أكتوبر 2019

تمهيد

يعرض هذا التقرير عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر أكتوبر 2019 م، وناقشها نخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • السياحة.. الصناعة التي تليق بالسعودية الجديدة.
  • شذرات نفسية في يوم الصحة النفسية.
  • العلاقات السعودية.. الروسية.
  • صحة المرأة.

القضية الأولى

السياحة.. الصناعة التي تليق بالسعودية الجديدة

(6/10/2019م)

  • الورقة الرئيسة: د. فهد العرابي الحارثي.
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. سعود كاتب.
  • التعقيب الثاني: د. مشاري النعيم.
  • إدارة الحوار: د. رياض نجم.

ʘ                     الملخص التنفيذي:

أشار د. فهد العرابي الحارثي في الورقة الرئيسة إلى أنه تواؤمًا مع رؤية المملكة 2030 حول مستقبل “صناعة” السياحة، فإن السعودية تعمل منذ مدة على تحديث منظومة التشريعات والإجراءات المتعلقة بالسياحة، بما يكفل لها الازدهار المطلوب المنتظر، ومن ذلك تيسير وتسهيل الحصول على تأشيرات السياحة للراغبين في زيارة المملكة، فصدور الإعلان بتفعيل التأشيرة الإلكترونية مؤخرًا هو إعلان عن عصر جديد ينقل السعودية إلى العالم، أو يُحضِر العالم إلى السعودية، لتتحول البلاد إلى معرض شاسع مفتوح لكل الناس من كل الأرجاء؛ أي السعودية غير النفطية، السعودية الغنية بتراثها وثقافتها، وهي كانت سابقًا محصورة فيما يُسمَّى بالسياحة الدينية وبأعداد محدودة أيضًا.

وأكد د. سعود كاتب في التعقيب الأول على أن تدشين رؤية 2030 م يُعَدُّ بمثابة تاريخ ميلاد للدبلوماسية العامة السعودية، والتي تعتبر الثقافة والسياحة من مقوماتها الأساسية. فقبل الرؤية كانت تلك الدبلوماسية تعاني كُساحًا يصل في بعض جوانبه إلى درجة الشلل التام، نتيجة لافتقادها كثيرًا من المقومات اللازمة لتمكينها من النهوض والحركة، مثل الثقافة والفنون والتراث والآثار وغيرها. ‏وقد نتج عن ذلك الكُساح جَعْل التواصل الشعبي الخارجي مهمة بالغة الصعوبة، بشكل حجب عن العالم أجمل ملامح وصفات إنسانيتنا المشتركة، أو أنه منَح انعكاسًا غير حقيقي، وأسهم في جعل الكثير من الناس في الخارج تُسارِع في تصديق كل ما يُقال عنا لعدم رؤيتهم لأجمل ملامحنا، وليس من المبالغة القول بأننا أصبحنا في نظر البعض وكأننا مخلوقات من كوكب آخر غير كوكب الأرض. والحقيقة أن المملكة سوف تجني بحول الله من تيسير الحصول على تأشيرات السياحة للراغبين في زيارة المملكة وتفعيل نظام التأشيرة الإلكترونية، فائدةً مزدوجةً كبيرة من تشجيعها للسياحة وتسهيل إجراءات الزيارة، بالإضافة إلى الخطوات الأخرى العديدة الموازية التي تمَّ العمل عليها، ومنها: إيلاء الاهتمام الكافي والرعاية اللازمة للثقافة والمسرح والسينما والفنون، وللمناطق الأثرية والتاريخية، والتي عانت جميعها لعقود طويلة من الكُساح أو حتى من الشلل الكامل لبعض جوانبها وعناصرها.

بينما ركز د. مشاري النعيم في التعقيب الثاني على أن السياحة بالطبع لا يمكن تحقيقها بشكل حقيقي في مشاريع معزولة عن البيئة الاجتماعية والثقافية المحلية، وبالرغم من أهمية مشاريع مثل القدية ونيوم والبحر الأحمر إلا أن العمل الحقيقي يجب أن ينصبَّ على إعادة بناء المدن والقرى السعودية التي تحمل بذور الثقافة السعودية المتعددة التي يبحث عنها السائح الأجنبي أكثر من أي شيء آخر. إن فكرة تقديم السعودية للعالم أو أن يأتي العالم للسعودية لا يمكن أن تتحقق عبر المشاريع السياحية المعزولة (رغم أهميتها)؛ بل يجب أن يكون هذا العمل عن طريق تقديم ما يميز السعودية (تراثها، طبيعتها، ثقافتها المحلية، مطبخها وحرفها التقليدية). وبالطبع ما زال هناك إهمالٌ كبير في فهم الحرف والصناعات اليدوية المحلية وكيفية تقديمها كمنتج له خصوصية، وتحويلها إلى علامات Brands يمكن أن تحمل موطنها المحلي (صُنِع في نجران أو عسير أو الأحساء). يُضاف إلى ذلك أنه حتى هذه اللحظة لم نُطوِّر مفهوم المحطة السياحية التي تعزز من التنوع الثقافي والطوبوغرافي والمناخي وحتى الحرفي والفني (بما في ذلك فنون الأداء والحركة).

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s      فُرص ازدهار السياحة بالمملكة.

s      جوانب إفادة المملكة من قرار إتاحة التأشيرات السياحية.

s     التحديات والآثار السلبية التي تواجه قطاع السياحة في المملكة.

s      التصورات المقترحة لتعظيم إفادة المملكة من التأشيرات السياحية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “السياحة.. الصناعة التي تليق بالسعودية الجديدة” ما يلي:

1-  أن يتم الإسراع في إنشاء البنى التحتية المهمة، كالمواصلات والمنشآت الصحية والفنادق المناسبة حول المواقع الأثرية والسياحية والثقافية في المملكة؛ لتشجيع السياح على زيارتها.

2-  تدريب الجهات الأمنية المحلية في المدن السعودية على الأساليب المناسبة للحماية الأمنية الكافية للمواقع السياحية، وفي التعامل مع السياح، وضرورة إجادة أفراد الشرطة لحد أدنى من اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات التي يتحدث بها غالبية السياح الزائرين للمملكة.

  • الورقة الرئيسة: د. فهد العرابي الحارثي:

تواؤمًا مع رؤية المملكة 2030 حول مستقبل “صناعة” السياحة، فإن السعودية تعمل منذ مدة على تحديث منظومة التشريعات والإجراءات المتعلقة بالسياحة، بما يكفل لها الازدهار المطلوب المنتظر، ومن ذلك تيسير وتسهيل الحصول على تأشيرات السياحة للراغبين في زيارة المملكة؛ فصدور الإعلان بتفعيل التأشيرة الإلكترونية مؤخرًا هو إعلان عن عصر جديد ينقل السعودية إلى العالم، أو يُحضِر العالم إلى السعودية، لتتحول البلاد إلى معرض شاسع مفتوح لكل الناس من كل الأرجاء؛ أي السعودية غير النفطية، السعودية الغنية بتراثها وثقافتها، وهي كانت سابقًا محصورة فيما يُسمَّى بالسياحة الدينية، وبأعداد محدودة أيضًا.

السياحة “صناعة” على قدر كبير من الأهمية والتأثير، ولا سيما من الناحية الاقتصادية. فهي في فرنسا أو إسبانيا تُمثِّل المصدر الأهم في الدخل القومي للبلاد (مئة مليون سائح يَفدون إلى فرنسا سنويًّا). ومن الطبيعي أن يكون من أبرز المنتجات التي تقدمها صناعة السياحة: الثقافة نفسها. والمقصود بالثقافة هنا ما يتوافر عليه المجتمع من قيم وخصوصيات في التفكير والسلوك. والمقصود بالثقافة أيضًا تراث ذلك المجتمع في الفنون والتاريخ والآثار والفلكلور. وقرأت مؤخرًا أن الصين – على سبيل المثال – تتجه وبقوة إلى ترويج نفسها كجهة ثقافية وسياحية بامتياز. فخلال سنة 2018م، سعت الصين لأن تكون الدولة صاحبة العدد الأكبر في المواقع الأثرية والتراثية المُسجَّلة في منظمة اليونسكو. والصين تُسجِّل فعليًّا أعدادًا كبيرة من المواقع الأثرية والتراثية، فقد لا تتفوق عليها سوى إيطاليا، ومن المنتظر أن تتجاوزها الصين التي أدركت أهمية القوة الناعمة المستمدة عبر التاريخ من الحضارة والثقافة. ويلاحظ المهتمون أن هناك دولاً متعددة تمكنت من تحقيق مواقع على خريطة العالم الإنسانية بأقل التكاليف وبعوائد كبرى انعكست على صورتها الذهنية، وعلى اقتصاداتها المحلية.

ونظرًا لأهمية السياحة ثقافيًّا واقتصاديًّا، فقد كانت تنميتها ودفعها لتكون مصدرًا من المصادر المهمة للدخل هدفًا واضحًا وبينًا لرؤية المملكة العربية السعودية 2030. والمعلوم أن السعودية تنعم منذ القدم بنوع متفرد من أنواع السياحة الذي لا يضاهيها فيه أحد، وهو ما يُسمَّى بالسياحة الدينية (الحج والعمرة) وإدراكًا لهذه الميزة الحيوية، فالرؤية تعمل على أن يبلغ عدد الحجاج في العام 2030م ستة ملايين حاج، وأن يصل عدد المعتمرين إلى ثلاثين مليون معتمر في العام. أما أنواع السياحة الأخرى فمن المتوخى أن تجتذب العشرين مليونًا.

لا ينبغي أن تُؤخذ السياحة على أنها مجرد دخل يزيد في موجودات خزينة الدولة.. بل هي احتفال تنموي كبير جدًّا، فالسياحة تتطلب أن تعمل المملكة على تحسين الأداء، وتطوير الخدمات ودعم كفاءة الاستيعاب، وتطوير النقل، والضيافة، والصحة، والتسوق؛ وهو ما يعني حراكًا تنمويًّا ينبغي أن يتسم بالنجاعة والكفاءة. فالسياحة ليست فقط تأشيرات، وتنوُّعًا ثقافيًّا، وتسهيلات ترفيهية؛ بل هي أيضًا منظومة كبيرة من الخدمات التي تتطلب بنية تحتية متكاملة، ما يعني خلق مجالات رحبة للاستثمار، وخلق فرص عمل لا محدودة. والسياحة كذلك ليست فنادق ووسائل نقل فحسب، بل هي، بالإضافة إلى ذلك، إعادة هيكلة للثقافة المحلية برمتها: التراث والآثار ومناطق الترفيه. وهي فوق ذلك إعادة صياغة لسلوك المواطنين، وطريقة تفكيرهم، وحسن تقديرهم لعلاقاتهم مع الآخرين في ظل ثقافة جديدة تقتحم عليهم جدرانهم الحصينة، أو بالأحرى التي كانت حصينة.

وبهذه الأهداف الكبرى تكون السعودية – كما ذكرنا في مكان سابق – قد انتقلت إلى مستويات متقدمة جدًّا من التنافسية والمنافسة، ليس على مستوى المنطقة بل على مستوى العالم. ولم لا مادامت العوامل التي تقود إلى ذلك متوفرة، وأهمها: قوة الإرادة، وحسن الإدارة، والتخطيط، وتوفير الأموال، والقدرة على استثمارها، وإعداد الكوادر المتفوقة التي ستنهض بالحمل؟

والمملكة ضمن الرؤية 2030 نفسها التفتت كذلك إلى مناطق الجذب السياحي، مثل مناطق الآثار (العُلا مثلًا)، وهي كثيرة ومنتشرة في أرجاء البلاد، فأولتها اهتمامًا بالغًا؛ تخطيطًا وتشريعًا، وقبل ذلك كله إحياءً. ونقول إحياءً لأنه مرَّت سنوات طويلة وجانب الآثار يعاني من ضغوط متشددة من حيث النظرة الشرعية التقليدية إليه، بل إن الإهمال والغلو في النظر إلى الآثار أدى فيما مضى إلى اندثار واختفاء ثروات ثقافية هائلة في هذا الجانب.

أجل فعدا الآثار؛ فإن المملكة تتوافر على ثراء وتنوع ثقافي لافت قلما يوجد في بلدان أخرى: في العمارة، والفلكلور، والأزياء، والحُلي، والمأكولات، والرقصات، والفنون بشكل عام. ولقد كان هذا التنوع موضوعًا لعدد من الدراسات التي اشتغل عليها باحثون شغوفون، وإن كانت ما زالت هناك كنوز كثيرة في التراث الثقافي السعودي لمَّا تُكتشف بعدُ، وهي تحتاج إلى جهود كبيرة لدراستها وتوثيقها والتعريف بها، واستثمارها ثقافيًّا وسياحيًّا.

والترفيه يتداخل غالبًا مع الثقافة والسياحة في كثير من مجالاتها، ولا سيما في جانب الفنون على مختلف صيغها، فضلًا عما تتوافر عليه الطبيعة ذاتها في المملكة من فرص ترفيهية في البر والبحر، وفي المرتفعات والجبال والسهول والصحاري والشطآن.

أما التنوع المناخي في المملكة فسيضمن تدفق السياح في كل الفصول، فلا يغيب عن البال ما يتمتع به جنوب السعودية من مناخ جذاب في أيام ارتفاع درجة الحرارة، وهو ينافس أهم المصايف في المنطقة إذا ما توفَّرت الخدمات التي يتوق إليها السائح.

وإنَّ من خير ما يعكس اهتمام وطموح السعودية في مجال صناعة السياحة ما أعلن عنه في 31 يوليو 2017م صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد حول مشروع “البحر الأحمر”، وتبلغ مساحة المشروع الإجمالية حوالي 34 ألف كيلو متر مربع، ويتضمن أكثر من 50 جزيرة طبيعية، بين منطقتي أملج والوجه.

وسيشكل مشروع البحر الأحمر وجهةً سياحية رائدة، تتربع على عدد من الجزر البكر في البحر الأحمر. وقريبًا من المشروع، تقع مدائن صالح الغنية بالآثار والتاريخ، وهي أيضًا تمتاز بجمالها العمراني. كما ستُتاح لزائري مشروع البحر الأحمر، وعلى بعد دقائق قليلة من الشاطئ الرئيسي، فرصة التعرف على الكنوز الخفية في منطقة المشروع نفسه، مثل المحمية الطبيعية لاستكشاف تنوع الحياة النباتية والحيوانية في المنطقة. وسيتمكن هواة المغامرة من التنقُّل بين البراكين الخاملة الواقعة بجوار منطقة المشروع، وسيحصل عشَّاق الغوص على فرصتهم في استكشاف الشعاب المرجانية الوفيرة في المياه المحيطة به. وسيكون مشروع البحر الأحمر واحدًا من المشروعات التي ستسهم في تطوير مفاهيم السياحة وأدواتها ومنتجاتها وأغراضها، وفق التقارير المتعددة التي نُشرت حوله.

ولم يكن مشروع البحر الأحمر الوحيد الذي لفت الأنظار في العام 2017م، فقد سبقه الإعلان عن مشروع “القدية” الذي سيكون أكبر مدينة ترفيهية ورياضية وثقافية في العالم. وتقع القدية جنوب غرب العاصمة الرياض بمساحة تبلغ 334 كم مربع، ويضم 4 مجموعات رئيسة هي: الترفيه، ورياضة السيارات، والرياضة المائية، والإسكان والضيافة. وسيكون هناك بيئات مثالية متنوعة تشمل مغامرات مائية ومغامرات برية.

ويُتوقَّع أن تكون “القديّة” وجهة سياحية كبرى على مستوى الخليج والعالم. وبهذه الأهداف الكبرى تكون السعودية قد انتقلت إلى مستويات متقدمة جدًّا من التنافسية والمنافسة، ليس على مستوى المنطقة فحسب وإنما على مستوى العالم أيضًا.

كما أن مدينة “نيوم” المُعلَن عنها في 24 أكتوبر2017م ستقدِّم العديد من المنتجات والفرص السياحية، وهي في جانبها الثقافي تسعى لتصبح محورًا يجمع أفضل العقول والشركات لتخطي حدود الابتكار إلى أعلى مستويات الحضارة الإنسانية وَفْق التقارير المنشورة عنها. وقد ذكرت التقارير نفسها أنه قد تم تصميم هذه المنطقة الخاصة لتتفوق على المدن العالمية الكبرى من حيث القدرة التنافسية، ونمط المعيشة؛ إذ من المتوقع أن تصبح مركزًا رائدًا للعالم بأسره.

وفي “نيوم” شواطئ خلابة تمتد على أكثر من 460 كم من السواحل، وفيها العديد من الجزر البكر، والجبال الشاهقة الخلابة على ارتفاعات تصل إلى 2500م، وهي تطلُّ على خليج العقبة والبحر الأحمر، وتغطي قممَها الثلوجُ في فصل الشتاء. وفي “نيوم” كذلك صحراء شاسعة جاذبة للسياحة.

لعلنا نلاحظ إذًا أن المشروعات السياحية المدرَجة ستنقل السعودية إلى مصاف الدول الكبرى التي تُولي اهتمامًا بالغًا لصناعة السياحة. وسينعكس الاهتمام بالسياحة ليس فقط على دعم مستقبل الاقتصاد السعودي المنعتق من إدمان النفط، بل كذلك على إنعاش نشاطات وفعاليات وموروثات ثقافية وفنية في غاية الأهمية.

وإضافة إلى ما تقدم، فالسياحة لها ثقافتها ولها وسائلها في العرض والتسويق والتشويق، ولها منظوماتها من الدراسات والقواعد والإجراءات والتشريعات التي تكفل لها الأداء المستقل الجيد، وتضمن للمستهلك أو المستفيد الحصول على ما يُقابل ما ينفق من الأموال. ويمكن أن نتكلم براحة تامة عما نُسمِّيه “عولمة” البيئة الإجرائية للسياحة، وبالتالي نشوء حشد معرفي وتقني هائل يساعد في التعريف بالمقومات السياحية في المناطق الجاذبة والمنخرطة في تنافسية الصناعة في أرجاء الكرة الأرضية، واستدعى ذلك ميلاد ورواج تطبيقات تقنية سهَّلت الترويج للصناعة، ويسَّرت الخدمات للمستهلكين؛ وهو ما عزَّز مزيدًا من الإقبال على السياحة، وما دفع إلى اكتشاف صيغ مهمة لحوار الحضارات، وسجال الثقافات. وقد أضحت هذه الصيغة تؤدي اليوم دورًا مهمًّا في المشروع الإنساني الأهم الذي تلخصه هذه العبارة: “مختلفون بلا خلافات”، وإذا استطاع المعنيون بالسياحة تأكيد هذه “الحمولة” الإنسانية المهمة لصناعتهم، فهم سيقومون بالدور الأهم في ترسيخ مشروع “سلام العالم”.

  • التعقيبات:

ʘ       التعقيب الأول: د. سعود كاتب

أشار د. فهد الحارثي في الورقة الرئيسة إلى قيام المملكة بتحديث منظومة التشريعات المتعلقة بالسياحة، ومن ذلك تيسير الحصول على تأشيرات السياحة للراغبين في زيارة المملكة، وتفعيل نظام التأشيرة الإلكترونية. والسؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى الأذهان هنا هو، ما مدى أهمية هذه الخطوة للمملكة، وهل نحن حقًّا بتلك الحاجة إليها؟ وهو سؤال بالمناسبة ردَّده البعض – بشكل أو بآخر- على شبكات التواصل الاجتماعي.

الحقيقة أن المملكة سوف تجني – بحول الله – فائدة مزدوجة كبيرة من تشجيعها للسياحة وتسهيل إجراءات الزيارة، بالإضافة إلى الخطوات الأخرى العديدة الموازية التي تم العمل عليها، ومنها: إيلاء الاهتمام الكافي والرعاية اللازمة للثقافة والمسرح والسينما والفنون، وللمناطق الأثرية والتاريخية، والتي عانت جميعها لعقود طويلة من الكُساح أو حتى من الشلل الكامل لبعض جوانبها وعناصرها.

لو نظرنا في البداية إلى حجم السياحة العالمية ونموها المذهل، فإننا سوف نصل إلى قناعة تامة بأن استمرار القصور في توظيفها كمصدر يعود بالفائدة على البلد هو خسارة كبيرة لا مبرر لها. فوفقًا لبيانات منظمة السياحة العالمية (UNTWO)، ‏فإن عدد السياح في عام 2018 م وصل إلى رقمٍ قياسي هو 1.4بليون ‏سائح دولي، بزيادة قدرها %6 عن العام 2017 م، وبمدخولات تمثل حوالي 1.7تريليون دولار. وهذه أرقام لها معنى ومدلولات كبيرة على أهمية السياحة ودورها في الاقتصاد العالمي. وما تملكه المملكة من مقومات تؤهلها لتبوُّء مكانة متقدمة سياحيًّا، ومن ذلك توفُّر البنية التحتية اللازمة للسياحة بكافة أشكالها.

ويوضِّح الشكل التالي النمو العالمي الكبير للسياحة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

والواقع أن السياحة بالنسبة لأي بلد ليست مجرد قوة ومصدر اقتصادي، ولكنها أيضًا قوة ناعمة مزدوجة، يمكن النظر إليها من عدة زوايا، منها:

  • يُكوِّن السياح عادةً قدرًا أعمق من الفهم عن البلد الذي قاموا بزيارته بشكل يؤدي إلى مزيد من التعاطف والإحساس بالود نحوه، وذلك عندما تكون نظرتهم إلى تجربة الزيارة إيجابية. فأحد مردودات السياحة هو زيادة وعي ومعرفة شعوب العالم بالبلد، وتعزيز صورته الإيجابية في أذهانهم، والعمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم عنه باستخدام أدوات الثقافة المختلفة.
  • السياحة وبرامج التبادل الثقافي المختلفة تعمل على التأثير على النخب سواء الإعلامية أو السياسية أو الثقافية، وتمنحهم شعورًا بالأُلفة والانطباع الجيد عن البلد بغرض زيادة تأييدهم له، والتعامل معه إعلاميًّا وسياسيًّا وثقافيًّا كبلد صديق وحليف.
  • الانفتاح السياحي يتبعه عادةً قيام الجهات المعنية بإبراز أجمل معالم ومزايا البلد، والتعامل مع أي صور سلبية تُؤخذ عنه، وذلك بشكل مستمر ومنهجي تتضح نتائجه على المدى الطويل في تحسن صورة وسمعة البلد خارجيًّا، ومن ثَمَّ تصبح تلك الصورة أحد خطوط الدفاع التلقائية أمام أي حملات إعلامية مسيئة.
  • أمر آخر ينبغي أخذُه دومًا في الاعتبار، وهو أن سياح البلد إلى الدول الأخرى يعملون كسفراء لدولهم، بحيث يُتوقَّع منهم إيصال رسائل إيجابية عنه، فمن المعروف أن هناك صورًا محددة ترتبط بسياح دول معينة، منها على سبيل المثال: أغنياء، مشاغبون، لطفاء، كرماء. فتلك الصور يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية، كما أن مَن يسهم في ترسيخها هم عادة أعداد قليلة، لكن تأثير ما يقومون به من ممارسات يكون لها صدى كبير. من أجل ذلك نجد أن الحكومة الصينية تقوم بشكل مستمر بتوعية مواطنيها حول الكيفية التي ينبغي عليهم اتباعها عند السفر إلى خارج الصين، وهو أمر تقوم به أيضًا بانتظام وزارة الخارجية السعودية. فالسياحة بشقيها “الداخلة” و”الخارجة” ينبغي أن تعمل على تدعيم صورة البلد في الخارج وترسيخ انطباع وفكرة معينة مُحبَّبة عنه؛ كالكرم أو التسامح أو المودة. وعلى جانب آخر، العمل على تعديل أي تصور أو سمعة غير إيجابية عنه.
  • تعمل السياحة بالتكامل مع برامج التبادل الثقافي المختلفة على خلق تقارب نوعي بين الشعوب، خاصة بين فئة الشباب لتقوية قيم التسامح والتعايش وقبول تعدُّد الآراء المختلفة.

من أجل كل ذلك، فإن السياحة بكافة أشكالها ينبغي منحها قدرًا كافيًا من الرعاية والاهتمام؛ لكونها ‏مصدرًا اقتصاديًّا، وفي الوقت ذاته قوة ناعمة بالغة التأثير.

 وفي هذا الصدد، فإن أي خطوات في هذا الاتجاه لن تحقق النتائج المرجوة منها، دون وجود تكامل بين كافة الجوانب ذات العلاقة: السياحة، والثقافة، والإعلام، والجوانب التشريعية والتنظيمية، وغيرها.

إن تدشين رؤية 2030 م يعتبر بمثابة تاريخ ميلاد للدبلوماسية العامة السعودية، والتي تعتبر الثقافة والسياحة من مقوماتها الأساسية. فقبل الرؤية كانت تلك الدبلوماسية تعاني كُساحًا يصل في بعض جوانبه إلى درجة الشلل التام، نتيجة لافتقادها كثيرًا من المقومات اللازمة لتمكينها من النهوض والحركة، مثل: الثقافة والفنون والتراث والآثار وغيرها. ‏وقد نتج عن ذلك الكُساح جَعْل التواصل الشعبي الخارجي مهمة بالغة الصعوبة، بشكل حجب عن العالم أجمل ملامح وصفات إنسانيتنا المشتركة، أو أنه منح انعكاسًا غير حقيقي، وساهم في جعل الكثير من الناس في الخارج تسارع في تصديق كل ما يقال عنَّا لعدم رؤيتهم لأجمل ملامحنا، ولا أبالغ عندما أقول: إننا أصبحنا في نظر البعض وكأننا مخلوقات من كوكب آخر غير كوكب الأرض.

إن هذا الانفتاح السياحي والثقافي سوف يعود بحول الله على المملكة بالكثير من الفوائد والمزايا، سواء على شكل عوائد ومردودات اقتصادية، أو معنويًّا عبر تعزيز صورة وسمعة المملكة في الخارج.

ʘ         التعقيب الثاني: د. مشاري النعيم

في البداية، أود أن أذكر أن هيئة السياحة والتراث الوطني قامت بإجراء دراسة بالتعاون مع البنك الدولي حول استثمار التراث الوطني في مجال السياحة، فأكدت الدراسة أن كل دولار يُصرف على الاستثمار في التراث وتنميته وتطويره سيكون العائد منه هو 3 دولارات، أي ثلاثة أضعاف. كما أن مركز التراث العمراني الوطني قام بإجراء دراسة مع البنك الدولي حول أواسط المدن السعودية (7 مدن) التي يمكن أن تحمل إمكانية استثمارية في مجال التراث، فوجدت الدراسة أن أغلب المدن فقدت الكثير من حيويتها التراثية والثقافية، والاستثمار في هذا الجانب يتطلب إعادة التفكير كليًّا في كيفية التعامل مع وسط المدينة. ولكن بالطبع السياحة ليست كلها “تراثًا” لكنها دون شك مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بقلب المدينة وحيويتها التراثية والحكايات التاريخية التي ترويها لزوَّارها.

خلال الأعوام من 2001 وحتى نهاية عام 2018 كان الأمير سلطان بن سلمان على رأس جهاز السياحة في المملكة، وأول برنامج بدأ به هو “التراث الثقافي”، ثم بدأ بعد ذلك ببرنامج طموح يركز على تطوير المواقع السياحية في المملكة من خلال وضع آلية تجعل من الشركاء فاعلين، خصوصًا وزارة الشؤون البلدية والقروية والكهرباء والمياه، وكان الهدف من وراء ذلك تهيئة البنية التحتية للمواقع السياحية التراثية خصوصًا تلك التي يملكها المواطنون. في الواقع كانت هناك مهمة كبيرة، وهي تهيئة الذهن المجتمعي لمفهوم السياحة وثقافتها، وهذا تطلَّب الكثيرَ من العمل خصوصًا وأن هيئة السياحة لم تكن جهةً تنفيذية بل كانت جهة تشريع وتنظيم، وهذا ما قامت به عندما عملت على نظام السياحة ونظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني ونظام الحرف الوطنية. ومع ذلك، عملت الهيئة خلال السنوات الفائتة على تطوير أكثر من 10 متاحف إقليمية خصوصًا بعد انضمام الآثار والتراث العمراني إلى هيئة السياحة عام 2008م. كما قامت بتسجيل 5 مواقع في سجل التراث العالمي منذ عام 2010م.

هذا التعقيب لا يهدف إلى استعراض ما قامت به هيئة السياحة والتراث الوطني، وهو كثير جدًّا؛ حتى لو أن البعض يتساءل على المنتج العيني لهذا العمل الدؤوب والجهد الكبير لبناء ثقافة السياحة على المستوى الاجتماعي، وهو الأمر الذي أشار له د. فهد من خلال تعرُّضه لمسألة إعادة بناء الثقافة المجتمعية حول السياحة، وهي مسألة جوهرية في نجاح أي صناعة سياحية؛ لأن المجتمع المستقبل للسياح وقدرته على التواصل مع الزوَّار يعتبر جزءًا مهمًّا في هذه الصناعة. في واقع الأمر، ما زالت السياحة تعاني من إشكالات أساسية وهي أن المواقع ذات العمق التراثي تفتقر للخدمات بشكل كبير؛ وبالتالي كان من الضروري تطوير البنية التحتية الخاصة بها. الأمر الأكيد أن هذه المواقع ما زالت تعاني من إشكالات كبيرة في البنية التحتية والفوقية، وما زالت بعيدةً جدًّا عن الجاذبية الاستثمارية.

بالطبع السياحة لا يمكن تحقيقها بشكل حقيقي في مشاريع معزولة عن البيئة الاجتماعية والثقافية المحلية، وبالرغم من أهمية مشاريع مثل القدية ونيوم والبحر الأحمر؛ إلا أن العمل الحقيقي يجب أن ينصب على إعادة بناء المدن والقرى السعودية التي تحمل بذور الثقافة السعودية المتعددة التي يبحث عنها السائح الأجنبي أكثر من أي شيء آخر. في اعتقادي أن فكرة تقديم السعودية للعالم أو أن يأتي العالم للسعودية لا يمكن أن تتحقق عبر المشاريع السياحية المعزولة (رغم أهميتها)؛ بل يجب أن يكون هذا العمل عن طريق تقديم ما يميز السعودية (تراثها، طبيعتها، ثقافتها المحلية، مطبخها وحرفها التقليدية). وبالطبع مازال هناك إهمالٌ كبير في فهم الحرف والصناعات اليدوية المحلية وكيفية تقديمها كمنتج له خصوصية، وتحويلها إلى علامات Brands يمكن أن تحمل موطنها المحلي (صُنِع في نجران أو عسير أو الأحساء). يُضاف إلى ذلك أنه حتى هذه اللحظة لم نطور مفهوم المحطة السياحية التي تعزز من التنوع الثقافي والطوبوغرافي والمناخي وحتى الحرفي والفني (بما في ذلك فنون الأداء والحركة).

بقي أن أقول إن هناك إشكاليةً مهمة التفتت لها منظمة اليونسكو ومنظمة السياحة العالمية، وهي التوازن بين استثمار التراث كمنتج سياحي والحذر من الإفراط في استخدامه كمنتج بما قد يؤدي إلى خسارته في نهاية الأمر، وقد عُقد أول مؤتمر لهما في هذا الخصوص في كمبوديا قبل أربع سنوات تقريبًا (وقد شاركتُ في هذا المؤتمر)، وكان من الضروري أن يخرج هذا المؤتمر بتوصيات تؤثر على الأنظمة المحلية حتى لا تفرط في توظيف التراث كمنتج سياحي دون التفكير بتروٍ وعقلانية للمحافظة على هذا المنتج الذي لا يتكرر، والذي وصفه الأمير سلطان بن سلمان بأنه بئر نفط لا ينضب.

ʘ     المداخلات حول القضية:

فرص ازدهار السياحة بالمملكة:

من وجهة نظر د. محمد الملحم، فإن السياحة الأجنبية بالمملكة ستكون نابضةً بالحياة في جانبها الثقافي، ويمكن الاستفادة من التجربة الإماراتية خاصة فيما يتعلق باستكشاف الصحراء وتجربة العيش فيها، علمًا أن رحلات استكشاف الربع الخالي من خلال الأجانب عليها إقبال كبير، وهناك عدد محدد من التصاريح تُمنَح للراغبين.

ويرى أ. محمد الدندنيأن لدينا في المملكة أجواءً جميلة من نوفمبر إلى نهاية مايو. ليس بالضرورة أن يكون كل السياح مهتمين بالثقافة والتراث والآثار. هناك سياح يبحثون فقط عن الترفيه في الشواطئ والجزر.. إلخ. وأضاف أن السياحة الجماعية هي الأفضل لتقديم الخدمات من خلال وكالات سياحية منظمة، أما سياحة الأفراد حاليًّا فتحتاج إلى تكامل عناصر السياحة، وقبول شعبي من حيث صناعة الخدمة وتقبُّل السائح.

ويرى د. علي الطخيسأن من الفرص المتاحة إمكانية ترتيب برامج خاصة ضمن برامج السياحة لقضاء الليالي المقمرة (ليالي ١٥،١٤،١٣) من كل شهر هجري في الصحراء، فنحن الدولة الوحيدة التي سيكون لديها ميزة نسبية.

وذكر م. إبراهيم ناظرأن هيئة المساحة الجيولوجية السعودية قد قامت بإصدار دليل هواة الرحلات البرية في المملكة العربية السعودية، يهتم بالسياحة الجيولوجية، وهذا الدليل يوضح أهم الظواهر الطبيعية والسياحية والتعدينية والآثار التي تهم الباحث والزائر للمناطق البرية في المملكة العربية السعودية، مع تعريفها وتحديد مواقعها وطريقة الوصول إليها، إضافةً إلى بعض المعلومات عن بعض الظواهر التي تزخر بها أراضي المملكة، والتي تُنشر لأول مرة مدعمة بالخرائط الطبوغرافية الحديثة التي تغطي جميع أراضي المملكة العربية السعودية. ويأتي هذا باعتبار السياحة الجيولوجية هي فرع رئيس لصناعة السياحة ذات المزيج العلمي البحت في قالب ترفيهي ترويحي مميز.

لكن د. خالد الرديعانعقَّب بأننا بحاجة إلى دليل شامل يضم المواقع السياحية ومناطق الآثار والمنتجعات والجبال والشواطئ ومدن الألعاب، والحياة البرية مما يبحث عنه عموم السياح وليس فئة واحدة. يضمُّ كذلك المتاحف الشخصية في جميع مناطق المملكة. بينما في اعتقاد أ. محمد الدندني،فإن المطلوب هو جَمْع المعلومات في دليل واحد، وبجانب ذلك من المهم أن يكون هناك دليل لكل منطقة سياحية في مدن ومواقع مختلفة من المملكة.

جوانب إفادة المملكة من قرار إتاحة التأشيرات السياحية:

يرى د. رياض نجمأن أكبر ميزة لفتح التأشيرات السياحية هي فتح المملكة للعالم ليرى بعينه بلدنا على حقيقتها الغائبة، والتي استغلها أعداؤنا للنيل منَّا. ففي السابق كانت المملكة كصندوق أسود لا يعلم العالم ما بداخله، فكانت وجهةً فقط للعمل وأداء الحج والعمرة؛ وحتى الآثار الدينية (ومنها الإسلامية) لم تكن متاحة للزوَّار لا من الداخل ولا من الخارج.

وأكد د. علي الحارثيعلى أن الانفتاح على الآخر لا شك أنه مفيد للغاية بالشروط الإيجابية والمهنية والاقتصادية الواجب اتخاذها والعمل بها، حتى لا ينعكس أثرها سلبًا على سمعة البلد وأهله وثقافته وتاريخه.

ولفت نظر د. صدقة فاضلعبارة أن دعم السياحة وازدهارها لدينا سوف يسهم في:” إعادة صياغة سلوك المواطنين وطريقة تفكيرهم، وحسن تقديرهم لعلاقاتهم مع الآخرين “. وذلك هدف كبير، يمكن للسياحة المزدهرة أن تحققه لمواطنينا، حتى في المدى القريب. وأضاف أنه سبق لمجلس الشورى مناقشة ضرورة دعم وتنمية السياحة في المملكة، وإنشاء وزارة خاصة للسياحة والآثار. فبلادنا – كما جاء في الورقة وكلا التعقيبين – غنية بعوامل الجذب السياحي المختلفة، بما تملكه من ثروة سياحية يمكن أن تنافس مثيلاتها في الدول المتقدمة سياحيًّا وتنظيميًّا. وجدير بالذكر أن دعم وتنمية السياحة السعودية سيسهم في دعم وتقوية القوة الناعمة لبلادنا بشكل جميل ومضمون أجمل، وهذا مما يعزز مكانة المملكة.

ومن وجهة نظر د. مشاري النعيم،فإن حصر السياحة على الداخل كان يشكل أحد أهم معوقات الاستثمار في الخدمات السياحية بالنسبة لرجال الأعمال، فهذا الاستثمار لم يكن ذا جدوى اقتصادية، ومن المتوقع أن تتيح التأشيرة السياحية فرصةً للقطاع الخاص لمراجعة موقفه.

وتطرق د. سليمان الطفيلإلى الجوانب الإيجابية المتعلقة بإعلان المملكة إصدار التأشيرات الإلكترونية للسياحة والسماح لمواطني ٤٩ دولة أجنبية بالحصول عليها، والتي تمثِّل المرحلة الأقوى في إطلاق قطاع السياحة كأحد أهم أسس رؤية 2030، وهي خطة ضمن مجموعة خطط تهدف لتنويع مصادر الدخل وعدم اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط كمصدر وحيد للدخل. حيث تم إقرار أسعار رسوم التأشيرة السياحية ب 300 ريال، ورسوم التأمين الوطني 140 ريالًا لتصل القيمة الإجمالية إلى 440 ريالًا يدفعها كل سائح، بالإضافة إلى رسوم القيمة المضافة والمعاملة. ومدة صلاحية التأشيرة ستكون 360 يومًا من تاريخ الصدور، ومدة الإقامة في المملكة 90 يومًا لكل زيارة، ولا تزيد على 180 يومًا خلال السنة الواحدة. ومن الممكن أن يقوم رجل الأعمال القادم بتأشيرة زيارة بتأسيس أعمال تجارية له من خلال توكيل أو تعيين شخص مُرخَّص له محليًّا ليمثله أو يكون وكيلاً عنه في إدارة أعماله، وهو بذلك يكون قد سهَّل على نفسه مسألة تنظيم عمله. ومثل هذه المميزات يُتوقَّع أن تجعل السياحة للمملكة متفوقةً على ما تمنحه الكثير من دول العالم لتحقيق مفهوم التنافسية السياحية. وعلى وجه التحديد، فإن الآثار الإيجابية لتأشيرات السياحة الجديدة ستكون عديدة، أهمها:

1-  زيادة الطلب على الريال عالميًّا وهو ما يُتوقَّع أن يسهم في زيادة القوة الشرائية له؛ وبالتالي قدرة المملكة في الحصول على عملات صعبة تمكِّنها من تيسير حركة التجارة الخارجية مع العالم الخارجي، وتزيد بالتالي من حركة التبادل التجاري مع كثير من دول العالم وبالذات الدول التي حظيت بهذه التأشيرات، وهو ما يتطلب ضرورة السعي الحثيث في زيادة عدد الدول التي تحظى بهذه التأشيرة حتى تحقِّق المملكة أعلى درجات التنافسية مع بقية الدول إذا ما أرادت جَعْل السياحة مصدرًا داعمًا للاقتصاد.

2-  زيادة أعداد السياح سوف يعزز ويشجِّع الصناعات المحلية وكذلك التجارة المحلية، بدءًا من تجارة التحف والهدايا والملابس والأطعمة والمأكولات السعودية ذات الصبغة التراثية والثقافية العريقة.. وكذلك تنمية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية التي ستأتي أولاً للسياحة، ثم تنطلق في البحث عن الفرص، وهو ما يتطلب ضرورة أن تعمل الغرف التجارية من خلال مجلس الغرف السعودية لطرح مبادرات تجارية وخصومات موسمية تشجِّع التجار على جذب السياحة، وتنشر مفهوم المنتج الوطني عبر معارض ومهرجانات تجارية مُشجِّعة للسياح، وناقلة لمفهوم قدرة المواطن السعودي كتاجر أو مستثمر على التعايش مع الآخرين من خلال البساطة، والقدرة على الأداء والجودة.

3-  سوف تزيد التأشيرات السياحية من أعداد الزائرين للسياحة بالمملكة، وهذا بدوره سيزيد من الطلب على السلع والخدمات، ومن ثَمَّ زيادة معدل الإنفاق على الاستهلاك الذي هو جزء من معادلة الدخل؛ وهو ما يعني زيادة التأثير في الطلب على الاستثمار، وبالتالي القدرة على التوظيف وتخفيض معدلات البطالة.

4-  سوف تحظى الأسواق الشعبية والأسر المنتجة بحظ وافر من هذه السياحة إذا ما تم توظيفها وتنظيمها بشكل جيد مدروس، وسيكون لذلك انعكاس إيجابي على تحسُّن حياة الأسر المعيشية، ويسهم في جعلها منتجة وذات مردود اقتصادي نافع ومساهم في عملية البناء والاقتصاد.

5-  سوف ترفع التأشيرات السياحية الإلكترونية من معدلات الإشغال للفنادق والأجنحة الفندقية والمنتجعات والنزل الريفية؛ وهذا يستدعي ضرورة تقديم الدعم والتسهيلات من الدولة لزيادة عدد الوحدات الفندقية على مستوى المملكة، وجذب المستثمرين في القطاع السياحي من شتى الدول، وتيسير إجراءات عملها، وتشجيع تأسيس التحالفات مع الشركات المحلية، وهو دور ومسؤولية هيئة السياحية، إلى جانب صندوق الاستثمارات العامة لعمل صندوق قرض سياحي ضخم لتمويل المشاريع السياحية التي سينهض بها القطاع الخاص؛ وإذا لم يتحقق شيء من ذلك فإنه يُتوقَّع أن ينعكس سلبًا في زيادة الأسعار، وربما انخفاض جودة الخدمات بسبب عدم القدرة على المواءمة مع سرعة الانفتاح السياحي.

6-  تلعب السياحة دورًا مهمًّا في تحفيز النمو الاقتصادي من خلال خلق فرص العمل، وتوفير العملات الأجنبية، وتعزيز التكنولوجيا، وتوليد عائدات استثمارية، وتحسين مستويات المعيشة للأفراد.

7-  كما تسهم السياحة كصناعة في توسيع الأعمال وزيادة الدخل مقارنة بأي قطاعات أخرى، وتعمل كوسيط تصدير غير مرئي يجلب الثروة التي تُستخدم في اتجاه المساهمة في تحسين الموازنة بين الدفع والإنتاج وعجز الموازنة والعمالة.

8-  تضمن تعقيب د. سعود كاتب عدد السياح في العالم وإنفاقهم، والذي كان عند معدل ٤٥٠٠ ريال في المتوسط لكل فرد؛ وهو ما يعطي مؤشرًا لأهمية تقديم الخدمات السياحية ذات الجودة والأسعار الأقل حتى تجذب السياح، وتُعزِّز من ترددهم وتواجدهم. كما أن الأسعار تمثل عنصرًا مهمًّا في تحديد الوجهة السياحية غالبًا لدى كثير من الناس، وهو ما يجب مراعاتها دائمًا لترسيخ مفهوم السياحة السعودية كبديل جيد عند مقارنته بدول العالم.

9-   يُتوقَّع أن تعمل السياحة الجديدة على تحسين الميزان السياحي في ميزان المدفوعات للمملكة، حيث تتم عملية المقاصة ما بين إنفاق المواطنين على السياحة الخارجية وجَلْب مقتنيات من الخارج مع ما ينفقه السياح الأجانب في داخل حدود أراضي المملكة واقتنائهم للسلع والخدمات الوطنية، وهو ما يستوجب تسهيل أنظمة وإجراءات السياحة الداخلية وتوفير كافة الخدمات لها، بالإضافة إلى العمل على تحقيق الإشباع للمواطنين داخليًّا بدلاً من خروجهم خارج حدود الوطن إلا لاماكن نادرة يصعب توفرها داخل المملكة؛ وذلك بهدف تشجيع المواطنين على قضاء إجازاتهم واستمتاعهم بأوقاتهم داخل الوطن، والذي يمتلك مقومات عديدة للسياحة حان الوقت لتنميتها واستثمارها.

10-  تنمويًّا، سوف تعمل السياحة الجديدة على تنمية المناطق المستهدفة وبخاصة المدن التي تفتقر لبعض خدمات البنية التحتية، وهو ما يساعد في تحقيق أهداف المملكة في تحقيق التنمية المتوازنة للمناطق، ورفع مستوى المعيشة والخدمات فيها.

11-  من منظور ثقافي وحضاري، فإن السياحة هي حركة ديناميكية ترتبط بالجوانب الثقافية والحضارية للإنسان؛ بمعنى أنها رسالة حضارية وجسر للتواصل البشري في الثقافات والمعارف الإنسانية للأمم والشعوب، وهي محصلة طبيعية لتطور المجتمع وتقدُّمه. ولولا الاستقرار والأمن والأنظمة والتشريعات التي تتميز بها المملكة لما أمكن للسياحة أن تكون عنصرًا مهمًّا في رؤية ٢٠٣٠م. ولقد مارست المملكة مفهوم السياحة الدينية وحازت على الريادة العالمية في ذلك؛ وهي الآن تُطلِق مرحلة جديدة مع السياحة العالمية الأوسع نطاقًا، وهو مطلب أساسي لانتقالها إلى مرحلة متقدمة من التطور الحضاري والثقافي الذي هو انعكاس لتطور المجتمع السعودي واستعداده لضيافة جنسيات وثقافات ولغات مختلفة ومتنوعة.

  التحديات والآثار السلبية التي تواجه قطاع السياحة في المملكة:

حدَّد أ. فهد القاسمأهمَّ التحديات التي تواجه قطاع السياحة في المملكة فيما يلي:

1-                 تغيير ثقافة المجتمع نحو السياحة والتعامل مع السياح والمناطق والمشاريع السياحية بإيجابية.

2-                 آليات تمويل المشاريع العملاقة التي تطرقت لها الورقة الرئيسة، والجدوى الاقتصادية منها، ومرحلية التنفيذ.

3-                 تردد القطاع الخاص في خوض المشاريع السياحية الكبرى لطول مدة استرداد رؤوس الأموال.

وفي تصوُّر د. محمد الملحم،فإن السياحة الأجنبية لا تركز على الشواطئ والمنتزهات في المملكة بقدر ما تركز على بيئات طبيعية أخرى، مثل الصحاري وتكوينات الجبال المتميزة بها الجزيرة سواء التي في الجنوب أو الشمال الغربي، وكذلك بعض المظاهر الطبيعية المتفردة في المملكة مثل الكهوف والتكوينات الجيرية، كما أن زيارة المواقع الأثرية ذات البعد التاريخي هدفٌ لكثير من السياح، بجانب التفاعل مع المجتمع السعودي التقليدي الذي يجدونه في القرية والجبل والهجر البدوية. ومن هذا المنطلق، فإن توفُّر المنتجعات أو الفنادق أو ما شابه ذلك من المقومات لن تكون قيمة حاسمة لازدهار مثل هذه السياحة (على الرغم من أهميتها)، وتبقى هناك حاجة إلى:

1-                 القوانين الواضحة وطريقة تطبيقها بما يكفل سلامة وراحة السائح.

2-                 توافر المعلومات الكافية عن جميع مناطق الجذب بكل مشاربها، مع توفير الأدلاء السياحيين وتسهيل مهماتهم.

واتفق أ. محمد الدندنيمع ما ذهب إليه د. مشاري النعيم في تعقيبه من أن البنى التحتية في مواقعنا الأثرية ليست جاهزةً لاستقبال السياح، ويُضاف إلى ذلك بعض التساؤلات المهمة، ومنها:

1-                 هل لدينا كشعب لطافة التعامل مع السائح؟

2-                 هل نمتلك الروح الخدمية، والسعي لتقديم أفضل خدمة وتقبُّل التذمُّر وطلبات السائح المعروفة؟

3-  ماذا عن سياحة الترانزيت في مطاراتنا وإعطاء فيزة لمدة ٤٨ أو ٧٢ ساعة للتسوق؟ أليس معيبًا أن تكون مطاراتنا هادئة ومطار دبي يعجُّ بالمسافرين؟ أليس مهمًّا تفعيل نشاط الخطوط السعودية وشركات وطنية أخرى؟ كم مطارًا لدينا؟ وهل هي مستغلة الاستغلال الأمثل؟

ومن جهته ركَّز د. مساعد المحياعلى النقاط التالية:

ʘ   هل الذي يجري لدينا يمكن أن ينمِّي الدخل فعلاً أم أن الإنفاق على الأماكن السياحية سيكون مُكلِّفاً؟ الصورة العامة الآن أن هناك إنفاقًا هائلاً لتنمية أو إنشاء أو تأهيل مواقع واستقطاب لعناصر مشاركة بمبالغ كبيرة جدًّا. وهذه التكاليف الباهظة يمكن ألا تتيح أيَّ هوامش ربحية مقارنة بالتكلفة.

ʘ   نحن نتفاءل كثيرًا بأن يأتي إلينا الملايين، والظن أن هذا التفاؤل غير واقعي؛ إلا من حيث السياحة الدينية إنْ صحَّ التعبير؛ لأن بعض الأرقام تشير إلى وجود سياح ربما يكون هدفهم مكة والمدينة، وكمثال فإن المسلمين في الصين كانوا يُمنَعون من قِبل بلادهم من الحصول على تأشيرات الحج والعمرة، والتأشيرات السياحية ربما تكون فتحت لهم بابًا كبيرًا وأزاحت عنهم موانع عديدة، وربما ذلك يخرجهم من تكاليف إضافية كانت تُؤخَذ منهم، وهكذا بالنسبة لبلدان أخرى.

ʘ   إذا كان المواطنون يبحثون عن كل فرصة ليسافروا للعديد من الدول، وبالتالي القليل منهم مَن يعتقد بكفاءة المرافق السياحية داخليًّا، فكيف نُقنع السائح الأجنبي بأن لدينا أماكن تستحق الزيارة والمشاهدة؟

ʘ                   ينقصنا إعداد برامج نوعية للسائحين تتسق واهتماماتهم، بحيث تقوم بها شركات متخصصة، وتُمارس عملها بمسؤولية وطنية.

ʘ   إن أهم مكان سياحي يمكن أن يستقطب الكثيرين هي الجبال في مدينة العلا ومدائن صالح، وهذه المناطق بحاجة لتأهيل سياحي كبير، ولعل الجهود الأخيرة أضافت لها كثيرًا من اللمسات لكن بعضها للأسف يحتاج إلى عناية خاصة.

ومن جانبه تساءل د. علي الحارثي: هل الحال في المملكة استوفى كل هذه العناصر أو حتى الحد الأدنى منها، لننفتح على العالم سياحيًّا ونسمح لـ (٤٩) دولة متحضرة تنشد خدمات سياحية متكاملة كما هو لديها؟ الاعتقاد أننا لم نصل حتى إلى أقل من الحد الأدنى لمتطلبات السياحة، وهو ما قد ينعكس سلبًا وبشدة علينا.

وتساءل د. عبد الله المطيري: كيف نواجه التحديات ونقلل من الآثار المجتمعية السلبية المترتبة على منح التأشيرات السياحية؟ وفي هذا السياق، أوضح أ. محمد الدندني أن من المنطقي أولاً التوعية في الإعلام والسوشيال ميديا داخليًّا وخارجيًّا عن أن السعودية بلد سياحي يتوافر فيه الآثار والمتاحف العامة والفولكلور الشعبي، وأيضًا سياحة الاستجمام والترفيه من شواطئ وجزر وما معها من هوايات كالغوص في البحر الأحمر وغوص اللؤلؤ في الخليج… إلخ. والاعتقاد أننا ما زلنا لمَّا نقُم بما يلزم بعدُ في إقامة المعارض الدولية المتخصصة، ودعوة المنظمات والشركات السياحية الكبرى لتقديم السوق السياحي في المملكة، وعمل دورات تدريبية لمَن يرغب العمل في هذا المجال، واستقطاب طلبة الآثار والتاريخ ليقوموا بعمل دليل سياحي ضمن شركات سياحية. ومن ناحية مكملة، فإن الآثار السلبية يبقى مبالغًا فيها، وإنْ وُجدت فهي أقل من المنافع من حيث إنها مصدر دخل وفرص عمل، ونقل المجتمع للانفتاح والتواصل مع الشعوب. السياحة أيضًا ستفعِّل ثقافة التواضع والانضمام للنادي البشري.

أما د. رياض نجم فتساءل: إذا كان الحد الأقصى للإقامة في المملكة بموجب هذه التأشيرة هو ١٨٠ يومًا، فهل يشكِّل طول المدة ضغطًا على البنى التحتية في المملكة إذا زاد عدد السياح بشكل كبير وأقاموا لمُدد طويلة؟ ومن وجهة نظر د. سليمان الطفيل، فإن هناك بلا شك منافع وتكاليف لفتح الزيارة؛ لكنَّ المنافع بصفة عامة تطغى على التكاليف متى ما أُحسِن استغلالها وتعظيم فوائدها وجني مكاسبها. أما بالنسبة لطول المدة فلا يعني طول بقاء جميع السياح بل هي فسحة لهم، لكن الأغلب والأعم كما هو معمول به في معظم الدول هو الزيارات القصيرة، والاعتقاد أن السياح بالنسبة لنا على الأقل سيجدون تلك المقومات التي تدعوهم للبقاء مدة أطول لقصر خبرة المملكة في تهيئة الظروف المناسبة للسياحة، وعدم توفُّر البنية التحتية الكافية على الأقل في السنوات العشر القادمة؛ مما يستلزم فعلاً المحافظة على مستوى معين من الخدمات السياحية، والتدرُّج في بناء منظومة العمل السياحي الجاذب والمُمكِّن لهذا القطاع المهم كمصدر إضافي للدخل إلى جانب السياحة الدينية.

ʘ                   التصورات المقترحة لتعظيم إفادة المملكة من التأشيرات السياحية:

ركز د. خالد الرديعانعلى سُبل تعزيز الاتجاهات الإيجابية عند الجمهور نحو السياحة والسياح انطلاقًا من أهمية السياحة كمورد اقتصادي غير قابل للنضوب. فالواقع أن المملكة تتجه نحو تنويع مصادر دخلها، والسياحة أحد المصادر المهمة في هذا الجانب؛ لما ستوفِّره من فرص اقتصادية وفرص عمل، كما أشار د. فهد الحارثيفي الورقة الرئيسة. يفترض والحال كذلك أن يكون الجمهور على مستوى الحدث؛ بحيث يكون تفاعلهم مع القرارات الأخيرة بخصوص التأشيرة السياحية إيجابيًّا ومحفِّزًا للسائح للبقاء في المملكة لأطول فترة ممكنة؛ إذ كلما طال بقاؤه زاد إنفاقه. لا نريد أن نرى أحداثًا أو مواقف مناوئة للسياح كما حدث في بعض الدول العربية في السنوات الماضية بذريعة أن السائح لا يحترم ثقافة البلد أو معتقداته. نحن بلد إسلامي ومحافظ ولله الحمد، ولا نقدِّم ما يتعارض مع الشرع الكريم، لكن احترام خصوصية السياح ومساحتهم الشخصية يظل عاملًا مهمًّا في رسم صورة إيجابية عن المملكة، وفي دفع السائح للبقاء والتجوُّل في المملكة، وربما تكرار زيارة المملكة وإرشاد أبناء جلدته للسياحة في المملكة. كما أن علينا التخلص من الصور النمطية عن السياح واللغو الذي رأيناه في بعض وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الفائتة بسبب أخطاء صغيرة يتم تضخيمها والبناء عليها في تشويه الرأي العام، وتشويه مفهوم السياحة. بجانب ضرورة العمل على تغيير وجهة نظرنا نحو الوافدين لتكون إيجابية، وأن لا نتحسس من وجودهم، أو التأليب عليهم طالما هم ممتثلون لأنظمة بلدنا وخاصة من غير المسلمين. السياحة مورد رزق، وهو ما يجب أن نضعه نُصب أعيننا لنجاح السياحة في المملكة.

وأضاف د. خالد الرديعانأن المناطق الصغيرة والمحافظات بمجتمعاتها المحلية قد تكون جاذبة للسياح؛ وبالتالي فمن المهم وجود جهاز للأمن السياحي لتوفير الحماية اللازمة للسياح، وأن تقوم هيئة السياحة بتوفير مرشدين أكفاء يُجيدون عدة لغات للعمل كمرشدين بعيدًا عن العمل العشوائي والاجتهادات الفردية التي لا تُحسِّن تقديم صورة المملكة. ولعل من المناسب مَنْع أصحاب السيارات غير المرخصة للأجرة من العمل في نقل وتوصيل السياح، فهم غير متخصصين وهذه ليست مهنتهم. نجد هؤلاء في المطارات وبكثرة، وقد نتعاطف معهم من منطلق أنهم لا يعملون، ومن ثَمَّ نحاول مساعدتهم. إن أهم عنصر يبحث عنه السائح قبل مغادرته بلده هو أمنه الشخصي وسلامته، وبالتالي يجب أن لا يغيب هذا العنصر عن القائمين على السياحة وصنَّاع القرار. ويُفترَض كذلك أن نجد مكاتب لهيئة السياحة في كل مطار من مطارات المملكة بحيث تضمُّ منشورات وبروشورات مطبوعة بطريقة أنيقة باللغتين العربية والإنجليزية وربما بلغات أخرى. كذلك فإن عمل حملة إعلامية مكثفة للترويج للسياحة وتبيان منافعها الاقتصادية قد يكون عملًا آخر تضطلع به وزارة الإعلام بالتعاون مع هيئة السياحة. علينا كذلك التخلص من الحساسية المفرطة تجاه وجود نساء أوروبيات أو غيرهن في مجموعات سياحية، ولا بأس من تخصيص شواطئ لهن في بعض المناطق المطلة على البحر لممارسة السباحة والرياضات المائية. وفيما يخص الفنادق يُفترَض وجود معلومات كافية عن الأماكن السياحية، وتنسيق عالي المستوى مع شركات التنقل الداخلي والمواصلات لنقل السياح وتوفير الرعاية الطبية لهم طالما أنهم يدفعون مقابل التأمين الطبي حسب شروط التأشيرة السياحية. هذا يعني ضرورة الاهتمام بالخدمات الطبية والتنسيق في هذا الجانب مع المستشفيات المتخصصة.

إن خلق اتجاه إيجابي تجاه السياح الأجانب والسياحة مسألة في غاية الأهمية حتى لا نقع في بعض الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها بعض الدول العربية مما قد يشوِّه سمعة المملكة، ويضرب السياحة في مقتل كما حدث في تونس منذ عدة سنوات. نحن عمومًا شعبٌ مضياف، ويجب تعزيز هذه القيمة كجزء من الحملة الإعلامية المقترحة أعلاه.

لكن د. محمد الملحمعارض فكرة إنشاء جهاز أمنى للسياحة؛ باعتبار أن مثل هذا الإجراء يمثل تهديدًا للسياحة أكثر من كونه عاملاً جاذبًا. فإذا لم يشعر السائح أنه سيُعامل بكل احترام من الجميع، وإذا تجرأ أحدٌ بمسِّ حق من حقوقه فإن الجهة التي تحمي مواطني البلد هي نفسها التي ستحميه، وبنفس القوة وبطريقة حضارية وبدون تعقيدات؛ فإنه لن يأمن على نفسه. وبالمناسبة، السائح نفسه مُعرَّض أيضًا للاعتداء في بلده لكنه مُطمِئن هناك لثقته في الإجراء ولإدراكه أن ذلك لا يحدث في كل مكان، وإنما في جهات محددة هو وغيره يتجنبونها. يجب أن نصل لهذه الصورة على الأقل ليشعر كل شخص أنه سيعيش تجربة مريحة جدًّا، بجانب ضرورة توعية أفراد الجهات الأمنية وضبط سلوكهم، وكذلك توعية أفراد المجتمع وسن قوانين السلوك العام ووضعها محل التنفيذ. أيضًا وفي اعتقاد أ. فائزة العجروش، فإنه ليس من الضروري تخصيص شُرطة خاصة للسياحة بقدر ما هو ضروري جدًّا العمل السريع والمكثف لتدريب وتأهيل جميع منسوبي القطاع الأمني لكيفية التعامل مع السائح بطريقة مختلفة وسريعة، والاستفادة من تجاربنا الناجحة في التعامل باحترافية عالية مع الحجاج والمعتمرين من مختلف الجنسيات والثقافات على مدى سنين طويلة سواء من الناحية الأمنية أو الصحية.

في حين ذهب أ. محمد الدندنيإلى أن الشرطة أو الأمن السياحي يكون جزءًا من المنظومة الأمنية ولكنه متخصص في التعامل مع نوعية السياح؛ أي جزء من المنظومة التي تحمي المواطنين. وبدورها أيدت د. عبير برهمينوجود شرطة أو جهة خاصة للسياحة أو أي تنظيم يساعد على حماية الحقوق والواجبات للسائح وصاحب المنشأة والمواطن. فالتجاوزات يمكن أن تحصل ومن الضروري أن يكون هناك نظام معين يُتبع ولا يُترك الأمر للاجتهاد الشخصي على الأقل حتى يعتاد الجميع على هذا الوضع الجديد في بلدنا.

وأكد د. فهد الحارثيعلى أهمية تنمية وتطوير البنى التحية في مناطق الجذب السياحي، وهذا دور القطاع الخاص والمستثمرين، مع الحاجة إلى استكمال التشريعات والقوانين، وترقية الخدمات الفندقية بأنواعها؛ وما يرتبط بذلك من تدريب العاملين بقطاع السياحة، والعمل على تطوير المعارف السياحية. وفي السياق ذاته، فإنه يلزم معالجة موضوع التأشيرة الإلكترونية بالنسبة للدول غير المشمولة؛ فقد يتم استغلال هذا النقطة لدى بعض العرب والمسلمين. ومن ناحية أخرى، فإننا ربما نحتاج في بداية المشوار مع السياحة أن نرفع الشعار الذي كان يرفعه دائمًا أهل مكة: “الحاج دائمًا على حق” في سبيل حمايته من أي أذى، فلا يقترب منه أحدٌ لأنه دائمًا على حق! فالواقع أن فتح باب التأشيرات السياحية بهذه الطريقة كان مفاجِئًا للجميع في الداخل والخارج؛ ولهذا ينبغي أن نهيئ لهذا الأمر ما يضمن نجاحَه بكل المقاييس.

وأكد د. صدقة فاضلعلى ضرورة إنشاء وزارة السياحة والآثار في أقرب فرصة ممكنة. وبدوره تساءل د. رياض نجم: هل إنشاء وزارة للسياحة بدلاً من الهيئة الحالية يزيد من البيروقراطية، وربما يجعل بعضًا من المبادرات أكثر صعوبة في التنفيذ؟ ومن جانبه يرى د. صدقة فاضلأن إنشاء هذه الوزارة أصبح ضروريًّا، طالما كنا بصدد دعم وتنمية السياحة لدينا بشكل غير مسبوق. ويمكن لهذه الوزارة – إنْ رأت النور – أن تأخذ بوسائل الإدارة الحديثة جدًّا، والمعروفة الآن. ويمكن عبر هذه الوزارة توحيد كافة إجراءات قدوم السائحين، وتسريع هذه الإجراءات بما يضمن نظامية القدوم وسهولته.

واتفق د. عبد الله المطيريمع القول بأن ثقافتنا الاجتماعية ليست بالمستوى الذي يواكب ثقافة المجتمعات التي يحقُّ لمواطنيها الحصول على التأشيرة، والحل هو غرس مفهوم السياحة الحديثة – الذي أشار له كاتب الورقة الرئيسة والمعقبان – في الجيل الجديد، وواحدة من الوسائل في نظره وضع مقرر تثقيفي للطلاب والطالبات يبيِّن كيفية إفادتهم من السياحة الداخلية والخارجية، بجانب كيفية التعامل مع السياح الوافدين للمملكة، إضافةً إلى التعريف بالأماكن السياحية في كافة مناطق المملكة ومحافظاتها.

وذهبت أ. فائزة العجروشإلى أن خطة المملكة الحالية تواجه بالتأكيد تحديات كبيرة؛ فاحتضان المزيد من الزوَّار الدوليين سيكون بمثابة اختبار وتحدٍ كبير للمملكة التي لم يتعود شعبها استقبال سياح بمعنى كلمة سياح، لم يأتوا للعمل أو لزيارة المقدسات الدينية، وكذلك لم يتعودوا على رؤية النساء الأجنبيات بدون العباءة؛ لذا كان من المفترض العمل على تهيئة وتوعية المجتمع السعودي كافة بضرورة تقبُّل السياح بكافة دياناتهم واحترام خصوصيتهم أثناء تواجدهم بيننا، والتدريب الشامل والمكثف لمَن يعملون في مجال السياحة قبل صدور القرار؛ فهذه خطوة مهمة جدًّا تُجنبنا كثيرًا من المشاكل، فضلًا عن أي سوء تعامُل من المواطنين يعطي صورة سيئة عنَّا تجعل السائح لا يفكر في زيارة المملكة مرة أخرى؛ خاصة وأن أغلب الدول التي تم اختيارها لقدوم السياح منها، هي دول متقدمة في جميع المجالات، ويمتلك أفرادها موارد دخل عالية وعلى درجة عالية من الوعي والثقافة، وهو الأمر الذي يفرض أن نستقبلهم على نفس المستوى الذي يُفترض أن يلقاه السياح في وجهتهم التي اختاروها للسياحة؛ لنكسبهم اقتصاديًّا وثقافيًّا وكزائرين دائمين للمملكة، وهو ما سيكون له أثره البالغ في تغيير الصورة النمطية الراسخة لديهم منذ زمن طويل عن المواطن العربي عامة والسعودي خاصة، وهذا بحد ذاته أحد أهم المكاسب التي سنجنيها دون شك من فتح الباب للسياحة في بلادنا.

وطرح د. حمد البريثنإمكانية تبني المملكة لمؤتمرات دولية وعلمية وطبية وإنسانية وغيرها بالتنسيق مع قطاع السياحة. بجانب وضع قنوات شبيهة بالتأشيرات السياحية للوظائف المرتبطة بالتعليم والبحث والتطوير؛ بهدف استقطاب طلاب الدراسات العليا والباحثين المتميزين لفترات قصيرة؛ بحيث يكون الحصول على التأشيرة سهلاً وعن طريق التعاملات الإلكترونية بدلًا من الطريق المعهود ذي الأمد الطويل أو المغلق. وأوضح د. فهد المحيابخصوص المقترح الأول أنه كما تم الإعلان، فإنه يتم التنسيق حاليًّا مع هيئة المؤتمرات. أما بشأن المقترح الثاني، ففي تصوُّر أ.د. عثمان العثمانأنه يمكن استقطاب الطلاب والباحثين المتميزين في حدود مدة التأشيرة. وذهب م. أسامة كرديإلى أن هناك العديد من المعوقات التي تعترض قطاع السياحة وتبقى بحاجة ماسة إلى حلها، وقد يكون من المفيد اقتراح إقرار التأشيرات الإلكترونية لزيارة المعارض وحضور المؤتمرات بحيث لا يتطلب الأمر المرور على السفارة.

واقترحت د. فايزة الحربيتوفير مواصلات نقل عام للمواقع السياحية، وكذلك إعداد خطط سياحية متنوعة بالصور لأهم المعالم السياحية والمطاعم المرغوبة في مجموعات (Packages)يسهل اختيار السياح منها، بحيث تُوزَّع في صالات المطار الدولية والفنادق، بجانب استقبال دعم مالي وعيني من جميع الجهات المستفيدة في السياحة المحلية كدعاية لهذه الجهات. وأضافت د. مها العيدانالحاجة إلى تهيئة المطارات الدولية في المملكة بمكاتب سياحية لتأجير السيارات والفنادق مع تخصيص مواقف محددة ومرخصة للمواصلات.

واهتم د. مساعد المحيابإعداد مواد صوتية ومصوَّرة بكل اللغات تتعلق بكل الأماكن التي ستتم زيارتها من قِبل السياح بحيث يمكن الاستماع إليها عبر كود معين باستخدام الجوال بدلاً من الاكتفاء بالمواد المكتوبة أو المطبوعة.

وأكدت د. وفاء طيبةعلى ضرورة الاهتمام بالمسألة الصحية من ناحية العمل على أن يكون السائح في مأمن في مواجهة أي طارئ صحي، بحيث أولًا تُهيَّأ البيئة لعدم التعرُّض لأي طوارئ في الرحلات السياحية، وثانيًا يجد السائح (المواطن أو المقيم) العناية الصحية السريعة في حال حدوث أي طارئ.

واقترحت د. عبير برهمينوضع ضوابط محددة لتقبُّل الآخر، بما يتفق وقواعد الذوق العام، ولا يتجاوز الضوابط الشرعية. كما أن من المهم تهيئة الأسر المنتِجة للتعامل مع السياح وتطبيق اشتراطات السلامة الغذائية خاصة عند إعداد وصفات الطعام الشعبية.

في حين تعتقد د. عائشة الأحمديأن قانون الذوق العام كافٍ، ولا نحتاج وضع ضوابط وانْ كانت بسيطة، إذ تكون عاملاً مُنفِّراً للسياحة لدينا، لا سيما أننا ما زلنا في تجربتنا السياحة في مرحلة المهد، وهو ما يفرض علينا الحذر، والبعد كثيرًا عن الصلف في ضوابط السماح.

وأشار د. سليمان الطفيلإلى أن هناك جوانب مهمة تتعلق بجذب السياح لا بد من الالتفات إليها، وهي تستلزم مشاركة القطاع الخاص، وأهمها:

–                     رفع مستوى الخدمات في قطاع الضيافة عمومًا، وخاصة المطاعم والمقاهي.

–                     توفير الخدمات الطبية والعلاجية والتأمين الطبي، وبالأخص مراكز العلاج المتخصصة.

–                     تأسيس مراكز التسويق ال، out letللماركات العالمية في أطراف المدن الكبيرة.

–   توفير عدد كبير من المرشِدين السياحيين حتى لو استدعى الأمر استقدام خبرات من دول مجاورة لنقل خبراتهم بين الشباب؛ للقيام بهذا الدور بشكل احترافي.

–                     تطوير المدن السياحية والبرامج الترفيهية المناسبة.

–   التركيز على البرامج السياحية التي تعكس أصالة وثقافة المجتمع السعودي؛ إذ إن السياح ولا سيما المثقفين منهم يتطلعون وبشوق للتعرُّف على الناس في مواطنهم وهم بطبيعتهم وطريقة حياتهم، وقد تكون هناك حساسيات لدى عدد كبير في مجتمعنا في مسألة الخصوصية إذا ما أراد السياح تصويرهم وهم في أماكن عملهم أو يسيرون على مراكبهم. قد يتطلع السائح لجمع أكبر عدد ممكن من الصور عن طبيعة الحياة وطريقة الناس في لبسهم وأكلهم وشربهم؛ وهو ما يتطلب تكثيف البرامج الإعلامية والمنتديات الثقافية بضرورة توعية المواطنين بذلك حتى ننقل صورة حسنة تليق بمجتمعنا عبر برامج السياحة الهادفة.

ʘ                      التوصيات:

1-  أن يتم الإسراع في إنشاء البنى التحتية المهمة، كالمواصلات والمنشآت الصحية والفنادق المناسبة حول المواقع الأثرية والسياحية والثقافية في المملكة؛ لتشجيع السياح على زيارتها.

2-  إعداد برامج وفواصل على وسائل الإعلام السعودية عن كيفية التعامل مع السياح باختلاف ثقافاتهم ولغاتهم، ترسل رسائل للمواطن بأن تواجد السياح بيننا هو مصدر دخل له، وفرصة للتعرف على ثقافات جديدة وتعريفهم بثقافتنا.

3-                 وضع ضوابط محددة لتقبُّل السياح، بما يتفق وقواعد الذوق العام ولا يتجاوز الضوابط الشرعية.

4-  تدريب الجهات الأمنية المحلية في المدن السعودية على الأساليب المناسبة للحماية الأمنية الكافية للمواقع السياحية، وفي التعامل مع السياح وضرورة إجادة أفراد الشرطة لحد أدنى من اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات التي يتحدث بها غالبية السياح الزائرين للمملكة.

5-                 إقامة المعارض والمشاركة في مؤتمرات السياحة العالمية بغرض الترويج للسياحة في المملكة، خصوصًا ما تتميز به عن غيرها من الدول.

6-                 العمل على تلافي المظاهر التي تزعج السياح وتضايقهم وتعطيهم انطباعًا سيئًا عن المملكة، مثل الأفراد غير المُرخَّصين لنقل الركاب في المطارات، مع الصرامة في تطبيق الأنظمة تجاه كل مَن يُسِيء للسياح أو يُعطِي صورةً نمطية سلبية عن المملكة وشعبها.

7-  التنسيق بين الجهات المعنية حول إمكانية الاستفادة من التأشيرة السياحية لزيارة الأساتذة الزائرين للجامعات لمدد قصيرة، ولأغراض المشاركة في المؤتمرات والمعارض التي تُقام في المملكة، سعيًا لتنمية هذه الصناعة.

8-  إعداد تطبيق مدعم بمواد صوتية ومرئية باللغات الرئيسة تعرِّف بالأماكن التي ستتم زيارتها من قِبل السياح، بحيث يمكنهم التعرف عليها قبل وصولهم لهذه المواقع، وكذلك التفاعل مع معالم هذه المواقع عند زيارتها؛ وهذا سوف يقلل الحاجة للمرشدين السياحيين، ويُروِّج للمواقع السياحية عن بُعد.

القضية الثانية

شذرات نفسية في يوم الصحة النفسية

(13/10/2019م)

ʘ       الورقة الرئيسة: د. فهد سعود اليحيا.

ʘ        التعقيبات:

  • ·التعقيب الأول: د. نوال الضبيبان.
  • ·التعقيب الثاني: د. حسين الحكمي.

ʘ    إدارة الحوار: د. خالد الرديعان.

ʘ      الملخص التنفيذي:

أشار د. فهد اليحيافي الورقة الرئيسة إلى أنه ورد في رؤية 2030 أن سـعادة المواطنيـن والمقيميـن تأتي علـى رأس الأولويات، وسـعادتهم لا تتـم دون اكتمــال صحتهــم البدنيــة والنفســية والاجتماعيــة، وهنــا تكمــن أهميــة بنــاء مجتمــع ينعــم أفــراده بنمــط حيــاة صحــي، ومحيــط يتيــح العيــش فــي بيئــة إيجابيــة وجاذبــة. وفي هذا الإطار فقد بدأت وزارة الصحة منذ أكثر من سنتين مشروعًا لتوفير الرعاية الصحية النفسية الأولية في مراكز الصحة الأولية / طب الأسرة والمجتمع في الأحياء. كما اعتمدت هيئة التخصصات الصحية برنامجًا لمدة عام للحاصلين على شهادة مجلس طب الأسرة والمجتمع (الطب العام/مراكز الرعاية الأولية). فمن المعروف عالميًّا أن 75% من المرضى النفسيين يقوم بعلاجهم طبيب المركز الأوليَّ/طب الأسرة والمجتمع.

وركَّزت د. نوال الضبيبانفي التعقيب الأول على كيفية وقاية هذا الإنسان من التدهورات النفسية التي قد تصل به إلى مثل تلك الحالات، خاصة وأن الأمراض النفسية في عمومها قاسية ومؤلمة للنفس البشرية، وتجعل الفرد وأسرته يعانون ويتمزقون أكثر من الأمراض الجسدية. لذا، فقد اهتمت الدولة في الخطط والإستراتيجيات الحديثة ورؤية 2030 بمفهوم السعادة وبرامج جودة الحياة، وحددت لها ستة مؤشرات لقياسها، وهي كالتالي:

1-           التصنيف العالمي لقابلية العيش.

2-           مسح ميرسر Mercer لجودة الحياة.

3-           قائمة مجلة مونوكل Monocle لنمط الحياة.

4-           مؤشر السعادة العالمي 2017.

5-           مؤشر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لجودة الحياة.

6-           مؤشرARRP لجودة المعيشة.

ومن جانبه أوضح د. حسين الحكميفي التعقيب الثاني أنه للأسف لا يزال المجتمع لدينا لا يعي أهمية الخدمات النفسية والاجتماعية ودور المتخصصين في هذين المجالين في خدمة المجتمع والوطن وتطوُّره ومواجهة مشكلاته، هذا الوعي ليس حصرًا على عامة الناس، بل حتى على المسؤولين وأصحاب القرار في الوزارات والمؤسسات المعنية؛ نعلم جميعًا دور المدرسة وأهميته في تطوُّر الوطن وتهيئة شباب وبُناة المستقبل، ففي المدارس وإلى الآن لا يوجد مَن يدعم قرار توفير متخصص في الجوانب النفسية وآخر في الجوانب الاجتماعية ليقوما بمهامهما في مواجهة وحل ومعالجة المشكلات التي بعد تطورها وتفاقمها سينتج عنها مشكلات تعيق المجتمع بأكمله من التقدم، نعم سيكون لدينا متخصصون في الطب والهندسة والمحاماة والحاسب وكافة التخصصات؛ لكن كيف سيتم مساعدة هؤلاء على مواجهة مشكلاتهم الاجتماعية والنفسية التي قد تتسبب في إعاقة عملهم أو تؤثِّر عليهم سلبًا فلا يقومون بما هو مطلوب منهم بالشكل الصحيح. أيضًا، عندما يكون لدينا مجتمع متطور ماديًّا وتكنولوجيًّا لكن به علل نفسية واجتماعية؛ فإنه بالتأكيد سيكون مجتمعًا مريضًا، ومن الممكن في أي وقت أن تؤثر هذه العلل عليه، فتنهدم كافة الجهود الأخرى؛ والسبب عدم قدرة أفراده على مواجهة مشكلاتهم النفسية والاجتماعية.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s                    ملخص نتائج المسح الوطني للصحة النفسية بالمملكة.

s                    جودة الحياة وعلاقتها بالصحة النفسية والعقلية.

s                    أسباب الأمراض النفسية وطُرق الوقاية منها.

s                    عقبات تواجه الطب النفسي في الواقع السعودي.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “شذرات نفسية في يوم الصحة النفسية” ما يلي:

1-  الاهتمام بالصحة النفسية؛ وتخصيص مبالغ كافية لها، وإنشاء مستشفيات صحة نفسية حديثة تغطي جميع مناطق المملكة. وتفعيل قرار إيجاد نسبة كافية من الأسِرَّة للصحة النفسية في المستشفيات العامة وتجهيزها بالكوادر الطبية المناسبة.

2-  ضرورة التوسُّع في الابتعاث للخارج لدراسة الطب النفسي الإكلينيكي، وتخصص الأخصائي النفسي، والخدمة الاجتماعية الطبية، والعلاج الوظيفي النفسي، والتمريض النفسي.

ʘ    الورقة الرئيسة: د. فهد اليحيا:

تُعرِّف منظمة الصحة العالمية مفهوم الصحة بمثلث أضلاعه: الصحة الجسمانية، والصحة النفسية، والصحة الاجتماعية.

وفي رؤية 2030: “تأتـي سـعادة المواطنيـن والمقيميـن علـى رأس أولوياتنـا، وسـعادتهم لا تتـم دون اكتمــال صحتهــم البدنيــة والنفســية والاجتماعيــة، وهنــا تكمــن أهميــة رؤيتنــا فــي بنــاء مجتمــع ينعــم أفــراده بنمــط حيــاة صحــي، ومحيــط يتيــح العيــش فــي بيئــة إيجابيــة وجاذبــة”.

في عام 1969 أُقيم في مدينة ألما آتا مؤتمر بشعار “الصحة النفسية لكل فرد في عام 2000″، ويُفترض أن يكون هناك طبيب نفساني لكل 1000 نسمة من السكان، ولكن ذلك الإعلان اعتمد كل الوسائل المتاحة في المجتمع للتعامل مع الاضطرابات النفسية!

ومع أن المملكة العربية السعودية من الموقعين على ذلك الإعلان إلا أن الخطوات الحقيقية بدأت عام 1978م، وإنْ كانت بصورة بطيئة وغير منظمة.

ولكن مع الأيام تطوَّرت خدمات الصحة النفسية كثيرًا، والأرقام مُبشِّرة بأن الخير في اطراد، وإنْ كان طريق تحقيق الهدف لا يزال طويلاً.

حاليًّا هناك – في وزارة الصحة – 728 طبيبًا نفسيًّا و3346 ممرضًا و523 اختصاصيًّا نفسيًّا عياديًّا و909 اختصاصيين اجتماعيين و21 مستشفى نفسيًّا بسعة 4046 سريرًا، تم تنويم 33989 مريضًا خلال 2018، كما بلغ عدد المراجعين للعيادات الخارجية 382762 مراجعًا.

وبحسب المعيار العالمي: 50 سريرًا لكل 100 ألف نسمة، وطبيب نفسي لكل 10 آلاف نسمة، و4 اختصاصيين نفسيين لكل 50 سريرًا نفسيًّا، و1.25 ممرض لكل سرير نفسي. وعلى هذا، فإن الأعداد المستهدفة هي: 11000 سريرً نفسي، و2200 طبيب و880 اختصاصيًّا و13750 ممرضًا نفسيًّا.

تجدر الملاحظة هنا أن هذه الأرقام خاصة بوزارة الصحة. ولا تدخل فيها إحصائيات المستشفيات الأخرى، كالعسكري والجامعي والتخصصي وغيرها، وتبقى خدمات هذه الأخيرة محدودةً لا سيما في توفير أسِرَّة نفسية.

ومن المهم الإشارة إلى أن وزارة الصحة بدأت منذ أكثر من سنتين مشروعًا لتوفير الرعاية الصحية النفسية الأولية في مراكز الصحة الأولية / طب الأسرة والمجتمع في الأحياء.

كما اعتمدت هيئة التخصصات الصحية برنامجًا لمدة عام للحاصلين على شهادة مجلس طب الأسرة والمجتمع (الطب العام / مراكز الرعاية الأولية). فمن المعروف عالميًّا أن 75% من المرضى النفسيين يقوم بعلاجهم طبيب المركز الأولي / طب الأسرة والمجتمع.

في إحصائيات منظمة الصحة العالمية يبلغ انتشار الأمراض النفسية 20%؛ مما يعني أنه أكثر من أمراض البرد في فصل الشتاء والتي تصل إلى 7%. بمعنى آخر، لو جُمعت عينة عشوائية من 100 شخص سنجد 20 منهم يعاني من هذا الاضطراب أو ذاك.

في يوم الأحد 13 أكتوبر 2019 تم إعلان المسح الإحصائي لانتشار مختلف الاضطرابات النفسية في المملكة نتيجة دراسة مكثفة استمرت عدة سنوات.

عن اليوم العالمي للصحة النفسية:

تأسَّس الاتحاد العالمي للصحة النفسية World Federation for Mental Health WFMH، في عام 1948 لتعزيز الصحة النفسية وعلاج الاضطرابات النفسية والوقاية منها. وفي 10 أكتوبر 1992، وبمبادرة من الاتحاد العالمي للصحة النفسية، وكان أول الاحتفالات في عام 1992. ومنه انطلق اليوم العالمي للصحة النفسية، وغدا لكل سنة شعار، وشعار هذا العام 2019: منع الانتحار!

عن الانتحار:

قال الشاب ذو العشرين عامًا لأهله في منتصف الليل: أنا خارج، وإذا ما رجعت تلقوني في مستشفى الشميسي. وفي الهزيع الأخير من الليل تلقى أهله مكالمة تفيد بأن ابنهم مُسجَّى في ثلاجة مستشفى الشميسي بعد أن وافته المنية في حادث سيارة!

كنتُ أُدرِّس أطباء برنامج الطب النفسي وبرامج أخرى – يقومون بالتدرُّب في قسم الطب النفسي بمستشفانا لنيل شهادة الاختصاص- عن الانتحار، وذكرتُ أن أكثر الوسائل شيوعًا للانتحار عند رجال الأعمال في أوروبا هي حوادث السيارات (عادة السقوط بالسيارة من قمة جبل)؛ وذلك كي لا يُحرم الورثة من مبلغ التأمين على الحياة، وأضفت أني أظن أن قسمًا من حوادث السيارات عندنا هي عبارة عن محاولات انتحار وقتل (Suicide and homocide). وفُوجئت بأحد أطباء صحة الأسرة والمجتمع يؤكد قولي! وذكر أنه أثناء عمله في قسم الحوادث والطوارئ في مستشفى الشميسي اعترف عدد من الناجين من حوادث السيارات بأنهم كانوا ينوون الانتحار.

بحسب منظمة الصحة العالمية: “كل 40 ثانية، ثمَّةَ شخص في مكان ما يتخذ القرار المأساوي بإنهاء حياته، أي أن 800 ألف شخص يضعون حدًّا لحياتهم كل عام، وهو ما يجعل الانتحار السببَ الثاني للوفاة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا. قد يقرر المرء إنهاء حياته ظنًّا منه أن الانتحار هو الحل الأمثل لجميع المشاكل، لكنه يترك وراءَه آثارًا مدمِّرة على محيطه في البيت والمدرسة والعمل والمجتمع بأسره”.

وبحسب المنظمة، أمام كل حالة انتحار توجد 20 حالة محاولة انتحار، وغالبًا ما تتكرر تلك المحاولات حتى تنجح. 80% من حالات قتل النفس تتم في الدول ذات الدخل المتدني والمتوسط؛ وذلك بسبب غياب الموارد المطلوبة لتقديم المساعدة والإسناد للشخص الذي يعاني من أزمة أو اكتئاب.

لا توجد إحصائية سعودية عن حالات الانتحار أو محاولات الانتحار، ولكن التقديرات تتراوح بين 800 إلى 1400 حالة ما بين انتحار ومحاولة. ومعظم الحالات – وهذا انطباع إكلينيكي- من الشباب بين 18 إلى 35 من العمر.

ويهدف يوم الصحة العالمي 2019 إلى الحد من الانتحار عبر عدة سُبُل: توفير خدمات صحية نفسية ومساندة، وتوفير مناخ اجتماعي يحدُّ من العوامل التي قد تدفع بالمرء إلى الانتحار، والتعرف على المؤشرات والمظاهر التي تبدو على مَن يفكر في الانتحار.

ومن التوصيات:

ž                      تقديم الدعم النفسي لطلاب المدارس.

ž                      التحديد المبكر للأشخاص الذين قد تبدو عليهم أعراض المرور بأزمة ربما تؤدي بهم إلى الانتحار، وتقديم المساعدة الفورية لهم.

ž                      تشجيع وسائل الإعلام على نشر قصص مليئة بالأمل والإيجابية.

ž                      حثُّ الأشخاص على التوجُّه لطلب المساعدة، فالحديث عن الرغبة في الانتحار لا ينبغي أن يرتبط بالعيب أو العار.

ž                      تسخير موارد الحكومات لوضع خطط استجابة وطنية لمنع الانتحار.

أخيرًا، بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية فقد وجَّه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، كلمةً قال فيها: “يجب أن لا نسمح بأن تمنع الوصمةُ الأشخاصَ من طلب المساعدة التي يحتاجونها.”

ʘ   التعقيبات:

  • ·التعقيب الأول: د. نوال الضبيبان

تعقيبًا على ما ذكر د. فهد بشأن الانتحار بين الشباب، وهي تأتي كنتيجة للأمراض والمشاكل النفسية التي عانى منها الفرد خلال مسيرته الحياتية، والتي جعلته يتخذ القرار البائس بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش.

لذا سأُركِّز في تعقيبي على كيفية وقاية هذا الإنسان من التدهورات النفسية التي قد تصل به إلى مثل تلك الحالات، خاصة وأن الأمراض النفسية في عمومها قاسية ومؤلمة للنفس البشرية، وتجعل الفرد وأسرته يعانون ويتمزقون أكثر من الأمراض الجسدية.

لذا فقد اهتمت الدولة في الخُطط والإستراتيجيات الحديثة ورؤية 2030 بمفهوم السعادة وبرامج جودة الحياة، وحددت لها ستة مؤشرات لقياسها، وهي كالتالي:

3-           التصنيف العالمي لقابلية العيش.

4-           مسح مريرس Mercer لجودة الحياة.

5-           قائمة مجلة مونوكل Monocle لنمط الحياة.

6-           مؤشر السعادة العالمي 2017.

7-           مؤشر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لجودة الحياة.

8-           مؤشرARRP لجودة المعيشة.

فالارتباط وثيق ومباشر بين جودة الحياة وجودة الصحة النفسية.

فمعظم الأشخاص الذين اتخذوا القرار بإنهاء حياتهم كانت بنيتهم النفسية هشة ورقيقة، وكانوا يفتقرون للمعرفة والوعي الإدراكي والمهارات الأساسية لتخطي النكبات والصراعات التي تصارعنا من حين لآخر. فالحياة مدرسة، ومن خلال الواقع ما زلنا لم نستعد لها بالشكل الأمثل.

فالنجاح والسعادة لتحقيق جودة الصحة النفسية يحتاجان إلى تخطيط ومثابرة وصبر وتفاءل وإبداع لقلب الموازين لصالحنا مهما كانت النتائج من أجل التكيُّف مع المتغيرات الحياتية، والاستمرار لتحقيق أهدافنا وبصمة راسخة لكل فرد منَّا؛ وهذا يتطلب فهمًا لذواتنا، وفهم الطبيعة البشرية ومقوماتها، وفهم أهدافنا التي نسعى لها.

فالاكتئاب والانتحار من أكثر الأسباب التي تؤدي للموت بين الشباب؛ وذلك نتيجة للحالة النفسية السيئة وعدم تقبُّل المريض لواقعه أو لفشله في تفهُّمه وإيجاد حلول وبدائل لمعالجة وضعه. فأعداد الذين يُصابون بمرض الاكتئاب تتجاوز 800 مليون مكتئب حول العالم، ومنها الدول الذي سجلت أعلى مؤشرات السعادة مثل فنلندا!

وفيما يلي استبيان يقيس جودة الحياة ومدى ارتباطها بجودة الصحة النفسية لدى الأفراد من أجل الوقاية وتحديد مكامن الخلل والقصور في الجوانب الحياتية للصحة النفسية:

1-           يسيطر الروتين على حياتي طوال العام.

2-           أُمارس الرياضة بأساليب متنوعة كأسلوب حياة.

3-           لديَّ أصدقاء ومحبون، أثق فيهم من داخل الأسرة.

4-           لديَّ أصدقاء ومحبون، أثق فيهم من خارج الأسرة.

5-           لدي برنامج غذائي صحي يتناسب مع صحتي الجسدية والعمرية.

6-           أشعر بشكل عام بالنشاط والحيوية.

7-           لديَّ عمل أُمارسه لإعالة نفسي وأسرتي.

8-           لديَّ تأمين طبي.

9-           لديَّ مسكن مريح.

10-       لديَّ وقت أسبوعي لاستنشاق الهواء والاستجمام.

11-       لدي أعمال خيرية وتطوعية من حين لآخر.

12-       بشكل عام، أتسامح مع الآخرين.

13-       أتقبل النقد والاختلافات في الآراء.

14-       أسعى لتغيير الخطط بعد الفشل.

15-       أستمتع بهواياتي من حين لآخر.

16-       أشعر بالسعادة مع ذاتي.

17-       أشعر بالسعادة مع الآخرين.

18-       أشعر بالسعادة في عملي.

19-       هل تمارس القراءة؟

20-       هل تعرف ماهي أهدافك في الحياة؟

21-       هل لديك خُطط مستقبلية؟

22-       بشكل عام، هل أنت متفائل؟

23-       بشكل عام، هل أنت راضٍ بالرغم من الإخفاقات والتحديات؟

24-       هل تحقق لك صلاتك وقراءتك للقرآن السكينة والرضا؟

  • ·التعقيب الثاني: د. حسين الحكمي

للصحة النفسية أهميتها التي تطرَّق لها د. فهد، وأهمية تخصيص العدد المناسب الذي يقدم الخدمات النفسية لأفراد المجتمع، ويعالج احتياجاتهم، ويقدِّم الاستشارات النفسية التي تُعينهم على مواجهة تغيرات الحياة وتحدياتها.

الأرقام التي ذكرها د. فهد مهمةٌ جدًّا، وتبين أهمية المُعالِج النفسي لكافة أفراد المجتمع؛ فإذا كان مؤتمر 1969 يقول إن المستوى المناسب هو طبيب نفسي لكل 1000 شخص من السكان، في حين أننا اليوم في عام 2019 وعدد الأطباء في وزارة الصحة 728 أي لا يصل حتى لألف ليخدم ما يفوق 30 مليون فرد في المجتمع السعودي، فإننا بالتأكيد هنا نضع علامة استفهام كبيرة!

للأسف، لا يزال المجتمع لدينا لا يعي أهمية الخدمات النفسية والاجتماعية ودور المتخصصين في هذين المجالين في خدمة المجتمع والوطن وتطوره ومواجهة مشكلاته، هذا الوعي ليس حصرًا على عامة الناس بل حتى على المسؤولين وأصحاب القرار في الوزارات والمؤسسات المعنية؛ نعلم جميعًا دور المدرسة وأهميته في تطوُّر الوطن وتهيئة شباب وبناة المستقبل، في المدارس وإلى الآن لا يوجد مَن يدعم قرار توفير متخصص في الجوانب النفسية وآخر في الجوانب الاجتماعية ليقوما بمهامهما في مواجهة وحل ومعالجة المشكلات التي بعد تطورها وتفاقمها سينتج عنها مشكلات تعيق المجتمع بأكمله من التقدم، نعم سيكون لدينا متخصصون في الطب والهندسة والمحاماة والحاسب وكافة التخصصات؛ لكن كيف سيتم مساعدة هؤلاء على مواجهة مشكلاتهم الاجتماعية والنفسية التي قد تتسبب في إعاقة عملهم أو تؤثر عليهم سلبًا فلا يقومون بما هو مطلوب منهم بالشكل الصحيح، أيضًا عندما يكون لدينا مجتمع متطور ماديًّا وتكنولوجيًّا لكن به علل نفسية واجتماعية؛ فإنه بالتأكيد سيكون مجتمعًا مريضًا، ومن الممكن في أي وقت أن تؤثر هذه العلل عليه فتنهدم كافة الجهود الأخرى؛ والسبب عدم قدرة أفراده على مواجهة مشكلاتهم النفسية والاجتماعية.

مراكز الرعاية الأولية / طب الأسرة والمجتمع لها أهميتها الكبيرة، فهي الخط الأول قبل المستشفيات الذي تقع عليه مسؤولية معالجة وحل المشكلات الطبية، تواجد وتوافر المتخصصين النفسيين والاجتماعيين في هذه المراكز يخدم كثيرًا في اكتشاف المشكلات مبكرًا، وعدم توفُّرهم في هذه المراكز هو تحدٍ أول، والتحدي الآخر هو عدم ثقة أفراد المجتمع في خدمات هذه المراكز، والمبنية على تراكمات وصورة نمطية عنها، ما حدا بالكثيرين بعدم زيارتها والاستفادة من خدماتها.

المعلومات والبيانات التي ذكرها د. فهد عن الانتحار والحالات التي تحصل في المجتمع السعودي مهمة جدًّا، المشكلة موجودة ومَن يعملون في المجال الطبي أو النفسي أو الاجتماعي يسمعون ويواجهون – وبشكل مستمر- حالات أو محاولات انتحار. مجتمعنا جزء من العالم، والانتحار مشكلة اجتماعية قد يتعرض لها أي فرد في أي مجتمع، بغض النظر عن خلفياته الثقافية والدينية وحتى قيمه وعاداته وتقاليده.

كلنا يعلم أهمية البيانات والأرقام من أجل اتخاذ قرارات مواجهة المشكلات والتحديات ووضع سُبل العلاج المناسبة، ومن ثَمَّ فإن غياب وعدم توفُّر بيانات وأرقام وإحصاءات عن محاولات وحالات الانتحار في المجتمع السعودي يُمثِّل عائقًا في التعامل مع هذا التحدي.

أتفقُ مع ما ذهب إليه د. فهد من أن غالبية الحالات هي لشباب في مرحلة المراهقة أو بعدها بقليل؛ المجتمع يمرُّ بمتغيرات كثيرة وسريعة لها أثرها الكبير على الأفراد ونفسياتهم. في الشهر الماضي كان كثيرًا منَّا مستغربًا للعدد الكبير من شباب المجتمع الذين حضروا حفلةBTS  بي تي إس الكورية، هذا الاستغراب دليل على عدم تفهمنا لفئة الشباب واهتماماتهم واحتياجاتهم ورغباتهم النفسية والاجتماعية، والنتيجة أننا نتعامل مع مشكلاتهم بشكل إما خاطئ أو غير مناسب.

الوصول إلى قرار الانتحار ليس بالقرار البسيط، مَن يتخذ هذا القرار يكون قد وصل إلى مرحلة يرى فيها أن حياته لا يوجد فيها ما يستحق العيش، وأن الموت الذي يخشاه البشر ولا يرغبون فيه والذي هو حد لنهاية الحياة هو الحل لما يواجهه هذا الشخص في حياته. هذه هي الزاوية التي ينظر منها الشخص الذي يُقدِم على محاولة الانتحار، الأسباب كثيرة وكلها تنطلق من مشكلات تصبُّ في الجانب النفسي الذي بدوره يقود إلى القرار والفعل. الأسباب قد يظنها أو يراها البعض بسيطة ولا داعي لأن نُحمِّل الأمر أكثر مما يحتمل، لكن ما قد يغيب عن الكثيرين هو أن الناس تختلف في قدرتها على تحمُّل المشكلات وأعباء الحياة، فهناك مَن قد يعتبر أن رسوبه أو عدم حصوله على معدل يسمح له بدخول تخصص معين يطمح له هو سبب كافٍ لأنْ يُقدِم على الانتحار، بالطبع هناك أسباب خلف هذا القرار عند هذا الشخص.

يذكر د. فهد – وبحسب منظمة الصحة العالمية – أن حالات الانتحار تحصل في الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد أو يكون في المستوى المتوسط، وهذا دليل على أن العامل الاقتصادي أحد المحركات الأساسية للإقدام على الانتحار، إذ إن أي تغير اقتصادي سلبي يسبب ضغوطًا نفسية على أفراد المجتمع؛ وهناك مَن يستطيع مواجهة هذا الوضع والتعامل والتأقلم معه، وهناك مَن يعجز عن ذلك. مجتمعنا حاليًّا يمر بمرحلة تغير اقتصادي، وكثير من الشباب يواجهون مشكلة البطالة وعدم الحصول على فرص عمل، وهنا علينا أن نضع هذا الأمر في الاعتبار، ونعمل على مواجهة هذا التحدي والعمل على تقليل الآثار السلبية المترتبة عليه، والتي منها قد يكون الإقدام على الانتحار.

روى لي أحد الشباب – هو في منتصف الأربعين من عمره الآن – عن موقف حدث له، هو في محتواه يتضمن شيئًا عن الانتحار: بعد أن تخرجت ولم أحصل على عمل كنت أستثقل أن أطلب من أبي أن يعطيني مبلغًا من المال، في كل مرة كان أبي هو المُبادِر ويعطيني من تلقاء نفسه، وكنت آخذ المبلغ وأبكي على حالي، كيف أنني أنا الشاب الذي يجب أن يكون هو مَن يعمل ويعطي لوالده المال؛ في حين أن الواقع عكس ذلك! في تلك الفترة، كنت أُحدِّث نفسي بالذهاب إلى فلسطين للجهاد وتحرير القدس، الكلام هنا لا يزال لهذا الشاب (الشاب كان يتحدث عن فترة زمنية قبل حوالي 20 سنة).

ʘ                      المداخلات حول القضية:

ʘ                   ملخص نتائج المسح الوطني للصحة النفسية بالمملكة:

أشار د. حميد الشايجيوكذلك د. مساعد المحياإلى ملخص نتائج المسح الوطني للصحة النفسية بالمملكة، والذي جاء فيه ما يلي:

  • يعتبر المسح الوطني للصحة النفسية أكبر مشروع وطني بالمملكة العربية السعودية لقياس نسبة انتشار الاضطرابات النفسية.
  • تم اختيار العينة من التعداد السكاني عام ٢٠١٠م بمساعدة الهيئة العامة للإحصاء من خلال زيارة المشاركين في منازلهم، حيث بلغ حجم العينة ٤٠٠٠ مشارك من جميع مناطق المملكة تقريبًا، وتراوح وقت المقابلة بين ١-١٢ ساعة، الأسئلة الحساسة كانت عن طريق سماع الأسئلة واختيار الإجابة.
  • نسبة الإصابة بأي اضطراب نفسي وفق الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع للاضطرابات النفسية، خلال حياة الفرد في السعودية تبلغ ٣٤.٢٪؜ (أقل من الولايات المتحدة الأمريكية ٤٦.٤٪؜، وأكثر من بعض الدول العربية كالعراق ٢٥.٨٪؜ ولبنان١٨.٨٪؜). كما شكَّلت اضطرابات القلق ٢٣.٢٪؜، وهو ما يتماشى مع معظم إحصائيات منظمة الصحة العالمية، يليها اضطرابات التحكم في الدوافع ١١.٢٪؜، والاضطرابات المزاجية ٩.٢٪؜، واضطرابات الأكل ٦.١٪؜، واضطرابات إساءة استخدام المواد ٤٪؜.
  • أكثر الاضطرابات المنفردة انتشارًا كانت قلق الانفصال ١١.٩٪؜، اضطراب فرط الحركة وتشتُّت الانتباه ٨٪؜، اضطراب الاكتئاب الجسيم ٦٪؜، الرهاب الاجتماعي ٥.٦٪؜، اضطراب الوسواس القهري ٤.١٪؜.
  • نسبة الإصابة باضطرابين أو أكثر ١٥٪؜، نسبة الإصابة بثلاثة اضطرابات أو أكثر ٧.٥٪؜، نسبة الإصابة بأربعة اضطرابات أو أكثر ٣.٩٪؜.
  • حوالي ١٧٪؜ من المصابين باضطرابات نفسية شديدة فقط هم مَن يحصلون على العلاج، في حين أن ٨٣٪؜ لا يحصلون على العلاج.

توصيات البحث:

1-           ضرورة إجراء العديد من التدخلات والأبحاث في بعض المواقع، كالمدارس والجامعات التي يقضي فيها الشباب معظم أوقاتهم.

2-  يجب أن تُركِّز الدراسات الوطنية في المملكة على المجتمعات التي لم يغطها المسح الحالي، كالأطفال وكبار السن (مَن تجاوز سن ٦٥سنة)، حيث ركَّز المسح على الفئة العمرية من ١٥-٦٥ سنة.

3-           الحاجة للتركيز بشكل أكبر على الصحة النفسية للمرأة السعودية.

4-  يجب أن تكون الخدمات التي يمكن الوصول إليها، والتي تلبي احتياجات الصحة النفسية للمجتمع السعودي، هدفًا رئيسيًّا على جدول الأعمال. من الاقتراحات العملية للبحث: استخدام الأساليب العلاجية عن بُعد، التي يمكن أن تكون آمنةً وفعالة ويقدِّمها المختصون عبر المواقع الإلكترونية للمرضى في بيوتهم.

5-  يوجد ارتباط قوي بين الصحة النفسية والصحة الجسدية، وهذا يشير إلى الحاجة لإجراء أبحاث لدراسة تأثير الاضطرابات النفسية بين المرضى الذين يعانون من مرض معين، كالسرطان وأمراض القلب والسكر والأمراض الأخرى.

6-  الدراسات القادمة يجب أن تركز على اضطرابات نفسية معينة، وعوامل الخطورة، والتداعيات الصحية المرتبطة بها في المجتمع السعودي.

7-           يُوصى بأن تُطبِّق مستقبلًا أبحاث الصحة النفسية بالمملكة نظامًا دقيقًا للجودة وما توصلت إليه التكنولوجيا من جديد.

ولفتت د. نوال الضبيبانالنظر إلى أن هذه النسب المشار إليها في نتائج المسح الوطني للصحة النفسية بالمملكة، هي النسب المرصودة لحالات الذين يعترفون بالمشاكل أو الصعوبات النفسية التي يعانون منها، ومن ثَمَّ ينشدون المساعدة والدعم من قِبل المختصين؛ ولكن يجب أن نعلم أنه يوجد نسبة لا يُستهان بها لا يعترفون ولا يُقِرُّون بالمرض النفسي، ونسبة أخرى يشترون الأدوية من الصيدلية أو يشترونها من الخارج، خاصة وأن تكاليف الطبيب النفسي لا يغطيها التأمين، وقيمة الجلسات لا يُستهان بها كجلسات متكررة، لا سيما وأن العلاج يطول. مع التأكيد على أن معاناة أسرة المريض لا يُستهان بها؛ فبعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب قد تكون مُعديةً لمَنْ حول المريض.

ʘ                   جودة الحياة وعلاقتها بالصحة النفسية والعقلية:

طرح د. خالد الرديعانتساؤلًا مفاده: هل لجودة الحياة علاقة بالصحة النفسية والعقلية، وكيف؟ وفي هذا الصدد ذهبت د. نوال الضبيبانإلى أنه يصعب علينا أن ننعم بصحة نفسية متوازنة ومستقرة بدون برنامج يُمارس كأسلوب حياة، خاصة وأننا في السعودية، ونظرًا لطبيعة الحياة التي نحياها بالرغم من النعم والآلاء العظيمة التي حبانا الله بها؛ إلا أننا لا نُحسِن الاستغلال بالشكل الأمثل لنقص بعض المهارات الحياتية أو للرفاهية التي نحياها بفضل الله. فالصحة النفسية وجودة الحياة في البساطة في التعامل مع المثيرات والتحديات وتقبُّل العقبات وعدم الانجراف خلف الرفاهية؛ لأن الحياة متغيرة بطبيعتها بين صعود وهبوط، وبالتالي يصبح الإنسان أكثر تقبُّلاً للأزمات التي يواجهها سواء المادية منها أو المعنوية.

وترى د. مرام الحربيأنه لا صحةَ دون الصحة النفسية، وهذا الدور لا يقتصر فقط على وزارة الصحة كجهة معنية؛ بل إن هناك مسؤوليات تتشارك فيها مع الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع كافة. وعليه، فثمة تساؤلان مطروحان، وهما: هل هناك مبادرات ومشاريع لرفع مستوى الصحة النفسية القائمة؟ وهل هناك إستراتيجية للصحة النفسية باعتبار رؤية ٢٠٣٠ تضع سعادة المواطنين والمقيمين على رأس أولوياتها؟ ومن ناحيته أكد د. فهد اليحياأن هناك إستراتيجية للصحة النفسية قدَّمتها لجنة متخصصة هذا العام (2019).

وأكدت د. نورة الصويانأنه توجد بلا شك علاقة بين الصحة النفسية وجودة الحياة؛ فالراحة والسعادة النفسية لهما علاقة وثيقة بالصحة النفسية؛ ولكن للأسف، فإن الوعي بأهمية وبمفهوم الصحة النفسية لا يزال متدنيًا لدينا في المجتمع، ودون المستوى المطلوب. ويلفت الانتباه في نتائج المسح الوطني للصحة النفسية في المملكة العربية السعودية أن ٨٣٪؜ لا يحصلون على العلاج، وهذه النسبة عالية جدًّا؛ وعليه نتوقع من وزارة الصحة أن تدق ناقوس الخطر بناءً على هذه النسبة. وأضافت د. نورة أنها لاحظت من خلال ممارستها للإرشاد وتقديم الاستشارات الأسرية ارتفاع نسبة اضطرابات الرهاب الاجتماعي والوسواس القهري في شريحة الشباب وخاصة الفتيات، والاكتئاب عند النساء؛ ومن ثَمَّ فإن هناك حاجة إلى مزيد من البحوث حول هذه الاضطرابات وغيرها الموجودة في المجتمع.

ومن ناحية أخرى، أضافت د. وفاء طيبةأن التقريـر العالمـي لسياسـات السـعادة لعام 2018م يشـير إلى أن الاضطرابـات النفسـية تشـكل عائقًا كبيـرًا أمام الاقتصـاد، ويمكـن بعلاجهـا إنقاذ مليـارات البشـر حـول العالـم، حيـث تتسـبب الاضطرابـات النفسـية فـي خفـض الناتـج المحلـي الإجمالـي بنسـبة 5%، وذلـك من حـالات البطالـة، والتغيـب عـن العمـل، وضعـف الانتاجيـة، وتكاليـف الرعايـة الصحيـة الجسـدية والنفسية الإضافية. ويشير تقرير مؤسسة الملك خالد إلى أن الخسارة نتيجــة لعــدم الاســتجابة الكافية للاضطرابـات النفسـية تُقدَّر بنحو (147) مليــار ريــال ســعودي مــن الناتــج المحلــي الإجمالــي فــي المملكــة كل عــام. فهناك خسارة تنموية لعدم العمل بقوة على الاهتمام بالصحة النفسية وقايةً وعلاجًا. وفي الإطار نفسه إذا كان ثلث العينة المتضمَّنة في المسح الوطني للصحة النفسية بالمملكة المشار إلى نتائجه أعلاه، لديها نوع ما من الاضرابات و١٥٪ لديها اضطرابان أو أكثر؛ فهذه النسب تؤكد الخسارة المالية والتنموية التي جاءت في دراسة مؤسسة الملك خالد، خاصة أن ١٧٪؜ فقط يتلقون العلاج! أيضًا، لماذا نُركِّز على الصحة النفسية للمرأة؟ فلكل من الجنسين صحة نفسية ومشكلات نفسية، فالمسألة حق، والواقع أن التركيز على دراسة الصحة النفسية للمرأة يظلم الرجل؛ فالنظرة المجتمعية للرجل أنه الأقوى والأكثر تحمُّلاً تُخفي تحتها ما لا يعلمه إلا الله من الآلام والمشكلات النفسية.

ʘ                   أسباب الأمراض النفسية وطرق الوقاية منها:

أوضح د. فهد اليحياأن التمييز بين المرض العقلي والنفسي تمييز قديم، لكن الآن يعتبر المصطلحان مترادفين. في السابق كان المرض العقلي يُقصد به اضطرابات الذهان (psychosis)، مثل الفصام؛ في حين أن المرض النفسي يُقصَد به اضطرابات العصاب (neorosis)، مثل نوبات الهلع.

وتطرقت د. مها المنيفإلى أسباب الأمراض النفسية وطرق الوقاية منها انطلاقًا من أن “الوقاية خير من العلاج”. ففي بحث قامت به عن تجارب الطفولة السيئة Adverse Childhood Experiences أو ACE ومدى ارتباطها بالأمراض النفسية مع التوضيح أن المقصود بتجارب الطفولة السيئة ليس فقط العنف ضد الطفل المباشر، ولكن عيش الطفل في بيئة بها: عنف أسري، أو انفصال، أو تفكك أسري، أو جرائم، أو حروب… إلخ؛ بما يعني أي تجربة سيئة يمرُّ بها الطفل أثناء طفولته، وقد تم التوصل إلى ما يلي:

  • أن ٣٠٪؜من العينة (العينة كانت حوالي ١٤ ألف شخص سعودي بالغ). تعرضوا لـ ٤ تجارب سيئة أو أكثر في طفولتهم.
  • ٢٠٪؜ تعرضوا لـ ٧ تجارب فأكثر.
  • أن هناك علاقة طردية بين التجارب السيئة في مرحلة الطفولة والإصابة بالأمراض النفسية، وكانت نسبة الإصابة بالأمراض النفسية لدى الأشخاص الذين تعرضوا لـ ٤ تجارب فأكثر هي ٤-٦ أضعاف الأشخاص الذين تعرضوا لتجربة واحدة أو أقل.
  • كان هناك فرق بين الرجال والنساء؛ فالنساء اللاتي تعرضن لتجارب سيئة في الطفولة كُنَّ أكثر عرضهً للأمراض النفسية وخاصة الاكتئاب، أما الرجال فكانوا أكثر عرضةً للانتحار والإدمان؛ ما يعني أن تعامل النساء مع الضغوط النفسية هو داخلي internalization وينتج عنه أمراض نفسية، بينما الرجال يتعاملون مع الضغوط خارجيًّا أو externalizing behaviors وينتج عنه الانخراط في المخدرات والانتحار.
  • أخيرًا، هناك مرونة الشخصية أو Resilience؛ بمعنى أن بعض الأشخاص يفتقدون إلى هذه المرونة، ومن ثَمَّ فضغوط الحياة أو حتى تجارب الطفولة السيئة تؤثر تأثيرًا بالغًا على صحتهم النفسية، وبعض الاشخاص لديهم المرونة لمواجهة المصاعب أكثر.
  • في ضوء ذلك، من المهم القول بضرورة الاستثمار والاهتمام بالطفولة وحماية الأطفال واليافعين من التعرُّض للعنف أو أي تجارب سيئة؛ وذلك للوقاية من الأمراض النفسية عند الكبر.
  • نحتاج دراسات أكثر عن مرونة الشخصية Resileincy وكيف نُنمِّي هذه الخاصية في الإنسان للوقاية من الأمراض النفسية، وكذلك الوقاية من الانخراط في المخدرات والانتحار.

وتساءل د. خالد الرديعانوكذلك د. راشد العبد الكريم: لماذا كان من اللافت في الورقة الرئيسة التركيز على الانتحار؟ وهل التفكير في الانتحار فعلاً ظاهرة تُلفت الانتباه مقارنةً بالعلل النفسية الأخرى؟

وبدوره أوضح د. فهد المحياأنه تمَّ التركيز على الانتحار؛ لأنه شعار هذا العام في يوم الصحة النفسية. ومع أن منظمة الصحة العالمية تجعل العاشر من سبتمبر من كل عام يومًا عالميًّا لمنع الانتحار، لكنَّها ارتأت أن تضعه شعارًا لهذا اليوم؛ أيضًا بسبب الارتباط الوثيق للصحة النفسية بقرار الانتحار من ناحية، وللارتفاع المتزايد لمحاولات الانتحار وحالات الانتحار الفعلية من ناحية أخرى.

ومن زاوية مغايرة، يميل د. خالد الرديعانإلى القول بأن ثقافتنا الاجتماعية ضاغطة ولا تُشجِّع النشء على الحوار والكلام. كما أن الطفل ينشأ في بيئة تُمارِس كبت الأفراد منذ سن مبكرة؛ وهو ما لا يساعد على نموهم ونُضجهم بشكل سليم نفسيًّا وعقليًّا. يُضاف إلى ذلك مسألة في غاية الأهمية تتمثل في ازدواجية السلوك والتصرفات، فالفرد قد يؤمن بفكرة معينة ويُطبِّقها سلوكًا في جَمْع معين أو عندما يكون بمفرده، لكنه وفي مواقف أخرى قد يأتي بعكسها في المجتمع الكبير؛ وهو ما يشير إلى تناقض واضح وذلك بسبب التوقعات الاجتماعية ومراقبة المجموعة لسلوكه وأقواله. لدينا ازدواجية لا تساعدنا على أن نكون أصحاء نفسيًّا.

وعقَّبت د. مها المنيفبأن أحد أسباب الأمراض النفسية هي طريقة تربيتنا للأطفال، فلا نركز على نُضجهم النفسي ولا نشجعهم على الحوار والكلام؛ وهو ما يجعل الطفل ينشأ في بيئة غير مشجِّعة على شرح ووصف مشاعرهم، وتبقى المشاعر مكبوتةً لتظهر كأمراض نفسية، وبالتالي تنشأ شخصية ركيكة وحذرة وغير مرنة. وأضافت د. وفاء طيبة أن تقييمنا للفعل أو القول يكون من وجهة نظرنا ولا نحاول أن نفهم وجهة نظر هؤلاء الأطفال، وبالتالي نُطلق الحكم بالرفض والخطأ ولا نقبل الرأي، وهو ما يشجع على تكوين هذا الخوف من التعبير عن الرأي والمشاعر؛ ليس في محيط الأسرة والمدرسة فقط ولكن في الحياة بشكل عام.

ومن جانبه أشار د. فهد اليحياإلى أن الخجل الاجتماعي أو الرهاب الاجتماعي منتشر بشكل كبير بين طائفة الشباب من 20 – 40 عامًا، ويتطلب معرفة أسباب ذلك على وجه الدقة دراسات نوعية متخصصة ومكلِّفة. كذلك ينتشر بين أطفالنا وشبابنا نقص الاعتزاز بالنفس Low self-esteem، وكثير من العوامل قد تتضافر لظهور هذه الأمور. وعليه، فمن المهم أن تحتوي مناهجنا على الخطابة والمناظرة. ومن ناحية مكملة، فإن مستوى الأخصائيين الاجتماعيين والأخصائيين النفسيين في كثير من المدارس متدنٍ، علاوة على النقص في عددهم بالنسبة إلى عدد الطلاب.

واتفقت د. وفاء طيبة مع ذلك، بل وأكدت أنه وللأسف، فإن التربية في مدارسنا وعلاقة المعلم بالطالب – والتي هي علاقة مهمة جدًّا تصل لأهمية علاقة الوالدين بالأبناء- لها دور كبير في تعزيز الثقة بالنفس وتقدير الذات عن طريق مساعدة الطالب مثلاً على اكتشاف نقاط القوة فيه بدلاً من التركيز على عيوبه. تقدير الذات يعتبر عاملاً مهمًّا لبناء شخصية متوازنة نفسيًّا. ويُضاف إلى ذلك مشكلة التنمر في المدارس؛ فهي ظاهرة لدينا مثل بقية المجتمعات لكن الوزارة لا تتحرك في هذا المجال، التنمر بين الطلبة والطالبات يبدأ حتى في الروضة، ويجب علاج مظاهره الأولية وأسبابه، فقد وجدت الدراسات أن نسبةً كبيرة نسبيًّا من الذين عانوا من التنمر في المدارس كانوا ضحية الانتحار بعد ذلك. فهذه المشكلة لا يمكن أن يعمل عليها البيت وحده، فهي مشكلة لها آثار نفسية عميقة يجب أن يعمل عليها النظام كاملاً؛ بتوعية المعلمين والآباء والأطفال، ووضع القوانين والأنظمة في المدارس لضبط العملية، ومواجهتها بالكثير من الدورات في المجالات الإنسانية كالتعاطف والاهتمام بالآخر منذ الصغر وقبل أن تتفاقم المشكلة، ولسنا بعيدين عن قصة الطفل الذي قتل صاحبه في المدرسة، وغيرها من القصص كثير، وحتى لو لم يصل الأمر للقتل فالمشكلة لها آثار نفسية عميقة ومعيقة على اختلاف نوعية التنمر الشائع بين الإناث عنه بين الذكور، ولا ننسى التنمر الإلكتروني.

وفي سياق متصل طرح أ.د. عثمان العثمانمجموعة التساؤلات الهامة التالية:

1-  هل جميع الأمراض النفسية بحاجة للتدخل العلاجي؟ وهل يمكن للإقناع المنطقي حل بعض منها، وخاصة تلك التي منشؤها تراكمات من المشاكل أو المواقف الاجتماعية السلبية؟

2-           هل يزول المرض النفسي عادةً أم هو مرض مُزمن؟

3-  هل العلاج النفسي قسري كالإدمان أم اختياري؟ وخاصة للأشخاص الذين يُلاحظ عليهم سلوك غير سويّ في المجتمع، مثل الهائمين في الشوارع؟

4-  يكثر الحديث عن عدم تعنيف الأطفال، وهذا متفق عليه بلا شك؛ لكن ماذا عن التدليل الزائد الذي ينشئ شابًّا غير مسؤول، وقد تعصف به أدنى مشكلة؟

وفي هذا الإطار وردًّا على التساؤلات المبينة أوضح د. فهد اليحيا:

1-  أن المرض (والآن يُسمَّى الاضطراب) النفسي: يجب أن يحتوي على عدة علامات على مرِّ فترة محددة من الزمن كي يتم التشخيص. فالاكتئاب الفرق بينه وبين الحزن العادي هو الكم والكيف ناهيك عن أن الحزن العادي (Every day sadness) عادةً ما يكون له أسباب، لكن إذا طالت المدة وزادت الوطأة ربما يتوجب علينا البحث عن الاكتئاب كتشخيص. والعلاج ينقسم بدوره إلى نوعين: دوائي، وبالكلام. والثاني ينقسم بدوره إلى نوعين: إرشادي وعلاج نفسي؛ والنوع الأول مفيد في حالات كثيرة خصوصًا في بدايتها.

2-  الأدوية النفسية لا تُسبِّب إدمانًا، فقط البنزوديازيبين. والأمراض النفسية متعددة كالأمراض الجسدية، فعلى سبيل المثال: فإن الالتهاب في الصدر يحتاج كورسًا علاجيًّا لفترة معينة، في حين أن الضغط يحتاج إلى فترة طويلة وربما طوال العمر، وكذلك أمراض كالسرطان (يقابلها مثلاً الفصام) أو أمراض مزمنة تحتاج علاجًا طويلًا، وهذا فيه تفصيل. فعندما نصوم في رمضان نعاني في اليوم الأول من آثار انقطاع القهوة والشاي! هذا ما يحدث عند التوقيف المفاجِئ لعدد من الأدوية النفسية؛ لذلك يجب أن يكون ذلك بالتدريج، وهذا ما يجعل البعض يظنون بأنهم أدمنوا.

3-  ظهر نظام الصحة النفسية منذ عدة سنوات، وتلته اللائحة التنفيذية (وما زال يشوبه بعض القصور)، وهو يهدف إلى حماية الفرد والمجتمع. وفي حالات معينة يمكن إدخال المريض قسرًا (حسب ما توضحه اللائحة)، وللمريض التظلم، وتأتي لجنة خارجية لمراجعة وضعه، وتتخذ الإجراء اللازم.

4-           خير الأمور الوسط، والتدليل المفرط يساعد في ظهور عدد من الاضطرابات النفسية.

وذكر أ.د. عثمان العثمانأنه كثيرًا ما نرى برامج توعوية عن الأمراض الجسدية، في حين لا نجد ذلك بالنسبة للصحة النفسية، فالتوعية بها قليلة جدًّا، ومن ثَمَّ فهناك قصور كبير في التوعية الاجتماعية. ولعل أكثر الجهات مسؤولية عن هذا هي:

  • وزارة الصحة.
  • المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية.
  • لجان التنمية الاجتماعية.
  • جهات أخرى، مثل الجهات المستفيدة كوزارة التعليم (لطلبة التعليم العام والجامعي).

ʘ                   عقبات تواجه الطب النفسي في الواقع السعودي:

أشارت أ. فائزة العجروشأنه وللأسف، فإن الاستعانة بالطب النفسي أصبح وكأنه وصمة عار لمَن يلجأ له! فلا تزال فئة كبيرة من المجتمع لديها ذلك الخوف والهيبة والتحسس في الوقت ذاته من الذهاب للطبيب النفسي، ولا يلجؤون له إلا بعد ما يتم علاج المريض بطرق مختلفة من الأهل والأصدقاء والجيران، وبدءًا بالأعشاب أو الأدوية الخاطئة ومرورًا بالمشايخ لقراءة الرقية على المريض أو لإخراج السحر والجن منه، ولا يدركون خطورة ذلك الأمر إلا عندما تتفاقم الحالة، ويصبح الشخص إما انطوائيًّا أو مكتئبًا أو عدوانيًّا، ويفقد الأهل السيطرة تمامًا على الوضع ويلجؤون بعدها للمختصين. وأضافت أ. فائزة أنه يمكن تحديد بعض العقبات التي تواجه الطب النفسي في الواقع السعودي فيما يلي:

  • أولًا: المريض يرتبط عاطفيًّا ونفسيًّا بالطبيب جدًّا، ويتأثر أشد التأثر لو تغيَّر طبيبه، أو لم يستطع حضور جلسة من جلسات العلاج، وهنا تنشأ المعضلة الكبرى الناتجة من النقص الحاد في أعداد الأطباء المتخصصين في هذا المجال، وهو ما تتضح آثاره جليًّا في تدهور حالة المريض الذي يرفض أَخْذ العلاج أو حضور الجلسات مع طبيب آخر، ومن ثَمَّ حدوث انتكاسة جديدة تعيد المريض لمرحلة العلاج من الصفر، ولنا أن نتصور حجم الألم والمعاناة والخوف والتشتت الذي يعيشه المريض والأهل في تلك المرحلة الحرجة! وكذلك التعب الشديد والمجهود الكبير الذي يقوم به الطبيب المعالج لالتزامه بعلاج عدد من المرضى يفوق قدرته العقلية والجسدية.
  • ثانيًا: النقص الحاد في عدد الأسِرَّة المخصَّصة للمرضى النفسيين في المستشفيات الحكومية، وهناك حالات يشتد عليها المرض وفي حالات حرجة، وتستدعي التنويم والملاحظة الشديدة، ورغم ذلك يُترك المريض في المنزل لعدم توفُّر سرير شاغر؛ وهذا يمثِّل سببًا رئيسيًّا لعدد كبير من حالات الانتحار والعنف الأسري، والتي قد تصل في بعض الأحيان لقتل المريض لأحد أقاربه أو لمَن يقابله دون سبب مُحدَّد، وإنما نتيجة لما يعانيه من ضغط وتشتت ومرض نفسي.
  • ثالثًا: معظم مَن يتعاملون مع المرضى النفسيين من أطباء وأخصائيين ومساعدين وممرضين من جنسيات عربية أو أجنبية، لا يتفهمون المشاكل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية اللصيقة بالمريض، والتي تؤثر عليه بشكل كبير، على الرغم من أن تحسُّن تلك المشاكل جزء مهم من علاج حالته. ومما لا شك فيه أن وجود مختصين من نفس الجنسية السعودية سيساعد كثيرًا في تحسُّن حالتهم، لكن الذي نراه أنهم لا يقدمون المساعدة الكافية والمطلوبة للمريض على نحو يؤدي لتحسُّن حالته، وفي بعض الأحيان يلجؤون للعنف مع المريض أو إعطائه أدوية مهدئة أكثر من اللازم فقط لإبقائه هادئًا دون علاج حقيقي (في حال كان المريض منومًا)؛ وهذا النقص في الكادر الطبي بسبب قلة الحوافز والمميزات الجاذبة لأبناء الوطن للعمل في هذا المجال.
  • رابعًا: النقص الحاد في الأدوية النفسية، ولجوء بعض المستشفيات الحكومية لصرف علاج بديل للمريض فقط لتقليص المصاريف، ولأنه من شركة وطنية، رغم أن فاعلية هذا الدواء لا تُعادل فاعلية الدواء الأجنبي؛ مما لا يؤدي لنفس النتائج المرجوة، ويتسبب في انتكاسة للمريض؛ لذلك يجب وضع استثناء واضح وصريح للمرضى النفسيين بعدم استبدال أدويتهم حتى يتحسَّن حال صناعة الأدوية لدينا، وتعطي نفس النتيجة والمفعول المطلوب؛ فتشجيع الصناعة الوطنية لا يجب أن يكون على حساب المرضى.

وأضافت د. نورة الصويانأنه من واقع ممارستها العملية لاحظت أن العديد من الأسر للأسف ترفض مراجعة بناتها للعيادات النفسية خوفًا من الوصم والنظرة المجتمعية؛ لذلك تتأخر كثيرًا في المراجعة إلى أن تتدهور الحالة النفسية للفتاة؛ ومن ثَمَّ فنحن بحاجة لأن ننشر الوعي الصحيح، وأن نتعلم أن الحالة النفسية للإنسان هي أهم ما يملكه لصحة أفضل وتفكير سليم، والأهم حياة بجودة عالية.

ومن جانبها قالت أ. علياء البازعي: إن عبارة “لا توسوس.. ما فيك إلا العافية” لمن أبدى رغبته في زيارة طبيب نفسي أو اشتكى من أي ألم غير عضوي؛ أسهمت في تفاقم مشاكل كثيرة، ووصول كثير من الناس إلى تناول المهدئات ومضادات الاكتئاب بشكل كبير، أو وصلت لدرجات معقدة من المرض النفسي يصعب علاجها. لماذا لا ننظر للأمراض النفسية مثل نظرتنا للأمراض العضوية؟ نذهب للطبيب العام لحل مشكلات بسيطة، ونخجل من حتى ذكْر أن لدينا مشكلة نفسية! نحتاج إلى كثير من التوعية. للأسف، إن اليوم العالمي للصحة النفسية يمرُّ ولا يُعرف عنه سوى مَن هم في المجال، وكأن باقي المجتمع صحيحٌ نفسيًّا ولا يحتاج إلى دعم أو علاج. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، فإنه في مجال “دعم الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم”، فإننا نلمس يوميًّا أثر عبارة “لا توسوس” على الأطفال، حيث يتأخر الأهل في طلب الدعم إذا كانت الإعاقة غير واضحة وساورهم الشك أن طفلهم غير طبيعي، وينتظرون إلى سن دخول المدرسة وحينها تتفاقم المشكلة، في حين أن “التدخل المبكر” قبل سن السادسة قد يخفف من أثر بعض المشاكل في حياة الفرد مستقبلاً بنسبة عالية… مثله مثل الأمراض العضوية.. كلما تدخلنا مبكرًا خفَّفنا من أثر المشكلة على حياة الفرد.

وتساءلت د. وفاء طيبة: بما أن نسبة الأطباء النفسيين إلى المرضى منخفضة، ولعلها كذلك في جميع التخصصات الطبية، ما الذي تفعله الوزارة والجامعات السعودية لحل هذه المشكلة؟ ولماذا لا يُقبِل الأطباء الجدد على هذا التخصص؟ هل هو بسبب قلة الإقبال عليهم بسبب الوصمة المفتعلة لدينا والعزوف عن العلاج النفسي؟ وماذا بخصوص بيوت منتصف الطريق، هل هي جديدة؟ وهل تقوم بعملها؟

ومن جانبه أوضح د. فهد اليحياأن خدمات الصحة النفسية للأسف في آخر السُّلَّم، وبالنسبة للأطباء فالنقص لا شبيه له إلا في أمراض الغدد والسكر بالذات لارتفاع نسبة انتشاره عندنا. الوزارة تعمل على خطة لزيادة الأطباء بالتدريج. ومن ناحية أخرى، يحظى التخصص بإقبال كبير من الأطباء، ويزيد مجلس الطب النفسي من أعداد الراغبين في التخصص، ولكن المستشفيات المعتمدة للتدريب قليلة. أما بخصوص بيوت منتصف الطريق فمعدودة ومحدودة، وهي غالبًا لمَن لديهم دوافع قوية للتخلص من الإدمان بعد الخروج من المستشفى. وبالنسبة للاختصاصيين النفسيين العياديين (Clinical psychologists) فإننا نعاني نقصًا كبيرًا من حيث الجودة، وربما يعود هذا إلى المناهج الحالية. المُبهج أن قسم علم النفس في جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، يدرس منهجًا متقدمًا بالتعاون مع جامعة أوروبية (أو أمريكية) وباللغة الإنجليزية. ويدرس الـ DSM 5 وهو دليل التصنيف المتبع في أمريكا. من ناحية أخرى، تمتنع بعض الأقسام – للأسف – عن قبول المتدربين والمتدربات بحجج مختلفة؛ بعضها عدم وجود كلينيكال سايكولوجيست متخصصين للإشراف عليهم.

وأضاف د. فهد اليحياأن مركبات من عينة ال Benzodiazepines هي مركبات مهدئة، مثل الفاليوم والسيبراليكس والزاناكس، وهي مضادة للقلق وليس للاكتئاب، وتُصرف بوصفة خاصة (وصفة خاضعة للرقابة)، والمفروض أن لا تُوصف لأكثر من عدة أسابيع؛ لأنها قد تؤدي للتعود وما يشبه الإدمان، واستخدامها بكثرة أو لفترة طويلة قد يؤدي إلى الاكتئاب. وهناك خاصية عجيبة في هذه المركبات، وهي أنها ومع كونها مهدئة لكنها تسهل الجنوح للعنف! وعقَّبت د. وفاء طيبةبأن مسميات الأدوية المشار إليها شائعة ومعروفة ويشتريها السعوديون من الدول العربية المختلفة بدون روشتة، وهي حسب ما ذُكر في برنامج CNN وكما ذكر د. فهد، يجب ألا تؤخذ لمدة طويلة، والمشكلة أن الناس تستمر عليها بدون أن تعرف أنها في حد ذاتها تؤدي إلى أعراض سيئة، وأيضًا فإن الانسحاب منها صعب، ويدفع لسلوكيات مؤلمة تصل إلى الانتحار.

ومن جديد، بيَّن د. فهد اليحياأن الأدوية بصفة عامة تُقسَّم إلى 4 طبقات:

1-           ما يُعرَف بالإنجليزية ب over the Shelve، وتعني الأرفف الموجودة في مدخل الصيدلية.

2-           أدوية بوصفة طبية.

3-           أدوية خاضعة للرقابة.

4-           أدوية مخدرة للآلام الشديدة مثل الكودايين، وما بعد العمليات مثل المورفين.

كذلك فقد أشارت د. وفاء طيبةإلى أن عدد الأسِرَّة النفسية المتاحة يعتبر متدنيًا جدًّا، وذلك بناء على ما ذكره د. فهد المحيا من أن عدد الأسِرَّة النفسية المفترض هو٥ أسِرَّة لكل ١٠ آلاف مواطن، فلا يوجد مستشفيات نفسية متخصصة كافية، وكذلك لا توجد أقسام متكاملة وأسِرَّة للأمراض النفسية في المستشفيات الأخرى، مع أن هؤلاء المرضى النفسيين عادةً ما تزداد لديهم أمراض أخرى مثل السكر والسمنة وضغط الدم؛ ما يجعلهم بحاجة إلى الأقسام الطبية غير المتوفرة في المستشفيات المتخصصة. ورغم أن لدينا أقسامًا متطورة في القلب والكبد والأسنان في المستشفيات العامة إلا أنه لا يوجد لدينا أقسام نفسية.

وأوضح د. فهد اليحياأنه صدر منذ عدة سنوات قرار مفاده ضرورة تخصيص 10 أسِرَّة للطب النفسي في أي مستشفى به نحو 100 سرير، وهذا يعني إنشاء قسم للطب النفسي. المشكلة أن القسم النفسي والفريق النفسي له خصائص معينة، وليس مجرد تحديد أسِرَّة. أما بخصوص أصحاب المرض الجسدي الذي يظهر عليه مرض نفسي إما مصاحبًا له أو لاحقًا له أو ناتجًا عنه، فالتخصص الفرعي لهذا النوع كان يُعرف بالطب النفسي الاستشاري التواصلي، وهو ترجمة حرفية غير كافية للمصطلح الأعجمي: (Consultation liaison psychiatry)، ويعني أن الطبيب المعالج للحالة الجسدية يطلب استشارة الطبيب النفسي بشأن الجانب النفسي للحالة، وأن يتواصلا معًا في علاجها. ومع المد الأمريكي أصبح اسمه في بعض الدول “الطب الجسد-نفسي (Psychosomatic)، وهو الموجود في المستشفيات الكبرى التي لا تملك أقسامًا للطب النفسي. لكن في الحالات التي تحتاج إلى التنويم، يتم تحويلها لمستشفيات عندها هذه الإمكانية. ومن الجدير بالذكر أن العلاج النفسي ينقسم إلى جناحين كبيرين: العلاج النفسي الدينامي (التحليلي) Psychodynamic psychotherapy)) والذي يعتمد على المدارس التحليلية، مثل: مدارس فرويد، ويونج، وأدلر، وميلاني كلاين، والمدرسة البريطانية، والفرويديين الجدد.. إلخ. والجناح الثاني هو العلاج المعرفي/الإدراكي السلوكي (CBT cognitive behavior therapy)، ويعتمد على تحديد ومواجهة وتعديل الميول الذهنية/المعرفية/ الإدراكية، ومن مدارسه مدرسة ألبرت إليس وبيك، وغيرهما.

وفي اعتقاد د. وفاء طيبة، فإن وجود أقسام للطب النفسي في المستشفيات العامة يخفف من الوصمة الاجتماعية، ويعطي صورة أن المرض النفسي مثله مثل أي مرض. على عكس دمج المرضى النفسيين مع مدمني المخدرات، كما أن المدمنين يشغلون معظم الأسِرَّة في هذه المستشفيات؛ مما يضيق فرصة الحصول على سرير للمريض النفسي. وفي هذا الصدد ذكر د. فهد اليحياأن هناك فقط مجمعي الأمل في الرياض والدمام، حيث يتضمنان فصلاً تامًّا بين قسم الإدمان وقسم الأمراض النفسية العامة. أما في المستشفيات الصغيرة (20-40) سريرًا، فإن الوضع مختلط.

وأكد د. خالد الرديعانعلى النقص الفادح في العيادات النفسية المتخصصة، فعلى الرغم من أنه يوجد بالفعل مستشفى للصحة النفسية في بعض المناطق؛ إلا أنها لا تكفي ولا تقابل الطلب الشديد على هذه الخدمة. أحيانًا قد نرى بعض المرضى النفسيين والعقليين في الشوارع، ونتساءل: لماذا لا يتم إيداعهم في مستشفيات متخصصة؟! والاعتقاد أن السبب يكمن في قلة عدد الأسِرَّة والمتخصصين.

ويرى د. فهد اليحياأن مشكلة ممارسة الطب النفسي في الواقع أنها تختلف عن غيرها من التخصصات الطبية، ففريق الطب النفس يجب أن يتكون من:

1-           طبيب نفسي (Psychiatrist).

2-           أخصائي نفسي عيادي (Clinical psychologist).

3-           أخصائي اجتماعي نفسي (Psychiatric Social Worker).

4-           ممرض نفسي (Psychiatric Nurse).

5-           معالج وظيفي نفسي (Psychiatric occupational).

أي يجب أن يكون جميعُهم حاصلين على تدريب وشهادات في المجال النفسي. والتخصص الأخير مهم؛ لأنَّه معنيٌّ بإعادة المريض المزمن عضوًا فاعلًا في المجتمع.

واتفقت د. وفاء طيبةمع الطرح السابق، وأضافت أن هؤلاء لا يعوضهم الممارس من خارج المجتمع الذي قد لا يفهم الثقافة التي نشأت فيها هذه النفسية أو المرض النفسي الذي يتعامل معه، فالممارس النفسي (طبيب، أخصائي) أكثر التصاقًا بالثقافة من التخصصات الطبية الأخرى.

أما أ. فائزة العجروشفطرحت الأسئلة التالية:

  • أولًا: هل هناك تعاون محدد ذو آلية واضحة وجاهزة للتطبيق الفوري بين المسؤولين في الطب النفسي في المملكة وضحايا برنامج العنف الأسري، أو نزلاء دار الرعاية، أو الناجين من الحوادث المرورية والذين اعترفوا بأنها كانت محاولات انتحار.. إلخ؛ لدراسة الحالات ومعرفة مسبباتها ودوافعها، واتخاذ اللازم؟
  • ثانيًا: هل لدينا قاعدة بيانات خاصة بالطب النفسي نجد فيها:

1-           الإحصائيات والمعلومات لأهم الأمراض النفسية في المملكة.

2-           النسبة الأكثر للإصابة بالأمراض النفسية ذكورًا أم إناثًا.

3-           العمر الأكثر عُرضة لتعرض المراهقين للأمراض النفسية، وأنواعها.

4-           الإحصائيات المحددة والتي تفيد أي المناطق تكثر فيها الأمراض النفسية أو عُرضة أكثر من غيرها.

ولا يخفى على أحدٍ أهمية تلك الإحصائيات والتي على أساسها تُجرى الدراسات والبحوث الكفيلة بوضعنا على الطريق الصحيح للعلاج، واتخاذ الإجراءات الوقائية والكفيلة بتخفيض نسب المضطربين والمرضى نفسيًّا في المملكة.

  • ثالثًا: هل هناك تصنيف في الطب النفسي يُحدِّد نوعية الأمراض النفسية، ويربط تواجدها بمناطق معينة تظهر فيها؛ كأنيميا البحر الأبيض المتوسط؟!

ومن ناحيته أوجز د. فهد اليحيا إجابته عن التساؤلات المذكورة أعلاه في النقاط التالية:

  • أولًا: في كل مستشفى كبير مركز للحماية من العنف والإهمال الأسري، وفي المستشفيات الصغيرة لجنة تتبع أقرب مركز. إذا تبين أن المعتدي أو المعتدى عليه أو الأطفال يحتاجون لتدخل الطب النفسي يتم تحويلهم فورًا، كما يتم إبلاغ وحدة الحماية في المنطقة الإدارية لتقوم بالزيارة؛ لكن المشكلة هي كثرة الحالات وقلة الإمكانات البشرية والمادية. أما بخصوص أي محاولة انتحار فمهما كان شكلها يتم تحويلها إلى الطب النفسي.
  • ثانيًا:

1-  الإحصائيات الموجودة هي إحصائيات مستشفيات وعيادات، وبالتالي لا تمثل المجتمع، ولكن الدراسة المسحية الأخيرة أظهرت عددًا من نسب الانتشار.

2-           الإناث أكثر إصابة بالاضطرابات النفسية بصورة عامة.

3-           يعد الأطفال والمراهقين تحت 18 سنة الأكثر عُرضةً للأمراض النفسية.

4-           ما زلنا بحاجة إلى دراسات مسحية متقدِّمة للوصول إلى إحصاءات دقيقة.

  • ثالثًا: هناك عدة أمراض جسدية من المعروف أن لها مضاعفات نفسية، مثل: متلازمة الذئبة الحمراء، وهناك فرع في الطب النفسي مختص بهذا.

ʘ                      التوصيات:

1-  الاهتمام بالصحة النفسية؛ وتخصيص مبالغ كافية لها، وإنشاء مستشفيات صحة نفسية حديثة تغطي جميع مناطق المملكة، وتفعيل قرار إيجاد نسبة كافية من الأسِرَّة للصحة النفسية في المستشفيات العامة وتجهيزها بالكوادر الطبية المناسبة.

2-  ضرورة التوسُّع في الابتعاث للخارج لدراسة الطب النفسي الإكلينيكي، وتخصص الأخصائي النفسي، والخدمة الاجتماعية الطبية، والعلاج الوظيفي النفسي، والتمريض النفسي.

3-  ضرورة التوسُّع في مراكز الإرشاد الأسري في الأحياء لتقديم العون للمحتاجين قبل أن تتفاقم مشكلاتهم وتصل إلى مرحلة الأمراض النفسية، على أن تُقدِّم خدماتها أيضًا للمتعرضين للعنف الاسري من أي عمر وأي جنس.

4-                 ضرورة توفير إرشاد نفسي فاعل في المدارس في مختلف المستويات التعليمية (بنين وبنات)؛ لمواجهة مشكلات الناشئة وسرعة التعامل معها حتى لا تتفاقم مع الإهمال.

5-  إلحاق أقسام علم النفس في الجامعات السعودية بكليات العلوم الطبية بدلاً من كليات التربية؛ لأن علم النفس وخاصة الإكلينيكي أكثر ارتباطًا بالعلوم الطبية.

6-  إنشاء مزيدٍ من مراكز العلاج النهاري والتأهيل النفسي وبيوت منتصف الطريق ودور الإيواء؛ لتقديم الرعاية طويلة الأمد للمرضى النفسيين مرضًا مُزمنًا.

القضية الثالثة

العلاقات السعودية.. الروسية

(20/10/2019م)

ʘ     الورقة الرئيسة: م. سالم المري.

ʘ   المعقِّب: أ. عبد الرحمن الطريري.

ʘ    مشارك في الحوار: د. تركي القبلان (ضيف الملتقى)(*).

ʘ    إدارة الحوار: أ. محمد دندني.

ʘ    الملخص التنفيذي:

استهل م. سالم المري الورقة الرئيسة بالإشارة إلى أن روسيا اليوم لم تعُد تحت حكم الاتحاد السوفيتي وليس لديها تحفظات أيديولوجية تمنعها من توثيق علاقاتها مع دولة مثل المملكة، وتبحث عن تعزيز حضورها في العالم وخاصة في الشرق الأوسط؛ ولذلك لن تمانع في كسب حلفاء جُدد في المنطقة، ومن الواضح أن الرغبة في البحث عن حلفاء إستراتيجيين آخرين من الدول العظمى إضافةً للولايات المتحدة موجودة أيضًا لدى الجانب السعودي، فهناك ثلاثة عوامل مهمة تحكم العلاقات الإستراتيجية لدولة محورية مثل المملكة العربية السعودية، ومن الطبيعي أن يأخذ بها صانع السياسة السعودية:

١-الحفاظ على نظام الدولة وبقائه.

٢- المصلحة الاقتصادية.

٣-البعدان العربي والإسلامي.

والواقع أن كلاً من روسيا والسعودية مع الحليف الإستراتيجي الخطأ في الشرق الأوسط من وجهة النظر الشعبية والمصالح الإستراتيجية. وهذا بلا شك لن يغيب عن قائد مخضرم ومحنك مثل بوتين، وقائد وطني طموح متحفز لدفع بلاده نحو مستقبل أفضل مثل محمد بن سلمان، ممَّا يجعل تقارب المملكة وروسيا أمرًا طبيعيًّا ومنطقيًّا.

وذكر أ. عبد الرحمن الطريري في تعقيبه أن العلاقات بين السعودية وروسيا تأخذ منحى تصاعديًّا في علاقات البلدين، يتسم بالسعي لتوسيع التعاون في المجال الاقتصادي وذروة سنامه أوبك+، وهي الاتفاقية الأولى بين منظمة أوبك ومنتجين من خارجها، والتي وقعت في خريف العام 2016. وكان هذا المنجز دليلَ بداية لبناء ثقة بين البلدين، في مجال طالما كان مجال ملامة بين الطرفين، خاصة في فترات انخفاض الأسعار، ولعل الاتفاقية التي وقعت خلال الزيارة لاستمرار العمل في أوبك+ دليلُ راحة الطرفين لهذه العلاقة، بالإضافة لاتفاقيات أخرى تشتري بموجبها أرامكو مضخات ومعدات من روسيا. كما سعت المملكة لتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، عبر خفض القيود على واردات القمح من روسيا، وتوقيع مذكرات تفاهم في مجال الذكاء الصناعي، وفِي مجال التقنيات العسكرية، والتقنية النووية للأغراض السلمية. وكان لروسيا موقفٌ مهم في أكتوبر من العام الماضي، عندما لم تنصاع للحملة التي استهدفت المملكة، وعبَّرت عن فهم للأهداف السياسية وراءها، والموجهة لخدمة أجندات معادية للمملكة، ولَم يمنعها التعاون مع تركيا في مسار آستانة من اتخاذ موقف مضاد لأنقرة، وبالطبع كانت مصافحة قمة العشرين في بوينس آيرس رسالة مهمة فهمتها عدة أطراف أوروبية وإقليمية بوضوح.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s  نظرة تاريخية للعلاقات السعودية – الروسية.

s   أبعاد التمدُّد الروسي في المنطقة.

s     مكاسب المملكة من بناء علاقات إستراتيجية مع روسيا.

s   محاذير بناء علاقات إستراتيجية بين المملكة وروسيا.

s   بل تقوية العلاقات الإستراتيجية السعودية – الروسية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “العلاقات السعودية.. الروسية” ما يلي:

1-  دعم السفارة السعودية في موسكو بالموظفين وإنشاء الملحقيات كالملحقية التعليمية، على أن يكون السفير السعودي وطاقم السفارة الأساسي من متحدثي الروسية بطلاقة.

2-  ابتعاث الطلبة السعوديين إلى روسيا والاهتمام بتعلُّمهم اللغة الروسية بجوار تخصصهم العلمي، وزيادة المنح الدراسية للمسلمين الروس في جامعاتنا بالمقابل وخصوصًا الجامعات التي لها طابع إسلامي لتعطشهم لذلك. وتفعيل العلاقات الأكاديمية والبحثية والتعاون الجاد مع الجامعات ومراكز البحث الروسية.

ʘ                      الورقة الرئيسة: م. سالم المري:

روسيا اليوم لم تعُد تحت حكم الاتحاد السوفيتي، وليس لديها تحفظات أيديولوجية تمنعها من توثيق علاقاتها مع دولة مثل المملكة، وتبحث عن تعزيز حضورها في العالم وخاصة في الشرق الأوسط؛ ولذلك لن تمانع في كسب حلفاء جُدد في المنطقة، ومن الواضح أن الرغبة في البحث عن حلفاء إستراتيجيين آخرين من الدول العظمى إضافةً للولايات المتحدة موجودة أيضًا لدى الجانب السعودي، فهناك ثلاثة عوامل مهمة تحكم العلاقات الإستراتيجية لدولة محورية مثل المملكة العربية السعودية، ومن الطبيعي أن يأخذ بها صانع السياسة السعودية:

١-الحفاظ على نظام الدولة وبقائه.

٢- المصلحة الاقتصادية.

٣-البعدان العربي والإسلامي.

وإذا رجعنا للتاريخ ومجريات الأحداث سنجد أن تلك العوامل حاضرة في معظم توجهات السياسات الإستراتيجية للدولة السعودية، ففي بداية القرن العشرين كان الحلف الإستراتيجي مع الإنجليز للتخلص من النفوذ الاستعماري التركي المتمثل في الدولة العثمانية التي حاولت جاهدةً القضاء على أي حكم عربي في الجزيرة العربية، ثم بدأت التغيرات في العوامل السابق ذكرها على النحو التالي:

1-  اتضحت النوايا البريطانية الاستعمارية في المنطقة العربية وخصوصًا في فلسطين بعد وعد بلفور، والانتداب وتصاعد العداء الشعبي ضد بريطانيا العظمى في العالمين العربي والإسلامي، وهو ما جعل العلاقة معها تهمة لأي نظام حكم عربي.

2-           عجزت بريطانيا العظمى عن حماية تعهداتها، وتخلت عن حلفائها السياسيين في المنطقة.

3-  اكتُشف البترول في شبه الجزيرة العربية، واستثمرت الولايات المتحدة في استكشافه واستخراجه في المملكة. ورافق ذلك صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى محايدة تدعو للحرية ومناصرة المظلومين، واعتمدت الولايات المتحدة على البترول في فورة نهضتها الاقتصادية والتقنية بعد الحرب العالمية الثانية.

ولذلك تحول التحالف الإستراتيجي السعودي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة في الأربعينيات من ذلك القرن.

واليوم أصبحت الولايات المتحدة من ألدِّ أعداء العرب والمسلمين، وجميع سياساتها الإستراتيجية المعلَنة في المنطقة تتمحور حول أمن إسرائيل وإضعاف الدول العربية، وعدم المبالاة بالوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها. إضافةً إلى التراجع التدريجي لأهمية بترول المنطقة بالنسبة للسوق الأمريكية.

ولذلك لا أستبعد أن الشكوك في موثوقية العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة قد بدأت تساور راسم السياسة الإستراتيجية السعودية منذ بداية القرن الواحد والعشرين؛ ولذلك بدأت رياح الانفتاح السعودي تبحث عن حلفاء إستراتيجيين جُدد. ولو نظرنا للتحالفات الروسية في المنطقة سنجد أن وضعها مقارب لوضع تحالف المملكة مع الولايات المتحدة من حيث الاعتمادية، فروسيا تجد نفسها مع حليف لا يمثل الطموح الذي تسعى له في المنطقة. فنسبة كبيرة من مواطنيها مسلمون سنة، ويمكن أن يكون لسياسات المملكة العربية السعودية تأثيرٌ عليهم. كما أن مصالحها البترولية تلتقي مع المصالح السعودية في تنظيم سوق البترول، بينما حلفها في العالمين العربي والإسلامي محصور (تقريبًا) في إيران وسوريا، والأولى ذات حكم ديني طائفي يعتبر تمثيلاً للأقلية على مستوى العالم الإسلامي وكذلك بالنسبة لسوريا. فنفوذ النظام السوري محدود جدًّا في العالم العربي، في حين أثبتت الحقبة السوفيتية بأن للمملكة ثقلاً معنويًّا مؤثرًا في العالمين العربي والإسلامي ونفوذًا قويًّا في السوق البترولية مكَّناها من لعب دورٍ إستراتيجي مهمٍّ عندما كانت في المعسكر المعادي للسوفييت، حيث كان لمساهمتها في دعم الجهاد في حرب أفغانستان وتوجيه السياسات البترولية اللاحقة تأثيرٌ فاعلٌ على سقوط المعسكر السوفيتي.

والعاملان أنفسهما ممكن إعادة استخدامهما في أي صراع قد يتطور في ظل التجاذبات المستمرة بين روسيا والغرب، مما يجعل التقارب مع المملكة ذا أهمية خاصة للروس.

وخلاصة القول: كلٌّ من روسيا والسعودية مع الحليف الإستراتيجي الخطأ في الشرق الأوسط من وجهة النظر الشعبية والمصالح الإستراتيجية. وهذا بلا شك لن يغيب عن قائد مخضرم ومحنك مثل بوتين، وقائد وطني طموح متحفز لدفع بلاده نحو مستقبل أفضل مثل محمد بن سلمان، ممَّا يجعل تقارب المملكة وروسيا أمرًا طبيعيًّا ومنطقيًّا.

ʘ                      التعقيب: أ. عبد الرحمن الطريري:

تأتي الزيارة الثانية للرئيس بوتين والتي سبقتها أول زيارة لملك سعودي إلى موسكو في 2017، لتُمثِّل مسارًا تصاعديًّا في علاقات البلدين، يتسم بالسعي لتوسيع التعاون في المجال الاقتصادي وذروة سنامه أوبك+، وهي الاتفاقية الأولى بين منظمة أوبك ومنتجين من خارجها، والتي وقعت في خريف العام 2016.

كان هذا المنجز دليلَ بداية لبناء ثقة بين البلدين، في مجال طالما كان مجال ملامة بين الطرفين، خاصة في فترات انخفاض الأسعار، ولعل الاتفاقية التي وقعت خلال الزيارة لاستمرار العمل في أوبك+ دليل راحة الطرفين لهذه العلاقة، بالإضافة لاتفاقيات أخرى تشتري بموجبها أرامكو مضخات ومعدات من روسيا.

كما سعت المملكة لتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، عبر خفض القيود على واردات القمح من روسيا، وتوقيع مذكرات تفاهم في مجال الذكاء الصناعي، وفِي مجال التقنيات العسكرية، والتقنية النووية للأغراض السلمية.

وكان لروسيا موقفٌ مهم في أكتوبر من العام الماضي، عندما لم تنصاع للحملة التي استهدفت المملكة، وعبرت عن فهم للأهداف السياسية وراءها والموجهة لخدمة أجندات معادية للمملكة، ولَم يمنعها التعاون مع تركيا في مسار آستانة من اتخاذ موقف مضاد لأنقرة، وبالطبع كانت مصافحة قمة العشرين في بوينس آيرس رسالةً مهمة فهمتها عدة أطراف أوروبية وإقليمية بوضوح.

في الفترة القادمة وحتى يعود بوتين مُجددًا في العام المقبل إلى الرياض لحضور قمة العشرين، لا شك أن المملكة ستستقبل عددًا كبيرًا من السياح الروس، حيث إن روسيا من الدول التسع والأربعين التي يمكنها الحصول على تأشيرة السياحة السعودية مباشرة، والشعب الروسي من الشعوب الكبيرة المستهدفة سياحيًّا، وتنتعش عادة مناطق شرم الشيخ والغردقة ودبي بالسياح الروس خاصة في الربع الرابع من العام، وسيكون نتاج ذلك خلق صورة طيبة شعبيًّا عن المملكة.

على المستوى السياسي تتسم العلاقة بدرجة جيدة من التنسيق والتفهم، خاصة على مستوى مراعاة بوتين لمصالح إيران كما عبَّر في حديثه التلفزيوني، لكنه أضاف نقطةً إيجابية عن وجوب وضع ملف الصواريخ الباليستية على الطاولة.

وفِي الملف السوري الذي لم يعُد ملفًا خلافيًّا بدرجة كبيرة، تدرك موسكو أهمية المملكة للوصول لحل سياسي مدعوم عربيًّا في سوريا، كما تتسم الملفات الإقليمية الأخرى بدرجة أكبر من التوافق، خاصة في ليبيا والسودان وفي مصر بعد ثورة يونيو، كما أن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى بغداد في الثامن من الشهر الجاري، بعد انطلاق الاحتجاجات الشعبية، يشير إلى تزايد الفراغ الذي يخلفه الغياب الأمريكي عن المنطقة لمصلحة الكرملين.

 

ʘ      المداخلات حول القضية:

ʘ      نظرة تاريخية للعلاقات السعودية – الروسية:

ذكر د. خالد الرديعان أنه تاريخيًّا، فإن العلاقات السعودية الروسية (الاتحاد السوفيتي) تعود للعام ١٩٢٦م، حيث كانت روسيا من أوائل الدول التي اعترفت بالحكم السعودي، وذلك قبل إعلان قيام المملكة عام ١٩٣٢م، وفي حينه فقد فتح الاتحاد السوفيتي سفارة له في جدة، لكن الملابسات والمخاوف المتعلقة بالعقيدة الشيوعية وما تعنيه للمسلمين، إضافة إلى جرائم ستالين بحق الكازاخ والأوزبك ومسلمي الجمهوريات الوسطى قد عرقل نمو العلاقات مع الاتحاد السوفيتي رغم أن العلاقات التجارية مع السوفييت لم تنقطع حتى السبعينيات، لا سيما بعد أن تبين للحكومة السعودية أطماع الاتحاد السوفيتي في المنطقة، ورغبته في الوصول للمياه الدافئة في الخليج العربي، ودعمه المستمر للأنظمة الثورية العربية التي كانت مناوئة للمملكة في مصر والعراق وسوريا والجزائر. الناصرية التي كانت محسوبة على السوفييت، على سبيل المثال: لم تكن على وفاق مع سياسة المملكة بل ناصبت المملكة العداء، وذلك على خلفية انقلاب اليمن في منتصف الستينيات ومحاولة عبد الناصر زعزعة الأنظمة الملكية في الخليج. ولاحقًا في نهاية السبعينيات (١٩٧٩)، فإن الاجتياح السوفيتي لأفغانستان وقيام الحرب ضدها ودعم المملكة للمجاهدين الأفغان، إن ذلك مرة أخرى أعاق إقامة أي علاقة طبيعية مع الاتحاد السوفيتي. ومنذ عام ١٩٩٠ بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانقشاع المد الشيوعي، وتحرُّر أفغانستان من قبضة السوفييت، فإنه يبدو من عدم الحكمة ألا نحاول مرة أخرى إعادة صياغة العلاقة مع روسيا على أسُس جديدة تقوم على تبادل المصالح؛ لأنه لا يوجد موانع تعرقل ذلك، ولا سيما أن الشريك الأمريكي أصبح غير موثوق؛ ومن جهة أخرى، لأن تحالفات العالم في طور التشكُّل، وبالتالي ضرورة مواكبة هذا التغير بما يخدم مصالحنا الاقتصادية والإستراتيجية. روسيا دولة قوية ومنتجة وعضو في مجلس الأمن، وعدم توثيق العلاقة معها سيكون هدرًا سياسيًّا لا مبررَ له.

وفي اعتقاد أ. عبد الله الضويحي، فإن العلاقات السعودية الروسية لمَّا تتبلور بعدُ ولا تزال في مرحلة المخاض، ولم تأخذ بُعدًا إستراتيجيًّا واضح المعالم؛ لسببين:

ʘ   الأول: عمق العلاقات السعودية الأمريكية ومدى تأثيرها في القرار السياسي السعودي. فروسيا ليست الصين أو كوريا فهي لا تزال تُمثِّل القطب الآخر والغريم التقليدي.

ʘ       الثاني: علاقة روسيا بإيران وتركيا ومدى تأثير هذه العلاقة على قضايا المنطقة، ودور المملكة فيها.

وأوضح د. تركي القبلان فيما يخصُّ علاقة تركيا بروسيا، فإنه يربطها ما هو أعمق وهو الطموح الروسي التركي المشترك فيما يُعرف بمشروع السيل التركي لنقل الغار 2020، ويتكون المشروع من خطين لأنابيب نقل الغاز سيُخصَّص أحد الخطين لنقل الغاز الطبيعي إلى تركيا لتلبية احتياجاتها الداخلية، والخط الثاني لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، وطبعًا تستفيد تركيا إلى جانب ذلك ضريبة مرور. أما فيما يخص علاقة إيران مع روسيا فيوجد عامل مهم مشترك بينهما وهو بحر قزوين، فعندما كان الاتحاد السوفيتي قائمًا كانت إيران تشترك حينها إلى جانبه في بحر قزوين، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي أصبح يطل على هذا البحر المغلق خمس دول، وتحتاج إيران وروسيا إلى تنسيق مواقفهما حيال حسم المنفعة من البحر؛ إذ هناك الاستفادة إما وفق قانون البحار أو وفق القانون الدولي، ولكل منهما ميزة حول تقاسم المنفعة، هذا إلى جانب الاعتبارات الأخرى على نحو يُعزِّز العلاقة في بعدها الإستراتيجي، وكذلك التسابق الدولي من الدول ذات المنفعة المشتركة في كلٍّ من إيران وتركيا.

ʘ    أبعاد التمدُّد الروسي في المنطقة:

أشار د. تركي القبلان إلى أن روسيا تدخل المنطقة عبر:

1-  سوريا: حيث وجدت روسيا نفسها أمام خذلان التفكك بعد عام 1991م، والمقاربة الروسية السورية بعد ذلك ثم التحالف الإستراتيجي، إذ في الوقت ذاته استطاع الغرب وأمريكا عزل سوريا من 2004 م وحتى 2008 م، وهو المتغير الذي استطاعت موسكو ودمشق قراءته إستراتيجيًّا، لتنتقل العلاقات من التبادل التجاري والعسكري المحدود إلى التحالف الإستراتيجي وفق إستراتيجيات كلٍّ منهما.

2-  إيران: نعرف أنه في فترة محمد رضا كانت الجغرافيا الإيرانية تُعَدُّ بمثابة حائط صدّ ضد التمدد السوفيتي، غير أن ما استجدَّ وأسس لعلاقات إستراتيجية بعد اندلاع الاحتجاجات السورية وتحديدًا بعد 2015، وتوقيع اتفاقية لوزان بين دول 5+1؛ استطاعت إيران وبطلب سوري من تمهيد الحضور الروسي على الجغرافيا السورية، وأصبحت المصالح الأمريكية في حالة انكشاف، وإذا بروسيا الاتحادية تطل على البحر الأبيض المتوسط.

وأضاف د. تركي القبلان أنَّ هناك ما يُعرف بتوازن القوى في المنطقة وصناعته وفق متغيرات سياسية متعددة، فقد انتهجت أمريكا في عهد نيكسون وأثناء انشغالها في حرب فيتنام أن مكَّنت محمد رضا بهلوي من سد فراغ الحضور الأمريكي في الخليج ودعمته، بحيث يمثِّل الراعي للمصالح الأمريكية والمحافظ عليها، وهنا أصبحت الكلمة الطولى في الخليج لإيران حتى أنه لُقِّب بشرطي الخليج، وقد دعمت إسرائيل هذا الاتجاه في ظل سياسة أو إستراتيجية بن غريون، وهي سياسة المحيط والتي تقوم على تقوية مراكز القوى للإحاطة بالعرب في إيران وتركيا وإثيوبيا، ثم تغيرت موازين القوى بعد توقيع صدام حسين لاتفاقية شط العرب أو ما يُعرف باتفاقية الجزائر 1975، حينها استطاع صدام حسين تطوير الجيش العراقي وتحييد الدعم الإيراني الإسرائيلي للأكراد حين دخلوا في حرب استنزاف مع الجيش العراقي، وصنع الفارق في تفوق العراق عسكريًّا، وبعد اتفاقية كامب ديفيد وخفوت نجم مصر بتقييد المعاهدة، برز نجم صدام حسين سياسيًّا وتحوَّل مركز القوة إلى العراق، وبالتالي التحول الإستراتيجي لدى إيران وإسرائيل؛ بأن أصبح العراق هو العدو المُهدِّد لهما كما يتم تصنيفه، واليوم الحضور الروسي في المنطقة والتموضع الفعلي في سوريا والبحر الأبيض المتوسط عن طريق ميناء طرطوس. وفِي ظل سياسة الانكفاء التي ينتهجها ترامب ومبدأ أمريكا أولًا مرتكزًا في ذلك على مدرسة كسنجر في السياسة، وقد بدأت شواهد هذا الانكفاء على الأرض من سوريا، وإعادة القوات الأمريكية في أفغانستان، وبناء السور مع المكسيك ونظام الهجرة، إضافةً إلى محاولة تحقيق إعادة التفاوض مع إيران حول الاتفاق النووي بمحاصرتها وتوقيع العقوبات لإرغامها على الجلوس إلى طاولة التفاوض، على أن يتم دون الدخول في حرب رغم التصعيد الإيراني، وهذه الإستراتيجية تُعرف  بإستراتيجية نيكسون المعنونة “نصرٌ بلا حرب”.

ومن جانبها تساءلت د. فوزية البكر: ما موقف روسيا من التمدد الإسرائيلي في الأراضي العربية؟ وبدوره أوضح د. تركي القبلان أنه إذا كان المقصود بالتمدد الإسرائيلي الاختراق الإسرائيلي للأجواء السورية وتوجيه ضربات لمواقع إيرانية وكذلك لمواقع حزب الله في سوريا، فالاعتقاد أن هناك تفاهمًا بين الإسرائيليين والروس حول ذلك، وسبق وأن تمَّ لقاء بين نتنياهو وبوتين حول هذا التفاهم، بشرط أن يتم التنسيق مع الروس منعًا لتصادم روسي إسرائيلي في الجو، إضافةً إلى أن الروس حيدوا الصواريخ S300 في سوريا أن تعمل كمضادات جوية ضد الطيران الإسرائيلي. وفيما يخص الجولان، فإن بيان وزارة الخارجية الروسية أوضح في هذا الصدد أن روسيا تعتبر مرتفعات الجولان أرضًا سورية احتلتها إسرائيل في حرب 1967 م. وجاء في بيان صدر عن وزارة الخارجية بعد القرار الإسرائيلي أن موقف روسيا من هذه المسألة لا يزال ثابتًا. وبلا شك تُعَدُّ مرتفعات الجولان أرضًا سورية احتلتها إسرائيل أثناء حرب عام 1967، وروسيا تتمسك وترتكز في ذلك إلى القرار الأممي رقم 494 الصادر عام 1981، الذي يعتبر قرار إسرائيل بنشر قوانينها وسيادتها على هذه الأراضي السورية غير شرعي وليس له أي قوة قانونية.

ʘ     مكاسب المملكة من بناء علاقات إستراتيجية مع روسيا:

يرى د. حمد البريثن أن التوازن في العلاقات أمرٌ حتمي، ومصلحة المملكة في السعي لتوطين القدرات وتدريب الكوادر؛ فمن الجيد توجيه جزء من دفة الابتعاث والتدريب والبحث العلمي وما شابهه لروسيا. وأضاف أ. جمال ملائكة أن التوازن في العلاقات بالفعل أمرٌ حيوي وضروي للمملكة، وخاصة أن روسيا متقدمة في مجالات تقنية عديدة.

وأكد م. سالم المري على أن تفويت الفرصة المواتية حاليًّا في تطوير العلاقات مع روسيا سيكون هدرًا لا مبرر له.

وفي تصوُّر د. فوزية البكر، فقد مررنا بحاجز نفسي وثقافي بالنسبة للعلاقة مع روسيا، وقد بدأنا نتحرر من ذلك وننظر إلى العلاقات مع كافة الدول بمنظار الواقعية والمصلحة العامة؛ وذلك لخلق توازنات دولية تسهم في استقرار العالم، وهذا ما تفعله قيادتنا الحكيمة من خلال توثيق علاقاتها الآن بروسيا وكذلك الصين.

ومن وجهة نظر د. تركي القبلان، فإن الحاجة ملحة إلى التطلع لتطوير العلاقات السعودية الروسية ونقلها إلى مستوى إستراتيجي، ومن السهل إيجاد أرضية مشتركة مع الروس في سوريا في ظل تضاد المصالح الإيرانية والروسية في الوقت الراهن بعد أن قدَّمت روسيا لنظام الأسد كلَّ أشكال الدعم من الفيتو الروسي وحتى التقنيات والأسلحة لتحقيق الحسم لصالح النظام. كما أن هناك متغيرًا كذلك يَصبُّ في مصلحة التقارب الروسي السعودي على حساب الحليف الإيراني لروسيا، وهو تصادم المشروع الإيراني في التمدد على الأرض من إيران إلى العراق فسوريا ولبنان مع الطموح الإسرائيلي في مد النفوذ باتجاه المنطقة العربية وتأمين منطقة المشرق العربي كأمن قومي إسرائيلي.

وأشارت د. وفاء طيبة إلى أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان أظهر توجُّهًا واضحًا لرغبة المملكة في تكوين علاقات قوية مع روسيا منذ بداية عهده حفظه الله، وأكدت ذلك زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وخلال زيارة بوتين الأخيرة للمملكة – وهي الزيارة الثانية – كان ثمة حديث عن اتفاقيات كثيرة ليس في مجال المعدات الثقيلة والأسلحة والجانب الاقتصادي عمومًا؛ ولكن في الجوانب الثقافية أيضًا. ويصبح من المهم التساؤل: هل يمكن أن تصل علاقاتنا مع روسيا إلى أثر ثقافي قوي كما هو مع الولايات المتحدة، واعتيادنا على القراءة لهم ومشاهدة أفلامهم ومسرحياتهم؟ هل يمكن أن نصل إلى ذلك خاصة وأن نسبة كبيرة من الروس مسلمون (٢٠٪؜) أم ستقف اللغة حاجزًا بيننا؟ أم أن الروس ليسوا بهذه الشخصية التي تريد عولمة ثقافتها؟ الحقيقة أننا وبسبب اللغة والحاجز الذي ذكرته د. فوزية يغيب عنَّا تقريبًا كل معالم الثقافة الروسية، لا نكاد نعرف إلا معلومات قليلة جدًّا عن عادات وتقاليد وثقافة الشعب الروسي مثل ما كنا نقرؤه من روايات لتولستوي (الحرب والسلم)، و(الإخوة كارامازوف) لدوستويفسكي و(د. زيڤاجو) ورقصات البالية الروسية. أيضًا فقد بادرت المملكة بزيادة عدد الحجاج الروس، فهل يمتد تأثير المملكة إلى معاناة الجماعات الإسلامية في روسيا؟ هل تستطيع المملكة التدخل لتحسين أوضاعهم؟

وأشار د. زياد الدريس إلى أننا ندرك أن روسيا الآن ليست دولة عظمى بالمنظور السياسي المحكوم بنظام القطب الواحد للعالم، لكن روسيا ربما تكون قادرةً على تحقيق دور توازني عظيم في المنطقة؛ بل الأمر قد يتجاوز ذلك، فقد طرح أكثر من كاتب غربي تساؤلًا حول ما إذا كانت روسيا لا تزال دولة عظمى؟ ولقد أقرَّ معظمهم بذلك من حيث صناعاتها الحربية وترسانتها النووية، لكن روسيا تملك أيضًا من مواصفات «العظمة» من حيث مساحتها الشاسعة من أقصى شرق الكرة الأرضية، بإطلالة على الغرب الأمريكي، إلى حدود فنلندا غربًا، وتتاخم حدود روسيا قرابة خمس عشرة دولة آسيوية وأوروبية شرقًا وغربًا وجنوبًا. وتضم هذه الأرض الشاسعة ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز والماس والذهب والأخشاب، والماء الذي سيصبح نفط القرن الجديد، إضافةً إلى تعدُّد أعراق روسيا وثقافاتها وإرثها التاريخي، وما تملكه من قدرات بشرية مؤهَّلة لمواصلة المسيرة العلمية التي قادت أول إنسان في العالم (يوري جاجارين) من روسيا إلى الفضاء. (صحيفة الشرق الأوسط، 2002م: العدد 8731).

في حين يرى أ. جمال ملائكة أن الأحداث العالمية قديمًا وحاليًا أثبتت أن المراهنة على قطبٍ عالمي واحد والتعويل عليه لمراعاة مصالحنا، هو اختيار سيئ، ومآله وضع رقبتنا تحت مطرقة هذا القطب. كما أثبتت الأحداث أن القطب الذي اعتمدنا عليه قام بالتخطيط للفوضى الخلاقة مما كان له آثار كارثية على النظام العربي، كما قام نفس القطب بالضغط وبدون أي لباقة لشراء منتجاته، وأن هذا فرضٌ علينا! كما استغل قضية جنائية للضغط علينا “بشدة” في مجالسه النيابية ودوائره الأمنية… إلخ. بالنسبة لروسيا ومن قبلها الاتحاد السوفيتي أثبتت الأحداث أنهما حليفٌ يُعتمَد عليه، وأنه على كامل الاستعداد لتبادُل المصالح وتفهُّم حاجاتنا السياسية والأمنية والاقتصادية والنفطية. كما أثبتت الأحداث أن روسيا لا تتآمر ضد حلفائها، ولم يحدث هذا ولا مرةٍ واحدة في تاريخ السوفييت وحاليًّا روسيا. وبالتأكيد، فإننا لا نريد أن نستبدل قطبًا مكانَ آخر، ولكن ما نراه واضحًا أن المملكة تحاول بدبلوماسية فائقة أن توازن بين علاقاتها مع الأقطاب العالمية، وأن تحاول المناورة قدر الإمكان والتحرُّك ضمن التناقضات العالمية والمصالح الاقتصادية لتصل إلى “نوع” من التوازن، وهو أمرٌ ليس بالهين نظرًا للعلاقة الوثيقة التي تربطنا حاليًّا ببعض الدول ووجود سياسيين لديها يتسمون بقدرٍ كبير من عدم الحصافة السياسية والإعلامية.

وعقَّبت د. فوزية البكر على ذلك بأن الفترة الماضية كانت فترة التنمية التي سعت فيها المملكة إلى اللحاق بالعالم المتقدم؛ لذا كان هناك ضرورة لبعض المراهنات. أما اليوم – والحمد لله – فقد دخلت المملكة عصر صناعة المحتوي المحلي وتجويده ليقف على قدميه ليس بالضرورة موازيًا ولكن متطاولًا يحاول الوقوف بصلابة، وستتطلب المرحلة ميكانزمات مختلفة للعلاقات الدولية تحقق المصالح الداخلية، وترضي الأطراف الإقليمية المؤيدة والمحايدة، وتزرع أسس السلام في العالم؛ وهذا ما نطمح له كوطن شاب لديه كل المؤهلات، مما يجعل العلاقات المتوازنة مع كل الأطراف ضرورة قصوى لإرساء قواعد السلام العالمي.

وأكد د. محمد الملحم على أن العلاقات الدولية مع أية دولة مهمة إستراتيجيًّا ولا بد لها من أن تُؤسَّس على مصلحتنا في أي مستوى وهي سياسة المملكة، فلا تألو جهدًا في مدِّ يد التعاون مع جميع الاقتصادات والدول المهمة؛ لتعزيز دورها وقيمتها الدولية من جهة، ولفتح أسواق جديدة لاقتصادها الطموح على الدوام من جهة أخرى.

أما د. وفاء الرشيد فترى أن روسيا بتحالفاتها لها سياسة مختلفة جدًّا عن أمريكا.. وإذا رجعنا للتاريخ القريب وليس البعيد لكان الفرق واضحًا؛ فالتحالف مع روسيا الأضعف عسكريًّا واقتصاديًّا بالنسبة لأمريكا يقوم على مبدأ الشراكة والدفاع عن الحليف بكل ما استطاعت من قوة سياسية بل عسكرية أيضًا. أما التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية فهو تحالف مع الأقوى في العالم، ولكنه تحالف يقوم على مبدأ جني الاستثمارات والمصالح، فبمجرد تحقيق المصلحة يصبح التحالف شكليًّا اسمًا بلا مضمون.

ʘ    محاذير بناء علاقات إستراتيجية بين المملكة وروسيا:

تساءل أ. محمد الدندني: ما مدى رد فعل أمريكا لو تطوَّرت العلاقة السعودية – الروسية إلى مستوى عالٍ، وبالذات في التعاون العسكري مع الوضع في الاعتبار رد فعل أمريكا من صفقة تركيا الأخيرة لشراء الصواريخ الروسية؟  كذلك فقد تساءل د. علي الطخيس: هل يمكن بناء تحالفات مع أحد الأقطاب دون تدخل الأقطاب الأخرى؛ لأن واقع الحال غير ذلك؟

ومن ناحيته، يعتقد م. سالم المري أنَّ أي تحوُّل يجب أن يُفهم على أنه تحوُّل نحو الاعتماد على الذات وليس مُوجَّهًا ضد أي جهة. وبحيث يكون الابتعاد عن الاعتماد على قطب واحد تدريجيًّا حتى نضمن ألا يكون هناك ردة فعل معطلة. وبالنسبة للمملكة الوضع مختلف نوعًا ما عن تركيا. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي الذي تأسست عقيدته على محاربة الروس، ويعتمد أساسًا على السلاح الغربي. وشراء تركيا للسلاح الروسي قد يُقرأ على أنه تحوُّل في التزامها نحو الحلف. أما المملكة فليست في حلف مضاد لروسيا. وأي تطوير للعلاقات مع روسيا يجب أن يركِّز على الصناعة والتكنولوجيا المفتوحة التي يمكن أن تدخل فيها روسيا، وتربح التنافسية مع الغرب. وعلى أساس مشاريع يكون فيها إعطاء التكنولوجيا وإتاحة الاعتماد على الذات صعبًا بدون دخول منافس قوي مثل روسيا، وذلك كشراء بعض الصناعات الروسية التي بحاجة للتطوير أو المشاركة فيها في السعودية؛ كالصناعة الكيميائية، وصناعة الأسلحة، ومحطات الطاقة النووية، ومشاريع البنية التحتية، وصناعة الآلات والمعدات الثقيلة الضرورية لتطوير القاعدة الصناعية؛ كصناعة الغلّايات البخارية والتوربينات والمولِّدات والقاطرات وبناء السفن وغيرها. هذه جميعها صناعات الحصول عليها من الشركات الغربية مُكلِّفٌ ومُحتكَر في الغالب ومتوفرة من روسيا بأسعار تنافسية وبدون قيود أو قيود بسيطة، ويمكن تطوير صناعة خاصة بنا اعتمادًا عليها.

ومن جهته، يرى د. تركي القبلان أن التحوُّل في موثوقية السلاح الأمريكي وخصوصًا الدفاعي لصالح الصواريخ الدفاعية الروسية ولا سيما S400 – يُرجِّح كفة التوجُّه نحو التسلح من روسيا رغم التهديد الأمريكي في مواجهة هذا السباق من دول المنطقة تجاه روسيا.

وتساءل د. محمد الملحم: فيما يتعلق بروسيا، ما مدى تمكن اللوبي الصهيوني في روسيا وتأثيره على القرار السياسي؟  فالصورة في المعسكر الغربي (ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى) واضحة المعالم إلى حد كبير، ولكن ما يتعلق بروسيا فإن تواجد اليهود “المتعصبين” بكثافة مدعاة لهذا التساؤل حول الصهيونية وأثرها على مثل هذه العلاقات مع دولة إستراتيجية مثل السعودية.

وفي هذا الصدد يرى أ. جمال ملائكة أنه لا يجد ما يشير إلى أي نوع من النفوذ أو التأثير اليهودي على صانع القرار في روسيا الآن أو أيام الاتحاد السوفيتي. بينما ذكر د. زياد الدريس أن الاتحاد السوفيتي كان أول من أعلن اعترافه بقيام دولة إسرائيل عام 1948م، لكنه بعد حرب 1967م أصبح منحازًا مع العرب (الاشتراكيين خصوصًا)، باعتبار أن الولايات المتحدة منحازة كليًّا مع إسرائيل، وكجزء من تمظهرات الحرب الباردة. لذا، لم يكن لليهود نفوذٌ في حقبة الاتحاد السوفيتي، الذي ما أن سقط حتى انقضَّ رجال الأعمال اليهود “المكبوتون” على مراكز السيطرة الاقتصادية في روسيا وهيمنوا على شركات النفط وأبرز القنوات الإعلامية، وذلك في عهد الرئيس “الضعيف” يلتسين. حتى جاء الثعلب بوتين، فاستعاد معظم ما نهبه التجار اليهود بأبخس الأثمان، وخصوصًا الملياردير اليهودي بوريس بيريزوفسكي.

وفي اعتقاد د. مساعد المحيا، فإنه وخلال السنوات الأخيرة اتجهت المملكة – وبدافع من مواقف سلبية تراها من الأمريكيين – للصين والروس لكنها لا تمضي في هذا بعيدًا. الظروف التي مرت وتمر بها المملكة حتمت عليها الالتفات نحو روسيا، وخلال زيارة الملك لروسيا وقعت الكثير من مذكرات التفاهم. وحين زيارة بوتين للرياض وقَّع مذكرات أخرى. والواقع أن العلاقة مع الروس تظل مناورة سياسية تحكمها كثير من المتغيرات وتؤثر فيها؛ لذا لا ينبغي أن يتجاوز تصور المستقبل بأنه سيشهد تغيرًا في التحالفات الدولية؛ فالعلاقة مع أمريكا ومع الدولار يبدو أنها هي الأظهر في ضوء المعطيات الحالية.

وفي المقابل يرى د. عبد الله محمد بن صالح الحمود أن الأمريكان أيضًا لا يُؤمن جانبهم، فقد رأينا ما حصل مع ماركوس والشاه ومبارك ونورتيجا والأكراد في العراق وسوريا وغيرهم كثير؛ لأن هذه الدول تربط علاقتها بمصالحها وما يحقق أهدافها، وأمريكا تسيرها مؤسساتها وقوة مراكز الضغط فيها واللوبيات، ولا يهمها الأشخاص، هي ترى أين مصلحتها وعند مَن، فتقف معه حتى تحصل على كل ما تريد بقليل من الجهد والعطاء. ويصبح من الملائم في هذا الإطار العمل على تقوية الجبهة الداخلية وكسب ولاء المواطنين بالحب المتبادل، مع الحريات والإصلاحات في جميع مناحي الحياة السياسية والقانونية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإعادة النظر في علاقاتنا الخارجية، والعمل على خلق تحالفات جديدة متعددة مع دول تعمل بفعالية وكفاءة مثل الصين وروسيا والهند، وتقوية المصالح الاقتصادية المشتركة بالاستثمارات في هذه الدول وفي المملكة خاصة. لا شك أن قوة الولايات المتحدة الأمريكية الحالية عسكريًّا واقتصاديًّا وتقنيًّا وسياسيًّا يجعلنا نعمل بعقلانية معها، وتقوية العلاقات العامة والاستثمار في الإعلام الداخلي الأمريكي، وعدم إيصال العلاقات إلى الطلاق أو الانفصال ولو مؤقتًا، بل تقويتها بجهد أكثر في استقطاب مراكز الضغط ومؤسسات صنع القرار، وإدخال إصلاحات ملموسة وحريات أكثر في بلدنا ضمن حدود الشرع، وعدم السماح لأي شخص يعمل في القطاع الحكومي أو خارجه بارتكاب حماقات تعطي الآخرين الفرصة في الطعن في الحكومة وتأليب المجتمع وإضعاف موقف المؤيدين لنا.  في الوقت الحالي، الارتباط بالدولار وتقوية العلاقات مع أمريكا مع تغيير الأسلوب في التعامل هو الأنسب، إلى أن نكون دولة مؤسسات، متطورة ومتقدمة، معتمدة على نفسها بنسبة كبيرة، وتُدار بأسلوب ديمقراطي؛ عند ذلك الاختراق والتدخل الكبير من أي جهة يكون صعبًا إنْ لم يكن مستحيلًا، مثل الدول المتقدمة الديمقراطية.

ʘ  سبل تقوية العلاقات الإستراتيجية السعودية – الروسية:

 أوضح د. تركي القبلان أنه لا بد من العمل على الارتقاء بالعلاقات الروسية السعودية إلى مستويات أعلى، ولتحقيق النفاذ داخل بيئة العلاقة الروسية الإيرانية علينا أن نجعل سوريا تحديدًا ميدان الرهان لنا نحن كذلك؛ لا سيما في ظل التململ الروسي من المزاحمة الإيرانية وتضارُب المصالح في الوقت الراهن في سوريا. ونفس الحال بالنسبة لتركيا. والمرحلة الآن في سوريا مقبلة على إعادة إعمار سوريا، وهذه ورقة قوية نستطيع نحن اللعب بها أكثر من إيران وتركيا، وفي الوقت ذاته فهي تمثل عاملَ إنقاذ لروسيا.

وذكرت أ. بسمة التويجري أن نسبة المسلمين في روسيا تبلغ ٢٠٪؜ من السكان؛ أي ما يعادل حوالي ٢٨ مليون مما جعل المملكة تزيد من عدد الحجاج الروس للعام الماضي، وهذا في حد ذاته مصدر جديد لتعزيز العلاقات من خلال زيادة أعداد الحجاج والمعتمرين الروس.

وفي اعتقاد د. فوزية البكر أننا نحتاج إلى حملة علاقات عامة داخل البلاد للتعريف بالعلاقة التاريخية القديمة مع روسيا، وطبيعة المصالح المشتركة للبلدين التي تحكم علاقتنا بها؛ لزيادة الدعم الشعبي لهذا التوجه.

ويرى أ. جمال ملائكة أنه لا بد من الإعداد لمرحلة ما بعد فلاديمير بوتين، وإقامة أواصر الصداقة والعلاقات مع السياسيين الروس والمجتمع المدني، وكذلك الاستمرار فيما نقوم به من تعاون نفطي واقتصادي وتعاون سياسي في الدول العربية، وعلى سبيل المثال سوريا؛ حيث أحبطت روسيا مؤامرة تقسيم سوريا. كما أنه وبالنظر إلى حصافة روسيا السياسية وعلاقاتها مع دول مثل إيران وتركيا، فقد يكون من الممكن التفاهم للوصول إلى حلول سياسية مع هاتين الدولتين بوساطة روسية.

وذكر د. زياد الدريس أنه يمكن إعادة بناء العلاقات السعودية – الروسية، على ضوء القواسم التاريخية المشتركة، والمصالح المتبادلة، ثم الأحداث القائمة التي تُملي على الطرفين إعادة تثمين لهذه العلاقات في بورصة العلاقات الدولية الراهنة. وإنَّ أولى الخطوات لبناء هذه العلاقات الجديدة أو المتجددة، هي تعزيز واقع السفارتين في كلٍّ من البلدين، سواء على صعيد القدرات أو الإمكانات والتجهيزات والصلاحيات التي تتوافر عليها السفارة. ينطلق هذا من الاهتمام بحجم السفارة السعودية في موسكو والسفارة الروسية في الرياض، الحجم الحسي والحجم المعنوي، إذ إن السفارات هي عناوين الدول في الخارج، وأنموذجها المصغر، ولا ترضى دولة أن يكون أنموذجها في الخارج أضعف من صورتها الحقيقية. ففي ظل الهجمات المتوالية التي يشنها الإعلام المتحيز على المملكة تحت غطاء الوهابية، فإنه ينبغي وجود ملحق إعلامي في سفارتنا بموسكو، يقدِّم للإعلام الروسي صورة بديلة عن الصورة المشوهة، بل إن الحاجة تتجاوز مسألة تصحيح الصورة المشوهة إلى الحاجة أساسًا لوضع صورة في ذهن الشعب الروسي عن المملكة العربية السعودية، حيث إنَّ الانقطاع الدبلوماسي بين البلدين لسنوات طويلة جعل كثيرًا من الشعب الروسي لا يعرف أبجديات المعلومة عن المملكة. والمبادرة بتعريف وإطلاع الشعب الروسي على خصائص المملكة وموقعها الديني والجيوسياسي في العالم، سيُضعف حتمًا مفعول الدسائس الإعلامية الموجَّهة ضد المملكة إلى شعب أعزل من المعلومة الأصلية. والجهود الإعلامية المتفرقة التي تقدِّمها السفارة السعودية في موسكو الآن، من خلال المناسبات الوطنية والمعارض المصاحبة، هي جهود طيبة ومحمودة، لكنها غير كافية لتقديم الجرعة المضادة لحملات التشويه، ما لم يتول ذلك مكتب إعلامي متفرغ في السفارة يعمل ضمن خطة مهنية مبرمجة.

وفي ظل تكالُب الوفود التجارية الغربية والآسيوية على موسكو لاستثمار الثروات الطبيعية المتناثرة في تلك الأرض الشاسعة، فإن هذا يستلزم وجود ملحق تجاري في سفارتنا يُقدِّم لرجال أعمالنا صورةً واضحة عن مجالات الاستثمار المتنوعة في أرض روسيا التي تحتاج إلى توسيع وتنويع يُضاف إلى الاستيرادات السعودية من الاتحاد السوفيتي سابقًا، والتي كانت تنصبُّ بشكل أساسي على بعض المنتجات البتروكيماوية والأجهزة الكهربائية والمنتجات الصناعية كمواسير وأنابيب الصلب. ولا تخفى أهمية التسابق الاقتصادي مع الدبلوماسي في بناء العلاقات الدولية، ولعل إرسال وفود تمثل الغرف التجارية بين البلدين هو الخطوة الأسرع لتفعيل العلاقات الاستثمارية.

أما على صعيد العلاقات الثقافية والتعليمية، فرغم الجهود المشكورة التي تبذلها المدرسة (الأكاديمية) السعودية في موسكو بالمناشط الثقافية والتعليمية مع الجاليات العربية والمستعربة، إلا إنه لا شك في أهمية وجود ملحق تعليمي وثقافي في السفارة السعودية بموسكو من أجل تكثيف الروابط الفكرية بين الشعبين. وليس أشد صلابةً ومتانةً بين الشعوب من تلك التي تمتد في المسار الثقافي والفكري، إذ تُذيب هذه المسارات كثيرًا من الحواجز الوهمية، أو الحقيقية القابلة للحوار. وهنا تأتي أهمية وجود ملحق تعليمي يُنظِّم وفود الطلاب الذين ينبغي ابتعاثهم إلى روسيا من أجل تنويع مصادر العلوم والثقافات، فروسيا تضم عددًا من الجامعات العالمية العريقة المعترف بها من لدن أعرق الجامعات الأوروبية والأمريكية، هذه الجامعات تضمُّ عددًا من الطلاب الأوروبيين والآسيويين، خصوصًا من الصين والهند، وهما القوتان القادمتان من آسيا. ولا يخفى أن روسيا ذات تجارب رائدة في مجال دراسات الطب والرياضيات والفيزياء، بالإضافة إلى حقول الدراسات الإنسانية؛ كعلوم الاجتماع والفنون والحضارات. فابتعاث الطلاب السعوديين إلى جامعات روسيا العريقة سيتيح الإفادة من إرثهم الحضاري والثقافي المتراكم على مدى ألف عام من العلاقات التبادلية بين الحضارة الإسلامية والحضارة البيزنطية. ويمكن جعل هذه العلاقة المعرفية تبادلية أيضًا من خلال بَعْث عدد من شباب مسلمي روسيا إلى الجامعات السعودية لدراسة العلوم الإسلامية، الشرعية واللغوية فيها.

وعلى نفس المنوال، فإنَّ على سفارة روسيا في الرياض أن تُعزِّز حضورها وموقعها في وسط الرياض الإعلامي والاقتصادي والثقافي، فعلى السفارة الروسية بالرياض مسؤولية كبرى تتمثل في تقديم صورة للشعب السعودي عن روسيا، تغاير الصورة النمطية المكرَّسة عن روسيا «المغلقة»! هذا عدا دورها المتوقع في تحريك العلاقات التجارية عبر التنسيق بين الغرفتين التجاريتين هنا وهناك، وكذا في إظهار القواسم الثقافية المشتركة وإبرازها على السطح الإعلامي والميداني. وغني عن القول، إن أول خطوة جادة لرسم مستقبل علاقات مزدهرة وفعالة بين المملكة العربية السعودية وروسيا، تكمن في أهمية تجاوز عثرات الماضي، والحذر من فخاخ الحاضر، والثقة المتبادلة المبنية على حاجة كلٍّ من طرفي العلاقة إلى الآخر. ينبغي التوقُّف عن الاستخفاف بقدرة روسيا وإمكاناتها والقدرة على الإفادة منها، وبدلًا من الاعتقاد بأن روسيا كانت دولة عظمى وسقطت فحسب، علينا أن ندرك أن روسيا دولة سلخت جلدها وما زال جسدها ينبض بالحياة والدماء المتجددة. في المقابل، فإن على روسيا أيضًا بدلًا من الاعتقاد بأن المملكة العربية السعودية دولة نفطية فحسب، أو أنها كما يصوِّرها الإعلام المتحيز، دولة تُصدِّر الإرهاب، النظر إلى الإمكانات السعودية التي يمكن استثمارها في روسيا، وذلك من خلال موقع المملكة الديني والاقتصادي والسياسي في العالم العربي والإسلامي بشكل خاص، والعالم أجمع بشكل عام. (صحيفة الشرق الأوسط، 2002م: العدد 8731).

وأشار د. عبد الله محمد بن صالح الحمود إلى أننا نحتاج بكل تأكيد إلى إعادة نظر في سياساتنا الخارجية. فعلاً، نريد أن نركز على التغيير الجذري والتطوير للبقاء والاستمرار في دولة حضارية متقدمة، ومجتمع حيوي ينعم بالأمن والأمان والحرية والكرامة.

ʘ  التوصيات:

1-  الحرص على استخدام العلاقة مع روسيا لتخفيف علاقتها مع إيران؛ بتبني سياسة متوازنة أو حيادية فيما يخص مواقف إيران مع المملكة ودول الخليج العربية.

2-  إعطاء الشركات الروسية نصيبًا من المشاريع داخل المملكة، وبالذات في مجال الطاقة بأنواعها. وتفعيل الزيارات البينية لرجال الأعمال، وفتح ممثلية ضمن الملحقية التجارية لمجلس الغرف السعودية. والحرص على الشراكات الاستثمارية، والتعاون في التصنيع العسكري محليًّا وجعله تحت مظلة القطاع الخاص بإشراف الدولتين.

3-    تنشيط الإعلام والتعريف بالمملكة لدى الشعب الروسي من خلال الزيارات المتبادلة، وتقوية أواصر العلاقة مع الجالية الإسلامية بروسيا ومن بحكمها؛ لرفع مستوى التنسيق في مجال الحج والعمرة، ودراسة اللغة العربية والدراسات الفقهية والإسلامية، والاهتمام بدعم دور الأكاديمية السعودية بموسكو لخدمة الجالية المسلمة من الروس والمقيمين بها، مع فتح فروع لها في بعض المدن الكبرى بروسيا.

4-   طرح خيار تعلُّم اللغة الروسية في الجامعات السعودية، ومنح حوافز للطالب الذي يجيدها.

5-  إنشاء مراكز ثقافية في كلٍّ من السعودية وروسيا، ودعوة مسؤولين روس وأدباء ومثقفين وكُتَّاب وفنانين لزيارة السعودية والالتقاء بمسؤولي الدولة ورجال الأعمال والمثقفين والكُتَّاب… إلخ.

6-  دعم السفارة السعودية في موسكو بالموظفين وإنشاء الملحقيات؛ كالملحقية التعليمية، على أن يكون السفير السعودي وطاقم السفارة الأساسي من متحدثي الروسية بطلاقة.

7-  ابتعاث الطلبة السعوديين إلى روسيا والاهتمام بتعلُّمهم اللغة الروسية بجوار تخصصهم العلمي، وزيادة المنح الدراسية للمسلمين الروس في جامعاتنا في المقابل، وخصوصًا الجامعات التي لها طابع إسلامي لتعطشهم لذلك. وكذلك تفعيل العلاقات الأكاديمية والبحثية والتعاون الجاد مع الجامعات ومراكز البحث الروسية.

 

القضية الرابعة

صحة المرأة

(27/10/2019م)

 

ʘ        الورقة الرئيسة: د. فاتنة محمد الطحان (ضيفة الملتقى)(1).

ʘ       التعقيبات:

  • التعقيب الأول: أ. د. سامية بنت محمد العمودي (ضيفة الملتقى)(2).
  • التعقيب الثاني: د. منى بنت عبد الله آل مشيط (ضيفة الملتقى)(3).

ʘ      إدارة الحوار: د. مها المنيف. 

ʘ  الملخص التنفيذي:

أشارت د. فاتنة الطحان في الورقة الرئيسة إلى أن صحة النساء تثير اهتمامًا متزايدًا ضمن المجتمع الدولي، وهي مصدر قلق للمملكة منذ فترة طويلة، ولكنها أصبحت اليوم أولويةً ملحة. وخلال السنتين السابقتين تم إطلاق برامج عمل رئيسة بما فيها الإستراتيجية العالمية للأمم المتحدة حول صحة النساء والأطفال، والإعلان السياسي للاجتماع عالي المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة حول الوقاية والسيطرة على الأمراض غير السارية؛ لحث الدول على إدراجها من أولويات التحديات، ووضع منهجية متكاملة لتحسين ورفع مستوى الخدمات في المجالين الاجتماعي والصحي. بناءً على ذلك، كانت استجابة المملكة سريعة في استحداث برنامج متكامل لصحة المرأة يتماشى مع رؤية المملكة 2030 في رفع جودة الحياة؛ بتبني سياسات اجتماعية وصحية تُعزِّز من مكانة المرأة، وخلق ظروف معيشية مُعزِّزة لنمط حياة صحية سليمة، والارتقاء بالخدمات الصحية وتسهيل الحصول عليها وتحسين القيمة المحصلة منها بمؤشر أداء صحي يؤدي إلى زيادة متوسط عمر المرأة إلى أكثر من 80 عامًا.

وأوضحت أ. د. سامية العمودي في التعقيب الأول أن تمكين المرأة والحقوق الصحية للمرأة السعودية توجُّهٌ جديد في ظل برنامج التحول الوطني 2020 ورؤية المملكة 2030، وقد عززت المملكة مكانة المرأة في التنمية وكفَلت حقوقها في مجال الصحة بما يحقق أهداف التنمية المستدامة 2030، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين وولي العهد يحفظهما الله، تم تعزيز الثقافة الحقوقية خاصة بعد صدور القرار السامي رقم 33322 الصادر في 21 رجب 1438هـ / الموافق 17 إبريل 2017م، والقاضي بنشر الثقافة الحقوقية وتمكين المرأة.

وتطرقت د. منى آل مشيط في التعقيب الثاني إلى أن تعزيز حق المرأة في الرعاية الصحية المتكاملة ووضع التشريعات ذات العلاقة لتحقيق حياة صحية نوعية أفضل للنساء يُعزِّز مشاركة المرأة في التنمية، ويحقق أهداف التنمية المستدامة ومنها الهدف الثالث المتعلق بالصحة والرفاه، ومؤداه: ضمان أنماط العيش السليم وتعزيز الرفاه للجميع، وهما أمران ضروريان لتحقيق التنمية المستدامة. وتماشيًا مع رؤية المملكة 2030 من رفع جودة الحياة وتوفير الخدمات الصحية ورفع متوسط عمر المرأة؛ قامت وزارة الصحة والجهات الصحية الأخرى ومجلس الضمان الصحي بمبادرات لتقديم خدمات طبية مختصة بصحة المرأة، وهذا تقدُّم ملموس وملحوظ.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s     لماذا صحة المرأة؟

s      العوامل المؤثرة على صحة المرأة.

s      الثقافة المجتمعية وتشكيل الواقع الصحي للمرأة.

s      الوضع الصحي للمرأة العاملة.

s      الطب البديل وصحة المرأة.

s     وسائل تحسين الوضع الصحي للمرأة السعودية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “صحة المرأة” ما يلي:

1-  ضرورة إدراج برنامج فرعي ضمن برنامج صحة المرأة بحيث يكون مُخصَّصًا لصحة المرأة العاملة، وكذلك برنامج فرعي يختص بنشر التمكين الصحي عمومًا وحقوق المرأة الصحية في جميع الأعمار، لإدراجه ضمن مناهج التعليم في المرحلة الثانوية والجامعية للإناث والذكور مع التركيز على المواضيع الشرعية الشائكة؛ ليكون البرنامج كاملاً ضمن برنامج تمكين المرأة في رؤية ٢٠٣٠، لتحقيق التوازن بين حياة المرأة العملية والصحية.

2-  تطوير ودعم مراكز الأبحاث المتعلقة بصحة المرأة، والعمل على توفير الموارد اللازمة لإيجاد قاعدة بيانات حقيقية معلنة وشاملة تغطي كافة جوانب صحة المرأة من (كوادر طبية متخصصة، ومترجمين صحيين لذوات الإعاقة السمعية، وأنواع الأمراض الأكثر إصابةً في المملكة، والمناطق الأعلى إصابة … إلخ) من أجل الاعتماد عليها في بناء إستراتيجية وطنية مبنية على الأسس والبراهين لمواجهة المشاكل الصحية المزمنة والطارئة، ووضع مؤشرات أداء لصحة المرأة لتحقيقها ضمن رؤية 2030.

ʘ                      الورقة الرئيسة: د. فاتنة الطحان:

تثير صحة النساء اهتمامًا متزايدًا ضمن المجتمع الدولي، وهي مصدر قلق للمملكة منذ فترة طويلة ولكنها أصبحت اليوم أولويةً ملحة. وخلال السنتين السابقتين تم إطلاق برامج عمل رئيسية بما فيها الإستراتيجية العالمية للأمم المتحدة حول صحة النساء والأطفال، والإعلان السياسي للاجتماع عالي المستوى للجمعية العامة للأم المتحدة حول الوقاية والسيطرة على الأمراض غير السارية؛ لحثِّ الدول على إدراجها من أولويات التحديات، ووضع منهجية متكاملة لتحسين ورفع مستوى الخدمات في المجالين الاجتماعي والصحي. بناءً على ذلك، كانت استجابة المملكة سريعة باستحداث برنامج متكامل لصحة المرأة يتماشى مع رؤية المملكة 2030 في رفع جودة الحياة؛ بتبني سياسات اجتماعية وصحية تعزز من مكانة المرأة، وخلق ظروف معيشية معززة لنمط حياة صحية سليمة، والارتقاء بالخدمات الصحية وتسهيل الحصول عليها، وتحسين القيمة المحصلة منها بمؤشر أداء صحي يؤدي إلى زيادة متوسط عمر المرأة إلى أكثر من80 عامًا.

أدت الروابط التاريخية القوية بين مفهوم صحة النساء والصحة الإنجابية إلى تركيز الاهتمام الدولي والموارد على صحة القدرة الإنجابية للنساء وصحة الطفل المرتبط بها، وتمَّ جني نتائج مفيدة. ومع ذلك لا تقتصر صحة المرأة على القدرة الإنجابية للنساء؛ إلا أنها تمتد طوال الحياة وتتضمن أولويات ناشئة متزامنة مع انتشار الانتقال السكاني، فبالإضافة إلى النتائج الحاصلة من الاختراقات في الصحة العامة، فإن السيطرة على الأمراض المزمنة وغير السارية من الأهمية، والتي تم تجاهلها. وقد حان الوقت لتحديد الأولويات والحاجات الصحية للنساء غير الإنجاب من منظور يتضمن عدم التساوي بسبب الهوية الجنسية والمحددات الاجتماعية والثقافية، والتي تحول دون استفادة النساء والفتيات من الخدمات الصحية الجيدة، وبلوغ أعلى مستوى صحي.

 

برنامج صحة المرأة – وزارة الصحة السعودية

الرؤية:

مجتمع سعودي تكون المرأة فيه في حالة من اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليس مجرد غياب المرض أو العجز.

 الرسالة:

 تمكين النساء عن طريق تحفيزهن على العناية بصحتهن من خلال تبني أسلوب حياة صحي، والبحث عن خدمات الرعاية الصحية ذات الصلة لإنقاذ حياتهن وممارسة نوعية حياة جيدة.

الإستراتيجية:

تعزيز الصحة الشاملة للمرأة (جسديًّا، واجتماعيًّا، ونفسيًّا) لجميع الفئات العمرية عن طريق توفير وتعزيز سياسات البرامج المتعلقة بصحة المرأة، ومتابعة تطبيقها بشكل منهجي ومتكامل؛ للتأكد من تمكين المرأة من اتخاذ القرارات المتعلقة بخياراتها الصحية عبر نظام صحي ريادي يقدم خدمات شاملة في جميع المجالات التشجيعية والوقائية والعلاجية والتأهيلية، وبجودة عالية ينتج عنها إنقاذ حياة جميع النساء السعوديات. كما يتولى البرنامج مسؤولية وضع وتفعيل السياسات التي تنسق بين قطاعات الصحة العامة والخاصة والوزارات والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات والهيئات التطوعية، بحيث تصبح المرأة أكثر وصولاً إلى الخدمات الصحية وأكثر استجابة لاحتياجاتها.

الأهداف العامة:

  • تبني التدخلات التي تنقذ حياة النساء، وتسمح لهن بجودة حياة عالية، متوافقة مع التدابير الفعالة لاستخدام الموارد بشكل أكثر فعاليةً وإنتاجية.
  • الدعوة للسياسات المعزِّزة لصحة المرأة، والمشاركة في وضع سياسات البرامج المتعلقة بصحة المرأة.
  • رفع الوعي الصحي للمجتمع حول الدور الإيجابي والإنتاجي للمرأة، وأهمية صحة المرأة والدور الذي يلعبه أفراد المجتمع في دعمها.
  • متابعة تطبيق الإستراتيجيات المحددة عن طريق استعراض المؤشرات والإحصاءات ذات الصلة.
  • تقديم المشورة الداعمة لمرافق خدمات الرعاية الصحية لمساعدتها على وضع هذه الإستراتيجيات موضع التنفيذ وفقًا للمعايير الدولية، ودمج الخدمات المختارة في خدمات صحة الأم لتُقدَّم بشكل متكامل ومنهجي مع زيادة الوعي بالفروق بين الجنسين في عوامل الخطر المرضية.
  • الاكتشاف المبكر للأمراض الشائعة وفقًا لسياسة الفحص الفعالة من حيث التكلفة وتقييم الاحتياجات الخاصة بالعمر، مع اعتماد طرق الفحص المبتكرة في سياقات الموارد المنخفضة عند الاقتضاء.
  • الوقاية الأولية من الأمراض المعدية وغير السارية، والتي تشكل 70% من أسباب الوفيات المبكرة؛ من خلال الاكتشاف المبكر لعوامل الخطر، مثل: السمنة، وارتفاع نسبة الدهون في الجسم، والتاريخ العائلي للمرض، والعقاقير المطولة، والاستخدام الهرموني.
  • الوقاية الأولية من الأمراض السارية من خلال إدارة اللقاحات الفعالة من حيث التكلفة.
  • تعزيز معرفة القراءة والكتابة الصحية لدعم نمط الحياة الصحي، والاكتشاف المبكر للأمراض، وسهولة الوصول إلى الخدمات.
  • معالجة وصمة العار والاستبعاد الاجتماعي المرتبط ببعض المشاكل الصحية للمرأة مع تسليط الضوء على أهمية القضايا الاجتماعية المختارة وفرض اندماجها في الخدمات الصحية (الكشف المبكر عن السرطان، المشاكل الجنسية بين الزوجين، العنف الأسري…).
  • رصد عدم المساواة لدعم الإجراءات الرامية إلى معالجة أوجه عدم المساواة في تقديم خدمات الرعاية الصحية.
  • بناء القدرات للإدارة السليمة والتنمية المستدامة.
  •  فرض توفير خدمة تتسم بالكفاءة والوصول وعالية الجودة في مراكز الرعاية الصحية الأولية، وتسليط الضوء على أهمية الإحالة الفعالة إلى مرافق المستوى الثانوي والعالي المناسبة، مع دمج الخدمات المختارة وخصوصًا الأمراض غير السارية.
  • توفير وظائف مبتكرة من خلال إدخال سياسات جديدة، وحتى برامج جديدة كاستجابة للاحتياجات الصحية للمرأة الناشئة بعد التحقيق الشامل.
  • تشجيع البحوث المتعلقة بصحة المرأة من أجل تعزيز وضع السياسات القائمة على المعلومات.
  • تعزيز المشاركة المجتمعية في الارتقاء بالصحة، إذ إن الصحة مسؤولية الجميع.
  • الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتسهيل العمل بالقطاعات المتعددة، حتى تتجنب الاستجابات الوطنية لقضايا صحة المرأة التشرذم.
  • ضمان التغطية الشاملة للتدخلات الصحية الأساسية في جميع مناطق المملكة.
  • المساءلة عن النتائج والموارد والحقوق.

البرامج المشمولة / المدرجة في / التي اعتمدتها / تحت جدول الأعمال / الإشراف على تطبيق إستراتيجية صحة المرأة:

  • برنامج للصحة الإنجابية وصحة الأم.
  • برنامج للرعاية الصحية للشيخوخة.
  • برنامج لأسلوب الحياة والسلوك الصحي.
  • برنامج مكافحة التدخين.
  • برنامج للصحة المبكرة والوليدية.
  • برنامج لصحة الرُّضَّع والأطفال.
  • برنامج لصحة المراهقين.
  • برنامج للرضاعة الطبيعية.
  • برنامج للأسر الآمنة / الأسرة الأمن.
  • برنامج للزواج الصحي.
  • برنامج مكافحة السرطان.
  • برنامج الصحة النفسية.
  • برنامج التوعية الصحية والتثقيف الإكلينيكي.
  • برنامج لإتاحة وصول الخدمات عن طريق العيادات المتنقلة والأنشطة الميدانية وأنشطة التثقيف الصحي.

ʘ      التعقيبات:

  • التعقيب الأول: أ. د. سامية العمودي

تمكين المرأة والحقوق الصحية للمرأة السعودية توجُّه جديد في ظل برنامج التحول الوطني 2020 ورؤية المملكة 2030، وعززت المملكة العربية السعودية مكانة المرأة في التنمية وكفَلت حقوقها في مجال الصحة بما يحقق أهداف التنمية المستدامة 2030. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين وولي العهد يحفظهما الله، تمَّ تعزيز الثقافة الحقوقية خاصة بعد صدور القرار السامي رقم 33322 الصادر في 21 رجب 1438هـ / الموافق 17 إبريل 2017م، والقاضي بنشر الثقافة الحقوقية وتمكين المرأة.

وقد أثبتت العديد من الدراسات العلمية جهل بعض مُقدِّمي الرعاية الصحية، وعموم المجتمع والمرأة خاصة بالحقوق الصحية، كما أثبتت أن هناك ضعفًا في معرفة أنظمة وزارة الصحة فيما يختص بهذه الحقوق، مما ينعكس سلبًا على صحة المرأة.

ولذلك أرى أن يتم ما يلي بالإضافة لما تقدَّم في برنامج صحة المرأة:

–   أكدت اتفاقية التنمية المستدامة 2030 للأمم المتحدة في الهدف الخامس، والتي التزمت بها المملكة منذ 2015 على تمكين النساء والفتيات، وصحة المرأة تبدأ من صحة الفتيات؛ لذا نحتاج إلى إدراج هذه الثقافة الحقوقية في المراحل الدراسية بالتعاون بين وزارة الصحة ووزارة التعليم لتمكين الفتيات؛ وهو ما سينعكس على تمكين المرأة والمجتمع، ورفع مستوى الوعي الصحي والحقوقي بصحة المرأة، ويحقق أهداف برامج وزارة الصحة.

–   نشر الوعي بالسرطان لا يقتصر على الكشف المبكر، وفي ظل ارتفاع نسب الشفاء بين فئة المصابين من الشباب والشابات، يصبح من المهم الاهتمام بوضع برنامج يختص بالحقوق الصحية الإنجابية، فهي من ضمن الأوليات للبرامج الصحية للمرأة المصابة بالسرطان، خاصة في ضوء صدور الموافقة الكريمة من هيئة كبار العلماء الأفاضل في 8/5/1440 هـ، والقاضية بجواز تجميد البويضات وتخزينها لمريضات السرطان لاستعمالها بعد انتهاء العلاج والشفاء، وهذا ما يحقق الصحة بمفهومها الذي يتضمن الصحة الجسدية والنفسية والمجتمعية.

–   وضع برامج خاصة بذوات الإعاقة وفاقدات السمع والبصر، فهؤلاء فئة لا تزال لم تحصل على حقوقها الصحية، ولا على نشر الثقافة الصحية، وتمكينهن من هذه الحقوق أسوة ببقية النساء.

–   هناك تشريعات وأنظمة كفلت للمرأة كثيرًا من الحقوق الصحية، مثل حق التوقيع فيما يختص بالموافقة على أي تداخلات طبية أو جراحية، لكن هذه تفتقر للتفعيل والتطبيق؛ نظرًا لغياب المتابعة من قِبل وزارة الصحة، مما ينعكس سلبًا على صحة المرأة، وينتج عنه مضاعفات وحتى وفيات، ومن هنا تأتي أهمية وضع السياسات الخاصة بهذا.

–   هناك أيضًا قصورٌ في الخدمات الإسعافية للمرأة في دور التعليم وفي المدارس والجامعات، وعدم وجود برنامج واضح وتفعيله، لتفادي المضاعفات والوفيات التي تحدث بين وقت وآخر، والتي هي من صميم برامج صحة المرأة.

  • التعقيب الثاني: د. منى آل مشيط

تعزيز حق المرأة في الرعاية الصحية المتكاملة، ووضع التشريعات ذات العلاقة لتحقيق حياة صحية نوعية أفضل للنساء – يُعزِّز مشاركة المرأة في التنمية، ويحقق أهداف التنمية المستدامة؛ ومنها:

الهدف 3: الصحة الجيدة والرفاه

ضمان أنماط العيش السليم وتعزيز الرفاه للجميع هما أمران ضروريان لتحقيق التنمية المستدامة.

ورقة العمل شاملة معظم ما تم اعتماده وتضمينه عن صحة المرأة في منظمة الصحة العالمية لتحقيق خطة التنمية المستدامة SDGs- 2030، حيث تمت دراسة (صحة المرأة عدا الصحة الإنجابية)، كما أوضحت UN Women الاهتمام من المجتمع الدولي بإطلاق برامج تتضمن الإستراتيجية العالمية للأمم المتحدة حول صحة المرأة والأطفال.

وكما ورد بأنه تماشيًا مع رؤية المملكة 2030 من رفع جودة الحياة، وتوفير الخدمات الصحية، ورفع متوسط عمر المرأة إلى أكبر من 80 عامًا؛ قامت وزارة الصحة والجهات الصحية الأخرى ومجلس الضمان الصحي بمبادرات لتقديم خدمات طبية مختصة بصحة المرأة، وهذا تقدُّم ملموس وملحوظ تُشكر عليه جميع الجهات وكذلك الممارسون الصحيون.

تعريف الصحة العامة:

الصحة كما عرفتها منظمة الصحة العالمية هي حالة من اكتمال اللياقة النفسية والاجتماعية والبدنية، وليست الخلو من العجز أو الخلو من أحد الأمراض. وهذا التعريف يشمل ثلاثة أبعاد للصحة؛ وهي البدنية، والنفسية، والاجتماعية.

ورد في ورقة العمل أن الرؤية في برنامج صحة المرأة مشتقة من تعريف الصحة العامة، وكان ممكنًا إيجاد رؤية متخصصة، وتربط برؤية المملكة وبأهداف التنمية المستدامة.

الرسالة كذلك ركزت على التحفيز وهذا قصير المدى، وقد يكون الرسالة الفعلية، وما هو مُطبَّق جزئيًّا هو توفير وتثقيف وتمكين المرأة من الحصول على الخدمات الطبية.

البرامج التي تحت جدول الأعمال ممتازة ومكتملة، وأقترح إضافة:

s   برنامج للصحة الجنسية.

s   برنامج للبنات في سن البلوغ.

s   برنامج للسيدات عند انقطاع الطمث.

s    برنامج للإجهاض للحالات المُصرَّح لها.

s    برنامج الحماية من التدخين.

s    برنامج لزيادة مقاعد التدريب والتخصص الدقيق صحة المرأة.

الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية للنساء مرتبطة بحقوق الإنسان بما فيها الحق في الحياة، والحق في عدم التعرُّض للإيذاء والتمييز، والحق في الرعاية الصحية، والحق في التعليم.

صحة المرأة ورؤية المملكة 2030:

–   إن برنامج صحة المرأة يسعى إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز برامج الرعاية الصحية للمرأة، والنظر في آلية تخصيص إستراتيجيات أكثر شمولًا وعمقًا للنهوض بصحة المرأة، وكيفية اتخاذ وتطبيق التدابير اللازمة لتحسين جودة الخدمة المُقدَّمة للسيدات في المملكة العربية السعودية، وكذلك تحسين برامج الكشف المبكر للأورام النسائية وعلاجها.

–   الحاجة إلى رعاية صحية جيدة وحياة نوعية متطورة لجميع الإناث هو ما تنادي به المجتمعات والمسؤولون عن الصحة والباحثون وصانعو القرار.

–   قرار إضافة صحة المرأة من ضمن النظام الصحي السعودي، حيث كان النظام يشمل رعاية الأمومة والطفولة، فقد صدرت موافقة مجلس الوزراء رقم 326 وتاريخ 2/8/1437هـ على قرار مجلس الشورى رقم 68/118 وتاريخ 18/2/1437هـ على مقترح إضافة برامج صحة المرأة للنظام الصحي السعودي، وتعديل المادتين (الرابعة، والخامسة) من النظام الصحي الصادر؛ وذلك بإضافة (برامج صحة المرأة)، ووضع السياسة الوطنية لصحة المرأة، والخطط اللازمة لتنفيذها وتطويرها بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة. كما أنه في الوقت نفسه تم استحداث برنامج تخصص دقيق من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية (زمالة صحة المرأة)، وتم البدء بالبرنامج في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث.

ʘ    المداخلات حول القضية:

ʘ    لماذا صحة المرأة؟

تساءلت د. مها المنيف: لماذا الاهتمام بصحة المرأة؟ وفي هذا السياق أشارت د. سامية العمودي إلى أن الاهتمام بصحة المرأة يُعزى إلى أن صحتها تنعكس على صحة عائلتها، وبالتالي مجتمعها.  فالمرأة بدون صحتها لن تستطيع أن تكون متمكنةً من التعلم كشابة، ولن تتمكن من أداء وظيفتها كزوجة وكأم، ولن تكون عضوًا فاعلًا في تنمية الوطن، كما أن ضعف صحتها ينعكس على مستويات المضاعفات والوفيات وجودة الحياة وأهداف الرؤية وأهداف التنمية المستدامة.

في حين أكد د. محمد الملحم على أن الموضوع حيوي ومهم، فصحة المرأة هي صحة الأسرة في الواقع، وتستطيع أن تستكشف ثقافة سيدة في الشأن الصحي من خلال الممارسات المرتبطة بذلك، والتي يمارسها أولادها الصغار، فهي مدرسة النشء؛ وبالتالي هي مركز تدريب صحي دائم وفعال جدًّا لأفراد الأسرة.

وفي تصوُّر أ.د. عثمان العثمان، فإن هناك مشكلة في التغذية لدى الجنسين، ولكنها أكثر إلحاحًا لدى البنات؛ إما سوء التغذية بسبب الحميات غير الصحية، أو الإكثار من الأغذية السكرية. ومن ناحية أخرى، فإن النساء ربما أكثر حاجةً للدعم النفسي من الرجال، لأسباب اجتماعية وفسيولوجية.

أما د. فاتنة الطحان فوصفت وضع صحة المرأة حاليًّا بأنه مليء بالفجوات، ووجود هذه الفجوات سيكون له تأثير على الجميع، ومن مهمة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ملء هذه الفجوات ضمن سياسات وتشريعات وإستراتيجيات متكاملة ومتوائمة، بحيث ينتج عنها نسيج أو غطاء شبه متكامل يغطي هذه الفجوات. وليتم ذلك علينا الإقرار بأن صحة المرأة لا تقتصر فقط على بيولوجيتها، وإنما تتأثر بالظروف الاجتماعية كالمسؤولية الأسرية والاقتصادية مما يحدُّ من بلوغها للاحتياجات الأساسية، ومنها الرعاية الصحية. والواقع أن ثقافة المرأة ومفهومها للصحة العامة والاهتمام به يجعلها قادرة على العطاء واستدامة مسيرتها إنْ كانت الأسرية والعملية على مختلف الأصعدة.

وركز د. سليمان الطفيل على الأثر الاقتصادي لصحة المرأة بالمقارنة بين إنتاجية المرأة صحيحة العقل والنفس والبدن، والأخرى التي تعاني من تدهور صحتها؛ حيث يرى أن ثمة فوارق كبيرة بين الحالتين: برنامج تمكين المرأة الذي أطلقته رؤية المملكة ٢٠٣٠م يستدعي استثمار المرأة السعودية في جميع مجالات الحياة التي تتناسب مع وضعها وإمكاناتها، وهي مخزون ضخم ظلَّ سنوات طويلة شبه عاطل وغير مفعَّل بالكامل، خاصة إذا ما علمنا أن الدولة صرفت على هذه الطاقة الضخمة المليارات في الصحة والتعليم من بداية عمرها حتى مراحل سن العمل، لكنها شكَّلت عبئًا صحيًّا على الاقتصاد والمجتمع حينما أُهمل جانبها؛ إذ تأثرت نفسية المرأة بسبب عدم توفُّر وسيلة جيدة للعمل والمعيشة.. والأمر ينسحب كذلك على انعكاسات التغييرات الاجتماعية في زيادة حالات الطلاق أو الهجران، وتأثير ذلك على صحة المرأة النفسية وعلى أولادها وأسرتها وعملها.. هنا ننظر إلى تأثير تدهور وضعها الصحي في تدني مستوى إنتاجيتها وكفاءة عملها.. وهنا لا بد من النظر بعين الاعتبار إلى ضرورة مراجعة برنامج تمكين المرأة ودوره في المحافظة على صحتها العامة، بحيث يُحقِّق التوازن بين حياتها العملية والصحية حتى تصبح أكثر عطاءً وقدرة في التنمية والاقتصاد.

أما د. مساعد المحيا فتساءل: لماذا لم يكن الحديث هنا عن صحة الرجل والمرأة؟ لا سيما وأن منظمة الصحة العالمية أصدرت تقريرًا عن متوسط أعمار الذكور والإناث في المملكة بلغ فيه متوسط عمر السعوديين 74 عامًا، في حين بلغ متوسط عمر السعوديات 78 عامًا؛ فهذا المتوسط يعكس حاجة الرجال أكثر للوصول لمتوسط عمر المرأة. والاعتقاد أن رؤية المملكة تحدثت على نحو عام بشأن الجانب الصحي. ووجهة النظر هذه إنما تُعزِّز من أهمية استصحاب الرجل في كل ما من شأنه العناية بصحته وحياته في عالم مكتظ بالمصاعب والمشكلات والضغوط والهموم، كما أن صحة المرأة لا تنفك في مجتمعاتنا عن صحة شريكها الرجل.

وعقَّبت د. فاتنة الطحان بأنها ومع اتفاقها مع ما ذكره د. مساعد المحيا، إلا أن الحياة علَّمتنا أن المرأة هي العضو الأكثر تأثيرًا في صحة المجتمع؛ فهي المصدر الأول للثقافة الصحية لأفراد الأسرة صغارًا وكبارًا، وهي المُتحكم الرئيسي في نمط الحياة الصحي لهم بإدارتها لشؤون أسرتها، وهي الداعم والراعي الأساسي للطفل المريض والمسن السقيم. ومن ثَمَّ، فإن إشعارها بالمسؤولية عن صحتها وصحة أفراد المجتمع المحيط بها سيكون له المردود الأعظم على صحة المجتمع السعودي. بالإضافة إلى أن هناك خصوصيات لصحة المرأة تفرضها البنية الجسدية والفيزيولوجية التي خلقها عليها ربُّ العالمين تستدعي خصوصية في أمراض لا يعاني منها الرجل.

وأكدت د. الجازي الشبيكي على أن الاهتمام بصحة المرأة يتسق وكون المرأة ذات مسؤوليات عديدة ومزدوجة في البيت وخارج البيت. كما أن المرأة تتعرض لمعاناة وآلام الحمل والولادة وتربية الأبناء ومتابعة تعليمهم. أيضًا، فإن المرأة ذات خيارات قليلة قياسًا للرجل في بلادنا بالنسبة للانطلاق في ممارسة الرياضة. فضلًا عن أن الاهتمام بصحة المرأة جسديًّا ونفسيًّا يعود إيجابًا ومباشرةً على كافة أفراد الأسرة.

وبدوره أوضح د. مساعد المحيا أنه لم يدعُ لعدم الاهتمام بصحة المرأة، وإنما يجد أن الاهتمام ينبغي أن يشمل الجميع، بل إن الرجل في كل دول العالم هو الذي يتحمل المسؤولية الكبرى. واتفقت د. وفاء طيبة مع ذلك بقولها: إن تهميش الرجل باعتباره قوة، وباعتباره أقدر على إخفاء آلامه ومشاعره لا يصح، حقيقة أن المرأة غُيِّبت لفترات طويلة، ولكن هذا لا يعني أن أنتقم من الرجل الآن، فكلاهما أساس الحياة، ونشاهد في الغرب كثيرًا من الكتب والمراجع والمجلات خاصة بصحة الرجل جنبًا إلى جنب مع المجلات الخاصة بصحة المرأة.

وتساءلت د. وفاء طيبة: ما هي أهم التحاليل والكشوفات التي يجب أن تقوم بها المرأة في وسط العمر وما بعده؟ وفي هذا الإطار، ذكرت د. فاتنة الطحان أن أهم الفحوصات الدورية لمتابعة صحة المرأة تتضمن ما يلي:

1-     الكشف عن ضغط الدم، ويبدأ من عمر ١٨ كل سنتين.

2-     الكشف عن ارتفاع سكر الدم، ويبدأ في ٤٠ كل ٣- ٥ سنوات.

3-     الكشف عن معدل السمنة وزيادة الوزن، بقياس الطول والوزن ومحيط الخصر، ويبدأ من ١٨ سنة كل عام.

4-     الكشف عن معدل الشحوم في الدم، ويبدأ في الأربعين.

5-     الصحة النفسية (الاكتئاب والقلق)، يبدأ من عمر ١٢ سنة.

6-    الكشف عن سرطان الثدي بالماموغرام، ويبدأ في الأربعين كل سنتين.

7-    الكشف عن سرطان القولون بفحص البراز المناعي، ويبدأ في عمر ٤٥ كل سنة.

8-   الكشف عن هشاشة العظام باستعمال جهاز الديكسا في عمر الخمسين كل ثلاث سنوات.

ʘ     العوامل المؤثرة على صحة المرأة:

أشارت د. مها المنيف أنه وعلى الرغم من بلوغ النساء متوسط العمر المأمول في السعودية (النساء ٧٧ سنة والرجال ٧٤ سنة) إلا أن هناك عوامل كثيرة ومشاكل مرضية تؤثر على صحتهن. وهناك عدة عوامل ذكرتها منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة السعودية تؤثر سلبًا على صحة المرأة، منها:

1-  ازدياد نسبة التدخين بين النساء، ولو أن معدلات تدخين الرجال ١٠ أضعاف النساء، إلا أن هناك ارتفاعًا سريعًا في نسبة تدخين السيدات في السعودية؛ فقد ارتفعت النسبة من أقل من ١٪؜ إلى ٧٪؜ تقريبًا في السنوات الأخيرة حسب هيئة الإحصاء.

2-  الإيدز: هناك ارتفاع في عدد النساء المصابات بالإيدز مقارنة بالرجال في السعودية، وأن ٨٠٪؜ انتقل إليهن المرض من أزواجهن، ولم يُكتشف إصابتهن إلا بعد إنجاب طفل مصاب، وبسبب الوصمة من المرض فهن لا يتلقين العلاج المناسب.

3-  العنف ضد المرأة الذي يُخلِّف آثارًا وخيمة على صحتها النفسية والجسدية، ولا نغفل العنف الجنسي الذي يؤدي إلى انتقال الأمراض الجنسية.

4-  زواج الفتيات القاصرات يؤثر سلبًا على صحتهن الجنسية والإنجابية، وعلى صحة أطفالهن، وعلى الرغم من وجود تشريعات للحد منه في السعودية إلا أنه لا يزال يُمارس ويؤثر سلبًا على صحة الطفل وضعف وزنه، بالإضافة إلى ازدياد نسبة الوفيات أثناء الحمل والولادة لهؤلاء الفتيات.

5-  وفيات الأمومة وتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، وعلى الرغم من تحسُّن وفيات الأمومة في السعودية لتصل إلى ١٧ لكل ١٠٠ ألف ولادة، إلا أن تنظيم الأسرة والمباعدة بين الولادات ضعيف خاصة في القرى والهجر؛ وهو ما يؤدي إلى مخاطر الوفاة أثناء الحمل والولادة خاصة بين النساء اللاتي يزيد عدد أطفالهن عن أربعة.

6-  السمنة والأمراض المزمنة لدى النساء حيث تعتبر أحد الأسباب الرئيسية للوفاة، وفي إحصائية وزارة الصحة أن ٢٩٪؜ من السعوديين فوق سن ١٥ يعانون من السمنة (٣١٪؜ من زيادة الوزن)، وهناك علاقة وطيدة بين السمنة والإصابة بالأمراض المزمنة، مثل: السكري، والكوليسترول، وأمراض القلب… إلخ.

ومن جانبها أجملت د. منى آل مشيط بعض العوامل التي تؤثر على صحة المرأة في المجتمع السعودي، ومنها:

s   أن معظم الفحوصات لصحة المرأة محدودة في مستشفيات وزارة الصحة وبعض القطاعات الصحية الأخرى؛ لأنها دون أسباب مرضية.

s   التأمين الصحي لا يغطي الفحوصات الخاصة بصحة المرأة بحجة عدم وجود أسباب طبية.

s   لا توجد جهة معينة تساعد في صحة المرأة من النواحي الأخرى: الاجتماعية والمادية والنفسية.

s  المبادرات غير ملزمة لتنفيذ بنودها.

s   الصحة في مراحل العمر المختلفة وخاصة ما بعد انقطاع الطمث (عدا الإنجاب) غير مدروسة، ولا توجد برامج وقاية ولا مسوحات طبية لهذه الفئة العمرية التي هي في تزايد محليًّا ودوليًّا، والاهتمام مُركَّز على النساء في مرحلة الخصوبة والأمومة.

وفي اعتقاد د. وفاء طيبة، فإن هناك كثيرًا من الاهتمام بالمرأة، ولكنه مُركَّز على مرحلة الإنجاب خاصة، ويضعف الاهتمام بها في مرحلة وسط العمر، وتقل الدراسات عن هذه المرحلة ومشكلاتها، وخاصة المشكلات النفسية والاجتماعية، ثم تندر الدراسات في مرحلة كبار السن. واتفقت د. فاتنة الطحان مع القول بأن التركيز بالفعل كان أكثر على الصحة الإنجابية، وهذا هو الحال في معظم الدول، ومصطلح صحة المرأة هو جديد وغير مفعَّل في معظم الدول النامية، وبدأ تفعيله بمجهود دولي كبير. لكن حتى فيما يخص الصحة الإنجابية والتي هناك مؤشرات جيدة على تحسُّنها في المملكة، فلا يزال مفهوم تمكين المرأة بقرار صحتها الإنجابية ناقصًا حيث العديد من السيدات ولا سيما في المناطق البعيدة والنائية تخاف من عدم الإنجاب؛ كون مؤشر أنوثتها يعتمد على الإنجاب، بالرغم من أن الحمل أحيانًا قد يكون له مخاطر كثيرة لديها، وقد يسبب الوفاة.

فضلًا عما تقدَّم، أضافت أ. علياء البازعي أن الوصول للعيادة النفسية تحديدًا للنساء في مجتمعنا ليس سهلاً على الجميع لعدة أسباب، وقد لا تصل إلا إذا تفاقمت المشكلة وأصبح الحل في العلاج الدوائي الذي هو مشكلة في حد ذاته.

ʘ       الثقافة المجتمعية وتشكيل الواقع الصحي للمرأة:

ترى د. فاتنة الطحان أنَّ تأثير العادات والتقاليد بالفعل كبير على صحة المرأة؛ فقد يكون خفَّ تأثيرُه ولكنه ما زال موجودًا وخصوصًا في المناطق النائية أو الأقل مستوى في التعليم والفقر، فللأسف الفقر يتبعه جهل، والجهل يُولِّد الفقر وهكذا دوامة. ويمكن إيجاز ذلك في النقاط التالية:

1-  زواج الأقارب والأمراض الوراثية التي تنتج عنه. وهناك دراسات كثيرة عن هذا في أمراض الأعصاب والدم، مثل فقر الدم المنجلي والتالاسيميا، ولدينا أمثلة كثيرة في المنطقة الشرقية ولا سيما القطيف والمنطقة الجنوبية وخصوصًا نجران، ويدخل ضمنها زواج الصغيرات.

2-   تحمُّل النساء للعنف إنْ كان جسديًّا أو نفسيًّا يزداد بسبب التقاليد وخصوصًا إذا كان الزواج عائليًّا.

3-  كثير من العادات والتربية رسَّخت في عقول النساء أن الاهتمام يجب أن ينصبَّ على الأسرة كلها ما عداها، وأن اهتمامها بصحتها يعتبر أنانيةً منها، وهذا من الأسباب المهمة لعدم لجوء النساء للاستشارات الطبية إلا بعد تقدُّم المرض.

4-  رَبْط مفهوم أنوثة المرأة برحمها وإنجابها، حيث في بعض المجتمعات يلجأ الزوج إلى زواج ثانٍ في حال توقُّف الإنجاب؛ وهو ما يدفع السيدات للاستمرار في الإنجاب حتى لو كان هذا يؤثر على صحتهن الجسدية والعقلية.

وأضافت د. فاتنة الطحان أننا لا نستطيع أن ننكر أن الوعي الصحي للمرأة في تحسُّن، ولكن السؤال: هل هو بمقدار الجهود المبذولة؟ والإجابة: لا، ولعل تفسير ذلك هو ما نمرُّ به حاليًّا من طغيان الطابع الاستهلاكي على مفهوم أولويات الحياة لدى المجتمع وعلى المرأة خصوصا؛ فالمرأة تهتم الآن بتحسين جمالها والذي لا يوجد فيه عيب أو عدم حاجة، ولكنه قد يستنزف الكثير من وقتها ومالها، ليس هذا فحسب بل ترى فيه أولوية على أن تبادر بالكشف المبكر بالرغم من توفير خدمات الكشف. وقد تقضي ساعاتٍ بل أيامًا في تحسين الشكل الخارجي ولكن تتأفف من الانتظار لعمل الكشف الدوري، أو ترد بأنه يسبِّب ألمًا في حين أنها قد تكون أجرت بالفعل عمليات تجميلية مؤلمة! لذلك، فالتوعية بمفهوم صحة المرأة وأهميتها للمرأة نفسها وللمجتمع تحتاج إلى جهود كبيرة ولجميع شرائح المجتمع، ولا سيما أننا نعيش في عصر وسائل التواصل الجديدة، والتي قلبت المجتمعات إلى مجتمعات استهلاكية.

واتفقت أ. فائزة العجروش مع القول بأن هناك فئة من النساء يتمحور اهتمامها حول الأمور التجميلية فقط، وتحوَّل هذا الاهتمام لأشبه ما يكون بالهوس، وأصبح من السهل أن تتعرض لمخاطر عمليات التجميل – وما قد يصاحبها من أخطاء طبية تنشأ عنها أمراض عضوية ونفسية- وتقدمه على اهتمامها الفعلي بصحتها العامة وطرق الوقاية من بعض الأمراض الخطيرة؛ لذا ينبغي بالفعل العمل على تكثيف الحملات التوعية بهذا الشأن كجزء من البرنامج لحماية المهووسات بعمليات التجميل.

في حين ذهبت د. مها المنيف أنه ليس بالضرورة أن الأولوية بالنسبة للنساء دائمًا تكون لعمليات التجميل بدلاً من الفحص المبكر لسرطان الثدي؛ والسبب في رأيها أن غالبية النساء من الطبقة الوسطى أو دون ذلك لا يشغل بالهن التجميل.

وأشارت د. الجازي الشبيكي إلى أنها أوضحت في دراسة لها حول المشكلات الاجتماعية للمرأة الفقيرة في المجتمع السعودي، فيما يخص الجانب المتعلق بالمرض، أن هناك أنواعًا خاصة من المرض ترتبط بحالة الفقر التي تعيشها الأسرة؛ لأسباب عديدة منها: ضعف الوعي، وقصور وسوء التغذية، وضعف برامج الصحة الوقائية في بعض الأحياء الفقيرة. كما أن إحدى الدراسات المحلية قد انتهت إلى أن تدني مستوى النظافة الشخصية والنظافة البيئية العامة ونوعية الغذاء غير الجيد، وإهمال طرق الوقاية من الأمراض المُعدية، وسوء استخدام وحفظ الأدوية، وإهمال طرق تجنب الحوادث المنزلية وغيرها – تُعَدُّ وغيرها من الأسباب المرتبطة بتدني المستوى الصحي للأسر الفقيرة عن غيرها.

وذهب د. خالد الرديعان إلى أن العنف الصحي يُعَدُّ أحد أشكال العنف ضد المرأة في مجتمعنا، ويتعلق بمنع المرأة من الحصول على الخدمة الطبية أو العلاج وذلك من قِبل الزوج أو الولي، أو عدم نقلها للمستشفى مع القدرة على ذلك. ومن العنف الصحي كذلك إصرار الزوج على أن تُنجب المرأة وهي غير مهيَّأة لذلك صحيًّا.

وذهبت د. سامية العمودي إلى أن العنف الصحي ضد المرأة في المجتمع يقع لأن تربية الأنثى عندنا خاطئة في بعض الأمور، وفهمنا لطاعة الزوج مغلوطة، والأمثلة كثيرة، وهو ما يجعل الفتاة تنشأ على أن طاعته واجبة حتى في أمورها الصحية، وتنسى أن حفظ النفس مُقدَّم. كما أن الرجل يحتاج إلى تمكين صحي ليعرف الحقوق الصحية للمرأة، وأنها مبنية على قواعد فقهية وأنظمة، وهي لم تُوضع لاستقواء المرأة وليست رفاهية؛ وإنما لتجنُّب مضاعفات.

ʘ    الوضع الصحي للمرأة العاملة:

أكدت أ. فائزة العجروش على ضرورة الالتفات إلى وضع المرأة العاملة الصحي، والتي باتت في عصرنا هذا شريكةً في عملية التنمية، وتعمل مثلها مثل الرجل ساعات طويلة، وفي مِهنٍ قد لا تناسب طبيعة الأنثى البيولوجية، وتشارك الرجل جميع الظروف الحياتية – وتنفرد عنه بعملها المنزلي بنوعيه الخدمي والتربوي – وتعمل في الميدانَينِ: الداخلي والخارجي ساعاتٍ طويلة يوميًّا دون توقُّف، حتى في إجازة نهاية الأسبوع، التي تستكمل فيها عادة إكمال ما قصَّرت فيه من الخدمات المنزلية والأسرية والالتزامات العائلية، والرعاية الوالدية؛ هذا من جهة. ومن جهة أخرى، ما تواجهه المرأة التي تعمل مع الكثير من الرجال لعدد من المصاعب، من أهمها: الانعزال الاجتماعي، والتحرُّش الجنسي، وقلة ثقة زملائها فيها وفي قدراتها، والسقف المحدد للتّرقيَّات، والمناصب العليا، ومع ذلك تحاول المرأة دائمًا التوفيق بين حياتها المهنية وحياتها الأسرية، وهو ما يزيد من الضغوط اليومية المُنهكة التي تتعرَّض لها، والتي قد يكون لها تأثير مباشر وكبير على صحتها بسبب الضغوطات النّفسية والتوتُّر الذي تسبِّبه؛ ممَّا جعلها أكثر عرضة من غيرها للأمراض. وتؤكد العديد من الدراسات والمشاهدات اليومية أن العاملات من النساء المتزوجات يعتبرن من أقل فئات المجتمع راحةً؛ الأمر الذي ينعكس بصورة سلبية على الوضع الصحي لها، في صور متنوعة من الأمراض العضوية والنفسية المستعصية، التي لا تعرفها نظائرهن من ربات البيوت.

