الورقة الرئيسة : قمة العلا والمصالحة الخليجية

د. سليمان العقيلي: كاتب الورقة

د. عبدالله العساف: معقب على الورقة

أ. عبدالرحمن الطريري: معقب على الورقة

– د. سعد بن طفلة معقب على الورقة

د. عادل القصادي: مدير الحوار

 

قراءة في قمة العلا الخليجية وقرارها التاريخي بإنهاء الأزمة القطرية

” انتهاء الأزمة الخليجية خبرٌ هام – لكن رمال الشرق الأوسط تتحرك باستمرار ” بهذه الصيغة من عدم اليقين وصف سيمون هندرسون احد كبار خبراء الخليج في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى المصالحة الخليجية التي انتجتها قمة العلا  .

واكد هندرسون في وصف لا يخلو من مبالغة ” إن أهمية انتهاء أزمة الخليج هي أكبر من اتفاقيات “التطبيع” الأخيرة التي أبرمتها إسرائيل مع الإمارات والبحرين ” .

لقد انتجت القمة التي استضافتها مدينة العلا السعودية – 300 كم شمال المدينة المنورة – عدة قرارات تتعلق بالمواجهة  الخليجية المشتركة لجائحة كورونا صحيا واقتصاديا لكن اكبر حدث سياسي سيذكره التاريخ لهذه القمة هو التسوية السياسية مع قطر  التي تم من خلالها فتح المنافذ البرية والبحرية الجوية السعودية امام القطريين .

وقد وقع قادة الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بحضور وزير الخارجية المصري ومستشار الرئيس الامريكي جاريد كوشنر في قمة العلا الخليجية (الثلاثاء 5 يناير 2021 ) اتفاقية قال ولي العهد الامير محمد بن سلمان  إنها تؤكد “تضامننا واستقرارنا الخليجي والعربي والإسلامي”.

وشدد أن “هناك حاجة ماسة اليوم لتوحيد جهودنا، للنهوض بمنطقتنا ومواجهة التحديات التي تحيط بنا، لا سيما التهديدات التي يمثلها البرنامج النووي الإيراني والصواريخ البالستية، وخططها (إيران) للتخريب والتدمير”.

مصالحة تدريجية

والسؤال الذي تطرحه شعوب المنطقة اليوم هل هذه المصالحة التي تقودها المملكة شاملة لجميع اطراف الازمة . بما في ذاك الامارات ومصر والبحرين وقطر التي وقعت البيان .

يقول انور قرقاش وزير الدولة الاماراتي للشئون الخارجية في تغريدة له ” نحن أمام قمة تاريخية بامتياز في العلا نعيد من خلالها اللحمة الخليجية ونحرص عبرها أن يكون أمن واستقرار وازدهار دولنا وشعوبنا الأولوية الأولى، أمامنا المزيد من العمل ونحن في الاتجاه الصحيح ” و عبارتي ” امامنا المزيد من العمل ” و ” نحن في الاتجاه الصحيح” تعني انهم لم يقطعوا الطريق كله ” حسب المفهوم الاماراتي ، وان الامر يحتاج لمزيد من الحوار .

ومن جهته قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الخميس أن مسار المصالحة الخليجية الذي تم التوصل إليه في قمة مجلس التعاون الخليجي في السعودية، هو اتفاق مبدئي، بحيث تحل القضايا العالقة بشكل ثنائي مع الدول الأخرى، ومنها مصر، مع تكوين لجان خاصة لمعالجتها . مفيدا بأنه ستكون هناك اجتماعات بين الدوحة والقاهرة حول الانشغالات الثنائية، موضحاً أن الدوحة مستعدة لتشكيل لجان ثنائية لمعالجة المسارات المختلفة.

واضاف قائلا: “سيكون هناك عودة للعلاقة إلى ما قبل (المقاطعة)، وبالتالي إنهاء كافة الخطوات الناجمة عنها ، ومنها القضايا المرفوعة التي تجمد أو تسحب ”.

ووصف المسؤول القطري ما حدث في العلا،  بانها مصالحة خليجية، وليست فقط معالجة للمشاكل بين قطر والسعودية.

ومن جهته قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان  في مؤتمر صحفي عقب القمة  “ما حدث اليوم هو .. طي الصفحة بكل نقاط الخلاف، والعودة الكاملة للعلاقات”.

من الواضح ان الرياض والدوحة لديهما الرغبة الكاملة في طي الخلافات وانهما يملكان الارادة الصلبة لفعل ذلك . لكننا لسنا متأكدين ان هذه النوايا موجودة بين الدوحة وبقية الأطراف .

