الورقة الرئيسة: المساعدات الخارجية للمملكة – التحول المنشود

₋      د.عادل القصادي: كاتب الورقة

₋      د. حميد الشايجي: معقب على الورقة

₋      أ. فائزة العجروش: معقب على الورقة

₋      أ. عبدالله الضويحي : مدير الحوار

توطئة لابُدّ منها:
تعتبر المملكة العربية السعودية من الدول الرائدة في العالم في مجال المساعدات الخارجية، بل إن عدداً من المصادر تعتبرها الأكبر من حيث حجم المساعدات الخارجية (الرسمية) نسبة إلى الدخل القومي الإجمالي (على سبيل المثال بلغت المساعدات الخارجية المقدمة من المملكة 14.5 مليار دولار في 2014 وهو مايتجاوز بكثير النسبة المستهدفة من الأمم المتحدة للمساعدات الخارجية الرسمية للدول والمحددة بـ 0.7%).
ورغم ذلك، فإن هناك تباين في الأرقام الواردة في المصادر المختلفة حول حجم المساعدات الخارجية التي قدمتها المملكة خلال العقود الماضية (من تلك المصادر وزارة المالية السعودية، ومنصة المساعدات السعودية التي يشرف عليها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وتقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومصادر أخرى)، غير أن المشترك بين كل تلك المصادر هو أن المملكة استثمرت بسخاء في هذا المجال، رغم عدد من الفرص الضائعة لرفع كفاءة هذا الدعم، والتوظيف المتواضع -في تقديري- لهذا الجانب لإبراز الملامح الحقيقة للمملكة وموقفها وصورتها على المستوى الإقليمي والدولي، إلى جوانب أخرى يتعين إعادة النظر بها.
أين وكيف يمكن تحقيق التحول المنشود في هذا المسار؟
هناك 3 أبعاد -باعتقادي- يمكن أخذها بالاعتبار عند النظر في تطوير هذا المسار:
الأول: تحولاً استراتيجياً يتواءم مع التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة.
تضمنت رؤية المملكة للعام 2030 ثلاثة عشر برنامجاً تنفيذياً لتحقيق ستة وتسعين هدفاً، وباعتبار أنها ركزت على التنمية الوطنية فلم يرد ضمن تلك البرامج مايختص بالمساعدات الخارجية واستراتيجياتها بشكل مباشر، غير ان استقراءاً معمقاً للبرامج والأهداف ضمن (الرؤية) ليبرز أن المساعدات الخارجية (التنمية الدولية) يمكن أن تتواءم مع رؤية التنمية الوطنية وتكون رافداً لها، ومن شأن أي تحول استراتيجي في المساعدات الخارجية ونماذجها أن يسهم بشكل مبرمج في إثراء تنميتنا الوطنية. ومن شأن التحول الاستراتيجي -أيضاً- أن يسهم في تحقيق فهم تاريخي أعمق لفلسفة المساعدات الخارجية (الرسمية) للمملكة، ومن ذلك الدوافع ومنهجية اتخاذ القرار ومواطن القوة والضعف، ورسم توجهات مستقبلية واضحة للمساعدات الخارجية من أجل تحقيق أثر أكبر للشرائح المستفيدة وضمان استدامة الأثر من خلال بناء المؤسسات في الدول المستفيدة وتعزيز التعافي الاقتصادي وتمكين المجتمعات. وهذا من شانه أيضاً وضع حدود واضحة بين المفاهيم المختلطة (العمل الخيري والتطوعي – التنمية الدولية – الإغاثة الإنسانية إلخ) وصوغ سياسات ونماذج فعالة ومبتكرة للمساعدات الخارجية تنسجم مع المنظومة الكليّة للمملكة.

الثاني: تحولاً إتصالياً يبرز دور المملكة التاريخي في العديد من دول العالم.
تستثمر الدول والمنظمات المفوّضة بالمساعدات الخارجية الكثير من الموارد في العمل الإعلامي والاتصالي، لا لإبراز جهودها فحسب، وإنما لرفع الوعي بالقضايا التي تعمل على الاستجابة لها وحشد المزيد من الفاعلين، ورفع وعي المجتمعات حول مساهمتها التي عادة ما توجه للسلطات الحكومية في تلك الدول، وغني عن القول أن حاجة المملكة لإبراز جهودها في دعم اقتصادات العالم وخصوصاً الدول العربية والإسلامية أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى (أحد هذه الحقائق هو أن إنفاق المملكة بلغ عشرين مليون دولار يومياً بين العامين 2010 و 2020 في المساعدات الخارجية والقروض التنموية – المصدر: وزارة المالية).

الثالث: تحولاً تنظيمياً يمكن الطاقات المؤسسية والكفاءات السعودية في النفاذ من خلال هذا المجال للمؤسسات الدولية.
يجدر ابتداءً الإشارة إلى الصندوق السعودي للتنمية الذي أُسس في 1974 بهدف تمويل المشاريع الإنمائية في دول العالم الأقل نمواً، وقام بدعم 714 مشروعاً في 83 دولة بقيمة جاوزت 67 مليار ريال، ومن الملفت أن هذا ما هو إلا جزء من المساعدات التنموية التي قدمتها المملكة (نظير وجود أكثر من جهة معنية باعتماد وتقديم المساعدات الخارجية، ومن ذلك المساعدات الانسانية التي لم تحظَ بجهة رسمية محددة إلا بعد إنشاء مركز الملك سلمان لللإغاثة والأعمال الإنسانية في 2015). ولهذا، فإن تحقيق تحول في التنظيم المؤسسي للمساعدات الخارجية للمملكة ليس من شأنه فقط تسجيل وتوثيق ماتقدمه المملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية (كنظام التتبع المالي FTS) مايرتقي بموقع المملكة في المؤشرات الدولية ذات العلاقة للمنزلة التي تستحقها، وإنما – في ذات الوقت- الرفع من كفاءة الدعم التنموي والعون الإنساني الذي تقدمه المملكة للعالم ضمن منظومة متكاملة مع الجوانب الأخرى محلياً وإقليمياً ودولياً (كمنظومة التنمية المستدامة 2030)، وتمكين المزيد من السعوديات والسعوديين للانخراط والعمل في المنظمات الدولية والمساهمة مع أقرانهم من أنحاء العالم في الدفع قدماً بالأجندة الإنسانية والإنمائية لمصلحة البشرية، في الوقت الذي لم تزل فيه معظم تلك المنظمات تعتبر المملكة والمانحين الخليجيين (مصدراً للتمويل فحسب).

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات