الورقة الرئيسة لقضية: دور ريادة الأعمال والابتكار في تنمية المجتمعات والتحديات التي يواجهها رواد الأعمال

 

“ورقة عمل للنقاش والحوار”

أ.د. أحمد بن عبدالرحمن الشميمري

تحرص الدول على تحسين مستوى الناتج المحلي الإجمالي بعدة أدوات، ومنها زيادة عدد أفراد قوة العمل المالكين للمشروعات الصغيرة بما يقلل من معدلات البطالة. ومن الحلول الحديثة التي أقبلت عليها عدد من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء هي اللجوء الى ريادة الأعمال بوصفها منبعاً كبيراً لإنشاء الأعمال الناشئة وترسيخ ثقافة العمل الحر في المجتمعات. وقد بينت عدد من الدراسات أن بعض الدول المتقدمة التي انخفض بها عدد مالكي المشروعات الصغيرة تتزايد بها معدلات البطالة بشكل متزايد في غالب الأحيان، هذا مع الإشارة إلى أن انخفاض عدد المشروعات الصغيرة قد تنتج عن قوة المنافسة بالسوق وتعدد للجهات المسؤولة عنها إضافة لتعدد وجهات نظر هذه الجهات.

  • دور ريادة الأعمال

أجرى الباحثون مثل أودريتش وآخرون 2007 Audretsch أبحاثاً للربط بين إحداث الوظائف وريادة الأعمال وذلك بعد استعراض معدلات البطالة لكل من فرنسا وألمانيا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة وأمريكا إضافة لاستعراض معدل ملكية المشروعات الصغيرة لنفس الدول، حيث اتضح أن انخفاض عدد مالكي المشروعات الصغيرة يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة في غالب الأمر. وهذا ما يدفعنا للقول بأن الرغبة في تخفيض معدلات البطالة يستوجب زيادة المشروعات الصغيرة والتي هي جوهر وأساس فكر ريادة الأعمال.

كما يشير الباحثون إلى أن بعض الدول التي اهتمت بدرجة متميزة بريادة الأعمال أفرزت زيادة ملحوظة في معدل امتلاك قوة العمل لمشروعات صغيرة ، مما ساهم في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول (GDP)، فمثلاً لكل من اليونان وايطاليا والبرتغال وأسبانيا تزايد الناتج المحلي الإجمالي GDP بشكل ملحوظ في ظل الاهتمام بنشر ثقافة ريادة الأعمال وتعليم أسسها، ومن ثم تبعها زيادة في عدد قوة العمل المالكين للمشروعات الصغيرة.

ولبيان مساهمة ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال وتعليم أصولها لبناء الاقتصاد المعرفي والمساهمة في نمو الاقتصاد المحلي فإن هذه المساهمة يمكن أن تتمثل فيما يلي :

  1. غرس روح المبادرة وزيادة فرص نجاح الأعمال وصناعة رواد المستقبل الذين يتمكنون من خلق فرص عمل لمواجهة البطالة والركود الاقتصادي.
  2. تنمية القدرات المتميزة لخلق الثروة من خلال التركيز على الفرص ذات العلاقة بالتوجه بالمعرفة على المستوى العالمي.
  3. تنمية مهارات الإبداع والابتكار لدى الشباب بما يمكن من التحول نحو إحداث طفرة في بناء الاقتصاد المعرفي من خلال الأفكار المتجددة ذات العلاقة بتنمية مجتمع المعرفة.
  4. زيادة الأصول المعرفية وتعظيم ثروة الأفراد بما يزيد من الثروة والتراكم الرأسمالي في مجال المعرفة على مستوى الوطن.
  5. تمكين الشباب من تطوير منتجات جديدة، نظرا لأن الرياديين هم الأكثر إبداعا. مما يكسبهم مهارات احترافية ومبتكرة تمكنهم من زيادة معدل نمو المبيعات بنسبة تفوق قرنائهم.
  6. تمكين الخريجين من امتلاك أفكار مشروعات أعمال تجارية ذات التكنولوجيا العالية والتي تخدم التوجه نحو بناء مجتمع المعرفة والمساهمة في خلق فرص عمل جديدة في السوق.
  7. تغيير هيكل تركز الثروة، بما يحقق الاستقرار الاقتصادي والتحول من ارتكاز الاقتصاد على عدد محدود من أصحاب رؤوس الأموال إلى امتلاك اكبر عدد من أفراد المجتمع للثروة بما يحقق الاستقرار وتحقيق التنوع في مجالات العمل.

من أجل ذلك إلتفتت الدول الكبرى منذ بداية الألفية الجديدة لدور ريادة الأعمال كأداة جديدة ونافذة فاعلة لتنافسية الدول تجمع بين تمكين التفكير الإبتكاري ودعم المشروعات الصغيرة وإنمائها، فلم يعد الحديث عن المنشآت الصغيرة لوحدها كافياً بقدر ما أصبح التفكير الإبتكاري طريقاً جديداً لخلق الأعمال النامية بتسارع والمنتهزة للفرص المتجددة بطموح.

  • منظومة ريادة الأعمال Entrepreneurship Ecosystem

عبر عقدين من الزمن، قام الباحثون والمفكرون والممارسون بوضع أطر متعددة لفهم ريادة الأعمال وبالتالي وضع الاستراتيجيات لتمكين تطبيقاتها ومساهماتها في الاقتصادات الوطنية . وأدركت كثير من الدول أن مسابقات الموهبة والإبداع وتحديات الشركات الناشئة وهاكثونات الابتكار  والحاضنات والمسرعات وشبكات رأس المال الجريء والعلاقات الشبكية والمسرعات لا تستطيع كل على حدة في توفير المناخ المناسب لنمو الابتكار وريادة الأعمال، وربما أدت جهودها الأحادية للفشل عندما تعمل في معزل عن نظام موحد. فهناك عناصر مختلفة تدفع كل منهما الآخر في تحقيق بناء منظومة ريادة الأعمال المفيدة. هذه المنظومة من المتوقع أن تعمل في تناغم يساعد على تكوين دورة اقتصادية تعطي تدفقًا سلسًا للأنشطة من أجل بناء العقلية الريادية والتفكير الإبتكاري.

وفي المملكة العربية السعودية تبرز أنشطة ريادة الأعمال ودعم وإنماء المشروعات الصغيرة للمساهمة الاقتصاد الوطني كمحور أساس للتنمية المستقبلية للوطن إذ تعول رؤية المملكة 2030 على المشروعات الصغيرة والابتكار وريادة الأعمال للعب دور أساس في تنويع الدخل وتعزيز التنافسية وتمكين رأس المال البشري. وقد سنت الدولة خلال الخمس سنوات الماضية عددا كبيرا من التشريعات والإجراءات الممكنة لنمو ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة. ونصت رؤية المملكة 2030 بأن التأهيل والتدريب، وخلق فرص العمل، وريادة الأعمال ستكون مكونات أساسية للمساهمة في نمو الاقتصاد الوطني. وجعلت من أهدافها الاستراتيجية أن تصل تنمو مساهمة قطاع المنشآت الصغيرة في الناتج المحلي الإجمالي من 20% إلى 35% بحلول 2030.

وقد أسهم عدد من الباحثين في وضع نماذج متنوعة لمنظومة ريادة الأعمال. ومن تلك النماذج التي وجدت قبولًا في أدبيات ريادة الأعمال ما قام به دانيال إيسينبرغ  Daniel Isenberg 2011 من كلية بابسون، وذلك بتطوير مقاربة مميزة للمنظومة. وأكد أن هذا النهج يحتمل أن يصبح (شرطًا مسبقًا) للتوجه الناجح نحو الابتكار واقتصاد المعرفة والسياسات التنافسية الوطنية. وقد حدد إيسينبرغ ستة عوامل تشكل منظومة ريادة الأعمال، هي: ثقافة مواتية، وسياسات ممكنة، وتوافر التمويل المناسب، ورأس المال البشري الجيد، والأسواق المتاحة، ومجموعة من المؤسسات الداعمة. وتضم هذه العوامل الرئيسة عشرات العناصر التي تتفاعل بطرق معقدة للغاية ومتكاملة. Isenberg (2011). من جانب آخر، فقد صنف الشميمري والمبيريك (2014) هذه العوامل المكونة لمنظومة ريادة الأعمال إلى قسمين هما:

أولًا: المنظومة الجزئية (Micro-Ecosystem)، وهي المنظومة المتصلة مباشرة الابتكار وريادة الأعمال، وتدخل مع مكونات الأعمال الريادية أو تتفاعل معها، بحيث يعتبر وجودها أساسيًّا لنمو ريادة الأعمال وازدهاره. وتشمل المنظومة الجزئية العوامل الآتية التي تظهر في الشكل المقابل :

ثانيًا: المنظومة الكلية (Macro-Ecosystem) وهي المنظومة المحيطة بريادة الأعمال، وتؤثر بطريقة غير مباشرة بنمو رواد الأعمال والأعمال الريادية. كما يعتبر توفرها أمرًا حاسمًا، لتوفير البيئة الصحية، التي يمكن من خلالها دعم التوجه العام نحو التميز فى الأعمال الريادية.

وتشمل المنظومة الكلية العوامل التي تظهر في الشكل المقابل وللإطلاع على الوضع الحالي لبعض مكونات هذه المنظومة فإننا سنستعرض على عجالة تتناسب مع مختصر هذه الورقة المقارنات الدولية لبعض هذه المكونات الجوهرية في بيئة الابتكار وريادة الأعمال في المملكة مقارنة ببعض الدول الأخرى.  والتي تم رصدها في دراستين هامتين قام معد هذا الملخص بالإشراف عليهما. احدها دراسة اجرتها جميعة ريادة الأعمال عام  2014م والأخرى لاتزال جارية.

فوفقاً للمرصد العالمي لريادة الأعمال (GEN) 2019  فإن المملكة تواكب التوجه العالمي في النمو المتسارع في أنشطة ريادة الأعمال أسوة بما يشهده العالم من إتجاه الشباب نحو الأعمال الريادية والعمل الحر إذ ﺗﻌد اﻟﻣﻣﻠﻛﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ اﻟﺳﻌودﯾﺔ، إﻟﻰ ﺟﺎﻧب اﻹﻣﺎرات اﻟﻌرﺑﯾﺔ اﻟﻣﺗﺣدة واﺣدة ﻣن أﺳرع اﻻﻗﺗﺻﺎدات اﻟرﯾﺎدﯾﺔ ﻧﻣوً ا ﻓﻲ اﻟﺷرق اﻷوﺳط ﻓﻲ اﻟﺳﻧوات اﻷﺧﯾرة ، ﺣﯾث وﺻﻠت نسبة مجمل أنشطة ريادة الأعمال Total Entrepreneurship Activities (TEA) إﻟﻰ ﻣﺎ ﯾﻘرب ﻣن 15 ٪

وفي المقابل فعند النظر إلى مكونات منظومة ريادة الأعمال في المملكة مقارنة بدول العالم، فقد احتلت المملكة المرتبة 86 في مؤشر الابتكار العالمي GII عام 2019 وتحسن قليلا لتتقدم إلى المرتبة 66 عالمياً في عام 2020. وكما يبين الشكل رقم (1) أيضاً، فإن المملكة تقع في المرتبة 42 في مؤشر ريادة الأعمال العالمي والمرتبة 62 في ممارسة الأعمال والمرتبة 38 في بدء النشاط التجاري، كما تقع المملكة في المرتبة 38 في مؤشر التنافسية العالمية والمرتبة 109 في ركيزة ديناميكة الأعمال.

وبالنظر إلى تلك المقارنات الدولية وغيرها من المؤشرات أصبح لزاما دراسة الوضع الراهن المحلي وإجراء تحليل استراتيجي يمهد لوضع المعالجات العاجلة لتعزيز البيئة والمبادرات المتكاملة لنمو ريادة الأعمال، والخطط الواقعية لتعزيز التنافسية العالمية للمملكة، وتعزيز جهود الدولة الكبيرة في هذا المجال. فقد خلص التحليل الاستراتيجي للوضع الراهن للابتكار وريادة الأعمال بعدة معوقات جوهرية تعيق هذا القطاع وتحد من أثره ومساهمته في التنمية. تتلخص أبرز هذه المعوقات بما يلي:

  • ضعف ثقافة ريادة الأعمال
  • انتشار ثقافة الرعوية والاعتماد على المنح
  • الأثر السلبي للتفاوت الاجتماعي على إنشاء الأعمال الجديدة
  • تأثير إرث الرعاية الاجتماعية السلبي على طموح إنشاء الأعمال
  • لا توجد سياسة عامة لتمويل المشروعات الصغيرة والناشئة
  • عدم تطوير وتنظيم المشروعات متناهية الصغر
  • لا يتوفر في كل المدن مكان واحد لإنشاء الأعمال (محدودية تجربة مراس)
  • عدم وجود استراتيجية وطنية لريادة الأعمال
  • ضعف البنى التحتية في بعض مناطق المملكة
  • محدودية الوصول إلى معلومات السوق

وتجدر الإشارة إلى أن شدة أثر هذه المعوقات على منظومة ريادة الأعمال تختلف من عامل إلى آخر، ففي حين أن ضعف ثقافة ريادة الأعمال تعتبر الأعلى تأثيراَ سلبيا على المنظومة فإن ضعف التدريب التعاوني التطبيقي يعتبر الأقل تأثيرا سلبيا على المنظومة. ومن جانب آخر، فإن التحليل كما يبن الشكل رقم (2) قد قام بتصنيف هذه العوائق إلى ثلاث مجموعات، فالمجموعة A تشمل تلك العوائق التي سيكون حلها سريعاً واقل تكلفة، أما المجموعة B فتشمل تلك العوائق التي سيتطلب حلها وقتاً وجهدا وتكلفة متوسطة، وأخيراً المجموعة C التي تعتبر عوائق جوهرية وتتطلب تدخلاَ عميقا ووقتاً طويلا لمعالجة أثرها السلبي على المنظمومة.

وأخيراً فإننا نتطلع بعد هذا الاستعراض المقتضب إلى الوصول إلى حلول مختصرة وتوصيات معتبرة ومبادرات مبتكرة أجزم أن تجمعاً نخبوياً كمجموعتكم المميزة قادر على طرحها ونقاشها وإنضاجها. والله الموفق

 

أهم المراجع :

  1. Audretsch, D. (2007). Entrepreneurship capital and economic growth, Oxford Review of Economic Policy 23 (1) 63-78.
  2. Isenberg, D (2011). The entrepreneurship ecosystem strategy as a new paradigm for economy policy: principles for cultivating entrepreneurship, Babson Entrepreneurship Ecosystem Project, Babson College, Babson Park: MA
  3. جمعية ريادة الأعمال (2014). واقع المنشآت الصغيرة ودورها في توفير فرص عمل للمواطنين. الرياض.
  4. الشميمري أحمد، ووفاء المبيريك (2014). ريادة الأعمال. ط العبيكان. الرياض.

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات

أحمد يوسف الصالح

قطاع ريادة الاعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة لابد ان تلعب دورا محوريا في الاقتصاد المحلي وتعتبر مكون أساسي للتنوع الإقتصادي ، هناك عدة عوامل تعيق إنتاجية القطاع ، كما صنفتها بعض الدراسات وجدوا في بعض الدول الغربية الصناعية بان العوامل المتعلقة بالبيئة الداخلية للمشروع هي التي تعيق إنتاجية واستمرارية عمل الشركات ، ولكن في اقتصاديات الدول الاخرى العوامل المتعلقة بالبيئة الخارجية من البنية التحتية مثل العوامل اللوجستية والتشريعات ونحوها تلعب دورا هاما في التأثير على القطاع . نجد عدد كبير من الاعمال تدخل السوق ولكن في المقابل للأسف هناك عدد كبير من المنشآت لاتسطيع المنافسة والإستمراية وبالتالي يكون مصيرها الخروج ، لازال هناك يوجد فجوة بين الدعم الموجه للقطاع والاحتياجات اللازمة لاستمرارية المنشآت وقدرتها على المنافسة .