ويبدو ان قطر يهمها أولآ السعودية ذات المكانة الاقليمية الوازنة والتي تملك بيديها اغلب اوراق الضغط في الازمة. وهي ربما ليست متعجلة  في الحوار مع بقية الاطراف رغم ان وزير ماليتها طار الى القاهرة مساء يوم القمة مظهراً ان بلاده  ترغب بالمصالحة التدريجية . ويعتقد كثيرون ان الدوحة انها قد لا ترغب في ان تتنازل قناة الجزيرة ( أداة قوتها الناعمة ) عن اسلوبها النقدي المثير للجدل تجاه اربع  دول عربية دفعة واحدة. مما يفقد هذه الشبكة أسلوبها الشعبوي بالغ الاثارة. ولطالما ربطت القناة سياستها التحريرية بالدبلوماسية الاقليمية للحكومة القطرية.

الدوافع والعوائد السعودية

ان الرياض لم تلق بالاً للدعاية التي تبثها قناة الجزيرة لا من قريب ولا من بعيد . انما ترتبط اهداف المملكة من وراء المصالحة بالمخاطر الجيوسياسية الاقليمية الناتجة عن تحولات دولية واقليمية. يقول موقع “ذا هيل” الامريكي أن إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن يروق لها بشدة أن تكون هناك مصالحة خليجية ونهاية لازمة قطر التي بدأت منذ عام 2017، مشيراً إلى أن إدارة بايدن لا تريد أن ترث تداعيات الازمة. ونقل الموقع الأمريكي عن حسين إيبش الباحث المقيم بمعهد الخليج للدراسات في واشنطن أن التقارب الخليجي الحالي ليس مصادفة، وإنما يبنى على استراتيجية لفتح صفحة جديدة مع الإدارة الحالية( الجديدة) .

وفي واقع الامر فان القادة السياسيين في أوربا وفي واشنطن والامم المتحدة ( بما في ذلك الامين العام) رحبوا جميعآ بحل الازمة.

ان المملكة وقطر تحملتا اكثر من غيرهما اكلاف هذه الازمة الأولي تلقت على عاتقها المسئوليات والاعباء السياسية والثانية تحملت اعباء اقتصادية جمة، وتفيد تقارير غربية ان الاقتصاد القطري سينمو بسبب المصالحة  وفتح المعابر والاجواء والانفتاح على النظام النقدي الاقليمي في عام 2021  بنسبة 3% . فيما المملكة بقرار انهاء المقاطعة ، عادت للامساك بزمام المبادرة السياسية في المنطقة.

ورغم ان البعض يردد بصورة ساذجة اسئلة من قبيل ان قطر لم تلتزم في بنود  قائمة الشروط ال 13 التي وضعت – بتقديري – لقطع الطريق على الضغوط ، وليس إطاراً للتفاوض ، فانه ما من ريب ان العوائد السياسية الجمة ستنعكس على الجميع وبالخصوص السعودية وليس بالضرورة ان تأتي من قطر  نفسها ونلخص العائدات السياسية في مايلي:

‏1/ تفكيك دائرة الازمات التي تزايدت مع الازمة الخليجية واصبحت تطوق المنطقة وتستنزف قواها السياسية.

‏2/ تعزيز المكانة الاقليمية للسعودية وتكريسها مرجعاً  لأشقائها في بيئتها السياسية كما كان دورها التاريخي.

‏3/  توفير مروحة اوسع من فرص المناورة السياسية امام المملكة في حالة تعرضها لضغط وابتزاز اقليمي او دولي .

‏4/ تماسك الموقف الخليجي بوجه تطورات مقبلة يخشى ان تضغط على امن المنطقة.

البعد الدولي

والبعد الدولي للازمة يكمن في ان دول مجلس التعاون الخليجي شريك رئيسي للغرب ومصدر مهم للنفط والغاز  . لكنها طالما اشتكت من الظروف التي ابرم فيها الاتفاق النووي الايراني او ما سمي (خطة العمل المشتركة الشاملة) في يونيو 2015 . وبعد الانسحاب الامريكي من الاتفاق الذي وقع عليه الرئيس ترامب في 8 مايو 2018 تهيأت فرصة جديدة لاعادة صياغة الاتفاق بما قد يراعي الهواجس الخليجية. واذا ما أجرى  الرئيس الامريكي الجديد جو بايدن حواراً مع طهران ربما خلال العام الاول لحكمه في ظل تمزق خليجي فان الامر لن يتغير ، لكن الادارة الجديدة قد تأخذ بالاعتبار مصادر القلق لدى دول التعاون الخليجي اذا ما كان موقفها موحدآ. وكانت على علاقة تواصل وتنسيق مع البيت الابيض واسرائيل .

ويتوقع مراقبون عديدون في الرياض والخليج ان حل هذه الازمة سيؤدي الى حل ازمات أخرى في المنطقة مما يخفف من الاعباء السياسية التي كان يراد ان تتحمل السعودية اثمانها . لان الاستقطاب السياسي الحاد في الخليج أدى الى استقطابات أخرى في العمق العربي والاسلامي مما  كان سيؤثر ربما على الدور الاقليمي للمملكة.

فقد انعكست الازمة الخليجية بظلالها على قضايا المنطقة كلها في اليمن وليبيا وسوريا ( حيث كانت الثورة السورية احد ضحايا الازمة) . ومن المتوقع ان تساعد انعكاسات المصالحة القوى الدولية على دفع وتشجيع تسويات اقليمية كانت تضغط من اجلها كما هو الامر في اليمن وليبيا .

قطر وارتباطاتها الاقليمية

لا تعني المصالحة انتهاء كافة الخلافات بين الرياض والدوحة ، حيث ما زالت الثقة في أدنى مستوياتها وهو ما قد يدفع قطر للحفاظ على علاقاتها الإقليمية مع كل من طهران وانقرة.

وقد حاول وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الدس في حالة الانسجام الجديدة بمجلس التعاون عندما هنأ قطر على صلابة مقاومتها .

وهذا في حقيقة الامر يعبر عن المخاوف الايرانية من انعكاسات المصالحة على موازين القوى بالمنطقة . فرغم ان قطر لاتتوفر على قوة عسكرية معتبرة الا ان قوتها الناعمة اثبتت حضورها. وقد استثمرت فيها ايران مثلما شاهدنا في العمليات الاعلامية المبالغ فيها لتضخيم قوة الردع العسكرية الايرانية وخيارات الرد على واشنطن !

واذا كانت ايران مصدر تهديد استراتيجي متفق عليه في مجلس التعاون مهما كانت دبلوماسية المخادنة والاحتواء لبعض دول المنطقة تجاه طهران.

فان السؤال اليوم :  هل تُبعد المصالحة قطر عن تركيا أم تقرب الرياض والقاه

أنقرة؟

لقد ابدت تركيا استعدادها للتفاهم مع القوى الاقليمية التي خاصمتها وارسلت اشارات الى الرياض والقاهرة. وعبر وزير خارجية قطر عن استعداد بلاده لفتح خطوط وساطة بينها في حين ان مثل هذه المساعي تثير حفيظة ابوظبي التي عينت نفسها الخصم الاول لتركيا وجماعات الاسلام السياسي . لكن الامر في مثل هذه الحالات لا تحكمه الايدلوجيا بل المصالح السياسية.

وفي المقلب الآخر لا ترى الأوساط السياسية والإعلامية في تركيا أي خطر للمصالحة الخليجية على العلاقات التركية القطرية التي جرى توسيعها وترسيخها خلال السنوات الماضية وصولاً لشراكة استراتيجية بين الطرفين .

كما ان وزير الخارجية القطري استبعد ان تؤثر المصالحة على علاقات بلاده الاقليمية مع تركيا وايران !

وما قد يحدد علاقة الدوحة بجماعة الاسلام السياسي ( وهي نقطة جوهرية في الصراع )هي المفاوضات التي ستجريها مع القاهرة وابوظبي ، حيث سيكون ملف الاخوان المسلمين له الاولوية على الطاولة.

والامر يتوقف على الدوحة التي ستجد نفسها في الزاوية بين القوى المتضادة فاذا لم تبذل جهودآ دبلوماسية استثنائية فستجد نفسها تسير على حبل رفيع او تحت ضغط هائل بين احجام سياسية متصارعة . وليس امامها من خيار الا الالتزام بالاستراتيجية الامنية الخليجية ، والتخلص من دور المؤيد والمعارض داخل المنظومة الخليجية الشيئ الذي جلب لها المتاعب السياسية .

المستخلص

من الواضح ان التطورات الاقليمية والدولية ساعدت في التئام الاسرة الخليجية ، لكن العامل الخارجي ليس وحده الذي دفع للمصالحة الخليجية فحالة التيه التي واجهت مجلس التعاون شجعت على القناعة بعودة المعادلة السياسية السابقة التي ترتكز على الدور المحوري للشقيقة الكبرى (السعودية). وثبت للجميع ان اية محاولة لتغيير قواعد اللعبة ستحطم المعبد على رؤوس الجميع .

ومما يفتقر اليه مجلس التعاون اليوم هو القدرة على المصارحة بعد المصالحة وخلق الاجماع داخل المنظومة مما يسهل انتاج الاستراتيجيات الامنية والمواقف السياسية .

ولبلورة ذلك بشكل جيد لابد من التفريق بين الاستراتيجي والتكتيكي من جهة . وبين المصلحة الوطنية والمصلحة الجماعية من جهة ثانية ، حيث الانتماء للمنظمات الدولية والاقليمية يستلزم التنازل عن شئ من المصالح الذاتية للمصالح المشتركة . وهذا الأمر بلوره الاتحاد الاوربي عبر صياغة آليات دائمة لكن مجلس التعاون يفتقر اليها.

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات