الأخبار
السبت, 03 كانون1/ديسمبر 2016 17:01

التقرير الشهري السابع

قيم الموضوع
(0 أصوات)

شهر أكتوبر 2015

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر أكتوبر 2015م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر ، وشملت القضايا التالية:

  • مستقبل الخطاب الديني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
  • تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة.
  • الإعلام الخارجي: الإشكالات والحلول.
  • صندوق التقاعد الخاص والأبعاد ذات الصلة.
  • المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة.
  • اللائحة التنظيمية لتجنيس الكفاءات العلمية العربية بالمملكة العربية السعودية.

أيضا فقد حظيت حادثة تدافع الحجاج بمنى بنقاشات مستفيضة شملت قراءة تحليلية ورصد لمواطن الخلل، و الأداء الإعلامي والمواقف الدولية المتزامنة والحادثة، وأخيراً الحلول أو التصورات المقترحة لآليات المعالجة.

محتويات التقرير

المحور الأول: مستقبل الخطاب الديني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية

  • الورقة الرئيسية : د. عبدالرحمن الهدلق
  • التعقيب الأول: د. فاطمة القرني
  • التعقيب الثاني: أ. كوثر الأربش
  • المداخلات حول مستقبل الخطاب الديني

المحور الثاني: تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة

  • الورقة الرئيسية : أ. خالد الحارثي
  • تعقيب : أ. عبدالله آل حامد
  • المداخلات حول تشخيص واقع تشوهات سوق العمل
  • الآليات المقترحة لتصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة

المحور الثالث: الإعلام الخارجي ؛ الإشكالات والحلول

  • الورقة الرئيسية : أ. عبدالله بن كدسه
  • التعقيب الأول: أ. أسامة نقلي
  • التعقيب الثاني: د. فايز الشهري
  • المداخلات حول إشكالات الإعلام الخارجي والحلول المقترحة

المحور الرابع: حادثة تدافع الحجاج بمنى

  • قراءة تحليلية ورصد لمواطن الخلل
  • قصور الأداء الإعلامي
  • الموقفان الإيراني والتركي
  • الحلول المقترحة وآليات المعالجة

المحور الخامس: صندوق التقاعد الخاص privet pension fund

  • الورقة الرئيسية : م. حسام بحيري
  • تعقيب : أ. مطشر المرشد
  • المداخلات حول صندوق التقاعد الخاص والأبعاد ذات الصلة

المحور السادس: المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة

  • الورقة الرئيسية : د. الجازي الشبيكي
  • التعقيب الأول: أ. هيا السهلي
  • التعقيب الثاني: د. طلحة فدعق
  • المداخلات حول قضية المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة

المحور السابع: اللائحة التنظيمية لتجنيس الكفاءات العلمية العربية بالمملكة العربية السعودية

  • الورقة الرئيسية : د. حميد المزروع
  • التعقيب الأول: أ. عبدالله الضويحي
  • التعقيب الثاني: د. عبدالسلام الوايل
  • المداخلات حول قضية تجنيس الكفاءات العلمية العربية

المحور الأول

مستقبل الخطاب الديني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية

الورقة الرئيسية :

عرض د. عبدالرحمن الهدلق ورقة عمل حول مستقبل الخطاب الديني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. حيث استهلها بالإشارة إلى أنه ومع التغيرات الإقليمية والدولية التي يشهدها العالم والمنطقة خاصة بعد ما يسمى بالربيع العربي عاد الاهتمام بالخطاب الديني بسبب تأثيره الفعال على شعوب المنطقة، بل تجاوزها إلى دول الغرب التي وصلها نسخة من الخطاب الديني المتطرف تأثرت بسببه المنظومة الأمنية والسياسية مما جعل الخطاب الديني “الإسلامي” محط الأنظار فعُقدت المؤتمرات الدولية وورش العمل الإقليمية للتوصل إلى آليات حول كيفية التعامل معه ومواجهته، بل تم تكوين لجان في معظم دول المنطقة للتعامل معه، وأصبح محل اهتمام قيادات بعض الدول كمصر وغيرها التي رأت أن خطابات كهذه تقف خلف حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.

و رأى د. عبدالرحمن الهدلق أن من المهم تحرير مصطلح الخطاب الديني وتوضيح دلالته لمزيد من التحديد والدقة. فالخطاب الديني شأنه شأن أي مصطلح في العلوم الاجتماعية تتعدد تعريفاته لتتجاوز العشرات وفقاً لخلفية المُعرف له والظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمصطلح. فتعريف التيار الليبرالي وموقفه من الخطاب الديني ومفهومه وتوصيفه يختلف إلى حد التضاد والتناقض مع تعريف التيار الإسلامي للخطاب الديني وفقاً لقيم وتطبيقات ذلك التيار. وأضاف د. عبدالرحمن الهدلق أن تعريف المقصود بالخطاب الديني “الإسلامي” – إجرائيا – قد يختلف مع الكثير من الكتٌاب وفقاً لطيف كل واحد منهم. فالخطاب الديني برأيه عبارة عن “مفاهيم ونصوص يتم إرسالها عبر عدد من الرسائل المكتوبة والمقروءة والمرئية والمسموعة بهدف التأثير على المتلقي انطلاقاً من مرجعية إسلامية غالبا ما تستند على الكتاب والسنة”. وهذا الخطاب الموجه للمتلقي يتراوح بين التشدد والتسامح تحكمه في الغالب قيم وأفكار المصدر الذي عادة ما يكون متأثراً بأحد المدارس التي ينتمي إليها سواء مدارس تقليدية أو سلفية علمية أو سلفية حركية أو جهادية أو إخوانية أو تبليغية أو ليبرالية إسلامية…الخ فكل مدرسة من تلك المدارس خطابها عبارة عن نتاج لمنهجها وقيمها فنجد المدرسة السلفية بعمومها ترتكز في خطابها على مفهوم التوحيد وضرورة التصدي للشرك والبدع بينما خطاب المدرسة الجهادية مرتكز على المفاهيم الجهادية التي تروج لاستخدام العنف والقوة كمنطلق لإعادة العزة والكرامة للأمة والذي بدوره يتناقض مع المدارس الأخرى كالتبليغية التي تستند على المنهج الوعظي الروحاني ذو النزعة الصوفية أو المدرسة الاخوانية التي تنزع إلى الخطاب السياسي تحت مسمى الإسلام هو الحل.

وكما تم الإشارة فإنه رغم الزعم بوحدة المرجعية إلا أن الخطاب الديني متعدد المنطلقات والمفاهيم والمواقف تجاه الواقع مستخدماً المحاضرات والمقالات والفتاوى والخطب كأدوات فعالة لإيصال رسائله عبر وسائل الاتصال الحديثة، إلا أنه تجمعه بعض السمات -على الأقل عند الغالبية- ومن تلك السمات بشقيها السلبي والايجابي:

  • الصفرية والإقصائية: بمعنى امتلاك الحقيقة المطلقة وأن أي مختلف مع الخطاب الديني فهو مخالف للدين حتى وإن كان من تيار  إسلامي. وهي سمة ظاهرة عند غالبية التيار الإسلامي وليس جميعهم.
  • العالمية: أي أنه يتجاوز الحدود الوطنية ليشمل الأمة كاملة مما يجعل له بعداً سياسياً مقلقاً لبعض أعضاء الأسرة الدولية.
  • الشمولية: أي أنه شامل لجميع مناحي الحياة سياسةً واقتصاداً أو ثقافةً واجتماعاً.
  • البساطة: وهي أحد أسباب جاذبيته حيث أن بساطة ووضوح الخطاب بعيدا عن الأساليب الفلسفية جعلت رسائل الخطاب الديني تصل  للمتلقي دون عوائق.
  • العاطفية: وتعني أنه خطاب يخاطب العواطف مما يجعله جذابا وأكثر تأثيراً.
  • التفاعلية: ويقصد بها التفاعل مع أحداث العصر مع استخدام الوسائل العصرية الحديثة وهي سمة للقائمين على هذا التيار بمعنى  استخدامهم الوسائل الحديثة مثل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتأثير وجذب المزيد من الأتباع.

هذه بعض السمات والخصائص لبعض أطياف التيار الإسلامي ومدارسه إلا أن هناك تيارات أخرى كالليبرالية والعلمانية خاصة المتطرفة منها ترى أن الخطاب الديني هو أساس كل الإشكاليات المعاصرة وأنه آن الأوان لتفكيكه ونسف مبادئه وتجديده لقناعتهم بأن الخطاب الديني المعاصر خطاب ظلامي، لا عقلاني، تغيبي، انعزالي، متعصب، متطرف، جامد، تحريمي، اقصائي، أحادي. ونحسب أن مثل هذه النظرة السوداوية التعميمية لن تحل أي من إشكاليات الخطاب الديني بل ربما تدفعه إلى التقوقع والانعزال والمزيد من التشدد ورفض أي محاولات تجديدية لأن أنصار الخطاب الديني يرون أن من يقف خلفها خصوم لهم.

وأضاف د. عبدالرحمن الهدلق أن المتغيرات الإقليمية والدولية لا شك تؤثر وتتأثر بالخطاب الديني، فخطاب الجماعات المتطرفة أثٌر في معظم المجتمعات بصورة سلبية أضرت بسمعة الإسلام ودول المنطقة، وهو كذلك تأثر بما يجري من أحداث وتدخلات وممارسات وحشية في المنطقة زادت من خطاب الكراهية للآخر. إضافة إلى أن الممارسات الطائفية في المنطقة ضاعفت من حدة الخطاب الطائفي عند معظم الأطياف الدينية … ونحسب أن مستقبل الخطاب الديني مرتهن بما سيجري من أحداث وحروب وصراعات في المنطقة ومستقبل الدور الإيراني الذي ستلعبه في المنطقة خاصة بعد الاتفاق النووي، وأنه سيتأثر بالسياسات الغربية التي بدأت تتغير لصالح النظام السوري. و ما لم تتم معالجة الاوضاع وحل الإشكاليات في المنطقة فمستقبل الخطاب الديني سيشهد المزيد من التشدد والتطرف على حساب قيم ومفاهيم التسامح والعدالة والاعتدال والحوار …الخ، والتي من المفترض أن تكون من أهم القيم التي ينبغي للتيار الديني أن يتكئ عليها.

التعقيب الأول:

أشارت د. فاطمة القرني في تعقيبها على ورقة د. عبدالرحمن الهدلق حول مستقبل الخطاب الديني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية إلى عدة ملاحظات أوجزتها فيما يلي:

  • عمم د. الهدلق في القول بأن سمة الإقصائية ظاهرة عند غالبية التيار الإسلامي ؛ ولا أحسبها كذلك .. بل هي غالبة على التيار المتشدد منه فحسب.
  • موضوع الخطاب الديني كما ذكر د. الهدلق أطول وأشمل من أن يُحصر طرحه في ورقة واحدة مختصرة ومن هنا فسأكتفي بتناول الجانب الإعلامي من تجليات هذا الخطاب على أمل أن تتضمن المداخلات التالية طبيعة تأثيره سلبا وإيجابا في مجالات أخرى ( كالتعليم والصحة والتخطيط .. و..و..) كلٌّ بحسب تخصصه.
  • أتفق مع د. الهدلق فيما انتهى إليه من أن واقع الحال الإقليمي والدولي لا يبشر بأن تغييرا إيجابيا سيطال طبيعة الخطاب الديني لدينا في المنظور القريب بصورة ملموسة.
  • أجد أن التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية أو اقتراح التوصيات المعالجة لمشكلات هذا الخطاب تحتاج ابتداء لرصد سماته الحالية التي أثرت ولم تزل في توجهات الشباب لدينا إقبالا وإدبارا .

وأوضحت د. فاطمة القرني أنها ستقصر وقفاتها هنا على ملامح هذا الخطاب إعلاميا عند كل من طرفي النقيض : الإسلاميين المتشددين والليبراليين العلمانيين ؛ وذلك لأن كثيرا من الاعتلالات الفكرية والثقافية التي يعانيها شبابنا حاليا ناتجة بشكل أو بآخر عن الصدام الخفي والمعلن بينهما سواء داخل السعودية أو خارجها :

  • أولاً : اتسم خطاب غلاة المتدينين في ذروة توهجه في مرحلة الصحوة بأنه : خطاب وعظي عاطفي مباشر وضاجّ ، و بكونه خطابا جمعيا  يكاد يلغي كل الحقوق الشخصية على المستوى الذاتي ويحيلها إلى مكافآت أخروية ‘ ؛ بل ويتجاوز من خلال ذلك وبذلك انتماءات أتباعه للوطن الأصل إلى أممية مشاعة يعجز حتى هو عن تحديد ملامحها ، وهو أيضا خطاب صـِـدامي مستفز تنصرف طاقته لتجييش الشباب ضد الآخر .. كل آخر ..في حين يخبو صوته المحفز لهم للمشاركة في البناء والتنمية في الداخل .. داخل أوطانهم ، وهو خطاب طائفي إقصائي في طرحه (السني والشيعي منه على السواء) لدرجة مشبوهة تتحكم في ولاءاته وتوجهها وجهاتها المتجاوزة لأسوار الوطن ومصالحه…. كل هذا أدى لنشوء جيل مغالٍ عنيف قلق الهوية ساهم الوضع الاقتصادي خلال تراجع مستوياته في العقود القليلة الماضية في تعاظم نقمته على الوطن بكل مكوناته بدءا من الأسرة وانتهاء بمؤسساته المختلفة ؛ .. بل على الدين أيضا وعلى بعض رموزه القائدة لهذا الجيل المخيبة لآماله حين سقطت تلك الرموز على مستوى التطبيق ! .
  • ثانيا : في المقابل .. وخلال العقد الأخير . . وهي مرحلة توهج المغالين في الدعوة لليبرالية العلمانية … لم يجد الشباب في هذا التيار ما  يجبر كسرا أو يقيل عثرا.. فالخطاب الليبرالي نفسه بدا خطابا مراوغا متحذلق الطرح يجادل كثيرا ولا يكاد يقول شيئا ذا بال ؛ ولم يكن في تجاوزه للمصالح الوطنية أدنى درجة من أضداده فهو لا يأبه بأن يستغل صوته خارجيا ضد تلك المصالح خلال خوضه معاركه المشروعة حينا والمفتعلة المتضخمة أحيانا كثيرة أخرى في مجال حقوق الإنسان ؛ وهو كذلك خطاب تنازلات بامتياز على المستوى الديني إذْ قابل مناداة المتشددين دينيا بفرض الالتزام الديني على جميع الناس شكلا وفكرا وحراكا إلى حد الغلو.. قابله بالمناداة بإقصاء الدين عن أن يكون المؤثر الأول في التشريعات وكذلك في توجيه تعاملات الناس وتهذيب سلوكياتهم وذلك تحت عنوان غائم عائم هو ضرورة (تجديد الخطاب الديني) والذي يعني عند هؤلاء تحديداً ( تجميد الخطاب الديني وعزله وتنحيته ! ) ؛ ولعل أهم سمة طبعت خطاب غلاة الليبراليين ونفّرت كثيرين ممن انبهروا بهم في بدايات توهجهم من طرحهم الحالي كونه حال خطاباً ( ثأرياً ) مجانفا للموضوعية والحياد إلى حدٍّ كبير ؛ فبعض رموزه ممن استهدفهم جانب من خطاب الصحوة بالعداء والإقصاء باتت تمارس الفعل نفسه ضد الفريق المقابل وأيضا ضد بعض قدامى الليبرالية الذين انتقدوها .. وذلك في تصفيات حساب شخصية تتجاوز ضراوة وإيذاء ما استهدفوا به هم ابتداء ؛  ويأتي ذلك على حساب الحق والحقيقة.. بل وعلى حساب الوطن ! .

ومع كون هذين الفريقين يتبادلان المواقع في تبني أكثر من سمة فيما سبق ذكره إلا أن هناك عدداً من مشتركات الخطاب الأبرز بينهما أكثر من سواها ؛ وهي :

  • تَـقَـاذُف (مكانة المرأة وحقوقها) .. كُرةَ لعبٍ بينهما كلما خبا بريق فريق أو وهنت قوة مقابله ؛ فبينما انبنت سطوة الصوت الذكوري في التيار الصحوي المتشدد على تغييب المرأة ونفيها كلية من المشهد التنموي الوطني بل والإنساني عامة بذريعة حمايتها وصونها يتعالى في الآونة الأخيرة صراخ الليبرالية العلمانية مطالبا بـتحضيرها و ( إبرازها ) في كل مجال وكل ميدان مناسب لطبيعتها أو غير مناسب بدعوى تمكينها من استعادة حقوقها ؛ وكلاهما بهذا (الاستغلال) يكرس لخطاب سمج مثير للاشمئزاز يسلب من مشروعية تلك الحقوق أكثر مما يمنحها ! .
  • كلاهما يُـزايد على الآخر فيما يتعلق بدوره في (حماية الوحدة الوطنية) متسلحا بـ “الدين” في النيل منه ؛ فعلى سبيل المثال يجد المتشددون في لعب العلمانيين بورقة (حقوق الشيعة) مدخلا لوصمهم بعداوة الدين ومناصرة عدو الوطن الخارجي الأبرز حاليا والمتمثل في (إيران) في حين لا تتردد رموز التوجه العلماني في اتهام المتشددين بالتهمة نفسها وبأنهم داعشيو الهوى والهوية !!.
  • وفي هذا الحصر لأعدائنا في ( إيران وداعش) فحسب ما فيه من استنزاف الجهود وتوجيهها بوعي أو بدون وعي على المستوى الإعلامي إلى هاتين الوجهتين فقط مغفلين ما يتعالق معهما وينفرد كذلك في استهدافنا سرا وعلانية كراهية وتجنياً بما في ذلك أقلام وتحركات أعدائنا من ذوي القربى (أصدقائنا اللدودين) من العرب الذين منهم من هو أشد تحيُّناً لسقوطنا من كثير من خصومنا المغايرين لنا قومية وعقيدة ! .
  • كلاهما لم يزل ذا الطول والحول والصوت الأعلى و الأبلغ وصولا في وسائل التواصل الاجتماعي ومن ثم الأقوى والأخطر تأثيرا في تشكيل وعي الشباب وتوجيهه الوجهة التي يوليها والتي هي بالتأكيد أقصى ما تكون عن قـِـبلة الوطن ووحدته ومصالحه !!.

وأضافت د. فاطمة القرني أن ما توقفت عنده من سمات بعيد عن مناخ الاعتدال والوسطية أي مناخ أصواتنا التي تحسبها لم تزل خافتة إعلاميا ؛ ويتعلق تحديدا بمن جنح عن أصل هذا التيار أو ذاك بحيث يصدق على كثير من أتباع الأول وصف ( يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ) ؛ ويتأكد في حق كثير من أتباع الثاني تجاوزهم لكل اشتراطات الليبرالية في أصول مفهومها إلى الجانب المتردي من التوجه العلماني.

وإجمالاً ترى د. فاطمة القرني أن الورقة تدعونا لاستشراف واقع هذا الخطاب مستقبلا ..لعلنا نشترك معا في محاولة رسم ملامحه من خلال المداخلات المتفائلة بعيدا عن النزعة التشاؤمية.. فالمشكلة ليست في أصل الخطاب الديني المستمد فكرا ولغة وتشريعات من القرآن والسنة وإنما فيما انحرف عنه من خطابات تتلبس لبوس الدين زيفا وادعاء وفيما قابل ذلك من خطاب لا يتردد في استغلال ذلك الانحراف في النيل من قداسة تلك الأصول وكمالها وصلاحية الاحتكام إلى نصوصها في كل زمان ومكان.

 التعقيب الثاني:

عقبت أ. كوثر الأربش على ورقة د. عبدالرحمن الهدلق حول مستقبل الخطاب الديني بقولها: أن الخطاب الديني لم يكن في العصور الإسلامية الأولى منفصلاً عن الحياة العامة، لم يكن محصوراً في منبر أو في مناسبة. كان خطاباً عفوياً، يتم فيه تناقل ما رواه  النبي أو ما نزلت من الآيات القرآنية، في تماهٍ تام، لا يسعنا فصله عن الحياة العامة. حتى في العصور الإسلامية الأولى، وعصر الخلافة الإسلامية، لم يكن الخطاب متشكلاً بعد. ويمكنني أن أحدد تشكل الخطاب الديني حين أخذ علم الكلام في منتصف القرن الثامن ينتشر في العالم الإسلامي ويتسرب للمذاهب الإسلامية، ويتم احتكار الدين في فئة متخصصة، اختطفت الخطاب الديني باعتبارات عدة أهمها “اختراع” التخصص في الدين. أقول اختراع لأنه لم يعرف قبلئذ تخصصا في الدين، أعني كان الجندي والنجار والراعي والتاجر وكل من دخل الإسلام هو بحد ذاته عارف بالدين. ثم بدأ الخطاب الديني يتخذ شكل البوق الإعلامي لتجييش الناس في المعسكرات المذهبية، لعب دورا هاماً في خدمة الاصطفاف المذهبي، ومنه نشأ خطاب النرجسية المذهبية، احتكار الحق، نبذ الآخر من أعتاب الجنة، وربما تكفيره وتشريكه وتظليله بغرض إيجاد مبرر لحربه أو لتقوية أركان كل مذهب. بلغ الخطاب الديني أوج خدمته للمذاهب في العصر العثماني، حين بدأت الدولة الصفوية بسط نفوذها على إيران وأطراف من العراق، تمددت لأذربيجان ثم شيراز وأرمينيا وأجزاء من أفغانستان في القرن السادس عشر الميلادي. حين أصبح الخطاب الديني مجرد خادم للسياسة، يتحرك حيثما تتحرك إرادتها. كلا الطرفان نبشا الموروث، بعثا الروايات الضعيفة، والتأويلات غير المؤكدة، بهدف تقوية كل جانب ودعم مبررات المواجهة. لذاك تشكل لدينا خطابين دينين هامين، وهما مختلفان ظاهرياً، ومتفقان جذرياً: خطاب شيعي وخطاب سني. وهما الأبرز في الساحة.

وفي السياق ذاته تناولت أ. كوثر الأربش الفرق بين الخطاب الديني السني والشيعي، وأشارت في هذا الصدد إلى أن علي الوردي يصف المذهب السني أنه مذهب واقعي، فيما يصف الشيعي أنه مثالي. وأسهب كثيرا في وصف المثالية والواقعية. لكنها هنا تستعير هذين المصطلحين لوصف الخطاب الديني لكل منهما. لأنه يخطئ من يعتقد أن الخطابان متشابهين في المظهر وإن تشابها في المرتكزات. وأوضحت أ. كوثر أنها تعني هنا الخطاب الديني المعاصر؛ ففي اعتقادها فأن الخطاب الديني السني ينقسم لنوعين: وعظي وجهادي. والشيعي لعرفاني و متطرف (مغالٍ). هذا حسب الخطوط العريضة له. الوعظي غني عن التعريف وهو خطاب رغم مسالمته إلا أنه انتقائي وسطحي كما تراه. والجهادي وهو الأهم هو المعني بصناعة المجاهد. بحيث يحشد أفضلية الجهاد ويتجاوز قيم الحياة الأخرى إما بالتهميش أو بالتحريم. ومنه تأتي كل مؤاخذاتنا على الخطاب من تكفير وتحريض ضد الآخر واحتكار الحق، كله بهدف شحن النفوس وتجييشها. أما الخطاب الشيعي العرفاني فهو شبيه بالوعظي السني إلا أنه عميق وفلسفي ليس لأنه أفضل بل لأنه يحتاج هذا العمق كنوع من الالتواء لاستغلال باطن القرآن هربا من ظاهره الواضح، ذاك بغرض صب المعتقد في قالب قرآني على طريقة لوي عنق الآية وإقحام الفكرة باجتزاء الآية أو استبطانها استبطانا استغفاليا. ومنه بعض التفاسير التي تريد قسراً إثبات ذكر الولاية أو أفضلية الإمام علي على بقية الصحابة أو غيرها من توسل وخمس ومتعة. وهذا لا يحصل إلا باستخدام الفلسفة الإسلامية لتهويم المعنى لا أكثر. أما الخطاب المتطرف والمغالي فهو مخول لصناعة “شهداء”. ولابد هنا من التركيز على أن الخطاب الجهادي السني لأنه مخول لصناعة مجاهدين، فإنه يلزمه لذاك خطاب يبث القوة والهيمنة وإرهاب العدو وغيرها من العبارات الجهادية الصارمة. أما صناعة شهيد فهي تتطلب آلية مختلفة تماما. تتطلب خطاب مظلومية موغل في العاطفية. تركيز الخطاب السني على جهاد الصحابة وتركيز الخطاب الشيعي على كربلاء. كافيان لصناعة ساحة معركة متكاملة الأطراف. الخطاب الشيعي يركز على كربلاء ويجعلها محور حياة الموالي. بحيث تختزل العالم في خندقين، خندق يزيد وخندق الحسين. ثم تسكب كل صفات الجرم والوحشية على الأول وكل سمات النبل والتضحية والإخلاص لله على الثاني. فإذا كان الخطاب السني يواجه المشركين والكفار، فإن الخندق الشيعي يواجه من يسميهم “النواصب” وهم أعداء أهل البيت على الصعيد الأول. واليوم تلاشي بشكل شبه تام الخطاب الديني المعتدل الذي يؤدي دوره الذي ننتظره منه كعقلاء في صناعة إنسان متوازن، مؤمن، واقعي، وقوي. أصبح يفرخ لنا فقط مجموعة شهداء وجهاديين. سواء في مناطق النزاع الجغرافية أو في البيوت أو في شبكات ومواقع التواصل.

 المداخلات حول مستقبل الخطاب الديني:

من جانبه علق د. عبدالرحمن الهدلق على تعقيب د. فاطمة القرني بأنه يتفق معها في معظم ما ذكرته، إلا أنه يختلف معها فيما ذكرته في ملاحظتها الأولى بشأن التعميم بأن غالبية التيار الإسلامي تيار اقصائي. حيث أكد أنه فعلاً اجتهد في انتقاء المفردات وعليه فقد ذكر مفردة الغالبية حتى لا يعمم، وهناك فرق بين التعميم الذي يشمل الجميع دون استثناء ومفردة الغالبية التي يقصد بها الأكثرية. وأضاف د. الهدلق ما نصه: لكن تبقى ملاحظة د. فاطمة واضحة بشأن اختلافها أو اعتراضها على ما ذكرت حول أن “غالبية التيار الإسلامي تحمل سمة الاقصائية”. وهنا يمكن أن تبرز أهمية المعرفة العميقة بتلك التيارات ومخالطتها وتحليل تجربتها وهو ما أزعم أنني به خبير بحكم تخصصي وتجربتي وهو أن سمة الاقصائية مكون من مكونات معظم التيارات الإسلامية وإن أنكرها بعضهم ظاهرياً إلا أن الممارسات والصراعات بين هذه التيارات الدينية تكشف وبوضوح أن ذلك من دلائل الاقصاء المتمثل في محاولات كل تيار إقصاء الآخر طمعاً في الهيمنة الفكرية وبالتالي كسب المزيد من المتعاطفين. هذا فيما بينهم كتيارات فما بالك بموقفهم من التيار الليبرالي المناقض  أو المختلف مع أطروحاتهم. وعندما أذكر سمة الاقصاء لا أحصرها في تلك التيارات الدينية بل تتعداها إلى معظم التيارات الليبرالية التي دوماً تمارس الاقصاء والتهميش ضدهم. وهنا يبرز سؤال مهم لماذا تمارس معظم الأطياف الدينية والليبرالية الاقصاء والتهميش للآخر المختلف؟ هل ذلك بسبب النشأة الاجتماعية أو العادات والتقاليد التي يتربى عليها أفراد الأسرة… الخ؟ هل للمناهج التربوية أو النشأة الدينية دور في ذلك؟

وتعتقد أ. فاطمة الشريف فيما يخص تجديد الخطاب الديني بوصفها من أكثر القضايا طرحا و إلحاحا لاسيما في الوقت الراهن ، أن التجديد في معناه الأهم هو تخليص الخطاب الديني مما علق به عبر السنين الماضية، من شوائب وعقبات حجبت حقيقته ومقاصده وصرفته عن أهدافه في التوفيق بين النص والواقع. وعدم وضوح معنى الخطاب الديني الحقيقي والمقصود به أدى إلى الخلط الدائم في أي طرح لدى البعض  بين الدين الذى هو مطلق سماوي كامل وبين التدين أو الممارسات الدينية في شتى مجالات الحياة والتي تعتبر انعكاس لفعل وفهم  البشر وقدراتهم في الاقتراب أو الابتعاد عن مراد الله وأساس الخليقة وهدفها الأسمى. أيضاً هناك فرق كبير فيما يخص طرح من يسعى للتجديد بهدف تحرير المعنى والمقصد الحقيقي للدين، ومن يسعى للتحرر من تكاليف الدين ، الخطاب الديني الصحي المتجدد هو الذي يركز على أن التجديد في الدين لا ينفصل عن التجديد في الدنيا.

وقالت أ. فاطمة الشريف أيضاً مما لفت نظرها بعد حادثة الداعشي الذي قتل ابن عمه تزايد النكت والطرائف والأشعار التي تناولت القضية بشكل فكاهي، وفي اعتقادها فإن مثل هذه القوالب الفكاهية التي يتم وضع الأحداث الكارثية فيها تسهم في تسويق أو تقبل تلك الأحداث اجتماعيا بشكل أو بآخر وتخلع عنها ثوب الانكار أو الاستغراب من قبل المجتمع إن صحت هذه الفرضية .

وذهب أ. عبدالله الضويحي إلى أن ما أشارت له أ. فاطمة الشريف من تناول حادثة الشملي بالنكت والأشعار ومدى تأثيرها على تنمية الفكر الداعشي بطريق غير مباشر نقطة جديرة بالاهتمام والمناقشة خاصة من الاختصاصيين في علم النفس والاجتماع.

وعلق أ. يحيي الأمير بأن تعدد التعريفات لمصطلح الخطاب الديني يعيدنا أصلا لتعريف مصطلح ( الخطاب ) ولعل الفيلسوف قرايس 1975 من أوائل من رصدوا مصطلح الخطاب حيث يرى أن للكلام دلالات غير ملفوظة غالبا يدركها المتحدث والسامع وفق آليات صامتة يصنعها السياق الثقافي  .. كذلك فإن ميشيل فوكو له محاضرة شهيرة ومنشورة عنوانها : نظام الخطاب. وركز أ. يحيي الأمير على أهمية ألا نكتفي بكون الخطاب هو الملفوظ والمكتوب فقط بل يمكن أن نضيف إليه الدلالات غير الملفوظة وهو ما سيجعل حديثنا عن الخطاب الديني حديثا يتجاوز المدون والملفوظ والمكتوب إلى الدلالات غير الملفوظة التي تخلقها السياقات الثقافية  .. وعلى حد تعبيره فإنه لا يعرف أن هناك تعريفا ليبراليا أو إسلاميا للمصطلح الديني يقدمه وفق الصفات التي ذكرها خاصة أنها أوصاف وليست تعريفات. كما أنه يرى في التعريف الذي أورده د. عبدالرحمن الهدلق ميزة كبرى وهي وضوحه وبساطته للمتلقي. . لكن هل يمكن القول بأن كتب الفقه والتفسير والفتاوى والمواعظ والخطب هي بعض منتجات الخطاب الديني؟ واختتم أ. يحيي تعليقه بقوله: ألاحظ أننا نقع في النقاش في خلط بين الخطاب الديني والتيار الديني وثمة فرق ظاهر للجميع.. في هذه الحالة هل يمكن القول بأن الخطاب الديني هو التفعيل البشري للدين  .. أي ما ينتج حول الوحي المقدس من تفسير واستنباط وفقه ونحوها ؟؟ إذا كان كذلك فلنأخذ المذاهب الأربعة – كمنتج من منتجات الخطاب الديني وإحدى أبرز تجلياته – وما فيها من تنوع .. والذي سنعيده غالبا – أي التنوع – لاختلاف المناخ الثقافي الذي شهد تفعيلا لنصوص الوحي .. فاختلف المنتج لا تبعا لاختلاف المصدر وهو الوحي .. بل تبعا لاختلاف السياق والمناخ الثقافي الذي شهد عملية التفعيل ؟؟

وتعليقاً على ما ذكره أ. يحيي الأمير أوضح د. عبدالرحمن الهدلق أنه وبالنسبة للخطاب الصامت خارج إطار الخطاب المكتوب أو الملفوظ لا يمكن تصوره إلا ربما في مقاطع الأفلام الصامتة. ولاشك أن كتب الفقه والتفسير وعامة الكتب الدينية تدخل في الخطاب الديني ولذا نجد الكتب السائدة في كل مذهب خطابها يكاد أن يكون واحدا ومختلفاً مع غيره. ولاشك أنه خطاب بشري جعل بعض أتباع المذاهب “السنية تكفر أتباع المذاهب الأخرى السنية” أو في أقل الأحوال تبدعها. وأضاف د. عبدالرحمن: أجد صعوبة في التفريق بين الخطاب الديني والتيار الديني لأن الخطاب الديني في نهاية الأمر هو منتج للتيار الديني بكل أطيافه وفئاته.

وبدوره أوضح أ. يحيي الأمير أن المقصود بالتأكيد ليس أفلام شارلي شابلن  .. المقصود الدلالات المضمرة  .. مثلا : متى يكون الحديث عن الجهاد مثلا درسا فقهيا ومتى يكون تحريضا  .. هذا مجرد مثال. واتفق أ. يحيي مع د. عبدالرحمن في أن كتب الفقه والتفسير والفتاوى والمواعظ هي إحدى منتجات الخطاب الديني  .. لكنه اختلف معه في قضية صعوبة التفريق بين الخطاب والتيار  .. التيارية حالة وأفراد .. الخطاب الديني ذلك الكم الهائل من المعرفة الناتج عن تفعيل البشر لنصوص الوحي .. وتساءل أ. يحيي: هل حدث وتنازعت عملية التفعيل بين ما يحمله النص المقدس وبين السياقات الثقافية التي شهدت عملية التفعيل .. بمعنى هل سبق وهيمنت المعطيات الثقافية على الدينية ؟؟

وذكرت أ. كوثر الأربش أنه وفي حقبة ما قبل الصراع السياسي على سيادة العالم الإسلامي كان الخطاب فقهي. لكن بعد تسييس المذاهب لم يعد الفقه أكثر من أحكام فقهية أغرقوا بها العامة لإشغالهم عن اللعبة السياسية. لهذا سيصدمنا تفاصيل التفاصيل في الفقهيات كأحكام الطهارة والحيض التي تكفي مجلدات! هذه التفاصيل التي تشبه بقرة موسى. لم تكن بكل هذا التشعب لولا أهداف سياسية أرادت الهاء الناس بقوائم غير منتهية من الفقيهات.

أما د. طلحة فدعق فقد لخصت مداخلتها في النقاط المحددة التالية:

  • أولا : اتفق مع ما ذكره د. عبدالرحمن الهدلق حول التعريف الاجرائي وهو تعريف حر يضعه الباحث للقضية وقد قدمه بسلاسة وهنا  أتوقف عند عبارة … “…مفاهيم ونصوص يتم إرسالها انطلاقا من مرجعيه إسلامية غالبا الكتاب والسنه ..،” هنا المحك فمن يتحكم في تفسير وتأويل تلك المفاهيم هو من يمتلك لغة الخطاب وما تتضمنه تلك اللغة من قوة توجيه و أدلجة في أحيان كثيرة … إذا نحتاج تحليل للغة الخطاب وسياقاته !
  • ثانيا : قضية أخري تتعلق بالنقطة السابقة وهي أن هناك فرق بين الخطاب الديني وبين الخطاب الإسلامي … ليس كل خطاب ديني الآن  هو بالضرورة إسلامي ووفقا له ليس كل خطاب إسلامي أراه خطابا دينيا .
  • ثالثا : لو توقفنا عن الخطاب الديني الإسلامي فهو الآن – وبقوة – خطاب مسيس شئنا أم أبينا … رجال الدين ( مع تحفظي علي  المصطلح لأن الإسلام لا يوجد فيه مسمي رجل دين )….حقيقه يجعلونني شخصيا استحضر ما ذكره علي الوردي حيث وصف بعضهم ب ( وعاظ السلاطين ) …مع اختلافي في كثير مما تطرق إليه الوردي في هذا الصدد .
  • رابعا : السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية أيضا كلها أثرت وما تزال علي ما يسمي بالخطاب الديني ( بتعريفه الاجرائي السابق لكي لا تتداخل المفاهيم ) …. و أخطرها ما جرته أحداث ١١١ سبتمبر والربيع العربي الآن إضافة إلى كوكتيل الحروب في شبه الجزيرة العربية . . قطعا تغيرت لغة الخطاب بسبب تغير خريطة المصالح وتشكيل مراكز القوى … وستتغير أيضا.
  • خامسا : قبل أن ننظر إلى تأثيرات التشكيل الجديد للخطاب الديني علي الرائي الخارجي الغرب تحديدا … فلننتبه إلى الداخل وإلى جيل  الشباب علي وجه الخصوص… هم المشكلة القادمة ليس في إفراز مخرجات الخطاب الحالي علي شكل انحرافات فكرية أو عقدية أو سلوكية وإنما في إنتاج نوع من الخطاب الجديد ديني أو غير ديني – الله اعلم – لكن سيفرضونه بقوة إن لم نتدارك احتياجاتهم ونوجد آلية فعالة.

واختتمت د. طلحة فدعق مداخلتها بقولها: أنا لست متفائلة حقيقه بمستقبل الخطاب الديني -(الخطاب وفقا للتعريف الاجرائي المتفق عليه) – إلا إذا تحرر فعلا من إشكاليته مع ذاته ومع من يرون أنهم يمتلكون الحق في صياغه هذا الخطاب واختزاله لصالحهم.

وأوضح د. عبدالرحمن الهدلق أنه قد يحدث أحياناً التباس بين الديني والعرفي أي العرف والعادة وهو ما تعرف عليه الناس وارتضوه. ولحل هذه الإشكالية ذكر الأصوليون قاعدة “العادة محكمة” مالم تخالف الشرع. بل بعضهم جعل العرف أحد المصادر التشريعية المتأخرة في مصادر التشريع. وبرأي د. الهدلق فإن الخطاب الديني له ارتباط مباشر بالدين وأتباعه ولا يرى مشاحة أن يكون هناك خطاب إسلامي أو خطاب مسيحي أو يهودي إذا كانت الخلفية والمنطلق من تلك الديانة.

وبالنسبة لما ذكرته د. طلحة فدعق، أوضح د. الهدلق أنه أشار إلى خطورة تأثير الخطاب الديني المتشدد على شعوب المنطقة وكذلك الشعوب الغربية. كما اتفق معها فيما يتعلق بأهمية التصدي للخطابات الدينية المتطرفة التي تقف خلف إشكاليات عدم الاستقرار المعاصرة والتي تشهدها المنطقة. وكذلك فإنه يرى أهمية التصدي بحكمة للخطابات الغربية التي تدعو للعنصرية والكراهية – بأساليب غير مباشرة- للإسلام ورموزه والتي عادة تكون ضمن خطاب ديني متطرف ذو بعد يهودي ومسيحي وهندوسي …الخ.

كذلك فيما يخص ما ذكرته  أ. كوثر الأربش، أوضح د. عبدالرحمن الهدلق أنه لاشك أن تداخل السياسي مع الديني زاد من حدة الصراعات المجتمعية وقد يكون التقليل من جرعات السياسة في الخطاب الديني أحد العوامل الايجابية لاستقرار المجتمعات.

 المبالغة في وصف الحالة

أشار د. مساعد المحيا في مداخلته تعليقاً على ورقة د. عبدالرحمن الهدلق حول مستقبل الخطاب الديني إلى أننا نبالغ في وصف حالنا حين نتحدث عن خطابنا الديني بأننا نتملك خطابا محددا وواضح المعالم على الأقل من حيث الممارسة ..نحن نعيش اليوم بين أروقة مجموعة من الخطابات بعضها يصطف بجانب البعض الآخر ويختلف معه قليلا أو كثيرا وبعضها يتنافر معه بالكلية وكلها تصنف بأنها تمثل الخطاب الإسلامية .. مثلا نحن لدينا خطابان خطاب نحرره لنتحدث عنه كرؤية ثقافية وفكرية نظرية .. وخطاب ممارسة يسكننا في الوعي واللا وعي والنوع الثاني هو الأكثر تأثيرا في ممارساتنا اليوم .. نحن لم نصطلح بعد مع أنفسنا في خطاب موحد .. مثال آخر  هناك خطاب رسمي تتبناه الدولة له معالمه الواضحة .. ولدى جماهير الدعاة خطاب يأخذ من هذا الجانب الرسمي بعضه ويتجاوزه في أكثر الأحوال .. يحبه حين ينسجم مع مرئياته ويتنافر معه حين يجد أنه لا يتسق مع رؤاه التي تتسم بالحدية في الرؤية .. نحن لدينا خطاب في المؤسسة الرسمية للعلماء بحكم أنهم في الغالب يمثلون مدرسة فكرية متقاربة مع بعض الاستثناءات لمن انضموا للمؤسسة الرسمية مؤخرا ولدينا خطاب للدعاة يتماهى معه أحيانا وينفر منه أحيانا أخرى .. لدينا خطاب صنعته الظروف الاستثنائية مثل الحوادث التي تهز المجتمع ” تفجير مسجد القديح ، مسجد الدمام ، مسجد الكويت ، مسجد قوات الطوارئ ” .. هذا الخطاب ينشأ بعد كل تلك الأحداث ليقول للناس شيئا مختلفا عن الخطابات السابقة ولأنه خطاب عاطفي فهو وقتي إذ لا تلبث الأمور فتعود  كما كانت، إذ يعود الكثيرون حين ذاك للكتل الخرسانية الفكرية التي تقود قناعاتهم فتجدهم يعبرون بخلاف ما كانوا يقولونه بعد كل تلك التفجيرات .. الحديث السابق عن البيئة المحلية التي تمثلنا وننتمي لها جغرافيا وفكريا مع بعض الاختلاف في الطرح والرؤى والقناعات .. أما خطاب العالم الإسلامي فنحن بعيدون عنه وإن ادعينا القرب منه.

وأضاف د. مساعد المحيا: في العالم الإسلامي هناك خطاب تتبناه الجماعات الإسلامية التي لها شعبية في بلدانها أو في عدد من دول العالم وهذا الخطاب يرتكز على منهجية وطبيعة كل جماعة ونحن هنا قد نتعاطف مع عدد من أولئك المسلمين وبخاصة السنة لكننا ننفصل عنهم من حيث نمط الخطاب وطبيعة حاله وهذا يخلق بعض التناقض المجتمعي الذي نعيشه إذ قد تجد بعضنا يحب أو يميل إلى بعض الرموز الإسلامية وربما يبالغ في ذلك لكنه يمقت شخصا آخر هنا لمجرد أنه اختار رؤية فقهية لا تتسق مع رؤيته علما أن ذلك الرمز من خارج المملكة قد اختار الرؤية الفقهية التي يمقتها البعض من أولئك  !! ومثله أيضا قد نثني على امرأة داعية غير منتقبة في أرجاء العالم الإسلامي لكننا نختلف مع امرأة هنا لمجرد أنها اختارت كشف الوجه أو تبنت هذه الرؤية. وقد يغضب البعض من داعية لأنهم رأوه يبيح الغناء ويصفونه بأبشع الأوصاف ولكنهم يؤيدون الكثير من الدعاة خارج المملكة مع أنهم يرون جواز الغناء .. هذا التناقض في طبيعة الخطاب الممارس لا النظري لدينا هو  إحدى الإشكاليات والتي تقود إلى إفرازات هائلة من الواقع السيء الذي نعيشه .. نحن نحتاج أن نتصالح مع ما نؤمن به تجاه الآخرين لنؤمن به تجاه من حولنا ثم بعد ذلك سنبدأ خطابا راشدا لا يتناقض مع واقعنا ويجعلنا منسجمين مع رؤيتنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين.

ويعتقد د. سعد الشهراني أن إشكالية الخطاب الديني أنه مسيس كما ذكرت د. طلحة، بل ويضاف إلى ذلك أنه  تحريضي و مستفز و قابل للاستفزاز(وهذا ما تستغله القوى الغربية لتجد دائما المبرر للهيمنة والتدخل) و في الغالب يكون التسييس متخلفا و يقاد برموز قفزت على السياسة قفزا و استخدمت فتاوى مسيسة علما أن هذه الرموز كانت في البداية لا تفقه في السياسة و لا في موازين القوى شيئا. أما التيار الديني فما سمي تيارا إلا لأنه مسيس ويغلب على عامة أتباعه العاطفية و في أحيان كثيرة السطحية و السذاجة السياسية و تغييب العقل والتفكير المتأمل من قبل هذه الرموز فضلا عن تغييب الفهم الشامل والعميق والصحيح للدين و في المقابل هناك التيار الليبرالي الذي و إن كان أكثر وعيا سياسيا إلا أنه استفزازي و فوقي و لا يأبه و لا يحترم في غالب الأحيان المشاعر الدينية و لا الأغلبية المجتمعية و هذا ينطبق إلى حد كبير على الحركات و الأحزاب العربية التي تسمي نفسها تقدمية.

وركز د. علي الحكمي في مداخلته على أن خطابنا الديني أحياناً يكون غير مطمئن للآخرين بل قد ينشر التخوف وعدم الثقة في أوقات كثيرة. الإسلام جاء رحمة للعالمين هذا من أهم مبادئ ديننا الحنيف. وخطابنا الديني يجب أن ينطلق من هذا المبدأ. سواءً ذلك الموجه لداخل المجتمع أو خارجه. فالرسائل المقدمة للمتلقين داخل المجتمع (بمختلف فئاتهم من الصغار والشباب والراشدين من الجنسين) يجب أن تكون رحمة للمتلقين، بمعنى أن تقدم الدين بتسامحه وبساطته وعدم تعارضه مع فطرة الإنسان ومحبته للعيش في سعادة وطمأنينة.  يجب أن نربط في أذهان المجتمع أن الدين يؤدي للسعادة والرفاه والطمأنينة لهم شخصياً ولأسرهم ومجتمعهم وبلدهم. وهذا يعني أن يكون الخطاب الديني مرغباً لا منفراً، وأن يعاد النظر في بعض القضايا “الاجتهادية” التي تميل للتشدد والتوجه بدلاً من ذلك إلى مزيد من التسامح الذي يساعد على ترغيب الأفراد في دينهم لا تنفيرهم منه. مهم لخطابنا الديني أن يتفهم الجوانب النفسية للإقناع وخاصة لدى الصغار والشباب، وأن يتعامل معهم من مفهوم الحديث “يعجب الله من الشاب ليس له نزوة” والذي يدل على أن النزوات من طبيعة مرحلة الشباب، فنتعامل مع أخطائهم بعقلانية وحب وعدم تضخيم أو تهويل. وقياس ذلك على جميع فئات المجتمع. وبنظرة لبعض الشباب في مجتمعنا نجد أن لديهم نفور من الدين، وعندما تسألهم، يجيبون (نريد أن نعيش حياتنا) ومعنى ذلك أن الدين ارتبط لديهم بحياة لا سعادة فيها، ولذلك يفترض أن نحلل خطابنا الديني الموجه إليهم. ونعرف لماذا أدى إلى تلك الصورة الذهنية السلبية ونقوم بصياغة خطاب ديني ينشر الإيجابية في النظرة للدين. أما خطابنا الديني الموجه للخارج (سواءً مسلمين أو غيرهم) فهو أيضا يحتاج لتحليل محتوى معمق. حيث الرسالة الأساسية “رحمة للعالمين” يجب أن تكون هي منطلق التحليل كذلك. وبرأي د. علي الحكمي فإن بعض خطابنا الديني لا يراعي مبدأ الرحمة ولا يوظفه، فعندما يصور البعض أن فهمنا للدين هو الصحيح وأن غيرنا من المسلمين لديهم خلل، فهذا الخطاب “بغض النظر عن صحته من عدمها” هو خطاب منفر يبعدهم عنا، ويزيد تمسكهم بفهمهم، لأن كل إنسان ينزع للتشبث بمبادئه ومعتقداته، ويحاول حمايتها عندما تتعرض للهجوم. ولذلك مهم في خطابنا أن لا نشعر الآخرين بأنهم أقل أو أن فهمهم للدين، والذي عاشوا عليه قروناً عده، فيه خاطئ. أما غير المسلمين، فمبدأ الرحمة للعالمين يجب أن يكون حاضراً كذلك.

وأضافت د. الجازي الشبيكي أننا في المجتمع السعودي نميل في الغالب في أحكامنا الدينية إلى التشدد أخذاً بفتاوى بعض طلاب العلم الذين نحسِن الظن بهم بأنهم يريدون الخير للناس سدًا للذرائع ، ولكنً الدين بحمد الله قوي ولن يُشادً الدين أحد إلا غلبه ، فلما الخوف والتردد من تبيان الحقائق الدينية للناس وترك الخيار لهم في درجات الاتباع ؟؟ على سبيل المثال (فيما يخص التشدد الديني وأننا نختار من أحاديث السلف والصحابة ما يؤكد على توجهاتنا وآراءنا) ، أن ابن عباس رضي الله عنه هو الذي قال في تفسير { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } أن المقصود بذلك الغناء ، لكنً ابن عباس الذي أجاز كشف وجه المرأة ، رأيه مرفوض وتفسيره في هذا الجانب مرفوض ! فكيف نقبل برأي له ونرفض الآخر وتحت أي معيار ؟ إلا معيار سلك طريق التشدد. والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ( لاحظوا حجة الوداع التي قال فيها اليوم أكملت لكم دينكم …..) حتى لا يأتي من يقول أن ذلك الفعل نسخه حديث آخر، تأتيه تلك المرأة الجميلة وضًاءة الوجه لتستفتيه فيلاحظ أن الفُضيل رضي الله عنه ينظر إليها ، فلم ينهرها أو يقول لها : غطي وجهك يا امرأة …. لكن أخذ بوجه الفُضيل وأداره عن الرؤية إليها. وقد استمعت لحديث للشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره لذلك الموقف ، تبين لي فيه أن تغطية وجه المرأة ليس فرضاً وأنه يدخل في حكم المتشابهات والمُختلف عليها خاصة إذا كانت غير متبرجة ، فكيف يُسمح لبعض المجتهدين من الهيئات بالتعامل مع الكاشفة وكأنها مُرتكِبة لكبيرة من الكبائر بكشفها لوجهها !! هذا فقط أحد الأمثلة على تشدد الخطاب الديني عندنا.

وترى أ. علياء البازعي أنها شخصيا تعتقد أنه لم يعد يصل للناس مثل السابق.. فهناك شريحة كبيرة لم تعد تستمع له.. إما لاهتزاز الثقة بالمصادر…أو عدم وصول هذا الخطاب إعلاميا كما كان يصلنا بسبب التنوع الإعلامي و كثافته. وأضاف  د. عبدالرحمن الهدلق: الخطاب الخطير هو الموجود في تويتر وبعض منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

 أسباب تشدد الخطاب الديني

ركز د. خالد الرديعان في تعقيبه على ورقة مستقبل الخطاب الديني على جزئية محددة تتعلق بأسباب تشدد الخطاب الديني في العقود الأخيرة. حيث قال: إن معظم الدول العربية استقلت أو توحدت منذ ما يزيد عن خمسين عاما لبعض الدول (أتحدث عن دول مثل مصر والعراق وسوريا والسعودية والجزائر والمغرب واليمن والسودان الأكثر كثافة سكانية) ومع ذلك فإن هذه الدول لم تلج إلى النادي الديموقراطي حتى بأدنى مستوياته بل إن ما تم في بعض تلك الدول كان ديموقراطية مزيفة وشكلية.. وقد نافحت معظم الدول العربية عن موقفها الممانع للديموقراطية والتحديث السياسي بدعوى التصدي “للعدو الصهيوني” ودعوى انشغالهم بالقضية الفلسطينية وأن التحديث السياسي ليس أولوية في ظل تلك المرحلة التي تتطلب توحيد الجهود لمعالجة قضايا التنمية و القضية الفلسطينية…الفلسطينيون بدورهم وأقصد تنظيماتهم المختلفة أدركوا ذلك ومارسوا اللعبة باحتراف بحيث أصبحت القضية الفلسطينية كرة تتقاذفها الحكومات العربية حتى مرحلة السلام الساداتي المنقوص وانتهاء باتفاقية أوسلو التي كرست الوجود الاسرائيلي بصورة رسمية لا يمكن الرجوع عنها بحكم طبيعة الاتفاقات التي عقدها الكيان الصهيوني مع بعض الدول العربية. هذا الوضع البائس وأقصد به اللعب بالقضية الفلسطينية والمتاجرة بها وتأخير التحديث السياسي ساهم وبصورة كبيرة بنمو وعي عربي ببؤس الواقع المعاش وضرورة الخروج من الوضع القائم لكن هذا الوعي لسوء الحظ لم يكن عند الحكومات التي مارست الاستبداد واستمرأت البقاء بالسلطة ولكن عند شعوبها التي أدركت أنها تتعرض لتزييف وعي مبرمج منذ العام ١٩٤٨ وحتى اللحظة الراهنة.

وأضاف د. خالد الرديعان أنه في ظل هذا الوضع المتردي برز المشروع الإسلامي “الشعبي”.. ساهم ببروزه كذلك سقوط المشروع القومي الناصري وسقوط التجربة الاشتراكية وتخلف التنمية واتساع دائرة الاستبداد العسكري في العالم العربي.. ولأن الأنظمة العربية لم تكن غافلة عن المشروع الإسلامي وما يمكن أن يقوم به من تحريك للجماهير فإنها التفتت إليه وتبنت نسخته المعدلة التي تناسب استبدادها وانفرادها بالسلطة بحيث أصبحت المفاهيم السياسية الإسلامية ضمن خطابها اليومي الذي تتوجه به نحو شعوبها…هذا الخطاب الإسلامي السلطوي ولد ردة فعل مضادة عند الجماهير المسلوبة لأنها شعرت أن الأنظمة سلبتها آخر أداة في مقارعة سلطة الاستبداد.. لقد أصبحت السلطة تتحدث بنفس المفاهيم التي تطرحها الجماهير البسيطة ولكن بصورة مفاهيم مشوهة وفارغة المحتوى.. أصبحت مفاهيم مثل الجهاد ونصرة الشعب الفلسطيني وتحرير بيت المقدس مفاهيم دارجة في القاموس السياسي العربي دون أن تعني شيئا ملموسا على أرض الواقع… مجرد عبارات يتم ترديدها من حين لآخر بهدف كسب ولاء الجماهير. ولأن الخطاب السياسي الإسلامي السلطوي رخو وغير ذي فائدة على المستوى العملي فقد قابله خطاب جماهيري إسلامي شعبي أكثر تطرفا بحكم أن هذا الخطاب المتطرف هو آخر سلاح في يد الجماهير.. بروز هذا الخطاب المتطرف لم يكن خيارا ضمن خيارات أخرى ولكنه ظهر كردة فعل لوضع قائم يصعب تغييره.. وكلما اشتدت وطأة الاستبداد من قبل السلطة أصبح الخطاب الشعبي الإسلامي أكثر تشددا ما يعني أن التشدد هو وليد ظروف سياسية جعلته الخيار المتاح.

وخلص د. خالد الرديعان إلى القول بأن الخطاب الإسلامي المتشدد في العقود الأخيرة هو صنيعة سياسية عربية بامتياز لأنه ظهر كردة فعل شعبية على انفراد الأنظمة العربية بالسلطة بدليل أننا لم نشهد هذا التشدد في الخطاب الإسلامي في الدول الإسلامية غير العربية كتركيا وبعض دول شرق آسيا و إفريقيا التي حدثت أنظمتها السياسية. نلحظ في هذه الدول أن الخطاب الإسلامي الشعبي أكثر اعتدالا بل ويتماهى أحيانا مع الخطاب الليبرالي بصورة تجعله مقبولا حتى عند غير المسلمين في الدول التي تضم تنوع ديني واثني كما في حالة إندونيسيا في آسيا والسنغال في إفريقيا على سبيل المثال. لم يرفع الخطاب الإسلامي في تلك الدول شعارات تنادي بكفر الديموقراطية أو ضرورة الجهاد وعوضا عن ذلك رفعت شعارات تنادي بضرورة التنمية والتعايش والتسامح كما هي مبادئ الإسلام البسيطة التي نعرفها ونرددها. إن الدول العربية خرجت من ربقة الاستعمار لكنها وقعت في قبضة الاستبداد وجمود التحديث السياسي بمعنى المعضلات التي أفرزت في نهاية المطاف خطابا إسلاميا متشددا تزعمته تنظيمات وأحزاب صغيرة هامشية استطاعت إقناع الجماهير بأخطاء السلطة. وفي نهاية الأمر تم تخوين هذه الأحزاب ومطاردة أعضاءها والزج بهم في سجون السلطة لأنهم رفعوا شعارات إسلامية زايدت على شعارات الأنظمة بل وتجاوزتها في التطرف.. وأخيرا فإننا إذا ما أردنا تخفيف حدة الخطاب الديني والنأي بأنفسنا عن التشدد والفقه الجامد فإنه يلزم أن نفتح نوافذ العقول وأن نقوم بعملية إصلاح سياسي شامل تضمن في نهاية المطاف تخفيف الاحتقانات التي تعاني منها الشعوب العربية بحيث تكون الديموقراطية كممارسة شعبية في صلب اهتماماتنا.. صحيح أن التجربة لن تكون مريحة في بداية الأمر لكنها وبمرور الوقت ستصحح مسارها إذا ما انطلقت بعيدا عن القمع واستبداد السياسيين.. غيرنا ليسوا أفضل منا فقد بدأوا ونجحوا.

وعلق د. عبدالله بن ناصر الحمود على ذلك بقوله أن ما طرحه د. خالد الرديعان جميل وواقعي ومنطقي لكنه محبط جدا في ذات الوقت. إن كان خلاصنا من داعش الفكر وداعش السلوك لن يأتي إلا من بوابة الإصلاح السياسي فيا ويلنا من شر قد اقترب.  آفاق الإصلاح السياسي في بيئتنا بائسة. في أفضل نموذجين حاولا الإصلاح بذراع الجماهير سقطت نظرية الإصلاح مع سقوط آخر ضحية من الجماهير وعاد الأمر كما كان أو نحو ما كان في مصر وتونس. وفي أسوأ نموذجين راحت الجماهير ضحايا للمجهول، في ليبيا وسوريا، ولم ينعم الناس بإصلاح. وبين هذا وذاك بقيت منظومة من الدول الأخرى في الخليج والأردن مثلا مكانك سر. ربما نجح المغرب في إجراء تعديلات هيكلية مهمة في مفاصل سلطته السياسية يقول المراقبون أنها أنقذته من مصير محتوم لو لم يفعل. خلاصة الأمر لعلنا وأنظمتنا السياسية نبحث عن مخرج للأزمة المتجددة المتجذرة.

ومن ناحيته أوضح د. خالد الرديعان أنه لا يتحدث عن إصلاح سياسي كالنموذج الليبي والعراقي أو السوري فهذه النماذج سيئة وجاءت بعد سقوط الأنظمة وخاصة العراق وليبيا… إنما يريد إصلاح من نظام قوي ومتماسك بحيث يبادر بنفسه بعملية الإصلاح … ونموذج المغرب مناسب جدا ويمكن الإفادة من تجربته.

كذلك أشار د. مساعد المحيا إلى أنه وإذا كان الأفق مسدودا فليس له من سبيل إلا الانفجار .. الإصلاح السياسي الذي يتسق مع نماذجنا الخليجية هو المقصود وهو الذي يقوم على التدرج في عملية الإصلاح وليس على الثورية الجماهيرية .. نخب السلطة والنخب المثقفة والجماهير المتطلعة للتغيير يمكن أن تتواءم في عمل سياسي رشيد أساسه مصلحة الوطن وبخطوات عملية وإجرائية متقبلة لا تقوم على الصراع أو المناكفات الهادمة للبناء .. نحن ننعم بمشروع سياسي جعلنا بفضل الله ننعم بالأمن والرخاء وأي إفساد له يعني إفساد في الأرض إنما هو الإصلاح بكل معطياته العملية والممكنة والمقبولة.

 تقصير النخب الثقافية والسياسية

أما أ. خالد الحارثي فأشار في تعليقه على ورقة مستقبل الخطاب الديني إلى أنه يعتقد أن بقاء الأثر الكبير للخطاب الديني وتغلبه هو دلالة على تقصير النخب الثقافية بكل أطيافها في حق مجتمعاتها لتوظيف الدين للسيطرة على الثروات والسلطة وحجب المعرفة وإبقاء الصراعات ، والفشل في التنمية واليأس الذي حدى بالمجتمعات لتخطي غياب الأدوات البشرية للجوء إلى حلول إلهية متمثلة في الخطاب الديني والذي أوقعهم مجددا في يأس مركب يخرج بهم نحو الحلول المتطرفة إما العنف والقتل أو تهميش الشأن الديني أو حتى الإلحاد. وأوضح أ. خالد الحارثي أنه لا يختلف على التعريف الإجرائي للخطاب الديني الذي بذل الجميع جهدا في توضيحه وتبيانه ، كما ذكر أنه يتفق مع توصيف د. عبدالرحمن الهدلق للسمات التي تجتمع للفرقاء كاملة من الصفرية الإقصائية والعالمية والشمولية والبساطة والعاطفية والتفاعلية ، وهو ما يجعلها مدارس سياسية عنصرية وليست دينية ، وذلك يفسر عدم قدرتها على تمثل قيم ومفاهيم التسامح والعدالة والاعتدال والحوار التي يقوم عليها الدين الإسلامي وهي غائبة تماما عن السلوك السياسي والاجتماعي لهذه الجماعات أو المدارس إذا صحت تسميتها بذلك ، وأما الظهور لتلك القيم من آن لآخر ليس إلا ظهور سطحي وفي صيغة الشعارات والديماغوجية التي تستخدمها في تعبئة الأتباع والتفاوض مع القوى السياسية والسلطة. وهذا أيضا أي التناقض الذي تعيشه هذه المدارس في الوعظية الفوقية التي لا تحمل رأفة ولا تواضع ولا زهد بل انتهازية مغرقة ووصولية تستهين بحياة وحرية وعقول أتباعها وبين دعوة الدين للعدل والمساواة يزيد من إفلاسه الجهل بالعلوم السياسية والاجتماعية والاقتصاد والإدارة ، والإصرار على تجاهلها وإسقاط الآيات والأحاديث عليها عنوة والزج بالعلم الشرعي فيها بل وحتى في العلوم التطبيقية والطبيعية بمقولات وبناء الحواجز الكبرى بين الأجيال وبين العلوم عن طريق توظيف الإعجاز العلمي للقرآن والسنة لصد الشباب عن التلقي المباشر للمعرفة ومصادرة التقدم العلمي من العلماء واختطافه. إن مستقبل الخطاب الديني هو أداة تشعل التطرف والإرهاب وتهدد أمن المجتمعات وليس بالإمكان أن تبقى أداة إصلاح طالما بقي التناقض ظاهرا بين الواعظ والقيم الأصيلة للدين ، سيبقى الإرهابي أكثر شفافية وصدقا في نظر الأتباع من الواعظ المحسوب على السلطة.

ويرى أ. خالد الحارثي أن هناك بعض القضايا ذات الصلة التي تحتاج إلى مزيد من النقاش حولها ومن أبرزها:

  • أثر الخطاب الديني في الوظيفة الرسمية في جانب التشريعات وتوجهات الجهد والنشاط الحكومي : فبفضل تدين المجتمعات التي ينشأ في ظلها امتلاك الحقيقة قدمت الوظائف الرسمية مجالا واسعا للإسقاطات الواسعة لنصوص الشرعية على العقد الاجتماعي في اعتبار الإنسان والحقوق والخدمات والسياسة الاقتصادية والاجتماعية ، ومن المنتج الخديج اقتصاديا الناتج من الخلط والصراع بين النظريات الاقتصادية ونظريات فقه البيوع والملكيات ، وبين اعتبار الفرد كمواطن والأسرة كوحدة اجتماعية وبين نظريات القوامة والولاية فقهيا ، وبين رعاية الدولة الاجتماعية للمرأة والطفل وحقوقهم في العيش الآمن وحق العمل وبين مفاهيم الاختلاط والولاية على القاصرين فقهيا ، ونتج عن ذلك مفارقات ومآسي اجتماعية واقتصادية وإنسانية لا تنتمي إلى القيم الرئيسية للإسلام وأمنه الاجتماعي والفكري.
  • آفاق استقلال الزعامة السياسية النسبي في الرؤية نحو التفوق الاقتصادي وقيادة المعرفة والبحث العلمي عن الزعامة الدينية والمذهبية نظرا لعدم الاختصاص وانتفاء الحاجة الموضوعية ، حتى لا تتسبب بشكل مباشر في تعطيل التنمية والنمو الحضاري والمدني للمجتمعات ، وهذه قضية آن أوان فرزها دون مساس بمكانة الخطاب الديني عند المؤسسة السياسية.

ومن جهته تناول أ. عبدالله الضويحي مجمل ما تضمنته ورقة د. عبدالرحمن الهدلق حول مستقبل الخطاب الديني وتعقيب كل من د. فاطمة القرني و أ. كوثر الأربش. حيث يرى أن كلا منهم تناول جانبا مهما من الموضوع ما جعلها أكثر تكاملا وإحاطة به من كافة الجوانب. فبالنسبة لد. الهدلق: قدم ورقة شاملة لمفهوم الخطاب الديني وأشار لنقطة مهمة وهي تجاوزه الحدود إلى العالم غير الإسلامي خاصة الغرب. بينما أكدت د. فاطمة على البعد الإعلامي وأنهت تعقيبها بخلاصة مهمة تتمثل في الإشارة إلى أن المشكلة ليست في الخطاب بقدر ماهي فيما انحرف عنه من خطابات. أما أ. كوثر فقد أصّلت لهذا الخطاب تأريخه ومراحله مشيرة إلى ( اختراع التخصص ) وهي مرحلة مهمة فيه. ولعل النقطة الهامة في الموضوع اتفاقهم أن الخطاب الديني والتيارات الفكرية المعاصرة كالليبرالية والعلمانية يسيران في خطين متوازيين.

والحقيقة من وجهة نظر أ. عبدالله الضويحي أن الخطاب الديني المتشدد الذي نتحدث عنه لم يكن وليد الثمانينيات أو ما بعدها .. فقد كان موجودا في الستينيات والسبعينيات وأفرز حركة جهيمان وإن اختلفت أدواته وبعض ممن التحقوا بحركته ( دون ذكر للأسماء ) يعرفهم شخصيا – على حد قوله – وكانوا يجتمعون في مسجد معروف ويسافرون لباكستان حتى أن جريدة الرياض أوقفت بسبب نشرها صورة لفيروز بينما كان التلفزيون يبث المسلسلات. وتساءل أ. عبدالله: لو توفر لهؤلاء وسائل تواصل كما هو الحال اليوم ما الذي كان سيحدث !؟ ربما كما حدث الآن وربما أكثر! وفي ظنه أن مشكلة الخطاب الديني لدينا ليس في المرسل فقط ولكن في المتلقي وهنا الخطورة سواء كان مسؤولا أو شخصا عاديا ولا نعمم لكنهم الغالبية وهم على فئتين: إما: تنقصهم الثقافة الدينية وبالتالي فهم مع كل رأي ديني أو فتوى ولهم مشائخ يسبحون بحمدهم ويمشون خلفهم ويؤمنون بما يقولون دون مناقشة. أو: مجاملون يخشون المواجهة مع هذا الخطاب وإن كانوا على حق خوفا من تهميشهم اجتماعيا وإقصائهم. وهذا ما جعل هذا الخطاب يتمدد أفقيا وتتسع دائرته. واختتم أ. عبدالله مداخلته بتساؤلين:

  • الأول: أيهما أكثر تأثيرا على هؤلاء الشباب الخطاب الديني الموجه لمجتمع محدد (كما في وطننا) أم وسائل التواصل الاجتماعي ومواقعه  !؟
  • الثاني: في ورقة أ. كوثر أن الخطاب الديني بلغ أوج خدمته للمذاهب في العصر العثماني، حين بدأت الدولة الصفوية بسط نفوذها في  القرن السادس عشر الميلادي حين أصبح الخطاب الديني مجرد خادم للسياسة. والمعروف أنه في تلك الفترة ظهرت صكوك الغفران في أوروبا وسيطرة الكنيسة. ومن هنا يأتي السؤال: هل ثمة علاقة أو رابط بين الحدثين !؟

أما م. سالم المري فاستهل مداخلته حول قضية مستقبل الخطاب الديني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية بالقول بأن من الأفضل أن نحاول الفهم كيف ينشط الخطاب الديني المعاصر وسبب قوته و قدرته على تجاوز الحواجز، قبل الخوض في الواقع وتوقعات المستقبل. وجاء نص تعقيب م. سالم المري كما يلي:

  • بداية تفعيل الخطاب الديني المعاصر:

قد يذكر البعض المواجهات الحامية في الوطن العربي في الستينات والسبعينيات على هامش الحرب الباردة بين حلفي وارسو والناتو فقد انقسمت معظم الدول العربية إلى معسكرين. المعسكر التقدمي المدعوم من قبل السوفييت وحلف وارسو وتزعمته القوى اليسارية والقومية في العالم العربي و المعسكر الحليف لأمريكا والغرب و من هنا بدأ تنشيط و تطوير الخطاب الديني المعاصر حيث كان الدين أحد الأسلحة الفتاكة التي أطلقها المعسكر الغربي وحلفائه فقد شجعت و نشطت بعض الدول العربية مثل السعودية والأردن ومصر السادات الخطاب الإسلامي في بادئ الأمر لكي يلجم تمدد الفكر القومي واليساري الداعي للتغيير في المنطقة وللحد من نفوذ المنظمات اليسارية المتطرفة، ففي المملكة احتضنا حركة الإخوان المسلمين المناهضة للناصرية في مصر و المناهضة للبعثيين في سوريا وتوجه الخطاب الديني مباشرةً ضد الفكر القومي و الاشتراكي ، ثم بدأ ينشط الخطاب السلفي المحلي و كان الإسلاميون هم الوحيدون الذين يستطيعون عقد الندوات والاجتماعات والمخيمات الصيفية في المملكة.

و إقليمياً وبتصفيق حاد غربي وخذلان واضح للشاه انتصرت الحركة الخمينية بخطابها الاثنى عشري المتشدد بطبعة إيرانية خاصة؛ هي ولاية  الفقيه، لإبعاد حزب توده الشيوعي والقوى الإيرانية الاشتراكية الأخرى من الاستيلاء على السلطة لكي تقف هذه القوه الدينية سدا جنوبيا أمام المد السوفييتي الشيوعي ، ثم بدأ الخطاب الجهادي موجهاً ضد السوفييت في أفغانستان مدعوما من قبل الولايات المتحدة و حكومات عربية مثل المملكة و مصر وكانت الدعوة تتم علنا للجهاد في أفغانستان وسافر الشباب مدفوعي الكلفة إلى أفغانستان ولم يكن أحدا في حينها يجرؤ على الدعوة للجهاد في فلسطين إلى درجة أن بعض الفلسطينيين كانوا يرددون مستنكرين (وهل أصبحت كابول أقدس من بيت المقدس؟) وحدث ما حدث وبعضنا عاصر ذلك الخطاب ونتائجه. و على المستوى العالمي أيضا أدخل الخطاب الديني على خط المواجهة لفصل بولندا  الكاثوليكية من المعسكر الاشتراكي ، و تزعم ذلك البابا البولندي الأصل في الفاتيكان .

و قد انجلى غبار المعارك عن خيبة أمل كبيرة للكثير من المواطنين العرب (بما فيهم حاملي الخطاب الديني) فمثلا في البلاد العربية استقلت الدول العربية وكانت الآمال كبيره ولكن هذه الدول لم تحقق طموحات الناس على المستوى الوطني أو القومي فلاهم حرروا فلسطين ولاهم طوروا البلاد و لاهم أشركوا الشعوب ، فالملكيات بقيت على ماهي عليه متشبثة بالحكم و الثروة والجمهوريات تحولت للتوريث والأحزاب القومية صارت غطاءا كرتونيا للطائفية والفجوة بين الغني والفقير في اتساع مضطرد. ومع أن معسكر السوفييت وأنصارهم انهزموا في آخر المطاف شر هزيمة إلا أن الخطاب الديني وأصل مسيرته بحلة جديده في كل أزمة جديدة، وعندها بدأ الخطاب الديني العربي يتشعب و تحول إلى الحدة في الفكر و العنف في التعامل على عدة جبهات؛ فعلى المستوى السني الشيعي تصادم الخطاب الإسلامي السني مع الخطاب الشيعي التابع لولاية الفقيه في إيران ، و هذا الخطاب تم تطويره و دفعه إيرانيا بدعوى ظاهرها الدين و باطنها أطماع إقليمية لا تتحقق إلا بتفتيت دول المنطقة وقد تغلغل في المنطقة العربية تحت ستار نصرة المظلومين والممانعة والمقاومة مستغلا إهمال الدول العربية وضعفها ثم تبين لاحقا أن المقاومة والممانعة ليس إلا اصطفافا طائفيا آخر يهدف إلى تكوين كيانات تابعة للنفوذ الإيراني على حساب الوحدة الوطنية وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتصادم عنيف مع الخطاب السني و الشيعي العروبي وهذا الحاصل حاليا. و على المستوى السني تطور الخطاب الديني ليغلب عليه الخطاب الجهادي ويتبرأ من الدولة الوطنية و يعلن الحرب على الجبهة الداخلية و القوى العالمية .

  • الواقع الحالي للخطاب الديني في المشرق العربي:

يمكن الملاحظة بوضوح أن القاسم المشترك في الخطاب الديني الإسلامي العربي المتطرف بشقيه الشيعي (التابع لإيران) والسني الجهادي هو فقدان الهوية العربية المشتركة ومحاربتها. ومع عودة الحرب الباردة مجددا بين الروس والصين من جهة والولايات المتحدة والغرب من جهة أخرى استطاع الخطاب الشيعي الإيراني أن يجد في المعسكر الروسي حليفا له في حربه ضد الخطاب الإسلامي السني تحت غطاء محاربة الإرهاب والمقاومة والممانعة ضد المعسكر الأمريكي بينما ظل المعسكر الأمريكي الغربي في حربه على الخطاب الإسلامي السني و المعسكران في حلف غير معلن يناهض قيام أي دولة عربية وطنية قوية في المشرق العربي، الحلف الأول مدفوعا بالأطماع الإيرانية و الحلف الثاني مدفوعا بالمطامع و المصالح الإسرائيلية ، و الغالبية العربية السنيه ترى الحلفين أعداءا لها. وكون الدول السنية في غالبها حلفاء للجانب الأمريكي أصبح الخطاب الإسلامي السني المتطرف في حرب مع المعسكرين ومع الداخل .

  • المستقبل المنظور :

الصراع الروسي الأمريكي الحالي لم يعد عقائديا كما كان في السابق بين الرأسمالية والاشتراكية بل أصبح صراع مصالح استعمارية ولذلك فإنه من الممكن أن تتغير الأحلاف بتغير المصالح إلا أنها تجتمع مع رغبة القوى الإقليمية (إيران وتركيا وإسرائيل) في تفتيت الدول العربية المشرقية ومن ثم فإن الخطاب الإسلامي السني المتطرف في المنطقة العربية من المتوقع له المزيد من التقوقع و الحدة ضد الشرعيات القائمة لأنه يرى أنها خذلته ولا تمثله ولا تدافع عن حقوقه و كذلك ضد القوى العالمية التي يرى أنها تكالبت ضده. والخطاب الديني السني المتطرف حاليا هو في الحقيقة خليط بين الدين و القومية ومعظم الذين يقومون بالأعمال الإرهابية من الشباب الذين لم ينضجوا دينيا ولكن بدافع الثأر لكرامة مهدرة وحقوق مستباحة! و الحل لهذه المشكلة بالتأكيد هو فكري وسياسي بالأساس إضافة إلى تحسين الظروف المعيشية ، أما فكريا فهو العودة التدريجية للفكر الديني والقومي المعتدل الذي يدعو لدولة المواطنة و الهوية المشتركة و ينتصر للحق و يصون الكرامة وسياسيا عن طريق أخذ الدول العربية السنية الفاعلة مثل المملكة ومصر زمام المبادرة في الدفاع عن حقوق العرب في مناطق النزاع وعدم إتاحة المجال للمنظمات الإرهابية لأن تكون هي الحامية واحتواء الجماعات الدينية وتهذيب فكرها ونفي الإرهاب والتطرف عنها مع القمع الشديد للإرهابيين وتأديبهم والاصرار على وضع المنظمات الإرهابية من الجانب الآخر في قائمة الإرهاب كشرط لإدانة أي منظمة سنية بالإرهاب فغالبية الجمهور العربي ليس مع الخطاب المتطرف بل ينظر بإيجابية لما لديه ويرغب في تطويره ولكن هناك شعور بالحاجة للانتصار والمقاومة والرد على هذا الاذلال المتواصل للعرب في معظم قضاياهم وقد كان ذلك جليا في مشاعر الناس في دول الخليج والدول العربية عند انطلاقة عاصفة الحزم حيث كانت مشاعر الفخر والاعتزاز واضحة على الكثيرين. ومن المتوقع أن يستمر التصادم بين الخطاب الإسلامي الشيعي الإيراني والخطاب الإسلامي السني والحل هنا أيضا فكريا وسياسيا فمن الناحية الفكرية تنشيط ودعم الخطاب الشيعي العروبي وإشغال إيران الملالي بنصرة ودعم معارضيها  إلى أن تتطور مشاركة الشعب الإيراني بالقرار وتنتهي سيطرة الملالي على السلطة في إيران مع التطوير المستمر للقوة العربية المشرقية لتمثل رادعاً قوياً للأطماع الإيرانية والإسرائيلية وتطور لها هوية عربية وطنية مشتركة تكون جامعة ومقنعة لجميع مكونات مجتمعها. كما أن من السيناريوهات المحتملة أن تتعقد الأمور في سوريا بدخول روسيا في الحرب مباشرة حيث من الممكن أن يعود شيء من الحد الأدنى من الاتفاق بين الخطاب السني الجهادي والولايات المتحدة والدول العربية السنية لاستنزاف المعسكر الروسي الإيراني في سوريا!

وأشار أ. سمير الزهراني في مداخلته حول قضية مستقبل الخطاب الديني إلى أننا نعيش وفرة في إصلاح هذا الخطاب دون أن نرى لهذه الوفرة أثراً ملموساً في حياتنا.. فأي رؤية تستحضر الخطاب الديني بغرض مساءلته، لا بد أن تستحضر الخطاب السياسي بغرض المساءلة والحساب والنقد، ففقهاء المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس كانوا يختلفون على مكان وجود الشيطان، هل هو فوق الدبوس أم تحته كما تقول بذلك الأساطير، في الوقت الذي كانت فيه جيوش هولاكو تحيط ببغداد حاضرة العالم الإسلامي آنذاك.. هذه الوفرة، أفرزت لنا شعارات أيدولوجية قاتلة تضع العربة أمام الحصان، وتعيدنا خطوات إلى الوراء بعدما قد كنا خطونا خطوة إلى الأمام، وآخر هذه الشعارات “العلمانية هي الحل” التي برزت في مظاهرات العراق في دلالة واضحة على عجز المثقف والفقيه العربي على صياغة خطاب أصيل ينتمي إليه، واكتفائه باجترار خطابات تكون في أصلها معادية لتكوينه الثقافي.

وذهبت د. فوزية أبو خالد إلى أن التعليق حول الخطاب الديني يحرض على أسئلة هامة لمعالجة ذلك التابو المسكوت عنه وهو ازدواجيتنا ما بين الخطاب الديني المنطوق وما بين الخطاب الديني المعاش وما بين التسامح مع خطابات الخارج والتشدد مع الداخل. وقد أشارت بعض المداخلات السابقة إلى تلك العلاقة المكممة بين أزمة الشباب والتوحش الداعشي بل والكثير من تخلفنا وبين رفض أن يكون الإصلاح السياسي جزء من بحث الإشكالية وتلك ليست معضلة الأنظمة وحسب بل معضلة القوى الاجتماعية التي تضطلع بإبقائها قيد الصمت أو الالتفاف.

أما أ. عبدالله بن كدسه فقال: حقاً هناك نجاحات على المستوى الأمني فقط وهو يحسب لوزارة الداخلية .. أما على المستوى الفكري أعتقد أن الجهود ضعيفة جداً من قِبل باقي الوزارات … الإنترنت هو المنصة الوحيدة لهذه الجماعات. .. وهذا على مر التاريخ يتكرر في منطقة الشرق الأوسط .. لا توجد حركة معارضة أو إرهابية تستخدم وسائل الإعلام التقليدية .. الثورة الإيرانية الأولى استخدمت الكاسيت .. إبان حرب الخليج ومعارضة دخول القوات الأمريكية تم استخدام الكاسيت كذلك .. القاعدة استخدمت الإنترنت والايميلات .. الثورة الإيرانية الثانية استخدمت الرسائل النصية .. الربيع العربي ” تويتر ، فيسبوك ، يوتيوب ” .. واليوم داعش تستخدم نفس المنصات.

واتساقا مع ذلك، أشار أ. مسفر الموسى إلى ما جاء بمقال له منشور بجريدة الرياض عام ٢٠١١ بعنوان: خطاب “الكاسيت” يغرد على “تويتر”.. حيث ذكر فيه: أنه و من منتصف القرن الماضي وحتى هذه اللحظة لا زال بعض المعنيين بعلم الاتصال يناقشون المتغير الأساس المؤثر في شكل وثقافة الخطاب. بعضهم انحاز إلى مُتغير “الوسيلة” بوصفها منتجاً حضارياً تتشكل معه المدلولات الثقافية للاستخدام كدرجة التفاعل والمساواة والإحساس بالفردية ودرجة المشاركة الاجتماعية والسياسية. في المقابل لا زال البعض الآخر يُغلّب الجانب البشري في شقه الأعلى بوصفه مخططاً للأنظمة الاتصالية ومحدداً لسياساتها، وفي شقه الأدنى صانعاً للخطاب ومستهلكاً له. وبعودة إلى الوراء وتحديداً في عهد ازدهار ثقافة الكاسيت في منتصف الثمانينات، استطاع الخطاب الاتصالي “للكاسيت” أن يُميز ذاته في عدة اتجاهات. من ضمنها قدرته على تجاوز الحدود الرقابية من خلال التسجيل وإعادة الإنتاج غير الرسمي. كما أنه وبشهادة المنتمين له في تلك الحقبة كان صوته يتسم بأشكال ومستويات محددة. فمن ناحية الانتماء، لم يكن الخطاب يُفرّق في الأولويات بين ما هو وطني وبين ما هو عروبي أو إسلامي. على العكس، كان يشعرنا بأن كشمير قضيتنا الأولى وأنها جزء من حدود الوطن الجغرافي. كما أنه اتصف بالممانعة والرفض للمستجدات العصرية من خلال لغة التخوين وخطاب الكراهية للمنادين بالتحديث. وبحكم الوسيلة، والفاعلين في الخطاب، لم يكن المتلقي يشعر بالمساواة في العملية الاتصالية فالصوت يأتي من الأعلى بالأمر والنهي دون أدنى محاولة للمشاركة حتى في التفكير. والأهم من كل ذلك صوته المهيج للمشاعر والذي حجب به واقعاً حقيقياً معاشاً واستبدله بواقع ذهني مزيف من خلال المبالغة والتضخيم.

وأضاف أ. مسفر الموسي: في تويتر – رغم عدالة الوسيلة من خلال دعمها للحرية والمساواة واحترام الثقافات والحوار والتفاعلية – إلا أن ثقافة الكاسيت قد تسربت إلى ضاحية من مساحتها الشاسعة. في تلك الضاحية لا تشعر كمشارك بحدود جغرافية واضحة لانتماء بعض المغردين السعوديين، فسوريا هي السعودية والأخيرة ليست إلا جزيرة عربية. في الضاحية ذاتها لا زال خطاب الكراهية والتخوين ينخر في قيمة الحوار ولا تعتقدوا واهمين أن أحداً لم يكتب عبارة “زوار السفارات”. في الضاحية عينها يعبرون بخطاب تهييجي عما يطلقون عليه “قضية المعتقلين” في تزييف للواقع الحقيقي الذي نعيش فيه، متناسين كل الأحداث الإرهابية التي لم تجف من سطوتها دماء الشهداء بعد. في الضاحية نفسها لا تتوهموا بأن الخطاب الاستعلائي قد انقرض فلا زال لبعض المغردين مريدون متبرعون بإدارة الصفحة وقد كتبوا “لقد سمح لنا الشيخ بجزء من وقته الثمين لنقطف لكم هذا المقطع المسجل”. إذن ومن خلال المقاربة السابقة لاختبار تأثير متغير الوسيلة على الخطاب، يتضح أن الوسيلة رغم اختلاف قيمها الاتصالية إلا أن تأثيرها لا يزال محدوداً بالمقارنة مع العنصر البشري في جميع مستوياته.

وبدوره أوضح د. عبدالرحمن الهدلق أن الإشكالية تكمن في أن من يتأثر بخطاب داعش ينقله لأصدقائه وأقاربه كالفيروس وهذا يزيد من فرص التجنيد. وتساءلت أ. علياء البازعي: هل كان الفكر الداعشي سينتشر لولا وجود الإنترنت؟ وأجاب د. عبدالرحمن الهدلق بأن أهم أدوات انتشار خطاب وفكر داعش وسائل اتصال اجتماعي + الاتصال الاجتماعي عبر الأصدقاء والأقارب. واتفق أ. عبدالله الضويحي مع هذا الرأي بقوله: الإنترنت عامل مهم ومؤثر في انتشار هذا الفكر. وأضاف أ.د. عبدالرحمن العناد: ولا تنسوا زرع أسس التشدد الديني منذ الطفولة المبكرة بالبيت والمدرسة .. البذور تزرع مبكرا.

وتساءلت د. سامية العمودي: ألا نمتلك نفس الأدوات والتقنيات .. لم لا نستخدمها لجرعة مضادة .. أيضا لنفتح أبواب الحياة ولنغير ثقافة الموت وجماله التي يعتنقونها.

وأضاف أ. عبدالله بن كدسه: لابد من حملة كبيرة مقنعة تستخدم نفس المنصات تزاحم هذا الظلام الموجود. وعلق أ. عبدالله الضويحي بأن الأدوات والتقنيات وحدها لا تكفي .. نحتاج لفكر يستطيع توظيفها.

وأشار د. حسين الحكمي إلى ضرورة التصدي لبعض صور الخطاب التي غرست في شبابنا فكر متشدد جدا ، تطور ووصل لحد أننا وصلنا لمرحلة قتل من يختلف فكره عن فكرنا حتى لو كان من الأقربين! وأكد د. حسين أنه بالدراسة والتحليل سنصل لسمات معينة تميز شخصية الداعشي وتميز الشخص الممكن أن يتدعشن.

وأضافت أ. علياء البازعي: نحتاج لغرس المفهوم الصحيح للجهاد …الجهاد ليس مدفع ورشاش…الجهاد يكون في طلب العلم…في تحمل العمل الشاق.. في بناء الوطن…و أعظم الجهاد جهاد النفس.

وقال د. عبدالرحمن الهدلق: أعتقد أن وزارة التعليم في حاجة ماسة وعاجلة لتفعيل الأنشطة المضادة لفكر داعش وإعادة النظر في مهامها التربوية ، ومثلها الشؤون الإسلامية. كما أن من المهم تكثيف دورات الحوار في مؤسسات التنشئة الاجتماعية وخاصة المدارس والجامعات وتدريب الشباب على أساليب الحوار واحترام الرأي الآخر. فضلاً عن الحاجة إلى زيادة الجرعات في مناهجنا فيما له علاقة بالتسامح والابتعاد عن الآراء المتشددة التي يكون الاختلاف فيها مقبولاً.

ولفت د. عبدالرحمن الهدلق الانتباه إلى أن  فكر داعش ليس حصراً علينا فتونس وعدد من الدول العربية والغربية يعانون منه بدليل أن التونسيين أكثر عدداً من السعوديين في سوريا. وعلق د. عبدالسلام الوايل على ذلك بقوله: لم يعاني المجتمع التونسي معشار …. معشار ما يعانيه المجتمع السعودي من داعش. الفارق هائل حتى لو كانوا التوانسة لدى داعش أكثر من السعوديين.. إن قياس حجم ظاهرة داعش في مجتمع من خلال عدد النافرين من أبناء هذا المجتمع قياس مضلل. إن كان عدد النافرين من أبناءنا لداعش 2000 و من التوانسة 2500 و داعش اقنعت 40 من أبناءنا بتنفيذ 17 عملية إرهابية مثلا مقابل عمليتين لداعش فقط في تونس فإنه لاشك أننا نواجه واقعا أخطر مما يواجهه التوانسة. وأضاف أ. عبدالله الضويحي: نحن مستهدفون أكثر من التوانسة ومن أي بلد آخر.

وقالت أ. علياء البازعي: لا أعتقد أن مشكلتنا مع داعش تشابه مشكلة أي بلد آخر…مشكلتنا في سيطرة فكر معين…و هذا الفكر يؤيد “بعض” تصرفات الدواعش في الخفاء…لأنه أصبح يخاف أن يصرح بذلك. أما أ.د. عبدالرحمن العناد فيرى أن الاكتفاء بكون الداعشية منتشرة عند غيرنا أيضا يعد برأيه هروب من مواجهة مشكلة في بلدنا أو هو تقليل من أهمية المشكلة عندنا.

 وزارة التعليم والأنشطة المضادة لفكر داعش

تساءل د. خالد بن دهيش: كيف يمكن تفعيل وزارة التعليم للأنشطة المضادة لفكر داعش وإعادة النظر في مهامها التربوية أو خطابها أو رسالتها التربوية؟ وأجاب د. عبدالرحمن الهدلق بقوله: أعتقد أن الوزارة يجب أن يكون لها استراتيجية واضحة تستهدف التطرف بكاملة وليس داعش فقط فالخطة الاستراتيجية الشاملة يجب أن تعالج المنهج الخفي الداعشي وإلا لم تكن خطة شاملة، وعلى العموم المنهج الخفي بدأت محاصرته نوع ما في وزارة التعليم عبر ضبط الأنشطة اللاصفية.

وبدوره ذكر د. خالد بن دهيش أنه بحكم عمله بالإشراف على التخطيط بالوزارة سابقاً فإنه يرى أن الاستراتيجيات و الخطط موجودة ، وبالمقابل المنهج الخفي الجهادي والداعشي الذي يغذى من خارج أسوار الوزارة موجود أيضا. أما الأنشطة اللاصفية فهي تعد بالفعل جزء من المعالجة ، وقد تضمن مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم العام المعلن قبل ثمان سنوات المعالجة من خلال المحور الرابع للمشروع ( دعم وتطوير الأنشطة اللاصفية ) لضمان توجيه الشباب فيما ينفعهم و ينفع الوطن، لكن للأسف لم يفعل هذا المحور وتم التركيز أو البدء في إيجاد قاعات في المدارس لمزاولة الأنشطة. .. نأمل أن يكون دمج الوزارتين ( التعليم العام والتعليم العالي ) يسهم في إعداد معلم كفؤ ومتمكن وغير مؤدلج لنضمن اختفاء المنهج الخفي ، ولو تم إنجاز ذلك تحقق الهدف من دمج الوزارتين.

وتعتقد أ. ليلى الشهراني أن تعاملنا مع التعليم لم يتطور أو تتغير أدواته ، مازالت سياسة التلقين حتى في مسألة الوطنية حاضرة وبقوة ، نتعامل مع عقول الصغار الطرية بالطرق البدائية ولا نستفيد من التقنيات الجديدة ، معظم المغرر بهم من الشباب الصغار في السن وتعليمهم محدود ، وتجدهم من رواد مواقع التواصل ، دخلوا عالما جديدا بعقول غير محصنة وأفهام سقيمة ، حتى تعرف كيف يفكر هؤلاء أنظر كيف يناقشونك في فكرة أو كيف يديرون أي حوار ، إما بأسلوب الببغاء بمعنى ترديد ما يقوله رمزهم ، أو الشتم والبذاءة . وزارة التعليم تستطيع أن تفعل الكثير لهؤلاء ، الفكر لا يعالج إلا بالفكر ، لماذا لا يستفاد من التقنيات الحديثية في بث برامج توعوية ومسابقات بحثية للطلاب والطالبات ؟ إشراكهم في برامج تخدم البلاد وتنمي الحس الوطني لديهم ، وتكون هذه البرامج منوعة دينية ثقافية طبية وغيرها … إن أردنا أن نجتث الخبث من حدائق الفكر فلنحاول أن نزرع مكانه ما ينفع.

وأكدت أ. علياء البازعي على أن دور وزارة التعليم مهم و أساسي .. لكن سياسات التنفيذ تحتاج لدراسة…فلا يزال هناك خلط واضح بين مفهوم الأمن الفكري و الوطنية.

وعلق د. حميد المزروع على ذلك بأن الوطنية تشتت ما بين الانتماء للعائلة والقبيلة والمنطقة ! ربما ثقافة البادية ما زالت توجه بوصلة الوطنية !

ويرى د. عبدالرحمن الهدلق أن الإشكالية أحيانا في موضوع الانتماء و الهوية وهو نتاج صراع بين الهويات الكبرى والصغرى منها الأمة الوطن القبيلة الأسرة.

ومن جهته قال د. خالد الرديعان: الكلام عن داعش وفكر داعش كثير وكل مرة نعيد نفس الأفكار والكل يتمترس خلف أطروحته دون الولوج إلى لب المشكلة الأصلية وهي لماذا يستدعش أبناءنا؟ يستدعشون لأن البيئة الاجتماعية برمتها خصبة لممارسة التطرف والتشدد حتى على المستويات غير الدينية.. يمكن تلخيص أسباب المشكلة بعاملين:

– الفقه الجامد.

– غياب الإصلاحات السياسية التي تنفس من الاحتقانات الاجتماعية.

ويعتقد د. علي الحكمي أن الإشكالية في تحديد المتأثرين بالفكر الداعشي هو أننا ننظر للشخص هل هو داعشي أم لا، يعني أسود أو أبيض. وفي هذا الإطار يمكن طرح رؤية مختلفة مضمونها أن الفكر الداعشي هو طيف من الأفكار والاتجاهات Spectrum يحوي في أحد أطرافه من اعتنق فكر داعش بالكامل وبوعي منه، وعلى الطرف الآخر من تأثر ببعض جوانب فكر داعش فقط وقد لا يعي أنه يعتنقها. وما بينهما متأثرون بدرجات مختلفة. هذه الرؤية قد تساعدنا على فهم الظاهرة وقياس نسبتها والوقاية منها ومعالجتها بشكل أفضل.

وقال د. مسفر السلولي: منذ فترة وأنا أفكر كيف يمكن لشاب وفي غضون أسابيع أن يقتنع بفكر داعش ثم يتطور إلى الجرأة على القتل ثم قتل الأقارب. ويدور في ذهني سؤال قد يكون ساذج وهو: هل يمكن من خلال تويتر أو غيره من وسائل التواصل السيطرة التامة على الشخص المقابل؟ هل يكون من خلال أدوات كالسحر مثلاً؟ وبالتالي توجيهه لتنفيذ ما يريد الشخص الآخر؟

وعلق د. مساعد المحيا على تساؤل د. مسفر بقوله: هؤلاء يعيشون احباطات سياسية واجتماعية واقتصادية ..إلخ وليس بالضرورة أن يكون هذا كله لدى جميعهم…نحن كنا نعيش قبل ٤٠ سنة فكرا متشددا بل منغلقا ولم يكن هذا السلوك موجودا.

واختلف أ. عبدالله الضويحي مع ذلك بقوله: قبل 40 سنة تولد عنه جهيمان .. وقتها لم يكن هناك نت ولا تواصل اجتماعي ولا انفتاح إعلامي .. ربما لو وجدت لعشنا ذلك وربما لا !؟

ولخصت د. فاطمة القرني المسألة بقولها: أمان اقتصادي .. حياة كريمة .. ثقافة فرح وحياة .. هذا باختصار ما يحمي الشباب من شرور الدعشنة. وأضافت د. الجازي الشبيكي إلى ذلك: (التربية المعتدلة السليمة / المستوى المتقدم من التعليم / العناية بالصحة / الضمان الاجتماعي اللائق / وسائل التحفيز على الابتكار والاختراع / الأمان الاقتصادي / احترام حقوق وكرامة الإنسان / العدل والمساواة / تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء / الحرية في التنقل والتنزه / قيم أخلاقية يُتفق على الالتزام بالحد الأدنى منها و ما فوق / أماكن ترفيه متنوعة وكافية ولائقة).

في حين قال أ. عبدالله بن كدسه: لا أحب أن أكون متشائم ولكن أي امان اقتصادي وحياة كريمة في ظل غلاء المعيشة والبطالة .. وأي ثقافة فرح ومرح إذا كان السوق – كمثال – لا يدخله الشاب بمفرده بدون عائلة .. ماهي أماكن الترفيه التي يمكن أن يذهب لها شاب في ال ١٨ أو حتى في ٢٥ سنة؟

وتساءل أ. مطشر المرشد: كيف نحصن شبابنا ؟ خاصة المحبطون / المدمنون / المصابون بأمراض نفسية ..؟ وأوضح د. عبدالرحمن الهدلق أنه لا زال عند قناعاته بأن الحرمان النسبي الذي يعيشه بعض الشباب والجوانب النفسية والشخصية للفرد مع فكر متطرف عنيف يستغل ذلك ويجند الشباب ينتج لنا التطرف العنيف، وهذه هي النظرية الأساسية لرسالته في الدكتوراه عندما درس جماعات العنف في مصر كحالة دراسية.

وتساءل أ. خالد الحارثي كذلك : هل سنبقى ننظر لأتباع داعش أنهم مغرر بهم؟ إلى متى يقتلون العزل والأبرياء كما فعل أحدهم بخاله والآخر بابن عمه .. قتلوا العزل الأبرياء وقتلوا المصلين في المساجد؟ هل الحلول مقتصرة على الجانب الأمني؟ هذه عقول يعبث بها ويوظفها البغدادي وأعداءنا الظاهر منهم والخفي؟

 الجانب الأمني آخر الحلول

يرى أ. عبدالله بن كدسه أن الجانب الأمني يُفترض أن يكون آخر الحلول .. عامل المعالجة الأول هو الجانب الفكري. وأشار أ. عبدالله في هذا الصدد إلى مقال له منشور بصحيفة الحياة بعنوان: الإرهاب في المملكة .. التشخيص والحلول، وجاء فيه: من مراقبة المشهد في المملكة يتضح أن هناك نجاحات للمؤسسة الأمنية، متمثلة في جهود وزارة الداخلية لمكافحة الإرهاب وضعف مؤسسات المجتمع الأخرى، كل الجهود في حدود فكرة التحاور مع الإرهابيين أو توعية المتعاطفين، وهي جهود قد تعالج بعض الحالات الفردية، ولكنها لا تنفذ إلى العمق؛ لاجتثاث الإرهاب من جذوره. يجب علينا التعرف على بيئة هذا الإرهابي والظروف والعوامل التي تغذيه وتجعل منه إرهابياً، ومن المواطن البسيط متعاطفاً. علينا التعرف على المناخات الفكرية والخطاب الثقافي والظروف الاجتماعية التي تغذي الإرهاب وتعيد إنتاجه وتعطيه ذلك البريق في قلوب الشباب وعقولهم. مع كل حدث إرهابي أو قبض على خلية إرهابية نجد المال والرجال والسلاح، كيف وصلوا إلى هذا العدد؟ ومن أين أتى هذا المال؟ وكيف جاءت هذه الأسلحة؟ في كل مرة نحسب أننا وصلنا إلى نهاية هذا النفق المظلم نجد أنفسنا في مواجهة جديدة، المال يتدفق والسلاح متاح والإرهابيون يتزايدون عدداً وعدة، وأخطر ما في الإرهاب هم المتعاطفون، من يحمل هذا الفكر ولا يحمل السلاح، هذا من يتعاون ويمرر ويمول ويغض الطرف، وقد تناولهم خطاب الملك سلمان حول تفجير القديح. يجب أن نعرف ما الجاذبية الموجودة في الإرهاب؟ وما الجاذبية التي تجعل الحياة ترخص لدى الإنسان ويترك والديه وأهله ومجتمعه ووطنه ويُقدِم على تفجير نفسه؟، كيف يتحوَّل هذا الشاب من شخص يحب الحياة ويريد التميز والنجاح وتحقيق الذات إلى كاره للحياة عنيف ومقبل على الانتحار. صاحَب الجهدَ الأمني بعض الحملات المتواضعة في خطابها الفكري والعاطفي والإنشائي، خطاب ضعيف ومكرر عبر وسائل الإعلام الرسمية، وقد يكون لهذا الخطاب الفكري أثر في البداية، لكنه تحول مع الوقت إلى صيغ خطابية إنشائية سطحية جامدة لا تؤثر في المتلقي ولا تقنعه. الحل الأمني وحده قد يُشعل فتنة، فمع الأيام سنجد أن كثيراً من الأُسر فقدت أحد أفرادها إما بالسجن أو بالقتل، وهذا قد يثير رد فعل سلبي عنيف ضد الدولة. الحل الأمني يفترض أن يكون آخر الحلول، فهذا الفكر الإرهابي يجب أن تتم مواجهته بالفكر والصوت والقلم وبالحجة والمنطق والعقل. حتى نصل إلى حلول يجب أن نجيب عن هذه الأسئلة: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وما الذي حدث؟ وهل كان بالإمكان تجنب ما حدث؟ وكيف يمكن تجنب ما حدث مستقبلاً؟ وبقراءة أدبيات الإرهاب، يبدو جلياً بأن الدين كان الدافع الحقيقي للفرد؛ للإقدام وبذل الغالي والنفيس والتضحية بكل شيء، ولا شك بأن ذلك تم بعد تحويل النصوص الشرعية وعسفها إلى نصوص، تدعم العنف وتدعو إلى قتل مسلمين أبرياء يشهدون بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وصل الإرهابي لهذه المرحلة نتيجة جرعات مركزة ومكثفة لخطاب دعوي متشدد متزمت امتد عقوداً، خطاب إقصائي يحمل تفسيراً ضيقاً للولاء والبراء، هذه الجرعات النارية المركزة التي يتلقاها الشاب يومياً لابد من أن تتراكم وأن يكون لها أثر على المجتمع في زمان ومكان معينين. هذا الإرهابي الذي يفجر نفسه لا يولد في يوم وليلة، بل يمر بفترة تنشئة وشحن مستمر ومركز ينقله، من حال عادية إلى أخرى تفضِّل الخلاص من الحياة.

وأضاف أ. عبدالله بن كدسه: للإعلام دور في تشكيل قناعات الناس وأفكارهم، ولكن حتى تخاطب فئة معينة يجب في البداية أن تعرف خصائص هذه الفئة وديموغرافيتها. تجب معرفة من يقوم بهذه العمليات؟ وكم أعمارهم؟ وكيف هي أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية؟ يجب أن نتعرف على خصائص هذا الجمهور حتى نصل إليه مثل ما وصل إليه الإرهابيون. بالملاحظة وقراءة بيانات وزارة الداخلية تبين أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت أحد أهم الوسائل التي غُرِر من خلالها بهؤلاء الشباب، إذاً، ما الحل؟ ما المنابر والوسائل التي يستخدمها هذا الشاب للحصول على المعلومات والأفكار؟ ما الوسائل التي يستخدمها حتى نصل إليه عن طريقها؟ وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة حرة للإرهابيين؛ للتعبير عن أفكارهم وتسويقها على الشباب، بل وطريقة للتواصل والتنسيق معهم، هناك أكثر من 46 ألف حساب لمؤيدي تنظيم داعش في «تويتر» والعدد يزداد يومياً، في «يوتيوب» هناك أكثر من 1.7 مليون مقطع لـ«داعش»، عدد التغريدات بشكل عام في «تويتر» عام 2009 وصلت إلى مليوني تغريدة، وفي عام 2014 وصلت إلى أكثر من 500 مليون تغريدة يومياً، أي بمعدل مليوني تغريدة في أقل من 6 دقائق، كيف يمكن فلترة ومراقبة هذا العدد المهول وكم شخص تحتاج إلى مثل هذه المهمة؟ الحل يكمن في عمل استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع، ولكن في الوقت الراهن وكحل سريع يجب عمل حملة طويلة على كل وسائل التواصل الاجتماعي حتى تصل إلى كل شاب لبث رسائل إقناعية عميقة المحتوى قصيرة الوقت. الحل يكمن في مزاحمة أصحاب الفكر الظلامي الإرهابي في هذه المنصات، وإيجاد محتوى عميق ومقنع وبسيط، رسائل تهز العقل والفكر، يجب أن يكون لنا دور استباقي ووقائي.

وأضاف د. م. نصر الصحاف إلى ما جاء بمقال أ. عبدالله بن كدسة تلك ديموغرافية الدواعش غير المسلمين لتكتمل الصورة وإيجاد القاسم المشترك الذي يجمع بين الشباب المحلي والخارجي للانضمام تحت راية الإرهاب.

واتفق أ. خالد الحارثي مع القول بأن منظومة المكافحة للإرهاب يجب أن تشمل الجزء الأمني بكافة أطرافه من التحريات والتحقيقات والمحاكمات والإدانة وتنفيذ الأحكام بالإعدام  وأيضا إصلاحات السوق التي تقلص من العمالة الأجنبية وترفع الأجور والمزايا والاستقرار الوظيفي. إن بقاء الحل الأمني على قمة الحلول لا يشكل منظومة متوازنة تستفيد من بعضها البعض بل يهمش بقية الجهود وآراء علماء الاجتماع الذين يزيدون من قوة المنطق الذي يقول به رجال العلوم الإدارية في الإصلاحات الاقتصادية والعمالية.

 اختبارات نفسية فكرية

أضافت أ. فايزة الحربي أن العجيب أنهم – تقصد بعض ممن يتبنون الفكر الداعشي – في حياتهم أمثالنا لا يختلفون عنا لا نستطيع أن نميزهم إلا بمناقشتهم والتعرف على فكرهم .. حقيقة الوضع صعب جدا ويزداد سوء. وعليه فقد اقترحت فرض اختبارات نفسية فكرية في المدارس والجامعات بشكل دوري فصلي لاكتشاف بوادر الفكر المتطرف في الشباب قبل استفحاله مع وضع آلية لعلاج هذه الأفكار في كل مرحلة ويتم إنشاء جهاز خاص معني بذلك يضم خبرات من كل التخصصات والجهات المعنية.

واختلف أ. خالد الحارثي مع هذا الرأي بقوله: لا أتفق مع فكرة الاختبارات النفسية .. كيف يمكن لمراكز الاختبارات النفسية لتكون أدلة جنائية؟ المحاكم في العالم أجمع لا تأخذ بنتائج جهاز كشف الكذب فكيف بغيره .. لا نحارب الإرهاب بالنازية.

بينما أوضح د. علي الحكمي أنه يمكن قياس الاتجاهات، لتعطي دلالات عامة، ولكن لا يمكن بناء قرار عليها لشخص معين إلا بوجود مؤشرات وبيانات أخرى ذات علاقة بالمتغير الذي نريد قياسه. هناك تحيز في القياس اسمه Social desirability المرغوبية الاجتماعية ويعني أن ينزع المقياس (وخاصة مقاييس الاتجاهات) لإعطاء إجابات مرغوبة ومقبولة اجتماعياً ، وليس ما يعبر عن اتجاهاته بالفعل. هذا ما يجعل مثل هذه المقاييس غير ثابتة وغير صادقة في أحيان كثيرة.. وبالفعل مقياس كشف الكذب غير دقيق ولا يعتمد عليه.

أما د طلحه فدعق فقالت: اتفق علي أهمية القياسات النفسية والبحوث الاجتماعية لكن حقيقة سيسيولوجيا الإرهاب والجريمة هو علم وله تفرعاته وأرجو أن تستفيد فعلا من السيسيولوجيين السعوديين  – مع احترامي لهم ولدورهم المفقود أو المغيب – …..أيضا موضوع البحوث الكمية وقياسات الاتجاهات وخلافه من وجهة نظري لن تعطي سوي صوره عامة لكن نحتاج لبحوث كيفية عالية الجودة علي نفس مستوي ما يقدم في مراكز البحوث الغربية .. كثيرا ما تؤرقني كلمة ( لكن ) لأنها غالبا تكون الفاصل بين الواقع والمأمول ونظل دوما ندور في هذه الدائرة.

وأيد د. على الحكمي ذلك وأضاف بدوره أن المختصون في علم النفس والاجتماع السعوديون موجودون لكن يحتاجون الفرصة التي يهيمن عليها الحرس القديم والشللية.

وترى د. سامية العمودي أنه و على كثرة مراكز التميز البحثية في الجامعات وأيضا الكراسي العلمية إلا أن مخرجات بعضها لم تحقق المأمول منها في ملامسة قضايا المجتمع خاصة المستجدة منها.

واتفقت د. طلحة فدعق مع ذلك وأضافت: بل أن بعضها لا يتواءم مع مسماه ككرسي أو مركز بحوث، كما أن كل مخرج لا نستطيع تقييمه باعتباره بحث علمي رصين. كما اتفقت مع ما ذكره د. على الحكمي حيث قالت: علي الأقل فيما يتعلق بعلم الاجتماع كوني انتمي له ..، أنا لا أرى لدينا مدرسة سعودية ولا عربية أيضا للسيسيولوجيا وما لدينا هو ( إعادة للقديم من مفاهيم مدرسة معينة …) …. نحتاج إلى الخروج من الصندوق التقليدي علي مستوي المفاهيم وأدوات البحث والأطر التحليلية الكمية …. لنأخذ ما انتجته مدارس السيسيولوجيا ونقولبه ليتفق مع احتياجاتنا.

وأيد أ. خالد الحارثي ما ذهبت إليه د. طلحة حول أهمية دخول القياسات الكمية والبحوث الاجتماعية بالأطر النظرية الحديثة التي أصبحت صلب صناعة القرار في العالم المتقدم اليوم ، ويعتقد أ. خالد أننا سنحقق نجاح “اختراقي” كما حققته المؤسسة الأمنية في مطاردة الخلايا النائمة البادئة في النشاط والحركة ، وهنا يأتي الدور الآخر لعلماء النفس وعلماء الاجتماع الذين يعتمدون الأطر النظرية الحديثة التي تأخذ بتحليل وقياس المقومات الأيكولوجية لتقرأ الواقع وتفرعاته.

الجدل حول داعش و عوامل تدعشن الشباب

من وجهة نظر د. عبدالله بن ناصر الحمود فإن الجدل حول داعش..  كالجدل حول أيهما خلق أولا الدجاجة أم البيضة .. في موضوع داعش صدمة بشرية آدمية مدادها إهانة البشر بعضهم لبعض. ولن ترفع الدعشنة إلا برفع الإهانات التي يتلقاها بعض البشر من بعض البشر يقول الله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } فكرامة الإنسان حق في أصل الخلقة. فمن أراد أن يعرف كيف يتمرد البشر على بعضهم،  فليبحث في مركبات الكرامة وبقدر النيل منها تتشكل ردات الانتقام ولن ترفع من الأرض حتى يعم قانون السماء فلينظر أحدكم من أين جاءته داعش.

وحاول د. حسين الحكمي تحليل بعض عوامل تدعشن الشباب بالتطبيق على الحادثة الأخيرة لسعد قاتل ابن عمه وشقيقه الذي تولى تصوير فيديو الجريمة. وذكر د. حسين في هذا الصدد ما نصه: من كلام والد سعد أن ولده كان عاطلا عن العمل = فراغ و حالة اقتصادية بسيطة… يجلس على الإنترنت = عامل آخر له تأثير فكري… سعد ليس له أصدقاء ولا يخرج كثيرا = له تفسيرات عدة بسبب نقص المعلومة ، يمكن أن يكون لديه مشكلة نفسية أو ذهنية. قد يكون نجم عن انعزاله الناس عدم اطلاعه على أفكار ورؤى مختلفة فكان سهل إقناعه بالفكر الداعشي. ..العمر ١٩ سنة أي أنه ما يزال بحسب علم نفس النمو ضمن مرحلة المراهقة – المراهقة المتأخرة – و الفرد في مرحلة المراهقة يتصف بعدة صفات منها أن شخصيته غير مستقرة ، قلق ، تقلب المزاج ، يشغله المستقبل ، ثائر على الجيل الذي يسبقه ، يكره التبعية والتسلطية ، يمر الجسم بتغيرات جنسية كبيرة (يمكن ربط ذلك بالترغيب بالحور العين)… الشاب في هذا السن يحب أن يشعر بنفسه ويفتخر بها وبعضهم يختلق قصص فقط ليشعر أنه بطل. تختلف أنماط المراهقين ، لذلك ليس كل مراهق معرض للتدعشن ويمكن وضع ثلاثة أنماط للمراهقة:

  • مرحلة مراهقة هادئة في أسرة مستقرة وفي طل ظروف اقتصادية واجتماعية ونفسية طبيعية.
  • مرحلة مراهقة يتصف فيها المراهق بالانعزال والانطواء ويميل للقراءة وممارسة الأنشطة الفردية ومشغول بنفسه ومشكلاته يكثر من التأمل وينتقد النظم الاجتماعية.
  • مرحلة مراهقة متمردة ضد الأسرة والمدرسة والمجتمع وكل أشكال السلطة.

ويرى د. سعد الشهراني بخصوص انجراف الشباب نحو الدعشنة أن هناك وهم يباع ويسوق ويروج من قبل داعش و كل فكر مناهض للمجتمعات و للاستقرار و للنظام، هذا الوهم هو وهم البطولة و الشجاعة أمام واقع محبط على المستوى العام و الخاص .. يخاطب هؤلاء الأغرار بانهم أحفاد العرب المسلمين الشجعان و أن الحكومات العربية فاشلة و أن القوى العالمية تهيمن على المسلمين و العرب و تحتقرهم و أن الحكومات عميلة و عاجزة و من لها إلا أنتم يا أحفاد صحابة محمد فيستيقظ وهم البطولة و الشجاعة الزائفة ربما في لحظة على الإنترنت .. هذا جانب نفسي استغله المتطرفون الذين يخدمون من حيث علموا و في الأغلب من حيث  لم يعلموا مصالح القوى الدولية المهيمنة المتكالبة التي يدعون و يتوهمون أنهم يواجهونها ليبقى المسلمون متخلفون يقتل بعضهم بعضا و قوى مفتتة يفتك بها هذا السل  من الداخل و يبقون على هامش العالم المعاصر و لا قيمة لهم في عالم تختل فيه موازين القوى اختلالا رهيبا و نعلم موقع العرب والمسلمين تحت السلم و ليسوا حتى في أسفله .. وعليه فإن استغلال طاقة الشباب الهائلة بما يجعلهم يحسون بالأهمية  الاجتماعية و السياسية  يبقى أمر مهم جدا.

وفي مداخلة لاحقة أوضح د. سعد الشهراني أنه يعتقد أن قضايا الفقر و البطالة وعلى وجه الخصوص الفساد والفشل التنموي تستخدم من منظمات العنف و التطرف ضد النظام السياسي وكدليل على فشل الحكومات و للتهييج والتجييش ضد الأنظمة و تجنيد المريدين والاتباع. و من المهم أيضا في المقابل أن ندرك أن النجاح – و لو نسبيا – والصدق في معالجة هذه القضايا يحسب أيضا للحكومات و يمكن تجييره سياسيا للتخفيف من الاحتقانات المجتمعية و يتم الحديث عنه كنجاح سياسي. ومن ثم فإن الربط و الحديث السطحي عن القضايا الاقتصادية كأسباب  للإرهاب و العنف و التطرف من غير إدراك هذا الجانب قد لا يكون موفقا … القضايا الاقتصادية يجب أن تأخذ مكانا متقدما حتى لذاتها بعيدا عن الجدل السطحي حول المشكلتين الاقتصادية و الأمنية … كل القضايا الوطنية مترابطة سواء اتفقنا أو اختلفنا.

وعلق د. خالد الرديعان على ما طرحه د. سعد بقوله: لاحظت ربما كما لاحظ غيري أن المنتمين لداعش والجماعات المتطرفة في مناطق الأطراف في المملكة والمناطق الريفية ينطبق عليهم سبب الفقر والبطالة كدافع أساسي للانتماء لهذه الجماعات بينما تختلف الأسباب في المدن الكبيرة فمعظم هؤلاء يفدون من الطبقة الوسطى وبعضهم من أسر معروفة لا تعاني من وضع اقتصادي سيء… انتبهوا لمناطق الاطراف والريف والهجر البدوية… أرى أن المناطق الريفية والقرى والهجر بؤر أساسية في عملية تكوين الخلايا.. فهناك مرونة التواصل والاختفاء والتجييش بعكس المدن.

أسباب تضخم الخطاب الديني وغياب الخطاب التنويري والليبرالي المعتدل

من ناحية أخرى، أشار د. خالد الرديعان إلى مسألة مهمة تتعلق بأسباب تضخم الخطاب الديني وغياب الخطاب التنويري والليبرالي المعتدل. وأوضح د. خالد أنه ودون عناء يذكر نلاحظ أن الخطاب الديني عندنا ممأسس ومتجذر من خلال عدة جهات رسمية وغير رسمية مما يضفي عليه شرعية لا تتوفر للخطاب المقابل حتى وإن كان خطابا واقعيا لا يتعارض مع الخطاب الديني السائد.. ويتم عادة وصم الخطاب التنويري بأنه تغريبي ويتم تشويهه بصورة ممنهجة ولا سيما أن الخطاب التنويري يفتقد للمنبر والمؤسسة التي تدافع عنه.. وهنا تصبح الساحة متاحة فقط للخطاب الديني الذي يجنح نحو خلق الخصوم وتهميش أي خطاب آخر حتى لو  خرج من عباءة الخطاب الديني.. وليس المقصود أن الخطاب الديني نسخة واحدة فهناك تنوع فيه لكن الصوت الأقوى هو للخطاب المتشدد والذي يستقوي غالبا بالمؤسسة السياسية التي تعرف ضرره لكنها تهادنه في أغلب الأحوال… ويضيف د. خالد: لا داعي للتذكير كذلك أن المؤسسة السياسية تستمد شرعيتها من الخطاب الديني وبالتالي فإنه ليس من المتوقع منها تشجيع أي خطاب آخر لأنها إن فعلت فقد تكون كمن يضر بشرعيتها التاريخية.. مانحن بحاجة إليه هو خطاب ديني مستنير يعزز من شرعية المؤسسة السياسية ولا يتعارض مع متطلبات العصر.

وذكر د. عبدالرحمن الهدلق أن مداخلة م. سالم المري تتضمن استعراض تاريخي مفيد، ولعله كان من الممكن التعرض لمرحلة الصراع بين الخطاب الديني والخطاب الحداثي في تلك الفترة. حيث كان للخطاب الحداثي صولات وجولات على الصعيد الثقافي العربي والمحلي. ويبدو أن معظم ما ذكر عن الخطاب الديني والتغيرات الطارئة عليه كان مركزاً على ما يسمى بالخطاب الديني الجهادي وهو لا يمثل الشريحة العظمى من الخطاب الديني العام المختلف عنه. فمؤخراً بدأت تظهر بعض المؤشرات لقبول المفاهيم الوطنية في الخطاب الديني العام لكن على الطرف الآخر زادت حدية النزعة الطائفية  في الخطاب الديني كرد فعل للممارسات الإيرانية المتلبسة بالدين والتدين. وستزداد مالم تكف إيران الصفوية عن خبثها ونواياها وممارساتها التوسعية على حساب المصالح السعودية والأمتين العربية والإسلامية.

واتفق  م. سالم المري مع ملاحظة د. عبدالرحمن الهدلق بأن الخطاب الحداثي كان موجودا وأدلى بدلوه لكن لم تكن الكفة لصالحه! ولم يستطع إحداث فرق يذكر؟! وأضاف م. سالم: أعتقد أيضا أن ما يحدث في اليمن وسوريا وما سيترتب على تلك الأحداث الجسام سيكون له تأثير كبير على مستقبل الخطاب الديني!!

وتساءلت أ. هيا السهلي فيما يخص المطالبة بخطاب ديني مستنير: هل من تفسير لتحول الخطاب الذي كان متشددا إلى معتدل ومستنير أو ما تحول من وعظي إلى فكر. أو ما تحول من تحريضي وجهادي إلى تعايش وقبول للآخر؟ وقالت أ. هيا السهلي إن كثير من دعاة الصحوة تحول خطابهم ومنهم من اعتدل ولكن كانت المواجهة لهم هجومية وتقليب الماضي وتعييرهم بخطابهم قبل أن يفتح  الله على بصيرتهم .. لم نحاول أن نستفيد من خطابهم  الحديث  وجماهيريتهم العربية بعد أن كانت في خطابهم القديم الإقصائي جماهير محلية. التأمل في خطابات الداعشيين وشعاراتهم هو الكرامة والانتصار والغيرة على الدين .. وأظنها مفتاح سري لا يستهان به في الشاب العربي وفينا أيضا .

وعلق د. خالد الرديعان على ما ذكرته أ. هيا السهلي بقوله: أعتقد أن من تقصدين هم الذين دخلوا السجن وقاموا بمراجعات شاملة لأطروحاتهم القديمة.. هؤلاء بزعمي يتحدثون بلغة لا تستوعبها العامة ويغلفون أطروحاتهم بمطالب سياسية قد لا تروق للبعض ومن ثم يعاد وصمهم بالخروج.. هي لعبة يحاولون اتقانها لكن كما ذكرت يظل الخطاب المتشدد هو الأعلى صوتا.. هذا الخطاب المتشدد أشبه ما يكون بالشجرة التي نمت وهي مائلة الجذع واستمر ميلانها وها نحن نتفيأ ظلال غصونها المائلة.

وبدوره أوضح م. حسام بحيري أن الاديان الإبراهيمية سامية لا غبار عليها نزلت للبشر لتنويرهم للصراط المستقيم ونشر الدعوة السليمة بين العباد. القائمين على نشر الدين وتعاليمه هم البشر وعلى مر الزمان اختلفت لغة الخطاب الديني باختلاف تعاليم وثقافة البشر القائمين عليه. نحن العرب مر علينا عصر النهضة التنويرية وأبدعنا بها بسبب أن المسؤولين عن نشر الدين كانوا من طبقة علماء يتمتعون بفكر مفتوح نحو جميع الثقافات الدينية والاجتماعية الأخرى الموجودة في عصرهم. بالمقارنة نجد علماء الغرب في نفس الفترة كانوا منغلقين ومنعزلين ويسود الجهل بينهم وخطابهم الديني في ذلك الزمن مشابه تماما لخطابنا الديني الحالي بسبب البيئة المنغلقة والجهل والانعزالية التي كانت تسود حياتهم والذي كان يعكس بيئتهم البدائية وكانوا السبب الرئيس في أن يعيشوا في عصور الظلام وتحت السيطرة المطلقة لكنيستهم. فالمشكلة الرئيسة في الخطاب الديني هو البشر القائمين عليه والذين للأسف الأكثرية الغالبة منهم في مجتمعنا اليوم غير مؤهلين لمناقشة أو نشر أي فكر ديني للبشر. لا نحتاج إلى دراسات أو تحاليل عميقه لمعرفة نوعية الخطاب الديني ومدى ملائمته للعصر الحاضر ولكن نحتاج إلى أن نشدد معاييرنا لمن يسمح له بنشر الثقافة الدينية وأن نصر على أن يكون مؤهل علميا وفكريا واجتماعيا وثقافيا. لابد أن تكون لدينا غيرة شديدة على الدين وللدين ولا نسمح لكل من ينصب نفسه شيخ أو داعي أن يتولى المنبر.  للأسف هذا وضعنا الحالي الذي نعاني منه.

وفي الإطار ذاته تساءل د. فهد الحارثي على نحو محدد: هل سمعتم قط إرهابيا من داعش أو من غيرها يقول : أنا أقتل لأنني جائع أو ليس لدي سكن أو وظيفة ؟ أو يقول أن الناس في بلادي لا يصلّون الفجر ، إنهم يقولون دائما بأنهم  يقتلون لأن الأنظمة كافرة ، و لأنها تناصر الكفار ، أي أولئك الذين يمتهنونا ويقتلونا ويغتصبون حقوقنا ، ويكيدون لنا ولأمتنا . وهؤلاء الشباب من الإرهابيين يريدون بناء عليه أن يقيموا دولة العدل والكرامة. لا تبحثوا في الإرهاب المستشري في الأرجاء عن الأسباب الأسهل .. اذهبوا إلى الأسباب الأكثر تعقيدا .. وستلاحظون أن الأحداث الأخيرة في المنطقة ستزيد في حجم الإرهاب وليس الفقر أو السكن أو الوظيفة. أعطوا الشباب الأمل سيدهشونكم !

واعتبر د. عبدالله بن ناصر الحمود أن من المثير للقلق دائما الحديث عن التدين باعتباره أحد أهم وأعتى عناصر الإرهاب سابقا والداعشية المقيتة حاليا. ربما لأن التدين في أصله خصلة جميله تحمل صاحبها على كل مكارم الأخلاق. بالفعل،  ليس أمرا محمودا النيل من     التدين ..  هكذا. لكن التدين الذي يعنيه كل من يقول بفاعلية التدين في حمل الفرد على الإرهاب أو الداعشية هو مجاوزة الحد في التدين.. والحقيقة أن من جاوز الشيء لا ينسب إليه، وبالتالي من جاوز حد التدين مرق من الدين أصلا فلا يسوغ وصفه بالمتدين .. الأمر إذا، واحد من حالتين؛ إما وصف للإرهابي والداعشي باعتبار ما يظهره من علامات التدين قولا وفعلا، مما ينطوي على الدهماء وعامة الناس فيظنه الناس محظ تدين، وإما حالة يسوقها الإرهابي والداعشي كإحدى أدواته الفاعلة في تجييش المشاعر وشحذ المناصرة والتأييد، مستخدما ما يحمله من شكل التدين وعباراته.. ومن باب آخر.. لا يمكن إغفال التدين هنا وهو التدين المجاوز للحد فالإشكال العظيم هو ذلك الحد الذي لم يجرؤ أحد حتى اليوم على تقنينه لعلل كثيرة من أبرزها ثلاثة أمور؛ إما الخوف من الجرأة على الدين..  وبالتالي عزف كثير من العلماء الشرعيين عن تقنين دقيق لهذا الحد الفاصل بين المتدين والمارق. أو أنه المواربة ونكتة المروق في كثير من المتدينين الذين يروق لهم التشدد أكثر من التوسط في الدين، وهذا إشكال عظيم، حيث من هذه الفئة غالبا يخرج الأفراد المتطرفون والداعشيون ممن يخرجون من فئة المتدينين. أو أنه وصف يطلقه بعض ضعاف الفهم والجهال على كل متطرف وداعشي، وهذا خطأ معرفي لا يسوغ اقترافه أبدا. إذا، والحال كذلك، لا يسوغ إطلاق وصف المتدين، بل المتطرف والمغالي والإرهابي والداعشي.. ونحوها.. ويكون النظر للتدين باعتباره أحد العوامل المؤدية للتطرف المغالاة والإرهاب فقط  إذا تجاوز الحد. والتدين بهذه الخاصية (تجاوز الحد) يكون ابتداء كغيره من العوامل التي ما تجاوز المرء حدها إلا أفسدت كالسياسة والاقتصاد. ومن باب آخر، يعد التدين أحد أهم مشكلات الشخصية المسلمة، وأهم متغير من متغيرات النظرة للكون والحياة، والحكم على الأشياء، متقدم في ذلك على كافة المتغيرات المهمة الأخرى كالسياسة والاقتصاد،  لعاملين مهمين هما قيمة الدين ذاته في الوعي الإسلامي، وطاقته الكبرى في تجييش العقول والمشاعر، فيستخدمه كثيرون لأغراض شتى،  منها التدين المحض ومنها تجميع الناس وتجييشهم ضد رأي أو سلوك بحجة دينية وإن تجاوزت الحد. خلاصة الأمر، تحييد القضية الدينية، تماما من المشهد، يبدو أمرا محمودا،  بل مطلوبا. ويبقى المتطرف والإرهابي والداعشي مجرما حتى وإن تعلق بأستار الكعبة.

ويرى د. زياد الدريس أننا نحتاج في نقاشنا الإصلاحي لما يجري حولنا وعندنا، أن نخفف من حساسيتنا تجاه نقد المتدينين ( وإن بدا متحاملاً أحياناً ) . ويعني بهذا أهمية التأكيد على الفرق بين الدين والتدين، الدين أمر سماوي مقدس، أما التدين فهو أمر بشري غير مقدس وقابل للشطط وبالتالي معرّض للنقد. وأضاف د. زياد أنه يشير إلى ذلك وهو يعي أمرين:

  • الأول: أن هناك من يريد أن ينال من الدين من خلال نيله من المتدينين، لكن هذه الذريعة المخادعة لا تبرر استخدام ذريعة مخادعة  معاكسة تريد أن تحمي المتدينين من النقد بزعم حماية الدين!
  • الثاني: أني ما زلت أزداد قناعة يوماً بعد آخر أنه إذا كانت القاعدة ظاهرة ذات جذور دينية فإن لا شيء يثبت حتى الآن أن ذلك يسري على  داعش ، فثمة دوافع سياسية وقومية واجتماعية ملفوفة بعناية في علبة دينية.

محددات ضرورية لفهم واقع ومستقبل الخطاب الديني

وأكد د. منصور المطيري في مداخلته حول قضية مستقبل الخطاب الديني بأنه وتجاوزاً لإشكالية تحديد مفهوم الخطاب فضلاً عن الخطاب الديني .. من المهم التأكيد على مجموعة من النقاط المهمة ذات الصلة بتناول الخطاب (الديني) :

  • الأولى: الوصف المحدد للخطاب و هو ( الديني ) يستلزم وجود خطاب آخر يحمل وصفاً مغايراً لهذا الوصف .. فهل الوصف المغاير لا  ديني ( علماني ) أو ليبرالي؟ وهل يقصد بالديني الإسلامي فقط؟ لا شك أن المقصود الإسلامي .. و هنا قد يتبادر إلى الذهن أن الوصف ( الديني ) لغرض فرز الخطاب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الوطني عن الخطاب الوعظي الإرشادي .. و كل هذا يدل على أن اختيار هذا الوصف مشكل و مضلل .. لأن الخطاب الإسلامي يتناول كل هذه الجوانب ( الاقتصادية والاجتماعية و السياسية و التعبدية ) ؛ بل إن أبرز الحركات الإسلامية حركات سياسية.
  • الثانية : أن الخطاب الديني (الإسلامي) لا يمكن تناوله بالتقييم ككتلة واحدة لأنه شديد التنوع كما أشار إلى ذلك الدكتور الهدلق.. و تقع  الإشكالية في أن الانحراف الذي لا يقره مجمل الخطاب الإسلامي يلصق به رغماً عنه بسبب عموم هذا المصطلح.. وذلك مثل التكفير و القتل الذي تتبناه القاعدة و داعش و يتبرأ منه الخطاب الإسلامي صباح مساء… و مثل الخطاب الصفوي الشيعي وهو من أشد الخطابات تطرفا وانحرافاً .. كل الانحرافات ستنسب بسبب هذا العموم ( الديني ) إلى ما سمي بالخطاب الديني أي الإسلامي ، و يلتحق بذلك الحكم بصدقية السمات و الصفات التي ذكرها الدكتور الهدلق من الصفري أو الإقصائية و العاطفية و البساطة من عدمها.. أن الخطاب الديني (الإسلامي) بهذا العموم لا يمكن جعل هذه الأوصاف لازمة لكل أطيافة، فالتسامح و عدم الإقصائية صفة واضحة في بعض التيارات حيث عقدت اللقاءات و الحوارات مع العلمانيين والقوميين بل و الماركسيين ، والدفاع عن الرأي لا يعتبر إقصائية .. و الحقيقة أن الإقصاء بل و القتل والسجن مارسته التيارات اللادينية ( العلمانية و الليبرالية الشهوانية).. والواجب هو تناول كل خطاب يسمي نفسه باسم خاص تحت الاسم الذي اختاره.
  • الثالثة: هي أن مصطلح الخطاب الديني يتناوله بالبحث و النقد و التحليل بما فيها المطالبة بالتجديد فريقان :
  • الفريق الأول: أعداء هذا الخطاب و يُقصد بهم أولئك الذين يحملون فلسفات ورؤى عامة حول الوجود والحياة تتناقض مع قيم الإسلام  نفسه و رؤاه .. ويقصدون بتجديد الخطاب الديني التأكيد على أن القيم الإسلامية قيم تاريخية لا تتناسب مع العصر الحديث و لذلك فإن التجديد يعني القيام بثورة ضد هذا الخطاب : إما ثورة إصلاحية تشبه ثورة لوثر في المسيحية ضد الكاثوليكية، أو ثورة استئصالية كثورة عصر الأنوار الأوروبية و ما تلاها التي حملت صفة اللادينية أو العلمانية.
  • الفريق الثاني: هو طيف متنوع يتبنى القيم الإسلامية و يختلف في مدى شمول الإسلام و ضيقه في علاقته بنواحي الحياة المختلفة ..  و الدعوة إلى دراسة و تجديد الخطاب الإسلامي في العصر الحاضر من قبل هذا الفريق قديمة نوعا ما بدأت في الخمسينات الميلادية تقريباً حينما نادى البعض بأننا دعاة لا قضاة ، و في الثمانينات برزت الدعوة إلى ترشيد الصحوة و في التسعينات ظهرت الدعوة إلى النقد الذاتي و ضرورة المراجعات.

والفريق الأخير على تنوعه بغض النظر عن الحكم على صحة أطروحاته فريق حريص على القيم الإسلامية، باحث عن الأسلوب الأمثل لتمثلها في الحياة ، بخلاف الفريق الأول فهو فريق معادٍ للإسلام ذكر الدكتور الهدلق بعض الأوصاف السوداء التي يطلقها على المتبنين للخطاب الإسلامي .. هذا الفريق ليس حكراً على الساحة الفكرية بل أن الأنظمة السياسية التي حكمت معظم الدول العربية مدعومة من القوى الغربية العظمى تتبنى هذه الرؤية العدائية الاستئصالية ولذلك كان أغلب النشطاء الإسلاميين نزلاء السجون و ضحايا التعذيب لهذه الأنظمة .. و قد شهدنا بعض الأنظمة تنادى في رمضان الماضي بتجديد الخطاب الديني و في نفس الوقت تشغل آلة القتل و السجن بأعلى درجاتها، كما شهدنا كيف تحدد الدول العظمى شكل النظام السوري المستقبلي و أنه نظام يجب أن يكون علمانياً، ورأينا كيف قامت دولة عربية خليجية بشكل مباغت و فجائي و بدون مقدمات ولم يسبق فيها تاريخ من الصراع مع الإسلاميين ، و بعد زيارة قام بها الرئيس الأمريكي بوش لها بشن حملة اعتقالات و سجن لعشرات النشطاء الإسلاميين فيها الذين تميزوا عن غيرهم برقتهم ونشاطهم في المجال الخيري و التربوي فقط.. الفريق الاستئصالي يرى الخلل في القيم الإسلامية ذاتها و في الإسلام ذاته .. بينما يرى الفريق الآخر أن المشكلة تقع في كيفية تشكيل العقل المسلم المعاصر و في بعض اجتهاداته.

الخطاب الإسلامي والسياق السياسي الدولي

أضاف د. منصور المطيري أن م. سالم المري تناول في مداخلته السياق السياسي الدولي الذي يتأثر به الخطاب الإسلامي في انتشاره و انحساره و اقتصر في تناوله لهذا السياق على صراع القطبين خلال السبعينات و ما بعدها و قد أجاد في ذلك غير أن من المهم التنبيه إلى أمرين في هذا الخصوص:

  • الأول: أن علاقة الخطاب الإسلامي المعاصر بالسياق السياسي الدولي يسبق هذه الفترة بكثير و يعود إلى أيام الاستعمار حيث نشأت  حركات التحرر بفعل خطاب إسلامي مقاوم يقوده العلماء في أغلب بلاد العالم الإسلامي.. كما أن الصراع الفكري بين الخطاب الإسلامي و الخطابات المستوردة تسبق هذه الفترة بأكثر من قرن .. من أيام ظهور الدعوات القومية و الوطنية و الإلحادية التي كانت تروج لها بعض المجلات كمجلة المقتطف مثلاً .
  • الثاني: أن الإيحاء بأن الغرب هو الذي يطلق الخطاب الديني ليس سليماً .. نعم .. الغرب لديه القدرة عبر وسائل متعددة على تحجيم  الخطاب الإسلامي الفاعل و لكنه لا يدعم هذا الخطاب أبداً و إنما يترك – إذا رغب – هذا الخطاب لينمو بحكم طبيعته، و كلما ترك لوحده نمى و توسع لأن الاتجاه نحو الانتشار صفة طبيعية و ذاتية في الخطاب الإسلامي نتيجة وجوب الدعوة والأمر بالمعروف.. و هذا ما حصل أيام أفغانستان ، و عكسه حصل في البوسنة .. وهنا لا ننفي دور السياسة في تفصيل الثوب الذي تريد و إطلاق الطيف الذي تختار تحت وصف الإسلامي و لكن مثل هذا الاختيار السياسي سيعيش في صراع مع الحقيقة المخنوقة و سيظهر صوتها في اللحظة المناسبة.

ومن وجهة نظر د. منصور المطيري فإن الخطاب الإسلامي هو المعبر الرئيس عن هوية الأمة الحقيقية و عن قيمها الأصيلة، و لذلك فهو لن يموت و لن يختفي بل سيشتد في حال الشدة و سيمتد في حال الرخاء .. وأما في اللحظة الراهنة فهو واقع تحت ضغط هائل في أغلب دول العالم الإسلامي ليس بسبب عجزه و عدم صلاحيته و لكن بسبب هيمنة و سيطرة و توسع الفكر الأوروبي العلماني على العالم بفعل القوة العسكرية و السياسية و الإدارية للقوى الأوروبية و قدرتها على الترغيب و الترهيب ، و بسبب تشكل عقلية بعض النخب المثقفة في العالم العربي و الإسلامي و وقوعهم أسرى لفلسفات مناقضة للفكر الإسلامي ، وبسبب عجز النظم السياسية في العالم العربي و الإسلامي عن حماية خياراتها أمام الطغيان الأوروبي ..الفكر الأوروبي لا يحترم الخصوصيات إلا إذا كانت سلبيةً وسلميةً تجاهه أو كانت متقبلةً لهيمنته .. و هذا مؤثر رئيس في تشكيل مواقف و خطاب الفكر الإسلامي المعاصر من بعض التحديات و القضايا التي تطرحها هذه الهيمنة الأوروبية و التي تزداد يوماً بعد يوم .. الخطاب الإسلامي يحتاج إلى ما يلي :

  • الاهتمام بالفكر جنبا إلى جنب مع العاطفة و تقديمه عليها .. الفكر يعني الاهتمام بالنقد و التحليل و تنمية الملكة العقلية عموماً .. و العاطفة تعنى بالمشاعر وإذكاء الحماس .. و هذا يطرح قضية التكوين العلمي للمفكر المسلم .. للأسف الشديد هناك نقص في التكوين العلمي للمفكر المسلم .. هناك وفرة في الوعظ و قلة في المفكرين.
  • الجنوح إلى التطرف عموماً يعود إلى بقاء الفكر أسير الفضاء التنظيري و عدم إتاحة الفرصة في أغلب المجتمعات العربية و الإسلامية لأصحاب الفكرة لاختبارها وتعديلها على أرض الواقع بسبب الأنظمة السياسية القامعة لكل فكرة مغايرة .. ولذلك فإن الفكرة تتضخم نظرياً في ذهن أصحابها ثم تتطرف دون أن تتاح الفرصة لاختبارها و تلطيفها عن طريق ارتطامها بالواقع … في الغرب الفكرة المتطرفة تضمحل لأن المجال متاح لمعتنقيها لاختبار جدواها و صحتها واقعياً عبر أنظمة سياسية تتيح المجال لأصحاب الأفكار لاختبارها.. و لذلك فإن الخطاب الإسلامي مرتبط في نضجه بطبيعة النظم السياسية الحاكمة في العالم العربي و الإسلامي .. يثمر إذا نضجت، و إذا لم تفعل فإن ردود الفعل لا يمكن السيطرة عليها .. و المرحلة الحالية خير شاهد على ذلك.

وأضاف د. منصور المطيري أنه و عبر التاريخ المعاصر تشكلت مواقف و رؤى الخطاب الإسلامي من خلال استجابته للمواقف و القضايا والسياسات التي يتخذها خصومه و المتمثلة في القوى الاستعمارية و ما لحق بها من تيارات فكرية لا دينية و أنظمة سياسية اختارت هذا الطيف أو ذاك من هذه التيارات. و لم يتح للخطاب الإسلامي اختبار رؤاه ومواقفه، و لم يتح له تكوين نظرية اجتماعية سياسية اقتصادية تفسر الواقع الدولي و المحلي بشكل سليم وتساعده على التعامل معه.. بالنسبة للمملكة العربية السعودية كنظام و ثقافة لا يمكن عزلها وفصلها عن الخطاب الإسلامي .. فهو أساس وجودها و أساس تماسكها و استمرارها و هو متجذر في مؤسساتها و هو تجذر رائع يجب أن نحافظ عليه ، ليس الخطاب الإسلامي في المملكة محصورا في الخطاب الوعظي كما يصور البعض بل هو متأصل في الجوانب التشريعية و التربوية و القضائية و غيرها .. وقد استطاعت المملكة بخطابها الإسلامي المعتدل تجاوز أزمة النظرية لدى بعض الحركات الإسلامية حيث اعترفت بالشرعية الدولية و لم تتصادم معها و تحفظت على ما يصادم الهوية الإسلامية .. إضافة إلى أنها أعملت مبدأي المصلحة و القدرة في التعامل مع هذه القوى الطاغية العظمى، فالأحكام تسقط بالعجز.. يشغب على هذا الخطاب الذي يشكل هوية المملكة خطاب آخر بائس و مفلس أسميه الخطاب الأهوائي من إتباع الهوى، و هو خطاب يرى لخيبته و سذاجته أنه يشق طريقاً مبتكراً و جديداً .. و هو في الحقيقة يجرنا إلى الهاوية في نفس الطريق الذي سلكه الليبراليون و العلمانيون العرب الأعتى و الأكثر مصداقية من أهوائيي السعودية .. فالليبراليون و العلمانيون العرب يحملون شهادات متعددة في الفشل والعمالة والفساد والتفريط في الهوية و الحقوق ، و هذه الشهادات لا تسعف الليبرالي السعودي الذي بدأ حديثاً في ركوب موجة المنظمات الدولية غير الحكومية، كما اشتغل بدون كلل و لا ملل على تقديم نفسه محارباً للتطرف و الإرهاب و لكن بالمفهوم الأمريكي الذي يرى القرآن و تعليمه وتحفيظه مصدراً للإرهاب .. استخدم هذا الخطاب فرشاة عريضة في معالجته للتطرف كشفت مع الأيام أن هدفه ليس التطرف و إنما الخطاب الإسلامي بشكل عام .. أذكر مقالة كتبها المفكر السوري الذي كان يساريا ثم تحول ليبراليا نضال نعيسة عن الليبرالية السعودية حيث قال أنها تجرأت على ما لم تتجرأ عليه الليبرالية العربية فهو يرى أنها تطرفت غاية التطرف.

المحور الثاني

تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة

الورقة الرئيسية :

عرض أ. خالد الحارثي ورقة عمل بعنوان: تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة. حيث أوضح في مقدمتها أن سوق العمل تعد من أهم الموضوعات الرئيسية في العلوم الإدارية نظرا لمكانتها في دورة الاقتصاد والإنتاج بدءا من تخطيط قوى العمل بشكلها التقليدي وانتهاء ببرامج التقاعد مرورا بالتطوير والتدريب وبرامج القيادة والإنابة والدراسات والأبحاث في مراكز الأبحاث المتخصصة في الابتكار واقتصاد النفع العام. وللوقوف على منصة موضوعية تقدم لنا القراءات التفسيرية التي توضح الأثر على المستوى الاجتماعي والمستوى الاقتصادي ومستوى التراكم المعرفي والخبراتي وقدرة البيئة الاستيعابية في المملكة على نقل التقنية وتوليد المعرفة ، فلا بدّ من استعراض حجم وطبيعة تشوهات سوق العمل والنتائج المترتبة على اتجاه سوق العمل في اتجاهاته الحالية ، وهل بإمكان الإصلاحات الحالية والمزمعة تغيير التشوهات في سوق العمل بشكله الراهن والحد من  الآثار على كافة الجوانب المذكورة.

واستكمل أ. خالد الحارثي طرحه لمجموعة المتغيرات الرئيسة المتضمنة في سوق العمل السعودي كما يلي:

  • البطالة: حيث تبلغ معدلات البطالة بحسب إحصائيات مصلحة الإحصاءات العامة لعام 2013 ذكور وإناث 11.7% ويبلغ عدد العمالة الأجنبية لنفس العام 100 مليون .
  • التستر: كشفت إحصائية رسمية أعلن عنها خلال افتتاح منتدى جدة التجاري 2013 ، أن الحجم التقديري للتستر في المملكة بلغ 236.5  مليار ريال ، وفقاً لكلمة ألقاها البروفسور عبد العزيز دياب أستاذ كرسي الأمير مشعل بن ماجد للتستر التجاري، كما بينت أن أعداد العمالة غير النظامية تزيد بمعدل متوسط بلغ نحو 1.2 مليون عامل سنويا.
  • الأجور:تراجعت رواتب السعوديين بنسبة 1 % خلال عام 2013 فيما ارتفعت رواتب الوافدين العام الماضي بنسبة 25 % خلال نفس العام وبلغ اجمالي رواتب الوافدين بالقطاع الخاص 115.9 مليار ريال. ويبلغ عدد العاملين السعوديين في منشآت القطاع الخاص 1.47 مليون موظف وموظفة، فيما يبلغ عدد العاملين الأجانب8.21 ملايين ويمثل السعوديون نسبة 18% من سوق العمل في القطاع الخاص فيما يمثل الأجانب نسبة 82% من سوق العمل . أما متوسط الأجر الشهري للسعوديين في القطاع الخاص فبلغ نحو 4748 ريالا مقابل 1176 ريالا لغير السعوديين بنسبة 25% من أجر العامل السعودي الفردي.

وبرأي أ. خالد يتضح من المعلومات السابقة حجم وشكل التشوه في سوق العمل وارتباطه بعدد من العوامل الموضحة بالمؤشرات الرسمية ، ولنأخذ على سبيل المثال عدد العمالة غير السعودية ونسبة عدد العاملين السعوديين فيها ، ومثال آخر هو متوسط الأجور للسعوديين ونسبة أجور السعوديين . أولا يمثل التفوق العددي الهائل للعاملين غير السعوديين هيمنة على صناعة القرار وتوجهاته سواء في سوق العمل أو في السوق  عموما وهذا بحد ذاته لا يسير في صالح تطوير السوق والجودة ورعاية المصالح الوطنية ، إضافة إلى أن الدول التي قدمت منها العمالة الأجنبية ليست دولا متقدمة أو تحمل تميز صناعي يمكنها أن تضيفه إلى أسواق المملكة ، وهذا أيضا يعيق تطور السوق السعودي. ثانيا نسبة الأجر المتدنية مصحوبة بالكثافة العددية تضغط على كافة الأنشطة الهادفة إلى تحسين مستويات الأجور والمزايا التعاقدية بالنسبة للسعوديين وتتسبب كما تظهر الأرقام في تراجع الأجور للسعوديين ، كما أنها تعيق كل الجهود الحكومية لتوطين الوظائف وتحصر الجهد الحكومي في قضايا فرعية كبرنامج نطاقات وبرنامج الحد الأدنى للأجر وتتفاقم المشكلة بتوليد مشكلات أكثر عمقا وحدة من المشكلة الحاضرة وهي مشكلة “السعودة الوهمية”. ولمواجهة هذه المشكلات المتفاقمة ينبغي النظر إلى المشهد ببعد مستقبلي ومن واقع مصلحة وطنية بارزة وليس عبر حلول ذات نطاق لا أفق له. ثالثا أن الطاقة الاستيعابية للسوق السعودي والطلب على اليد العاملة قد تضخم بشكل كبير لا يمكن عمليا ولا منطقيا ولا اقتصاديا تقليصه لإخراج العمالة الأجنبية بل سيتزايد الطلب مع قادم الأيام حتى تصل الخطط التنموية لحالة الاستقرار الموجب لتقليص الأعداد من الأجانب للحد الأدنى للنمو الاقتصادي وهذا يستغرق وقت طويل لا يقل عن عشر سنوات ويحتاج إلى مخططات تدريجية واضحة المعالم استراتيجيا واقتصاديا. وعليه يمكن التأكيد على ما يلي:

  • أولا: الاعتبار والجدية في تنقية وتصفية دائرة صنع القرارات في السوق السعودي من التأثير السلبي الذي تفرضه الكثافة العددية وتدني  الأجور للعاملين غير السعوديين. ويأتي ذلك عبر السعودة من الأعلى نحو الأسفل ببرامج القيادة وإعداد القادة وبرامج الإنابة وإعداد المشرفين ورؤساء المجموعات. ويتطلب ذلك مساهمة الجهات الحكومية في هذا الاتجاه دون تراجع والاستثمار في البرامج ذات المستوى العالي جدا وليس عبر التدريب المحلي.
  • ثانيا: حوكمة شروط التعاقد من الباطن (المقاولين والمتعهدين) الذين يعملون للشركات الحكومية وشبه الحكومية ، والشركات الخاضعة  لبرامج الخصخصة. حيث أن مستويات الخدمات متردية جدا وتفتقد للمعايير المهنية والفنية والجودة ، ومن الأمثلة على ذلك: متعهدي شركة الكهرباء والخطوط السعودية والخدمات الأرضية السعودية والتموين في الخطوط السعودية ، ومنع خروج الوظائف التي يخلقها السوق السعودي إلى الخارج كمراكز الاتصال لشركات الاتصالات والتي يحيط بها أيضا مخاطر خرق الخصوصية وغياب الحس الوطني.
  • ثالثا:تقنين قطاع التجزئة: بداية فإنه من المعلوم أن سوق التجزئة السعودي معتمد كليا على الاستيراد وهذا يضعف قدرة العملة الشرائية مع مرور الوقت ويراكم التضخم في الأسعار إضافة إلى مشكلته الظاهرة والمتمثلة في ذهاب 1.2 مليون وظيفة للعمالة الأجنبية يستفيد منها المتسترين في غسيل الأموال. إضافة إلى أن حجم سوق التستر الهائل تتضاءل معه الإصلاحات الحكومية في توسيع القاعدة الأفقية للوظائف التي تستوعب كافة القدرات والطموحات والخبرات الوطنية ، وقد قام مركز الرياض لتنمية الأعمال الصغيرة والمتوسطة بدراسة توضح أن مدينة الرياض تحتوي على أحد أعلى المعدلات العالمية في كثافة محلات التجزئة التي تبلغ 35.7 الف (خمسة وثلاثين ألفاً وسبع مئة) محل لكل مليون نسمة مقارنة مع 2600(ألفين وست مئة) محل لكل مليون نسمة في الدول المتقدمة وكذلك حققت الرياض أعلى معدل نمو عالمي في تزايد أعداد المحلات بنسبة زيادة سنويا تقدر بـ 16% مقارنة بـ 2% في الدول المتقدمة. وأكدت دراسة قامت بها اللجنة الوطنية التجارية أن حجم أعمال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المملكة يقدر بنحو140 مليار ريال مقابل 20 مليارا للشركات الكبيرة من أصل حجم السوق في النظام التجاري المحلي الذي يصل إلى 160 مليار ريال. وهذا يحول دون تطور القاعدة المعرفية المتخصصة والفنية وتطور فرص البحث والتطوير والإنفاق على البحث والتطوير وتبني المبادرات ذات الأثر.
  • رابعا: العناية والاهتمام بالمستويات الفنية والمهنية والمعرفية لمدراء الموارد البشرية والاستثمار العالي المستوى في العالم الأول  لتأهليهم وتدريبهم ليكون لهم إضافة مهمة في ابتكار الحلول الإدارية والتخطيط. وإعطاء دور رئيسي ومحوري لمكاتب الاستشارات الإدارية المحلية في بناء هذه الجسور وتمكين مشاريع نقل الخبرة والتقنية من العبور على منصات قادرة على نشره وتطويره.
  • خامسا: مضاعفة الاستثمار في الرقابة والتفتيش على كل المخالفات الظاهرة وخصوصا الإعلانات التي توحي بالتستر أو المخالفات لنظام  العمل والإقامة.

تعقيب : أ. عبدالله آل حامد

عقب أ. عبدالله آل حامد على ورقة أ. خالد الحارثي حول تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة، بأن تحديات سوق العمل في السعودية تزداد تعقيدا وتسارعا مع الهيكلية الاقتصادية القائمة أو حتى مع جهود صناعة هيكلية جديدة تنسجم مع التغيرات في الأسواق العالمية وواقع النمو السكاني المتزايد وعدم وضوح الرؤية حول أسعار البترول وكذلك ما أفرزته الطفرات المالية في المملكة من سلة مشاريع تطلبت ضخ أعداد مليونيه من العمالة الأجنبية، ومن الأهمية بمكان أن يكون الاقتصاد في أساسه قائم على النمو القطاعي ولكن الحلول المطروحة والنهج الإداري وأنظمة الموارد المؤسساتية لم تسمح بالتحديث ومستوى الفاعلية المطلوبة. وعلى عكس المؤشرات الإيجابية في نمو الناتج المحلي في الصناعات غير البترولية، فإن الاعتماد على إنتاج وتصدير النفط بات أكبر من أي وقت مضى وبالتالي فحجم الاقتصاد يتناسب طردا مع الارتفاع والانخفاض في أسعار النفط ومعدلات إنتاجه، وقد تتحول معدلات النمو السكاني إما إلى أفضلية أو للأسف تحدي مستقبلي خطير، وعلى الرغم من معدلات التعليم المرتفعة في السعودية إلا أن نسبتهم في القطاع الخاص لاتزال متدنية بل الغريب أنها تتراجع وبنسبة ٣٪ حيث يدور القطاع الخاص في حلقة مفرغة بسبب العمالة الوافدة غير المدربة والتي تقبل الأجور المتدنية وبالتالي ضعف في الإنتاجية وإنتاج وظائف غير تنافسية وغير جاذبة للشباب السعودي.

ومن وجهة نظر أ. عبدالله آل حامد فإن سوق العمل ليس بمعزل عن التغييرات السياسية والجيوسياسية التي تتسارع من حولنا وأكبر دليل أننا اليوم جزء من معادلة الصراع وقد لحقنا من لهيب أتون الحروب المشتعلة ما جعلنا نغير سلم أولوياتنا وقائمة تحدياتنا والتي تنعكس على الجهود في إصلاح السوق وزيادة فاعلية عوامل الازدهار الاقتصادي الأخرى ولهذا فإن هناك حاجة ملحة وعاجله لتغيير خطة التنمية ومسارها في البلاد مع الأخذ في الاعتبار عامل الوقت وخطة محكمة لإدارة الأزمات.

المداخلات حول تشخيص واقع تشوهات سوق العمل:

تساءل أ. سعيد الزهراني: ماذا يعني أن تكون عاطلاً ؟ في ألطف المعاني: لا قيمة لك ولا وجود.. وهنا عليك أنت تستعد لموت الحياة .. وحياة الموت .. في روح وحلم من أصبح عاطلاً معطلاً عن أن يكون حياً ليمنح الحياة لذاته وأهله ومجتمعه وإلى آخر الدوائر التي ستموت فقط لأنه عاطل. وأضاف أ. سعيد: أجزم أن خبراء الأمن يدركون خطورة قنابل العاطلين.. وكذا خبراء الاجتماع والنفس والاقتصاد.. لكننا في آخر الليل لا ننتهي إلى فعل حقيقي قادر على إبطال خطر هذا اللغم الآخذ في النمو والتورم.. كذلك هل تبلورت لدينا ثقافة المهنة؟ ماذا صنعت وزارة العمل لإعادة (ثقافة المهنة) تلك التي كان الآباء والأجداد يؤدونها في مختلف الحقول ؛ مزارعين وبنائين وميكانيكيين وكهربائيين ..الخ.. ثم جاءت طفرة النفط التي نحمد الله على نعمها.. لنتحول بالكامل إلى ثقافة الوظيفة.. أظن أننا أمام ثنائية ثقافة (الوظيفة والمهنة) وهنا أحد أهم مكامن العلة التي يجب أن يتجه الوطن عبر استراتيجية شاملة لمعالجتها عبر إعادة ثقافة المهنة .. مثلما هم خلق الله في أرضه الواسعة والمتقدمة أيضا .. مهنهم بأيدي أبنائهم لا بأيدي الوافدين إليهم مثلما هو لدينا.. الغريب أن اللائمة لا ترمى دائماً إلا الشاب السعودي.. مع أن الشواهد الشاهقة أجل من أن تغيب.. خذ مثالاً أرامكو حين صنعت بيئة مهنة محترمة مالياً وميدانياً وكنظام عمل محترم ومتين حتى باتت حلما لكل شاب سعودي مع أنهم يباشرون مهن شاقة.. مثال آخر صيانات وكالات السيارات تويوتا وغيرها.

واشتملت مداخلة د. فاطمه القرني حول قضية: تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة على عدة نقاط مهمة تتمثل فيما يلي :

  • عدم وجود (دليل موحد للأنشطة الاقتصادية) يعد من أبرز معثرات نجاح العمل (في وزارة العمل) .. وتعني به كل مراحله من وضع استراتيجيات وبناء خطط واقتراح وتنفيذ مشروعات فاعلة في معالجة مشكلات سوق العمل لدينا وفي مقدمتها البطالة.. مجلس التعاون أصدر دليلا موحدا ووزارة التجارة اعتمدت العمل بالدليل الوطني للأنشطة الاقتصادية في حين لم تزل وزارة العمل – سواء من خلال برنامج نطاقات أو غيره من برامجها – لم تزل تغني منفردة بتصنيفات يتعارض بعضها مع تصنيفات وزارة التجارة وقطاعات حكومية أخرى… وأشارت د. فاطمة إلى أنها سألت وزير العمل في اللقاء الشهري لمنتدى أسبار في هذا الشأن فقال أن العمل جار على تحقيقه! ولاشك في أن تأخير إصدار هذا الدليل معضلة حقيقة فوجوده رئيس ومهم في بناء قواعد معلومات صحيحة وبيانات متكاملة عن مختلف الوظائف والمهن في مختلف القطاعات العامة والخاصة على السواء .. ومن ثم إيجابية الاعتماد عليها في معالجة ما يعانيه سوق العمل من إخفاقات.
  • من الواضح أن فرص العمل المتاحة في القطاع الحكومي والخاص – حاليا – لا تتناسب وحجم الأعداد الكبيرة من الشباب والشابات العاطلين الباحثين عن أنصاف بل وأرباع الفرص .. والسؤال هو : هل ستؤدي حملات تشجيع تمكين المرأة من العمل في مختلف القطاعات إلى خلل ما في ميزان إتاحة الفرص للجنسين بصفة عادلة منصفة تراعي الفروق الشرعية بينهما في جانب مسؤوليات الإنفاق على الأسرة وإعالتها حتى في حالات الطلاق ؟! .

وأشارت أيضا د. فاطمة إلى أنها سألت وزير العمل في اللقاء الشهري لمنتدى أسبار عن هذا الموضوع واستشهاده برجل أعمال بدأ بتوظيف نسبة ضئيلة من الفتيات وانتهى به الأمر لتوظيف ما يقارب ثلاثة آلاف موظفة يمثلن جل موظفي شركته أو مؤسسته ! … وقالت د. فاطمة: تحدث الوزير نقلا عن رجل الأعمال عن مسألة الكفاءة وكونها المعيار هنا وهو معيار وجيه وفارق ومرجح لكن غاب عن الوزير هنا عامل آخر لا يصرح به رجال الأعمال عادة وهو كون الموظفة أطوع من الموظف في السكوت عن المطالبة بالكثير من حقوقها وأقرب للرضا بالراتب المتواضع خاصة حين لا تكون لديها مسؤوليات أسرية خلاف احتياجاتها الشخصية .. الشاب – شرعا – مطالب بتكاليف مادية مضنية معني بالنفقة حتى على أسرته الأصل (والديه وإخوته وأخواته) ثم تكاليف زواج وسكن ..إلخ.. هنا للإسلام خصوصيته فعلا فلو توفرت فرصة عمل واحدة في مقابل شاب وشابة كلاهما كفؤ فتقديم الشاب ضرورة لا تفضيلا له ولكن اضطرارا لإعانته على الوفاء بمسؤولياته .

  • كثير من التشوهات في سوق العمل لدينا ستتفاقم أضعافا مضاعفة عند عودة الأعداد الكبيرة جدا من المبتعثين والمبتعثات المؤهلين في ظل عدم وجود استراتيجية واضحة المعالم لاستيعابهم ، وهذا وزر يتقاسم حمله مع وزارة العمل كل من وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة التجارة وكل الجهات المعنية باستثمار تلك العقول الطامحة التي صرفت في بنائها مبالغ وأزمنة طائلة والتي تجزم د. فاطمة بأن دول ابتعاثهم وكذلك دول الخليج المحيطة بنا ستجني ثمار تعليمهم أسبق وأكثر منا!! .

وأشار د. سعد الشهراني في مداخلته إلى أن تشوهات سوق العمل جاءت للأسف الشديد من صنعنا و من خطط التنمية التي لم تولي إنتاجية العامل السعودي أية أهمية فقد كانت منحازة للرفاه نسبيا و لذلك ظهرت و تعمقت عدة تشوهات و فجوات في سوق العمل من أهمها:

  • الفجوة في الأجور بين القطاعين العام و الخاص و بين السعودي و غير السعودي وبين الذكور والإناث و العجيب أن الفروق في الأجور بين السعودي و غير السعودي هي في الظاهر لصالح السعودي إلا أنها في الحقيقة لصالح الأجنبي فالقطاع الخاص سيشغل الأقل أجرا و هو العامل الأجنبي! فضلا عن سياسة الاستقدام التي لا تحمي العامل المواطن.
  • الفجوة في المهارات بين السعودي والأجنبي.
  • الفجوة في أخلاقيات و قيم العمل.
  • الفجوة في الإنتاجية.

كيفية إيجاد فرص وظيفية جديدة

ركز م. سالم المري في مداخلته على الناحية التطبيقية (كيفية إيجاد فرص وظيفية جديدة) واستيعاب الأيدي العاملة الوطنية، واستشهد بما ذكره أ. مطشر المرشد من أن المملكة تحتل المرتبة الثالثة عالميا من حيث نسبة السكان دون 29 سنة بواقع 13 مليون شخص من الجنسين وبنسبة 67 % وبالرغم من الوفرة المادية على مدى العقود الماضية إلا أن هناك فشل واضح في استيعاب الأيدي العاملة الوطنية وتشغيلها حيث قدر معدل نسبة البطالة بين الشباب بحوالي 30 %، مما جعل شبابنا يصبح رافدا مهماً للمنظمات الإرهابية و تسبب ذلك أيضا في ضحالة الكسب التقني للبلاد بالرغم من ضخامة المشاريع التي نفذت و استفادت منها دول أخرى لبناء نهضتها الصناعية و من غير المتوقع أن يتحسن الوضع في المدى المنظور نظراً لاستمرار السياسات المعمول بها و الانخفاض المتوقع لدخل الدولة سواء بسبب انخفاض عائدات النفط أو نضوب النفط نفسه مع الزيادة المضطردة في أعداد السكان و لذلك فإنه لابد من التفكير خارج الصندوق لإيجاد حلول مناسبة ، ففي الوقت الراهن تخلى القطاع العام عن التوظيف إِمَّا لعدم وجود شواغر أو بحجة الخصخصة و في نفس الوقت نجد القطاع الخاص عاجزاً أو لا يرغب في العمالة الوطنية و يسعى لتوظيف الأيدي العاملة الأجنبية و هذا نتيجة ثلاث عوامل رئيسية : التخلف الاداري ، و ضعف الضوابط الراعية للمصالح الوطنية العليا ، و الفساد .

تعليق على مجمل المداخلات

تعليقاً على مجمل المداخلات، أشار أ. خالد الحارثي إلى أنه و لا شك توجد ضرورة ملحة لإنجاز “الدليل الموحد للأنشطة الاقتصادية” لأهمية توحيد المقاييس والمؤشرات والإحصائيات ، ولكن غياب الدليل الموحد لا ينقص من موثوقية الإحصاءات القائمة في توصيف المشكلة الحالية المتمثلة في التشوهات الحاصلة في سوق العمل وأثرها على التنمية والاقتصاد السعودي بشكل عام في كافة جوانبه ، ويظل تأخر الدليل الموحد مسألة تقنية. ولكنه من المهم تقدير الاحتياج للأبناء واعتبار الاحتياج النسائي أيضا واستيعاب مخرجات البعثات. وبناء على ذلك وعودة للتشوهات الرئيسية التي ناقشها المداخلون فيمكن تقسيمها إلى :

  • أولا:تضخم عدد العمالة الأجنبية البالغ (14 مليون) في السوق مقارنة بعدد السكان والأثر الاجتماعي لذلك ، ومقارنة حجم البطالة السعودية التي تتجاوز (1.5مليون) مليون ونصف مواطن ومواطنة. ويبلغ حجم العمالة غير النظامية بشكل مطلق ما يزيد عن 1.2 مليون عامل وعدد يقترب من (1.8 مليون) في قطاع التجزئة أي حوالي (3 ملايين عامل أجنبي) مخالف وغير نظامي لعدد غير قليل من الأنظمة يمثلون حوالي 27% من العدد الكلي البالغ 11 مليون مع بالغ التحفظ ، وفيما يقوم قطاع التشييد والبناء الذي تشير التقديرات إلى استحواذه على ما يزيد عن (3.5 مليون عامل أجنبي) ، فإن هذه القراءات والمؤشرات تدل على إمكانية استيعاب البطالة السعودية المستفحلة التي تشير التقارير الأخيرة إلى أنها تتعدى 27% وفي بعض التقارير تصل إلى (30%) ، ومع هذه الأعداد ستتفاقم  مشكلة:

    • التستر وغسيل الأموال : والتي يبلغ الحجم التقديري لها ما يتجاوز (250 مليار ريال) سنويا وتقدم وظائف للعمالة غير النظامية بلغ أكثر 1.55 مليون عامل.
    • السعودة الوهمية : والتي يبلغ الحجم التقديري لها ما يتجاوز (10 مليار ريال) سنوياً وتقدم تشجيع على عدم الإنتاجية لعدد يبلغ أكثر من (7000 ألف) شاب سعودي وشابة سعودية سنويا.

وهذا يمثل ضغط إضافي في تشكيل نوعية الهوية التي نصنعها للجيل الحالي والمستقبلي.

  • ثانيا: تضخم الخسائر الحاصلة في توطين الخبرات وضياع الفرص في تطوير المعرفة الاختصاصية التنموية التي تنتج من غياب كثافة  العاملين السعوديين وبالذات في المهام الفنية والإشرافية والقيادية. وهذا يعود إلى :
  • فشل خطط التنمية في العمل على توطين الخبرات وإصلاح وتطوير بيئات العمل والأيكولوجيات المناسبة للمواطن من استقرار وظيفي وأجور ومزايا عينية وتعاقدية ورؤية مستقبلية للمسارات الوظيفية.
  • فشل القطاع الخاص الذريع في توطين المهن ، وتمكين المواطن من الاستحواذ على نصيبه من خلق الوظائف في الإنفاق الحكومي.
  • فشل سياسة الاستقدام وأنظمته في ضبط تدفق العمالة الأجنبية دون ضوابط منسقة تصب في التحكم بالأعداد وضبط النوعية وتنسيق التحاق المواطنين في القطاعات الاقتصادية وتحقيق دورة اكتساب الخبرات وتوطينها ونقل التقنية المتطورة وتطوير البحث العلمي.
  • تغييب مكاتب الاستشارات وبيوت الخبرة السعودية ومشاركة الأكاديميين السعوديين من العمل جنبا إلى جنب في مشاريع التطوير والبحث العلمي المشتركة لتطوير التقنيات والآليات التي تخفض التكلفة وترفع الجودة وتقلل أعداد العمالة وتنمي الابتكار الوطني.

وهذا أيضا يمثل خطر يحدق بنا في نجاح التحول لمجتمع المعرفة وتوسيع نطاق الطبقة الوسطى المتآكلة ، وأيضا في تنويع الاقتصاد والدخل القومي والاستقرار والأمن الاجتماعي.

الآليات المقترحة لتصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة:

يرى أ. عبدالله آل حامد  أن تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة تقتضي الأخذ بالحلول التالية:

  • تعزيز القطاعات ذات النمو المرتفع.
  • استنهاض الجهود الرقابية لعلاج البطالة الاجتماعية بإجراء إصلاحات في الخطط الاقتصادية والبنية الهيكلية للمؤسسات ذات العلاقة وصولا إلى تعديل سياسات العمل.
  • تقليص الفوارق في المهارات في القطاع الخاص بالتأهيل وتحديد سقف الأجور وترشيد عمليات الاستقدام للعمالة الوافدة.
  • تشجيع المرأة على العمل عبر تقييم الأجور المناسبة لهن وتهيئة بيئات العمل بما يتناسب مع قيمها واحتياجاتها.
  • زيادة الاستثمار في قطاع الخدمات والتجزئة التي تمثل فرص عمل أكبر للسعوديين علاوة على إنتاجيتها المرتفعة.
  • صنع ثقافة مجتمعية عبر مؤسسات التعليم والإعلام لتعزيز الإنتاجية وتحقيق التوازن وتقليص القبول في التخصصات النظرية لصالح المهنية وبناء شراكه حقيقية بين التعليم والعمل لتطوير أليات التوجيه المهني للشباب.
  • أخيرا إن عزم الدولة في التوجه نحو مشاريع الطاقة المتجددة سيولد الكثير من فرص العمل وسيقلل الاعتماد المفرط على النفط وسيعزز بالتالي إصلاح سوق العمل بشرط إلغاء المركزية في القرار.

وأيد أ. خالد الحارثي المقترحات السابقة التي أشار إليها أ. عبدالله حامد، وإن كان يدعم بشكل خاص المقترح المتعلق بزيادة الفرص أمام عمل المرأة وتهيئة بيئات العمل لانخراطها بشكل يتناسب مع قيم المجتمع وتقاليده الدينية ، مع التأكيد أيضا على ضرورة تقنين قطاع التجزئة والإصلاحات الجذرية التي يجب أن يتعرض لها ليصبح قطاع وطني بدلا عن التشوه الذي يعيشه ويؤثر بيئيا واجتماعيا واقتصاديا بشكل سلبي جدا.

ويعتقد أ. سعيد الزهراني أن وزارة العمل مطالبة بتبني إطلاق استراتيجية وطنية شاملة تشارك فيها مؤسسات الدولة الكبرى تهدف إلى إعادة (ثقافة المهنة) .. ومطالبة أيضا في سياق خلق وإعادة (ثقافة المهنة) بإنشاء مؤسسات مهنة نموذجية في مختلف المهن وعلى سياقها تتشكل المؤسسات المهنية الخاصة التي تعمل وفق مقاييس ومواصفات محددة وصارمة بدلاً من هذا العبث – العبث بكل شيء – وبهذا تعود ثقافة المهنة المستلبة.. فغياب ثقافة المهنة وإحلال ثقافة الوظيفة اعتلال خطير سيجلب أمراض الروح والجسد .. روح الوطن وجسد الوطن.

واتفق أ. خالد الحارثي مع ما ذكره أ. سعيد الزهراني، وأكد بدوره على أهمية السعي الحثيث لتهيئة البيئة الملائمة لخق الفرص لثنائية المهنة والوظيفة وضرورة اعتماد استراتيجية مدعومة بتشريعات إصلاح تشوهات سوق العمل.

وأوجز أ. عبدالله الضويحي مداخلته حول قضية تصحيح التشوهات في سوق العمل ومواجهة مشكلات البطالة في ثلاث نقاط:

  • أولاً: ضرورة أن تتبني وزارة العمل سياسة تثقيفية وخطة إعلامية تركز على أن المطلوب من السعودي ( أن يعمل لا ماذا يعمل ) ..  مشكلة كثير من السعوديين – حسب قول أ. عبدالله – للأسف يحدد نوع العمل وقيمته وربما مرتبه وهذا عمل سيء وهذا جيد أو هذا مقبول وهذا غير مقبول.
  • ثانياً: تحديد أوقات العمل في محلات التجزئة عموما بما فيها البقالات والمراكز التجارية وأسواق الخضار.
  • ثالثا: التأكيد على أن السعودة تبدأ من الأعلى ويمكن هنا الإشارة إلى مقولة تنسب لرئيس الوزراء السنغافوري لي كوان يو ( تنظيف  الفساد مثل تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى للأسفل ).

وأوضح د. عبداللطيف العوين أننا بحاجة إلى المنظور الاستراتيجي الوطني وليس على مستوى كل وزاره على حده لعلنا نسير مع الركب على الأقل. واتفقت د. فاطمه القرني مع ذلك بقولها: تلك الرؤية المتضافرة الشاملة هي ما نفتقده بالفعل.

ويرى د. سعد الشهراني أن علاج تشوهات سوق العمل يكمن بالأساس في علاج الفجوات المتضمنة في هذا السوق والمشار إليها سلفا، وأضاف د. سعد في هذا الصدد: نحتاج إلى تخطيط نوعي و جزئي بعيدا عن التخطيط الكلي الفوقي الذي لم يشوه سوق العمل فقط بل أضاع علينا فرص تنمية حقيقية و أخرنا عقودا عن ما كان يجب و يمكن أن يكون … نحتاج إلى خطة جزئية لإقفال كل فجوة و تصحيح كل تشوه في سوق العمل ضمن خطة متكاملة لمعالجتها.

ويرى م. سالم المري أنه ولحل المعضلات المتضمنة بسوق العمل، لا بد من الاعتراف بفشل أو عدم وجود قطاع خاص وطني حقيقي حاليا في المملكة و لذلك لا بد من الاعتماد عَلى الرعاية و التوجيه و التخطيط المركزي للدولة حتى يتم  تطوير القطاعين العام والخاص في الصناعة و الخدمات وهذا سيتطلب بعض القرارات والإجراءات المهمة ومنها:

  • تكوين شركات حكومية أو مختلطه مع القطاع الخاص كبيرة لها القدرة على توظيف السعوديين و تدريبهم و توفير الأمن الوظيفي لهم ( و بعد تطوير هذه الشركات تحول كاملاً أو جزئياً للاكتتاب العام ) ، في المجالات التالية:
  • المشاريع و الإنشاءات في مجال الطرق.
  • المشاريع و الإنشاءات لبناء شبكة سكك حديدية في المملكة.
  • المشاريع و الإنشاءات في مجال بناء المقار و المكاتب و الإسكان و المنشئات المدنية التابعة للدولة.
  • شركات متخصصة في تشغيل و صيانة المنشئات الحكومية ، مثل : الصحة و التعليم و الدفاع.
  • شركه متخصصة في مجال الطاقة المتجددة .
  • شركة متخصصة في إمداد القطاع الخاص بالعمالة السعودية في الخدمات مثل الأمن وقيادة السيارات والسكرتارية والتجزئة.
  • منع شركات القطاع العام ذات الدخل الجيد مثل أرامكو و الكهرباء و سابك والاتصالات و غيرها من إعطاء مقاولات من الباطن في مجال تخصصاتها و فرض التوظيف المباشر و التدريب للسعوديين عليها مباشرةً أو عن طريق شركات أخرى جديدة تابعه و مملوكة لها.
  • تكوين شركات صناعية كبيره مملوكه كليا أو جزئياً للدولة لتصنيع بعض الآلات والمعدات و الأجهزة و السلع الرئيسية المستوردة بكثرة و التي سيكون في تصنيعها فرصاً وظيفية و تراكما تقنيا في البلاد و يوفر العملات الصعبة على خزينة الدولة. ومن المجالات الممكن الدخول فيها :
  • الصناعات العسكرية الخفيفة و الثقيلة.
  • السيارات.
  • المحركات و الأنظمة الكهربائية و مكونات محطات الكهرباء و محطات التحلية.
  • تكرير البترول و تصنيع مكرراته.
  • شركات زراعية تُستصلح الحوزات الزراعية المتوفرة مستفيدة من المياه السطحية ومياه الصرف الصحي المنقى.
  • شركة حكومية أو مختلطة لتسويق المنتجات الوطنية تعني بتسويق المنتجات الوطنية و إيصالها للمستهلك في الداخل و الخارج.
  • التركيز في التعليم الجامعي و المهني على التخصصات الفنية المرغوبة و التي من السهل إيجاد وظائف لخريجيها سواء في الداخل أو الخارج و يكون القبول في هذه التخصصات بسقف مفتوح فمثلا تركز الجامعات على تخصصات الهندسة و الطب بحيث يجد كل من يرغب بهذه التخصصات مقعدا له ، و تركز الجامعات على فشل الطالب في الاستمرار في هذه التخصصات بدلا من الفشل في القبول للدخول.
  • التفكير الجدي في تطبيق خدمة العلم مع فتح الباب لاستثناء كل من ينجح في إيجاد وظيفة مناسبة حيث يعتبر ذلك بحد ذاته خدمه للعلم و تكون هذه المجموعات رافدا لإمداد القوات المسلحة بمن توجد لديه الرغبة و يثبت جدارته أثناء خدمته و يستفاد منهم في الطوارئ و الكوارث و مشاريع الدولة الكبرى مع بعض التدريب المهني والتعلم على الانضباط و أي مجالات أخرى تراها الدولة مناسبة.

وفي الختام، ذكر أ. خالد الحارثي أنه وبغرض الإصلاحات المنهجية لتحسين وتطوير الغد الذي ننظر إليه ، وفيما تحتل المملكة المرتبة الثالثة عالميا من حيث نسبة السكان دون 29 سنة بواقع 13 مليون شخص من الجنسين وبنسبة 67 % وبالرغم من الوفرة المادية وبالرغم من ضخامة المشاريع التي نفذت واستفادت منها دول أخرى لبناء نهضتها الصناعية وضاع في خضم ذلك الكسب التقني والاستقرار في سوق العمل الوطني. ولما نشهده من انخفاض عائدات النفط ، ومع الزيادة المضطردة في أعداد السكان ، واضطرار القطاع العام لتقليص التوظيف المصاحب لنجاح التعاملات الالكترونية وخطط الخصخصة ، وأيضا ما نعانيه من ضعف الضوابط الراعية للمصالح الوطنية العليا ، والانتشار للمصالح العاملة في الفساد الإداري والمالي ، فإنه لا بد من الاعتماد على الرعاية  والتوجيه والتخطيط المركزي للدولة ، وتأجيل وإبطاء الخصخصة نوعا ما ، حتى يتسنى تطوير القطاعين العام والخاص في القطاعات الرئيسة من الصناعة والخدمات والإنشاءات في المجالات الحيوية التالية:

  • تطوير المدن السياحية والمنتجعات الشتوية والصيفية على السواحل والمناطق الطبيعية.
  • تطوير العمل البلدي وتخطيط المدن والصيانة المنزلية والصناعية وصيانة المرافق العامة.
  • تطوير المدن الصناعية والعلمية ومدن الاتصالات ومدن الطاقة ، وتكثيف المختبرات العلمية والحواضن لأبحاث ومشروعات الطاقة الشمسية وتحلية المياه المالحة وتكرير المياه.
  • تطوير الضواحي والبلديات والمدن السكنية الهادفة لنقل الكثافة السكنية من قلب المدن الكبرى إلى أطرافها لتخفيف الزحام وتطوير أيكولوجيات المدينة وصلاحيتها البيئية.
  • تطوير مشروعات النقل العام والموانئ البرية والبحرية ، يدخل في ذلك الباص المدرسي والباص العام الداخلي والمحلي وسكك الحديد والقطارات الكهربائية.
  • تطوير المدن الطبية وتكثيف التخصصات الفنية.

ومن وجهة نظر أ. خالد الحارثي فإن هذه المبادرات والإصلاحات والمشروعات تحقق النتائج المرجوة من خلال :

  • تكوين شركات حكومية أو مختلطة كبيرة مع القطاع الخاص في مجال الإنشاءات والتطوير المدني والصناعي لها القدرة على توظيف السعوديين و تدريبهم و توفير الأمن الوظيفي لهم ويمكن أن تحول كاملاً أو جزئياً للاكتتاب العام بضوابط تمنع تحكم القلة بنواصي القرارات والتوجهات الاستراتيجية لها.
  • منع الشركات الكبرى التي تستحوذ على الدعم الحكومي والحصص الكبرى من الإنفاق الحكومي من إعطاء مقاولات من الباطن في مجال تخصصاتها وفرض التوظيف المباشر والتدريب للسعوديين عليها مباشرة أو عن طريق شركات تابعة أو مملوكة لها.
  • تكوين شركات صناعية كبيرة مملوكة كليا أو جزئياً للدولة لتصنيع قطع الغيار والآلات و المعدات والأجهزة والسلع الرئيسية المستوردة بكثرة والتي سيكون في تصنيعها فرصاً وظيفية و تراكما تقنيا في البلاد و يوفر العملات الصعبة على خزينة الدولة. و من المجالات الممكن الدخول فيها :
  • نظم الاتصالات والإلكترونيات الدقيقة ونظم توليد ونقل وخزن الطاقة بالجهد الخفيف والمتوسط والعالي.
  • ‌السيارات والمركبات والمعدات الخفيفة والثقيلة.
  • ‌المحركات والأنظمة الكهربائية ومكونات محطات الكهرباء ومحطات التحلية.
  • ‌تكرير البترول و تصنيع مكرراته.
  • شركات زراعية تُستصلح الحوزات الزراعية المتوفرة مستفيدة من المياه السطحية ومياه الصرف الصحي المنقى.
  • شركات حكومية أو مختلطة لتسويق المنتجات الوطنية تعني بتسويق المنتجات الوطنية وإيصالها للمستهلك في الداخل والخارج.
  • التركيز في التعليم الجامعي و المهني على التخصصات الفنية المرغوبة : قبول في هذه التخصصات بسقف مفتوح مع تركيز الجامعات على تخصصات الهندسة والطب بحيث يجد كل من يرغب بهذه التخصصات مقعدا ويعتمد استمرار الطالب على ما ينجزه من خلال فترة دراسته ويتم توجيهه لتخصصات فنية وفرعية أخرى في هذه التخصصات بدلا من الفشل في القبول للدخول.
  • التفكير الجدي في تطبيق خدمة العلم والاستفادة من ذلك في الطوارئ و الكوارث ومشاريع الدولة الكبرى مع التدريب المهني و المهاري.
  • توسيع النطاق لاستيعاب المرأة السعودية وفتح المجالات الحيوية أمامها وبما يتناسب مع طبيعتها وقيمها وتطوير أيكولوجيات وبيئات العمل عن طريق شركات استثمارية وتعاونيات كبرى تطور البنية التحتية لأعمال:
  • سعودة وتطوير المشاغل النسائية ومنع العمالة الأجنبية من الذكور من الدخول في أعمال الخياطة والتطريز والإنتاج في الملابس وبالذات ملابس الأطفال والملابس النسائية.
  • سعودة وتطوير الحضانات ودور الرعاية النهارية والمنزلية.
  • أعمال ومصانع النسيج والألوان والأقمشة.

المحور الثالث

الإعلام الخارجي ؛ الإشكالات والحلول

الورقة الرئيسية :

عرض أ. عبدالله بن كدسه ورقة عمل حول: الإعلام الخارجي للمملكة ؛ الإشكالات والحلول، حيث أشار في مقدمتها إلى أنه لا أحد يختلف حول كون الإعلام بأدواته وقنواته أصبح سلاح يضاهي الأسلحة النوعية .. وهو القادر على جمع الكلمة وحشد الصفوف. أن الدور الذي تلعبه المملكة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ينقصه ذراعاً إعلامية احترافية يحشد من خلالها الرأي العام العربي والعالمي .. ولعل هذا الضعف الإعلامي بدا واضحاً حين إعلان عاصفة الحزم مروراً بإعادة الأمل إلى أحداث الحج الأخيرة. وحين الحديث عن الإعلام الخارجي فنحن نتحدث عن جزء يندرج تحت عمل الدبلوماسية العامة “Public Diplomacy” .. لا يمكن للإعلام وحده التأثير على المجتمعات والرأي العام في الدول الصديقة والعدوة .. هي منظومة متكاملة يجب أن تعمل حتى نصل للتأثير المنشود .. التبادل الثقافي على مستوى النخب والكتّاب والمثقفين والطلاب عن طريق الحوار والاجتماعات الدورية أمر مهم .. العلاقة بين الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني وتبادل الزيارات أمر مهم .. وأيضا دعم الموالين لنا من النخب في الدول الأخرى وتعزيز العلاقة معهم .. ثم يأتي بعد ذلك الحضور السعودي في الإعلام الأجنبي.

وحدد أ. عبدالله بن كدسه الاشكالات التي تحول دون إعلام خارجي مؤثر في الوقت الراهن وتتضمن برأيه ما يلي:

  • أولاً : ضبابية السياسة الخارجية .. ما هو مشروع المملكة السياسي؟ وكيف نريد أن نقدم أنفسنا للعالم؟
  • ثانياً : اختزال عمل المكاتب الإعلامية في ترجمة ما يكتب عن المملكة وارسالها إلى ديوان الوزارة والرد على ما يٌكتب ضد المملكة ببيانات  رسمية.
  • ثالثاً : تعقيد دخول الصحفيين الأجانب إلى المملكة.
  • رابعاً : تعدد مرجعيات عمل الإعلام الخارجي وانقسامه لدى وزارتين “الثقافة والإعلام ، الخارجية”.
  • خامساً : قلة الكوادر الإعلامية العاملة في مجال الإعلام الخارجي والمتخصصة في الإعلام الدولي أو الإعلام السياسي.

وغيرها من الاشكالات ..

ويرى أ. عبدالله بن كدسه أنه وحتى يكون لنا تأثير وتواجد واتجاه ايجابي لدى المجتمعات الأخرى يجب أن نوحد مرجعية هذا العمل بشكل مؤسسي واحترافي وأول الحلول هو إنشاء “هيئة الدبلوماسية العامة” بعيداً عن وزارة الثقافة والإعلام وبعيداً عن وزارة الخارجية .. هيئة مستقلة ترتبط بمجلس الشؤون الأمنية والسياسية مباشرةً .. تعمل هذه الهيئة على وضع استراتيجية اتصالية تهدف لبناء اتجاه ايجابي وصورة ممتازة عن المملكة لدى شعوب العالم ومن ثم تضع خطط تنفيذ ومبادرات وتبدأ بالعمل .. هيئة ذات استقلالية إدارية ومالية تستطيع أن تعمل بمرونة بعيداً عن بيروقراطية الحكومة .. لا نستعجل النتائج ، فبناء الصورة الذهنية والاتجاه الايجابي نحو المملكة يحتاج وقت وجهد على كل الأصعدة ليس فقط من خلال الإعلام. إن وجود هذه الاستراتيجية والاتفاق عليها والعمل بها هي أولى الخطوات .. ولا نحتاج إعادة اختراع العجلة من جديد .. هناك تجارب ناجحة لخطط الدبلوماسية العامة في اليابان وسنغافورة وألمانيا وغيرها ويمكن الاستفادة منها .. ولعلي أصل بالحديث هنا إلى رسم ملامح هذه الاستراتيجية الاتصالية والثقافية وماهي المبادرات والخطط التي يجب أن تُتخذ حتى نؤثر في الآخر.

التعقيب الأول:

عقب أ. أسامة نقلي على ورقة أ. عبدالله بن كدسه حول: الإعلام الخارجي للمملكة ؛ الإشكالات والحلول، بالإشارة إلى بعض النقاط التي تطرق لها في مداخلته:

  • أن الدبلوماسية العامة ليست إعلام، ولكن الإعلام هو أحد أدوات الدبلوماسية العامة، وفي وزارة الخارجية الدبلوماسية العامة قائمة ولكنها مشتتة بين وكالات الوزارة وإداراتها كل حسب اختصاصه، وقبل وفاته وضع الأمير سعود الفيصل رحمه الله خطة لتجميع شتاتها في جهاز واحد لتفعيل دورها وضمان التناغم بين مساراتها المتعددة ، وسترى النور قريبا بمشيئة الله تعالى.
  • لا توجد ازدواجية في الإعلام الخارجي بين وزارتي الإعلام والخارجية، فوزارة الخارجية هي نافذة العلاقات الخارجية لكافة اجهزة الحكومة، لا تقوم مقامها بل تنسق أعمالها مع الخارج، والإعلام في وزارة الخارجية هو إعلام سياسي بحت يسير في خدمة نشاطها السياسي في القضايا الإقليمية والدولية مثل سوريا واليمن وإيران .. الخ، أما بالنسبة لصورة المملكة الخارجية وقضايا المرأة والحقوق والتنمية وغيرها، تظل وزارة الثقافة والإعلام ممثلة في وكالة الوزارة للإعلام الخارجي المعنية به بالدرجة الأولى، باعتباره أحد مهامها الأصيلة، وتتحرك وزارة الإعلام خارجيا تحت مظلة السفارة مثلها مثل المكاتب الصحية والثقافية والتجارية، ولا تقوم السفارات مقامها.
  • فيما يتعلق بالإعلام الخارجي أو الداخلي، فإن المقولة السائدة ( الحكومة تاجر فاشل ) تسري أيضا على الإعلام وبامتياز ، نظرا لما يتطلبه الإعلام من منهج متخصص يستطيع التعامل مع كافة أدواته ، ويوصل الرسالة المستهدفة للجمهور بكل مهنية، وأكبر معاناة لإعلامنا هو البيروقراطية، وإدارته من قبل موظفين قد يمتلكون الشهادة، إلا أنهم يفتقدون للتجربة الإعلامية الحقيقية، التي يوفرها الإعلام التجاري الخاص، لا الإعلام الحكومي.
  • إذا ما كان لنا أن نستفيد من تجارب الدول، فلسنا في حاجة إلى الذهاب بعيدا إلى الدول النافذة في أمريكا وأوروبا ، بل يكفي النظر إلى نجاح أبوظبي ودبي إعلاميا، في إعلام منهجي متخصص لبيوت خبرة عالمية حولت كل تجربة جديدة إلى ذهب والماس خالص لا تضاهيه جودة أعتى التجارب العالمية حتى لو كانت مماثلة. والأكثر ذكاء هو عدم شعور المتلقي بهذا الجهد الإعلامي الجبار خلف الكواليس، ويعتبره تلقائيا.
  • بقدر إدراكي لأهمية (الخطط والاستراتيجيات والآليات) .. بقدر توجسي الشديد من هذه المصطلحات، لأننا نستمرئ عمل الدراسات كونها الخطوة الأكثر سهولة لقيامها في غرف مكيفة ومغلقة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في الخروج من هذه القاعات إلى ساحات العمل الإعلامي الحقيقي للتنفيذ، ولدينا وفرة ولله الحمد في المخططين، وقصور شديد في المنفذين .. ونحتاج أن نركز أكثر على هذا الجانب، فالمشاكل الإعلامية واضحة للعيان ، وحلولها لا تخطئها العين، ولكن من يعلق الجرس.

التعقيب الثاني:

أشار د. فايز الشهري في تعقيبه إلى أهمية ورقة أ. عبدالله بن كدسه حول: الإعلام الخارجي للمملكة ؛ الإشكالات والحلول، من خلال مرتكزين:

  • المرتكز الأول: الإحاطة بالقضيّة وإشكالاتها والرؤية المنهجية المكتسية بغيرة وطنية   تتمثّل الوطن وما يملكه من إمكانات.
  • المرتكز الثاني: التركيز في تشخيص الإشكالات الخمس التي يرى صاحب الورقة أن معالجتها قد تحقق قدرا مهما من الحضور الإعلامي  للمملكة يتوازى مع مكانتها وتحديات المرحلة.

وطرح د. فايز الشهري تساؤلاً مهما مفاده: هل المشكلة في الإعلام الخارجي أم في مبررات وجوده؟ وبدوره أجاب بأنه وبخصوص الفكرة الأساس يبدو أن كل الممارسات التي انطوت تحت مظلة مصطلح “الإعلام الخارجي” تسير في ظلال التاريخ اليوم ناهيك عن سؤال  التأثير ولكن المصطلح بقي إرثا ثقيلا وعبئا ورقيا وإداريا ضمن الهياكل الإدارية البيروقراطية من خلال وظائف وربما مكاتب لا تساير المتغيرات ببرامجها و نشاطها وفق متغيرات عصر المعلومات. ونحن إذا أردنا تصحيح الواقع الإعلامي برمته فربما علينا أن نستوعب حقيقة الموت المعنوي لمفهوم الإعلام الخارجي الذي ولد وعاش في مراحل لم تكن المجتمعات في هذا المستوى من الوعي كما لم تكن  ثورة الاتصال حاضرة بمثل قوتها اليوم. وينسحب ذلك على إشكالية تقسيم الإعلام الرسمي إلى إعلام “داخلي” وإعلام “خارجي” لأننا بذلك كأننا نحاول أن نعالج وضعا هو بذاته أكبر إشكاليات الممارسات الإعلامية اليوم.

ولهذه الخلاصة التي يرى د. فايز الشهري أنها قد تشخص علّة “الإعلام الخارجي” في مفهومه وممارساته التقليدية عدة اعتبارات:

  • أولا: أن الإعلام الرسمي في دول العالم لم يعد المصدر الأول للخبر والرأي وبالتالي لم يعد له دور واضح في تشكيل الرأي العام سواء في  الداخل أو الخارج. وسبب ذلك:
  • انتشار التعليم ومن ثم ارتفاع مستوى الوعي الجماهيري الذي لم تعد معه رسائل “التوجيه” المعنوي ذات أثر على قطاعات كبيرة من مجتمعات اليوم ما جعل مفهوم “إعلام السلطة” بكل حمولته السلبية واضحا حتى قبل ظهور الإعلام الجديد بوقت طويل.
  • ظهور الإعلام الخاص (الفضائي) ثم (الإلكتروني) الجديد المنفلت من كل حسابات “المؤسسات” الرسمية. وهو الأمر الذي دفع الدول إلى تبني الإعلام (الخاص) من وراء الستار وبشكل غير مباشر للحفاظ على (ما تراه حقها) في التوجيه والتأثير.
  • ثانيا: أن الإعلام الخارجي الذي ابتدعته الدول بعد الحرب العالمية الأولى ضمن أدوات الصراع والاستقطابات ذاب في انفجار الوسائل  وحلّت محله مفاهيم “النموذج” والقدوة التي سوقها (وعولمها) الإعلام (الغربي) الخاص وبات التأثير الناعم في المجتمعات الأخرى واقعا شديد الوضوح في التفكير والتصرف والطموح.
  • ثالثا: ظلت ممارسات الإعلام الخارجي في كثير من الدول أسيرة المبالغة في الحديث عن الإنجازات والتركيز على الأشخاص بدل الثقافات  واعتمدت على الخطابية الانفعالية في تسويق القرارات السياسية برداءة مرتكزة على الجانب الدعائي الذي أفقدها الموضوعية والموثوقية.
  • رابعا: أن الإعلام بشكل عام فعل إبداعي يرتكز في حيويته وتأثيره على المحفزات (المثيرات) بكل أشكالها والموهبة وبيئة العمل الحرّة.  وفي حال الإعلام الرسمي الذي يديره الموظفون لك أن تستخلص من المدخلات التي يملكها كل هذه النتائج التي أثمرت ما نراه ونرصده.
  • خامسا: أصبحت مفاهيم خطاب إعلامي للداخل وخطاب آخر للخارج لغة ساذجة وخارج سياق العصر بل لعلها أكبر نواقض مبادئ  المجتمعات الحديثة التي تتحدث بلغة “مكاشفة” واحدة وتعلن مواقفها في الداخل والخارج بذات اللغة.
  • سادسا: تأثير ثورة الاتصال الرهيب بات أكثر مفعولا حتى من كلمة “ثورة” كون الشعوب أصبحت لأول مرة في تاريخها تتلاقى على مدار  الساعة عبر الشاشات وتتشارك المعلومات دون وسطاء.

وإجمالا فإن الإعلام الخارجي الرسمي في مجال التأثير هو في حالة موت سريري …ينتظر إكرامه بالدفن والبحث في البدائل.

وفيما يتعلق بأدوات التأثير البديل التاريخي عن الإعلام الخارجي، أوضح د. فايز الشهري أنه وإذا كان غرض الإعلام الخارجي هو إحداث الأثر الإيجابي في الشعوب وبالتالي تقديم صورة ذهنية إيجابية للدول وشعوبها وثقافاتها فإن معطيات العصر تتطلب تغيرا استراتيجيا في الأدوات والممارسة. ويمكن تلخيص ما ينبغي عمله في مجال التغيير الاستراتيجي على ثلاث منطلقات:

  • أولا: الإعلام لا يستطيع تسويق المنتجات الرديئة (سياسية، ثقافية، اقتصادية ….) إلا بما تعنيه.
  • ثانيا: أن المعلومات أصدق من الإعلام وأكثر أثرا.
  • ثالثا: أن الممارسة الإعلامية التسويقية تتطلب مبدعين يؤمنون بعملهم.

وبالنسبة للتساؤل: كيف يمكن ذلك؟ أجاب د. فايز الشهري من خلال الإشارة للنقاط التالية:

  • أعطني بضاعة جيدة وسيأتي الإعلام طوعا وكرها لتسويقها. وهذا ينسحب على المواقف والمبادرات التي تتسم بالإيجابية فعندما تتعزز هذه المنتجات وتتسق مع بعضها البعض في منظومة متناغمة تترسخ الصور الذهنية وتتراكم الصور الإيجابية ويأتي الإعلام. ولننظر إلى الدول الإسكندنافية التي تعد أضعف الدول في الحضور الإعلامي (الدعائي). ومع ذلك هي في أعلى قوائم الشفافية وجودة الحياة والرفاه والعدل وحقوق الإنسان… وكل إعلام الدنيا يسوق لها.
  • لم تعد وسائل الإعلام الرسمية هي ناقل المعلومات الأول بين الشعوب. لديك مخازن ثورة الاتصال فما هي المعلومات التي تغذيها بها عن ثقافتك وسياساتك ومواقفك.
  • كن حاضرا حيويا وكن وموفرا للمعلومات الدقيقة والصادقة وستصل صورتك معها عبر شرايين شبكات المعلومات إلى كل عين وسيتأثر بها الناس ومن ثم سيعكسها الإعلام. بالمعلومات التي تضخها تصنع صورتك. وحين تجد أن هناك فشلا فتش من يختار المعلومة ومن يضخها وقبل ذلك لماذا المعلومات السلبية أكثر.
  • لا تقبل (وكررها ثلاثا) في مجال الإعلام الذي تملكه وتنشد من خلاله تعزيز صورتك الذهنية الإيجابية إلا الموهوبين المبدعين. أعطني عقولا خلاقة أعطيك إعلاما مبدعا مؤثرا.
  • صورتك الإيجابية في الإعلام لا يصنعها قرار إداري يأمر بذلك أو مكتب علاقات عامة يبيعك الإحصاءات.
  • إذا فتحت الباب للإعلام الخارجي فتأكد أنه سينقل (كل) ما يرى. لذا عليك قبل أن تقف أمام المرآة (الإعلام) أن تتأكد أن هيئتك في أحلي صورة.
  • الصورة (Image) ليست الشخصية (Character) أبرز أعظم ما في “الشخصية” الإيجابية (لوطنك) وستظهر رغما عن الإعلام “الصورة” الإيجابية تلقائيا.

المداخلات حول إشكالات الإعلام الخارجي والحلول المقترحة:

من جانبه علق أ. عبدالله بن كدسه على ما طرحه د. فايز الشهري بقوله: لعلي اختلف معه في نقطة واتفق في الأخرى .. اختلافي معه بأن مفهوم الإعلام الخارجي مازال قائماً ولو اختلفت أدواته وأسلوبه ولغته .. واتفق فيما قال حول التأثير وأدواته إذ أن الإعلام بأدواته اليوم غير قادر وحيداً على عمل التأثير الذي ننشده بل العمل على ايجاد أدوات تأثير تناسب العصر وتناسب المجتمعات كلٌ حسب ثقافته.

أما د. خالد الرديعان فتساءل في مداخلته: لماذا نجح الإعلام الخليجي في الإمارات وفي قطر ولم ينجح عندنا رغم أننا أقدم في هذا الجانب؟ وبدوره أجاب بأن السبب في رأيه يعود إلى استقلالية الإعلام الخليجي – ولو نسبيا – وابتعاده عن البيروقراطية الحكومية بالإضافة لاستقطابه لعناصر محترفة من خارج الخليج. كما أن استقلال الإعلام وإفساح الحرية أمامه هي بعض أسباب تقدمه.. وحاليا فإن معظم الإعلام الخليجي هو قطاع خاص وإن كان يتماهى مع سياسة الدولة التي يتبعها وبالتالي فإن خصخصة القطاع الإعلامي في المملكة قد يكون أحد الحلول الجذرية لكي يتقدم إعلامنا ويقدم صورة حقيقية عن حراكنا الاجتماعي.

وأوضح د. خالد بأن الإعلام كان في السابق حكرا على الدولة بسبب خطورة المعلومة ولكن في ظل التوسع في الإعلام الجديد والكوني فإن عملية احتكار المعلومة من قبل الحكومات أصبحت عملية غير مجدية … انتقال الإعلام جميعا للقطاع الخاص هو الحل حتى يستطيع الانطلاق. واكمالا لما ذكر طالب د. خالد بإلغاء وزارة الإعلام نهائيا وان تقتصر فقط على الثقافة عوضا عن تشتيت جهدها على قطاعين مختلفين ومبرره في ذلك القول بأنه ما دخلت البيروقراطية في شيء إلا وأفسدته. وقال د. خالد ما نصه: يمكن ملاحظة البيروقراطية في أي خبر صغير قد لا يكون مهم ومع ذلك لابد من فسحه مما يستغرق وقتا أطول من المعتاد… أنا طبعا لا أنسى أزمة الخليج عند اجتياح الكويت عام ١٩٩٠ يوم أن صمت إعلامنا ثلاثة أيام !!!

واتفق أ. عبدالله بن كدسه مع ما ذكره د. خالد الرديعان حول البيروقراطية من منطلق أن الإعلام عمل ديناميكي الحركة وتقتله بيروقراطية الحكومة.

تجارب عملية

في الإطار ذاته أشار أ. مسفر الموسى في مداخلته حول الإعلام الخارجي للمملكة إلى ثلاث تجارب تعطي ملمح عام عن مدى اهتمامنا بالإعلام الخارجي من وجهة نظره على النحو التالي:

  • التجربة الأولى:

في صيف 2006 زرت تلفزيون SBS الأسترالي (Special Broadcasting Service).. هذه القناة الأسترالية تتيح التبادل البرامجي وشراء ساعات البث من دول وثقافات متعددة وفق معايير واضحة من أجل تقديم خدمة البث للجاليات وللتعارف الثقافي.. كانت أخبار دبي على سبيل المثال تقدم نشرة أخبار يومية عند التاسعة صباحا.. بالإضافة إلى العديد من الأفلام الوثائقية من المغرب ومصر وسوريا والسودان وتونس… وغيرها.. لم يكن للسعوديين أي دقيقة بث في هذه القناة.. تواصلت يومها مع الزملاء في الملحقية الثقافية ولم أجد أي حماس في الرد..

  • التجربة الثانية:

قبل عدة أعوام ذهبت إلى الإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام بغية حصر الأفلام الوثائقية الأجنبية عن السعودية والتي تم تصويرها في الداخل بالتعاون مع الوزارة.. من أجل أهداف بحثية وعلمية.. والمفاجأة المؤسفة أن الوكالة لا يوجد لديها قاعدة بيانات بالأفلام والتقارير الخارجية التي أنتجت هنا.. ناهيك عن وجود نسخ من هذه الأفلام والتقارير.. والحجة كما يقولون أن مهمتهم تبدأ وتنتهي بالاستقبال والمرافقة والتوديع..

  • التجربة الثالثة:

قمت مع مجموعة من الأصدقاء بتأسيس فريق سينمائي سعودي تطوعي تحت مسمى (روح العالم) والذي يهدف إلى إنتاج أفلام سينمائية تؤسس قيم السلام والعدالة والمساواة والحوار عبر العالم.. والتي في النهاية ستكون محصلة إنتاجها باسم الوطن.. وستضاف إلى جهود المملكة ودعمها للسلم والحوار العالمي.. وستشارك في مناشطه.. وللأسف لم يحظ الفريق بأي دعم أو تشجيع من أي جهة حكومية أو مدنية أو مؤسسة ربحية وغير ربحية حتى الآن.. بالرغم من استمرار المشروع بطريقة الإنتاج والتمويل الذاتي.

وفيما يخص التجارب التي عرضها أ. مسفر الموسى، أوضح أ. عبدالله بن كدسه أنها تجارب واقعية نستطيع أن نفهم منها واقع العمل في الإعلام الخارجي للمملكة .. ويعتقد أ. عبدالله جازماً أننا كنا قادرين وبشكل كبير أن نكسب كل العالم العربي أثناء إعلان عاصفة الحزم بعد أن حس العرب بالهزيمة والانكسار لعقود مضت .. كان ينقصنا عمل إعلامي احترافي مؤثر وتواجد في القنوات الصديقة والمعادية .. وأدى قصورنا الإعلامي لفتح المجال للإعلام المضاد لأن يسرح ويمرح بانتقاد ما تقوم به المملكة وتصويره بأبشع الصور بالرغم من الانتصارات العسكرية على أرض الواقع.

وعبرت د. الجازي الشبيكي عن تطلعها إلى أن يكون لكل سفارة من سفاراتنا في الخارج فريق إعلامي متخصص  لا يردًدً بكل جمود ما يصدره إعلامنا الرسمي ويكتفي بذلك ولكن يعمل على إعادة صياغة الأخبار والبيانات والانجازات بنفس اهتمامات وتوجهات وفهم واستيعاب ولغة خطاب البلد التي يعمل بها ، بالإضافة إلى بذل جهود ومبادرات نوعية متميزة لدعم سياسة بلاده وتبيان وتوضيح انجازاتها بين فينة وأخرى ، وليس بالضرورة أن تكون ردود فعل لأحداث أو مواقف معينة جديدة .

المطالبات بإنشاء هيئة إعلامية مختصه بالحرمين

تطرق د. مساعد المحيا إلى المطالبات بإنشاء هيئة إعلامية مختصه بالحرمين.. فمن وجهة نظره فإن الشعور بالحاجة لمثل هذه الهيئة هو نتيجة الاحباط من الدور السلبي لإعلامنا وقدرتنا على الاقناع والتأثير عبر مختلف الرسائل الإعلامية وهذا بلا شك له أسبابه لعل من أبرزها أن الإعلام الخاص الذي نعول عليه باستثناء بعض جهود العربية هو إعلام أصبح يعتمد الترفيه المبتذل الذي لا يصنع لنا أمام العالم العربي والإسلامي سوى أننا نبيع الاغراء ونسوق تجارة اللحم الأبيض المتوسط .. إننا نحتاج أن نصلح الخلل بقرارات سيادية تقودنا إلى إعلام يخدم قضيتنا ويدافع عن هويتنا ويرفع صوتنا بين الملأ .. نحن كنا نمتلك زمام الرؤية الإعلامية في منظومة إعلامية متكاملة .. ولأن الظروف تغيرت وغيرت ذهنية المجتمع تجاه الإعلام فقد أصبح النمط الإعلامي التقليدي غير محبب ولا مشاهد وأصبح الإعلام الذي يعيش هموم المجتمعات ويتفاعل معها هو الذي يحظى بمشاهدة أوسع… إن مشكلتنا في الإعلام هو أننا نحتاج إلى إرادة صانع القرار ليتخذ قرارا بتغيير نمط إعلامنا ليكون مواكبا الوسائل الإعلامية الاحترافية المهنية .. وذلك يستلزم تغييرا في الكفاءات وفي الأساليب والمنتجات … وأن تتسع الصدور لكل ما يحتويه هذا العمل الإعلامي الاحترافي .. حينها إذا كنا نخسر فسنربح.. واذا كنا نفقد الجمهور فسنستقطبهم .. وإذا كنا في مؤخرة الركب فسننافس على المراتب المتقدمة .. وبدون هذه الإرادة سنظل في دائرة إعلام البيوت المحمية التي تنتج مادة معينة ومحددة ولا تعرف الطريق لغير ذلك.

الصورة انعكاس للأصل

وعلق د. مساعد المحيا على ما تضمنته مداخلة د. فايز الشهري بقوله: الصورة انعكاس للأصل ولا تبدو الصورة جميلة حتى يكون صاحبها بالجمال نفسه هذه حقيقة .. لكن ما أخشاه أن يكون هذا المعنى الذي أشرت إليه في تعقيبك الثاني محبطا لكل إعلامي يتطلع أن يكون لعمله الإعلامي قبول جماهيري .. منتجات الجهات المسؤولة ومنتجات الشركات لابد وأن تكون بجودة عالية حتى تسوق نفسها هذا هو الأصل لكن الإعلامي يمكن أن تكون مادته مثلا هي نقد هذا الواقع السلبي أو السيئ أو الرديء وهنا مجال رحب وواسع للإبداع بل ولقبول الجمهور وهذا يتسق مع وظيفة المراقبة التي يفترض أن تمارسها وسائل الإعلام.

وتطرق م. سالم المري في مداخلته حول قضية الإعلام الخارجي للمملكة إلى أن هناك حاجة ماسة لتحديد وتوضيح المبادئ والقضايا المطلوب من الإعلام الدفاع عنها وأيضا إشراك المختصين في بناء الرسالة المطلوب إيصالها ممّا يؤسس لفلسفة إعلامية مرجعية يمكن الالتزام بها كمبادئ ينطلق منها، فمن غير المعقول أن تصبح بعض المنابر الإعلامية المحسوبة على المملكة محل تندر شعبي محلياً وعربياً فما الذي يجعل الجمهور السعودي يسمي العربية بالعبرية والكل يعرف مجموعة ال إم بي سي وارتباطها بالمملكة وكذلك بالنسبة للجرائد الكبرى النافذة في الخارج مثل الشرق الاوسط والحياة فكثيرا ما تعرض قضايا أو تضع عناوين لا تتماشى مع المبادئ الأساسية للبلاد، وأكد م. سالم على كلمة “الأساسية” لكي يرفع المسألة عن حرية الرأي والمسائل الفكرية البسيطة لأن ما يعنيه التلاعب بالقضايا المبدئية مثل القضية الفلسطينية والقضايا الجوهرية للأمتين العربية والإسلامية ونشر الصورة السيئة عن العرب والمسلمين ومثل هذه القضايا المبدئية لها ارتباط قوي بوجدان الجمهور ولا يغفر لمن يمس بها ومن ثم ترسخ لديه صورة عدائية أو سلبية عن من يقف خلف هذا الإعلام حتى ولو كان بصورة غير مباشرة ومن يتابع أفلام ال إم بي سي (٢) مثلا ويتابع الأفلام في قناة دبي١ للأفلام سيعرف القصد، فغالبا ما تعرض قنوات الأفلام في ال إم بي سي الأفلام التي تعرض الصورة النمطية الهوليودية السيئة للعرب والمسلمين دون أي تحريف بينما لا يحدث ذلك في دبي١ للأفلام وهنا نأتي إلى القصور الشديد في المنفذين الذي ذكره أ. أسامة نقلي ويضاف عليه؛ القصور الشديد في المنفذين بخلفية وطنية ذات بعد استراتيجي تراعي المصالح وتفهم ما بين السطور.

واستكمل م. سالم المري طرح وجهة نظره بقوله: وأرجو ألا يقول أحد هذا إعلام خاص وله الحرية فكذلك الغرب وأمريكا لديهم إعلام خاص ولكنه يخدم مصالحهم ومبادئهم وليس العكس؟! وأوافق د. فايز الشهري، لم يعد هناك إعلام داخلي وخارجي فالإعلام الناجح سيكون ناجحا بوجهيه الداخلي والخارجي كما أن الإعلام الخاص هو المؤثر ولديه المرونة والقدرة على التأثير الأكبر على الآخر. ولكن مشكلة إعلامنا الخاص والذي يفترض فيه أن يكون واجهة خارجية مشرفة للبلاد تجد أن القائمين عليه يكونون أحيانا من الأقليات العربية ذوي الارتباطات بالمصالح الأجنبية وقد يكون لهم مفاهيم مختلفة لقضايانا إلى درجة التضاد في بعض الأحيان أو من مواطنين برؤوس أجنبية منفصلين عن واقع البلاد وقضاياها وهؤلاء يستغلون ما يحظى به هذا الإعلام من قرب من صاحب القرار في المملكة ويوجهونه بسلبية لا تخدم المصلحة الوطنية وأرى انه أصبح من الضروري جدا تنقية الإعلام الوطني الخاص وتوجيهه في خدمة البلاد ومصالحها. كما أنه بالإمكان وبسهولة إصلاح الإعلام الحكومي إذا دعم بالخبرات المناسبة وأعطي المرونة اللازمة؟ والإصلاح المطلوب كما سبق وذكر د. المحيا لا يكون إلا بقرارات سيادية فما الذي يمنعنا من منافسة البي بي سي أو القناة الفرنسية أو غيرها من الإعلام ذو المصداقية الراسخة والانتشار الواسع؟ وفي الحقيقة أن الجاليات الكبيرة في المملكة فرصة ذهبية للإعلام السعودي فكل جالية من الجاليات بأعداد كافية لتبرير نشاط إعلامي متكامل بلغة تلك الجالية يوجه بنعومة من قبل الإعلام الخارجي السعودي ويدار محليا من أبناء هذه الجاليات مما سيعطي الإعلام السعودي فرصة للتطور والتوسع والانتشار.

وعلق أ. عبدالله بن كدسه على مداخلة م. سالم المري بالإشارة إلى أن الإعلام الخاص قائم على مبدأ الربحية ويبث ما يطلبه الجمهور واتفق معه حول المسؤولية الوطنية التي من المفروض أن تكون حاضرة حين بث المحتوى لكنها لعبة الربح والخسارة .. ما نريد هو حملة دعائية سياسية بطرق احترافية .. ولا يقوم بذلك إلا الحكومات أو الأحزاب .. حتى هذه القنوات السعودية الخاصة يجب أن تدفع لهم مقابل خروجك في أفضل برامجهم لتقول رأيك الذي تريد توصيله والتأثير على الجمهور من خلاله.

وقال أ. سعيد الزهراني في مداخلته حول قضية الإعلام الخارجي للمملكة: أقف وأستوقف.. لنعود إلى أطلال ما كان د. فهد الحارثي قد طرحه منذ فترة حول (حلم استثمار رمزياتنا القدرية.. مهبط الوحي وقبلة المسلمين وآثار روح الرسول ….).. ثم تعالوا إلى حادثة منى.. وتأملوا: ألسنا أمام ( أزمة إعلامية) كان يجب أن نستبق التصدي لها بصورة ذهنية راسخة ننحتها في العقول و الوجدانات لتكون كفيلة بدعم أي خير نأمله وجزر أي شر نخشاه.. هذا مثال منفرد يا أصدقاء والأمثلة تتمدد وتتعدد لقصص على ذات النحو كنا فيها الضحية والجاني على نفسه في ذات الحين! ومنها خسارتنا استثمار (عاصفة الحزم) بوصفها انتصاراً عظيماً لذاتنا العربية والإسلامية المهشمة والمسحوقة.

وأضاف أ. سعيد الزهراني أن من أبرز ما طرحه أ. أسامة نقلي.. مسألة وفرة الأفكار ومنتجيها في مقابل شُح ذات اليد التي تصنع: نحن أمة تنتج الكلام السمين.. لكننا حين تشرق الشمس لا نفتح أعيننا إلا على فعل هزيل.. والإشارة هنا إلى ندرة عقل الإعلام الإبداعي ويده أيضا في مقابل أكوام من كلام الأفكار التي لا تجد من يمنحها حياة الفعل. أيضا حين تطرق د. فايز الشهري إلى بيئة الاتصال الالكتروني وكأنه يذهب إلى المبتدأ من المنتهى.. الإنسان أولاً وأخيراً.. وهنا مدار منظومة تقديم الذات وصناعة الصورة التي تتخلق عبر جملة من الأدوات أحدها الإعلام الذي تحول اليوم إلى إعلام الناس وفقط. كذلك من أجل الإشارات التي طرحتها أ. هيا السهلي حول استثمار الوافدين والمقيمين بما فيهم زوار المواسم والأماكن المقدسة.. وهي بالامتداد تلتقي في ذات الاتجاه الذي يتبناه د الشهري في الاتجاه من وإلى الإنسان أرضياً وافتراضياً.

وإجمالاً أوضح أ. سعيد الزهراني أن الإعلام في إطار حديثنا عن الخارجي منه المناط به خلق التأثير والضغط على المواقف هو إعلام الثقافة.. وما لم تكن الثقافة أداته الرئيسة فلن نحقق ما نريد.. ولنتأمل فقط صورتنا النمطية قبل ١١ سبتمبر : بئر بترول وبدوي وجمل.. بعدها: كائن ملتح يسير ويقتل الناس.. حديثاً: مترف يستعرض بأحدث أنواع السيارات في أوروبا وأمريكا.. وأخيراً: أقوام يذبحون البط في الحدائق ويحيولنها إلى مزابل لكائنات غير آدمية.

أيضا اختلف أ. سعيد الزهراني مع أ. عبدالله بن كدسة فيما يتعلق بمقترح إنشاء هيئة خاصة بالإعلام الخارجي وذلك لسببين من وجهة نظره.. الأول : نحن بلد المليون إدارة لا تعمل .. فلا تفتح خانة المليون الثاني بهذه الهيئة .. والثاني: في ظل الصورة البائسة أعلاه لن يستطيع البشر تحقيق أي نتيجة مرجوة.. إلا أن كنت قادرًا على أن توكل مهام القيام بأعمالها إلى ملائكة.

أهمية استثمار رمزيتنا القدرية “الحرمين الشريفين”

أشار أ. عبدالله بن كدسه إلى اتفاقه مع ما ذكره أ. سعيد الزهراني نقلاً عن د. فهد الحارثي حول أهمية استثمار رمزيتنا القدرية وهي الحرمين الشريفين بإظهار حجم العمل والانفاق الذي تقوم به المملكة .. ومن الأمثلة التي يمكن التطرق إليها في هذا المقام فيلم وثائقي قصير كان عن نظافة الحرم المكي .. يتحدث بالأرقام ومُنتج بطريقة احترافية .. وتضمن الفيلم الإشارة إلى أن عدد حمامات الحرم ١٤٠٠٠ حمام! وعدد المسطحات التي يتم تنظيفها يومياً أكثر من مليون وثمانمائة ألف متر مربع ومعلومات كثيرة تتعلق فقط بجزئية نظافة الحرم .. لكن انتشاره كان عبر رسائل الواتساب أو عن طريق تويتر لجمهور محلي !! ماذا لو كان هناك من يدفع لهذه القناة أو تلك لعرض هذا الوثائقي للعالم العربي أو حتى ترجمته وبثه في العالم.

ومن ناحية أخرى عبر أ. عبدالله عن اختلافه مع أ. سعيد في إشارته لشح ذات اليد التي تصنع حيث قال نصاً : الشاب السعودي نجح في أرامكو وسابك وهيئة سوق المال وكثير من القطاعات الحكومية والخاصة حين تتوفر بيئة عمل مُشجعة ونظام مُحفز وحياة كريمة .. أعتقد أن مشكلتنا في المملكة مشكلة إدارية تنظيمية .. متى ما أوجدت البيئة الصحية وخرجت عن البيروقراطية نجحت .. الهيئات في المملكة مؤسسة حكومية لها مرونة في الجانب الإداري والمالي أكثر من الوزارات وبالتالي فإن هذا الاستقلال الإداري والمالي هو أول أسباب الحصول على كفاءات وخلق بيئة عمل مبدعة وخلاّقة… وأخيراً دعونا ننظر لنصف الكأس الممتلئ .. لا نحتاج أن نكون ملائكة حتى تصل صورتنا الجميلة للعالم .. نحتاج أن نظهر الايجابيات التي نملكها فقط .. ولا أعتقد أننا نعيش في ظل منظومة متهالكة سوداوية لا تملك ما يُمكن تسويقه أو تقديمه للعالم .. نملك مواقف سياسية حكيمة وعظيمة .. نملك خدمة الحرمين الشريفين .. نملك موروث ثقافي متنوع ومختلف وتاريخي عظيم ..إلخ. قد نتفق لو قلنا بأن هناك شح للمعلومات أحياناً .. ولكن من يريد أن يعمل سيعمل بالمتاح وسيغلفه بأجمل تغليف ثم يقدمه للجمهور.

الحرب تحسم إعلاميا قبل أن تحسم ميدانيا

أوضح أ. عبدالله الضويحي كذلك في مداخلته على ورقة أ. عبدالله كدسة حول الإعلام الخارجي أن الحرب تحسم إعلاميا قبل أن تحسم ميدانيا، وهذه حقيقة ..خاصة في عصرنا الحالي فالحكومات العربية ألتي سقطت في الربيع العربي أسقطها الإعلام وبغداد سقطت في عام 2003 إعلاميا قبل دخول القوات الأمريكية. وهذا يؤكد دور الإعلام الفاعل والمؤثر وأهميته في حسم الصراعات والحروب بل ورسم السياسات. و نحن وإن لم نكن في حرب لكننا في معركة وصراع من ناحيتين:

  • الأولى: نقل صوتنا وصورتنا الحقيقية إلى الخارج.
  • الثانية: تفنيد الأكاذيب وما يقال عنا في الخارج ودرئها.

واستشهد أ. عبدالله الضويحي بالمقولة الشهيرة لجوزيف غوبلر وزير الدعاية في حكومة هتلر ” أكذب حتى يصدقك الناس ” فقد فشلنا في الأولى ( نقل صوتنا … ) لأننا لم نحسن إدارة المعركة أو الصراع ونجح غيرنا في الثانية ( الأكاذيب .. ) لأنهم أجادوا تطبيق مقولة غوبلز فسمع منهم الآخرون وصدقوهم.

وأضاف أ. عبدالله الضويحي أنه وإذا كانت الصحافة هي مهنة المتاعب كما يقولون والآن ينطبق هذا على الإعلام فإن موظفي مكاتبنا الإعلامية في الخارج ربما ينطبق عليهم الوصف القائل ( أكل ومرعى .. ) وباتت من أكثر الوظائف راحة ويبدو أن دورها يشبه دور أقسام العلاقات والإعلام في المؤسسات العامة وهي قص ما يكتب في الصحف ورفعه للمسؤول والتعقيب عليه وتحولت إلى علاقات أو إعلام المسؤول بدلا من إعلام المؤسسة. فمنذ أن وعينا على الإعلام وعلى الحياة بصورة عامة قبل عقود ونحن نسمع ونعرف:

  • أولا: نسمع عن وكالة الوزارة للإعلام الخارجي ومكاتب إعلامية وفي ذات الوقت أيضا نقرأ ونسمع عن صورتنا في الخارج وتشويه هذه  الصورة مكتفين بنفي ذلك الخبر من قبل ( مصدر مسؤول ) والنفي دائما إن لم يكن إثباتا فهو تذكير وإعادة !!
  • ثانيا: نعرف أننا “نكسب القيادات ونخسر الشعوب” فنحن دائما نتوجه للقيادات (المؤقتة) وننسى الشعوب ( الدائمة ) أو ( الباقية )  فالكيانات تبقى والأفراد راحلون.

واستكمل أ. عبدالله الضويحي بقوله: في بداية الثمانينيات ظهرت معارض المملكة بين الأمس واليوم والأسابيع الثقافية الثنائية… هذه المشاركات كانت تصحح بعض المفاهيم وتعطي رؤية عن ثقافتنا وإن لم تكن بالمستوى المطلوب. وكذلك مشاركاتنا في الأولمبياد وكأس العالم لكنها تتحول إلى نزهة للبعض لعدم إدراكهم لمفهوم الإعلام وأهمية مثل هذه المشاركات. وأذكر عندما تأهلنا لمونديال 2002 في اليابان وكوريا وكانت أحداث 11 سبتمبر في سخونتها كتبت مقالا أقترح من خلاله استثمار هذه الفرصة لتصحيح نظرة الغرب إلينا مدعما ببعض المقترحات وللأسف أن رئيس تحرير جريدة يومية كبرى رفض نشره. ما يتم الآن هو جهود فردية تنبع من ذات الشخص وإمكاناته رغم بعدهم عن الإعلام ومسؤولياته مثل بعض السفراء أو ما كان يفعله الزميل أ. محمد العمرو عندما كان ملحقا إعلاميا في الكويت وما يفعله د. زياد الدريس الآن في اليونسكو. في هذا العام فقط خسرنا الكثير من المعارك الإعلامية إن صح التعبير: عاصفة الحزم .. التفجيرات .. الدواعش .. إلخ. هذه الأحداث استثمرها الآخر لتمرير أجندته وليثبت من خلالها أننا منبع الإرهاب ومصنعه وظللنا عقدا ونصف منذ أحداث 11 سبتمبر عاجزين عن تصحيح مفهوم واحد أو درء تهمة واحدة… مشكلتنا أن خطابنا الإعلامي رغم ضعفه فهو يتوجه للداخل … نحن (أهل قرية كل يعرف أخيه) فعلينا أن نتوجه للخارج لمن نحن بحاجة لهم.

وأكد أ. عبدالله الضويحي في ختام مداخلته على أن لدينا فرص كبرى لم نستثمرها أبرزها الأفراد من عمالة وحجاج ومعتمرين فهم خير وسيلة إعلام من خلال الصدق في التعامل معهم وتحسين صورتنا أمامهم. كما أن لدينا مشاركات رياضية ومناسبات لم نستطع استثمارها الاستثمار الصحيح. كذلك لدينا العديد من الفرص نضيعها لأننا لا نتنبه لها إلا في الوقت الضائع أو بعد أن يطلق الحكم صافرته. وأخيرا فإن لدينا العديد من الحلول ولدينا الإمكانات لكن كما قال أ. أسامة ( من يعلق الجرس !؟ )

ومن جهته أوضح د. إبراهيم البعيز أنه وفي عام ١٩٨٠ كان في المملكة أقوى مرسلة إذاعية في العالم موجهة إلى أوروبا (في مدينة طريف) تبث برامج الإذاعة السعودية بلغات متعددة (أوروبية) لكن لم يكن لها من تأثير. وأضاف د. إبراهيم أن الإعلام الموجه تجاوزه الزمن نحن الآن في عصر الاتصال والتواصل الثقافي وهذا ما أدركته تركيا وكوريا وسنغافورة وغيرهم من الدول … هذا عصر التواصل الثقافي ضمن ما بدا يعرف بالدبلوماسية العامة (الشعبية) .. وقال د. إبراهيم كذلك: كدت أضحك حتى البكاء عندما شاهدت المذيع السعودي على قناتنا الفارسية الحديدة … قنوات بريطانيا وفرنسا وروسيا لم تكن عاجزة أن تجد مواطنين يجيدون العربية … لكنها وظفت مذيعين ومذيعات عرب … هم يدركون أهمية القواسم المشتركة مع الجمهور المستهدف … نحن مهووسون بالسعودة حتى في الإعلام الموجه للأجانب.

أما مداخلة أ. هيا السهلي فبدأت بتوطئة تضمنت الإشارة إلى أنها لا تريد أن تغرق في مقدمات بديهية ونظريات إعلامية وكلام يطول عن أهمية الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والتقدم التكنولوجي إنما ستتناول الموضوع بلغة ممارس إعلامي غير أكاديمي وبنقاط قد تتفاوت من حيث الأهمية، لكنها في نهاية الأمر تصب في اتجاه تجنيد الإعلام لخلق صورة ذهنية مضيئة للسعودية وقوية تجعل لها موطئ قدم لا ينازعها فيه أحد كما يلي:

  • صناعة الحدث:

الإعلام اليوم هو صناعة الحدث وإن لم تصنع الحدث صنعه غيرك، وإن لم تحول الحقائق وتجعلها ملائمة لقرارك السياسي تناوله الآخر كوسيلة ضغط عليك!.. للأسف إعلامنا يتعامل مع الحدث باعتباره موضوعا إخباريا فقط ولعل آخر مشاهد التعامل هو نقله لحادثة التدافع بمنى كخبر حتى البرامج التلفزيونية عندما حاولت تناقش أبعاده وتفاصيله أخذت طابع الحديث الإنشائي والترويجي المباشر ولغة واحدة واتجاه واحد. وتوجه الإعلام للداخل أكثر منه للخارج مع أن جل المصابين من جنسيات غير سعودية وكثير منهم جنسيات غير عربية.

ابتعدت البرامج والتغطيات الإعلامية في الوسائل الإعلامية عن الاحترافية ونقل أبعاد الحدث وتحليله ومسح الصور التي علقت في الأذهان عن موسم الحج وجبت محاسنه السنين الماضية… في السابق كان الخبر بلاغا وعددا كميا، وتحول مع التطور النوعي للتكنولوجيا إلى صورة ومشهد تدرك تفاصيل الحدث وتتفاعل معه وتجيش العواطف الإنسانية وأصبح من هو خارج الحدث في قلب الحدث بما يحرك وجدان الشعوب في جغرافيا مختلفة فضلا على أن الصورة قد تقتص جزء من الحدث والمشهد الذي ينقل صورة سلبية.

  • أولويات التوجه الإعلامي :

طغى الإعلام الوقائي في خطابنا الإعلامي فبرزت خطابات الالتفاف علي القيادة وأنه شر أحيط بنا وأوشك يقترب حتى أثار الرعب وأوهن الثقة وكأننا قاب قوسين أو أدنى من الهلاك ، لا أقلل من شأن الخطاب الوقائي ولكن التوجه للإعلام المضاد أولى بدحض افتراءاته وإشغاله بنفسه “داوها بالتي كانت هي الداء “. كما أن الأولى من التوجه للإعلام المضاد هو التوجه للإعلام الخارجي بكافة جهاته والمؤسسات والمنظمات الحقوقية الدولية التي تحرك الرأي العام والعالمي بشجبها وتقاريرها على الإعلام الوقائي أكثر من الإعلام المضاد.

  • الخداع الشامل : 

إذا كنا نسعى في المحافل الدولية لمكافحة أسلحة الدمار الشامل وامتلاك إيران لها، فإننا لم نسعى سعيا حقيقيا في مكافحة إعلام الخداع الشامل الذي تمتلكه إيران وتتمدد به في الدول المستهدفة. يقول نديم قطيش في مقالة له تقصير الإعلام السعودي ” ليس خافيا حجم الإنفاق والرعاية الإيرانية للإعلام المعادي للسعودية. يكفي إحصاء عدد الفضائيات التي تستضيفها الضاحية الجنوبية لبيروت، برعاية مباشرة من حزب الله، بالإضافة إلى الفضائيات العراقية، دعك من الصحف والمعلقين الذين لا يطل أحدهم في الإعلام إلا رئيسا أو مديرا لمركز بحوث سياسي أو استراتيجي أو عسكري أو إعلامي، فيما وظيفته تقتصر على الشتيمة والتجريح وكسر الهيبة. هذا عدا عن رعايات مباشرة لضباط وقضاة وأصحاب مواقع نافذة داخل هذه الدولة أو تلك “.

  • القوة الناعمة :

إذا كنا استخدمنا القوة الخشنة لمحاربة التغلغل الإيراني في اليمن فإيران استخدمت القوة الناعمة لمحاولة إيقاف الحرب وشيطنة السعودية فإدارة الإعلام في “عاصفة الحزم ” اقتصرت على متحدث عسكري ينقل إيجاز المعركة ويفترض أن يوازيه متحدث سياسي – إن جاز التعبير- بالإضافة إلى قصور في المنتج الإعلامي للعاصفة وما يفترض أن يصرح به ويتداوله الإعلام والإعلاميين ويعلمه الناس وما لا يفترض أن يتناقله الإعلام الرسمي وغير الرسمي ، أذكر أن مانشيتات إعلامية وتحليلات عسكرية لضيوف برامج تلفزيونية استخدمت ألفاظا ومفردات وروايات لا تخدم “عاصفة الحزم” وتحولها من إنقاذ لليمن والشعب اليمني إلى عدوان وانتقام خاصة مفردات الإعلام التي ظهرت بعد تفجير “معسكر صافر” ، سننتقم ، سنرد بعنف ، سنأخذ بالثأر ، سندك صنعاء حجر حجر….إلخ، ومن المعلوم أن الحوثيين شرذمة تتفرق في اليمن وحربنا مع عصابة وليس مع اليمن والمدنيين.

كذلك فإن لدينا أداة فاعلة وسريعة المفعول من أدوات القوة الناعمة وهي العمالة الوافدة التي بلغت في آخر الإحصائيات أكثر من ١٠ ملايين وافد ونضيف عليها الحجاج والمعتمرين من غير السعوديين كيف نخلق منهم سدا إعلاميا منيعا وأداة إعلانية وإعلامية للسعودية خاصة في ظل التقنيات الحديثة من تطبيقات الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي؟…هؤلاء ناقلين للحدث بسرعة تفوق القنوات والصحف وعندما تخاطبهم بلغتهم ستكون المصدر الموثوق لهم في هذا البلد… أذكر أن الخادمة في منزلي تنقل لي أحيانا الحدث قبل أن أسمعه ومحرف إما تنقله عن “الفيسبوك ” أو من أصدقائها بالهاتف أو من أهلها في بلدها البعيد! وأذكر أن الحملات الإعلامية التي قادتها وزارتي الداخلية والعمل لتصحيح أوضاع العمالة المخالفة كانت معظم الرسائل الموجهة وخاصة “أس أم أس” باللغة العربية ! مع أن المخاطبين غير متحدثين باللغة العربية !!

  • الإنتاج الإعلامي :

مع وفرة المحتوى والصور والمشاهد والأحداث والقصص الإخبارية في أزماتنا الإعلامية لم يقابلها صور من الإنتاج الإعلامي المحترف يستهدف المشاهد العربي والأجنبي بلغاته المختلفة سواء ببرامج تلفزيونية أو علي مواقع التواصل الاجتماعي في صور تقارير ملفتة.

في المواسم الدينية تتوحد القلوب وتتجه الأنظار في العالم الإسلامي إلى قناتين سعوديتين تنقلا صلاتي الحرمين الشريفين وهنا فرصة لنشر الرسالة الإعلامية. ولا ننسى أن الحج أكبر وسيلة إعلامية تخدمنا قال الله تعالى “وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق” والأذان إعلام… نحن بحاجة إلى خريطة طريق معلوماتية لإعلامنا لا تنقل المعلومة فقط إنما تنشرها و تفسرها وتحميها.

وفي مداخلة لاحقة أشارت أ. هيا السهلي: إلى أن السعودية في السبعينات والثمانينات أفضل أداء في إعلامها الخارجي من الآن مع شح الأدوات الإعلامية في تلك الحقبة مقارنة بمطلع هذا القرن ! .. سبق وإن سجلت السعودية مواقف إعلامية – فلم توفق بإصابة الهدف – لكنها حتما استخدمت الأداة الصحيحة في علم الاتصال .. ذلك الموقف هو في عام ١٩٧٣م حينما قادت رفع أسعار النفط بنسبة ٧٠٪ وخفض إنتاجه وإيقاف تصديره للولايات المتحدة  كرد فعل في دعم الكيان الصهيوني ، في هذه الأزمة لجأت السعودية والكويت لمخاطبة المجتمع الأمريكي بصورة مباشرة لتصحيح الصورة التي رسمتها أمريكا عن المتسبب في الأزمة ، فوجهت رسالة مفتوحة إلي المجتمع الأمريكي – في صورة إعلان من صفحة كاملة في الواشنطن بوست تناول الإعلان النخوة العربية التي تأبى قبول إهانة أخوه الفلسطيني ، في نفس الوقت للنظر كيف تعامل معها الموقف الأمريكي برد ناسف احتوى إحصاءات دقيقة عن آثار قطع النفط على حياة الأمريكيين في إعلان مشابه في نفس الموقع وبنفس الحجم ! ولا نغفل أن المراكز الثقافية والدعوية خارج السعودية التي تبنت مشاريعها أو قامت بتمويلها لها دور القوة الناعمة. ولو قلنا أفضل موقف أو قصة تمثل (الهدوء الذي يسبق العاصفة ) لكانت عاصفة الحزم بلاشك !

وأضافت أ. هيا السهلي أنه وكما جاء بمداخلة أ.عبدالله الضويحي وتناوله أهمية الإعلام وأن الحرب تحسم إعلاميا قبل أن تحسم ميدانيا ودور الإعلام في سقوط الدول فإن الإعلام يفسح الميدان ، وهذا أسلوب انتهجه تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وهو ما يجعل المدن تتساقط تباعا لها وتسلم الجيوش. والرسول صل الله عليه وسلم قال “من قال هلك الناس فهو أهلكم” . فقد كانت أمريكا تحشد الرأي العام لتأييد الحرب علي العراق واعتمدت في حربها النفسية ضد العراق بخارطة طريق لبناء معلوماتها التي تريد نشرها عبر وسائل الإعلام ومحاصرة المعلومة الحقيقية ومنها تعمد قصفها لمكتب الجزيرة في بغداد. وفي المقابل لم تتبع السعودية في عاصفة الحزم أي استراتيجية إعلامية واضحة ومرتبة وعلى أسس وأولويات قبل الحرب وأثناء الحرب. ففاجأت العالم دون استراتيجية إقناعية تعرض فيها معاناة الشعب اليمني وخطر إيران الذي يحيط بالمنطقة. أما بشأن مهنة المتاعب اتفقت أ. هيا مع أ. عبدالله بأنه ينطبق عليها المقولة التي شاعت في التسعينات وهي أن الصحافة (مهنة من لا مهنة له).

واستكملت أ. هيا السهلي طرحها بالإشارة إلى أنه خلال السبعينات انشغلت السعودية في قضايا متتالية وكبيرة بين المفاوضات العربية الإسرائيلية والتنافس بين القوي العظمى من تصاعد أسعار النفط ونزاعات عربية والثورة الإيرانية كثفت الحركات الدبلوماسية على الرياض بالإضافة للنهضة والطفرة الاقتصادية بذلك العقدين. ومع ذلك كان الخطاب الإعلامي والسياسي متوازيين ومتناغمين وفاعلين حتى خطابنا الثقافي كان مشتعلا ، والابتعاث ، وتواجدنا رياضيا بتحقيق كؤوس وتأهل لكؤوس عالمية ، ومؤسستي الحياة والشرق الأوسط ومقرهما لندن، وهما تخاطبان الجمهور العربي بلغة مهنية متحررة من تقييد الخطاب الذي تعاني منه بقية الصحف العربية كل هذه الظروف صنعت نجوما إعلامية بطريقة أو أخرى ولم يكن نجمنا الوحيد أحمد زكي يماني… حتى بلغنا منتصف الثمانينات وبعد حادثة الحرم  وبدايات الصحوة تحديدا أفلت النجوم التي حركت المشهد الإعلامي الداخلي والخارجي فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومنهم لم يبدلوا تبديلا ( الغذامي نموذجا ) ، ولعل تغلب خطابنا الدعوي خارجيا وداخليا كان على حساب خطابنا السياسي والإعلامي فكان أنشط من الأخيرين (شخصيات دينية تستضيف وتصلح العلاقات بين الأحزاب في أفغانستان ) ومن هذا فقد خطابنا الإعلامي مرونته خارجيا ، ولم نستطع التصدي للتصريحات للحملات الإعلامية ضد المملكة خاصة تلك تصفها بالإرهاب بعد ١١ سبتمبر (ربما أننا سنتصادم مع نجومنا الدينية !!) تلك النجوم التي صنعتها الصحوة تفردت  بخطابنا داخليا وخارجيا وغابت معها نجوم السبعينات والثمانينات وحتى الحراك الثقافي والفني فغابت المسارح والمسلسلات ذات القضية العميقة والحبكة ( مسلسل حضيض  نموذجا ) (مسرحية تحت الكراسي ) وأصبح لدينا مثقفون وفنانون يلعبون على التيارين فيتبنى قضية لا لقيادة المرأة للسيارة حتى يكسب الجماهير السلفية  ثم ينقلب على موجات الإصلاح ومحاربة التطرف وتحفيظ القرآن ! للتجديف مع التيار الليبرالي . ومع أن التاريخ يعيد نفسه بأحداثه وظروفه حروب وإيران ونفط ، بل هذا الوقت السعودية تقود الحرب، إلا أنه لازلنا منكفئين على الداخل وحتى في الداخل الخطاب متشتت ، كل خطاب مشغول بمحاربة الآخر عن صناعة النجوم والحدث.

واتفق أ. عبدالله بن كدسه حول ما تضمنته مداخلة أ. هيا السهلي بخصوص طغيان الإعلام الوقائي في خطابنا الإعلامي بالإضافة إلى افتقادنا لأدوات القوة الناعمة. وأشار أ. عبدالله أنه ومن خلال متابعة وسائل الإعلام الدولية نجد بوضوح تواجد إسرائيلي وإيراني في معظم القنوات المؤثرة وتحديداً في البرامج الناجحة في أوقات الذروة .. نجد على سبيل المثال إيراني مثقف مستقل يفهم العقلية الأمريكية ويتحدث بطريقتهم ولهجتهم وقيمهم ويقنعهم بمداخيلهم الإقناعية في CNN أو ABC أو NBC وغيرها ، مبرراً لما تقوم به بلده ويدافع عن قرارتها ويهاجم أعداءها مخاطباً الرأي العام الأمريكي .. وتجد غيره في ال BBC يتحدث للبريطانيين بلهجتهم وطريقتهم وكأنه منهم ويقوم بنفس الدور .. وكذلك في فرنسا وألمانيا وروسيا وربما حتى في الصين .. وهذا يصنع قبول أكثر لدى الجمهور .. هذا العمل لا يمكن أن يكون عشوائي بل هو خطه ممنهجة للتأثير على الرأي العام العالمي خاصة أن  هذه الدول دول ديموقراطية تحكم فيها الأحزاب وتأتي قرارتها بناء على ما يؤمن به شعبها في الغالب. وضرب أ. عبدالله مثال هنا لشخص يمكن تجنيده حتى تتضح الفكرة أكثر حيث قال: لدكتور عبدالله الشمري شخص عاش في تركيا يفهم توازناتها السياسية ومطلع على حياة الأتراك ويعرف قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ، يجيد اللغة التركية بطلاقة ويملك علاقات جيدة مع رجال السياسة والإعلام .. عندما يخرج مثل الدكتور الشمري للحديث مع الأتراك بشكل مستقل ويدعم قرارات وطنه لاشك بأن التأثير سيكون أقوى على الشارع التركي وبهذا نصنع اتجاه ايجابي للمملكة .. شخص يتحدث للأمريكان مثل الوزير عادل الجبير سابقاً قبل توليه سفارة المملكة في واشنطن .. شخص مثل الدكتور محمد السلمي عاش في طهران ومطّلع على الشؤون الإيرانية يتحدث للإيرانيين .. شخص مثل الدكتور فهد الحارثي يتحدث للفرنسيين .. والأمثلة كثيرة لمثقفين سعوديين مستقلين تتعاون الهيئة معهم لتحقيق أهدافها … وهذا يجب أن ينطبق على كل دول العالم .. يجب أن يكون هناك تواجد سعودي في القنوات المؤثرة في كل دولة.

كذلك فقد أشار أ. عبدالله بن كدسه إلى أنه يبدو واضحاً أننا نتفق بأن هناك خلل ما يحول دون إيصال صورة جيدة أو اتجاه إيجابي عن المملكة في العالم .. ونتفق جميعاً كذلك على رغبتنا في صناعة صورة جيدة عن المملكة عند شعوب العالم وقياداته .. ونختلف على آلية عمل الإعلام الخارجي ومدى جدواه في عالم اليوم .. رغم أنه لازال مُصر على أن صناعة التأثير تتم عبر مجموعة من الخطوات – الإعلام الخارجي أحدهم – وأن الإعلام وحده لا يستطيع أن يوجد هذا الاتجاه الايجابي المنشود نحو المملكة.

حلول عملية مقترحة لإيجاد إعلام خارجي مؤثر

برأي أ. عبدالله بن كدسه فإنه وإذا كان أحد تعريفات الإعلام هو محاولة إحداث أثر على الجمهور فلابد من استخدامه للتأثير على شعوب المنطقة والعالم .. نختلف في الآلية أو طريقة هذا العمل .. وهنا يأتي دور المتخصصين ” منظرين ومهنين ” لرسم استراتيجية اتصالية عامة تُحدد فيها الأهداف ثم يبدأ العمل على المبادرات .. وإذا اتفقنا بأن الهدف الأعلى لجهاز الدبلوماسية العامة هو بناء اتجاه ايجابي وصوره ممتازة عن المملكة لدى شعوب العالم فهذه مجموعة من الحلول العملية المقترحة لوجود إعلام خارجي مؤثر:

  • أولاً : التواصل مع كافة الوسائل الإعلامية المؤثرة في العالم وبناء علاقات جيدة بأي وسيلةٍ كانت.
  • ثانياً : تعزيز العلاقة مع النخب الأجنبية التي تؤمن بمشروع المملكة ولديها اتجاه إيجابي نحوها ودعمهم للظهور في وسائل إعلام بلدانهم  لبناء صورة جيدة عن المملكة .. التأثير في الآخر على مستوى رسمي، هو جزء صغير من اللعبة. التأثير الحقيقي يأتي عبر صناعة رأي مؤثر يخدمك، عبر أشخاص يشبهونهم ويعيشون بينهم.
  • ثالثاً : تأهيل وتجنيد مجموعة من المثقفين السعوديين المتعمقين في سياسات بعض الدول حول العالم يتم التنسيق لهم ومساندتهم  للحضور والتواجد الإعلامي لتناول المواضيع التي تخص المملكة بكل موضوعية وشفافية بعيداً عن المدح المباشر.
  • رابعاً : فهم ثقافة المجتمع “الجمهور” المستهدف وديموغرافيته وبناء عليه يتم صناعة المحتوى الإعلامي الموجه.
  • خامساً : سرعة تلبية طلبات أي وسيلة إعلامية تود المجيء للمملكة وإتاحة الحرية لهم بالتنقل وتسهيل مهمة لقاء المسؤولين.
  • سادساً : قطع الطريق أمام المصادر المشبوهة التي تزود الصحفيين الأجانب بالمعلومات وذلك بفتح المجال وإتاحة المعلومة حتى ولو  كان فيها نقداً موضوعياً ضد المملكة.
  • سابعاً : هناك جهات أخرى على مستوى الدولة يجب أن تقوم بدورها على أحسن وجه.
  • ثامناً : فتح قنوات ناطقة بلغات عالمية فكرة تقليدية جداً ولا نعتقد أنها ستلقى نجاح في عالم اليوم .. إضافة إلى التكلفة العالية التي يحتاجها مثل هذا المشروع ويمكن الاكتفاء بعمل صحف الكترونية سعودية بلغة كل بلد مستهدف .. ما نراه مجدي أكثر هو شراء أوقات في أفضل برامج الحوارات في القنوات المؤثرة ” ABC, BBC, CBS, FOX, NBC, USA, France 24, France 2 ” وغيرها الكثير من كل العالم والظهور من خلالها وإظهار رأي وموقف المملكة من قضايا الساعة من مثقف سعودي مستقل أو من النخب التي تدعم سياسات المملكة من ذات البلد.

وأوضح أ. عبدالله بن كدسه أن الهدف هو صناعة إعلام خارجي مؤثر .. إعلام مبادر لا إعلام ردة فعل .. إعلام يصدّر قيمنا واعتدالنا لكل العالم .. إعلام يتناسب مع مكانة المملكة السياسية والاقتصادية والدينية والعسكرية بل حتى التاريخية .. اختار الله هذه الأرض لتكون منبع لآخر رسالاته وبهذا تكون المسؤولية مضاعفه علينا لأن نكون بحجم ما يجب أن نكون عليه.

المحور الرابع

حادثة تدافع الحجاج بمنى

قراءة تحليلية ورصد لمواطن الخلل:

أشار د. عبدالله بن ناصر الحمود إلى أن الإشكال الأكبر في حادثة التدافع في منى، أن إنكار الجهود العظيمة وغير المسبوقة للمملكة على مر العقود الماضية في عمارة المشاعر وتجهيز البنى التحتية الكبرى، يعد نكرانا للجميل، وعقوقا عظيما. وفي الوقت ذاته، لا يمكن الإقلال من مسؤولية أجهزة التخطيط والتنظيم والتنفيذ في ما حدث من وفيات وإصابات. والأمر جد خطير وسيكون دولة بين ثلاث تيارات. الأول موال للدولة ومجامل جدا جلها،  ومغلب لمصلحة تلك الأجهزة، وبالتالي سوف يهون من الأمر، ويعظم جهود الأجهزة. والثاني، موال للوطن بكل أجهزته، لكن سوف يحبطه جدا ما حدث وسيسعى للتحليل والنقد، ويورد جملة من الحلول ستكون على عدة مداخل، أهمها اثنان: ما هو من داخل الصندوق، بمعنى حلول للأزمة و ردات فعل إجرائية، وما هو من خارج الصندوق ينظر للحج كمهمة ويعيد التفكير في إدارتها دون الاعتبار لما هو قائم بالضرورة. أما الثالث، فهم المتربصون.  وهؤلاء كثير في الداخل والخارج، سينقضون على كل جهد سابق وراهن للدولة، وسيسعون لاصطياد الحدث فهو ذريعة كبرى لمريدي الاختراق لمجتمعنا والنيل منا.

وأوضحت د. الجازي الشبيكي إلى أن المملكة تبذل جهود جبارة لخدمة الحجيج وحصول أخطاء بين حينٍ وآخر أمر متوقع أمام تجمع الملايين من الحجاج في أماكن محدودة ، ولكن تلك الأخطاء تعد قليلة قياساً للإيجابيات والانجازات بحمد الله ، ولا يخفى الهجمة الإعلامية القاسية على بلادنا في مجال الحج وغيره ومناداتهم بين حينٍ وآخر بتدويل الأماكن المقدسة وهذا أمر لا نقبله جميعاً كوننا نتشرف بخدمة الحجاج ونعتز بها. والبلاد في  هذه الفترة  في ظروف صعبة على عدة ثغور ( الحرب والإرهاب والاقتصاد وغيره ). كذلك فقد أكدت    د. فاطمة القرني على أن الدولة تبذل جهداً كبيراً من قطاعات عديدة، ولنا أن نقارن أي تجمع رياضي معد له من سنوات وما يحدث فيه من كوارث متكررة وبين نسبة نجاح تسيير الحجاج في منطقة صغيرة صعبة التضاريس كمكة !!..

ومن جانبه أشار د. حمد الماجد إلى أن الكيان فعلا مستهدف والمغرضون الذين انتهزوا حادثة التدافع المؤسفة كثر.. لكن خطوات الدولة نحو مأسسة أعمالها وترتيب مشاريعها الكبرى ودراسة خططها الاستراتيجية ومغالبة الفساد، ما برح يسير بخطوات متثاقلة، السؤال المطروح هو : كيف نرسم الخيط الرفيع الذي يفصل الوقوف الواجب مع الوطن ضد مكائد المغرضين في الداخل والخارج من تعزيز مبدأ المساءلة والشفافية في كشف مكامن الخلل في الكوارث التي تقع كمشكلة التدافع؟

بينما أوضح أ.د. عبدالرحمن العناد أنه يختلف تماما مع سياسة الضعف ضد الانتقادات والحملات الخارجية وفي نفس الوقت لا يتفق مع استغلال الحج للدعاية الممجوجة رغم كثرة المشاكل وسوء التنظيم وإصرارنا على التطبيل حتى عندما تقع الكوارث.

واتفق أ. خالد الحارثي مع ما ذهب إليه أ.د. العناد حيث قال: إذا كنا سنتهرب من المسئولية عن التقصير في مراقبة الجودة والأمن والسلامة وتفعيل المراجعة والمحاسبة عند حدوث كارثة فهذه كارثة ، الحج سيبقى تحدٍ كبير رعايةً لسلامة الأرواح ومساهمة في رفع مستويات الرضا والغبطة في أداء هذا المنسك العظيم ، ولولا هذا النقد لما أنجزنا منشأة الجمرات على سبيل المثال ، النقد هو أولا محاولة للفهم وتفسير هذه الكوارث ، من لا يهتم ليس علينا الزج بالاهتمام في قلبه ،  إذا تمكنا من فهم أدوات وكوادر الإدارة وعمقها المعرفي على الأقل يتضح لنا الفشل بدل التعويل على وهم ، وهذه ليست تهمة للأشخاص فالكل مجتهد بكل طاقته ومأجور بإذن الله وفوق كل ذي علمٍ عليم.

وأكد د. سعد علي الشهراني على أنه يتفق مع القول بأن “التطبيل” و تبرير الأخطاء والسكوت عليها أيضا مرفوض، لكن لدينا ما نفتخر به و لدينا انجازات … نعم لدينا مشاكل حقيقية و معظمها إداري بالمعنى الواسع للإدارة الذي ينظر لقضايانا و مشكلاتنا السياسية والاقتصادية على أنها قضايا إدارية أساسا.. الأفضل أن نترك الأعمال والأفعال تتحدث ولكن نحتاج أن يعرف أصدقاؤنا و أعداؤنا معا ما حققناه و يجب ألا نسمح بأن تشوه مواقفنا و أوضاعنا… الحجاج هم سفراؤنا .. وتساءل د. سعد: هل نسمح لأعدائنا و المغرضين أن يستغلوا كل حادث أو تقصير أو خطأ أو أن يقلبوا الحقائق أو يغمطوا الجهود المبذولة وهو خيالي بكل معنى للكلمة!

وذكرت أ. ليلى الشهراني أن التركيز على القصور يخدمنا أكثر من تعداد الانجازات ، فالجهود المبذولة ملاحظة ، لكن شرف المكان وشرف خدمة ضيوف الرحمن يستلزم الاستفادة من النقد السنوي ، ومحاولة تفاديها في كل موسم.

وقال أ. أسامة نقلي: لا أحد يختلف مع أهمية النقد ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ كيف يمكننا أن ننقد دون أن نعطي أعدائنا في الخارج طُعْماً للاصطياد في المياه العكرة ومحاولة زعزعة أمننا واستقرارنا.

وأضاف أ. مطشر المرشد: الكل متفق بأنه حادث تدافع و قدر لا يمكن لأي إنسان سوي أن يتمنى حدوثه .. لكن أيضا أرى أن النقد الصادق وفي التوقيت الصحيح يجب أن لا يقمع … وأضاف د. عبدالسلام الوايل: ثمة مناخ غير مريح في وسائل التواصل الاجتماعي لاسيما تويتر. تركيز في غير محله على إدانة النقد. النقد مظهر من مظاهر أي مشكلة. هذا شيء طبيعي حتى لو لم يكن النقد دقيقا أو مصيبا… حتى النقد المستعجل ظاهرة مصاحبة للمشكلة. لا يجب أن تركز الجهود عليه أو يتم استنكاره بداهة.

وأوضح أ. عبدالله الضويحي أنه رغم ما ينشر على الواقع من نقد أو تطبيل .. هناك تقارير وتصوير ورصد حقيقي لكل السلبيات وموثق يصل للمسؤول الأول عن الحج وشؤونه. وأضاف أ. عبدالله قوله: عندي قناعة وإيمان مطلق بأن خير وسيلة إعلام للحج هي الحاج نفسه إذا استطعنا خدمته على الوجه المطلوب. لكن في الوقت نفسه نحن أمام مشكلتين:

  • أولا: الحاج نفسه فنحن نتعامل مع ثقافات ومستويات مختلفة وكل حاج يعتقد أنه الوحيد في مكة وأن جميع الخدمات يجب أن تسخر له  دون نقص أو عيب وأنها (غصب) عنا.
  • ثانيا: نحن أمام جهات تنتظر أدنى خطأ وإن كان غير مقصود أو طبيعي الحدوث بل أن هناك من يسعى للتخريب والتعطيل في الحج  لتستثمره في الإساءة للمملكة وعدم قدرتها على إدارة الحج والمطالبة بتدويله.

وبرأي أ. عبدالله الضويحي فإن هناك تساؤل مهم: على مدى السنوات الماضية .. كم موسم حج انتهى على خير دون منغصات أو أحداث كبرى !؟ وكم موسم حصلت فيه بعض الأحداث منها ما هو خارج عن الإرادة ومنها غير ذلك !؟ المشكلة تضخيم ما يحدث من أخطاء وتجاهل ما يحصل من إيجابيات.

وذكر د.م. نصر الصحاف أن التطبيل ومدح أنفسنا والإشادة الذاتية لما هو واجب يحتمه موقعنا الدولي كقبلة للمسلمين يرجح الكفة التي عرج عليها د. العناد بأنه يجب أن نبذل الأكثر والأكثر في سبيل راحة ضيوف الرحمن بدون منة أو إشادة فهو واجب في المقام الأول ولا ننسي أن المعيار ليس ما نراه كمواطنين بل ما يراه الزوار وحتى غير الزوار عبر نافذة العالم التي يصعب التحكم بها في ظل وسائل التواصل الإعلامي الخاص والمتاح للكل….إن ما قد نراه منجز هو غير ذلك من وجهة النظر الدولية لذا وجب علينا في هذه الظروف بذل المزيد والمزيد دون الالتفات إلى الاشادة أو المديح There’s plenty of time for that later!

أما د. خالد الرديعان فيرى أن القضية هي أن سيادة البلد مهددة ومكمن التهديد أن هناك من يزعم بوجود قصور في الخدمات المقدمة للحجاج… ماذا نفعل والحال كذلك؟ ألا تستطيع إيران أن تؤلب علينا عشر دول إسلامية لتخرج بقرار أننا عاجزين عن إدارة الحج؟، إن من الضروري أن يقوم الإعلام بإبراز كل الجهود المقدمة للحجاج.

ومن جهته قال د. عبداللطيف العوين: لا أتفق مع الطرح أن الحج يسير دون تنظيم ولا تخطيط وأنه بالبركة فاللجنة تعمل من محرم وهي تعلم أنه بعد عشرة أشهر تكون منتهية ، بل إن تنظيم الحج برغم ما يعتريه هو أفضل ما يتم فيه المنظور الوطني بشكل شامل لكافة الوزارات .. يمكن أن يكون الإعلام مقصر نعم ، كما في غير مجال الحج.

ومن جانبه تساءل د. حسين الحكمي: ما هي المعايير التي من خلالها يمكن قياس نجاح الحج وبأي درجة؟.. وفي سياق تعليقه قال د. حسين: الطرح بشكل عام لا يتجاوز التنظير وطرح آراء ، والسبب أن كل منا ينظر للموضوع من زاوية مختلفة موجودة في ذهنه ، ولم تطرح بشكل واضح ومحدد ليتم مناقشتها. عدا ما ذكر عن الجانبين الإداري والإعلامي لا أرى فيما ذكر شيء واضح يمكن أن نبني عليه نجاح أو فشل كجوانب مطلوب قياسها. بالتأكيد هناك عمل وجهد ومال ووقت يبذل والكل يسعى أن يحقق النجاح ، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه. هذا جهدهم وهذا ما وصلوا له. إن كنا نرى أنهم أخفقوا فعلينا أن نقول لهم أخفقوا في ماذا وما الذي يجب أن يفعلوه ليتجاوزوا هذا الإخفاق. أستطيع وبكل بساطه أن أقول أن أمريكا فاشلة وأسكت أو أطرح كلام عام وبعض أمثلة عشوائية لا يمكن قياسها أو أنها لحالات فردية. لنعرف إن كان الحج ناجحا أم لا، علينا أن نحدد معايير وأهداف نسعى لتحقيقها مع نهاية موسم الحج . مثلا: ، طبيا ، عدم انتشار أي مرض وبائي ، عدد الوفيات لا يتكون بسبب أخطاء تنظيمية … الخ.  أمنيا ، عدد الحالات الجنائية والمخالفات في مستوى معين أو أقل . تنظيميا ، التنقل بين المشاعر بشكل منظم في ظل الإمكانات المتاحة دون أضرار أو تأخير فيصل كل الحجاج إلى عرفة يوم التاسع في ساعة معينة ووصل أي حاج بعدها يعني درجة من عدم تحقيق الهدف.

واستكمل د. حسين الحكمي بقوله: إن المقابلات التلفزيونية مع الحجاج وكلامهم الجميل عن الحج ليس مقياسا لكنه شيء إيجابي. كما أنه يعبر عن وجهة نظر الحاج نفسه المبني على توقعاته السابقة التي وضعها. مثلا ، قبل سنوات حججت مع إحدى الحملات مع والدتي حفظها الله ، فكنت أتحدث عن بعض التقصير في الخدمات التي تقدمها الحملة وكان أبرزها المواصلات في يوم عرفة ، كان ردها مختلف بشكل كبير عما في بالي ، فهي ترى أن “الأجر على قدر المشقة” ، وتقارن حج ذاك العام بالصعوبات التي كانت موجودة قبل سنوات سبقت عندما ذهبت للحج مع والدي ، حفظه الله ، وكنت حينها صغيرا يحملني أبي على ظهره… توقعاتنا وخبرتنا وخلفيتنا والمعلومات التي لدينا كلها تؤثر في حكمنا على خدمات الدولة في الحج . لذلك وضع معايير يتم من خلالها قياس نجاح الحج يجعلنا أكثر موضوعية ونبتعد عن الذاتية…اللقاءات الإعلامية لا تقدم رأيا حقيقيا ، فعندما يلتقي حاج مصري أو عراقي أو من شرق أسيا مع قناة سعودية أو محسوبة على السعودية فغالبا سيذكر المحاسن فقط. لكن لو كان هناك مقابلات مفتوحة معتمدة على أسئلة أو محاور يُسأل عنها الحاج ويؤخذ رأيه ويتم تحليله عبر دراسات كيفية فيمكن حينها الخروج بدراسة علمية تساعدنا على التطوير والتحسين.

وعلق د. عبدالرحمن العناد على مداخلة د. حسين الحكمي بأن الدولة لا تحتاج إلى التطبيل بقدر احتياجها للنقد لأن الأصل هو تقديم الخدمات كواجب بدون منة ولا يحتاج للكلام عنه ويلزم الحديث عن أوجه القصور.

وجود القصور أمر طبيعي

قال د. مساعد المحيا: لعلي أتساءل حينما يمرض بعض الحجاج في المدينة مثلا أليس جميلا أن تقدم لهم الدولة  العلاج … ثم أليس أجمل من ذلك أن تقدم لهم سيارة إسعاف لتنقلهم للمشاعر ..برغم ضخامة العدد وارتفاعه.. هذا العمل أحسبه مما يحسب لنا ويجب أن يبرز … وو الله لو صنعت ذلك دبي مع بعض المرضى لكان كثيرون يحتفون بهذا …!!  لذا أجد أن من العقل والحكمة أن نقول للمحسن أحسنت خاصة حين يقوم بما ليس واجبا عليه .. إعلاميا حري بنا أن نوظف ذلك فمثل هذه الجوانب الإنسانية لها فعلها وأثرها في نقل الصورة الايجابية عن جهودنا تجاه الحجاج .. أنا من أكثر الناس الذين ينتقدون استخدام الموقف الخطأ واللغة الخطأ والوسيلة الخطأ في الجهد الإعلامي المقدم للحجاج .. وقد كتبت في السنوات الماضية الكثير من ذلك بل وأمقت التطبيل أو أن يغدو المرء طبالا لأي جهد أيا كان ….لكني أحسب أن من أكبر أخطائنا أننا أصبحنا نجلد ذاتنا حتى غدا سيئا ما كان حسنا .. سأكون صريحا بعض الشي وحديثي عام وبخاصة من يمتطون تويتر وسناب شاة لجعل كل منجز محل نقد وسخرية … ربما نكون اليوم بحاجة  لتثقيف الكثيرين  وبخاصة النخب وربما إعادة التأهيل لعدد من الذي استمرأوا الصورة السلبية.

وواصل د. مساعد المحيا طرحه بقوله: الحج عمل تتم كل أعماله وأنساكه في ثلاثة أيام ، وهذا الجهد يكتنفه الكثير من المشكلات الإدارية والمالية والمكانية والتوقيت .. ووجود القصور أمر طبيعي فنحن حين يكون لدينا حفلة في ليلة نعد لها من شهر وحين تدق ساعة الصفر تتوالى المشكلات التي لم نكن نتوقعها … واقعنا اليوم ممتلئ بكثير من أولئك الذين يتجاوزون الأنظمة سواء من الكبار أو من عامة الناس والحج مع هذه التجاوزات تصبح مهمات المسؤولين التنفيذيين فيه صعبة جدا … لاحظ من حولك كم عدد الذين سيحجون دون تصريح ؟؟ من يدرك صعوبة إدارة الحشود وبخاصة حين تكون هذه الحشود تجمع بين الجهل وعدم الانضباط والنظام ووجود الاختلافات الفقهية والاجتماعية والسياسية والثقافية يدرك أن إدارة الحج بما تتطلبه من يقظة أمنية يتطلب الكثير من العمل في بيئة لا تساعد إطلاقا على النظام أو إتباعه .. وكم يؤسفني اليوم أن أرى مثقفين ومتعلمين ودعاة يذهبون اليوم للحج بلا تصريح مع أن هؤلاء هم أقرب الناس للالتزام بالنظام .. مثل هؤلاء لن يلتزموا بأي تنظيم يتم في مكة والمشاعر إن وجدوا فرصة لمخالفته … وحين يمارس ذلك أهل البلد الذين بهذا المستوى فماذا نتوقع من غيرهم ….؟ إعلاميا نحتاج أن نطور لغتنا وأن ننجح في نقل الصورة الجميلة تجاه ما يقدم فعلا للحجاج ولغيرهم .. وأملي غدا أن أجد لدى تلفزيوننا العزيز لغة أخرى في نقل مراحل الحج من كل المشاعر لاسيما وأن العالم يرى غدا كل ما نقدمه وقدمناه .. لضيوف الرحمن .. وأن لا نجد اللغة المتخشبة المكررة والمملة حيث ينقل المايكروفون إلى الزميل فلان من تلفزيون السودان مثلا ثم يقول المذيع أحييكم من صعيد عرفات الطاهر ثم يلقي كلمة مملة لا علاقة لها بالحدث أو المشاهد الحية ..!!  مسؤولية إعلامنا كبيرة وعظيمة وهي ينبغي أن تكون بمستوى الحدث إذ هو يوم الحج الأكبر فحري بإعلامنا أن يكون في جهده ومهنيته كبيرا بل ينبغي أن يكون في يومه الإعلامي الأكبر.

وعلق د. عبدالرحمن العناد على مداخلة د. مساعد بقوله: نُقدر كل ما تقدره لكن المرضى في كل دول العالم ينقلون بسيارات إسعاف هذا من أقل واجبات الدولة على الحجاج. وقال د. زياد الدريس: لدينا خبرة متراكمة في الحج مدتها فقط ١٤٣٦ سنة ، ورغم ذلك ما زلنا نكرر أخطاء متشابهة ” نسبياً ” منذ ذلك التاريخ حتى اليوم !

وأضاف أ. مسفر الموسى قوله: قبل عدة مواسم.. كتبت في تويتر عن تغطية إعلامنا لموسم الحج.. ولا أعلم هل تحسن الحال أم لا زلنا على عهدنا السابق.. وما كتبته وما يكتبه الآخرون هو إيمان بأن مناسبة الحج فرصة كبيرة جدا لنقل مجموعة من رسائلنا للعالم.. وفق استراتيجية واضحة ومحددة المعالم. ومما ذكره أ. مسفر الموسى في مقاله حول التغطية الإعلامية للحج أنه عام بعد عام يثبت إعلامنا المحلي أن هذا الحدث العالمي المهيب أكبر من قدرته.. لم يتعلم هذا الإعلام أن تغطية موسم الحج تندرج تحت مسمى (تغطية الأحداث) بكل أساليبها وفنونها الصحافية المتفق عليها بين جميع المدارس العالمية..  إعلامنا لا يغطي الحدث،، بل يغطي الخدمات المقدمة للحج بأسلوب دعائي فج، ويتغاضى عن كل القصص الإخبارية الجميلة والجذابة. يعتمد إعلامنا على البرامج الحوارية ذات الصوت الأحادي للقيادات في الحج وعلى الرسائل الميته التي لا تقدم إلا صورة باهتة لهذا الحدث.. في يوم عرفة.. حيث قصص المناجاة والدعاء.. حكايا الشيوخ ودموع التائبين.. تنقله قنواتنا وكأنها حصة تعبير أو في أحسن الأحوال مسابقة للحناجر والأصوات من خلال: (وينتقل المايكروفون مع … من جمهورية.. الشقيقة) .. في وقت الذروة.. يهدي التلفزيون نصف ساعة لرسالة ميته ينتجها الحرس الوطني.. ويقدمها جندي بالزي العسكري الخالص.. هذه الدعاية الفجة لا تقبلها شاشاتنا الحديثة.. وكأن إعلامنا ينقل الحج من زاوية أمنية وبهاجس (يالله سترك) بينما هو فسحة إيمانية وربيع زماني متعدد الروضات بانورامي الزوايا.

الحاجة إلى مركز إعلامي دائم

انتهى أ. مسفر الموسى إلى أننا بحاجة ماسة إلى مركز إعلامي دائم لهذا الحدث يكون مستقلا عن وزارة الإعلام يقوم بوضع استراتيجية مهنية للتغطية الإعلامية.. سواء المحلية أو الدولية،، وتقوم بالتنسيق للصحف والمحطات التلفزيونية العالمية للتغطية العالمية،، كما تقوم بتنظيم دورات إعلامية للصحفيين السعوديين لتدريبهم على صناعة القصص الإخبارية والأفلام الوثائقية والمراسلين وغيرها.

السلوك الفردي والسلوك ضمن الحشد

أوضح د. علي الحكمي- اعتماداً على دراسة ميدانية سبق وأن أجراها مع أحد زملاءه عن ازدحام الحجاج عند الجمرات من منظور نفسي اجتماعي – أن حالات التزاحم والتدافع أمر يحصل في المواقف المزدحمة، وأحياناً تكون أسبابه تتعلق بالوضع النفسي أثناء الازدحام، فحالة هلع واحدة قد تنتقل كالعدوى وتتسع حتى يحدث أن يخرج الناس عن فرديتهم ويتحركون كمجموعات، وهنا تحدث الكارثة.

واستطرد د. علي الحكمي بقوله: علينا أن نتأنى في عزو الحادث لأسباب سوء التنظيم أو إدارة الحشود … الحوادث من هذا النوع حدثت في دول متقدمة ومع إجراءات أمن وسلامة مرتفعة وحشود أقل، حدثت في دور سينما وملاعب كرة القدم وصالات وغيرها. الأسباب كثيرة ومنها سلوك الإنسان والتغير فيه أثناء الازدحام الشديد والشعور بالرعب والهلع، وهذا عامل مهم يجب أن لا نستبعده.

وعلق د. حسين الحكمي على رأي د. علي الحكمي بأن سلوك الإنسان عندما يكون منفردا يختلف عنه عندما يكون ضمن حشد أو مجموعة. يبدأ العقل الجمعي بتحريك الجمع حتى لو كان في اتجاه خاطئ. لو قام شخص بتنبيه الناس بأنهم على خطأ وأن الاتجاه الذي هم فيه غير صحيح فإن صوته لا يسمع وربما تعرض للعنف أو الاستحقار. العواطف محرك أساس في تدافع الحجاج ومحاولتهم الرمي في وقت معين ومكان معين دون مراعاة لما قد يحصل من آثار. طغى عليهم العقل اللا واعي فقرروا أنهم لن يتراجعوا وأنهم سيحققون هدفهم أو يموتون دونه لأن غايتهم الجنة وإن ماتوا في مثل هذا المكان وهذا الزمان فإنهم قد فازوا فوزا عظيما. ومن ثم فإن على المنظمين أن يراعوا كل العوامل النفسية والسلوكية للبشر وتوقع أي فعل وكيف يكون التدخل سريعا وفاعلا. إدارة الأزمات فن وعلم لا يجيده أي أحد.

وعبرت أ. فايزة الحربي عن دهشتها بقولها: رغم التنظيم الجيد واستنفار الجهود والعدد الأقل بكثير من الحجاج في الأعوام السابقة يحدث التدافع لدرجة الموت بالمئات أمر مثير للأسئلة.

وفي السياق نفسه قال أ. خالد الوابل: لنا أكثر من خمسين سنة ونحن نعرف أن الحجاج كبار سن وأميين وأن هناك تدافع وافتراش.. لكن ماذا فعلنا نحن طيلة النصف قرن؟ لا تخلو سنة من فاجعة.. الحج شعيرة دينية وإضافة إلى هذا فهي واجهة للعالم يتم تقييمنا بسببها؛ فماذا نحن فاعلون أين هو معهد أبحاث الحج ولجنة الحج العليا؟ إذا نجحنا في الحج تبادلنا التهنئة فلماذا لا نتبادل النقد والمحاسبة في حالة الإخفاق؟

قصور الأداء الإعلامي:

أشار أ. علي عبدالله بن علي وكذلك أ. فايزة الحربي إلى أن القنوات السعودية تعاملت ببرود مع الخبر ولم يحظى بالتغطية المناسبة. وأضاف د. علي الحكمي: إعلامنا يزيد وطأة الأزمة، ولا يسهم في تخفيفها، هناك استراتيجيات للإعلام في أوقات الأزمات والكوارث، يبدو أن القائمين على إعلامنا لا يعون ذلك.

وأكد د. فهد الحارثي على أن الإعلام السعودي هو أولى الناس بشرح ما حدث .. فإذا ترك هذا الأمر لغيره فدونك التكهنات والتفسيرات والتأويلات .. حتى إذا تفاقم الوضع فلات ساعة مندم !! هذا فضلا عن أن عدم إعطاء الحادثة ما تستحق من الاهتمام سيعطي انطباعا أسود عن اهتمام السعوديين بضيوف الحج ! .. بل سيعطي انطباع بأننا أناس غير مبالين.

وأضاف أ. أسامة نقلي: المشكلة ليست في الامبراطورية الإعلامية الموجودة … المشكلة أن إمبراطوريتنا الإعلامية تتحدث مع بعضها البعض، وتفتقد للغة الخطاب الإعلامي الموجهة للعالم، على غرار الإمبراطوريات الإعلامية الأمريكية والبريطانية والفرنسية لذلك فان إعلامنا أصبح شاهدا علينا، لا شاهدا لنا.

و أضاف د. سعد علي الشهراني أن تعامل الإعلام  الرسمي لا يزال متخشبا و متخلفا ومترددا أمام حدث جلل المفروض أن الإعلام العالمي كله يأخذ من إعلامنا… الإعلام الدولي غطى الحدث بمهنية أما التدافع فقد يحصل إذا كانت الجموع كبيرة و يكفي أن يسقط أحد كبار السن أو مريض أو حتى شخص بكامل صحته  فيتساقط فوقه من بعده و يتراكم من بعدهم فوقهم.

كذلك قالت د. سامية العمودي بنفس الرأي تقريبا ما نصه: منجزاتنا كبيرة ولمساتنا الإنسانية أكبر على مستوى الدولة ومستوى الأفراد لكننا نتقاعس عن إبرازها خجلاً وجهلاً وتكاسلاً ولم ندرك قوة الإعلام في تحويل بوصلة الأمم لنفسها وفي نظر غيرها وهذا ما تفوق فيه الآخر علينا. هناك قصور وهناك منجزات وهناك إعلام نائم لو كان إعلامنا بحرفية الإعلام الحقيقي لأبرز المنجزات بحجمها ووقتها يدرك العالم أن القصور لا يقارن بحجم المنجز ليس من باب التطبيل ولكن بالحقائق. كذلك فإنه لو أنفق المال والجهد على طرق الوقاية لكان العبء الاقتصادي والسياسي والنفسي والصحي والمجتمعي أقل مما نتج عن إهمال مفهوم الوقاية.

واتفق د. مساعد المحيا مع الآراء القائلة بأننا على المستوى الإعلامي نحترف التقهقر والارتجال بدلا من أن نحترف العمل التلفزيوني الصحيح .. وأضاف د. مساعد: كيف تجدول قناتنا الأولى الخبر في ذيل اهتماماتها وتهتم بأخبار قديمة ..في حين يفترض في رأيي كمتخصص أن تخصص النشرة كلها له فمثل هذا الحدث أليم وفاجعة إنسانية وفي مكان يعد اليوم قلب العالم حيث الحج والمشاعر وقبلة كل الأحداث .. أليس في إعلامنا رجل رشيد؟ … إعلاميا لا يمكن أن نستخدم لغة النجاح في الحج والاستمرار في ذلك برغم كل الأخطاء وفي الوقت نفسه نحتاج أن تكون لغتنا ونحن نتحدث عن المنجزات لغة لا يتلبسها المن والأذى هذا قدرنا وتلك إرادتنا.

ولفت د. مساعد المحيا النظر إلى أن بعض الحسابات الانجليزية انتقدت كثيرا تصريحات خالد الفيصل وربطه ما جرى بالحجاج الأفارقة .. ومن وجهة نظره فإن هذه الحسابات تتهكم وتقول لماذا تبرئون الحجاج السعوديين … بالتأمل في عدد من هذه الحسابات يتضح ولاءها الإيراني .. إيران تعمل على استثمار الحادث للشغب على المملكة وتشويه جهودها .. نحتاج عمل إعلامي نوعي وكبير وعاجل لا يقوم على فكرة رد الفعل وإنما ليصنع الصورة الجميلة في كل المشاعر المقدسة…. كذلك أضاف د. مساعد المحيا قوله: ما يقلقني كثيرا هو أننا نتقن وبأدوات كثيرة صناعة الأعداء .. وتضخيم العداوات وبخاصة مع من يجمعنا بهم مشتركات كثيرة.

كذلك فقد لاحظ د. مساعد المحيا من متابعته لمجموعة من البرامج والتقارير عبر البي بي سي ميلا واضحا لديها للرؤية الإيرانية ويتضح هذا من خلال متابعاتها وتغطياتها في سوريا والبحرين واليمن وكأن من يكتب ذلك إيرانيون أو ذو ميل إيراني.

وعلقت أ. مها عقيل على هذه الملاحظة بقولها: للأسف البي بي سي منذ فترة طويلة وهي تغطي أخبار السعودية بانتقائية وبطريقة سلبية هجومية… المفروض أن لدينا إعلام خارجي في وزارة الإعلام دوره التعامل ومواجهة الإعلام الموجه ضد السعودية. وأضاف د. علي الحكمي: بالفعل BBC متحيزة، وبدورها أضافت أ. مها: والصحف البريطانية أيضا. وقال م. سالم المري: معظم العرب العاملين في البي بي سي والحرة ومونتكارلو وغيرها بما في ذلك العربية هم من الأقليات وتجد ذلك منعكسا في الغالب على آراء تلك المنابر الإعلامية من القضايا العربية.

وأضافت أ.مها عقيل أن مشكلتنا أننا نتخاطب مع الإعلام الخارجي بلغتنا.. حتى لو أطلقنا موقع واس بالإنجليزية إذا كانت “اللغة” المستخدمة هي نفسها بالعربي فلا فائدة…هناك مكتب إعلام خارجي في الوزارة ولكن هو لا يقوم بدوره كما يجب. وكذلك بالنسبة للمكتب الإعلامي في السفارات. بياناتها موجهة للداخل السعودي وليس للبلد أو القارة التي هو فيها لأن معظمهم إن لم يكن كلهم لا يجيدون الكتابة بغير العربية.

وذهبت أ. هيا السهلي إلى أن من يجهل إنجازاتنا هم غير السعوديين .. ثم مع فعالية اللغة العاطفية التي تنقل تفاني وقصص الإنقاذ جميلة ومؤثرة لكنها بلغت وتظل رسائل “واتساب” ومثل البنج المؤقت ! إن العالم الإسلامي سيظل يحكي قصص ما جرى على مدار العام ويستذكر حوادثه مع كل عام وحج  فكيف يكون إعلامنا الإسفنجة التي تمتص غضب الشعوب لا غضب الشعب السعودي الذي لم يغضب لأنه لم يفقد عزيز بالحج ولأنه يعلم إنجازات بلده ولأنه لن يخرج في مظاهرات ضد دولته !

الموقفان الإيراني والتركي:

  • الموقف الإيراني:

فيما يخص الموقف الإيراني من حادثة تدافع الحجاج أشار د. محمد السلمي إلى أن إيران تعمل بقوة وحماس على كافة المستويات الإعلامية والدينية والسياسية للنيل من المملكة إقليميا ودوليا. ومن ذلك ما قام به وزير خارجية إيران حيث بعث برسالة لكافة وزراء خارجية الدول الإسلامية لإدانة طريقة إدارة السعودية لموسم الحج كما تم رفع مذكرة إلى المحكمة الدولية تطالب بالتحقيق مع المسئولين السعوديين في حادثة منى. وتم استدعاء القائم بالأعمال في السفارة السعودية بطهران ثلاث مرات خلال أيام، هذا غير الحشد الإعلامي الهائل في وسائل الإعلام التقليدية والإعلام الحديث ضد المملكة والمطالبة بتدويل الحرمين. نحن نعيش حالة من الحرب الإعلامية والإعلام يفترض أن يكون على قدر المسئولية الوطنية لمواجهة هذه الحملة الشرسة. الإعلام الإيراني والمأجور يسعى للتأثير على الجمهور وإن لم نعمل بنفس المستوى فسيكسب ونخسر الكثير. قد لا يروق هذا الكلام للمتشبثين بالمثالية والحيادية الإعلامية ونحوه ولكن هو الواقع كما هو دون أي مكياج أو محسنات.

وقال د. حميد المزروع: تعرف إيران جيدا أنه ، وبعد اعتقال الإرهابي المغسل والذي أعتقل في لبنان بأنها سوف تكون تحت ضغط دبلوماسي سعودي وأمريكي لدورها بالعمليات التي حصلت بالخبر ، ولذلك فهي تستغل الحدث !!!

وذهب أ. مسفر الموسى إلى أننا نستطيع إعلاميا أن نواجه هذا التحدي الإعلامي الإيراني بمعطيات حقيقية وبمنطلقات مهنية. وقال أيضا: كل ما أخشاه.. أن نواجه إيران بنفس استراتيجيتها الإعلامية.. وهذا ليس مفيدا لنا على المدى البعيد… تاريخ إيران مع جرائم الحج ملئ بالأحداث والوقائع الحقيقية.. لماذا لا تتبنى العربية عمل فيلم وثائقي استقصائي ضخم يبين هذا التاريخ… للرد مثلا على اختراقاتها السيادية … هنا نحن أمام حقائق.. وسلوك إعلامي مهني.

وعلق د. محمد السلمي على ما ذكره أ. مسفر بأننا نحتاج عمل إعلامي مقابل وقوي ولا يعني ذلك التجني والكذب. تاريخ إيران مليء بالأحداث الإجرامية التي تغني إعلامنا عن التزوير. عندما نطالب بحملة إعلامية سعودية لمواجهة نظيرتها الإيرانية لا يعني ذلك استخدام أدوات إيران ولكن الرد عليها بطريقة مقنعة وبالدليل وكل ذلك متاح ويحتاج لوسائل إعلامية جادة.

وأشارت أ. كوثر الأربش إلى أنه ومنذ ستة وعشرين عاماً وإيران يسيل لعابها على الحرمين الشريفين، لكنها كانت تتحرى الوقت المناسب. هذا ما صرح به الخميني قبل وفاته، حين قال: «سوف نزيل آلام قلوب شعبنا بالانتقام من أمريكا وآل سعود أن شاء الله في وقت مناسب، وسنضع وسم حسرة هذا الجرم الكبير على قلوبهم، ونضع حلاوة في حلق أسر الشهداء بإقامة حفل انتصار الحق، وبتحرير الكعبة من يد الآثمين سوف نحرر المسجد الحرام». لكن الخميني يعلم جيداً أن ما يسميه تحرير الحرمين لن ينفذ بقوة السلاح، ولا بهذا التهريج. يعلم أنه لن يتمكن من غزو الأراضي السعودية، وتطويق الحرمين، ومن ثم احتلالهما. يعلم أنه سيبوء بالفشل إزاء قوة المملكة. إنه لن ينفذ بجلده من غضب وانتقاد الأمة الإسلامية والعالم؛ لأنه لن يجد مبرراً يصمد أمام العقلاء. فكان لا بد من سلاح آخر. سلاح التعتيم الديني، هكذا أسميه مقابل «التنوير»، وهو العزف على الأوتار الدينية الحساسة. كان لا بد من تمويه السكين على شكل وردة! أعني إخفاء طمع الاحتلال خلف ملامح دينية تدغدغ مشاعر العامة: كالمظلومية، الطغيان، الشرك، تطهير الحرمين من الوهابية! وغيرها من المفردات، التي أعتقد أنها تبني الجسر المؤدي لغايته القصوى في احتلال الحرمين. رحل الخميني قبل التوقيت المناسب، لكن الطموح ما زال ينبض في النفوس الإيرانية. ما قاله رفسنجاني عام 1987: «إذا كان علماء المسلمين في العالم غير مستعدين لتقبل مسؤولية إدارة مكة المكرمة فإن جمهورية إيران الإسلامية لديها الاستعداد للحرب من أجل تحرير هذا المكان المقدس» لم يتجمد مع الزمن. بل كان كامناً بانتظار الفرصة! ما حدث في حج هذا العام، في منى تحديداً، التدافع الحشدي الذي أودى بأكثر من 1000 حاج، بين شهيد ومصاب. بدلاً من أن يصبح حادثة مؤسفة، تجمع العالم الإسلامي للمواساة والتعزية والمؤازرة، تحول لفرصة من ذهب لهجمة إيرانية ضد المملكة، تحول لمجرد «توقيت مناسب».. ما أرخص الإنسان! الموت الذي حصد المحرمين، في أرض حرام، في يوم حرام، استفزّ الشهية الإيرانية الشرهة، فالتمعت حد سكينها تحت وضح نهار منى!

وأضافت أ. كوثر الأربش: ما فتئت إيران تقدم نفسها بديلاً للمملكة، تحت أي مسمى، تحت أي حجة، في أي مناسبة، وإن كانت مغسولة بالدم. مثلما استفادت من وحشية داعش؛ لتقدم نفسها حمامة سلام للشرق الأوسط، للعرب، للمنطقة كلها! فإن كانت داعش أبشع أنموذج دموي منسوب للإسلام فإيران أبشع أنموذج وصولي، منافق، ومتملق وتبشيري! كلاهما، داعش وإيران، يتعكز آيات الله للسيطرة على المرضى والسطحيين والسذج. وكلاهما ـ وإن لم نؤكد اتفاقهما المعلن ـ يساعد بعضهما باتفاق ضمني لتقويض أركان بلادنا، وهيهات! داعش تقتل باسم الإسلام، وإيران تقدم إسلاماً مسالماً ظاهرياً بديلاً لإسلام داعش الدموي. دوامة شرسة يشوبها الغموض والريبة. ما يؤكد شروع إيران لاقتناص الفرص لتقديم نفسها كبديل إسلامي بريء ما قاله مسؤولون إيرانيون، أو ما قاله الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، تعليقاً على هامش حادثة تدافع الحجاج في منى: «إن إصرار الحكومة السعودية على منع الدول الإسلامية من المشاركة في الإدارة لم يعد له أي منطق». ملمحاً لضرورة التعاون الإسلامي في تنظيم الحج! إنها فرصة من ذهب لتأليب العالم الإسلامي ضد المملكة، وسحب بساط السيادة من تحتها. هكذا تعتقد واهمة إيران وحلفاؤها. السياسة في أبشع صورها، إنهم لم يروا الموت، لم يروا الجثث الممددة على أسرة الإسعاف، لم يروا كل تلك الدموع التي نزفت لأجل الراحلين، رأوا فقط: «الوقت المناسب»! بكل هذا الخبث.

وأشار د. محمد السلمي كذلك بأن على إيران التخلي عن حشدها المذهبي والسياسي والإعلامي ضد المملكة، وتشكيكها في مقدرتها على إدارة الحرمين الشريفين، والشواهد التاريخية تؤكد أن طهران تسعى إلى إثارة الفوضى في مواسم الحج منذ أكثر من ثلاثة عقود. عندما تكون المشكلة متمثلة في حالة أيديولوجية واستراتيجية في أن واحد، فإنه يصعب حلها وتحتاج إلى مراجعة من الداخل أو إلى تحجيم من الخارج. هذه المعضلة تتمثل في أيديولوجية يتبناها النظام الإيراني ويبدو أنه لن يتنازل عنها بسهولة. يتمثل ذلك في الاعتقاد يقينا بأن إمام الزمان الغائب “المهدي المنتظر” الذي نصب الخميني نفسه نائبا عنه في هذا العصر، وأطلق على نفسه “نائب الإمام” و”الولي الفقيه” وسار على نهجه بعد ذلك علي خامنئي، لن يعود من غيبته حتى تسيل الدماء في مكة ومنى ويتم تلطيخ جدران الكعبة بالدماء. هذا ليس استقراء أو تجنيا أو تهكما، بل حقيقة ماثلة لا يمكن إنكارها.  معظمنا شاهد التسجيل المتداول لحسن رحيم پور ازغندي مستشار المرشد الأعلى، وأحد أبرز منظري التيار الأصولي الذي يدير إيران. يقول ازغندي بالحرف الواحد: “لا تتحقق العدالة في العالم إلا من خلال أمرين: العلق “الدم” بحيث يكثر القتل حتى تسيل الدماء، والجهد أي العمل على تحقق الهدف”.  لكن، هنا قد يتساءل البعض عن المكان والزمان لانطلاقة تحقق العدالة المزعومة. يجيب مستشار خامنئي بالقول: “لا بد أن يبدأ التحرك من مكة، فنغرق في العلق والعرق، من خلال تحرير الحجاز ومن ثم العراق”. مجددا، يبرز سؤال آخر حول من يقوم بهذه المهمة. المستشار والمنظر ازغندي يملك الإجابة أيضا، إذ يؤكد أن: “الإيرانيين يشكلون الأغلبية” في تحقيق ذلك. ربما يكون مستشار خامنئي قاده الحماس الثوري والتعبوي إلى التخلي عن “التقية السياسية” كما حدث مع علي يونسي مستشار الرئيس روحاني عندما قال، أن بلاده بصدد إعادة تشكيل الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد.  عموما، لا يهمنا ذلك كثيرا، بل الأهم البحث عن الأدلة والشواهد الداعمة لسياسة النظام الإيراني هذه وهي لا تكاد تحصى. فمنذ انتصار الثورة وإيران تعمل على إثارة البلبلة في موسم الحج، وكان الخميني يقول: “إن الجانب السياسي في الحج أهم من الجانب الديني والروحي”. ولهذا استمر النظام الإيراني منذ ذلك الحين في تعكير صفو الحج، ومضايقة ضيوف الرحمن سواء في المدينة المنورة، أو مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.  من جانب آخر ، كان الخميني يجتمع بمسؤولي حملات الحج الإيرانية قبل توجههم إلى مكة ليقدم لهم التعليمات، ويحثهم على إطاعة توجيهات قادة الحملات وتنفيذ أوامرهم، وهذه حقيقة تدعمها كثير من الوثائق والمصادر الإيرانية أيضا. وأوضح د. محمد السلمي أنه وعلاوة على ذلك، كان رؤساء حملات الحج الإيرانية خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية يوجهون الحجاج -وأغلبهم من الحرس الثوري- نحو العدائية تجاه رجال الأمن في السعودية، ويقولون لهم أن رجال الأمن هؤلاء هم الذين يدعمون صدام حسين ويقتلون أطفالكم ويدمرون منازلكم. من المعلوم أن نتيجة كل هذا الشحن الأيديولوجي برزت عام 1986 عندما أحبطت الجمارك السعودية تهريب قرابة 150 كجم من متفجرات من نوع “C4” كانت كفيلة بنسف منطقة الحرم المكي كاملة، وتم تسجيل اعترافات الحجاج الإيرانيين حينها، ولكن أجهزة الأمن السعودية لم تعلن ذلك في حينه خشية حدوث أي ارتباك لدى ضيوف الرحمن. لم ترعوِ إيران وأصرت على تهديد أمن الحجاج وتعكير صفو هذا النسك مجددا، فكانت كارثة عام 1987 التي أودت بحياة 400 شخص من بينهم كثير من رجال الأمن السعوديين وحجاج من دول مختلفة.  بعد تلك الحادثة توقفت إيران عن إرسال حجاجها قرابة ثلاثة أعوام، ولكن لأن إراقة الدماء في مكة ترتكز على ثابت أيديولوجي وثوري، كلفت طهران أتباعها وأذرعها ليقوموا بتنفيذ المهمة نيابة عنها، فكانت حادثة التفجيرات بمنطقة الحرم، وحادثة نفق المعيصم الشهيرة وغيرهما كثير.  وأخيرا، سبق حج هذا العام تهديدات إيرانية بأنه سيكون موسم حج مختلفا، وكرر الحوثي وأمين حزب الله اللبناني التهديدات ذاتها؛ ما يجعلنا نعيد النظر كثيرا في قراءة مشهد التدافع الذي حدث يوم النحر في مشعر منى، وأخذ جميع الاحتمالات في الحسبان، ومع ذلك نحن في انتظار النتائج الرسمية للتحقيق في الحادثة. واختتم د. محمد السلمي تحليله بقوله: على إيران التخلي عن هذا الحشد المذهبي والسياسي والإعلامي ضد المملكة، وتشكيكها في قدرة السعودية على إدارة الحرمين الشريفين، فالتاريخ والعالم كفيلان بالرد على هذه المزاعم الإيرانية، والشواهد التاريخية تؤكد أن إيران ما انفكت تسعى إلى إثارة الفوضى في مواسم الحج منذ أكثر من ثلاثة عقود. من جانب آخر، نجد أن إيران لم تطالب بتدويل مسجد الأقصى حتى يتم تحرير الأراضي الفلسطينية كاملة، كما أنها لم تطالب بتدويل النجف وكربلاء بعد فاجعة جسر الأئمة، ومقتل أكثر من ألف من بين بضعة آلاف وليس ملايين كما هو الحال في موسم الحج. إيران مندفعة سياسيا وإعلاميا وأيديولوجيا، وربما يكون هذا الاندفاع مجرد هروب إلى الأمام قبل ظهور نتائج التحقيقات، وكشف مزيد من نشاطها الإرهابي أمام العالم.

  • الموقف التركي:

من ناحية أخرى وتعليقاً على موقف تركيا قال د. عبدالله الشمري: إصدار الرئيس أردوغان وهو رأس السلطة السياسة بيان فور وقوع الحادثة وذكر فيه عدد المتوفين ٢٠٠ فقط ثم تصريح رئيس الشؤون الدينية من مكة كانا سلبيان وبني عليهما كثيرا في تركيا .. أعتقد في مثل هذه المواقف التاريخية المصيرية يجب أن لا نأخذ موقف الدفاع من باب كسب صوت متقلب وقناص فرص .. بل يجب المضي في إعلان نتائج التحقيق دون تردد أو تأخير… كذلك فإن توثيق المواقف وتحديد الشخصيات التي تحاول تسجيل بطولات سياسية وانتخابية على حساب السيادة السعودية يجب أن يتم دون إعطاء أي تبرير.

وعلق د. مساعد المحيا على ما ذكره د. عبدالله الشمري بقوله: في السياسة هناك حسابات تتقلب وفقا للمصالح .. والمسألة أن ثمة فرقا بين من يكون معك أو ضدك ويؤلب الآخرين عليك .. بمعنى آخر من ينبح لك يختلف عن من ينبح عليك … فضلا عن أن تركيا مواقفها في الآونة الأخيرة مع المملكة إيجابية في الجملة .. في مقابل إيران التي تقف مواقف معادية للمملكة ومن ثم تترصد بعض الأخطاء … ولو كانت إيران ذات مواقف ايجابية سابقة لأمكن النظر لها كتركيا .. إذا تحول الموقف التركي وبهذه اللغة الداعمة للمملكة هو موقف يسر الخاطر بعيدا عن أي مواقف أخرى.

وبدوره قال د. عبدالله الشمري أن المعيارية مهمة جداً في تقدير موقف دولة أنه إيجابي أو غير ذلك … الانطباع غالب لدينا وعين الرضا عن كل عيب كليلة لكن في السياسة لا قيمة للانطباعات والعواطف .. هنا واقع موجود ومعرفته من المتخصص تحدى بغض النظر عن العموميات أو الأحكام المسبقة… القرار هو لصاحب القرار السياسي ويقدره حسب المصلحة لكن دور الخبير والمختص السياسي ودور النخب هو تقديم الصورة كما هي وليس كما هو يريد أن يقدمها.

وما لبث د. مساعد المحيا أن أضاف: لو كانت العلاقات بين الدول تقوم على تطبيق حازم على المعيارية ما أخال أننا سنجد صديقا … لكنها مواقف تتبدل وتتغير …في أزمة الخليج إبان احتلال العراق للكويت وقف الملك حسين موقفا باردا ووقف ياسر عرفات وعلي صالح مع صدام وحين كتب الله لنا النصر عادوا وعدنا لعلاقة مستمرة معهم … صحيح نحن نحتاج أن نعرف الحقيقة لكن من الصعب أن نتجاهل المواقف المعلنة. وبالنسبة للخبير السياسي فإنه ينبغي أن يستصحب وهو يقدم رأيه كل المعطيات والظروف المهم أن لا يميل للرؤية المتشائمة ولا المتفائلة بناء على مبدأ الرغبوية وإنما من خلال النظر بكل المعطيات والتجرد في الرأي مع البعد عن الأحادية في الموقف والقرار.

وعلق د. عبدالله الشمري على ذلك بقوله: هذا غير موجود في الدول العربية لأن الجميع غالبا خبراء وعارفين وينقلون الأخبار من “قوقل” وإن قال المتخصص شيء إيجابي بناء على معطيات اتهم بالمحاباة وإن نقل واقع سلبي كما هو اتهم بالتشاؤم. هناك مشكلة ملموسة وواقع مؤلم ويظل الأمل موجود بالاهتمام بالحقائق بعيدا عن الأدلجة من قبل الجمهور وإن كان نخبوي.

الحلول المقترحة وآليات المعالجة:

من جانبه يرى د. عبدالله بن ناصر الحمود أن مواجهة ما حدث ليس بعقوبة أحد، وليس بوضع إجراءات للحد من تكرارها. فهذه حلول حمقى. فالحل في نظره أن لا يأتي موسم الحج القادم إلا وقد غيرت تماما معظم بيئة الحج إلى بيئة أخرى تبني خططا جديدة ومنهجيات عمل جديد. وتوقف كل الجهات التي لها أي علاقة بما حدث وتستبدل تماما بخبرات أخرى محلية أو دولية. الحج لم يعد وظيفة القطاع العام ولا القطاع الخاص. الحج وظيفة خبراء الحج وكفى بصلاحيات وإمكانات مطلقة.

وأضاف د. عبدالله بن ناصر الحمود في مداخلة لاحقة أنه و في ظل المتغيرات البيئية والتقنية الحالية، إذا لم يقفل باب القبول للحج مع أول يوم من رمضان، وعندها يعرف كل الحجاج رقم الرحلة، وتاريخ الوصول للمشاعر، ورقم الغرفة في السكن، ووقت الطواف ووقت التصعيد الخص به لعرفات، ووقت النزول لمزدلفة، ووقت الرمي، ووقت كل شيء بدقة متناهية، وأن يكون الإسكان فسيحا وغير مكتظ، وكذا الطرقات، دون افتراش، ودون متجولين مجهولين، وأخذ الأحكام الشرعية الأكثر تيسيرا على الناس، فلا يمكن أن ندعي السلامة في الحج.

وأشار د. مساعد المحيا إلى أن المملكة تحمل الخبرة كلها في تنظيم الحج.. لا أحد سبق له أن كانت له مثل هذه التجربة .. هذه الميزة الفريدة ينبغي أن تجعل الحج في كل عام أفضل وأيسر وأحسن .. لكن مظاهر الفساد والأخطاء تفوح في كل عام .. مثلا هناك أعداد من الحملات تشتري الأماكن من أصحاب حملات ويقومون باستضافة آخرين ممن لا تصريح لهم بمبالغ إضافية كما أن الحملات لا يزال عدد منها يفترش بعض أصحابها الأرض نظرا لرغبتهم في القرب من مشاعر معينة .. نحن نحتاج أن تتغير الإدارة التي تدير الحج وأن نكون بمستوى الحدث فالفاجعة كبيرة وسواء كان الحادث مدبرا أو سوء تدبير فكلاهما يجعلان من المهم أن يكون موقفنا جديرا بأن يضمن للمسلمين حجا هانئا وسليما.

ويرى د. عبدالسلام الوايل بأن تدرس التجربة الماليزية في تنظيم الحجاج وإن ثبت أنها تقلل من حوادث التدافع فإن تعميمها ليس مستحيلا. يمكن اعتبار رؤوس الحجاج مسؤولين عن التزام حجاجهم. ويعتقد د. عبدالسلام أن اطرافا كثيرة تشاركت في واقع حادثة التدافع. ويجب الاعتناء بمعرفة دور كل طرف دون أطر نظرية مسبقة تبرئ طرفا أو تدين آخر بشكل مسبق. أي معرفة بإخلاص من أجل المعرفة في البداية. ثم بعدها تكون العقوبات إن لزم و تطور السياسات.

وأضاف أ. مسفر الموسى أننا في الإدارة لا يمكن أن نلوم المستفيد، وعلى حد قوله ثلاثون عاما ونحن نردد تبرير الافتراش وكبار السن وتخلف بعض الحجاج.. من المفترض أن إدارة الحج عرفت هذه الأسباب ووضعت لها الحلول المناسبة.. حلول للتعامل مع هذه الفئات عند تفويج الحشود.

ويرى م. سالم المري أن سوء التنظيم والفشل في إدارة الحشود سمة لكل حج حتى الآن ويجب أن نعترف بهذا حتى نستطيع إيجاد حل. وأضاف: كل ما قيل في حادث منى قيل تقريبا في الحوادث السابقة والحقيقة المرة التي نتحاشى الخوض فيها أننا بحاجة ماسة لتحسين الأداء في إدارة وتوجيه الحشود في المشاعر المقدسة فرجال الأمن نجحوا في الحفاظ على أمن الحجاج ولكن المشكلة ليست أمنية فقط بل مشكلة سلامة بالدرجة الأولى … رجل الأمن أو الخبير الأمني ليس بالضرورة خبير في السلامة فالسلامة بحد ذاتها علم مختلف تماما… أيضا فمن المفترض أن يقدم للمساءلة الشخص المقصر أو يستقيل من مسؤولياته فليس من المعقول أن يمر موت المئات من الناس ببساطة في كل موسم حج؟ حتى ولو قبلناه نحن في المملكة لن تقبله الأمم الأخرى خاصة من مات لها مواطنون وعلينا أن ندرك ذلك ونتقبل النقد ونعمل بجد على الحلول.

واتفق م. سالم المري مع الرأي بضرورة تغيير إدارة الحجيج وحركتهم وجعلها تحت جهة مدنية ثابته تستطيع الاستفادة من الخبرات المتكررة والمتراكمة. كما أضاف أن من المفيد محاولة جعل الحركة آلية بالريموت كنترول حسب الخطط والمشاهد بالكاميرات في مركز التحكم وتدخل بسيط من الإنسان حتى المسارات تكون آلية تفتح وتغلق في اتجاهات محددة.

وأيد أ. خالد الحارثي طرح م. سالم في أن تتولى الحج إدارة مدنية تقوم بالخطة السنوية وتطور العمليات والمشاعر وتطلب الأعداد والمهن من أجهزة أخرى بحسب خطتها وتستفيد من التراكم ، فالنظر للحج كشأن أمني فاشل تماما بنظره.

وعلق د. خالد الرديعان بأن مشكلة التدافع تخص الحجاج أنفسهم… فمعظمهم “جهلة” وهذه الظاهرة نراها في المسلمين لسوء الحظ… يفترض أن يسلم كل حاج وبلغته دليل إرشادي صغير لا يقتصر على مناسك الحج فقط ولكن للآداب العامة وسبل استخدام المرافق المتاحة…استثني من الجهل حجاج ماليزيا وإندونيسيا فهم منظمون بدرجة كبيرة أما حجاج الدول العربية والإفريقية فهم فوضويون إلى حد كبير… يتم تسليم الحجاج كتب تتعلق فقط بأداء النسك ولا تتعرض للقضايا الأخرى.

 وأوضح د خالد الرديعان أن التثقيف الذي يقترحه يتعلق بطريقة العمل والحركة وماذا يفعل الحاج في المواقف الصعبة وكيف يتعاون مع رجال الأمن والمرور. كذلك فإن جزء من المشكلة يقع على كاهل أصحاب المخيمات حيث كان من المفروض خروج حجاج كل مخيم بطريقة منظمة وأن يكون معهم شخص يوجههم… ويفترض أن يكون هناك جهة رسمية تنسق مع صاحب كل مخيم للحد من الفوضى وخروج كل حاج بصورة عشوائية.. مثلا: يحدد لكل صاحب مخيم وقت محدد لخروج حجاجه للرمي بحيث لا يندفع الحجاج مع بعض بصورة مربكة… المخيمات مقسمة إلى فئات أ ، ب ، ج ، د ، هـ حسب موقعها وبالتالي يفترض أن يوضع هذا التقسيم في الحسبان بحيث يخرج أولا الفئة (أ) ويحدد لهم ساعة خروج ثم (ب) ويحدد لهم وقت خروج بعد (أ) بنصف ساعة مثلا وهكذا… ومن المقترحات كذلك: تفويج الحجاج طبقا للسن فعلى سبيل المثال من تزيد أعمارهم عن ستين سنة يرمون من الساعة كذا وكذا ثم الأقل سنا وهكذا.. كما يمكن حفر أنفاق مشاة واسعة في منى لتخفيف ازدحام الممرات.. بحيث يسير الحجاج فوق الأرض وتحتها… أو وضع جسور معلقة فهي أقل كلفة ويسهل تنفيذها بفترة قصيرة.

وأكد د. عبدالسلام الوايل أن عدم التزام الحجاج بالتعليمات واقع. هذا الواقع يجب دراسته عند وضع خطط التفويج. إما بوضع قيادات لكل حملة مسؤولة عن إلزام الحجاج بالتزام النظام أو تطوير مقاربات نظرية في إدارة الحشود مستمدة من الحج نفسه بأبعاده المكانية الضيقة و البشرية.

ويعتقد أ. عبدالله الضويحي أن أصحاب الحملات يحتاجون لمحاسبة شديدة .. وأن يكون هناك مراقبة لتحركات الحجاج وتنظيمهم والتعامل معهم بجدية بعيدا عن المجاملات.

وأكدت د. عائشة حجازي على ضرورة أن  تدرس الظاهرة وتفسر وتوضح أسبابها ومن ثم يتم اقتراح وسائل لحلها بدلا من التفسيرات المعلبة والجاهزة أو العاطفية والدفاعية.

واتفق د. حسين الحكمي مع د. علي الحكمي و د. طلحة فدعق في حاجتنا لإشراك المتخصصين في الدراسات الاجتماعية والنفسية في وضع الخطط والسياسات في الحج وفي كثير غيره من أمور الوطن. أيضا اتفق د. حسين مع المطالبات باتخاذ التدابير اللازمة، وتأمين عملية التنظيم، والنهوض بمسئولية توجيههم.. وأضاف د. حسين: نعم لا يعجبني أن نواجه كل هذا الهجوم وما يقال عن تهاون السعودية في التعامل مع موسم الحج. لكن ما حصل إشارة واضحة لوجود خلل تنظيمي. نقدر كل المجهودات التي تبذل ونقدر أشخاص من يعملون ونسأل الله لهم السداد والتوفيق. لتكن الموضوعية وسيلة لنقيم الوضع. لا تأخذنا العاطفة في الحديث عن وطننا ، وليس مطلوب منا – هنا على الأقل – أن تأخذنا الحمية في الدفاع عن السعودية فقط لأن أحدهم قال شيئاً استفزنا فنقوم ونذكر المبالغ التي دفعناها أو عدد الطواقم الفنية والأمنية وغيرها التي تعمل في الحج… لست ممن يهتمون للأرقام كثيرا ، فموت ٧١٧ كموت ١ بالنسبة لي. الكم لا يهمني بمقدار الكيف ، فعندما يقتل حاج بسبب خطأ تنظيمي أعتبره مشكلة ومشكلة كبيرة جدا فالأمر يتعلق بروح ونفس بشرية ولشخص مسلم. لو كان الخلل في عدم معالجة الافتراش أو الزحمة المرورية وخطة التفويج أو عدم وصول بعض الحجاج لعرفات في نهار التاسع لكان أهون من موت إنسان مسلم… إذا لم نقتنع أن مقتل ٧١٧ مشكلة كبيرة جدا وتحتاج منا لإعادة التفكير في طريقة عملنا في موسم الحج فإن لدينا خلل في نظرتنا للأمور… كل هذا وما زلت أقدر المجهودات التي يبذلها القائمون على الحج والذين لم يوفقوا في إدارته بالشكل المناسب.

وقالت أ. هيا السهلي: الله فضلنا بالحرمين وخدمتهما وهما حق مشاع ومشترك في الزيارة لكل مسلم وبلد … لذا لابد أن يكون الكمال مطلب والخطأ ولو صغير مصيبة … العالم يتداعى علينا وينتظر الزلة فلماذا نبقي الباب مواربا لهم ؟! لسنا في بلد فقير ولا ينقصنا شباب.. لنوظف بدل الواحد ألف ولنستقطب الخبرات ولنجدد دماء اللجان مع الإبقاء على من أنجز وأبدع.

وأشارت د. الجازي الشبيكي أنه من المفترض أن تكون وزارة الحج هي المسؤولة بشكل رئيسي عن كل ما يتعلق بالتخطيط للحج ووزيرها هو رئيس لجنة الحج العليا ، وعليها توزيع مهام التنفيذ ومسؤولياته بين القطاعات الأمنية والصحية والإرشادية وغيرها في كل مربع محدود يتم الاتفاق على حجم أعداده من الحجاج ويربط هذه الفروع مركز رئيسي يديره مسؤول كل قطاع بنفسه تحت إشراف وإدارة وزير الحج على أن يكون هناك كاميرات ترصد كل حركة  ولها اتصال مباشر بالأمن والصحة وفي الوقت نفسه يتم بدقة وضع خطة زمنية مُحكمة بالاتفاق مع أصحاب الحملات لعمليات تسيير الأفواج إلى الجمرات والقطار وغيره. وبعد كل موسم مباشرة يتم تقييم الخطة وإجراءات التنفيذ بموضوعية وشفافية لتدعيم وتطوير الإيجابيات وتلافي السلبيات ويكون التقييم بمشاركة ممثلين عن أصحاب الحملات وعينة عشوائية من الحجاج من مختلف مستويات الحملات وعدد من الإعلاميين .

وعلق د. مساعد المحيا على ما طرحته د. الجازي بقوله: في الحج تتداخل الكثير من الصلاحيات وفض الاشتباك بينها تعوقه أمور كثيرة. كذلك فقد أيد م. سالم المري طرح د. الجازي حول أهمية مراجعة الهيكل الإداري للحج فإدارة هذا الحدث المهم – برأيه – بحاجة إلى خبرة تخصصية وتراكمية ومعرفة لا يمكن أن تتوفر إلا في أشخاص يتم تثبيتهم لهذه المهمة لسنوات طويلة. لكنه تساءل: هل الداخلية هي الطرف المناسب؟ إذا استبعدنا الجانب الأمني الذي يجب أن يبقى مع الداخلية؟ ومن جانبه أوضح د. عبداللطيف العوين أن الداخلية بالتأكيد هي الأنسب وخاصة أن غالب الجوانب التنظيمية هي مهام أمنية بالدرجة الأولى. كذلك أكد د. سعد الشهراني أنه لا مناص من أن تكون القوات الأمنية هي المعنية بجوانب التنظيم الميداني و الأمني و جوانب السلامة مع الجهات ذات العلاقة مثل الصحة و الهلال الأحمر و غيرها.

ويعتقد د. عبداللطيف العوين أن اللجنة العليا لإدارة الحج كافية وبتميز ولن يكون وزير الحج أكثر كفاءة من سمو ولي العهد بأي حال من الأحوال والنجاحات الهائلة التي مررنا بها دليل على ذلك، لكن المطوب دراسة الحالة التي حدثت بطرق علميه بعيدا عن التكهنات والمجاملة ، أو الاعتقاد أن كل منا هو خبير الخبراء الذي يجب أن يسمع كلامه، وأن يكون الهدف هو تطوير الاداء بشكل مستمر.

وبناء علي طرح د. عبداللطيف العوين تساءل د. مساعد المحيا: إذا ما دور النخب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية والإعلامية … ؟؟ وأجاب د. عبداللطيف: هو قيادة الفكر المتوازن المطور الذي يسهم في خط التنمية المستدامة. وبدوره أضاف د. مساعد: وقيادة هذا الفكر المتوازن … تحتاج شفافية … وتحتاج إعادة نظر في كثير مما يجري … وتحتاج أن يكون لكثير مما يطرح قبول … فتجربة المملكة في إدارة الحج يفترض أن تكون قد جعلتها بيت خبرة في إدارة الحشود بل يمكن أن يستفيد العالم منها.

وضرب د. مساعد مثالا للتوضيح حيث قال: كثيرا ما يستفاد من طلاب الكليات العسكرية في الحج ومع أن الطلاب هناك من يقودهم إلا أن هناك بعض الأخطاء التي نحتاج أن نعيد النظر فيها.. أحد الزملاء حج هذا العام وكتب يقول هناك عدم احترافية في إدارة الحشود حيث يوكل الأمر لطلاب الكليات العسكرية لتنظيم الحشود وهم لا خبرة لهم ولا معرفة وليس لديهم خطة واضحة للتطبيق وهذا ما حصل لنا في تنظيم الحشود لركوب القطار من مزدلفة .

وعلق د. عبداللطيف العوين بأن ما تم ذكره بالمثال يمكن الأخذ به كجزء من التحليل لكافة المعلومات وليس أن تؤخذ كحكم قاطع … قد يكون مصدر يؤخذ في الاعتبار ولكن لا يكتفى به كمصدر حكم. ومن المفيد دائما جمع المعلومات والاستفادة من الدروس السابقة ووضع سيناريوهات للأسوأ ووضع البدائل … كل ذلك وفق نتائج دراسة تحليلية متخصصة مستدامة لكافة المتغيرات المتوقعة ولكافة الجهات ذات العلاقة.

واتفق د. سعد الشهراني مع ما ذهب إليه د. عبداللطيف واستكمل طرح وجهة نظره بقوله: ومع ذلك فلا أحد ينادي بعدم إبداء الرأي و لا بالتغطية على الأخطاء أو القصور و هي موجودة و لا بعدم الشفافية … لم أكن اريد أن أدلي بدلوي في هذه اللحظة و لكن الفهم الخاطئ لبعضنا يجعلني أقول إسهاما مع الزملاء في تقديم الرأي مع نقص المعلومات عدا ما هو عام و متداول … توجه الدولة موارد و إمكانات كثيرة و كبيرة  للحج و العمرة والحرمين الشريفين و لدينا  تجارب إيجابية و سلبية أيضا كل ذلك يمكننا بدون شك من إدارة الحج بطريقة أفضل. الإشكالية الأولى تكمن في توزيع هذه الموارد و الامكانات البشرية على وجه الخصوص توزيعا جغرافيا جيدا على مساحة منى بالذات… لنتصور أن قوات أمنية كانت منتشرة على طول هذين الشارعين و في هذا التقاطع وأن نظام الاتصال بينها فعال و أنهم مدربون للتعامل مع التدافع ألم يكن من الممكن تخفيف بل منع اندفاع الجموع من الخلف تفاديا للكارثة أو تخفيفا منها على الأقل. الأمر الآخر أنه يتوجب دائما افتراض كل السيناريوهات السلبية المحتملة في كل المشاعر و كل الأوقات و بأدق التفاصيل والتدريب على كيفية التعامل معها و تنسيق الأدوار و محاكاتها على مدار العام … إنها الإدارة بكل معانيها و مستوياتها. وأوضح د. سعد الشهراني كذلك أن طلاب كلية الملك فهد الأمنية و المعاهد العسكرية الأمنية لا يتولون أكثر من مراقبة بعض الشوارع وتنظيم المرور للتدرب و معايشة الواقع و لا يمثلون إلا نسبة ضئيلة جدا من القوات الأمنية المحترفة و المتمثلة في قوات الطوارئ الخاصة و قوات الأمن الخاصة و المنتدبين من شرط المناطق و الدوريات الأمنية و الدفاع المدني في حين أن قوات الطوارئ الخاصة هي المعنية بالدرجة الأولى في إدارة الحشود و تفويج الحجاج.

المحور الخامس

صندوق التقاعد الخاص privet pension fund

الورقة الرئيسية :

طرح م. حسام بحيري رؤية تنطوي على ضرورة التفكير جديا في استحداث  نظام ال Privet pension بحيث يكون موازيا لبرنامج التقاعد وليس كبديل. أي يكون للشخص تقاعدين واحد حكومي والآخر خاص. واعتمد في هذا الطرح على أن كثير من الشركات الأجنبية بالخارج تعرض لموظفيها موازاة نفس المبلغ المستثمر في الصندوق أي إذا دفعت ألف ريال شهريا لصندوق تقاعدك الخاص فإن شركتك ستكون مستعدة لأن توازي نفس الدفعة الشهرية. صناديق ال pension funds تعتبر برامج ناجحة بجميع المقاييس ولها تأثير قوي في توازن أسواق المال العالمية لأنه عادة يكون يدار من قبل جهات محترفه ويتم الاستثمار بحذر وبعيد عن المخاطر.

وأوضح م. حسام بحيري بعض التفاصيل المتعلقة بنظام ال privet pension fund أو ما نستطيع أن نطلق عليه نظام التقاعد الأهلي أو الخاص. وتتضمن الإشارة إلى أن ال privet pension funds هو باختصار نظام تقاعدي خاص يضاف إلى نظام التقاعد الحكومي ويستخدم في معظم الدول الصناعية المتقدمة للموظفين الأهليين والحكوميين وهو في الأصل نظام ادخاري يدار من قبل شركات تأمين أو بنوك ويشكل قاعدة اقتصادية مهمة في أي دولة. ابتدع نظام التقاعد الخاص لأنه عندما يحال شخص ما للتقاعد دخله سيتناقص وللكثير من الناس دخل التقاعد لوحده غير كافي لتلبية متطلبات الحياة ويعتبر تعويض للدخل المفقود من نظام التقاعد التقليدي. إحدى الاضافات الإيجابية للنظام أن الكثير من المؤسسات الأهلية تساهم بقيمة موازية للمبلغ المدفوع من قبل الموظف وفي حالة الوفاة يدفع مبلغ التقاعد للورثة دفعة واحدة ويوفر حماية في حالات الطلاق أو العجز ويعدل سنويا لحساب قيمة ارتفاع تكاليف المعيشة وموازاة التضخم. هذا النظام التقاعدي الخاص أصبح مهم جدا لدرجة أن أي أموال تدفع لنظامك التقاعدي الخاص بك لا يخضع للضرائب ويتم تحديد دخلك الشهري من خلال قيمة حسابية لسنوات الخدمة والأجر المدفوع شهريا مع التأكيد أنه سيتم توفير الدخل للمتقاعد خلال سنيين حياته. في السعودية تقدم هذه الخدمة من قبل شركات تأمين أجنبية والمستفيدين منها عادة أجانب والقليل من المواطنين السعوديين وللأسف جميع الاموال المدخرة تستثمر في الأسواق الأجنبية وتساهم مساهمة فعالة في نهضة اقتصاداتهم وتطوير البحوث والتكنولوجيا وذلك لأن حسابات التقاعد الخاص تشكل ودائع ضخمة مستقرة لأنها أنظمة ادخار بالأصل ويتم استثمارها في صناديق الاستثمار طويلة المدى وبمستوى خطر منخفض. نظام التقاعد الخاص له فوائد ضخمة للاقتصاد المحلي والأشخاص المساهمين فيه ولا يوجد له أي سلبيات تذكر. إن الدولة لابد لها من السماح لبرامج محلية مماثله للمواطنين والمواطنات والتشجيع على الالتحاق به لأهميته الحيوية في توفير حياة كريمة للمتقاعد وضمان أمان معيشي لعائلته في حالة العجز أو الوفاة والتأكد من أن أموال الادخار تستثمر في أسواقنا المحلية  لدعم الاقتصاد والمساهمة في تطوير الأبحاث والتكنولوجيا واستقرار الأسواق.

وأضاف م. حسام بحيري أنه وإذا ثبت حقيقة نضوب صناديق التقاعد فهذا لن يكون المرة الأولى وسيكون إثبات لفشل القائمين عليه ولابد من المسائلة. كيف تنضب صناديق التقاعد ونحن مجتمع شاب .. الغالبية العظمى من السكان العاملين يضخون مبالغ طائلة شهريا في صناديق التقاعد. التأمينات الاجتماعية تستقطع ١٨٪ من الراتب الشهري وهذه نسبة عالية بجميع المقاييس العالمية. ربما حان الوقت لأن تستقل هذه الصناديق تماما عن أي سيطرة حكومية لأنه على مر عقود من الزمان يتم استثمار أو قرض أموال التقاعد لمشروعات معظمها حكومية ولا نعلم عن أي أرقام خسارة أو أرباح وهناك انعدام تام للشفافية ويتم التصرف بهذه الأموال وكأنها أموال دولة وهي ليس كذلك.

تعقيب : أ. مطشر المرشد

أشار أ. مطشر المرشد في تعقيبه إلى أن موضوع ال private pension funds  أو صناديق الادخار الخاصة ببرامج التقاعد تعد أسلوب جيد وتتبعه كبرى الشركات العالمية (بما فيها أرامكو السعودية) هو في الحقيقة صندوق استثمار يدار بشكل محترف لتنمية ما يرغب في ادخاره الموظف قبل التقاعد ويتم استقطاع المبالغ شهريا من رواتب الموظفين الراغبين بالادخار ، والهدف تنمية الدخل بعد التقاعد … وتقوم البنوك وصناديق التحوط في إدارة رؤوس أموال صناديق التقاعد الادخارية لشركات مثل GM , IBM , Apple etc  وهذا الشركات لديها صناديق ادخار تقاعدي ضخمة وتدار بشكل محترف من قبل فريق متخصص ، وعادة يطلبون توزيع الأصول في استثمارات طويلة المدى وبأقل المخاطر.. أيضا أصبح هذا الأمر يتدرج تحت المسؤولية الاجتماعية لكافة الشركات القيادية حول العالم. وأضاف أ. مطشر المرشد أنه وبالنسبة لصندوق أرامكو Pension Fund يديره الأمريكي David Tanken تحت إدارة الخزينة والاستثمار بإشراف مدراء سعوديين ، وفي الغالب أموال الصندوق مستثمرة في سندات الخزانة الأمريكية. وبالتأكيد فإن هذا التوجه مهم لكن شركات القطاع الخاص لدينا تحتاج لمن يقنعها بأهمية مثل هذا التوجه وأيضا يثقفها حول المسؤولية الاجتماعية.

ومن ناحية أخرى تطرق أ. مطشر المرشد إلى موضوع المسؤولية الاجتماعية للشركات Corporate Social Responsibility واختصاره الشائع CSR ، حيث يرى أنه يجب أن يتم دعمه، فقد تبنته الدول المتقدمة في الأساس بعد جهود حثيثة ومطالبات مستمرة من مراكز بحوث خاصة ، حتى أصبحت الآن المسئولية الاجتماعية ومعاييرها تطبق بشكل ينعكس ايجابا على العاملين في المصانع والشركات وأيضا على مستوى المخرجات من منتجات وخدمات.

المداخلات حول صندوق التقاعد الخاص والأبعاد ذات الصلة:

أوضح د. خالد الرديعان في مداخلته بشأن ما طرحه م حسام بحيري أن هناك شركات تأمين خاصة تقوم بما تم الإشارة إليه؛ حيث يدفع لهم الفرد مبلغ شهري لمدة ٧ سنوات وبعد ذلك يقومون بدفع pension عند بلوغه سن معينة. وأيد م. حسام بحيري ما ذكره د. خالد بقوله: بالفعل هذا صحيح ولكن للأسف غير مسموح للشركات والبنوك المحلية أن تفعل ذلك. كل هذه الشركات تخضع لمؤسسات ماليه أجنبية وهم باختصار يأخذون أموالنا ويستثمرونها في أسواقهم وتساهم في بناء قوتهم الاقتصادية على حسابنا مثل مدخراتنا التي لا نستفيد منها اقتصاديا غير الصرف ولكن الاستثمار طويل المدي وتمويل أبحاث التطوير تكون في الاقتصادات الأجنبية فقط.

وأضافت أ. هيا السهلي أيضا موضوع المسؤولية الاجتماعية للبنوك التي تحصد أرباح بالمليارات وتنوء بحفنة منها كمساهمة أو دفع لعجلة التنمية المستدامة.

وأشار د. مساعد المحيا – اتساقاً مع ما ذكره م. حسام و أ. مطشر – بشأن وجود منتجات تتعلق بأنماط من أشكال التقاعد، إلى أنه توجد في بنوكنا برامج مماثلة لما تم التطرق إليه، مثلا في بنك الجزيرة لديهم برنامج التكافل التعاوني – وهو برنامج : ادخار ، حماية ، استثمار. وبرنامج التكافل التعاوني هو برنامج متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية بدأ به بنك الجزيرة في عام 2002م حيث أجازته الهيئة الشرعية كما أنها تقوم بمراجعة المواثيق والعقود المبرمة مع العملاء ملتزمة بأن تكون كل المعايير في العقود شرعية. والتكافل التعاوني: هو نظام للتعاون المتبادل لتقديم العون والمساعدة المالية وتوفير الحماية المالية ويرتكز على نصوص القرآن الكريم في التعاون والمساعدة المتبادلة. إذ يقوم البرنامج على قاعدة (إعانة الكثرة المقتدرة للقلة المتضررة) وذلك من خلال تكوين حوض تعاوني يشمل مبالغ الاشتراك التي يتبرع بها المشاركون في البرنامج. أما عن أهداف برنامج التكافل التعاوني فتتضمن ما يلي:

  • المساعدة في عملية الادخار (التوفير) على المدى البعيد .
  • توفير مبلغ يساعد ويساهم في الحفاظ على مستوى معيشة المشترك عند التقاعد.
  • توفير الحماية المالية للمشترك في حال إصابته بالعجز.
  • توفير الحماية المالية لأسرة المشترك في حال الوفاة.
  • توفير أداة من خلالها تقوم الكثرة المقتدرة بتوفير المساعدة للقلة المتضررة .
  • تأسيس محفظة مالية للمشترك من خلال مجموعة من الصناديق التي تتم إدارتها بأعلى درجات الاحتراف المهني .

وفيما يخص منافع برنامج التكافل التعاوني أوضح د. مساعد المحيا أنها تتضمن:

  • توفير تقاعد مريح.
  • توفير مستوى تعليم ممتاز للأبناء .
  • المساعدة في زواج الأبناء .
  • توفير الحماية المالية لأفراد الأسرة في حال حدوث وفاة لرب الأسرة.
  • تفادى المصاعب المالية التي ستواجه المشترك وأفراد الأسرة في حال حدوث العجز.
  • في حال وفاة المشترك أو إصابته بالعجز الكلي الدائم خلال فترة البرنامج يتم إعفائه من دفع الرسوم المستقبلية وسوف يستمر الدفع حتى نهاية برنامج الأبناء.
  • وهذه كلها تتم عن طريق توفير المبلغ من صندوق التكافل التعاوني الذي يتبرع منه جميع المشاركين في البرنامج لتحمل الأضرار والأخطار التي تصيب كل واحد منهم.

ومن جانبه اتفق م. سالم المري مع م. حسام بحيري بأن هناك مشكلة كبيرة قد تواجه المتقاعدين في شركات القطاع العام والقطاع الخاص مستقبلا وهو احتمال عجز المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن دفع مستحقات المستفيدين عند التقاعد مع البذخ الواضح في الفخامة المبالغ فيها في مكاتبها.. أما المؤسسة العامة للتقاعد فهي مضمونة من قبل الدولة!. واقترح معالجة المسألة بتبني استراتيجيتين يتم العمل على تطبيقهما في أن واحد:

  • أولا: مراجعة الوضع الراهن للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد وتصحيحه.
  • ثانيا: حث الشركات الكبيرة في القطاع الخاص ووزارة المالية لتبني نظام ادخار للموظفين يكون معاضد لنظام التقاعد.

وفيما يخص (أولا) نعتقد أن هناك عدم شفافية كبير لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ، وقد طالب مجلس الشورى المؤسسة بدراسات اكتوارية توضح ما ستواجهه المؤسسة من صعوبات، وأضاف م. سالم المري: وحسب علمي –  (على الأقل أثناء وجودي في المجلس (١٤٢٢إلى ١٤٣٤هـ) لم يتم ذلك). ومقدار ما تحصله التأمينات الاجتماعية من راتب الموظف السعودي  ٢٢٪ بواقع ٩٪ من صاحب العمل و٩٪ من الموظف و٢٪ من صاحب العمل كتأمين اخطار وو١٪ من صاحب العمل لساند و١٪ من الموظف لساند أيضا. ومع ذلك فإن ٤ من مجلس إدارتها الستة يمثلون جهات حكومية إضافة إلى الرئيس وهو وزير العمل. واثنان يمثلون أصحاب العمل أحدهم يمثل المراعي (٧ آلاف سعودي) والآخر من أصحاب الصرافة وليس في مجلس إدارة المؤسسة ممثلا للشركات الكبرى التي لديها عدد كبير من المشاركين في التأمينات الاجتماعية وعندها القدرة الفنية والادارية على الرقابة مثل أرامكو وسابك والكهرباء. أما المعني الرئيس وهم المشتركون فليس لهم إلا ممثل واحد والله يعلم كيف تم تعيينه وعلى أي أساس؟ فبالتأكيد ليس منتخبا من قبل الموظفين المشاركين ولم يستشاروا عند تعيينه.  والمهيمن على المؤسسة العامة للتأمينات وزارة العمل ووزارة العمل غير متخصصة في الاقتصاد ولا أظن لديها الخبراء المناسبين في هذا المجال وكذلك بالنسبة للمؤسسة العامة للتقاعد ووزارة الخدمة المدنية؟

وذكر م. سالم المري أن نظام ال Privet pension هو نظام معمول به في شركات القطاع العام الكبرى على النحو التالي:

أرامكو: تساهم الشركة بواقع ٥٪ من مدخرات الموظف بعد سنة واحدة من الخدمة وتصل النسبة إلى ١٠٠٪ بعد عشر سنوات خدمة. شركة الكهرباء لا تدفع شيء إضافي للمدخرات قبل ٥ سنوات ومن ٥ إلى ١٠ سنوات تساهم الشركة بواقع ٥٠٪ من مدخرات الموظف وإذا تجاوزت خدمة الموظف ١٠ سنوات تساهم الشركة ب ١٠٠٪  من مدخرات الموظف أما سابك فتشارك ب١٠٪ من الادخار لكل سنة من سنوات الخدمة حتى تصل ١٠٠٪. كما أن هناك بعض البرامج المشابهة إلى حد ما عند بعض البنوك كما ذكر د. المحيا. والمشكلة الكبرى التي تواجه هذا النظام في المملكة فتاوي التحريم من بعض العلماء.

وفي السياق ذاته ذكر د. حميد المزروع أن ظروف نجاح ما يعرف بصندوق التقاعد الخاص لا يمكن تطبيقه  حاليا إلا للمواطنين الذين يعملون ويملكون أنشطتهم التجارية الخاصة ، وذلك لصعوبة توحيد وتطبيق متطلبات نسب الاستقطاع الشهرية وتفعيلها في جميع البرامج ( الخاص والحكومي )علي المستفيدين ، وبما أن أنظمة التقاعد وكذلك التأمينات يصعب تغييرها بسهولة ، فإنه يمكن تفعيل البرنامج التقاعدي الخاص كبرنامج موازي للأنظمة الأخرى بعد اعتماد لوائحه، وأن يكون برنامج اختباري للموظفين الجدد الغير راغبين بالانضمام للبرامج التابعة للدولة.

وأشار أ. خالد الحارثي في مداخلته حول قضية صندوق الادخار الخاص بالموظفين كموازي لصندوق التقاعد، إلى أن هناك نقطتان يجب التنبيه للأهمية التي يحملنها:

  • أولا:الأثر المالي والاقتصادي على ملاءة صندوق التأمينات الاجتماعية الذي تتسبب فيه ١٤ مليون وظيفة للأجانب وهو مبلغ حسب حد الأجور الأدنى ٣ آلاف ريال X ١٨٪ X ١٤ مليون = ٧ مليار ونصف شهريا اشتراكات معاشات ، وهي تعد خسائر بحسب مدرسة الاقتصاد الجزئي. ومن هنا نسبر مشكلات الصناديق والأسباب وراء عدم الكفاءة والملاءة في سوق مثل سوق المملكة العربية السعودية ، إضافة إلى أن حلول البطالة السعودية بمفاهيم توطين الوظائف هي التي تقدم حلول لصناديق التقاعد تلقائيا ، وليس السكوت على مفهوم السعودة الوهمية.
  • ثانيا: تركيبة السوق السعودي بما يزيد عن مليون و٢٠٠ ألف سجل تجاري تحتوي على عدد قليل من الشركات المساهمة فقط ١٦٦ شركة  تجعل المطالبات بصناديق الادخار مهمة شاقة وعند صدور التشريعات الخاصة بها في ظل هذا الحجم الكبير من التستر والشركات العائلية ستكون خاضعة للتلاعب.

مشكلة التقاعد في ضوء المنظور الكلي للاقتصاد

ركز د. سعد الشهراني مداخلته على المنظور الكلي للاقتصاد و على المنطلقات والإشكاليات الاقتصادية الكبرى التي تولدت منها مشكلات جزئية – وليست صغرى – و منها مشكلة التقاعد و تمويل مؤسساته التي نحن بصددها. فالتنمية في المملكة حققت قفزات كبرى ومنجزات حقيقية خصوصا في مجالات الخدمات الأساسية (و مع ذلك نعرف إشكالاتنا معها) و في البنية الأساسية والرفاه العام إلا أنها أوجدت مشاكل أصبحت بنائية structural في هيكل الاقتصاد السعودي ومنها Yشكالات سوق العمل و منها أيضا  البطالة و الفقر و سوء توزيع الثروة و الدخل و الفساد و الهدر المالي و انخفاض الإنتاجية  غيرها و هي مشاكل تؤرقنا جميعا و مؤشر على فشل خطط التنمية العشر، وهي أيضا قضايا متداخلة و يمثل كل منها سبب ونتيجة للأخرى.

و من هنا يرى د. سعد الشهراني أن من الأفضل أن تتجه وزارة الاقتصاد و التخطيط إلى ما يمكن تسميته التخطيط الجزئي بدلا من هذا التخطيط الفوقي الكلي الذي لا نرى له أثرا في تعديل مسارات التنمية بعيدا عن الاشكالات المشار إليها اعلاه، مثلا نحن نحتاج إلى خطة نوعية لسوق العمل و خطة نوعية لتحسين توزيع الدخول و الثروات وأخرى لرفع إنتاجية العامل السعودي و مثلها لتطوير نظم التقاعد و التأمينات و خطة للبحث و التطوير و هكذا وكل هذه الخطط يجب أن يكون لها أهداف واضحة و قابلة للتطبيق و الانجاز و القياس و لها برامج  تنفيذية مرنة بمسؤوليات و برمجة زمنية محددة ويتم متابعة إنجازها و تقويمها باستمرار. و لا شك أن هذه الخطط النوعية الجزئية ستشكل في مجملها خططا تنموية كلية مختلفة عن خططنا التنموية السابقة. أما في ما يخص موضوع التقاعد و الحاجة إلى إعادة النظر في نظمه و تمويله وإشكالاتها اتفق د. سعد مع القائلين  بصعوبة إيجاد نظام تأميني جديد  في المدى القصير وإن كان هذا مطلوبا و ممكنا في المدى المتوسط و ضروريا في المدى الطويل.

وأضاف د. سعد الشهراني أنه وبخصوص مقترح م. حسام حول تطبيق مفهوم  private pencion يبرز تساؤل عن مكانه من النظم القائمة بمعنى:

  • هل هو نظام وبرنامج بديل كخيار جديد و مختلف يوازي النظامين و البرنامجين القائمين بحيث أن المؤمن و المؤمن عليه يختاران واحدا منها فقط و لا يجمع بين اثنين أو أكثر!
  • أم أنه برنامج داعم لهما و يمكن للمؤمن و المؤمن عليه أن يشترك في أكثر من برنامج تأمين تقاعدي و بالتالي يحصل على راتبين تقاعديين أو أكثر !

إن الفكرة برأي د. سعد الشهراني جديرة بالدراسة على أي حال و يلزم مسح النظم العالمية  و التجارب الناجحة و الأفضل على مستوى العالم. لكن الأهم – و بما له علاقة بما أثير حول إمكانية إفلاس التأمينات – أنه يجب الانطلاق من أن المؤمن عليه في التأمينات الاجتماعية مواطن مثل المؤمن عليه في مصلحة التقاعد و حيث أن الدولة ليست مشغلا للقوى العاملة فقط (مثل مؤسسات القطاع الخاص) بل هي دولة يستظل جميع المواطنون كلهم بظلها قبل أن تكون مشغلا لجزء من القوى العاملة و حيث أن  للمواطنين جميعا حقا متساويا عليها سواء كان موظفا فيها أو موظفا في القطاع الخاص فإن الدولة يجب أن تقوم بمسؤوليتها وواجبها تجاه المواطنين المؤمن عليهم في التأمينات و تجاه التأمينات نفسها بنفس مسؤوليتها وواجبها تجاه المواطن المؤمن عليه في المصلحة و تجاه المصلحة نفسها … كيف تضمن الدولة عدم إفلاس التأمينات مثل ما تضمن عدم إفلاس المصلحة … الدولة تعمل كمؤسسة  مؤمنة مع المصلحة و لكن تعمل كدولة (ضامنة) للمصلحة والتأمينات سواء بسواء … ما تدفعه الدولة للمصلحة هو أصلا من المال العام الذي يستوي في الحق أمامه المواطنين جميعا و لا يعني أن الدولة يجب أن تدفع  للتأمينات مبالغ اضافية عن موظفي القطاع الخاص بل يعني أن تعمل الضمانات الكافية ألا تفلس فقط. و من جهة أخرى فإن النظام الحالي الذي يسمح لموظف الدولة بأن يتقاعد مبكرا ويتسلم راتبا تقاعديا من المصلحة ثم يعمل في القطاع الخاص براتب كبير يؤهله لراتب تقاعدي آخر من التأمينات هو وضع يضر بالدولة و المجتمع و المصلحة و التأمينات معا. ولعل أهم التعديلات التي يجب أن تتم تتمثل في عدم السماح بأن يحصل الموظف أو العامل السعودي على أكثر من راتب تقاعدي واحد مهما تنقل بين الوظائف و بين القطاعين وأن يكون هناك حد أدنى للراتب التقاعدي وأن تكون هناك آليات لرفع الراتب بنسبة التضخم دائما و أن تضمن الدولة مؤسسات التقاعد و التأمينات ضد الإفلاس قياسا على حماية البنوك من الإفلاس .. لكن السؤال المؤلم هو :    هل إنتاجيتنا كقوة عاملة تبرر الرواتب العالية لبعضنا أو لأغلبنا أثناء العمل و بعد العمل؟

وتساءل د. خالد الرديعان: ما معنى تحويل صندوق التنمية العقارية إلى مؤسسة تمويلية؟ ما معنى ذلك وما الفوائد المتوخاة من ذلك؟ .. هل سيساعد في تعجيل الحصول على قرض؟ وهل سينتهي إجراء التنازل عن جزء من القرض؟

ورداً على هذا التساؤل قال أ. مطشر المرشد:  أعتقد بل أتمنى أن يكون الهدف من تحويل صندوق التنمية العقاري إلى مؤسسة مالية متكاملة ، هو لتطوير منتجات استثمارية تساعد حركة التمويل العقاري… قد يكون الهدف تطبيق تجربة الأمريكان  بمؤسسات التمويل العقاري لديهم وهي: فاني ماي وجني ماي وفردي ماك.

وأضاف أ. مطشر المرشد: العجيب أنهم يتخذون شجاعة وبنفس الوقت يتركون مساحة لجهات أخرى تبطل و تعارض بقراراتها وتقاعسها مفعول أي قرار شجاع وجيد … مثلا تحويل الصندوق العقاري إلى مؤسسة مالية يحتاج لتفعيل كامل لنظام الرهن العقاري ، ونظام الرهن للأسف معطل منذ صدوره قبل ٣ سنوات في مؤسسة النقد … نحاول أن ننطلق من أين انتهى الآخرون ، لكن للأسف نفشل في التنفيذ .. السبب غياب التنسيق والتكامل بين القطاعات ، وفي كل مرة نتخذ قرار بناء على تجارب عالمية نصطدم بالواقع المرير ونجبر على تحريف وتعديل بعض جوانب التجربة العالمية لكي نتمكن من تمرير القرار أو الفكرة عبر البيروقراطية وعدم تناغم قطاعاتنا ووزراتنا ، وبهذا يصبح لدينا مخرجات ، ترتدي بدلة أرماني وشماغ وعقال وكرفته وتكرمون زبيرية مزخرشة.

وقال د. مساعد المحيا: لعل هذا مؤشر على تفعيل الرهن ..لا سيما وأن تحويل الصندوق إلى بنك التنمية العقارية بحيث يصبح مؤسسة تمويلية وبالتالي تغيير هيكلة الصندوق الحالية والمتوقع أن تكون مرنة أكثر في مسألة التمويل، ويبدو أن هذا يساعد الصندوق على استثمار رأس ماله على نحو أوسع لتحقيق عوائد أكبر. وأشار د. مساعد المحيا إلى ما نشرته جريدة الاقتصادية من أن الصندوق لديه ١٩١ مليار ريال سيعمل على استثمارها مما سيتيح له فرص إقراض مستقبلا. كما لفت المصدر الذي نقلت عنه الاقتصادية إلى أن الصندوق بعد تحوله إلى بنك سيعقد شراكات مع المطورين العقاريين، ويمول مشاريعهم بشروط البنك الجديد، مضيفا: “ستكون هناك وحدات سكنية جديدة، وبأسعار مناسبة لجميع شرائح المجتمع”. معلوم أن الصندوق أعلن خلال الفترة الماضية عن عدد من المبادرات الفاعلة، منها البدء فعلياً في تقصي وضع الأحياء القديمة في ثلاث مدن رئيسة من السعودية، وإطلاق مشروع لنزع الملكيات فيها في سبيل إعادة تطويرها واستثمارها بالشكل الأفضل، حيث تم تشكيل لجنة خاصة للوصول إلى رؤية مشتركة حول عملية التطوير، وكانت أولى تلك الخطوات في الرياض. وأفاد المصدر المسؤول، أنه سيتم خلال الفترة المقبلة ابتكار برامج تمويلية جديدة تخدم المواطنين، وسيتم التوسع في الإقراض وأن ذلك سيلمسه المواطن قريباً. وتابع: “الصندوق بدأ في الفترة الماضية عملية دمج فروعه مع وزارة الإسكان وذلك بهدف توحيد الرؤى، وتسريع الأعمال، وبدأ مرحلة جديدة من التطوير في الخدمات التي تصب في صالح الوطن والمواطنين”.

التقاعد من المنظور الاجتماعي

تناول د. خالد الرديعان جانبا مما خلصت إليه الدراسات الاجتماعية حول التقاعد؛ حيث بينت هذه الدراسات أن المتقاعد الذي خطط لحياته بعد ترك العمل يعيش عمرا أطول وبصحة جيدة كما أنه يتكيف اجتماعيا ونفسيا أكثر من الآخرين ممن أهملوا وضع خطة واضحة لما بعد التقاعد… لذلك توصي الدراسات بأن يعد كل منا العدة لما بعد التقاعد بعمل مشروع مناسب ويستحسن أن يكون مدرا لدخل إضافي… علما أن بعض المشاريع غير مدرة للدخل لكنها توفر للمتقاعد فرص التكيف النفسي والاجتماعي.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن هناك عدة نظريات اجتماعية ونفسية تفسر سلوك المسن والمتقاعد على وجه الخصوص لعل أشهرها النظريات التالية:

– نظرية فك الارتباط Disengagement Theory :

وترى هذه النظرية أن المسن أو المتقاعد بوصوله إلى سن التقاعد يتخلى طواعية أو كرها عن بعض ما كان يقوم به سابقا من أدوار ووظائف بسبب اعتلال صحته أو لأسباب أخرى مما يجعله ينكفأ على نفسه ويواجه صعوبات عدم تكيف مع مرحلته العمرية… ومرد كل ذلك إلى غياب خطة واضحة لما بعد التقاعد.

– نظرية الطبقة المحرومة Deprived class theory :

وهذه من النظريات الاجتماعية التي تفسر سلوك المسنين… فهم عند بلوغهم سن الشيخوخة يبدأون بالمعاناة بسبب حرمانهم من بعض الامتيازات التي كانوا يحصلون عليها قبل بلوغهم سن الشيخوخة.. وفي بعض المجتمعات يتم تهميشهم لدواعي أنهم يكلفون ميزانية الدولة علاج وضمان اجتماعي ورعاية.. هذه النظرية مفيدة في فهم نفسية المسن خاصة من يعانون من الاكتئاب.. ولعل فرضيات هذه النظرية لا تنطبق في مجتمعنا السعودي فنحن عموما نُجل كبير السن من منطلق إسلامي ومن منطلق عاداتنا وتقاليدنا التي ليست كلها سيئة.

وبصفة إجمالية، أوضح د. خالد الرديعان أن مجمل ما تنتهي إليه النظريات الاجتماعية السابقة حول التقاعد هو التأكيد على ضرورة أن يكون لكل فرد خطة محددة لما بعد التقاعد حتى تقل المعاناة النفسية ويحدث تكيف مع مرحلة ما بعد التقاعد وبالتأكيد من الضروري أن يكون هناك أمان مالي يعين على ذلك.

وطرح أ. عبدالله الضويحي رؤيته حول أنظمة التقاعد في نقاط محددة تضمنت الإشارة إلى ما يلي:

  • أولا: من المعروف أنه تم دمج نظام التقاعد في القطاعين العام والخاص فيما يسمى تبادل المنافع وربما كان لهذا تأثيره على الصندوق.
  • ثانيا: أن رواتب القطاع الخاص في معظمها غير حقيقية وربما وهمية.
  • ثالثا: يمكن أن ننظر للتقاعد ومستقبل الموظف من ناحيتين:
  • حق الموظف على نفسه المنطلقة من ( أن لنفسك عليك حقا ).
  • حق الدولة عليه المنطلقة من ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ).

وفيما يتعلق بحق الموظف فهو ما يمكن أن نطلق عليه ( ثقافة ما بعد التقاعد ) سواء كانت اجتماعية أو مادية. فكثير من موظفي الدولة لديهم بدلات تصل لنصف الراتب أو ثلاثة أرباعه وسكن إما مجاني أو بإيجار رمزي خاصة العسكريين وعندما يتقاعد هؤلاء بعد ثلاثين سنة وقد تضاعفت دخولهم وعدد أفراد أسرهم يجدون أنفسهم فجأة بدخل يقل إلى الثلث أو النصف وبدون سكن وربما سيارة لأنه لم يخطط لهذا اليوم وكان يعيش لحظته ينفق على كمالياته ( أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب ). وهؤلاء يتحملون جزءا من المسؤولية تجاه أنفسهم.

أما ما يتعلق بحق الموظف على الدولة وهو ما يستحقه بعد التقاعد يمكن التوقف عند أكثر من نقطة:

  • نظام التقاعد لم يطرأ عليه تغيير جوهري منذ صدوره وأبرز التعديلات تقسيمه بالتساوي بين الورثة. وإذا كان عددهم 3 يصرف لهم فقط 75% من الراتب وإذا كانوا 2 يصرف لهم فقط 50%.
  • إذا كان أي من الورثة موظفا أو متزوجا ( الإناث ) أو تجاوز 21 سنة لا يستحق عدا الطلبة وبحد أقصى 26 سنة.
  • يتقاعد الموظف بعد 40 سنة خدمة أو بلوغه 60 سنة بقوة النظام ويحق له التقاعد المبكر إذا أمضى في الخدمة 25 سنة أو 20 بموافقة عمله.

وأضاف أ. عبدالله الضويحي أنه وبناء على ما تقدم يمكن الانتهاء إلى الاستنتاجات أو الحقائق التالية:

  • أولا: لا يمكن لأي موظف أن يكمل 40 سنة ففي أحسن الأحوال يُعين وعمره 23 أو 24 سنة أي أن خدمته لن تتجاوز 36 سنة وبالتالي لن يصرف له كامل الراتب وإنما 800% منه في أحسن الأحوال.
  • ثانيا: وفقا لمتوسط الأعمار لو توفي شخص بعد تقاعده لبلوغه الستين بأيام وجميع ورثته موظفون أو متزوجات تذهب كل حقوقه  التقاعدية وما تم حسمه من راتبه إلى المؤسسة.
  • ثالثا: بناء على ما سبق نجد أن المؤسسة العامة للتقاعد هي المستفيدة وإذا أضفنا إلى ذلك استثماراتها فالمفروض أن لا تعاني من عجز  في صندوقها.
  • رابعاً: إن أبرز ما تعاني منه المؤسسة يتمثل في:
  • التقاعد المبكر خاصة من قبل المعلمين الذين يجدون فرص عمل أخرى في القطاع التعليمي الخاص أو يتفرغون لحياتهم الخاصة وهم أكثر من يستفيد من راتبه التقاعدي. وكذلك الأطباء أو أساتذة الجامعات وغيرهم. وعلى سبيل المثال: إذا تقاعد معلم بعد 31 سنة وكان عمره في حدود 55 أو 56 فإنه يكون قد دفع للمؤسسة في حدود 600 ألف ريال ( متوسط الحسم التقاعدي من راتبه 1500 ريال ) فيما يحصل في المقابل على مكافأة تعليم ( 93 ألف ) وراتبا شهريا في حدود 16 ألف ريال أي أنه يستعيد كل ما تم حسمه عليه في غضون 3 أو 4 سنوات وكذلك الحال مع الموظف. كما يحصل المتقاعد بقوة النظام من الموظفين والعسكريين على مكافأة 6 أشهر نهاية خدمة وكانت تصرف للوظائف التعليمية وأوقفت قبل خمس سنوات وتم الاكتفاء بمكافأة التعليم كما يصرف للموظف تعويضا عن الإجازات بحد أقصى 6 أشهر.
  • إدارة استثمارات المؤسسة لا نستطيع الحكم عليها لكن نعتقد أنها لا تتناسب ومتطلباتها والمبالغ المستثمرة.
  • ارتباطها بالدولة فكما أن الدولة تدعمها فبإمكانها أيضا السحب منها عند الضرورة.

أما عن الحلول المقترحة، فقد أشار أ. عبدالله الضويحي إلى بعض منها وتتضمن من وجهة نظره:

  • رفع سن التقاعد وبدون تحديد لبعض الوظائف مثل الأطباء والقضاة وأساتذة الجامعات والقانونيين وغيرهم من مهن كلما تقدم العمر بصاحبها كلما كان أكثر حكمة ونضجا وإفادة مالم يصب بعاهة تمنعه من ذلك.
  • استقلالها كهيئة أو أي مسمى وإعادة النظر في نظامها وعدم ربطها بأي جهة حكومية بحيث يديرها نخبة من المتخصصين في هذا المجال والاقتصاديين وعدم الصرف منها إلا في المجال المخصصة له.

المحور السادس

المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة

الورقة الرئيسية :

عرضت د. الجازي الشبيكي ورقة عمل بعنوان: المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة ، وأشارت في إطارها إلى أن وضع المرأة قد مرً في المجتمعات البشرية بشكل عام عبر أزمنة التاريخ بمراحل من التمييز ترتفع وتنخفض تبعاً لعوامل متعددة ، منها نوع المعتقد  في المجتمع والثقافة السائدة فيه وما تتضمنه من أعراف تعود في أغلبها للتقاليد والعادات المتوارثة أكثر من كونها قائمة على تعاليم الأديان ، وقد يكون أصلها أسطورة من الأساطير ، مثل ربط المرأة بأصل شقاء البشرية وأنً أمًنا حواء هي التي تسببت في إخراج  أبونا آدم عليه السلام من الجنة والقرآن الكريم يقول { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ } وفي الآية الأخرى {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}  أي أن الوسوسة كانت من الشيطان  لهما معاً ، وآدم عليه السلام هو المُعاتب من ربنا الذي قال {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}.

واختلف المؤرخون في مدى إعطاء الحضارات القديمة للمرأة حقوقها ، ولكنً بعضهم استدل ببعض الأدلة على وجود حقوق للمرأة في الحضارة النبطية مكنتها من التمتع بالشخصية القانونية المستقلة ، فيما فقدت بعض تلك الحقوق في ظل القوانين اليونانية والرومانية قبل الإسلام .

وعلى الرغم من أن الكتابات حول وضع المرأة قبل الإسلام كانت إلى حد ما ضعيفة ، إلًا أنها لا تخلو من التناقض في بعض الأحيان ، ففي حين ذكرت مراجع عديدة أن المرأة توأد في المهد ولا تُورث وليس لها ذمة مالية وتعد من سقط المتاع، إلا أن بعض الشواهد تناقض ذلكً من خلال تجارة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها قبل الزواج بالنبي صلى الله عليه وسلم  وكذلك من خلال تسمية بعض الآلهة بأسماء بعض الإناث مثل {ومناة الثالثة الأخرى}وغيرها من الشواهد.

ولكن مما لاشك فيه أن الإسلام رفع مكانة المرأة وأعلى من شأنها وأعطاها حقوقاً كثيرة  وأوجب عليها بالمقابل واجبات وأقر لها ما لم تقره شريعة أخرى واعتبرها شريكة للرجل في الحياة والمسؤوليات ، قال تعالى { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } ، وهذا كله كان من المفترض أن يجعل وضع المرأة في المجتمعات المسلمة أفضل من قريناتها في المجتمعات الأخرى لولا هيمنة الفكر المتشدد المتأثر ببعض الأعراف والموروثات والممارسات المُتذرعة بالشريعة الإسلامية وهي في الواقع بعيدة عنها.

والمجتمع السعودي مجتمع يستند في تشريعه ودستوره وتعاملاته إلى الدين الإسلامي بشكل كبير، ومن المفترض أن ينعكس ذلك على كل أنظمته وقوانينه وإجراءات تنفيذها في جميع القضايا الاجتماعية وهذا هو واقع الحال  بحمد الله ، إلًا فيما يخص وضع المرأة الاجتماعي فيه ، فعلى الرغم من تحسن ذلك الوضع  تصاعدياً مع تعاقب عقود الحُكم والخطط التنموية ، لكنً ذلك لازال دون مستوى الطموح المُؤمًل منه بكثير، وذلك بسبب هيمنة كثير من الأعراف الموروثة وإسباغ صفة الشرعية الدينية عليها والتعامل مع المرأة كقاصر وفرض  الولاية والوصاية عليها والاستمرار في توجيهها طوال حياتها على الرغم من الحقوق التي أعطاها لها الإسلام ومن أهمها :

  • حقوقها الانسانية ؛ حق الحياة والتكريم والعدالة والحرية.
  • حقوقها الاجتماعية ؛ حق العمل وحق المشاركة في المناسبات والأنشطة الاجتماعية وحق الإجارة والأمان.
  • حقوقها الأسرية ؛ في التربية والخطبة والزواج والمهر والانفاق والطلاق وغيرها.
  • حقوقها في التعلٌم والتثقف.
  • حقوقها الاقتصادية ؛ في البيع والتملك والشراء والإنتاج والاستثمار والعمل والأجر والإرث وغيره.
  • حقوقها السياسية ؛ في البيعة والشورى وإبداء الرأي والمُشاركة في الشأن العام والهجرة واللجوء السياسي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وغيرها من الحقوق في المجالات المختلفة.

أهم قضايا ومشكلات المرأة السعودية المرتبطة بهيمنة الأعراف الموروثة :

  • التعامل معها كمواطنة من الدرجة الثانية وليست كشريكة في الحياة والإعمار والتنمية.
  • الازدواجية في التعامل معها دون الاستناد إلى معايير وأنظمة واضحة ومحددة.
  • تضعيف هويتها بذاتها كإنسانة لها استقلاليتها وربط وجودها بمدى علاقتها بالرجل في حياتها ( حرم فلان ، أم فلان ، كريمة فلان …..).
  • استمرار النظرة لها كقاصر مهما بلغت من التعليم والنضج والتقدم في العمر.
  • حرمانها من التنقل بحرية من خلال قيادتها لسيارتها وتفضيل بقاءها مع السائق الأجنبي على الرغم من بعده القرابي عنها.
  • تحميلها في الغالب مسؤولية وتبعات فشل الأسرة أو الطلاق وغيره.
  • حرمانها في الغالب من المناصب القيادية والسياسية داخل وخارج بلادها.
  • تعقيد بعض إجراءات معاملاتها في الدوائر الحكومية واستهجان وجودها شخصياً في تلك الدوائر لمتابعة أعمالها واحتياجاتها.
  • غياب المساندة الفاعلة لها في المحاكم الشرعية من حيث متابعة تطبيق الأنظمة القضائية لصالحها.
  • تعرضها للعنف والإيذاء الأسري في الغالب ودفعها باتجاه كتمان تلك المعاناة وعدم إبداءها.
  • التعسف في استخدام مفهوم القوامة وتحويله إلى سلطة مطلقة للرجل في كثير من الأحيان.

أهم التدخلات المطلوبة لتحسين وضع المرأة في مجتمعنا :

  • التركيز على رفع مستوى وعي المرأة بحقوقها الشرعية التي كفلها لها الدين الإسلامي بعيداً عن التشدد والتمرد من خلال شتى الوسائل التعليمية والتوجيهية والإرشادية.
  • رفع مستوى وعي المجتمع بأهمية حقوق المرأة واحتياجاتها وقضاياها ودورها الهام في تنميته.
  • استصدار الأنظمة والقرارات السياسية والقانونية التي تعطي للنساء حقوقهن المشروعة في المجتمع وترفع عنهن التعدي والظلم والتجاهل مع التركيز على متابعة تطبيق تلك القرارات والأنظمة وفرض العقوبات الملائمة بشأن من يخالفها.

التعقيب الأول:

أشارت أ. هيا السهلي في تعقيبها على ورقة د. الجازي الشبيكي حول: المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة، إلى أن قضايا المرأة تنحصر في ثلاثة أبعاد:

  • البعد الأول:قانوني، ويتعلق بقوانين الأحوال الشخصية ، والتعميمات أو التوجيهات التي تصدر من الدوائر الحكومية رسميا أو باجتهاد شخصي من المسؤول والتي تحجب عن المرأة كثير من حقوقها وتسقطها بالتقادم أو الرضى العام أو التواطيء من أصحاب القرار… وهذا البعد القانوني لم يمثله قادة الرأي والنخب حق تمثيل حيث غلبوا في أطروحاتهم حقوق المرأة النخبة التي تمثل شريحة بسيطة وليست المرأة البسيطة التي تمثل الأغلبية  فربة البيت أقصى ما يعنيها طفل بجانبها وعيش كريم آمن وليس أن تصبح وزيرة وعضو شورى ! … ومع ذلك قطعت السعودية (دولة وامرأة ) شوطا لابأس به في السنوات الأخيرة فرضه الواقع وتمدن المجتمع وتطور نظمه ونموه السكاني، ومازلنا بحاجة المزيد منه وتفعيل ما أقر منه وتقنين القضاء.
  • البعد  الثاني : يتداخل مع ثقافة المجتمع وتقاليده وعاداته التي تحول دون مشاركة المرأة كعضو فاعل في أنشطة المجتمع والحياة  الرئيسية أو صنع القرار السياسي … وبحجم النشاط أو الحق الذي سيمنح للمرأة يتحدد المعول الحقيقي في اكتساب هذا الحق لها ، فبعض حقوق المرأة تستلزم قرارا سياديا ويعتبر رفع الوعي ونشر  الثقافة توطئة له فقط أو تحصيل حاصل قد لا تحسمه لو لم يصدر مرسوما ملكيا مثل (تعليم المرأة ، ودخول المرأة لمجلس الشورى والانتخابات البلدية) حسمت بقرار ملكي مع مناعة المقاومين له ! … أما الحقوق والصفات التي تجعل من المرأة كيانا بحد ذاته فهذه لابد من وعي كامل يبدأ بالمرأة أولا ووعيها بحقوقها جزء هام من استراتيجية تطورها . ثم يأتي ثانيا نشر الثقافة في المجتمع إعلاميا وتربويا ولكل مكونات الحياة فالثقافة هي المدخل الرئيسي لمعالجة قضايا المرأة كما أن ثقافة المجتمع قالبا مفتوحا قابل للتشكل من التاريخ ورموز المجتمع والفكر المحلي أو المستورد … نعم نستحضر في مناهج التعليم وبرامج الإعلام تاريخ المرأة البطلة والمرأة التي استشارها الرسول صل الله عليه وسلم في صلح الحديبية و..و.. ولكن سياق استحضارها بقي رمزا وغُرس رمزا لا يتكرر وهذي معضلة تُعقم الأرحام الولادة.
  • البعد الثالث: يتعلق بغياب من يمثل المرأة وحيث أننا حديثي عهد بالاتفاقيات الدولية وثقافة الحقوق ودخول العولمة قسرا على مجتمعنا  فمن الطبيعي أن لا تكون هناك مؤسسات تمثيلية للمرأة نافذة وفاعلة تحتضن المرأة وتتبنى الدفاع عن حقوقها لاسيما في غياب مؤسسات المجتمع المدني … والجمعيات ذات القدم لازالت تدور في فلك الطبق الخيري ودورات الكمبيوتر ! ومن هذا البعد تصدى الرجل لتمثيل المرأة والدفاع عنها فانقسموا إلى تيارين وجعلوا المرأة موطن الصراع وتصفية حسابات والنصر لذاتهم لا لقضية المرأة ، وانصرفوا عن القضايا الحقوقية إلى قضايا تحسم بقرار سيادي ! فتيار حبسها لأنها الجوهرة المصونة ولا مانع من عامل أجنبي يكشفها ! والتيار الآخر يدعوها للتحرر ويحصر قضاياها في قيادة صندوق حديد… وذكرت أ. هيا السهلي صورة مؤلمة ناتجة عن تنازع كلا التيارين حيث قالت : امرأة معاقة الحركة، اشتكت لي وهي تبكي بحرقة وقالت: أنها تضطر في قضاء مشاويرها الضرورية في استئجار تاكسي ، وحتى تنزل من السيارة يقوم السائق بحملها مع خادمتها – إذا توفرت – ووضعها في كرسيها المتحرك مما يضطره لملامسة جسدها ! أين حافظوا كرامة المرأة والمدعون بحقوقها في المطالبة بحق هذه المرأة في سيارة مهيأة للمعاق تحفظ كرامتها ولا تخدش حياءها !

التعقيب الثاني:

أوضحت د. طلحة فدعق أنها ستعقب على بعض القضايا التي ترى أنها تحتاج إلى إيضاح وتفنيد أكثر لسياقاتها لربطها بإشكالية وضع المرأة الراهن بين الدين والموروث الثقافي. حيث أشارت إلى أن د. الجازي الشبيكي تطرقت بسلاسة للمراحل التاريخية التي شملت ما قبل الإسلام ثم الإسلام ثم الوقت الراهن انتهاء بوضع المرأة في السعودية من ناحية حقوقها المضمومة إضافة إلى أهم المشكلات المتعلقة بهيمنة العرف والتقاليد وختاما ببعض المقترحات لتحسين وضعها. لكن من وجهة نظرها ترى أن هناك حلقه مفقودة لابد من التطرق إليها وهي حلقه جدلية تبحث في أسباب حدوث التداخل أو المغالطات ما بين الديني والثقافي فيما يتعلق بقضايا المرأة رغم وضوح تعاليم الإسلام… ثم ماهي السياقات التاريخية والاجتماعية التي حدث ضمنها ذلك الخلل وما أسبابه ومبرراته؟

وذهبت د. طلحة فدعق إلى أن تلك الحلقة كانت ومازالت تشكل محورا خصبا للجدل والنقاش من قبل الباحثين المتخصصين ويمكن تلخيصها في قضيتين:

 1- قضية التداخل بين الديني والسياسي:

تطرقت الكثير من الدراسات التاريخية والاجتماعية والنسوية أيضا للإسلام وما أحدثه من انقلاب وثورة في مفاهيم المجتمع الجاهلي وما أعقبه من تغييرات جوهرية على وضع ومكانة المرأة. لكن بعض تلك الدراسات خصت ذلك التحسن بالفترة التاريخية الأولي وهي “عصر الرسالة والخلافة الراشدة ” ثم مع الانتكاسات التي حدثت لاحقا للأمة الإسلامية حدثت الكثير من التغيرات التي مست أمور كثيرة وانعكست سلبا على وضع المرأة المسلمة ومنها ما حدث من إعادة قراءة وتأويل للنصوص الدينية (خصوصا في العصر العباسي كما أشارت بعض المراجع) لمصلحة السلطة السياسية وترافق معها إعادة قراءة وتأويل للنصوص المتعلقة بالمرأة ومن ثم تم هضم الكثير من حقوق المرأة المسلمة تحت غطاء (الديني المشرعن). هذه القراءة حقيقة تؤيدها بعض الطروحات المعاصرة ومنها ما ذكره د. عبد الحليم أبو شقة في دراسة أثارت الكثير من الجدل حول (تحرير المرأة في عصر الرسالة) وهي دراسة تعتمد على تحليل الأحاديث الصحيحة للبخاري ومسلم لتلقي الضوء على وضع المرأة المسلمة الأسري والاجتماعي وكيف كان في ذلك العصر النبوي. وأشار الباحث إلى أن ما يعرف بـ (التجديد الإسلامي المعاصر في قضايا المرأة) يتطلب العودة للمفهوم الصحيح الوارد في الكتاب والسنة.

2- قضية التداخل بين الديني والاجتماعي:

 هذه قضية أخرى تتداخل فيها المفاهيم الدينية بالموروثات الثقافية فظهور الإسلام حرر المرأة من كثير من القيود التي كبلتها بها الأعراف والتقاليد السائدة آنذاك، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الصدد: لماذا عادت وقويت شوكة تلك الموروثات الثقافية مرة أخرى لتعيق انطلاقة المرأة النهضوية وحقوقها التي كفلها لها الإسلام؟ ثم ما علاقة التفسيرات والتأويلات للنصوص الدينية بهذه القضية؟ وهل هناك تعاضد أو تحالف بين (الديني والثقافي) ضد مصلحة المرأة كما حدث بين (الديني والسياسي) في القضية الأولي؟ ولمصلحة من هذه المرة؟

هذه القضية الشائكة تناولتها كثير من الدراسات الغربية (خصوصا المدارس النسوية، وأنثروبولوجيا الإسلام، وسيسيولوجيا المرأة، والسيسيولوجيا الثقافية) وقلة من الدراسات العربية والمحلية. لعل من أهم الدراسات التي أشارت للموضوع ضمن السياق السعودي هي دراسة الدكتورة فوزية باشطح المعنونة بـ ” المرأة السعودية بين الفقهي والاجتماعي” والتي حللت فيها (2600 فتوى) متعلقة بقضايا المرأة مختارة من مدونة هيئة كبار العلماء لتسليط الضوء كما ذكرت الباحثة على درجة التداخل بين الخطاب الفقهي والخطاب المجتمعي وتأثيره على الأفراد والمرأة والمجتمع…  فكيف يرى الفقيه المرأة هنا؟ وكيف يرى دورها؟ وهل الخطاب الفقهي يتماشى مع الخطاب التنموي لينصف المرأة السعودية في المجتمع؟

 وهكذا فمن وجهة نظر د. طلحة فدعق فإن القضيتين السابقتين تفسران انحدار وضع المرأة الحالي فيما يتعلق بسطوة الموروث الثقافي وتعطيله لكثير من قضاياها وعرقلة دورها التنموي في المجتمع السعودي تحديدا. أيضا ذلك التداخل أفرز العديد من المشكلات التي أشارت إلى بعضها د. الجازي ، لكن من الأهمية إضافة علامة استفهام حول تلك المشكلات والتي ترى أنها ليست فقط بسبب الأعراف والموروثات وإنما يبدو أن للنسق الديني والنسق السياسي دورا – مقصود أو غير مقصود – في منح تلك الموروثات القوة في تأثيراتها وسطوتها الاجتماعية…. على سبيل المثال أشارت د. الجازي إلى مشكلات الهوية والمواطنة والحقوق العامة…هنا كيف يمكن تفسير تلك المشكلات في ظل وجود الدستور – الكتاب والسنة – ووجود الدولة التي كفلت للمرأة حقها كمواطنة؟  أيضا معاناتها في المحاكم خصوصا في قضايا الأحوال الشخصية …كيف يمكن تفسيرها في ظل وجود نصوص دينية واضحة ونسق قضائي يفترض أن يتسم بالعدالة والانصاف؟ … هذه قضايا تحتاج إلى إعادة نظر وتأمل منطقي لنستطيع بعدها طرح مقترحات لتحسين وضع المرأة ومنها ما أشارت إليه د. الجازي حول : رفع مستوى وعي المرأة والمجتمع بحقوق المرأة الشرعية إضافة إلى إيجاد الأنظمة السياسية والقانونية التي تكفل حقوق النساء.

كذلك ترى د. طلحة فدعق بخصوص النقطة الأخيرة التي ذكرتها د. الجازي الشبيكي (استصدار أنظمة سياسية وقانونية تكفل حقوق المرأة) أنها تمثل نقطة البداية من وجهة نظرها لتفنيد التداخل بين (السياسي والديني) ومن ثم بين (العرفي والاجتماعي). وعليه فإنها تتوقع أن المستقبل سيحمل الكثير من الاصلاحات التي ستتبناها السلطة السياسية وتعني بها الدولة هنا لمصلحة النساء ولتنقية الخطاب الديني من التشدد ضد قضايا المرأة وحقوقها الشرعية ومن ثم السيطرة على الموروثات بدرجه معقوله تكفل لمسيرة تنمية المرأة أن تنطلق.

المداخلات حول قضية المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة:

يعتقد د. إبراهيم البعيز أن قضية حقوق المرأة في المجتمع السعودي تتحول بسبب التأجيل إلى قضية رمزية في التنافس على التأثير .. فكثير من حقوق المرأة أخذ  صانع القرار فيها أمره بحزم ومضى مثل التعليم سابقا والانتخاب وعضوية مجلس الشورى مؤخراً .. وقضايا تركها للحوار والجدل غير المقنن فتحولت إلى قضايا رمزية في الصراع بين التيارات والأطياف في المجتمع السعودي وبذلك بدأت تتعقد إمكانية القرار.

وأضافت أ. فاطمة الشريف أن كل ثقافة مجتمعية باختلاف القواعد التي بنيت عليها تلك الثقافة أو الإرث التاريخي والديني لها، لديها حقوق وقواعد خاصة بها. ومن ثم فإنها ترى أن هناك حقوق ( إنسان ) جوهرية وتلك الحقوق يجب تطبيقها بغض النظر عن الجهاز القضائي السائد في تلك المجتمعات وبغض النظر عن جنس الفرد أو القانون المتبع في تلك المجتمعات ، ويظهر جليا لنا جميعا أن حقوق المرأة باتت من الأمور الهامة جداً . وفي هذا العصر فإننا إذا نظرنا إلى العالم من حولنا فإن الطريقة التي تُعامل بها المرأة في أي بلد من خلال النظام التقليدي والنظام السياسي والقانوني لذلك البلد تعتبر محكاً واختيارا للطريقة التي ينظر بها العالم إلى ذلك البلد لذا من الهام جدا تطوير وضع المرأة وتمكينها في مجتمعها وأهمية المراجعة والنظر في التشريعات والقوانين التي تخصها لاسيما ما يتعلق بـ:

  • مزايا الربط بين تلك التشريعات أو الأنظمة وحياة المرأة .
  • دور القانون أو النظام الحالي في ديمومة الوضع الذي ينتقص من مكانه المرأة سواء على مستوى العمل أو الحياة الاجتماعية بشكل عام .
  • الحدود والإمكانيات لاستخدام وسن تشريعات جديدة وأنظمة مساندة في إحداث تغيير في المجالات الحقيقية التي تمثل معاناة للمرأة في مجتمعها.
  • يبقى موضوع ( الفقه النسائي ) وفهمه واستيعابه بالشكل الصحيح وتقديمه كفقه لصالح المرأة وليس العكس والكف عن استخدامه كوسيله لتراجع وحرمان المرأة من حقوقها الإنسانية أولا .

وذكر د. زياد الدريس أنه يتفق مع ما سبق وأشار إليه د. إبراهيم البعيّز بقوله أن قضية المرأة عندنا تشبه ما يسمونه في البلدان الديمقراطية بالورقة الانتخابية ، مع تعديل طفيف على التشبيه ينسجم مع ” خصوصيتنا” ، فبدلاً من تسميتها ورقة انتخابية لعدم توفّر ذلك فلنسمها ورقة حزبية يتلاعب بها التياران المتنافسان على السيادة : الإسلاميون (الإسلامويون) والليبراليون (الليبرالويون). فالسمة الأبرز لتصنيف الشخص مع هؤلاء أو أولئك هو من خلال التلاعب بحرية أو عدم حرية المرأة… ينبغي أن نفصل أو نفرز قضايا المرأة الشائكة إلى نوعين:

  • نوع له علاقة بتسيير أعمال الدولة ومصالح المجتمع وحراكه التنموي مثل: تعليم المرأة وتوظيفها وتسهيل الإجراءات المرتبطة بذلك مثل قيادة السيارة والسفر، فهذه تُحسم بقرار سيادي من الدولة بعد الاستئناس والتنسيق مع المؤسسة الدينية.
  • نوع آخر له علاقة بالجوانب الشخصية والصورة الاجتماعية فهذه يُترك للمجتمع أن يستمتع بالجدل حولها حتى تتفكك إلى نتيجة تلقائياً !

واختلف د. خالد الرديعان مع ما طرحه د. زياد في عملية الفصل بسبب صعوبته.. فما ذكره برأي د. خالد عن تعليم المرأة وقيادة السيارة ليست قرارات تخص الدولة لكي تتعامل معها… هي أمور اجتماعية ثقافية بالدرجة الأولى والدولة تتحرك في هذا النطاق أي وضع الاعتبارات الاجتماعية في الحسبان.. هناك استثناءات طبعا كقرار دخولها مجلس الشورى وهو قرار أثار بلبلة اجتماعية.

وأوضحت د. سامية العمودي أن ما تضمنته ورقة د. الجازي الشبيكي والمعقبين يعد مناسبا لطرحه في سلسلة ندوات يحضرها الشباب من الجنسين لتبدأ عملية التفكيك للمعتقدات المعلّبة ويبقى الأهم القرار السياسي فكثير من قضايانا تمت مناقشتها وتمحيصها بما يكفي لتهيئة من هو على استعداد للتغيير، أما الآن فوقت القرارات الحاسمة مثل أمور كثيرة عشناها سابقاً أما تركها معلقة ومناطق نزاع بين أطياف المجتمع فيزيدها تعقيداً ويسئ لنا أمام عالم وضعنا تحت المجهر وما حقوق الإنسان ببعيدة.

وعلق د. إبراهيم البعيز بأن الجدل (غير المقنن) الاجتماعي حول كثير مِن قضايا المرأة بمختلف محاورها كان في السابق يأخذ جدليات المبدأ من حيث الحلال والحرام، لكنه بدأ مؤخراً (لأسباب متعددة) يأخذ جدليات الظروف الاجتماعية وربما الزمانية .. وهنا يمكن لصانع القرار أن يكون حازما و يأخذ المبادرة للحسم فيها، لأن التأجيل لن يسهم إلا في تعقيد المشكلة .. والخطوات الأولى لهذا أن يرفع الحظر على وسائل الإعلام المحلية لمناقشة هذه القضايا والتخلص من قيد أن هناك “معصوم” يقول كلمته النهائية التي تنهي الحوار الاجتماعي. وأضاف د. خالد الرديعان: أيضا فهم يحترمون اختلاف الآراء وتنوعها دون تهميش أو تخوين ويتحدثون بمنتهى الصراحة وهذا ما يجعلهم بالفعل مجتمعات ديموقراطية.

وأوضح د. سعد الشهراني أن الدولة تستطيع أن تقود التحول و التعيير الايجابي في القضايا الاجتماعية المهمة كما فعلت مع تعليم المرأة .. بل يجب في رأيه أن تقوم بذلك و تترك الحرية لمن يأخذ أو لا يأخذ برأيها و توجيهاتها و تضرب بيد من حديد على من يتعدى على حريات الآخرين و حقوقهم .. المجتمع يتبع الدولة و المعارضون سيسابقون المؤيدين كما حصل في السابق لأن هناك فرصا إيجابية و لأن الدولة لن تتحذ خطوة لا يقرها ديننا الإسلامي الحنيف.

ومن جانبها تعتقد أ. علياء البازعي أن على المرأة نفسها مسؤولية في بعض الجوانب التي تحدثت عنها ورقة د. الجازي.

وأشارت أ. ليلى الشهراني إلى أن المتأمل في حال المرأة السعودية وما يحيط بها من ضغوطات يجد أن الالتفاف حولها والأخذ بيدها أفضل بكثير من تركها في قلب الصراعات تجدف في بحر دون مرسى تتقاذفها أمواج عاتية ، وتحركها فئتان متناقضتان في التفكير ومتفقتان في التطرف “التشدد والغلو , والليبرالية المشوهة” , فريق يريد حبسها عن مباهج الحياة , وفريق يريدها أن تتجاوز كل حدود الشرع والأعراف… عندما نتأمل ما جاء به الشرع نجد أنه لم يظلم المرأة بل أنصفها ، أعطاها كامل الحقوق بنصوص قرآنية ثابتة وبسنن نبوية صحيحة , حتى في الثواب والعقاب يتكرر (المؤمنين والمؤمنات) (المسلمين والمسلمات) (الطيبون للطيبات).. بل وردت قصصهن في القرآن , ملكة سبأ وكيف غلب رأيها رأي الكثير من رجالات مملكتها , ومريم بنت عمران الطاهرة الملهمة , وزوجة فرعون وغيرهن من النساء المؤمنات والعاصيات , وفي السنة النبوية قصص لأمهات المؤمنين والصحابيات تبين كيف أثرت مشورة امرأة في قناعات الصحابة الكرام في صلح الحديبية وهي أم سلمة رضي الله عنها , ولم يقال وقتها لا يصح أن تؤخذ مشورة المرأة , أو يستعير أكرم الخلق من رأيها أو يعاندها .

وأضافت أ. ليلى الشهراني أنه وفي مسألة المواريث لازمها اعتقاد أن للذكر مثل حظ الأنثيين ولكن وجدت أنها تختلف ففي بعض الحالات ترث المرأة أكثر, وفي الشهادة كان النص القرآني لطيفا مع المرأة {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} , بمعنى إن نسيت إحداهن تذكرها الأخرى , ولم يكن انتقاصا منها كما يقول البعض… في بعض الأعراف ظلمت المرأة كثيرا , إما بسبب جهلها بحقوقها أو خوفها من مخالفة الأمر السائد , حتى لا تفرض عليها عزلة اجتماعية وربما عائلية … استبدل الناس سماحة هذا الدين بعادات موروثة لم ينزل الله بها من سلطان , بل مجرد استيراد للجاهلية الأولى التي اعتقنا الله منها , وتشدد البعض في مسألة تعليم المرأة وعملها بل وحتى حجابها … بل تخوف البعض من وصولها لأعلى سلم المجد العلمي أو حتى العملي بحجة التغريب , ثم رأينا عجلة الزمن تدور وتتجاوز هذه التخوفات , لنرى المرأة السعودية عابرة لكل حدود الإبداع “.

واستكملت أ. ليلى الشهراني بقولها: لا أريد أن أذكر الأسماء حتى لا أهمش أحدا” لكنهن رفعن رأس الوطن عاليا , منهن “الطبيبة , والعالمة , والباحثة , وفي كل المجالات” … نثني على نساء العالم شرقا وغربا , فنحتفي بأول وزيرة محجبة في تركيا , ونثني على داعية بحجاب عادي في دولة أخرى ونتقاتل على حرمته وجوازه هنا . دون الأخذ بالاختلافات الفقهية … نحتفل بمن صعدت بحجابها على منصة تكريم تضم الرجال والنساء في حفل مختلط , ونقيم الدنيا ولا نقعدها إذا وضع لأمهات الطلاب مكانا مخصصا في مسرح الجامعة لحضور حفل تخرجهن ، خوفا من الفتنة ! وفي المقابل نرى من يسخر من حجاب المرأة السعودية ويصفه بقطعة القماش البالية , ويهمش دورها إن كانت منقبة , بل يراها متخلفة إن تمسكت في حقها باختيار نوع حجابها ، أو حتى مكان عملها ، أو مطالبتها بما يتوافق مع خصوصيتها الدينية والاجتماعية ولا يريدها إلا على نظام “هوانم جاردن ستي” وكأن التطور والتقدم لا يتم إلا بالتنازلات الواحدة تلو الأخرى ! حان الوقت أن نعطي هذه المرأة الثقة التي تستحقها , دون شيطنتها والوصاية عليها , ودون التكلم نيابة عنها , مع توفير كل ما يساعدها على الإبداع في بيئة وسطية تحكمها الشريعة وليس العرف والعادة والموروث .

وعلق د. إبراهيم البعيز على طرح أ. ليلى الشهراني بقوله أنه يتفق معها لكن المبالغة والتكرار – في وسائل الاعلام والتواصل- في الاحتفاء بمن ظهرت على منصة التكريم وهي منقبة والثناء عليها بتمسكها بقيم الدين وما إلى ذلك فيه تلميح بأن المرأة السعودية التي تشارك في المناسبات الثقافية والعلمية داخليا وخارجيا وهي غير منقبة غير متمسكة بالدِّين وخارجة عن الثقافة … نحترم حقها في الاختيار، لكن دون مبالغة في الثناء بشكل يسيء لمن كان لها رأي آخر في غطاء الوجه.

وبدورها أوضحت أ. ليلى الشهراني أنها استشهدت بهذا الموقف في مسألة الاختلاط ولم تقصد بحال من الأحوال أن تقلل من غيرهن.

وفي مداخلة لاحقة ذكرت د. طلحة فدعق أن المشكلة ليست في الحقوق التي أقرها الإسلام للمرأة  فهي معروفة ومفهومة لكن المشكلة في التطبيق وهنا يأتي دور السلطة والنسق السياسي في فرض التغيير وتوجيه المسار للمصلحة العامة. واتفقت د. طلحة مع ذكره د. سعد الشهراني أنها مسئولية الدولة التي تستطيع أن تقود مسيرة التغيير.

واتفقت د. طلحة فدعق مع ما ذكره د. إبراهيم البعيز حول المبالغة والتكرار في الاحتفاء بمن ظهرت على منصة التكريم وهي منقبة والثناء عليها بتمسكها بقيم الدين، وأضافت د. طلحة قولها في هذا السياق: هذا فعلا يحدث العديد من المشكلات واللغط حتي من الآخر (الغرب تحديدا) في النظرة الينا – مع احترامي للمنقبات وغيرهن نحن جميعا في وسطيتنا نمثل بعضنا البعض – أتكلم عن تجربة المبتعثات تحديدا …فإن كانت السعودية منقبة يسألك الآخر لماذا..?  وإن كانت غير ذلك يتم سؤالها لماذا ؟ وربما يتم إقصاءها من المجتمع المحلي الخاص بأبناء جلدتها  … كأن المرأة السعودية نموذج لابد من وضعه تحت المجهر …. مثل تلك النقطة التي أشار إليها د. ابراهيم والتي لها فعلا دور في تعزيز ذلك.

وعلق د. إبراهيم البعيز بقوله: إن كان الغرب قد أدخل الإسلام في قفص الاتهام – فنحن (المسلمون) من أضاع المفتاح يجب أن نواجه هذه القضية بكل شجاعة ومحاسبة للذات.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن موضوع المرأة العربية والمسلمة على وجه الخصوص لا يحتاج الكثير من التنظير على المستوى الإسلامي فكل حقوقها تقريبا واضحة.. ليست المشكلة في النصوص الإسلامية وإنما في تطبيقها واقعا.. ثم تأتي المشكلة الثانية التي تتمثل بثقافة المجتمع وما تعارف الناس عليه.. وهنا يثور الجدل وتكمن المشكلات..!!

وأضافت د. طلحة فدعق: وأيضا في قراءة النصوص وتأويلها لمصلحة الطرف الأقوى…التطبيق سيكون من وجهة نظر من فسر وأول ولوى عنق الحقيقة.

وعلقت د. الجازي الشبيكي حول ما ذكره د. خالد الرديعان في مداخلته من أن موضوع المرأة لا يحتاج الكثير من التنظير ، فكل حقوقها تقريباً واضحة وليست المشكلة في النصوص وإنما في التطبيق، حيث اتفقت د. الجازي مع هذا الرأي لكنها أوضحت أن ذكر الحقوق في بداية الورقة حول المرأة كان مدخلاً مهماً للحديث عن الجوانب التي رأت أن المرأة تعانيها  ثم تم التطرق في متن الورقة إلى جوانب في معاناة المرأة  بدأتها بمعاملة المرأة كمواطنة من الدرجة الثانية وغيرها من أوجه المعاناة ثم ختمتها بتصور لأهم التدخلات العملية  المطلوبة لتحسين الوضع.

وذكر م. سالم المري في مداخلته حول قضية المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة ، أن المرأة وبلا شك قد تعرضت للتمييز و الاستغلال و الاضطهاد من قبل الرجل منذ فجر التاريخ بسبب فارق القوة، إلى أن بدأ الإنسان يتحضر و يضع التشريعات المنظمة لحياته الاجتماعية. و كانت الأديان من أهم التشريعات المنظمة لحياة الإنسان التي رفعت من شأن المرأة وحققت لها بعض حقوقها، إلا أنها أيضا أقرت بعض العادات و التقاليد المضطهدة للمرأة و المقللة من شأنها. وقد كان  للإسلام إضافة كبيرة في حياة العرب الاجتماعية فقد نظمها إلى حد ما و رفع مكانة المرأة وأعلى من شأنها وأعطاها حقوقاً كثيرة، و لكن القول أن وضع المرأة الحالي هو بسبب عدم تطبيق تعاليم الإسلام به بعض المبالغة أو التمني بخلاف الواقع! فاعتبار المرأة نصف رجل في الشهادة والميراث في الإسلام له دلالات واضحة على الحدود التي رسمها الشرع للمرأة. والحقيقة الواضحة أننا لم نسمع بامرأة قائدة (حاكمة) أو قاضية أو حتى تاجرة كبيرة عند العرب بعد الإسلام فخديجة بنت خويلد تجارتها قبل الإسلام ..باستثناء نساء قليلات حكمن أو حاولن الحكم من وراء الستار بعد وفاة أزواجهن لفترات محدودة وهن غالبا واجهات لرجال يتلاعبون بالسلطة… و حالياً هناك تناقض حاد في المملكة بين ما يطرح على المستوى الرسمي و الديني عن المرأة و دورها في المجتمع، و بين الواقع المعاش، فلم يطبق ما اُفهمت المرأة بأن عليها الالتزام به كالفصل بين الجنسين على جميع الأصعدة (بسبب استحالته)، و لذلك تعطل دور المرأة و تجمد ، مما تسبب في خلل و اضطراب في مفهوم حقوق المرأة و دورها في المجتمع لدى الرجل و لدى المرأة نفسها.

وأوضح م. سالم المري أنه بهذا لا ينتقد الشرع ولا يقلل من حق المرأة فيما تطالب به ، ولكنه يعتقد بأهمية الوضوح و عدم الدوران حول جوهر المشكلة التي برأيه كانت قائمة على مدى التاريخ الإسلامي و لها علاقه وثيقه بالشريعة و تفاسيرها… و ما قد يقوله البعض كالعادة : بأن الدول الإسلامية الأخرى ليس لديها إشكاليات مع حقوق المرأة كـ تركيا ومصر و تونس و غيرها؛  يتجاوز حقيقة مهمة هي أن هذه الدول تحكمها دساتير مفصلة و واضحة في القضايا الرئيسة مقارنة بالنصوص المفتوحة القابلة لعدّة تفاسير في القرآن والسنة.

وبخصوص ما ذكرته د. طلحة عن التداخل بين الديني و السياسي فإنه لم يكن له برأي م. سالم المري تأثير كبير على قضايا المرأة و إنما انحصر في غالبه حول الصراع على السلطة، و ما ذكرته د. طلحة كذلك عن التداخل بين الديني و الاجتماعي و أنها كان لها حقوق بما يوحي أنها كانت في وضع أفضل سابقا فهذا محل شك بالنسبة له و يعتقد أن ما هي عليه اليوم هو امتداد لما كانت عليه بالأمس.

واختتم م. سالم المري مداخلته بالقول بأن تفعيل دور المرأة أصبح اليوم ضرورة من متطلبات العصر والتنمية و التزاما من التزامات القانون الدولي الذي أصبح يحكم العالم. ولإحداث تغيير إيجابي معتبر بهذا الشأن يلزم التالي :

  • قرارات من القيادة السياسية لحلحة قضايا المرأة العالقة و خاصة تلك التي تنعكس سلبيا على سمعة المملكة في الخارج. فحتى و لو كانت بعض قضايا المرأة المهمة العالقة في المملكة مثل قيادة السيارة ، و السفر ، و حق العمل لها خلفيه دينية فإن القرار و السلطة بيد القيادة السياسية. و قد سبق و اتخذت القيادة السياسية قرارات مهمة جدا للمرأة مثل : المشاركة في مجلس الشورى و الترشح في المجالس البلدية والتعليم ، و نُفذت تلك القرارات بنجاح و أصبحت واقعا مقبولا في المجتمع ، رغم أنها كانت أكثر صعوبة من القضايا العالقة حالياً.
  • تثقيف المجتمع و المرأة عن الحقوق المهمة للمرأة لتقوم بدورها الفاعل في المجتمع و تجذير ذلك عن طريق التعليم العام و الإعلام حتى يصبح ثقافة تحل محل المفهوم الحالي.
  • سن الأنظمة و التشريعات اللازمة لحماية حقوق المرأة و تفعيل دورها في المجتمع والتنمية.
  • حث الجهات الدينية الرسمية على اتخاذ جانب التفاسير التي تكون في صالح المرأة عندما تتعدد الآراء و التفاسير لنص ما حول قضايا المرأة المهمة و ذلك لتسهيل اتخاذ و تنفيذ القرارات السياسية اللازمة.

وعلقت د. طلحة فدعق بأن ما طرحته يعضد ما ذكره م. سالم المري ، فعلي سبيل المثال دور السلطة والنسق السياسي في سن وأيضا تفعيل التشريعات الخاصة بالمرأة وهو اللب وأساس لما تطرقت إليه مسبقا … وعليه يمكن توضيح النقاط التالية:

  • أولا : موضوع وضع المرأة في الإسلام وحقوقها المكفولة شرعا هي أمور لا اختلاف عليها فهي نظريا موجودة لكن التطبيق هو مصدر  الخلل.. وهو محور النقاش.
  • ثانيا : القول بأن هناك مبالغات في نقد واقع المرأة الحالي بسبب عدم تطبيق الإسلام لا تتفق معه د. طلحة لعدة أسباب منها أن تعاليم  الإسلام تطبق في ظاهرها فيما يتعلق بكثير من قضايا النساء لكن معظمها يطبق بطريقة لا تتسق شكلا ومضمونا مع (المصدر وهو الكتاب والسنة) بمعني أنها تحرف وتؤل بطريقة فيها تجني علي النساء … لا نتحدث هنا عن الميراث أو الشهادة أو النفقة أو الولاية فكلها نؤمن بها ونرى فيها حكمة لمصلحة المرأة لكن عندما نذهب للمحكمة ونرى قضايا الطلاق والخلع والحضانة والعنف الأسري وسعي المرأة لانتزاع ما أقره الشرع لها… هنا ندرك بقوة مكمن الخلل … والقضية لا تمس القضاء فقط وإنما أمور كثيره أخرى ..، ولا تمس المجتمع السعودي فقط لكن مجتمعات أخرى أيضا …لكن كما ذكر البعض في هذا السياق قد تكون القوانين الوضعية أرحم أحيانا لأنها واضحة ومقننة أما التشريع فقابل لعدة أوجه للتفسير.

وأوضحت د. طلحة فدعق أنه وبالنسبة للتداخل بين الديني والسياسي وهو وإن حدث في مرحلة تاريخية معينة لكن آثاره استمرت وطالت المرأة بسبب تحريف الكثير من النصوص وقراءتها بطريقه مختلفة … وفي الوقت الحالي وفي مجتمعنا السعودي كما عكسته بعض الدراسات كتلك التي أشارت إليها في طرحها… هناك مؤشرات واضحة حول تحوير الفقيه أو المفتي للنصوص بل واستخدام أحاديث ضعيفة الاسناد أحيانا لتحجيم أو تهويل قضية ما خصوصا المتعلقة بالنساء ، ولا نعمم هنا لكنه واقع عكسته الدراسات و الواقع المعاش أيضا. كذلك فيما يخص التداخل بين الديني والاجتماعي تم التوضيح بأن المرأة لها حقوق كانت وما زالت دينيا وتشريعيا لكن الموروثات الثقافية المعوقة ومساندة الديني ( التأويل المغلوط للنصوص ) عضد هذا المسار المضاد للمصلحة الاجتماعية. وتبقي السلطة السياسية هي المحك ليس فقط فيما يتعلق بإشكالية القوانين والأنظمة لكن وهو الأهم في الحد من القراءة المتشددة و الغير منصفه لقضايا النساء في جميع النصوص الدينية والثقافية والاجتماعية.

واتفق م. سالم المري مع ما ذكرته د. طلحة فدعق من أن هناك مشكلة أحيانا في تطبيق النصوص ولكنه يرى أن التعويل على النصوص تفاؤل مبالغ فيه و بشكل عام بالرغم مما تعانيه المرأة حاليا في مجتمعنا لا يظن أنها في حال أفضل في أي وقت مضى .. ونعتقد أن التغيير قادم لا محالة.

وأشار د. مساعد المحيا إلى أننا كثيرا ما نتحدث عن حقوق المرأة في مجتمعنا وفي المقابل نجد المطالب لا تتعلق بعمق ما تفتقده المرأة على نحو عام وإنما هي مطالب يمكن وصفها بأنها نخبوية  .. نحن الرجال – والحديث هنا على نحو عام – نفتقد الكثير من حقوقنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية … نحتاج أن نتحدث أكثر عن حقوق الفرد في المجتمع لأن مزيدا من المطالبة بحقوق المرأة يعني مزيدا من الرغبة في التمييز .. كثيرا ما يتحدث البعض عن حقوق المرأة مع إسقاط كثير من المواقف تجاه جهات أو طيف فكري وكأن هؤلاء هم من يقفون وراء ذلك مع أن الحقيقة هي أنه ثمة موقفا مجتمعيا تجاه بعض الجوانب التي تتعلق بالمرأة .. وهذه المواقف المجتمعية التي تظهر عبر عدد من العادات أو القيم الاجتماعية هي المحرك والوقود لعدم حصول بعض ما تتطلع إليه بعض النساء في المجتمع . لذا فإن إغفال ذلك لدى البعض رغبة منهم في تصفية حسابات مع طيف أو فئة مجتمعية هو أحد أسباب دورانهم حول ذواتهم دون جديد يذكر … وإدراكنا بأن هذه قضية مجتمعية سيقودنا في نهاية المطاف للوصول لعدد من الجوانب التي تضمن تحقيق ما تؤمله المرأة  كما أنه يتطلب التفكير في كل مسببات التحفظ المجتمعي والتعامل معه على أنه سلوك يصعب تصور إزالته بقرار أو موقف أو كلمة شاطحة أو مقال غاضب.

وذهب أ. خالد الحارثي في مداخلته حول قضية المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة، إلى أن استشهاد د. الجازي بالتسلسل التاريخي لتاريخ المرأة وبالنصوص الشرعية التذكيري أدى وظيفته في تسليط الضوء على حجم المشكلة التي يعيشها ويعاني منها المجتمع وتؤثر في الاضطرابات الاجتماعية التي تتنازعه ، وعدم اكتراثنا بالمطر لا يمنع البلل والغرق. أما القول بأن المشكلة في التطبيق وليست في النصوص يعود به ليسأل أليست المعاناة مع تلك النصوص التي قطعت ١٤٠٠ سنة إلى اليوم هي في التطبيق؟ رغم تأكيدها اليوم وتوافقها مع منطق ونظريات علم النفس والعلوم الاجتماعية والعلوم السياسية والحقوق ، نحن نناقش التطبيق من ذلك التاريخ ، لا أحد اعترض على النصوص أو التنظير لها فهذه بديهية لم يعترض عليها أحد… للأسف فإن استمرار المماحكة في هذا الموضوع يزيد من الأثر السلبي على فكر الأجيال الناتج من المشاهدات الفعلية للتناقض الاجتماعي والسياسي والديني ، ويخلق منطق أعوج لا نعرف ماهي محدداته.

كيفية استفادة الشرعي والسياسي من تكبيل المرأة

بالنسبة لتساؤلات د. طلحة حول كيفية استفادة الشرعي والسياسي من تكبيل المرأة ، ومن المستفيد من تحالف الشرعي والموروث الاجتماعي على المرأة ؟ ، يعتقد أ. خالد الحارثي أن السياسي والديني والموروث الاجتماعي يستفيدون من التوجه بالخطاب والمحاسبة والتحكم في رؤساء المجموعات وترويضهم وهو أسهل من المخاطبة والسيطرة على كل فرد على حدة… المرأة والقاصر هما الأداة لتلك السياسات القديمة المتجددة رغم محاربة الدين لها وهو ما دعا الأطراف المذكورة لاختطاف الدين لاحتكار تأويله وسن التشريعات المستمدة من تلك الفتاوى والتأويلات لحماية تلك المصالح وترويض الطموحات والتوقعات… تهميش العلوم الاجتماعية ومناهج البحث الحديثة لا يوقف الوعي بالذات ولا يصد المشكلات من أبواب حدوثها ، والتعنصر ضد الحركة النسوية في المجتمع الإسلامي هو تخلي عن أداة عصرية حديثة ومطالبة شعاراتية بتطبيق نصوص الشريعة التي لم تطبق منذ الخلافة الراشدة… التجني على المرأة أودى إلى التجني على الحبيب المصطفى عليه وعلى آله الصلاة والسلام ، كما في الحديث حبب إلى من دنياكم فقال الطيب والنساء.. الحديث، فالبعض يعتبره ميولا جنسية ولا ينهاه عن ذلك نبل وخلق النبي المزكى من السماء بنصوص متعددة ، ويغفل عن محبته للنساء أنه يفضلهن ويحب عشرتهن ولا يأنف منهن أو يستعيب منهن ولم يثبت أنه أراد في ذلك العصر الذي يقدس فيه الذكر أن يبدله الله بدل الإناث ذكورا .. فهل من معتبر !!

ويرى د. عبدالرحمن الهدلق أن هناك أسئلة مشروعة للتداول ومنها على سبيل المثال: هل أثر الحراك النسوي السعودي (الحركة النسوية) خلال السنوات الماضية في المملكة وخارجها إيجاباً أو سلباً على تمكين المرأة؟ .. وقال د. عبدالرحمن الهدلق: كنت مع أحد كبار صناع القرار وتحدثنا عن المظاهرة النسائية لقيادة المرأة في أكتوبر فقال أن مثل هذه التصرفات غير المسؤولة  ستؤخر قيادة المرأة للسيارة… هل تواصل بعض العناصر النسائية مع بعض المنظمات الحقوقية “الدولية” ضد السياسات الحكومية يخدم الحراك النسوي أم يعيق مستقبله في تحقيق أهدافه؟

الاستقواء بالمنظمات الأجنبية

تعليقا على ما ذكره د. عبدالرحمن الهدلق، يرى م. سالم المري أن الاستقواء بالمنظمات الأجنبية والتطرف في المطالبات يعقد المسألة لأنه يثير الجهات المعارضة للتغيير التي ما زالت قوية في المجتمع ويصعب المسألة على الدولة. أما الحراك النسوي وإثارة الموضوع والمطالبة من قبل المؤسسات والشخصيات النسائية والرجالية المؤيدة للتغيير فأمر محمود لأنه يهيئ المجتمع ويساعد المسؤول على اتخاذ القرار. ومسألة قيادة المرأة برأيه أعطيت أكبر من حجمها ومن المفترض أنها تركت اختيارية من أرادت القيادة تفعل كما إن تبرير اتخاذ قرار بهذا الشأن أصبح اليوم أسهل منه بالأمس ولكن المسألة برمتها تم تضخيمها أكثر من اللازم من الجانبين وسنرى عندما يسمح للمرأة بالقيادة أنه بعد فترة وجيزة سيحن الكثير من النساء ( للبرستيج) ووجود سائق!

ومن ناحية أخرى، وصفت أ. هيا السهلي مراحل العمر المفصلية للمرأة السعودية بقولها: تحمل هم الزواج وشبح العنوسة ثم إذا زال هذا الهم انتقلت لهم الحمل بصبي ثم إذا زال هذا الهم انتقلت لهم “الخوف من الضرة ” وإذا وقع الفأس بالرأس حملت هم الطلاق! من هم لهم لماذا ؟!! لأنها تربت بأنها تابعة لرأي الرجل ولا تستقل بالرأي … تابعة بالنفقة له في ظنها أن هذا يغنيها عن الاستقلال الاقتصادي … وغرس مفهوم أنها ضعيفة ومكسورة جناح وعورة ، منعها أن تقاتل وتناضل لقضيتها إما لأنه لا ركن شديد تأوي إليه أو المرجفون من حولها أو القامعون …إن كان المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف فالمرأة القوية خير من المرأة الضعيفة… متى ما تخلصت المرأة من عقدة أنها بفقد الرجل تفقد الحياة أظنها ستعلم أن مقومات الحياة  لا تقتصر على الرجل ومثل ما يستمتع الرجل بالمرأة على عوجها فلتستمع به كجدار تستظل به أحيانا  وتطمره أحيانا أخرى… الحياة مليئة بمكوناتها: الولد، الأهل ، العمل ، الأصدقاء ، حتى الحيوانات… لابد من إعادة بناء لنفسية المرأة وتفكيرها وأن المرأة البطل التي تسرد في قصص المناهج للتسلية وأنها نسخ لا تتكرر… بالإمكان تناسخها وليس بالضرورة أن تكون المرأة بطلة في المحافل بل نريدها بطلة في بيتها قبل كل شيء ومنها ستحقق انتصارات.

وأوضح د.م. نصر الصحاف في مداخلته حول قضية المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة، أنه كرجل يؤيد كل ما ذكرته د. الجازي من حقوق للمرأة كأقل ما يمكن أن يُقدم لنصف الوطن الآخر كما أنه يشعر بخيبة أمل من وضع المرأة ومعاناتها مع أن شريعتنا تكفل لها أكثر من كل الدساتير الأخرى لولا التأويل والتجني كما ذكرت د. طلحة. وقال د.م. نصر الصحاف: لدي سؤال قد يبدو بسيطاً: هل قرار سيادي واحد في حق المرأة كقيادة السيارة (على سبيل المثال فقط – احتمال قرار لكل قضية تتعلق بالنساء) كفيل بحل المشكلة ؟ أو حتى عدة قرارات ملكية لكل قضية من قضايا المرأة؟  شخصياً لا أظن !  لماذا ؟ هذه الأمور (حقوق المرأة أو سمها ما شئت ) مر عليها دهور كثيرة وهي متغلغلة في وجدان مجتمعنا السعودي حتى النخاع سواء رضينا أم أبينا ولن تتغير ما لم تتغير نظرة المجتمع ككل !! أما كيف يمكن تغيير نظرة المجتمع ؟ فهذا هو مربط الفرس برأي المتواضع !!!

وقالت د. عائشة حجازي في مداخلتها: منذ قراءة عنوان القضية (المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة) نتوقع أن يكون فيها هذا الاختلاف والتجاذب في الطرح فالحوار في هذا الموضوع هو في حد ذاته تحدي. المرأة وقضاياها المختلفة ومنذ عصور كانت مثار للجدل والأخذ والرد على الرغم من أن جميع الأديان السماوية كرمتها وكفلت لها حقوقها بأبعادها المختلفة ولنا مثال في ذلك ما كان عليه رسولنا عليه السلام مع زوجاته وبناته. وعلى مر العصور والأماكن اختلفت النظرة للمرأة فقد عانت من الكثير من التحديات والصعوبات ولم يكن وضع المرأة العربية مختلفا عن ما كان عليه في المناطق الأخرى من العالم. وكما تضمنت العديد من المداخلات فهناك طروحات مختلفة والتي نجد في بعضها أن القيود التي تفرضها الثقافة وما يتبعها من تقاليد مؤثرة أكثر من كون ما تعاني منه المرأة مرتبطا بالدين. وهذه الثقافة هي التي تحد من حقوق المرأة وحرياتها المختلفة والتي كفلها لها الدين. وعلى الرغم من أن المرأة العربية قد وصلت في وقت من الأوقات إلى العديد من المناصب العليا تفوق الرجل في ذلك الوقت إلا أنها الآن تعاني من تحديات مختلفة في أخذ حقوقها التي تجعل من المجتمع يفقد الكثير وذلك لأن المرأة ليست نصف المجتمع فقط بل هي أساسه.. المرأة والرجل خلقا من نفس واحدة وبذلك لا يعقل أن يكون شق من هذه النفس الواحدة أفضل أو أدنى من الشق الآخر.

وقالت أ. ليلى الشهراني: في بعض الأحيان ننظر لبعض القضايا بأن حلها بسيط ولكنها أعقد وأعمق بكثير مما نتصور ، مثلا ملف قيادة المرأة للسيارة ، والذي دائما أنظر له من زاوية اجتماعية وأمنية وليس دينية ، المرأة في البادية والأرياف تقود سيارتها كما كانت تفعل جدتها قبلها مع اختلاف الوسيلة من (الأنعام) إلى السيارة.

المطالبات بقيادة المرأة للسيارة دائما ما تأتي فجائية وفي أوقات حرجة تمر بها البلاد ، فكان التوقيت السيئ سببا في تحالف السياسي والديني وقتها ضد قيادة المرأة للسيارة . ثم مع مرور الوقت أصبح لدى الكثير من العامة شبه قناعة تامة بأنه لا يمكن بحال من الأحوال أن تقود المرأة سيارتها بنفسها ، وتكررت نفس المحاولات ليزداد المجتمع عنادا ورفضا للفكرة وهي نتيجة طبيعة للمصادمة المجتمعية ، وهذا ملاحظ عند ظهور أي حملة تجد لها حملة مضادة.

ماذا لو كان هناك تهيئة طوال تلك السنوات ، بدءا بالشوارع وبالثقافة المرورية وبغرس الوعي وسن القوانين الرادعة لحماية المرأة من أي مضايقات في الأماكن العامة.

وأضافت أ. ليلى الشهراني ما نصه: صديقة من الإمارات كتبت ذات مرة في أحد المواقع وكان النقاش عن قيادة المرأة للسيارة : أقود السيارة في بلدي وفي كل بلد أزوره لكن لا أتخيل نفسي أقود السيارة في السعودية ، تقول لديكم أنظمة مرورية متهالكة ، وشوارع غريبة في تخطيطها وزحام شديد ، وليس هناك احترام للطريق” أنتهى.

يؤلمني رؤية المرأة تحت لهيب الشمس تنتظر من يقلها لمكان عملها أو لمواعيد علاجها في المستشفى ، أو قضاء أي شأن من شئونها الخاصة , وكيف يذهب جزء كبير من راتبها شهريا أجرة لسائق خاص , أو سيارات الليموزين ثم يقال لها أنت ملكة! والملكة لا تقود!

وهي أغبى عبارة تسمعها في زمننا هذا , هذه الملكة قد تبقى طويلا تتسول الأخ أو الزوج أو حتى الابن لإيصالها لمقر عملها أو قضاء شأن من شئونها الضرورية , وبعض الملكات ليس لديهن مملكة فقد تكون أرملة أو مطلقة أو حتى مقطوعة من شجرة , فإن كان موضوع القيادة حاليا معقد ، فلنوجد البدائل بشكل سريع لهن ، قد يكون موضوع القيادة غير ضروري بالنسبة لي أو لكثيرات غيري ، لكنه لدى البعض من أهم الضروريات … أتمنى أن لا يترك هذا الملف قضية صراع لنا ولأجيال تأتي بعدنا.

أما أ. سعيد الزهراني فقال في مداخلته: أقترح أن ينصرف المعنيون المشتغلون المهمومون بقضايا المرأة عن هذا الملف إلى أن يتجدد إحساس الناس به.. لأنني أرى أن هناك حالة من التبلد تجاه قضايا المرأة وفي أحسن الحالات لا تأتي المشاركة في قضاياها سوى من قبيل الكلام لمجرد الكلام … ختاماً .. أظن أن هناك جيل مقبل – شباباً وشابات- لا تعنيه من مناقشات المرأة وقضاياها على النحو القائم الآن أدنى جزئية.. هم مضوا وماضون وسيمضون إلى ما يريدون.. دون أي اعتبار لتعاليم المجتمع الثقافية وهي الأقوى من تعاليمه الدينية.. وأظن أنهم بهذا يتجهون نحو إبدال مواضع التأثير.. سيحل الدين بجوهره العميق مؤثراً أولاً لدى هذا الجيل.. فيما ستتراجع الثقافة المجتمعية إلى مستواها الطبيعي بوصفها إطار يزين الصورة  في حين تكتسب الصورة قيمتها الحقيقة غير المزيفة من ذاتها العميقة.

واستهل أ. عبدالله الضويحي مداخلته حول قضية المرأة بين الشريعة والأعراف الموروثة، بالإشارة إلى أن هذه القضية نالت اهتماما كبيرا من حيث التعليق والمداخلات لم تنله قضية من قبل ربما لأنها هم مجتمعي فهو وإن كان ظاهره يهم المرأة لكنه في الحقيقة يرتبط بالمجتمع ككل. وأوجز أ. عبدالله ملاحظاته بقوله: د. الجازي الشبيكي التي قدمت الورقة أجادت في تأصيل القضية تأريخيا والموقف من المرأة في كل المجتمعات. أما أ. هيا السهلي فبدأت تعليقها بأن القضية تنحصر في ثلاثة أبعاد ( قانوني و مجتمعي و صراع تيارات ) وأكدت على أن ( استحضارنا للمرأة في مناهج التعليم وبرامج الإعلام لا يعدو كونه سياقا بقي رمزا وغُرس رمزا لا يتكرر وهذه معضلة تُعقم الأرحام الولادة). وأشارت د. طلحة فدعق إلى وجود حلقه مفقودة فيما يتعلق بقضايا المرأة بين الديني والمجتمعي وبين الديني والسياسي من جهة أخرى. وفي الإطار ذاته كان من الملفت مقولة أ. فاطمة الشريف في مداخلتها من (أن الطريقة التي تعامل بها المرأة في أي بلد من خلال النظام التقليدي والنظام السياسي والقانوني تعتبر محكاً واختيارا للطريقة التي ينظر بها العالم إلى ذلك البلد) كذلك كان لافتاً تشبيه أ. سعيد الدحية قضية المرأة بالأجواء وحالة الطقس وبالقضية الفلسطينية. واتفق الجميع على ( أن الإسلام كفل لها حقها ) والحقيقة أن هذه العبارة أصبحت شعارا slogan لكل من أراد الحديث عن قضية المرأة سواء كان معها أو ضدها يشبه الشعار الإعلاني لأي منتج فهو شعار تسويقي ليس شرطا أن يدل على جودة المنتج. وتحت هذا الشعار انطلق تياران كل يرى أنه يدافع عنها وعن حقوقها: أحدها: يدعو إلى تحريرها من كل شيء والزج بها في كل شيء. والآخر: بإبعادها عن كل شيء. والآخر ليس شرطا أن يكون متشددا دينيا بدليل الدخول إلى حسابات أكثرهم بقدر ما تحكمهم العادات والتقاليد. الأول .. تجاوز الحدود واتصل بجهات خارجية لدعمه – كما يقول د. عبدالرحمن الهدلق. والثاني .. تجاوز الضوابط واستعدى السلطة لإيقافهم. والغريب أن كلا من التيارين يرى أنه ينطلق من ( موقف الإسلام منها ) وهي الضحية .. إذ أصبحت حقوقها كرة يتقاذفها التياران. فباسمها يتكلمون .. وعنها يتحدثون .. وبالإنابة عنها يقررون .. نعم .. هناك ثوابت لا يمكن أن نحيد عنها فرضها الشرع وهناك متغيرات فرضتها روح العصر لكن أولئك خلطوا عملا بعمل .. كل ما حدث من تطور في منحها بعض حقوقها جاء من مصدرين فقط:

  • قرار ذاتي: نابع منها ومحيطها القريب لم يجد المجتمع و الرافضون إلا الاستسلام وتقبل الأمر الواقع فقد حاربوا عباءة الكتف ثم تقبلوها  لمحاربة النقاب فتقبلوه لمحاربة كشف الوجه .. من منطلق ( كل شيء أهون من شيء ) وهكذا … والوضع ذاته في تعليمها وعملها في بيئات مختلفة.

أو

  • قرار رسمي: كما حصل في عضوية الشورى والانتخابات البلدية ..

وستظل على هذا الوضع فأي قرار يطبخ على نار هادئة وبمجرد تسربه لوسائل الإعلام أو المجتمع يصطدم بالتيارين السابقين ثم يؤول إلى الوأد. بل إن البعض أصبح يستبق الأحداث كما في هاشتاق يتداول هذه الأيام ( لن نسمح بقيادة المرأة للسيارة ).. ومشكلة المرأة ليست مع الرجل فقط ولكنها مع البعض من بني جنسها الدائرات في ذات الفلك فيؤخذن نماذج لتعزيز مواقف معينة.

واختتم أ. عبدالله الضويحي مداخلته بقوله: لا أريد أن أبخس المرأة حقها ولا أن أبالغ في هذا الحق لكن دعونا نعطيها أولا حقها المعنوي قبل حقها المادي وأعني الملموس على أرض الواقع… رجل يتفهم حقها عليه .. وأخ يقف معها .. ومجتمع يؤمن بوجودها عنصرا فاعلا ومؤثرا فيه فالمرأة نصف المجتمع وتلد نصفه الآخر.

ويعتقد د. عبد الله بن صالح الحمود فيما يخص قضية المرأة: أننا نحتاج إلى تقويم يصل إلى مرحلة التغيير المأمول، دون الإسهاب كثيرا في التنظير فحسب، وإن كان مناقشة القضية يفيد نحو الوضوح المطلوب لها ، وبرأيه فإن الأمر بالفعل يقف بعد احترام الاشتراطات الدينية الحقة إلى تلك الجوانب الثلاثة:

  • توعية المرأة.
  • توعية المجتمع.
  • القرار السياسي الإنصاف المقبول.

قضية المرأة ليست قضية أصلا

ترى أ. فايزة الحربي أن قضية المرأة ليست قضية أصلا لكنها خلقت بتراكم سلب حقوق المرأة لتكون قضية بل قضايا، فالأصل الإباحة، فقد كانت الصحابيات يناقشن ويطالبن ويفتين ويركبن المواصلات المتوفرة في عهدهن ويجاهدن ويطببن الجرحى وليس هناك إشكالات أو جدالات حول ذلك … معظم القيود على المرأة في العصر الحديث من نسج خيال جماعات متطرفة أو متعصبة لفكر معين حملت هذه الجماعات على عاتقها التحريم والتحليل بحسب الأهواء والمستجدات كتحريم التعليم وبطاقات الأحوال والقنوات الفضائية . …الخ ثم بعد فترة تجدهم من أوائل المستفيدين من هذه الخدمات وبالعكس يسابقون لها ويحللونها بعد التحريم والتكفير ما يؤكد انها أحكام مبنية على أساس هش لا يستند على الدين القويم ولا يرجع لحكم ديني ثابت.

وأضافت أ. فايزة الحربي: ومن القضايا الشائكة قضية سفر المرأة والزامها عند السفر بتصريح ولي الامر … كيف بنا مع ولي الأمر الجاهل أو الغبي الأحمق أو المدمن أو المبتز أو المختل أو المعقد …. ماهي صفة الولاية ربما المرأة هي ولية الرجل والأرجح عقلا والمسئولة ماديا عنه ثم يتحكم بأمرها وسفرها ومراجعاتها حتى لو كانت برتبة وزيرة أو مخترعة أو طبيبة….  وهو صغير السن … أي منطق هذا ؟؟ لابد من وضع إطار للولاية وليس تهميش الحقوق الإنسانية للمرأة، فدرجات العقول تختلف وأمزجة وأهواء الناس تختلف، فلا نربط حياة المرأة بعقلية قد لا ترتقي بمستواها العقلي أو الوظيفي أو العلمي ونساعد على تعجرف بعض الرجال البسطاء على محارمه … ولا مانع من وضع حدود صارمة لسفر المرافقين  ذكورا وإناثا.

وأوضح د. خالد الرديعان أن القوامة على المرأة مرتبطة بإنفاق الرجل مصداقا لقوله تعالي: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ …الآية)، وحسب الامام الشافعي فإن من لا ينفق قد تسقط قوامته على المرأة.. وهذا ربما متحقق في هذا الزمن فبعض النساء موظفات ولهن دخول وهن من ينفقن على الأسرة.. لابد من فقه متجدد يواكب المستجدات.

وذكر أ. مسفر الموسى أن قضية المرأة لا تقابلها قضية الرجل.. وإنما الثقافة السائدة حتى في تحمل الرجل للمسؤوليات.. فإن السبب هو إفرازات الثقافة التي حولت الكثير من النساء في مجتمعنا إلى إنسان معتمد على الغير.

وأضافت أ. ليلى الشهراني: الرجل والمرأة مكملان لبعضهم البعض ولا يمكن بحال من الأحوال أن ننسى للأب فضله في التربية والحب التي غمر بها قلب ابنته ، علمها , ودللها , إلى أن كبرت الصغيرة وأصبحت الزوجة والأم , ولم يكتف بذلك بل بقي قلبه وبيته مفتوحا لها ولصغارها نهاية كل أسبوع أو في أشهر الإجازة ولم يتبرم منها أو يعبس في وجهها حتى لو غزى الشيب رأسه وعارضه ، والأخ سندها القوي في لحظات انكسارها وضعفها ، هو الرفيق والسند والعزوة ، والزوج شريكها الذي يقاسمها كل تفاصيل حياتها .

وجود بعض حالات الاضطهاد لبعض النساء لا يلغي دور الرجل الإيجابي في حياة المرأة ، وبالمقابل وجود حالات من التقصير واللامبالاة من بعض النساء لا يعمم على الجميع , قد نجد تصرفات لبعض النساء لا تطاق ، فبعضهن تنظر للحياة بأنها حقوق دون واجبات ، وفي القرآن (لهن مثل الذي عليهن بالمعروف) ، فلا يمكن أن تهمل أسرتها وزوجها ثم تطالب بحقوقها فقط فهذه من الأنانية ، والكلام ينطبق على الرجل أيضا .

وبحكم أن المرأة الحلقة الأضعف ، فكمية الظلم والعنف والتهميش التي تقع عليها تجعل صوت المظلومية أعلى ، ولعل هذا سببا في تكرار الوصايا النبوية (خيركم خيركم لأهله) و(استوصوا بالنساء خيرا) ووصيته صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أحرج عليكم حق الضعيفين ، اليتيم والمرأة) ، فالرجل قد يعالج إهمال زوجته بالزواج عليها ، وفي بعض الأحوال هناك من يستخدم العنف المبالغ فيه لتأديبها ، سواء كان هذا العنف لفظي أو بدني وهو ما يحيل حياة بعض النساء إلى جحيم لا يطاق !

النساء يغلبن الكريم ويغلبهن اللئيم ، لسن كاملات لكنهن يبذلن كل ما في استطاعتهن وأكثر ، فوجود الخادمة في البيت ليس عيبا ، في العصور السابقة هناك الجواري والإماء لخدمة سيدة البيت ، ولا أظن أن بيوتهم بمساحة بيوتنا ، وفي عصر جداتنا هناك ما يسمى بالعاملات ، تأتي المرأة الفقيرة من قرية أخرى لتعمل جنبا إلى جنب مع بعض العائلات الميسورة ، وراتبها من الحبوب والأغنام نهاية كل عام .

إن كانت بعض النساء تترك كل شيء على الخادمة ، فهذا لا يعني أن جميع النساء هكذا ، تجد المرأة في مطبخها تعد وجبات عائلتها أو ضيوف زوجها ، ومع أطفالها تعلمهم وتتابع واجباتهم المدرسية ، هي الطبيبة لكل أفراد العائلة ، والمستشارة النفسية لهمومهم والعاملة طوال العام دون إجازة أو راتب.

هذه الأمور تفعلها المرأة بسعادة بالغة وبطاقة كبيرة إذا وجدت من يقدر ما تقوم به ومن يعترف بفضلها ويحترمها ، فكل تعبها النفسي والجسدي يزول أمام كلمة حانية وصادقة. ولو وجدت هذه الأشياء فلن نجد من تتذمر أو تتظلم.

المحور السابع

اللائحة التنظيمية لتجنيس الكفاءات العلمية العربية بالمملكة العربية السعودية

الورقة الرئيسية :

عرض د. حميد المزروع ورقة عمل بعنوان: اللائحة التنظيمية لتجنيس الكفاءات العلمية العربية بالمملكة العربية السعودية، وجاء نصها كما يلي:

تمهيد: تهدف هذه  الورقة الي وضع  تصور أولي لإعداد اللائحة التنظيمية بموادها (المعايير والشروط)، الخاصة باستقطاب وتجنيس الكفاءات العربية من حملة  الشهادات  العليا لجميع التخصصات النوعية و النادرة التي تحتاجها المملكة العربية السعودية لتعزيز  خططها التنموية وارتقائها العلمي ، و لتصبح  من ضمن الدول المتطورة علميا وصناعيا. لا شك أن العلماء والمتخصصين ، ثروات لا تقدر بثمن لما لهم من أدوار حيوية في قيادة التوجهات العلمية والبحثية في الجامعات ومراكز  البحوث ، إلى جانب أهميتهم الجوهرية   في قيادة القطاعات الاقتصادية و الصناعية المتنوعة ، ولكونهم  أيضا رموزاً ومصادر إلهام للأجيال الحالية والقادمة ، لذلك نجد أن الدول العظمي تتهافت علي هذه النخبة من العقول المهاجرة باعتبارها من الكفاءات العلمية ، وتقدم لها جميع المحفزات اللازمة لاستقطابها  وتجنيسها للاستفادة من إمكاناتها العلمية ولخدمة حركة التنمية في الوطن.

لقد أدرك الملوك والقادة في المملكة العربية السعودية ، ومنذ عهد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه أهمية تجنيس الكفاءات العربية ، حيث عملوا كمستشارين وأطباء ودبلوماسيين ، ولعل أشهرهم معالي السفير الجارودي ، والعديد من الكفاءات التي خدمت المملكة وأفنت حياتها  لرفع عزتها ، وقد كان آخر قرار لتجنيس الكفاءات العربية في عهد الملك عبدالله طيب الله  ثراه عام ( ١٤٢٨هـ)، حيث أصدر قرارا وليس مرسوما ملكيا ، لتجنيس عدد من الكفاءات  العربية وفق الضوابط المعمول بها في تلك الفترة.

تجدر الإشارة إلي أن لائحة التجنيس المقترحة هنا لا تتقاطع مع ما ورد في نظام الجنسية العربية السعودية الصادر برقم ٨٦٠٤/٢٠/٨ ، و تاريخ ٢٢ صفر ١٣٧٤هـ، حيث أن أهداف اللائحة محل الاهتمام تستهدف بالمقام الأول الكفاءات العلمية المميزة مع عوائلهم لتميزهم عن غيرهم بحكم مؤهلاتهم.

 تعريف الكفاءات العلمية :

يقصد بالكفاءات العلمية الحاصلون والحاصلات علي درجة الدكتوراه  أو الماجستير من  مواطني الدول العربية أو الإسلامية في التخصصات المنصوص عليها في تعريف الكفاءات      العلمية وهي : ( الطب ، الهندسة ، الصيدلة ، الحاسب ، علوم الفضاء ، تقنية النانو ، الطاقة الذرية ،والعلوم الأخرى ) ، و أن تكون شهادتهم من جامعات معترف بها ومصنفة.

وتتكون اللائحة من أربع مواد أساسية يتفرع منها فقرات تفصيلية ، وهي فعليا عبارة عن معايير لتقويم المتقدم علميا وتحديد درجة استحقاقه للجنسية السعودية ، وقد وضع لكل معيار درجات وفقا لأهميته. كما وأن التخصصات العلمية الموضحة بالتعريف جزء لا يتجزأ من  اللائحة ومواد اللائحة كالآتي :-

  • المادة الأولي : وتشمل البيانات الشخصية ، والعنوان ، الاسم الرباعي ، الجنسية الحالية ، الحالة الاجتماعية ، العنوان الحالي.
  • المادة الثانية : وتشمل المؤهلات العلمية :
  • الفقرة: أ- الدرجة العلمية : دكتوراه () ماجستير ().

                     المرتبة العلمية : أستاذ() ، أستاذ مشارك () ، أ مساعد ().

  • الفقرة: ب- اسم الجامعة :
  • الفقرة: ج: الدولة :
  • الفقرة: د- صورة الشهادات
  • المادة الثالثة : ( إثرائية) وتشمل اللغات، الدورات ، المؤتمرات والمشاريع البحثية ،
  • الفقرة :أ- اللغة الاساسية: ( ) ، أخري ().
  • الفقرة: ب- الدورات:
  • الفقرة :ج- المؤتمرات :
  • الفقرة: د- المشاريع البحثية:
  • المادة الرابعة : وتشمل العمر ، الحالة الصحية والذهنية .
  • الفقرة: أ- العمر :
  • الفقرة: ب- الحالة الصحية والذهنية:( توفير تقرير طبي ) .

ونقترح أن يكون تقسيم  الدرجات علي المعايير ( معيار+ فقرات) ، كالآتي:-

  • المادة الثانية :( صفر-٥٠) درجة
  • المادة الثالثة : ( صفر-٣٠) درجة .
  • المادة الرابعة :(صفر-٢٠) درجة .
  • المجموع :١٠٠ درجة .

شروط الاجتياز :-

١- الحصول علي أكثر من ٧٥٪ .

٢- العمل داخل المملكة العربية السعودية .

٣- الانتماء والولاء للمملكة العربية السعودية واحترام  أنظمتها .

٤- الحصول علي الموافقة الأمنية .

الجهة المشرفة :

تشكل لجنة خماسية تحت إشراف وزارة الداخلية ، ومن وزارة التربية والتعليم والأحوال المدنية ، لتحديد الإجراءات المتصلة بتطبيق جميع المواد والشروط المعتمدة باللائحة حسب التخصص أو العلاقة ، والبت بطلبات المتقدمين خلال فترة زمنية لا تتجاوز عن سنة واحدة.

وأخيراً يمكن القول أن التصور الأولي للائحة أعلاه قابل لإضافة مواد أو فقرات أخري ، وكذلك إمكانية معالجة توزيع الدرجات.

التعقيب الأول:

عقب أ. عبدالله الضويحي على ورقة د. حميد المزروع حول اللائحة التنظيمية لتجنيس الكفاءات العلمية العربية بالمملكة العربية السعودية، حيث أشار بداية إلى أن التجنيس في عمومه وتجنيس الكفاءات على وجه الخصوص غير مألوف في عالمنا العربي ونحن جزء من هذا العالم لسببين:

  • الأول: أننا نفتقد لثقافة التجنيس.
  • الثاني: البيروقراطية وصعوبة لوائحه.

لازال هناك من ينظر للجنسية على أنها حق مقدس لا توهب ولا تعطى إلا في حالات نادرة أو استثنائية وأن الكفاءة المهنية لا تعني أهلية الحصول عليها أو أنها تؤدي لمزاحمته على فرص العمل. وهذا غير صحيح فالجنسية ليست دليلا أو مقياسا على الوطنية لكنها قد تؤدي إليها والعكس غير صحيح.

المجتمعات الواثقة من نفسها وذات الكثافة السكانية لا تخش ذلك بل تبحث عمن يساعدها على التنمية والنهوض فالكفاءات العلمية هي الثروة الحقيقية لأي بلد ينشد الاستقرار والمنافسة التنموية بمفهومها الشامل فسياسة التجنيس المبني على أسس تنموية يتيح لأي بلد أن يستحوذ على كفاءات مؤهلة وقادرة على التغيير بل وتغيير وجه الدولة نحو الأفضل (الولايات المتحدة أنموذجا).

ونحن في المملكة العربية السعودية جزء من هذا العالم وفي درجته الثالثة ولدينا كثافة سكانية وبالتالي يفترض أن لا يثير تجنيس الكفاءات لدينا أدنى حساسية بل علينا أن ننظر لوجهه الإيجابي على أننا في الوقت نفسه يجب أن نراعي مدى الحاجة له وتقنينه حتى لا يتحول إلى عبء فالتجنيس من جانب آخر يضيف أعباء على الدولة كحقوق المواطنة ومتطلباتها لكن السؤال المطروح: هل نحن فعلا نسير في هذا الاتجاه وهل نمهد للوصول إليه !؟ … تجنيس الكفاءات عادة يأخذ أحد طريقين:

  • إما: رغبة الكفاءة نفسها.
  • أو: رغبة الدولة في هذه الكفاءة أو تلك.

وأوضح أ. عبدالله الضويحي أن النظر في لائحة التجنيس لدينا لا يمهد لأي من الطريقين لعدة أسباب لعل من أبرزها:

١ ) ربط التجنيس بالعروبة والإسلام.

٢ ) الإقامة في المملكة 10 سنوات.

٣ ) شهادة من إمام المسجد.

٤ ) المؤهل وليس الخبرة.

هذه الشروط وغيرها عندما يطّلع عليها الراغب في الجنسية أو من تعرض عليه يدرك مسبقاً أنها لا تنطبق عليه وبالتالي استحالة الحصول عليها لذلك لا يتعب نفسه في البحث عنها.

وإذا ما كنا جادين في تجنيس الكفاءات فإننا بحاجة لتعديل بعض بنود اللائحة وتطويرها بما يواكب روح العصر ومن أبرزها:

١ ) توزيع النقاط ألتي أشار إليها د. حميد والتي تؤهل للحصول على الجنسية.

٢ ) شهادة إمام المسجد.

٣ ) تعديل ( الكفاءات العربية والإسلامية ) إلى ( الكفاءات غير السعودية ).

٤ ) الاهتمام بالخبرة فالحاصل على ماجستير مع خبرة عدة سنوات أفضل من حاصل على الدكتوراه فقط دون خبرات في حين ترى اللائحة العكس.

أما ما حصل عام 1428 من تجنيس عدد من الكفاءات بأمر ملكي من الملك عبدالله رحمه الله كما أشار د. حميد فهذا استثناء قد لا تنطبق عليه اللائحة والراغبون في الجنسية لا يدركون ذلك مما يستلزم معه تعديل اللائحة وفي نهاية الأمر فإن منح الجنسية مرتبط بصاحب القرار وما يراه حتى لو تحققت الشروط.

كذلك أوضح أ. عبدالله الضويحي أن هناك نقطة أكثر أهمية حيث تأسست أول مدرسة نظامية في المملكة ( مدارس الفلاح ) 7/12/1905 الموافق 1323هـ وفي رواية أخرى المدرسة الصولتية 1274م وسافرت أول بعثة سعودية للخارج 1928/1346.. وعلى مدى قرن ونيف من التعليم و 90 عاما من الابتعاث والعديد من القدرات السعودية التي أثبتت جدارتها وتتوالى نجاحاتها عالمياً هل عجزنا عن توفير الكفاءات القادرة على تسيير منظومة التنمية أم أن التنمية لدينا تتسارع بدرجة يصعب معها توفير هذه الكفاءات وإعدادها وهنا نحن أمام أمرين:

  • إما: أننا استطعنا توفير هذه الكفاءات ولكننا لم نسطع توظيفها والاستفادة منها بصورة صحيحة.
  • أو: أننا لا زلنا في حاجة وبالتالي فإن التجنيس هو الحل.

وفي كلا الحالين لا غنى عن تجنيس الكفاءات لكنه التجنيس المقنن مع الاهتمام بكفاءاتنا حتى لا نفقدها فالظروف تتغير وما كان محظورا بالأمس قد يكون مطلوبا في الغد.

التعقيب الثاني:

أشار د. عبدالسلام الوايل في تعقيبه إلى أن الكفاءات البشرية المميزة، و الكفاءات العلمية أحدها، ثروة. والأمم تتنافس على الثروات. لذا، يقارب هذا الموضوع بعقلية التنافس. و فيما يخص الكفاءات العلمية و استقطابها، فإن للمملكة سجل ناجح. لكنه يكاد يقتصر على كفاءات علمية في العلوم الدينية تحديدا، كتجنيس الشيخ عبدالرزاق عفيفي مثلا و تعامل أشبه بالتجنيس مع طائفة واسعة من الكفاءات العلمية في العلوم الدينية، نذكر منهم المشايخ محمد قطب و مناع القطان و أبو غدة و شيبة الحمد و جعفر شيخ إدريس و زين العابدين الركابي و عبدالله بن بيه وغيرهم. و تم استقطاب الأسماء أعلاه من أجل المشاركة في صياغة مشهد العلوم الدينية و إنتاجها. كما أن هناك تجربة مماثلة، و إن بوزن أصغر، مع بعض أعلام العلوم الأدبية كالنقد و النحو و البلاغة ممن شاركوا في صياغة المشهد الأدبي قبل عقود، كأحمد فرح عقيلان. و استحضار تجربة استقطاب الكفاءات العلمية في المعارف الدينية مهم للقياس عليه فيما يخص الكفاءات العلمية في العلوم الطبيعية و الاجتماعية. ولو كان حال العلوم الطبيعية و الاجتماعية لدينا و واقعهما شبيهاً بمشهد العلوم الدينية والأدبية لدينا و واقعهما لكنا شهدنا حالات تجنيس كفاءات علمية ربما تسرع في طرح نظام خاص بتجنيس هذه الفئة. لكن الحال، كما نعرف، يشهد ضعفا في الإنتاج العلمي في مجالي العلوم و العلوم الإنسانية. و المؤسسات المنوط بها إنتاج المعرفة العلمية، أي الجامعات، ليست مصممة لإنتاج المعرفة العلمية، بل هي متمحورة حول التدريس أساسا. لذا، سيظهر دائما الخوف من المطالبة باستقطاب كفاءات علمية بدون أن توجد الأطر المؤسسية المطلوبة لتأمين استمرارية الإنتاج العلمي. فالعلماء المستقطبون في المجالات الدينية وجدوا أنفسهم وسط إطار مؤسسي يدفعهم للإنتاج، كالجامعات و التدريس في المساجد و المجادلات العلمية…الخ.

وأوضح د. عبدالسلام الوايل أنه وفيما يخص النظام المقترح من قبل د. حميد المزروع، فإنه يقترح معيارا يختلف عن معيار الشهادة، فحمل الشهادة وحدها، كالدكتوراه مثلا، لا يعد ميزة كبرى في عالم اليوم. لذا، يقترح البحث عن معايير أخرى، كبراءات الاختراع و الحصول على رقم معين من الاقتباسات للأوراق المنشورة في كشافات الـISI  و الحصول على جوائز علمية و الإثراء العلمي و النظري في المجالات العلمية، وهذا الأخير يختص أكثر بمجالي العلوم الاجتماعية و الانسانيات بحسبان أن النشر في هذين المجالين عادة يتم باللغة الأم التي لا تغطيها قواعد الـISI.

المداخلات حول قضية تجنيس الكفاءات العلمية العربية:

ذكر د. خالد الرديعان في مداخلته أنه يميل إلى فكرة د. عبدالسلام فيما يخص بغياب البنية التحتية التي تؤهلنا لتجنيس بعض الكفاءات وخاصة تلك ذات التخصصات العلمية المعقدة كالفيزياء والذرة والنانو… غياب المحاضن العلمية التي يمكن لهؤلاء العمل فيها يعد معوقا كبيرا… صحيح أن هذا الشرط لا ينطبق على مستشفياتنا وجامعاتنا لكنه قد يتعذر في بعض التخصصات.. كما يميل كذلك إلى الحد من تجنيس أصحاب التخصصات الشرعية فنحن لسنا بحاجة لهم بل إن تجنيس بعضهم كان وبالا علينا خاصة من كانت لهم أجندات سياسية (كالإخوان المسلمين). هناك بطبيعة الحال فئات لا ينطبق عليها شرط المؤهلات العلمية كبعض التجار ورجال الأعمال وممن يعملون بين ظهرانينا من الوافدين فبعضهم لديهم رؤوس أموال كبيرة وعملية تجنيسهم سيكون لها مردود اقتصادي كبير للحد من خروج الأموال إلى دول أخرى.

وأضاف د. خالد الرديعان قوله: أنا مع فتح الباب لتجنيس كل من يفيد بلدنا بصرف النظر عن مؤهلاته العلمية بما في ذلك الرياضيين والفنانين وكل من يمكنه رفع اسم المملكة العربية السعودية.. يلزم مع ذلك التخلي عن شرط العشر سنوات إقامة وخفضه إلى فترة أقل.. وكذلك من تزوج بسعودية بحيث ننظر للجانب الإنساني للحد من تشتت الأسر. ولا يمكن تجاهل قضية البدون فهي ملحة وتحتاج إلى معالجة عاجلة وذلك بمنح الجنسية لمن ينطبق عليهم شرط الإقامة أو وجود أقارب له في المملكة.

واتفق أ. عبدالله الضويحي مع د. عبدالسلام الوايل في اعتبار تجنيس الكفاءات الدينية سابقا أساسا لتجنيس الكفاءات العلمية وفي وضع نظام خاص لتجنيس الكفاءات يراعي الحاجة ونوعية وقدرة الكفاءة ومدى الحاجة إليه. فلائحة التجنيس الحالية لا تأخذ ذلك في الاعتبار لذا يصعب تجنيسهم إلا بقرار من القيادة السياسية… ما يتعلق بالشهادة فهي موجودة في اللائحة وليست مقترحا من د. حميد.

وعلق أ. عبدالله الضويحي كذلك على ما طرحه د. خالد الرديعان بأن البدون وضعهم مختلف فهم يستعيدون الجنسية في معظمهم وليس تجنيسهم وتدخل فيها العشائرية والأصول أو الجذور لهذا لم يتطرق لهم في تعقيبه.. التجار والرياضيين والفنانين وغيرهم هم من قصد عندما تحدث عن العشر سنوات وشهادة الإمام والخبرة بدلا من الشهادة .. لهذا فإنه يتفق تماما مع د. خالد في ذلك.

وأشار د. حمزة بيت المال إلى أن القضية قضية ثقافة قبول، كما يجب التساؤل ما المردود الذي يمكن أن يتحقق للبلد؟ .. وربما نحتاج لبعض الوقت للتصالح مع بعضنا الآن فلا زالت الكثير من أمور الاقصاء قائمة لمن يحمل الجنسية السعودية الآن فكيف سيكون حاملها الجديد حتى لو كان عالم ذرة.

ومن جانبه أوضح د. حميد المزروع أنه لم ينتقد اللائحة لأنه من وضع التصور الأولي لها ، لخدمة الهدف الأساسي وهو استقطاب الكفاءات العربية وتجنيسها ، كما أن الملاحظات على اللائحة من شأنها إعادة صياغتها بالشكل النهائي. وأوضح د. حميد كذلك أن اللائحة (مسودة) ، تخدم مشروع وطني لدعم الحركة العلمية بالمملكة ، وقد نختلف بمضامين المعايير أو الشروط  ، وهذا أمر طبيعي لاختلاف زوايا الرؤية ، الأهم هو دراسة القضية وبلورة نظام تشريعي يقدم علي شكل لائحة ليرفع لأصحاب القرار لدراسته واعتماده.

وقال أ. مسفر الموسى أن الموضوع الذي طرحه د. حميد المزروع حيوي وتنموي بشكل كبير.. جعل المملكة بيئة جاذبة للمتميزين في مجال البحوث العلمية والإنتاج المعرفي سينقلنا بالتأكيد إلى مرحلة الاقتصاد المعرفي.. بشرط توفير البيئة البحثية المناسبة وعزلها عن البيروقراطية الحكومية.. ولن يتأتى ذلك إلا بربطها بالسوق والمعمل والمصنع مباشرة.. وأن ينظر إليها من وجهة نظر تنافسية، رأسمالية ونفعية براجماتية.. وإذا استطاعت المملكة فعل ذلك.. فإن هذا المشروع من شأنه إحداث هزة ثقافية داخل المجتمع بشكل عام وداخل المؤسسات الأكاديمية والمعاهد البحثية بشكل خاص.. إذ ستكون نظرة هذه المؤسسات للإنتاج المعرفي بشكل مختلف.. وستوجه إنتاجها الذاتي ليتسق مع هذا السوق الجديد.. الباحثون والأكاديميون في أي بلد في العالم.. لا تشملهم نظرة التوطين.. وإنما يكون المعيار في اختيارهم دائما تنافسي.. ولأننا نتحدث في المعايير.. فإن المعايير التي وضعها غير كافية للفرز بين الأصلح والأكفأ.. بمعنى أن المؤتمرات والدورات قد لا تعطي قياسا حقيقيا لمدى الكفاءة والتميز.. ويمكن في هذا الجانب الركون للمعايير التي تضعها المؤسسات الخاصة في التقييم.. مثل الإنتاج العلمي.. وكمية الإحالات له.. وبراءات الاختراع ونحوها من المعايير اللصيقة بالإنتاج المعرفي.

تساؤلات ملحة

طرح أ. عبدالله بن كدسه مجموعة من التساؤلات الهامة حول موضوع تجنيس الكفاءات ويرى أن من المهم تناولها بالنقاش:

  • هل بيئة المملكة جاذبه للعلماء والمخترعين؟
  • عادةً ليس للعلماء طموح مادي فبماذا يمكن تعويض ذلك بأمر أكثر جاذبية لهم؟
  • هناك شبه انعدام للدعم المالي للبحث العلمي وفي مراكز الأبحاث العلمية .. جامعة هارفرد تدفع ٣٧ مليار دولار للبحث العلمي ويدفع القطاع الخاص ٥٧٪ منها .. فهل لدينا هذه الثقافة عند الجامعات أو الشركات حتى يكونوا محاضن لهؤلاء العلماء والمخترعين؟
  • ماذا يمكن أن تقدم المملكة حتى تكون هدف للعلماء والمخترعين أن يحصلوا على جنسيتها؟ ما هي القيمة المضافة للجنسية السعودية حتى يتخلى العالم عن جنسيته أو جنسية أخرى حصل عليها ؟ هل من الممكن أن يتخلى المصري د. أحمد زويل عن جنسيته الأمريكية للحصول على الجنسية السعودية؟

وأكد: د. زياد الدريس على أهمية تجنيس الكوادر المميزة في مجال الدراسات الإنسانية، وأضاف في هذا الصدد: نخطئ حين نظن بأن نهضة الأمم قامت أو تقوم على أكتاف ذوي التخصصات العلمية ( التطبيقية ) بالدرجة الأولى. رغم أني جئت أصلا من مجال العلوم وخريج علوم إلا أني أعي بأن تنظيم البنية الاجتماعية وإدارة مؤسسات الدولة يأتي أولاً وممهداً للنجاحات العلمية والتقنية التي تأتي لاحقاً، وقد كانت هناك مقولة شائعة لأحد مفكري أمريكا أن أمريكا نهضت بفضل الفكر الإداري الذي صنع لها خارطة الطريق نحو التفوق في ما سوى ذلك من الحقول…. مثال آخر أقدم لكن أقرب هو الحضارة العربية / الإسلامية في عواصمها الثلاث: بغداد وقرطبة وسمرقند، فالنهضة قامت بالأساس على بناء أرضية صلبة من الفكر الإنساني، من خلال تجنيس الفكر اليوناني عبر ترجمته وتكييفه بما يناسب البيئة العربية الإسلامية… من المهم أن يلتفت مشروع اللائحة إلى أهمية استقطاب وتجنيس المبرّزين في مجال الدراسات الإنسانية والتخطيط الإداري بالتزامن مع استقطاب الكفاءات العلمية.

التأسيس قبل التجنيس

لخص د. فايز الشهري مضمون مداخلته في عنوان: التأسيس قبل التجنيس؛ حيث تساءل هل التجنيس هو هدف وطني بذاته لتعزيز الجانب العلمي والبحثي وتطوير الإبداعات يندرج ضمن خطة شاملة بحيث يكون الاستقطاب للمبدعين والمميزين جانبا من احتياجات الخطة. أم أن التجنيس فقط لزيادة رقم الباحثين والمبدعين عدديا دون أثر ملموس على مجمل العطاء الوطني الذي يمكن قياسه… تم تجنيس العديد من الكفاءات في العقود الماضية ونصفها لم نعد نسمع عنها وقسم منهم اتجه للتجارة والاستثمار ونسي ونسينا معه لماذا تأهل للجنسية…. إذا من المهم التأسيس لما نريد من هذه الكفاءات ومن ثم التجنيس فنحن إن استقطبنا هؤلاء دون محاضن علمية تقودها رؤية شاملة فسنضيع هذه المواهب.

واتفق أ. مطشر المرشد مع ما طرحه د. فايز، حيث يرى ضرورة أن تكون لدينا خطط وأهداف واضحه للاستفادة من الخبرات المستقطبة ، مثلا قطر وضعت أهداف وخطط بأن تتفوق في عدة مجالات ضمن النشاط الرياضي … وتحركت على محورين الأول استقطاب المدربين والخبرات ، والثاني استقطاب الرياضيين أنفسهم.

وعقب م. حسام بحيري على ورقة د. حميد المزروع حول اللائحة التنظيمية لتجنيس الكفاءات العلمية العربية بالمملكة العربية السعودية، بقوله: من الصعب أن نكون ضد تجنيس أناس لهم كفاءات علمية وإبداعية ويشعرون بالانتماء لنا ويريدون أن يكونوا جزء من حياتنا وحضارتنا وأعتقد أننا أيضا يجب أن نمنح أو نعرض الجنسية لأناس نشعر أنهم ذوي كفاءة ولهم إضافة إيجابية في بناء الوطن وتعليم وتقوية وتحصين المواطنين ويدينون بالولاء لهذا الوطن فما المانع؟ الفائدة ستعم البلاد ومواطنيها كلما احتضنا أناس من بقاع العالم وجعلناهم يشعروا أنهم في أوطانهم ويعيشون بأمان وسلام وحقوقهم مكفولة ومرحب بهم و مع الوقت سيشعرون أن حياتهم هنا أفضل من حياتهم في بلادهم الأصلية بغض النظر عن مغرياتها. أهم شيء في هذا الموضوع هو التقبل من قبل مواطنينا لأهمية هذه الطبقة من الناس في رسم مسار مستقبل بلادنا للأفضل والأقوى وهذه مهمة التعليم والإعلام.

وأضاف د. خالد الرديعان قوله: لا ننسى كذلك أن من يتم تجنيسهم من أصحاب الكفاءات ليسوا بأعداد كبيرة بحيث يخلقون مشكلة سكانية.. نحن نتحدث عن أعداد صغيرة ونخبة يمكن الاستفادة منها.

وأشار د. سعد الشهراني في مداخلته إلى أنه بداية يعتقد ان مفهوم اللائحة غير مناسب لأن المفهوم القانوني يتطلب صياغات ذات دلالات نظامية و تفسيرات لكل مادة في النظام .. الأفضل أن تعرض فكرة تجنيس الكفاءات كمقترح لتحديث أو بالأصح  لتعديل و توسيع بعض مواد النظام أو إصدار نظام جديد لاستيعاب الفكرة و ربما لحل القضايا ذات العلاقة مثل قضية البدون.

وأوضح د. سعد الشهراني أنه يؤيد بقوة رأي د فايز في أن المشكلة أعمق و أوسع و أكثر حدة من أن نظن أن تجنيس الكفاءات سيحدث أثرا و لو بسيطا من غير خطة استراتيجية  وطنية شاملة grand strategy لانتهاز الفرصة ربما الأخيرة للنهوض ببلدنا و وضعه على مسار التقدم الحقيقي و ليكن التجنيس جزءا منها أما أن نجنس في فراغ استراتيجي فيعني مجرد زيادة في أرقام المؤهلين من غير أثر يذكر.

وقال أ. أسامة نقلي: المجتمع لديه فوبيا من موضوع التجنيس، حتى لو أسلم بيل جيتس وجنسته .. رغم أن الحضارات بنيت عبر استقطابها للعلماء والمفكرين من كل جنس وعرق ولون، والأهم من ذلك أن تعاليم ديننا لا تفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .. ومع ذلك يظل المجتمع متحفظ.

وأيدت د. طلحة فدعق ما طرحه د. الرديعان حول الفئات التي لا ينطبق عليها موضوع الشهادات من التجار ورجال الأعمال ممن دعموا ويدعموا اقتصاد الوطن ، وقالت د. طلحة في هذا الإطار: بعد حرب الخليج الأولي خسرنا عدد كبير حولوا استثماراتهم لدول الخليج والإمارات تحديدا – هناك الأجيال المتعلمة والمثقفة والعصامية أيضا من الجيل الثاني والثالث ممن ولد وعاش علي أرض السعودية ولا يشعر بانتماء لغيرها ..أيضا كما ذكر البعض الأسر السعودية التي يمثل أحد أقطابها (زوج أو زوجة) جنسية أخري … هؤلاء لابد أن تشملهم لائحة التجنيس بل ويعاد النظر في اللوائح القديمة المنافية للعدالة الاجتماعية خصوصا في تعاملها مع السعودي والسعودية ( المقترن بجنسية أخري ) بطريقه تلعب فيها التفرقة الجندرية دور كبير…ومن ثم فإن موضوع تجنيس الكفاءات مهم لكن كما ذكر البعض كيف نقيسها وممن نختارها؟

وأضافت د. طلحة فدعق: بالنسبة للتساؤل حول البيئة في السعودية وهل هي جاذبة للعلماء والمخترعين؟ .. للأسف لا … لا علي المستوي المادي ولا المؤسساتي ولا التنظيمي المتعلق باللوائح والأنظمة … لكن هذا لا يعني أن الجنسية السعودية لا تمتلك إغراءات .. علي الأقل إغراء الانتماء لأرض الحرمين الشريفين … وإن كنا نحن السعوديين قد تعودنا علي ذلك لكن غيرنا مستعد للتضحية بأي شئ ليكون قريبا من المقدسات الإسلامية … هذا إغراء كبير لكنه لا يطعم خبزا كما يقال في ظل غياب أساسيات أخري… بالنسبة للعلماء والباحثين والمفكرين هدف الاستقطاب ( التجنيسي ) إن صح القول تأتي الحريات وضمانها في المقدمة : الحرية الفكرية والعلمية والدعم المادي والمؤسساتي إضافة إلي نوعية الحياه وسلاستها وتحررها من التعقيدات المرهقة .. وهناك نقطة هامة يمكن إضافتها وهي أن مشروع التجنيس في النهاية يجب أن يكون هدفه إيجاد مواطن سعودي … وليس مواطن مجنس …فالجنسية هي هويه يجب أن يستشعر الفرد قيمتها أما إن كانت ستبقي قضية مواطن أصلي ومواطن تقليد فهذه قضية ستُفشل العملية برمتها … ويبدو أن ذلك فعلا يحتاج استراتيجية كالتي أشار إليها د. سعد الشهراني.

اللغة العربية والتجنيس

قالت د. منى أبو سليمان: ربما يكون مناسبا إضافة تعلم اللغة العربية والتاريخ كجزء هام من عملية التجنيس. لكن د. خالد الرديعان أبدى عدم موافقته بخصوص أن تكون اللغة شرطا لمنح الجنسية حيث يرى ضرورة أن يكون المجنس مسلم أو  مسلمة فهذا معيار مهم حتى لا نقع في مأزق وجود أقلية من دين غير الإسلام مما ينفي عن المملكة أهم خاصية تميزها عن دول العالم ويكفي ما عندنا من مذاهب.. أما عائق اللغة فيمكن تجاوزه بتعلم اللغة وإجادتها مع مرور الوقت.

وأيدت د. طلحة فدعق ذلك بقولها: اللغة العربية فعلا من السهل اكتسابها ليتنا فعلا نستقطب ونجنس الأكفاء المسلمين من لغات أخري .. أتصور أن هذا سيحدث تغيير جذري في المجتمع ….، المجتمع الاسلامي في عصوره الأولي وعصر الفتوحات ضم أعراق ولغات عديده شكلت هوية الأمة الإسلامية … هو نموذج للتأمل فقط.

وذكر د. خالد الرديعان بخصوص ما أشارت اليه د. طلحة عن الأمة الاسلامية في العصور القديمة وأنها صهرت الأعراق والاثنيات، أن عددا كبيرا من علماء المسلمين كالفارابي وابن سينا والإمام الغزالي لم يكونوا عربا بل إن بعضهم تعلم العربية لاحقا كونها لغة القرآن وبالتالي فاللغة لاتعد عائقا في التجنيس.

وذهب د. مساعد المحيا إلى أن موضوع التجنيس لا ينفك عن كونه ذي علاقة بالجانب الأمني أكثر من البعد المعرفي او العلمي أو المهاري .. اذ إن الذين يمكن أن يتم تجنيسهم من العلماء والباحثين لا أحد منهم تمثل بيئة المملكة الجغرافية والمناخية والسياسية والثقافية بيئة جاذبة له حيث لا تتفق مع تربيته الاجتماعية والسياسية … لا شيء لدينا بالنسبة لهؤلاء يعد جاذبا إلا أولئك الذين يحملون رؤية تربوية تجاه مستقبل أبنائهم ويتطلعون أن يجدوا فرصة العيش في المملكة بما تتسم به من محافظة… ولذا رأينا عددا من الأطباء والعلماء يتطلعون للجنسية السعودية حبا في جو المحافظة وحرصا على مستقبل أبنائهم … هؤلاء من الواضح أن عملية التجنيس تصبح ذات تبادل نفعي بينهم وبين الدولة … مثل هؤلاء هم من ينبغي أن نسعى لتجنيسهم بعد التأكد من مناسبة ذلك سياسيا وأمنيا وفكريا .

وأضاف د. مساعد المحيا: شخصيا أرى أن موضوع التجنيس لا يتسق وطبيعة الاحتياجات الفعلية للدولة في ضوء تغيرات وسائل الاتصال والتواصل .. وأن البديل هو استثمار هذه الطاقات في عقود وظيفية مع الدولة أو مع شركات لمجموعة من السنوات … فهذا هو الأجدى والأفضل وحتى لا نجد أنفسنا نسهم في صناعة تغيير ديموغرافي في مناطق جغرافية معينة … أظن أن فكرة التجنيس لا تحقق الولاء للدولة ولا للمجتمع وكثيرا ما يكون الذي يتم تجنيسه غصة في حلق المؤسسة السياسية نتيجة عيشه السنوات الطويلة في بيئة سياسية تتيح له التعبير عن كثير من حقوقه السياسية… إن تجربة قطر مع التجنيس في الرياضة تجعلنا نتحفظ كثيرا على الغاية من التجنيس ..أشخاص لا علاقة لهم بالولاء السياسي أو الاجتماعي وإنما هم أشبه بالموظفين الذين تم استدعاؤهم ليلعبوا مباراة في كرة القدم… نحن نحتاج أكثر أن نستوعب أبناءنا وكفاءاتنا وطاقتنا كثيرون يحملون تخصصات نادرة وقدرات مميزة وهم مهمشين لا أحد يفيد منهم أو يستوعبهم في برامج وخطط إدارية وإنمائية … صحيح أنه لا تناقض بين هذا واستثمار المجنسين وتوظيفهم في خطط الدولة وبرامجها … لكن إذا كانت البيئة غير مستوعبة لأبنائها وغير مستثمرة لكثير من الكفاءات والطاقات حتى غدا كثير من السعوديين مرحبا بهم في عدد من الدول في العالم وفي دول الخليج … فإن ذلك يعني أننا سنشتري منتجا خارجيا في الوقت الذي نتخلى فيه عن بعض منتجاتنا ذات الجودة والكفاءة.

وقال د. إبراهيم البعيز: تعليقا على موضوع الجنسية للعلماء أود أن أشير الى أمريكا من أنشط الدول في هذا المجال ، وقد تسبب ذلك في بعض من الإشكالات مع عدد من الدول (خاصة الهند) لأنها تستقطب طلابها المتميزين وتعطيهم الجنسية أو الإقامة الدائمة القضية كانت تعرف بهجرة العقول Brain Drain وبسبب الضغوط  بدأت أمريكا في إصدار فئتين من التأشيرات للطلاب الأجانبF1 و J1 وهذه الأخيرة لا يسمح للطالب بالبقاء بعد تخرجه ولا يوافق على طلبه للهجرة إلا بعد ما لا يقل عن ٥ سنوات من عودته لبلاده … تجدر الإشارة إلى أن ما يصل إلى ٦٥٪ من العلماء والباحثين في الهندسة في أمريكا مولودين خارج أمريكا !!

وقالت أ. ليلى الشهراني في مداخلتها: عندما تتأمل هجرة العقول العربية والإسلامية للدول الغربية يعتصر قلبك الألم ، وتتمنى أننا لو استثمرنا في العلم والإنسان قبل كل شيء فهو النفط الحقيقي الذي لا ينضب وهو الثروة لكل بلد ينشد التحضر والتقدم في كافة المجالات ، البيئات العربية خاصة والإسلامية بيئات طاردة للكفاءات العلمية ، ولعل هذا السبب الرئيس لتخلفنا عن الركب ، منح الجنسية لمن يستحقها هو بمثابة استثمار في العقول وتوطينها والاستفادة منها … غازي القصيبي رحمه الله يقول : (أما المتخصصون الذين قضوا أطيب سنوات عمرهم في الدأب والدراسة فمآلهم أعمال روتينية أو هجرة إلى بلد تقدّرهم حق قدرهم وتستفيد منهم) . إن كان ولا بد من هذه الهجرة فتوطينها في بلداننا أفضل من وضع الحواجز والحدود أمامهم ، خصوصا التخصصات العلمية النادرة وما تحتاجه البلد من خبرات .

وركز د. خالد بن دهيش على المادة التاسعة في نظام / لائحة منح الجنسية ونصها: تمنح الجنسية بموجب ضوابط تضمنتها اللائحة ، أما المادة ٢٩ تمنح الجنسية وفق ما يراه رئيس مجلس الوزراء ( حتى لو لم تنطبق عليه الشروط ) . حيث يرى أن أهم من يمنح الجنسية هم أبناء وبنات من أمهم سعودية . أما أصحاب المؤهلات العلمية والخبرات ولهم إنتاج أو براءة اختراع علمي مميز مع توصية قوية من رؤسائهم تتضمن ولائهم للوطن مدة إقامتهم السابقة ( ١٠ ) أعوام وبقية الشروط المقترحة.

أيضاً فمن وجهة نظر د. خالد بن دهيش فإنه يصعب مناقشة موضوع شائك وحساس جداً مثل التجنيس ، فمن وجهة نظر المعنين بالتعليم والبحث العلمي  يهمهم معالجة هذه الجزئية ، ولكن هل البلد في حاجة لهذه الفئة فقط ؟ وهل الكفاءات العربية المراد استقطابهم بالكثرة والمواصفات التي تجعلنا نحرص على تجنيسهم ؟ لماذا لا نبحث في تطوير لوائحنا التي تدعم وتشجع على بناء الكفاءات العلمية السعودية و تهيئة البيئة المناسبة التي تشجعهم على البحث والاختراع في كافة المجالات ؟ هل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وجامعة الملك عبد الله وبقية الجامعات وفرت تلك البيئة وهل توفرت الامكانات المالية المناسبة ؟  أليست أنظمة التعاون والتبادل المعرفي بين الجامعات ومراكز الأبحاث كافية كبديل عن التجنيس ( مع أهميته ).

ويرى أ. عبدالله آل حامد أنه وفي ظل الوضع الراهن أصبح التجنيس ضرورة ملحة في عدد من التخصصات والمهن التي أثبت المواطن عدم قدرته على سد العجز فيها، وقال أ. عبدالله نصاً: فمثلا على مستوى الرياضة رغم مهارة السعودي وعشقه لكرة القدم إلا أن تركيبة جسمه وقامته ونوعية ونمط تغذيته لا يمكن بها أن يقارع البنية الأوربية أو حتى الفارسية والتركية.. على المستوى العسكري من شاهد القوات السودانية … أتحدث على مستوى البنية والتحمل ولا أقلل في شجاعة أبنائنا وعقيدتهم التي تمثل ركيزة الدفاع الحقيقية ولكن للأمانة كانت الصورة التي حملها الإعلام لطلائع القوات السودانية مخيف.. على مستوى حتى العلوم والهندسة ألم نكن نسلم للأشقاء العرب في مدارسنا بالترتيب الأول حتى العاشر أين ذهبوا هؤلاء العباقرة؟ أين هاجروا؟ أكان عيبا أن نقدم لهم جنسيتنا ونستفيد من عقولهم التي لم تكن تحلم إلا بمقعد في جامعاتنا.. مع الأسف طبيعة ونمط حياتنا لا يخلق مبدعا وإذا وجد فلم تفلح كل مؤسساتنا وبرامجنا واستراتيجياتنا لاحتضانه.. لا أمارس جلد الذات ولكن أعجبني رد الشيخ القرني حينما سأل عن التعدد في الزواج قال الله أكبر وهل سينجب أحدنا ابن حَنْبَل فيكاثر في الأبناء ويضيع عمره وهو يجاهدهم على الصلاة!! أخيرا أقول لمن ينتقدون سياسات التجنيس للأكفاء والمبدعين،، إن من صنع الولايات المتحدة التي تتربع على قمة العالم هم المهاجرون! وأتذكر موقفا حصل حيث أحضرنا كاميرا الاتصال المرئي المتميزة وكان سعرها يزيد عن ٣٥ ألف كونها تنقل الاجتماع لأي شخص على مستوى العالم وكأنه حاضر بتقنيات رائعة ولكن للأسف أن إخواننا السعوديين في تقنية المعلومات خريجي هندسة الحاسب وعلوم الحاسب وبعضهم شهادتهم من أمريكا عجزوا عن التعامل مع هذه الكاميرا الثمينة وأخيرا حضر شاب فلسطيني ، متعاقد ويعاني ألم الشتات والغربة ولا زلنا – رغم أنه لا يعرف إلا هذا البلد وطنا – نكابر عليه بجنسيتها بل وعدنا لنحرمه من ميزة الإقامة الدائمة في بلد وقف عليها الملك فيصل ليتمنى الشهادة خير من أن يرى الأقصى يدنس ، وأستطاع بحرفية أن ينهي الأزمة وبعقد لا يتجاوز ٣ آلاف ريال.. وأخيرا كنّا عندما نسخر من نسب أحدهم وأنه دخيل على الأرض يرد علينا كبار السن بغضب: ” ما أحد شطي منها” أي لم تنبت الأرض أحدا!!!

وعلق د. خالد الرديعان على ما طرحه أ. عبدالله آل حامد بقوله: أعتقد أن للفلسطينيين وضع خاص يمنع تجنيسهم وهذا القرار قديم واتخذته جامعة الدول العربية بهدف منع ذوبان الشعب الفلسطيني في الدول العربية وهو ما تريده اسرائيل. مع التسليم أن الفلسطينيين في العموم هم من الشعوب العربية المشهود لها بالتحصيل العلمي ومهارات العمل والإنجاز.. قصدت من ذلك أن تجنيس الفلسطينيين قد يكون مضرا للقضية الفلسطينية… الدول الأخرى بالطبع تجنسهم وأعدادهم في المهجر الامريكي وفي دول أوروبا كبير وغالبا يمتهن الفلسطينيون مهن تتطلب تعليم عالي مما جعل البعض منهم يتبؤون مواقع مرموقة خاصة في التعليم الجامعي. أذكر من هؤلاء على سبيل المثال هشام شرابي وسميح فرسون وإبراهيم أبو لغد وليلى أبو لغد وغيرهم كثيرون.

وأضاف د. مساعد المحيا على تعليق د. خالد الرديعان قوله: حتى الرياضة لن تجد فيها من سيقبل بالتجنيس إلا المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ..هؤلاء لا يفيدونك وأكثرهم من يكون عمره كبير … نعم لو وجد مثل عموري الذي أبدع مع الإمارات بعد أن درس وعاش في الرياض .. أو مثل لاعب الأهلي السوما الذي صرح قبل عدة أيام برغبته بالتجنيس.

ومن جانبها قالت أ. علياء البازعي: بخصوص موضوع التجنيس.. سأروي تجربتي الشخصية…درست في مدرسة أهلية بالرياض كان الصف فيه 5 سعوديات و 15 من جنسيات عربية مختلفة.. صادقت مختلف الجنسيات.. و مازلنا نلتقي كل أسبوعين…منهم من أخذ الجنسية و منهم من لم يأخذها….والواقع أن عندهم ولاء للبلد أكثر من ناس أصلهم سعودي…معظمهم أغنياء…صحيح من خيرات البلد…لكن أيضا من جدهم و عملهم…كنا نسكن فلل كبيرة في الملز و عليشة و هم شقق في الخزان…الآن انقلب الوضع…و أتأسف كثيرا على بعض العقول الجميلة التي هاجرت بسبب عدم وجود أماكن لهم في الجامعات.

ويعتقد أ. أسامة نقلي أن موضوع التجنيس لا ينبغي أن يكون ميكافيللياً باقتصاره على استقطاب الكفاءات ، بل ينبغي أن يكون إنسانياً أيضا بحيث يراعي من ولد ونشأ وترعرع في الوطن ولا يعرف غيره، وكذلك بالنسبة للتزاوج من الخارج بغرض لم شمل الأسر .. وغيره من الحالات الانسانية التي يحثنا عليها ديننا الحنيف.

وعلق أ. عبدالله الضويحي بأن ما تطرق إليه أ. أسامة نقلي خارج نطاق قضية الأسبوع ومشمول باللائحة الخاصة بالجنسية .. لكن ربما المقصود مراعاتها أو تخفيف الشروط عنها.

وذكر د. خالد بن دهيش أن موضوع التجنيس مهم جداً وتوسيع النقاش فيه يثري القضية ويكون تجنيس الكفاءات جزء من القضية، لكون هناك ما هو بنفس أهمية تجنيس أصحاب الكفاءات ، حيث لوحظ أن اللائحة المقترحة  تشمل من يتم استقطابهم ولا تشمل من يتم تبنيهم ( ممن ظهر أبداعهم وموهبتهم خلال تعليمهم بالمملكة ) ، فالقضية مهمة وجديرة بالمناقشة لو وسع النقاش فيها من عدة جوانب وأهمها الجانب الإنساني ( حيث سبق مناقشة تجنيس البدون الإنساني )  ، لذا يرى د. خالد بن دهيش أهمية  توسعة النقاش ليشمل طرح الأفكار والمقترحات الإبداعية لقضية التجنيس ومناقشتها فالقضية جد مهمة.

الانتقائية التعجيزية

استهل أ. خالد الحارثي مداخلته حول موضوع: اللائحة التنظيمية لتجنيس الكفاءات العلمية العربية بالمملكة العربية السعودية، بالقول: أود تسجيل تحفظي على الانتقائية التعجيزية التي يصطبغ بها نظام التجنيس وتحفظي على الانجراف وراءها بالمطالبة بتجنيس الكفاءات أو العاهات… لدينا مشكلات كبرى ومعاناة إنسانية طال عليها الزمن دون مباشرة الحلول تتمثل في أزمة القبائل النازحة وأزمة الأريتيريين والأفارقة والبورما والأفغان والبنجلادشيين والسوريين الآن ولكن لا يزال الباب مفتوحا على مصراعيه بسبب الزيادة المطردة للعمالة الأجنبية دون ضوابط تحدد مدة البقاء وآليات المغادرة والترحيل الإجباري ..! .. الفصل بين هذه القضايا وقضايا سوق العمل والبطالة والتستر هو بمثابة “الباص المدرسي” المفتقد لمعايير الأمن والسلامة ويتم استخدامه لنقل العمالة أثناء بقاء التلاميذ في المدرسة وفي حالات أخرى يتوافق التوقيت ليجمع التلاميذ بالعمال في حمولة نقل واحدة غير آبهين باختلاط العمال بالتلاميذ ولا حالة الباص التشغيلية والمخاطر على حياة الركاب والخسائر في أسر العمال والتلاميذ.

ويعتقد أ. خالد الحارثي أن المعرفة والابتكار الفردي ليس بحاجة إلى تجنيس أحد. الأكاديميون السعوديون يفوق عددهم عشرات الآلاف ، ولدينا من المبتكرين المئات ، لكن كل ذلك لم يصنع بيئة الابتكار أو بيئة المعرفة… فالمعرفة والابتكار بنية تحتية وبيئة محلية ، أمريكا تجنس العلماء لزيادة التفوق العلمي بفضل البيئة المعرفية في أمريكا ، ولا نظن أن منا أحد يعتقد أن أمريكا تجنس العلماء لتدخل إلى مرحلة الابتكار ومجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة… والتجنيس يكون أحد عناصر البناء المعرفي يبدأ بتصفية هذه القضايا من قبائل نازحة للتجنيس وحلول دائمة لأفراد من جنسيات مختلفة كلاجئين أو مجنسين لهم حقوق واعتبار في النظام والخدمات والرعاية الاجتماعية ، ووضع آليات صارمة للاستقدام وحد فاصل لمدة البقاء المتصلة حتى لا تتكرر المآسي.

وتساءل أ. سعود الغربي: ما أوجه الاختلاف والاتفاق بين نظام التجنيس في الدول الغربية ولدينا؟ ولماذا لا يستفاد من هذه الآليات والتجارب؟ وهل هدف التجنيس هو المبدع نفسه أم يمتد إلى أسرته وأبناءه وأسرته؟

وتساءل د. علي الحكمي كذلك: هل لازال بلدنا جاذباً للكفاءات والمواهب ذات المستوى العالي؟ … لنأخذ الهند كمثال… الكفاءة الهندية الآن مطلوبة في جميع أنحاء العالم المتقدم علمياً وتقنيا وخاصة أمريكا، فلماذا تأتي هنا؟ … لم نعد جاذبين، لا من ناحية المزايا المادية، ولا من توفير حياة مريحة كالدول المتقدمة… يجب أن نعترف بهذا الواقع.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

        ( حسب الحروف الأبجدية )

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • د. الجازي الشبيكي
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • د. حمد الماجد
  • د. حميد المزروع
  • د. خالد الرديعان
  • د. حمزة بيت المال
  • أ. خالد الوابل
  • د. خالد بن دهيش
  • أ. خالد الحارثي
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سعود الغربي
  • أ. سعيد الزهراني
  • أ. سمير الزهراني
  • د. طلحة فدعق
  • د. عائشة حجازي
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالرحمن الهدلق
  • د. عبدالسلام الوايل
  • أ. عبدالله آل حامد
  • د. عبداللطيف العوين
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبدالله الشمري
  • أ. عبدالله الضويحي
  • أ. عبدالله بن كدسه
  • د. علي الحكمي
  • أ. علي عبدالله بن علي
  • أ. علياء البازعي
  • أ. فاطمة الشريف
  • د. فايز الشهري
  • أ. فايزة الحربي
  • د. فاطمة القرني
  • د. فهد الحارثي
  • أ. كوثر الأربش
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. محمد السلمي
  • د. مساعد المحيا
  • د. مسفر السلولي
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • أ. مها عقيل
  • د. منصور المطيري
  • د. منى أبو سليمان
  • د. ناهد طاهر
  • د.م. نصر الصحاف
  • أ. هادي العلياني
  • أ. هيا السهلي
  • أ. يحيي الأمير
  • أ. يوسف الكويليت
قراءة 91 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 11:21

أضف تعليق


كود امني
تحديث