سعودي وقال كلمة سوء عن أي شيء سعودي لضجت مواقع التواصل بحشد جيوش الشتم والتسفيه للقائل ولبلده وكأنهم اتخذوا شعاراً مماثلا هو : ” إلا السعودية “! يبقى أن نستحضر في أذهاننا دوماً فخ ( التكسّب ) الذي يدفع مرتادي مواقع التواصل للقيام بأفعال وتبني أقوال قد لا تكون منسجمة مع قناعاتهم الداخلية لكن المهم أنها مربحة .. مربحة مالياً وإتباعياً ( فولورز) ، ما يعني عندهم المزيد من الانتشار فالمزيد من المشاهدة فالمزيد من الطلب. إنه نمط جديد من فخاخ الرأسمالية !

       وذكر أ. خالد الحارثي تعليقاً على ورقة د. فايز الشهري ، أنه يعتقد أن من أبرز الخصائص التي تتصف بها الظاهرة هي السخرية الخارجة عن الأدب والقيم الدينية والاجتماعية المتعارف عليها والتي تتمثل في الألفاظ المستخدمة وأجزاء الجسد المحرمة من التداول الاجتماعي العام ، أيضاً هناك قدر كبير من كشف العورات والتعرض لها بجرأة هزلية ساخرة لتمييع الحرج بدعوى الفكاهة كما في الركب السوداء والسروال والفنيلة وما شابه ، كما يغلب التنميط بتعميم وتثبيت السلوك الطبيعي ليبدو عيباً كما في وصف اللطف والتعامل الراقي بالخروف ، ويتعدى ذلك إلى وصف المدافع عن قيم الوطنية بالعبودية والتبعية العمياء أو الجبن ، والدفاع عن الرموز الدينية بالتخلف والرجعية وتقديس الشخصيات إلى درجة أصبحت فيها بعض المفردات عيباً وتهمة مثل أنت جامي أو وهابي أو سلفي أو شيعي أو صوفي ، وأيضاً بالوصف المعاكس عند الحديث عن الحداثة أو الفلسفة أو العلوم يوصف بأنها علمنة أو ليبرالية وحتى حداثي تعتبر تهمة وفكراً معيباً.

       ويرجع أ. خالد الحارثي ذلك للتغييرات التي أصابت يوميات المجتمعات السعودية الصغيرة سواء في المدن أو القرى والبوادي التي كانت تتسم بالهدوء والبساطة والتوازن والحضور القوي للآباء والمربين في يوميات الأسرة والعلاقات بين الجيران والأقارب نظراً لتوفر الوقت الذي تُمارس فيه تلك الأدوار ، وحيث لم يصاحب تلك التغيرات في اليوميات من الانشغال الكبير وازدحام البرنامج اليومي بأنشطة تتمحور حول الكسب والمنافسة عليه خوفاً من تهديدات ضياع الفرص ، وحلت مكان أنشطة التربية وعلاقات الأسرة ببعضها وبمحيطها الاجتماعي والاختلاط بالآخرين تحت رقابة الأسرة وتنمية المعجم اللغوي عند النشأ بالمفردات المهذبة والمنضبطة بالقيمة الدينية والأخلاقية ، والتأسي من الشخصيات القريبة والملازمة ليومياتهم دون حواجز كقدوات صالحة كاجتماع الأب في مجلس يضم إمام المسجد وصاحب البقالة والجار والفكاهة البريئة والعبرة من القصص المتداولة في المجلس وحتى في مجتمع الأم بنفس السيرة والصياغات… شبكات التوصل الاجتماعية سمحت لمن همشه واستبعده المجتمع حذراً من بث سمومه في الوسط الأسري والاجتماعي ومنعتهم الأسر من الاختلاط بأبنائهم ، بالإضافة الى آخرين حرضتهم إما غياب الرقابة في شبكات التواصل من الأسرة كما في بعض الأحوال أو الرقابة الرسمية كالمدرسة والناس في أحوال أخرى أو الأجهزة الضبطية في أحوال ثالثة ، والقدرة على الاستتار خلف أسماء مجهولة قد يكون وراءها أجهزة مخابرات دول تهدف لتسطيح فكر الشباب السعودي وتجريف وعيه وهدم قيم الاعتبار لديه وتهميش منظومة القيم التي يقوم عليها مجتمعه

الصورة الذهنية للمجتمع السعودي: أين تكمن مواطن الخلل؟

       أشار د. مساعد المحيا في هذا السياق إلى عدد من النقاط الهامة والمركزة كما يلي:

  • كثافة الصورة السلبية عبر الشبكات الاجتماعية والتي جعلتنا فعلاً في إطار من السخرية في نظر أنفسنا وفي نظر الآخرين إذ حينما نبالغ في صناعة الصورة الذهنية السلبية للرجل السعودي أو المرأة السعودية فإننا نعزز البعد السلبي لدينا ولدى شبابنا وفتياتنا ونغرسه .. وبالتالي نعمل وبكفاءة عالية في صناعة صورة سلبية تجاه مجتمعنا على نحو لا نخال أحداً يصنعه مثلنا ..إنها جزء من ثقافة محلية بامتياز .. فالبعض يصف مجتمعنا في طبيعته النقدية بأننا مجتمع نقاد في طبعه .. إذ لا يعجبنا شيء وربما كان هذا لدى العرب عامة.
  • نحن نقسو على الآخرين كثيرا في أقوالنا وأحكامنا كل ذلك لأن معاييرنا هي ما نقتنع به اليوم وهذه المعايير حدية كالسكين.. لا سعة فيها فكل ما نؤمن به اليوم يجب أن يؤمن به الآخرون وإذا غيرنا آراءنا غداً يجب أن يغير الآخرون آراءهم .. وبما أن الشبكات الاجتماعية أصبحت اليوم منصات للمستخدمين جميعاً وبما أن هذا السلوك موجود لدى الجميع بين مقل ومكثر فقد أصبح ما نراه يعبر عن ذلك تماماً وكل الجوانب النفسية والاجتماعية لدينا تقوم على هذا التشخيص في تقويم الآخرين فأنت ترى أن هذا بخيل لأنه لم يصنع ما صنعت بينما ترى ذاك مسرف لأنه لم يصنع ما صنعت في حين أنك غداً قد تمتلك مالاً كثيراً مثل ماله فتصنع مثله ثم لا ترى نفسك حينذاك أنك مسرف بل تغير معاييرك بحيث ترى الناس قابضة يدها لأنك بسطتها.
  • الشبكات الاجتماعية كشفتنا أكثر وسلطت الضوء على ما كنا نمارسه في خلواتنا وفي مجتمعاتنا الصغيرة ..نحن نرى أننا القدوة والأنموذج سواء عبرنا عن ذلك أم لم نعبر وهذا جانب يسيطر علينا في حواراتنا وتظهره بجلاء هذه الشبكات .. لذا نرى أننا المقياس لكل الناس فمن ينفق مثلما ننفق فهو الرجل الصالح ومن زاد علينا فهو مسرف ومن نقص عنا فهو بخيل أحدهم وكان يسكن بيتاً جديداً له قال لي إنني أعتب على ال فلان فهؤلاء طلاب علم يقولون أن بيوتهم الجديدة الرخام فيها يكسو الجدران كلها والأراضي وأن المغاسل وبعض الأثاث جلبوه من دولة كذا بمبالغ كذا.. إلخ. قلت له وكان بيته جديداً ولماذا أنت تضع البورسلان وتستخدم هذه المغاسل الزجاجية الجميلة ، كان يمكن أن تضع كما وضع الناس من قبل أنت يا عزيزي في نظر من هم دونك مسرف وأنت ترى من هم أغنى منك مسرفين وأظنك لو ملكت مثل ما ملكوا لصنعت ما تعده اليوم إسرافاً .. أنت تنتقد فقط .. المشكلة أننا نجعل حالنا اليوم هي معيار التقويم للآخرين ونلبس ذلك الحق ونعتقد أن ما نؤمن به هو المشروع حقاً دون غيره وإذا كان هذا في الجوانب الاجتماعية فإن المؤسف أننا نلبس ذلك اللباس الشرعي وقد ننظر لمن يصنع كما نصنع في الالتزام والبذل والعبادات فهو المصيب ومن يقصر وإن كان قد أتى بالواجبات فهو مفرط مسكين مخطئ.
  • نلحظ أننا عبر هذه الشبكات لا نملك الانصاف واعتبار رأي الآخرين محترم ومقدر … فنقسو ونستخدم الجمل الاقصائية وربما ندعو على فلان بأن ينتقم الله منه وأن يرينا فيه يوماً أسوداً وعجائب قدرته كل ذلك لأنه قال برأي مخالف لحالنا اليوم ..نحن دائماً نرى أننا الوسط وأن الوسطية تدور معنا حيث ندور .. وأن المعيار الحق هو ما نؤمن به اليوم وما نعتقده.
  • كثيرون منا عبر هذه الشبكات سلبيون ويميلون للسلبية ويحبون السلبية ولذا يضخمون كل عمل سلبي أو خطأ يسير ..هذا التضخيم لا يساعدنا في فهم المشكلة ولا يجعلنا أكثر وعيا في البحث عن الحلول إذ المصيبة أننا قد نرى أنفسنا على صواب ونمتلك ناصية الحقيقة بل نرى أننا مبدعون خلاّقون حين نصنف الآخرين ونبالغ في وضع النسب التي تقصيهم وتتهمهم وهذا فعلاً يسهم في منحهم قيمة ومكانة وجماهيرية نحن لم نكن نتوقعها .. إن كل جهد نقوم به في تضخيم السلبيات وفي منحها قوة أكبر هو الذي يمنحها فرصة أطول في أن تبقى وتتجذر والطريق لمواجهة كل ذلك يحتاج أن لا نخوف الناس ونرعبهم من عدو أو نضخم شأنه ولذا كان من نعمة الله على عباده أن هون لهم أمر عدوهم في قوله تعالى ” وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ “. فكان تخيل المسلمين قلة المشركين مقوياً لقلوبهم ، وزائداً لشجاعتهم ، ومزيلاً للرعب عنهم ، فعظم بذلك بأسهم عند اللقاء.

       أيضاً ذكر د. مساعد المحيا أن د. فايز قد صنف هذه المواقف السلبية التي تحتفي بالسخرية في مجتمعنا عبر هذه الشبكات إلى ثلاث أصناف منها ما يرتبط بالمكان أو الإنسان أو العنصرية القبائلية أو المناطقية أو الطائفية. وفي الحقيقة فإن هذه الشبكات – برأي د. مساعد – كشفت مخزوناً هائلاً لدينا من العنصرية واحتقار الآخرين وازدرائهم أكثره يقوم على روح اقصائية تتمثل في صور عدة إذ استطاعت هذه الشبكات بما أتاحته من فرص نقل كل ذلك المخزون الهائل من السخريات وبما منحته للساخرين من إثبات لذواتهم على أنهم شعب الله المختار .. وهذا الحظة لدى كل الاطياف فالمحافظون والمدعون للرؤية الليبرالية ومن هم وسط بين هؤلاء وأولئك أكثرهم يمتطي أسلوب السخرية ويطبق ذلك وفقاً لتراكماته وثروته اللغوية ..لا نجد إلا من رحم الله من ينصف مخالفيه ويتورع عن استخدام الألفاظ الأكثر تهذيباً برغم أننا بحاجة للتعاون والتآزر وأن نلين مع إخواننا ومن يجمعنا معهم كل أواصر الحب ..كما قال الله “رحماء بينهم “..هذه الرحمة منتزعة من خطابنا في كثير من الأحيان ولذا نقسو على الآخر .. نحن نحتاج أن ندرك أن من نختلف معهم هم قريبون منا وأن عوامل أخرى تضخم خطرهم وضررهم بل ربما نسقط نصوصاً تختص بالكفار عليهم فنرتكب خطأ أكبر.

  • لم يكن للشبكات الاجتماعية من وظيفة سوى أنها أتاحت للناس أن يقرأوا ويعرفوا ما يقوله الناس وما يعبرون عنه من آراء ومقولات كانوا لا يبوحون بها إلا لخاصتهم .. اليوم أتاحت الشبكات لهم الاختفاء والتعبير عن ذلك وبالتالي فالبعد الافتراضي في عملية إنتاج وبث المواد جعلهم يحرصون على ذلك.
  • لقد كنا مثاليين في ما نقدم عبر وسائل الإعلام التقليدية وهذه المثالية تناغمت مع رؤية من يرى أن عملية النقد لما يقوله فلان هو انتقاص له أو للمؤسسة ولذا كانت الشبكات منصة فجرت لدينا مالم نتحمل وجوده.

       كذلك فقد أوضح د. مساعد المحيا أن د. فايز قد تناول في ورقته جوانب من آثار تلك الشبكات الاجتماعية … ودون شك فإن التحولات التي عاشتها مجتمعاتنا جعلتنا نوظف الكثير من الصور في الاتجاه السلبي برغم كل ما يمكن أن نقدمه من صورة إيجابية .. إذ كثيراً ما نلحظ اللجوء إلى التلاعب بالألفاظ وتوظيف بعض النصوص المصاحبة للصور عند رصد سلوكيات معينة ثم التعليق عليها على نحو ساخر والمؤسف توظيف ذلك لخدمة غايات سيئة أو تشويه سمعة شخصيات أو مؤسسات ويزداد الأمر سوءاً حين يتعمد شخص أن يضع صوراً أخرى ويدعي أنها لهذه الحادثة التي يتحدث عنها وهنا يكون قد افترى وكذب.

  • مع أن وظيفة الصور عبر الشبكات الاجتماعية في الغالب هو تحديد المعاني الواردة في أي نص لفظي كي لا تفهم بطريقة خاطئة إلا أن البعض يوظفها متعمداً لتكون ذات محتوى سلبي.
  • نتيجة للإفراط لدينا في الاستخدامات السلبية أصبحت استخدامات الكثير من الشباب والفتيات تتنامى باتجاهات قد تقود لإشكالات ومخالفات قانونية.
  • الشبكات الاجتماعية واقع افتراضي لكنه يمتلك طبيعة مزدوجة، فهو واقع جديد يتداخل مع الواقع الحقيقي واستخداماتنا للواقع الافتراضي قد تجعل الجيل الجديد يعيش البيئة الافتراضية الحالمة ولذا يصبح غارقاً في خيال لا يستطيع من خلاله إدراك الواقع الافتراضي وخارطته الجديدة.
  • الشبكات الاجتماعية بهذا التناول السلبي أسهمت في تشظي المجتمع ودعمت تفرقه وتصنيفاته بل حولته إلى مجموعة من الجماعات الصغيرة المنغلقة على نفسها والأسوأ أن هؤلاء برغم انتمائهم لوطن واحد ودين واحد ومستقبل واحد فقد أصبحوا في بيئة متصارعة تحركها أنساق سياسية وفكرية ومناطقية وإيديولوجية مع حوارات يغيب فيها الحوار المتعقل القائم على الاحترام المتبادل والإنصات للآخر واحترامه وبالتالي فهي حوارات لا تقوم على معايير مشتركة توصل إلى أي اتفاق أو تفهم طرف لطرف.
  • الصور الهائلة التي يضيفها مستخدمو الشبكات الاجتماعية السعوديون أضحت تقوم بوظيفة مهمة في العملية الاتصالية في هذه الشبكة الاجتماعية الافتراضية وبالتالي فهي نافذة مهمة للتعريف بمجتمعنا السعودي وصورته المشرقة لا سيما وأنه يتعرض اليوم للتشويه بسبب كثافة الصورة التي تربط بينه وبين التنظيمات الارهابية وداعش ، من هنا ينبغي أن نشجع فعلاً كل النماذج الايجابية التي توظف الصورة في نقل الكثير من الصور الرائعة والواقع الجيد وهذا يتطلب التأكيد على أهمية ومحورية وظيفة القائم بالاتصال الذي ينتج الصورة، ويبثها ويوظفها توظيفاً عقلانياً واعياً.

       من جانبه أكد أ. مطشر المرشد على أن ما يقلق هو تسرب هذه الذهنية الى أروقة المؤسسات الرسمية… ويصبح اتخاذ القرارات من عدمه بناء على صورة / نمط معين تم رسمه في مخيلة المسئول حول فئة مجتمعية معينة … كما في الغرب من stereo type للذين هم من أصول أفريقية أو اللاتينية الخ. وأضاف د. خالد الرديعان أن مشروع حماية الوحدة الوطنية يعالج هذه الثغرة.

       وتساءل د. مساعد المحيا: هل أن حجم المادة السلبية عن المجتمع السعودي عبر الشبكات الاجتماعية يتجاوز النقد المطلوب إلى أن يصبح ظاهرة سلوك متعمدة للتشويه أم أن هذا الاستنتاج مبالغ فيه؟

       وأجاب د. خالد الرديعان بقوله: أنظر إلى الصور السلبية التي نروجها عن مجتمعنا ومناطقنا وقبائلنا إلى عدة أسباب يأتي على رأسها ضعف الانتماء الوطني.. وضعف الرابطة الاجتماعية التي تشد الأفراد إلى بعضهم البعض “كسعوديين” وليس كأبناء مناطق أو قبائل… نحن نعيد إنتاج البداوة التي تقوم في جزء منها على التمايز والاختلاف بين الأفراد بدلا من التركيز على السمات المشتركة التي تربط بنا ببعض.. للأسف لم تنجح فكرة “الدولة” أو state في إذابة الفوارق الحادة بيننا وتصهرنا في البوتقة الوطنية.. لانزال فسيفساء متنافرة الألوان في رقعة الوطن وبالتالي نحن بحاجة إلى عمل طويل ومضني لتعميق انصهارنا وخلق الانتماء المطلوب لهذا الكيان الذي نعيش فوقه… النكتة العنصرية والصور النمطية التي نردد ونكرس هي مجرد تعبير عن تنافرنا… وهي عموماً ظاهرة سلبية ومؤشر يقول لنا أشياء كثيرة… انتماءنا للوطن يشوبه الكثير… جئنا المدن وسكناها ونحن نحمل على كاهلنا إرث الفروق الثقافية والهويات الصغرى، ولم تستطع المدينة أن تطوعنا رغم أن ذلك أحد شروط المدينة والتحضر الذي يستوجب التضامن العضوي…مدننا مجرد قرى كبيرة.

       وعلق د. فايز الشهري على تعليق د. خالد الرديعان؛ حيث رأى أن هذا مدخل مهم ويعني به ضعف الانتماء للكيان ولكن يبقى السؤال لماذا فينا ومنا هذه النسبة الواضحة من المتطوعين لنشر هذه الصور .. نحن لا ننشر ربعها عن الخصوم الأعداء؟

       وبدوره أوضح د. خالد الرديعان أننا لسنا بدعاً في هذه الظاهرة فهي موجودة في معظم الدول العربية ويفعلها المصريون مع أهل الصعيد والسوريون مع أهل حمص وغيرهم… هي مؤشر لفشل عملية المواطنة.. والذين يرددون هذه الصور هم أولئك الذين لا يزالون مشدودين إلى هوياتهم الصغرى…الذين لا يتقبلون غيرهم بسهولة…المثال الذي يرد إلى الذهن هو المجتمع العراقي فعندما سقطت الدولة العراقية عاد الجميع إلى عشائرهم وطوائفهم ومناطقهم ونسوا خيمة الوطن التي مزقوها غير عابئين بالمستقبل.. وهؤلاء الذين يرددون الصور النمطية وينشرونها يجدون من يتقبلها ويسمعها بل ويرددها مثلهم ويساهم بنشرها.. نقطتي المركزية هي فشل عملية الصهر الوطني Melting pot. كما أشار د. خالد الرديعان إلى أن هناك جزئية صغيرة تتعلق بالصور النمطية التي نكرسها عن المرأة وهذي يمكن تفسيرها من منظور علاقات الجندر.

       وذهب د. مساعد المحيا إلى أن الاغراق السلبي للصور يقود لتأثيرات تراكمية تنمط الصورة عن الظاهرة المنمطة ..فقر الانتماء الوطني هو أحدها ..والتشويه للمجتمع والوطن هو أيضاً أحدها.

       وأشار د. خالد الرديعان إلى أن هذا التنميط قد يقوم به مثقفون أحياناً ومنهم رسامو الكاريكاتير في صحفنا فهم يصورون المرأة بسلبية في معظم رسومهم ولدينا دراسة أكاديمية قامت بها سيدة أثبتت فيها ذلك.

       وفي ذات السياق أوضح أ. يوسف الكويليت أن ظاهرة الصور النمطية السلبية وليدة ثقافة جلد الذات وازدواجية الرؤى وتحريم أي نقد ورؤية الخداع الذاتي لأنفسنا.. أننا الأوصياء على الدين وحراس المثل العليا التي كشفت بعدها عن واقعنا ومنع أي نوع من الرفاه العام ورؤية الفاسد يثري بطرق غير مشروعة دون رقابة وردع والذهاب للبحرين أو دول خليجية أخرى لمشاهدة فيلم أو الذهاب لمحرم.. هذا الواقع الاجتماعي فكك عقدة الصمت فجاء الهجاء حاداً على سلبيات عجزنا تجاوزها فكان البديل أن نعكس صورتنا بتضخيم شكلها الكاريكاتوري الحاد السخرية.

       وعلق د. مساعد المحيا على ما طرحه أ. يوسف الكويليت بأن النقد مهم وضروري حتى ولو كان قاسياً .. لكن إغراق الشبكات بالصور السلبية المتنامية يحمل اتجاهاً مؤثراً في رسم صورة ذهنية يصعب ويستحيل مستقبلاً تغييرها …وهذا ليس من مصلحة الوطن أو المجتمع.

       وبدوره عقب أ. يوسف الكويليت على ذلك بالإشارة – كمثال – لظاهرة متوارية عن الإنظار تطرح في محاكم عربية وآسيوية وهي زواج وإنجاب بنين وبنات لسعوديين لم يعترفوا بهم فصارت هماً شاغلاً لسفاراتنا ، وشواهدها مثيرة حين تتناولها وسائل الإعلام وتضعنا في مصاف الوحوش للجنس وانعدام الإنسانية .. كما أن الموضوع يتعدى الجانب الشخصي ، الصور موجودة وبانعدام حق النقد لجأ المواطن لقلب الصورة لكن لماذا لا نرى جانب آخر منها حين غزو الكويت أو إعلان عاصفة الحزم فكان هناك التفافاً وتضامناً وطنياً غير مسبوق.

       أما اللواء د. سعد الشهراني فيرى أن موضوع أثر ما يتم  تبادله على الشبكات الاجتماعية من نكات وسخريات على الصورة النمطية لنا كسعوديين أفراداً ذكوراً و إناثاً ومجتمعاً و دولة موضوع مؤلم والأكثر ألماً أن كثيراً من من ينشر ويساهم في هذا لا يدرك ما نتحدث عنه و هم منغمسون في هذه الممارسة إلى حد الإدمان. إن الكبت الاجتماعي والتابوهات و الممنوعات وسقوف الحرية المنخفضة و ثقافة العيب في غير محل العيب الذي يعاني منه الكثير من الكبار والصغار و الذكور والإناث هذا الكبت في رأيه هو أحد العوامل المهمة في تفسير هذه الظاهرة. التنكيت والمرح مطلوبان وانتقاد الذات و الرقابة الاجتماعية من خلال السخرية والنكتة على الموظف العام و المؤسسات العامة بل على السلوكيات الفردية و الاجتماعية (عندما لا تتجاوز هذه النكات والسخرية  الأخلاق والآداب)   هي مطلوبة و تعتبر خاصية إيجابية لشبكات التواصل الاجتماعي وهي تنفع أكثر مما تضر وهذا يخرجها من موضوعنا.

       الجانب الآخر الذي يراه اللواء د. سعد الشهراني يفسر كل السلبيات التي أتت و تأتي مع هذا المد و التسونامي الاتصالي هو وجود شخصيتان لكل فرد شخصية تفاعلية يظهرها الفرد و لا يهمه أن يخفي أي جانب منها و هي شخصية إيجابية إلى حد كبير و لا يتضرر منها هو نفسه ولا يحاسبه المجتمع على أي جانب منها فهي شخصية متوافقة مع المجتمع وشخصية أخرى يخفيها الفرد وفيها كل ما يعتقد أن المجتمع يرفضه وقد يحاسبه عليه لو انكشف.

       وتأكيداً للتأثير السلبي للنكتة على الصورة الذهنية، ذكر د. خالد الرديعان أنه وفي إحدى المرات أرسل صديقا له ٥٠٠ نكتة في رسالة واحدة وكلها تتحدث عن سكان منطقة واحدة في المملكة وكانت من النكت الشائعة التي نجد ما يماثلها في دول أخرى؛ بل إن بعضها لا ينتمي للمنطقة المقصودة فقد كان مستورداً من الخارج ولكن تم “توطين” تلك النكت لتصبح سعودية…مثل هذا النكت يتلقفها الصغار ويرددونها في مدارسهم ويصمون بعضهم البعض بمثالبها مما يصعب من العملية التربوية بحيث تصبح المدرسة مكاناً للفرز المناطقي والقبائلي.

       واعتبر د. مساعد المحيا أن هذه النكت تتطور وتخرج من إطار الطرفة التي تمتزج بثقافة شعبية تتقبلها أو تمررها إلى حالة من الهجوم غير المبرر على منطقة أو فئة انطلاقاً من الشعور بالفوقية للآخر.

       بينما ذهب أ. عبدالله الضويحي إلى أن النكتة بين الكبار حتى وإن كانت كما أشار لها د. خالد الرديعان لا يعتقد أنها تتجاوز ذلك حتى بعض المنتمين لهذه المدن أو المناطق ينكتون على أنفسهم. لكن المشكلة برأيه تكمن في ناحيتين:

  • الأولى: عندما يتم طرحها أمام الصغار ويتداولونها ثم يتبنونها كثقافة تؤسس لديهم نظرة دونية للآخر.
  • الثانية: عندما يتم نقلها لوسائط الاتصال ومواقع التواصل ويتلقاها مختلف الثقافات بل وتتعدى الحدود ومن ثم تكوين نظرة سلبية عن  المجتمع السعودي.

       واعتبر د. منصور المطيري أن هذه الظاهرة تدل على وجود خلل في التخلق والالتزام بالأخلاق التي نؤمن بها . و مع أن هذا الخلل يوجد في كل المجتمعات إلا أن وجوده في مجتمعنا غير مبرر أخلاقياً لأنه يقع في خلاف صريح مع ما نؤمن به و نردده باستمرار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). هذا التوجيه الأخلاقي العظيم يغيب عن الحضور عند بعض الناس في لحظات معينة حيث تبرز لديهم ثقافة مغايرة يتصرفون بوحي منها .

       والسخرية والاستهزاء كما يمارسه السعوديون نوعان في نظر د. منصور المطيري:

  • الأول : السخرية بالذات الجمعية و ذمها .. و يعني هذا أن الذي يسخر بأهله و قومه يسخر بنفسه أيضاً من حيث لا يشعر .. و سبب هذه  السخرية:

–  قد يكون بسبب مفارقتهم في الرأي و الاعتقاد والفكر من قبل الساخر. و من هذا الباب السلوكيات النشاز التي ارتبطت بالخلاف الأيديولوجي الذي اشتد بعد الحادي عشر من سبتمبر حيث استخدم البعض الهمز و اللمز ضد الأفكار و السمات ثم وصل إلى الأشخاص و المؤسسات. ويذكر د. المطيري أنه رأى مشهداً تمثيلياً يقوم فيه أحد الممثلين المشاهير بتمثيل رجل يأكل مع زوجته المنقبة في أحد المطاعم المفتوحة ثم يصور طريقة أكلها بصورة قبيحة جداً. و كان الانطباع الأخير الذي يترسخ في ذهن المشاهد أن هذا اللباس قمة التخلف.. و قد ترتب على هذا وجود بعض الشخصيات في الطرف المقابل التي تتبنى أسلوباً يقوم على الغلظة و الشدة و السخرية المُرة في النقد ضد هؤلاء باعتبارهم مجموعة من المنافقين ( وأغلظ عليهم ) و كان هذا التوجه عن قناعة تامة.

– و قد يكون بسبب الرغبة في نقد العيوب والحث على الكمال بحيث يحاول هذا الساخر تحريك مجتمعه إلى ما يراه فضيلة و كمال بتضخيم عيوبهم و تحقير سلوكهم حتى يتخلصوا منها.

  • الثاني: سخرية بعض الأفراد من بعض و بعض الجماعات من بعض .. و سخرية الفرد من الفرد مشكلة و ذنب بلا شك ، ولكنها تهون مع  سخرية القوم من القوم فهي المصيبة لأنها ناتجة عن تعالٍ و ترفع و تكبر و فيها رغبة من حط القدر من الآخر.. يضرب البعض المثل بالقبائل إلا أن د. المطيري يعتقد أن التمثيل بالقبائل مبالغ فيه .. لأن مشكلة القبائل تتمثل في الفخر و هو تعداد المناقب الذاتية و إذا جاءوا إلى ذكر القبائل الأخرى أثنوا عليهم بأن الشجاعة و الكرم و النخوة لكل قبيلة منها نصيب .. لكن الإشكالية في هذا السلوك أن المفاخرة تقود إلى الانتقاص من الآخرين من حيث لا يشعرون لأن الأفعال التي تعددها القبائل ترتبط عادة بالشجاعة و المعارك و القتال و هي في الواقع لا تكون إلا مع القبائل الأخرى مما يثير الحفيظة بسبب هذا الفخر .. لكن الحقيقة أن هناك صورة نمطية سلبية متبادلة بين الحاضرة و البادية لها بعد تاريخي يعود إلى أيام غياب القانون والسلطة و لكنها صورة في نظره بدأت تتهشم و تضعف لسببين تأثير الهوية الدينية الجامعة و تأثير نمط المعيشة المدني الذي قارب بين الناس في السكنى و العمل و الدراسة و غير ذلك .. وظهور هذه الصورة السلبية في الإنترنت و وسائل التواصل الاجتماعي خطر جداً ، و يشكل تهديداً حقيقياً للوحدة الوطنية .. و قد رأى أحد الحسابات المهتمة بتقارير المستشرقين يركز على إثارة مثل هذه الأمور.. و في نظره أنه حساب مغرض يتجاوب معه بعض الجهلة.

       وأوضح د. منصور المطيري أن الاستهزاء و السخرية بنوعيه السابقين نمط سلوكي سطحي غير عميق و ليس ناتجاً عن اعتقادات بل هو ناتج عن ضحالة في التعامل مع المجال العام .. كثير منا لا زال يتعامل مع ما هو خارج بيته و أهله بنوع من عدم المبالاة .. يرمي النفايات في الشارع لكنه نظيف في بيته .. يتكلم بكل احترام مع ضيفه وصديقه و أهله لكنه يرمي أصعب الكلمات و أسوأها في وسائل التواصل الاجتماعي لمن لا يعرفهم .. وأحد الأسباب غياب ثقافة النظام العام وحصول التجاوز في الشأن العام من الجميع و خصوصاً من المسؤولين ومن يفترض فيه حفظ النظام .. و هذا يولد عند بعض الأشخاص الرغبة في الاستخفاف بمن استخف به وهو بذلك يتعامل مع المجال العام ككيان موحد.. حصل استخفاف بتطبيق النظام و المحافظة عليه ورأينا تجاوزات خلال العقود الأربعة الماضية خلقت ميزات للبعض و حرمت البعض الآخر.. مثل هذه التجاوزات في كل مناطق المملكة و في كل الدوائر تترك مجالاً للمرارة كما تترك مجالاً للسخرية و الاستهزاء .. من ناحية أخرى فإن هذه السلوكيات من الممكن أن تخلق صورة نمطية راسخة و ضارة إذا غيبت القيم الحقيقية التي نؤمن بها كقيم الحق و العدل و البر و التقوى و الجماعة و نبذ الفرقة عن الواقع .. و لكن بمجرد ترسيخها من قبل المجتمع أو حتى من قبل الشخص الفرد في حدود نشاطه و صلاحياته فإن هذا يكفي في دفن كل السلبيات في تلك الحدود و تجاه تلك الشخصية .. و قد رأينا من المدراء و القادة من استطاع بسلوكه كسب الرضا العام من كل من يحيط به على اختلاف مشاربهم .. و رأينا أيضا الهمز و اللمز ضد البعض الآخر و ذلك لأنه اعتمد التمييز في سياسته. و من ناحية ثالثة أيضاً: هناك دائما حاجة للسخرية و النكتة دون وجود موقف احتقار أو استهزاء حقيقي و لذلك يتورط بعض الناس في إلصاقها بفرد أو بمجموعة و هذا ناتج عن جهل بمآلات هذا الأسلوب و كل ما نحتاجه تنمية ثقافة إشباع هذه الحاجة بإلصاقها بمجهول .. كما كان يقال قديماً فعل جحا و قال جحا فتلصق كل السلبيات بجحا .. ويمكن اختلاق مدينة افتراضية لنلصق بها كل شيء سلبي مثل جزر الواق واق .. و هكذا.

       واعتبر أ.د. عبدالرحمن العناد أن ما يوجد في وسائل التواصل الاجتماعي يعكس واقعاً بمرايا مختلفة ورغم أن بعض الحسابات ربما تكون موجهة وذوات أجندات تستهدف المملكة وتراثها وصورتها الذهنية إلا أنه يعتقد أن الغالبية تعكس وجهات نظر أصحابها عما يوجد واقعاً في مجتمعنا المليء بالمتناقضات والصور الكاريكاتورية … وما يراه أحدهم إيجابياً يبدو لآخرين من نفس المجتمع سلبياً أو مضحكاً ما يعكس تنوع المنطلقات والتفسيرات. في المقابل ينبغي أن نلحظ وجود حسابات أخرى كثيرة تركز فقط على الايجابي من وجهة نظر أصحابها وهي وجهات نظر مؤدلجة في الغالب … والسعوديون والسعوديات اشتهروا في السابق بشوفونيتهم المتعالية وأنهم افضل البشر … لعلهم من خلال النقد الذاتي يرشدون ذلك التعالي ويعرفون موقعهم وحجمهم الطبيعي بين الأمم والشعوب.

تعزيز الصورة الذهنية الايجابية للمجتمع السعودي: هل ثمة آليات مقترحة؟

       ذهب اللواء د. سعد الشهراني إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي أتاحت للشخصية المكبوتة المخفية لكثير من الأفراد أن تظهر، و جزء من هذه الشخصية بدأ يتجه للتنكيت الاجتماعي و بدون إخفاء  للشخصية وخاصة ممن يوصفون بالعيارين (ملح المجالس) وهذا التنكيت والتصوير السلبي المعمم على الرجال و النساء و الشباب و كل رمز اجتماعي من المسؤولين والتجار و المعلمين و الطلاب و الموظفين المدنيين و العسكريين، فضلاً عن التنكيت على الفئات الاجتماعية و على المناطق و المذاهب، كل هذا أظهر المكبوت من العنصرية و الطائفية و المناطقية و التهميش والإحساس بالدونية والقصور التنموي والخدمي الرسمي فالرقابة أصبحت مستحيلة و المساءلة و المحاسبة غير موجودة. في كل هذا الزخم جوانب مقبولة وإيجابية بلا شك السلبي فيها هو التعميم من القلة و الأحداث والممارسات الفردية على بقية الأفراد و المجتمع و الفئة والمنطقة و غيرها و من التصوير الخاطئ للدولة و للفرد و المجتمع السعودي. وعليه يمكن أن نسهم في تعزيز صورتنا لدينا أولاً ثم لدى الآخر من خلال نشر أجمل ما فينا كعرب مسلمين سعوديين و كدولة و وطن يحتل معظم جزيرة العرب ويتشرف بخدمة الحرمين الشريفين و خدمة الإسلام و المسلمين و العرب و قضاياهم  كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا؟

  • أولاً: المثقفون و المفكرون عليهم دور كبير في التصدي لهذه الظاهرة في المجموعات التي نشترك فيها و في مجالسنا ولا يجب أن  نسكت في أي مجلس أو محفل نسمع فيه مثل هذا الغثاء الذي نتكلم عنه خصوصاً التصوير السلبي لشبابنا و شاباتنا و رموز مجتمعنا مهما اختلفنا معهم و أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا الفاضلات.
  • ثانياً: إعلامنا الرسمي والخاص يجب أن يظهر أجمل ما في سلوكياتنا من خلال نماذج حقيقية وهي كثيرة جداً وبعضها موجود في شبكات  التواصل و يتم تداولها بكثرة وبعضها يأتي بشهادات من غير السعوديين فنحن شعب محب للخير والقيم العليا أصلاً. كم يجب أن يتوقف هذا الإعلام عن بث مثل هذه السلبيات المعممة مما نتحدث عنه هنا بل يجب أن يسهم  في تقديم الصورة الحقيقية والأجمل لنا كأفراد ومجتمع و دولة بعيداً عن التطبيل والتقليدية والرتابة ويجب ألا يجعل الأغبياء أكثر شهرة على حسابنا.
  • ثالثاً: يمكن البدء في منتدى أسبار من خلال الأعضاء الأكثر شهرة ونشاطاً و معرفة بشبكات التواصل الاجتماعي لوضع معرفات و هاشتاقات تحارب وتنافس هذه السلوكيات الاتصالية السلبية التي نتحدث عنها مثلاً: (هاشتاق الرجل السعودي الفاضل / هاشتاق المرأة السعودية الفاضلة / الأب / الأم / الزوجة / الزوج / الأخت / الشاب المنتج…الخ).

       وأوضحت أ. ليلى الشهراني أن الحل يكمن في دعم الشباب المبدع وإبراز الصور المشرفة وإنتاج برامج إعلامية لنشر الوعي بين المستخدمين والمستخدمات لهذه المواقع ، ولا ننسى أنها فوضى طبيعية حالياً ، بسبب أننا مجتمعات انتقادية تصادر الرأي في المدرسة والبيت بل وحتى الشارع ، ثم جاءت التقنية فرآها البعض فرصة سانحة للفضفضة هرباً من ضغوط الحياة ، وغالباً تزيد النكتة على قدر ما يعانيه الشخص من إحباط . زرعنا في هذا الجيل أن خفة الدم والنكتة تجذب الناس حولك ، ولم نعلمهم أن هناك شعرة بين البهجة والفرح والطرفة وبين الاستظراف الممجوج والتهريج التافه ، فالأولى طبيعية وفيها حياة للبيوت والقلوب بدلاً من حياة التجهم ، أما الثانية فلا تزيد من يمارسها إلا مزيدا من السقوط والامتهان ، فلن يحصل الشخص على التقدير وهو يسيء لأهله ومجتمعه ويهين نفسه ليضحك الناس عليه.

       ويعتقد أ. خالد الحارثي أن الحلول تكمن في عمل المنظومة فنحن لا نتحدث عن حالات فردية محدودة ومعزولة ، بل عن ظاهرة شائعة تورط فيها والتبست حتى على الكبار ، ويقصد بعمل المنظومة العمل الإعلامي والعمل البلدي والأنشطة الاجتماعية التي ترعاها وتشرف عليها وزارة الشئون الاجتماعية وأيضاً الأنشطة المدرسية خارج أوقات الدوام المدرسي والتي يمكن أن تساهم فيها وزارة الصحة ورعاية الشباب.

المبحث الثالث

تفجير الطوارئ الإرهابي: محاولة للتفسير والفهم (بعيداً عن الاستنكار والشجب)

       بالتأكيد فقد استنكر جميع أعضاء منتدى أسبار العملية الإرهابية الدنيئة، لكن سنحاول هنا تسليط الضوء على أبرز الرؤى التحليلية لفهم وتفسير هذا الحادث من مختلف أبعاده: الظاهرة والمستترة على حد السواء.

التفجير الإرهابي: لمحة موجزة عن الحادث

       استناداً لما صرح به المتحدث الأمني بوزارة الداخلية على الموقع الرسمي لوزارة الداخلية (https://www.moi.gov.sa) فإنه أثناء قيام مجموعة من منسوبي قوات الطوارئ الخاصة بمنطقة عسير بأداء صلاة الظهر جماعة يوم الخميس الموافق 21 / 10 / 1436هـ في مسجد مقر القوة، حدث تفجير في جموع المصلين، مما نتج عنه استشهاد خمسة عشر مصلياً، خمسة منهم من رجال الأمن العاملين بالمقر، وستة متدربين من الملتحقين بالدورات الخاصة بأعمال الحج، وأربعة من العاملين في الموقع من الجنسية البنجلاديشية، والعثور في الموقع على أشلاء يعتقد أنها ناتجة عن تفجير بأحزمة ناسفة. وبمباشرة الجهات المختصة إجراءاتها التحقيقية في هذه الجريمة النكراء، تبين أن الحادث كان جراء إقدام شخص انتحاري على تفجير نفسه بحزام ناسف في جموع المصلين أثناء أدائهم صلاة الظهر، كما اتضح من إجراءات التثبت من هوية منفذ الجريمة الإرهابية الآثمة بمسجد قوة الطوارئ الخاصة بمنطقة عسير، بأنه يدعى / يوسف بن سليمان عبدالله السليمان سعودي الجنسية ، من مواليد 1415هـ .

تفجير الطوارئ من منظور تحليلي: الأسباب وهل من سبل فعالة للمواجهة الحقيقية؟

       في هذا الإطار ذكر أ. خالد الحارثي أن داعش تستهدف السعودية ككيان سياسي وليس غير ذلك.. وعليه فإن كسر قاعدة داعش فكرياً ليست فقط بالتوضيح الشرعي ، بل بالتوضيح المستفيض المقرون بالأدلة والشواهد والتغطية الدائمة للهدف السياسي.

       وأوضح د. خالد الرديعان أن المصيبة الكبرى أنهم يرون هذه العمليات الانغماسية استشهاد.. أي فقه هذا الذي يسوغ لهم كل ذلك. واتفق مع ذلك أ. خالد الحارثي وأضاف أن الناس على قدر فقههم وتعلمهم وتحررهم من إطار قدسية الخطاب الشرعي والتفكير النقدي.. ومن يقومون بهذه الأفعال لا يفقهون هذا أو مضطرون له لغاية سياسية.

       وقال د. فايز الشهري: تراودني خاطرة …. هل تلاحظون أن الدواعش لم يظهروا علينا (عمليات المملكة) إلا بعد الأزمة السياسية مع إيران ومن ثم العسكرية في اليمن.

       واتفق مع وجهة النظر تلك أ. مسفر الموسى وأشار لنقل ثقافة تفجير المساجد في بغداد، وكذلك د. خالد الرديعان باعتبار ملاحظة د. فايز جديرة بالاهتمام وأضاف أن الدواعش يتماهون مع إيران بصورة غريبة.. وكأنها تسيرهم. وعلق د.فايز الشهري بقوله: لا تنسوا أن الحوثة منذ بدء عمليات تحرير عدن يرددون كلمة الخيارات الاستراتيجية.

       وذكر م. سالم المري أن معظم الانتحاريين من صغار السن ومطلوب تنسيق حملة في المدارس والمساجد من كبار العلماء والمشايخ المشهورين الذين يتقاضون من المال العام أموالاً طائلة لمواجهة هذا الفكر الدموي.

       وأشار د. خالد بن دهيش نقلاً عن أحد المصادر أنه ﻻ يستهدف المساجد إﻻ من اجتمعت فيه صفات الإجرام والخسة والدناءة والحمق والحقد والجبن ، فهل نصفهم بأنهم  مغرر بهم ؟

       ويرى د. خالد الرديعان أن هؤلاء لديهم نصوص دينية يتكئون عليها.. والا كيف يضحون بأرواحهم..؟؟  وتساءل لماذا لا يتم جمع النصوص التي عليها خلاف ومن ثم عرضها وشرحها ؟

       وعلق د. منصور المطيري بأن هناك منهجية صحيحة لقراءة النصوص .. و هناك مناهج لا تنحصر للقراءات الخاطئة .. فالتغرير يحصل في البداية ثم يحصل الاقتناع بعد ذلك.. فهو إذا كان صغيراً جاهلاً متحمساً من السهل التغرير به و خداعه.

       وأوضح د. علي الحكمي أن إحدى الاستراتيجيات التي يستخدمها المتطرفون لاستقطاب الشباب هي إشعارهم أن مجتمعهم جاهلي أو كافر وأنهم يجب أن لا يشعروا بالانتماء له، وأن تنظيماتهم المتطرفة تقدم لهم فرصة الانتماء الحقيقي للدين. وبالتالي حدوث حالة الاغتراب لدى الشاب والشابة. ولذلك مهم التنبه إلى هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى فصل الشاب عن مجتمعه فصلاً شعورياً يجعله فريسة سهلة للاقتناع بالأفكار والممارسات المتطرفة.

       وذكر د. حمد الماجد أن أغلب المصطلحات الشرعية مثل الغربة والجهاد والتكفير  حورها المتشددون والارهابيون لصالح أجندتهم وفي المقابل وكردة فعل عنيفة أنف واستنكف منها متشددو التيار الليبرالي.

       وأضاف د. منصور المطيري أن هناك جهود و مؤلفات من زمن القاعدة إلى الآن .. ولكنها ليست كافية و لا تعادل حجم ترويج هذه المنظمات لمعتقدها .. و أما الحجج الأصلية فمن السهل حصرها و لكن المشكلة في تفسير الواقع .. فإذا قال مثلاً إن الموالاة للكفار كفر. قال بعدها السعودية توالي الصهاينة.. فإذا بينت له معنى الموالاة المكفرة .. أخرج لك مثلاً صورة تركي الفيصل مع رئيس المخابرات الإسرائيلي .. ثم قال هذه موالاة .. و بهذا يفسر واقعة معينة و يروجها على أنها موالاة مكفرة بعيداً عن النص .. وهنا يشرح د. المطيري منهجيتهم فقط – كما أوضح – و إلا فإن الحملات المنظمة ضد هذه الطريقة في الفهم يمكن أن تؤدي مع الجهود الأمنية و الجهود الدولية في إنهاء الصراعات في مناطقها إلى تراجع هذا الفكر .. بهذا الشكل يؤثرون جداً في الصغار و المتحمسين بعيداً عن الحجة العلمية.

       وتساءل أ. خالد الوابل: بعد كل هذه التفجيرات ، من المُغرر بهم؟ نحن أم هم؟ وأجاب م. سالم المري: بالتأكيد هم مغرر بهم ومعظمهم أناس بسطاء وإلا هل يمكن لمواطن مسلم عاقل أن يقتل نفسه ويقتل مسلمين آخرين يصلون في بيت من بيوت الله ويتقرب بهذه الدماء المحرمة من الجنة؟ لا شك أنه يعتقد جازماً أن ما يفعله هو الصواب؟

       وأشارت د. سامية العمودي إلى أن هناك من اعتنق الفكر الداعشي ويصعب إقناعهم وهناك من يتفق معهم لكن دون التفكير في الانضمام وهناك من يؤمن بهم ويتحين الفرص للالتحاق بهم، إذا فإن مثل هذه الخطب والحملات – في إشارة لخطبة الجمعة من المسجد الحرام للإمام والخطيب معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد حول داعش – ستردع هؤلاء وتجعلهم يراجعون أنفسهم وكله مكسب ضمن الاستراتيجية العامة.

       أما د. مساعد المحيا فقال: السؤال الآخر: لماذا حتى الآن لم يتم تنفيذ أي حكم إعدام بمن صدر في حقهم أحكام منهم …هل هو تكتيك أمني أم محاولة لامتصاص حماقات أشد … ألا يمكن أن يكون تأخير ذلك أحد أسباب تمادي الشباب بالانخراط في دائرة هذا التنظيم البشع مع بقاء الاهتمام بتوعية الشباب الذين لم يباشروا أو يتورطوا بأي جريمة معهم؟

       وذهب أ. خالد الوابل إلى أننا حتى في المصطلحات لدينا خصوصية فنقول الفئة الضالة !! لماذا لانقول ارهابيين؟ وكأننا نجامل أحد ما !!

       من جانبه تساءل أ. علي بن علي: هل نحمي الوطن من “الأعداء” ؟ أم نحميه من “الأبناء” ؟ .. عقول لا تدري كيف تم إقناعها أن الجنّة فوق جثث الأبرياء.

       أما د. سامية العمودي فتساءلت: هل هي دعوة لهجر المساجد أم ماذا لقد ابتدعوا دينا غير الذي عرفناه؟ واكتفى أ. يحيي القحطاني في هذا الصدد بالإشارة للآية الكريمة: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

       واعتبر العميد. راشد الحارثي أن ما حصل جريمة نكراء أليمة هزت كل مواطن ويجب أن تكون هناك مواجهة من جانب كل أفراد المجتمع (إعلام، مثقفين، علماء، دعاة، خطباء مساجد، معلمين، الأسر) كل فرد منا عليه مسؤولية ضد هذا الفكر الضال المجرم الخطير ومع نجاح الجهات الأمنية بشكل كبير إلا أن الأمر يحتاج لزيادة الإجراءات، هذا في الداخل وهو الأهم. وفي الخارج نعتقد أن هناك جهود كبيرة في معالجة الأخطار وقطع السبل من النيل من الوطن ونأمل أن تحقق هدفها وتكفينا شرور ومآسي الحروب.

       وأشارت أ. كوثر الأربش لمقال لها في نفس الإطار بصحيفة الجزيرة بتاريخ الأثنين 17 اغسطس 2015، ومما تضمنه – اتصالاً بالقضية الحالية – أنه وحينما استهدف انتحاريو داعش مساجد الشيعة، بدا للبعض أن المستهدف هو المذهب الإسلامي الشيعي. البسطاء فقط من اعتقدوا بذلك وتحديداً: الطائفيون. سمعنا ورأينا حالات تشفٍّ واسعة بينهم. سمّاهم البعض: دواعش الداخل! ربما هم كذلك. لم يضعوا إبهامهم على عرق الوطن النازف، بل تحسسوا مذاهبهم. حرصوا على الفكرة أكثر من حرصهم على الدماغ الذي يحتويها. حرصوا على الطلاء قبل أن يطمئنوا على شروخ الجدران. كيف يمكن أن تطلي بيتاً آيلاً للسقوط؟ هم لا يهمهم البيت وسقوطه، يهمهم فقط الطلاء. فهو ما يحفظ هويتهم، يحمي تصنيفهم، لأنهم خائفون، خائفون من أن يشبهوا البقية. كل الطائفيين كذلك. الطائفي الآخر صدّق الخديعة، نهضت مظلوميته التاريخية، ناحت في جوفه، طالبَ بحقوقه، طالب بقانون يحميه، طالب بمراقبة المناهج. فوضعنا الطائفيون ما بين تشفٍ ومظلومية وتكسّب بالقضية. وضاعت القضية التي تجلت في تفجير مسجد قوات الأمن في عسير، والتي راح ضحيتها.. من رجال الأمن شهداء بإذن الله. الآن للمتشفين والمتظلمين: هل ستدني رقبتك من قاتل خصمك؟ هل ستعتبر الإرهاب فرصة لرفع الشعارات المذهبية، أو لجمع الغنائم، ونعني لسرد المطالب؟ لا يوجد في الإرهاب وجهٌ جميل، الإرهاب كله قبح.

       كذلك ذهب أ. خالد الحارثي إلى أن وصول التفجير للمساجد دون اعتبار شيعي أو سني الذي أوهمت البعض داعش بها ، يطرح تساؤل من فرعين:

  • التساؤل الأول: ما مدى ما أنجزنا على هذه الجبهة؟ جبهة القناعة الفردية والوعي الفردي على المستوى الشرعي!
  • التساؤل الثاني: هل نواجه فرد مستعد للموت من أجل قناعاته ، دون أن يلاحظ سلوكه أحد ويتغاضى عنه ، أم نواجه التغاضي المرتبط  بقناعات من عدد من المستويات تبدأ من ساخط لا يهمه ما يحدث من خراب ، إلى يائس لا تهمه المآلات ، إلى مؤمن بأن المجتمع والدولة في ضلال وتستحق ما يحدث ، إلى محرض يحمل فكر الإرهاب ويجند غيره للموت عنه؟

       أما د. خالد بن دهيش فقد أعاد التذكير بما قاله ابن عثيمين رحمه الله سنة ١٤١٥بعد تفجير العليا: (اليوم يقاتلون أهل الذمة ، وغداً يقتلون أهل القبلة).

       بينما تساءلت د. فاطمة القرني: أين إعلامنا (الميت) من كل هذا ؟ وأين جهود وزارة الشؤون الإسلامية … كم من مرة (من خلال قنوات سعودية أو تابعة لسعوديين) تم تنظيم أسابيع لنصرة إخواننا في كل بقاع الأرض وجند لذلك الكثير من الإعلاميين والدعاة والمشايخ في تواصل حي مستمر مع الناس 24/24 ؟!…ألا يستحق الداخل المستهدف بشراسة مثل تلك الجهود وأكثر بكثير ؟!!!!!

       وعلق أ. عبدالله آل حامد أن المحللين كانوا يحللون تفجير مساجد الشيعة فما الحكم الآن في مسجد بقلب أبها؟. أما د. علي الحكمي فأجاب على تساؤل د. فاطمة القرني بأن إعلامنا المحلي لازال داخل أعماق الصندوق. أبسط قواعد الخطاب الإعلامي هو أن تعرف نفسيات المتلقين، وخاصة الأكثر عرضة منهم للتأثر بأفكار داعش، وأن يوظف الحدث لتشكيكهم في قناعاتهم وهدمها بأسلوب احترافي…أين المؤثرين وأصحاب الشعبية بين الشباب من الاستفادة منهم في الطرح الإعلامي الموجه للشباب. ما هي الاستراتيجية الإعلامية؟.. تغيير الاتجاهات وتوجيهها علم وليس كلام يقوله معلق على حادث يستنكر ويشجب، نحتاج ما يسمى في علم النفس إحداث Cognitive dissonance أي إحداث تنافر معرفي في فكر المتعاطفين مع داعش، وذلك بإثارة الشك لديهم في صحة معتقداتهم.

       وفي السياق ذاته، أشار د. حمد الماجد إلى مقالته المنشورة بجريدة الشرق الأوسط بتاريخ الثلاثاء – 25 شوال 1436 هـ بعنوان: تفجير عسير الإنذار الخطر، وجاء فيها: مما يدل على عمق مشكلة حركات الغلو والعنف وخطورتها، «داعش» التي أعلنت مسؤوليتها عن تفجير الطوارئ في عسير، والتي تتصرف كالحركات الباطنية الغادرة فتخاتل الوطن وتشاغله في معاركه المصيرية كمعركته مع التغلغل الإيراني في مناطقنا وتهديده لكياننا، ومع ذلك ما برح بعض الشباب الغض أسير تنويم «داعش» المغناطيسي الخطير يتقاطرون على معاقلهم للانضمام إلى «الخلافة» الموهومة، وينافحون عن أخطائها ويبررون كل جرائمها. هذا في معسكر المتأثرين بـ«داعش»، أما في معسكر المثقفين المناوئين لـ«داعش» ومع التقدير لكل الأقلام الصادقة التي تستخدم البنان كالسنان في معركة الشرف مع هذا الفكر التكفيري الإرهابي المتشدد، فإن هناك أقلاماً أخرى ما برحت تشاغل الوطن هي أيضاً في استغلال أزماته لتحقيق نقاط لصالحها في صراعاتها الفكرية.

في كل أزمة يمر بها الوطن، ومع كل طعنة يتلقاها في خاصرته، يسحب هؤلاء المأزومون ملف المكايدات من درج الخصومات العدمية، هي ذات التهم وهي ذات العبارات، فالعملية لا تكلفهم شيئًا.. عملية «نسخ ولصق»: المناهج التعليمية، حلق تحفيظ القرآن، المراكز الصيفية، الدعاة، الدور النسائية لتحفيظ القرآن الكريم، السلفية، الإسلام السياسي، الكتب الفكرية للتيارات الإسلامية، وكنا سنهضمها وندعها تعبر على أنها مظهر طبيعي من مظاهر المعارك الفكرية التي لا يخلو منها زمان ولا مكان. المشكل والخطورة أن هذه التهم قد تتسبب في الاتجاه بحل أزمة الإرهاب والتشدد إلى لطريق الخطأ، مثل الطبيب الذي يعاني مريضه من مشكلة مزمنة في المعدة فتفيده التقارير الأولية والكشوف والأشعة على أن المشكلة في القولون، فيبدأ العلاج الخطأ في المكان الخطأ بالمبضع الخطأ بالأدوية الخطأ.

حادث تفجير مقر الطوارئ يجب أن يكون محطة توقف للجميع كي يضع الوطن بهدوء المبضع على الجرح النازف الحقيقي. آن الأوان أن نضرب الصفح عن الظنون والتخبطات والتخرصات والمكايدات والمنازعات الفكرية التي تربك المسؤول وتضلل التحقيق، وهذا وقت الدراسات الميدانية الجادة التي تدرس العينات المصابة وتتلمس أسباب الإصابة وطرق العلاج.. لا بد أن يتجه الباحثون والمتخصصون لمقابلة من أصابتهم لوثة التشدد وكثير منهم الآن في حوزة الدولة، فهذه خطوة عملية صحيحة أولية تقود إلى التشخيص السليم ثم تقديم العلاج المناسب. كما آن الأوان أن يدخل الجميع وكل ألوان الطيف الفكري في حل مشكلة وباء التشدد ومرض «داعش» على وجه التحديد، فإن أسوأ نتائج هذه المكايدات الفكرية المضرة أن أحد الأطراف لا يقبل من الطرف الآخر ولا حتى المساهمة في إطفاء الحريق، فإن لم يتكلموا عن الأزمة قيل خنسوا ولم يتكلموا، وإن تكلموا وحذروا ونبهوا ووجهوا النشء للاعتدال قيل لهم أنتم أصل الإرهاب ومنبعه فأنتم آخر من يتكلم عنه، بينما النار تزداد اشتعالاً وتوشك أن تلتهم البيت بما فيه ومن فيه.

       أما أ.د. عبدالرحمن العناد فذهب إلى أن حرب داعش تبدأ من اعترافنا بأن في كل بيت من بيوتنا داعشي أو مشروع داعشي … فالداعشية نسبية وهي منتشرة في المجتمع ومن ينكر هذا يغرر بنفسه وبنا ويخدر عملية حرب الداعشية واجتثاثها. وأضاف: لا أهتم بالدواعش المحاربين في سوريا والعراق يهمني الدواعش الارهابيين والمحتملين بيننا في بيوتنا وفي مساجدنا وفي مدارسنا وفي كل مكان بالمجتمع.

       بينما ذكر أ. عبدالله الضويحي أنه لو لاحظنا أن معظم إن لم كل الانتحاريين ومنفذي التفجيرات دون العشرين؛ هذا يعني أنهم تلقوا تعليمهم في المدارس بعد تطوير المناهج وتحديثها مما يعني أن لا دخل للمناهج الدينية في تهيئتهم .. المشكلة في الفكر الذي يوجههم ويصنعهم من خارج المدارس وخارج حلقات التحفيظ ..القرآن يهذب النفس ويطهرها ..المشكلة أيضاً: في المعلم والموجه والداعية والمفسّر.

       وأشارت د. سامية العمودي إلى أن تحريف النصوص والشحن المبالغ فيه ضد الدولة وضد المجتمع جعل من البعض عجينة مهيأة للإرهاب.

       بينما رأي د. مساعد المحيا أن هؤلاء الذين يقنعون بفكر داعش أو المتماهين معه هم ممن يصفون العلماء بعلماء السلطة والمداهنين. وبالتالي فأي جهد يبذل فلا قيمة واقعية له .. وهذا يفسر لنا عدم وصول رسائل العلماء إليهم …والقاعدة الإعلامية تقول إذا لم يسمعك أحد فأنت لم تقل شيئاً.

       وعلق د. خالد الرديعان بأن العلماء لم يقوموا بعملهم كما يجب… هم يحصلون على امتيازات كثيرة وجهدهم قليل.. مشغولين بقضايا النكاح والمسيار وفتاوى العامة وفضل الاستغفار وعدد التسبيحات وهكذا.

       وأضاف أ.د. عبدالرحمن العناد أن كثير من علمائنا للأسف يخشون هجوم المتطرفين والمؤدلجين والدواعش عليهم أكثر من خشيتهم على الوطن.

       وتساءل أ. عبدالله الضويحي: هل يمكن أن تقوم جهة ما ( أي جهة ) رسمية بوضع دراسة دقيقة من خلال تويتر ومواقع التواصل عن كل المغردين خاصة ممن لهم توجهات معينة ومؤثرين في النشء تكون دراسة مقارنة تبين مواقفهم من كل التفجيرات التي حدثت في المملكة وأماكنها وعلاقة التغريدات والآراء بأماكن التفجير وأهدافها المباشرة ..دراسة من هذا النوع ربما تكون مفيدة للجهات المسؤولة والرسمية للتعامل مع الأحداث وتلمس بعض الخيوط.

       بينما أشار م. سالم المري أن غلق الحسابات لن يحل المشكلة فوجود المعلومة ومتابعتها أفضل بكثير من غيابها.

       في حين أوضح د. مساعد المحيا أنه وأيام بدء تنظيم القاعدة لم يكن هناك سوى الكتب لذا كانت المصدر الأهم في تغذية فكر التطرف ويعني بها الكتب التي كانت تكتب من مصادر تنتمي للقاعدة مثل كتاب “الكواشف ……” بعد الانترنت صارت المنتديات مجالاً رحباً لهذا الفكر ومنتميه .. أما بعد الشبكات الاجتماعية ومع بعض التطبيقات العامة والمغلقة أصبحنا أمام مصادر ضخمة تغذي كل إشباعات هؤلاء.

       واعتبر د. خالد بن دهيش – نقلاً- أن قضية الإرهاب تجاوزت مرحلة التخمينات والحلول المبسترة فقد أصبحت ظاهرة، يجب إنشاء مركز دراسات علمي يتناول الظاهرة من جميع جوانبها الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية للتعرف على أسبابها الحقيقية ومن ثم إيجاد الحلول الناجعة.

       وأشارت د. طلحة فدعق إلى أن قضيه داعش وأفكارها المنحرفة تحتاج  تفكيك ..بطريقه مقنعة للشباب … لغة الخطاب ومؤسساته .. ثقافة الشباب وهمومهم ومشكلاتهم …الشباب يحتاج احتواء عقلي قبل أن يكون عاطفي.. الوعظ لا يكفي ذاته.

       وقال أ. خالد الوابل: إذا كان فكر داعش صناعة محلية فتلك مصيبة !! وإذا كانت إيران قادرة على توظيف أولادنا عن بُعد فالمصيبة أعظم !!

       بينما يرى د. عبدالسلام الوايل أن مكافحة داعش تبدأ حين تنتهي حالة الانكار هذه. وأشار كذلك إلى أن قوة داعش العسكرية لا تشكل  لنا تحدي. ستظل ضئيلة. المشكل في استدعاش أبناءنا.

       ويرى أ. سعيد الزهراني أنه بوجه عام يبرز سؤال جوهري واحد حول هذه الحال .. وهو سؤال التأثير.. كيف استطاعت داعش الوصول إلى أبناء الوطن والتأثير عليهم لتنفيذ هذه الأعمال المرفوضة على كل المستويات؟ هذا السؤال – من وجهة نظره – هو لُب جل القراءات والنقاشات والتحليلات.

       وفي تقدير أ. سعيد الزهراني فإن هناك حلقة مفقودة على المستوى الرسمي.. ومسؤولية فقدان هذه الحلقة تقع على المؤسسة الأمنية التي قامت بدورها الأمني على أكمل وجه.. لكن حين نعلم أن المؤسسة الأمنية تتحفظ على عناصر منخرطة ضمن هذه الفئة وحصلت من خلالها على معلومات كثيرة منها ما يقود إلى الإجابة عن السؤال المحوري أعلاه.. فإننا في المقابل لا نجد أي مشروع أو تحرك لتجفيف تلك المنابع التي نفذت من خلالها داعش إلى أبناء الوطن وأثرت عليهم وغسلت أدمغتهم وبالتالي أصبحوا خناجر مسمومة في أوردة الوطن.. المؤسسة الأمنية تملك المعلومات الخاصة بالفكر وبالطرائق والأدوات والأساليب وعليها أن تتبنى إطلاق مشروع وطني كامل نساهم فيه جميعاً لحماية الوطن وأبناء الوطن من ويلات هذا التنظيم.. صحيح أن المؤسسة الأمنية استثمرت ما لديها من معلومات حصلت عليها من عناصر متدعشنة أو في طور التدعشن لإحباط عمليات وشيكة.. لكنها في ذات الحين لم تستثمرها بصورة شاملة على النحو أعلاه.. وهذا في تقديره ما يمثل الحلقة المفقودة في مواجهة الحالة الداعشية البائسة حداً لم يسبقه حد في البؤس.

       وأضاف أ. مسفر الموسى: صغار السن هم قنبلة موقوته وخطر كبير لن يختلف عاقل في ذلك.. ولكن تبسيط ظاهرة داعش.. ومحاولة جرها للصراعات الفكرية الراهنة.. لن يفيدنا لفهم الظاهرة.. نحن نقرأ داعش بنفس الأدوات التي نقرأ بها تنظيم القاعدة. واتفقت أ. كوثر الأربش مع ما ذهب إليه أ. مسفر الموسى وأضافت: علينا أن نعرف أن هؤلاء ليسوا أغبياء.

       وأشار د. عبدالله الحمود إلى أن هناك طرفة كان يقرأها دوماً كمجرد طرفة، لكن في الظروف الراهنة قرأها كرؤية سياسية عظيمة في حق استقطاب داعش لأبنائنا.. تقول الطرفة: أن امرأة اشتكت حال زوجها للطبيب أن زوجها يتحدث كثيراً وهو نائم.  فقال لها الطبيب أعطيه فرصة يتحدث وهو مستيقظ. وعليه يعتقد د. عبدالله – على نفس القياس مع الفارق – لو أننا تحدثنا مع أبنائنا وهم بيننا، ما استطاعت داعش أن تتحدث معهم في غرفهم المغلقة. ويعني هنا، الأسرة، والمدرسة، والمسجد. وأيضاً، عدداً كبيراً من مؤسسات مجتمعية قصرنا دون إنشائها عندنا لنحتوي عبرها شبابنا وشاباتنا. نحن نخطئ كثيراً في هذا الأمر. نحن مجتمع ليس لديه قنوات فاعله في الحديث مع بعضه البعض الهيكلة المجتمعية عندنا شبه منعدمة.

       واتفقت أ. هداية درويش مع ما أشار إليه د. عبدالله الحمود بالتأكيد على تراجع دور الأسرة ومن ثم جاء من يملأ الفراغ ، قدم نفسه لشباب يحتاج من يسمعه من ينصت له ويجيب علي تساؤلاته يجده حوله أينما ذهب عبر مواقع التواصل ورفاق سوء ،علينا أن نعترف بقصور كثير من الأسر في احتواء الأبناء.

       وقالت د. سامية العمودي: لم لا نضع من حول الإرهابي المفجر تحت المجهر فدائرة العائلة والأصدقاء مهمة كأطراف خيوط قد تساعد للوصول إلى غيره قبل ارتكابهم لجرائمهم، ويبقى الأهم ما دورنا ما قدرتنا على التغيير كم شاب متأهب ليفجر؟ .. نحتاج استنفار في المدارس قبل الجامعات ومن رجالات الاجتماع والنفس والتعليم والمجتمع قبل الأمن.

       في حين يعتقد أ. خالد الحارثي أن اتهامنا للآباء والأسرة لا يقل عن كبيرة إن لم تكن دينية أو أخلاقية فهي اجتماعية ، نقترفها بعد أن استنفذنا الإصرار على الوعظ كحل بمعزل عن تغيير واقع المجتمع والشباب.

       واهتمت د. فوزية أبو خالد بمسؤولية الدولة والمجتمع تجاه الشباب بالإشارة إلى مقالها بصحيفة الجزيرة بذات العنوان ومن أبرز ما كتبته د. فوزية في هذا الإطار رداً على سؤال: كيف تنظرين إلى استقطاب «داعش» لعدد من الشباب السعودي وهل شباب المملكة الأكثر استهدافًا من قبل هذا التنظيم الإرهابي، وأين الخلل في السعودية، الذي يجعل الشباب لقمة سائغة لمثل هذا الاستقطاب؟.. قد يقال في الإجابة مناهج التعليم المتشددة، إرث التنظير والتخريج الفقهي التعصبي، الأحقاد التاريخية ببعدها الديني أو العرقي أو القومي، غلو المشايخ، وقد يقال: انفلات الإنترنت، عدم القطيعة المعرفية مع التباسات التاريخ السياسي والديني. إلا أننا في بغتة الانهيارات المريعة وأنهار الدم التي لم تعد ترتكب ضد أوطاننا من عدو خارجي فقط، بل صار من يتخذنا عدواً من «كانوا منا وفينا»، نذهل عن نعمة العقل ونهرع لإجابات جاهزة وقراءات مشجبية لا تشفي الغليل ولا تحل المعضلة. وكأن ليس علينا أن نتحلى ببصيرة وصبر لنفحص التربة ونفهم الأسباب. على أن الكشف عن جدلية علاقة حاضرنا بمستقبلنا بماضينا لفهم محاولة ما ننجر إليه من خراب بأيدينا وأيدي سوانا معًا، يتطلب رؤية موضوعية دقيقة ونقدًا ذاتيًا صارمًا. ولن يتسنى لنا ذلك بغير شجاعة الاعتراف بمسؤوليتنا دولة ومجتمعًا عمّا يحدث لأوطاننا وما يتورط به أو يورطنا فيه بعض شبابنا. وهذه مهمة ليس لفرد أو نخبة احتكار تهمتها ولكن لكل منا الحق ألا يفرط في شرف المحاولة.

       وأضافت د. فوزية أبو خالد من الواضح أن المنطقة تقف أمام تحدٍ سياسي وعسكري كبير يتمثل في «حالة هي مزيج من انكساراتنا الذاتية وتعالقنا الماضوي وعدواتنا التاريخية وأطماع الآخرين بنا مع الكثير من انعدام الخيال الخلاق وغير القليل من التدخل الاستخباراتي المتعدد والفقر المدقع إلى رؤية نقدية والخوف المرضي من الإصلاح السياسي الجاد ومن التعدد وتداول السلطة السلمي». وما يرفع من معدل هذا التحدي لمستوى الخطر الأمني على السلم الأهلي وعلى المصير الوطني أن تلك الحالة قد أنتجت عدوًا يعول على استخدام أكثر القوى الاجتماعية حيوية وهم الشباب، وأشد العواطف قابلية للاشتعال وهي العاطفة الدينية. وذلك بالعمل على تلوين أجندته السياسية بألوان مذهبية تقوم على تجييش العاطفة الدينية وعلى إهانة العقل وعلى استغلال التناقضات السياسية والاجتماعية داخل البنى السياسية والاجتماعية التي يريد تفتيتها لبلوغ ما يمكن أن نسميه «مرحلة الأنقاض». فعلى غير الأنقاض لا يمكن للأعداء على اختلاف هوياتهم وتقارب أهدافهم وتناقضاتهم السياسية إعادة ترسيم الجغرافي وتغيير المسار التاريخي وتحويل أي بصيص بحلم الحرية والكرامة إلى كوابيس في ظل الظلام الدامس لأعتى أشكال الاستبداد المتمثلة ليس فقط في الاستفراد بالسلطة بل والاستفراد بالفكر والدين وبأقدار الحياة والموت. فما «داعش» من دون الشباب، شباب التشات، وشباب السيبر وشباب الألعاب الإلكترونية العدوانية وشباب الاستراحات المغلقة وشباب السخط المكبوت وشباب التهميش السياسي وشباب الاغتراب الوطني وشباب استفزاز قوى الهيمنة الخارجية وشباب ذل التطبيع مع العدو الإسرائيلي وشباب الارتزاق وشباب الطاعة العمياء وشباب البطالة وشباب البحث عن بطولة أو قدوة وشباب خيبة الربيع العربي وشباب الفراغ واللا قضية وشباب التعصب القبلي والمناطقي والديني وشباب التأجيج الطائفي وشباب التمايز الطبقي وشباب معاداة العقل وشباب الأخيلة الغيبية وفشل الخيال الاجتماعي والسياسي الخلاق. وهذه العينة من الشباب المختطف كرهًا أو رغبة وإن جاءت متوالية جرائم المساجد في السعودية والكويت الأخيرة بأيدٍ سعودية منهم فهم متناثرون على اتساع الخريطة الدولية لمختلف الدول ومن مختلف القارات. وهم إِذ يختلفون في التكوين والأهداف والوعاء المعرفي عن تلك الصيحات الشبابية العريضة المتمردة على شراسة الرأسمالية التي راجت في أوروبا وأمريكا الشمالية نهاية الستينيات والسبعينيات كصيحة الهيبيز، فإنهم يتشابهون في تشرذمهم واجتثاثهم من سياق الرشد العام مع أمثلة متطرفة للتعصب السياسي والعرقي والديني مما لا ينشط تاريخيًا إلا في مراحل الاستبداد والظلام كالفاشية والنازية. على أن منسوب نصيب الشباب المختطف من تعقيدات تلك الأوضاع التي دفعت بهم لأحضان «داعش» يختلف من بلد لآخر بل ومن شاب لآخر، بما يجعل لكل مجتمع حكايته وخصوصًا إن تقاطعت مع مجتمعات أخرى في الأسباب والدوافع وفي الواقع السياسي والاجتماعي وفي حاضنة الفكر والسائد الثقافي والسياق التاريخي الذي هيأ لوجود ميل أو استعداد لتقبل «داعش» أو للتحول إلى حطب في حرائقها.

       وأشارت د. فوزية أبو خالد  إلى أن سؤال شريحة الشباب يشكل في الأوضاع العادية شكلاً من أشكال القلق المشروع الذي لا بد أن يكون هاجس كل من الدولة والمجتمع مع أعلى اعتبار أن الشباب واحد من أهم القوى الاجتماعية للأوطان إن أرادت تقدمًا وإن أرادت تغييرًا لما قد تعاني منه من التخلف وإعاقات النمو الفكري والمادي، فكيف تكون قسوة السؤال في حالة خطر بواح يعمل في العلن والخفاء على تحويل شريحة الشباب إلى قنبلة موقوتة لإثارة الصراعات والفتن بين مختلف القوى الاجتماعية لتدمير الوطن في علاقته بذاته وفي علاقته بالجوار؟! وفي رأيها أنه من غير المجدي تبادل الاتهامات المبطنة أو السافرة بين الدولة والمجتمع أو بين التيارات السياسية بعضها بعضًا حيث كل فئة تنحي باللائمة على الأخرى في مسؤولية تخطف ذلك الضوء الذي اسمه الشباب، خاصة بعد ذهابه ليصبح حريقًا أو وقودًا قاتلاً أو عتمة تعمنا جميعًا بيد غيرنا وقد كان بأيدينا فلم نحسن الاستضاءة به وما زلنا نسيء الاستنارة به مع استمرار عدم القدرة على إيجاد أرضية مشتركة بين الدولة وبين المجتمع وبين الشباب.

       وعلق أ. مسفر الموسى بقوله أن داعش كتنظيم ظاهرة معقدة جداً ..عدد مقاتليهم في سوريا والعراق بحسب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لا يتجاوز ٣٠ ألف – (أو يتراوح ما بين 30 و80 ألف كما أوضح د. عبدالسلام الوايل) – والآن لنا حوالي السنتين وقوات التحالف تضربها ليل نهار.. ولا تزال صامده وتتمدد.

       بينما أشار م. حسام بحيري إلى أن الدواعش ليسوا بمسلمين حتى وإن أدعو الدين وطبقوا الأنظمة الشرعية على المجتمعات وهو ما يظهرونه للناس.. أعمالهم تتنافى تماماً مع تعاليم الدين وسفك الدماء الذي يمارسونه يومياً موجه للمسلمين عامة وأهل السنة بالذات. عند بداية ظهورهم في عام ٢٠٠٦ استخففنا بتنظيمهم، وفي عام  ٢٠١٠ عندما أصبحوا تنظيماً بارزاً على الساحة اعتقدنا أن صراعهم سيكون خارج حدودنا، اليوم أصبحوا يهاجموننا في عقر دارنا وفي مساجدنا، ومن المتوقع أن تكون هجماتهم المستقبلية أقوى؛ لأنه أصبح واضح الآن وجود بنية قوية لتنظيمهم داخل البلاد ومالم نتخذ عمل جذري لتدميرهم سيستمروا بالهجوم بوتيرة أعلى وأشد ويستهدفون مواقع حساسة وأشخاص نافذين.

       بينما يرى د. عبدالسلام الوايل أن الدواعش ليسوا خوارج. فالخوارج برأيه يكفرون على الكبيرة أما داعش لا تفعل هذا، فسجونهم مكتظة بالزناة و شاربي الخمر و مفطري رمضان. ولو كانوا يكفرون هؤلاء لأعدموهم بدل تعزيرهم أو تطبيق الحدود عليهم.

       في حين علق د. منصور المطيري على ما ذكره د. عبدالسلام الوايل بقوله: مصطلح الخوارج ظهر متأخراً .. كما أن تعريف الخوارج بأنهم من يكفر بالكبيرة كان وصفاً لطور من أطوار هذا المذهب .. و إلا فإن الأحاديث التي حذرت منهم تدل على أوصاف، من انطبقت عليه أخذ حكمهم حتى لو لم يكفر بالكبيرة .. أشهر هذه الأوصاف .. يقتلون أهل الإسلام و أنهم جهلة يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم .. كما أنهم حدثاء الأسنان و سفهاء الأحلام .. أي صغار السن وضعاف الفهم في الشرع و الواقع ..و ليس بالضرورة وجود التكفير بالكبيرة لكي يكونوا خوارج .. بل قد يكون التكفير بغير الكبيرة كما يفعلون الآن .. فهم يكفرون بأقل من الكبيرة و يعتقدون أنه ناقض للإسلام .. كالجلوس مع الأمريكان أو حتى مع الضباط السعوديين لأنه شكل من أشكال الموالاة عندهم .. و على كل حال داعش والقاعدة يجتهدون أشد الاجتهاد في نفي صفة الخوارج عنهم معتمدين على تعريف الخوارج الموجود في بعض الكتب .. و العلماء إنما ذكروا في التعريف صنف كان يكفر بالكبيرة و لم يحصروا كل أصناف الخوارج في التعريف ..فوجود التكفير و استحلال الدم الحرام يجعلهم خوارجا لا شك و لا ريب.

       واتفق اللواء د. سعد الشهراني مع ما أشار إليه د. منصور وأضاف: هم خوارج الخوارج بل تجاوزوهم بفكرهم و أفعالهم … إن لم يكونوا خوارج فمن و ما يكونون !

       واعتبر أ. مطشر المرشد أن قوة داعش ليس بعدد مقاتليها الحاليين أو بالإرهاب الذي يمارسونه … بل الخطر الأكبر هو تزايد أعداد المحبطين في المجتمعات التي يستهدفونها ، لذا فإن محاربتهم يجب أن تأخذ عدة أشكال وعلى عدة جبهات ، أهمها تحصين الداخل ومواجهة مصادر الإحباط والإقصاء والعنصرية … الإحباط عبارة عن بداية فيروس ، سرعان ما يتحول من يعاني منه إلى قنبلة موقوته خاصة جيل الشباب ، والذين فقدوا الأمل …صغار السن المحبطين هم عبارة عن ذيل الأفعى و المؤدلجين وأصحاب الفكر هم الرأس. الشباب ترفع من معنوياتهم الإنجازات الوطنية .. البنية التحتية ، النجاحات الوطنية المختلفة وكلها تأتي بنفس مستوى أهمية منافعهم الشخصية ، بطالة وسكن الخ…يجب أن لا نغفل أهمية الوضع الداخلي … بقدر أهمية مواجهة داعش خارجياً ، نحتاج لجهود نحو برامج تحد من خطورة التنظيم داخلياً. كما يجب الانتباه إلى أن التنظيم عبر الانترنت يستدرج أتباع ويستقطب انتحاريين وبسهولة من داخل بيوتنا !!؟ وكذلك نحن يجب أن ننتبه لتحركات التنظيم على حدودنا الشمالية وخاصة في القرى العراقية محاذاة حدودنا .. تلك القرى أصبحت الآن تتقاسمها مليشيات مدعومة إيرانيا واُخرى تسيطر عليها داعش.

       ومن جانبها اتفقت أ. هداية درويش مع تحليل د. فوزية أبو خالد وأشارت إلى أن ما نحتاجه حالياً هو رؤية موضوعية، عقلانية، تضعنا بهدوء أمام أنفسنا، وسط حالة أصابتنا بالخوف علي الوطن ، كلنا نبحث عن الخروج من أزمة نعيشها وتعيشها عدد من العواصم العربية وتلاحق الأحداث أربكتنا كمتابعين ، الوطن يحتاج منا الهدوء والمشاركة لا التنظير فقط.

       أما د. فاطمة القرني فقالت: مسألة أن في كل بيت من بيوتنا داعشياً أو من هو قابل لأن يكون كذلك تعميمية جائرة وخاطئة في آن … ما ذكرته د. فوزية جدير بالتأمل … وكذلك ما ذكره د. الحمود من أن فينا من يترك – في مجال التواصل مع الأبناء أو المجال الترفيهي – مساحات واسعة من الفراغ الذي يستغل تعبئته سوانا في الغرف المغلقة هو واقع الحال .. أبناء داعش ومؤيدوه بيننا من صغار السن تلاميذ لتويتر وغيره من مواقع التواصل على مستوى التلقي والمتابعة والاقتداء. وأشارت د. فاطمة إلى أن أسرتها ممتدة في الجنوب والشمال وهنا في الرياض وما لمست منهم إلا الرفض والإنكار .. وكذلك أسر كثير ممن تعرف من مختلف مناطق المملكة .. المسألة اختلط فيها السياسي بالديني حتى تطلسمت ملامحها .. تأملوا فيمن يدرب الشباب وفي جنسياتهم .. لم نبرئ كل الدنيا ونستمر في هذا الجلد المعشي للأبصار والبصائر .. نعم لدينا خلل ولكن مصادر استهداف شبابنا الخارجية هي المحركة لخيوط اللعبة.

       في حين أوضح د. منصور المطيري أن المقولة التي تقول ( في كل بيت سعودي داعشي ) هي مقالة تجاوزت في الظلم المدى .. كما أنها ذاتية السقوط ..بذاتها ساقطة ..و لم يستطع أن يجد لها مسوغاً علمياً ولا منطقياً .. و بعيداً عن الشخصنة ، فإنه يجد أن البعض يعمل على دعم ميوله الفكرية عند حدوث مصيبة من هذا النوع بتحويل بوصلة الاهتمام بالحدث إلى ما يميل إليه .. فإذا كان يعادي الإسلاميين مثلاً فإنه يحرف بوصلة الحدث ليوجه اللوم إليهم و ليلبسهم لبوس الإرهاب تماهياً مع الحملة العالمية التي تطارد الإسلاميين بكل أطيافهم بتهمة الإرهاب.. وقد ينقب في التاريخ و حوادثه الغابرة ليثبت أننا دواعش ..   ويتعامون عن ما يقوم به العلماء و الدعاة أمام أعيننا من التحذير و التوجيه ضد هذا التنظيم وغيره منذ أن انكشفت حقائق التنظيم .. و قد يتعامى بسبب هذا الميول عن الفرق بين شخص يرفض ولا يعترف بالمناهج الشرعية عندنا و لذلك هو يكفر المسلمين و بين ملايين الناس التي درست هذه المناهج و لذلك هي لا تكفر .. من المؤسف حقاً أن نتحدث عن أخطر أمورنا بهذا الشكل .. بالأمس استنكر الدعاة و العلماء على من ربط بين فتح فصول لتعليم القرآن و التطرف فاتهمهم هؤلاء بأنهم يستدعون الصراع الأيديولوجي إلى ساحة التعليم ، واليوم تكال التهم للدعاة و العلماء على حدث يستنكرونه كل يوم من قبل هؤلاء بدافع من تلك الميول .. و هكذا تنسى المأساة و آلامها و ينسى الفاعل الحقيقي، و تنسى المشاركة في توجيه الرأي العام وجهة تضمد الجراح و ترفع المعنويات و تجعل من المأساة قوة دافعة ضد المعتدي .. ينسى كل ذلك لأجل دعم تلك الميول الفكرية .. مؤلم جداً هذا الذي يحدث من كل النواحي.

       ومن وجهة نظر د. الجازي الشبيكي فإن ما أوصلنا لهذا الوضع هو عدة عوامل ساهمت بمجموعها معاً في إحداثه والتدخل المُناسب للحل يفترض الإجراء الشمولي المُتكامل بين كل الأطراف ذات العلاقة بدءاً بنقطة الصفر التي يعتقد أغلب المتخصصين بحيادية أنها كانت بداية التغيير ولنكن صرحاء وشفافون وصادقون في ذلك بأقل تدخل ممكن من توجهاتنا الفكرية وميولنا وأهواءنا فعلى سبيل المثال هل كنًا مجتمعاً أقرب للتجانس والقبول بالتغيرات التي حدثت لمجتمعنا في تواصله وانفتاحه مع العالم الخارجي قبل حادثة جهيمان ؟ أم أن نقطة الصفر التي غيرتنا وحمًست شبابنا هي قضايا الجهاد مع الأفغان ، أم أن حرب الخليج والاستعانة بالقوات الاجنبية هي نقطة الصفر وما القوى المؤثرة في كل ذلك من علماء دين متطرفين ومسؤولين ووزراء مؤسسات هامة في الدولة لم يكونوا بمستوى المسؤولية  ورجال أعمال كان دورهم أقل من المتوقع ،،،،، أم  ماذا؟ هذا يحتاج إلى معرفة الجذور وتطور الأحداث لمعالجة الواقع غير المرضي أبداً لسلوك  شبابنا الإرهابي المتطرف من خلال دراسات علمية اجتماعية دقيقة لكل ذلك حتى لو أخذت منًا الوقت والجهد والمال فالوضع الأمني وحياة البشر من جنودنا ورجال أمننا تستحق مناً أكثر من ذلك.

       واتفق أ. خالد الحارثي مع ما ذكرته د. الجازي ، وأضاف أنه يجب أن لا تشغلنا وأن لا تكون أهدافنا فقط هي التصدي لداعش بل أن نخطط لعمران هذا الوطن الجميل ونبنيه لنملأ حياتنا بالفخر بتقدمه وتميزه ونعيد له ما سرقه منا فشل خطط التنمية وتقصير البعض وفشل القطاع الخاص في حمل مسئولياته الوطنية بدون تشريعات تضبط مسارات تطوره وثمرة عوائده على أبناءه بدلاً من بناءه كمصدر دخل للعمالة الأجنبية والمتسترين.

       ومن ناحية أخرى، أشار د. عبدالرحمن الهدلق إلى أن الراصد والمتابع لحال التطرف العنيف في الغرب يلاحظ وبكل وضوح أن المجتمعات الغربية تعاني كثيراً من انخراط بعض شبابها ذكوراً وإناثاً في هذه الظاهرة رغم انتشار ثقافة التعدد واحترام الرأي الآخر المختلف في تلك المجتمعات ومحدودية المناهج الدينية في العملية التربوية. وعلى الرغم من أن تلك الدول تنفذ المئات من الدراسات والأبحاث وتعقد المؤتمرات وورش العمل على المستوى الدولي وبشكل أسبوعي لدراسة ظاهرة التطرف العنيف إلا أنها لم تتوصل إلى وصفة سحرية رغم كل تلك الجهود الجبارة التي تقوم بها مما يؤكد على أننا أمام ظاهرة معقدة جداً لم يتوصل المجتمع الدولي بأسرة إلى تفكيك بنيتها أو إضعاف تمددها وانتشارها. ومع ذلك أوضح د. الهدلق أنه متفائل في حل هذه الاشكالية إذا استمرت هذه الجهود الدولية -ومن ضمنها جهودنا المحلية – في إيجاد المزيد من الحلول مع الجدية في تنفيذها على أرض الواقع بشرط توافر الظروف المناسبة التي تساعد على التقليل من مشاعر الحرمان النسبي لدى الشباب (ذكورا واناثاً) وهذا بدوره سيساعد على تخفيف أي احتقانات لديهم. إضافة إلى ذلك يرى أن حلحلة الصراعات الإقليمية بآليات سياسة عادلة بعيداً عن الحروب والعنف سيضعف من انتشار هذه الظاهرة حيث تعتبر الصراعات العنيفة البيئة والحاضنة المناسبة  لبقاء وتمدد ونمو ظاهرة التطرف والتي تفاخر بها داعش وتعلنها بشكل دائم بأنها “باقية وتتمدد”.

مواجهة داعش: نحو عاصفة حزم جديدة (المكاسب والمحاذير)

       أشار د. فهد الحارثي إلى أن تفجير مسجد طوارئ عسير عمل جبان وكريه ولا يقوم به أو يؤيده أو يساعد عليه إلا مجرم وخائن لدينه ووطنه وأمته. والعمليات الإرهابية الأخيرة في الدالوه والدمام و الكويت ثم أخيراً في عسير تعد تدشيناً لمرحلة جديدة من الإرهاب المنظم هي مرحلة تفجير المساجد… داعش لا تستطيع أن تهاجم السعودية عبر حدودها بمجموعات منظمة فاستخدمت تكتيك الذئب المنفرد فضربت في الشرق والآن تضرب في الجنوب وغدا الله أعلم أين ستضرب ..ولا شك أن داعش فيروس قذر يحوم في فضائنا بحرية تامة وهو يمكن أن يصيب أي أحد في أي مكان ، والحل ليس فقط في علاج “العرض” بل في مواجهة “المرض.

       وأضاف د. فهد الحارثي نصاً: أحسب أن الوقت قد حان لعاصفة حزم جديدة سعودية -خليجية – عربية تستهدف داعش في عقر دارها فلا نترك مصير المنطقة للتحالف الدولي الذي فشل فشلاً ذريعاً في مهمته أو أنه لا يريد لها أن تنجح فكلما مرّ يوم جديد كلما استفحل خطر داعش و انتشرت شرورها وآثامها فيجب أن لا نكل أمرها إلى غيرنا ف “يتسع الشق على الراقع” فإلى عاصفة حزم جديدة.

       كذلك فقد أوضح د. فهد الحارثي في هذا السياق، أننا سنظل نتجادل حول فكر داعش ونحن ندرك أن محاربة الفكر دائماً ما تكون طويلة ونتائجها بطيئة وكسولة ، علينا الآن بمحاربة داعش نفسها بصفتها كيان موجود وينمو ويتمدد بسرعة. ولذلك أكد د. فهد أنه مع تحالف سعودي- عربي للانقضاض عليها في مواقعها .. فالتحالف الدولي فشل تماماً في مهمته أو أنه لا يريد أن ينجح فيها ، هذه حرب لا خيار لنا فيها ولا ينبغي أن ننتظر إلى أن تتفجر الأرض من تحتنا ! داعش تتوغل في أرضنا ووطننا بلا جيوش .. القضاء على داعش عسكرياً سيهزم أسطورتها في خيال ووجدان الشباب ، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير ، لأن مما يدعم فكرة الالتحاق بالتنظيم لدى الشباب هو ما تحققه داعش من “انتصارات”…الحرب العسكرية هي العملية الجراحية السريعة ، بعد ذلك نفكر في الأدوية الأخرى التي تساعد على اختفاء المرض أو تحجيم أضراره على الأقل.

       وأخيراً فقد لخص د. فهد الحارثي المسألة بقوله: لا تتركوا مصيركم إلى غيركم .. حتى وإن كان تحالفاً دولياً، كما أكد أنه لا يجب أن يترك كل هذا الفراغ لداعش ، حتى إذا تكاثرت الذئاب والكلاب لجأنا إلى ردة الفعل التي دائماً متأخرة .. فكلما كبرت داعش كلما انهمر عليها المريدون والأولياء والمنتمون والمغفلون والحالمون بيوم الخلافة ! فلا تدعوا داعش تكبر.

       واتفق أ. خالد الحارثي مع ما ذهب إليه د. فهد وقال نحتاج إلى عاصفة حزم تزلزل الأرض من تحتهم حتى تجتثهم ، لم نسمع بداعشي واحد ولا ذئب منفرد في إيران ، فالحل ضربها في عقر دارها لأنه ناتج إيران التي تؤيدها أمريكا وأوروبا الآن لضرب استقرار السعودية.

       أيضاً فقد أيد اللواء د. سعد الشهراني ما طرحه د. فهد الحارثي وقال: يجب أن تعلن حرب لا هوادة فيها بكل الأدوات و الوسائل على هذا الفكر و مروجيه  دعاته و مريديه والتنظيمات المنبثقة منه. لابد من استنهاض المجتمع ليكون عونا للدولة و الاستراتيجيات والموارد موجودة و الاجماع و التلاحم في أعلى درجاته. نريد خطاباً سياسياً يناسب هذا التحدي الخطير.

       كذلك فقد اتفق د. خالد الرديعان مع د. فهد الحارثي فيما يتعلق بضرورة القيام بعمل سريع وحاسم… فالخطر يحدق بنا.. ونحن في أزمة برأي د. خالد. لكنه أضاف: قد يكون الهجوم على داعش متعذراً ما لم يكن هناك إرادة دولية فهي في العراق وسوريا.

       أيضاً قال أ.د. عبدالرحمن العناد: بدأت اقتنع بحرب داعش ولكن بضربات جوية موجعة لداعش بعد كل عملية تتبناها وتعلن مسؤوليتها عنها وليس حرب مستمرة ..نفس أسلوب اسرائيل الذي استخدمته حتى صارت الفصائل تتبرأ من أي عمل ارهابي ثم توقفت العمليات ضد اسرائيل.

       وذكر م. حسام بحيري أن داعش منظمة مهووسة بأعمال القتل والنهب والسلب ويتفنون في كفية قتل وتعذيب الأبرياء. لابد لنا من رد فعل قوي يجعل داعش تفكر ألف مرة قبل أن تستهدف السعودية مرة أخرى. داعش يمكن استهدافها والتركيز على مناطق تمركز قواتهم العسكرية وتدميرها عن بعد جوياً واستهداف منابعهم الاقتصادية واللوجستية جوياً أيضاً حيث إنها أهداف من السهل رصدها وتدميرها. العمليات الجوية تتزامن مع انطلاق عملية برية محدودة ومقننة مكونة من قوة مشتركه من الجيش وآلياته المجنزرة والتي تتمتع بتدريع قوي وقوة نيران هائلة ووحدات من الحرس الوطني والتي تتمتع بسرعة الانتشار لأن آليات الحرس الوطني مدولبة وتوفر عامل السرعة والمباغتة في انتشار آلياتهم في الأراضي الصحراوية بالذات واشتراك وحدات من القوات الخاصة المدربة على العمليات البرية وهي متوفرة لدينا. أثناء العمليات يتم تقديم مساندة جوية لجميع الوحدات البرية تركز على البحث والتدمير في أي منطقة برية تتاخم حدودنا مع العراق يتواجد فيها عناصر أو مراكز لداعش. المناطق السنية في الأنبار خارج سيطرة الحكومة الصفوية المحلية وأصبحت تهديد واضح ومباشر على أمننا وسلامتنا ولا نلام في الدفاع عن أنفسنا. الإرهاب المهووس أصبح لغة داعش ولابد من إرهاب الإرهابيين لما فعلوه بأبنائنا.

       وعليه فقد اتفق م. حسام بحيري مع ما طرحه د. فهد الحارثي فيما يرتبط بشن عملية عسكرية ضد داعش. وذكر أن هناك هجوم قوي تركي أمريكي من الشمال وقد نبدأ جبهة جنوبية فهي على الأقل ستضعف جبهة داعش الشمالية لاضطرارها أن تمركز قوات دفاعية في جبهتها الجنوبية. انتصارات داعش حصلت بسبب فشل الجيش الصفوي العراقي الفاشل في الوقوف ضدهم وهذا لا يعني أنهم أقوياء. هم أضعف مما تتصور ليس لهم أي دفاع جوي ومنكشفين تماماً في أراضي معظمها صحراوية منبسطة.

       وعلق د. مساعد المحيا بأن فكرة د. فهد الحارثي حول ضرب رأس الأفعى أو قلبها جديرة بالاهتمام … فالمؤسسة الأمنية لديها معلومات ثرية حول التنظيم ويمكن أن تكون الحرب نوعية .. فقط نقتنع بفكرة الحرب بمعنى أن نعلن استخدام حالة الهجوم بدلاً من حالة الدفاع وبدلاً من تحالف دولي لا يظنه يضرب داعش فعلاً . كما أن ثمة طرق متعددة لضرب رأس الأفعى أو قلبها في داعش وغيرها .. والمؤسسة الأمنية والعسكرية لدينا قادرة على ضربات نوعية وموجعة وفقاً للمعلومات المتاحة لديها ..نحن الآن جزء من تحالف دولي ضد داعش هذا التحالف نستطيع أن نكون مؤثرين فيه بحيث يتم توظيفه لضرب الطيف أو الجناح الذي يعمل في داعش ضد المملكة.

       بينما رأى د. خالد الرديعان أن أفضل وأسرع طريق للقضاء على داعش هو التنسيق مع حكومة العراق ودعمها مالياً لإنجاز هذه المهمة من خلال عملية برية واسعة النطاق يقوم بها الجيش العراقي.

       في حين يعتقد أ. يوسف الكويليت أنه لو دخلت السعودية في ضرب داعش في سوريا أو العراق وبدون موافقة من الحكومة العراقية ستبرر باعتداء على سيادة بلد ، أما تدخل تركيا فلم يبدأ اليوم على الأكراد فقد حدثت أيام صدام وغيره ، ثم سبب آخر ماذا لو فتحت إيران معركة من حدود العراق الجنوبية أليس في ذلك مخاطرة واستنزاف تبحث عنه إيران وحتى النظامين العراقي والسوري..؟

       بينما أشار د. منصور المطيري إلى أن القضاء على داعش مطلب سامٍ و لا شك .. ولكن المطلب الأسمى هو إعادة الاستقرار إلى البلدان العربية المضطربة و أن تكفينا القوى العظمى تدخلاتها فهي سبب كل هذا البلاء فلولاها لما انهار العراق و لما تدخلت إيران بمليشياتها و لولاها لسلحنا الجيش الحر و أسقطنا نظام الطاغية بشار .. سبب ديمومة الفوضى هم أصحاب العيون الزرقاء .. و من ناحية أخرى فإن إرسال قوات سعودية إلى أرض داعش دعوة لإحراقهم وقتلهم شر قتلة أمام تنظيمات تمرست في القتال في هذه المنطقة لأكثر من اثني عشر عاماً .. وفي رأي د. المطيري يجب أن تبقى قواتنا يقظة جداً على الحدود و لا تتجاوزها إلا للضرورة مع الحرص أن لا تجر إلى كمائن تكبدها بعض الخسائر ..كما أن داعش لا تنهيها المليشيا الصفوية الإيرانية الحاقدة فهي إن سيطرت لن تسيطر إلا بمساعدة الطيران الأمريكي و غيره .. و لكنها بعد السيطرة لا تقل خطورتها علينا عن داعش .. الحل في تحريك القبائل السنية بعد إعطائها عهوداً و وعوداً صادقة تخص المشاركة الفاعلة الحقيقية و بما يناسب حجمهم و دورهم في حكم العراق و تزويدهم بالسلاح و دعمهم بالطيران .. و يتزامن مع ذلك تحريك البشمركة و تسليحها مع الضغط على زعمائها بعدم المساس بالعرب .. و يتزامن مع ذلك أيضاً دعم الفصائل السورية الإسلامية المقاتلة و المعتدلة بعد تخليصها من النظام المتوحش .. و يتزامن مع ذلك كله قصف بالطيران التركي و الأردني و السعودي وغيره.

       أما م. سالم المري فيرى أن مشكلتنا الحقيقية ليست داعش ولكن أنفسنا؟ ولو تم القضاء على داعش غداً في العراق ظهر لنا اسماً آخر لأن شريحة واسعة من شبابنا هم عجينة مهيئة للإرهاب بسبب الشحن الديني المتواصل في كل مكان ولذلك فإن هذا الفكر لا يمكن مقارعته إلا باقتلاعه من جذوره ولا بد من الدفع بالعلماء والمشايخ وكل من يتقاضى من الدولة أجراً لعمل ديني في هذه المواجهة ضد الإرهاب ويلزم تخفيف حدة الشحن الديني في المجتمع وتنشيط كل فكر يمكنه محاججة أفكار المنظمات الداعية للإرهاب باسم الدين.

المبحث الرابع

الآداب العامة و دور المبادئ و القيم النبيلة في تمثلها في الفكر و الاتجاه والسلوك ووسائل تعزيزها في المجتمع

المدخل والطرح العام:

       عرض د. عبدالسلام الوايل ورقة بحثية حول الآداب العامة و دور المبادئ و القيم النبيلة في تمثلها في الفكر و الاتجاه والسلوك و وسائل تعزيزها في المجتمع. وكمدخل للقضية، فقد بدأ بطرح بعض مفاهيم العلوم الاجتماعية ذات العلاقة، و هي تحديداً: المعتقدات و القيم والمعايير و الاتجاه و السلوك. فمن وجهة نظره يتداخل مفهومي القيم والمعايير كثيراً. و يمكن رصد تراث كامل من الاختلاف في كيفية التفريق بينهما. ولكن بشكل عام، يمكن اعتبار أن مفهوم “القيم” تجريدي، كقيمة الكرم مثلاً. فيما أن مفهوم “المعايير” يحيل إلى طرق و آليات لقياس توافق السلوكيات مع القيم أو ابتعادها عنها. فمثلاً، الكرم قيمة. و الاحتفاء بالضيف أو التهرب منه معايير لتحقق قيمة الكرم أو انتفاءها. و بناء على المعايير، يمكن الحكم على السلوك وهل هو بعيد أو قريب من القيمة المجردة. فمن يحتفي سلوكياً بالضيف (كعمل الوليمة في حالنا الآن أو تقديم الشاي فقط في مجتمع بسيط مادياً) يجسد القيمة المجردة فيوصف بالكرم و من يكون سلوكه العكس لا يحقق القيمة فيوصف سلوكه بالبخل. و يبني بعض أصحاب المدرسة السلوكية سلسلة مفاهيمية تبدأ بالمعتقدات و تنتهي بالسلوك رابطين بين أربعة مفاهيم هي: “المعتقدات”، “القيم”، “الاتجاهات”، و”السلوك”. معتبرين أن كل مفهوم يوجه ما قبله، فالمعتقدات توجه القيم وهذه توجه الاتجاهات و التي بدورها تؤثر على السلوك. فاعتقاد (س) أن التدخين لا يضر صحياً و غير محرم شرعياً و يبدو جذاباً و يعطي شعوراً مريحاً يجعله ينمّي قيمة إيجابية عنه تنعكس في صورة اتجاه ايجابي حياله تجعله إما يدخن أو يتبنى سلوكيات تتقبل التدخين.        لكن اعتقاد (س) أن التدخين ضار صحياً أو محرم دينياً تقوده لتنمية قيم سلبية حياله تتشكل على صورة اتجاه سلبي حيال التدخين و المدخنين تجعله إما لا يدخن أو لا يحبذ لمن يحبهم أن يدخنوا و أن يقر داخل نفسه، في حال كان يدخن، أنه يمارس سلوكا غير ايجابي.

       و يلاحظ أن المجتمعات تتفاوت جداً في نظمها المعيارية لبعض القيم التي تتفق عليها، فمعيار الكرم في مجتمع قد يكون معياراً للإسراف في مجتمع آخر. كما تتفاوت أيضاً في نظمها القيمية، فقيمة “الفضاء الشخصي” مهمة في المنظومة القيمية الغربية ويمكن معايرتها وبالتالي ملاحظة تحققها في السلوك الفردي، فيما هي غائبة عن بعض المنظومات القيمية الأخرى.

       وبناء على المقدمة أعلاه، فإن ثمة ترابط بين مفاهيم المعتقدات و القيم و المعايير والاتجاه و السلوك. و فيما يخص الآداب العامة، فإن المجتمعات البشرية طورت على الدوام مجموعة من الآداب اعتبرتها أهم دعائم بناءها الاجتماعي و أسلوب صيانته و استمراره. وفيما يخص المجتمعات العربية الحديثة، فإنه يلاحظ هذا التناقض العتيد بين القيم الرفيعة التي تتبناها المجتمعات العربية و بين تمظهر السلوكيات الفردية في الفضاء العام كما هي متحققة في الواقع، أو “الآداب العامة”. و لعل عمل السوسيولوجي الشهير حليم بركات و في دراسته الكلاسيكية “المجتمع العربي المعاصر: بحث استطلاعي اجتماعي” يساعد على تقديم شرح نظري لهذا الواقع. إذ يفرق بركات بين ثلاثة “أنظمة” قيمية في المجتمع العربي مرتبطة بأسلوب حياة الجماعة و خبرتها. هذه الأنظمة هي:

  • النظام القيمي البدوي: حيث كوّن البدو من خلال تفاعلهم مع بيئتهم الصحراوية القاسية خمس اتجاهات قيمية رئيسية هي:
  • العصبية و تتضمن: التضامن، التماسك الداخلي، نصرة القريب، الافتخار بالنسب، احترام الأهل، الثأر، الشرف.
  • الفروسية: الشجاعة ، البأس، البسالة و الإقدام، الاعتزاز، الرجولة، الإباء و الشهامة.
  • الضيافة: الكرم، المروءة، النجدة، حماية المستجير، الوجاهة.
  • الحرية الفردية: الأمانة، الصدق، التعالي على الاستخدام، والإباء النفسي.
  • المعيشة: البساطة، الفطرة، الخشونة، صفاء النفس، التعفف، الحشمة.
  • النظام القيمي الريفي: وضع للريف ست قيم أيضاً هي:
  • الأرض: محبة الطبيعة، الخصب، الجمال، الثبات، الصبر، الأمل، العفوية.
  • القيم العائلية: الأمومة و الأبوّة و الأخوّة، التكاتف، الشرف، الثأر، العفة و الحشمة، النسب.
  • قيم المعيشة: المثابرة و الصبر، الجيرة و التعاون والتمتع بالمعشر، المسالمة والبساطة.
  • القيمة الدينية: الإيماني الشخصاني الحسي، الطقوسية، الرحمة، البركة والنذر.
  • القيم الطبقية: الوجاهة، الكرم، التنافس.
  • قيم الزمن: الفصول، التحمل و الصراع مع الزمن، التحرر من الوقت.
  • القيم الحضرية: تتسم بتمحورها حول التراتب الطبقي للمجتمع الحضري. فالطبقات البرجوازية تهتم بقيم النجاح و السعي و الربح و الكسب المادي و الرفاهية و الطموح و الاستهلاك فيما الطبقات الكادحة تهتم بقيم العلاقات الشخصية و العائلة والجيرة والصبر والايمان.

       و المفترض أن المخطوطة المقترحة أعلاه بواسطة حليم بركات تشكل إطار نظري عام يشرح السلوكيات في الفضاء العام، أو الآداب العامة. بشكل أدق، يشرح تناقضها وتعددها وتنوعها وسط المجتمع العام، فحقيقة أن المجتمع الأكبر غير متجانس عادة و يتكون من خلفيات اجتماعية مختلفة يترجم إلى “آداب عامة” مختلفة و متناقضة، بل و محيرة.

       ولعالم الاجتماع العراقي الشهير علي الوردي تنظير مختلف عن مصادر السلوك في الفضاء العام. طوّر الوردي “نظريته” عبر أعماله في خمسينيات و ستينيات القرن العشرين، بدءً بكتابه الذائع الصيت “وعاظ السلاطين” و تتويجاً بكتابيه “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” و “شخصية الفرد العراقي”، والتي اسماها، أي النظرية، في العملين الأخيرين بـ”التناشز الحضاري”. نظرية الوردي تلك تقوم على اعتبار أن الانسان العربي يخضع لنظامين قيميين: أحدهما ديني و الآخر قبلي/عصبوي. النظام القيمي الديني، والذي يقوم على إدامته الوعاظ، يركز على قيم التسامح و التطهر و التعفف والزهد. فيما إن النظام الآخر، والذي يخضع له الفرد بحكم تنشئته و واقعه المعاش، يركز على قيم الفخر والعصبية و المكانة الفردية. و أن سلوك الفرد، المتناقض (أي، السلوك) هو نتاج لهذين النظامين القيميين المتناقضين و المتعايشين. فالفرد يخضع لموعظة الإمام و تدمع عيناه لها و ما أن يخرج من المسجد و يشاهد ابن عم له يظلم آخر حتى يهب مع ابن عمه فزعة له ونصرة. لذا، فإن الآداب العامة كما هي واقع متحقق يمكن رصده و ملاحظته لهكذا مجتمع تتناقض مع ما يردده أفراد هذا المجتمع من صيغ لفظية مثالية.

       و يرى بعض الأنثروبولوجيين أن إشكالية الآداب العامة في بعض المجتمعات الانتقالية هو أن هذه المجتمعات لم تستطع بعد الموائمة بين نظمها القيمية التقليدية و النظم القيمية الطارئة والناتجة عن الحداثة الغربية. فهذه المجتمعات لم تستقر على منظومة قيمية متجانسة و مترابطة. وفي واقعنا المحلي،  يتجسد هذا التنظير في سلوك السائقين مثلاً. فقطع إشارة المرور أو عدم إعطاء الأفضلية أو تخطي الآخرين أمام الإشارات قد لا يشعر السائق بارتكابه “خطيئة” لأن المنظومة القيمية السائدة، بمعاييرها، لم تتمكن من تسمية هذه الممارسات باعتبارها سلوكاً آثماً. و يمكن ملاحظة شيء من هذا في سلوك بعض المصلين حين يقفلون الشوارع بسياراتهم من أجل اللحاق بصلاة الجماعة في المسجد. تكرار هذا السلوك، خاصة في صلوات الجمع، على مر السنوات و من سائقين مختلفين في العمر وذوي خلفيات اجتماعية متباينة يجعل من الشرعي تسجيله بوصفه “ملاحظة علمية”. يحيل هذا السلوك إلى معضلة تصادم الأصلين الديني و المدني للآداب العامة، فمعيار التدين، أي لحاق الصلاة جماعة، يتصادم مع معيار احترام حقوق الآخرين، والذي هو عدم سد الطريق أمام السيارات العابرة. التغليب شبه الدائم لمعيار التدين على معاير احترام حقوق الآخرين قد يشرح معضلة سوء سلوك شرائح واسعة من الناس في الفضاء العام. و بتعبير آخر، سيقل انتهاك المعايير المدنية في الفضاء العام حين ينجز المجتمع مزيد من الموائمة و الانسجام لمنظومته القيمية.

       إذ تمثل معضلة ضعف احترام حقوق الآخرين من قبل السائقين في واقعنا المحلي أوضح تمظهر لخلل في “النظم القيمية” و تضاربها و اختلاف مشاربها، سواء تبنيناً منظور بركات أو الوردي أو بعض الأنثروبولوجيين الغربيين. وبالقياس على حالة مجتمعات شبيهة ثقافياً و اقتصادياً، كالمجتمعات الخليجية في نفس الموضوع، أي انضباط السائقين واحترامهم لحقوق الآخرين و تغير سلوك نفس السائقين بين المنامة و الرياض مثلاً، يمكن ملاحظة أن نفاذ و قوة المؤسسات الرسمية في تطبيق العقوبات و تفعيل الأنظمة هو العامل الأبرز في صناعة سلوكيات الاشخاص في الفضاء العام. بمعنى أن المؤسسات الحديثة، كالمرور في المثال أعلاه، عليها عبء رتق الفجوة بين المنظومة القيمية التقليدية و نظريتها الحديثة. تبقى معضلة نظرية مهمة: لماذا يطبق رجل المرور النظام في المنامة فيصنع السلوك العام ويمتنع نظيره السعودي عن فعل ذات الشيء؟ بصياغة أخرى، لماذا تنجح “مؤسسة” المرور في جعل كادرها حاملاً لقيمها مطبقاً لقيمها في المنامة و تفشل نظيرتها في الرياض؟ جواب هذا في مبحث اسمه “ثقافة المؤسسة”، و هو مبحث مختلف تماماً.

       وذكر د. عبدالسلام الوايل في الختام، أنه ولكي تتحسن الآداب العامة لمجتمع انتقالي يلزمه المؤامة بين منظومته القيمية الأكثر فاعلية في صنع السلوك اليومي و بين معايير الثقافة المادية التي طرأت عليه. فالسيارة كمنتج مادي لها معاييرها الخاصة، كأن يكون عدم تخطي الآخرين أمام الإشارات معياراً لقيمة عدم التعدي. لا بد إذاً من تغيير في “قيم” هذا المجتمع لتؤكد على أن معايير المنتجات المادية الجديدة جزء من قيم هذا المجتمع.

الآداب العامة: مناقشة للمضامين الكامنة

       استهل د. حسين الحكمي تعقيبه على ورقة د. عبدالسلام الوايل بالإشارة إلى النظم القيمية التي قدمها حليم بركات ، حيث قسم المجتمعات إلى بدوي وريفي ومدني ووضع لكل منها قيم لا تتشارك مع قيم المجتمعات الأخرى ؛ وهنا سلب قيماً لمجتمع فقط ليضعها كقيم لمجتمع آخر. وبرأي د. حسين، فإن هناك تقاطعات كثيرة في القيم بين المجتمعات الثلاثة ، فالكرم مثلاً ليس حصراً على مجتمع دون آخر. وعندما يقول أن الطبقة البرجوازية في المجتمع المدني تسعى للنجاح فإنه يحجم معنى النجاح ويقلصه كثيراً. النجاح عند المجتمع المدني قد يختلف في بعض جوانبه عن المجتمعين الريفي والبدوي لكنه بالتأكيد لا يلغي سعي أفرادهما للنجاح.

       ومن ثم فإن النظامين اللذين وضعهما الوردي في نظريته “التمايز الحضاري” ، الديني والقبلي/عصبوي يمكن إسقاطها على مجتمعنا السعودي إلى حد ما. حيث إننا نُرجع كثير من قيمنا إلى الدين. فتجدنا “نتحدث” عن الصدق والأمانة وحسن المعاملة وإماطة الأذى عن الطريق … الخ. وبنفس الوقت تجد من عدد من أبناء المجتمع تطبق (سلوك) عملي مخالف لكل ذلك. فيبرر البعض خداعه للآخرين بأنه ذيب ، وأن تعديه على الآخرين وسلبهم ما يملكون شجاعة و إسرافه كرم وفخر.

       حتى أن القيم الدينية و كثير من القبلية إيجابي وجميل ومدعاة للتطبيق ، المشكل هو أن السلوك التطبيقي في بعض المواقف يخالف تلك القيم خصوصاً عندما يكون هناك نوع من التنافسية أو لنقل الصراع فيطغى جين الذيب (الحيوان) على جين الإنسان ، فلا يفكر الشخص إلا في مصلحته و “من بعده الطوفان”.

       أيضاً فإن نقد السلوكيات الخاطئة لا يعني غياب السلوكيات الصحيحة والإيجابية. الانتقاد هنا خاص بذلك التناقض الموجود في مجتمع مسلم له تراث كبير وشامل من القيم والعادات العربية الأصيلة التي لو التزم بكثير منها لأصبحنا مثلاً يحتذى ونجم في السماء يشار له بالبنان. يسافر أحدنا إلى بعض الدول المتحضرة فيتذكر ويردد وبكل حسرة  “وجدت إسلاماً بلا مسلمين” . ليس لأنهم مجتمعات مثالية بل لأنهم التزموا بجزء من قيم الإسلام وطبقوها عملياً فظهرت على سلوكهم . وهنا إشكالية في انتقائية البعض ، فهو يعجب بأجمل ما لديهم ويقارنه بأسوأ ما لدينا. ومن المناسب في هذا السياق توضيح نقطة مهمة ، وهي أن كل شخص أعرف بعيوبه من غيره ، و أفراد المجتمع أعلم بعيوب مجتمعهم من الغرباء؛ لذلك مهما وجد من سلوك إيجابي تجد من يقلل منه أو يصفه بما ليس فيه وأنه “هياط” أو تجمل أو كذب ، فقط من باب جلد الذات الإعجاب بالآخر، فهو لا يرى إلا إيجابيات وحسنات وتطور الآخر دون أن يركز على أخطائهم وسلبياتهم .

       وأشار د. حسين الحكمي إلى إحدى مشاهداته الواقعية حيث قال: شاهد أكثرنا إن لم يكن كلنا مقطع فيديو في رمضان قيل أنه في المسجد النبوي الشريف وكيف تم جمع طعام طيب في سفرة ورميه. بعدها ببضعة أيام كنت أنا شخصياً في المدينة المنورة ولاحظت التنظيم الفائق والاهتمام الكبير بوجبة الإفطار وكيف يفعل القائمون عليه والطريقة المنظمة في جمع بقايا الطعام قبل الإقامة وجمع كل نوع من الطعام بشكل مرتب وجميل ، كنت أتمنى أنني صورت ما حصل أو أنني بقيت ليوم آخر لأصوره.

       والواقع أن لدينا سلوكيات خاطئة عززتها بعض القيم الخاطئة أو التفسير الخاطئ لقيم حسنة. فوصل ببعضهم الكرم إلى الإسراف والشجاعة إلى التعدي عدى الغير والدهاء إلى الخديعة. لدينا انتقائية في نشر السلوكيات الخاصة بنا فسريعاً ما ينتشر الخطأ منا وبين فئة كبيرة. وأحياناً نقوم بنقد سلوكيات أبناء مجتمعنا فقط لأنها لا تعجبنا وليس لأنها خطأ. مثلاً، انتشرت أخطاء السعوديين في النمسا ولم نسمع بحسناتهم ، وقام البعض بانتقاد جلوس نسائنا في الحدائق وكأنهم في منتزه سلام أو في روضة خريم وكأنهن قد خرقن قانوناً أو فعلن محرماً وجل ما فعلنه تلك النسوة أنهن مارسن عاداتهن وتقاليدهن في مجتمع أوربي لا يعارض مثل هذه السلوكيات.

       وذكر د. حسين الحكمي أن ما نراه ظلم للسعوديين أيضاً هو جلدهم بما يفعله غيرهم ، فعندما يخطئ خليجي يحول النقد سريعاً إلى مجتمعنا وكأننا نحن من أخطأ (مثال: حادثة الكويتيون الذين اصطادوا البطة وذبحوها)،  وعندما يقوم عربي بسلوك خاطئ يتغير مسار الحديث إلى العرب وليس من أي بلد هو بحيث نلتقي معه كسعوديين في العروبة ويرتبط الخطأ بنا ونبدأ بجلد ذواتنا ، والنتيجة أن تتراكم السلبيات والسلوكيات الخاطئة المرتبطة بنا فلا يبقى في عقلنا الباطن إلا هي. إن تكرار ذكر السلبيات والتركيز عليها وتهميش سلوكياتنا الحسنة وربطها بقيمنا وديننا يجعلنا من حيث لا نشعر نعزز هذه الفكرة وننشرها ، حتى المثقف قد ينجرف لذلك بسبب طغيان العقل الجمعي “فكر القطيع” فلا يستطيع التفكير بحكمة وخارج الصندوق. فكل ما يسمع ويرى ويقرأ يعزز الرؤية السلبية ويُغيب الإيجابيات. وينتج عن ذلك حالة من الإحباط واليأس ويتمنى الشخص لو أنه يعيش في بلد غير هذا حتى لو كان في بلاد كفر مليئة بالمعاصي والمغريات والملهيات والسلبيات التي يرونها هم أمر طبيعي كالتعري والزنا والربا والقمار والإلحاد والغش والقطيعة وعقوق الوالدين ، وغيرها الكثير المثير.

       نجد في نفس الوقت تلك المجتمعات تنادي باحترام  المرأة وتعطيها حقوقها فتساويها بالرجل ، حيث أن حقوق المرأة تختلف عن الرجل فهم يعطون الرجل حقه والمرأة حقها وبذلك تكون المساواة، وكأنهم يطبقون “النساء شقائق الرجال” هي حسنة لديهم لكنها ليست كاملة فهناك استثناءات ، فيوجد منهم من يتعدى ذلك فردياً لكن فعله مستنكر مجتمعياً بشكل عام ومعاقب قانونياً وهذا ما يردعهم …. ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا، من الفضائل التي ننادي بها ؛ قيمة وفضيلة نراها في كثير من الناس ، لكن بالرغم من ذلك نجد من يعاكسها بجهل وحماقة بداعي الضحك والطقطقة والترفيه فيمازح الطفل حتى يصل المزاح إلى العنف اللفظي والنفسي وربما البدني. وتجد أحدهم يقلل من رأي شيخ كبير ويسفهه ويصف الشيخ بعبارات وألفاظ لا يرضى أن يقولها أحدهم لوالده.

       ومن وجهة نظر د. حسين الحكمي فإن للهوة الثقافية أثرها الكبير على مجتمعنا والمجتمعات الشبيهة به ، لكن هذا لا يعني أنه ليس بالإمكان تقليصها بشكل أكبر وفي وقت أسرع. ما نراه في الإمارات مثلاً من التزام بالقوانين يجعلنا نتساءل : ما الفرق بين البدوي الإماراتي والبدوي السعودي وهما قد مرا بظروف متشابهة بشكل كبير ولهما الخلفية الثقافية التي تكاد تتطابق ؟ هذا يحرص على تطبيق النظام وذاك يحرص على عدم تطبيق النظام !

       من جانبها أوضحت أ. ليلى الشهراني في تعقيبها على ورقة د. عبدالسلام الوايل أن الأديان السماوية قاطبة قد اهتمت بمكارم الأخلاق , كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) , بل لا تخلو الأديان الوثنية من الدعوة إلى مكارم الأخلاق والتقيد بالآداب العامة , يتضح ذلك في تاريخ أهل الجاهلية قبل الإسلام , فهذا حاتم الطائي لا زال مضرب المثل في الكرم إلى يومنا هذا , وإذا ذكرت الشجاعة ذُكر عنترة , وإذا ذكر الجود ذكر عبدالله بن جدعان. بل إن بعض الأمثال العربية سطرت أسماء من بلغوا الغاية في هذه القيم حتى قيل (أوفى من السموأل) و(أصدق من أبى ذر الغفاري ) و(أحلم من الأحنف بن قيس). وفي الشعر كانت لهذه القيم والسلوكيات النبيلة مساحة في قصائد المدح كما جاء في أبيات أبي تمام في مدح المعتصم :

إقدامَ عمروٍ في سماحة حاتمٍ

في حلم أحنف في ذكاء إياس

       والأصل في القيم السامية والمبادئ الحسنة أنها قيم مطلقة وليست نسبية , بمعنى أن الإنسان لا يتخلى عنها متى شاء ويستعملها متى شاء. والانحراف عن هذه القيم السامية يولد سلوكيات وانحرافات في الفكر والسلوك , فمثلاً : من يستخدم الدين لأغراض انتهازية , أو من ينظر لمفهوم الحرية بأنه لا يحكمها قيود ولا تقف عند حدود. إذاً نحن نقف على أساسيات قوية من القيم والمبادئ , لكن ينقصنا توظيف هذه السلوكيات لتتماشى مع ما ندعو إليه، فتكون تطبيقاً عملياً في حياتنا وليست مجرد خطب وعظية , أو مقالات توعوية , بل تصبح مع مرور الوقت جزء لا يتجزأ من تعاملاتنا اليومية .

       أما اللواء د. سعد الشهرانى فقد أشار في تعقيبه على ورقة د. عبدالسلام الوايل إلى أنه قد تبادر إلى ذهنه  نظرية الاتجاهات التي استخدمها في بحث سابق عن اتجاهات الشباب نحو القضية المرورية و وجد كشخص غير متخصص في علم الاجتماع أن هذه النظرية مهمة جداً في فهم الظواهر السلوكية العامة و في تغيير الاتجاهات. تقول هذه النظرية بأن للاتجاهات ثلاثة مكونات:

  • المكون المعرفي و في رأيه فإن هذا يشمل العقائد والقيم التي أشار لها د. عبدالسلام.
  • المكون الوجداني و العاطفي الداخلي الذي يختزنه الانسان عن نفسه ومحيطه وبيئته.
  • المكون السلوكي و يتمثل في انعكاس تلك المعرفة وأثرها النفسي و العاطفي على السلوك.

       إذا أخذنا سلوك الشباب المروري كمثال؛ نجد أنهم اختزنوا معارف ومعلومات تتمثل في سلوك غيرهم الذي لا يحترم القانون و لا يحترم حق غيره في القيادة و لا حق المشاة ولا حق الشارع و لم يعاقب أحد و لم يطبق القانون فضلاً عن ضعف هيبة الدولة ممثلة في ضعف هيبة رجال المرور أنفسهم الذي يخالف  كثير منهم نظام المرور و هذا السلوك الأخير يلاحظ للأسف الشديد على كثير من العسكريين و ربما لاحظ بعضنا سلوكهم المروري عندما يغادرون ثكناتهم و يركبون مركباتهم. هذه المعرفة كونت لدى كثير من الشباب موقفاً داخلياً لا يحترم رجل المرور و لا السلطة المرورية مما انعكس في سلوكهم المروري السلبي.

       مرة أخرى نجد في هذه النظرية وهذا المثال – كما يوضح اللواء د. سعد الشهرانى – ما يفسر التناقض الذي نراه بين العقائد و القيم و السلوك السلبي في الفضاء العام. ويعتبر أن تطبيق القانون الصارم مهم جداً وكمثال فإن تطبيق ساهر  غير من سلوكياتنا و لو جزئياً…عندما كان رجال المرور يخالفون على ربط الحزام انضبط كثير منا ليس للمخالفة والغرامة بل لئلا نبدو غير ملتزمين و يبدي رجل المرور علينا ملاحظته.

       أما أ. مها عقيل فأشارت الى دور المُثُل العليا role models في حياة الشخص وخاصة وهو طفل وماذا يعلمه والديه وهل أقوالهم تطابق أفعالهم في التربية وتعزيز القيم والمبادئ والأخلاق الكريمة. وبعد ذلك المدرسة وسلوك المعلم وطريقة معاملته للطلبة الخ. من هم المُثُل العليا وماذا يعلمون النشأ؟

       واهتم د. فايز الشهري في تعليقه على ورقة د. عبدالسلام الوايل بالتنويه بالاستشهاد بمقولات علي الوردي. فشخصية الوردي وتناقضات القيم مع المذاهب هي منتج عراقي خالص ومن شخصية الوردي يدرك كيف ظهرت هذه الآراء.

       وبرأي د. فايز فإن منظومة القيم المثلى تعيش في ظل:

  • كثرة النماذج وقناعتها بأدوارها.
  • صرامة القانون الساهر على توازن القيم.
  • وجود منظومة سلام وانسجام اجتماعي واستقرار اقتصادي يستدعي من الكل التناغم معه.

ولو طبقنا هذه الشروط في مجتمع سلباً وإيجاباً لوجدنا القيم تصعد وتهيب تبعاً.

       وعلق م. سالم المري على ورقة د. عبدالسلام الوايل بأنه ليس لديه شك في أن الشخصية الإنسانية لغالبية المواطنين السعوديين هي تحت تأثير قوي من القيم الدينية الإسلامية والعادات والتقاليد العربية البدوية، وهذا يتوافق بشكل كامل مع دراسة أسبار حول الرأي العام في مشاركة المرأة في الانتخابات. وأهم القيم التربوية الدينية في البناء الشخصي للإنسان والذي تم ترسيخه بشدة في المملكة هو ترجيح الأمور المتعلقة بالآخرة على تلك المتعلقة بالدنيا واسم (دنيا) أهم دليل على ذلك والمؤمن لا يستطيع الاخلال بحقوق الله عليه فهو تحت رقابته عز وجل في السر والعلن؟ فبالتأكيد وقت الصلاة أهم عنده من مخالفة مرورية أو ازعاج مواطن آخر حجز سيارته بموقفه الخاطئ لسيارته في الشارع؟ واللحاق بالصلاة أهم من وضع حذائه في الدولاب كذلك التوقف عن اجتماع بغض النظر عن أهمية النقاش والذهاب لأداء الصلاة أهم بالنسبة له بينما الغربيين سيندهشون ويتندرون؟ كذلك تلاحق الصلاة في المغرب والعشاء وعدم السماح بوقت كافي للأنشطة الاقتصادية وإغلاق المحلات أوقات الصلاة مع أن معظم العاملين أحياناً غير مسلمين والصعوبات الشديدة التي تواجه عمل المرأة. من يرسخ تلك السلوكيات المشار إليها ويشرع لها أحياناً بالتأكيد لم يغلب أمور الدنيا بل غلب أمور الآخرة. ومن ناحية أخرى نحن منغمسون في حياه قائمة على تقنيات وعلوم وأنظمة فنية معقدة صنعتها الحضارة الغربية التي تقوم فلسفتها على تغليب أمور الدنيا بشدة على أمور الآخرة.

       وأكد م. سالم المري أنه يجب ألا يساء فهم هذا الطرح فهو ليس ضد الدين أبداً ولكن ما يعتقده أن ما نعاني منه يتلخص في جرعات دينية زائدة في بعض الأمور يرافقه خلل تنظيمي وإداري ويلزم التخفيف من جرعات الأول وزيادة جرعات الآخر والتوقف عن صب اللوم على هذا المواطن المسكين (فكل إناء بما فيه ينضح)؟

       وقال د. حميد المزروع: باختصار شديد؛ القيم المعرفية سواء كانت دينية أو أخلاقية والتي لا تمارس وتصبح جزء من سلوك الإنسان اليومي ، لا قيمة لها.

       وأشار السفير أ. أسامة نقلي إلى ملاحظة مهمة وهي أن السعودية مترامية الأطراف ، ثرية بالتنوع الثقافي بين المناطق – وهذه ميزة – كما أن محددات السلوك ينبغي أن لا تخضع للاجتهاد الشخصي ، بل ربما تؤطرها الأنظمة والتشريعات .. فما هو عيب في منطقة ربما لا يكون كذلك في منطقة أخرى ويجب أن تراعي ؛ حق الانسان .. وحق المجتمع .. وحقوق الدول الأخرى التي تعاني من ممارسات لا تتفق وثقافتها.

       وأكد د. عبداللطيف العوين على أنه ليس هناك علاقة بين خصوصيتنا وبين المشاهدات التي ذكرت سواء كانت تعبيراً فردياً أو جمعياً ، ولا يعني أن تكون هناك سلوكيات غير مقبولة لمجتمع ما لبعض أفراده أو سلوكيات لا يقتنع بها البعض أن تكون ذريعة لأن يكون مجتمعنا سيء ..فرفقا بمجتمعنا ..إننا بحاجة لكافة قدراتنا العقلية والعلمية والزمانية لطرح رؤى التطوير وليس لجلد الذات باعتزاز ما لدى الغير حتى الغير لو تمعنا في جلده سنجد ما يشوش صورته سواء في بلادهم أو حتى أثناء تواجدهم في البلاد العربية.

       واتفق أ. خالد الحارثي مع ما ذكره د. عبداللطيف ، باعتبار أننا نتهم المجتمع بتهم مختلفة لا تليق بمجتمعنا ، ونتحاشى أن نوجه اللوم أو العتب على المسيء بعينه ، أو نقد السلوك الخاطئ ، بل نعمم على مجتمعنا الذي يتلقى تهماً هو منها بريء ، عموماً ، هذه السلوكيات غير السوية التي يقوم بها بعض السائحين والسائحات السعوديين هي تصرفات مقززة وتدل على الاضطراب الذي تعانيه هذه الشخصيات.

       وعلق خالد الرديعان على ما ذكره د. عبداللطيف العوين بأن تشخيص المشكلات والسلوكيات الاجتماعية الخاطئة ليس من الضروري القصد منه جلد الذات أو تتبع أوجه القصور ولكن قد تكون البداية في معالجة تلك المشكلات… أن نقول كل شيء على ما يرام وأن لدينا كذا وكذا لن يقدم شيء للمجتمع.. نحن مجتمع حي ويعتمل وبه الكثير من المشكلات طبقاً لطبيعتنا البشرية ومن حق المجتمع علينا أن لا نغشه ولكن نبين مواضع القصور للبحث عن علاج لها.

       وبدوره أشار د. عبداللطيف العوين إلى أنه حينما نفكر استراتيجياً نطرح الموضوع على أنه طموح وأمل نسعى بإمكاناتنا جميعاً تحت مظلة واحدة نتكاتف على تحديد وتحقيق عوامل نجاحه …..هذا يتطلب أن نستثمر كافة جهدنا ووقتنا في الوصول ويكفي من المشكلة أنها موجودة فلا تشغلنا عن التطوير.

       واتفق د. خالد الرديعان مع هذا الطرح، لكنه يرى أنه يلزم أن نحيط بالمشكلة من جميع جوانبها فهدا أدعى لفهمها والتعامل معها بهدف تطوير المجتمع والرقي به.. مجتمعنا به الكثير من الايجابيات لكن تعدادها لن يكون عملاً مفيداً إلا إذا كان الهدف تخدير المجتمع.

       وأضاف د. عبداللطيف العوين أن الاحاطة بالمشكلة أمر مهم… لكن لا يعني أن نستمر في طرحها وتعميمها وتضخيمها ونكرر ذلك في كل حديث لنا فعلى سبيل المثال لو اتفقنا على أن لدينا مشكلة (أ) هل نبقى نعيدها كل يوم ونعممها أو نفكر في حلها.

       ومن جديد أوضح د. خالد الرديعان أن المثقف غالباً لا يقدم حلول إذ يكفي أن يشير الى مواضع الخلل. إلا أن د. عبداللطيف العوين لم يتفق مع ذلك؛ حيث يرى أن المثقفون هم أكثر قدرة ومعرفة على النقد بالمفهوم العلمي والذي يقوم على توضيح الايجابيات والسلبيات والبدائل.

       وأشار أ. خالد الحارثي إلى عدد من الأسباب أدت برأيه إلى معاناة الآداب العامة من الضعف والتردي المتعددة المظاهر:

  • التعالي الطاغي في لغة كثير من المثقفين والمربين على القيم الانسانية وإنكار وإلغاء التاريخ القديم للشعوب في التقنين للحياة العامة بدء من حمورابي وانتهاء بالمدونات الأخيرة التي أنتجتها الحضارة البشرية.
  • نسبة الشرف والفضيلة المطلقة للمسلمين ونسبة الفساد والشر المطلق لغير المسلمين.
  • الإصرار على اعتبار السلوك المدني هو شأن ديني وشرعي بحت ونفي علاقة العلوم الإنسانية باختصاصها المقدم على الشريعة.
  • فشل الدعاة والوعاظ في ضرب المثل الأعلى والقدوة الحسنة أمام المجتمع للتضاد والتناقض الظاهر في السلوك من جمع الثروات واستخدام المكانة والمناصب للإثراء غير المشروع.
  • افتقار الفضاء العام للشواهد على العمل لخدمة الصالح العام من الشخصيات العامة ، وظهور الاشتغال بالمصالح الشخصية دون مبالاة أو اكتراث.
  • غياب الرقابة وآليات المحاسبة عن الفعالية في التعامل مع قضايا النزاهة والأمانة والواجبات والحقوق.

       ومن وجهة نظر أ. خالد الحارثي فإن هذه الأسباب بشكل عام أعطت انطباعاً عاماً للشباب بأن الآداب العامة :

  • شأن ديني وشخصي القيام به صدقة وتركه لا يخرج في أسوأ الحالات أن يكون من اللمم إن لم يكن مباحاً.
  • أن المستويات العليا من الآداب العامة كحفظ المال العام وشرف الخدمة العامة تعتريها انتهاكات واضحة أصبحت مشكلة في الحياة العامة وتردي الخدمة العامة ، مما جعل الآداب العامة من مستويات أقل منتهكة كتحصيل حاصل ، والمطالبة بها نوع من الهرطقة.
  • انعدام وجود الحافز للتحلي بالآداب العامة أو التقدير الاجتماعي مقارنة بعدم مبالاة المجتمع في محاسبة المخالفين لها في ميزان التقدير الاجتماعي.
  • أن موضوعات الآداب العامة لا تعدو أن تكون جدليات نظرية ، وأن التشدد فيها هو أمر مبالغ فيه وغير منطقي.
  • أن نظرية الآداب العامة ككل خاضعة لقانون الغاية تبرر الوسيلة وهي تستخدم بحسب الحاجة وعند الضرورة.

       واتفق اللواء د. سعد الشهراني  إلى حد كبير مع ما طرحه أ. خالد الحارثي أما بخصوص عبارة تقديم العلوم الاجتماعية على الشريعة فليس لها داع برأيه و ليست ضرورية ضمن هذا التحليل الجيد و الذي سمى الأشياء بأسمائها و ما يعارض  ثوابت الدين عندنا نحن المسلمين لا نأخذ به و بالتالي لا تعارض.

       من جانبه علق أ. خالد الحارثي على ملاحظة د. سعد بأنه يعتقد أن العلوم الاجتماعية تضع تلك القواعد من البحث العلمي وبناء النظريات بالتجريب والملاحظة واستنتاج الارتباط الفلسفي لتوضيح التصور الكلي لتلك القواعد في الآداب العامة على سبيل المثال ، في حين أن الشريعة هي أمر ونهي من السماء وليس بالضرورة أن يكون له منطق نفهمه ففي بعض الأحيان يكون نسكاً تعبدياً. عموماً هذا ليس له دخل أبداً في مكانة العلوم الشريعة وشرفها على بقية العلوم ، وإنما قصد به الاختصاص والتخصصية. والمقصود أيضاً ، أن الأصل الشرعي لقضية ما هو اختصاص شرعي ، أما التأطير فهو اختصاص علمي .. الفقهاء يقولون لنا أن الربا محرم ، فيأخذ علماء الاقتصاد والمالية والمصرفية هذا التوجيه الواضح وينتجون النظرية العلمية الخاضعة لذلك الأمر أو النهي.

       واهتمت د. فاطمة القرني في مداخلة أولية بالإشارة إلى مسألة التعميم حيث ذكرت نصاً: بأننا ننتمي جميعاً إلى جذور وبيئة بدوية مع أن الواقع خلاف ذلك فالمملكة بترامي أطرافها وتباين حظها من المدنية والتحضر تعكس صوراً مغايرة لهذا التعميم ، ولا يفهم استدراكي هذا أنه انتقاص من البداوة وقيمها وتقاليدها وإنما هي إشارة تعزز ما ذكره السفير أ. أسامة من كون ما هو مقبول في منطقة ربما لا يحظى بالقبول في منطقة أخرى ، ولا شك أن لمستوى المدنية والتحضر والعكس دورها المؤثر هنا.

       وفي مداخلة لاحقة لمداخلتها الأولى، ركزت د. فاطمة القرني على تتبع ملامح من المشهد في الأوساط النخبوية أو التي نصنفها كذلك وعلى وجه التحديد في المجال الأكاديمي والإعلامي أي بيننا نحن المنظرين للقضية والمتتبعين الموجهين لسلوكيات الآخرين سواء أكانوا طلاباً في مختلف مراحل التعليم – وأهمها الجامعي – أو كانوا من عامة المتلقين من متابعي قنوات الإعلام ووسائطه المختلفة قديمها وحديثها ..ففي هذين المجالين تتمثل ذروة التناقض بين ما ينادي به كثير منا وبين ما يتمثله واقعاً ، وللأثر السلبي خطره البين هنا فسقوط النموذج / القدوة ضامن لزلزلة القيم وخلخلة المعايير في تصور وقناعات الأتباع المقلدين ومن ثم ينعكس ذلك في تردي السلوكيات المجسدة والمعززة لها في خاص محيط هذين المجالين وفي عام الوسط الاجتماعي بمختلف طبقاته وفئآته !

       وقالت د. فاطمة القرني: في المجال الأكاديمي (الجامعي) مثلاً أكاد أجزم أن كثيرين وكثيرات منكم عايشوا بل كابدوا عدداً من الحروب الطاحنة في مجالس الأقسام والمجالس العلمية مما يتجاوز كل منطق وتبرير … و تتبعوا مشاهد الدوس – من داس – على كثير من القيم النبيلة والمهمة في هكذا مجال كالأمانة العلمية والعمل التعاوني على المستوى البحثي وحسن التعامل والإخلاص و.. و.. وكل هذا يحدث على مرأى من الطلاب وعلى وجه الخصوص طلاب الدراسات العليا من الباحثين في حين أننا أمضينا ما يقارب ستة عشر عاماً دراسياً قبل هذه المرحلة ونحن نلقنهم ونحشوا عقولهم بما يعاكس هذا التردي تماماً !! … أضيف إلى هذا الخلل المربك والمشوش للطلاب جانباً لا أحسبه يقل تأثيراً عنه بل هو يتداخل معه بشكل أو بآخر والذي يبرز في مبالغة بعض أساتذة وأستاذات الجامعة في (بروزة) و (رسمنة) شخصياتهم في قوالب يغلفها ما لا يطاق من المثالية الزائفة والتعالي المقيت .. بل فيما يستدعي السخرية بالفعل من زعم “التطهر” من كل ما يمكن أن يمر به كل إنسان من عثرات أو حتى أحلام وطموحات لا تخلو من عبثية في مراحل المراهقة أو الصبا بل ربما ما يمتد لمراحل تالية أيضاً !! … هذه التسامي “الغوي” الذي يبالغ في التشبث به بعضنا يخلق بينه وبين طلابه ما لا يمكن هدمه ولا ردمه من أسوار وفجوات .. وتجده بعد ذلك يعجب لم لا يقبل الطلاب على محاضراته ولم لا يجد منهم المردود العلمي والسلوكي الذي جد في بلوغه وتحقيقه ؟!!.

       وتواصل د. فاطمة القرني طرح وجهة نظرها بقولها: أما في المجال الإعلامي ــ وهو غاصٌّ أيضا بالأكاديميين ــ فكثير ممن صدعونا فيه بـــ ” التفسلسف ” حول المبادئ والأخلاقيات يصدق عليهم وصف المعتلَّين بــ” فتنة المنبر” ؛ ممن نَـجَّـمتـْـهم “المنابر” واستدامت إقامتهم عليها حتى فقد أكثرهم أو كاد السيطرة على ما “تنبره” شفتاه همساً أو صراخاً أمام جموع المتابعين سواء أكان منبر مسجد أو قاعة ثقافية أو أخرى علمية أو شاشة تليفزيون تتراحب لتكون مستـَـشْـرَفَهُ على أكبر المسارح اتساعاً وأبلغها تأثيراً .. منازل الناس .. كل الناس..!.. ولغواية المنبر هذه أركان ثلاثة تعزز سطوتها وطغيان تأثيرها :

  • ملاك كثير من المؤسسات الإعلامية وقادة الرأي بل المال فيها .. ومنهم قومٌ لا تصدهم عن شراهة الكسب تقوى ولا يثنيهم عن المقامرة بالقيم والمبادئ وأيضاً بهموم الناس وآلامهم إلٌّ ولا ذمة !.
  • أولئك النجوم المفتونون بذواتهم المتضخمة ..من موسوعيي “الغفلة” الذي نتج “طيشانهم” في صحف العلم عن التزام المتخصص منهم بالظهور المتكرر والمشاركات المتشعبة المستديمة بحيث اضطر إلى ” البحبحة ” و”التنويع” سعياً للتجديد والإبهار متجاوزاً مجال تخصصه ..فالمحلل الرياضي يغدو سياسياً والداعية مدرباً للبرمجة العصبية والأديب محللاً اقتصادياً والمعالج النفسي واعظاً ومفتياً و.. وكل ما يخطر ومالا يخطر من فن وعلم حتى يملأ أولئك ساعات برامجهم وينوروا ــ تطفلا ــ زوايا تجليهم الكالحة!
  • الجمهور.. الهتّيفة..المصفقون والمستحثون لأولئك النجوم لكي يصولوا ويجولوا بل ويطولوا أيضاً وإن كان مقام بعضهم غاية في القزامة ورؤيته نهاية في الدمامة!!.

       وتشير د. فاطمة القرني إلى أن من بيننا من يبالغ في الانبهار بمتابعة عادي الإنجازات ومتواضع النجاحات وسطحي النتائج لا لشيء سوى كونها بدرت من (س) من الناس ممن مسهم سحر الإبداع مرة أو مرتين ثم خبا اتقاده العابر لكنه كان من براعة الإصرار وحرفنة الاستعراض بحيث صنف الناس كل ما يصدر عنه جديداً خلاقاً وكل ما يعرضه فاعلاً مؤثراً … بل كم منا من أدعى الدهشة بما يمثله (ص) من الناس فقط لكون هذا ال (ص) خصيماً لشخص ما يختلف معه هذا المندهش ويحنق عليه؟!!.

       وأخيراً، ترى د. فاطمة القرني أن هذه الصورة بل الصور المضطربة ساقت وتسوق إلى وخيم العواقب ..فإن تهتز الثقة وتتراجع المصداقية بين الأستاذ وطلابه ، الطبيب ومراجعيه ، الإعلامي ومتابعيه …تلك هي أقسى عقوبة وأفدح خسارة قد يمنى بها (المنبريون) المفتونون بهذه العلة وفي مختلف المجالات التي يتصدرونها.

       ومن جانبه يرى أ.د. عبدالرحمن العناد أن من الملائم الحديث عن فرض النظم Enforcement وتطبيقها في الفضاء العام لتغيير السلوكيات … وليس مهما إحداث التغييرات الادراكية أولاً وبخاصة في مجتمعات متخلفة وبدوية الثقافة …. فتعديل السلوك بالقانون يؤدي إلى تعديل القناعات … أي أننا لا ننتظر اقتناع الناس بالأنظمة كي نطبقها وإنما نغير سلوكياتهم كي يقتنعوا وهذا الأسلوب هو المعمول به في أنظمة المرور مثلاً. ويقترب هذا الأسلوب من غسيل المخ … أو الاقناع بالإكراه على نمط سلوكي … وهو ليس دخيل على ثقافتنا الإسلامية التي تقول .. اضربوهم لعشر … وليس اقنعوهم ..  … تغيير السلوك ..اجبروهم على الصلاة… لتغيير القناعات والمعتقد.

       ويعتقد أ. يحيي الأمير أن ورقة د. عبدالسلام الوايل تطرح أسئلة شائكة .. مثل : لماذا تدينت القيم وتخلت عن بعدها الثقافي لتكتسب بعداً دينياً شعبياً  .. الشعر الشعبي والشيلات بوصفها حوامل للقيم الاجتماعية أصبحت تقدم نموذجاً للاتحاد الذي شهدته القيم الثقافية العامة مع الدينية الشعبية ..نتج عن هذا أن الشعبي الثقافي سيطر على المعطى الديني الذي أراد أن يوجهه ويكون مهيمناً عليه. وتأسيساً على ذلك طرح أ. يحيي الأمير سؤالاً محدداً: كيف هي العلاقة بين القيم الاجتماعية وبين العامل الديني.. أين يقع الفاصل في ثقافتنا بين المحرم اجتماعيا والمحرم دينياً؟

       وركز د. مسفر السلولي تعليقه على المعتقدات والاتجاهات ودورها في السلوك .. حيث يعتقد أن أي سلوك يمارس هو نتاج اتجاهات مبنية على معتقدات راسخة. إذا السلوكيات التي تمارس وذكر د. عبدالسلام الوايل أمثلة لها في ورقته هي مبنية على معتقدات تشكلت خلال مدة زمنية طويلة. وقال د. مسفر: كنت على اقتناع بأن عقيدة الشخص واتجاهاته ليس من السهل تغييرها ولكن الملاحظ اليوم في كثير من الظواهر أن المعتقدات والاتجاهات تتغير وتصبح سلوك ينفذ وبهذه السرعة وربما كان هذا السلوك كارثي ( في حال من يفجر نفسه)؟  هل النظام وتطبيقه كفيل بإحداث التغيير؟ هل ثقافة المجتمع هي المسؤولة عن ذلك؟ ..من أكثر المواقف المزعجة للكثير منا هو عندما تكون في صف تنتظر دورك وتجد هناك شخص يحاول أن يلتف على هذا الصف بأي طريقة. هل هذه الممارسة لها علاقة باتجاه ومعتقد الشخص؟  مثال آخر وهو في بعض الأسواق يحدث من بعض النساء أمام الصراف الآلي خاصة تجاوزات على الصف وتتجاوز المرأة كل الصف إذا كانوا رجال بحجة احترام المرأة. هل هذا السلوك مرتبط باتجاه أو معتقد؟

       وعلق أ. عبدالله الضويحي على ورقة د. عبدالسلام الوايل ومجمل ما تضمنته المداخلات حولها حيث أشار إلى ما يلي:

  • أولاً: يقول د. عبدالسلام: ( أن المجتمعات تتفاوت جداً في نظمها المعيارية ) وهذا يعني أن النظرة لها هنا نسبية فهل المعيارية وجه آخر  للنسبية !؟ أم أنها النسبية بذاتها !؟ وهل هناك نقاط تقاطع أم تطابق بينهما !؟
  • ثانياً: إشارته لنظرية ( التناشز الحضاري ) لعلي الوردي يقول أن السلوك المتناقض للفرد هو نتاج لنظامين قيميين متناقضين متعايشين  ديني وقبلي هذا يدفعنا لطرح تساؤل مهم: لماذا لم يؤثر فينا الدين ويهذب سلوكياتنا على الأقل في أمور عادية وبسيطة كالتصرف والنظافة واحترام الآخر .. إلخ؟
  • ثالثاً: في تفسيره لبعض سلوكيات السائقين والمرور ينسب ذلك إلى (ثقافة المؤسسة) وهذا صحيح لكن هناك تساؤل: ألا يمكن  للعقوبات ( فرض القانون ) أن تصنع القيم!؟ .. المجتمعات الغربية خاصة الأمريكية هل ولدت حضارية وملتزمة بالأنظمة!؟ .. القانون الصارم والعقوبات جعلتهم يلتزمون ومن ثم تتحول لديهم هذه الممارسة إلى ثقافة سلوكية. والدليل أن بعضهم يمارس سلوكيات خاطئة عندما يعيشون بيننا !؟
  • رابعاً: هناك ملاحظتين بخصوص ما طرحته أ. ليلى الشهراني:
  • الملاحظة الأولى: ( والأصل في القيم السامية والمبادئ الحسنة أنها قيم مطلقة وليست نسبية , بمعنى أن الإنسان لا يتخلى عنها متى  شاء ويستعملها متى شاء ) حيث يتفق أ. عبدالله مع القول بأن ( كل إنسان يولد على الفطرة .. ) لكن الجزئية الثانية من المقولة يرى أنها أصبحت بدون ( لا ) !
  • الملاحظة الثانية: ما ذكرته أ. ليلى بأن (بناء الإنسان ووجود التنمية قد تغير في بعض سلوكيات الناس) مستشهدة بعلي بن الجهم ومنه  انطلق أ. عبدالله نحو التساؤل: هل البيئة تعني بناء الإنسان ووجود التنمية !؟ .. وقال في هذا الخصوص: أفهم من هذا ومن الاستدلال بابن الجهم أن تأثير التنمية على سلوك الفرد وثقافته إيجابي لكن الواقع لا يقول بذلك إذ ليس شرطاً أن يكون تأثيرها إيجابياً فلها تأثيرها السلبي أيضاً.
  • خامساً: يتفق أ. عبدالله الضويحي مع ما ذكره د. حسين الحكمي، لكن له ملحوظتان عليه:
  • الملاحظة الأولى: تأكيداً لما قال د. حسين فإننا كسعوديين عندما نمارس سلوكاً خاطئاً ونحن في الخارج أو نهم بممارسته ندعي أننا من  جنسية أخرى دليلاً على اعترافنا بتعمد ممارسة الخطأ.
  • الملاحظة الثانية: في الفرق بين البدوي الإماراتي والبدوي السعودي في الحرص على تطبيق النظام يقول أ. عبدالله: بل الفرق بين  البدوي الإماراتي والمثقف السعودي ( البعض ) وليس البدوي فقط.
  • سادساً: أن م. سالم المري برر السلوكيات الخاطئة لبعض المصلين كإيقاف سياراتهم ووضع أحذيتهم ( أجلكم الله ) بأنها نتيجة استعجالهم  للحاق بالصلاة، وهنا يقول أ. عبدالله الضويحي أن هؤلاء لم يستشعروا الصلاة كقيمة وكتربية فهي عندهم عبادة فقط ! وإلا فأين هؤلاء من ( أمشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) وأنه إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة.
  • سابعاً: أشارت أ. مها عقيل إلى المثل العليا role models وهذا واقع فرجل المرور يقف بسيارته على الرصيف أو موقف مزدوج وينشغل  بالجوال عن متابعة الفوضى المرورية ويطلب من السائق وبالمايك أن ينزل إليه بدلاً من العكس وهو ما ينص عليه النظام بل ويرفع صوته خاصة إذا كان السائق أجنبياً والمعلم لا يهتم بواجبات التلميذ ويشجعه على أداء بعض الأعمال لدى خطاط بدلاً من الاعتماد على نفسه ويمنحه الدرجة الأفضل وبعضهم يعينه على الغش في الاختبار .. والمثقف (البعض) مثالي التنظير متناقض التطبيق وما يحدث في مواقع التواصل خير مثال.
  • ثامناً: يرى أ. عبدالله الضويحي أنه لو عدنا عقودا للوراء عندما كان المتعلمون قلة كنا أكثر محافظة على القيم وممارسة السلوك وكان  آباؤنا ومجتمعنا القدوة ..الآن بعد تطور التعليم والتقنية وزيادة المتعلمين والابتعاث حدث العكس مما يقود لطرح سؤال مهم: أين تعليمنا من هذا كله !؟ وما هو دوره !؟ باختصار: هل المطلوب من التعليم أن ينتج مواطنا أم يكتفي بتعليمه !؟

       وعلق د. منصور المطيري على ورقة د. عبدالسلام الوايل بأنه كان يتمنى لو أنها خلت من نماذج حليم بركات و الوردي لأنها نماذج مضللة في رأيه، و قد أشار إلى ذلك د. حسين الحكمي في تعقيبه، و د. فايز في إلمامته السريعة على الموضوع .. وكان يكفي د. عبدالسلام في نظره عرضه لتسلسل منظومة الآداب ثم التوسع في الأمثلة .. وتمحور تعليق د. منصور المطيري حول ( الديني و المدني ) التي ذكرت في الأمثلة .. في نظره أن هذا الفصل والتقسيم لا يصح في المنظومة القيمية الإسلامية، لسبب واضح  وهو أن كل أفعال المسلم عبادة ، ففي المثال الذي ذُكر في الورقة و هو: إيقاف السيارة على الأبواب و سد الشوارع  للحاق بالصلاة .. ليس فيه مسألة تناقض الديني و المدني .. بل هذا مُجرَّم شرعاً حيث النهي ثابت عن الإيذاء ، و الأمر ثابت بإعطاء الطريق حقه وباتقاء مساخط الناس و ملاعنهم. فالقصور الحاصل ليس فيه تنازع بين الديني و المدني بل فيه تفريط واضح في الجانب الديني، و هذا لا يخفى على صاحب السيارة الذي سارع إلى المسجد دون اكتراث بصاحب المنزل. و هنا يكون السؤال مشروعاً لماذا يحصل هذا التفريط ؟ وقد أشار كل من  د. عبد السلام و د. حسين و كذلك أ. ليلى سريعاً إلى الجواب بأمثلة كانضباط شرطة البحرين والتزام بادية الخليج و غيرها من الأمثلة و يعني هذا أن الجواب يكمن في قصور التنشئة الاجتماعية، إضافة إلى غياب الجزاء و العقاب عندنا .. فهناك تفريط في جانب التربية على أداء الحقوق العامة وعلى الاهتمام بالحيز العام، تقع مسؤولية هذا التفريط على جميع مؤسسات المجتمع و على رأسها المؤسسة السياسية ، و المؤسسة التربوية بكافة أدواتها، وليس له دخل بتعارض قيم مدنية و قيم دينية.

       ويتفق د. منصور المطيري مع التسلسل الذي ذكره د. عبدالسلام الذي يبدأ بالعقائد ثم القيم و المعايير ثم الاتجاهات ثم السلوك. و لمكانة العقيدة في الإسلام و ارتباطها بالعمل؛ ففي رأيه لا وجود لقيم مدنية في عالم الإسلام يمكن أن تسمى قيماً بل كل القيم الفاضلة إسلامية.. لكن يوجد سلوك يتوافق مع الإسلام أو يختلف معه و يعارضه .. و يعني هذا أن القيم الكبرى لا يمكن أن يعلن المسلم رفضها فلا يمكنه أن يجيز الظلم أو ينكر العفة، و لكنه يمكن واقعياً أن يكون في سلوكه ما هو ظلم أو ما يخالف العفة .. و ذلك لأن القيمة تتمثل في السلوك الذي شرعت من أجل صياغته مجموعة كبيرة و متنوعة من الأحكام التفصيلية ، فمثلاً أحكام غض البصر وأحكام السفر للمرأة و الحجاب وتحريم الخلوة ثم تحريم الزنا وكذلك الحث على المبادرة للزواج و كذلك الحث على تشجيع الزواج و غيرها كلها أحكام تصب في إشاعة خُلق وقيمة العفة، و هذه التفاصيل يمكن واقعياً أن يفرط في بعضها بعض المسلمين ، و كلما حصل تفريط فيها حصل انتقاص من هذه القيمة .. و هنا يقع بعض المسلمين في مأزق كبير حينما يعترضون على بعض هذه الأحكام التفصيلية  تأثراً بشيوعها في القيم الغربية و متناسياً دورها في إشاعة هذا الخلق القويم.. و كذلك باقي القيم لا يمكن أن تتمثل في السلوك بعيداً عن الأحكام التفصيلية الجزئية التي قد تكون واجبات و قد تكون مستحبات .. و قد تكون محرمات و قد تكون مكروهات.

       ومن وجهة نظر د. منصور المطيري فإن أكبر قيمة يؤمن بها المسلمون عموماً والعرب خصوصاً و لا يطبقونها على الإطلاق هي قيمة العدل و عدم الظلم، و ذلك لبعدها السياسي فأول ظالم هو السياسي المستبد ثم تتابعت المظالم من الجميع، و السبب غياب المحاسبة و المراقبة للسياسي المستبد و تعاليه على أي وسيلة للمحاسبة، و ذلك لتجمع كل أدوات السلطة و القهر بيده.. و من هنا يرى الكواكبي أن الاستبداد هو آفة الآفات فهو الذي يولد كل الرذائل من نفاق و سرقات و كذب وانتهازية و ظلم و تصدر المتملقين و غياب المبدعين و هكذا .. و من ناحية أخرى فنظراً لارتباط القيم و السلوك بالعقيدة فإن المؤثرات العقدية و خاصة الغربية على المجتمع السعودي و غيره من مجتمعات المسلمين والتي تحدث على شكل تيار جارف باتجاه واحد ستؤدي اذا استمر الوضع بهذا الشكل إلى زيادة الأزمات الأخلاقية في المجتمع.. و إلى فوضى في المنظومة القيمية لدينا، و ذلك لانقسام وتناقض مصادر القيم و لانقسام سلوكيات المجتمع تبعا لذلك.

       وتناول د. عبدالسلام الوايل ملاحظات د. منصور حول ورقته حيث ذكر أن نقد الأوراق العلمية أمر ممتاز و أسلوب جوهري لتطور المعرفة. لكن للنقد أسس و من ضمنها عدم نفي المعرفة المستند اليها و تمني عدم الاتكاء عليها أو استعراضها بل نقدها و بيان خللها معرفياً. نموذجي بركات و الوردي نموذجين هائلين في السوسيولوجيا العربية. ونقدهما سيكون عمل كبير و محل ترحيب إن هو اتكأ على أي من التراث الواسع للعلوم الاجتماعية. أما تمني عدم استخدامهما فهو موقف معادي للمعرفة العلمية. فالمعرفة تنموا بالنقد و المراجعة و التراكم و ليس بالتجاهل و عدم الاستخدام.

       وأضاف د. خالد الرديعان أن أي عمل لا يستند على إطار نظري يظل عملاً ناقصاً ومعلقاً في الهواء يسهل سقوطه. واستكمل د. عبدالسلام: و يمكن نقد هذا الاطار و نقضه ولكن ليس التوصية بعدم ايراده.

       وبدوره أوضح د. منصور المطيري أن أمنيته كانت تخص بنية ورقة د. عبدالسلام لأنه يراها أكمل و أجمل بدون النموذجين. وقال اللواء د. سعد الشهراني: بالمناسبة عرفت  بركات معرفة عن بعد في جامعة جورج تاون حيث كنت أدرس و كان معه مدرسون عرب آخرون، أما بركات فلم يبهرني كشخص و لم يعجبني  إنتاجه العلمي و يكفي مثل هؤلاء أن يسلطوا أقلامهم على سلبيات المجتمعات الاسلامية و العربية ليتلقفهم الغرب و يلمعهم. وأضاف د. خالد الرديعان: قد يعيب بركات توظيفه للصراع الطبقي في ثنايا تحليله لكن هذه مدرسة من المدارس.

       أيضاً وفي سياق التعليق على ورقة د. عبدالسلام الوايل، عرض د. خالد الرديعان رؤية تحليلية تنحو منحى سوسيولوجي؛ حيث يعتقد أن المجتمعات العربية عموماً مجتمعات كلية egalitarian بمعنى أن سلوك الفرد ليس نابعاً من رغبة شخصية في الغالب؛ فهو استجابة لتوقعات الجماعة من حوله، ومن ثم تذوب الذات الفردية في المجموع الكلي ولا تبرز كذات فاعلة عاقلة لأن حريتها تتقلص إلى درجة كبيرة في محاولة منها للتماهي مع الروح الجماعية.. وهذه السمة مقيدة للذات العربية بل وتحد من انطلاقتها على سجيتها حتى لو أرادت أن تنهج سلوكاً عقلانياً ورشيداً مع الأخذ في الاعتبار نسبية ما هو عقلاني ورشيد.

       وتطرق د. خالد الرديعان إلى العقلية الجماعية وما إذا كانت ما تمارسه عقلاني أم غير ذلك.. وماهي المعايير التي تحكم سلوك الجماعة…حيث يميل بهذا الخصوص إلى فكرة أن سلوكنا الجمعي محكوم بعقلية ماضوية لا تتناسب البتة مع مستوى التحديث الذي وصلنا اليه… نحن نسقط الماضي بكل تجلياته على الحاضر في حين أن المطلوب منا هو قطع الصلة ببعض وليس كل الماضي والتفاعل مع العصر بعقلية تناسب شروطه.. إشكالية الماضي- الحاضر خلقت لدينا ازدواجية سلوكية انعكست على كثير من مواقفنا واتجاهاتنا بحيث تزداد وطأة الحالة كلما أمعنا في التحديث والعصرنة.. ويمكن أن ننظر إلى طريقة عيشنا في المدن وتعاملنا مع غيرنا ونظرة الآخرين لنا ونظرتنا لهم سنجد السلبيات تتفوق على الايجابيات مع عدم إنكار الأخيرة في بعض المناحي.. نحن بكلمة أخرى نصطدم مع العصر في بعض شروطه دون أن نكون فاعلين فيه أو قادرين على تطويعه بصورة تجعلنا نعيش بمستوى مقبول.. وليست المشكلة الآن فقد نستطيع تجاوز بعض العقبات بما لدينا من إمكانات مادية؛ ولكن المشكلة تكمن في المستقبل فمعضلتنا تتضخم ككرة الثلج وقد نصل إلى مرحلة يصعب فيها السيطرة على كل شيء لتكون النهاية على غير ما نريد أو نخطط له.. التاريخ قاسي وله شروطه ولا يمكن التحكم بمجرياته في الغالب فإما أن نسايره ونحاول تطويع ما نستطيع منه الآن وإلا فلننتظر وقوع الكارثة.

       واستكمل د. خالد الرديعان طرحه بقوله: بوضوح أكثر فإن مجتمعنا يحتضن فئتين هما أشبه بقنبلتين قابلتين للانفجار في أي وقت: الشباب الذين يمثلون أكثر من ٧٥٪ من السكان والمرأة التي تمثل نصف المجتمع. هاتان الفئتان هما من سيسبب لنا قلق في المستقبل بسبب وطأة العولمة وصعوبة توفير متطلباتهما بصورة كافية… فتحنا الباب للمرأة فيما يتعلق بالتعليم لكننا أغلقنا أمامها كثير من فرص العمل الشريف مما زاد من نسبة بطالة المرأة بصورة ملحوظة في حين أننا لم نقدم لها بدائل مناسبة… هذه المشكلة يجب أن نوجد لها حلول عاجلة حتى لا تتفاقم بصورة يصعب السيطرة عليها.. أما الشباب فإنهم وبفعل متطلبات الحياة يصطدمون بحائط سميك من العقبات التي تعرقل انخراطهم في المجتمع الأمر الذي سيزيد من يأسهم وإحباطهم وهذا لن يكون في مصلحة مجتمعهم في نهاية المطاف.. إن أبسط مثال يمكن أن نسوقه في هذا الجانب هو قضية الاختيار للزواج الذي يظل محكوماً بمنظومة من المتواضعات الاجتماعية التي تقلص خيارات الطرفين الشاب والفتاة. الشباب متفاعل مع الحاضر لكنه وبنفس الوقت مكبل بقيود الماضي وجيل الآباء في بعض المناحي مما ولد لديه قلق وحيرة.. إنه يعاني من هوة بين الماضي والحاضر يصعب أحيانا ردمها… ينقص الشباب المبادرة والحرية الكافية التي لا توفرها له ثقافة المجتمع التي يبدو أنها عصية على التغيير أو أنها تتغير ببطء شديد.. الشاب عندنا يلتفت يميناً وشمالاً ويرى غيره أفضل منه… وهنا تكمن المشكلة عندما تم الإشارة إلى وجود معضلتين قد نواجههما مستقبلاً الشباب والمرأة.

       واتفق اللواء د. سعد الشهراني مع ما طرحه د. خالد وأضاف أنه مهتم بقضية المساواة بين الأجيال حيث سبق وأن كتب عنها في سياق رسالة الدكتوراه قبل 30 سنة و يعتقد أن تعبير egalitarian – الذي ذكره د. خالد – يعني ببساطة على الأقل في سياقه الاقتصادي لوصف سلوك أو مجتمع معين : المساواة. وفي تحليل التركيبة السكانية تحتل الفئتان: المرأة والشباب ما يزيد عن 80 %من السكان على الأقل وهذا يترك الشؤون العامة والخاصة الأمر كله أو جله في يد الأقلية السكانية من متوسطي الأعمار من الذكور و القليل من كبار السن ممن هم في عمر العمل و من تجاوزه و لكن لايزال متشبثاً بالسلطة الأبوية بكل معانيها العامة والخاصة. بل إن هناك تركيز شديد للسلطة في يد كبار السن من الذكور الذين تجاوزوا عمر العمل بكثير و هم أقل الفئات  السكانية قدرة على التغيير و إدارة التغيير لأسباب واضحة. و لا شك أن احترام كبار السن في مجتمعنا و في عقيدتنا من القيم العليا التي يحب أن ترسخ غير أن القضايا الوطنية أمر لا يحتمل الانتظار أو الحلول برد الفعل وليس بالمبادرة وقد فاتنا الكثير مما كان يمكن أن ينجز على كل الأصعدة. والمساواة والعدل و المسؤولية العامة و الخاصة و القرارات المصيرية (بما فيها المساواة بين الأجيال ) متركزة في أيدي هؤلاء مع كل الاحترام الواجب. هناك تركيز شديد في السلطة يجب أن يقابله بطبيعة الحال تعاظم في المسؤولية. للأسف تركيز السلطة قوي و المساءلة ضعيفة.

       وأوضح د. سعد الشهراني أن قضايا المرأة و الشباب تشكل معظم قضايانا السياسية والاجتماعية و الاقتصادية والأمنية. نحتاج إلى سياسات جديدة تقوم على المشاركة واستنهاض القوى الاجتماعية الفاعلة و تفعيل و تنشيط و مساءلة ومحاسبة المؤسسات الرسمية و غير الرسمية في مجال تفويضها و وظائفها التي أوجدت من أجلها. و في سياق  القضية المطروحة للحوار فإنه يقع على عاتق هذه الفئة (النخبة!) مسؤولية كبرى في تفعيل المشاركة بكل أبعادها فضلاً عن مسؤوليتها تجاه كل القضايا و لن تستطيع القيام بها لوحدها أولاً إضافة إلى إخفاقها في السابق لطبيعة السلطة و التشبث بها وخصائص كبار السن الشخصية. و يقع تحت هذا التحليل بما له وما عليه إخفاقنا في تربية أنفسنا وأبناءنا على السلوك السوي العام مع أنفسهم ومع الآخر ومع محيطه الاجتماعي ومع البيئة في الفضاء والأماكن العامة.

       وبدوره أكد أ. عبدالله الضويحي على أن الشباب والمرأة يمثلون الغالبية العظمى من مجتمعنا كما أشار د. سعد، يشكلون 80% ومع ذلك فهم الأبعد عن القرارات التي تتعلق بمصيرهم والتخطيط لمستقبلهم .. فقد تحولوا إلى مجرد تنفيذيين لهذه القرارات لهذا تحدث كثير من الإشكاليات لدينا ( الأقلية تخطط والغالبية تنفذ ).

       واتفقت د. سامية العمودي مع ما ذكره د. خالد الرديعان من أن معضلتي الشباب والمرأة هما المفتاح. كما أيدت ما ذهب إليه كل من د. سعد الشهراني و أ. عبدالله الضويحي حول ذات القضية، وأضافت قولها: ليت المجتمع يدرك هذه الحقيقة ..ليتكم تغردون بها مراراً.

       أما د. مساعد المحيا فيتفق مع مجمل ما طرحه د. خالد ود. سعد، لكنه يرى فيما يخص مسألة الكبار والصغار الذين يديرون صناعة القرار أنه في كثير من الدول المتقدمة غالب من يدير القرار فيها هم من فئات كبيرة في السن ، وطبعاً الأكبر سناً هنا المقصود به أولئك الذين يصنعون الفرق .. ويقول د. مساعد: لاحظ كبار المسؤولين وأعضاء مجالس الشيوخ والبرلمانيين ومدراء الشركات في الدول الغربية وفي آسيا ستجد أن غالبيتهم من الفئة العمرية الكبيرة إذ هم الأكثر خبرة ونضجاً.. طبعاً لا يعني هذا أن كل الوظائف والمهام يفترض أن تؤول للفئة العمرية الأكبر وإنما المعول عليه الكفاءة في نهاية المطاف وربما كان شاب أو فتاة في عمر الثلاثين أكثر قدرة على إدارة عمل من خمسيني أو ستيني.

       وبدوره علق اللواء د. سعد الشهراني على ملاحظة د. مساعد بقوله: لقد حرصت في الجانب الاجتماعي على أن أحفظ لكبار السن (و أنا واحد منهم !) مقامهم و مكانتهم  الاجتماعية  ولا ننس أنهم آباؤنا الذين لهم الحق الواجب شرعاً و عرفاً  و لهم أهميتهم لخبراتهم وقدراتهم و لا يمكن الانتقاص من ذلك ربما أن ما طغى على مداخلتي هو الفكر الكامن لدي بخصوص المساواة بين الأجيال في جانبها العام المتعلق بالموارد العامة هنا المسؤولية والقرار (في هذا الشأن و ما يماثله) مركزان بشكل كبير جداً و يقاس عليه مسألة ترشيد النفقات العامة و البيئة و الممتلكات العامة وغيرها. و سيبقى كبار السن في مجتمعنا في مكانة أفضل من بقية دول العالم بإذن الله و بطبيعة الأمور سيبقى لهم نصيب الأسد في إدارة الشؤون العامة و الخاصة في المجتمع.

       ومن جانبه أضاف أ. عبدالله الضويحي: لا نختلف على حق كبار السن وتقديرهم ومكانتهم وربما كنا الوحيدين الذي يحفظ لهم هذه القيمة اجتماعياً أو على الأقل أكثر من يحفظ لهم ذلك لكن في الوقت نفسه لابد أن يكون للشباب دوره في التخطيط ورسم آفاق مستقبله وصناعة القرار ..نريد مزج الخبرة بالطموح وأن لا يطغى أحدهما على الآخر.

وسائل تعزيز الآداب العامة في المجتمع السعودي: نحو آليات مؤثرة

       أشار د. حسين الحكمي إلى أن من الضروري أن نغير من أسلوب غرس القيم التقليدي المطبق حالياً ، وأن نبرز النماذج الإيجابية أكثر ونشجع عليها لنواجه انتشار السلوكيات الخاطئة ، بجانب معاقبة المخطئ والتشهير به والتركيز على سلوكياته ونقدها ونقد فاعلها. كل ذلك يجب أن يكون في حملة مجتمعية مستمرة وليست لمدة أسبوع كما حملة المرور أو غيرها. وفي هذا الإطار، يمكن تقسيم المجتمعات عمرياً إلى ثلاث مراحل : ما قبل الشباب ، شباب ، ما بعد الشباب. والتركيز يكون بحسب تلك المراحل ، مكثف لما قبل الشباب ، متوسط للشباب وبسيط لمن هم في مرحلة ما بعد الشباب.  يجب أن نفكر في كيف يكون سلوك من هم في مرحلة ما قبل الشباب عندما يكبرون وكيف سيربون أطفالهم وكيف سينظرون للسلوكيات الخاطئة في المجتمع وكيف يتعاملون معها. إضافة إلى غرس الإيجابيات ومعاقبة السلوكيات المخالفة والخادشة والغير مقبولة وتطبيق العقوبة على الجميع صغيرهم وكبيرهم وأميرهم. كما يمكن لنا النظر إلى ما فعلته الإمارات ، وهي الدولة المدنية الحديثة مقارنة بالسعودية ، وأيضا ما فعلته عمان ، من أجل ضبط سلوك المواطن واتساقه مع القيم الإسلامية والعربية والعالمية.

       ومن وجهة نظر أ. ليلى الشهراني فإن الأصل في تعزيز هذه السلوكيات يبدأ من الصغر , ولا يكتفي المربي فقط بتوجيه الأوامر بل يكون قدوة , وما حوار نبينا عليه الصلاة والسلام مع الطفل الذي تطيش يده في صحن الأكل , إلا درساً في فن آداب الجلوس على المائدة أو بما يسمى عندنا اليوم بـ “فن الإتيكيت” , اختصرها في ثلاث كلمات (سم الله , كل بيمينك , كل مما يليك) وفي هذا درس عملي للطفل ليراعي الآداب العامة ويحترم من حوله حتى لو كانت في طريقة الأكل. أيضاً في مسألة الاستئذان , في القرآن الكريم تنبيه على حفظ خصوصيات الناس في بيوتهم وعدم دخولها إلا بإذن, وفي التعاملات اليومية هناك نهي عن كل ما فيه مضرة لبشر مسلم كان أو غير مسلم , والتنبيه على مراعاة حقوق الناس في الجيرة والسكن والطريق والمنافع المشتركة. هذه السلوكيات يمكن تعزيزها بالتربية الأسرية لأنها البيئة الحاضنة لكل إنسان , وتعزيزها بالقوانين والتنمية والنظام لأن أي خلل في هذا قد يصنع فوضى ولا مبالاة وعدم إحساس بالمسئولية الجماعية وتغليب الفردية في كل شيء. والواضح أن بناء الإنسان ووجود التنمية قد تغير في بعض سلوكيات الناس , ولعل قصة علي بن الجهم وقصيدته الشهيرة :

أنت كالكلب في حفاظك للود / وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمتك دلواً / من كبار الدلا كثير الذنوب

وكيف تغيرت ألفاظ هذا الأعرابي الجلف وترققت طباعه لتخرج قصيدة :

عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أعدن لي الشوق القديم ولم أكن/سلوت ولكن زدن جمراً على جمر

       إذا لدينا وسائل كثيرة لتعزيز هذه القيم والمبادئ , وهي ليست بالمستحيلات , وما ينقصنا فقط هو النية الجادة للتكاتف وتغيير ما يمكن تغييره في أنفسنا قبل غيرنا.

       ويرى اللواء د. سعد الشهراني ضرورة أن نحارب بشتى الوسائل السلوكيات السلبية في الأماكن و الفضاءات العامة  و أن نرقى بالسلوكيات ونرسخ  القيم العليا التي تحترم الإنسان و البيئة و القانون في الداخل لأنها ستحسن سلوكنا الخارجي بل و صورتنا النمطية لدى الآخر كما يمكن إعداد كتيبات توعوية تعطى للسياح عند خروجهم من مطاراتنا الدولية بصيغة اعمل لا تعمل.

       وأكد أ. خالد الحارثي على أهمية التشريعات وتطبيق القانون بحق المخالفين ، وتفعيل المحاسبة دون محاباة ومساواة الجميع في العقوبة أو الثناء ، وضرورة تطوير المؤسسات الرسمية والأهلية التي تقوم على رعاية الشأن العام والآداب العامة بالشكل الذي يكفل تطوير الحياة العامة وآدابها والعطاء الإنساني المتوقع منها ، وبالذات أن الدين الإسلامي قد جعل للتضامن والتكافل مكانة كبيرة في مستوى المفهوم والتطبيق. مع ذلك فقد فقدت هذه الاعتبارات وغيرها أثرها في حياة المسلمين وأصبحت حجة علينا وليست لنا ، خصوصاً أن الوعظ أصبح دون مصداقية ودون تواضع ، بل أصبح الغرور واستغفال الناس وتوبيخ المجتمع ممن لا يحملون رصيداً من النزاهة والتجرد والتواضع بل يتاجرون ويكسبون الشهرة والمكانة من الغناء على آلامهم ومشاعرهم.

المبحث الخامس

الحضور النسائي لمباراة السوبر في لندن

الحضور النسائي: جدل وردود فعل متباينة

       حظي الحضور النسائي لمباراة السوبر في لندن بين فريقي الهلال والنصر بقسط وافر من الجدل والنقاش بين أعضاء منتدى أسبار وأدلى كل بدلوه بما يعكس وجهة نظره. ونحاول في هذا المبحث الإلمام بأهم ما ورد من آراء وتحليلات وما أثير من قضايا فرعية في هذا الشأن.

       بداية يعتقد السفير أ. أسامة نقلي أن ردود الفعل بشأن حضور النساء لمباراة السوبر في لندن، يمكن اعتبارها بمثابة استطلاع رأي عما إذا كان المجتمع مهيئاً لدخول المرأة الملاعب في السعودية .. ويبدو له أن المجتمع ليس مهيئاً بعد، من واقع التطرّف في معارضته لدرجة وصفه بالفسق والفجور، وهذا في رأيه مبرر للحكومة في تأخرها في هذا القرار.. وعموماً رغم غرابة التجربة، إلا أن أ. أسامة نقلي سعيد بها كقرون استشعار لقضايا مجتمعية مهمة، وعلى حد قوله: كان الله في عون المرأة السعودية من قسوة العادات والتقاليد التي لا زالت تسيطر على العقول التي تعتبر المرأة (رأس حربتها).

       وقال د. مساعد المحيا: أميل إلى أن شغف المرأة بحضور المباريات من باب أن كل ممنوع مرغوب …من ملاحظتي كان حضور النساء في لندن قليلاً جداً مقارنة بتوقعات كانت تشير الى حضور نسائي جماهيري.

       وعلق د. خالد الرديعان بقوله لنفتح الباب وسيصبح الأمر أقل من عادي جداً.. وبدوره أشار د. مساعد المحيا مرة أخرى إلى أن الشباب والفتيات ممن يذهبون إلى لندن غير أولئك ممن لم تتح لهم الفرصة لذلك. إذ أن الذين اعتادوا السفر وانتظم سلوكهم وفقاً للبيئة الغربية يختلفون كثيراً عن الذين لم يتطبعوا بهذا السلوك.

       أما د. عبدالسلام الوايل فينظر للجانب الايجابي والمتعلق برؤية الشابات و الشباب في مكان واحد دون أن يسيئ الشباب للفتيات كأن أبناءنا وحوش ضارية و ليسوا بشر. واستشهد بقول درويش: ونحن نحب الحياة …إذا ما استطعنا إليها سبيلاً.

       واتفقت د. سامية العمودي مع هذا الرأي حيث قالت: ذهبوا اجتمعوا شباب وشابات اختلطوا كاشفات ومنقبات ماذا حدث لا شيء أين الخلل إذن؟

       وأكد أ. مسفر الموسى على دور القانون مستشهداً بالانضباط الذي يبديه الشباب حتى في أسواق دبي.. وعليه فالقانون هو المحك. وأضاف د. علي الحكمي: لا انضباط بدون قانون صارم. وعقب د. خالد الرديعان بأنه ليس القانون فقط ولكن احترامه.. والانصياع له.

       وتساءل د. مساعد المحيا: هل أنتم تؤيدون خروج النساء السعوديات المسلمات بهذا التبرج الذي ظهر لدى البعض منهن في مباراة السوبر بلندن؟ وأضاف: أنا لا أتحدث عن المنقبات ولا المحجبات ..لم أجد أحداً يستنكر هذا أما أنا فلا أخجل واستنكر هذا وأسأل لهن الهداية وأن يشملهن بعفوه.

       وعلقت د. سامية العمودي بأن التهليل لم ولن يكون للتبرج فالنقاش صلبه حضور العائلة للملاعب. كذلك أوضحت د. عائشة حجازي أنها ليست مع التبرج لاهنا ولا هناك لكن ما يمكن مناقشته بشكل موضوعي هو حضور العائلة للملعب. وفي هذا الإطار أشار د. عبدالسلام الوايل أن ما نحتاجه هو قانون يطبق بصرامة و ليس حجب المرأة و إقصائها.

       أما أ. ليلى الشهراني فقالت: لن أعلق على ردود الأفعال العنيفة جداً على حضور النساء والكلمات البشعة التي قيلت فهذه تتكرر دائماً من بعض المأزومين فكرياً ، ومن ثم يتردد صداها في تغريدات بعض الحسابات التي لا يمكن التنبؤ بهدفها أو من يديرها ، وهي في الغالب تستخدم لشحن الأطراف وضرب الآراء بعضها ببعض. ما حصل في لندن لا يمكن أن نقول عنه تجربة ناجحة يمكن تطبيقها هنا ، فمثلما نؤمن بالتغيير الايجابي وحرية الناس ، يجب أن لا ننسى أننا مجتمع بفطرته متدين ، وتحكمه أخلاق ومبادئ ، وما تم التركيز عليه في المباراة ، لم تكن تلك العائلة العادية بل صور أشبه ما تكون بعضها لعارضات أزياء أو ممثلات ، وحتى لو كانت حقيقة للبس بعض السعوديات في الخارج فلا نجعل منها مادة استفزازية لمن في الداخل ، ولنضع أنفسنا مكان المعارضين ونتفهم تخوفهم ، فإلى الآن لم يقدم لهم مشروع تغيير منضبط ، كل ما نراه هو صدمهم ببعض التصرفات الفردية ومن ثم نقول عنهم أنهم متخلفون رجعيون متشددون ؟ .. للأسف المرأة في بلادي هي الكرة التي يتقاذفها فريقان ، فريق يرى أن أكبر طموحها يكون في تحررها بالكامل ، وفريق يريد حبسها في قمقم ، لذلك المعركة مستمرة وللأسف أنها باقية وتتمدد وتتشعب كل عام.

       وعلقت د. سامية العمودي على ما ذكرته أ. ليلى الشهراني بأن هناك أموراً اجتهادية لا تترك لفئة دون أخرى وسن الأنظمة والقوانين يمنحنا حق الاختيار.

       وبدورها أوضحت  أ. ليلى الشهراني أنها لا تقول بأن يفرض كل إنسان رؤيته أو طريقة إدارته لحياته أو حتى درجة ورعه وتدينه على الآخرين ، ديننا دين يسر ومبدأ (افعل ولا حرج) ماض من عهد محمد عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا ، والتشدد في كل الأمور ليس جيداً وأيضاً التساهل وخير الأمور أوسطها ، وما نراه اليوم تطرف من الجميع ، ربما نحن بحاجة لجرعة هدوء وتسامح وسلام داخلي ومن ثم نستطيع التفكير في كثير من الأمور بعقلانية فنحن في مركب واحد وإن اختلفت الميول والمشارب.

       واتفقت د. عائشة حجازي مع هذا الطرح من جانب أ. ليلى الشهراني، وأضافت أن التطرف أصبح من الجهتين إفراط في التشدد وإفراط في التحلل.

       في حين يرى د. عبدالسلام الوايل أن الرؤية بأن هناك إفراط في التشدد و إفراط في التحلل تتضمن منظوراً معيارياً يفرض نفسه بوصفه الأمثل. البديل هو التوقف عن نقد تصرف الآخرين ما دام أنه بحق أنفسهم كلبس و نحوه. ببساطة الحكم على من تلبس عباية رأس بالمباراة أو من وضعت مكياج ليس من شأن أحد غير المرأة و أهلها. غير ذلك هو تدخل في شئون الاخرين و تسلط عليهم.

       من جانبه أشار السفير أ. أسامة نقلي إلى أن التطرّف الفكري أشد مضاضة من التطرّف الديني ، لأن التطرّف الفكري يمكن أن يشمل كل فئات المجتمع بكافة تياراته، بينما الديني يقتصر على شريحة من فئة واحدة. وأضاف د. عبدالسلام الوايل: إذا كل المجتمع فئة واحدة. فقد مسهم جميعاً أثر التطرف الديني.

       وعلق د. علي الحكمي على وجهة نظر د. عبدالسلام الوايل بأنه يعتقد أن من حق الدولة أن تضع معياراً للسلوكيات الاجتماعية المقبولة ومنها اللبس.. في أمريكا هناك قوانين تفرض لبساً في الأماكن العامة وحتى بعض المطاعم والفنادق هناك تضع code للبس خاص بها. وقد ترفض إدخال من يلبس شورت وتشترط لبس رسمي.

       ومن جهته علق د. منصور المطيري بأن الحديث عن قضية المرأة بالعموم مشكل في نظره لأن الغائب في الحديث هو النموذج المرغوب فهو غير محدد في حديث أكثر من ينتقد وضع المرأة .. و حسب اطلاعه فإن أكثر الصراخ في هذا الجانب يأتي من بعض أنصار الحركة الأنثوية العالمية ( feminism ) ليردد أصواتهن بعض السعوديين و السعوديات في الساحة الثقافية و الإعلامية – دون قصد الإشارة إلى أي أحد بعينه في هذه المجموعة – والمعروف أن هذه الحركة الأنثوية تطرفت و أصبحت راديكالية جدا و أثرت على موقع الرجل تأثيراً جعل مكانة الرجل تتراجع فهناك دراسات في العالم الغربي بحثت أثر هذه الظاهرة على الرجال ..وهذه الحركة تقف موقفاً مصادماً جداً لأحكام شرعية صريحة من مثل: قوامة الرجل ، إرث المرأة ، حجاب المرأة ، طاعة الزوج ، ولاية الزواج ، والسفر بمحرم .. فضلا عن القضايا الجدلية التي تتجاذبها التيارات الفكرية عندنا كقيادة المرأة للسيارة وغيرها .. و لذلك على أي مثقف مسلم أن يكون صريحاً في موقفه من هذه القضايا و غيرها، بمعنى أن يحدد بالضبط القضية التي يعالجها و من أي منطلق يعالجها.

       وأضاف د. منصور المطيري: بالنسبة للمرأة السعودية تصر الحركة الأنثوية العالمية على تصويرها بصورة الضحية .. و الحقيقة أنني أذكر أنني قرأت مقالة لباحثة هولندية ذكرت أن المرأة السعودية أكثر نساء العالم دلالاً .. و هذا هو ما أشاهده من حولي فعناية الزوج بزوجته في بيئتي التي أعيش فيها و المؤكد أنها لا تختلف كثيراً عن بيئة الزملاء و الزميلات في منتدى أسبار هي ديدن الغالبية العظمى من الناس .. و هو الحكم الذي يستحقه المجتمع لا الحوادث الشاذة .. و الحقيقة أن الأمثلة الرائعة في التعامل كثيرة جدا في سلوك هؤلاء .. و أنا شخصيا ما تعلمت الاهتمام بالزوجة و التودد إليها إلا من والدي الذي يتجاوز التسعين من عمره الآن .. حيث كنا نراه في كل عيد و هو بكامل زينته يعانق الوالدة و تتلقاه الوالدة بكل ترحاب في مشهد رومانسي لا يمكن أن ينمحي من الذاكرة .. حتى أنني طبقته بحذافيره بعد زواجي و لا زلت ..( وأدعوكم لتطبيقه أي أمام الأبناء و البنات ).

       أيضاً يرى د. منصور المطيري أنه يمكن أن ندخل كل قضايانا المشكلة المتعلقة بالمرأة (كقيادة السيارة و الدخول إلى الملاعب و الاختلاط) أو المتعلقة بالآداب العامة كما طرح د. عبدالسلام .. و من منظور ثقافي و في رأيه الشخصي نفتقد الجدية و التنظيم في نقاش قضايانا.

  • فأولاً يجب أن يكون الحوار العام حول هذه القضايا جاداً وصادقاً .. و معنى (جادا و صادقاً) أن يكون المثقف منطلقاً من المبادئ العليا التي يؤمن بها ونؤمن بها جميعاً لا أن يقع في تناقض معها.. فمثلاً (كمثال) ظهور النساء غير المتحجبات في مباراة السوبر إذا كان مجالاً للحديث فيجب أن يسيطر على المثقف الجاد منطق التساؤل عن سر المخالفة للأحكام الشرعية و التساهل في معصية الله.. لا أن يسيطر عليه منطق التبرير و الفرح بظهور مثل هذا الوضع ، ولن يلام بعد ذلك في أي نتيجة يصل إليها.. فقد يتحملها المجتمع وقد تتحملها الأسرة أو المرأة نفسها أو غير ذلك بحسب ما يراه هذا المثقف ..
  • و أما التنظيم فيرى د. منصور أن النقاشات عندنا تتلقفها الأيديولوجيات المختلفة لتتصارع حولها ولتشكل بذلك وقودا يضمن استمرار المتصارعين و يزعج المتابعين و يشق عصاهم .. و المفروض أن النقاش ينتقل بسرعة إلى المؤسسات المعنية لتأخذه بعيدا عن ساحة الصراع إلى ساحة صنع الأنظمة أو القرارات التي تحل المشكل على ضوء الفلسفة الأخلاقية المقبولة لدى المجتمع ( ويقصد بالمؤسسات : الجهات المعنية بموضوع الحوار، وهيئة كبار العلماء ، و مجلس الشورى و غيره ).

       ومن وجهة نظر د. منصور المطيري وتعليقاً على ما طرحه د. عبدالسلام فإن الأفكار لدينا لا تلد مشاريعاً أبداً و إنما تذهب لتموت و تدفن في مقبرة ما .. أو توضع في مخزن و تقفل عليها الأبواب … ثقافتنا الإدارية ليست حيوية و يقظة تلتقط الأفكار لتنتج مشروعاً .. بل هي كسولة ترى الفكرة الجميلة فتتركها للمقبرة .. و هذا يعني في نظره أن القيم لدينا لا تدفعنا للعمل بالشكل الكافي .. كما بدأ يظهر مؤخرا لدينا المثقف الكذوب الانتهازي الثرثار. ويذكر د. منصور المطيري أنه كان في مجلس يتابع برنامجاً حواريا حول التعليم في السعودية قبل سنوات في قناة تبث من لبنان و كان أحد الضيوف السعوديين ( هو مشهور الآن ) ينتقد التعليم في السعودية و يطرح بعض الأطروحات المثالية ..فجن جنون أحد الحاضرين و كان وكيلا لإحدى المدارس الثانوية في الرياض و أخذ يترجى الحضور أن يتصلوا بالقناة يريد أن يتداخل مع الضيوف .. وللأسف لم يتمكن من ذلك، ما دفع د. منصور لسؤاله عن سبب هيجانه .. قال هذا المتحدث كان يوما من الأيام مدرساً في مدرستي و أخذ يحلف بالله أنه ذهب عدة مرات إلى فصله ليجده متمدداً نائماً في الفصل فيضطر لإيقاظه و يعتذر بأنه يسهر و لا ينام .. فكان يقول كيف يتحدث مثل هذا عن إصلاح التعليم.

       وفي السياق ذاته، أوضح أ. عبدالله الضويحي أن الحديث عن سوبر لندن يطول وذو شجون ولن يتوقف وربما تحول إلى مباراة بين تيارين والكرة فيه هي “المرأة السعودية” البعض خرج عن الهدف الرئيس منه إلى تحديده بتغريب المرأة ودخولها الملاعب علماً أنها تحضر مباريات المنتخب والأندية السعودية عندما تلعب في الخليج ولم يحصل ما حصل من ردود الفعل واللائي حضرن المباراة لم يتم نقلهن من هنا إليها لتقول ذلك .. هن أساساً موجودات في أوروبا وبالصورة التي ظهرن فيها في المباراة سواء متحجبات أو غير متحجبات. كلنا مع المنطق والشرع وضد التبرج والسفور. ومع هذا تساءل أ. عبدالله الضويحي: شرعاً ما هو الفرق في وضع هؤلاء النسوة أن يراهن الأجانب أو العرب أو السعوديون في الهايد بارك وأيجوارد رود والشانزيليزيه وغيرها والنمسا أو أن يرونهم في التلفزيون !؟ .. أم أن الفكرة هي أن لا يُرين هنا من قبل السعوديين وفي التلفزيون !؟

       أما م. سالم المري فيرى أن “مهزلة” نقل المباراة إلى لندن تحولت إلى “مهزلة” أخرى نحن أبعد ما نكون في الحاجة لها في الوقت الحاضر وهي مسألة “صراع الديكة” بين من يناصرون مسألة حضور المرأة للمباريات ومن يعارضونه؟ وكأن لآرائهم أهمية.

       وعلق د. خالد الرديعان على ما ذكره م. سالم المري بأن الهدف من إقامة المباراة في رأيه لم يكن خلق صراع فكري على المرأة… هذا أتى لاحقاً بسبب تشنجنا وتطرفنا.

       وأضاف د. عبدالسلام الوايل: إن كان حقا أن mbc نظمت المباراة في لندن بقصد إظهار أنه يمكن جمع فتياتنا و شباننا بدون مضايقة و تحرش فإن من واجبنا رفع القبعة لها فقد نجحت في إثبات فرضيتها.

       وعقب أ. عبدالله الضويحي على هذا الرأي الأخير لد. عبدالسلام بأنه لا يعتقد أن القناة الناقلة فرضت تعليمات معينة على الجماهير.. نعم ربما كان هناك توجيه عام بالانضباط … لكن المؤكد أن هؤلاء يدركون أنهم تحت المراقبة سواء القانون أو النقل التلفزيوني .. من يريد أن يتحرش سيصل وسيجد أكثر من التحرش في شوارع لندن وأماكن غير الملعب. كذلك فإن لدينا قانون مكتوب حول اللبس وبأمر سام لكن فقط بمراجعة الدوائر الحكومية باللبس الرسمي .. ومع ذلك يدخلون المستشفيات وبعض الأماكن بملابس النوم.

       لكن م. سالم المري يعتقد أن مثل هذه التصرفات الساذجة التي لا تضع اهتمام الجماهير وكرامة الناس في الحسبان هي التي تثير النفوس وتجعل شبابنا عرضة لإغراءات الارهاب الفكرية وتضعف روابطهم بالوطن؟

       وشكك أ. عبدالله الضويحي في إحدى الاحصائيات التي تقول: (تم انتقاء ١١٤ لقطة للفتيات في الملعب مقابل ١٦ لقطة للشباب خلال المباراة .. كان هناك هرولة شديدة لنقل الأنموذج …) أما عن أسباب التشكك في هذه الإحصائية برأي أ. عبدالله فيرجع لسببين:

  • أولاً: أن اللقطات في معظمها عامة.
  • ثانياً: مجموع اللقطات 130 لقطة وإذا أضفنا لها اللقطات العامة كم سيتبقى من الوقت لنقل المباراة التي لا تتجاوز 90 دقيقة !؟ وعليه  يبدو أن الإحصائية تسويقية لأفكار معينة وتغليب فكرة.

       ومن ناحية أخرى اعتبر السفير أ. أسامة نقلي أن الجدل الدائر في مواقع التواصل عن مباراة السوبر وما صاحبها من حضور نسائي .. يعتبر في عرف الإعلام دعاية مجانية للقناة وبرامجها. وأضاف د. خالد الرديعان أن المسألة قد تكون لها أيضاً جوانب أمنية لا تخفى على الحصيف.

       أما اللواء د. سعد الشهراني فيرى أنه وبعيداً عن المرأة وحضورها والانضباط الجماهيري فإن إقامة المباراة في أي مدينة سعودية أكثر فائدة لاسيما من حيث حق الشباب ومحبي الرياضة و مشجعي الناديين الكبيرين الذين لا يستطيعون حضورها خارج المملكة في الحضور و المشاهدة. وأكد د. سعد أنه أيضاً مع حضور العوائل في جزء خاص من كل مدرج وكذلك فهو مع الضرب بيد من حديد على من يخل بالأدب و النظام في المناسبات والأماكن العامة.

       أما أ. مسفر الموسى فيقول: إذا افترضنا تضارب السلوك الجماهيري بين قيم المجتمع والقيم التي ظهرت في المدرجات.. فهل هذا يعني أن جل مشروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يستطع غرس القيم التي يريدها؟.. هل يعني أيضا أنه كرس مفهوم الرقابة المباشرة والعقاب بدلا من الاقناع؟.. هل مجتمعنا حقاً محافظ بالصورة النمطية التي نكررها ويكررها الخطاب الديني؟

       وأشار د. خالد بن دهيش إلى مقالة مهمة لمحمد آل الشيخ بعنوان: عن مباراة السوبر في لندن.. أحدثكم! وجاء بها: أن نجاح مباراة (السوبر) بين الهلال والنصر، التي أقيمت في لندن، وحضرها السعوديون من النساء والرجال معاً، ستدفع بالمنظمين لمثل تلك المباراة، والأندية ثانياً، والاتحاد السعودي لكرة القدم ثالثاً، لتكرار التجربة، وإقامة مثل هذه المباريات في الخارج مرات ومرات؛ فمثلما نذهب بحفلاتنا الغنائية إلى خارج المملكة، فالمباريات ستنحو ذات المنحى؛ وسوف نذهب أيضاً بالمباريات والمسابقات الرياضية إلى الخارج، كي تحضرها (المرأة)، مثلما يحصل في كل بقاع الأرض في العالم أجمع. فنحن – للأسف – نراعي ونجامل، ونتحاشى الصدام، مع ثقافة متخلفة، ورجال متشددين ومتزمتين، ونخاف (إغضابهم) خوفاً مرضياً غير مبرر لا شرعاً بدليل من الكتاب والسنة، ولا أخلاقياً باحتمالات تدعونا إلى منع المرأة من حضور مثل هذه الاحتفالات الرياضية البهيجة؛ اللهم إلا (التحوط)، أداة المتزمتين، المغرقة في التشدد والوسوسة، التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ فهذه الثقافة التي نراعيها، ونمنع بسببها المرأة من حضور المباريات، ثقافة تكره الترفيه، وتبغض الابتسامة، وتنفر من الموسيقى والفنون الجميلة بأشكالها، وتنوعاتها، وبالذات (الطرب والغناء)، من قبل أناس متكلسين، منغلقين، يفرضون علينا عللهم النفسية وتقاليدهم الاجتماعية العابسة المتجهمة؛ وكأنهم هم فقط (الصالحون)، وكل أمم الأرض غيرهم (طالحون)؛ وحينما تسألهم عن منطلقات تحريمهم لهذه الظواهر دونما دليل، يخترعون أدلة وقياسات وتخوفات افتراضية بعيدة الحدوث، ويضعون منها دليلاً قطعياً، من شكك فيه، أو في دلالاته، أو ارتباطه بحرمة هذه الممارسات البريئة أو تلك، أقاموا عليه الدنيا، وحرضوا عليه الناس، في محاولة كيدية حاقدة للإضرار به، وبسمعته، وبقيمته الاجتماعية؛ بل وسلامة ديانته.

       ومن وجهة نظر محمد آل الشيخ فإن هناك كثير من (الأضرار) والتبعات السلبية، التي تنتج عن مجاملتنا للمتزمتين:

  • الضرر الأول: أن مراعاتنا لهؤلاء، تكلفنا وتكلف الوطن، خسائر على مستويات متعددة؛ أهمها على الإطلاق (المستوى الاجتماعي  والثقافي)؛ فحصارنا للمناشط الترفيهية، وتضييقنا على الفنون والطرب، وعلى البهجة بمختلف أنواعها وأشكالها، يجعل الفرد، خاصة الشاب بالذات، يُفرّغ حماسه الإنساني، واندفاعه، وصبوته الفطرية، ليس في الترفيه والإبداع الفني، وإنما في الإرهاب، أو في التفحيط، مثل ما يفعل (الدرباوية) من شبابنا. وبالمناسبة فليس لدي أدنى شك أن ثمة علاقة قوية، وعكسية، بين الإرهاب وتغييب البهجة والتمتع بالحياة؛ فكلما (ضيقنا) على هذه، (زادت) تلك، والعكس صحيح. لذلك نجد أن أساطين الإرهاب تكره الفنون وتمقتها، لأن من شأن هذه الممارسات صرف الشباب عنهم، وعن معسكراتهم ومحاضنهم الإرهابية.
  • الضرر الثاني: ضرر اقتصادي بحت. فكم خسر الاقتصاد السعودي نتيجة تضييقتا على البهجة والترفية والسياحة، وكم ربح الآخرون في الخارج من ذلك؟.. الكثير والكثير جدا؛ غير أن ذهنية المتشدد، خاصة في المجتمعات ذات الاقتصاديات الريعية، ذهنية لا تقيم للمصلحة الاقتصادية وزنا، قدر اهتمامها بالتشبث بالموروث من العادات والتقاليد، حتى وإن ألقت بالمجتمع في مشاكل اقتصادية وبطالة وضيق فرص العمل.
  • الضرر الثالث: ضرر سياسي محض؛ فكلنا نعرف أن ثمة اتجاه لحرمان المملكة من المشاركة في المسابقات الرياضية العالمية، والسبب  تغييبنا للمرأة، عن المشاركات الدولية؛ وهذا فيما لو استمر دون علاج حاسم، فسوف يتم قطعاً حرمان المملكة من هذه المناشط العالمية، التي تحرص عليها الدول، وتبذل الكثير لاستضافتها – كما فعلت قطر مثلاً – لما في ذلك من مردودات ليس على التطور الرياضي فحسب، وإنما على الاقتصاد والسياسة بالمعنى الواسع لهذه المصطلحات.
  • الضرر الرابع: ضرر قانوني. فمبررات المتشددين حين يقفون ضد حضور المرأة للمباريات الرياضية، تتكئ على منع ما (قد) يترتب على  حضور المرأة لهذه المناشط، من مخالفات شرعية (احتمالية) كما يبررون. وهذه النقطة بالذات (تدينهم) في حين يظنون أنها (تؤيدهم)؛ فكيف استطاعت دولة مثل إنجلترا وهي لا تُطبق الشريعة، تنظيم هذه المسابقات هناك، وحضور المرأة لها بأمان، في حين (تعجز) المملكة التي تطبق الشريعة، عن تأمين المرأة هنا؟.. إنه تخبط المتشددين، فعندما يفتقرون إلى دليل قاطع يحرم هذه الممارسات، يلجؤون إلى (سد الذرائع) غير أن تشبثهم بالذرائع هنا، لم يحقق لهم المراد، فها هي مباراة السوبر أقيمت في لندن، بين ناديين سعوديين، وحضرها السعوديون، إناثاً وذكوراً، وغمرتهم البهجة والسرور، (وما شافوا شر)!

       وأخيراً يرى محمد آل الشيخ أن مباراة السوبر في لندن، فرّغت كل تخوفات ثقافة التشدد والانغلاق من محتواها؛ وإذا لم ننتهز هذه الفرصة ونكرر ما حصل في لندن في مدن المملكة، ونواجه ثقافة التشدد ومخرجاتها، فليس ثمة إلا تكريس التشدد، والإغراق في تحدي المنطق، الذي تؤكده الحجج التي تم استعراضها.

       واعتبر أ. علي بن علي أن توجه محمد آل الشيخ ليس بجديد. وعلق أ. عبدالله الضويحي بأن محمد آل الشيخ أخذ المسألة من جانب واحد فقط بعيد كل البعد عن الهدف الأساس وضد التيار الآخر.

بعيداً عن جدل الحضور النسائي: وماذا عن قلة منافذ الترويح؟

       ومن ناحية أخرى أوضح د. علي الحكمي أن الجدل الذي نتج عن مباراة السوبر البارحة يجب أن لا ينسينا مشكلة رئيسية يعاني منها مجتمعنا وهي قلة منافذ الترويح في المجتمع وفرصه للشباب والأسر كذلك. الأسر التي لا تتمكن من السفر في الصيف لا تجد إلا الأسواق والمطاعم لكن الترويح المتنوع والجاذب يبقى قليل. ولو لاحظنا مهرجان جدة التاريخية نجد أن الإقبال عليه كثيف لروعته، ولكن للأسف انتشار مثل هذه الفعاليات محدود.

       واقترح د. خالد الرديعان أن يتم وضع جمنيزيوم ومسبح وصالة رياضية في كل حي… وتساءل هل هذا صعب؟؟ وأضاف د. خالد: ليت شبابنا يتجه للرياضة بدلاً من الوقوع في براثن المخدرات والتطرف الديني… الرياضة تهذب العقل والجسم.

المبحث السادس

تنظيم الزكاة باعتبارها أحد أهم روافد معالجة الفقر في المجتمع السعودي المعاصر

المدخل والطرح العام:

       عرض اللواء د. سعد الشهراني ورقة عمل حول تنظيم الزكاة  باعتبارها أحد أهم روافد معالجة الفقر في المجتمع السعودي المعاصر. وقد استهلها بطرح مجموعة من التساؤلات المحورية كما يلي:

  • هل كل مكلف يدفع ما يجب عليه من زكاة؟
  • هل يجب على الدولة (ولي الأمر) أن تلزم كل مكلف بدفع الزكاة المستحقة عليه؟
  • هل ما يخرج فعلاً من زكاة في المملكة يقترب مما يمكن أن يكون عليه أو ما يجب أن يجبى أي هل تتم جباية الزكاة بكفاءة و فاعلية؟
  • هل يتم توزيع الزكاة بفاعلية وكفاءة؟ (دون الدخول في جدل حول مفهومي الفاعلية والكفاءة و الفرق اللغوي في المعنى بين الفاعلية والفعالية حيث تستخدم هنا بالمعنى السائد في أدبيات الإدارة).
  • هل كل من تدفع له الزكاة أو يطلبها مستحق لها فعلا؟
  • هل تصل الزكاة لكل مستحق لها؟
  • هل يمكن إعادة تنظيم جباية الزكاة وتوزيعها بما يكفل الاستفادة القصوى من هذه الفريضة في معالجة الفقر؟

       هذه تساؤلات مهمة وأساسية و كان يجب على الإدارة المالية العليا في المملكة طرحها كمنطلق لترشيد جباية وتوزيع الزكاة خصوصاً مع تزايد الثروات العامة والخاصة منذ ما عرف بالطفرة الأولى في الوقت الذي تزايدت فيه ظاهرة الفقر.

       نعم فقير المملكة قد يعد غنياً أو على الأقل متوسط الحال قياساً لدول ومجتمعات كثيرة في هذا العالم، غير أن الفقر مسألة نسبية في النظرية و الواقع . فمثلاً الذي لا يملك سكناً ولا يستطيع دفع الايجار و هو مطمئن أنه سيتمكن من الصرف على متطلبات الحياة أو من يعاني معاناة حقيقية من الضغوط المالية في الأعياد و بداية الدراسة و المناسبات الاجتماعية أو من لا يملك وسيلة مواصلات (دعك من حجم الأسرة و الإعالة والمطلقات والأرامل والمعاقين و المهمشين والعاطلين ..إلخ) هو فقير في المجتمع السعودي حتى و إن كان دخله بالآلاف.

       في الوضع الحالي لأداء فريضة الزكاة هناك زكاة تدفع من المكلف مباشرة للمستحق أو من ينوب عنه كالجمعيات الخيرية من غير تدخل للدولة (خاص خاص ) و هذا لا نملك عنه أي معلومات أو إحصائيات إطلاقاً ( الرقم الاسود! ) و هو أمر غير منظم و لا نعلم من الذي يدفع أو لا يدفع و لا ما إذا كان المستحق كله يدفع و لا ما إذا كان من يطلبها او تدفع له مستحق لها أم لا.

       وهناك الزكاة التي تدفع من المكلفين للدولة التي تدفعها بدورها للمستحقين و هنا يدخل التنظيم العام في الصورة:

  • مصلحة الزكاة والدخل ووزارة الشؤون الاجتماعية ممثلة في الضمان الاجتماعي (خاص عام خاص) و هذا لدينا فيه إحصائيات حيث يتراوح ما يجبى من الزكاة على عروض التجارة و الأموال ما بين 12 إلى 15 مليار ريال و الدولة تدفع لصندوق الضمان الاجتماعي ما يفي بمدفوعات الضمان الاجتماعي التي تقارب 25 مليار ريال.
  • تنظيم جباية إيرادات المملكة من الضرائب (ومعظمها من إيرادات الضرائب على شركات البترول وهي بمئات المليارات من الريالات ) (خاص عام) وهذا ليس موضوعنا إلا في ما له علاقة بالمقترح المقدم في نهاية هذه الرؤية.
  • و تنظيم جباية الزكاة على عروض التجارة و الأموال ( المستحقة على المؤسسات المسجلة والمرخصة التي تحتاج شهادة أنها دفعت الزكاة ) (الأصل فيه أنه خاص خاص).

       هذان التنظيمان مجتمعان في تنظيم مصلحة الزكاة والدخل. و نعلم جميعاً أن للزكاة نظامها و للضرائب نظامها. و قد آن الأوان أولاً لفك الارتباط بين تنظيم إيرادات الدولة من الضرائب و إيرادات الزكاة الشرعية و ذلك لهدف رئيس هو رفع مستوى كفاءة و فاعلية جباية و توزيع الزكاة لتسهم بدور أكبر في معالجة ظاهرة الفقر.

المقترح:

       يقوم المقترح على ما يلي:

  • إعادة هيكلة مصلحة الزكاة والدخل بما يؤدي للفصل التنظيمي بين الضرائب كمصدر للإيرادات العامة (خاص عام ) وبين الزكاة كمصدر رئيس لمعالجة الفقر ولصندوق الضمان الاجتماعي (خاص خاص) بحيث يبقى التنظيم الخاص بإيرادات الضرائب مرتبط بوزارة المالية ويستقل تنظيم الزكاة عن أي جهاز حكومي.
  • تنشأ هيئة عامة (هنا عامة لا تعني الارتباط بأي جهاز عام آخر) مستقلة للزكاة ويكون استقلالها استقلالاً إداري كامل و لا ترتبط إلا بالملك و لا علاقة لها بالمالية العامة إلا ما يجب على المالية العامة دفعه لدعم إيراداتها أو ما يستحق على الدولة شرعاً أو نظاماً.
  • يكون لهذه الهيئة رؤيتها و رسالتها و قيمها مثل أي تنظيم حديث يخاطب العصر.
  • يكون لهذه الهيئة مجلس إدارة مستقل و تنظيم إداري تنفيذي حديث و هيئة شرعية ونظام محاسبي دقيق و مراقب داخلي و مراقب خارجي وتخضع الهيئة أيضاً لأجهزة الرقابة العامة.
  • يكون للهيئة مقر رئيس بطبيعة الحال وفروع في جميع مناطق المملكة الإدارية بل وفي المحافظات الكبرى و يتناسب كل تنظيم فرعي مع عدد السكان.
  • تتحدد وظيفة الهيئة الرئيسة في جباية الزكاة الشرعية من كل المكلفين (كل المكلفين قياساً على جباية الضرائب) و صرفها و توزيعها في أوجهها ومصارفها ولمستحقيها.
  • يكون لها نظام معلوماتي حديث و دقيق و يكون لكل مواطن أو مقيم و لكل مؤسسة مرخصة أو مسجلة بل لكل شخصية معنوية حساب لدى الهيئة فمنهم المكلفون و منهم المستحقون ومنهم غير ذلك و لكن تقلبات الحياة قد تجعل المكلف اليوم مستحق والمستحق مكلف غداً وغير ذلك قد يكون مكلفاً أو مستحقاً غداً.

       وأكد د. سعد الشهراني في النهاية على أن مسؤولية ولي الأمر(الدولة) في ضمان دفع المكلفين للزكاة المستحقة عليهم وفي وصول الزكاة لمستحقيها و صرفها في مصارفها الشرعية هي مسؤولية ثابتة وأصلية و لنتذكر مقولة الخليفة الراشد الأول رضي الله عنه للمرتدين و الله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه و سلم لحاربتهم عليه.

تنظيم الزكاة: تعقيبات ومناقشات حول الواقع الحالي ونواحي القصور

       أضاف م. سالم المري في تعقيبه على ورقة د. سعد الشهراني أن عملية التنظيم المرتجاة عليها أن تراعي أربعة جوانب كالتالي:

  • الجانب الأول: مراجعة الوضع الراهن للمكلفين ومعالجته خاصة من ناحية علاقتهم بمصلحة الزكاة والدخل. ففي الوقت الحاضر لا تتابع  المصلحة مع المكلفين في الوقت المحدد وإذا أتى المكلف بنفسه يريد دفع ما عليه كذبته وطلبت أعلى مما يحدده من زكاة هذا مع المؤسسات الفردية ومع الشركات الوطنية والمختلطة وينطبق عليهم المثل الشعبي (( شين وقوة عين)) فلا هم أرسلوا معقبيهم ومحاسبيهم للتدقيق على المكلفين كل سنه في الميعاد المحدد ولا هم صدقوا المكلف ومحاسبه القانوني حتى أن بعض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تصر مصلحة الزكاة والدخل بجباية الزكاة منها بواقع 2.5 بالمئة بالرغم من تسجيل بعضها خسائر تنزل بالوعاء الزكوي إلى ما دون الصفر ومع ذلك إما أن يدفع لهم صاحب المؤسسة شيء ما حسب تقديرهم أو (يدبر حاله) مع موظفيهم أو تتعطل أعماله لأن المصلحة لن تصدر له شهادتها المطلوبة في معظم المعاملات مع الجهات الحكومية وفي المناقصات وغيرها وهذا يدفع بالمؤسسات الفردية الصغيرة إلى الافلاس ويعقد عمل الشركات وهذه المعاناة للجميع مما عطل الأعمال في المملكة ونفر الاستثمارات الوطنية والأجنبية ونشط طريقاً آخر لحل هذه المشاكل وهو الفساد. ولذلك يلزم حل مشاكل المكلفين من مؤسسات فردية وشركات وكسب ثقتهم وتطويرهم كمصدر دخل مستقبلي عن طريق بعض الإجراءات التي تخفف من التعقيدات غير الضرورية المفروضة على قطاع الأعمال في المملكة والتي ليس لها قيمة إضافية كما يلي:
  • التصديق على ما يقوله المكلف إذا أتى طوعاً بنفسه للمصلحة والتدقيق المفاجئ لاحقاً وتطبيق عقوبات غرامية على المخالفين.
  • زيادة عدد الموظفين المختصين والتدقيق على الشركات الكبرى بانتظام.
  • إلغاء شهادات المصلحة المطلوبة على أصحاب الأعمال ماعدا تلك المطلوبة لتحصيل المستخلصات عند تنفيذ العقود والمقاولات.
  • الاعتماد على ما يدلي به أصحاب المؤسسات الفردية الصغيرة من معلومات وتصديقهم إلا في حال إثبات العكس من قبل المصلحة وعدم مطالبة أصحاب المؤسسات الفردية الخاسرة أو من يريدون إغلاق سجلاتهم بسبب فشل المؤسسة بالزكاة.
  • الجانب الثاني: كما ذكر د. سعد، هناك ضرورة لتقويم عمل مصلحة الزكاة والدخل في المملكة وتحديثها وإعادة هيكلتها بشكل كامل  وتوفير العدد الكافي من الموظفين وتحسين دخلهم وتدريبهم حتى تستطيع المصلحة القيام بواجبها على الوجه المطلوب وتكسب ثقة الناس ويمكن الاعتماد عليها في معالجة قضية مهمة في المجتمع كالفقر.
  • الجانب الثالث: مراجعة اللوائح والأنظمة التي تحكم عمل المصلحة حاليا وإعادة صياغتها في نظام للزكاة والدخل يكون أكثر وضوحاً وحسماً  ودقة ووضع قواعد واضحة يسهل معها حساب الوعاء الزكوي للمؤسسات الفردية والشركات لمنع التحايل وتضييق الخلاف الحاصل حول مقدار الزكاة.
  • الجانب الرابع: مراجعة المستفيدين من الضمان الاجتماعي حالياً وتحديد المستحقين للزكاة من قوائم الضمان وخارجها بدقة وتمحيص  ومراجعة الإعانات والتأكد من كفايتها، فبحسب شروط الضمان الاجتماعي المقرة في وزارة الشئون الاجتماعية يستحق للتسجيل في الضمان الاجتماعي الفئات التالية:
  • كبير السن : البالغ من العمر 60 عاماً وما فوق ، ويعول أسرته وليس لديه دخل كافي لتغطية مصاريف أسرته.
  • العاجز الدائم : وهو الذي يعجز عن العمل بشكل دائم لظروف صحية، ويعول أسرة ولا يوجد لديه مصدر دخل يكفي لتغطية مصاريف أسرته.
  • العاجز المؤقت: وهو العاجز عن العمل بشكل مؤقت.
  • لأسباب صحية ويعول أسرته ولا يوجد لديه مصدر دخل يكفي ليغطي مصاريف أسرته.
  • المرأة التي لا عائل لها : كالمطلقة أو أرملة ليس لديها أب أو ابن قادر على إعالتها وليس لديها مصدر آخر للدخل يكفي لتغطية مصاريفها.

       أما د. الجازي الشبيكي فقد أشارت في تعقيبها على ورقة د. سعد الشهراني ومن واقع تجربتها في مجال العمل الخيري إلى أننا وعدد قليل من المجتمعات – بالطبع وكما يعرف الجميع – نطبق جباية الزكاة حكومياً ونحرص عليها بما يتوافق مع تعاليم ديننا الإسلامي الذي نظم عملية التكافل الاجتماعي بين الناس وجعل الزكاة أحد أهم أدواتها (وليس روافدها) كما جاء بالورقة، إلا أننا وكما هو دأبنا في العديد من قضايا التنموية التي تستدعي تجديد وتطوير الأنظمة بما يتواكب مع المستجدات والتغيرات المجتمعية الحديثة محلياً وعالمياً، لم نعطِ لموضوع تنظيم جباية الزكاة وتوزيعها الاهتمام المطلوب من حيث الدراسة العلمية الشاملة لواقع دخل الزكاة وتوزيعه والتي من المفترض ألا تقتصر على الاختصاص الشرعي فقط ، بل يشترك فيها معهم الخبراء الاجتماعيون والاقتصاديون والقانونيون وغيرهم من التخصصات الضرورية ، وتعتقد د. الجازي أن هذا يدخل ضمن فقه الواقع.

       وترى د. الجازي الشبيكي أن ثروات الأغنياء في بلادنا في تزايد كبير يقابلها على نفس المستوى تزايد فقر الفقراء. وقد قُدٍمت دراسة منذ عدة سنوات من أحد المتخصصين  تبين من نتائجها أننا لو طبقنا بشكل صحيح تعاليم الدين فيما يخص الزكاة ، لقلت إلى حد كبير أعداد الفقراء. ولا يقصد بذلك العطاء المادي المباشر فقط ولكن المشاريع التنموية للفقراء التي يحجم كثير من الناس عنها مكتفين بالعطاء المادي المباشر.

       واختتمت د. الجازي الشبيكي تعقيبها بالإشارة إلى تجربة شخصية واقعية في جمعية النهضة النسائية الخيرية قبل عدة سنوات؛ حيث إن الجمعية كانت ( وإتباعاً لتعليمات إعطاء الزكاة الشرعية ) تعطي النساء مبالغ شراء المنازل ليقمن بشراء المنازل ولكن الذي حصل في أكثر من مره أن الشراء لا يتم ويقوم بعض الأبناء المراهقون الذين في سن الدراسة بأخذ الأموال وتضييعها ثم تأتي الأم وتشتكي من القلة وهمً الإيجار مرة أخرى ، ما اضطرنا بالجمعية لمقابلة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وشرح الأمر من حيث أننا لا نستطيع إعطاء مبلغ الشراء للأسرة في أيديهم خوفاً من ضياعه ونحن مؤمنين ( حاملين للأمانة ) من قبل المتبرعين في بعض تبرعاتهم المشروطة ، فقال رحمه الله : في هذه الحالة أنتم وكلاء المتبرعين ، أخبروهم بذلك ( أخبروا المتبرعين ) وتصرفوا بالشراء أو بغيره من احتياجات الأسرة بأنفسكم ولكن بعلم المتبرعين . وكتب لنا فتوى بذلك. ولا يخفى على الجميع أن أحد مصارف الزكاة هو { وفي سبيل الله } { إنما الصدقات  للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } ولكن  لا يستفاد في الغالب من هذا الباب الواسع المرن الذي يدخل فيه مالاً يمكن حصره من أوجه العطاء للفقراء بآلية سليمة ومشاريع تنموية مُستدامة مُخطط لها التخطيط الاقتصادي الاجتماعي المُلائم .

       وذكر أ. سعيد الزهراني أنه وفي إعلان نشرته وزارة الشؤون الاجتماعية في عدد من الصحف أواخر عهد الملك عبدالله – رحمه الله – أوضحت أن ميزانية الضمان الاجتماعي كانت حينما تولى الملك ٣ مليارات.. قفزت إلى ٢٧ ملياراً.. تضمن الإعلان هذه العبارة (جل مصروفات الضمان الاجتماعي من أموال الزكاة) في إشارة إلى حرمتها إن لم تكن من أهل الزكاة.. السؤال: لو حدث أن تراجعت أرباح الشركات وبالتالي حجم المدفوع زكاةً.. هل ستتقلص على إثرها خدمات الضمان الاجتماعي التي تقدمها إلى المستفيدين؟

       من جانبه علق أ.د. عبدالرحمن العناد على ما ذكره أ. سعيد بأن المعلومات المتوافرة لديه أن أموال الزكاة لا تغطي تكاليف الضمان والدولة تدفع الفارق من الميزانية… وهذا يعني أن حجم المنصرف من خلال الشؤون الاجتماعية لا يتأثر بتذبذبات المحصل من الزكاة. واتفق أ.د. عبدالرحمن العناد مع مجمل ما تضمنته ورقة د. سعد وكذلك التعقيبين التاليين عليها، فيما عدا كونه لا يرى أهمية فصل الزكاة عن الضرائب ما دامت مفصولة محاسبياً وقد يكون التطوير أجدى مع بقاء وظيفتها الجباية فقط وأن تترك مسألة توزيع الزكاة للمستحقين كما هي عند وزارة الشؤون الاجتماعية.

       كذلك اتفق أ.د. عبدالرحمن العناد كثيراً مع موقف م. سالم بضرورة تصديق أصحاب المؤسسات وأن تعمل المصلحة على تطوير أدواتها لتستخدم مثلاً الإقرار الزكوي على شاكلة الإقرار الضريبي  … يعبأ من قبل المكلف وتلتزم بتصديقه … ولها التأكد من صحة البيانات المقدمة فيما بعد .. فإن ثبت عدم صحتها تكون المخالفة (تهرب زكوي) على وزن (تهرب ضريبي) ويعاقب المخالف وفق نظام دقيق معلن ومعروف. أيضاً رأى أ.د. عبدالرحمن ضرورة فتح مجال منظم للأفراد لدفع زكواتهم طوعياً للمصلحة والنظر في زكاة المشاريع والمباني العقارية المؤجرة وكذلك الأراضي البيضاء.

       وقدم م. سالم المري توضيحاً فيما يخص إيرادات مصلحة الزكاة والدخل على النحو التالي:

  • يتم إيداع الايرادات المتحصلة من الزكاة أو ما يسمى إيرادات عروض التجارة بشكل أسبوعي في مؤسسة النقد لحساب الضمان الاجتماعي بينما تذهب إيرادات الضرائب لحساب الخزينة العامة للدولة.
  • بلغت إيرادات المصلحة عن العام المالي 33/ 1434هـ (2012) 24.65 مليار ريال منها  12.65 مليار ريال من الشركات والمؤسسات غير البترولية (ذهبت للخزينة العامة) أما إيرادات عروض التجارة (11) مليار ريال فذهبت للضمان الاجتماعي.
  • إيرادات المصلحة في العام المالي 1434/1435هـ (2013م)بلغت 25.1 مليار ريال بزيادة مقدارها 6% عن إيرادات العام الماضي حيث بلغت حصيلة الزكاة على عروض التجارة نحو 12.8 مليار ريال وحوالي 12.3 مليار ريال من الشركات والمؤسسات غير البترولية.
  • ايرادات العام المالي 1435/1436هـ (2014) 28.2 مليار بزيادة 11.5% عن العام السابق تعزى إلى تطبيقات أنظمة (ساب SAP) منها 14.2 مليار على عروض التجارة و14 مليار إيرادات الضرائب.

       واستهل أ. عبدالله الضويحي تعليقه على ورقة د. سعد الشهراني بقوله: أنه يبدو للوهلة الأولى أن القضية المتعلقة بالزكاة ودورها في معالجة الفقر سهلة التناول لكنها في الحقيقة غير ذلك فهي متشعبة وذات أبعاد مختلفة من دينية واقتصادية واجتماعية وحتى رياضية وفيزيائية. قدم د. سعد ورقة غنية ومختصرة بدأها بتساؤلات وهي مدخل جيد لتحريك العقل وإثارة الفكر. كما طرح د. سعد 7 أسئلة ولو أضاف لها واحداً لعادلت الأصناف المستحقين للزكاة. وحسبي أن معظم إجاباتها تقترب للنفي وإن اختلفت مضامينه وأسبابه. فيما لامس م. سالم المري في تعقيبه علاقة مصلحة الزكاة والدخل بالقطاع الخاص ونوعية هذه العلاقة التي تتجاوز في بعض الأحيان الأطر القانونية ومنصفاً المؤسسات الصغيرة. أما د. الجازي فقد أشارت إلى نقطتين هامتين تتعلق الأولى بأهمية مشاركة خبراء اقتصاديين واجتماعيين وقانونيين وغيرهم في الاهتمام بالدراسة العلمية لواقع الزكاة والثانية بعدم إعطاءها نقداً لمستحقيها خاصة إذا كانت مبالغ كبيرة واستبدالها بالعينة وفق فتوى شرعية. ومن خلال ورقة د. سعد وتعقيب م. سالم ود. الجازي يمكن القول بما يلي:

  • أولاً: من الصعب على الدولة أو ولي الأمر أن يلزم المكلف من الأفراد بدفع الزكاة لسببين:
  • أنها عبادة وهو حر في ممارستها كالصلاة والحج والصيام وغيرها وأن من سيحاسبه على التقصير هو الله وبالتالي إذا لم يخرجها عن قناعة وإيمان فإنه لا يؤجر عليها.
  • أنها عبادة بين المرء وربه والبعض يرى أنه الأدرى في أوجه صرفها ليضمن وصولها لمستحقيها.
  • ثانياً: يقترح د. سعد فك الارتباط بين الزكاة والدخل فيما أكد د. العناد على أن ذلك قائم مالياً والمهم أن يكون المتعامل مع المصلحة على  بينة من هذا الأمر حتى تتعزز ثقته بها.
  • ثالثاً: هناك موظفون من وزارة الداخلية يجوبون المناطق في كل عام لجباية الزكاة على الماشية .. هذه الزكاة هل تصب في صندوق  المصلحة أم خزانة الدولة (المالية) وماذا عنها حيث لم تتم الإشارة إليها.
  • رابعاً: كم نسبة الفقراء في المملكة إلى عدد السكان الأصليين !؟ هل يمثلون الربع !؟ وهنا نتعامل مع الأعداد كأسر وليس أفراد وبعملية  حسابية نستطيع معرفة كم يستحقون !؟
  • خامساً: أن المواطن أو المؤسسات تحجم عن دفع زكاتها للجمعيات الخيرية أو المصلحة وتفضل صرفها بمعرفتها الخاصة ( خاص لخاص )  كما قال د. سعد لأنها في نظر أ. عبدالله الضويحي فقدت الثقة في هذه الأطراف فبعض الجمعيات فيها فساد مالي وإداري كبير وظهر ذلك في وسائل الإعلام وكذلك الضمان الاجتماعي حيث تم اكتشاف 65 ألف حالة مسجلة في الضمان وتستلم إعانات وهي موظفة ولديها دخول تفيض عن حاجتها ومن هنا لا بد من نظام محاسبي وإداري صارم يعزز الثقة بين الطرفين.
  • سادساً: نتحدث عن الفقر وصرف الزكاة للفقراء وننسى أن الزكاة تصرف لأصناف ثمانية أولها الفقراء فهل لازالت السبعة الباقية موجودة  أم زال بعضها بسبب تغيرات المجتمع !؟ وهل تصرف لهم !؟
  • سابعاً: من هو الفقير الذي يستحق أن تدفع له الزكاة !؟ يرى فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز أن من كان له دخل يكفيه للطعام والشراب  والسكن ( لم يحدد ملكاً أو إيجاراً ) لا يعتبر فقيراً ولا تحق له الزكاة. ثم .. ماذا عن المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافا وتمنعهم كرامتهم أن يسجلوا أنفسهم في الضمان الاجتماعي ممن ينطبق عليهم ( خاص لخاص ) !؟ إذا كان سيتم تقنين مصادر الزكاة وتقنينها !؟ وهناك تساؤل مهم لأنه المنطلق: من هو الفقير ؟؟ وكيف نصل إليه !؟

       واتفقت د. الجازي الشبيكي مع ما قال به أ. عبدالله الضويحي، وأضافت عليه أنه بالفعل يصعب علينا أن نلزم المكلفين من الأفراد بدفع الزكاة ولكنً الذي لن يصعب علينا هو التوعية والإيضاح والتبصير لهم. وذكرت دليلاً على ذلك أن إحدى السيدات الكبيرات في السن ذات العطاء التقليدي المالي المباشر المستمر تم اقناعها ببعض المشاريع الصغيرة للأسر حتى تستقل بذاتها وتعتمد على نفسها ولا تعود للسؤال فاقتنعت.

       أيضاً يرى أ.د. عبدالرحمن العناد عدم إلزام المكلف من الأفراد بدفع الزكاة للمصلحة، ولكنه دعا إلى فتح المجال لمن يرغب طوعاً أن يعطي زكاته للمصلحة .. هناك من زكواتهم بالملايين ولا يثقون بالجمعيات … المفترض أن تستقبل زكواتهم لإبراء ذممهم … من جانب آخر فإن تحديد مستحقي الزكاة هي مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية وأن مستحقي الضمان منهم وهذا هو القائم والمعمول به الآن.

       ومن وجهة نظر د. خالد الرديعان فإن تحديد من هو المستحق للزكاة ليس بالأمر الصعب فهذا يمكن قياسه كمياً بالدخل الشهري وعدد أفراد الأسرة وملكية المسكن ومدى وجود مصادر دخل أخرى للفرد. وقد قام بعض الزملاء كالدكتور راشد الباز من جامعة الإمام والدكتور سامي الدامغ من جامعة الملك سعود بوضع مؤشرات كمية يمكن الاهتداء بها لتحديد من هو الفقير. أما الفقير المتعفف فيمكن كذلك معرفته والوصول إليه من خلال أئمة الاحياء والعمد ومن يتقدم بشهادة تفيد بذلك من أهل الخير بحيث يمكن التحقق من معرفة المتعففين بعد مقابلتهم من قبل أخصائيين اجتماعيين من وزارة الشؤون الاجتماعية.

       أما أ. مطشر المرشد فاهتم ببعض التحديات المتعلقة بتنظيم الزكاة ومن أبرزها:

  • ثغرات الجباية.
  • إدارة التدفقات النقدية لدخل الزكاة.
  • استثمار أموال الزكاة في برامج اجتماعية يستفيد منها ذوي الدخل المحدود ( تأمين طبي ، دعم مواد غذائية أساسية ) حيث إن هناك الملايين من أموال الزكاة وأيضاً أصول الأوقاف لا يتم الاستفادة منها وتنميتها.. مثلاً إنشاء مشاريع سكنية وتأجيرها تأجير منتهي بالتمليك ، مشاريع توليد طاقة كهربائية ، جامعات ..الخ.

       وأضاف أ. خالد الحارثي أن تساؤلات د. سعد تقدم الحل فعلاً باعتبارها مدخلاً لتصميم النظام بالشكل الذي يكفل الكفاية والملائمة. واتفق أ. خالد مع مقترح ضرورة فصل الزكاة عن سواها فصلاً تاماً واستقلالها مالياً وإدارياً وارتباطها مباشرة بالملك. لهده الاستقلالية دور كبير في تحقيق الهدف من وراء الجباية والانفاق ووعي القائمين عليها بجلالة هذه الوظيفة والمسئولية والأمانة. الزكاة دين بصفتها ركن من أركان الإسلام ولها نظام جباية محدد لا يتغير ولا يتبدل مع تقادم العهد وتطور الزمن ، والجدير بالتطبيق فعلاً هو تولي الإدارة المستقلة كافة أعمال الجباية الزكوية والصرف حتى للأقارب يتم تعيينهم وتعيين الحصة/الحجم المناسب نسبة إلى الحجم الخاضع للجباية وتقوم الإدارة بصرف المستحقات دون أن يضطروا إلى تسولها منهم. وهناك العديد من المعايير المرتبطة بالزكاة ودفعها والشكل الذي تتخذه هذه الإجراءات من تواضع حسب النصوص التي تحرم المن والأذى ، وأن تكون الرقابة والعقوبات سريعة وشاملة ورادعة وقوية. كذلك فإنه وفي غياب الإحصاءات التي تعطي حجم الزكاة المستحقة فعلياً لا يمكن الجزم بقدرة الزكاة على التغلب على الفقر.

       ويعتقد أ. خالد الحارثي أن نجاح الزكاة في التغلب على الفقر مرتبط بأيكولوجية الإسلام وأداء كافة المكونات. ولعل من الضروري أن تكون العقوبات المطبقة على التهرب الزكوي كما ذكر د العناد وم. سالم أن تكون رادعة والغرامات تصل إلى مبالغ يصعب على أحد المغامرة بالتهرب الزكوي ، وأن تعتمد البيانات كما يقدمها المكلف وتكون أليات الفحص والرقابة لإدارة الزكاة والتفتيش هي المسئولة عن التحقق من صدقية تلك البيانات. كما يرى أن هذه المهام ستغير دور الزكاة الحالي وترقى به وإن أخذت المعايير بالاعتبار سيكون أداء ونزاهة مضرب المثل لبقية الأجهزة الحكومية وقدوة حسنة.

       وعقب د. سعد الشهراني على ما تقدم من تعقيبات وملاحظات من خلال طرح التساؤلين الإضافيين التاليين:

  • هل زيادة ايرادات الزكاة بشكل كبير عن ما هي عليه ممكنة وهل هذا هدف شرعي و اجتماعي و سياسي و إداري متفق عليه بيننا نحن كعينة من مجتمع يواجه ظاهرتي القصور الإداري من جهة و الفقر (ربما المتزايد ) معاً؟
  • هل للمستحقين للزكاة حق مهضوم أو منتقص جراء القصور الإداري العام في التأكد من أن كل مكلف أدى ما عليه من زكاة و أن كل مستحق استلم حقه و لكن لا أكثر من حقه من الزكاة؟ (لنلاحظ أن كلمة المستحقين جاءت من استحق الحق و أن كلمة (كل) هنا لا تدل على الكمال و الكلية فنحن بشر ننشد الكمال و لا نصله).

       إذا كانت إعادة الهيكلة ستؤدي إلى أداء فريضة الزكاة بشكل أفضل بما يسهم في معالجة أفضل لظاهرة الفقر فلم لا!.

مقترحات عملية لتنظيم الزكاة: نحو آليات فاعلة لمعالجة الإشكالات الراهنة

       اعتبرت د. الجازي الشبيكي أن التساؤلات التي طرحها د. سعد ضمن ورقته في البداية ولاحقاً في التعقيب حول قضية تنظيم الزكاة جديرة بالاهتمام والدراسة والبحث الأكثر تعمقاً من خلال الجامعات والمراكز العلمية، واقترحت أن يتم ذلك من خلال تخصصات مختلفة  ثم يتم جمع النتائج ومقارنتها ومن ثم عرضها ومناقشتها من خلال المنتدى وتقديمها للجهات ذات العلاقة بالدولة.

       وتضمن تعقيب د. مساعد المحيا الإشارة إلى عدة مقترحات جاءت في سياق تعليقه على طبيعة العلاقة بين الدولة بوصفها جهة جابية وموزعة للزكاة وبين الشركات بوصفها صاحبة حق في تحديد واختيار الجهات أو المستحقين للزكاة لإعطائهم منها:

  • أولاً: نحن حالياً لا نملك تنظيماً يتيح للشركة بأن تدفع لمن شاءت من المؤسسات زكاتها أو بعضها وحين تقوم بذلك تعفى من دفع الزكاة  أو الضريبة…مثلاً الجامعات الأمريكية في جملتها تقوم على ما تتلقاه من أموال الضرائب والذين يدفعون لهذه الجامعات ضرائبهم يحصلون على إعفاء من دفعها لجهة تحصيل الضريبة ….نحتاج فعلاً لمثل هذا التنظيم بحيث يتاح لأي شخص يفترض أن يدفع الزكاة أن يقدمها لأي جمعية من الجمعيات الخيرية وعبر تنظيم مالي دقيق تصل المعلومات لمصلحة الزكاة وأن هذا الشخص أو تلك الشركة قد دفعت ما عليها من زكاة فهو أو هي معفيان من دفع الزكاة والضريبة.
  • ثانياً: وفقاً لطبيعة الجهود التسويقية التي تقوم بها بعض الجمعيات تحصل بعضها على مبالغ كبيرة جداً في حين تظل بعضها فقيرة إلى  حد ما … وهذا الأمر قد يجعل من المناسب طرح اقتراح يقوم على تحقيق ولو بعض العدالة في الحصول على تمويل مناسب من خلال إتاحة الفرصة بجعل نسبة من الدخل الزكوي لهذه الجمعيات على نحو أكبر .. بمعنى أن تكون هناك معلومات دقيقة لدى جهة مصلحة الزكاة بشأن دخل الجمعيات الخيرية بأنواعها ومن ثم تقوم بناء عليها بإعادة توزيع ما لديها بحيث تمنح الجمعيات الأقل دخلاً تمويلاً أكثر .. وتقلل ذلك أو توقفه للجمعيات التي تحصل على دعم جيد وكاف.
  • ثالثاً: ما يتعلق بالوعاء الزكوي ومن هم الذين يجب أن تؤخذ منهم الزكاة .. نحن لدينا أثرياء لا يمكن تصور وجود فقير بالنظر لثرواتهم .. إذ  لو دفع هؤلاء زكواتهم لمستحقيها لكانت كافية في سد احتياجات كل فقير .. لكن المشكلة أن تجارة هؤلاء متحررة من أن تصل إليها يد الرقيب أو أنها معفاة من كل شيء مثل العقارات ونعني بها الأراضي إذ يملك كثيرون من الشخصيات الاعتبارية وتجار “التراب ” أراض شاسعة جداً .. هؤلاء يعملون بفتوى لا تلزمهم بالزكاة ولذا فإن عملية فرض رسوم على هذه الأراض ” المشبكة ” سيتيح فرصة كبيرة جداً لإيجاد رأس مال جيد يمكن أن يضاف لصندوق الزكاة.

       واقترح د. حميد المزروع أن تفكر مصلحة الزكاة والدخل بتأسيس قسم للاستثمار، بحيث تخصص ما نسيته ١-٢٪ من دخلها السنوي لصندوق الاستثمار، وذلك لتعزز من مداخيلها المالية، علي أن تستخدم الأرباح وقت الأزمات.

       وعلق أ.د. عبدالرحمن العناد على مقترح د. حميد بأنه لا يظن أنه جائز شرعاً استثمار أموال الزكاة وإنما يلزم توزيعها للمستحقين حال جبايتها. وأيد أ. عبدالله الضويحي ذلك موضحاً أنها قد تتعرض للخسارة. وبدوره أوضح د. حميد المزروع أنه يقصد استثمار الفوائض المالية للمصلحة وأن يكون الاستثمار بالصكوك الإسلامية المضمونة.

       ويرى د. علي الحكمي أن يصرف جزء من أموال الزكاة لمساعدة أبناء الفقراء على إكمال دراستهم، خاصة أن بعضهم قد يتسرب من التعليم بسبب الفقر وحاجة أسرته لعمله، وهذا مشاهد وإن لم تكن الإحصاءات متوفرة. فدراسة مثل هذه الحالات وتوفير مخصصات لها مهم جداً لكي نقلل نسب التسرب من جهة، ولضمان حصولهم على مؤهلات علمية تزيد من فرص حصولهم على وظائف مناسبة مستقبلاً. ولدى وزارة التربية برنامجاً رائعاً تحت مسمى تكافل، وقد انفصل الآن كمؤسسة مستقلة، يعنى بالطلاب المحتاجين ويقدم المساعدات العينية والمادية، وقد يوسع نطاق عمل البرنامج ليشمل الطلاب المعرضين لأخطار ترك الدراسة قبل إكمال المرحلة الثانوية.

       كذلك فقد اقترح د. خالد الرديعان مجموعة من المقترحات البناءة وتشمل:

  • تطبيق نظام يشبه نظام الضرائب فيما يتعلق بتحديد كمية دخل التجار لمنع التلاعب من قبلهم من خلال حساباتهم البنكية فالبنوك لديها معلومات دقيقة.. مع الزام تجار التجزئة والحوانيت الصغيرة بتطبيق نظام الكاشير والماكينة التي تسجل مبيعاتهم كما هو معمول به في الغرب… هذا الإجراء يحد كذلك من الاختلاسات التي قد يمارسها الباعة الوافدين ممن يعملون في البيع.
  • ايجاد نظام لمندوبي المبيعات والموزعين الصغار ممن يتعاملون مع الحوانيت فهؤلاء يعملون خارج نظام الاقتصاد الرسمي بل إن اقتصادهم يعد اقتصاد ظل. النظام المقصود هو لتحديد دخولهم الشهرية أو السنوية لمعرفة مقدار الزكاة المستحقة عليهم وحتى لا يتهربون من دفعها وخاصة الوافدين ممن يحولون مليارات الريالات سنويا للخارج.. طبعاً يستثنى المتعاقدين مع الدولة من الموظفين فهؤلاء لا ينطبق عليهم ركن الزكاة.
  • يجب أن يتوفر قاعدة معلومات دقيقة عن حجم رؤوس الأموال التي تدور في السوق وهذا عمل يقع على كاهل البنوك بالدرجة الاولى.
  • الزكاة ليست مسألة خيار شخصي والقول أنها عبادة فقط… أبو بكر رضي الله عنه حارب بعض القبائل بسبب امتناعهم عن أداء الزكاة ولذلك يجب أن تكون الزكاة الزامية وتجبى من كل من يمارس عروض التجارة.

       كذلك علق د. سعد على القول بأن الزكاة عبادة بين المرء و ربه بالتذكير بأن هذا يغفل أصحاب الحق: المستحقين للزكاة! فقه الزكاة يدخل في فقه المعاملات وأي إعادة هيكلة يجب أن تضمن وصول هذا الحق من المكلفين جميعاً إلى المستحقين جميعاً بما فيهم الأفراد كما أن أي إعادة هيكلة سترفع من ثقة المكلفين الأفراد وستمنع استلام من يطلب الزكاة لأكثر مما يرفع عنه الحاجة.

       وفي الوقت ذاته يرى د. سعد الشهراني إمكانية ترك جزء من الزكاة المستحقة ليدفعها المكلف بمعرفته للأقربون و لكن يجب أن تعرف الجهة المسؤولة عن أداء فريضة الزكاة حجم تكليفه و كم دفع منه و لمن؛ لأنه و كما نعرف قد يكون هناك من لا يخرج الزكاة  أصلاً أو لا يخرج جزء منها و هناك من يطلب الزكاة من كثير من معارفهم و من الأغنياء وله مخصصات من الضمان الاجتماعي و يأخذ من الزكاة أكثر مما يستحق و هناك بالمقابل من لا يسأل الناس الحافاً ونحسبهم أغنياء من التعفف و لا يستلم ربما إلا النزر اليسير من حقه الشرعي  في الزكاة.

المبحث السابع

مستقبل الاقتصاد العالمي، وتأثيراته على المنطقة

(تقرير حول اللقاء الثقافي لمنتدى أسبار)

       في إطار اللقاءات الثقافية الدورية لمنتدى أسبار، عُقدت بتاريخ الاثنين 10/8/2015م بمقر مركز أسبار ندوة بعنوان: مستقبل الاقتصاد العالمي، وتأثيراته على المنطقة بحضور البروفيسور الباكستاني أ.د خالد مالك (المتحدث الرئيس) وبمشاركة نخبة من أعضاء المنتدى. وأدار اللقاء د. عبدالله الحمود رئيس منتدى أسبار.

تعريف بالمتحدث الرئيس:

       عرض أ. مطشر المرشد نبذة موجزة للمتحدث الرئيس أ.د خالد مالك، وهو خبير اقتصادي باكستاني و لديه عدد من المؤلفات في مجال تنمية المجتمعات، كما أمضي سبع سنوات بالصين كممثل للأمم المتحدة ومازال في الأمم المتحدة بنيويورك وجزء من مهامه الرئيسية هو تنمية المجتمعات، والآن هو يزور المملكة بغرض التشاور مع وزارة الخارجية ووزارة المالية وبعض الجهات الأخرى مثل مركز الملك سلمان للأعمال الخيرية والإنسانية لإبراز دور المملكة في المجال الإغاثي والعمل الإنساني وحتى المساعدات التي تقدمها المملكة للدول الإسلامية وغير الإسلامية.

       وفيما يلي رابط للسيرة الذاتية الكاملة للبروفيسور أ.د خالد مالك:  https://jica-ri.jica.go.jp/event/assets/Bio_Malik_Erev.pdf

المدخل والطرح العام:

       في البداية سلط أ.د خالد مالك الضوء على أن العالم يتغير بمعدلات متسارعة جداً وأن هذا التغيير على حسب ما يرى يشمل المنطقة الجنوبية من العالم أو بالأصح منطقة آسيا وهذا لا يعني عدم حدوث تطور بالمنطقة الشمالية من العالم كمنطقة اليورو أو أمريكا لكن التطور الملحوظ أكثر بالمنطقة الجنوبية لاسيما الصين والهند، وهناك توقعات بأنه في عام 2030 نحو ثلثي الطبقة الوسطى في العالم ستكون في المناطق الجنوبية من آسيا.. والآن فإن الصين تعد الاقتصاد الثاني على المستوى العالمي.

       ومن ملاحظات أ.د خالد مالك الأولية من خلال مراجعته لبعض البيانات الخاصة بالمملكة العربية السعودية وكذلك دول الخليج أنه لا يوجد توجه استراتيجي نحو الجنوب حيث إن كل التوجهات تصب نحو الشمال ومن ثم فإنه يرى أن المملكة العربية السعودية لابد وأن تتخذ منحى استراتيجي يتمثل في الالتفات نحو التطور السريع الحاصل في آسيا ومحاولة الإفادة منه.

أبرز التحديات الاقتصادية أمام دول الخليج والمملكة:

       تناول أ.د خالد مالك في هذا المحور أهم التحديات التي تواجه المملكة العربية السعودية ودول الخليج بصفة عامة؛ حيث يرى في هذا الإطار أن هذا يتطلب الوضع في الاعتبار ما حدث في العالم العربي وما يعرف بالربيع العربي؛ لاسيما أن الربيع العربي حدث في الدول التي قد تصنف أنها من بين الدول الأكثر تقدماً على الصعيد العربي كمصر وتونس.

       ومن خلال خبرته فإنه يُرجع حدوث ذلك إلى التطور النوعي فيما يخص الشباب كون معظمهم اجتازوا المراحل الجامعية لكن في نفس الوقت لم يكن هناك وظائف تقابل هذا التطور وبالتالي كان أن آلت الأمور إلى ما هي عليه لاحقاً.

       وبصفة عامة يعتقد أ.د خالد مالك أن هناك أربعة تحديات رئيسة تواجه المملكة ودول الخليج:

  • التحدي الأول: ويتعلق بالمساواة بكل أوجهها (المساواة الاجتماعية، والمساواة في التعليم، والمساواة في اتخاذ القرار …الخ).
  • التحدي الثاني: ويتعلق بالبيئة ؛ حيث يرى أن التدهور الحاصل فيما يخص البيئة يؤثر أولاً في الفقراء أكثر من غيرهم.
  • التحدي الثالث: ويتعلق بالتغييرات الديموغرافية وزيادة نسبة الشباب؛ حيث يرى أن النسبة الأكبر من التركيبة السكانية في السعودية ومنطقة الخليج عموماً من الشباب؛ وهو الأمر الذي تدل عليه كافة الإحصاءات المتوافرة في هذا الشأن.
  • التحدي الرابع: ويسميه المشاركة الحكيمة أو الحوكمة كما تشير إليه الأمم المتحدة. وهو تحدي جدير بمزيد من المناقشة والحوار حول أبعاده المتضمنة.

مواجهة التحديات الاقتصادية: الآليات مقترحة

  • ضرورة التنويع الاقتصادي:

       يلاحظ أ.د خالد مالك أن نحو 92% تقريباً من اقتصاد المملكة يعتمد على البترول؛ ومن ثم فإنه يرى ضرورة إحداث نوع من التنوع الاقتصادي وعلى المملكة أن تجد مصادر أخرى دون الاعتماد كلياً على البترول، مع أهمية خلق وظائف للشباب، بجانب الحاجة إلى تنمية القدرات الإنتاجية واستشهد ببرامج دعم المجتمعات في البرازيل التي حققت نجاحاً في رفع مستوى كثير من الفقراء للطبقة المتوسطة.

  • التصدي للإرهاب والقضاء على أسبابه:

       تطرق أ.د خالد مالك إلى قضية الإرهاب من عدة نواحي؛ حيث أشار إلى أن تقارير التنمية البشرية في الأمم المتحدة ركزت على قضية الأمن الانساني فيما يخص جانبين أساسيين وهما:

  • حرية الحاجات أو التوقعات.
  • الشعور بالأمان بعيداً عن الخوف.

       وأشار أ.د خالد مالك إلى أن الأزمة الاقتصادية تعد أحد الأسباب المؤدية لإفراز الإرهاب، كذلك فقد أوضح أن عدم فاعلية المؤسسات العاملة في الدولة من شأنه أحياناً أن يهيئ المناخ لبروز الإرهاب حتى وإن كان بشكل غير مباشر. كما يعتقد أن من الضروري ضمان وجود قوي من السلطات الأمنية لمواجهة التهديدات الإرهابية.

  • أهمية مشاركة الشباب:

       أولى أ.د خالد مالك أهمية خاصة بمشاركة الشباب وإعطاءهم عناية فائقة ودعمهم وتنويرهم للتصدي للإرهاب. كما أشار إلى أهمية المشاركة الاجتماعية وضرب مثال بالبنجاب وكيف أن البنجاب الغربي استطاع التميز اقتصادياً مقارنة بالبنجاب الشرقي اعتماداً على إحداث نوع من المشاركة الاجتماعية الفعالة؛ بينما حدثت كل الحوادث الإرهابية في المقابل من جانب البنجاب الشرقي.

  • التعليم:

       أكد أ.د خالد مالك على أن من المهم الاعتماد على عامل التعليم في مواجهة التحديات الاقتصادية بوصفه عامل محوري.

التعقيبات والمناقشات:

       استهل أ. مطشر المرشد التعليقات بتعليق توضيحي أشار فيه إلى أن الأمم المتحدة تقسم العالم فيما يخص التجمعات الاقتصادية إلى قسمين وهما: الجنوب والشمال، حيث تعد الدول النامية ضمن المنطقة الجنوبية أما الدول المتقدمة بقيادة الدول الصناعية السبع ومجموعة العشرين فهي ضمن المنطقة الشمالية.

       وأكد د. عبدالله الحمود على ما أشار إليه أ.د خالد مالك من أنه قد حدثت تغيرات كبيرة فيما بعد عام 2000 عما كان سائداً فيما قبل ذلك، وإن كان الأمر يحتاج مزيد من النقاش والتوضيح.

       واهتم د. على الحكمي بما أثير حول قضية الإرهاب؛ حيث ذكر أن وضعنا بالمنطقة له خصوصية؛ حيث إن كثير من الإرهابيين على سبيل المثال لديهم معتقدات راسخة بأن ما يفعلونه هو الصحيح وهم على قناعة بذلك، وهذه مسألة يجدر الانتباه إليها.

       واتفقت مداخلات (د. فايز الشهري، أ. عبدالله بن كدسه، أ. خالد الحارثي، أ. فيصل الزهراني، أ.د عبدالرحمن العناد، د. محمد السلمي، و د. منصور المطيري) في مجملها على أهمية القضية موضوع النقاش وجدية ما تم طرحه، ومن أبرز ما تضمنته المداخلات التساؤل حول دور القطاع الخاص، ومسألة الاقتصاد الإسلامي والرؤية الاستراتيجية المتعلقة بذلك.

       أما أ. فايزة الحربي فعلقت على بعض مما طرحه أ.د خالد مالك؛ حيث أشارت فيما يخص التنويع الاقتصادي إلى أنها مسألة حاصلة بالفعل في رأيها، وفيما يخص توفير وظائف للشباب فإنها متوافرة كذلك، لكن المشكلة تكمن في ثقافة المجتمع والتربية والتي تجعل بعض الوظائف غير مرغوبة ولا يقبل عليها الشباب؛ ومن ثم فإن المشكلة ليست في قصور دور الدولة في خلق الوظائف، وإنما المشكلة الأكثر وضوحاً هي وجود وظائف لا يقبل عليها الشباب. وتساءلت أ. فايزة الحربي حول ضرورة أن تتخذ السعودية منحى استراتيجي لتواكب التطور العالمي، فما هو التصور العام أو التوجهات المحورية في هذا الشأن؟

       وعلق أ.د خالد مالك على مجمل المداخلات بأن السؤال الذي يطرح نفسه ولن يجيب عليه سوى السعوديين أنفسهم هو: ما نوع المجتمع الذي يريدونه؟ وكيف يرون مستقبل المملكة العربية السعودية بعد نحو عشرون أو ثلاثون سنة من الآن؟ وهذا يشكل من وجهة نظره الإطار الذي يجب أن تثار حوله النقاشات بعمق شديد وبنظرات استراتيجية محددة. مع مراعاة أن يؤخذ بعين الاعتبار قضية البطالة وأهمية معالجتها برؤية واضحة.

       وتعليقاً على ما أثاره د. على الحكمي، تساءل أ.د خالد مالك: لماذا باتت ظاهرة الإرهاب ملفتة بهذا الشكل في الوقت الحالي؛ ما يشير برأيه إلى دور مؤثر للعامل الاقتصادي كمحفز أساسي؛ حيث إن معظم من ينتمون للجماعات الارهابية هم بالأساس يعانون اقتصادياً، كما أن التعليم الذي تلقوه يبقى قاصراً بطريقة ما.

       وفيما يخص المداخلات التي تناولت الاقتصاد الاسلامي؛ طرح أ.د خالد مالك وجهة نظره بأن الموضوع يحتاج نقاشات موسعة.. وبإيجاز فإنه يرى أن الاقتصاد الإسلامي بصفة عامة يستند على القيم الإسلامية الأساسية، ومن أبرز ما ينطوي عليه فكرة مشاركة المخاطر.

       وبالنسبة لتعليق أ.د. خالد مالك على مداخلة أ. فايزة الحربي فقد تضمنت الإشارة إلى أنه أمام كل الدول وليس السعودية فحسب تحديات الأثر المتعدي للسياسات في مجال معين إلى بقية السياسات والنظم في المجالات الأخرى ، والسعودية بالذات تواجهها تحديات كبرى من فئة التحول والتغيير مما يجعل صناعة السياسات تواجه قرارات صعبة يجب أن تُتخذ في مواجهة مجموعات مستفيدة من الأوضاع القائمة ، وبالنسبة للتحديات أمام الشباب وعدم جاذبية بعض الوظائف وفرص الإنتاج لهم ، فهذا يخضع أيضاً إلى السياسات الحكيمة والرشيدة التي ترشد السلوك وتوجهه نحو الاتجاه الصحيح إذا ما أخذنا بالاعتبار أن الحلول تأتي بشكل شامل وليس حلولاً مجتزئة. صحيح أن الدولة لا تستطيع من خلال القطاع العام أن توفر وظائف لكل الشباب ، بل مهمتها إصدار التشريعات التي تجعل القطاع الخاص جذاباً حسب معايير ومقاييس الشباب وتطلعاتهم.

       وإجمالاً أشار أ.د. خالد مالك إلى أن التحديات التي تواجه معظم الدول على الصعيد العالمي حالياً هو ما يتعلق بكيفية إحداث نوع من التكامل بين السياسات المختلفة في بوتقة واحدة؛ فدائماً المختصين بالبيئة – على سبيل المثال وليس الحصر – يركزون على الجانب البيئي وكذلك المختصون في جوانب أخرى قد يركزون على تلك الجوانب؛ بينما بات مطلوباً حالياً وضع سياسات شاملة تهتم بكل القطاعات على حد السواء، فالسياسات باتت أداة للتغيير فقد تساعد في تغيير السلوك والقيم بل وكل ما يرتبط وعادات المجتمع.

       وفي الختام، لفت أ.د. خالد مالك الانتباه إلى أن دور الدولة ليس فقط العمل على إيجاد الوظائف للشباب بحيث يكون الاعتماد الكلي على الدولة في تأمين الوظائف؛ حيث يجب أن يلعب القطاع الخاص دوراً مهماً في هذا الإطار. كما يجب التأكيد على دور القطاع الخاص وأهمية مشاركته بالضرورة في عملية التنمية كمسألة أساسية.

       ويمكن الرجوع لتقرير اللقاء الثقافي على الرابط التالي:  http://asbar.com/ar_lang/?page_id=6357

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

حسب الحروف الأبجدية

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • أ. أسامة نقلي
  • د. الجازي الشبيكي
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • د. حمد الماجد
  • د. حميد المزروع
  • د. خالد الرديعان
  • أ. خالد الوابل
  • د. خالد بن دهيش
  • أ. خالد الحارثي
  • العميد. راشد الحارثي
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سعيد الزهراني
  • د. طلحة فدعق
  • د. عائشة حجازي
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالرحمن الهدلق
  • د. عبدالسلام الوايل
  • أ. عبدالله آل حامد
  • د. عبداللطيف العوين
  • د. عبدالله الحمود (رئيس منتدى أسبار)
  • أ. عبدالله الضويحي
  • أ. عبدالله بن كدسه
  • د. علي الحكمي
  • أ. علي عبدالله بن علي
  • أ. فاطمة الشريف
  • د. فاطمة القرني
  • د. فايز الشهري
  • أ. فايزة الحربي
  • د. فهد الحارثي
  • د. فوزية أبو خالد
  • أ. فيصل الزهراني
  • أ. كوثر الأربش
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. محمد السلمي
  • د. مساعد المحيا
  • د. مسفر السلولي
  • أ. مسفر الموسى
  • د. مشبب القحطاني
  • أ. مطشر المرشد
  • د. منصور المطيري
  • أ. مها عقيل
  • أ. هادي العلياني
  • أ. هداية درويش
  • أ. يحيي الأمير
  • أ. يوسف الكويليت


انتهى،،

قراءة 162 مرات آخر تعديل على السبت, 03 كانون1/ديسمبر 2016 16:50

أضف تعليق


كود امني
تحديث