وفي السياق ذاته وفيما يتعلق بالأثر الاقتصادي للمرأة العاملة المريضة، يمكن الإشارة إلى أنه وبالإضافة إلى التكاليف التي تتكفل بها الدولة في العلاج الباهظ لمريضات سرطان الثدي على سبيل المثال، والذي يكلِّف علاجه مبالغ طائلة قد تصل لمليون ريال لكل مريضة في المراحل المتقدمة؛ فإن هناك أعباءً مالية تتحملها الدولة من صرف رواتب الموظفة المريضة وفق آلية معينة لاحتساب الإجازات المرضية براتب وبدونه دون إنتاجية تُذكر، هذا طبعًا إلى جانب تأثُّر المنزل بكامله من غياب الأم المريضة، وتأثُّر ميزانية الأسرة؛ بسبب احتياجهم إما لممرضة أو عاملات إضافيات، وصرف مبالغ يومية لشراء الطعام الجاهز بشكل مستمر، ومثلها لتنظيف الملابس خارج المنزل. وتتعدد المهام التي كانت تقوم بها الأم ولا يحل محلها أحد. ومن جهة أخرى، ما تحتاجه الأم المريضة من توفير أجهزة طبية باهظة الثمن، مما يسبب ربكة في ميزانية الأسرة وتأثُّر الوضع الاقتصادي لها، خاصة إذا ما نقص راتب الأم العاملة خلال رحلة مرضها.

ʘ     الطب البديل وصحة المرأة:

تطرقت أ. بسمة التويجري إلى موضوع الطب البديل والتخبُّط الذي نراه في وسائل التواصل الاجتماعي من ظهور بعض الوصفات العشبية ثم نفيها وتبيان أضرارها بعد مدة. والغريب أن السيدات هن أكثر مَن يهتم بهذه العلاجات البديلة دون أن يكون هناك مرجعية توضِّح المقبول وغير المقبول من هذه العلاجات، والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى حدوث مضاعفات صحية خطيرة. ومن هنا يبرز التساؤل: هل بالإمكان تبني إستراتيجية واضحة تحدُّ من هذا الانتشار العشوائي للطب البديل، وتُقلِّل من الممارسين له دون معرفة؟

وحول هذه النقطة، أوضحت د. سامية العمودي أن على وزارة الصحة ووزارة الأعلام مسؤولية كبيرة في زيادة الوعي، والتعامل بحزم مع هذه الظاهرة. بينما ذكرت د. فاتنة الطحان أن هذه بالفعل ظاهرة منتشرة، ساعد في انتشارها وسائل التواصل الجديدة والتي ليس عليها رقابة. وهناك حاليًّا متابعة من قِبل وزارة الصحة والهيئة العامة للغذاء والدواء، ولكن يظل المواطن هو العين الساهرة في التبليغ عن هذه الممارسات. ما ينقصنا الآن هو وجود تشريعات صارمة لهذه المخالفات.

ʘ     وسائل تحسين الوضع الصحي للمرأة السعودية:

ركزت أ. فائزة العجروش على ضرورة تحسين الوضع الصحي للمرأة العاملة على وجه الخصوص، واقترحت في هذا الصدد ما يلي:

ʘ    إفراد برنامج فرعي مستقل تحت مُسمَّى “صحة المرأة العاملة”.

ʘ   الاستعانة بالأرقام والإحصائيات الدقيقة التي قد تُوضِّح أيَّ قصور في جانب صحي معين للمرأة؛ للعمل على استحداث برامج ومبادرات فورية حسب الأولوية اللازمة.

ʘ   توفير مزيد من الشفافية في الأرقام والنسب المتعلقة بصحة المرأة وبالأمراض المتعلقة بها (أنواعها، أكثرها، أي المناطق تزداد فيها نوعية معينة من الأمراض، أي الفئات العمرية أكثر إصابةً من غيرها… إلخ)، وما الذي نحتاجه عمليًّا لتقليل هذه النسب؟ فمن المناسب أن تُنشر مثل هذه الأرقام في وسائل الإعلام المختلفة.

ومن وجهة نظر م. إبراهيم ناظر، فإن الأهم أن تتحول الرؤية والأهداف والبرامج المتعلقة بصحة المرأة إلى واقع ملموس مُنفَّذ في المستشفيات والمراكز الصحية على عموم المملكة. ومن جانبه تساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: ما الأسُس التي من خلالها تتحقق على أرض الواقع البرامج والأهداف الرامية إلى اكتساب صحة عامة ينعم فيها ركنان من أركان الأسرة، وهما المرأة والطفل؟ وما مدى الاستعدادات من لدن وزارة الصحة لتوافر المقار ذات المراكز المناسبة في كل منطقة ومحافظة؟ فالتنظير الذي يشير إلى التنظيم والضوابط ما هو إلا تشريع يفترض أن يتبعه تطبيق أو تطبيقات فعلية، ومن ذلك تتحقق الأهداف والبرامج.

أيضًا، فقد لاحظ د. محمد الملحم وجود موافقات متعددة ومبادرات ومشروعات مُعلَنة، كلها تتعلق بصحة المرأة والعناية بها سواء كانت في السياق الصحي ذاته أو الجانب الاجتماعي أو القانوني، وهذا أمر يُبشِّر بالخير، ولكن الاعتقاد أن القضية حاليًّا تتركز في مسألتين مهمتين، أولاهما: كيف تتحول هذه المبادرات إلى مشروعات حيوية لها فاعليتها المشهودة والملموسة؟ وثانيتهما: كيف يمكن نشرها في كافة أنحاء مملكتنا الواسعة، خاصة أن فئة كبيرة من الشريحة المستهدفة من النساء هن في المدن الصغيرة والقرى الأقل وعيًّا وتعليمًا، وبحاجة إلى مثل هذه الجهود؟

وبدورها ذكرت د. سامية العمودي أن أول الأسس المطلوبة يتمثل في وجود إحصائيات دقيقة تعكس الواقع كبداية لوضع إستراتيجياتنا الصحية، يلي ذلك زيادة الوعي الصحي، ومن هنا تأتي أهمية مبادرة التمكين الصحي التي تم إطلاقها ويجري العمل حاليًّا لإدراجها كمادة في المدارس. كذلك فإن الصحة الجنسية مطلوبة كثقافة ووقاية ثم كعلاج، ومن المهم إدراجها في مناهجنا الطبية لا سيما مع النضج المبكر لهذا الجيل، والثقافة الجنسية لا تعني ما يعتقد البعض ويتخوف منه؛ بل هي ضرورة في ظل ما نراه حاليًّا.

بينما ترى د. فاتنة الطحان أن الإمكانيات والموارد متوفرة للمرحلة الحالية؛ ولكن ما ينقصنا هو عملية التنظيم والخُطط العملية للاستخدام الأوفر لهذه الموارد، ولتصبح هذه الخطط مُنفَّذة على أرض الواقع نحتاج إلى تشريعات.

واهتمت د. منى آل مشيط بوضع برامج وإستراتيجية واضحة ومُلزِمة لمرحلة ما بعد الإنجاب والتخاطب مع مجلس الضمان الصحي؛ من أجل توضيحها في وثيقة التأمين الصحي.

وشدَّد د. راشد العبد الكريم على أن تحسين الوضع الصحي للمرأة مسألة مهمة للغاية، كون المرأة – بالذات في السنوات الأخيرة – هي التي تضبط بوصلة الأسرة، وبالتالي تدير دفة المجتمع. فكل تقدُّم يخصُّها من المفترض أن يعود على الأسرة والمجتمع بالخير؛ ولذا فلا بد من التأكيد على النقاط التالية:

ʘ    أولًا: ضرورة النظرة الشمولية فيما يتعلق بقضية صحة المرأة، بحيث تكون – مع أهميتها بلا شك – ضمن إطار أعم لصحة المجتمع.

ʘ   ثانيًا: من الضروري ونحن في حملة تحسين الصورة عن المملكة أن تُبرَز مثل هذه الجهود الرائدة، وتُعقَد لها الندوات داخليًّا وخارجيًّا، وتُعرَض التجارب المحلية في المؤتمرات والندوات والمجلات العالمية.

ʘ   ثالثًا: البعد عن الطبقية في التعاطي مع مثل هذه الجهود، بحيث لا تكون (ولو بشكل غير مقصود) مقصورة على طبقة أو طبقات معينة؛ بل يجب أن تشمل كلَّ النساء دون استثناء، مع التركيز على الطبقة المهمشة عادة.

ʘ   رابعًا: توثيق جهود الرائدات والرواد في مثل هذه الأعمال الصحية والإنسانية، وتأطيرها بإطار ثقافي بحيث تدخل ضمن المنجزات الحضارية والثقافية للمملكة، ولا تكون استنساخًا مُبتسَرًا لتجارب خارجية.

وتساءلت د. زينب الخضيري: ما مدى الاستفادة من طالبات التثقيف الصحي بخصوص صحة المرأة؟ وهل يمكن أن يكنَّ مشاركات، ويتم الاستفادة من قدراتهن؟ وأوضحت د. سامية العمودي أنه يمكن الإفادة من هؤلاء الطالبات في إطار مبادرة التمكين الصحي والحقوق الصحية للمرأة السعودية، كما يمكنهن أن يشاركن أو يقدمن على برنامج سفيرات التمكين الصحي حيث يحضرن ورشة عمل لتدريبهن، ويصبحن من ضمن برنامج مبادرة التمكين الصحي.

ورأت د. فاتنة الطحان أن بالإمكان إصدار تشريعات تُلزِم بالكشف المبكر عن الأمراض المزمنة بما فيها السرطان؛ فمن المعلوم أن أثره الاجتماعي كبير بالإضافة للتأثير الاقتصادي، وكمثال بسيط: فإن معالجة الحالات المبكرة لسرطان الثدي قد لا يتجاوز ٦٠-٧٠ ألفًا، في حين قد تصل إلى مليون ريال لكل سيدة في المراحل المتقدمة حسب المرحلة، هذا بالإضافة إلى انخفاض معدلات الشفاء ونوعية الحياة المتعبة التي تعيشها المتعافيات في المراحل غير المبكرة. والحديث هنا عن التكلفة المباشرة Direct cost، وليس عن التكلفة غير المباشرة، وهي أعلى indirect cost؛ فمن المتوقع في عام 2030 أن تصل تكلفة علاج مرض السرطان فقط إلى ٦٦ مليار إذا ما استمررنا في اكتشاف الحالات في مراحل متأخرة.

وبدوره اقترح أ. محمد الدندني سنَّ التشريعات المُلزِمة بالفحص الدوري لبعض المشكلات بالنسبة للمرأة، وربما ربطه بالتأمين أو بالعلاوة السنوية أو الترقية أو تجديد عقد العمل أو غيره. وذهب د. سليمان الطفيل إلى أنه يمكن ربط الفحص الدوري بخدمة (أبشر)، بحيث يصبح شرطًا لازمًا في خدمات أبشر، أو الاستفادة من العلاج المجاني طبعًا لسنٍّ محددة للمرأة (لا تقل عن .. ولا تزيد على) حتى تصبح ثقافة مهمة لصحة المرأة.  ويمكن أن يكون ذلك وفق مبادرة مدعومة من الدولة عبر برنامج تمكين المرأة حتى تحظى المرأة بكامل حقوقها، ومنها الصحية التي ضحت بها من أجل أسرتها والمجتمع. إلا أن د. فاتنة الطحان أوضحت أنه مع تأييدها لذلك الرأي؛ إلا أن هناك مَن يُنادي بحرية الاختيار وبشراسة للأسف. في حين أن الحرية يجب أن تكون مكفولة، وتقف عندما تؤدي لضرر عام، تمامًا كما يحدث الآن من عودة انتشار لمرض الحصبة، والذي أُعلِن عن القضاء عليه في التسعينيات، فقد عاد الآن بسبب ترك الحرية للأهل بإعطاء اللقاحات مما سبَّب عودة انتشار الحصبة. بينما ذهبت د. مها المنيف إلى أن إلزام أشخاص بالغين وقادرين على اتخاذ قرار بشأن صحتهم أمرٌ صعبٌ، ويتعارض مع حقوق الإنسان وحق الشخص في تقرير مصيره؛ فنحن لا نستطيع عمل أي تدخل طبي إلا بموافقة المريض، فما بالنا بعمل فحص دوري سنويًّا؟!  أما م. خالد العثمان فقد ذهب إلى أن الإلزام كقاعدة عامة وسيلة لرفع نسبة تحقيق المستهدفات حتى ولو لم تصل إلى 100٪.. المهم ألا يُستغَل هذا الإلزام بشكل سلبي خصوصًا من شركات التأمين الصحي.

وفي سياق متصل، ترى د. وفاء طيبة أن الأمر يستدعي أن تتحول إستراتيجية وزارة الصحة إلى الوقاية قبل العلاج، وهو مهم جدًّا وأقل تكلفة، ولكن مع خصخصة الخدمات ومع رفض التأمين حتى لبعض العلاجات، كيف يُتوقَّع منه قبول التأمين للوقاية؟ وأكدت د. فاتنة الطحان أنه بالفعل، فإن إستراتيجية التحول تركز على الوقاية أولًا؛ لأن العبء الاجتماعي والاقتصادي على المنظومة الصحية والمسببة للوفيات المبكرة تعود لأمراض يمكن الوقاية منها باتباع حياة صحية سليمة، كما أن هناك دراسات عديدة أُجريت في المملكة أظهرت نسبةً عالية للإصابة بأمراض الضغط والسكر وارتفاع الكوليسترول، والأعلى منها الاستعداد للإصابة قبل السريرية؛ لذلك فالمنهج الوقائي هو الحل، ولقد تغيَّر شعار الوزارة من “المريض أولاً” إلى “المواطن أولاً”؛ لأن الجهود كلها تركز على تعزيز صحة الفرد قبل المرض. وهناك مبادرات تتواصل مع شركات التأمين حاليًّا بالتعاون مع الضمان الصحي، لجعل هذه الفحوص من ضمن باقات التأمين.

وفي اعتقاد د. عبد الله بن صالح الحمود، فإنه يتعين على وزارة الصحة إعادة الهيكلة الشاملة لبرامجها الطبية والتوعوية في ظل المتغيرات الاجتماعية والصحية التي يشهدها المجتمع.

وبدورها أشارت د. فاتنة الطحان إلى أنه ضمن برنامج التحول الوطني والذي يخص الجانب الصحي، هناك تركيز ملحوظ على جانب الوقاية؛ لأنه ووفقًا للدراسات التي أُجريت في المملكة، فقد تبيَّن أن معظم المشاكل الصحية تعود لما يُدعَى بالأمراض غير السارية أو المزمنة، والتي تضمُّ أمراض القلب والأوعية والسكري والسمنة وارتفاع الشحوم والكوليسترول وهشاشة العظام والسرطان، وهي مسؤولة عن ٧٠٪؜ من أسباب الوفيات المبكرة؛ أي الوفاة قبل عمر السبعين. لذلك، لزم تغير إستراتيجية الصحة إلى الجانب الوقائي، ويتضمن التوعية، وتفعيل دور المراكز الصحية بالجانب الوقائي، وإلزامية طلب الكشوف الدورية لمراجعي المراكز حسب المرحلة العمرية، ومنها تمَّ تطبيق برنامج منهج طب الأسرة الشمولي على معظم المراكز الصحية، وتمَّ البدء بنظام الملف الإلكتروني HIS-health informative system، وهو برنامج إلكتروني وُضِع فيه كل الفحوص المطلوبة بحيث تُلزِم طبيب الرعاية الأولية على طلب هذه الفحوص.

وأكد د. سليمان الطفيل على أهمية التركيز – ونحن أمام قضية صحة المرأة – على الجوانب الأساسية الآتية:

ʘ   أولاً: دور القطاعين الخاص والقطاع غير الربحي في العناية والدعم والتثقيف لكل ما يحقق المحافظة على صحة حياة وعمر المرأة، ومن جملة هذه الإسهامات: المشاركة المجتمعية للشركات والمؤسسات والجمعيات الأهلية، وتوظيف المشروعات الخيرية وتوجيهها نحو خدمة المجتمع الصحي، وبخاصة العناية بالمرأة.

ʘ   ثانيًا: دعوة الواقفين والواقفات للوقف على مراكز ومشاريع التنمية الصحية للمرأة، وإطلاق مبادرات وقفية صحية تُعنَى بصحة المرأة في جميع جوانبها العقلية والنفسية والبدنية.

ʘ   ثالثًا: العناية بصحة النساء كبيرات السن اللاتي وُضعن في دور العجزة، أو اليتيمات الفقيرات والمحتاجات، أو البنات مجهولات الوالدين.

أيضًا، فقد ركز د. خالد الرديعان على الجانب المتعلق بسُبل وصول المرأة للخدمات الصحية بشكل عام؛ سواء للكشف المبكر عن سرطان الثدي أو غيره، أو معالجة بعض الأمراض الأخرى، أو متابعة الحمل. فالمستشفيات الحكومية مكتظة والمواعيد متباعدة بسبب ذلك، والخدمة تُقدَّم بعناء لكثرة المرضى والمراجعين. ومراكز الرعاية الأولية غير كافية وينقصها الكثير من التجهيزات والعيادات والطواقم الطبية. والكلام النظري عن الإستراتيجية المبينة بالورقة الرئيسة جميل، لكن المرأة بحاجة للوصول للخدمات الصحية بطرق أفضل مما هو قائم الآن. أيضًا، لا بد من الانتهاء من موضوع التأمين الطبي ووضوحه وشموليته للفحوص المذكورة في الورقة وسائر الأمراض. وليس كل السيدات لديهن القدرة على فتح ملفات في المستشفيات الخاصة بسبب ارتفاع أسعار الكشوف والعلاج فيها. كذلك هناك مسألة أخرى تتعلق بكون التوعية الحكومية بسرطان الثدي وغيره من الأمراض ومع أنها موجودة لكنها غير كافية، وهناك ضرورة لزيادة التثقيف الصحي بين الأوساط النسائية مقرونًا بطُرق التعامل مع الأمراض وسُبل الحصول على الخدمة دون عناء. كذلك فإن صعوبة الوصول للخدمة الطبية أحيانًا أسهم كثيرًا في ظهور المستوصفات والعيادات الخاصة، وبعضها ذات صبغة تجارية؛ بدليل أنها أصبحت تركِّز على التجميل الذي أصبح مطلبًا مهمًّا وذلك على حساب العيادات الأخرى، وكل ذلك بسبب ما يدرُّه من أرباح فاحشة. يدعم هذا التوجه نحو التجميل (وبعضه ترفي وغير ضروري) إعلام مُضلِّل ومُتكسِّب يقوده بعض نجوم وسائل التواصل الاجتماعي ممَّن يروِّجون لكثير من التفاهات. والواقع أن توفر خدمات طبية راقية مع سهولة الوصول إليها سيوقف هذا العبث الإعلامي بصحة المرأة.

وعقَّبت د. سامية العمودي بأن إيقاف العبث الإعلامي بصحة المرأة مسألة مهمة بالفعل، فهذه حقيقة سواء فيما يخصُّ مرض السرطان أو غيره، حيث يُلاحظ انتشار هذا العبث ربما لضعف الوعي، وثقافة بعض شرائح المجتمع وقناعاتهم بهذا الدجل الصحي، وهذا يحتاج إلى تكاتف وزارة التعليم ووزارة الإعلام والجمعيات والمنتديات والمؤثرين والمؤثرات، وتقديم المعلومة السليمة ونشرها وتمكين الأفراد منها. الأمر الآخر ضرورة وجود متابعة ومحاسبة وعقوبات، وهناك جهود تُبذَل بلا شك لكنها غير كافية.

وأضافت أ. علياء البازعي أن الأنثى ذات الإعاقة “على اختلاف درجة هذه الإعاقة” تحصل على حقها من العلاج مثلها مثل أي مواطنة؛ لكن فيما يتصل بالاحتياجات الخاصة لهذه الأنثى والتي جعلتها مختلفة عن غيرها من الإناث فهي مهملة تمامًا، ومنها:

1-           الحاجة إلى وجود مترجم/ة للغة الإشارة في كل مستشفى.

2-  الأنثى ذات الإعاقة قد تحتاج لخدمات علاج وظيفي ونُطق وتخاطب وخدمات توعية للعناية الشخصية والوقاية والاعتماد على الذات، والتي ربما توفرها حاليًّا المستشفيات الحكومية لكن بمواعيد متباعدة جدًّا؛ ما يفقد هذا العلاج فاعليته.

ومن جهتها ترى د. عبير برهمين أن هناك حاجة ملحة لما يُسمَّى (بالوعي الصحي) وليس التثقيف الصحي فقط. هناك حراك وتثقيف صحي لا بأس به، وإنْ لم يكن كافيًا، ونحتاج للمزيد، ولكن الوعي الصحي يعني معرفة المرأة بحقوقها وما تستطيع فعله للحفاظ على صحتها العامة وترتيب أولوياتها. فمثلاً:

1-  فيما يتعلق بضغوط العادات والتقاليد بكثرة الإنجاب والعنف الجنسي، هي أسباب يجب أن لا تمنع المرأة من اللجوء للقضاء وطلب الطلاق أو الخلع، خاصة إذا كان هناك ضررٌ كبير على صحة المرأة، ولم تُجدِ الحلول السلمية الأخرى.

2-  فيما يتعلق بالأمراض المنتقلة جنسيًّا تتحرج الكثيرات من السيدات في طلب العلاج اللازم خوفًا من وصمة العار وتهديد الزوج والعائلة، على الرغم من أنها تكون في أغلب الأحيان ضحية لمغامرات الطرف الآخر، أو لجهلها بالعادات الصحية السليمة.

3-  الصحة النفسية وحاجة بعض السيدات للدعم النفسي في فترات متعددة من حياتها، ومرورها ببعض الأزمات مثل: الطلاق، أو الحوادث، أو أزمة مرحلة ما بعد انقطاع الطمث، أو اكتئاب ما بعد الولادة. إلا أن الخوف من وصمة العار بمراجعة طبيب نفسي وقلة أعداد الأطباء النفسيين قد تفاقم المشاكل النفسية لدى السيدات أكثر من الرجال.

4-  الحاجة إلى وضع تشريعات تضمن الحفاظ على الصحة العامة للمرأة أو الأسرة عمومًا، تستوجب دعمها بأبحاث متخصصة وإحصائيات وأرقام، فمثلاً استصدار تشريع بضرورة الفحص بالماموجرام كل سنتين بعد سن الأربعين، أو الخضوع لفحص سرطانات عنق الرحم مثلاً.

وأكدت أ. نورة الفايز على أن العناية بتثقيف المرأة وتوعيتها بحقوقها عامة وحقوقها الصحية خاصة – يجب أن يكون في وقت مبكر يبدأ في مقاعد الدراسة وبشكل متدرج، وهذه مهمة وزارة التعليم. كما يلزم وزارة التعليم أيضًا توفير المكان المناسب والمدربات المؤهلات لتدريب الطالبات في جميع المراحل على اللياقة البدنية والصحية. ولا ننسى دور المؤسسات الأخرى في هذا المجال؛ كوزارة الصحة، ووزارة الإعلام، ووزارة الشؤون، ومجلس الضمان الصحي، ومجلس شؤون الأسرة، وغيرها من مؤسسات. فالواقع أنَّ المرأة كانت ولا تزال في كثير من المناطق تحرص على توفير الراحة والسعادة لأفراد أسرتها معتقدةً أن هذه مهمتها لوحدها وليست مهمة مشتركة بين جميع أفراد الأسرة، لدرجة أنه في بعض الأحيان يكون على حساب صحتها وسعادتها، وقد ظهرت في السنوات الأخيرة برامج لتوعية المرأة بأهمية العناية بنفسها وصحتها وسعادتها، وكان لها أثر بالغ لدى الكثير من النساء.

وفي تصوُّر أ. فائزة العجروش، فإننا بحاجة لنصوص صريحة وواضحة تضمن حقوق المرأة الصحية، وخط ساخن لحل بعض المشاكل العاجلة؛ فلا تزال بعض القوانين لا تنصف المرأة في بعض القضايا؛ نظرًا لطول الإجراءات القانونية، ووجود بعض الحقوق لدى الرجل تسمح له بالعبث بحياة زوجته والتحكم فيها.

ويرى د. حميد الشايجي أنه يتم الحديث كثيرا عن أهمية التوعية الصحية للمرأة (بل ولكل أفراد وفئات المجتمع). والإشكالية لا تكمن في اكتشاف ذلك، فقد تمَّ تعليق الجرس، ولكن المشكلة تكمن في الإعداد والتنفيذ.

ʘ   أولًا بالنسبة للإعداد: هناك مشكلة في اختيار وإعداد المادة الصحية التوعوية. وكلٌّ يجتهد حسب إمكاناته وقدراته، فيتم أحيانًا إنتاج مواد توعوية ضعيفة في المحتوى والأداء والإخراج.

ʘ   ثانيًا بالنسبة للتنفيذ: نحن نتحدث هنا عن قضية مهمة تمسُّ كافة شرائح المجتمع، ولها انعكاسات اجتماعية واقتصادية كبيرة، ألا وهي التوعية الصحية، ولكن للأسف لا توجد جهود موحدة لتنفيذها، فكلٌّ يغني على ليلاه: وزارة الصحة، وزارة الإعلام، وزارة التعليم، الجمعيات الأهلية، القطاع الخاص، كلٌّ منها له برامجه التوعوية؛ ما يعني مزيدًا من هدر الجهد والمال، وتدنٍ في جودة المخرجات.

لذلك، فالاقتراح أن يتم تبني مبادرات صحية توعوية شاملة وموحدة تم تحكيمها واعتمادها ونشرها، بحيث يتم الالتزام بها في كل برنامج توعي لدى كل الجهات التي تعتمد الأسلوب الصحي التوعوي ضمن برامجها. ونستطيع أن نبدأ بالمبادرة الرائدة التي انتجتها جامعة الملك عبد العزيز (التمكين الصحي) بمراجعتها من قِبل متخصصين واعتمادها وتبنيها لدى كافة الجهات التي لديها برامج صحية توعوية، واعتبارها نموذجًا يُحتذى به في توحيد الجهود.

بعض النقاط المهمة التي وردت في النقاش:

  1. التأكيد على أن برنامج صحة المرأة هو برنامج تنموي متكامل لا يقف على الصحة الإنجابية والمواليد فقط؛ بل هو جزء أساسي من برنامج التحول الوطني وإلزامية تطبيقه في جميع القطاعات الصحية في المملكة، على أن يتم من خلال إستراتيجية واحدة تُغطي جميعَ الاحتياجات الصحية للمرأة في المملكة، والتي تشمل الصحة البدنية والعقلية والاجتماعية للمرأة في جميع الأعمار.
  2. العمل على تغيير ثقافة وموقف المجتمع من بعض القضايا الاجتماعية، كالعنف ضد المرأة وزواج القاصرات والتصدي لهما؛ للحد من الآثار السلبية على الصحة الجسدية والنفسية للمرأة، مع تكثيف البرامج التوعوية الخاصة بصحة المرأة والموجَّهة للأسر في الأحياء الشعبية في المدن والقُرى والهجر.
  3. تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني (المؤسسات والجمعيات الأهلية والأعمال التطوعية) في دعم المشروعات والأعمال الرامية لرفع مستوى الوعي الصحي للمرأة في المجتمع، والمساهمة في دعم المشاريع الصحية التي تقدِّم خدمات صحية للمرأة، مثل: عيادات صحة المرأة والطفل في المجمعات التجارية، وعيادات التمكين الصحي، والعيادات النفسية؛ إذ إن الصحة مسؤولية الجميع.
  4. العمل على تسهيل توفير منشآت تساعد المرأة على زيادة النشاط البدني والرياضة في أجواء مناسبة وآمنة وبأسعارٍ مناسبة، لارتباط ذلك بصحة المرأة الوقائية بشكل كبير، مثل توفير ممرات خاصة للمشي في الأسواق التجارية الكبرى أو داخل الحدائق العامة أو في مراكز رياضية بأسعار معقولة.
  5. العمل على توفير الدعم للتوعية والخدمات الصحية لذوات الاحتياجات الخاصة، مثل السيدات ذوات الإعاقة السمعية والبصرية؛ كتعميم لغة الإشارة في المستشفيات والمراكز الصحية.
  6. تبني مبادرة إصدار كتيب صغير بمسمَّى “مرحبًا بك” لكل مولود جديد يُسلَّم مع إصدار شهادة الولادة، يحتوي على حقوقه الاجتماعية، والتعليمية، والصحية…، بالإضافة إلى واجباته كفرد تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه.

 

ʘ                      التوصيات:

  1. ضرورة إدراج برنامج فرعي ضمن برنامج صحة المرأة بحيث يكون مخصَّصًا لصحة المرأة العاملة، وكذلك برنامج فرعي يختص بنشر التمكين الصحي عمومًا وحقوق المرأة الصحية في جميع الأعمار، لإدراجه ضمن مناهج التعليم في المرحلة الثانوية والجامعية للإناث والذكور مع التركيز على المواضيع الشرعية الشائكة؛ ليكون البرنامج كاملاً ضمن برنامج تمكين المرأة في رؤية ٢٠٣٠، لتحقيق التوازن بين حياة المرأة العملية والصحية.
  2. تطوير ودعم مراكز الأبحاث المتعلقة بصحة المرأة، والعمل على توفير الموارد اللازمة لإيجاد قاعدة بيانات حقيقية مُعلَنة وشاملة تغطي كافة جوانب صحة المرأة من (كوادر طبية متخصصة، ومترجمين صحيين لذوات الإعاقة السمعية، وأنواع الأمراض الأكثر إصابةً في المملكة، والمناطق الأعلى إصابة.. إلخ)؛ من أجل الاعتماد عليها في بناء إستراتيجية وطنية مبنية على الأسس والبراهين لمواجهة المشاكل الصحية المزمنة والطارئة، ووضع مؤشرات أداء لصحة المرأة لتحقيقها ضمن رؤية 2030.
  3. اعتماد إلزامية الفحوص المبكرة لسرطان الثدي بواسطة أشعة الثدي (الماموغرام) للفئة المستهدفة (40-69 سنة) كل عامين، على أن يتم ربطها بطريقة ما بالتقييم السنوي، أو تجديد العقد لها إنْ كانت امرأة عاملة أو لمعيلها (الزوج، الابن)، أو بتجديد التأمين الصحي في حال وجوده؛ لما يُشكِّله من عبء اجتماعي واقتصادي على المملكة، وخصوصًا أن الدراسات تشير إلى زيادة نسب الإصابة به.
  4. العمل على التأكُّد من توفير الموارد اللازمة للفحوص الطبية الدورية، والتي تضمُّ توفير الأجهزة والقوى العاملة، مثل: توفير أجهزة الماموغرام، والكادر الصحي من أخصائيات الأشعة واستشاريين الأشعة في جميع مناطق المملكة، حتى يتم تقديم الخدمة لجميع الفئة المستهدفة في مراكز الكشف المنتشرة في المملكة.
  5. على مجلس الضمان الصحي إضافة فحوصات صحة المرأة الوقائية إلى وثيقة التأمين مثل أشعة الماموغرام، وتحاليل الهرمونات، والفحوصات المسحية لعنق الرحم، ولقاح فيروس الورم الحليمي HPV المُسبِّب لسرطان عنق الرحم في الوقت المناسب له، وتحاليل الأمراض الجنسية، وعلاج العقم للمرة الأولى ضمن حزمة فحوص المرأة الوقائية في وثيقة التأمين.
  6. تشديد الرقابة وإصدار تشريعات وأنظمة صارمة للدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بنشر معلومات صحية مغلوطة، أو بيع منتجات توثر سلبًا على صحة المجتمع بهدف الربح المادي.
  7. إبراز الجهود القائمة والمنصبة في صحة وتمكين المرأة لتحسين صورة المملكة في المحافل الدولية والإقليمية، مع توثيق جهود الرائدات والرواد في مثل هذه الأعمال الصحية والإنسانية، وتأطيرها بإطار ثقافي بحيث تدخل ضمن المُنجزات الحضارية والثقافية للمملكة.

 

المشاركون في مناقشات هذا التقرير

(حسب الحروف الأبجدية)

– المشاركون في قضية “السياحة.. الصناعة التي تليق بالسعودية الجديدة”:

  • م. إبراهيم محمد ناظر
  • م. أسامة كردي
  • د. حمد البريثن
  • د. خالد الرديعان
  • د. سعود كاتب
  • د. سليمان الطفيل
  • د. صدقة فاضل
  • د. عائشة الأحمدي
  • د. عبد الله المطيري
  • د. عبير برهمين
  • د. عثمان العثمان
  • د. علي الحارثي
  • د. علي الطخيس
  • أ. فائزة العجروش
  • د. فايزة الحربي
  • أ. فهد القاسم
  • د. فهد العرابي الحارثي
  • د. فهد اليحيا
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد الملحم
  • د. مشاري النعيم
  • د. مها العيدان
  • د. وفاء طيبة
  • د. رياض نجم
  • د. مساعد المحيا

– المشاركون في قضية “شذرات نفسية في يوم الصحة النفسية”:

  • د. حسين الحكمي
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد الرديعان
  • د. راشد العبد الكريم
  • أ. د. عثمان العثمان
  • أ. علياء البازعي
  • أ. فائزة العجروش
  • د. فهد المحيا
  • د. مرام الحربي
  • د. مساعد المحيا
  • د. مها المنيف
  • د. نوال الضبيبان
  • د. نورة الصويان
  • د. وفاء طيبة

– المشاركون في قضية “العلاقات السعودية.. الروسية”:

  • أ. بسمة التويجري
  • د. تركي القبلان
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حمد البريثن
  • د. خالد الرديعان
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • أ. عبد الله الضويحي
  • أ. عبد الرحمن الطريري
  • د. عبد الله محمد بن صالح
  • د. علي الطخيس
  • د. فوزية البكر
  • د. محمد الملحم
  • أ. محمد دندني
  • د. مساعد المحيا
  • د. وفاء الرشيد
  • د. وفاء طيبة

– المشاركون في قضية “صحة المرأة”:

  • م. إبراهيم ناظر
  • أ. بسمة التويجري
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد الرديعان
  • م. خالد العثمان
  • د. راشد العبد الكريم
  • د. زينب الخضيري
  • أ. د. سامية بنت محمد العمودي
  • د. سليمان الطفيل
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبير برهمين
  • أ. د. عثمان العثمان
  • أ. علياء البازعي
  • د. فاتنة محمد الطحان
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد الملحم
  • د. مساعد المحيا
  • د. مها المنيف
  • د. منى بنت عبد الله آل مشيط
  • أ. نورة الفايز
  • د. وفاء طيبة

تحميل المرفقات: Report_56_October_2019.pdf