الأخبار
السبت, 03 كانون1/ديسمبر 2016 17:06

التقرير الشهري الحادي عشر

قيم الموضوع
(0 أصوات)
التقرير الشهري الحادي عشر
تحميل المرفقات :

شهر فبراير 2016

ناقش أعضاء منتدى أسبار خلال شهر فبراير 2016م العديد من الموضوعات المهمة والتي تم طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠.
  • الأعمال التطوعية: (الواقع، المعوقات، وآليات التطوير).
  • البحث والتطوير: مفتاح التقدم الاقتصادي.
  • الإعلام الحربي السعودي ودوره في التغطية الإعلامية للأزمة اليمنية.
  • إدارة الأزمات والكوارث: المشكلات والحلول الممكنة.

محتويات التقرير

المحور الأول: برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠

  • الورقة الرئيسة: د. فايز الشهري
  • مقدمة
  • أولا: مؤشرات العنصر البشري
  • ثانيا: الأمن الوطني ومظلة الحماية
  • ثالثا: اقتصاد المملكة 2020
  • رابعا: الإصلاح السياسي والاجتماعي
  • التعقيب الأول: د. سعد الشهراني
  • التعقيب الثاني: د. محمد سالم الصبان
  • المداخلات حول القضية:
  • التحول الوطني بين الأمنية والواقعية والنفاذ
  • متطلبات نجاح التحول الوطني
  • التحول الوطني من المنظور الاستراتيجي
  • التحول الوطني وثقافة الإنسان السعودي

المحور الثاني: الأعمال التطوعية: الواقع، المعوقات، وآليات التطوير

  • الورقة الرئيسة: د. الجازي الشبيكي
  • التعقيب الأول: أ. هيا السهلي
  • التعقيب الثاني: أ. سمير خميس
  • المداخلات حول القضية:
  • التطوع: المفهوم والأهمية
  • معوقات العمل التطوعي
  • توصيات لتطوير العمل التطوعي في المملكة

المحور الثالث: البحث والتطوير: مفتاح التقدم الاقتصادي

  • الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني
  • التعقيب الأول: د. حمد التويجري
  • التعقيب الثاني: د. يحى الحارثي
  • المداخلات حول القضية:
  • معوقات البحث العلمي
  • آليات تطوير البحث العلمي

المحور الرابع: الإعلام الحربي السعودي ودوره في التغطية الإعلامية للأزمة اليمنية

  • الورقة الرئيسة: د. مساعد المحيا
  • التعقيب الأول: د. إبراهيم البعيز
  • التعقيب الثاني: أ. مسفر الموسى
  • الإعلام الحربي بين الصحافة والدعاية
  • الإعلام الحربي… التقنية والتكنيك
  • المعلومة أم الرأي.. الخبراء أم الشهود
  • نصف المهمة تكمن في بناء الإطار
  • في عاصفة الحزم تحديدا… لا خوف من الإعلام
  • المداخلات حول القضية:
  • واقع الإعلام الحربي السعودي وأوجه القصور الكامنة
  • الإعلام الحربي والروح المعنوية للجندي السعودي
  • هل يختلف إعلام الحرب عن حرب الإعلام؟
  • الكفاءة المهنية والصورة النمطية وعلاقتهما بالإعلام الحربي
  • أولا: علاقة الكفاءة المهنية بالإعلام الحربي
  • ثانيا: علاقة “الصورة النمطية” بإعلام الحرب.
  • توصيات لتفعيل الدور النوعي للإعلام الحربي السعودي

المحور الخامس: إدارة الأزمات والكوارث: المشكلات والحلول الممكنة

  • الورقة الرئيسة: د. عبد الله بن ناصر الحمود
  • قبل البدء
  • أهم الفروق بين “الأزمة” و “الكارثة”
  • معنى “أزمة”
  • مجالات الأزمات
  • تعقيدات إدارة الأزمات
  • “البيروقراطية” أثناء الأزمات؟
  • شيء من الحلول
  • الأزمات والرأي العام
  • الحل الأكبر
  • التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف
  • التعقيب الثاني: د. فايز الشهري
  • المداخلات حول القضية:
  • التداخل بين مفهومي الأزمة والكارثة وأمثلة واقعية
  • الدروس المستفادة من الأزمات وكيفية إدارتها
  • التجربة السعودية في إدارة الأزمات والكوارث

المحور الأول

برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠

الورقة الرئيسة: د. فايز الشهري

مقدمة

تنطلق هذه الرؤية من مفهوم “المنافسة” الشاملة للدولة السعودية بكل طاقاتها ضمن منطلقات عناصر القوة الشاملة للدولة العصرية.

وتتطرق هذه المداخلة (بشكل موجز) لأبرز التحديات والفرص الممكنة من خلال استثمار الإمكانات الكامنة وتوظيف المملكة لقدراتها لمواصلة المنجز التنموي بكل مجالاته.

 وتهتم المداخلة على وجه الخصوص بأهمية وضع وتفعيل الخطط الضامنة لكفاءة توظيف موارد الدولة لتحقيق الحلم الوطني في دولة راسخة الجذور الاقتصادية مستقرة وموحدة تتعمق رسالتها الروحية للعالم باعتدال وتوازن.

وهذه المداخلة رؤية عامة غير متخصصة ولا مخصصة في مجال محدد، وستكتفي بالإشارات والعناوين ولن تتطرق للتفاصيل بالتركيز على أربع عناصر على النحو الآتي:

أولا: مؤشرات العنصر البشري.

ثانيا: الأمن الوطني ومظلة الحماية.

ثالثا: اقتصاد المملكة 2020.

رابعا: الإصلاح السياسي والاجتماعي.

يتضح للراصد أن معظم الدول العربية والخليجية تحديدا وعلى رأسها المملكة ظلّت طوال السنوات الثلاثين الأخيرة تعتمد – بشكل مكثّف- سواء في استمرار التنمية أو مواجهة التحديات على قدرات القوة Power Capabilities وليس على مصادر القوة Power Resources. . والمقصود بعناصر القوة هنا هو توظيف المتاح من الإمكانات والموارد لممارسة التأثير على المدى القصير وذلك بالاعتماد على القوات المسلحة (حرب الكويت، حرب الإرهاب، مواجهة الحوثيين 2008-2009 -عاصفة الحزم).

وفي الجانب المالي كان التعويل على (سحب) الاحتياطيات النقدية، وفي السياسة تنشيط الأدوات الدبلوماسية (التابعة) ضمن ما بات يعرف بأدوات لقوة الدولة. ومع أهمية هذا المنهج على المستوى التكتيكي إلا أن ضعف وإضعاف “قدرات القوة” لا يمكن تعويضه ما لم يكن هناك استثمار حقيقي في مصادر القوة Power Resources مثل المساحة والموقع الجغرافي، وقوة السكان، والموارد الاقتصادية، والقاعدة الصناعية، والإمكانات العلمية ـ التكنولوجية، والقيم الثقافية، فالسكان.

ومن هنا فإن مفهوم القوة الذي يأتي أحيانا بمعنى (Strength) يتجاوز فكرة امتلاك مصادر القوّة الاقتصادية وحسن إدارتها إلى مفهوم القدرة (Power) على تحويل هذه المصادر إلى عنصر ضغط وتأثير في المحيط الداخلي والخارجي.

أولا: مؤشرات العنصر البشري

تتضح إشكالية “العنصر” البشري وتأثيرها على التنمية والتطور الاقتصادي فيما بات يُعرف بشيخوخة القارة الأوروبية التي تواجه مشكلة زيادة أعداد المتقاعدين وانخفاض معدل المواليد ما نتج عنه قلّة الشباب في سوق العمل وكانت النتيجة انخفاض معدل الإنتاج والنمو الاقتصادي.

وفي المملكة العربية السعودية تقول بعض المؤشرات الإحصائية بأن عدد سكان المملكة بعد أربع سنوات (2020) قد يصل إلى رقم ما بين 35-37 مليون نسمة شاملا السكان من غير السعوديين.

 وبحسب المعلومات الإحصائية الحالية فإن 67% من السكان هم من الفئة العمرية الأقل من 30 عاماً ويشكّل من هم أقل من 40 سنة نسبة 80% من سكان المملكة.

وتكشف هذه الأرقام عن مجتمع سعودي حيوي شاب إلى حد كبير. وهذه المؤشرات تعني في جانبها الإيجابي أن المملكة تتوفر على “حيوية” العنصر البشري الأساس في قوة الدولة.

وحتى يمكن تحويل هذه الجموع الشابة إلى طاقة إنتاج وإبداع ينبغي التفكير في مشروعات تركّز على التعليم التطبيقي (الفني) وإعادة هيكلة الوظائف في القطاعين الحكومي والخاص ويمكن بذلك تلبية الطلب المحلي في المملكة وفي دول الجوار الخليجي.

ثانيا: الأمن الوطني ومظلة الحماية

تختلف الدول في تأمين “الحماية” الوطنية لأرضها ومواطنيها ما بين دول قوية تمتلك أسباب القوة “الحماية” الذاتية وبين دول متوسطة القوة تدخل في الأحلاف والمواثيق.

أما الدول الصغيرة والضعيفة – كما هو حال معظم الدول العربية- فعادة تعتمد على شراء “الحماية” على أساس قدرتها الاقتصادية أو الارتماء للاحتماء بدول كبرى توفر لها الحماية.

والخطورة هنا تأتي حال فقدان الدولة الضعيفة أو الصغيرة القدرة على “شراء” الحماية أو تغير مصالح الدول الكبرى أو انصراف المكون البشري (للدولة) عن هذه المزايدات والبحث عن الذات والاستقلالية ما يجعل هذه الدول عاجزة عن الدفاع عن نفسها بتوظيف الاستراتيجيات الدفاعية التقليدية.

ومن هنا فإن الحماية التي تحتاجها المملكة تتوفر في معظمها على مصادرها الداخلية ومحيطها العربي والإسلامي وهو ما أكدته الأحداث الماضية.

ولذا فإن سياسات التحديث والتطوير للقوات المسلحة مترافقة مع بناء الأحلاف، المبنية على المبادئ أولا ثم المصالح ثانيا، هي في الأغلب النموذج الصالح لبلد كبير مثل المملكة التي شرفها الله أن تحتضن أقدس بقاع المسلمين.

ثالثا: اقتصاد المملكة 2020

الحقيقة الواضحة أن النفط سيظل سلعة حاسمة في مسيرة الاقتصاد السعودي لعدة عقود. وهذه الهبة الإلهية ستبقى محور التنمية للسنوات القادمة. ولكن لا فضل لنا فيها ولم تكن يوما ثمرة لتخطيط واو نتيجة لتنمية مخططة وكذلك غيابها بالتناقص أو وجود البدائل.

ولكن المؤكد أن غياب أو تغييب السلعة الاستراتيجية هذه عن نقطة ارتكاز التنمية والاقتصاد سيخلف قبل السؤال أثارا كبرى.

وحيث يستطيع الاقتصاديون تحديد أفضل الطرق للوصول إلى الموارد البديلة والرديفة إلا أن الهبوط المظلي لأسعار النفط في حوالي عام من 120 دولار إلى 27 دولار يجعل بحث هذه المسألة أولوية قصوى.

وفي المسالة المحلية نجد أن الاستهلاك المحلي من النفط لتوليد الكهرباء وتحلية المياه نحو 4.2 مليون برميل نفط مكافئ يومياً، والمتوقع أن تزيد على 9.5 مليون برميل نفط مكافئ يومياً عام 2035.

وهذا يطرح السؤال عن أهمية تسريع جهود مشاريع الاستثمار في الطاقة البديلة من الطاقة النووية، الطاقة الهوائية، الطاقة الشمسية وطاقة الهيدروجين.

ولا مناص في المملكة من إعادة هيكلة الاقتصاد (الرعوي) للشركات والمؤسسات التي تنشط فقط مع المشاريع الحكومية أو تلك التي شببت وترعرعت على القروض والمنح والتسهيلات الحكومية.

رابعا: الإصلاح السياسي والاجتماعي

حتى وقت قريب ظلت المملكة تقود برامج الإصلاح المؤسسي في البنية السياسية والاجتماعية بشكل هادئ ورتيب أحيانا ولكن يبدو أن مستحقات المتغيرات الداخلية والخارجية ساهمت في حقن هذه المسيرة بجرعة تنشيطية مهمة لم تعط كل ثمارها بعد.

وفي المجال السياسي يبدو واضحا تأثير مراجعة الكثير من الهياكل الإدارية في الوزارات والمصالح العليا وكذلك الحيوية في تجاوز التقاليد البطيئة في البنية السياسية لمؤسسة الحكم وكذلك دخول المرأة منتخبة ومرشحة في المجالس البلدية بعد أن احتلت مقعدها في مجلس الشورى.

والتطوير المنتظر لعصر ما بعد 2020 تبدو ملامحه في النقاشات والأمنيات والتي من المفترض أن تفرز خلال المرحلة القادمة مشروعا سياسيا طموحا للمشاركة المجتمعية وفق معادلة سعودية موزونة.

والمقترح هنا – كمحطة أولى- أن يستفيد أي برنامج تطوير سياسي قادم من نتائج الانتخابات المحلية في المناطق لينتخب الفائزون من بينهم ممثلين وفق نسب تمثيلية تصعد إلى مجلس أعلى دون الدخول في مزادات التيارات والقبائل على حساب مصلحة الوطن.

التعقيب الأول: د. سعد الشهراني

بداية وانطلاقا من أن السياسة هي الحاكمة في مشروع التحول الوطني، فإنني أرى أن التحولات في اتجاهات وديناميات التنمية خلال المرحلة القادمة تتطلب ما يلي:

  • وجود أفق واضح للتنمية السياسية (التي أسميها أم التنميات) المبنية على ثوابت نظام الحكم والنظام الملكي ومركزية الملك في هذا النظام. مع ذلك، فإن هذا الأفق ينبغي أن يعتمد أولا على توسيع المشاركة والتوزيع المرشد لشجرة صنع واتخاذ القرارات وعلى وجه الخصوص التمثيل الديموجرافي المناسب في المراكز والمناصب العليا في أجهزة الدولة، وثانيا على تعزيز استقلالية مجلس الشورى وانتخاب 50% (مثلا) من أعضائه أو إنشاء مجلس مواز منتخب كليا (مجلس من غرفتين).

والأهم تفعيل دوره الرقابي المستقل خصوصا على المالية العامة وعلى أداء الدولة بالمساءلة والمحاسبة لضمان الإدارة الرشيدة good governance.

كما أن هناك مجال كبير لتطوير الإدارة المحلية بالتفويض والتمكين والمنافسة مع توزيع عادل للموارد المالية العامة على موازنات المناطق بدون إعادة صياغة المنظومة الإدارية والسياسية ووضع أفق للتنمية السياسية فقد لا نستطيع التحرك من مواقعنا التي سجننا فيها الأداء الإداري التقليدي بل قد تتدهور الأحوال مع تزايد التحديات السياسية داخليا وخارجيا ومع تناقص الموارد (الأفق الممكن هنا هو بالتأكيد أبعد بكثير من 2020 ولكن وضوح مكوناته وأهدافه وسقوفه ضروري جدا منذ هذه اللحظة).

  • التنمية الاقتصادية:

لقد حققت المملكة إنجازات لا يستهان بها في البنية الأساسية والرفاه الاجتماعي والتعليم والصحة والخدمات الأخرى الا أن هناك مشاكل حقيقية لا تزال تعيق محاولاتنا الانتماء العصر وللدول المتقدمة تقنيا وصناعيا وإنتاجيا.

ولا يخدعنا أننا في مجموعة العشرين فناتجنا الوطني مثل البالون ينتفخ مع أسعار النفط واستخراجه وإيراداته وسنرى كيف سيضمر مع الانخفاض الكبير في هذه النفطيات: لا تزال الاعتمادية المركبة على النفط كمصدر ناضب وكمحرك لاقتصاد بقطاعيه وكمصدر وحيد للطاقة، لا تزال هذه الحالة تلازمنا كمرض مزمن لا شفاء منه.

وأكثر من هذا هناك إشكاليات ما كان لها أن تكون بهذه الحدة لولا القصور في الإدارة الاقتصادية وإدارة التنمية، ومن هذه الإشكاليات:

الفقر والخلل في توزيع الثروة والدخول والبطالة والفساد وشيوع السلوكيات الاستهلاكية المريعة والأهم ضعف الإنتاجية والبحث والتطوير (r&d وليس البحث العلمي والفكري الأكاديمي الذي لا يقل ضعفا) وغياب الطبقة العمالية المنتجة.

ما الحل؟

في رأيي أن مما يجب أن يشمله برنامج التحول الوطني الآتي:

إنشاء شركات ومؤسسات إنتاجية ربحية قابضة كثيرة وكبيرة (مع احتمال المخاطرة بأن بعضها قد يفشل) تدير مجموعات كثيرة ومتعددة ومنتشرة في أرجاء الوطن تنتج منتجات لنا فيها ميزات نسبية (بعيدا عن النفط والبتروكيماويات ولا بأس معها) ننافس بها في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية.

هذه الشركات الإنتاجية (الصناعية على وجه الخصوص) تنشأ بالشراكة بين أربعة شركاء لهم مصلحة مشتركة في إنجاح هذه الشركات:

  • الدولة.
  • القطاع الخاص.
  • المستثمر الاجنبي (الصينيون!).
  • الشباب السعودي العامل في كل مشروع أو شركة أو مصنع.

هذا يتطلب إرادة وإدارة حديثة لا تعرف الفشل ولا تعترف به.

وتحتاج إلى تشريعات جديدة خصوصا في المسائل العمالية فضلا عن نظم جديدة للمالية العامة والضرائب (الدولة المعاصرة الناجحة دولة إنتاجية وأجور تتناسب معها وضرائب تعيد توزيع عوائد الإنتاج) مع أهمية تفعيل ركن الزكاة الذي سيحفف مشكلتي الفقر والبطالة.

هكذا أرى المملكة العربية السعودية لعام 2020 وما بعد: دولة صناعية لديها قطاع خاص وقطاع إنتاجي مشترك يشغلان يدا عاملة وطنية منتجة، ودولة مواطنين صالحين يتمتعون بحقوق متساوية ويقومون بما عليهم من واجبات، ودولة تقوم بوظائفها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية بموظفين عامين مختارين على أساس من الكفاءة والنزاهة.

اما الأمن الوطني فلدينا بنية أساسية متقدمة والحمد لله ولكن الاعتمادية المركبة المشار إليها تضرب بأطنابها فضلا عن ضعف توظيف مقومات القوة الوطنية الأخرى.

إذا نجحنا في الشأنين السياسي والتنموي فقد وظفنا وفعلنا أهم مقومين من مقومات القوة الوطنية وستأتي المقومات الأخرى منساقة وراء قائدها: المقوم السياسي.

التعقيب الثاني: د. محمد سالم الصبان

سأركز في تعقيبي على الجانب الاقتصادي بالتحديد حيث يمثل المحور الرئيسي في عملية انتقال المملكة من مجتمع ريعي يعتمد على ما ينتجه من سلعة النفط في تمويل كل أوجه الحياة إلى مجتمع منتج يكون عماده زيادة إنتاجية الفرد السعودي، يطور فيها الفرد جميع الموارد المتاحة ويستطيع أن ينافس بها محليا ودوليا.

وأردد دائماً مقولة ” رٌب ضارة نافعة “، فتدهور أسعار النفط العالمية وبالتالي إيراداتنا من النفط التي تعتمد عليه الحكومة بما لا يقل عن ٩٠٪، قد أدى إلى حدوث عجز قياسي العام الماضي، وبدأت الحكومة في السحب من الاحتياطي المالي وأيضا إصدار سندات حكومية. وبالتالي فان استمرار الوضع كما هو دون إجراء الإصلاحات الاقتصادية اللازمة يٌنذر بتدهور هذه الاحتياطيات المالية من جهة وارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي.

الجدية الكبيرة التي ظهر بها مجلس الشؤون الاقتصادية واستعانته بخبراء محليين ودوليين وإقامة ورش عمل تضم مختلف أطياف المجتمع والشفافية والصراحة المتناهية والشفافية اتضحت ملامحها في خطة التحول الوطني المتوقعة من خلال:

  • ترشيد الإنفاق وإيقاف الهدر والفساد؛ من خلال ترتيب أولويات الانفاق الحكومي والتركيز على استمرار الانفاق بشكل مستمر ومنتظم على القطاعات الأساسية مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وبعض التجهيزات الأساسية اللازمة مثل النقل العام.
  • محاسبة المسئولين من خلال مجلس الشئون الاقتصادية، وكل وزير يقدم في كل فترة (ثلاثة أشهر) استعراضا لما تم إنجازه وماهية العقبات القائمة وغير ذلك مما يعتبر مؤشرا للإنجاز من عدمه، وهو الأمر الذي لم يكن موجودا في الماضي. كما أن الأداء السيء للمسئولين يعرضهم للإعفاء. وحدثت بعض الحالات في الفترة القصيرة الماضية من عمر المجلس.
  • ترشيد الإعانات بما في ذلك إعانات الوقود والتي بٌدء في تطبيقها مؤخراً والتي تمت فيها مراعاة التدرج ونظام الشرائح لتخفيف العبء عن الفئات ذوي الدخل المحدود. والبدء ببداية العام الميلادي القادم بتطبيق نظام ضريبة المبيعات والتي تستني أيضا السلع الأساسية مثل المواد الغذائية.
  • التخصيص مع الأخذ في الاعتبار تلافي السلبيات المتوقعة ومحاولة تعظيم الايجابيات، على ألا يكون الهدف من التخصيص زيادة العوائد الحكومية، بل أيضا تحسين مستوى الكفاءة الإنتاجية للقطاع المخصص وزيادة الشفافية.

وهنالك عناصر أخرى عديدة لخطة التحول الوطني تهدف إلى التطبيق الفوري للاستراتيجية الوطنية لتحول المملكة إلى مجتمع معرفي يركز على تحسين مستوى التعليم والتدريب لتحول الفرد السعودي إلى مبدع ومبتكر يستطيع المنافسة مع الدول الأخرى اقتصاديا.

أيضا ما سعدنا لسماعه هو إنشاء صندوقنا السيادي الذي طالبت به وغيري منذ أكثر من عقد من الزمان (٢٠٠٤). وختاما، فإنني شخصيا متفائل تفاؤل حذرا بالنسبة لخطة التحول الوطني، انطلاقا من مقولة ” أن يأتي متأخرا خير من ألا يأتي نهائيا”.

المداخلات حول قضية: (برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠)

  • التحول الوطني بين الأمنية والواقعية والنفاذ

في هذا الصدد قال د. عبد الله بن ناصر الحمود: كلما تأملت برنامج التحول الوطني، قفز إلى ذهني المفهوم الكيميائي للتحول الذي يعبر عن “تمثيل تخطيطي لعناصر تفاعلية تؤثر في كتلة ما وتقود لتحولها إلى شيء مختلف”.

ومن هذا الباب يروق لي كثيرا تعريف “التحول” باستخدام المقابل الإنجليزي Metamorphism  دون أي مصطلح آخر ذلك أن هذا هو ما يمكن أن يطلق عليه “تحول” بمعنى الكلمة  وما دون ذلك ليس إلا قولا وحسب.

ويدل مصطلح ميتامورفيزم على أن “التحول” إنما يتم نتيجة ثلاثة عوامل أسس:

الأول: الحرارة

الثاني: الضغط

الثالث: إدخال مواد كيميائية نشطة غالبا ما تكون في شكل سوائل.

ويقول الكيميائيون أن التحول عادة ما يحدث بين 200 درجة مئوية من عمليات النشأة اللاحقة والذوبان عند 850 درجة مئوية. وهم يتحدثون هنا غالبا عن تحولات الأجسام الصلبة كالصخر.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن “التحول” الكيميائي الذي ينتج عن: زيادة الضغط، ودرجات الحرارة، يسمى “التحول التقدمي” ولكن عندما يتم “التحول” نتيجة انخفاض درجة الحرارة والضغط، فيسمى “التحول التقهقري”.

جميل هو “التحول” الكيميائي لأمرين:

الأول، أنه يحدث نتيجة قوانين ثابتة تقود إلى نتائج محسوبة ومحسومة.

الثاني، أنه يعلمنا، أن لـ “التحول” شروطا ونواميس لازمة لأي من التحولين “التقدمي”   أو “التقهقري”.

ويقودنا ذلك إلى الإيمان العميق بأنه لا يمكن أن نتخذ أسباب التحول التقهقري وننتظر التحول التقدمي. فهذا خلاف قوانين الأشياء.

التحول إذا، لا يصح أن يكون أمنية، لأن الأمنيات ليست من قوانين التحول. والتحول ينبغي أن يكون واقعيا، لأن المادة المتحولة خاضعة لطبيعتها الواقعية، ولا يمكن تصور تفاعل إيجابي لمواد غير واقعية.. ولا تصور تأثيرها إيجابيا على عملية التحول. ومن لوازم الواقعية أن تكون كافة مركبات منظومة ال “تحول” من ذات البيئة المناط بها تفاعلات التحول، وليست مركبات هجينة، أو أجسام غريبة. فشأن الأجسام الغريبة أن تحدث تفاعلات كيميائية غير محسوبة لا يمكن تصور آثارها وعواقبها.

والتحول، لا بد لنفاذه من تكامل عناصر التحول، وتحقق الشروط الثلاثة:

الحرارة الكافية

والضغط الكافي

والمادة المسببة للتحول

وأن يكون ذلك في كل الأوقات، وفي كل الأشياء، وفي كافة المراحل، ودون هوادة.. حتى تحدث عملية التحول بنجاح.

من هنا، لا علاقة فاعلة للزمن.. أعني خمس سنوات.. وتحولنا الوطني.. قد يكون نافذا بالفعل في خمس سنوات بإذن الله.. ولكن فقط عندما نحسب حسابات كل شيء بدقة متناهية..  ونوفر الظروف المواتية للتحول.

عفوا على المثال.. التالي:

عندما نحتاج ل “تحويل” المواد الغذائية من حالتها الطازجة إلى الحالة المطهية فإننا نحتاج من ساعتين إلى ثلاث في الظروف الطبيعية لعملية التحول.. ولكن، عندما نضعها في قدر الضغط مع قليل من الماء ونسلط عليها الحرارة.. فإن 25% من الوقت يكفي.

وعندما نضعها تحت موجات المايكرويف، فإن 15% من الوقت الطبيعي يكفي.

الخلاصة.. علينا أن نحذر من مجرد الأمنيات.. في برنامجنا للتحول الوطني.. وأن نفكر في أي من وسائل الطهي أعددنا للسنوات الخمس القادمة:

  • كم من الحرارة نستطيع تسليطها على مواطن التحول المنشودة؟
  • كم من الضغط يمكن أن نمارسه بانتظام على تلك المواطن؟
  • ماذا نملك من وسائل تحقيق التفاعل لعناصر التحول، من رؤى مشتركة، وتمويل، ورقابة، ونحو ذلك مما يلزم لاستكمال ضرورات التفاعل “الكيميائي” للتحول التقدمي.

وقالت أ. كوثر الأربش أن التحول الوطني بدأ بالفعل، وعلى أصعدة متعددة، وأنا متفائلة بمستقبل المملكة رغم كل المؤشرات على إشرافنا على سنوات عسيرة اقتصاديا. لأن التنمية لا تتعارض مع الأزمات، بل ربما ستكون عامل ضغط ودفع لعجلة التنمية في البلاد.

لديّ ملمح هام أريد تسليط الضوء عليه. هو أن كل مبادرة تطوير أو تحويل لا تتحرك إلا بجناحين:

  • جناح القرار الإداري.
  • جناح التطبيق البشري.

فلو اقترضنا أننا بصدد كتابة خارطة متكاملة لتحول بنيوي اقتصادي وسياسي وتنموي. هل لدينا كوادر مؤهلة لتشغيل هذه القرارات وتحويلها لفعل ملموس يعود بالنتائج الواضحة؟

على سبيل المثال مشروع “فطن” لوزارة التعليم، من أكثر البرامج التي تحمستُ لها شخصيًا، غير أن مخرجاته لم تكن بالحجم المأمول، وحسب إحدى مديرات المدارس: أن الطاقم التعليمي نفسه غير مستوعب للمشروع! ولم يتشبع بالفكرة ولم يدر العجلة كما هو مكتوب لها.. القصد: لدينا طاقات بشرية جبارة، لكن من جانب آخر لدينا تباين كبير في درجة الوعي. المجتمع بكافة مناطقه به فجوة زمنية ضخمة، بين المثقف وغير المثقف، المتعلم والأمي، التنويري والأصولي.. هذا التباين قد يشكل عائقا في مستوى تطبيق وتفعيل ومراقبة القرارات.. فهل أخذنا بالاعتبار تدريب الموارد البشرية لتناسب حجم التحول القادم؟

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن التحول يعني التغير من حال إلى حال، والتحول المجتمعي قد يتأتى بشكل تلقائي دون تدخل بشري، ومن ناحية أخرى قد يتأتى التحول بسبب بشري. ولأننا نناقش التوجه الوطني في بلادنا فهذا يعني أننا باتجاه نشؤ تحول مجتمعي سنكون سبب رئيس في إظهار مخرج أو مخرجات مجتمعية نطمح إليها، ولكن الأسئلة المطروحة حاليا عديدة ومتنوعة، والمتمثلة في الآتي:

  • هل تحديد عام 2020 أي بعد مرور 5 سنوات أن ما نهدف إليه سيكون أمامنا ومن ثم ننال ما نصبو إليه، ثم ما هو الشيء الذي نصبو إليه، بمعنى هل من صور واضحة أو أمثال ماثلة أمامنا حتى نتعرف على ما سوف نجنيه جراء تغيير قادم.
  • المفهوم لدينا أن المؤمل من التحول القادم هو أن يتمثل في الرقي الاجتماعي والاكتساب الثقافي والنمو الاقتصادي والنجاح السياسي، ولكن أليس لإنجاح هذه المجالات انه لابد من اكتساب أسس لدى أفراد المجتمع مجتمعين حتى يسهل الأمر على الحكومة تنفيذ البرامج الرامية على الأقل نحو البدء في تنفيذ ما نصبو إليه.
  • التحول الوطني يصعب على أي مجتمع أن يحدث له تغير مأمول في مدة أقصاها 5 سنوات، خصوصا إذا ما نظرنا إلى الطبيعة الجغرافية للمملكة العربية السعودية، والثقافات المتعددة، وطغيان العادات الاجتماعية في كثير من سلوكيات المجتمع التي من الصعب أن تتوافق ولو بنسبة 60% بين منطقة وأخرى.
  • التحول الوطني والذي يعبر في الأصل عن قدرة الحكومة ابتداء في تغيير وتطوير منهجها الإداري، المنهج الذي من خلاله وبعد الوصول إلى نجاحات محققه ذلك هو بداية الطريق نحو تحول وطني قادم، فإن استطاعت ونجحت الحكومة في ذلك فذاك يعد سهولة لجعل المجتمع أكثر مرونة وكفاءة نحو تحول وطني مأمول.

إجمالا واختصارا لزمن تتسارع فيه عجلات التقدم لابد أن نعي جميعا أن التحول أو التغيير هو مشروع مشترك لا يمكن أن يحدث من جانب أحادي حكومي أو مجتمعي، ولهذا فإن لتحقيق النجاح لابد من بناء شراكات بين الحكومة والمجتمع، وأن تكون الشفافية وحسن النية هما أساس بداية ونهاية ما هو مستهدف دوما.

متطلبات نجاح التحول الوطني

تعتقد د. سامية العمودي أنه حان الوقت لإدراك أن خطوة التحول الوطني لن تنجح بالسير على قدم واحدة؛ فدور المرأة لا يمكن إغفاله ومشاركتها في التنمية لازالت دون المأمول والتحسن بطيء، مما يعني أن التحول يعتمد على ذراع ويهمل أو يقلل من أهمية الثانية؛ فالخطط الاقتصادية والتغيير المجتمعي وحتى السياسي لم يعد ممكناً دون وضع المرأة في مكانها الطبيعي لتؤدي الدور المنوط بها كقوة اقتصادية. نحن نعلم أن النساء يمتلكن أرصدة عالية ومساهمتهن ضرورة. أما من الناحية المجتمعية فقد تغير الحراك وأصبح هناك جاهزية معقولة لمشاركة المرأة؛ وبذلك فإدراجها ضمن خطة التحول الوطني ضرورة وبدون هذا سيظل البرنامج قاصراً عن تحقيق المأمول منه مهما كانت قوة خطط التحول. المرأة كانت وستظل عصباً مهماً في أي برنامج تحول وطني.

وفي تقدير أ.د. عبدالرحمن العناد فإن من أهم متطلبات التحول الوطني ما يلي:

  • تطوير الأجهزة الأمنية والمرورية لتعمل باحترافية بعيدة عن الاجتهادات والفزعات والواسطات والخمول الذي أدى إلى تفشي مشكلات شائعة مثل سرقة السيارات وهروب العاملات والتحرش والتفحيط والتسول والمخدرات والحوادث ….
  • إشراك المرأة بشكل كامل كما ذكرت الدكتوره سامية بكل مفاصل الحياة… ولن نتحول ونحن لما نزل مزدوجي الفكر والتصرف كما فشل بلدي جدة بالاجتماع في قاعة واحدة بدعوى الاختلاط في الوقت الذي يجتمع الشورى والأسباريون والقطاع الصحي بغرفة واحدة!!!!
  • الاستمرار في تطوير التحقيق والادعاء وإجراءات التقاضي والتطبيق الحرفي لنظام الإجراءات الجزائية والمحاماة والقضاء.

وتساءل د. خالد الرديعان: لماذا تسير الإمارات بخطة تحولها الاقتصادي بكل سلاسة في حين أننا قد نواجه صعوبات في العملية؟ وبرأيه فإن هناك جانبين مهمين للغاية يهملهما الاقتصاديون ولا يشيرون لهما. الجانب الأول أن مجتمع الإمارات صغير جدا ومتجانس سكانيا إلى حد كبير. أما الجانب الآخر فهو أن الوافدين، والذين يشكلون ٨١٪‏ من السكان، يقومون بالمهام المطلوبة منهم على أكمل وجه لطلب الرزق ولأن قوانين العمل تطبق عليهم جميعا. هذه السمات تجعل التحول في الإمارات أكثر قبولا بل ومتيسرا؛ فهم يديرون بلدهم بعقلية تجارية بحتة كشركة منتجة. لقد تخلصت الإمارات من أي شيء يجعلها مجتمعا “خاصا” في حين أن هذه السمة تعد مكبلة لنا بدرجة كبيرة؛ بمعنى ما اصطلحنا عليه “بالخصوصية السعودية” التي تجبرنا على نهج سلوك مختلف عن الغير مما يوقعنا في إشكالات التحول.

عندما ننظر إلى مجتمعنا السعودي فإننا لا نجد كل تلك السمات؛ فهو مجتمع كبير العدد بدولة مترامية الأطراف مع تباينات أيكولوجية وجغرافية مناطقية، وهو كذلك مجتمع غير متجانس بدرجة كافية رغم كل المشتركات وهي أمور تبدو معوقات أحيانا. يضاف إلى ذلك أن مجتمعنا بنخبه التي تصنع التحول ينقسم إلى فئتين: فئة تريد التغيير والتحول، وفئة ممانعة تنظر للأمور بطريقة حذرة بل ومشككة بكل خطوة تأخذها الحكومة.

توحيد الرؤية والهدف والعمل المشترك أمور في غاية الأهمية لإحداث التحول المطلوب؛ فهل حققنا تلك المتطلبات؟؟

بينما يرى د. عبدالسلام الوايل أن عامل التنافر الأيديولوجي، هو الأقوى؛ فضخامة المجتمع وعدم تجانسه يمكن أن يكونا عاملا قوة إن أحسنا إدارة هذين العاملين. لكن السعودية وقياسا بالمجتمعات الخليجية المشابهة لجهة البنى العشائرية والأسس الاقتصادية تتسم بقوة تأثير عامل السحب الأيديولوجي، سحب إلى الموقع.. إلى المركز…الى الثبات. هذا بوضوح يجعل خطى الطيران، كما في الحالة الاماراتية، مجذوبة دائما للأرض. لذا، أمامنا تحدي التغلب على المخاوف من أن التحامنا بالعصر مؤذ لهويتنا. إن حسمنا هذا التنافر فنحن موعودون بانطلاقة واعدة، باعتبار ما قطعته التنمية البشرية من خطوات.

ومن وجهة نظر د. الجازي الشبيكي فإن من المهم أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار:

  • فيما يتعلق بالجانب السياسي، يمكن القول أن الحكم الملكي بناء على معطيات ما جرى ويجري حولنا في دولنا العربية هو الحكم الأكثر استقراراً وعطاءً وملاءمةً لطبيعة ثقافتنا العربية وأسلوب تعايشنا وعلاقاتنا، لكنً نظامنا الملكي على الرغم من أهمية وجوده واستمراره بالنسبة لنا، بحاجة إلى تعزيز وتدعيم من خلال نظام حكم حديث يأخذ بكل الاعتبارات المؤدية للأهداف المنشودة بعيداً عن كل اعتباراتٍ أخرى لأن القيادة هي حجر الأساس لنجاح كل الرؤى التنموية.
  • فيما يتعلق بتسهيل إمكانية تحقيق الرؤى الوطنية للتحديث، يمكن القول أن تخفيف المركزية الإدارية لمناطق المملكة وتشجيع اللامركزية المناطقية المحلية إدارياً ومالياً تحت نظام سياسة حكم عامة موحدة سوف يساهم إلى حد كبير في تخفيف أعباء ترهل الجهاز الحكومي وسيسمح بالمتابعة الأكثر دقةً وفاعلية وتنافسية.
  • هناك أهمية كبيرة للبيانات والمعلومات والدراسات الدقيقة المُحدًثة دورياً والتي تُبنى عليها كل الخطط والرؤى المستقبلية وهي ما ينقصنا بشكل واضح وكبير، حيث أن خططنا التنموية تُكرر سنوياً الاعتراف بقضية نقص البيانات والمعلومات والدراسات التي على أساسها تُحدد الاحتياجات والخدمات وبالتالي التطوير والتحديث ولكنها في الغالب لا تقدم حلولاً عملية لذلك النقص، وإن قدمت فإنها لا تتابع المتابعة المطلوبة.
  • يُعتبر الارتباط الروحي والعملي بالدين عاملاً مؤثراً لدى غالبية الشعب السعودي، لذا فإن أي رؤى وخطط تطويرية لا تأخذ في اعتبارها هذا العامل، لن تكفل لها سبل النجاح المطلوب، مما يحتًم أهمية إعطاء هذا الجانب أهميته من حيث بذل الجهود الكبيرة بشتى السبل لتوضيح “تعاليم الدين الصحيحة” في كافة شؤون حياتنا وتنقيتها من كل ما اختلط بها من عادات وتقاليد لا تمس للدين بصلة، وفق رؤية وسطية سمحة فاعلة تحفٍز على العمل والعطاء وتجسًدُ قيم وأخلاقيات الدين بعيداً عن طرفي التشدد والتمرد.

وأثار د. يحيى مجموعة من التساؤلات بخصوص التحول من اقتصاد معتمد على تصدير النفط الخام إلى اقتصاد بديل:

  • هل الاقتصاد البديل هو من أجل تغطية مصروفات الدولة؟ بمعنى هل هو بحث عن سد الحاجات؟ أم هو تغير في موقعنا الاقتصادي الخارجي أيضا؟ أي التنافس الدولي.
  • في حالة وجود اقتصاد بديل، ما هو حال سلعة النفط الخام، هل سنخفض الإنتاج؟ أم سوف نستمر في الضخ؟ وأين ستذهب هذه العوائد والفائض المالي لهذه السلعة؟

وفي هذا الإطار أوضح د. محمد الصبان أن الاقتصاد المتنوع هو من أجل عدم اعتماد معيشة المملكة على تقلبات سلعة واحدة تتأثر بعوامل خارج إرادتنا. والحكومة إنما هي جزء من هذا المجتمع. ليس هنالك ما يسمى بالاقتصاد البديل وإنما الاقتصاد المتنوع، ومن هذا المسمى نلحظ أنه لا يستغني عن النفط بل لابد من الاستمرار في استغلالها وزيادة قيمة منتجاتها الإضافية عن طريق الصناعات التحويلة.

وقال د. حامد الشراري: أفهم أن الهدف الرئيس من برنامج التحول هو الانتقال من الاقتصاد القائم على توزيع الريع إلى اقتصاد قائم على الاستثمار المنتج في القطاعات الاقتصادية الواعدة… ما أودّ إضافته:

  • ما يبعث على الفرح هو الطموح العالي في هذا البرنامج الوطني من القيادة واختزال الزمن وتكريس الجهود لتنفيذه.
  • قد تكون إحدى النقاط التي ربما تحد من تنفيذه كما يُطمح له، كون هذا التحول يتعاطى مع جيل نشأ وعاش غالبه في مرحلة الرفاه والطفرات (١٩٧٥ إلى الآن)، لذا فيجب أن يكون البرنامج شمولي يأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والثقافي …بمعنى قد يكون نجاح التحول الاقتصادي مرتبط بنجاح التحول الاجتماعي والثقافي…أي أنها منظومة متكاملة.
  • أيضا، قبل الشروع بهذا المشروع الوطني الجبار أو بالتزامن معه؛ هناك الكثير من الملفات المهمة التي قد تؤثر على تنفيذ البرنامج حسب ما يهُدف له، مثلا الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة، الحاجة لمعالجة الفقر والإسكان والبطالة …الخ. هذه الملفات تحتاج وقت لإنجازها، وأهميتها أنها مرتبطة بالمواطن (العنصر البشري) بشكل مباشر الذي هو المحرك لأي تنمية أو تحول.
  • قد يكون أحد المحركات الأساسية لهذا التحول وضع سياسة صناعية ملائمة ذات استراتيجية اقتصادية شاملة على المدى المتوسط والطويل، يكون توطين التقنية أساسها تدعمها الإمكانيات الحالية من قدرة مالية وطاقات بشرية وجامعات وبنية تحتية جيدة وشراكات مع بعض الدول الصناعية.
  • أن الفترة المخصصة للتحول قصيرة (٥ سنوات)، وقد تكون ضمن برنامج طويل المدى للتحول الوطني ليشمل جميع القطاعات التنموية الوطنية والأبعاد الأخرى منها السياسية والاجتماعية والثقافية….، مع تحديد دور الجهات العامة والخاصة في هذا البرنامج بشكل واضح وبمؤشرات أداء قابلة للقياس.

الأضلاع الثلاث لبرنامج التحول الوطني هي: المجتمع، والقطاع الحكومي، والقطاع الخاص، وكل ضلع يشمل العديد من العناصر (المكونات) التي يجب أن تتوافق وتتكامل مع عناصر الضلعين الآخرين ليتحقق التحول الاقتصادي والاجتماعي.

وقال د. علي الحارثي: عنصر واحد لابد من التركيز عليه لموجبات التحول الوطني بقياسات الزمن القصير والمتوسط والطويل، ألا وهو مشاركة المجتمع في اتخاذ القرارات بغض النظر عن صوابها وخطئها. كل ما يناقش على هذا المنبر وغيره من المنابر، مؤتمرات، ندوات، أطروحات رسائل، مناقشات اجتماعية في المجالس، اجتماعات حكومية، مناقشات مجلس شورى، مناقشات مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني وغير ذلك كثير جداً سبق طرحه ومنذ ثلاثة عقود تقريباً، امتلأت به الإضبارات في مؤسسات الدولة، ولكن لا حياة لمن تنادي، والسبب في – رأيي المتواضع- أنه لا توجد مشاركة مجتمعية في اتخاذ القرارات، ولا وجود لاستراتيجية وطنية واضحة لما نريد، ليناقش الجميع كيفية الوصول إليها. والأمثلة منظورة في كل مؤسسات الدولة، كل من يرتقي هرم أي مؤسسة يمسح بالمزيل توجهات وسياسة من سبقه، وغالباً ما يكون للأسوأ. فالمشاركة في اتخاذ القرار تعني وجود مؤسسات المجتمع المدني المشرع والمراقب والمحاسب بدون استثناءات وبدون خوف أو وجل. أما والحال على ما هو عليه، فأذكر مقولة أحد الكتاب الصحافيين كتاب الأعمدة تعليقاً على أول حلقة نقديه لطاش ما طاش قبل بضع وعشرين سنة، الخوف أن يكون هذا الطرح والنقاش والحراك الفكري والنقد ذراً للرماد لا أحد يعبأ به. وإذا أردنا النهوض بالأمة وبناء حضارة وتحول وطني مستنير وتعزيز قوة ومكانة دولية مبنية علي أسس متينة، فعلينا تركيز التمكين على قيمتي (العلم والعمل) لبناء عقول الأجيال. فبالعلم والعمل يستطيع المجتمع فرض إرادته والتحول الذي يريد، فتصبح الواجبات الوطنية مقدمة على المطالبة بالحقوق، لأن الحقوق تأتي عفوية وتفرض نفسها بعد أداء الواجبات وليس بالاستجداء. إذا أردنا أن نكون، فلابد من تأصيل قيمتي العلم والعمل مقترنتين والجهاد في تبنيهما على كافة الأصعدة ومن كل النخب، وترك ما أسماه علماء الأمة السابقون واللاحقون السفسطة والدروشة السياسية والجدل الديالكتيكي والماجريات فيما يجري من أحداث ووقائع وقرارات لم يعد المجتمع يصدقها، والغوص في أحوال الناس حتى لا يضيع الوقت والجهد سدى دون فوائد تذكر ودون نتائج متحققة.

وحدد م. سالم المري رؤيته فيما يتعلق بالعناصر الأربعة التي تضمنتها الورقة الرئيسة في الآتي:

  • أولا: مؤشرات العنصر البشري

لتحويل القوة العاملة الشابة إلى الإنتاج لتلبية الطلب المحلي في المملكة وفي دول الجوار الخليجي، يلزم إعادة النظر في سياسات القبول والتخصصات في الجامعات والتركيز على العلوم والهندسة وفتح المجال للراغبين في دراسة الهندسة والطب بسقف مفتوح. كما يلزم منع القطاع العام وأجهزة الدولة من إيكال الأعمال إلى مقاولين يوظفون العمالة الأجنبية، وبدلا عن ذلك التوجه للتوظيف المباشر والتدريب أو تأسيس شركات مختلطة بين الدولة والقطاع الخاص قادرة على توظيف المواطنين وتدريبهم، للقيام بالخدمات وأعمال التشغيل والصيانة والإنشاءات.

  • ثانيا: الأمن الوطني ومظلة الحماية

سياسات التحديث والتطوير للقوات المسلحة بحاجة إلى برامج تصنيع عسكرية جادة بعضها يكون محليا وبعضها بالشراكة مع حلفاء استراتيجيين عرب ومسلمين وأصدقاء غير مرتبطين استراتيجيا بإسرائيل مثل الصين، بحيث تكون هذه البرامج قادره على التصدير ولسد الجزء الأكبر من احتياجات الجيش من الأسلحة، على أن يترافق ذلك مع توفير مستمر للقدرات الوطنية الشابة للخدمة العسكرية بكلفه معقولة عن طريق برنامج مناسب لخدمة العلم.

  • ثالثا: اقتصاد المملكة 2020
  • أ‌- النفط بلا شك سيظل سلعة حاسمة في مسيرة الاقتصاد الوطني لعدة عقود وهو مورد ناضب ولذلك يجب إعادة النظر في طريقة استفادتنا من هذه المادة النفيسة، مثل التوجه نحو تكرير النفط وتصنيع مكرراته، والتركيز على تصدير السلع المصنعة من النفط بدلا من بيع النفط الخام. ممّا سيضمن لنا تحقيق التالي؛
  • الحصول على القيمة القصوى من برميل النفط.
  • الحد من تأثير التذبذب في أسعار النفط الخام على الاقتصاد الوطني.
  • خلق فرص وظيفيه جديدة.
  • توطين التكنولوجيا.
  • ب‌- الاسراع في التوسع في مشاريع مصادر الطاقة الأخرى مثل الطاقة المتجددة والطاقة النووية.
  • ج‌- رفع كفاءة إنتاج الماء والكهرباء في المملكة وخفض نسبة التلوث عن طريق الالتزام بتنفيذ قرار مجلس الوزراء الذي نص على ضرورة التركيز على الإنتاج المزدوج للماء والكهرباء ممّا سيخفض الاستهلاك المحلي للوقود.
  • رابعا: الإصلاح السياسي والاجتماعي

    • توسيع مشاركة كافة مناطق وشرائح المجتمع في مؤسسات الدولة ومجالس إدارة مؤسسات الدولة والمناصب القيادية في البلاد وفي القضاء والهيئات الشرعية.
    • إتاحة الفرصة لأطياف جديدة من رجال الأعمال والصناعيين ووقف احتكار بعض العوائل للاستفادة من دعم الدولة وإتاحة الفرصة لمجموعات جديدة للاستفادة من الدعم والقروض.
    • تطوير التجربة البرلمانية في المملكة وتوسيع مجال المشاركة.
    • حل عقدة وضع المرأة في المملكة والعودة به للوضع الطبيعي الذي يتماشى مع طبيعة المجتمع ومتطلبات العصر.
    • حل عقدة التطرف المذهبي والتركيز على مشروع الدولة الوطنية للجميع.
    • الاستفادة من ولاء المواطنين للدولة وتمسكهم بالوحدة الوطنية والتقليل من التركيز على الشرعية الدينية للدولة فهي معروفة، وعوضا عن ذلك تسليط الضوء على الشرعية المدنية المعطاة طوعيا من المواطنين.

وعلق د. عبدالله بن ناصر الحمود على مسألة الشرعية المشار إليها بالنقطة الأخيرة لمداخلة م. سالم المري بقوله: في الأمر مستويان من الرؤية:

  • المستوى الأول: استبدال الشرعية المدنية بالشرعية الدينية، وهذا المستوى بدلالته القطعية لا يمكن قبول القول به فضلا عن التنظير له.

وأحسب أن لمن قال به مقاصد أخرى لم تظهر في قوله تقوم على ضرورة النظر في إشكالات جوهرية في نسق الشرعية الدينية الراهنة للدولة.

  • المستوى الثاني: إعادة صياغة منظور وتطبيقات الشرعية الدينية للدولة.

وهذا مطلب استراتيجي مهم، حيث يبدو أن المنظومة المعرفية والمفاهيمية والسلوكية للوعي الديني الإسلامي الراهن في المجتمع على مستوى الأفراد والمؤسسات منظومة تقادمت بالقدر الذي يمكن الإقرار معه بأن ثمة مدخلات فيها ليست من الدين في شيء، أو أنها مرجوحة، أو أنه يمكن شرعا وعقلا التحلل منها. وهكذا. الأمثلة على ذلك كثيرة، وأطروحات تطوير أو تجديد الخطاب الديني لا تصلح ولا تكفي، لأن المنظومة المذكورة تنوء كما يظهر بمركبات موبوءة لا يكفي لإصلاحها مجرد إصلاح الخطاب.

والمأمول في نظري، أن تقبض هذه الدولة على مكتسبها العظيم المتمثل في شرعيتها الدينية.. مع ضرورة إطلاق مشروع وطني مهم، لعله يأتي في إطار برنامج التحول الوطني، لإعادة النظر في كافة مرتكزات الهوية الدينية للدولة، بما يشمل كافة الأمور الفقهية في كافة شؤون العبادات والمعاملات، وفق ما جاءت به “النصوص المعصومة” دون الركون لأي من تراكمات التراث الفقهي وغير الفقهي مما حدث فيما بعد عصر النبوة.

ومن جانبه قال د. مساعد المحيا: ملامح التحول أخالها متعددة، لكن يبدو أن نمط الماينبغيات هو الذي يقنعنا بها. بمعنى، أنني اقتنع بالتحول إن جاء بما أحب وبما يشغلني، في المقابل، لا أقتنع به إن لم يأت بما أريد حتى ولو كان هذا الذي أؤمله ليس من أولويات هذا التحول.

وأوضح م. خالد العثمان أن الموضوع الأهم الذي لم يجده حاضرا في طروحات برنامج التحول الوطني ومحاوره ولا في النقاشات أعلاه هو موضوع الحقوق. ومن بداهة القول إن حفظ الحقوق وأداءها في وقتها هو من أهم أسس ودعائم ومتطلبات نجاح التنمية. وفي المقابل فإن إهدار الحقوق والتباطؤ في أدائها يفرغ كل جهود التحول من محتواها ويقودها إلى الفشل.

كما ان تفعيل دور القضاء مطلب حيوي وحاسم وتأكيد العدالة في الحقوق والتقاضي بين الشريف والوضيع وتوازن العلاقة بين الدولة والمواطنين وحفظ حقوقهم أسس لابد من ترسيخها وتفعيلها؛ فمن غير المعقول مثلا أن نتصور نجاح برامج مشاريع التنمية في الوقت الذي يتأخر فيه صرف حقوق المقاولين ورواتب العاملين أشهرا عديدة وهم في المقابل عاجزون عن التظلم أو حتى الشكوى أمام تسلط وزارة المالية.. هذا مجرد مثال للتضارب الصارخ بين حديث التفاؤل بتوجهات برنامج التحول الوطني والواقع المرير الذي يعشيه الكثيرون على أرض الواقع.

  • التحول الوطني من المنظور الاستراتيجي

أشار د. عبداللطيف العوين إلى أنه استراتيجيا يطلق مصطلح التحول على خطة مؤقتة، تستلزم وجودها نتائج تحليل استراتيجي ومتطلبات قدرات ممكنه، لتحقيق الرؤية بصفة عامة أو قضية من القضايا الاستراتيجية. يكون هدف خطة التحول إعداد أو توفير تلك المتطلبات بما يضمن نجاح برامج الأهداف الاستراتيجية عند تطبيقها. في المقابل، يطلق عليها بعضهم خطة التغيير. فإذا كان ما أعلن يقصد ذلك فهو خطوة استراتيجية رائعة تضمن أن تكون لدينا قدرة استراتيجية لصناعة خط بداية للمستقبل الوطني وطننا الغالي. وهذا يعني أن يكون لدينا خطة استراتيجية، بالمعنى العلمي لها، تكون تحت الإعداد إن لم تكن أعدت مسبقا. بحيث تنتقل من خطط المنظمات كل على حده إلى خطة استراتيجية واحدة وطنيه شاركت في بنائها كل منظمات الوطن وعكست الدور التكاملي لها في صوره قضايا مشتركه ذات استراتيجيات وبدائل محددة. وفي هذا الشأن، من المهم مراعاة ما يلي:

  • إعداد الخطط الاستراتيجية من خبرات خارجيه فقط، هي بيع أوهام.
  • إعدادها بخبرات خارجية ومشاركة محلية، هي بيع أحلام، وتزداد سوءاً حينما تكون المشاركة من غير الخبراء المحليين.
  • إعدادها بالخبراء المحليين المتخصصين – كل في مجاله – وبمشاركه خبرات دولية، هي رؤية استراتيجية تقود لصناعة المستقبل.

وأشار د. سعد الشهراني إلى أن النفط مصدر لا يعول عليه في المدى الطويل حتى لو عادت أسعاره إلى الارتفاع (وحتما ستعود وستتذبذب ولكن بكم ومتى فهذا هو السؤال). وحتى لو ثبتت الأسعار عند مستويات عليا فإنه سينضب يوما ما بصورتين، إما:

  • نضوبا اقتصاديا مبكرا لوجود مصادر طاقة بديلة أكثر جدوى وأنظف وهذا لم يعد احتمالا بل مستقبل شبه مؤكد، أو
  • نضوبا جيولوجيا وهذا مؤكد.

 ولذلك فإن من المهم أن نستثمر في الطاقات المتجددة الخضراء بلا حدود:

  • حتى نواكب العالم ونوجد لنا مصادر طاقة آمنة ومجدية اقتصاديا بديلة للنفط الذي نستهلك منه ما يقارب ثلث النفط المستخرج (ولا أقول المنتج).
  • وحتى نوجد استثمارات جديدة في الطاقات البديلة تولد دخولا عامة وخاصة وفرصا وظيفية بمئات الآلاف واستدامة تنموية.

إن أي سياسة تنموية واستثمارية لا تعطي لهذا النوع من الاستثمار أولويته وأهميته فهي سياسة تحمل بذور فشلها في ثناياها. وربما أن هذا سيكون نشاطا مهما لأرامكو ويعطيها مستقبلا وآفاقا ومسارات مستقلة عن النفط وآفاقه المسدودة في المدى البعيد، سواء خصخصت أو لم تخصخص.

  • التحول الوطني وثقافة الإنسان السعودي

في هذا السياق قال أ. سعيد الزهراني: أريد أن أتساءل عن ثقافة الإنسان السعودي وسط هذا الضجيج المتصاعد والركض المتزايد نحو لقمة الاقتصاد ومساطر ضبط الموازنات؟!!

سؤالي عن الهويات العميقة، عن هويات الثقافة، عن هويات الأجيال الجديدة، سؤالي أعلاه يفتش عن التحول الثقافي الذي غاب عن أجندات تحولنا الوطني المرتقب.. أتساءل لأني أخشى أن يأتي اليوم الذي نبحث فيه عن وجهنا فلا نجده. وأخشى أيضا أن نتحول في كل شيء إلا الثقافة.. وفي كلتا الحالتين سنصبح مثل (مسوخ المتحولين) مع اعتذار شديد للغاية عن إيراد هذا التوصيف المقزز.. لكنه سياق التحول الحتمي..

أسئلة الثقافة ليست ترفاً عابراً.. ولا متطلباً ثانوياً؛ لا إشكال إن لم يحضر.. ولا إشكال إن حضر تالياً.. وأجزم بأن نخبة العقول في هذا المنتدى هي عقول ثقافة أولاً وثانياً وثالثاً.. وهي معنية بسؤال الثقافة ضمن حزمة التحولات المرتقبة.. ولهذا تأتي إثارة سؤال الثقافة علّه يجد عبر عقول منتدانا الأثير.. امتدادات ما تبلور رؤية ثقافية ما.. ضمن نسيج التحول المزمع المرتقب المنتظر.

وأشارت أ. ليلى الشهراني إلى أن لكل بلد ثقافته وهويته التي تميزه عن باقي الشعوب، ولا يمنع أن تكون للسعودية خصوصيتها الدينية والاجتماعية، لأسباب عدة، أولها أنها قبلة العالم للسياحة الدينية (مكة والمدينة) ولها قدسية ارتبطت في أذهان كل المسلمين، ولا يمكن بحال من الاحوال أن تكرر تجربة الإمارات في الانفتاح غير المقيد بقيود ولا تحكمه أي حدود، فحتى الحرية إن لم تضبط تصبح قيد، ولعلنا نناقض أنفسنا عندما ننظر لدبي أنها وجهة لبعض من يبحث عن المتعة، وفي نفس الوقت نقول نريد استنساخ التجربة دون فلترة. لماذا لا يكون لدينا تحول إيجابي في التنمية في الاقتصاد في تفعيل القوانين وفرض التنظيم، في المساواة والعدالة المجتمعية، في تفعيل حقوق المرأة، ولا أظن أن المجتمع سيرفض أي تغيير إيجابي، هو فقط يقف كالصخرة عندما يرى من يصادمه في طريقة تدينه أو قناعاته أو حتى عاداته وموروثاته.

وعلق د. خالد الرديعان على ذلك بقوله: إذن لماذا نضع الإمارات “بنش مارك”؟ ولماذا نضرب المثل فيها بمناسبة وبغير مناسبة…؟ ولماذا نصف الشعب السعودي يسد طرقات دبي؟ كل ما أرمي اليه هو ألا تكون خصوصيتنا معوق يقف في طريق التحول.. يجب أن نكون أقل حساسية تجاه التغير فهو قادم لامحالة.. وأن نكون كذلك أكثر استعدادا له دون وضع عصي في الدواليب…التحول سيحمل معه الصالح والطالح وإن كنا نود غلبة الصالح بالطبع.. وهنا يجب أن نكون أكثر استعدادا وأن نتوقع كل شيء ونستعد له.. التحولات الكبرى دائما ما يكون لها ضريبة وأحيانا مؤلمة..

لا نريد المجتمع أن ينقسم حول بعض القضايا.. أو تصبح عملية التحول بين تيارين متجاذبين.. نريد تيار واحد وطني يسير خلفه الجميع.. تيار مؤمن بثوابته ووطنه دون خوف أو وجل من المستقبل.

وبدورها علقت أ. ليلى الشهراني بأن مكمن الخلل هو أننا دائما نبدأ من حيث انتهى الآخرون لذلك نجد أغلب قضايانا تراوح مكانها ثم تعود للمربع الأول، فبقيت أغلب امنياتنا عن التحول والتغيير مجرد مشاريع ضخمة على الورق وفي ملفات النقاش لكنها في الواقع ضئيلة جدا ولا تتناسب مع ما نطمح له من تغيير وإصلاح.

وأكد د. زياد الدريس على أنه مما يجب أن نعيه وندركه بعمق هو أن (التحول الوطني) في أي بلد لا يتوقف عند السياسات الاقتصادية والاستهلاكية والبيروقراطية فقط، بل يداهم المكونات الاجتماعية والثقافية ويعيد توضيبها لتتناسب مع محرك التنمية الجديد. وفي مجتمعنا، المتحفظ عن إجراء التحولات الثقافية سيصبح التحول الوطني فيه مشوّهاً، أو غير مكتمل، بلغةٍ ألطف. والحديث هنا عن التحولات الثقافية والاجتماعية التي لا تعني المسخ بل الاستجابة المنضبطة للواقع الجديد، ولنستحضر هنا النموذج الماليزي 2020، الذي قدّم مهاتير محمد من خلاله نموذجاً للمجتمع الإسلامي العصري / المحافظ.

وأضافت د. سامية العمودي: مشكلتنا الخوف والشك والرفض وتفوق سد الذرائع على ما سواه حتى باتت هذه هي من ضمن معوقات التحول الوطني بشقيه الثقافي والمجتمعي. وكل تحول وتطور في نظر البعض انقلاب على القيم وضياع للدين. هذه خلفيات عميقة في الوعي واللاوعي لأننا زرعناها في عقول الكثيرين؛ فتحولوا إلى حماة وجنوداً لحمايتنا من أي تطوير أو تحول ولا زالوا يرفضون فكرة أن التحول لا يعني أبداً التخلي عن الثوابت المطلقة. لذلك، إن لم نعالج المعوقات ومالم يحدث مزيد من الانفتاح المقنن بقوانين واضحة فسيظل البرنامج في حالة التأرجح التي لا تمنحه فرصة الثبات والإنجاز.

وقال أ.د صدقة فاضل: العجلة تم اختراعها وقضي الأمر. ولا مبرر لإعادة التفكير في مبدأ الأشياء الموجودة. يجب أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون. كل مجتمع له خصوصية. فالخصوصية ليست حكرا على البعض. لذلك فإن الخصوصية تراعى في التفاصيل. هناك ما يعرف بالمبادئ الخمسة المبجلة عالميا وإنسانيا … وهي مبادئ يقدرها كل إنسان راشد عاقل بصرف النظر عن ماهيته الإنسانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. أما كيفيات وآليات تطبيق وتفعيل هذه المبادئ فقد توصل إليها الفكر السياسي العالمي. وتركت تفاصيل هذه الآليات لظروف كل بلد. أستغرب من بعض مثقفينا الذين يحاولون توضيح طرق الانطلاق النهضوي … مبتدأين من نقطة الصفر وكأننا بدع من الخلق، كما أستغرب التفسير المتحجر للمبادئ الجميلة المرنة.

وقال أ. يوسف الكويليت: نحن نمارس التشريع الديني فيما يتعلق بخصوصياتنا، لكننا في التعاملات الخارجية كالعقود والاتفاقيات والمحاكمات التجارية نخضع لغير قوانيننا إذ لا نستطيع فرض تشريعاتنا على الآخرين وهي قاعدة عامة في العلاقات الدولية تفرق بين الخصوصية والروابط الخارجية.

ومن جانبه يرى د. إبراهيم البعيز أن فترة الثمانينات من القرن الماضي كانت تمثل مرحلة تاريخية مهمة في التغير الاجتماعي في المملكة، وعلينا أن نتذكرها عند حديثنا عن التحول/التغير الوطني/الاجتماعي.

بدأت تلك الحقبة بثلاث أحداث محلية وإقليمية وعالمية.

  • على المستوى المحلي: كان جهيمان الذي تم القصاص منه وزمرته لكن انتهينا بتبني مبادئه وما كان ينادي به، وفتحنا الباب على  مصراعيه لما سميناها بالصحوة التي كانت تقف ضد التحديث الذي بدأت تمشي عليه الدولة من نتائج الطفرة الاقتصادية، في أعقاب تشكيل حكومة تكنوقراطية (الوزراء الدكاترة).
  • وعلى المستوى الإقليمي: كان سقوط الشاه وظهور ملالي إيران، وما ترتب عليه من دخولنا في مزايدات بيننا وبينهم حول من أهو أقرب  للالتزام بالإسلام وقيادة العالم الإسلامي واستقطابه، وما ترتب على ذلك من تشدد في الخطاب الإسلامي.
  • على المستوى العالمي: كان الغزو الروسي لأفغانستان ودخولنا المغامرة الأمريكية وإرسال أبنائنا “للجهاد”، وما حصدناه لاحقا من قيام  القاعدة وأعمالها الإرهابية.

هذه الأحداث الثلاثة تشكل متغيرات أساسية لفهم أسباب الواقع الذي نعيشه، وما لم نتعامل معها والدروس المستفادة منها (الأخطاء) سنبقى ندور في تلك الحلقة المفرغة. التعامل هنا بكون بالشفافية والوضوح والبداية بتغيير الخطاب الديني الذي لازال وسيظل يشكل العقبة الأساسية ضد أي تفكير جدي نحو التحول/التغير الوطني/الاجتماعي.

وأضاف د. حامد الشراري لما ذكره د. البعيز من أحداث مهمة لها تأثيرها على واقعنا اليوم حدث رابع، وهو أنه خلال العقد الماضي بدأت تغزونا التقنية وتطبيقاتها – التي تشكل وسائل التواصل الاجتماعي العمود الفقري لها- وبشكل متسارع وتسابق مع الزمن حتى أصبح المتخصص والمهتم لا يلحق بمتغيرات التقنية وتطبيقاتها وجديدها. هذه التقنية أصبح لها دور فاعل في إعادة تشكيل الفرد والمجتمع، وقد يكون لدى المتخصصين في هذا المجال الدراسات التي توضح تأثيرها على المجتمع وسلوكياته. المجتمع يتحول تقنيا! فمثلا قد تجد من يفكر أن ترسل له البيتزا عن طريق الايميل، أو أن يلوم الطفل أهله لماذا لم يختاروا له رقم سري عندما اختاروا له اسم…وقس على ذلك!

المحور الثاني

الأعمال التطوعية: (الواقع، المعوقات، وآليات التطوير)

الورقة الرئيسة: د. الجازي الشبيكي

يعتبر مفهوم العمل التطوعي من المفاهيم المتجذرة في الثقافة العربية والإسلامية وله مرادفات عديدة مثل العون والبر والخير والإيثار والتضحية والفزعة وغيرها، ولا يستدعي الأمر الإفاضة في ذكر الأدلة التي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة حول أهمية العمل التطوعي والإشادة بالمتطوعين التي وصلت إلى حد تفضيل القيام بحاجة المسلم لأخيه المسلم على الاعتكاف للعبادة في المسجد النبوي لمدة شهرين.

وفي العقود الزمنية الأخيرة شهد العمل التطوعي تغيرات وتطورات في مفهومه ووسائله ومرتكزاته اهتمت بها الدول الغربية اهتماماً ملحوظاً يفوق اهتمام العرب والمسلمين سواء على مستوى المجتمعات أو على مستوى الحكومات أو على مستوى المنظمات الأممية، حيث تبنت الأمم المتحدة برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين، وهو منظمة أممية تسهم في تحقيق السلام والتنمية من خلال العمل التطوعي في جميع أنحاء العالم وهو نقلة نوعية هائلة أدت إلى عمل مؤسسي استفادت منه دول عديدة. وتم الإقرار بالعمل التطوعي كعامل مهم في التنمية عام 2001 م، وجاء في تقرير الأمم المتحدة لعام 2011 م أن التطوع هو تعبير أساس للعلاقات الإنسانية، فهو يتعلق بحاجة الناس للمشاركة في مجتمعاتهم ليشعروا بأنهم مهمون بالنسبة للآخرين.

وعلى مستوى المجتمعات تدل الاحصاءات العديدة التي حفلت بها تقارير المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على تنامي الأعداد والأدوار التي يقوم بها المتطوعون تنامياً كبيراً في المجتمعات الغربية في مختلف مجالات الحياة، ولعلي أحيلكم هنا إلى المقاربة الاحصائية التي ذكرها د. علي الحكمي في التقرير الشهري (٩) لمنتدى أسبار في سياق مداخلته حول نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجديد ص 107.

والسؤال الجدير بالطرح هنا هو: لماذا تغيب نسبياً ثقافة التطوع والعمل التطوعي بين أفراد المجتمعات العربية والإسلامية مقارنة بدول العالم المتقدم مع أن دوافعهم قد تكون مقتصرة على النواحي الإنسانية والتنموية الدنيوية ونحن لدينا بالإضافة لذلك دوافعنا الدينية والأخروية ولنا إرث وتاريخ في ذلك أكثر منهم؟ الإجابة على ذلك تحتم علينا أهمية الإلمام بالتحديات التي تضعف قوة العمل التطوعي المؤمًلة في مجتمعاتنا العربية والتي صنفتها العديد من الدراسات والأبحاث إلى:

  • معوقات تعزى للمتطوع نفسه من حيث الخوف من تحمل المسؤولية وعدم توفر الوقت وقلة الخبرة وغيرها.
  • معوقات تعزى للمنظمات التطوعية من حيث ضعف التخطيط السليم والامكانات الإدارية في الاستفادة من المتطوعين وتدريبهم وتوجيههم ومتابعتهم وتقييمهم وتحفيزهم بالإضافة إلى مشاكل تمويل البرامج والخدمات التطوعية وغيرها.
  • معوقات تعزى للمجتمع من حيث انخفاض مستوى الوعي بأهمية التطوع والقصور الإعلامي عن التوعية والتعريف به وضعف إدارة الأجهزة العليا المعنية بالعمل التطوعي ومشاكل التمويل والتنسيق وغيرها.

ويُمارس العمل التطوعي لدينا من خلال الجمعيات والمؤسسات والمراكز الخيرية بالإضافة إلى ما برز بشكل لافت في الآونة الأخيرة من ظهور للفرق والأندية التطوعية الشبابية في المناسبات الاجتماعية والخيرية والاغاثية.

ويتسم العمل التطوعي بشكل عام في بلادنا بالتركيز على الجانب الرعائي أكثر من التنموي وبالميل للارتجالية والتكرار النمطي للخدمات وبضعف التنسيق بين الجهات التطوعية فيما بينها وفيما بينها وبين الأجهزة الحكومية وبضعف العناية بتدريب وتأهيل المتطوعين.

الرؤية المستقبلية:

فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية المؤملة في العمل التطوعي في المملكة العربية السعودية في ظل احتياجات المجتمع وقضاياه الراهنة وخصائص سكانه:

تشكل الفئات العمرية الشابة الأكثرية في أعداد السكان في بلادنا ، كما أن البلاد تتجه صعوداً نحو الخصخصة بالإضافة إلى ما تعانيه البلاد من قضايا الإرهاب والعنف والتطرف وتفاقم الأزمات الاقتصادية وهبوط أسعار  النفط ، كل ذلك ومعه غيره من الأسباب يجعل من الأهمية الملحة الاهتمام أكثر بالعمل التطوعي وتشجيع التطوع لدى أفراد المجتمع للمساهمة في التخفيف قدر الإمكان من تبعات تلك القضايا والمشكلات ، وقد أشار د. يوسف الحزيم في كتابه ( قوة التطوع ) إلى أن التطوع يعزز من المشاركة التنموية بدلاً من المشاركة السياسية التي لا تتوافر في المجتمعات غير  الديموقراطية والتطوع أيضا يعزز الروح الوطنية لا سيما في الحروب والكوارث والأزمات. وأضيف هنا أهميته من حيث الوقاية والحماية الأمنية.

وفي الختام أرى أن نركز اهتمامنا مستقبلاً على تطوير وتفعيل الأعمال التطوعية من خلال مجالين هامين؛ مجال الشباب والابداعات الشبابية في شتى المجالات، ومجال التطوع الحقيقي الفاعل عبر الشركات ومؤسسات القطاع الخاص بعيداً عن شكلية ونمطية بعض برامج المسؤولية الاجتماعية ضعيفة الفاعلية والاستدامة.

ومن المؤمل أن يكون لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجديد الذي تمت مناقشته في منتدى أسبار في التقرير 9 مساهمة في تطوير حراك الأعمال التطوعية في بلادنا بعون الله متى ما أُحسن تطبيقه وتفعيله.

التعقيب الأول: أ. هيا السهلي

أبرزت الورقة الرئيسة أهم معوقات العمل التطوعي وغياب ثقافة التطوع والعمل المنظم له ثم طرحت رؤية مستقبلية للعمل التطوعي في المملكة.

وباتفاق تام مع ما طرحته د. الجازي وإتمام لما بدأته فإني استشهد بنتائج دراسة ميدانية عن (ثقافة التطوع لدى الشباب السعودي) للدكتور عثمان العامر. – وإن كانت قديمة إلا أن نتائجها لازالت عوامل باقية – حيث أشارت الدراسة لأهم موانع العمل التطوعي لدى الشباب السعودي منها:

  • كثرة الأعباء العائلية بالإضافة إلى الدراسة التي تستهلك معظم الوقت بنسبة ٧٥٪.
  • عدم وجود برامج إعلامية تعني بإظهار أهمية العمل التطوعي وأهدافه ٧٥٪.
  • قلة تركيز المناهج الدراسية على تكريس مفاهيم التطوع لدى النشء منذ الصغر ٧٣٪.
  • تعارض وقت التطوع مع وقت الدراسة والعمل ٦٨٪.
  • عدم تحديد دور واضح للمتطوع ٥٩٪.
  • تركيز منظمات العمل التطوعي على المجالات التقليدية ٥٤٪.
  • لا تتيح منظمات العمل التطوعي فرصة اختيار العمل المناسب حسب رغبة المتطوع ٥٤٪.

واخترت هذه العوامل وهي في نظري لا تشمل الشباب فقط بل جميع الأعمار بما فيهم كبار السن مع احتمالية اختلاف النسب.

الحلول:

من هذه العوامل يكون الحل، فإذا افترضنا وقصرنا العمل التطوعي بالجمعيات الخيرية، والمراكز الخاصة المصرح لها فتوزيعها الجغرافي داخل المملكة أو داخل المدينة يظهر بشكل تكتلي، مما يدعو إلى توزيع هذه الجمعيات بشكل مناسب يسمح بتبادلية للأدوار.

  • دائما ما نردد “العلم في الصغر كالنقش في الحجر”، ولكن للأسف أن كثيراً من الثقافات الحضارية والإنسانية لا نغرسها في النشء من خلال مناهج التعليم، وهذا ما يجعل الغرب يتفوق علينا بالعمل التطوعي الجماعي ويتأصل فيه.

وقد أرخ عالم الاجتماع الفرنسي ألكسيس دي توكفيل، في كتابه الشهير “عن الديمقراطية في أمريكا” بقوله : “إن الثقافة السائدة عند عموم الشعب الأمريكي مؤسسة على مبادئ العمل الجماعي التشاركي، الذي يبرم بين المواطنين، في كل صغيرة وكبيرة، لتدبير شؤونهم، ولتجاوز إشكاليات اجتماعية قد تعترض أي واحد منهم ودون انتظار لمبادرة الدولة أو لمساعداتها”.

ويعزو دي توكفيل هذه الروح الجماعية السائدة والمتجذرة في نفسية وعقلية المواطن الأمريكي إلى أدوار التنشئة الاجتماعية والتعليمية التي غذّت المواطن الأمريكي مذ كان طفلا على مبادئ التعاون والتضامن والتطوع الخيري والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

الذي لا بد أن نلتفت إليه ولا نقلل من شأنه ولا نخترقه هو العمل الخيري الفردي الذي يقوم به الفرد ابتغاء وجه الله ويحرص على عمله في السر خشية الرياء، وإنما نمشي معه بخط موازي بالعمل الجماعي، وترسيخ مفاهيمه التي جاء بها الإسلام في التعاون على البر، في عمل الخير مع المسلم وغير المسلم، مع الإنسان والحيوان.

  • عندما أشارت الدراسة إلى أن ساعات العمل والدراسة تعوق عن العمل التطوعي يأتي هنا دور المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في دعم العمل التطوعي وأقصد بذلك أن تبادر به وتتولى إدارة المبادرة وأحب أن استشهد كمثال بمركز الجزيرة للتدريب الإعلامي في قطر، حيث أن لديه برنامج تدريب تطوعي يعرض على العاملين في الجزيرة لإقامة دورات تدريبية في الدول العربية الفقيرة يكفل المركز للمدرب نقله وسكنه فقط وعليه التدريب.
  • تعاني المراكز أو الجمعيات الخيرية والأعمال التطوعية من التناسخ والنمطية. هذه النمطية تعرض ثقافة التطوع للجمود والتكلس وقلة الإبداع. ومن هنا، لابد من إعطاء المتطوعين في هذه المراكز دورا في التخطيط والتطوير، والنفس الطويل في النتيجة. ما يتم في الجمعيات الخيرية هو عكس ذلك تماما فهي تحرص على أنماط معينة من الأعمال الخيرية حتى يرى نتائجها المتبرعون سريعا، وتحرص ان تكون الجمعية قريبة من حماها ومن حمى المتبرع حتى تكون الأعمال شاهدة للعين، فلابد أن تنفك الجمعيات الخيرية من متلازمة المنة!

التعقيب الثاني: أ. سمير خميس

“التطوع.. جناح الوطن المهيض”

في يوم الأربعاء الموافق الـ 25 من شهر نوفمبر من عام 2009م داهمت مدينة جدة سيول لم تلبث أن تحولت إلى فيضانات، وصفت بأنها الأسوأ منذ 27 عاماً، مخلفة القتلى والمفقودين.. وسط السيارات التي جرفتها السيول، والبيوت التي غمرها الطمي، والجثث العائمة فوق المياه. كان المشهد قاتماً، يزداد قتامة مع كل تحديث لأعداد الغرقى والمفقودين.. في خضم السوداوية التي استقبل بها أهل جدة عيد الأضحى ذاك، برز شعاع من أمل كان مصدره مئات المتطوعين والمتطوعات الذين شكلوا فرق تطوع متعددة لمواجهة كارثة الأربعاء الأسود ذاك.

هذه الكارثة ساهمت في تجديد مفهوم التطوع المندثر خلف نظرات الريبة الحكومية والمجتمعية تارة، وخلف ضبابية المفهوم وانعدام التنظيمات اللازمة له تارات أخر..منذ تلك الكارثة برز مفهوم التطوع بشكل جلي سيما لدى فئة الشباب والشابات في محاولة من بعض المخلصين والمتحمسين لترسيخ هذا المفهوم ليصبح بديلاً دائماً لا طارئاً يبرز في الكوارث والمناسبات..

في حوار صحفي أجريته مع “عراب التطوع” في المملكة الأستاذ “نجيب الزامل” شبه الوطن بـ “الطائر” نجد جسده ممثلاً في كيانه السياسي والتشريعي، وجناحه الأول الجهات الحكومية، فيما يشكل “التطوع” جناحه الثاني، وهذه هي الوصفة اللازمة لكل أمة ملت البقاء على الأرض، وتطمع في التحليق يوماً على حد تعبير “زامل التطوع”.

ولو تأملنا التطوع كنشاط إنساني نبيل، لوجدناه يكتسب أهميته في استثمار نشاط الشباب الفكري، والخروج بهم من دائرة الشلل المؤدية بهم إلى متاهات التطرف من الجهتين إلى فضاءات التفاعل الإيجابي مع المجتمع. ويبقى العائق الأهم أمام بروز وترسيخ وسيادة العمل التطوعي هو توفير المظلة الرسمية المنظمة للأعمال التطوعية التي بدأت ترى النور من خلال قرار مجلس الوزراء بالموافقة على نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية وإعداد مرسوم ملكي بذلك بعد اطلاعه على المعاملة المرفوعة من وزارة الشؤون الاجتماعية وبعد نظره في قرار مجلس الشورى رقم “59/77” بتاريخ 21-12-1428هـ. يذكر أن من ضمن أهداف نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية تنظيم العمل الأهلي وتطويره وحمايته، وتعزيز مساهمة المواطنين في إدارة المجتمع وتفعيل ثقافة العمل التطوعي وتحقيق التكافل الاجتماعي، الأمر الذي يفتح المجال بشكل واضح ومباشر لإنشاء “هيئة وطنية” تعنى بالتطوع تأسيساً وتفعيلاً وحماية.

المداخلات حول قضية: (الأعمال التطوعية: الواقع، المعوقات، وآليات التطوير)

  • التطوع: المفهوم والأهمية

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن التطوع كمفردة حينما تقرأ أو نسمع عنها فإن أول ما يتبادر للأذهان أنها تشير إلى المساهمة المجتمعية في تقديم ما يمكن تقديمه من خدمات تتطلب المساندة والمؤازرة تجاه احتياج ملح أو شبه ملح ، ولهذا لا يمكن أن نعتقد أن خدمات التطوع واجب الإتيان بها أو أنها محصورة عند حدوث أزمات أو كوارث لا قدر الله ، ثم أن ثمة أمر تجدر الإشارة إليه وهو أنه بحكم تقارب العمل التطوعي بالعمل الخيري فقد يعتقد البعض أن تعريفهما واحد ، وفي حقيقة الأمر أن هناك اختلاف بين الاثنين؛ ففي حين يرتبط العمل الخيري بما يقدم من مال، فإن العمل التطوعي مقترن بما يقدم من وقت وجهد. هذا هو التعريف المختصر لهذين العملين.

التطوع مشروع إنساني يتمثل في بذل كافة الجهود من خلال أدوار متعددة ومتنوعة، كما أن التطوع لا يرتبط بأوقات او مواسم محددة الإتيان بالتطوع لا يكون في أوقات أو مواسم محددة، فهو نشاط اجتماعي خدمي دائم يفترض تأدية دون مقابل وعلى الدوام.

وأوضح د. خالد الرديعان أن كلمة “التطوع “تحيلنا إلى مفردة “المطوع” و “اخوان من طاع الله”. وإلى مفردة “الاحتساب” التي ربما تشتبك بصورة أو أخرى مع مفردة “التطوع”. إن التطوع متجذر في ديننا وإن كل ما نحن بحاجة إليه هو تنظيمه لكي لا يكون العمل عشوائيا أو متداخلا مع صلاحيات بعض الجهات التي ترى فيه تدخلا في عملها مما يعيقها أو يربكها. ومن فوائد التطوع على المستوى الفردي هو أنه يخلق عند المتطوع رضا نفسي self-satisfaction ويجعله أقل توترا وأكثر استقبالا للحياة.. أيضا يخلق القدوة للآخرين خاصة عندما ينجح المتطوع في مهامه. وغني عن الذكر كذلك أن للأعمال التطوعية عدة منافع إضافية ومنها:

  • تعميق الانتماء للوطن والمجتمع.
  • الافادة من طاقات مهدرة يمكن توجيهها بصورة خلاقة.
  • القضاء على وقت الفراغ.
  • الحد من السلوكيات السلبية عند الشباب.

وقالت د. عائشة حجازي: العمل التطوعي والقيام بالخدمة المجتمعية بدون مقابل يعتبر رمز من رموز تقدم المجتمعات ووعي أفرادها؛ فطبيعة بعض البشر بفطرتها تحب تقديم الخدمات للآخرين ولكن لا تجد القنوات المناسبة والموجهة لذلك. ومن خلال عضويتي في نادي التطوع بالجامعة لاحظت أن هناك الكثير من الأفكار والمقترحات الجميلة والمبتكرة والتي تحتاج فقط لإتاحة الفرصة لها. والجامعة تسعى لتطويرها والاستفادة منها. فلو أن كل المؤسسات المجتمعية تسعى لجذب هذه الطاقات وتفعلها بالشكل المناسب لتمت الاستفادة بشكل أكبر وأوسع.

نشر الوعي بثقافة التطوع لازال بسيط في ضوء احتياج الأفراد للأمان المادي والسعي وراءه وبذل الجهد في العمل بمقابل وتأمين متطلبات الحياة أكثر من العمل التطوعي.

ويتفق د. علي الحارثي مع الرأي بأن التطوع في مجتمعنا منطلقه ديني وإنساني أكثر منه اجتماعي، ولذا نري أن أكثر الجمعيات الخيرية وراءها الاشخاص الأكثر التزاماً بأهداب الدين. وقد ذكرت في مداخلة سابقة عن الخصخصة أن ما طرح وما سيطرح في هذا المنتدى سبق طرحه مرات ومرات، فالتطوع سبق طرحه من قبل الدفاع المدني أثناء غزو الكويت، وعلى مر السنين يدعون من له رغبه المشاركة في أعمال تطوعية في أعمال الحج مع إقامة دورات تدريبية لذلك. كذلك، أقامت إمارة منطقة عسير قبل عشر سنوات أو أكثر مؤتمراً عالميا عن التطوع، شارك فيه نخبة من العلماء والباحثين منهم مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا في حينه والأرجنتيني الذي بدأ بأعمال تطوعية شخصية وكرس جهده لهذا العمل حتى أصبح العمل التطوعي في الأرجنتين سمة غالبة ومحببة وأصبح فيما بعد رئيس برنامج العمل التطوعي في الأمم المتحدة.  وقد صدرت توصيات لهذا المؤتمر. وكما أشار إليه أ. سمير خميس من صدور قرار مجلس الوزراء الموافقة على نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية منذ ٩ سنوات، ورغم كل الأعمال التطوعية التي بادر بها الشباب والشابات لمواجهة بعض الأحداث، فأننا لا زلنا نبحث عن العمل التطوعي أين هو وكيف نفعله.

أما د. إبراهيم البعيز فيرى أن العمل التطوعي شكل من أشكال الوفاء بالمسؤولية الاجتماعية على المستوى الفردي، لكنه يحتاج الكثير من التنظيم والإجراءات المحددة والواضحة التي تضمن إبعاده من الاستغلال لمقاصد سياسية تتلبس بالتدين.

وذكر د. حامد الشراري أن العمل التطوعي هو عمل مساند، وهو ثقافة اجتماعية يسهم التعليم والجمعيات التطوعية في تأصيله وتطويره، والمؤسسات الحكومية في تنظيمه وتنسيقه.

وسائل التواصل الاجتماعي، وثورة الاتصالات وتقنية المعلومات ساهمت بإبراز محاسن العمل التطوعي، ويبدو أن هناك حراك اجتماعي وفردي بدء ينمو في مجال التطوع من مبدأ أن ديننا الحنيف يحث على التكافل والعمل الخيري ويؤجر عليه الشخص، ونحن أولى من الغرب في تطبيق هذه المبادئ الإنسانية، إلا أن تفاعل الجهات العامة والخاصة ما زال دون المأمول ولا يتماشى مع هذا الحراك.

ومن وجهة نظر د. فايز الشهري فإن التطوع يرتكز على ثلاث مرتكزات:

  • عمق قيم “الخيرية” في نفس الإنسان وسمو مرجعيتها.
  • مفهوم (ثمن) وقيمة العطاء والوقت والحياة في قناعة المتطوع.
  • العائد الإنساني (الفردي) والمجتمعي على المتطوع.

وقالت أ. ليلى الشهراني: “خير الناس أنفعهم للناس” والأعمال التطوعية من أنبل الأعمال ذات المدخول العالي من الأجر والثواب، يكفي أنها نابعة من هدف إنساني ليس وراءه أي مصلحة أو غاية. المجتمعات قديما كانت ثقافة التطوع حاضرة وبقوة في معاملاتهم وحياتهم، ومع تطور الحياة وتغير نمط المعيشة وتباعد الناس أصبحت الأعمال التطوعية شحيحة، ثم بدأت تعود من جديد بروح شبابية رأيناها في كوارث جدة وسيول تبوك وغيرها، ورأيناها في مبادرات شبابية عبر الإعلام الجديد ولعل من أبرزها مبادرة “خير السعودية” وما تقوم به الأستاذة أماني الشعلان وزملائها وزميلاتها من جهود تطوعية جدا عظيمة. مثل هذه المبادرات يجب أن ندعمها ونشجعها ففي كل إنسان طاقة خيرية إن لم تصرف في الوجوه الصحيحة وإلا ذبلت وحل محلها الشرور. زرع ثقافة التطوع منذ الصغر عند الأطفال ستكسر فيهم الأنانية والأحقاد والكراهية، فينشأ بشخصية سوية. الشباب والشابات المنخرطون عادة في الأعمال التطوعية لا تجد من بينهم “في غالبهم” من يملك أفكارا متطرفة.  من يقرأ سيرة رائد الأعمال التطوعية د عبدالرحمن السميط رحمه الله يجد أن الحس التطوعي بدأ لديه في مرحلة مبكرة بدأت في المدرسة مع زملائه بشراء سيارة لنقل العمالة مجانا في ظهيرة شمس الكويت الحارقة، ثم في مرحلة عمله كطبيب تطوع في علاج الفقراء في بيوتهم دون أن يأخذ أجر على ذلك، وانتهت به في القارة الأفريقية، ففتح المستشفيات والمدارس وحفر الآبار وساهم في استصلاح الأراضي، وتوفي رحمه الله ولم تقرأ له فتوى تفجير أو قتل أو تحريض على التطرف أو العنف. الخلاصة أن العمل التطوعي بالإضافة لخيريته للمجتمعات وأنه عصب الحياة للإنسانية والتراحم إلا أنه في ذات الوقت يساهم في تحصين الجيل من الانجراف وراء الشعارات البراقة التي تتلبس بلباس الدين ولا تقدم للدول إلا الخراب والتخلف ورأينا مخرجاتها في (داعش والقاعدة).

وذكر د.م. نصر الصحاف أن المجتمعات الشرقية والإسلامية بالذات تنعم بالتكافل الاجتماعي بدرجات متفاوتة على مستوى الأسرة الصغيرة والتي هي جزء من العائلة الأكبر وذلك جزء أساس من التراث والموروث القبلي. لذلك نجد بعض ما يقدم في الغرب كعمل تطوعي للفرد هو محقق ضمن ما يُمكن اعتبارها (واجبات) في مجتمعاتنا الشرقية! ولكنها لا تخضع للجدولة أو الإدارة كما هو الحال في المجتمعات الغربية. فتبدو وكأنها تزيد بها نسب التطوع للأعمال الإنسانية لأنها وبدرجة كبيرة لا تعتمد على منظومة العائلة أو القبيلة مثلما لدينا وإنما تشيع بها ثقافة الفرد والأنا!! أضف إلى هذا، ثقافة الأنا في الغرب مسؤولة بدرجة أو بأخرى عن مدى تطوّر أو تخلف المجتمع الغربي في بعض المناحي!!

المجال التطوعي في ثقافة الأنا هو الدافع الأساس في تطوير شخصية الفرد لنفسه فيتصل بأقرب جهة خيرية ويعرض وقته الثمين لتقديم خدمة التطوع!!  فبالنسبة له هذا العمل لا يكلفه أي شيء غير قضاء وقت فراغه يما يعود عليه في الدرجة الأولى بالشعور عن الرضى النفسي بأنه يقوم بعمل يعود على المجتمع ككل بالفائدة!! وهذا يأخذ أشكال عدة في شتى المجالات.. وكمثال فإن معظم القضاة يستبدلون بعض العقوبات الخفيفة بالعمل التطوعي للمحكوم كتنظيف الطرقات السريعة أو ما شابه.

وتطرق د. خالد بن دهيش إلى إحدى صور التطوع الأخرى، وهي التطوع العسكري بجانب الحديث عن التطوع الخيري بالوقت والمال. حيث قال في هذا الشأن: يجب أن لا ننسى الأعداد الكبيرة من الشعب السعودي التي لبت النداء إبان حرب الخليج التي تسبب بها الغزو العراقي للكويت وتهديد المملكة بالصواريخ عام ١٩٩٠، فقد انخرطت في تدريبات عسكرية لحماية حدودنا ولحفظ الأمن داخل المدن. إن الإقبال الكبير للتطوع العسكري في تلك الفترة يؤكد أهمية أن يكون لدينا برنامج للتطوع العسكري الاختياري. وما حدث من قبل رجالات جبل فيفاء بجازان والجبال المحاذية للحدود اليمنية من إقبال كبير للتطوع لحماية حدودنا الجنوبية من التسلل لداخل المملكة من أعداء الوطن من الجانب اليمني لخير مثال. فقد حملوا سلاحهم الشخصي وتناوبوا على أعمال الحراسة. فلو كان هناك تنظيم وتدريب للتجنيد التطوعي لكانوا أكثر عوناً لجنودنا.

وذكر د. حامد الشراري أن التطوع هو المرتكز للتكافل الاجتماعي، وهو موجود منذ الأزل وأصبح في عصرنا الحاضر أحد سمات التحضر والمجتمع الراقي. كما أن التطوع باب واسع يتنوع بين العمل الاجتماعي والفكري … الخ، فمثلا منتدى أسبار منبر تطوعي فكري حر يناقش مختلف القضايا الوطنية بموضوعية وتجرد… ومن المهم تنظيم العمل التطوعي المحفز والمرن الذي يكون مساندا للجهات الرسمية في حدوث الكوارث والأزمات.

واتفقت أ. علياء البازعي مع وجهات النظر المؤيدة لأهمية وجود تنظيم للتطوع حيث أن درجاته مختلفة وحجم المسؤولية به تختلف باختلاف العمل كما أكدت على ما يلي:

  • أن التطوع لا يعني أن يكون بلا مقابل؛ فشهادة الشكر أو الخبرة تعتبر مقابل. أو حتى المكافأة المادية أو العينية تعتبر مقابل.. وهذا لا يخل بكونه عملا تطوعيا أبدا.
  • أن التطوع لا يعني عدم الالتزام بالوقت أو بكمية العمل أو محتواه.
  • في السنوات الأخيرة ولله الحمد كثرت المنظمات الشبابية التي تنظم عمل المتطوعين. لكنها تظل اجتهادات شخصية بدون تنظيمات واضحة ومحددة.
  • مجتمعنا مازال يحصر التطوع في مجالات محددة (دينية -اجتماعية) وهناك إغفال تام للتطوع في التعليم.. وقد يعود ذلك لرفض مبدأ التطوع في المدارس خصوصا للأشخاص من خارج المدرسة أو خارج القطاع التعليمي.
  • معوقات العمل التطوعي

ترى د. سامية العمودي أن مبادئ العمل الجماعي والتشاركي لم تؤصل في مدارسنا وجامعاتنا إلا حديثاً، وأضافت: لو لاحظنا كمثال في الأعمال البحثية وهي غير تطوعية فإننا نفرد نقطة في الترقية للمؤلف المنفرد ونصف نقطة لو معه باحثون مشاركون ونشجع الأعمال المنفردة عكس ما يحدث في الدول المتقدمة. أيضا البيروقراطية والتعطيل في حالة الرغبة في إقامة عمل أو فعالية ويزداد هذا الآن بتنظيمات جديدة في الجامعات والحصول على موافقات قد يطول الحصول عليها إلى أشهر فتموت الفكرة ويهبط الحماس.

العامل المشترك لو لاحظنا في معظم إن لم يكن كل قضايانا تقريبا تشترك في غياب الثقافة المجتمعية التي لم يؤسس لها منذ الصغر في مناهجنا وأحدها ثقافة التطوع هذه.. ليتنا ندرك أن تعديل المناهج يتبعه تعديل الفكر وينتج عنه التغيير المنشود.

وقالت أ. هداية درويش: رغم أهمية العمل التطوعي نراه للأسف غائب عن مناهجنا التعليمية في مختلف المراحل الدراسية خاصة المراحل الأولى والتي من خلالها يمكن أن يتم غرس القيم والمفاهيم الإسلامية وتنمية روح التكافل بين أفراد المجتمع، هذا العمل الذي يتيح للفرد فرصة للتفاعل مع الآخرين بشكل يرتقي بمشاعره الإنسانية، ويكسبه عدد من المهارات التي تنعكس ايجابا على حياته الاجتماعية والعملية.

في الوقت الذي نرى فيه دول الغرب تعرف أهمية العمل التطوعي وأثره على المجتمع أفرادا وجماعات ومجتمع فأدرجته في مناهجها التربوية والتعليمية بل أن مؤسساتهم التعليمية والتربوية وضعت نصوصا في مناهجها تسعى لتكرس أهمية العمل التطوعي، حيث سجلت ساعات من البرامج التعليمية كأحد من متطلبات التخرج من الدراسات الجامعية. ومن المؤسف أن نجد ديانات أخرى ” يهودية – مسيحية “ترى في العمل التطوعي أمر يدعو للفخر، بينما نجد في مجتمعاتنا “البعض” يقوم بعمل الخير رغبة في الظهور وللتباهي والتفاخر، ما يبعد من يقوم به عن المفهوم الحقيقي لهذا العمل الإنساني.

وأضاف د. فهد الحارثي أن ثقافة التطوع في مجتمعنا تحتاج دائما وباستمرار إلى “مغذيات”. فهي تشكو من هزال شديد على الرغم من القيم الدينية والمجتمعية التي تزينها وتصطف إلى جانبها. فتلك القيم تعد المتطوع بالثواب وحسن المآب، وهي ترفعه عاليا في سلم النخوة والإنسانية.

هناك خلل ما في علاقة الناس بمثل هذه القيم، والأرجح أن ذلك يعود إلى ضمور شديد في العاطفة الجمعية في الوقت الذي تهيمن فيه الأنانيات الثقيلة. هذه العلاقة تحتاج إلى إعادة هيكلة، وتحتاج إلى جهود إحيائية نشطة. في أمريكا أو أوربا عندما تدخل أحد المستشفيات العامة الكبيرة يواجهك أشخاص بزي مميز ويختلف عما يحيط بك، وذلك ليسهل التعرف على أصحاب هذا الزي، وهم من كل الألوان وكل الأعمار، نساء ورجال، يجيبون على أسئلة الناس، ويبتسمون في وجوههم، ويأخذونهم إلى الأماكن التي يبحثون عنها، ويدفعون العربات التي تقل المرضى والمراجعين، فإذا سألت من هم هؤلاء قيل لك: هؤلاء “متطوعون “، يأتون إلى هنا من كل مكان لمساعدة الناس المحتاجين للمساعدة.

عندما كنّا طلابا في الغرب كان زملاؤنا الغربيون يرحلون عنا وقت الحصاد، ويغادروننا إلى البعيد لمشاركة المزارعين ومساعدتهم في موسم الحصاد، تطوعا وبلا مقابل، وهم يذهبون كذلك في أرجاء العالم، إلى المناطق التي تتعرض للكوارث، يتطوعون لمساعدة المنكوبين والمعوزين. وهم يتبنون الأطفال ويؤوون المسنين. وجوليانا جولي ليست وحدها تفعل ذلك، مع إكباري الشديد لهذه المرأة التي أثبتت أن جمال قلبها يفوق بكثير الجمال المؤكد لشكلها الخارجي.. بيل جيتس كذلك تبرع بأكثر من خمسين مليار دولار للأعمال الخيرية والتطوعية. لدينا خزينة كبيرة من القيم التي تحث على التضحية والنخوة والشهامة وإغاثة الملهوف وعمل الخير في كل اتجاه. ولكن ماذا بعد؟! فقد ظلت هذه القيم موضوعا للقصائد العصماء ولخطب الوعظ المكررة، ولم تتحول بشكل مرضٍ وكافٍ إلى ممارسات وسلوك، وقبل ذلك عقيدة اجتماعية وأخلاقية. متى نحقق هذا الهدف الكبير وكيف!

ربما احتجنا إلى إعادة ترتيب منظومتنا القيمية والأخلاقية ثم عملنا على دفعها لتكون في مقدمة الاهتمامات التربوية والتوعوية.

وأوضحت أ. ليلى الشهراني أنه وبعد الحادي عشر من سبتمبر والتضييق على المؤسسات الخيرية ووضع بعضها في خانة الإرهاب أصبح لدى البعض تخوف من جمع التبرعات كما في السابق، فضاقت الأحوال ببعض الأسر المحتاجة التي تعاني من شح مبلغ الضمان ووجود التزامات تثقل كاهلها من إيجار مسكن وعلاج وضرائب كهرباء وماء ومتطلبات مدارس وغذاء، وإن وجدت الأعمال التطوعية رعاية واهتمام ودعم من الدولة فسنرى إقبال الناس عليها من جديد.

وأشار د.م. نصر الصحاف إلى أن مفاهيم العمل التطوعي لدينا تأخذ منحى مؤسسي عن التركيز في تنظيم الهيئات والجمعيات العامة في تطوير الأعمال التطوعية والتخطيط لها في مدن وقرى المملكة لنشر ثقافة التطوع لجميع فئات المجتمع! وهذا ممتاز ولكن يجب ألا يطغى ذلك على روح عملية التطوع وإلباسها الطابع الرسمي والذي سيعيق عملية التطوع للكثير وبذلك يُحد من انتشار هذه الثقافة بين أفراد المجتمع!! بساطة العمل التطوعي الفردي والمرونة هي المقياس الأساس في الغرب حيث يمكن للفرد أن يتقدم للتطوع بوقته المتوفر والمتغيّر حسب ظروفه الأسبوعية بكل أريحية!! فمتى ما توفر الوقت ذهب إلى الجمعية الخيرية للتبرع بوقته ومتى ما لم يتوفر له الوقت أو إذا لم تسعفه ظروفه أو حتى لو كان في مزاج آخر فهو أو هي تعتذر أو تعيد برمجة جدول التطوع لهذا الأسبوع أو ذاك!! عدم الوعي بأهمية العمل التطوعي خارج الأسرة ودرجة المبالغة في أهمية دور المرأة من عدمه في هذا المجال لدينا هو أحد أسباب ضمور هذا المشهد في مجتمعاتنا.

ومن جانبها قالت أ. هيا السهلي: من المهم عندما نعقد مقارنة في تفوق الغرب في العمل التطوعي أن ننظر لطبيعة مجتمعهم الذي يعاني من التفكك الأسري أو غياب تعاليم دينية تؤسس بر الوالدين وتفرضه فرضا وصلة الرحم ومعاملة الجار، لذا ينشط العمل التطوعي والجماعي ليسد هذا المكان وهو ما يعطي لأعمالهم حجما في المقارنة عندما نسقط الواجبات والفروض الدينية من حسبة الأعمال التطوعية عندنا. ومن هذا أيضا يفترض أنه يكون عندنا جهدا وتمويلا كافيا للأعمال التطوعية النوعية في التنمية والبنى التحتية إذا سقطت من موازنة العمل التطوعي ثقل التفكك الأسري وتبعاته وكذلك رعاية الدولة لخدمات كثيرة!

قصور في العمل:

فرق الباحثون في دوافع العمل التطوعي عند المسلم وغير المسلم.. ومن المهم تلمس هذه الفروق وإلغاء ما يؤثر منها في العمل التطوعي وصورتنا في العالم الآخر. لأن العالم الآخر يقيسه بمنظور حضاري لا ديني. وديننا دين الإنسانية ودين الحضارة لم يفرق في التعاملات الحضارية والإنسانية بين ما هو مسلم وغير مسلم. ومما يؤسف أن في ثقافة العمل التطوع لدى الشباب السعودي ما يفرق بين ما هو مسلم وغير مسلم ولنلاحظ أول سؤال يسأله للعامل (أنت فيه مسلم؟)!! وحتى نقدم أنفسنا للعالم الغربي ونحسن من صورتنا، لابد أن نلتفت للعمل التطوعي بشكل منظم لا يُبنى على تفريق في الدين أو اللون أو الجنسية. فالعمل التطوعي صورتنا الحضارية وقوتنا الناعمة للعالم الآخر، ولها ثقلها السياسي أيضا.

القصور في أشكال العمل التطوعي من المقيّمين له أو العاملين فيه، فليس بالضرورة يكون العمل منظما فكل عمل خير يبذله الفرد هو تطوعا منه. وعندما نعزز المفهوم الإسلامي في عمل الخير وأن تبدأ به من الدائرة الأضيق فتتسع منها بمن تعول، فجارك، فالحي، فالمدينة هذا العمل الفردي يتحول تلقائيا إلى جماعي. مع التأكيد في ذات الوقت على أهمية التنظيم فهو أقرب للاستمرار والمتابعة والتحفيز وبلوغ الرسالة وقضاء الحاجة الحقيقة.

بينما اختلف د. خالد الرديعان مع الرأي المتعلق بدوافع التطوع في الغرب وأنها بسبب التفكك الأسري. واضمحلال دور الدين. حيث يرى أن لدينا صورة نمطية سلبية عن الأسرة الغربية؛ فكثير من الأسر لديها نزعة التدين وعندهم ترابط أسري كما هو عندنا؛ عدا أن مجتمعهم يشجع الفردانية واستقلالية الفرد منذ سن مبكرة. أيضا فالتطوع عندهم يرتبط بصورة كبيرة بالمناخ السياسي؛ فالنظم الديموقراطية عموما تشجع المبادرات الفردية والعمل الجماعي إضافة إلى مرونة العمل وإيمانهم بجدواه ولأن التطوع يوفر بعض المبالغ المالية على الجهات التي لا تحصل على تمويل كافي للقيام بأنشطة مدفوعة.

وعلقت أ. هيا السهلي على ذلك بقولها: أيا كان هناك من ترابط أسرى وتكافل المجتمع فلن يكون مثل ترابطنا نحن الأسر الممتدة حيث يصل الترابط بين أسر تجتمع في ثالث جد، فضلا عن التواصي بالجار ورعاية شؤونه في غيابه والساعي على الأرملة وكافل اليتيم، هذه يفتقدها الغرب مما خلف فراغه للعمل التطوعي. وإذا كان مجتمعهم يشجع على استقلالية الفرد ومجتمعنا يشجع على المشاركة على مستوى الأسرة ومستوى الحي؛ فصلة الرحم والقيام على الضعفاء والتواصي بالجار لا نعتبره ولا نحسبها في الأعمال التطوعية بل نستشعرها واجبا وهذا لم يوجد فراغا العمل التطوعي كما أوجده المجتمع الغربي.. وهذا أيضا له فوائده التي تجعلنا نتفرغ لأعمال تطوعية نوعية أخرى تدخل في التنمية والبنى التحتية والعلوم.

ومن وجهة نظر أ. عبدالله الضويحي فإن:

  • هناك خلط في المفاهيم وحتى في التنفيذ لدى كثيرين بين العمل الخيري والعمل التطوعي.. إن العمل التطوعي عمل خيري وليس شرطا أن يكون العمل الخيري عملا تطوعياً.. فالعمل التطوعي في بعض الأحيان أو معظمها أداة تنفيذية للعمل الخيري وليس العكس.
  • نفتقد لثقافة العمل الخيري سواء على مستوى الأفراد أو المستوى الرسمي وما يتم في معظمه هو اجتهادات من أفراد نذروا أنفسهم لهذا الشيء أو مؤسسات ومدارس بدليل نمطية الأعمال وتكرارها ” تنفيذ أعمال خيرية بأفراد متطوعين ” مثل كسوة الشتاء أو توزيع مساعدات وغيرها.
  • حتى المؤسسات لا تقوم بتدريب وتأهيل راغبي التطوع لأن أعمالها لا تحتاج لذلك.
  • أما على المستوى الرسمي فالعالم يحتفل في 5 ديسمبر من كل عام ومنذ ثلاثين عاما باليوم العالمي للتطوع (IVD) أي أنه مر علينا قبل شهرين دون أن نعلم عنه.. ففي 17 ديسمبر 1985 دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 212/40 الحكومات إلى الاحتفال في يوم 5 ديسمبر من كل عام باليوم الدولي للمتطوعين من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية وزيادة الوعي بأهمية الأعمال التطوعية لكننا لا نسمع به هنا ولا نتذكره رغم أهميته.
  • لا ننسى في هذا المقام ما يقوم به بعض الأطباء السعوديين الذين يخصصون يوما في الأسبوع لزيارة مدينتهم أو قريتهم لمعالجة الأهالي هناك مجانا في خطوة لقيت صدى طيب لدى المجتمع.. مثل هذه الأعمال وغيرها اختفت الآن بل أصبح بعض أولياء الأمور ينتقد المدارس ويعترض لو شارك ابنه في أعمال تطوعية على اعتبار أنها أعمالا دونية وهناك من يقوم بها.
  • توصيات لتطوير العمل التطوعي في المملكة

 يرى د. سعد الشهراني أن من المهم أن يؤسس للعمل التطوعي من خلال ما يلي:

  • إصدار نظام للتطوع على أعلى المعايير والتجارب والممارسات الدولية الناجحة فنظام الجمعيات الأهلية لا يكفي وإن كان كافيا كنظام فلتصدر لوائح محدثة وشاملة وعامة تنظم العمل التطوعي (وقد يكون هناك أنظمة ولوائح جزئية أو تقادم عليها الزمن).
  • إنشاء هيئة عامة للتطوع لها فروع تغطي جميع مناطق المملكة.
  • تكون الفئات المستهدفة (من الجنسين) والمعول عليها في إنجاح الأعمال التطوعية فئات الشباب فهم من لديهم الطاقة والرغبة الجامحة في خدمة المجتمع وتحقيق الذات من خلال التطوع وفئة المتقاعدين وهم من لديهم فائض الوقت والتجربة والخبرة وبقية من طاقة وفئة رجال (وشباب) الأعمال فهم من لديهم القدرة والموارد والمصلحة وتقع عليهم المسؤولية الاجتماعية المتناسبة والمتناغمة مع مصالحهم ومراكزهم الاجتماعية والاقتصادية.
  • إيجاد خارطة للأعمال التطوعية وتصنيف لها وللمتطوعين ونظام اتصالي وإداري تتوفر فيه الكفاية والفاعلية بالاستفادة من أفضل الممارسات الدولية بما يفعل التطوع عند الحاجة إليه؛ فتحديد مجالات التطوع وتنظيم المتطوعين وتصنيفهم وتدريبهم باستمرار مسألة ضرورية جدا من شأنها العمل على جعل المجتمع أكثر تكاتفا ودعما لأجهزة الدولة ليس فقط في أوقات الأزمات والكوارث ولكن في الأوقات العادية أيضا.

واقترح د. خالد الرديعان أن تقوم كل جهة حكومية خدمية بتأسيس مكتب أو إدارة تطلق عليها “قسم أو إدارة التطوع” بحيث يستطيع كل مواطن التواصل مع تلك الجهة مباشرة في القطاع الذي يرغب تقديم الخدمة له. والحديث هنا ليس عن إدارة العلاقات العامة فهذه لها مهام أخرى. هناك عدة شرائح في المجتمع تستطيع أن تقدم الكثير للمجتمع ومنهم:

  • الشباب من الجنسين.
  • المتقاعدون.
  • الطلاب في مختلف المراحل.

أيضا لابد من طريقة ما للوصول إلى الأشخاص الراغبين بالعمل التطوعي.. ولابد أن يكون ذلك منظما بحيث يسهل على الراغبين في التطوع التواصل مع الجهة التي يريدون العمل فيها… وفي هذا الخصوص يمكن أن يكون للخدمة الاجتماعية كتخصص علمي مرموق نصيب في هذا الباب بحيث تطرح رؤية قابلة للتنفيذ.. لكن هناك جانب آخر يلزم ألا نغفل عنه وهو أن العمل التطوعي قد يقلص من بعض الوظائف ومن ثم زيادة معدل البطالة. هنا يلزم الحذر بحيث لا يخلق التطوع مشكلة جديدة.

ويعتقد د. علي الحارثي أن نجاح الجهود سواء الهادفة لتفعيل الجهود التطوعية وتعزيز مقومات وعناصر التنمية الوطنية بكل ألوانها وأطيافها لن يتم مالم تتجسد في الواقع منظمات ومؤسسات المجتمع المدني بدءً بالسلطات الثلاث تشريعاً ومراقبة ومحاسبة وانتهاءً بالمؤسسات المجتمعية الأخرى حتى يكون لمثل هذا الطرح صدي عند السلطات التنفيذية وعند المجتمع أفراداً وجماعات.

في حين يرى د. حمد التويجري أننا نحتاج إلى إدخال مفهوم العمل التطوعي في التعليم الأساسي من أجل غرس حب التطوع لدى الشباب.  كذلك فإن الجماعات الدينية في المدارس سباقة في العمل التطوعي ولكن ﻻ يجب ربط العمل التطوعي بالجانب الديني فقط وإنما توسيعه ليعكس الجانب الإنساني.

ويرى د. حسين الحكمي أننا لا نحتاج أن يشارك كل سعودي في الأعمال التطوعية، العمل التطوعي يكفي أن يقوم به البعض ليقدموا خدمات مساندة ويسدوا فراغا أو يدعموا في أوقات أزمات.. وكما أننا كبشر لا نحتاج أن يكون كل الناس قادة وقياديين فإننا لا نحتاج أن يشارك كل الناس في الأعمال التطوعية.

ومن وجهة نظر د. عبد الله بن صالح الحمود فإنه وقبل الشروع في البدء بأي عمل تطوعي يفترض أن يكون المرء قد فهم واستوعب مسألة التطوع عامة وما سوف يؤديه تجاه الغير أو البيئة خاصة، من هنا تكون الانطلاقة الحقيقية نحو تطبيق مفهوم التطوع، ولأن أي عمل لا يقوم على فهم وطبيعة النشاط المراد الإتيان به فلن يكون فاعلا، فضلا عن مدى النجاح المؤمل منه.إن القيام بالأعمال التطوعية يفترض أن تكون سنة يسنها المجتمع كافة، وليس  كما يرى البعض من أن العمل التطوعي لا يفترض أن يقوم به أفراد المجتمع كافة، وهنا قد اختلف مع هذه المقولة بسبب أن العمل التطوعي في الأصل هو نابع من حب الفرد للآخرين، وإضفاء لروح التعاون والتآلف بين أفراد المجتمع، وحتى تتحقق الألفة والمحبة بين الناس لابد من ظهور الدافع الداخلي الذي يسهم في تحقيق منافع ومصالح البشر فيما بينهم. ومجالات التطوع كثيرة ومتنوعة ولعل من المقترحات والمناشط التي تعطي النشء محبة تجاه العمل التطوعي وصولا إلى القدرة الفاعلة نحو مشاركات وطنية مؤملة ما يلي:

  • إتاحة الفرصة للشباب والفتيات ومن هم دون هذا السن في المشاركة في إنجاح الأسابيع الوطنية، مثل أسبوع المرور، وأسبوع النظافة.
  • المشاركة العامة في المعارض الوطنية التي تقام بين وقت وآخر، مثل معارض (الكتاب – الصناعات الوطنية – التعليم – التوعية من المخدرات) إضافة إلى العديد من الفعاليات التي تقام بشكل دوري.
  • دعوة المديرية العامة للدفاع المدني، لاطلاع كافة المواطنين وتدريبهم على مكافحة الحرائق وعمليات الإنقاذ المتعددة، وهذا الأمر هو أحد المطالب الرئيسة المفترض تقديمه من خلال التدريب العملي حتى يسهم المواطن المتطوع إسهامات أمنيا مؤملا منه.
  • دعوة هيئة الهلال الأحمر السعودي، لاطلاع كافة المواطنين وتدريبهم على العمليات الإسعافية للمصابين، ومن نتائج هذا التدريب أنه يسهم في معالجة المصابين بدءا من الإصابات المنزلية وانتهاء من مساعدة المصابين سواء من جراء الحوادث المرورية أو حتى الإصابات العرضية في مواقع العمل.
  • لإنجاح التطوع عامة لابد أن يبنى على أساس تنظم الأعمال التطوعية، ويمكن إنشاء وكالة خاصة للتطوع داخل وزارة الشؤون الاجتماعية، فهي أقرب جهة لهذا العمل، ويمكن لها التعاون الجيد لإنجاح عمل الوكالة مع المديرية العامة للدفاع المدني، وهيئة الهلال الأحمر السعودي، وأية جهة أخرى ترى أنها تضيف لإنجاح العمل التطوعي عامة.

ويرى د. حامد الشراري أن العمل التطوعي تتجاذبه أكثر من جهة ومتناثر في أكثر من مكان بعضها يكون العمل التطوعي أساسي في عملها والبعض ثانوي، منها على سبيل المثال:

  • الاستراتيجية الوطنية للشباب – التي لم تُقر بعد – أحد محاورها عن التطوع وتأصيل الانتماء الوطني.
  • مجالس شباب المناطق التي أُسست في معظم مناطق المملكة ومحركها الشباب المتطوع. والتي تحتاج مظلة نظامية أو تنظيمية شاملة لهذه المجالس حتى تمارس مهامها التطوعية والخدماتية على أكمل وجه.
  • نظام الكشافة السعودي المبني على روح التطوع الذي يحتاج لتحديث.
  • الجمعيات التطوعية كالخيرية والتعاونية…، والأعمال التطوعية من قبل القطاع الخاص والشركات الوطنية أو الأفراد، والمؤسسات الخيرية والمراكز كمراكز الأحياء والإخاء ورعاية المسنين والأيتام … الخ.
  • وجود بعض المواد في أنظمة ولوائح الأجهزة الحكومية كالدفاع المدني خاصة بالتطوع والتعاون.

من ما سبق يبدو أن العمل التطوعي يعمل في جزر متفرقة ومتناثرة، من هذا المنطلق تبرز أهمية إقرار نظام العمل التطوعي الذي انُهي في مجلس الشورى قبل ٦ سنوات تقريبا والذي يعتبر نقله نوعية في العمل التطوعي الوطني، ليلملم تناثر العمل التطوعي وينظمه وينسق بين الجهات ذات العلاقة عند إقراره. أيضا، مهم جدا حث وتشجيع المؤسسات الوطنية كالبنوك والشركات للمساهمة في العمل التطوعي بشكل فاعل كونه يدخل ضمن المسئولية الاجتماعية. وقد تكون فئة المتقاعدين، وفئة الشباب حتى نهاية المرحلة الجامعية الأنسب للأعمال التطوعية.

وبدورها قالت أ. فايزة الحربي: التطوع والمشاركة المجتمعية حاجة ماسه للمجتمعات في كل الاتجاهات والمجالات.. وحديثنا عن ماضينا التطوعي الزاخر جميل لكن للأسف يكاد يندثر إن لم يكن اندثر تماما في معظم المناطق.. واختلفت احتياجات التطوع لدينا عن الماضي لذلك نظل بحاجة إلى ما يلي:

  • تأسيس وتنظيم جديد للتطوع في مجتمعنا.
  • تحفيز الفرد بأهمية دوره لخدمة المجتمع.
  • إعداد حملات إعلانية إعلامية ترسم الصور المرغوبة في التطوع.
  • تأسيس إدارة التطوع في كل وزارة ومؤسسة تخطط لاحتياجاتها التطوعية من منسوبيها أو استقطاب متطوعين من خارج المؤسسة عند الحاجة والإعلان الرسمي عن إنجازات هذه الإدارة سنويا.
  • وضع جائزة سنوية لأفضل المبادرات التطوعية.
  • الحاجة إلى أن تتحول هذه المبادرات التطوعية إلى ثقافة مجتمع.
  • أهمية المجالس البلدية في إشراك الشباب داخل الأحياء السكنية وتحفيز التطوع لديهم، كما تلعب المدارس دورا مهما في ذلك.

في حين يرى أ. أسامة نقلي أنه إذا تدخلت بيروقراطية الحكومة في العمل التطوعي، انتفت صفته التطوعية التلقائية. وعلق د. عبد الله بن صالح الحمود على هذا التوجه بقوله: حينما اقترحت أن تتوافر وكالة خاصة لخدمات التطوع والإشراف عليها تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية ، هدفت من ذلك أن يكون طريقا يسيرا نحو التوسع المنظم للتطوع عامة ، كمثل إشراف الوزارة على الجمعيات الخيرية والتعاونية ، وهذه الجمعيات تمنح صلاحيات واحقية متعددة في الشروع في أعمالها من خلال مجالس إداراتها ، ودور الوزارة إشراف محدود من خلال الرقابة المالية والاطمئنان على سير الأعمال ونجاحها ، وهذا يعد دعم ومؤازرة نحو قيام أعمال تطوعية منظمة ومنتظمة.

المحور الثالث

البحث والتطوير: مفتاح التقدم الاقتصادي

الورقة الرئيسة: د. سعد الشهراني

أعتقد أن الجميع يتفق أنه لم تتقدم أمة من الأمم في عالمنا المعاصر إلا من خلال التقدم الصناعي ولم تتقدم أي صناعة ولا أمة إلا بريادة العلماء والمخترعين والباحثين المطورين لمنتجات وسلع وخدمات تلبي احتياجات قديمة أو جديدة للأفراد والجماعات من ما هو ضروري أساسي للحياة إلى ما هو كمالي في أعلى درجات الاحتياجات الكمالية. ولم تتراكم الثروات إلا من خلال الإنتاج الوفير الذي يعتمد على التصنيع.

ومعروف (على الأقل لطلاب الاقتصاد) أن أول المعادلات الرياضية التجريدية التي تعلمناها ونتعلمها ما يسمى بمعادلة دالة الإنتاج التي تقول بأن الإنتاج يعتمد إجمالا على ثلاثة عوامل:

  • العمل
  • رأس المال
  • تقنيات الإنتاج

ومن غير الدخول في النظريات المتقدمة لتفسير العلاقات بين هذه العوامل وبين كل منها وبين كميات وجودة الإنتاج، ولأن ما يهمنا هو العامل الأخير (التقنيات)، فإنه يمكن القول بأن أي تقدم تقني (ناتج بطبيعة الحال عن البحث والتطوير) ينعكس في أمور كثيرة من أهمها:

  • زيادة إنتاجية عنصر العمل.
  • زيادة تراكم رأس المال والسلع الرأسمالية والاستثمار، ومن ثم زيادة الإنتاج نوعا وجودة وكيفا وكما.
  • ظهور منتجات جديدة أو منتجات أكثر تطورا أو أقل كلفة.
  • زيادة الثروات الفردية ومتوسطات الدخل ومستوى الرفاه والتقدم العلمي والصناعي والاقتصادي.
  • زيادة الإنتاجية ليس فقط في القطاع الصناعي نفسه بل في القطاعات الأخرى.

  وهناك جدل كبير وواسع ونظريات حول من يستفيد من التطور والتقدم التقني، وحول العلاقات بين الرأسماليين والملاك والطبقة العاملة، وحول النظام الاقتصادي العالمي والمركز (الدول الرأسمالية المتقدمة الغربية) والأطراف (من الدول التي تحاول اللحاق بركب التقدم). وقد أخذ ويأخذ هذا الجدل معاني وأبعادا وانعكاسات وتصنيفات وتنظيرات سياسية وعقائدية، وظهرت وتباينت المذاهب الاقتصادية التي نعرفها وما واكبها من نظم سياسية (والقرنين الماضيين والقرن الأخير على وجه الخصوص مليء بالأحداث والتطورات والكتابات والإسهامات التي نعرفها جميعا) وهذا ليس مكانه. ولأغراض العرض هنا لهذه القضية وفي هذه المرحلة من مراحل تطور بلادنا (وبعيدا عن أي تصنيفات موجودة في أدبيات البحث العلمي والبحث والتطوير) فإنني أصنف البحث العلمي إلى ثلاثة أنواع:

  • البحث العلمي المجرد سواء في العلوم الطبيعية أو العلوم الانسانية (مراكز الأبحاث في الجامعات وفي الأقسام العلمية) وهو موجود ولكنه ضعيف رغم بعض الحراك الذي أنسبه شخصيا للدكتور عبدالله العثمان مدير جامعة الملك سعود سابقا عندما حرك الراكد في جامعاتنا.
  • البحث في القضايا الاستراتيجية (مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية) ونحن نعرف أن لدينا قصور كبير في مثل هذا النوع من البحوث.
  • البحث والتطوير ذو الطبيعة الاقتصادية (وهو البحث الذي يجرى لأغراض محددة بهدف تطوير منتج جديد أو تحسين منتج موجود أو تخفيض كلفته أو حل مشكلة وما أشبه) وهذا شبه معدوم إن لم يكن معدوم تماما.

كل هذه الأنواع ضعيفة جدا لدينا وتتساوى في درجة الضعف مع نشاط محدود بلا مردود في بعضها. النوع الأخير (البحث والتطوير) هو ما يهمنا هنا ولا شك أن الضعف في النوعين الآخريين ينعكس على هذا الأخير.   العالم كان ولا يزال يتقدم علميا وبحثيا وإنتاجيا بمتوالية هندسية ونحن لا نتحرك من مكاننا، ناهيك عن التحرك بمتوالية حسابية. إذا أردنا تقدما اقتصاديا يلحقنا بالركب العالمي ويحررنا من النفط فلا بد من:

  • دعم مراكز البحث والتطوير التي تبحث في تطوير منتجات نملك فيها ميزة نسبية وإخراجها من سجن الجامعات ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية إلى فضاء جديد مرتبط بالقطاع الخاص وبجيل الشباب من رجال الأعمال.
  • أن نحدد هدفا وقرارا استراتيجيا صريحا يقول بأن المملكة يجب أن تكون دولة صناعية بأفق زمني محدد. وأن كل الصناعات والمصانع الحالية والمستقبلية يجب أن تبنى وأن تعتمد على البحث والتطوير وأن يخصص جزء من عائدات كل مصنع لدعم ميزانية البحث والتطوير (ولا بأس من دعم من المالية العامة).
  • تخريج أفواجا من الباحثين، ورعاية الباحثين المستقلين والمخترعين ووضعهم في أعلى السلالم الوظيفية، ومن أعلاها أجورا، والاحتفاظ لهم بحقوقهم المادية والفكرية المعنوية، ورفع منزلتهم الاجتماعية.
  • العمل على إعادة تكوين طبقة عمالية منتجة بحقوق وأجور مجزية تفوق مثيلاتها في وظائفنا الحالية.

ويجب أن تكون هذه الأهداف أو ما يفوقها ويعززها في جوهر مشروع التحول الوطني وأنا – بالرغم من أن تجربتنا في العقود الماضية لا تشجع على التفاؤل – ممن يحسن الظن في من سيقومون عليه تخطيطا و تنفيذا و متابعة و تقويما و تغذيات راجعة.

التعقيب الأول: د. حمد التويجري

إن للبحث والتطوير دور كبير في زيادة معدلات النمو الاقتصادي من خلال رفع إنتاجية الأيدي العاملة ورأس المال المستخدم في الإنتاج. وقد أثبتت الدراسات الإحصائية وجود علاقة قوية بين الانفاق على البحث والتطوير والنمو الاقتصادي. ونرى هذا في كوريا واليابان وسنغافورة وغيرها من الدول حيث يمكن تحقيق نمو اقتصادي حتى وإن لم ينمو عنصرا العمل ورأس المال وكذلك بغياب الموارد الطبيعية.

وقد ربطت العديد من الدراسات بين تخلف الدول النامية اقتصاديا مقارنة بالعالم الصناعي وبين تدني إنفاقها على البحث والتطوير. ويعتبر الانفاق على البحث والتطوير مؤشر أساسي للنمو الاقتصادي وتطور المجتمعات حيث أن البحث هو نقطة الانطلاق في تأسيس نظام ابتكاري متكامل تشارك فيه الجامعات وشركات القطاع الخاص والحكومة بهدف الوصول إلى مجتمع معرفي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.

وقد بلغ استثمار العالم في البحث والتطوير 1.7 تريليون دولار في عام 2014 وكان نصيب الولايات المتحدة 470 مليار دولار. وجاءت الصين في المركز الثاني ب 363 دولار. وعند مقارنة نسبة الانفاق على البحث والتطوير من إجمالي الناتج المحلي للدول نجد أن إسرائيل وكوريا يتربعان على القمة حيث أن إنفاق إسرائيل على البحث والتطوير يمثل 4.25% من الناتج ويمثل إنفاق كوريا 4.15% من الناتج. بينما يمثل إنفاق السعودية وللأسف أقل من 0.3% من الناتج. وفي الأخير نتمنى أن نرى اقتصاد المملكة ينتقل من اقتصاد قائم على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد مستدام قائم على المعرفة والابتكار.

التعقيب الثاني: د. يحيى الحارثي

القضية كما أراها ليست في نقص الوعي أو الحاجة أو نقص الموارد، ولكن ما ينقصنا هو البحث عن الطريقة “الكيف”. لذلك، في هذه المشاركة القصيرة سأطرح فكرة أقوم على دراستها وتمحيصها.

إذا نظرنا إلى مواردنا كل على حده سنجد أننا استثمرنا جيدا في عدد لا بأس به منها. هنا أنا أتحدث عن الرأس المال البشري، والبحث العلمي، والبنية التحتية للمعلومات. بالنسبة لرأس المال البشري، فقد أننا استثمرنا الكثير منذ الستينات في برامج الابتعاث الخارجي لتضييق فجوة المعرفة لدى القوى العاملة السعودية ولتوطين التعليم العالي. كما أن مصادر التعليم الجامعي متوفرة في كثير من المناطق والدرجات العلمية التي تمنحها الجامعات متنوعة المستويات. نجد أيضا أن الاهتمام بجودة مصادر المعرفة، الجامعات، تم برفع جودة أعضاء هيئة التدريس والإنتاج العلمي والمواد التعليمية. ثقافة البحث العلمي لم تعد أمر غريب، بل أصبحت تمارس في معظم الجامعات. وأنا هنا لا أحكم على النوعية والجودة بقدر ما أريد أن أبين توافر هذه الموارد والممارسات. إذا نظرنا إلى مخرجات الجامعات الكمية نجد أن العدد في ازدياد مما يدل على زيادة في القدرة والسعة التعليمية المحلية. تطور المستوى للجامعات لم يقف عند هذا، بل بدأت تتحول نحو الشكل الريادي أي اعتماد مفهوم البحوث ذات العائد الاجتماعي والمالي. هذه المرحلة ولدت موارد جديدة تخدم غاية تطوير البحوث وخلق الأعمال. فقد أنشئت مكاتب نقل التقنية وحاضنات الأعمال ومراكز التميز والوديان التقنية ومكاتب التعاون البحثي الخارجي. كل هذه الموارد ظهرت على شكل موارد منفصلة منعزلة، لم يبنى بينها الجسور لتفعيلها كمنظومة. البحث العلمي الكمي والنوعي لم ينسى بل تم وضع برامج محفزة له ولكن لم يتحرك في إطار تكاملي تراكمي مستمر ودائم. الانفاق على التكنولوجيا الحديثة وفر قواعد المعلومات والتكنولوجيات المتقدمة التي تستخدم لنقل ومعالجة المعلومات. كل هذه الموارد متوفرة ويجب التعامل معها بطريقة تكاملية للسير في اتجاه التنمية. هنا أنا أسرد المعلومات بطريقة بسيطة من أجل إظهار توافر الموارد والخلل الذي يسببه الشكل المنفصل لكل منها.

فلنتحول الآن إلى “الكيف” أي كيف يتم استغلال الموارد والمضي قدما. “الكيف” هنا يرتكز على بناء القدرات من خلال المؤثرات الخارجية وتحقيق الاتصال. من أجل إيجاد طريقة لتفعل هذه الموارد نحتاج أن نقوم بالآتي: تفعيل قوى الطلب، التحرك في اتجاه إصلاح استراتيجي وتشغيلي، ربط الموارد بسلسلة القيمة العالمية. بالنسبة لقوى الطلب، فإنها يجب أن تتحرك بتأثير: الطلب الاجتماعي والثقافي، والاقتصادي، والعسكري والأمني. بهذه الطريقة تكون الاستجابة لهذه القوى استثمارا محليا يسهم في التنمية. بالنسبة للإصلاح، تحتاج الحكومة إلى توجيه قوتها في: (1) المشتريات العامة للابتكار، (2) خصخصة القطاع العام، (3) الاستثمار الأجنبي المباشر. هذا التوجه سوف يخلق احتياج وطلب لتفعيل قاعدة التكنولوجيا المحلية. إن قاعدة التكنولوجيا، من أجل توسيعها، لابد من تسريع عناصرها في اتجاه النمو.  قاعدة التكنولوجيا تعتمد على الحجم الحالي للقاعدة، وعدد الخبراء التكنولوجيين النشطاء، ودرجة التفاعل بين التخصصات المختلفة، وسرعة الاكتشافات العلمية، والاستثمار المالي. إن قاعدة التكنولوجيا سوف تكتسب النمو بفعل تفاعل الموارد المنفصلة مع بعضها البعض. من أجل حصول ذلك في وقت قصير، تفاديا للتغيرات السريعة التي تحتاج استجابة أسرع، نحتاج أن نضع هذه الموارد في منظومة أيكولوجية عالمية تسمح بإنتاج قاعدة التكنولوجيا في فترة زمنية مقبولة. مبدئيا توضع هذه الموارد في سلسلة القيمة العالمية ويرتفع مكانها في السلسلة كلما تطورت واكتسبت الاستقلالية. بهذه الطريقة تتطور المعرفة محليا وتتولد قاعدة التكنولوجيا ويعود النفع على الاقتصاد والمجتمع.

العمل المقترح أعلاه مختصر ويحتاج كثير من التطوير والتوضيح ولكن أردت فقط أن أطرح هنا المنتدى أحد الأسباب العملية للمضي قدما.

المداخلات حول قضية: (البحث والتطوير: مفتاح التقدم الاقتصادي)

  • معوقات البحث العلمي:

أشار د. خالد الرديعان إلى أن المقارنة بين البحوث في العلوم الانسانية والعلوم البحتة قد تكون ظالمة لكن المعوقات قد تكون متشابهة ويمكن التركيز على المعوقات التالية:

  • أن ما يخصص للبحوث من أموال هو قليل للغاية والنسبة التي أوردها د. حمد التويجري تؤكد ذلك فهي أقل من ١٪‏ من الناتج المحلي في حين أن النسبة العالمية هي بحدود ٣٪‏ أو أكثر.
  • يعاني البحث عندنا من غياب الحاضنة المناسبة له ونعني بذلك مراكز البحوث المتقدمة والمصانع والجهات التي تستفيد مباشرة من المنتج الذي يتم تطويره. وحتى مع وجود بعض المراكز البحثية في جامعاتنا وغيرها فإن هذه المراكز تبحث من أجل البحث دون أن يكون عملها مرتبط بجهات منفذة تستطيع الإفادة من بحوثها لتحولها إلى سلع وخدمات.
  • يعاني الباحث من غياب التشجيع وهذا كما ذكرنا مرتبط بالمعوق الأول أي قلة ما يخصص من أموال للباحثين ومساعديهم.
  • يغلب على البحوث أنها تتم بصورة أقرب ما تكون للبيروقراطية؛ فالباحث يريد إنجاز بحثه تحت وطأة ما هو مطلوب منه للحصول على الدفعات المالية دون أن يعني ذلك تجويد عمله أو أن بحثه ذو أهمية علمية.. وتصبح الصورة أكثر قتامة في الجامعات التي تحرص على نشر البحوث لدواعي التصنيف الجامعي حتى ولو كانت البحوث المنشورة قليلة الأهمية أو لا تضيف جديدا يذكر لجسم المعرفة الإنسانية.
  • البحث العلمي التطبيقي يتطلب شبكة متكاملة ومترابطة من المستفيدين والممولين والمصانع والباحثين بحيث تكون العملية برمتها متسقة تستطيع أن تحول المُنتٓج إلى واقع ملموس ومفيد. بمعنى أن تحوله إلى سلع أو خدمات قابلة للبيع والتصدير للإفادة منها.
  • يعيق البحث العلمي وجود الفجوة الكبيرة بين مراكز البحوث الجامعية والجهات المصنعة والمنفذة وعدم وجود تنسيق كافي.
  • يعيق البحث العلمي صعوبة التواصل بين الباحثين فهم جزر متناثرة لا يجمعهم جامع.. صحيح هناك مؤتمرات وندوات مشتركة لكنها ليست كافية إذ لابد من وجود جمعيات علمية ديموقراطية وسهولة تواصل دائم بين الباحثين لكي تتكامل رؤاهم ويكونوا على دراية بإنجازات بعضهم البعض.
  • يخضع العمل البحثي للبيروقراطية الحكومية التي تفسد كل شيء… وقد يكون مناسباً ضرورة خصخصة الجامعات ومراكز البحوث للتخلص من داء البيروقراطية.
  • من المعوقات التي تتعلق بالكراسي البحثية في الجامعات أن بعض الجامعات تستولي على جزء كبير من المبالغ المالية التي يقدمها رجال الأعمال للكراسي. تقوم الجامعات بتوجيهها لنشاطات أخرى وبمظلة قانونية… هذا أحد الأسباب التي لم تساعد على نجاح بعض الكراسي العلمية الجامعية.

ويرى م. سالم المري من الناحية الواقعية، أننا في المملكة لم نصل إلى المرحلة التي يمكن فيها الاستفادة من البحوث خاصة في الصناعة، نعم هناك إمكانية للاستفادة من البحوث في النواحي التطبيقية وفي العلوم النظرية، أما الصناعة فليس لدينا حتى الآن صناعة حقيقية منتجة تستطيع أن تستفيد من هذه الأبحاث وتطورها. ومعظم الأبحاث المفيدة تذهب لجهات أجنبية. ففي الوقت الحاضر أنت لا نحتاج لبحث يكتشف لك كيف تصنع الطائرة أو السيارة ولكن تحتاج بحث لرفع مستوى الأداء في محرك الاحتراق أو التوربين وهكذا! فلكي نستفيد من الأبحاث لابد أن يكون لدينا صناعة حقيقية وهذه غير متوفرة حالياً، ولا يمكن أن تتوفر وتتطور إلا بتدخل الدولة وهذا لم يحصل حتى الآن بطريقة منظمة واستراتيجية. أما ما يقوم به القطاع الخاص حالياً فلا يمكن تسميته صناعة وطنية وإنما تجميع لمنتجات أجنبية أو وكالات تجارية وهذا النوع من النشاطات التي يقوم بها القطاع الخاص حالياً تشكل عائقاً كبيراً لسياسات التصنيع الوطني، فلا يمكن مثلاً أن تقوم صناعة سيارات حقيقية في ظل السياسة المتبعة حالياً التي تعطي الامتيازات لوكلاء الشركات الأجنبية في المملكة وهذا ينطبق على معظم المنتجات الأخرى.

وذكر د. خالد بن دهيش أنه كان في زيارة منذ مدة للهند ضمن وفد مجلس الأعمال السعودي وكان من ضمن جدول الأعمال زيارة مدينة بنغلور حيث تضم أكبر مراكز الأبحاث في مجال التقنية. كما تمت زيارة مركز الأبحاث التابع لشركة سابك ، وهو مفخرة للوطن يعمل به تقريباً 400 باحث 280 منهم من حملة الدكتوراه والبقية من حملة الماجستير معظمهم يعمل على بحثه للدكتوراه ( للأسف لا يوجد أي  سعودي بينهم )، وتركز أبحاث المركز  على تقديم أبحاث ودراسات على المنتجات البتروكيميكل من منتجات سابك ، تعد بناءً على طلبات للشركات  العالمية الكبرى كان من ضمنها هياكل معدنية لأكبر الشركات المصنعة للسيارات وللشركات الموردة للقطارات بالمملكة، فماذا يمنع أن يكون هذا المركز على أرض الوطن ويعمل به باحثين سعوديين. كما أن لشركة سابك أكثر من مركز شبيه في دول أخرى. فهل ستنتقل هذه المراكز في يوم ما إلى المملكة؟

وأوجز د. حامد الشراري وجهة نظره في النقاط التالية:

  • أولا: قد يكون من المناسب العودة إلى العشر سنوات الماضية التي تعتبر العصر الذهبي للتعليم العالي، وما أنفقته الدولة بسخى على  الجامعات القائمة وتطويرها وأنشأ جامعات جديدة ومتخصصة وكذلك مراكز بحوث ودراسات ومراكز تميز وكراسي ومعاهد بحوث متخصصة واستشارية وابتعاث الآلاف من الطلاب… الخ. التي في مجملها تدعم حركة التعليم العالي والبحث العلمي بوجه خاص.

لنكن واقعيين، البحث العلمي حظي بدعم من الدولة منقطع النظير مقارنة بالفترة السابقة وبشكل خاص البحث العلمي التطبيقي، وقد نكون تجاوزنا بعض الدول الغربية في الدعم. السؤال، أين المشكلة، لماذا كل هذا الدعم من الدولة ولم نجد له نتيجة على أرض الواقع أو نستشعره (كمنتجات وطنية في أرفف الأسواق)؟!

قد تكمن الاشكالية في:

  • عدم ثقة القطاع الخاص (كالشركات والمصانع) في الباحث الوطني.
  • ضعف العلاقة بين الجامعة أو مركز البحوث بالقطاع الخاص.
  • عدم وجود آليات تنظيمية واضحة تربط بين الباحث بالجامعة ومراكز البحث والتطوير في القطاع الخاص (إن وجدت).
  • عدم وجود نظام أو تنظيم يلزم القطاع الخاص بالاستفادة من الباحثين الوطنيين، ولو بنسبة معينة من أعمالهم تنفذ من قبل مراكز البحث الوطنية.
  • عدم وجود أو ضعف في مركز البحث والتطوير في القطاع الخاص.
  • ضعف في كفاءة الباحثين، مما يحتم أنشاء المزيد من الجامعات التطبيقية المتخصصة لتوفر باحثين متميزين في البحث التطبيقي.
  • ثانيا: معوقات أخرى للبحث
  • زُرعت ثقافة أن البحث هو للترقية فقط!!!
  • الدولة – حفظها الله – ضخت ملايين إن لم تكن مليارات الريالات في البحث العلمي (مركز التميز، والكراسي، والمعاهد، ومراكز الأبحاث، والأودية التقنية ….) خلال الفترة الماضية، هل تم تقييم تلك الفترة والاستفادة منها أو سيتم ذلك؟
  • ماذا عن الازدواجية الحادثة حاليا؟!، بعض الجهات تمول وتقوم بالبحث وفي نفس الوقت تقدم التمويل للأبحاث المقترحة من الجامعات!!
  • الابتكار والاختراع هو غالبا نتاج البحث والتطوير، والأودية والحاضنات التقنية هم الحاضن ونقطة الانطلاق للابتكار والاختراع بعد توفير التمويل إضافة لوجود المستثمر والمسوق لها. وحتى نصل لهذا الهدف:
  • أ‌- نحتاج ذراع تمويلي (ما يطلق عليه “رأس المال الجريء”)، وذراع فني، قد يكون صندوق التنمية الصناعي هو الذراع التمويلي، والأودية والحاضنات التقنية هي الذراع الفني والتقني.
  • ب‌- أيضاً هناك حاجة لهيئة وطنية لتنمية الابتكارات تهتم بالجانب الإداري والجانب التنسيقي بين الباحث والممول والمستثمر والمسوق، وتسهل الإجراءات الإدارية والمالية والقانونية وتذليل العقبات لضمان وصول نتاج البحث والتطوير للسوق كمنتجات مفيدة للبلد وتصدر للخارج كداعم للاقتصاد الوطني على المدى البعيد.. هي منظومة متكاملة بمعنى؛ الهيئة تكون الرابط بين الذراعين (التمويلي والفني) والمستثمر والمسوق.

وأكد د. مساعد المحيا على أهمية البحوث في تشخيص الواقع وفي طرح الحلول لما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع لكن أحد اشكالياتنا – برأيه – التي تضاف لضعف إنفاقنا على البحث العلمي هو أننا لا نستثمر ما يتاح أمامنا من بحوث فكل الجهات التي تفتقر للبحوث لا يهتم ولا يبحث مسؤولوها عن ما أنجز من بحوث وقد لا يثقون أو يطمئن هؤلاء المسؤولون لما انتهت إليه هذه البحوث من نتائج مهمة إما تقليلا من شأن باحثيها أو عدم تقدير لأهمية البحث العلمي والاكتفاء بالعمل المرتجل والآراء الشخصية. ولذا فإننا من أكثر الدول التي تعقد فيها مؤتمرات وندوات بيد أن ما يقدم فيها يبقى حبيس المكاتب والأدراج.

  • آليات تطوير البحث العلمي:

أكد د. مسفر السلولي على الأهمية القصوى للعمل على دعم مراكز البحوث والاستفادة من هذه البحوث في التطوير بكل مجالاته. وأضاف: هل نحتاج في هذه المرحلة أن نركز على إعداد الباحثين، أم أعداد البحوث؟ مازلنا نعتمد في البحوث على ما تقوم به الجامعات أو مدينة الملك عبد العزيز، وهذا لن يقود إلى تطوير حقيقي لأن أعضاء هيئة التدريس إما ليس لهم رغبة في البحث أو راغبين وليس لديهم الوقت. إذا لم يكن لدينا مراكز بحثية يعمل فيها خبراء مهمتهم الأساسية البحث فلن يكون الإنتاج ذا قيمة حقيقية. إن البحث لن يطور أي منتج مالم يرتبط بشركات صناعية ترعى هذه البحوث وتستفيد منها. باختصار نحن نحتاج التركيز على إعداد باحثين قادرين على إحداث تغيير في طريقة البحث ومجالاته. وللعلم، يوجد “صندوق التعليم العالي” رأس ماله بالمليارات. الصندوق من مهامه دعم الابتكار ولكن للأسف تركيزه على الاستثمار في العقار وبناء فنادق في بعض الجامعات واستثمارها. الصندوق يمول بعض المشاريع المقدمة من الجامعات وفقا لمساهمة الجامعة في هذا الصندوق.

ويعتقد د. يحيى الحارثي أن المسألة تكمن في أن البحث التطبيقي التطويري المنتهي بمنتجات قابله لإحداث عوائد اقتصادية ليس أمر يسقط من السماء أو يستحدث من عدم. هذه البحوث هي نتيجة قوى الطلب والمؤثرات والمحفزات المحيطة. هي شبيهة بالرجل الحجري الذي احتاج أن ينقل الحجارة من مكان لآخر (قوى الطلب) ففكر وصنع العجلة. وكذلك أمثلة كثيرة. إذا قوى الطلب هي التي تحرك العقول للتفكير وصناعة الحلول ثم يأتي المستهلك والمستخدم النهائي ليحكم قيمتها ومدى نفعها. إذا نظرنا لهذا وجدنا أن قوى الطلب (الاجتماعي والصحي والأمني والعسكري.. إلخ) موجودة ولكن تم تحويل ضغطها كقوة محركة للفكر والبحث وإيجاد الحلول محليا إلى قنوات استهلاكية تخدم رؤوس الأموال المحلية وتصرف على العقول الخارجية المنتجة للتقنية. هذا قد يكون مغفورا له أو متجاوزاً عنه في بدايات أمر نشوء التنمية لكن للأسف استمرت هذه الدائرة المغلقة بدون أن تستبدل العقول الخارجية بعقول محلية أو على الأقل الدخول مع العقول الخارجية في البحث وخلق الحلول. رؤوس الأموال لم تجد من يعيد تحريكها باتجاه التوطين ومحفزات الصعود في سلسله القيمة المضافة، من موزع ووكيل إلى مطور المنتج وباحث في الحلول.

وعليه فقد اقترح د. الحارثي نموذج الحلزون الثلاثي: Triple Helix

  • الحكومة: (١) قطاع المشتريات الابتكاري (يفعل الحلول المحلية الابتكارية)، (٢) الخصخصة كشراكة مع القطاع الخاص (يعزز دور القطاع الخاص في تنمية الخدمات المقدمة)، (٣٣) الاستثمار الأجنبي المباشر (يفعل نقل المعرفة والتقنية).
  • الجامعات: (١) التعليم الحديث المتجه لخدمة المهن، (٢) البحوث الاستكشافية لتوسيع قاعده العلماء، (٣) الاقتران بسلسلة القيمة العالمية  من خلال براءات الاختراع والأصول الفكرية.
  • قطاع الأعمال: (١) تحسين الخدمات ورفع مستوى المنتج المقدم. (٢) تخصيص عوائد لتبني المشاريع الناشئة، (٣) التوجه للصناعات التي  تخدم الطلب المحلي.

ويرى د. حامد الشراري أنه يمكن تجاوز الإشكاليات التي تعترض تطوير البحث العلمي من خلال ما يلي:

  • أن يكون هناك جهة مستقلة تمول الأبحاث مثل NSF وبمعايير واضحة للجميع وبجانب ما توفره الدولة من تمويل لهذا الجهة يكون جزء من تمويلها مساهمة من البنوك والقطاع الخاص.. بحيث يصبح لدينا ذراع تمويل وذراع بحث وتطوير.
  • وضع التشريعات والسياسات الكفيلة بربط البحث العلمي بالقطاع الخاص بحيث نجد مخرجات هذه البحوث منتجات في الأسواق وقد نصدرها للدول المجاورة في المرحلة الأولى.
  • استحداث وزارة للصناعة يكون أحد أهدافها الرئيسية أن تكون البلد صناعية من خلال ربط البحث العلمي والتطوير بالصناعة والرقي بالصناعة الوطنية.
  • إعطاء القطاع الخاص حوافز تشجيعية للتعاون مع مراكز البحث والتطوير الوطنية.

وتجدر الإشارة إلى أن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية تبذل جهودا ووضعت الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار وتشرف على تنفيذها ورصد لها مبلغ ضخم وتقوم بالبحث والتمويل وأيضاً في نفس الوقت تمول البحوث بالجامعات.. ولتحقيق مهامها على أكمل وجه، أسست صندوق للمال الجريء حديثا برأسمال يتجاوز ٤٠٠ مليون وشركة تقنية، الخ، إلا أن واقع الحال يتطلب مضاعفة الجهود وتكاتف الجميع ووضع التنظيمات والإجراءات الفاعلة من بداية الفكرة حتى تصبح سلعة.

وأوضح د. مساعد المحيا أننا نحتاج أن يكون البحث العلمي وبخاصة في المجالات الاقتصادية هو أساس اتخاذ القرارات.. ولذا نسعد حين يكون هناك إنجاز وطني يحفظ مواردنا أو يدر على الوطن والمجتمع عطاء مستمرا وكبيرا بيد أن هذا حين يكون نتيجة رؤية مؤسسية ورعاية بحثية فسيكون له صفة الثبات والديمومة والاستمرار بدلا من التقلب مع رؤية المسؤول الجديد الذي يأتي ليعيد صياغة مؤسسته كما يريد ويلغي كثيرا مما أنجز.

نحن نحتاج للعمل المؤسسي الذي يستنبت مراكز بحثية وينفق عليها ويستثمر كل ما تقدمه مؤسساتنا الأكاديمية ليصب في مصلحة البنى الاقتصادية.. بدلا من الهدر العلمي الذي نعيشه في ضوء واقع لا يقيم لدراسات جامعاتنا ومراكزها البحثية أي قيمة سوى بعض الكلمات الانشائية أو الاحتفالية ببلوغ تصنيفات عالمية لم تضف لنا شيئا يذكر.

ماذا لو أن القطاع الخاص تبنى مركزا بحثيا وموله ليس بقصد المشاركة المجتمعية أو تسويق شخصيتها كما تفعل بعض الشركات وإنما بغرض استثمار الكفاءات الوطنية والتي ستنتج دراسات ذات جودة عالية.. على أن تنفق هذه المؤسسات على القيام بما تقترحه وتصل إليه من نتائج وحتى لا يكون الغرض من هذه البحوث في المجال الاقتصادي هو إعداد البحوث فقط.

المحور الرابع

الإعلام الحربي السعودي ودوره في التغطية الإعلامية للأزمة اليمنية

الورقة الرئيسة: د. مساعد المحيا

ثمة تعريفات متنوعة ومتعددة للإعلام الحربي.. لعلها تتلخص في أن الإعلام الحربي هو تلك المواد والبرامج المقروءة والمسموعة والمرئية التي تعد وتقدم بغرض تزويد الجمهور داخليا وخارجيا بالأخبار والحقائق عن الجهد الحربي وعن القوات المسلحة لصناعة صورة ذهنية عن كفاءة وقدرات هذا الجيش وعملياته ومن ثم مواجهة الإعلام المعادي وبرامجه وأنشطته واحباط حملاته التي تستهدف اضعاف الروح المعنوية

فالإعلام الحربي هو جزء مهم من الحرب العسكرية حيث صناعة الخبر وتسويق المعلومات والأفكار والمواقف واختلاق الأحداث وإنتاجها على نحو يبرز تفوق الجيش وأفراده على العدو وبث روح الاحباط لدى قوات العدو.

فالإعلام الحربي إذا يعد أحد أبرز مكونات إدارة المعارك الإعلامية.. هذه المكونات وهذا المفهوم يشير إلى أننا نفتقد من الناحية المهنية لهذا النمط من الإعلام إذ لا يوجد لدينا متخصصون في الإعلام الحربي بمفهومه العلمي والمهني.. وكل الموجودين يتسم أداؤهم بالضعف العلمي والمهني فهم يفتقدون لكثير من متطلبات العمل الإعلامي المهاري.

والإعلام الحربي يحتاج في تقديري إلى مهارات لا تقل عن ما تحتاجه أنماط الإعلام الأخرى.. فإذا كنا مثلا نمنح المواد الترفيهية الكثير من متطلباتها من حيث جودة وجدة التجهيزات ومهارة الكفاءات وحجم الانفاق المالي والمزيد من العمل الدؤوب والمستمر بلا كلل أو نصب فإن حاجة منح الإعلام الحربي مثل تلك العناصر الإنتاجية هي تماما كحاجتنا للماء والهواء.. لاسيما حين تكون لدينا رغبة ملحة في أن يكون لهذا الإعلام تأثيره وامتداده وصوته.. بمهنية عالية الكفاءة والجودة..

ولعل الحالة النمطية للإعلام الحربي أو العسكري الذي اعتدنا على قراءته أو مشاهدته أو الاستماع إليه والذي يصدر عن وزارة الحرس الوطني أو بعض المواد التي تنتجها وزارة الدفاع والتي تميل إلى الشكل الدعائي مع بعض المواد ذات الشكل التعبوي.. لا تتسق أو تناسب ما نتحدث عنه هنا من حيث أهمية وجود صناعة إعلامية مهنية عالية الكفاءة والجودة.

بل إن النمو المتسارع في بيئتنا الاتصالية للشبكات الاجتماعية وما تحققه من جمهور أكبر وتأثير أوسع يفرض علينا أن نمتلك قدرات واسعة ومبادرات سريعة لتوظيف هذه الشبكات واستثمارها عبر مجموعات الكترونية تمتلك القدرة والخبرة والكفاءة في مجالات جمع المعلومات والصياغة والتصوير وإعداد مواد فيديو قصيرة ليتيسر تداولها وليتسق كل ذلك مع الجهود الأخرى لوسائل الإعلام التقليدية..  وليسهم كل ذلك في صناعة صورة ذهنية عامة حول الجهد الحربي الذي يقوم به جيشنا الباسل على حدود اليمن من حيث عدالة القضية وسلامة القصد ودقة الأهداف.. خاصة وأن الكثير من اليمنيين يلهجون بالدعاء للمملكة ويتطلعون للساعة التي يتخلصون فيها من الانقلابيين …

لاسيما وأن ثمة الكثير مما تقوم به مليشيا الحوثي والمخلوع صالح من ممارسات إعلامية ذات محتوى حربي إضافة إلى استعانتهم بكوادر إيرانية محترفة تقوم بتدريب عناصر حوثية يمنية لإنتاج مواد صحفية وفيلمية.

نحن نخسر كثيرا حين نتعامل مع الإعلام ونوظفه ونستثمره على أنه صوت دعائي “ثرثري” في وقت نحن أحوج ما نكون إلى أن تتهادى إلى مسامع العالم صوت الحقيقة التي نؤمن بها ونبذل لها مهجنا في حرب شرسة لا يتوقف نزيف دماء شهدائنا الأطهار فيها.. وذلك عبر مواد وبرامج تعد وتنتح باحتراف شديد بحيث تناسب وطبيعة الجمهور الذي تقدم له وبلغات عديدة.. وأن نخرج من الإطار الذي نظل فيه نشيد بجهودنا ونتغنى بما قمنا به وبواقعنا مع عاصفة الحزم إلى نمط جديد نتحدث فيه عن أهداف هذه العاصفة الحقيقية بلغة واقعية وعبر أشكال برامجية تقدم لليمنيين وللعالم كفاءتنا القتالية وحرص قواتنا على دقة القصف وأنها لا يمكن أن تستهدف منشأة أو مؤسسة مدنية أو مدنيين ليكون ذلك ردا على الضخ الإعلامي الذي تقوم به مكينة الإعلام الحوثية ونظام صالح عبر قناة المسيرة وقناة اليمن اليوم ، حيث تمارس قناة اليوم اليمنية (علي صالح) وكذلك المسيرة ( الحوثية ) الكثير من التضليل عبر تقارير تلفزيونية تضخ فيها أنماطا من صور الكذب للجمهور اليمني ، والمتأمل في كثير مما تقدمه هاتان القناتان يجد أن خطاب قناتي “اليمن اليوم” و”المسيرة” يحاول تهييج المواطن اليمني مستغلا لقطات لبعض الجرحى وبعض المواقع المدمرة ومن ثم صناعة رأي مضلل ، وللعلم فقناة المسيرة الحوثية الرسمية يديرها كادر إعلامي لبناني من حزب الله تدرب في قناة المنار وعمل في إعلام حزب الله لسنوات.

وإذا كنا حريصين على أن تكون صورة المملكة في العالم كله جميلة لا تشوبها أي شائبة وبخاصة في جانب الحرب ضد الانقلابيين، وحريصين على صناعة صورة ذهنية عن المملكة فإن اغفال أو التغاضي أو عدم الاهتمام بذلك سيقود حتما إلى أن يكون كثير مما يجري على الأرض اليمنية مطية لكل من يريد أن يسيء للمملكة إعلاميا،

ليس ثمة أسوأ من أن يكون لك أداء قتالي وحربي وبكفاءة عالية وفي المقابل يخذلك إعلام لا يحمل المسؤولية الكاملة ولا يتحملها..

ومما أأسف له شخصيا حين أجد من بيننا من يعمل على تشويه مجتمعنا حين تتاح له فرصة حوار أو كتابة مقالة في إحدى الوسائل الغربية.. وكأنه عدو لمجتمعه.. وكثيرا ما أتساءل لماذا لا يحمل بعض مثقفينا وشبابنا هم وطنهم ولا يستشعرون مسؤوليتهم تجاهه. لماذا يتحولون لحالة من المظلومية في قضايا يسيرة يمكن جعلها هما محليا في ضوء حالة الحرب القائمة.. لماذا يحتفي هؤلاء كثيرا بما يكتب عن المملكة من نقد لا يخفى على الحصيف منهم أن ذلك جزء من أجندة ممنهجة تريد إحراج وتشويه المملكة وقيادتها بعد أن نجحت في تقويض مشروعات كانت تهدد أمنها..

في مقابل هذا نحتاج أن نستثمر كل أدواتنا الإعلامية سواء التجهيزات أو العقول والكفاءات المهنية لتكون صوتا حربيا يمتد لكل ما يثار عن المملكة وبخاصة في هذا الوقت لدحضه وتفنيده …

ومن حيث واقع الممارسة المهنية لإعلامنا المحلي تظهر الكثير من الدراسات والجهود البحثية وآراء المهنيين والمتخصصين التي تناولت ذلك غياب المهنية في الإنتاج المقروء والمسموع والمرئي ولعل أسباب ذلك تعود لما يلي:

  • افتقاره للرؤية الواضحة التي يُقدّم بها خطابه عبر مختلف الموضوعات المثارة في مواده الإخبارية وغيرها.
  • ضعف خدمة البرامج وصناعتها صناعة احترافية بوصف ذلك مما يسهم في بناء صورة ذهنية لدى الجماهير عن القنوات المحلية والخاصة.
  • عدم فهم القائمين على إنتاج المواد الإعلامية للجمهور الذي تقدم له هذه المواد ومن ثم عدم معرفة الكثير من سماته واحتياجاته.
  • غياب العمل المهني والكفاءات المهنية الإدارية والفنية.
  • غياب البيئة والمناخ المناسب للعمل الإعلامي الحر الذي يتيح للإعلامي أن يتحرك دون وصاية.
  • عدم وجود الاستقلال المالي لا يتيح لوسائل الإعلام المحلية فرصة المنافسة في استقطاب الكفاءات والتجهيزات لتتحقق الجودة والمهنية العالية.
  • العقم في الأفكار الجديدة وانعدام الإبداع.
  • القصور في خطاب بعض المحطات المحلية جعلها تتوجه أحيانا لفئات من المجتمع.
  • غياب المعايير المهنية والعمل بمعايير لا تمت بصلة للعمل المهني.
  • عدم استقطاب الكفاءات المحترفة في حين ينتشر هؤلاء في مجموعة من المحطات المنافسة.

لقد كشفت لنا عاصفة الحزم أن إعلامنا هزيل وضعيف الأداء وأن مؤسساتنا الإعلامية لم تقم بواجبها وتراجع دور وزارة الثقافة والإعلام عن الوفاء بواجباتها على نحو يتسق وتراكمها العمري وتجربتها الطويلة. بل لم يكن لوزير الإعلام دور يظهر جهوده أو مشاركته إذ تمر الأيام دون أن تراه أو تسمع له همسا.

كما كشفت العاصفة وجود ضعف لدى صحفيينا الذين كانوا يحضرون ويشاركون في الايجاز اليومي مع المتحدث العسيري، كما أن وسائلنا يبدو أنها لا تحظى باهتمام المسؤولين في أن تكون مصدرا للخبر ولعل آخر هذه الأحداث إعلان العسيري عن المشاركة البرية في سوريا إذ كان ذلك عن طريق العربية دون حضور أو مشاركة للإخبارية مثلا.. هذه بعض المظاهر التي تكشف وتؤكد ضعف إعلامنا وأننا نحن من صنع هذا الضعف.. في حين لا يتسق هذا مع الدور العظيم الذي تقوم به المملكة داخلياً وخارجياً. ومع كل ما يقدم له إلا أنه يتقهقر، في مقابل وجود إعلام إيراني وحوثي يستثمر كل الفرص ويضخ الكثير من المال في عدد من الوسائل الإعلامية.. لقد واكبت العاصفة بعض البرامج الحوارية دون صناعة برامجية جيدة ثم توقفت تلك البرامج فترة ثم عاد بعضها هذه الأيام مثل المشهد اليمني الذي يقدم عبر الإخبارية وهي برامج حوارية أيضا.

نحتاج فعلا لمطبخ إعلامي ومكينة إعلامية تضخ الكثير من المواد ليفيد منها إعلامنا الخارجي على أن نخاطب العديد من الشعوب بلغاتها ولو كلفنا ذلك الكثير إذ لابد وأن نوصل للناس وبخاصة في الدول الكبرى خطابنا ورؤيتنا ونشرح لهم الصورة كاملة وأسباب الحرب الحقيقية ولندحض زيف الحوثيين ورجال صالح وحتى لا تكون صورتنا قاتمة سوداء بسبب الكذب والدجل الذي تمارسه قناة المسيرة واليمن اليوم وعدد من الصحف الإلكترونية حيث يتم استدعاء صور للدمار في غزة أو في سوريا ويتم عرضها على أن هذا بسبب الطائرات السعودية.

حين تكون قويا في الحرب ضعيفا في الإعلام فإنك تخسر الكثير.. لذا فالحاجة ماسة إلى أن يواكب إعلامنا الذي نملكه أو الذي نموله بطريق مباشر أو غير مباشر يضخ الكثير من الترفيه السيئ في حين يبخل في أن يمنح الوطن كثيرا من ساعات بثه.

نحن نحتاج في جانب الإعلام الحربي إلى مواد فلمية مؤثرة ومقنعة تتضمن محتويات ورسائل مهمة تصنع الصورة الصحيحة و تهتم بالقضايا الوطنية  والاقتصادية والتنموية وبخاصة ما يترافق مع الجهد الحربي من أعمال إغاثية وإنسانية وإبراز مكانة القوات المسلحة وجنودنا البواسل وما يمتلكونه من قدرات وكفاءة في مواجهة العدو وفي الدفاع عن الوطن ومقدراته وحدوده وكذلك إظهار العديد من برامج وجهود و أنشطة القوات المسلحة و استعدادها وكفاءتها في ردع أي تهديدات توجه للوطن مهما كان مصدرها وحجمها متوكلين على الله وسائلينه النصر والعزة والتمكين.

ويضاف لذلك إظهار كفاءتها التدريبية وقدرتها على بناء صناعات حربية، وإقامة المعارض الحربية، وعرض نماذج من الأسلحة المتطورة تكنولوجيا، والاهتمام برفع مستوى الوعي الأمني لدى جمهور المواطنين والتأكيد على وحدة الانتماء للوطن.  ما أتحدث عنه ليس هو البرامج التي تشتمل على محتوى تعبوي للجمهور فتلك لها طبيعة مختلفة وظروف حربية أخرى ليست هي ما نعيشه بفضل الله.

حين تمتلك الحقيقة وتمتلك القدرة على حمل رؤيتك وشرح أهدافك في هذه الحرب وهي أهداف تتفق ومصلحة اليمن واليمنيين ثم لا تقوم بذلك فأنت تتيح لقنوات مثل المسيرة الحوثية واليمن اليوم المرتبطة بنظام صالح أن يقولا لليمنيين وللعالم الكثير من الكذب وصناعة صورة سلبية قاتمة عن المملكة وأنها تستهدف المدنيين وتقتل النساء والأطفال وهو ما يضمنونه تقاريرهم عبر الفبركة الصحفية والتلفزيونية.

ثمة تساؤلات مهمة تشغل المهتمين بهذا الموضوع لعل من أبرزها كيف نحقق النجاح والوصول لقلب المشاهد وكسب ثقته.. هذا السؤال برغم أهميته يغيب عن واقع الإعلام المرئي المحلي على الأقل من حيث الممارسة.. لقد كنت أحد الذين تفاءلوا بعض الشيء في تحويل التلفزيون لهيئة مستقلة ووكالة الأنباء وإيجاد هيئة للإعلام المرئي والمسموع لكن المؤشرات لم تمنح مثل هذا التفاؤل أن يرى شيئا يتسق وطبيعة التغيير المنشود.. ولذا فإن مستقبل إعلامنا المحلي يتطلب تدخلا جراحيا كبيرا لابد وأن يتسبب بكثير من الألم وعدم الرضى لدى من استمرأوا تسيير الأمور بطريقة إنا وجدنا آباءنا على أمة …

نحن نحتاج فعلا لإرادة حقيقية فاعلة مؤثرة تقول نعم للتغيير بكل ما يتطلبه باستثناء المسلمات الثقافية المجتمعية التي نؤمن بها وثانيا نحتاج خارطة طريق مهنية لا تلتفت للأعمال الماضوية.  أما الإرادة فأملنا أن تتحقق.. أما خارطة الطريق فهي الصناعة الإعلامية التي نمتلك بعض أطرافها.. هذه الخارطة تقوم على مرتكزات أرى أن أحدها هو أن نعول كثيرا في إعلامنا المرئي المحلي على فلسفة الإنتاج الخاص فهو سبيل مهم لنقل الكثير من المضامين والرسائل التي يحرص عليها الإعلام المحلي عبر جودة برامجية.

التعقيب الأول: د. إبراهيم البعيز

تناولت الورقة الرئيسة محورين أساسيين:

المحور الأول أهمية الإعلام الحربي وأنه جزء مهم من الحرب العسكرية، وهو أحد أبرز مكونات إدارة المعارك الإعلامية.

كان ولا يزال “الإعلام الحربي” من القضايا المعقدة والتي يتم التعامل معها بكثير من الحساسية، فهو في منطقة رمادية تتقاطع فيها مسؤوليات الإعلام المستقل عن الحكومة والرقيب عليها (السلطة الرابعة)، ومسؤوليات العلاقات العامة أو ما يعرف في القطاعات العسكرية الشؤون العامة، وهي ذات المنطقة التي يتقاطع فيها مفهومي “الإعلام” و”الدعاية”. فما يراه (س) إعلاما يراه (ص) دعاية.

ومما يسهم في تعقيد الموضوع بشكل أكبر هو أنه يتعامل مع ثلاثة فئات من الجمهور: المحاربون لرفع روحهم المعنوية، المواطنون لتحصين الجبهة الداخلية، والعالم لضمان التأييد بعدالة القضية ومواجهة تشويهات الخصم. ولكل جمهور هنا رسالة خاصة مختلفة.

لا يخفى على الكثير تلك النماذج للإعلام الحربي التي أصحبت محورا للكثير من الدراسات والقراءات النقدية للإعلام، ولعل من أبرزها إقليميا “صوت العرب في حرب 67″، و”الصحاف ومفردة العلوج”، وترتيبات القوات الأمريكية (في حربي الخليج الثانية والثالثة) للمراسلين المرافقين embedded journalists وعلى المستوى العالمي تغطيات الإعلام الأمريكي للحرب في فيتنام، والتي كانت ترى وزارة الدفاع الأمريكية بأنها السبب في الهزيمة.

المحور الثاني عن قصور إعلامنا في الإعلام الحربي، حيث لا يوجد لدينا متخصصون في الإعلام الحربي بمفهومه العلمي والمهني.

هذه ظاهرة ليست مقتصرة على الإعلام الحربي بل في كل المجالات المتخصصة مثل الإعلام الاقتصادي، الإعلام النفطي، الإعلام العلمي، الإعلام الصحي وغيرها من المجالات، وهذا جزء من الأعراض العامة التي تؤكد أن صناعة الإعلام لدينا لم تصل إلى مرحلة النضج مهنيا (لعلنا نعود إلى هذه القضية في قادم الأيام).

ومن مظاهر ذلك القصور ما كان مجال التندر حول كثرة المحليين السياسيين والعسكريين ممن أغرقوا في الكلمات الإنشائية والكليشيهات المستهلكة، والتي لم تكن تعي مخاطر كثيرا مما تقول، خاصة حين الحديث عن الحرب بأنها حرب طائفية.

مع الثورة التقنية وما لها من تداعيات في المجال الإعلامي، تنامت أهمية الرأي العام العالمي وخاصة لدى النخب السياسية والثقافية. ويبدو أن المملكة قد أدركت ذلك حيث يتم توقيت الإعلان عن الكثير من القرارات الهامة (بدء عاصفة الحزم، الإعلان عن التحاف الإسلامي ضد الإرهاب) بما يتناسب مع فارق التوقيت مع الغرب. كما كان هناك لقاء فيديو (عن طريق سكايب) الأسبوع الماضي للعميد أحمد العسيري مع أعضاء لمركز من مراكز الدراسات الاستراتيجية المعنية بالأمنCenter for a New American Security

التعقيب الثاني: أ. مسفر الموسى

رغم أن عنوان الورقة الرئيسة يحتوي أيضا على قطبية التقييم (السلبيات والإيجابيات) و (الفشل والنجاح).. إلا أنني حاولت أن أتفادى كتابتها أعلاه.. ذلك، لأن تقييم الحالة أي حالة.. أمر يشعرني بالقلق.. فهو يحتاج إلى أدوات للقياس، وعمل منهجي محكم، وقبل ذلك، متابعة ورصد دقيق للحالة..

وبناء عليه، فكل ما سيأتي هو قراءة لجملة من الملاحظات معتمدة على بعض المداخل النظرية للممارسة المهنية الحربية إن صحت التسمية..

  • الإعلام الحربي بين الصحافة والدعاية:

يبدو أن محاولة الفصل بين ممارسة العمل الصحافي والدعاية أثناء الأزمات والحروب، عملية بائسة ومرهقة. ذلك، أن الصحافة والاتصال الجماهيري بشكل عام أحد أهم أدوات الدعاية على المستويين النظري والتطبيقي.  فعلى المستوى النظري، قدم لاسويل كتابه الشهير (تقنية الدعاية في الحرب العالمية)، والذي يمثل قراءة لقوة وسائل الاتصال الجماهيري التي تم استخدامها من قبل الحكومات في الحرب العالمية الأولى للتأثير على الرأي العام. وبدأت تسود فكرة أن الحقيقة تموت مع أول رصاصة في الحرب. مما يعني أن الإعلام الحربي وفق هذه الرؤية ما هو إلا جزء من الآلة العسكرية الذي يحرض على القتال، ويغير اتجاهات الرأي العام، ويبث الروح في نفوس المقاتلين، والذعر والخوف في قلوب الجيوش المعادية. أما على مستوى الممارسة التطبيقية، فقد تم تعريض الجيش الأمريكي في الحرب ذاتها على سلسلة من الأفلام الوثائقية تحت مسمى (لماذا نقاتل) لإقناعهم والرأي العام للانضمام إلى الحلفاء، كما فعل ذلك خطاب الصحاف في الحرب الأمريكية على العراق لدعم الجيش العراقي من أجل الصمود.

محليا، تعد تجربة الإنتاج المكثف للأغنية الحربية الوطنية التي كانت تبثها القناة السعودية إبان تحرير الكويت واحدة من النماذج لحشد الرأي العام والتعبير عن الانتصار والتفوق العسكري. خصوصاً عند ارتباطها بالصورة التي تبين القدرات الحربية، وأسلوب المونتاج المتجاور.

في المقابل، ظهرت نماذج تطبيقية للصحافة الحربية تتعارض مع مفهوم الدعاية. فالصحافة الأمريكية قدمت تقارير تنتقد فيها وزارة الدفاع في حرب فيتنام. كما قامت الصحافة البريطانية بنقد إدارة الجيش من خلال تقرير يبرهن بنقص العلاج والغذاء للخطوط الأمامية في حرب القرم.

مبدأ علاقة الصحافة (الإعلام المهني) مع البحث عن الحقيقة قد لا يتواءم مع وظيفة إدارة الحرب والحفاظ على الأمن القومي. لذلك، فإن الحديث عن صحافة مهنية محايدة وموضوعية تسعى للبحث عن الحقيقة المطلقة لأحد أطراف النزاع يعد شيء من الهراء والمثالية الزائفة في زمن الفضاء المفتوح. وما مثالي الصحافة الأمريكية والبريطانية المثاليين أعلاه، إلا لأنهما بزعمي جاءا في زمن يمكن فيه السيطرة والفصل بين الخطابين الدولي والمحلي. لذلك، نزعت الصحافة لأساليب حديثة تعتمد على جمع الحقائق والمعلومات وتفسيرها ضمن الموقف العام والإطار الذي تتبناه سياسة الحرب. في كلمات أخرى، أصبحت المهنية تعتمد على نوع الأدلة والبراهين القائمة على الحقيقة للدعم أو للدحض للوصول إلى مرحلة الإقناع بما يقتضيه الاتجاه العام، معتمدة على ركائز الاحترافية في تقديم الخدمة الإخبارية والتغطية الممنهجة والآنية، والتقنيات الإنتاجية ذات الجودة العالية.

هذا النوع من العمل الإعلامي المهني والاحترافي بات بديلا مناسبا للصحافة المثالية خصوصا أثناء الحروب والأزمات. ناهيك عن الدعاية الفجة والمباشرة، كما الصحافة غير الاحترافية اللتان لم تعودا قادرتين على الإقناع.

وفي ظل ما سبق، وبالعودة إلى الإعلام السعودي وأزمة اليمن، فإنه يمكن القول وباطمئنان شديد. أن إعلامنا، ولو من خلال ذهنية المتلقي، لن يخرج من فكي إما الدعاية أو الصحافة غير الاحترافية.

فهو في المخيال العام، إعلام شمولي لم يقدم قبل أزمة اليمن ما يشفع له لكي يكون متعدد الأصوات والرؤى. وبالتالي، فإن ثقة المتلقي أثناء الأزمة قد يشوبها بعض التوجس مهما قدم من حقائق، خصوصا أولئك الذين يحملون أفكارا مختلفة ومواقف سلبية للحروب من الداخل، والمتلقي الخارجي من باب أولى. هذا من حيث الشك في الصوت الدعائي (حتى وإن كان غير ذلك).  أما من حيث الاحترافية والقدرة على الإقناع فسيأتي الحديث عن ذلك لاحقاً.

  • الإعلام الحربي… التقنية والتكنيك:

مما لا شك فيه أن تقنيات الإعلام لعبت دورا حيويا في تفعيل الجانب الإقناعي جنبا إلى جنب مع أسلوبية المعالجة (التكنيك). بل، يكاد المتتبع أن يربط أثر الأسلوبية بتأثير التقنية. كان المراسل الحربي في حرب فيتنام يغيب فترة من الزمن في المعركة ليعود بقصة إخبارية واحدة. في حرب تحرير الكويت استطاعت CNN أن تذهل العالم من خلال تقديم خدمة إخبارية مباشرة للحرب على مدار اليوم. في الحرب الأمريكية على أفغانستان استطاع المراسل الحربي أن يبث رسائله بالصوت والصورة من خلال الهاتف الخلوي. وفي حرب العراق ٢٠٠٣ تطورت تقنيات المراسل التلفزيوني الذي أصبح لا يحتاج إلا لكاميرا هاندي كام مزودة بحقيبة مونتاج ولاقط صغير يستطيع أن يلتقط الإشارة ويبث مباشرة لكل العالم.

في الحرب ذاتها بدأ مصطلح التحكم بالمعلومات في مقابل وفرة الوسائل والإعلام المضاد. ورغم الجدال الواسع حول حق الحصول على المعلومات، إلا أن قوات التحالف استطاعت من خلال أربعة عناصر أن تحد من تنوع المصادر رغم القدرة الفائقة التي أبدتها قناة الجزيرة آنذاك. هذه العناصر تشمل:

  • تهيئة المركز الإعلامي في قطر.
  • إعداد الإيجاز الإعلامي اليومي.
  • إلزام الصحافيين بمرافقة القوات عند رغبتهم التغطية من أرض المعركة، في مقابل:
  • عدم ضمان سلامتهم في أرض المعركة عند ذهابهم بشكل مستقل (تم تفجير فندق فلسطين الذي يحوي مجموعة من الصحافيين كذلك، قتل بعض المراسلين من قناة الجزيرة وأبو ظبي).

بعد ذلك، ظهر ما يسمى بالمواطن المراسل من خلال الصور والفيديو التي يشارك بها المواطنون المحليون أثناء الأزمة خصوصا عند وجود أخطار متوقعة على المراسلين. استخدمت الجزيرة هذا التكنيك في بدايات الثورة السورية بفضل الجيل الجديد للأجهزة الذكية. كما استخدمت العربية الأسلوب نفسه في الحرب على الحوثيين من خلال تطبيق (أنا أرى) الذي وفر مادة مرئية استطاعت من خلالها العربية أن تنقل تفاصيل الحياة داخل الأراضي اليمنية. في الحرب ذاتها استطاعت بعض القنوات مثل قناة الجزيرة وسكاي نيوز من الاعتماد بشكل مباشر على تكنيك مجهز الخدمة للمراسلين المحليين المتعاقدين معهما من خلال شركات الإنتاج المحلية. هؤلاء المراسلين أقل ضررا لاعتبارات معرفة البيئة والمخاطر عند نقل المعلومات أو تنسيق اللقاءات مع الشخصيات الهامة أو الشهود أو الخبراء من داخل اليمن.

مما سبق، يمكن القول بأن الاعتماد على المتحدث الرسمي لقوات التحالف العميد ركن أحمد العسيري هو التكنيك الأوفر حظا في الإعلام الحربي للحرب على الحوثيين إذا ما ربطنا التجربة الحالية بالتجارب السابقة. كما اعتمدت قناة الإخبارية على مراسلين محليين مثل خالد الربعي من اليمن. وفيما عدا ذلك، لا يظهر تكنيك محدد اعتمدت عليه القنوات المحلية لتغطية الحرب مثل مرافقي القوات أو تجهيز الشهود والخبراء من الداخل اليمني.

  • المعلومة أم الرأي.. الخبراء أم الشهود:

في أدبيات إعلام الأزمات تعد مرحلة (أثناء الأزمة) فترة زاخرة بالمعلومات. كما أن المتلقي في حد ذاته نَهِم للحصول على أوفر قدر من المعلومات. وإنما يصيبه الملل من المتابعة أو القراءة عندما يلاحظ أن جل ما يقدم له هو أراء شخصية. هذا الأمر يتصل بالتخطيط الاستراتيجي لمرحلة ما قبل الأزمة. التي تعدها الإدارة التنفيذية للوسيلة مع مجموعة من المستشارين للوقوف على نمط التغطية وبناء نشرات الأخبار وإعداد المراسلين وخطة العمل اليومية والبرامج الخاصة أو (القنوات الخاصة أحيانا مثل الحدث والجزيرة مباشر).

 في فيلم غرفة التحكم الوثائقي عن تغطية الجزيرة للحرب الأمريكية على العراق عرضت المخرجة مجموعة من اجتماعات مجلس الإدارة والتحرير تتضمن تفاصيل خطة العمل التي ستنتهجها الجزيرة في التغطية بما في ذلك توقعات الضربات العسكرية، والتقسيم الجغرافي للمراسلين، والتحليل الإخباري في نشرة منتصف النهار، والجرافيكس والرسوم الافتراضية لأرض المعركة والتي سيعتمدون عليها في التحليل.

والحقيقة أننا لا نملك أدلة عن مدى التحضيرات والاستعدادات قبل الحرب من قبل المؤسسات الإعلامية السعودية. كل ما نملكه أن الإعلام السعودي يعتمد بشكل لافت على البرامج الحوارية في التلفزيون أو تحقيقات الهاتف في الصحافة. وبالتالي، فإن السؤال الدائم هو (ما رأيك) عوضا عن (ماذا يحدث الآن). بمعنى، حضور طاغي للخبراء في مقابل غياب للشهود. وفي العرف الإعلامي الاحترافي، فإنه لا قيمة للخبراء دون تواجد لروايات الشهود. فالشاهد مع المراسل هما من يملكان نص الرواية، فيما الخبير هو من يقوم بتفسير تلك الروايات ومحاولة فهمها وتحليلها.

  • نصف المهمة تكمن في بناء الإطار:

(الحرب على الإرهاب) هو الإطار الذي استخدمته الماكينة الإعلامية الأمريكية لتبرير حربها على العراق. كما يستخدم الكيان الإسرائيلي إطار (الحزام الأمني) للإيهام بالخطر والتهديد الذي تتعرض له. قناة أبو ظبي في الحرب على الحوثيين استغلت الإطار العام لمسمى الحرب من خلال برنامج (الحزم والأمل) الذي يناقش التطورات اليومية للحرب. وكما ذكرت سابقا بأن الإعلام الحربي ليس مثاليا ولا دعائيا وإنما هو إعلام يعتمد على الإقناع من خلال استنطاق المعلومات والحقائق في اتجاه معين، فإن نظرية الأطر الإعلامية تقدم تفسيرا لهذه العملية. إذ أنها الطريقة التي من خلالها تقوم وسائل الإعلام بتقديم وتصنيف وترتيب المعلومات والأحداث لبناء ردود فعل معينة وطريقة تفكير محددة.

هنا قد نحتاج إلى تحليل للخطاب الإعلامي السعودي لمعرفة ما إذا كانت جل المعلومات والشعارات والتراكيب اللفظية والصور تخدم هذا الإطار العام. وبدون ذلك لا نستطيع أن نقدم حكما جزئيا يختزل كامل الخطاب في مجرد شعار أو لوقو.

في عاصفة الحزم تحديدا… لا خوف من الإعلام:

هذا الحكم لم يأتي فقط من عدالة هذه الحرب وسمو أهدافها، وإنما تكون من جملة من الاعتبارات. يأتي في مقدمتها سببين متعلقين بإعلام العدو. السبب الأول، أنه وبحسب نظرية الوسائل المعادية، فإن الجمهور المختلف في الأساس يعتبر كل ما يطرحه الإعلام المعادي متحيزا ضده. وبما أن أكثر الدول الإسلامية والعربية، بل والعالمية لديها شعور بعدالة الحرب، فإن الكثير مما يطرحه أي إعلام معادي يقابل بالرفض. الثاني، أن الإعلام الإيراني لا يشكل عبئا على المنطقة. فهو كما الإعلام الروسي إعلام ثوري يقوم على الكذب الأبلج الواضح، كما أن مستوى مهنيته والإعلام الحوثي ضعيفة إلى حد كبير.

الاعتبار الآخر، أن الحرب أخذت شعبيتها على المستوى الإقليمي. وبالتالي، فإن وسائل أكثر احترافية من القنوات الإخبارية العربية تشكل في مجملها تأييدا كبير لعدالة الحرب. منها الجزيرة، العربية، الحدث، سكاي نيوز.. مع ذلك، ربما يأتي الخوف من قنوات دولية خصوصا قناة BBC وصحيفة التايمز اللتان اتخذتا مواقف مناهضة للحرب..

ختاما.. إعلامنا الحربي ليس على ما يرام… ولكن قضية الإعلام في هذه الحرب تحديدا ليست مرهقة.

المداخلات حول قضية: (الإعلام الحربي السعودي)

  • واقع الإعلام الحربي السعودي وأوجه القصور الكامنة

أوضح د. عبدالله بن ناصر الحمود أن الإعلام الحربي يتميز بميزة خاصة به دون كافة أنواع الإعلام المتخصص. هذه الميزة هي كونه مكون أصيل من مكونات العمليات الحربية. وبالتالي يخضع جبرا للسلطتين السياسية والعسكرية. ولا يمكن لهذا النوع من الإعلام الانعتاق من أحد أمرين:

  • الأول.. رقابة قبلية أو بعدية صارمة جدا تقوم بها السلطة السياسية لتتأكد من أن سياقات هذا الإعلام في صفها تماما.
  • الثاني.. لعب الأدوار. ويعني ذلك أن تتولى إحدى السلطتين السياسية أو العسكرية تصميم وتنفيذ وبث ونشر مواد الإعلام الحربي.

وفي حالات كثيرة اكتفت السلطتان أثناء الحرب بتطويع الإعلام لخدمة أهدافهما من خلال أساليب كثيرة، أبرزها اصطحاب إعلاميين ومؤسسات إعلام في ساحات الحرب، و/أو إمداد إعلاميين ومؤسسات محددة بمعلومات مختارة ومجازة.  ومن المهم التنبه، إلى أن هدا الأمر لن يجده الباحثون مكتوبا، على مستوى النظرية، ولا على مستوى الدراسات الوظيفية، لكنه مثبت في عدد كبير من الدراسات النقدية والتحليلية والميدانية.

وتبرز هده الميزة وتقل، في الإعلام الحربي، بحسب عوامل كثيرة من أبرزها طبيعة الحرب ذاتها، ومستوى التدخل العسكري، ووتيرة جريان الأمور على الأرض.  لكن، من أغرب خصائص الإعلام الحربي، أنه تساوت أمامه واقعا كافة أيديولوجيات الإعلام، من أعتاها تسلطا حتى أرحبها حرية.  بمعنى.. أنه حين الحاجة لإعلام حربي فاعل.. وبخاصة عندما تكون وتيرة الحرب ذاتها مقلقة جدا.. فإنه يدار في المكاتب السياسية والثكنات العسكرية.  غير أنه، أمكن في حالات قليلة، ملاحظة أن السلطتين السياسية والعسكرية يتسامحان مع وسائل الإعلام حين تجتهد في فعل إعلامي ما، شريطة أن تكون الخطوط واضحة جدا بكل ألوانها.

وأشار م. حسام بحيري إلى الأهمية الكبيرة للإعلام الحربي؛ ليس فقط لنقل المعلومة العسكرية ولكن لرفع معنويات مواطني الدول المشاركة في التحالف وتبديد الشكوك في مقدراتهم وإنجازاتهم وزرع الثقة في النفوس وتذكير الأعداء بقوة الذراع العسكري للدولة وقدرتها على حماية نفسها وهزيمة أعدائها. للأسف نرى أن معظم القنوات العربية تعتمد على مراسلين لا يرقون لتغطية أية أحداث عسكرية ولا يدركون ما هي أهمية دورهم أو المطلوب منهم وذلك لأن الكثير من مراسليهم العسكريين ليس لهم أي خبرة أو إدراك أو خلفيه عسكرية تمكنهم من تغطية المعارك الحربية وإضفاء صورة إيجابية ومعرفة ماذا ينقل للمشاهدين وواضح أنه ليس هناك أي سياسة إعلامية محددة متبعة في كيفية نقل صور ومشاهد المعارك أو نقل إنجازات جنودنا أو تصوير الوضع كما يجب لشد انتباه المواطنين والمواطنات وبقاء المعركة حية في أذهانهم. اليوم أصبحت معركة اليمن وكأنها حرب منسية أو حدث ليس له أهمية وفقد الإعلام العربي تركيز المشاهدين وبدأ التشكيك في الحرب وأهدافها يدب في قلوب بعض الأشخاص حيث بدأنا نسمع من وقت لآخر أننا في ورطة عسكرية في اليمن وهذا غير صحيح مطلقا. الحقيقة هي أن الحوثيين وعفاش وقواته في ورطة خطيرة وهم اليوم يقاتلون معاركهم الأخيرة ومواردهم بدأت تنضب. إعلامنا الحربي العربي يتحمل هذه المسؤولية المراسلين الحربيين في وسائل الإعلام الأجنبية هم أهم وأقوى وأذكى المراسلين الموجودين لدي هذه المؤسسات لأن تغطيتهم تعتبر تعبير عن وجهة نظر مواطنيهم ومدى دعمهم لسياسة بلدانهم ولذلك نرى أنهم يتبعون سياسة إعلامية قوية في تغطية الأحداث العسكرية لبلدانهم وحرصهم على أن لا يظهر أي مشهد أو صوت مغاير لسياستهم الإعلامية. باختصار الإعلام الغربي يستخدم أهم مراسليه في تغطية الحروب والعمليات العسكرية وإعلامنا يستخدم أضعف وأقل مراسليه خبرة ودراية لنقل صورة العمليات العسكرية للمشاهدين.

وبدوره أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن الإعلام في الأصل يعني قراءة الأحداث وتلقي القضايا والمطالب المجتمعية، ومن ثم نشرها أمام العامة، بكل صدق وأمانة، ومع ذلك لابد وخصوصا في هذا الزمان أن يكون للإعلام المتخصص حضور بارز ومتميز بين كل حدث وقضية ومطلب، حتى يكون الإعلام داعما لمسيرة الحياة لا عائقا لها.

ولأن موضوع الورقة الرئيسة حول الإعلام الحربي، يمكن الحديث تحديداً عن أوجه المقارنة بين حضور المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع والحضور المفترض بل الواجب الإتيان به من لدن وزارة الثقافة والإعلام ممثلة بكافة فروعها.

فقد لوحظ أن دور المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع يفوق بكثير عن حضور ودور العاملين في كافة فروع وزارة الثقافة والإعلام. وهذا الحضور المتميز من لدن المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع، لا يعتبر حضورا عاديا، بل أتى بمستوى رفيع ومتقن، ولا مقارنة بينه وبين إعلاميي وزارة الثقافة والإعلام، فمع كل الإمكانات المتاحة لهذه الوزارة إلا أنه ومع الأسف الشديد لم نلحظ حضورا إعلاميا مشرفا في مرحلة مهمة كتلك الحالية.

وقالت أ. فايزة الحربي إننا في عصر الإعلام الحربي أو النفسي… وكلاهما يعزز الآخر.. وحقيقة أن الملك سلمان رجل الإعلام بالدرجة الأولى وخصوصا بالمجال الحربي أو الوطني وقد اهتم كثيرا بالإعلام وبتصميم رسائل بجودة عالية وبرامج وشخصيات تجيد الحوار والطرح بحكمة وتحسن استخدام الصورة والتقنيات المتطورة مع استضافة شخصيات مهمة من الواقع تحكي للمجتمع ما يحدث حولهم ورغم أن من المؤسف الاستعانة بالشركات الأجنبية في إعداد بعض البرامج الحربية السعودية إلا أن المنتج يرفع الأسف ويحوله إلى تطلع بإنتاج مستقبلي بطاقم سعودي كامل والاستفادة من الخبرات الأجنبية.

ورغم الأساس الإعلامي الضعيف الذي كنا نشكو منه سابقا في شتى مجالات الإعلام المتنوعة إلا أننا بدأنا ولله الحمد نسخر الإعلام بقوة لأهدافنا وخصوصا السياسية والفكرية منها وهي الأهم والتغطية الإعلامية لعاصفة الحزم دليل شاهد على ذلك.

ما نتطلع له أن تشمل هذه النهضة الإعلامية جميع مجالات الإعلام وخصوصا الدرامية الموجهة للأسرة وبرامج الأطفال بتقديم مستوى جودة عالي وفكر راقي محاط بقيمنا الإسلامية والاجتماعية.

وأكد أ. عبدالرحمن الطريري على أن الإعلام لكي يكون مواكبا للقدرة العسكرية يجب أن يكون لديه المعلومة الصحيحة، فجل محللينا يحتالون على غياب المعلومة بالتحليل، وأحيانا تجد معلومات أدق عن الحرب في الإعلام الغربي.

وتساءل أ. مطشر المرشد: ما هو دور التوجيه المعنوي للقوات المسلحة؟ وهل من خلال التوجيه المعنوي نستطيع تغطية الإعلام أي الإعلام الحربي؟

وفي هذا الإطار أوضح د. مساعد المحيا أن التوجيه المعنوي هو أحد أهم وظائف إدارات الشؤون المعنوية أو التوجيه المعنوي في القوات المسلحة وهي أحيانا ترتبط بالعلاقات العامة وبالتالي قد تصدر العديد من المجلات والمنشورات والكتيبات والتسجيلات وتقيم العديد من المناشط والبرامج التي تسهم في رفع الروح المعنوية لدى أفراد الجيش.

ويعتقد د. حامد الشراري أن القناة الأولى لعبت دورا إعلاميا بارزا إبان حرب تحرير الكويت، في شحذ الهمم آنذاك، وأشعرتنا أننا جزء من هذا الوطن وأن حمايته مسؤولية الجميع، بالرغم أننا كنا جزء من تحالف دولي تقوده أمريكا. عكس ما نراه من تراخي إعلامي في الوقت الحاضر بالرغم أن المملكة تقود الحرب والتحالف في اليمن. هل المشكلة في عدد القنوات التلفزيونية، أو هل وسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير- مع أن لها دور جيد مقارنة بالقنوات التلفزيونية-، هل الإعلام الحربي لم يؤدي دوره بالشكل المطلوب وبمهنية عالية، هل كثرة الحروب والقضايا وتنوعها وانشغالنا بقضايا هامشية عن القضايا الوطنية كالحرب في اليمن، هل أصبح عندنا تبلّد، أو هل نحن كبرنا وتغيرنا وتغيرت اهتماماتنا، أو هل يشعر ويهتم شباب اليوم بنفس درجة اهتمامنا بالتطوع في ذلك الوقت، أين الخلل؟!

ومن وجهة نظر د. فايز الشهري فإن هناك فرق بين مفهومي الإعلام العسكري والإعلام الحربي. الإعلام العسكري هو الممارسة العلانية للمؤسسات العسكرية في وقتي السلم والحرب. أما الإعلام الحربي فهو الجهود الإعلامية المعبئة للرأي العام وبث الحماس والروح القتالية في الجيوش في أوقات الأزمات والحروب.  ولهذا فإن الإعلام الحربي يمكن أن يدخل في مفهوم إعلام الأزمة. أما الإعلام العسكري فهو النشاط الطبيعي للمؤسسات العسكرية في تعزيز الصورة وبناء العلاقات الإيجابية مع الجماهير الداخلية والخارجية. وتأتي مشكلة الإعلام عموما حينما يكون وقوده الحماس المؤدي إلى تحشيد الرأي العام منفصلا عن الهدف السياسي أو العسكري. ومشكلة أخرى لإعلام الأزمات هو الانطلاق مع ضعف المعلومات وأدوات التحليل وهذا بدوره يؤثر على المجهود الحربي سلبا. وثمة مشكلة ثالثة في إعلام الأزمات (الحربي) وهي حماس الهواة وغياب المحترفين.

في وضعنا الحالي يمكن تشخيص ثلاث مستويات لعدم تكافؤ الجهد الإعلامي مع الجهد العسكري والحربي:

  • أولا: توفير المعلومات لا يتم بنفس سرعة الأحداث.
  • ثانيا: نشر المعلومات يركز على الجمهور المؤيد ولا يستهدف من يحتاج المعلومة للمعرفة أو التصحيح.
  • ثالثا: مرحلة التفسير والتحليل وهنا تأتي مشكلة التحليل الإعلامي والتفسير السياسي للنشاط العسكري.

ولهذا نجد كثرة التصويبات والبيانات والنفي نتيجة تقاطع خطوط هذه العناصر الثلاث.

وأوضح د. مساعد المحيا بشأن عدم إتاحة المعلومات للجمهور، أن الدول المتقدمة وفي مقدمتها أمريكا تفرض الكثير من القيود على مراسلي وسائل إعلامها العسكريين ومراسلي الدول الأخرى حين يتعلق الأمر بمصالحها القومية العليا … فهي تمارس الرقابة العسكرية الصارمة على تحركات المراسلين في مسرح العمليات بطريقة تفوق ما تفرضه في الغالب الدول في العالم الثالث والتي ينظر لها على أنها لا تحترم حرية الصحافة وترفض التدفق الحر للأخبار والمعلومات، كما أن المراسلين الصحفيين الموجودين في مسرح العمليات الحربية منضبطين جدا بقيود القيادة العسكرية وأوامرها الصارمة التي تقيد حريتهم في التغطية الإعلامية؛ فالرقابةُ العسكرية هي الأسلوب الذي عملت به قوات التحالف عبر قيادتها العسكرية إبان حرب الخليج الثانية والثالثة أثناء احتلال العراق وذلك بهدف السيطرة على التغطية الإعلامية للحرب وإدارتها، فعلى سبيل المثال فقد مارس الجيشُ الأمريكي أشكالًا متعددة من الرقابة على وسائل الإعلام الأمريكية والدولية خلاف فرض سيطرته على المراسلين الذي شاركوا في تغطية حرب الخليج.

وثمة شكل آخر للرقابة تمارسه القوات الأمريكية إذ منعت نشر أخبار تضر بالأهداف الرئيسة للحملة العسكرية؛ من مثل حظر جميع صور الأكفان التي تصل إلى القاعدة الجوية في “دوفر” Dover بالولايات المتحدة للحد من تغطية الخسائر الأمريكية، ومثلها منع وصول صور القصف الجوي للعراق للصحافة حتى لا يشاهد الرأي العام بشاعة القصف الأمريكي.

ومن ناحية أخرى فإن نقص المعلومة قد يقود البعض ممن لا يقدر العواقب إلى التصريح بمعلومات مغلوطة أو يختلقها اعتقادا بأنها تفيد في الحرب المعنوية.. مثل هؤلاء يرتكبون أخطاء جسيمة في نشر معلومات غير مصرح لهم بنشرها.

ويعتقد د. خالد الرديعان أن تقصير إعلامنا الحالي قد يكون مرده إلى تنوع وتعدد مصادر الحصول على المعلومات الأمر الذي شتت جهد المتلقي. فخلال أزمة الخليج كانت مصادر المعلومات محدودة للغاية بما في ذلك القنوات. هنا برزت مشكلة عدم قدرة إعلامنا الرسمي على المنافسة وجذب المتلقي في ظل وجود البدائل الإعلامية.. هذه البدائل من قنوات لا تعكس وجهة نظرنا دائما بل تقدم وجهات نظر مختلفة في حين أن الجمهور السعودي غير معتاد على ذلك أي تنوع مصادر المعلومة. المتلقي العربي عموما اعتاد على قناة واحدة رسمية ولم يعتد على تنوع مصادر المعلومات وبالتالي فالحس النقدي عنده منخفض.. هذا المواطن كان ضحية حقن إعلامي ويحتاج إلى فترة طويلة لكي يعتاد على سماع الخبر الواحد من عدة مصادر لكي يتمكن من بلورة رأي حول القضية.

وفي هذا الإطار أيضا قال د. إبراهيم البعيز: إن الحديث عن الإعلام والحرب قد لا يكون مكتملا ما لم يتطرق إلى قضية أصبحت معلما في تاريخ الصحافة ومسؤوليتها الرقابية (السلطة الرابعة). قضية تشير إلى النشر عن الحرب بعد انتهائها. وهي ما باتت تعرف بـ “أوراق البنتاغون”. تتعلق هذه القضية بنشر الصحافة الأمريكية معلومات عن حرب فيتنام كانت ترى وزارة الدفاع أنها سرية، وعلى الرغم من محاولة الحكومة منع الصحافة من نشر تلك المعلومات، إلا أن القضاء وقف إلى جانب الصحافة.

بدأت القضية بمشروع تبناه وزير الدفاع الأمريكي روبرت مكنمارا في منتصف 1967 لكتابة تاريخ الحرب الفيتنامية، من أجل أن يكون هناك مرجعا موثقا للمؤرخين. وحرصا على سرية هذا المشروع (وربما لأهداف سياسية) لم يقم مكنمارا باطلاع الرئيس الأمريكي ليندن جونسون ولا وزير الخارجية دين رسك، ولا مستشار الأمن القومي.

تم إنجاز الدراسة في يناير 1969 بتحليل أربعة آلاف وثيقة من مكتب وزير الدفاع، وانتهت في سبعة وأربعين مجلدا تضم ثلاثة آلاف صفحة. لكن قررت وزارة الدفاع لاحقا بعدم نشر الدراسة، ورأت أن تبقيها سرية نظرا لما احتوته من معلومات وقضايا حساسة، لذا لم يطبع منها إلا خمس عشرة نسخة فقط.

حصلت مؤسسة راند على ثلاث نسخ من هذه الدراسة، مما أتاح الفرصة للباحث دانيل اليزبيرج (ناشط سياسي ومعارض لحرب فيتنام) أن يطلع عليها. وبعد ما وجد فيها من معلومات تعزز وجهة نظره، وتكشف كثير من الأكاذيب والمعلومات المغلوطة عن الحرب، قرر أن يسرب الدراسة إلى الصحافة. أعطى نسخة من الدراسة إلى صحيفة نيويورك تايمز التي بدأت بنشر تقارير صحفية عنها ونتائجها، وبعد ثلاثة تقارير استطاع البيت الأبيض أن يستصدر حكما من المحكمة لإيقاف النشر لأنه يهدد الأمن الوطني. وتقدمت الجريدة باستئناف وصل إلى المحكمة العليا.

ثبت للمحكمة العليا، وبعد الاطلاع على التقارير، أن الإدارة الأمريكية قد كذبت على الكونجرس وعلى الشعب الأمريكي في كل ما كانت تقوله عن الحرب، لذا أصدرت حكمها لصالح الصحافة ومنحتها الحق في نشر ما ترى من هذه الدراسة، وبررت ذلك بالقول “الصحافة الحرة والمستقلة هي القدرة على كشف كذب الحكومة، ومن أهم مسئوليات الصحافة الحرة أن تمنع أي قطاع حكومي من خداع المواطنين بإرسالهم ليلقوا حتفهم في بلدان بعيدة عن وطنهم”.

ومن جانبه، قال أ. سعيد الزهراني في مداخلته حول قضية الإعلام الحربي: (كلنا يكره الحرب.. لكننا أمام معركة وجود ومصير).. هذه الجملة أستلها من مقال للكاتب أحمد عدنان بعنوان: لماذا سيدخل السعوديون إلى سوريا؟ جملة الشطر الثاني من العبارة أعلاه هي قناعة الطيف الأعم من الجمهور في الداخل السعودي وفق ما يراه ويلمسه حتى الأعمى الذي يتحسس ببصيرته نبض الناس في مجالسهم وشوارعهم.. بما فيها تويتر وتفريعات التطبيقات الاتصالية الالكترونية المتعددة.. خلافاً لقلة قليلة جداً من بعض النخب التي ترى عدم صواب قرار الحرب.. ولها حق الاختلاف مثلما للبقية حق القناعة واليقين..

هذه التقديم يعد ضرورياً لتقسيم حقول الجماهير التي يستهدفها إعلام حربنا في اليمن وهي ثلاثة حقول: جمهور الداخل السعودي.. وجمهور الميدان اليمني.. وجمهور الفضاء الخارجي بما فيه أمريكا وأوروبا بفئات التكوين المختلفة من ساسة وإعلام وشعوب.

جمهور الداخل السعودي وفق التقديم السابق تحصّلت لديه التعبئة فطرياً حين استجابت هذه الحرب لروحة المكسورة وبعثت فيها نشوة القوة والانتصار للقيمة العميقة في الذات العربية.. أقول فطرياً وذاتياً لأستبعد أي تأثير للفعل الإعلامي الرسمي التقليدي.. وكأن الطيف السعودي العام أخذ مهمة تعبئته بنفسه عبر أدوات الاتصال الإلكتروني.. وإلا فماذا سيجد غير مقطوعات الأغاني الوطنية المصاحبة لمشاهد أرتال الدبابات وأسراب الطائرات المكرورة فيما لو بقي منتظراً لماكينة الإعلام الرسمي الصدئة؟!!

جمهور الميدان اليمني ليس بأحسن حالاً من واقع ما يبث في الداخل السعودي.. مع أن الرأي في هذا المسار يتطلب شواهد ورصد بصورة دقيقة يمكن من خلالها الوقوف بالرقم والنتيجة على واقع الأداء..

أما جمهور الفضاء الخارجي.. فالحال تنبئ عنها حملات التشويه المتكررة للصورة السعودية دون أن نحرك ساكناً يعول عليه في مواجهة تلك البرامج الممنهجة للإساءة.. وحده يقف وزير الخارجة (المفاجأة) عادل الجبير في الواجهة والمواجهة مع أسماء قليلة أخرى.. هناك خلل كبير تعاني منه منظومة الفعل الإعلامي لدينا في إطار إعلام الحرب.. فقط أحاول أن ألفت الاتجاه نحو تبدل مواقع القوة وقوانين لعبة التأثير الجماهيري من ماكينات صياغة الرسائل الإعلامية الرسمية إلى الأدوات الاتصالية الفردية.

وأوجزت أ. هيا السهلي رؤيتها حول قضية الإعلام الحربي في النقاط المحددة التالية:

  • الرقم أولا

إذا كان مجموع الإنفاق العالمي على وسائل الإعلام قدر ب ١.٥ تريليون دولار أمريكي سنة ٢٠١٢ بالمقارنة، فقد كان الإنفاق العالمي على الأسلحة ١.٧ تريليون دولار أمريكي، قد يكون الفارق كبير كميا، ولكن نسبيا فهم متقاربين جدا، ومن المتوقع أن الرقمان تعادلا في السنين الأخيرة.

  • صورتنا لا تتكلم!

مع أن السعودية تقود التحالف وهي في الموقع المتقدم والمنتصر حتى الآن إلا أن هناك إهمالا أو تراخيا واضحا في إنتاج واستخدام الصور في وسائل الإعلام الإخبارية، وكأننا نغطي حربا بيننا وبينها دول! “إن لم تكن صورتك مؤثرة فهذا يعني أنك لست قريباً من الحدث بما يكفي”، هذه المقولة هي للمصور الحربي الأميركي روبرت كابا أشهر مصوري الحرب العالمية الثانية وأكثرهم تأثيراً في الرأي العام. ولا أظن أحدا يجهل أهمية الصورة في توثيق مجريات الأحداث والوقائع وقلب الحدث من كفة إلى كفة، لاسيما أننا نعيش في زمن تحكم الصورة فيه السياق الاجتماعي والسياسي والإعلامي ولكونها أيضا وسيلة اتصال قائمة بذاتها، فمعرض واحد من الصور لو يقام في محافل دولية يقلب الرأي العام رأسا على عقب والحكمة تقول “من رأى ليس كمن سمع”.

  • صدمة الصورة

وإن لم تتحرك وسائل إعلامنا المحلية باحترافية في توظيف الصورة وتنزل ميدان المعركة الآخر وهو “قنوات التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها ” وتزاحم إعلام العدو فيه أظنها تستهلك قوة وعتاد عسكرية أكثر في ميدان المعركة الحقيقي على الأرض. وبمرور سريع على مقاطع الفيديو لقناة المسيرة والإعلام الحربي للحوثة يتضح الفارق بين قنواتنا وقناتهم البسيطة حتى على مستوى أهازيج الحرب وإخراج الصورة. يقول جون موريس في كتابه” التقط الصورة” أن الصورة تصدم الذهن أكثر من الكلمة بكثير!! وأظن هذه الصدمة حدثت لي!!

واسمحوا لي أن أعترف واعتبروني نسخة مكررة من السعوديين فبعد أن أشاهد مقاطع الإعلام الحربي الحوثي أصاب باكتئاب فترة من الزمن والهلع والخوف، لدرجة كذبت بعضا من أخبار إعلامنا خاصة في عدد القتلى!!

  • الصورة المهلكة

كان المشاهد في السابق يبحث عن الصورة ليوثق حقيقة أو يطلب معلومة لكن الأمر في زمن تدفق الصور اختلف كثيرا فالصورة تخترق دائرته دون أن يقاومها، حتى البشع والمخيف منها يصيبها فضولا لمشاهدتها برغم من الألم والخوف الذي تسببها ومثال ذلك فيديوهات تنظم الدولة الإسلامية “داعش “!! وحتى لا نذهب بعيدا ومادمت وصلت لداعش من الجدير بالذكر أن نحلل قوة داعش الإعلامية في الحرب وكيف أنها تجيد باحتراف هذه الحرب؟ وكيف أنها كانت كما قال الرسول صل الله عليه وسلم “(إذا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)) وفي رواية أخرى:( (فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ)) هذه الآلية طبقتها “داعش ” لتتهاوى القرى والمدن بدون مقاومة وهو فعلا ما حدث، ومن مقابلات الهاربين من ديارهم أنهم فروا قبل دخول داعش خوفا من القتل!

وبدورها قالت د. سامية العمودي: فعلاً لا زلنا نتقوقع حتى على منجزاتنا الحربية ونجهل كيف نخاطب نفسية العدو والمتربصين وحتى أهلنا وشعبنا.. وعندما تنتهي هذه الحروب سيسألنا التاريخ ويسألنا أبنائنا ويسائلنا أعدائنا وسنكتشف أننا لم ندرك أهمية التوثيق صورة وصوت للأسباب السابقة. لا زال عندنا حياء غريب في تناول منجزاتنا على كل الأصعدة من منجزات المرأة والمجتمع إلى منجزاتنا في المعارك والحروب.. الإعلام بحاجة إلى أن يفيق من سباته.

  • الإعلام الحربي والروح المعنوية للجندي السعودي

يرى د. خالد الرديعان أنه لعل من المهم تناول مسألة الروح المعنوية للجندي السعودي في الحد الجنوبي؛ فمما اتضح مؤخرا أن بعض الجنود ليسوا في أفضل حالاتهم المعنوية لعدة أسباب ربما كان أحدها قصور إعلامنا في مواكبة الحدث الحربي وتغطيته بشكل مكثف رغم ما تقوم به بعض قنواتنا من بث الأناشيد الوطنية القديمة (بعض تلك الاغاني يزيد عمرها عن ٣٠ سنة وكأن فنانينا وشعراءنا عقموا !!).  مهمة “الفن في خدمة الحرب” نجح فيها صدام حسين أثناء الحرب العراقية – الإيرانية (١٩٨١-١٩٨٩) حيث سخر الإعلام العراقي وبدرجة كبيرة لخدمة معركته بصورة غير مسبوقة.. بعض الأغاني التي أذيعت في حينه كان لها مفعول السحر في بث الروح المعنوية في الجنود العراقيين، بل أنها كانت أشد تأثيرا من أي وسيلة أخرى بما فيها الزيارات الميدانية التي كان يقوم بها صدام للجبهة من آن لآخر لتفقد سير المعركة. إن إبقاء الروح المعنوية مرتفعة عند الجنود مسألة في غاية الأهمية، بل وأساسية في حسم المعركة التي نأمل أن لا تطول.. صحيح أن هناك جهود تبذل في هذا الجانب لكن بالصيغة التي نراها قد لا تكون كافية. هناك أوجه قصور قد يكون الإعلام مسؤول عنها؛ فأين التقارير اليومية الحية من الجبهة؟ وأين الايجاز الصحفي للناطق العسكري الذي تقلص ظهوره بصورة كبيرة؟ وأين التغطيات الصحفية الميدانية؟ وأين اللقاءات مع أسر الشهداء، وأين شهادات الأسر اليمنية في المناطق المحررة وموقفهم مما يجري والحال الذي وصلوا إليه بسبب الحوثيين؟ أين اللقاءات مع بعض الأفراد وربات الأسر وأطفال المدارس في جيزان ونجران؟ كيف يتعامل سكان تلك المناطق مع الحدث، وكيف تسير حياتهم في ظل استمرار سقوط بعض المقذوفات من آن لآخر؟ ماذا فعلنا نحن لجنودنا في الجبهة ولماذا قصر الإعلام المحلي في هذه الناحية تحديدا؟ لماذا أصبحت الأخبار عن الحد الجنوبي روتينية وعادية وكأن المعركة في مكان آخر بعيد عنا؟ أسئلة كثيرة مطروحة على إعلامنا، فهل سنجد لها أو لبعضها اجابة؟

ومن ناحية أخرى تطرقت أ. هيا السهلي إلى موضوع عنونته ب “الضابط والجندي هل يختلف الدم؟”، وفي هذا الإطار قالت: في حد علمي واطلاعي لم أجد من يكتب عن هذا الأمر الذي له بعده النفسي الخطير على الجنود وذويهم ثم المجتمع بشكل عام..

فالأمر ليس فقط موقفا مضاد للحرب النفسية التي يمارسها العدو ولكن عندما يقود إعلامنا حرب نفسي علينا من حيث لا يدري وبجهل بعواقب الأمور والحماس المفرط الذي ينقلب ضده..  وحتى أوضح المقصود سأذكر الحالة والمثال والصورة في ذلك: عندما يستشهد ضابط ذو رتبة يتناول الإعلام بطريقة مختلفة وبتقارير وصور على مر أيام وسرد لسيرته ومقاطع مؤثرة لليتامى من خلفه ولكن للأسف في حالات كثيرة لجنود أفراد يكون الخبر عابر وكأن الجندي أرخص دما وأهله لا أفئدة لهم!!

هذه التناول له أبعاده النفسية على الجنود وثقتهم بأنفسهم وعقيدة الوطن الذي لا يفرق في الرتب والمقامات، أضف على ذلك أثره النفسي على أهله عندما تقع في أنفسهم أن ابنهم أقل قدرا وأقل أهمية في الحرب عن زملاءه! ومن ثم يتبع ذلك على المجتمع عندما يحتفي ببسالة وشجاعة ويسطر ملحمة الضباط ويتغافل الأفراد!

وجانبا آخر عندما يلقي في قلوب أطفال المرابطين وزوجاتهم وأمهاتهم القلق والوسواس وترقب فقدهم! وهذا بدى واضحا عندما تسأل أطفال جنودنا المرابطين والمقاتلين.  أما وقعه على العدو فأظنه مصيبة أيضا حينما يشعر أن الضربة موجعة ويستغلها إعلاميا ويقرأ مدى تأثرنا من التقارير ومقاطع الفيديو المتداولة للرثاء الموجع!  وآخر مثال قريب هو استشهاد العقيد السهيان وكيف تناوله إعلامنا وكأنه ضربة موجعة من صور فيديو ورسائل أولاد وآخر محادثاته وكيف جيره العدو انتصارا! هل الجندي والعريف والرقيب وما بينهما الذي استشهد ليس له أبناء سجلوا آخر رسائله وآخر قصصه وآخر مكالمته؟!! أظن أنهم سجلوا ملاحم ولكن إعلامنا يتعامل بالصوت العالي!

وعلق د. سعد الشهراني بأنه لا بد من إعادة النظر في كيفية تناول الإعلام للشهداء ومعاملتهم على قدم المساواة من أحدث جندي إلى أقدم لواء فالوطن واحد والدم الغالي واحد.

وأضاف د. عبد الله بن صالح الحمود: لا شك أن المواطن واحد، لا يفترض أن نفرق بين واحد وآخر، خصوصا إذا ما كان الجميع يخدمون في خندق واحد، وهنا تأتي سلبية الإعلام إذا ما أثنى باطراد عن فرد دون آخر.

وقالت أ. ليلى الشهراني: في الموت تسقط الرتب والمكانة الاجتماعية وتبرز فقط المواقف، بعض الجنود في تضحياته وبطولاته ككتيبة كاملة، رحم الله من قدم الروح تضحية ليعيش وطن.

وتناول د. مساعد المحيا المسألة المتعلقة بالشبكات الاجتماعية وأثرها في الحالة المعنوية للجنود وللشعب الذي يقف خلف هؤلاء الجنود، باعتبار أن الشبكات الاجتماعية من خلال السناب شات وتويتر والانستقرام والواتس وغيرها أصبحت تقوم بأدوار إيجابية وسلبية فالجندي والضابط مثلا حين يصور حالته هناك وينقل بعض معاناته بقصد الاشارة إلى تحملهم للظروف والمتغيرات …. كثيرا ما تُفهم أو تشير هذه المقاطع إلى الحالة النفسية المرتبكة أو الضعيفة وقد يستثمرها العدو في إعلامه أو عبر الشبكات الاجتماعية نفسها..

لذا نحن نحتاج أن يدرك العسكريون وهم في الجبهات أن رسائلهم التي تصل لعامة الناس يجب أن تتوقف.. وإن كان ولابد فان من الضروري أن يتم التحكم بكثير منها مع إمكانية عقد دورات مهارية تهتم بعلاقة الصورة بطبيعة الحالة النفسية وانعكاساتها..

مع فارق التشبيه الكل يتذكر كيف أسقطت الكاميرات الشخصية الحالة الأخلاقية للجيش الأمريكي في سجن أبو غريب لتكشف الجرائم البشعة التي كانت ترتكب داخل السجن ….

اطلعنا على الكثير من الفيديوهات التي تنقل حال بعض جنودنا.. بعض هذه الفيديوهات ليس من المصلحة نشرها..

مثلا بعضها يوحي بأنهم لا يملكون ما يكفيهم من الطعام وبعضها تشعر بأن أصحابها حالتهم النفسية متعبة وأخرى تنقل حالة من عدم الجاهزية أو الكفاءة.. الخ

من جانب آخر تم استثمار الشبكات باستضافة بعض الرموز من مثل ماجد ال الصباح وفقا لتوجيهات رسمية حيث تجول في عدد من المناطق ونقل الكثير من الصور من داخل الغرف والخنادق والجبهة؛ وبرغم أنها جزء من متطلبات العملية الإعلامية لكن كان يفترض مع وجود هذه الشبكات أن يتم انشاء مجموعة حسابات أحدها يختص بالعمليات الجوية وآخر بالدفاع الجوي وآخر بالعمليات البرية وهكذا.

هذه الحسابات ينبغي أن تقدم الكثير من المعلومات والأخبار والقصص الإخبارية المعدة باحتراف بحيث يتوقع أن يكون لها أثر في صناعة صورة ذهنية جديرة بالتقدير نحو جنودنا وجيشنا الباسل …كما يمكن أن تكون الأداة التي تنشر بعض ما يود جنودنا إيصاله للجمهور.

وأضاف د. المحيا أن من الجوانب المهمة في الاعلام العسكري هو ما تقوم به وسائل الإعلام غير الرسمية وفي الواقع يعد هذا أهم وأكثر مهنية وأفضل في إبلاغ الرسائل وإيصالها للعدو وللجمهور عامة وللجنود في الجبهات لمن تتاح لهم فرصة مشاهدة ذلك أو الاطلاع عليه؛ فالعربية والجزيرة أبليا بلاء حسنا في مناصرة عاصفة الحزم والتعريف بجهد جنودنا القتالي وقد تفوقت العربية في بيان ما يقوم به جيشنا على الحد الجنوبي في حين تفوقت الجزيرة في رصد أداء قوات التحالف على الأرض اليمنية وما تقوم به المقاومة والجيش اليمني ضد الانقلابيين مع اتفاقهما في نقل كثير من الأخبار من داخل اليمن .

وبرغم أن إدارة عمليات التحالف تتم من داخل المملكة إلا أن إعلامنا لم يقم أو لم يحصل على فرصة تحليل مواد فيديو القصف اليومية وهي مواد خبرية مثيرة خاصة حين يتم الحصول على مواد فيديو واقعية لما سيتم قصفه وأيضا لحاله بعد القصف.. إنها مواد تحمل الكثير من الاقناع بقوة ودقة الأهداف الحربية التي تستهدفها طائرات التحالف ومثلها فيديوهات ما يجري على الحد الجنوبي وهي مواد يمكن لإعلامنا الحصول على كثير منها يوميا.. ويبدو أن تقصير إعلامنا جعل المسؤول في المؤسسة العسكرية يرغب في أن يقوم بعض مذيعي البرامج الإخبارية لزيارة المنطقة ونقل ما يجري فيها حيث تمت دعوة برنامج أكشن يا دوري مثلا، وجميل أن يسافر أ. وليد الفراج ويتحمل عناء الزيارة في مكان يعد خطرا حيث أن عددا من المواقع هي في مرمى العدو، وقد قدم ما سجله في عدة حلقات كانت جيدة في جملتها إذ أشعرت الجنود والضباط وفقا لتصريحاتهم بالسرور والسعادة ؛ لكن مثل هذه التغطية كانت تتسم بالارتجال وباستفزاز بعض الجنود والضباط فمثلا كان يسأل الضابط عن من يشجع فيرد أن هذا المكان ليس مكان كورة، فيصر الفراج على أن يبوح بذلك وتحت الضغط يفصح عن انتمائه والحقيقة أن الجندي أو الضابط أمام الجمهور هو رمز كبير والحديث عن انتمائه يسهم في إضعاف مكانته وفي تأطيره وعزله بوصفه منتم لناد قد لا يحبه بعض الجمهور هذا وغيره من المواد كانت تتم بعيدا عن عين المسؤول في إدارة العمليات العسكرية ؛ إذ الأصل أن تتم وفقا لرؤيتهم وأن لا يتم نشر أي لقطة إلا بموافقتهم لخطورة ذلك تماما كنا تفعل القوات الأمريكية مثلا مع الإعلاميين.

وعلقت أ. هيا السهلي على ما طرحه د. مساعد بالقول بأن الصور التي تداولتها قنوات التواصل من تصوير بعض الجنود توحي ضعفا وانكسار، لذا لابد من إعلام حربي يتحكم ويدير ما يتداوله الإعلام، فلا يغيب عن البال الإدارة التي أنشأتها القوات الأمريكية في غزوه للعراق عام ٢٠٠٣ حيث ضمت ٥٠٠ صحفي ٣٨٠ منهم أمريكان والبقية من دول أخرى.. ويرافق المراسلين عسكر أمريكان يتحكموا في توجيه الكاميرا والصور الملتقطة والمسموح بها، ولا تجاز التقارير قبل مرورها من هذه الإدارة.. لذا أحكم التحالف الأمريكي قبضته الإعلامية في سقوط بغداد وصدام، وخلقت الصورة الصادمة لسقوطه حينما بثتها CNN وكيف صورت سقوط تمثال صدام من الزاوية التي تخدمهم.

  • هل يختلف إعلام الحرب عن حرب الإعلام؟

تساءل أ.د. عبدالرحمن العناد: هل يختلف إعلام الحرب عن حرب الإعلام؟ ومن جانبه أوضح د. إبراهيم البعيز أن إعلام الحرب يختص بالأخبار والتحقيقات والتقارير الموسعة حول المعارك الدائرة. فالحرب الإعلامية هي التي تكون في حالات الخلافات والصراعات السياسية التي لم تصل إلى حروب مسلحة.

ومن أشهر الحروب الإعلامية تلك التي كانت خلال الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي وتمثل ذلك في إذاعة أوروبا الحرة Radio Free Europe الموجهة إلى أوروبا الشرقية وإذاعة الحرية Radio Liberty الموجهة إلى الاتحاد السوفيتي. هاتان الإذاعتان كانتا بتمويل سري من الاستخبارات الأمريكية CIA، وإقليميا كانت الحرب الإعلامية في الستينيات بين مصر والمملكة، ويضاف إلى ذلك الإذاعات السرية الموجهة مثل تلك التي كان يستخدمها النظام العراقي ضد المملكة.

وأضافت أ. مها عقيل أنه عندما تغيب التقارير الإعلامية الميدانية المحايدة والمهنية تنتشر الإشاعات والتكهنات. وعندما تكثر التقارير الحربية الترويجية تفقد مصداقيتها وتزيد التأويلات.

  • الكفاءة المهنية والصورة النمطية وعلاقتهما بالإعلام الحربي

عرض د. عبدالله بن ناصر الحمود لهذه القضية من خلال تناول محورين أساسيين:

  • أولا: علاقة الكفاءة المهنية بالإعلام الحربي

يحتاج كل عمل إعلامي كفاءة مهنية عالية ليكون مؤثرا وفعالا. ويشمل ذلك مهنية الكوادر البشرية، وملاءمة التجهيزات الفنية والإنتاجية لمتطلبات المهنة، إضافة إلى الكفاءة العالية في إدارة المؤسسة أو الوسيلة الإعلامية.

ويحتاج “الإعلام الحربي” إلى قدر عال من الكفاءة المهنية بشكل خاص. ويعود ذلك لأن المجتمع يجد، غالبا، نفسه في مواجهة مع الحرب دون، بالضرورة، إشعار مسبق.  وما حصل في عاصفة الحزم دليل على ذلك.  فقد نام الناس دون هاجس الحرب، واستيقظوا على هديرها.

وبالتالي، فلا وقت ولا مجال للتفكير في رفع الكفاءة المهنية للإعلام، هكذا فجأة، فلا مجال لدورات تدريبية واختبارات وبناء منظومة مهنية، هكذا، فالفعل الإعلامي المهني المؤثر والفعال، يجب أن يكون جاهزا.

من هنا، يمكن تفسير المستوى المتردي لمساهمة إعلامنا الرسمي في حربنا مع أعداء اليمن، على الأرض اليمنية. وحتى في مناصرة قضيتنا في سوريا. فقد وجد إعلامنا نفسه بشكل مفاجئ أن عليه أن يتمتع بقدرة هائلة وفاعلة في مجالات التوعية والتعريف، بل والحرب النفسية، وتعبئة الجماهير، وأيضا بالقدر المهني دون تهويل ودون قصور.

ولأن “الكفاءة المهنية” لإعلامنا الرسمي في وضعه المعتاد ليست كفاءة معتبرة، لم يمكن تصور دور حاسم له أثناء الحرب.

لقد بدت بعض تجاربه المحدودة بالظهور متأخرة..  وبخاصة في المرئي والمسموع، ولكن جدواها دائما محل نظر.. إذا الكفاءة المهنية باعتبارها سمة من سمات الإعلام دائما، شرط من شروط فعله المهني أثناء قيام الحرب.

  • ثانيا: علاقة “الصورة النمطية” بإعلام الحرب.

تتقدم “السمعة” دائما أي جهد إنساني. وبقدر ما تكون تلك السمعة تتشكل ردات الفعل نحو الشخصية الحقيقية أو المعنوية مصدر السمعة.  وتتكون “الصور النمطية” عن الناس والأشياء تدريجيا، وتترسخ تلك الصورة نتيجة عوامل كثيرة أهمها تكرار المعاني والأفكار والسلوك في اتجاه واحد.. بمعنى “من أكثر من شيء عرف به”.

من هنا تؤثر “الصورة النمطية” عن المجتمع في وتيرة “إعلامه الحربي” حيث ينوء الإعلام الحربي هنا بكافة مكونات الصورة النمطية عن المجتمع بإنسانه، وتاريخه، وقيمه، ومبادئه، وثقافته، وعاداته، وتقاليده، وكافة أنماط علاقته بالحياة.

والمهم هنا، هو العلاقة بين اتجاهات الإعلام الآخر نحو تلك الصورة النمطية عن المجتمع عبر السنوات، وموقفه من المجتمع أثناء قيام الحروب.

ولذلك، تحتاج المجتمعات أن تتعهد “صورتها النمطية” دائما بالمراجعة و “برامج تحسين الصورة”، حتى إذا احتاجت ولاء الإعلام الآخر أثناء أزماتها تجده معها، أو على الأقل ليس مضادا حادا لها.

من هنا، يمكن تفسير الإعلام الحربي الخارجي المناوئ لنا اليوم.  فهو يتكئ على منظومة من الصور النمطية السلبية، ويعيد إنتاجها الآن في مواد إعلامية حربية.  فكل مركبات صورتنا النمطية السلبية في الخارج، هي ما يؤلمنا الآن عند توظيف الإعلام الدولي لها في معرض تناوله لحروبنا الراهنة، وهي، من باب آخر، ما يتكئ عليه خصومنا في المنطقة من حملات تشويه، بل أحيانا، من كذب وافتراء يجد آذانا صاغية نتيجة ترسخ صورة نمطية غير جيدة.

إذا، حتى يكون إعلامنا الحربي فاعلا ومؤثرا:

  • لا مناص من رفع “الكفاءة المهنية” لإعلامنا الرسمي في كل الأزمنة وتسخير ما يحتاجه لذلك دون تردد أو مواربة.
  • لا خيار لنا دون تحسين “صورتنا النمطية” في المنطقة والعالم، وتعزيز صورة إيجابية عنا.

والأهم، هو إدراك أن هذين الأمرين كليهما، لا يتحققان بالأماني ولا بالاجتهادات المؤسسة على أنصاف الحلول.  بل بالمواجهة الحقيقية لكافة متطلبات ذلك، وإجراء تغييرات حقيقية في الداخل على مستوى رؤيتنا للكون والحياة وأسلوب إدارة هذه الرؤية.

  • توصيات لتفعيل الدور النوعي للإعلام الحربي السعودي

من وجهة نظر د. إبراهيم البعيز فإنه يجب على إعلامنا عدم تجاهل الاتهامات التي توجه له من الإعلام المعادي والتي تتمترس خلف الجانب الإنساني.. بل يجب الإشارة إلى تلك الاتهامات إما بالنفي أو التوضيح من خلال لقاءات مع العسكريين وبأسلوب يبتعد عن النمطية المتبعة على غرار “صرح مصدر مسؤول”.

وتساءل د. حامد الشراري: كيف يمكن الاستفادة أو أن يُتلافى الضعف الإعلامي الحربي في اليمن – كما ذُكر- في ظل ما نشهده من استعداد المملكة في دخول حرب برية في سوريا، والتي قد تكون أكثر شراسة لتعدد الأطراف الداخلة فيها وحجم التحالف الذي تقوده المملكة، وستستخدم فيها جميع الآلات والوسائل الحربية من مادية ومعنوية وتعبوية وتوعوية وإعلامية…؟!

وقال د. مساعد المحيا: يتطلب العمل على أن لا نستنسخ تجربتنا الإعلامية التي واكبت عاصفة الحزم بحيث يكون كل محتوى ما نقدمه أن نظل نمارس دور إقناع أنفسنا بما نحن مقتنعون فيه …!!!

فليس ثمة أسوأ من أن يكون لك أداء قتالي وحربي وبكفاءة عالية وفي المقابل يخذلك إعلام لا يحمل المسؤولية الكاملة ولا يتحملها.. كذلك فمن الضروري أن يمتلك المراسل والمذيع والمخرج معرفة تخصصية وعامة حول أهمية أن تكون معلوماتهم التي يبثونها لا تضر بمصالح الوطن ولا تسيئ للمؤسسة العسكرية إذ قد يتصرف المذيع ويجتهد فيقدم معلومات تحرج الجهات المسؤولة نظرا إلى أنها مختلقة أو خاطئة أو لا ينبغي أن تبث. إننا بحاجة فعلا لمعرفة مدى وصول الرسائل التي يبثها الإعلام المحلي للجمهور ومدى قناعته بها وتأثيرها عليه عبر دراسات علمية لأن القاعدة تقول: إذا لم يسمعك أحد فأنت لم تقل شيئا.

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن المرحلة الحالية تعد من أشد المراحل التي تتطلب من جهة متخصصة أن تقدم كل ما في وسعها ومن خلال ما لديها من دعم مالي واستقلالية في العمل إذا ما تحدثنا عن أن هناك هيئة خاصة للإذاعة والتلفزيون، وأخرى للإعلام المرئي والمسموع، ومع ذلك فهي عاجزة عن تقديم ما هو مؤمل منها، وكونها تقدم مواد إخبارية أو لقاءات محدودة فلا يعني ذلك أنها أتت بما هو مطلوب منها أو منافس للآخرين.

فنحن أمام جهاز لابد أن يعي مسؤولية أننا في مرحلة حتى مسألة التغيير أضحت مفردة من الماضي، وأن التطلع والنهوض بالعمل الإعلامي المتخصص والجاد هو المطلب في هذه المرحلة. وهذا كله يعد بمثابة رسالة للعاملين في المجال الإعلامي عامة ومسؤولي وزارة الثقافة والإعلام خاصة، من أنه إذا ما استمر الحال على ما هو عليه فإن إعلامنا داخليا وخارجيا لن يكون سندا ودعما لوطن نفتخر بمعطياته كمواطنين، ما دام عطاء الإعلاميون مقصرين في نشر هذه المعطيات. في هذا العصر ونحن السعوديون نمتلك العديد من الوسائل الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية، بل والتي تعد في قمة التفوق التقني وذات التأثير على المشاهد العربي وغيره، ومع هذا للأسف لا نهتم إلا بالنشر الترفيهي والإخباري المتواضع، الأمر الذي جعل من إعلامنا يتهاوى أمام الوسائل الإعلامية الأخرى.  كيف لنا ونحن قادة الحرب الحالية، وقادة مناورة رعد الشمال القائمة، وإعلامنا ينتظر أن ينشر الآخرين عنه الأخبار.

ويعتقد د. خالد الرديعان أن قصور وزارة الإعلام يعود لسبب أنها أصبحت وزارتين: ثقافة وإعلام.. لو انحصر نشاطها في الإعلام فقط فلربما أنجزت الكثير في ظل ما هو متاح لها من إمكانات.. بنفس الوقت هي مقصرة في النشاط الثقافي الذي كانت تشرف على جزء منه في السابق الرئاسة العامة لرعاية الشباب.. ولعل فصل الثقافة عن الإعلام وبوزارة مستقلة يكون أفضل.

بينما يرى أ. أسامة كردي فيما يتعلق بالإعلام الخارجي.. أن المطلوب يتجاوز كثيرا إدارة في وزارة الإعلام بل إن الحكومة لا تصلح لهذا العمل.. المطلوب بالدرجة الأولى هو عمل مجتمع مدني.

في حين يرى أ. سعيد الزهراني أن هذه المرحلة تتطلب تدشين ما يمكن أن نطلق عليه (أنظمة المأسسة البديلة) وهي بمثابة أنظمة تقودها وتديرها منظمات حقيقية وفعلية داخل البيئات الافتراضية لتتغلغل من خلالها في نسيج الناس عبر المنصات التي تستهويها وتستأثر بوقتها وروحها ومزاجها.. وبالهوية والهوى اللذان يتماهيان معها.. أي بشروط أدوات التأثير الجديدة.. وهذه الرؤية النظرية يمكن أن تأخذ طريقها نحو التطبيق عبر نموذج مقترح يتمثل في المحاكاة والتداعي لإنتاج محتوى ما تريد المنظمات الحقيقة إيصاله عبر أنظمة المأسسة البديلة داخل البيئات الافتراضية.

وأضافت أ. هيا السهلي أن ما نحتاجه يتحدد فيما يلي:

  • توظيف ما يعرف بآلية تهييج المشاعر وهو إجراء يتم باستخدام صور حادة بهدف إثارة الرأي العام وحشده في اتجاه واحد معين، بتوسيع نشر صور الجرحى والقتلى المدنيين في اليمن من قصف الحوثي وحصاره.. هذه تغير مجريات الرأي العام العالمي والمنظمات الحقوقية التي بدأت مؤخرا تتهم السعودية بانتهاكات في حق المدنيين.
  • إيجاد إدارة للإعلام الحربي تصدر منها التقارير وتحدد أطر وضوابط لما يخرج في وسائل الإعلام كما تحدد الدائرة التي يفترض يخوض فيها المحللين العسكريين السعوديين في خروجهم لقنواتنا المحلية أو غير المحلية لاسيما هناك من التصريحات والآراء التي تحسب ضدنا أو تربك خطط عسكرية مبيت لها أو تلمح للعدو نمطية معينة في جيشنا السعودي يستطيع أن يقيس عليها العدو ويستفيد منها وخاصة عندما يخرج العسكريون المتقاعدون كخبراء ويحللوا الموقف أو يضربوا توقعاتهم.
  • أفلام وتقارير وثائقية وإخبارية على مستوى احترافي توثق الحدث بتطور مراحله الانتقالية.. ففي انتقال الحرب من عاصفة الحزم إلى إعادة الأمل لم يكن هناك إنتاج إخباري يحتوي على معلومات أو صور للتفريق بين المرحلتين وإنجاز كل مرحلة مع أنه كان هناك إيجاز عسكري يومي!

المحور الخامس

إدارة الأزمات والكوارث: المشكلات والحلول الممكنة

الورقة الرئيسة: د. عبد الله بن ناصر الحمود

قبل البدء

عندما اقترحت إدارة منتدى أسبار موضوع “الأزمات والكوارث” فإنها تدفعني بذلك للحديث عن أمرين مختلفين “الأزمات” و “الكوارث”. ففي حين درج الكثير من المهتمين على استخدام كلمة الأزمة والكارثة باعتبار أنهما يعبران عن شيء واحد، إلا أن الأمر ليس على إطلاقه. فالأزمة يمكن التنبؤ بها وتكون غالبا من صنع الإنسان. في حين تبقى الكارثة بعيدة عن التنبؤ وتنتجها الطبيعة، بأمر الله تعالى وقدره، بشكل مفاجئ غالبا.

كما أن هذه الخصائص ليست قطعية، بمعنى أنه أمكن في حالات معينة التنبؤ بكوارث كالزلازل، كما أن من الكوارث ما حدث بفعل الإنسان ككارثة سيول جدة، أو كارثة تشرنوبل، أو قنبلة هيروشيما. لكن هذا الأمر لا يؤثر كثيرا في أن هناك فروقا جوهرية بين الأزمة والكارثة.

أهم الفروق بين “الأزمة” و “الكارثة”

  • مفاجـأة الأزمة تصاعدية بينما مفاجأة الكارثة كاملة.
  • خسائر الأزمة معنوية غالبا، بينما خسائر الكارثة بشرية ومادية ومعنوية.
  • تضغط الأزمات على صانعي القرار، بينما يتفاوت مستوى ضغط الكوارث.
  • تقدم المعونات سريا خلال الأزمات، بينما تقدم علنا خلال الكوارث.
  • تتم مواجهة الأزمات داخليا، بينما تواجه الكوارث على كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.

رغم التباينات في مفاهيم وتبعات كل من “الأزمة” و”الكارثة”، إلا أن “الأزمة” هي موضوع هذه الورقة. وبالتالي أقترح تركيز الحديث والمداخلات عليها، من حيث تأثير البيروقراطية عليها، والحلول الممكنة من أجل إدارة فاعلة للأزمات حين التنبؤ بها أو حدوثها.

ويعود ذلك لاعتبارات أهمها أن مدلول “كارثة” يخص فقط الأحداث الكبرى التي ينتج عنها دمار شامل وخسائر كبرى. وهي وإن تطلبت إدارة متقدمة وفعالة، إلا أن فرضية تأثير الطبيعة عليها بقضاء الله، يقلل من حدة احتقان اتجاهات الرأي العام ضد مؤسسات المجتمع، أو اتهامها بالتقصير مقارنة بما يحدث أثناء الأزمات.  وبالتالي غالبا ما يكون الناس متعاونين جدا في مواجهة الكوارث.

أما “الأزمة” فهي أعم وأشمل من الكارثة، فالأزمة تشير إلى كل الأزمات الصغيرة والكبيرة المحلية أو الإقليمية أو الدولية، كما تعبر الأزمة، بشكل عام، عن الكارثة. وتثير الأزمات غالبا فرضية بروز اتجاهات سالبة لدى الرأي العام تجاه ما تتخذه السلطات الوطنية من إجراءات لإدارة الأزمة.

معنى “أزمة”

من الصعب إيجاد إطار موحد لما يعرف بـ “الأزمات” لاختلاف وتنوع العلوم التي تناولت هذا المفهوم. ومن أيسر مفاهيم الأزمة أنها “حالة وصول الحل لمشكلة ما إلى طريق مسدود يعيق التقدم تجاه حلها”. ولعل ذلك ينسجم مع المفهوم اللغوي للأزمة “الضيق والشدة”.

مجالات الأزمات

حدد الباحثون مجموعة من المداخل لدراسة الأزمات.

  • فالمدخل الاقتصادي، مثلا، يحدد فيه علماء الاقتصاد مفهوم الأزمة من خلال معايير مثل التضخم والبطالة والكساد وعجز الميزانية.
  • والمدخل السياسي يشير فيه علماء السياسة إلى توقف الوظيفة السياسية عن الأداء الجيد وسير الأحداث نحو التصعيد في العلاقات بين دولتين أو أكثر، أو بين المؤسسة السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع وأفراده.
  • كما أن هناك مداخل أخرى مهمة، بيئية، وتنظيمية إدارية، ومعلوماتية…

تعقيدات إدارة الأزمات

تتطلب إدارة الأزمات ضرورة أن يفكر القادة والمديرون في ما لا يفكَّر فيه عادة، وأن يتوقعوا حدوث ما لا يحدث عادة. وهذا يعني، أن يملك كل قيادي وإداري إجابة واضحة حول مسؤوليته القيادية أو الإدارية لكافة الأسئلة التي تبدأ ب “ما ذا لو”.

إن وجود “ماذا لو” واحدة دون إجابة يعني إمكانية حصول أزمة تستعصي على الحل المقبول. وتستلزم إجابة سؤال، ماذا لو، عملية الإعداد والتقدير المنظم المستمر للمشكلات الداخلية والخارجية. ومن هنا، تبرز العلاقة الوطيدة بين إدارة الأزمات، و “التخطيط الاستراتيجي”. والمدخل الاستراتيجي في إدارة الأزمات مدخل متقدم جدا، ليس الآن مجال التفصيل غيه.

“البيروقراطية” أثناء الأزمات؟

دلت الدراسات المتخصصة، كما أثبتت الملاحظة أنه من الممكن في حالات كثيرة جدا أن تكون البيروقراطية أحد أبرز عوائق المواجهة الناجعة للأزمات. وبالتالي يعجز المجتمع عن اتقاء حدوث الأزمات، وإذا حدثت فإن مواجهتها تكون غير احترافية في ظل إدارة بيروقراطية جامدة.

ويقود ذلك إلى تعقيدات في موضوع الأزمة، وتفاقمها وخروج أزمات أخرى. ومن مؤشرات ذلك:

  • نقص المعلومات في الأنظمة البيروقراطية.
  • وبالتالي شيوع المعلومات الخاطئة.
  • والتفسير الخاطئ للأمور.
  • كما تعجز البيروقراطية عن الصمود المحترف في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
  • ويتسم عدد كبير من البيروقراطيين بضعف المهارات القيادية والإدارية.
  • كما يتسم سلوكهم القيادي والإداري بالجمود والتكرار، واتخاذ الحلول السهلة.
  • وأخيرا، تعجز هذه البيئة عن مواجهة الشائعات، فيكون للشائعات تأثير قوي في ظهور الأزمات وتعقيدها.

شيء من الحلول

لا يمكن اتقاء الأزمات، ومواجهتها عند حدوثها هكذا ب “التمني” و “الطموح”، بل لا بد من عمل محترف منظم. ويتطلب ذلك:

  • الإدراك الواقعي للأزمة وتحدياتها.
  • المعرفة الكاملة بما يترتب عليها من خسائر، وتبعات.
  • الإعداد الجيد لخطة مواجهة متكاملة.
  • توافر كفاءات بشرية مؤهلة قادرة على تنفيذ الخطة بمهارة.
  • التنفيذ الدقيق للخطة وعدم وجود إخفاقات أو تراجعات في التنفيذ.

ويعد موضوع “إدارة الأزمات” من الموضوعات التي حظيت بوفرة معرفية لا بأس بها، ومن أبرز روادها جوتشوك عام 1993 الذي قدم رؤية تقوم على مبدأ “التخطيط الاستراتيجي” لمواجهة الأزمات، في مراحلها:

  • مرحلة اكتشاف إشارات الإنذار.
  • مرحلة الاستعداد والوقاية.
  • مرحلة احتواء الأضرار والحد منها.
  • مرحلة استعادة النشاط.
  • مرحلة التعلم.

حيث يمكن مواجهة الأزمات بواحدة من الاستراتيجيات التالية:

  • استراتيجية العنف في التعامل مع الأزمة.
  • استراتيجية وقف النمو.
  • استراتيجية التجزئة.
  • استراتيجية إجهاض الفكر الصانع للأزمة.
  • استراتيجية دفع الأزمة للأمام.
  • استراتيجية تغير المسار.

ولكل من هذه الاستراتيجيات أمثلة وشواهد.. نورد منها واحدا فقط..  حيث أمكن ملاحظة أن المملكة اتبعت استراتيجية إجهاض الفكر الدافع للأزمة، وذلك في مواجهة المملكة للغلو. والتطرف والانحراف الفكري. مع ملاحظة أنه تم توظيف استراتيجيات متزامنة أخرى، كالقوة في التصدي للأعمال الإرهابية، ووقف النمو حين معالجة منابع تشكل الفكر المتشدد.

وقد ساعد على تحقيق المملكة لنجاحات جيدة في هذا الصدد قدرتها على المراوحة بين الفكر الإداري البيروقراطي والإبداعي في حالات محددة. ومعظم الإخفاقات التي أمكن تسجيلها يمكن إعادتها لهيمنة البيروقراطي في حالات معينة على المبدع، حين تخطيط أو تنفيذ خطة مواجهة للأزمة.

إن عجز الأنظمة البيروقراطية عن الوفاء الكامل بمتطلبات هذه المراحل والاستراتيجيات، هو العائق الأكبر أمامها للنجاح الكامل في مواجهة الأزمة.

ومن أبرز مؤشرات ذلك موقف الرأي العام من الأزمة وأسلوب إدارتها. من هنا أورد شيئا من التفصيل في علاقة إدارة الأزمات بالرأي العام.

الأزمات والرأي العام

تعد الأزمات مادة خصبة وثرية لتشكل الرأي العام. فللأزمات خصائص متعلقة بالرأي العام منها:

  • الأزمات جوهر الأخبار المؤثرة وتحظى بمساحات واسعة في وسائل الإعلام.
  • الدراسات العربية المتعلقة بهذا الجانب لم تظهر بشكل ملحوظ إلا في الثمانينات من القرن الماضي.
  • يتم التناول الإعلامي للأزمات من خلال استخدام الحملات الإعلامية المكثفة للقضاء على الظاهرة، أو الإعلام والتوجيه الصحيح لمعالجة هذه الأزمة.
  • قد تؤدي وسائل الإعلام دورا سلبيا في معالجة الأزمة عن طريق التعتيم الإعلامي القائم على التجاهل التام للأخبار. ويتم هذا التجاهل بصورتين هما:
  • تجاهل وتعتيم كلي، ويتم بعزل الرأي العام عن أحداثها عزلا تاما.
  • تجاهل وتعتيم جزئي، ويتم بإعلام أحد أطراف الأزمة وتجاهل الطرف الآخر.

ويمر تعريف الرأي العام بالأزمات، بثلاث مراحل:

  • أولا: مرحلة نشر المعلومات، وتكون هذه المرحلة في بداية الأزمة، لمواكبة رغبة الرأي العام في المعرفة.
  • ثانيا: مرحلة تفسير المعلومات، وفيها يتم تحليل عناصر الأزمة، والبحث في جذورها وأسبابها ومقارنتها بأزمات أخرى، وفي هذه المرحلة  تبرز أهمية تحليلات وأراء الخبراء وموقف المسؤولين، وصانعي القرار تجاه الأزمة.
  • ثالثا: المرحلة الوقائية، وهي مرحلة ما بعد الأزمة. لا يتم الاقتصار على مجرد تفسير الأزمة والتعامل معها، بل يتخطى ذلك إلى التعامل  مع طرق الوقاية، وتعريف الرأي العام بالتعامل معها ومع أزمات مشابهة، قد تحدث في المستقبل.

الحل الأكبر

يكمن الحل الأكبر في مواجهة الأزمات بالتخلي عن نمطية العمل وفق منظومة بيروقراطية تقليدية، والنزوع نحو الإدارة الإبداعية. ويقتضي ذلك التخلي عن الركون للأبعاد الشخصية في فهم ومواجهة الأزمات إلى الأبعاد المعرفية المهنية المعتبرة، والاحتكام إليها.

التعقيب الأول: د.م. نصر الصحاف

تضمنت الورقة الرئيسة تعريف الأزمات كلحظة حرجة ونقطة تحوّل مؤدية إلى أوضاع جديدة تتسم بعدم الاستقرار في وقت قصير مما يستلزم مهارة عالية لإدارتها والتصدي لها. غير أن ذلك ليس بالأمر المتاح في كل الأوقات، فعادة ما يكون أثناء الأزمة أن الأطراف المعنية غير مستعدة أو غير قادرة على المواجهة.

سأبدأ من حيث انتهت الورقة الرئيسة بذكر أساليب حل الأزمات بالطرق التقليدية كاستراتيجيات مواجهة للأزمات ولكن بحكم تخصصي سأركز على متطلبات إدارة الأزمات باستخدام نظم المعلومات الجغرافية.

ولكن قبل هذا لنستعيد الخلفية التاريخية لمصطلح الأزمات. باختصار شديد نجد أنه قديم جداً وترجع أصوله إلى الطب الإغريقي وتعني نقطة تحول أو لحظة قرار حاسم في حياة المريض. تم استخدام هذا المصطلح في القرن السادس عشر في المعاجم الطبية ومن ثم أقتبس في القرن السابع عشر للدلالة على ارتفاع درجة التوتر في العلاقة السياسية بين جهاز الدولة والكنيسة وبحلول القرن التاسع عشر تواتر استخدامه للدلالة على ظهور لحظات تحوّل فاصلة في تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (ويكيبيديا).

بعد ذلك استخدم المصطلح في مختلف أفرع العلوم الانسانية وبات يعني مجموعة الظروف والأحداث المفاجئة والتي تنطوي على تهديد واضح.

مسببات الأزمات:

أخطاء بشرية وإدارية تقع بسبب غياب القاعدة التنظيمية للتخطيط، كالإنارة العشوائية الارتجالية وغياب النظرة العلمية الاستراتيجية مما ينتج عنه تجسيد للتسيب وإشاعة الصراع ما بين الإدارة ومصالح العاملين. كذلك عدم وضوح الأهداف وعدم وضوح الأولويات المطلوب تحقيقها وعدم استيعاب العاملين بما هو مطلوب منهم وافتقار المنظمة للخطط المستقبلية وأخيراً القيادة الإدارية غير الملائمة داخل المنظومة.

وأسباب أخرى مثل الكوارث الطبيعية التي يصعب التكهن بها، والشائعات إن وظفت مقترنة بحقائق ملموسة وبأسلوب متعمد ومضلل وفي توقيت ملائم وبيئة محددة.

يعتبر سوء الفهم أحد أهم المسببات للأزمات لأنها تكون عنيفة ولكن مواجهتها تكون أسهل وذلك لأنها تكون بسبب نقص في المعلومات والتسرع في إصدار القرارات.

التخطيط لمواجهة الأزمات يعتبر متطلب أساس لإدارة الأزمات بالتدريب على التخطيط للأزمات لمنع حدوثها أو التقليل من آثارها وتلافي عنصر المفاجئة المصاحب بإجراء رد فعل منظم وفعّال لمواجهة الأزمة بكفاءة.

أحد أهم الوسائل الهامة المتاحة في الدول المتقدمة لإدارة الكوارث والأزمات هو توافر المعلومات والبيانات والإنذار المبكر. تقنية نظم المعلومات الجغرافية هي أحد أهم وسائل دعم اتخاذ القرار في معظم المجالات، فعلى سبيل المثال يمكن الاستفادة من بناء نظام معلومات جغرافي متكامل للإنذار المبكر والتنبؤ بمخاطر السيول وأخطارها كمشكلة بيئية طبيعية في المملكة خاصة. وكذلك نظام تتبع المركبات لأجهزة الدفاع المدني بحيث يربط نظام المعلومات الجغرافي حركة كل سيارة إطفاء أو إسعاف على سبيل المثال بمركز التحكم والسيطرة ليوجهوا المسعف إلى أسرع طريق وأقرب مستشفى تفادياً للازدحام. وكذلك وجود أكثر من خبير ومتخصص في مختلف المجالات لتحديد التصرف السليم والمطلوب لكل عامل في فريق العمل من الكوادر المتخصصة والمهيئة لمواجهة الأزمات والطوارئ. فالإنسان هو أهم مورد فلا يوجد بديل عن الأشخاص الأكفاء ذوي الخبرات العالية للتصرف السريع في إيجاد الحلول الناجعة للأزمات. واختتم بإيجاز جيري سيكيتش عن أهمية تخطيط إدارة الأزمات في كتابه (كافة المخاطر): لا تختبر الإدارة جيداً إلا في وقت الأزمات!!

التعقيب الثاني: د. فايز الشهري

سأحاول أن أركز على جوانب توظيف الإعلام التقليدي والجديد في إدارة الأزمات من منظور الدولة والمؤسسات الكبرى. من وجهة نظري أن إدارة الأزمة – بشكل عام- هي توفير القدرات والإمكانات وإعداد المؤسسة بما في ذلك مرونة القرار لإدارة ما لا يتوقع manage the unexpected)).  ومن الثابت في الإدارة العربية عموما أن إدارة الأزمات ظلت مجالا متروكا لتراكمات التجربة وممارسات الخبراء ردحا من الزمن.

ومع أن إدارة الأزمات وفي قلبها الإعلام باتت اليوم علما له أصوله وقواعده في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية وحتى ما بات يعرف بالأزمة الإعلامية. وهنا وفي مجال الإعلام – موضوع قضيتنا-أصبحت مصطلحات مثل إعلام الأزمة وإدارة الأزمة بالإعلام رائجة وممارسة بشكل واسع ما جعلها تنتقل من ميدان التجربة لتأخذ حيزا من الاهتمام العلمي في مرجعيات الفكر الإداري المعاصر خاصة مع ازدياد تغلغل وسائل الاتصال في حياة مجتمعات اليوم.

وحيث استقرت الأدبيات الإعلامية والإدارية قبلها عند سلة مفاهيم تقليدية لإدارة الأزمة إلا أن حضور شبكة الإنترنت في حياة مجتمعات اليوم أعاد النقاش حول الدور والوسائل والإدارة الفعالة للأزمة. ومن هنا فإن خطط وسيناريوهات الإدارة الإعلامية للأزمة في عالم اليوم باتت تركز بشكل كبير على فرص وتحديات الشبكة المعلوماتية والوسائط والخدمات المصاحبة لها ضمن مرتكزات إدارة الأزمة إعلاميا.

وبشكل عام يمكن القول إنه حتى اليوم ظلت معظم محاولات توظيف الإنترنت كوسيلة ضمن الوسائل لإدارة الأزمة تركز على المفاهيم التقليدية للعملية الاتصالية بوصف المؤسسة الكبرى تهيمن (بشكل مباشر أو غير مباشر) على المؤسسة الإعلامية ويمكنها التحكم في محتواها.

ولهذا فإن من غلبت عليهم هذه النظرة ولم يعوا إمكانات شبكة الإنترنت وخدماتها الاتصالية في توسيع دائرة الأزمة وتحفيز شرائح مستخدمي الشبكة العنكبوتية ليكونوا جزءا من المشكلة لم يتأملوا جيدا مفاعيل الإنترنت في المجتمعات العربية وشبابها على وجه الخصوص خلال الفترة 2011-2014م.  وفي ضوء أهمية دور الإنترنت وخدماتها عندما تنشب أزمة (إعلامية) يظهر السؤال كيف يمكن استخدام الإنترنت لتتكامل مع غيرها من الوسائل لتعزيز الرسائل الإيجابية والتعامل مع الأزمة بالطرق الملائمة؟  ومن جهة أخرى يأتي سؤال كبير مهم فحواه كيف يمكن التعامل مع أزمات منشؤها (أصلا) شبكة الإنترنت؟

ومن هنا فإني آمل من المختصين والخبراء وضع هذه الاعتبارات في موضعها مع تصديهم لتحليل أثر الإعلام في تقوية أو تهدئة عناصر الأزمة وما هي العوامل المؤثرة والمتأثرة اتصاليا وإعلاميا في جهود معالجة أو تأزيم الأزمة في مختلف مراحلها. فالشبكة – من جهة – يمكن أن تكون قناة معلومات واتصال مرنة فيما بين فريق إدارة الأزمة والفرق المعاونة من جهة ويمكن أن توظف بمهارة كوسيط (معلوماتي إقناعي) فعال مع الجماهير. ولا ينبغي ونحن نتجه هذا الاتجاه عدم إغفال أن الإنترنت نشأت وستبقى وسيلة حرّة متاحة للجميع بمن فيهم مثيري الأزمة الذين أثبتت التجارب مهارتهم في استغلالها وزيادة تأزيم الوضع وافتعال المزيد من الأزمات الجديدة. وفي خاتمة التعقيب أطرح التساؤلات التالية لدعم فتح محاور للموضوع خارج إطاره الأكاديمي ومن ذلك:

  • هل الإدارة الإعلامية للأزمات هي أفضل السبل لمواجهتها كما هو الحال في بعض المؤسسات؟
  • هل يمكن أن يكون فريق إدارة الأزمة إعلاميا ضمن النشاط الإداري للمؤسسة؟
  • هل يملك فريق إدارة الأزمة خططا لإدارة الأزمات إعلاميا أم يظل في دائرة ردود الأفعال؟

المداخلات حول قضية: (إدارة الأزمات والكوارث)

  • التداخل بين مفهومي الأزمة والكارثة وأمثلة واقعية

أوضح د. مساعد المحيا أنه ثمة تداخل بين مفهومي الأزمة والكارثة وهو وارد جدا، والأمور قد تكون نسبية فربما يكون سقوط طائرة مثلا يمثل أزمة لدى شركة وبيئة معينة في حين تكون كارثة كبيرة لدى شركة أخرى. ومن هنا فالحلول لكل منهما ترتبط بطبيعة حجم الجمهور الذي تتعلق به هذه الأزمة أو الكارثة.

ومن جانبه أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن الأزمة والكارثة كلاهما أمران اعتادت البشرية في نشؤها بين وقت وآخر، وذلك بصفة دورية الطبيعية منها وغير الطبيعية، وأن الأمر دوماً يتطلب تجاوزهما بتوافر الحلول أو العلاج تفادياً لمضارهما، والأزمة تعني الشدة والقحط، وتكمن البراعة هنا في تصور إمكانية تحويل الأزمة وما تحمله من مخاطر إلى فرصة لإطلاق القدرات الإبداعية التي تستثمر الأزمة كفرصة لإعادة صياغة الظروف وإيجاد الحلول السديدة.

كما يعرف قاموس رندام الأزمة بأنها ظرف انتقالي يتسم بعدم التوازن ويمثل نقطة تحول تحدد في ضوئها أحداث المستقبل التي تؤدي إلى تغيير كبير، أما الكارثة من كرث، بمعنى الغم، يقال فلان اشتد عليه وبلغ منه المشقة، والكارث هو الأمر المسبب للغم الشديد. أما قاموس أكسفورد، فقد عرف الكارثة بأنها حدث يسبب دماراً واسعا ومعاناة عميقة، وهي سوء حظ عظيم. كذلك، فإن الكارثة هي من أحد أكثر المفاهيم التصاقا بالأزمات، وقد ينجم عنها أزمة، ولكنها لا تكون هي أزمة بحد ذاتها، وتعبر الكارثة عن حالة مدمرة حدثت فعلا ونجم عنها ضرر في الأرواح أو الماديات أو كليهما. وعرفها البعض بأنها حدث مروع يصيب قطاعا من المجتمع أو المجتمع بأكمله بمخاطر شديدة وخسائر مادية وبشرية، ويؤدي إلى ارتباك وخلل وعجز في التنظيمات الاجتماعية في سرعة الإعداد للمواجهة، وتعم الفوضى في الأداء على مختلف المستويات.

وتتعدد أسباب الكوارث، فتكون طبيعية مثل: الزلازل والبراكين والحرائق الطبيعية، أو تكون بشرية مثل الصراعات الإدارية، أو تعدد المشكلات وتراكمها في كيان تنظيمي، وقد تكون صناعية ناتجة عن استخدام معدات تكنولوجية وأجهزة صناعية متخلفة.

وحدد د. سعد الشهراني أوجه الشبه والتباين بين كل من الأزمة والكارثة في النقاط التالية:

  • بين الكارثة والأزمة خصائص مشتركة لعل أهمها أنهما تتطلبان جهودا وأداء مختلفا عن الأداء في الأحوال العادية بسبب المفاجأة وكثافة الأحداث وتتابعها والآثار والخسائر الواقعة والمحتملة في وقت قصير.
  • الأزمة يكون لها في معظم الأحيان طابع سياسي واستراتيجي إذا كانت على مستوى الدولة أو تتعلق بإحدى وظائفها داخليا أو خارجيا. (وإن حدثت في منظمة أدني من الدولة فقد تربك المنظمة وتعصف بمصالحها وتؤدي إلى انهيارها).
  • المحتوى السياسي والاستراتيجي للكارثة ليس بنفس القدر.
  • ومع ذلك وبسبب الفشل في إدارة أي منهما فإن الأزمة قد تتحول إلى كارثة أو سلسلة كوارث والكارثة قد تتحول إلى أزمة تعصف بالنظام الذي وقعت فيه.
  • حجم الكارثة وحدة الأزمة يعتمدان على حجم الخسائر البشرية والمادية والمعنوية الواقعة والمتوقعة.
  • إحدى أهم وظائف أجهزة الدولة المعاصرة منع الأزمات والكوارث قبل وقوعهما ورفع مستوى الجاهزية للتعامل الفعال معهما بعد وقوعهما وأي جهاز حكومي لا يقوم بهذه الوظيفة قد يتسبب في أزمة أو كارثة ولن يسهم إسهاما فعالا في منع أي منهما ولا في مواجهتهما بعد وقوعهما.
  • الفرضيات والتمارين الدورية المشتركة هي السبيل الأفضل لرفع أداء الأجهزة الحكومية.
  • من الأزمات ذات الطابع الأمني السياسي التي مرت بالمملكة منذ نشأتها:

1) الأزمات مع حكومات اليمن الملكية والجمهورية بسبب أوضاع اليمن الشمالي منذ حرب عام 1353(١٩٣٤م!) مرورا بالفترة الانقلابية بعد عام 1962 م ومع الحكومة الماركسية (!) في اليمن الجنوبي (حرب الوديعة) ثم خلال فترة حكم ضابط الصف صالح والوحدة المصطنعة وأخيرا الربيع العربي وتداعياته وحرب التحرير الحالية (نحن واليمن في حاوية استراتيجية وسياسية واحدة لا مفر لنا منه ولا مفر له منا.

الحل يكمن في دمج اليمن سياسيا واقتصاديا في اقتصاد وسياسة وأمن الخليج العربي والجزيرة العربية من البحر إلى البحر ولكن هذا موضوع آخر).

2)أزمات الفترة الثورية والقومية منذ ثورة الزعيم في سوريا مرورا بالفترة الناصرية وديماغوجية القذافي والبعث وأسده وصدامه وعفلقه.

3) أزمة الاعتداء على الحرم في مستهل القرن الهجري الحالي وما تبعها من أزمات مع التطرف والتشدد والارهاب والقاعدة والآن داعش.

4) أزمة احتلال صدام للكويت.

5) الحوادث والكوارث المرتبطة بالحج.

6) الأزمات والكوارث الطبيعية والصحية مثل كوارث السيول وحمى الوادي المتصدع وكورونا وغيرها.

7) الأزمات الاقتصادية منذ نشوء الدولة، وكلها مرتبطة إلى حد كبير بالمالية العامة منذ الاشكاليات الاقتصادية قبيل ومع بداية اكتشاف النفط أثناء وبعيد الحرب العالمية الثانية ثم أزمة المالية العامة في أواسط السبعينات الهجرية من القرن الماضي ثم أزمة الدين العام التي استمرت أكثر من عقدين من الزمان (1403 إلى 1424 تقريبا) وأخيرا الأزمة المالية الحالية التي لم تصل ونرجو ألا تصل إلى ذروتها.

وقالت أ. ندى القنيبط في سياق التطرق لبعض الأمثلة العملية في مجال إدارة الأزمات والكوارث: من خلال خبرت عملي مع مجموعةHSBC-SABB، كان لدينا ٣ خطط في إدارة الأزمات والكوارث، حيث يتوجب علينا التدريب عليها وتطبيقها باعتبارنا قطاع مالي فكان من المفترض عند حدوث أي نوع من الأزمات أن يكون لدينا الخطط التي نتبعها لكي يتم إعادة العمل خلال ٣ ساعات!!! حصل حريق في المبنى الذي نعمل فيه وبالتخصيص قسم الحوالات وكنت المسئولة عنه في ذلك الوقت..  وبالفعل استطعنا أنا والفريق من إعادة العمل من مبنى آخر حسب الخطط التي تم التدريب عليها.

ونخلص مما سبق، إلى أن وجود خطة واضحة وموزعة المسئوليات حسب الأعمال والصلاحيات المحددة لكل عمل وممارسة الخطط التجريبية وقياس الزمن، فالتنظيم والتخطيط الصحيح من شأنه تقليص الخسائر والنتائج السلبية في الأنفس البشرية والممتلكات. إن القطاعات الأخرى تفتقد بصورة عامة للخطط الوقائية والتدريب عليها لكن وجودها يجعلنا نسيطر على الوضع وإنهاء المشكلة.

ومن جانبها تطرقت د. فاطمة القرني إلى مثال آخر مهم في سياق الحديث عن التجربة السعودية في إدارة الأزمات والكوارث ؛ حيث أشارت إلى أنه تم استحداث الإدارة العامة للأمن والسلامة في وزارة التعليم عام 1433هـ، وتضمنت ابتداءً قسمين رئيسين هما: إدارة الطوارئ، وإدارة السلامة المدرسية، وتطلب تشعب ما يتوليانه من مسؤوليات إنشاء قسم ثالث تحت اسم: إدارة الأمن المدرسي، وفيما ينصب اهتمام إدارة الطوارئ على العناية بكل ما يتعلق بالأزمات الأمنية الطارئة، وكذلك الطبيعية المتعلقة بالتقلبات المناخية على مستوى الاستعداد لها ووضع خطط واستراتيجيات لمعالجتها، وتدريب العاملين في قطاعات التعليم على مواجهتها، يتركز اهتمام إدارة السلامة المدرسية على كل ما يتعلق بصلاحية المباني التعليمية وتحقيقها لاشتراطات الأمن والسلامة المعتمدة دولياً والقيام بالجولات الميدانية التي تتتبع ما هو ماثل في واقع تلك المباني والمنشآت ومن ثم الرفع للوزارة بأوجه القصور ومقترحات المعالجة، أما إدارة الأمن المدرسي فهي كما يتضح من تسميتها معنيةٌ بالجانب الأمني المباشر للطلاب والطالبات ومنسوبي القطاعات التعليمية في مختلف المراحل كما تؤدي دوراً إشرافياً وتنسيقياً ما بين الإدارتين السابقتين وما يسهم في أداء الموكل إليهما من مهام من القطاعات الحكومية الأخرى ذات العلاقة كوزارة الداخلية والهلال الأحمر والدفاع المدني وغيرها، ولا شك أن المطلع على تفاصيل مهام هذه الإدارات الثلاث سيجد أن مواجهة التغيرات المناخية كالأمطار والعواصف الترابية مما يندرج تحت تلك المهام والمسؤوليات بالتعاون مع الجهات المعنية خارج وزارة التعليم، إلا أن الارتباك الذي يحدث في كل موسم أمطار أو غبار في مختلف المناطق وفي مقدمتها الرياض فيما يتصل بـ “تعليق الدراسة” يستدعي التساؤل، وتزداد دواعي العجب هنا حين نجد أن وزارة الداخلية قد اعتمدت آلية لتنظيم تعليق الدراسة في مختلف المؤسسات التعليمية وأعلن عنها في 22/5/1434هـ، وهي موجودة بتفاصيلها في الموقع الإلكتروني لوزارة التعليم ومعمَمة على جميع إدارات التعليم العام والعالي، الحكومي والأهلي في مختلف مدننا ومحافظاتنا، ويتصدر الأهداف الخمسة لإعداد هذه الآلية هدفان في غاية الأهمية هما :

  • توحيد الإجراءات والحد من الازدواجية في اتخاذ القرار أو الاجتهاد فيما يتعلق بالعوامل التي تستدعي تعليق الدراسة وتحديد المسؤولية في اتخاذ القرار بمشاركة الجهات المختصة كالدفاع المدني وهيئة الأرصاد وحماية البيئة.
  • الحد من الشائعات التي تنتشر قبيل تقلب الأحوال الجوية التي تُبث عبر وسائل الإعلام المختلف عن تعليق الدراسة.

وبتأمل واقع الحال (الذي لا يسر) في الأسابيع القليلة الماضية سنجد أنه لا توحيداً منظماً للإجراءات ولا منعاً فعلياً للازدواجية في اتخاذ القرار ولا تحديداً بيناً لمبررات التعليق ومن ثم لا حدَ لسيول الشائعات التي أخذت تنهمر من كل منفذ في مواقع التواصل الاجتماعي!!.. يحدث هذا مع أن هيئة الأرصاد وحماية البيئة وكذلك الدفاع المدني مبادران في التبليغ الإلكتروني الاستباقي لمختلف جهاتنا العشر والقائمين على التعليم فيها بتوقعات التقلبات الجوية والمحاذير والأخطار التي تنتج عنها والتي من شأنها أن تتعاظم في حال اكتظاظ المدارس والمعاهد والجامعات بالطلاب والطالبات والهيئات التعليمية والإدارية.. فأين مكمن الخلل والعلة؟؟!

إن كل ما تضمنته تلك الآلية من تفصيلات وإيضاحات وإجراءات في غاية الضرورة والإيجابية في آن تكاد تفقد جدواها بسبب البيروقراطية الثقيلة التي تعتمدها وزارة التعليم في عملية التنفيذ نفسها وذلك بكونها تتفرد في اتخاذ القرار بمركزية معيقة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ مع أن تنظيم الآلية الذي أشرت إليه آنفا يمنح إدارات التعليم في المناطق صلاحية اتخاذ القرار باعتماد من سمو وزير الداخلية!

ويكفي أن نلحظ كيف ظل الناس في عدد من المناطق على جدل متواصل مع مديري إدارات التعليم فيها (فيه تعليق وللا مافيه؟!) إلى أن يأتي القول الفصل في وقت متأخر من الليل في موقع الوزارة أو من قبل الوزير نفسه!

على مدى سنوات متتالية تكرر من قبل الشورى الرفع بتوصية ترى ضرورة (منح إدارات التربية والتعليم الاستقلال الإداري والمالي عن الـــوزارة) ومع ما لهذه التوصية من إيجابيـــات لا حــدَ لها إلا أن تعــذُر أو” تَعسُّـر” إنفاذها حالياً لا يمنع من أن تُقصر على الصيغة التالية (منح إدارات التعليم الاستقلال الإداري عن الوزارة في حال الطوارئ المتعلقة بالكوارث الطبيعية) بل وحتى الأزمات الأمنية المباغتة.

إن مثل هذا الاستقلال لن يجرد الوزارة من مسؤولية الإشراف العام على تلك الإدارات، ولن يجعل إدارات التعليم في المناطق والمحافظات تعمل بمعزل عن وزارة الداخلية والدفاع المدني والهلال الأحمر وغيرها من جهات ذات علاقة مباشرة بمعالجة مثل تلك الطوارئ، بل على العكس سيكون للأمر مردوده الإيجابي البيِن في جوانب كثيرة منها:

  • سرعة التعامل مع حالات الطوارئ تلك وفق المناسب لكل منطقة، بل ولكل حي في كل مدينة، فقد تتأثر مناطق سكنية بالأمطار أكثر مما عداهـا في المدينة نفسهــا فلمَ تُعطَّل الحركة التعليمية بشــكل عــام حين لا يستدعي الأمر ذلك، ومدينة باتساع مدينة الرياض تجسد ما أعنيه واقعاً لهذا التباين، وسرعة التعامل هذه ستحد من نسبة الأضرار المادية، وستحمي بإذن الله من وقوع الضحايا.
  • سيكون في هذا بالفعل حدٌّ وقطعٌ للشائعات المربكة علمياً واجتماعياً بل “ووطنياً”، ولعل كثيرين قد بلغتهم بعض المقاطع المرئية والصوتية ورسائل الواتس والتغريدات التي تتم فيها المقارنة بين مناطق المملكة وكأن هناك تصنيف فئوي للمناطق وساكنيها من حيث الأهمية وضرورة الحماية درجة أولى.. ثانية.. وثالثة.. إلخ.
  • هذه الاستقلالية ستتيح لمدراء التعليم فرصة التصرف بما يعوض عن أيام التعليق كأنْ يتم الدوام المدرسي على فترتين في الأحياء غير المتضررة والتي لم تنقطع فيها الدراسة أو يُعوَّض عن أيام الانقطاع بالدوام أيام السبت، وفي هذا استعادة لهيبة التعليم ومكانته واستمرارية للحراك العلمي بما لا يخل بالجودة في أداء المعلم وفي تمكن الطالب من الاستيعاب وهذا ما يحدث نظراً للانقطاع المتكرر حالياً للأسف، وعملية التعويض هذه لم يزل معمولاً بها في كثير من الدول المجاورة لنا، ولو لم يكن لعملية التعليق العشوائية هذه إلا كونها غرست في نشئنا إحساس الاستهانة بالمدرسة، وتصويرها بمثابة العبء الثقيل الذي نتحيَن ما وسعتنا الحيلُ السُّـبلَ للتحلل والهروب منه …. لو لم يكن لها من أثر سلبي إلاَ هذا لكفاها استحقاقاً للمراجعة ومعاودة النظر!!.
  • الدروس المستفادة من الأزمات وكيفية إدارتها

أكدت د. أروى أخضر على أهمية إدارة الأزمات في حياتنا اليومية وخصوصا بيئة العمل، فكثيرا ما تكون هناك نزاعات داخل المؤسسات والمنظمات وخصوصا لدى القيادات العليا لكل منظمة وتتعدد الأسباب في ذلك منها عدم التجانس بين الأفراد إما في التخصصات أو المؤهلات أو غياب الأنظمة واللوائح المنظمة للعمل كالتوصيل الوظيفي وغيره أو التصرف بما يخالف المطلوب كالأخطاء الإدارية بالقرارات أو التوجيهات مما ينتج عنها العديد من المشكلات والتي تتحول إلى أزمات تهدد كيان هذه المنظمة. ولحل مثل هذه الأزمات اليومية بالعمل هناك عدة متطلبات ويكمن أهمها في التخطيط الجيد في إعداد فرق العمل المتنوع في اختصاصاته ومهامه لمعالجة أي أزمة متوقعة أو غير متوقعة والسيطرة عليها، ومن التجارب الرائدة في هذا المجال النموذج الياباني عند اتخاذهم للقرارات المختلفة أو حل قضية محددة.

وأكد د. سعد الشهراني أن إدارة الأزمات والكوارث تختلف عن إدارة الأزمة أو الكارثة فالمفعوم الأول يشير إلى الحقل المعرفي وإلى الوقاية والمواجهة أما الثاني فينصرف لمواجهة الأزمة أو الكارثة بعد وقوعها.

الزمن والجاهزية المسبقة عاملان مهمان في إدارة الأزمة أو الكارثة.

زمن إدارة الأزمة يطارد زمن الأزمة نفسها ولكل من الأزمة وإدارتها مراحلها وزمنها القبلي والأثنائي والبعدي.

 وفي الأدبيات العلمية لإدارة الأزمة يتم الحديث عن:

Reduction: التقليل و منع حدوث المخاطر و الأزمات.

Readiness: الجاهزية المسبقة لكل الأزمات و الكوارث المحتملة.

Response: الاستجابة و فاعلية الأداء للتقليل من الآثار السلبية للأزمة أو الكارثة (هناك فرص تخلقها الأزمات و هناك مفهوم للإدارة بالأزمات).

Recovery: النهوض مرة أخرى و إعادة الامور إلى طبيعتها و استعادة السيطرة.

أداؤنا في الأزمات والكوارث يحتاج إلى وقفة جادة ويبدو أننا لا نستفيد من تجاربنا ويبدو أننا لا ندرك ولا نقدر أن آخر مرحلة من مراحل إدارة الأزمة أو الكارثة هي مرحلة التعلم والدروس المستفادة.

وتساءل د. الشهراني: هل تعلمنا من الأزمات. وبدوره أجاب ليس كثيرا ونحن أحيانا نكرر أخطاءنا وهذا واضح في القضايا والأزمات الاقتصادية، ولا شك أن الأداء تحسن كثيرا ولكن ليس بالدرجة المطلوبة.

وبالرغم من كل هذه الأزمات – التي تم الإشارة إلى بعض منها – فإن مكانة المملكة ترتفع وأمنها الوطني يتعزز ولم يتأثر كثيرا بالرغم من أن تنظيماتنا لا ترقى ولا تواكب معطيات العصر وتحدياته.

وركز د. حامد الشراري على الجانب العملي من خلال تهيئة البيئة المكانية في حالات الأزمات والطوارئ: منشآت الجامعات في حالات الأزمات – لا سمح الله – مثالا. فمن المعلوم أن مباني الجامعات والكليات الجامعية الضخمة انتشرت في غالب مناطق ومحافظات المملكة خلال السنوات العشر الماضية وقد اكتمل غالبها، وهي أماكن مناسبة جدا لاستيعاب أكبر عدد من المواطنين في حالات الأزمات والكوارث. ولعلنا نتذكر كيف أسُتفيد من مدارس التعليم العام في اعاشة الإخوة الكويتيين إبان الغزو ٩٠.

ومن الضروري عمل أو تفعيل خطط الاستجابة للطوارئ – إن وجدت- ومراجعتها للتأكد من فاعليتها من خلال عمل خطط تفصيلية للاستجابة للطوارئ والتعامل مع الحروب غير التقليدية لكل جامعة تشترك فيها الجهات ذات العلاقة كالدفاع المدني والهلال الأحمر والجهات الأمنية … الخ، تتسم بسهولة التنفيذ وسرعة الاستجابة مع إدارة مرنة ومخصصات مالية مستقلة مستفيدة من أفضل الممارسات العالمية في هذا الجانب،  تحدد فيها الأهداف والمهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق الأفراد والجهات بوضوح وتشكيل لها الفرق المدربة، والتدريب على آلية تنفيذ تلك المهمات بشكل دوري، مع بيان الإمكانيات المتاحة لكل جامعة أو كلية، وتحديد أوجه استكمال النقص إن وجد، مع تضمين تلك الخطط برامج توعوية وتثقيفية لدور المواطنين والمقيمين في حالة حدوث الأزمات والكوارث وكيفية تعاطيهم معها.

في حالة الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة التي تعتبر من الكوارث، الدفاع المدني تنحصر مهامه في التوعية والإنقاذ فقط. وهناك حلقة مفقودة في عدم وجود قوانين رادعة للشباب المتهورين عند دخولهم في الأودية وقت الأمطار أو تجاوزها وكذلك بعض الأسر- وما نشاهده في وسائل التواصل الاجتماعي خير دليل – وإشغالهم للجهات الأمنية منها الدفاع المدني وانتقال المعدات والتجهيزات لمسافات بعيدة لإنقاذهم مما يترتب عليه عدم إنقاذ حالات داخل المدن بأمس الحاجة للإنقاذ كالحريق.. بل يلوموا على جهاز الدفاع المدني في التخاذل عن إنقاذهم.. بعض الدول وضعت قوانين تحمل هذا المتهور التكاليف المترتبة على انتقال تجهيزات ومعدات الدفاع المدني لإنقاذه.

وركز أ. عبدالله الضويحي على أهمية مسألة التدريب والاستعداد النفسي والبدني في التعامل مع الأزمات والكوارث وقال في هذا الشأن: هناك أمثلة كثيرة أكدت أننا لسنا مؤهلين بعض الأحيان في التعامل مع أزمات أو كوارث بسيطة رغم الإمكانات الفنية وأبسطها الحرائق والسيول والغرقى جراءها.

كثير من المآسي ليست بسبب الكارثة نفسها أو الحادثة وإنما بسبب عدم قدرتنا على مواجهتها والتعامل معها والتدافع وتدخل من لا شأن لهم بها.

أيضاً فإن لدينا موقعان من أهم وأكثر المواقع خطورة لو حصلت كارثة أو حتى حوادث بسيطة لا سمح الله لكنهما مهملان لا من حيث التجهيزات ولا من حيث التأهيل والتدريب وهما:

أولا: المدارس.. حيث أنه لا توجد مخارج للطوارئ وإن وجدت في بعضها فهي مغلقة دائما حتى وقت الدوام وليس هناك تدريب للتلاميذ والمعلمين على خطط الإخلاء.

ثانيا: المساجد والجوامع الكبيرة.. حيث أنه لا يوجد فيها مخارج طوارئ وأبوابها ضيقة.

وتطرق د. خالد الرديعان إلى مسألة مهمة تتعلق بالسلوك الاجتماعي للأفراد أثناء الأزمة؛ فمواقفهم غالبا لا تنم عن وعي كافي بل إن البعض يأخذون زمام المبادرة ولا يفسحون المجال للأجهزة الحكومية لكي تقوم بدورها على أكمل وجه.. وهناك من يعيق هذه الأجهزة اعتقادا منه بعدم كفاءتها وأنها لا تقوم بالدور المطلوب. ويمكن ملاحظة ذلك عند حدوث حرائق وحوادث سير ووجود مصابين ولوحظ ذلك في كارثة سيول جدة رغم ظهور جهود فردية تشكر تبلورت لاحقا في جماعات المتطوعين أثناء التعامل مع تبعات الكارثة.

إن بعض الجهود الفردية قد لا تكون كافية وربما تصبح سببا في تعاظم الأزمات. وإضافة إلى ما سبق فهناك نقص واضح في تدريب المواطنين على التعامل مع الأزمات؛ كالتدريب على إخلاء المساكن والعمارات والابراج في حالات الحرائق. وهناك جهل عام بطرق التعامل مع حالات الزلازل. وهنا يلزم أن يكون تدريب السكان جزء مهم من عمل الدفاع المدني والأجهزة المعنية.

ومن جانبه تطرق أ.د. عبدالرحمن العناد إلى مسألة التعامل الإعلامي مع الأزمات والكوارث؛ حيث أوضح ملخصا لورقة عمل له في هذا الشأن حول العلاقات العامة ودورها في أوقات الأزمات وعنوانها: “التخطيط والموقفية في إدارة العلاقات العامة للأزمات: “ماذا لو؟” “وماذا الآن؟” و “ماذا بعد؟”. ومن أبرز ما ورد بها الإشارة إلى أن الأداء الجيد للعلاقات العامة في مواجهة الأزمات التي يمكن أن تحدث لأي منشأة في المستقبل يعتمد على المزاوجة بين التخطيط المسبق والتعامل الموقفي، ففي الوقت الذي يبغي أن تعد المنشأة خطط طوارئ emergency plans خاصة بأزمات وظروف افتراضية محتملة مبنية على توقعات وإجابات منطقية للسؤال “ماذا لو حدث كذا؟ What If? “، فإن التعامل مع الأزمة عند وقوعها يكون ذا طبيعة “تفاوضية” مع الموقف وتطوراته (موقفي situational) ، ولا يخضع بشكل صارم لخطط الطوارئ المعدة مسبقا، حيث من المهم أن يتفاعل أداء العلاقات العامة خلال مواجهة الأزمة وتنفيذ الخطط مع ظروف الموقف والعوامل الخارجية المؤثرة مثل طبيعة تغطية وسائل الإعلام واتجاهها وقوة تأثر الجماهير المختلفة بالأزمة واتجاه التأثير، ويتطلب ذلك اتخاذ قرارات سريعة لاختيار البديل المناسب من الإجابات المتعددة للسؤال “ماذا نفعل الآن؟ What Now?”.  ويستمر العمل بعد انتهاء الأزمة بإجابة السؤال “وماذا بعد؟ What Next” لاستخلاص العبر ومعالجة التأثيرات السلبية وبخاصة تلك المتعلقة باتجاهات الجماهير ومواقف وسائل الإعلام من القضية أو الأزمة أو المنشأة.

كذلك من المهم التركيز على التعامل المناسب مع وسائل الأعلام للتحكم في توجهات التغطية ومعالجة تأثيراتها المحتملة، اعتماداً على رؤية كل من ديلنشنايدر Dilenschnedeider وفورستال Forrestal اللذين وضعا المكونات الأساسية لتعامل العلاقات العامة مع الأزمات “قبل” و “أثناء” و “بعد” وقوعها، وكذلك مبادئ كورتس لنك Curtis G. Linke للإعداد للتعامل مع “غير المتوقع”، كما يتضمن ذلك تقديم قائمة الأعمال operations checklist الأساسية لمسئولي العلاقات العامة وبخاصة في مرحلة مواجهة الأزمة والتعامل معها.

وبدورها علقت أ. علياء البازعي بأن مبدأ what if وwhat now وwhat next أسلوب عبقري سيعلم الشخص التفكير بموضوعية ويسهل عليه التعايش مع الأمور.. وأضاقت أنه بعد أحداث 11 سبتمبر سيطرت عبارة واحدة على معظم وسائل الإعلام الأمريكية…حتى الرئيس الأمريكي خرج وقالها للناس…هذه العبارة هي: Go back to normal “عودوا إلى حياتكم الطبيعية”، وفي هذا تفعيل لمبدأ what next حيث أن الأزمة وقعت وانتهت. والحياة يجب أن تستمر. لو استمر الناس بحالة الخوف نفسها قد تظهر مشاكل أخرى وتتطور الأمور للأسوأ…وليكن التركيز على العودة للحياة الطبيعية…وبالفعل.. أيام بسيطة.. وعادت الحياة لطبيعتها تدريجيا.. وينطبق هذا أيضا على إدارة الأزمات الشخصية في حالات الحزن والاكتئاب بالذات… لا شيء يعالج الإنسان مثل العودة للروتين الطبيعي واستشعار مباهج الحياة.

وتساءلت أ. هيا السهلي: من يخلق أزماتنا؟ وأشارت إلى أنه وعند إدارة الأزمة قد لا يكون الحل والخروج منها ناجحا بدون خسائر أحيانا تكون فادحة.. قد تكمن المشكلة دائما في إدارة أزماتنا في ثلاثة أمور:

الثلث مفقود!!

  • أولها: لا توجد إدارة حقيقة تعني بالتخطيط ألا تقع أزمة والتخطيط بافتراض أزمة والخروج منها لو حلت.

والعامل الذي يفتقد في هذه المرحلة وهي المعلومة المبنية على دراسات إحصائية وتحليلية يمكن الاعتماد عليه في افتراض الخطر ووضع الخطط لدرءه.. ولعل في ديننا الحنيف هاديا وسراجا منيرا ففي كل شأن دنيوي يتعامل فيه بالرقم والنسب حتى على مستوى صحة الفرد في أكله وشرابه (ثلث لطعامك ،،،،،) والوقف والصدقة (الثلث والثلث خير) وسبع السنين العجاف. وغير ذلك كثير.

تكاملية التخطيط

  • الثاني: لا يوجد ترابط وتكاملية بين وزارت الدولة ومؤسساتها في إدارة الأزمات إن وقعت والشواهد على ذلك كثيرة في الأزمات التي مرت وحتى على مستوى المشاريع العملاقة والقرارات التي نٌفذت بدون أطراف متكاملة مما يسبب في نفاذها أو فاعليتها أو عمرها الزمني!

البيروقراطية مولد الأزمة!!

  • الثالثة؛ أنه لا نتحرك إلا بعد وقوع الأزمة والفأس بالرأس، ثم يبدأ خبط العشواء ورمي الكرة في أكثر من ملعب ونحاول امتصاص الغضب  بالإقالات!

قد ينجح القطاع الخاص أكثر في إدارة أزماته من الحكومي وقد لا يمر بأزمات أصلا لوجود خطط واستعداد مسبق بألا تقع الأزمة، ولنا أن نقيس ذلك في آخر الأزمات التي تلوح بالأفق وهي أزمة مؤسسة المعاشات والتقاعد، ونجاح التأمينات الاجتماعية.

  • التجربة السعودية في إدارة الأزمات والكوارث

تناول د. خالد الرديعان التجربة السعودية في إدارة الأزمات والكوارث والتي تتضح أكثر أثناء إدارة موسم الحج. حيث أشار إلى أن من المفترض أن نكون في المملكة الأفضل في إدارة الأزمات والكوارث على المستوى العربي والإقليمي بسبب اعتيادنا على إدارة الحج سنويا؛ وهي المناسبة التي لا تخلو من أزمات وأحيانا كوارث طيلة تاريخ الحج بسبب تجمع الحجاج في أماكن ضيقة وفي فترات زمنية محددة؛ الأمر الذي يخلق أحيانا إشكالات لوجستية وتنظيمية رغم الجهود المبذولة.

الوقائع والإعلام الرسمي يقول إننا نقوم بذلك “بكفاءة عالية” وأن معظم ما جرى من مآسي لا يعود إلى سوء تنظيم رغم بعض النقص ولكن لأسباب أخرى لا تخفى على اللبيب؛ فالحج وهو مناسبة دينية يتم تسيسه من بعض الدول وأتحدث عن إيران تحديدا التي ما فتأت تثير البلبلة والمشكلات في الحج كلما سنحت لها الفرصة. يفترض بهذا الخصوص أن يكون لدينا تراكم خبرات ومعرفة بأزمات الحج تساعدنا على تلافي أوجه القصور المحتملة. يمكن بهذا الخصوص الإفادة من التجربة الصينية في إدارة الحشود فهم بارعون في ذلك.

وهناك بهذا الخصوص عدة مقترحات تتعلق بالحج:

  • أولا: يخصص إدارة مركزية واحدة للحج تتبعها جميع الإدارات الحكومية المعنية بتسيير الحج وتسهيله مع تفويض هذه الإدارة “صلاحيات كاملة” دون الرجوع لجهات أعلى في حال حدوث أزمة لتتمكن هذه الإدارة من التعامل مع الحدث بأقصى سرعة ودون بيروقراطية مرضية. أحيانا يتسبب البطء في اتخاذ القرار بحدوث كارثة أو تفاقم أزمة صغيرة يمكن السيطرة عليها. وسبب التأخر يعود إلى نظرية “ماكو اوامر”.
  • ثانيا: تقسيم الحجاج إلى “مجموعات دولية” بحيث يتم تفويج كل مجموعة دول ولنقل عشر دول في أوقات محددة لتلافي الازدحام  والاصطدام مع إلزام الجميع بذلك دون تهاون.
  • ثالثا: يوضع في يد كل حاج سوار الكتروني يحوي معلومات عنه وعن دولته للتعرف عليه في حال حدوث مكروه له لا سمح الله. ولعل هذا  الإجراء مطبق.. إذا كان الأمر كذلك فيلزم أن يكون هناك معلومات كافية عن الحاج بما في ذلك رقم المخيم والمطوف المسؤول ودولته ورقم جواز سفره ورقم تلفون حملته وبياناته الصحية فهذا يسهل مهمة علاجه في حال احتاج إلى علاج وإسعاف.
  • رابعا: عقد دورات مكثفة لرجال الأمن والهلال الاحمر والدفاع المدني والمرور والشرطة بشكل جماعي (مع بعض) حول التعامل مع  مشكلات الحج… وتكثف هذه الدورات مع التطبيق الميداني كلما أمكن ذلك. ويتم الإفادة من نفس الأشخاص في السنة القادمة ميدانيا بسبب أن لديهم خبرات متراكمة من الضروري أن لا تذهب هباء.

وأوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أنه لابد لنا أن ندرك أن كلا من الأزمة والكارثة لا شك أن لهما غالباً سلبيات أو أضرار تنجم جراء حدوثها سواء على الإنسان أو البيئة أو كيان الدولة. وهنا تبرز أهمية تواجد التدابير اللازمة للسعي إلى توافر حلول عملية بمفهوم حقيقي، وأن تتصدى إي حكومة وشعبها معاً لمخاطر هذين الأمرين، ولا مجال لحلول تعد وقتية خصوصاً في زمن تنشأ فيه دوماً أحداث متتالية فضلاً عن جسامتها في أحايين أخرى.

ولإيجاد حلول ناجعة هنا يفترض أن يؤسس لهذا مشروع وطني متكامل يكون داعماً ورافداً لجهات معنية تحتاج إلى الاسناد والمؤازرة، وهي الجهات التي تعد نجدة المجتمع كالدفاع المدني، ووزارة الحج، ووزارة الصحة، والهلال الأحمر السعودي، وشركات المياه والكهرباء، وغيرها من الجهات ذات العلاقة بسلامة الأرواح والممتلكات.

وهنا لابد أن يتمثل هذا المشروع في إنشاء هيئة خاصة تحت مسمى (هيئة مواجهة الأزمات والكوارث) وكمثال حي هناك دولة الإمارات العربية المتحدة التي أنشئت مثل هذه الهيئة تحت مسمى (الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث)، في العام 2007م.

وبهذا يمكن اقتراح تأسيس هيئة تعنى بمواجهة الأزمات والكوارث في المملكة العربية السعودية، وأن تكون المنسق الرئيس لكافة الجهات الأمنية والخدمية تحت مسمى (الهيئة الوطنية لإدارة الأزمات والكوارث)، وأن يتمثل دورها فيما يلي:

  • التنسيق ووضع المعايير والأنظمة واللوائح المتعلقة بإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث.
  • مسؤولية إيجاد خطة وطنية موحدة للاستجابة لحالات الطوارئ.
  • تطوير وتوحيد إدامة القوانين والسياسات والإجراءات المتعلقة بإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث على المستوى الوطني.
  • الاشراف على تطوير قدرات الاستجابة من خلال اقتراح وتنسيق البرامج بين الجهات المعنية على مستوى البلاد.
  • المشاركة في إعداد سجل المخاطر والتهديدات على المستوى الوطني.
  • تنسيق أدوار الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية عند وقوع الطوارئ أو الأزمات أو الكوارث.
  • المشاركة في إعداد وتنسيق خطط الطوارئ اللازمة للمنشآت الحيوية والبنية التحتية للدولة.
  • إعداد الدراسات والأبحاث العلمية اللازمة من خلال إنشاء مركز معلومات بالطوارئ والأزمات والكوارث والتنبؤ بوقوعها وكيفية التعامل معها بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
  • تنفيذ التمارين الخاصة بإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث بالتنسيق مع الجهات المعنية.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

)                   حسب الحروف الأبجدية (

  • ‪د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • عقيد ركن. إبراهيم آل مرعي
  • أ. إدريس الدريس
  • د. أروى أخضر
  • أ. أسامة كردي
  • السفير أ. أسامة نقلي
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. حاتم المرزوقي
  • د. حامد الشراري
  • م. حسام بحيري
  • د. حسين الحكمي
  • د. حمد التويجري
  • د. خالد الرديعان
  • م. خالد العثمان
  • أ. خالد الحارثي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • د. سامية العمودي
  • اللواء د. سعد الشهراني
  • أ. سعيد الزهراني
  • أ. سمير خميس
  • أ.د صدقة فاضل
  • د. طلحة فدعق
  • د. عائشة حجازي
  • أ. عبدالرحمن الطريري
  • أ.د. عبدالرحمن العناد
  • د. عبدالسلام الوايل
  • د. عبداللطيف العوين
  • د. عبدالله بن ناصر الحمود
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • أ. عبدالله الضويحي
  • اللواء د. علي الحارثي
  • د. علي الحكمي (رئيس اللجنة الإشرافية على منتدى أسبار)
  • أ. علياء البازعي
  • أ. فاطمة الشريف
  • د. فاطمة القرني
  • د. فايز الشهري
  • أ. فايزة الحربي
  • د. فهد الحارثي
  • أ. كوثر الأربش
  • أ. ليلى الشهراني
  • د. محمد الصبان
  • د. مساعد المحيا
  • د. مسفر السلولي
  • أ. مسفر الموسى
  • أ. مطشر المرشد
  • أ. مها عقيل
  • د. منصور المطيري
  • أ. ندى القنيبط
  • د.م. نصر الصحاف
  • أ. هداية درويش
  • أ. هيا السهلي
  • أ. يحيي الأمير
  • أ. يوسف الكويليت
قراءة 187 مرات آخر تعديل على الخميس, 30 آذار/مارس 2017 11:14

أضف تعليق


كود امني
تحديث