فبراير 2020

  • تمهيد:

يعرض هذا التقريرُ عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر فبراير 2020 م، وناقشها نُخبة متميزة من مُفكِّري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • الاقتصاد الأزرق.. مستقبل واعدٌ ‏وقطاعٌ داعمٌ ‏للاقتصاد ‏الوطني وجاذبٌ ‏للاستثمارات ‏المحلية ‏والدولية.
  • تعليم ورعاية الطفولة المبكرة.
  • تحديات التغيُّر الاجتماعي في المجتمع السعودي.
  • التعليم الجامعي وتحديات القرن الواحد والعشرين.

القضية الأولى

الاقتصاد الأزرق.. مستقبل واعدٌ ‏وقطاعٌ داعمٌ ‏للاقتصاد ‏الوطني وجاذبٌ ‏للاستثمارات ‏المحلية ‏والدولية

(2/2/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. فائزة العجروش
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. علي الطخيس
  • التعقيب الثاني: د. خالد الفهيد
  • إدارة الحوار: د. ناصر القعود

 

  • الملخص التنفيذي:

أشارت أ. فائزة العجروش في الورقة الرئيسة إلى أن الاقتصاد الأزرق (Blue Economy) هو ذلك الاقتصاد المرتكز على الأنشطة البحرية في المسطحات المائية – من محيطات، وبحار، وخلجان، وبحيرات – كصيد الأسماك، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية، واستغلال الثروة السمكية والبحرية، والتعدين بما يحقِّق أفضلَ عائد ممكن من هذه الأنشطة الاقتصادية، ويهدف لثلاثة أهداف: مجال بحري أكثر أمنًا، اقتصاد أزرق ذكي وقادر على الصمود، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالموارد البحرية.

ويتمحور مفهوم (الاقتصاد الأزرق) حول فكرة مفادها، دمج الأنشطة البحرية ضمن اقتصاد دائري، من خلال مبدأ التجدُّد الطبيعي، ويُراد لهذا المفهوم أن يكون محاكاةً حيوية للطبيعة من حيث كونه مُستوحًى من قوى الطبيعة المتجددة. وكان عالم الاقتصاد البلجيكي غونتر باولي Gunter Pauli من أوائل من لفتوا الانتباه إلى أهمية «الاقتصاد الأزرق»، من خلال كتابه المنشور في عام 2010 م والمعنون بــ: «الاقتصاد الأزرق: عشر سنوات، مئة اختراع واكتشاف، ومئة مليون فرصة عمل».  وتعَدُّ فرص نجاح المملكة في مجال الاقتصاد الأزرق شبه مؤكدة؛ نظرًا لتمتُّع المملكة بموقع جيو إستراتيجي، وامتلاكها لرصيد بشري مهم في المناطق الساحلية، ‏ورصيد معرفي حول البحار والمحيطات. والمتأمل لسواحل مملكتنا الغالية في البحر الأحمر والخليج العربي والجزر العذراء المتناثرة سواء المأهولة منها كفرسان ‏وقماح أو غير المأهولة، وسواحلها التي تتجاوز 3000 ‏كم – يجد نفسَه حقيقةً أمام ثروة اقتصادية هائلة ومنجم بكر للثروة السمكية؛ ولكنها للأسف ‏ما بين مُعطَّل أو لم تتم الاستفادة منها الاستفادة المُثلى، مع إمكانية العمل على النهوض بقطاعات جديدة ذات إمكانات نمو عالية (مثل: تربية الأحياء المائية، ‏والسياحة الإيكولوجية، والتكنولوجيا الحيوية البحرية، وبناء السفن، وغيرها)، إلى جانب مجموعة من العوامل الأخرى التي تزيد من فرص النجاح، بإذن الله.

وذكر د. علي الطخيس في التعقيب الأول أنَّ وزارة البيئة والمياه والزراعة اهتمت بجانب كبير من الاقتصاد الأزرق، وعلى الأخص ما له علاقة بصيد الأسماك ومشاريع الاستزراع السمكي ومشاريع الربيان. كما أوضح أن الاقتصاد الأزرق يشمل أنشطةً متعددة، منها على سبيل المثال: مهنة الغوص قديمًا لتجميع اللؤلؤ من أصداف المحار، وهذه مهنة الآباء والأجداد المقيمين في المناطق الساحلية، وقد تطوَّرت هذه المهنة حتى وصلت إلى إنتاج لؤلؤ صناعي، وصيد الأسماك في مياه الخليج العربي ومياه البحر الأحمر، وتربية الأحياء المائية في المزارع الداخلية على المياه الجوفية، وتحلية مياه البحار وتنقية المياه الجوفية للحصول على مياه الشرب النقية، والنقل البحري بين الموانئ. كما ذكر أن للوزارة جهودًا طيبة في مجال الثروة السمكية، حيث كان هناك وكالة خاصة بالثروة السمكية ضمن هيكل الوزارة التنظيمي أيام وزارة الزراعة والمياه، ثم تحوَّلت الوكالة إلى إدارة عامة كجزء من تطوير هيكل الوزارة بعد ضمِّ البيئة والمياه إلى وزارة الزراعة.

أما د. خالد الفهيد فأكد في التعقيب الثاني على أهمية تعظيم الاستفادة من الجُزر السعودية في المناطق الساحلية، باختيار أنسبها لإيجاد تنمية مستدامة لأبناء السواحل، وتهيئتها كفرص استثمارية للقطاع الخاص لإقامة بعض الصناعات والخدمات اللوجستية، مثل: إقامة مدينة أنعام متكاملة تشمل محاجر بيطرية للمواشي الحية التي يتم استيرادها من خارج المملكة ومسالخ، ويتم تصدير اللحوم منها داخليًّا لمناطق المملكة بشكل يومي للتغلب على مشكلة الأوبئة التي تصاحب استيرادها من خارج المملكة، وللمساهمة في تنظيم سوق اللحوم الحمراء، ويتم الاستفادة من مخرجات المسالخ بإقامة مصانع للصناعات الجلدية وغيرها؛ وهو ما يسهم في توفير فرص عمل بجانب ضمان سلامة الغذاء.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحورين التاليين:

  • واقع الاقتصاد الأزرق ودوره في اقتصاد المملكة.
  • وسائل النهوض بالاقتصاد الأزرق وزيادة مساهمته التنموية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: الاقتصاد الأزرق.. مستقبل واعدٌ ‏وقطاعٌ داعمٌ ‏للاقتصاد ‏الوطني وجاذبٌ ‏للاستثمارات ‏المحلية ‏والدولية، ما يلي:

  • إعداد إستراتيجية وطنية لتطوير القطاعات المتعلقة بالاقتصاد الأزرق، والاستفادة من موارده المتنوعة بشكل مستدام؛ على أن تنطلق من رؤية المملكة ٢٠٣٠، وتستفيد من الخبرات الأكاديمية ومراكز البحوث، وتُطبِّق المعايير الدولة لاستدامة الاستفادة من هذه الموارد، وتعمل على تطوير اقتصاد المجتمعات الساحلية وتطوير البنى التحتية فيها، وتوفير فرص عمل منتجة لهم، وتشجيع السياحة فيها بالأنشطة الترفيهية والرياضات المائية، وإعادة هيكلة القطاعات الحالية لتتواكب مع ذلك.
  • لتعدُّد الأنشطة الاقتصادية ذات العلاقة بالاقتصاد الأزرق، وتعدُّد الجهات المسؤولة عنها، يُقترَح فصل وزارة للمياه عن الزراعة، وإنشاء وحدة تنفيذية خاصة (هيئة مثلاً) تحت إدارة وزارة المياه؛ للتنسيق بين الجهات ذات العلاقة بالاقتصاد الأزرق فيما تقوم به من أنشطة متنوعة، وما ينبغي أن تقوم به كل جهة من دراسات جدوى وعرض فرص واعدة وتحفيز الاستثمارات، وإطلاق المبادرات والشراكة الاستثمارية مع القطاع الخاص، وتطوير الابتكارات والتدريب.

 

  • الورقة الرئيسة: أ. فائزة العجروش

مقدمة:    

بدأنا عامًا جديدًا مليئًا بالتحديات، وزاخرًا بالفرص، عامًا يُمثِّل سنة الفصل بين برنامج التحوُّل الوطني “2020” الذي على وشك الانتهاء هذا العام، ورؤية مستقبليَّة طموحة “2030” تترقبها المملكة بكل لهفة، وهناك رابط متين بينهما، وهو الاقتصاد، الذي هو قُطب الرحى في أي مسيرة تنموية، وعمود بناء التقدم بكل تفصيلاته من حكومة وقطاع خاص، وقطاع نفطي وغير نفطي، وإنتاج وعمالة، واستيراد وتصدير، واستثمارات وطنية وأجنبية.

وعندما يكون الحديث عن الاقتصاد فيجب تسليط الضوء على أهمية “الاقتصاد الأزرق” الذي يعَدُّ مجالًا واعدًا للاستثمار والتنمية المستدامة‏ في المملكة، انطلاقًا من أحد أهم ركائز رؤية 2030، وهو “الموقع الجغرافي الإستراتيجي”؛ فالمملكة هي أهم بوابة للعالم بصفتها مركز ربط للقارات الثلاث، وتحيط بها أهم المعابر المائية حول العالم.

لون جديد للاقتصاد:    

سمعنا أو قرأنا كثيرًا عن الاقتصاد الأخضر‏ الذي يوحي بوجود بُعد بيئي قوي في هذا الاقتصاد، ونحن هنا في صدد الحديث عن لون آخر ‏من الألوان الاقتصادية، وهو الاقتصاد الأزرق. ويُعرف الاقتصاد الأزرق (Blue Economy) بأنه: الاقتصاد المرتكز على الأنشطة البحرية في المسطحات المائية – من محيطات، وبحار، وخلجان، وبحيرات- كصيد الأسماك، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية، واستغلال الثروة السمكية والبحرية، والتعدين، بما يُحقِّق أفضل عائد ممكن من هذه الأنشطة الاقتصادية، ويهدف لثلاثة أهداف: مجال بحري أكثر أمنًا، اقتصاد أزرق ذكي وقادر على الصمود، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالموارد البحرية.

ويتمحور مفهوم (الاقتصاد الأزرق) حول فكرة مفادها: دمج الأنشطة البحرية ضمن اقتصاد دائري، من خلال مبدأ التجدُّد الطبيعي، ويُراد لهذا المفهوم أن يكون محاكاةً حيويةً للطبيعة من حيث كونه مُستوحى من قوى الطبيعة المتجددة. وكان عالم الاقتصاد البلجيكي غونتر باولي Gunter Pauli من أوائل من لفتوا الانتباه إلى أهمية «الاقتصاد الأزرق»، من خلال كتابه المنشور في عام 2010 م والمعنون بــــ: «الاقتصاد الأزرق: عشر سنوات، مئة اختراع واكتشاف، ومئة مليون فرصة عمل».

أهمية الاقتصاد الأزرق:  

يعَدُّ الاقتصاد الأزرق اقتصادًا متعدد القطاعات، يضمُّ قطاعات جديدة ذات إمكانات نمو عالية، كما هو مُوضَّح في الشكل بالأسفل، ويُعَدُّ قطاع الثروة السمكية من القطاعات الاقتصادية والإنتاجية غير النفطية المهمة، والذي له دور اقتصادي كبير، ويدرُّ دخلًا لأي دولة؛ فالمسطحات المائية تُمثِّل 70% من كوكب الأرض، وتعيش في أعماقها 95% من جميع الكائنات الحية، و90% من حركة التجارة الدولية – التي لها دور كبير في رَبْط دول العالم ببعض- تتم عبر البحار والمحيطات، بالإضافة إلى القطاعات البحرية التقليدية.

ويُقدِّر الصندوق العالمي للطبيعة قيمة كل الأصول الرئيسة الموجودة في البحار والمحيطات بأكثر من 24 تريليون دولار.

وتنبع أهمية الاقتصاد الأزرق المتصاعدة من كونه يرمي إلى تحسين رفاهية الإنسان، وتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية، مع خفض المخاطر البيئية والتغلب على مشكلة الندرة، وتقديمه لبعض الحلول لقضية التغيُّر المناخي، خاصة مع ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات التي تُمثِّل تهديدًا لعديد من الجزر في العالم.

ونظرًا لأهمية هذا النوع من الاقتصاد للعالم؛ أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مبادرة عالمية أثناء أعمال مؤتمر البيئة العالمي المنعقد في ريو دي جانيرو البرازيلية عام 2012م تحت مُسمَّى (النمو الأزرق) التي تهدف إلى التنمية المستدامة لمصلحة الاستقرار البشري بالمحافظة على سلامة المسطحات المائية من التهديدات المتنامية؛ كالتلوث، والصيد الجائر، والصيد غير القانوني، وارتفاع منسوب المياه الناتج عن التغيرات المناخية.

نبذة تاريخية سريعة: 

بدأ الاستزراع المائي في المملكة قبل 35 عامًا بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة الدولية “الفاو” لإنشاء مركز المزارع السمكية بجدة عام 1982م (مركز أبحاث الثروة السمكية بجدة حاليًّا)؛ وذلك لدراسة الأنواع المحلية المناسبة للاستزراع المائي من الأسماك، وإدخال تقنيات التفريخ والاستزراع، وتدريب الكوادر الوطنية، والقيام بالدراسات المتعلقة باختيار المواقع المناسبة للاستزراع المائي، بالإضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري للمزارع المائية الناشئة في ذلك الوقت. وبعد ذلك تمَّ إنشاء البرنامج الوطني لتطوير قطاع الثروة السمكية والاستزراع المائي الذي تشرف عليه وزارة البيئة والمياه والزراعة.

التطوُّر والإنجاز:

حسب بيانات فريق العمل المشترك من وزارة البيئة والمياه والزراعة والهيئة العامة للإحصاء والموضَّحة في الجدول بالأسفل، نلاحظ تضاعُف إنتاج المزارع للأسماك بما يزيد على 200% للفترة من 2014 م حتى 2018م، وارتفاع نسبة الإجمالي من المصيد من البحر الأحمر ومن الخليج العربي ومن المياه الدولية، وإجمالي إنتاج المزارع للأسماك بأكثر من 53% لنفس الفترة.

ومع توجُّه رؤية 2030 الطموحة للعمل على إيجاد قطاعات ‏إنتاجية أخرى تساهم في زيادة الدخل الوطني، تطوَّر قطاع الثروة السمكية ‏في المملكة، والذي يعَدُّ من القطاعات الاقتصادية ‏والإنتاجية ذات الأهمية وله دور اقتصادي كبير؛ فهو من أهم ‏القطاعات ‏غير النفطية التي تدرُّ دخلًا للدولة.‏ ولقد باتت ‏المملكة أحد المُصدِّرينَ الرئيسيين للروبيان الأبيض على مستوى العالم، بطاقة إنتاجية وصلت في عام 2017م ‏إلى أكثر من 61 ألف طن، منها 50 ألف طن لأكثر من 32 دولة في العالم. وتستهدف وزارة البيئة والمياه والزراعة ‏أن يصل الإنتاج إلى 100 ألف طن في عام 2020، و600 ألف طن في عام 2030م، ‏بإذن الله.‏

أهمية الاقتصاد الأزرق للمملكة:

يتضح جليًّا مع التوجه السديد لحكومتنا الرشيدة بالاهتمام بقطاع الثروة السمكية ‏لتأثيره المباشر على بيئة الأعمال في ‏المملكة، حيث يعَدُّ هذا القطاع أحد أهم القطاعات التي يُعوَّل عليها ‏عند الحديث عن التنمية والتنويع الاقتصادي للمملكة، علاوةً على أنه ‏يصبُّ ضمن الأولويات لتعزيز الأمن الغذائي، ويخلق صناعات متكاملة، ويتيح فرصًا تجارية كثيرة وفرص عمل متعددة، ويُحدِث حركةً كبيرة في مختلف المؤسسات الاقتصادية في المناطق الساحلية وغيرها؛ لتنمية الاقتصاد الوطني، ورَفْع الناتج المحلي غير النفطي، وكذلك يعزِّز الجهود الرامية إلى القضاء على الفقر.  كما يدعم هذا التوجه:

  • أن الاقتصاد الأزرق يُمثِّل فرصةً جديدة تنسجم تمام الانسجام مع روح الاستدامة والقدرة على الصمود التي تدعو إليها خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 (الهدف 14).
  • أنه يعمل على تحقيق الأبعاد الثمانية لبرنامج التحوُّل الوطني من خلال:
  • الحرص على الحفاظ على الموارد المائية السعودية واستدامة الموارد الحيوية وتهيئة المناطق الطبيعية من (محميات، وجزر، وشواطئ)، وصيانتها وتأهيلها وتنميتها، بما يضمن حقوق الأجيال القادمة.
  • تقليص الفوارق المناطقية والاجتماعية من خلال انعكاس هذه الصناعة بصورة إيجابية وبارزة على أبناء المدن الساحلية؛ ‏باستحداث وظائف، وتبادل خبرات، واكتساب مهارات.
  • تمكين فئات المجتمع من دخول سوق العمل، وإيجاد فرص عمل للشباب من الجنسين تصل إلى 24 ألف وظيفة ‏مباشرة وغير مباشرة، والوصول إلى نسبة سعودة تبلغ 50% في ‏القطاع.‏
  • الارتقاء بالرعاية الصحية ورَفْع الوعي الصحي بأهمية استهلاك اللحوم البيضاء أكثر من اللحوم الحمراء؛ فلا يزال معدل استهلاك الفرد من الأسماك بالمملكة أقل من المعدل العالمي – 16 كيلو غرامًا للفرد سنويًّا – حيث لا يتجاوز في المملكة 9,2 كجم للفرد بالسنة في عموم مناطق المملكة، في حين يبلغ 28 كجم بالمناطق الساحلية.
  • الإسهام في تمكين القطاع الخاص، ورفع نسبة مشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة – العمود الفقري عادةً في التنمية المتوازنة المستدامة – في مثل هذه النشاطات.
  • المساعدة في تطوير القطاع السياحي في المناطق الريفية الساحلية.
  • ينسجم هذا التحوُّل مع وضع المملكة الصحراوي ومواردها الرعوية المحدودة وقلة الأمطار، الذي لا تتمكن معه أن تكون مُنتِجةً للحوم الحمراء بمعدلات عالية.
  • الإسهام في زراعة الأسماك سيسد حاجة السوق المحلي ويسهم في توفير الأسماك الطازجة بدلًا من استيراد أكثر من 200 ألف طن من دول متعددة.
  • يتماشى مع برنامج جودة الحياة ورَفْع متوسط العمر الزمني؛ لاحتواء المنتجات السمكية على ‏أحماض دهنية مفيدة للصحة. حيث أثبتت الدراسات أن سبب ارتفاع متوسط العمر الزمني ‏لشعوب اليابان والأسكيمو الذي يبلغ 83 سنة، هو اعتمادهم على المأكولات البحرية في غذائهم اليومي.‏
  • يفتح مجالات أوسع للتدريب الفني والتقني في المملكة؛ نظرًا للحاجة للعمل في المفرخات لإنتاج زريعات الأسماك ويرقات الربيان، وتقديم الرعاية الصحية والبيطرية والغذائية، والعمل في مشاريع الإنتاج والتسمين.
  • يمكن أن يُوفِّر الاقتصاد الأزرق في المملكة فرصًا للطاقة المستمدة من المجال البحري، وتحلية المياه للتصدي للإجهاد المائي (حسب توقعات الأمم المتحدة، أن يواجه 3 ملايين شخص مشكلة الإجهاد المائي بحلول 2025 م) والصناعات الاستخراجية والثروات المعدنية المتوفِّرة في البحر الأحمر والخليج العربي.

لماذا فرص النجاح شبه مؤكدة للمملكة؟

لتمتُّع المملكة بموقع جيو إستراتيجي، وامتلاكها لرصيد بشري مهم في المناطق الساحلية، ‏ورصيد معرفي حول البحار والمحيطات. والمتأمل لسواحل مملكتنا الغالية بالبحر الأحمر والخليج العربي والجزر العذراء المتناثرة سواء المأهولة منها كفرسان ‏وقماح أو غير المأهولة، وسواحلها التي تتجاوز 3000 ‏كم – يجد نفسَه حقيقةً أمام ثروة اقتصادية هائلة ومنجمٍ بكر للثروة السمكية؛ ولكنها للأسف ‏ما بين مُعطَّل أو لم تتم الاستفادة منها الاستفادة المثلى، مع إمكانية العمل على النهوض بقطاعات جديدة ذات إمكانات نمو عالية (مثل: تربية الأحياء المائية، ‏والسياحة الإيكولوجية، والتكنولوجيا الحيوية البحرية، وبناء السفن، وغيرها)؛ إلى جانب العوامل التالية التي تزيد من فرص النجاح، بإذن الله:

  • أن قطاع الاستزراع السمكي ‏يمتلك مجالًا كبيرًا للنمو في المملكة؛ كونه من أسرع ‏القطاعات الإنتاجية في العالم، وينمو بمعدل (8%) سنويًّا منذ عام 1970 ‏مقارنة مع (1%) لقطاع المصايد التقليدية و(3%) لقطاع إنتاج اللحوم، وامتلاك المملكة لقدرة استيعابية تُقدَّر بـ 5 ‏ملايين طن من الأسماك تزيد من فرص تحقيق ثروة اقتصادية سمكية هائلة، وسعي وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى تطوير هذا القطاع والمنافسة به ‏عالميًّا بوضعه هدفًا إستراتيجيًّا لها.‏
  • كونه قطاعًا واعدًا ومُؤثِّرًا على التنمية والاقتصاد وداعمًا للاقتصاد ‏الوطني السعودي، ومن أسرع القطاعات الغذائية نموًا بمعدل 6% سنويًّا.‏
  • خطوط الإنتاج التي تحتاجها هذه الصناعة أشبه ما تكون بصناعة الدواجن التي خطت فيها المملكة خطوات رائدة انعكست على الاقتصاد الوطني.
  • توسيع قاعدة الاستثمار في هذا القطاع سيعمل على الاستغلال الأمثل للطاقة البشرية من أبناء المناطق الساحلية، ورَفْع مستوى دخلهم دون تشكيل أي عبء إضافي على الدولة في التوظيف؛ لأن النشاط السمكي مهنتهم الأصلية.
  • تُوجِد هذه المشاريع والمنتجات وفرةً سمكية تحتاج إلى مصانع متخصصة لتصنيع وتقشير وتعليب المنتجات السمكية، والتي بدورها تتطلب عمالةً معظم اشتراطاتها تنطبق على النساء، مما يساعد على خفض نسبة بطالة الإناث.
  • سعي المملكة لأن تكون جميع الشركات العاملة في القطاع حاصلة ‏على شهادة عالمية بالجودة، والمتماشية مع برامج المعايير الدولية ‏للأمن الحيوي لأفضل ممارسات الاستزراع المائي (‏BAP‏).‏
  • تهدف وزارة البيئة والمياه والزراعة من خلاله، إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتوفير الأمن الغذائي ‏للمملكة، وتغطية احتياجاتها من الأغذية البحرية، ووصول التنمية المناطقية للمناطق ‏الريفية الساحلية.
  • تستهدف الوزارة توطيد مجالات الشراكة مع القطاع الخاص، وجَذْب ‏الاستثمارات الداخلية والخارجية لإنشاء مشاريع الاستزراع المائي ‏ومصانع الأعلاف وتجهيز المنتجات السمكية.
  • إقامة مثل تلك المشاريع ستسهم في رفع الناتج المحلي في المجتمعات الساحلية، والذي سيسهم في رفع مستوى الدخل لسكان هذه المناطق الساحلية، ويُحدِث تنمية وحركة اقتصادية تؤمِّن لهؤلاء السكان ‏الاستقرار في مناطقهم، وتحدُّ من هجرتهم ونزوحهم إلى المدن الكبيرة وما يترتب على هذه الهجرة من ضغط ‏على الخدمات والمرافق.
  • ‏تبني وزارة البيئة والمياه والزراعة لـ 5 مبادرات رائدة متعلقة بقطاع الاستزراع المائي ضمن برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، الذي أطلقه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله، وهي كالتالي: مبادرة “الحملات التسويقية”، مبادرة “حملات جذب المستثمرين”، مبادرة “تطوير البنية التحتية لدعم التجمُّعات البحرية”، مبادرة “تطوير البنية التحتية لدعم الاستزراع المائي”، مبادرة “دعم البحث والتطوير لتحسين إنتاجية مصائد الأسماك.

التوصيات:

  • الحاجة مُلحّة إلى “إستراتيجية وطنية للاقتصاد الأزرق”- بدعم من مراكز ‏الأبحاث والدراسات والجامعات العلمية- تتميز بالاستدامة، وترتكز على الصناعات التقليدية مع العمل على النهوض بقطاعات جديدة ذات إمكانات نمو عالية بالتشاور مع المواطنين والفاعلين المعنيين. وإعداد تقرير سنوي عن سير تنفيذها للتأكد من تحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة.
  • أهمية تطوير نهج متكامل لبناء الاقتصاد الأزرق، وإعادة هيكلة القطاعات الحالية من أجل مواكبة انتقالها نحوه، مع تغيير المفاهيم السائدة بأن موارد البحار والمحيطات ليس لها حدود.
  • أن تُصدر وزارة البيئة والزراعة والمياه أطلسًا لجميع السواحل السعودية‏، يمكن من خلاله تحديد المواقع المناسبة للاستزراع السمكي ومعلومات شاملة حول ‏نظُم الاستزراع بالمملكة.
  • أهمية تنظيم العمل الاقتصادي لهذا القطاع؛ من خلال تحسين واستثمار جميع الإمكانات التنموية، وتحديد الأولويات والمعايير ‏من أجل تحقيق اقتصاد أزرق مُستدام.‏ والحرص على التطبيق الصارم لاتفاقيات الصيد البحري وتتبع تنفيذها؛ تفاديًا لعمليات الصيد والتعدين الجائر والتخلص من النفايات.
  • مواصلة دعم الدولة لتطوير البنى التحتية في المناطق الساحلية (المطارات، موانئ التفريغ، الأسطول)، وإحداث خطوط نقل جديدة لتعزيز قدرات المملكة لمواكبة احتياجات ‏تطوير اقتصادها الأزرق لجعله أكثر نجاعةً وأكثر احترامًا للبيئة.
  • استقطاب الاستثمارات الإستراتيجية في قطاع الموانئ؛ للرفع من معدل نمو القطاع، وتحسين مسارات التصدير والاستيراد مع أهمية اتخاذ بعض التدابير الجاذبة (إعفاءات ضريبية ومساعدات حكومية).
  • تطوير أنظمة السياحة المحلية المتعلقة بالسياحة الشاطئية التي تعَدُّ النمط الأكثر انتشارًا في العالم، وتطوير الأنشطة الترفيهية البحرية والرياضات المائية وتنوُّعها، وإنشاء المنتجعات الساحلية.
  • تشجيع إنشاء مصانع متخصصة في مجال السفن وإصلاحها (يوجد طلب لا يغطيه الإنتاج المحلي، وصناعة السفن تكاد تكون معدومةً في المملكة) التي تعتبر سوقًا عالمية ذات نمو متزايد.
  • استكشاف القطاعات الحالية والمستقبلية المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، ‏وتسليط الضوء على تكنولوجيا المستقبل والابتكار في مجال اقتصاد ‏البحار والثروة السمكية ‏والاستزراع المائي والخدمات اللوجستية البحرية والصناعات التحويلية ‏والمعاهد الأكاديمية والبحثية والتدريبية ذات الصلة، وكيفية الاستفادة منها؛ خاصة الطاقة المستمدة من حركتي المد والجزر، والتنوُّع البيولوجي الغني جدًّا في المياه البحرية، وتطوير عناصره من الناحية التجارية ولا سيما المستحضرات الصيدلانية والتجميلية والإنزيمات.
  • تبادل المعارف ودراسة التجارب ‏الدولية الناجحة والاستفادة منها، مثل دولة الإكوادور (دولة الموز) استفادت من شواطئها التي لا تتجاوز 700 كم لتصبح واحدةً من أكبر دول العالم إنتاجًا للمزارع السمكية بنسبة (53%). وكذلك دولة فيتنام متمثِّلةً في مقاطعة “هو تشي منه” المصنفة قبل 16 سنة فقط من أفقر المناطق، لتُصبح الآن المدينة الاقتصادية الثانية بإنتاجها إلى معظم دول العالم من المزارع السمكية. ومن التجارب الأخرى الناجحة أيضًا: البرازيل، المكسيك، تايلاند، الصين، إندونيسيا والمغرب.

الخلاصة:  

لا تألو حكومة المملكة جهدًا في استغلال موقعها الجغرافي اقتصاديًّا أفضل استغلال في إطار سعيها لتقليل الاعتماد على النفط، وإيجاد قطاعات إنتاجية غير نفطية. وبات من المهم العمل على جذب المزيد من الاستثمارات الإستراتيجية التي تُحدِث تحوُّلاً نوعيًّا في توجهات القطاع غير النفطي. وعلينا أن نضع – حكومةً وقطاعًا خاصًّا – الاقتصادَ الأزرق في صدارة سُلَّم الأولويات، وأن تكون أهداف نموه وتوسُّعه في المقدمة في كل خططنا وإستراتيجياتنا، وأن نعمل على جذب المزيد من الاستثمارات له وتوجيهها نحو الاستثمارات الإستراتيجية؛ فافتتاح مطعم عالمي للمأكولات البحرية هنا أو مركز ترفيهي لعالم البحار هناك لا يمكن بأي حال أن نُطلق عليه ‏مُسمَّى “استثمار إستراتيجي”، المطلوب استثمارات إستراتيجية تُحدِث تحوُّلاً نوعيًّا في توجهات القطاع غير النفطي، بما ‏يصنع النمو المأمول.. وهذا لن يتأتى دون ‏مشاركة القطاع الخاص بتقديم التسهيلات والتيسيرات اللازمة له، عبر مشاريع الشراكة والتخصيص ومَنْحه حرية ‏الحركة الديناميكية المطلوبة في المنظومة الاقتصادية…  وختامًا، قد لا يعود الاقتصاد الأزرق بفائدة تنموية مباشرة وسريعة على المملكة في المراحل الأولى على الأقل، وإنما سنلمس ذلك دون شك على المدى الطويل، بإذن الله.

 

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. علي الطخيس

بدأت الورقة الرئيسة بتعريف الاقتصاد الأزرق وأهميته على المستوى العالمي مع تسليط الضوء على تاريخ جزء من هذا الاقتصاد في المملكة العربية السعودية والتطورات التي تمَّت عليه، مع العلم أن مصطلح الاقتصاد الأزرق لم يكن مُستعَملًا من قبلُ، فهذا المصطلح حديث، أما عناصر هذا المصطلح أو بعضها فمعروفة على مرِّ العصور.

اهتمت وزارة البيئة والمياه والزراعة بجانب كبير من الاقتصاد الأزرق، وعلى الأخص ما له علاقة بصيد الأسماك ومشاريع الاستزراع السمكي ومشاريع الروبيان. كما نظَّمت بعضَ ورش العمل عن مشاريع الاستزراع المائي في المياه الداخلية، أي على المياه الجوفية، ويُقصد بذلك الاستزراع السمكي.

يشمل الاقتصاد الأزرق أنشطةً متعددةً، منها على سبيل المثال وليس الحصر ما يأتي:

  • مهنة الغوص قديمًا لتجميع اللؤلؤ من أصداف المحار، وهذه مهنة الآباء والأجداد المقيمين في المناطق الساحلية، وقد تطورت هذه المهنة حتى وصلت إلى إنتاج لؤلؤ صناعي.
  • صيد الأسماك في مياه الخليج العربي ومياه البحر الأحمر.
  • تربية الأحياء المائية في المزارع الداخلية على المياه الجوفية.
  • تحلية مياه البحار وتنقية المياه الجوفية للحصول على مياه الشرب النقية.
  • النقل البحري بين الموانئ، وهذا النشاط لمَّا ينضج بعدُ في المملكة. ونوقش الموضوع قبل سنوات في مجلس الشورى، وطلب قيام الجهات الحكومية ذات العلاقة أن تتولى ذلك أو تُتاح الفرصة للقطاع الخاص بتسيير رحلات بحرية لنقل المسافرين ونقل البضائع كذلك من جدة إلى جازان مثلاً.
  • الشعاب المرجانية ونبات الشورى أو المانجروف المنتشرة على السواحل.
  • تطوير مناطق الغوص وتهيئتها لممارسي هذه الرياضة، واستغلالها في السياحة والترفيه.
  • تسيير رحلات سياحية وترفيهية في مياه البحر الأحمر والخليج العربي، وهذا الجانب لمَّا يصل بعدُ إلى المستوى المطلوب.
  • استثمار الجزر الكثيرة سياحيًّا واقتصاديًّا خاصة في البحر الأحمر، مثل جزيرة فرسان، واستغلال الميزة النسبية هناك، وهي صيد سمك الحريد في وقت محدد من السنة وفي مكان محدد يعرفه أهالي الجزيرة، حيث تُقام سنويًّا مسابقة بين الأهالي لصيد سمك الحريد، ويفوز بهذه المسابقة مَن يصيد أكثر. كما تشتهر الجزيرة بوجود مواقع نموذجية لهواة الغوص في المياه الدافئة، بالإضافة إلى نظافة الجزيرة من الناحية البيئية واعتبارها محمية طبيعية تُمكِّنها بأن تكون عامل جذب للسياحة ومصدرَ دخل يُعوَّل عليه مستقبلًا.
  • يعَدُّ مشروع نيوم شمال البحر الأحمر أحد المشاريع الرائدة ومثالًا ممتازًا للاقتصاد الأزرق، حيث تتجلى فرص الاستثمار برأس المال المحلي والأجنبي لتطوير هذا المشروع العملاق.

الذهب الأزرق:

عقدت وزارةُ المياه في فترة أول وزير للمياه الدكتور غازي القصيبي (رحمه الله) بالتعاون مع جمعية علوم وتقنية المياه والأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية مؤتمرَ الخليج السادس للمياه خلال الفترة 5-9/1/1424هـ (مارس 2003) تحت عنوان ” الماء في دول مجلس التعاون… من أجل تنمية مستدامة ” وبصفتي رئيس اللجنة المنظِّمة لهذا المؤتمر، فقد كان لي الشرف أن ألقيت كلمةً أمام راعي المؤتمر صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه الله، ووصفت الماء في كلمتي بالذهب الأزرق، وأفادني البعض بإعجابه بهذا الوصف، حيث لا يوجد آنذاك مصطلح يُطلق عليه الاقتصاد الأزرق.

الثروة السمكية في المملكة كجزء من الاقتصاد الأزرق:

تمتلك المملكة العربية السعودية مزايا نسبية تُعزِّز الاقتصاد الأزرق، منها طول السواحل البحرية على كلٍّ من الخليج العربي والبحر الأحمر. وقد اشتملت الورقة الرئيسة على أرقام وأشكال ورسومات بيانية مختصرة تُعبِّر عن أوجه الاقتصاد الأزرق، ولتوضيح الأمر أكثر بالنسبة للمهتمين بهذا النوع من الاقتصاد أوردتُ المعلومات الواردة بالورقة على هيئة جداول كما يلي:

  • جدول رقم (1) يُبيِّن أعداد مراكب صيد الأسماك في الخليج العربي والبحر الأحمر خلال الفترة من عام 1996 حتى عام 2018م.
  • جدول رقم (2) يشتمل على عدد ونسبة الأرصدة السمكية ضمن مستوى مستدام بيولوجيا بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من عام 2010 حتى عام 2018م.
  • جدول رقم (3) يُوضِّح أعداد القوى العاملة في مجال صيد الأسماك من 1995-2018.
  • جدول رقم (4) إجمالي المصيد من المصائد البحرية والاستزراع السمكي في المملكة خلال الفترة من 2001 حتى 2018.
  • جدول رقم (5) يمثل الإنزال السمكي حسب المناطق في البحر الأحمر خلال الفترة من 2007-2018م.

جدول رقم (1): يُوضِّح أعداد مراكب صيد الأسماك في الخليج العربي والبحر الأحمر من 1996م إلى 2018م

الخليج العربي البحر الأحمر
السنوات تقليدي صناعي تقليدي صناعي الإجمالي
1996 1931 45 5055 126 7157
1997 1988 40 5428 130 7586
1998 1813 40 6051 128 8032
1999 1905 34 6647 135 8721
2000 1825 34 7611 149 9619
2001 1814 34 8218 154 10220
2002 1799 34 8795 157 10785
2003 1810 29 9752 156 11747
2004 1843 29 10020 154 12046
2005 1827 26 10102 158 12113
2006 1827 28 9833 158 11846
2007 1837 28 9833 158 11856
2008 1859 28 9855 158 11900
2009 1887 28 9898 158 11971
2010 1937 28 9948 158 12071
2011 2005 28 9998 164 12195
2012 2132 5 8258 168 10563
2013 2145 5 8548 169 10867
2014 2120 5 7049 164 9338
2015 2240 5 7192 158 9595
2016 3768 5 6173 108 10054
2017 2056 5 7006 157 9224
2018 2128 5 8653 158 10944

جدول رقم (2): يُوضِّح عدد ونسبة الأرصدة السمكية ضمن مستوى مستدام بيولوجيًّا بالمملكة للأعوام من 2010م إلى 2018 م

السنوات 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
عدد الأرصدة ضمن مستوى مستدام بيولوجيًّا (طن متري) 65066 63167 71391 61768 67995 64882 66538 66401 68003
نسبة الأرصدة السمكية ضمن مستوى مستدام بيولوجيًّا (%) 71 79 80 87 74 62 62 54 48

جدول رقم (3): يُوضِّح أعداد القوى العاملة في صيد الأسمال خلال الفترة من 1995م إلى 2018م

الصيَّادون عمال الصيد الإجمالي
سعودي غير سعودي
1995 6622 2069 11772 20463
1996 6111 2209 12006 20326
1997 6236 1881 12122 20239
1998 6352 1934 12061 20347
1999 7246 1854 12580 21680
2000 6966 1771 13354 22091
2001 8174 1719 14286 24179
2002 8699 1753 14718 25170
2003 9259 1647 15960 26866
2004 9540 1684 16816 28040
2005 9207 1783 16996 27986
2006 9899 1764 16234 27897
2007 9900 1775 16400 28075
2008 9915 1995 16200 28110
2009 1000 2025 16200 19225
2010 10050 2105 16200 28355
2011 10270 2100 16331 28701
2012 9465 2147 16698 28310
2013 9379 2117 16409 27905
2014 9881 2155 15422 27458
2015 9639 2964 17112 29715
2016 7282 2413 14771 24466
2017 9223 1908 16912 28043
2018 8832 3716 17822 30370

جدول رقم (4): يُوضِّح إجمالي المصيد من المصائد البحرية والاستزراع السمكي في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 2001م إلى 2018م

  المصائد البحرية الاستزراع السمكي الإجمالي

(8+11)

(12)

البحر الأحمر الخليج العربي المياه الدولية

(7)

الإجمالي (3+6+7)

(8)

استزراع مياه عذبة

(9)

استزراع مياه مالحة

(10)

الإجمالي (9+10)

(11)

مصائد تقليدية

(1)

مصائد صناعية

(2)

الإجمالي (1+2)

(3)

مصائد تقليدية

(4)

مصائد صناعية

(5)

الإجمالي (4+5)

(6)

2001 17,389 5,812 23,201 27,993 225 28,218 3,912 55,331 3,918 2,086 6,004 61,335
2002 15,769 6,487 22,256 32,947 276 33,223 1,732 57,211 1,884 4,860 6,744 63,955
2003 13,805 7,360 21,165 33,237 143 33,380 895 55,440 2,470 9,389 11,859 67,299
2004 13,238 7,210 20,448 34,884 77 34,961 10 55,419 2,306 8,866 11,172 66,591
2005 15,779 7,535 23,314 26,970 120 27,090 0 50,404 2,934 11,441 14,375 64,779
2006 15,819 7,616 23,435 41,960 78 42,038 0 65,473 3,427 12,159 15,586 81,059
2007 17,770 8,940 26,710 39,903 149 40,052 0 66,762 3,606 14,832 18,438 85,200
2008 18,305 9,209 27,514 41,104 153 41,257 0 68,771 4,350 17,892 22,242 91,013
2009 18,010 9,061 27,071 40,443 151 40,594 0 67,665 5,167 21,255 26,422 94,087
2010 17,339 8,723 26,062 38,935 145 39,080 0 65,142 5,157 21,212 26,369 91,511
2011 17,155 8,635 25,790 37,341 36 37,377 0 63,167 4,532 11,544 16,076 79,243
2012 17,324 8,806 26,130 45,190 71 45,261 0 71,391 5,073 12,210 17,283 88,674
2013 18,083 6,383 24,466 37,235 67 37,302 0 61,768 5,610 3,580 9,190 70,958
2014 18,677 5,256 23,933 43,986 76 44,062 0 67,995 6,060 17,810 23,870 91,865
2015* 17,940 5,122 23,062 41,755 65 41,820 0 64,882 6,825 31,945 38,770 103,652
2016* 18,176 5,180 23,356 43,123 59 43,182 0 66,538 7,710 32,570 40,280 106,818
2017* 18,058 5,211 23,269 43,080 52 43,132 0 66,401 8,500 46,500 55,000 121,401
2018* 18,191 5,825 24,016 43,928 59 43,987 0 68,003 6,546 65,766 72,312 140,315

جدول رقم (5): يُوضِّح الإنزال السمكي حسب المناطق في البحر الأحمر خلال الفترة من 2007م إلى 2018م

  المنطقة الإجمالي الكلي

(1+2+3)

القطاع الشمالي القطاع الأوسط القطاع الجنوبي
منطقة تبوك منطقة المدينة المنورة الإجمالي (1) منطقة مكة المكرمة الإجمالي (2) منطقة عسير منطقة جازان الإجمالي (3)
2007 3,182 1,233 4,415 4,312 4,312 1,251 7,793 9,044 17,771
2008 3,278 1,270 4,548 4,442 4,442 1,289 8,028 9,317 18,307
2009 3,225 1,250 4,475 4,370 4,370 1,269 7,897 9,166 18,011
2010 3,105 1,203 4,308 4,207 4,207 1,222 7,603 8,825 17,340
2011 3,004 1,268 4,272 4,149 4,149 1,208 7,526 8,734 17,155
2012 3,116 1,218 4,334 4,084 4,084 1,231 7,675 8,906 17,324
2013 3,446 868 4,314 4,282 4,282 1,325 8,163 9,488 18,084
2014 2,439 1,647 4,086 5,304 5,304 1,306 7,981 9,287 18,677
2015* 2,396 1,400 3,796 5,228 5,228 1,299 7,617 8,916 17,940
2016* 2,401 1,551 3,952 5,196 5,196 1,275 7,753 9,028 18,176
2017* 2,372 1,509 3,881 5,117 5,117 1,279 7,781 9,060 18,058
2018* 2,389 1,609 3,998 5,190 5,190 1,260 7,743 9,003 18,191

دور وزارة البيئة والمياه والزراعة في مجال الثروة السمكية:

للوزارة جهودٌ طيبة في مجال الثروة السمكية، حيث كان هناك وكالة خاصة بالثروة السمكية ضمن هيكل الوزارة التنظيمي أيام وزارة الزراعة والمياه، ثم تحوَّلت الوكالة إلى إدارة عامة كجزء من تطوير هيكل الوزارة بعد ضمِّ البيئة والمياه إلى وزارة الزراعة. من إنجازات الوزارة الواردة في تقرير الوزارة عام 2018 المتعلقة بالثروة السمكية ما يلي:

  • طرح عدد (10) حقائب استثمارية لمشاريع الاستزراع المائي بنظام الأقفاص العائمة.
  • اعتماد شهادة أفضل الممارسات للاستزراع المائي.
  • إطلاق مشروع (صيَّاد) سعودي.
  • إطلاق شعار (سمك) والوصول إلى (150) منفذًا وفرعًا في المملكة.
  • توقيع اتفاقية تصدير الروبيان الأبيض إلى جمهورية الصين الشعبية.
  • توقيع مذكرة تفاهم مع جامعة الأميرة نورة لرفع معدل استهلاك الفرد من المنتجات السمكية إلى المعدل العالمي (20 كجم).
  • تجهيز عدد (6) مرافئ صيد.
  • تركيب أجهزة التتبُّع الآلي لعدد (2500) قارب صيد في الخليج العربي كمرحلة أولى.
  • ترقيم قوارب الصيد.
  • تحديث دليل الأمن الحيوي للأسماك وإجراءات التشغيل القياسية.
  • إطلاق برنامج الاستزراع السمكي في بحيرة دومة الجندل.
  • إدخال أصناف جديدة للاستزراع السمكي.
  • تطوير قاعدة بيانات الصيادين ومشروع أتمتة البرنامج الإحصائي.

دور صندوق التنمية الزراعية في تطوير الاقتصاد الأزرق:

بلغت قيمة تمويل القروض العادية لعام 2019 ما يلي:

  • معدات الصيد، وتشمل الشباك والقراقير حوالي 488,000 ريال.
  • قوارب الصيد وملحقاتها وبلغت 8,5 ملايين ريال.

وبالنسبة للمشاريع فكانت القروض على النحو التالي:

  • قوارب صيد، العدد 7 قروض بلغت 7,9 ملايين ريال بطاقة 2161 طنًّا /سنة.
  • تربية روبيان، العدد 19 قرضًا بلغت 599,1 مليون ريال بطاقة 39192.
  • تربية أسماك، عدد 3 قروض بقيمة 190,5 مليون ريال بطاقة 25300.
  • أسماك وروبيان، العدد 5 بقيمة 11,1 مليون ريال بطاقة 645.
  • أسماك وبيض كافيار، العدد 2 بقيمة 15,3 مليون ريال بطاقة 420.
  • أسماك، بعدد 20 بقيمة 46 مليون ريال وبطاقة 4533.

وبلغ إجمالي القروض منذ إنشاء الصندوق 1217 مليون ريال، و30 مليون ريال للمعدات والشباك.

 فوائد الاقتصاد الأزرق:

  • تعزيز الاقتصاد الوطني.
  • توفير جزء مهم من الأمن الغذائي.
  • زيادة الفرص الوظيفية.
  • تطوير السياحة من خلال عمل برامج سياحية لزيارة مشاريع الأسماك ومزارع الأسماك الداخلية المعتمدة على المياه الجوفية.
  • تطوير الأنشطة الرياضية المائية، مثل: رياضة السباحة، والغوص، وغيرها.
  • تصنيع مراكب الصيد ومعدات وشباك صيد الأسماك والصناعات المساندة.
  • قيام شركات استثمارية وطنية تعمل في مجال صيد وتخزين وتبريد وتوزيع وبيع الأسماك المحلية في مختلف مناطق المملكة.
  • العمل على زيادة نسبة السعودة ضمن عمال صيد الأسماك.

التوصيات:

  • ضرورة قيام وزارة البيئة والمياه والزراعة وصندوق التنمية الزراعية بزيادة التسهيلات المقدَّمة لصيادي الأسماك؛ من خلال تقديم الإعانات والقروض الميسرة لتطوير مراكبهم ومعدات صيد الأسماك.
  • تشجيع القطاع الخاص بزيادة مساهماته في الاستثمار في قطاع الأسماك.
  • عمل الدراسات التفصيلية لتقدير المخزون السمكي في مياه الخليج العربي، ومياه البحر الأحمر.
  • التوسُّع في صناعة ومهنة صيد الأسماك؛ لزيادة مساهمة الثروة السمكية في توفير جزء من الأمن الغذائي في المملكة، وتوفير فرص وظيفية إضافية لأبناء المناطق الساحلية.
  • دراسة جدوى النقل البحري بين المدن الساحلية لنقل المسافرين والبضائع.
  • استكشاف الثروات الطبيعية مثل النفط والغاز والثروة المعدنية في المياه الإقليمية للمملكة في كلٍّ من الخليج العربي والبحر الأحمر.
  • استغلال الجزر اقتصاديًّا وسياحيًّا، وإسناد هذه المهام للقطاع الخاص من خلال آلية يتفق عليها مع الجهات ذات العلاقة.
  • تصنيع مراكب صيد الأسماك ومعدات وشباك الصيد وغيرها.
  • ضرورة إنشاء شركة أو شركات وطنية تستثمر في صيد وتخزين وتبريد وتسويق الثروة السمكية في مختلف مناطق المملكة.

 

  • التعقيب الثاني: د. خالد الفهيد

في اعتقادي أن الموارد الطبيعية والبشرية في المملكة – ولله الحمد – بيئة مناسبة للاقتصاد الأزرق، ومن أهمها: توفُّر حوالي 1285 جزيرة، يوجد منها 1150 جزيرة في البحر الأحمر، و135 في الخليج العربي، وسواحل على امتداد 2600 كيلومتر.
ولعلِّي هنا أشير إلى أحد النماذج المتميزة في القطاع الخاص التي استفادت من دعم وتشجيع الدولة للاقتصاد الأزرق، وهي “المجموعة الوطنية للاستزراع المائي” في محافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، وهي عضو مُؤسِّس للتحالف العالمي لتربية الأحياء المائية، وربطت هذه المجموعة أهدافها مع رؤية المملكة 2030، وتضمُّ فريق عمل يتكون من حوالي 3000 موظف من 32 دولة يتحدثون 19 لغة، منهم أكثر من 500 موظف من الكوادر الوطنية، منها 149 عنصرًا نسائيًّا، وتصدِّر منتجاتها إلى أغلب قارات العالم.

وإضافةً إلى ما تضمنته الورقة الرئيسة من توصيات مقترحة، فمن المهم تعظيم الاستفادة من الجزر السعودية في المناطق الساحلية باختيار أنسبها لإيجاد تنمية مستدامة لأبناء السواحل وتهيئتها كفرص استثمارية للقطاع الخاص لإقامة بعض الصناعات والخدمات اللوجستية، مثل: إقامة مدينة أنعام متكاملة تشمل محاجر بيطرية للمواشي الحية التي يتم استيرادها من خارج المملكة ومسالخ، ويتم تصدير اللحوم منها داخليًّا لمناطق المملكة بشكل يومي للتغلُّب على مشكلة الأوبئة التي تصاحب استيرادها من خارج المملكة، وللمساهمة في تنظيم سوق اللحوم الحمراء. ويتم الاستفادة من مخرجات المسالخ بإقامة مصانع للصناعات الجلدية وغيرها؛ وهو ما يسهم في توفير فرص عمل بجانب ضمان سلامة الغذاء.

 

المداخلات حول القضية:

  • واقع الاقتصاد الأزرق ودوره في اقتصاد المملكة:

ذكر أ. فهد الأحمري أنه بفضل ما توصَّل له الاقتصادي البلجيكي “غونتر باولي” في كتابه المعنون بـ “الاقتصاد الأزرق: 10 سنوات، 100 ابتكار، 100 مليون فرصة وظيفية”، كان هذا الابتكار الحديث المسمَّى “الاقتصاد الأزرق” والمعتمد على الابتكار والإبداع لخلق فرص بيئية مسؤولة للجيل الحالي، ولا تضر بالأجيال المستقبلية، وتخدم مفهوم التنمية المستدامة على كافة أوجهها؛ كالمياه والصحة والتغذية والدخل. وقد خرج هذا المفهوم الاقتصادي ليغيِّر النظرة السائدة التي تشير إلى أن حماية البيئة تتعارض مع التنمية الاقتصادية، لتتجه النظرة الصحيحة إلى أن التنمية الفاعلة تعتمد على الموارد البيئية والاجتماعية بشكل متوازن غير مفرط. وهذا الاقتصاد يدعم المشاريع الصغيرة لتوفير موارد جديدة وفرص وظيفية عبر تحفيز ريادة الأعمال، وخلق برامج عملية مبتكرة من خلال إستراتيجية التنمية البحرية، وتطوير موارد الطاقة في البحار وبخاصة مع التطور التكنولوجي الحالي. ونحن وفي ظل الرؤية الجديدة، أحوج ما نكون للعناية بهذا الجانب الاقتصادي، والاستفادة من البحوث والتجارب العالمية، والعمل على التوعية بأهميته وبحث سُبل تطبيقه لخدمة تنميتنا الوطنية المستدامة مع الحفاظ على الموارد سواء طبيعية أو سمكية أو مائية.

وفي تصوُّر د. سليمان الطفيل، فإن هذا اللون من الاقتصاد يغطي المساحة الكبرى على وجه الكرة الأرضية، والمفترض أن يكون كذلك يحمل مخزونًا هائلًا من الثروات وملايين من الفرص. هذه الثروة – بفضل الله تعالى – لم تتركز في رقعة واحدة، بل توزعت في شكل محيطات وبحار وأنهار وبحيرات وجداول، وبعضها فوق الأرض وبعضها تحت الأرض، ومن الجبال والصخور تتدفق الينابيع والأنهار. كما توزَّع هذا الاقتصاد على القارات والدول، وكان للمملكة العربية السعودية – بفضل الله تعالى – نصيبٌ وافر منه، وفي أفضل الممرات المائية العالمية البحر الأحمر من الغرب، وكذا الخليج العربي من الشرق؛ لكن التساؤل المهم: ماذا استفدنا منهما؟ وكيف؟ وما حجم مساهمتهما في الناتج المحلي والاقتصاد الوطني؟ والاعتقاد أن وزارة الاقتصاد لديها دراسات متخصصة في هذا الجانب، وإنْ كان غير ذلك، فمن الواجب تقديم دراسة تفصيلية عن حجم الموارد الاقتصادية المتاحة في هذين الرافدين الأزرقين؛ ليستفيد منها صنَّاع القرار والمستثمرون والمهتمون كذلك حتى يمكن جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية لهذا الاقتصاد الذي سيكون رافدًا اقتصاديًّا وبديلًا عن النفط للأجيال القادمة، إن شاء الله تعالى. وتتزايد أهمية ذلك بالنظر إلى أن ثمة صناعات عديدة مرتبطة بالاقتصاد الأزرق (المياه والمعادن البحرية، والثروة السمكية بأنواعها، والمرجان، والمدن العائمة، والمدن الزجاجية في قاع البحر، والمدن الترفيهية، والسفن والقوارب وأدوات الصيد، وأطعمة الصيد… إلخ)؛ فجميعها مجالات للصناعة البحرية والمائية المثمرة بجانب الموانئ البحرية بالطبع، ومناطق الحاويات وتجارة الاستيراد والتصدير ومنصات النفط والتدريبات العسكرية.

وأكدت أ. فائزة العجروش أن التوجُّه والاهتمام بالاقتصاد الأزرق قد لا تكون نتائجه واضحةً الآن، ولكن كما يقولون: ليس العبرة في البدايات المتواضعة ولكن العبرة باكتمال النهايات، والنتائج المتحققة للآن تعتبر مُشجِّعة، وكما تم الإشارة في الورقة الرئيسة، فإن فرص النجاح شبه مؤكدة لهذا القطاع في المملكة لتوافر عوامل عديدة، يُضاف إليها ما أوضحه نائب الرئيس التنفيذي للبرنامج الوطني لتطوير قطاع الثروة السمكية مصلح الزبيدي من بيانات في لقاء له، وهي كالتالي:

  • أن حجم الإنتاج الوطني للمملكة من “الاستزراع المائي السمكي” وصل إلى 40 ألف طن تقريبًا، حتى الربع الثالث من عام (2019).
  • أن عدد المشاريع المُنتِجة لـ “الاستزراع المائي السمكي” في مختلف مناطق المملكة بلغ 150 مشروعًا في 2019م، مقارنة بـ 83 مشروعًا خلال عام 2018م.
  • أن حجم الإنتاج الوطني من جميع مشاريع الاستزراع السمكي في المملكة في 2018 ارتفع إلى 75 ألف طن مقابل 55 ألف طن في 2017، وهو ما يتسق مع أهداف وزارة البيئة والمياه والزراعة في زيادة مشاريع الأمن الغذائي.
  • أن وزارة البيئة والمياه والزراعة تستهدف أن يصل الإنتاج إلى 100 ألف طن سنويًّا من مختلف الأنواع البحرية بحلول 2020، و600 ألف طن سنويًّا في العام 2030.

ويرى م. إبراهيم ناظر أن إعادة التفكير في أساليب تنمية الاقتصاد التقليدية أصبحت الشغل الشاغل منذ زمن لمسؤولي الدول المتقدِّمة والمستثمرين والمستهلكين ولمراكز التفكير في العالم؛ لأن الاستمرار على هذا الأسلوب التقليدي واستنزاف الموارد الطبيعية سوف يؤدي إلى كارثة بيئية لا محالة، وقد تنبأ السيد Mathis Wackernagel مؤسس شبكة البصمة العالمية بأننا تجاوزنا في استغلالنا للأرض مقدار ١.٧٥ مرة بدون عواقب مدمرة، ناهيك عن ظاهرة الاحتباس الحراري والتغيُّر المناخي والغازات الدفيئة وغيرها من التدمير الممنهج للبيئة وتلويث الهواء والماء.  وتشير الإحصاءات أنه في عام ٢٠٣٠ سترتفع كمية البلاستيك في البحار بنسبة ٤٠٪؜ على ما هي عليه الآن، ولن نستطيع تجميع سوي ١٤٪؜.  في ظل كل هذه الظواهر السلبية والاستنزاف للموارد، تم إعادة التفكير والمناداة بمفاهيم ومداخل جديدة من أجل استدامة التنمية ككل، وعلى مستوى الاقتصاد الوطني والشركات والمستثمرين والمستهلكين، فأصبحنا نسمع بالاقتصاد الأزرق والأخضر والتشاركي والدائري؛ وكلها تصبُّ في تغيير أساليب الإنتاج وأنماط الاستهلاك غير المستدام، والمحافظة على الموارد الطبيعية، وتحقيق التوازن والتنمية البيئية، وهي أساس استمرار الإنسان وازدهاره الاقتصادي. ولكن القضية التي يجب أن نهتم بها هي التأسيس للبنية التحتية والتقنيات الذكية والطاقة المتجددة والمياه والاتصالات والنقل والمرافق العامة والمباني وفرز النفايات وغيرها، اللازمة لتطبيق تلك المفاهيم الجديدة، وهي مفاهيم شمولية (الاقتصاد الأزرق والأخضر والتشاركي والدائري) في الاستثمار والصناعة والزراعة بكل أنواعها والخدمات، وكل الأنشطة الاقتصادية، والمزيد من البيانات حول تدفق المواد، والمزيد من الشراكات في سلاسل القيمة، وتطوير الأبحاث والابتكار، وتلك المفاهيم  شمولية لا يمكن تطبيقها – في رأيي – بشكل مُجزَّأ، وتحتاج إلى وقت وبنى أساسية.

وتطرقت أ. فائزة العجروش – في إطار تعليقها على ما ورد في تعقيب د. علي الطخيس – إلى بعض الجوانب المتعلقة بالاقتصاد الأزرق: واقعه ومحاولات تنميته، حيث أشارت إلى ما يلي:

  • الغوص لاستخراج اللؤلؤ الطبيعي، وهي الصناعة التي وضعت منطقة الخليج الصغيرة بقوة على الخريطة ‏الدولي قبل اكتشاف النفط في عشرينيات القرن الماضي، وقبل صناعة النفط المزدهرة. وبلا شك عندما تضع ‏المملكة خططًا توسعية جديدة لإعادة البريق لصيد اللؤلؤ الطبيعي، وإنشاء مزارع متخصصة لاستزراع ‏وإنتاج اللؤلؤ الصناعي؛ ستدعم تلك الخطط الاقتصاد، وتدعم التنمية السياحية من خلال الآتي:‏
  • استهداف أسواق سياحية جديدة للآلئ العربية النفيسة الطبيعية المُستخرَجة من مياه الخليج الدافئة التي ‏لا تزال تحظى بالقبول العالمي، وتُباع على مر العصور. إذ تتحلى اللآلئ فيه ببريق فريد ‏من نوعه؛ نظرًا ‏لاختلاط تيارات مياه عذبة ومالحة في المنطقة، حتى مع ازدهار صناعة اللآلئ ‏المستنبتة في اليابان التي ‏أخذت جزءًا من تلك الأهمية؛ لأن الاختلافات واضحة في الجودة العالية ‏والبريق المتألق.‏
  • إقامة الأنشطة السياحية والمسابقات الدولية المتعلقة بالغوص لاستخراج اللؤلؤ باستهداف السياح العاشقين للطبيعة والراغبين في التعرف عن قرب على كنوز البيئة البحرية للمملكة وثقافة وتاريخ اللؤلؤ ‏السعودي بشكل ممتع وشيق ومفيد وصديق للبيئة. ‏
  • تحويل بعض من هذه المزارع إلى منشآت سياحية كمنتج سياحي جديد، وكمنصة سياحية لكافة ‏الأعمار والثقافات والجنسيات المهتمة باكتشاف الإرث التاريخي للمملكة.‏ ‏
  • تشجيع إقامة صناعات لتصميم الحلي والمجوهرات المطعمة باللؤلؤ الطبيعي أو المزروع، على يد ‏مصممين ومصممات من أبنائنا السعوديين المبدعين، تحت شعار “صُنِع في السعودية”، وفق رؤية الاستدامة ‏البيئية، بإعادة إحياء صناعة وتجارة تميز ونجح فيها أجدادنا الأولون.‏
  • استغلال المهرجانات المقامة في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى إقامة الفعاليات الخليجية بالتعاون مع بعض دول المجلس، ‏‏لإعادة الأمجاد والبريق لاستخراج اللؤلؤ؛ لأن الكثير من أهل الخليج نسوا تقاليد استخراج اللؤلؤ ‏‏الطبيعي من البحر، ولا سيما أن الخليج العربي يملك أفضل أنواع اللؤلؤ.‏
  • ‏‏دور صندوق التنمية الزراعية في تطوير الاقتصاد الأزرق، ومن البيانات التي استعرضها د. علي في تعقيبه نستخلص ‏الآتي:‏
  • أن أكبر مبالغ قدَّمها الصندوق كانت للقروض المخصصة لمشاريع ‏تربية الأسماك، وعددها 3 ‏قروض بقيمة 190,5 مليونًا، بطاقة 25300‏ طن /سنة ‏+ ‏20 قرضًا بقيمة 46 مليون ريال بطاقة ‏‏4533‏ طن /سنة‏، تليها ‏قروض تربية الروبيان بعدد 19 قرضًا حيث بلغت 599,1 مليون ريال‏ ‏بطاقة 39192‏.‏
  • يلاحظ تدني المبالغ المخصصة للقروض العادية لكل من قوارب الصيد ومعداته حيث بلغت ما ‏يقارب ال 9 ملايين ريال، وتدنيها كذلك لقروض المشاريع الخاصة بقوارب الصيد والتي بلغت ما ‏يقارب 8 ملايين ريال فقط. وهذا ما يزيد من أهمية إيلاء صناعة السفن وقوارب الصيد أهمية ‏خاصة؛ بتحفيز المستثمرين وخفض نسبة الفوائد والإعفاءات الضريبية التي تساعد على نمو هذه ‏الصناعة المطلوبة عالميًّا. ‏
  • ‏من بيانات الجدول الخاص بأعداد مراكب صيد الأسماك في الخليج العربي والبحر الأحمر خلال الفترة من ‏‏1996م إلى 2018م، يتضح الآتي:‏
  • هناك تركيز على الصناعة غير التقليدية (الصناعية) للمراكب، حيث تطوَّرت بشكل كبير في البحر الأحمر، ‏في حين أُهملت هذه الصناعة في الخليج خاصة في عام 2017. وارتفعت نسبة النمو بشكل كبير ووصلت إلى ‏‏45 % في 2017 م بعد أن كانت بالسالب في 2016 (-32%). ‏
  • خلال السنوات الأخيرة من بداية 2011 م، كان هناك انخفاض كبير وهو يحتاج لتفسير؛ فقد تناقص ‏العدد من 28 في عام 2000م إلى 5 فقط، وأصبحت النسبة بالسالب (-81%) بدون أي نمو يُذكر إلى عام ‏‏2018م، فيما تطوَّرت الصناعات التقليدية بمتوسط سنوي 5.4% خلال الفترة من 2011م إلى 2018م.
  • هناك توجُّه لتطوير هذه الصناعة في البحر الأحمر بشكل يفوق مثيلتها في الخليج العربي، حيث بلغ معدل ‏النمو السنوي لها في المنطقتين على التوالي 23%، وحوالي 4%.‏

وأضافت أ. فائزة العجروش أنه يلاحظ من جدول أعداد القوى العاملة في صيد الأسماك خلال الفترة من ١٩٩٥-٢٠١٨م، ما يلي:

  • زاد إجمالي أعداد الصيادين في الفترة من عام ١٩٩٥م إلى عام ٢٠١٨م، بنسبة تُقدَّر بحوالي ٣٣,٤٪؜. وتعَدُّ هذه نسبة ضعيفة حدثت خلال ٢٣ عامًا، ولا تتفق مع التوجه الحالي لتنمية وتطوير قطاع التنمية السمكية ومشاريع الاستزراع المائي، فهل هذا يعود لاستخدام التكنولوجيا المتطورة في عملية الصيد؟!
  • ارتفعت أعداد عمال الصيد السعوديين بنسبة قدرها ٧٩,٦٪؜ خلال نفس الفترة، مقارنةً بنفس النسبة لدى عمال الصيد غير السعوديين التي بلغت ٥١,٤٪؜، ورغم أن النسبة مُبشِّرة بالخير وتشير لتفوق نسبة الزيادة في أعداد السعوديين عن الزيادة في غير السعوديين للعمل في هذا القطاع؛ لكن من الغريب أن نسبة السعوديين كانت حوالي ٥١٪؜ من إجمالي عمال الصيد، والبالغ عددهم ١٣٨٤١ عاملًا في عام ١٩٩٥م، في حين انخفضت نسبة السعوديين في عام ٢٠١٨م ووصلت إلى ١٧,٣ ٪ فقط من إجمالي العمال في الصيد، والبالغ عددهم ٢١٥٣٨ عاملًا، ورغم ارتفاع أعداد السعوديين في هذا المجال خلال تلك السنين، لكن أعدادهم لا تزال منخفضةً مقارنة بغير السعوديين.

وذكر د. ناصر القعود أن الأنشطة الإنتاجية للاقتصاد الأزرق عديدة، ومرجعيتها تعود إلى عدد من الجهات الحكومية (البيئة والمياه والزراعة، النقل، الطاقة،…) والسؤال المطروح: كيف نُنسِّق بين هذه الجهات بما يضمن الاستخدام الأمثل والمستدام لموارد البحار؟

وبدورها أكدت أ. فائزة العجروش أنه يمكن تحقيق هذا التنسيق بتوحيد الجهود كلها تحت منصة واحدة، وبخُطط استرشادية، ومنهج مُحدَّد المهام والمسؤوليات بمساعدة الإستراتيجية الوطنية للاقتصاد الأزرق. ولكن يجب ألا نُنكر أن هناك جهودًا مبذولة ومقدَّرة وحملات موسَّعة من وزارة البيئة والمياه والزراعة، بالتعاون مع البرنامج الوطني والجمعية السعودية للاستزراع المائي، لا بد من التعريف بها، ومن أهمها:

  1. الترويج عن المأكولات البحرية لزيادة استهلاكها في المملكة وصولًا للمعدل العالمي.
  2. ما قامت به الجمعية السعودية للاستزراع المائي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) من إقامة ورش عمل؛ لمناقشة آفاق وتحديات زيادة استهلاك المأكولات البحرية في المملكة.
  3. حرص وزارة البيئة والمياه والزراعة على إقامة ورش عمل؛ للتأكيد على مزيد من الرقابة لمشاريع الاستزراع المائي، وتطبيق معايير واشتراطات الأمن الحيوي لضمان قيام صناعة استزراع مائي مسؤولة ومستدامة.

ومن جديد تساءل د. ناصر القعود: كيف يمكن تفسير تناقص عدد مراكب الصيد الصناعية في الخليج العربي مقابل زيادتها في البحر الأحمر؟ ومن وجهة نظر د. علي الطخيس، فإن تناقص عدد مراكب الصيد الصناعية في الخليج مقابل زيادتها في البحر الأحمر ربما يعود إلى الاضطرابات السياسية وكثرة السفن الحربية والتجارية وناقلات النفط، وصغر مساحة الخليج ومحدودية المياه الإقليمية للخليج الذي تحيط به ثماني دول؛ في حين يرى أ. محمد الدندني أن التلوث له دور أيضًا بجانب الصيد المتزايد.

أما م. سالم المري فتطرق إلى عقبة رئيسة تواجه المستثمرين والصيادين في البحار، وهي صعوبة وتعقيد إجراءات دخول البحر والشواطئ من قِبل سلاح الحدود. الناس يجدون صعوبة كبيرة للاستفادة من الشواطئ والبحار الواسعة التي رزقنا بها الخالق سبحانه، بسبب تصرفات وتعقيدات المقصود منها المصلحة العامة، ولكنها مع الوقت أصبحت عائقًا أمام كل مَن يرغب في الاستفادة من البحر أو الشاطئ. فالأصل دائمًا للأسف أصبح المنع، حتى الصيد الراجل أو النزهة على الشاطئ ممنوع في غالبية الشواطئ. ولذلك، فإن هذه الإجراءات بحاجة إلى مراجعة وتنظيم من قِبل جهات مختصة مختلطة وليست أمنية بحتة؛ بل يجب أن تشاركها الجهات المهتمة بالاقتصاد، بحيث تؤخذ في الاعتبار وبتوازن المصلحة العامة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

ويرى د. صدقة فاضل أن هناك ضرورةً متزايدة لاستغلال الثروة البحرية الهائلة، وخاصة في المملكة التي تمتلك سواحل طولها حوالي 3000 كيلو متر، حيث تبرز أهمية الاستفادة من هذه الثروة الزرقاء. وربما يكون من الملائم إنشاء وزارة (أو هيئة عامة) خاصة للثروة البحرية تتناسب مع أهمية الثروة الزرقاء. حيث إنَّ وزارة البيئة والمياه والزراعة كاهلها مثقل بأمور عدة، تجعلها غير قادرة على الاهتمام – كما يجب- بالاقتصاد الأزرق، بمفهومه الواسع.

إلا أن د. علي الطخيس يرى صعوبة تحديد جهة واحدة لتتولى موضوع الاقتصاد الأزرق؛ لتشعُّبه وكثرة الجهات ذات العلاقة به، مثل: الثروة السمكية وتربيتها والاهتمام بها واستزراعها، ومحطات تحلية المياه المالحة سواء أكانت مياه بحر أو مياه جوفية، وتوليد الطاقة من السدود وتوفير مياه الشرب والتعرفة المناسبة للاستثمار فيها، ناهيك عن الرياضات المائية والغوص والنقل البحري وتطوير السياحة الساحلية، وغيرها الكثير. يمكن تجزئة الأنشطة وإقامة شركات محلية وأجنبية للاستثمار فيها. في حين ذهبت أ. فائزة العجروش إلى أن الحل الأمثل هو العمل تحت منصة واحدة تحت مُسمَّى الإستراتيجية الوطنية للاقتصاد الأزرق تتبع وزارة البيئة؛ لتوحيد الجهود المبذولة من كلِّ الجهات ذات العلاقة، بوضع خطط إستراتيجية على المديين المتوسط والطويل وخارطة طريق ومنهج تنموي إستراتيجي مستدام مُحدَّد المهام والمسؤوليات لكل جهة.

بينما ذهب د. خالد الرديعان إلى أنه من الملاحظ أن البحر الأحمر بشواطئه الطويلة (نحو ٢٠٠٠ كم) يكتنز بثروات هائلة إضافةً للأسماك والنشاطات البحرية الترفيهية، فهناك مثلاً الشعب المرجانية، وهناك حيوان الإسفنج الذي يوجد في أعماق البحر بحدود ٦٠ مترًا بتعدُّد أشكاله، وأنه يتم استخراجه لاستخدامات متعددة؛ بعضها استخدامات منزلية، وبعضها استخدامات طبية. وبالتأكيد فمن المهم الإفادة من هذه الثروات المتنوعة، في مجالات عدة، منها المجال الدوائي، كما أشارت إحدى الأوراق العلمية لد. فراس لافي من جامعة الملك عبد الله (مركز أبحاث البحر الأحمر)، حيث أوضحت أن مخلوق الإسفنج المتواجد في البحر الأحمر يحوي مركبات دوائية يمكن تطويرها واستخدامها في علاج  بعض أنواع السرطان، وهنا قد يكون أمامنا فرص اقتصادية دوائية في تطوير أدوية جديدة ([1]).

ومن ناحية أخرى، تساءل د. إبراهيم البعيز عن مدى صحة المعلومة التي تفيد بأن ناقلات النفط القادمة إلى الخليج لا تستطيع الإبحار فارغة؛ لذا تأتي معبأةً بالمياه – وهذه المياه يتم تفريغها في الخليج قُبيل التعبئة بالبترول – وهي بالطبع مياه ملوثة ببقايا النفط في الخزانات، وإنْ كان الأمر كذلك، فما هي الإجراءات المتخذة للحد من التلوث؟ ومن ناحيته ذكر أ. محمد الدندني أن كل ناقلات النفط تحتاج ما يُسمَّى ballast water لتبقي على اتزانها، والاعتقاد أنه يوجد أنظمة الآن لمعالجة الماء على ظهر الناقلة قبل تفريغه ولكن التقنيات تختلف.

وأوضح د. علي الطخيس أن موضوع الاستفادة من المياه المحملة على ناقلات النفط وهي قادمة وتعود محملة بالنفط الخام نُوقش من أكثر من (٤٠) سنة في وزارة الزراعة والمياه سابقًا، ورفضت الفكرة لأسباب، منها:

  • قد تستغل هذه الطريقة وسيلة ضغط على المملكة، وقد يأتي اليوم الذي يتحد فيه مُلَّاك السفن في مختلف دول العالم على فرض أسعار باهظة على مياه السفن، وربما استغلال الأمر كوسيلة ضغط سياسي أيضًا.
  • هذه المياه بحاجة إلى معالجة وتعقيم وتشييد خزانات كبيرة للمياه الخام، وخزانات أخرى لهذه المياه بعد معالجتها تنشئها المملكة لتكون المياه صالحة للشرب، وهذه التكاليف تعادل بناء محطات تحلية على مناطق متباعدة نوعًا ما على ساحل الخليج، وإقامة محطات ضخ وأنابيب نقل تعدُّ تكاليف إضافية تحدُّ من الجدوى الفنية لتخزين مياه الناقلات.
  • بالتأكيد يوجد أنظمة وضوابط وشروط لمواصفات المياه التي تحملها السفن وهي قادمة للخليج، فهناك ثماني دول تتبع نفس الأسلوب. السؤال هنا: هل هذه المياه يتم التخلص منها في بحر العرب قبل دخولها مياه الخليج؟
  • يوجد مؤسسات ومراكز أبحاث في معظم دول الخليج تراقب أيَّ تلوث يحدث لمياه الخليج، وتتخذ الإجراءات الوقائية والعلاجية أولًا بأول.

‏ وأشار د. علي الطخيس إلى أن هناك نوعًا مهمًّا من الاستثمار في الاقتصاد الأزرق، يتمثل فيما قامت به “نيوم” من حيث إنشاء أول محطة في العالم لتحلية المياه بتقنية القبة الشمسية، حيث وقَّعت شركة “نيوم” اتفاقية مع شركة “سولار ووتر”، لإنشاء أول محطة في العالم لتحلية المياه بتقنية “القبة الشمسية” في شمال غرب المملكة، لإنتاج مياه نظيفة عذبة منخفضة التكلفة وبطريقة صديقة للبيئة. وسيبدأ العمل في إنشاء أول “قبة شمسية” في شهر فبراير القادم، ومن المتوقع الانتهاء بحلول نهاية عام ٢٠٢٠، كما تهدف إلى الحدِّ بشكل كبير من التأثير البيئي لعملية تحلية المياه من خلال إنتاج كميات أقل من المحلول الملحي. ويدعم هذا المشروع أهداف الاستدامة التي وضعتها الوزارة، كما هو مُوضَّح في الإستراتيجية الوطنية للمياه ٢٠٣٠، ويتماشى تمامًا مع أهداف التنمية المستدامة المحددة من قِبل الأمم المتحدة. كما يساعد على إنتاج مياه عذبة منخفضة التكلفة.

وفي ضوء ذلك، تساءل أ. عبد الرحمن باسلم: أين جامعاتنا من تطوير تقنيات سعودية لمعالجة مياه البحر؟ متى نوقف الشراء ونُطوِّر نحن؟  وأضاف م. إبراهيم ناظر أن هذا تساؤل في محله؛ فالسعودية أكبر دولة في العالم في تحلية المياه بسعة 2 مليار متر مكعب، ومنذ أكثر من ٤٠ عامًا المفروض أننا دولة مُصدرة للمعرفة والتقنية في مجال تحلية المياه المالحة؛ لكن للأسف لا نزال مستوردين.

وبدوره أوضح د. علي الطخيس أنه ومع الأسف، فإن توطين تقنيات تحلية مياه البحر تسير ببطء شديد، في الوقت الذي يُفترض أن نكون من الدول المتقدِّمة في صناعة التحلية. وتشترك كلٌّ من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في إنشاء محطة تحلية بالخفجي على الطاقة الشمسية، وذلك منذ نحو عشر سنوات. وتقوم المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بإعادة إعمار وتأهيل محطات التحلية التي تنتهي أعمارها الافتراضية.

وعرضت د. عبير برهمين لبعض المعوقات التي قللت من حجم الاستفادة من الاقتصاد الأزرق، كما يلي:

  • أن ثقافة استهلاك لحوم الأسماك وأوراق البحر لدينا كشعب لا تزال ضعيفة. وما لا نقبل عليه لا نسعى لتطويره كصناعة أو تجارة، للأسف.
  • هناك كثيرٌ من الأفكار التي يمكن تنفيذها في قطاع الاقتصاد الأزرق، لكن تكلفتها على الأفراد عالية. كمثال، رحلات الصيد البحري إنْ لم تكن صيادًا أبًا عن جَد أو لم تكن هاويًا للصيد حتى النخاع للرياضات البحرية، فلن تجد وسيلة سهلة ومناسبة لممارسة الصيد، ولا تكلفك مبلغًا ضخمًا.
  • غياب مفهوم جمعيات المجتمع المدني غير الربحية والنقابات المهنية ساهم في إضعاف استغلال الاقتصاد الأزرق على مستوى الأفراد، رغم أنه كان هناك فيما سبق ما يُسمَّى بشيخ الصيادين، وكذا هناك شيخ لكل صنعة ومهنة، وهو ما يعادل رئيس نقابة ما في المجتمع المدني الحديث. وكانت من مهام الشيخ أن يقوم بتنظيم أمور الصيادين، والوقوف لمساعدة من تمر به ضائقة، والفصل بين المتنازعين، وتشجيع أبناء الصيادين لتعلُّم صنعة آبائهم. وللأسف، اندثر هذا المفهوم، وهجر أصحاب الصنعة صنعتهم، وتم استبدالهم بالعمالة الوافدة، وتدريجيًّا أصبحوا مسيطرين على هذا القطاع.
  • تداخل بعض الصلاحيات ذات الصلة بالاقتصاد الأزرق لأكثر من جهة حكومية، قد يعيق التقدُّم في بعض المشاريع الصغيرة والخاصة بالأفراد في القطاع الخاص.

 

  • وسائل النهوض بالاقتصاد الأزرق وزيادة مساهمته التنموية:

أشارت أ. فائزة العجروش إلى أنه كبداية مُبشِّرة بخير كثير قادم للمملكة من الاقتصاد الأزرق لدعم اقتصادنا الوطني، فقد تمَّ توقيع اندماج أربع شركات سعودية للاستزراع المائي (الشركات هي: ثروات للبحار، الشرق، جازادكو، أسماك تبوك) لتكوين كيان شركة جديد تحت مُسمَّى “شركة الاستزراع المائي المتقدمة”، وقيمتها السوقية تبلغ 500 مليون ريال، وتهدف إلى رفع الطاقة الإنتاجية للأسماك والروبيان إلى (300000) طن متري بحلول 2030، وتساهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة وخطة المملكة في تحقيق الأمن الغذائي. ويعَدُّ هذا بمثابة اندماج تاريخي لشركات الاستزراع السمكي الممتدة على سواحل البحر الأحمر تحت منظومة واحدة، ويعتبر خطوة رائعة وفي الاتجاه الصحيح، ليكون لهذا الكيان القوة والملاءة اللازمة لتطوير الاستزراع المائي، والمشاركة باستدامة الأمن الغذائي، ورفع المستوى الصحي في مملكتنا الغالية، وسيُحقِّق الأهداف المرجوة – بإذن الله – بالاهتمام المستمر من وزارة البيئة والمياه والزراعة ضمن الجهود المبذولة لتحقيق الإستراتيجية الوطنية لتطوير قطاع الثروة السمكية، وتعزيز دوره الاقتصادي في الناتج المحلي ودوره التنموي المستدام والمنافسة عالميًّا. وبلا شك فإن هذا الاندماج سيعطي قوة اقتصادية، وقدرة في التوسُّع إذا توفَّر لها حماية المنتج، وتم وضع آلية توازن بين كميات الإنتاج والاستيراد. والمأمول أن يكون المواطن هو المستفيد الأول من هذا الاندماج، وألا يكون ذلك على حسب صغار الشركات وتأثُّرها سلبيًّا بهذا الاندماج.

ويرى أ. فهد الصالح أننا نحتاج إلى فكر مختلف في استثمار مكونات الاقتصاد الأزرق الواعد أو استنساخ تجارب مَن سبقنا، كما أن من المهم أن تُطلق هيئة الرياضة مبادراتها في استثماره من خلال الاتحادات المعنية به؛ كاتحاد السباحة واتحاد الألعاب المائية، وطرحها بصيغة استثمارية ذات عائد مالي وليس خدميًّا؛ لأن ميزانياتها محدودة وإدارتها تقليدية. أيضًا، فمن المهم للغاية دعم الجمعيات التعاونية للصيد وجعله عملًا مؤسسيًّا، وتنظيم النشاط الفردي، ومراعاة الأمان للمستثمر في رزقه بدلًا من مضايقة الوافد له، والقرب من المستثمرين ومعرفة ما يواجههم من ضغوط أو تجهيزات لا يستطيعون توفيرها، وتشجيع دخول شركات أخرى وفتح المجال التنافسي. ومن ناحية أخرى، فمن المهم الإشارة إلى أن منظومة وزارة البيئة والمياه والزراعة أطلقت تسع مبادرات جديدة من أصل 59 مبادرة، ستسهم من خلالها في تحقيق أهم مستهدفات برنامج التحول الوطني 2020 المتمثلة في تحقيق الأمن المائي والغذائي بالمملكة، ورفع كفاءة الخدمات المختلفة، والمحافظة على البيئة، وابتكار حلول لتعزيز استدامة هذين القطاعين، وصولًا إلى تجسيد رؤية المملكة التطويرية 2030. وإحدى هذه المبادرات: إنشاء وتطوير مرافق الصيد، وهذا سيخلق ١٢٢٠ فرصة جديدة، منها ٥٪؜ للنساء، وهذا لا شك استثمار مُجدٍ، وربحه للأفراد عاجل وسريع. كذلك سيكون هناك مبادرة لإنشاء مركز للمعلومات البيئية والأرصاد والإنذار المبكر، وهي مبادرة تعتبر الأولى محليًّا، وسيستفيد منها مَن يستثمر في الاقتصاد الأزرق أيًّا كان نوع الاستثمار، ويرفع درجة الأمان.

وتساءل د. حمد البريثن: هل من الممكن استغلال النبات من البحار أو استزراع بعضه لغرض استخدامه كأعلاف للثروة الحيوانية بالمملكة؟ وفي هذا الصدد، ذكرت أ. فائزة العجروش أن ذلك قد يكون متاحًا مستقبلًا، لكن في الوقت الحالي فقد شهدت مدينة جدة بالفعل أكبر عملية من نوعها، وهي زراعة فسائل مرجانية في مواقع محددة في قاع البحر الأحمر من أجل توطيد مفهوم السياحة المستدامة. وأشار د. علي الطخيس إلى أنه يوجد نبات يُعرف بالسليكورنيا يصلح كعلف للحيوانات ويُستخرج منه زيوت نباتية، وينمو على مياه البحر. لكن د. خالد الفهيد أشار إلى أن أكبر عائق في هذه المسألة هو ارتفاع تكاليف إنتاج الوحدة المنتجة؛ وهو ما يتطلب استثمار رأس مال كبير بمقارنته بفرص استثمارية أخرى، واستنادًا لمبدأ الفرص البديلة يكون استثمارًا غيرَ جاذب. وأضاف د. حمد البريثن أن لدى السعودية معاناة كبيرة من موضوع الأعلاف سواء للحوم الحمراء أو الدواجن، بالإضافة إلى التغذية الخاصة بإنتاج الألبان ومشتقاتها وكذلك البيض، والتوقع أن زراعة الأعلاف البحرية ستكون ذات تأثير محوري على تلك الصناعة، حيث إنَّها تمثل عنق الزجاجة في سلسلة الإمداد.

من جانبه أكد أ. د. عثمان العثمان على أهمية دعم البحث العلمي فيما يتعلق بكلٍّ من:

أ) الطاقة والغذاء من مصادر مائية، مثل:

  1. طاقة الأمواج والأعاصير والرياح البحرية.
  2. استزراع الطحالب والنباتات البحرية لإنتاج الغذاء والوقود الحيوي.

ب) التلوث والتوازن البيئي:

  1. استزراع المانجروف في المناطق الساحلية الصناعية لامتصاص ثاني أكسيد الكربون، وحماية السواحل واحتضان أنواع من الكائنات الحية المساهمة في التوازن البيئي.
  2. طُرق معالجة تلوث البحار والمناطق الساحلية.

وتساءل د. ناصر القعود: هل سبق وأن تمَّ طرح اقتراح إقامة مدينة أنعام في إحدى الجزر على أيٍّ من الجهات المعنية؟ وفي هذا الإطار، أوضح د. خالد الفهيد أنه فيما يخصُّ الاستفادة من الجزر بصفة عامة، فقد كان هناك طلب بالفعل من القطاع الخاص، إلا أن تعدُّد جهات مرجعية القرار وبيروقراطية الإجراءات لم تسهم في إيجاد البيئة المناسبة للاستثمار؛ ولكن الرؤية الجديدة والتوجه للاستفادة القصوى من المقومات الطبيعية في مختلف مناطق المملكة قد تساعد في تحفيز القطاع الخاص للقيام بمثل هذه الأنشطة. وأضافت أ. فائزة العجروش أن هذا يستلزم تقديم كامل التسهيلات والتيسيرات اللازمة للقطاع الخاص، عبر مشاريع الشراكة والتخصيص والإعفاءات الضريبية، ومنحه حرية ‏الحركة الديناميكية المطلوبة في المنظومة الاقتصادية.

أيضًا، فقد اتفقت أ. فائزة العجروش مع مقترح د. خالد الفهيد بإقامة مدينة أنعام متكاملة تشمل محاجر بيطرية للمواشي الحية التي يتم استيرادها من خارج المملكة ومسالخ، ويتم تصدير اللحوم منها داخليًّا لمناطق المملكة بشكل يومي للتغلب على مشكلة الأوبئة التي تصاحب استيرادها من خارج المملكة، وللمساهمة في تنظيم سوق اللحوم الحمراء. ويتم الاستفادة من مخرجات المسالخ بإقامة مصانع للصناعات الجلدية وغيرها؛ وهو ما يسهم في توفير فرص عمل بجانب ضمان سلامة الغذاء.

بينما وفي اعتقاد د. رياض نجم، فإن اقتراح إنشاء مركز ساحلي للتعامل مع المواشي المستوردة يصبُّ في تنمية الثروة الحيوانية وليس في مفهوم الاقتصاد الأزرق. في حين أوضح د. خالد الفهيد أنه وفيما يخصُّ مقترح إقامة مدينة أنعام، فإنه يندرج تحت كفاءة الاستغلال الأمثل للجُزر المعطلة، ويُعزِّز حُسن استغلال المقومات الطبيعية في البحار.

وذهب د. ناصر القعود إلى أن ما طرحته الورقة الرئيسة والتعقيبات عليها بشأن الحث على تحفيز الاستثمار وتهيئة البنية التحتية اللازمة للاستفادة من اقتصاد السواحل والجُزر، من شأنه أن يساعد على زيادة سكان السواحل والجزر متى توفَّرت فرص العمل المجزية.

 

وتساءل أ. فهد الصالح: هل يمكن أن نطرح فكرة التشجيع على الهجرة من المدن إلى السواحل، وطرح فرص العيش وبمميزات رسمية لها علاقة مباشرة بالاقتصاد الأزرق، مثل التي كانت تُطرح في المدن الحدودية لتأهيلها بالسكان؟ وبدوره يرى د. علي الطخيس أنه وقبل دراسة موضوع الهجرة للسواحل لا بد من عمل دراسات تفصيلية للمخزون السمكي وتوفُّر الأسماك بكميات تجارية يمكِّن من إقامة مشاريع للأسماك والروبيان وغيرها؛ أي معرفة توفُّر الأسماك في أي منطقة ساحلية تستوجب قيام قطاع الثروة السمكية بعمل هذه الدراسات.

وفي تصوُّر د. حامد الشراري، فإنه ونظرًا لأن بحار وشواطئ المملكة طويلة وغنية بتنوُّع بيئاتها (داخل البحر وخارجه)؛ فقد يكون من المهم تفعيل دور السياحة البحرية (الكروز البحري) من خلال تشجيع القطاع الخاص في الدخول في هذا الاستثمار مع إيجاد بنية مناسبة لمثل هذا الاستثمار، كالتوسُّع في بناء الموانئ البحرية (السياحية) المتاخمة للمناطق السياحية الداخلية.

وذكرت د. وفاء طيبة أنها لم تلاحظ من واقع الجداول المبيَّنة زيادة كبيرة في الصيد الطبيعي من البحار، وإنما الزيادة في الاستزراع السمكي، فلماذا؟ وبما أننا نُريد التركيزَ على هذا المصدر الطبيعي الثري في بلادنا، فهل لدينا مجال للتدريب الفني والتقني في المملكة في الاستزراع السمكي وصناعة اللؤلؤ وصناعة المرجان؟ وأشارت د. وفاء طيبة إلى أن من الملحوظ في جدول العاملين في الصيد ارتفاع عدد العمال غير السعوديين، والتساؤل: هل هذا راجع لعدم رغبة السعودي أو عدم تدريبه؟ وهل أعداد الصيادين المذكورة كلها من السعوديين، أو غيرهم؟ وهل لدينا جهة تُدرِّب وتُشرف على الرياضات المائية وجعلها وجهة سياحية؟

 

وبدورها أوضحت أ. فائزة العجروش أنه وبالنسبة لزيادة نسبة الاستزراع عن الصيد الطبيعي، فهذا هدف من أهداف هذا القطاع من أجل تأمين حاجة المملكة من الأسماك بدلًا من استيرادها، بالإضافة إلى المنافسة به عالميًّا لتوفر الفرص لنجاحه. أيضًا، فقد أوضح د. خالد الفهيد فيما يتعلق بالتدريب في مجال الاستزراع المائي، أن هناك مراكز أبحاث وتدريب تابعة لوزارة البيئة والمياه والزراعة في جدة والمنطقة الشرقية، إضافةً إلى مساهمات القطاع الخاص مُمثَّلاً في الشركات الرائدة، مثل المجموعة الوطنية للاستزراع المائي بالتعاون مع الوزارة، وهناك مذكرات تفاهم للوزارة مع بعض الجامعات، مثل جامعة الملك عبد الله (كاوست). أما فيما يتعلق بمهنة الصيد فهي مثل المهن الحرفية الأخرى، فهناك جهود تُبذل في هذا الإطار، لكن الإشكالية تكمن في ضعف الإقبال على المهن الحرفية في مجتمعنا؛ وهو ما يُعطي فرصةً للأيدي العاملة الأجنبية لسد الفراغ، والتمكن من السيطرة على مهنة الصيد. ورغم جهود الجهات الحكومية لمحاولة رفع نسبة السعودة والحد من الأجانب، إلا أنَّ الصيادين يرغبون في العمالة غير السعودية.

وتساءل د. سليمان الطفيل: هل لا توجد أسماك وفيرة في البحر الأحمر لصيدها بدلًا من الاستيراد الخارجي والاستزراع السمكي أم أن هناك مشكلة بيولوجية تتعلق بطبيعة الأسماك في البحر الأحمر، مع أن هناك وفرة كبيرة في الأسماك في هذا الممر المائي البحري المهم؟ وحول هذا التساؤل، تعتقد أ. فائزة العجروش أنه طالما كنَّا نلجأ لاستيراد ما يكفي من الأسماك لتلبية حاجة الطلب المحلي من الخارج، ما الذي يمنع من استزراعها؟ خاصة مع سرعة النتائج من مشاريع الاستزراع وجودتها وكميتها الوفيرة، ومن أهم الأمثلة على أحد أهم الأنواع المناسبة للاستزراع في المملكة هو سمك البلطي الذي يستحوذ على ٩٦٪؜من حجم إنتاج المشاريع الداخلية.

وتساءلت د. وفاء طيبة: لماذا تتأثر كمية الصيد الطبيعي لدينا، ونستورد من الخارج كميات أخرى رغم أن هناك مناطق في المملكة لا تُفضِّل أكل الأسماك؟ وفيما يتعلق باللؤلؤ والمرجان، لماذا ليست لدينا صناعة قائمة على المرجان مع أنه من المعروف أن البحر الأحمر مليء بأجود أنواع الشعاب المرجانية، هل السبب بيئي أم ماذا؟ فكثيرًا ما نُسافر إلى مناطق من العالم ونجد في المناطق السياحية الحجر الذي يكثر وجوده في تلك البلاد، مثل الكهرمان في التشيك والأوبال في أستراليا، لماذا لا تقوم لدينا صناعات يدوية على المرجان؟ أم أن في ذلك تهديدًا للبيئة؟ هل هو سائر نحو الانقراض؟ حتى اللؤلؤ لا نسمع سوى عن اللؤلؤ البحريني والياباني، فبماذا يمتازان عن لؤلؤ المملكة؟

وأوضح د. علي الطخيس أنه يوجد مواسم تحظر الوزارة صيد أنواع محددة من الأسماك والروبيان، وتحديد المواسم معروفة لدى الصيادين حيث يوجد غرامات مالية على مخالفي الحظر. أما لماذا تتأثر كمية الصيد الطبيعي لدينا ونستورد من الخارج فمرده أننا لم نصل إلى الاكتفاء الذاتي من الأسماك والروبيان حتى نتأثر بكمية الصيد المحلي، فعملية الاستيراد مستمرة على مدار العام، فيتم استيراد السمك من فيتنام وبعض دول شرق آسيا ومن بعض دول أوروبا، مثل أسماك السيباس وغيرها. كما أن ارتفاع أسعار بعض الأسماك المحلية بما في ذلك الروبيان مبالغ فيه.

وبدورها أكدت د. وفاء طيبة على أهمية تدريب شبابنا السعودي على إنشاء مشاريع صغيرة للصيد والاستزراع كمهنة من مهن السواحل على الأقل. ومن ناحية أخرى، فإن من المفيد أن تأخذ جهة مسؤولة على عاتقها بالشراكة مع الإعلام التوعية بفوائد ومضار الأنواع المختلفة من الأسماك، وخاصة على الأطفال.

وأضافت أ. فائزة العجروش أن هناك تحديات كبيرة تواجه مهنة صيد السمك في السعودية، من أهمها – كما تمَّ الإشارة في موضع سابق – عزوف الشباب عن مزاولة هذه الحرفة، على الرغم من أنها مهنة قديمة ومتوارثة عبر الأجيال إلا أنها لا بد أن تنبع عن حب وشغف لهذه المهنة والتي تجعلهم يحتملون ما يواجهون في المياه من مخاطر وما تتطلبه من جهد وصبر كبيرين؛ فالبحر نفسه لم يعُد يجود بالخيرات كما كان سابقًا، ومع قرارات الحكومة للنهوض بمهنة الصيد البحري وعدم اندثارها تمَّ إطلاق مشروع الصياد الذي يعمل على مساعدة الصيادين. ومنحهم القوارب لتسهيل الأمر عليهم وجذبهم لهذه المهنة.

ويرى أ. محمد الدندني أن من الحلول المهمة كما ذَكر سلفًا د. إبراهيم البعيز أن تمنع الأنظمة والقوانين الأجنبي من مهنة الصيد قدر المستطاع.

ومن ناحيته، أكد د. مساعد المحيا على أهمية إيجاد مصانع عالية الجودة للقوارب والسفن الخاصة بالصيد، على أن تكون سعوديةَ الملكية والتشغيل.

ومن ناحية أخرى، ذكر د. رياض نجم أن بعض الدول تمنع الملكية الخاصة للشواطئ، وتعتبر استخدامها والاستفادة منها حقًّا لجميع المواطنين (مثل إسبانيا). فهل هذه إشكالية نحتاج إلى التعامل معها أم أنها لن تؤثر على الاستغلال الأمثل للاقتصاد الأزرق؟ وأوضحت أ. فائزة العجروش أنه ربما يكون من الملائم في هذا الشأن طرح توصية تحمل عنوان (شواطئنا ملكية عامة وليست للبيع)، وتقضي بعدم جواز مَنْح الملكية الخاصة لبعض الشواطئ التي يمكن استغلال الميزة النسبية لها، منها على سبيل المثال: (استزراع أنواع معينة من الأسماك والروبيان في مناطق معينة تصلح لذلك، والإفادة من المناطق الغنية بالشعب المرجانية، والإفادة من شواطئ المناطق التي تتميز بجمال رملها وصفاء مائها للمواطن… إلخ)، أو الاتفاق مع أصحاب الملكية الخاصة بالقيام بالاستثمارات فيها، وتضمن تطبيق الشروط والمعايير اللازمة للوصول لاقتصاد أزرق دائم ومستدام. وهذا يشابه ما حصل في موسم الرياض حينما تمَّ التعاون مع أصحاب بعض الملكيات الخاصة لبعض المنتجعات والمزارع الجميلة؛ كمنتجع نوفا لإقامة سفاري فيه، ومزرعة الشلهوب لإقامة فعاليات موسم الدرعية.

أما د. علي الطخيس فيرى أنه يجب على كلٍّ من وزارتي الشؤون البلدية والقروية والبيئة والمياه والزراعة وغيرهما من الجهات ذات العلاقة بالمحافظة على السواحل ومراقبتها عدم مَنْح أي أرض ساحلية، وتؤجِّر المناطق الاستثمارية الساحلية بعقود متوسطة المدى. وأضاف م. سالم المري أن هناك أيضًا حاجة ماسَّة لوقف تملُّك ما تبقى من الشواطئ وإعادة ما تمَّ تملُّكه للدولة. كما يجب أن يقتصر تملُّك الشواطئ على الدولة والمصلحة العامة فقط.

وأضاف أ. فهد الصالح أن من أوجب الواجبات الحفاظ على الحدود الجغرافية للسواحل، والقبول فقط بالانحسار الطبيعي لها وعدم تعرُّضها للدفن من أجل إيجاد مساحات لتطوير الأراضي السكنية والتجارية؛ لأن ذلك يضرُّ ويؤثر في الاستثمارات على المديين الطويل والقصير. وفي السياق ذاته وفيما يخصُّ تنمية مردود الاقتصاد الأزرق بصفة عامة، فإنه قد يكون من الملائم الأخذ بالمقترحات التالية:

  • يمكن لهيئة الأعمال المتوسطة والصغيرة “منشآت” إطلاق العديد من الفرص الاستثمارية البحرية وتهيئة جدواها الاقتصادية وتسويقها على الراغبين في استثمار اقتصادنا الأزرق، وعلى مختلف السواحل.
  • معاملة الفرص الاستثمارية الساحلية بنفس المعاملة الأخيرة للصناعية من ناحية توفير العمالة والرسوم المدفوعة عليها وإجراءات الاستقدام وحرية الخروج والعودة؛ لأنها في الغالب مرتبطة بالمواسم.
  • دراسة حقوق الامتياز في الاستثمار وربطها بالمساحات؛ لكي نضمن الاستقرار للمستثمر المحلي والوافد.

وذكر د. خالد الفهيد أنه في إطار الجهود لتطوير تقنيات إنتاج الطحالب في المملكة، فقد تمَّ إنشاء فريق تأسيس لهذا الغرض برئاسة وزارة البيئة والمياه والزراعة، ويضمُّ في عضويته كلاً من: أرامكو وسابك وشركة الكهرباء وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية وأراسكو والمجموعة الوطنية للاستزراع المائي؛ بهدف تحقيق الاستدامة في صناعة الأعلاف في المملكة باستخدام مياه البحر، إضافةً إلى تقليل تكاليف أعلاف الأحياء المائية المستزرعة، وتحسبن جودة الأعلاف المستخدمة في كافة القطاعات الزراعية. كذلك فللطحالب ميزات وفوائد أخرى، مثل استخدامها في المكونات الغذائية والأحماض الدهنية المتعددة وأوميجا3، علاوة على استخدامها في بعض المنتجات مثل مستحضرات التجميل، مما يعني أهمية هذا المورد الاقتصادي؛ وهو ما يتطلب زيادة الاهتمام به، وتشجيع القطاع الخاص للاستثمار فيه.

وركزت أ. بسمة التويجري على عدة جوانب ذات صلة مباشرة – في تصوُّرها – بالاقتصاد الأزرق وما يتعلق بتحقيق أهداف الرؤية في تنويع مصادر الدخل، وهي كما يلي:

  • أولًا: مجال الاستثمار في إنتاج الكاڤيار، وهو من الأغذية التي تلقى طلبًا عالميًّا، وتحظى بإقبال كبير من الكثير من المستهلكين رغم ارتفاع أسعارها، ولنا في نجاح تجربة المواطن “عبد الله الفارس” – الذي استطاع الحصول على حصة سوقية تبلغ ٤٪؜ من الإنتاج العالمي للكاڤيار بجهود فردية، وبدون الحصول على أي دعم حكومي – خير دليل على إمكانية القيام بمثل هذه الصناعات المتفردة، وعلى نطاق أوسع وبإشراف ودعم من الجهات المختصة.
  • ثانيًا: استزراع اللؤلؤ وقيام صناعات عديدة تستخدمه لإنتاج الحلي أو صناعة بعض قطع الأثاث المزخرفة بما يُسمَّى أم اللؤلؤ.
  • ثالثًا: التعاقد مع شركات الكروز السياحية الكبرى للمرور بالمدن السياحية الجديدة في البحر الأحمر، وهو ما يسهم في تشجيع قطاع السياحة خاصة وأن بعض هذه السفن العملاقة تتسع لحوالي ٣٠٠٠ سائح وأكثر. وكل هذا يحتاج إلى مشاريع استثمارية ذات أبعاد إستراتيجية بعيدة المدى.

وعقَّبت أ. فائزة العجروش على مقترحات أ. بسمة التويجري بأن من الضروري التركيز على الاستثمارات الإستراتيجية الداعمة للاقتصاد الوطني في هذا القطاع، وبما من شأنه تحقيق أهداف، منها:

  1. رفع اسم المملكة عاليًا في السوق العالمي، كما حدث في التجربة المشار إليها؛ لإنتاج منتج معين كتجربة جديدة أو فريدة من نوعها بالمنطقة.
  2. زيادة الإنتاج السمكي وتحقيق الأمن الغذائي، وتطبيق معايير الالتزام بتحقيق التنمية المستدامة لمياه البحار والخلجان.
  3. تشغيل الأيدي العاملة الوطنية فعليًّا، وليس على الورق فقط (سعودة وهمية). ‏
  4. توطين تطبيقات التكنولوجيا الحديثة.‏
  5. جذب الفرص الاستثمارية الأخرى.
  6. تبني ثقافة الغذاء الصحي من المأكولات البحرية

واقترح د. خالد الرديعان أن تتوجه المملكة لإنتاج التونة من البحر الأحمر والخليج العربي؛ فاليمن ينتج منها كميات كبيرة للتصدير، كما أن سلطنة عمان تُصنِّع التونة وتُصدِّرها إلى المملكة.

وتساءلت أ. فائزة العجروش: هل تستطيع بعض شركاتنا استنساخ فكرة خادمة للبيئة غير مُكلِّفة وطبعًا مضمونة الأرباح؟ وأوضحت أن الفكرة هي عبارة عن تطبيق بعض الشركات العالمية لإعادة مخلفات البحر والمحيطات لتصنيع منتجات ذات جودة عالية واسم عالمي، ومنها شركة أديداس (شركة للملابس الرياضية وقيمتها تتعدى 16 مليار دولار) التي بدأت في التخطيط لإعادة تدوير المواد البلاستيكية البحرية لإنتاج أكثر من 15 مليون زوج من الأحذية باستخدام نفايات المحيطات هذا العام. والفائدة العظمى التي ستجنيها الشركة هي: أن المواد الخام الأولية لمواد الصناعة ستكون بالمجان أو بسعر رخيص جدًّا، ثم يبيعون لنا الأحذية بعد تصنيعها بأسعار مرتفعة؛ لأنها تحمل العلامة التجارية. ومثال آخر: شركة فيكتوريا للمأكولات (التي تمَّ اختيارها كمزوِّد رسمي لجلود الأسماك الكينية)، وقد  شرعت هذه الشركة بالاتجاه للأزياء الزرقاء؛ إذ  تعد هذه الأزياء من القطاعات الناشطة في الاقتصاد الأزرق، إذ تركز الأزياء الزرقاء والمستدامة على استخدام المواد الخام البحرية والمنتجات الثانوية لتطوير البدائل الحيوية المستدامة لصناعة الأزياء، وقامت بالبحث عن استخدام أحد هذه المنتجات الثانوية (الجلد)، فالأسماك لا يُستخدم جلدها بعد تقطيعها، أو يُباع بثمن بخس كسماد أو علف حيواني، ولأن كل جلد سمكي يتميز بنمط طبيعي فريد، فجلد سمك البياض – على سبيل المثال – يمتص الألوان بشكل جيد للغاية، وتكون المنتجات هي أيضًا أخف بكثير من جلد البقر.

ومن جهته، يرى أ. جمال ملائكة أنه ونظرًا إلى شُح المياه في الجزيرة العربية وخطورة هذا الأمر على الأجيال القادمة، وكلنا نسمع أن إحدى حروب المستقبل هي “حرب المياه”، فإن الاعتقاد أن “المياه” تحتاج إلى وزارة مختصة، بل ويكون “الاقتصاد الأزرق” هو ضمن واختصاص هذه الوزارة، وتوحيد كل ما يتعلق بهذا الاقتصاد تحتها. أيضًا، فإن من الضروري الاهتمام بتنمية الثروة السمكية، ويكون هناك إستراتيجية متكاملة للتصدير، وقبل ذلك إنشاء صناعات تختص بتعليب وحفظ الأسماك الموجَّهة للتصدير؛ لأن الأسواق العالمية لها مواصفاتها ومتطلباتها… إلخ. كذلك يجب إعادة النظر فيما تمَّ التصرف به من أراضٍ ساحلية لم يتم استثمارها، وإعادتها للدولة لتكون ضمن خطط السياحة الداخلية والخارجية.

وعقَّبت أ. فائزة العجروش بأن الاقتصاد الأزرق يحتاج لجهات كثيرة تهتم بتفاصيله وتشريعاته وآلياته، من أهمها: وزارة المياه والزراعة والبيئة والاقتصاد والطاقة والعمل والهيئة العامة للاستثمار والصناديق والجمعيات ذات العلاقة؛ لذلك فمن المهم وجود إستراتيجية للاقتصاد الأزرق تحت مظلة المجلس الاقتصادي الأعلى، بحيث يكون هو من يُحدِّد مهام واختصاصات كل الجهات؛ منعًا للتشابك والازدواجية.

بينما يرى د. سليمان الطفيل أنه إذا لم يتيسر إقامة وزارة مستقلة بالمياه والاقتصاد الأزرق، وهو طبيعي في ظل التوجُّه لتقليص أعداد الوزارة؛ فلا بد أن يتم إنشاء هيئة تتبع وزارة البيئة والمياه والزراعة متخصصة بالمياه، تُعنى بإطلاق المبادرات والشراكة الاستثمارية مع القطاع الخاص، ودعم الفرص وتطوير الابتكارات والتدريب.

وفي تصوُّر أ. فهد القاسم، فإن من أهم المبادرات نقل وكالات الوزارة المسؤولة عن البحار والمشاريع البحرية والصيد… إلخ، إلى المناطق الساحلية.

وأكد أ. محمد الدندني على ضرورة تفعيل لجنة تحت مُسمَّى صيادي الأسماك أو تحت مُسمَّى الاقتصاد الأزرق في غرفة الشرقية (الدمام، الجبيل، الأحساء) وغربًا في غرفة (جدة، ينبع، الوجه، جيزان)، وإعطاء هذا الأمر اهتمامًا أكثر من الغرف التجارية، ودعم المهتمين والعاملين.

أما د. الجازي الشبيكي فطالبت بالالتفات إلى موضوع تلوُّث البيئة البحرية الذي ما من شك أن له تأثيراته على (الاقتصاد الأزرق)، وذلك من خلال استصدار القوانين المُلزِمة لردع كافة الأنشطة المؤدية لذلك التلوث، مثل: التخلص من النُّفايات والصرف الصحي والنُّفايات المشعة وغيرها، بالإضافة إلى رفع مستوى الوعي بأهمية ذلك. جنبًا إلى جنب، مع رصد الأبحاث ذات العلاقة التي قامت بها الجامعات السعودية حول معالجة مشكلة التلوث البحري وسلبياتها، والاستفادة منها ومن التجارب العالمية بهذا الخصوص من قِبل الجهات ذات العلاقة.

ويرى أ. عبد الرحمن باسلم أنه وبما أننا أكبر دولة في العالم في تحلية المياه بسعة 2 مليار متر مكعب منذ أكثر من ٤٠ عامًا؛ فإن من الضروري العمل على تطوير تقنيات سعودية لمعالجة المياه المالحة، وأن نكون دولة مُصدِّرة للمعرفة والتقنية في هذا المجال.

وقد ورد في النقاش النقاط المهمة التالية:

  • الالتفات إلى موضوع تلوث البيئة البحرية الذي له تأثيراته على (الاقتصاد الأزرق)؛ وذلك من خلال استصدار القوانين المُلزمة لردع كافة الأنشطة المؤدية لذلك التلوث، مثل: التخلص من النُّفايات والصرف الصحي والنفايات المشعة وغيرها، بالإضافة إلى رفع مستوى الوعي بأهمية ذلك.
  • أهمية التوسُّع في زراعة أشجار المانجروف على ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي، وتعزيز جهود وزارة البيئة والمياه والزراعة من القطاع الخاص للمحافظة على البيئة البحرية، والاستفادة من هذه الأشجار في احتضان صغار الأسماك والروبيان، ولتعشيش الطيور المهاجرة أو الطيور التي تتواجد على البحار، وامتصاص ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأوكسجين، وأهمية توسُّع بيوت الخبرة في ابتكار طرق للاستفادة من هذه الأنواع من الأشجار التي تنمو على السواحل.
    • تطوير أنظمة السياحة المحلية المتعلقة بالسياحة الشاطئية والرحلات البحرية، وتطوير الأنشطة الترفيهية البحرية والرياضات المائية وتنوُّعها، وإنشاء المنتجعات الساحلية.
    • تعظيم الاستفادة من الجُزر اقتصاديًّا وسياحيًّا، واختيار أنسبها لإيجاد تنمية مستدامة لسكان السواحل، وتهيئتها لجذب استثمارات من القطاع الخاص لإقامة الصناعات والخدمات اللوجستية والسياحية، ومن ذلك إقامة مدينة متكاملة للمواشي تحتوي على محاجر بيطرية للمواشي الحية المستوردة، وعلى مسالخ وصناعات جلدية. ومن ذلك استخدام الجُزر للسياحة والأنشطة الترفيهية والرياضية، مثل ما يتم تطويره الآن في البحر الأحمر.
    • تفعيل لجنة تحت مُسمَّى صيادي الأسماك أو تحت مُسمَّى الاقتصاد الأزرق في غرفة الشرقية (الدمام، الجبيل، الأحساء) وغربًا في غرفة (جدة، ينبع، الوجه، جيزان)، وإعطاء هذا الأمر اهتمامًا أكثر من الغُرف التجارية، ودعم المهتمين والعاملين.

 

  • التوصيات:
  1. إعداد إستراتيجية وطنية لتطوير القطاعات المتعلقة بالاقتصاد الأزرق والاستفادة من موارده المتنوعة بشكل مستدام، على أن تنطلق من رؤية المملكة ٢٠٣٠، وتستفيد من الخبرات الأكاديمية ومراكز البحوث، وتُطبِّق المعايير الدولة لاستدامة الاستفادة من هذه الموارد، وتعمل على تطوير اقتصاد المجتمعات الساحلية وتطوير البنى التحتية فيها، وتوفير فرص عمل منتجة لهم، وتشجيع السياحة فيها بالأنشطة الترفيهية والرياضات المائية، وإعادة هيكلة القطاعات الحالية لتتواكب مع ذلك.
  2. لتعدُّد الأنشطة الاقتصادية ذات العلاقة بالاقتصاد الأزرق، وتعدُّد الجهات المسؤولة عنها، يُقترَح فصل وزارة المياه عن الزراعة وإنشاء وحدة تنفيذية خاصة (هيئة مثلاً) تحت إدارة وزارة المياه؛ للتنسيق بين الجهات ذات العلاقة بالاقتصاد الأزرق فيما تقوم به من أنشطة متنوعة؛ وما ينبغي أن تقوم به كلُّ جهة من دراسات جدوى وعرض فرص واعدة، وتحفيز الاستثمارات، وإطلاق المبادرات والشراكة الاستثمارية مع القطاع الخاص، وتطوير الابتكارات والتدريب.
  3. دعم البحث العلمي في المجالات التالية:
  • الاستفادة من الطاقة المستمدة من حركة المد والجزر والأمواج والرياح البحرية.
  • التنوع البيولوجي، وصناعة المستحضرات الصيدلانية والتجميلية.
  • استزراع الطحالب والنباتات البحرية لإنتاج الغذاء والوقود الحيوي.
  • دراسة جدوى النقل البحري بين المدن الساحلية لنقل الركاب والبضائع، واستقطاب الاستثمارات لذلك، ولتطوير قطاع الموانئ.
  • الدراسات التفصيلية لتقدير المخزون السمكي في مياه المملكة، وتحديد المناطق المناسبة للاستزراع السمكي.
  • دراسة تطوير تقنيات سعودية لمعالجة المياه المالحة، وأن نكون دولة مُصدِّرة للمعرفة والتقنية في مجال تحلية المياه المالحة.

ويجب في هذا المجال البحثي رَصْد جميع الأبحاث ذات العلاقة التي قامت بها الجامعات السعودية حول مختلف المجالات المتعلقة بالموضوع.

  1. الاهتمام بالتدريب في مجال الصيد البحري وصناعة اللؤلؤ والمرجان، وتحفيز الصيادين السعوديين وتشجيعهم، والحد من سيطرة الوافدين على قطاع صيد الأسماك ومنعهم من ممارسة التجارة في هذا المجال، ودعم الجمعيات التعاونية للصيادين.
  2. هناك حاجة لإصدار نظام وإجراءات تُسهِّل وصول المستثمرين والصيادين والأفراد إلى الشواطئ والسواحل واستفادتهم منها بما يحقق توازن المصلحة العامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ووقف التملُّك أو المَنْح في المناطق الساحلية، وإعادة ما تمَّ تملُّكه إلى الدولة، بحيث تقتصر ملكية السواحل على الدولة وللمصلحة العامة فقط، مع المحافظة على الحدود الجغرافية للسواحل، وعدم دفنها لأغراض سكنية أو تجارية.
  3. استقطاب الاستثمارات الإستراتيجية في قطاع الموانئ، للرفع من معدل نمو القطاع، وتحسين مسارات التصدير والاستيراد مع أهمية اتخاذ بعض التدابر الجاذبة (إعفاءات ضريبية ومساعدات حكومية).
  4. أن تُصدِر وزارة البيئة والزراعة والمياه أطلسًا لجميع السواحل السعودية‏، يمكن من خلاله تحديد المواقع المناسبة للاستزراع السمكي.
  5. تشجيع إنشاء مصانع متخصصة في مجال السفن وإصلاحها (يوجد طلب لا يغطيه الإنتاج المحلي، وصناعة السفن تكاد تكون معدومة في المملكة) التي تعتبر سوقًا عالمية ذات نمو متزايد.
  6. أن تضع المملكة خُططًا توسُّعية جديدة لإعادة البريق لصيد اللؤلؤ الطبيعي، وإنشاء مزارع متخصصة لاستزراع ‏وإنتاج اللؤلؤ الصناعي، من خلال الآتي:‏
  • استهداف أسواق سياحية جديدة للآلئ السعودية النفيسة.
  • إقامة الأنشطة السياحية والمسابقات الدولية المتعلقة بالغوص لاستخراج اللؤلؤ باستهداف السياح العاشقين للطبيعة.
  • تشجيع إقامة صناعات لتصميم الحلي والمجوهرات المطعَّمة باللؤلؤ الطبيعي أو المزروع أو أم اللؤلؤ، على يد ‏مصممين ومصممات من أبنائنا السعوديين المبدعين، تحت شعار “صُنع في السعودية”، وفق رؤية الاستدامة ‏البيئية، بإعادة إحياء صناعة وتجارة تميز ونجح فيها أجدادُنا الأولون.‏
  1. إطلاق الماراثون الأزرق لتشجيع الشباب على روح الابتكار والإبداع في تطوير وسائل الاستفادة من البحار والشواطئ ومواردهما الاقتصادية، وربطهم بهذا الرافد الاقتصادي الضخم.

القضية الثانية

تعليم ورعاية الطفولة المبكرة

(9/2/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. نورة الفايز
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. هيا العوَّاد (ضيفة الملتقى)
  • التعقيب الثاني: د. راشد العبد الكريم
  • إدارة الحوار: د. خالد بن دهيش

 

  • الملخص التنفيذي:

أشارت أ. نورة الفايز في الورقة الرئيسة إلى أن مرحلة الطفولة المبكرة تحظى باهتمام صُنَّاع القرار والتربويين، وخاصة بعد نتائج الأبحاث والدراسات التي أكدت أهمية الالتحاق الرسمي للطفل خلال طفولته المبكرة ببرامج تعليم ورعاية الطفولة المبكرة الجيدة؛ لما لها من أثر إيجابي في النمو الجسدي والنفسي المتوازن، والتطور العقلي السليم، والتحصيل الدراسي المرتفع خاصة إذا توفَّرت للطفل بيئةٌ محفِّزة وداعمة للتعلُّم، وجوٌّ آمن وسليم وصحي يضمن حقَّ الطفل، ويلبى حاجاته، ويراعى خصائص نموه. وقد بذل القائمون على وزارة التعليم خلال العقود الماضية، وما زالوا يبذلون جهودًا كبيرة للرقي بالخدمات المقدَّمة للطفولة المبكرة وتجويدها؛ وذلك من رؤية وإحساس بأهمية هذه المرحلة، وقناعة بوجود حاجة مُلحة للرقي بالخدمات المقدَّمة لها.

وقد أوضحت الأستاذة نورة أن من أهم وأبرز المعوقات التي تواجه القائمين على تأسيس مراكز الطفولة المبكرة ذات المستوى العالي هو ارتفاع تكلفة التأسيس، فهذا التمويل يمثِّل تحديًّا أساسيًّا لكل المؤسسات الحكومية والأهلية المعنية بتعليم ورعاية الطفولة المبكرة.  كما عرضت لأهمية تبنِّي المفهوم الشامل للطفولة المبكرة، أي من الولادة – 8 سنوات.

في حين أوضحت د. هيا العوَّاد في التعقيب الأول أنه في عام ٢٠١٦ تمَّ اعتماد بعض برامج تحقيق الرؤية الوطنية ٢٠٣٠، ومنها برنامج التحوُّل الوطني الذي تضمن مبادرات لعدة جهات في الدولة، ومنها وزارة التعليم التي اعتمد لها مبادرات كثيرة لتطوير التعليم، ومن أهمها: مبادرة (تطوير برامج الحضانات ورياض الأطفال والتوسُّع في خدماتها لتشمل جميع مناطق المملكة) وخصَّص لها ميزانية بلغت أكثر من ٢ مليار ريال، ونتيجة العمل على هذه المبادرة، فقد زاد عدد الروضات عام ٢٠١٨ فبلغ ٣٦٨٤ روضة. كما أن من ضمن مظاهر الاهتمام بمرحلة الطفولة المبكرة ما يتعلق بالمعرض والمنتدى الدولي السادس للتعليم الذي أُقيم في إبريل ٢٠١٨، وخُصِّص للتعليم والتعلُّم في مرحلة الطفولة المبكرة.

أما د. راشد العبد الكريم فأكَّد أهمية بناء مناهج الطفولة المبكرة على أسُس صحيحة، تُراعَى فيها الأسُس العلمية في بناء المناهج. أيضًا، من المهم توعية الأسر غير القادرة أو غير الراغبة في إلحاق أطفالها بالمراحل المبكرة من رياض الأطفال (الحضانة والتمهيدي) لتطوير بيئات أسرية تربوية، ومساعدتها في ذلك. فالملاحظ أن هناك أسرًا تتفرغ فيها الأمهات لتربية أولادهن، لأسباب متعددة، ومن الضروري الالتفات إلى تلك الأسر وتوفير الدعم لها، ماديًّا وعمليًّا؛ فكون الأسرة لا تُرسِل أولادَها لمدارس الطفولة المبكرة لا يعني أنه يجبُ ألا تُشمل بالرعاية والتوجيه والاهتمام.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • احتياجات الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة.
  • تعليم ورعاية الطفولة المبكرة في الواقع السعودي.
  • الإعلام والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة: تجربة برنامج “افتح يا سمسم”.
  • نحو آليات عملية للنهوض بتعليم ورعاية الطفولة المبكرة.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: تعليم ورعاية الطفولة المبكرة، ما يلي:

  • ضرورة إضافة مرحلة الروضة المتقدِّمة للعمر من (٥ إلى ٦) سنوات لسُلَّم التعليم الرسمي الإلزامي، مع وضع ضوابط وجزاءات لمَن لا يُلحِق أطفالَه بهذه المرحلة مثل المرحلة الابتدائية.
  • ضرورة بناء إستراتيجية متكاملة تغطي جميعَ الجوانب لرعاية الأطفال في مرحلة المهد من (الولادة إلى 3 سنوات)؛ لما أثبتته أبحاث الدماغ عن خطورة هذه المرحلة النمائية على عموم حياة الإنسان، وتشمل الإستراتيجية الأسرة والمؤسسات التي تقوم على الرعاية، بما في ذلك الشخص الذي يُباشر رعاية الطفل، والمسمَّى الوظيفي لها؛ لاستقطاب شخصيات ممتازة في هذا المجال، ومعايير اختيارها ورخصتها وتدريبها المستمر على رأس العمل، والبيئة الفيزيائية والنفسية التي ترعى الطفل سواء في الأسرة أو تحت إشراف وزارة التعليم في الصفوف والغرف الخاصة، وأساليب تحقيق الجودة والتقييم، ثم التوسُّع في القبول في هذه المرحلة لمَن يحتاج هذه الرعاية.

 

  • الورقة الرئيسة: أ. نورة الفايز

تقديم:

لقد أكَّد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – مرارًا على أهمية التعليم، ومن أقواله بهذا الشأن: (إنَّ التعليم في المملكة هو الركيزة الأساسية التي سنُحقِّق بها تطلعات شعبنا نحو التقدُّم والرقي الحضاري في المعارف والعلوم النافعة).

كما أن أميرنا الشاب الرائع الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، قد أكَّد على أهمية التعليم وبالأخص التعليم المبكر، ومن أقواله بهذا الشأن: (سيكون هدفنا أن يحصل كلُّ طفل سعودي أينما كان على فرص التعليم الجيد وفق خيارات متنوعة، وسيكون تركيزنا أكبر على مراحل التعليم المبكر).

ومما قيل أيضًا بشأن التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة المقولة الشهيرة للعلامة (الحسن البصري الذي تُوفِّي عام 110هـ)، والذي قال: (العلم في الصغر كالنقش على الحجر)؛ وذلك للتأكيد على وجوب اغتنام مرحلة الصغر لتحصيل العلوم، قبل أن تنقضي وتأتي مرحلة يتعسر فيها التعلُّم على الكثيرين.

كما حثَّ الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – على طلب العلم في مقولته المأثورة: (اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد).

 أهمية تعليم ورعاية الطفولة المبكرة: 

تحظى مرحلة الطفولة المبكرة باهتمام صنَّاع القرار والتربويين، وخاصة بعد نتائج الأبحاث والدراسات التي أكدت أهمية الالتحاق الرسمي للطفل خلال طفولته المبكرة ببرامج تعليم ورعاية الطفولة المبكرة؛ لما لها من أثر إيجابي في النمو الجسدي والنفسي المتوازن، والتطور العقلي السليم، والتحصيل الدراسي المرتفع خاصة إذا توفَّرت للطفل بيئةٌ محفزة وداعمة للتعلُّم، وجوٌّ آمن وسليم وصحي يضمن حقَّ الطفل، ويُلبى حاجاته، ويراعى خصائص نموه. وتسهم برامج تعليم ورعاية الطفولة المبكرة في تحقيق الطفل لدوره الفاعل داخل أسرته، وعلى مستوى مجتمعه ووطنه.

إنَّ فترة تعلم الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة تُشكِّل الدعامةَ الأساسية للـمراحل الدراسية التي تليها، حيث تؤكِّد الدراسات أن الدماغ في هذه السن المبكرة يمرُّ بمرحلة نمو سريع وعالي المستوى، ترتفع خلالها قدرة الدماغ على استقبال وتخزين الخبرات والتعلُّم، مقارنةً بالفترات اللاحقة التي تتسم بانخفاض نسبي في المرونة، وينعكس ذلك إيجابًا على النمو العاطفي للطفل وقدرته على تنظيم عواطفه وانفعالاته وزيادة فرصة مشاركته الاجتماعية وقدرته على التعامل الجيد مع أقرانه، وزيادة مهارات الاستطلاع والاكتشاف والتفكير وحل المشكلات بفعالية، واستخدام العمليات العقلية، هذا بالإضافة إلى تطوير مهاراته الحركية والتناسق العضلي والجسدي لديه.

وعلى الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، فـإن الاهتمام بتعليم ورعاية الطفولة المبكرة يؤدي إلى خفض الهدر التربوي والمادي في مراحل التعليم العام الناتجة عن التسرُّب من التعليم وجنوح الأحداث وجرائم البالغين، كما أن له عائدات تربوية ومادية على المدى البعيد؛ كزيادة معدلات النجاح في التعليم العام والتعليم الجامعي، وزيادة فرص التوظيف، وتحسين مستوى الدخل للفرد، وبالتالي زيادة مستوى رفاهية المجتمع.

إنَّ إصلاح التعليم يبدأ من القاعدة الأساسية في مرحلة الطفولة المبكرة، حيث إنَّه يسهم في تحسين مدخلات التعليم والتعلم؛ لذلك فإن كثيرًا من الدول قد عمدت إلى الإلزامية لهذه المرحلة ضمن مراحل التعليم العام، واعتبرته أمرًا حتميًّا ومقياسًا للتنمية والتطور، كما أن بعض تلك الدول تحرص على تخصيص الموارد المالية الكافية لتنمية وتعليم ورعاية الطفولة المبكرة.

وتؤكد النظريات التربوية الحديثة على الأهمية البالغة لمرحلة الطفولة، وخاصة من الميلاد إلى ما قبل المدرسة، فهي الأساس في بناء الأجيال الصالحة للمجتمع والاستثمار الأمثل لمستقبل الوطن، وقد دلَّت التجارب العلمية على أهمية رعاية الطفل وتربيته في سن الحضانة، وتنميته في جميع المجالات العقلية والعاطفية والاجتماعية والجسمية، وأهمية تعريضه لخبرات متنوعة تلائم خصائصه العمرية من خلال الألعاب الذهنية والبدنية المختلفة، وفق برنامج تربوي وأنشطة مناسبة لمرحلته العمرية. ولقد أظهر المجتمع الدولي اهتمامًا بالغًا بقضايا الطفولة المبكرة باعتبارها الركيزة الأساسية لنمو ونماء الطفل، وعُقدت الكثير من المؤتمرات والملتقيات الدولية والمحلية، وأُجريت العديد من الدراسات والبحوث في مجال الطفولة المبكرة؛ لكونها تمثِّل أولوية قصوى في العجلة التنموية، ولأنها هي الخيار الإستراتيجي لتقدُّم الأمم، فالدراسات الحديثة القائمة على أبحاث الدماغ تؤكد أن كمية الخبرات التي يتعرض لها الطفل من الولادة وحتى ست سنوات تؤثِّر تأثيرًا إيجابيًّا وحاسمًا على نموه ومهاراته وقدراته على التعلُّم، وتشكيل شخصيته.

إذًا، وكخلاصة لما تقدَّم، فإن السؤال الذي يطرح نفسَه الآن: ما العائد أو الفوائد التي سيكتسبها المجتمع والطفل من التحاقه بمدارس أو مراكز الطفولة المبكرة (الحضانات، ورياض الأطفال)؟

إنَّ تعليم ورعاية الطفولة المبكرة يحقِّق فوائد تربوية واقتصادية واجتماعية وصحية، تتمثل فيما يلي:

  • التنمية الاجتماعية والعاطفية: يتعلم الطفل في مرحلة رياض الأطفال التعامل مع الأقران، والمشاركة الاجتماعية، والمهارة في حلِّ مشكلاته، والتعبير عن احتياجاته لفظيًّا.
  • التهيئة والاستعداد للمدرسة: تُساعد رياض الأطفال في تعليم الطفل أساسيات السلوك الصحيح في الفصل؛ كرفع يديه لطلب المشاركة، والصبر وانتظار دوره، والانتباه والتركيز مع المعلم.
  • تعزيز اللغة والمهارات المعرفية: يتعلم الطفل مجموعةً من المفردات، حيث يُعزِّز المعلمون المهارات اللُّغوية عند الأطفال من خلال مجموعة من الأنشطة التي يقومون بها معًا.
  • تعلم القراءة والكتابة: يتعلم الأطفال القراءة والكتابة بالإضافة إلى تعلُّم الأرقام، حيث يتمُّ تدريسهم بطرق مميزة وجذَّابة عن طريق الغناء والأناشيد والألغاز، وغيرها من الوسائل التي تُشجِّع الطفل على التعلُّم، والاستطلاع، والاكتشاف، والتفكير، وحل المشكلات؛ وهو ما يسهم في تكوين أساس علمي فعَّال في المراحل اللاحقة.
  • الثقة بالنفس: يكتسب الطفل في مرحلة رياض الأطفال الثقة بالنفس، وتعزيز نظرته الإيجابية عن نفسه؛ وذلك من خلال قيامه بمجموعة من الأشياء دون مساعدة، مثل: غسل يديه، الذهاب إلى الحمام بمفرده، وخلع الحذاء بمفرده… وغيرها.
  • المهارات الحركية: يتعلم الطفل مهارات الحركة والتناسق العضلي، من خلال تدريبه على بعض الحركات المتفقة ونموه الجسمي.
  • تعليم الطفل آداب السلوك، وغرس القيم الأخلاقية الحميدة كالأمانة والصدق والنظافة… وغيرها، وتعويده على الفضائل الحميدة، وأساسيات الدين الإسلامي.
  • النمو العاطفي للطفل: تساعد مرحلة رياض الأطفال على النمو العاطفي للطفل، واستخدام العمليات العقلية في تنظيم عواطفه وانفعالاته، واكتشافه لذاته.
  • انخفاض التكاليف وتقليل الهدر التربوي والمادي، وخفض التكاليف المتعلقة بالتسرُّب من التعليم، وجنوح الأحداث، وجرائم البالغين، وتحسين أداء المواطن لواجباته وإنتاجه على المدى البعيد.
  • اكتشاف المواهب والإبداع لدى الأطفال، والعمل على رعايتها في المراحل اللاحقة.
  • العمل على إسعاد الطفل وحمايته من الأخطار.
  • تزويد الطفل بثروة من المعايير والمبادئ والعادات الصحية السليمة.

إنَّ من أهم وأبرز المعوقات التي تواجه القائمين على تأسيس مراكز الطفولة المبكرة ذات المستوى العالي هو ارتفاع تكلفة التأسيس، فهذا التمويل يُمثِّل تحديًا أساسيًّا لكل المؤسسات الحكومية والأهلية المعنية بتعليم ورعاية الطفولة المبكرة. ويتضح من تجارب بعض الدول (أمريكا وكندا وبريطانيا) التي حقَّقت مستويات جودة عالية في تمويل الطفولة المبكرة التي تمتد من الولادة وحتى خمس سنوات، أنَّ تمويل هذه المرحلة في تلك الدول يتوزع بين الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والجمعيات الخيرية. أما مرحلة التمهيدي المتقدم في رياض الأطفال للعمر من 5 إلى 6 سنوات في تلك الدول وفي دولة اليابان أيضًا، فقد ضُمِّن لسُلَّم التعليم الرسمي وأصبح إلزاميًّا؛ وهو ما ساعد على رفع نسبة الالتحاق في تلك الدول.

لقد شهدت السنواتُ الأخيرة العديدَ من المتغيرات المعرفية في تعليم ما قبل المدرسة، والتي تُوليها الدول المتقدِّمة الكثيرَ من الأهمية مستندةً في ذلك على نتائج الأبحاث التي أكدت أهميةَ وخطورة هذه المرحلة التعليمية المهمة في بناء شخصية الطفل، فالاستثمار في التعليم المبكر هو استثمار تحصده جميع مراحل التعليم، وكل ما تصرفه الدول في التعليم المبكر ذي الجودة العالية سوف تعوِّضه أضعافًا من خلال خَفْض الهدر التربوي والمادي المتمثِّل في تقليل نسب الرسوب والانسحاب والتسرُّب من المدرسة، والنجاح في الحياة العامة.

ولم تكن المملكة العربية السعودية بمعزل عن هذا الحراك العالمي والأكاديمي في مجال العناية بالطفولة المبكرة، فقد أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بالطفولة المبكرة، من خلال سنِّ التشريعات والتنظيمات التي تؤكد على حقوق الطفل والأم العاملة، كما نصَّت سياسة التعليم في المملكة على ذلك أيضًا، فصدرت العديد من القرارات السامية للاستثمار في هذه المرحلة، والعمل على تجويدها بما يتماشى مع التوجهات التربوية والمستجدات العالمية الحديثة.

ومن أهم مظاهر الاهتمام بمرحلة الطفولة المبكرة في المملكة ما يلي:

  • التزام المملكة بالمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تمَّت المصادقة عليها في مجالات برامج الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، والتي تحققت للمملكة من خلالها العديدُ من المكاسب والإنجازات، وانعكست مخرجاتها بشكل خاص على ارتفاع مستوى تعليم ورعاية الطفولة المبكرة.
  • تأكيد سياسة التعليم في المملكة على أهمية (دور الحضانة ورياض الأطفال) في تنمية وتعليم الطفولة، ويعكس نظام التعليم السعودي أهمية الطفولة المبكرة في إقراره بحق الطفل في التعليم من خلال مجانية التعليم بكل مراحله، بما فيها مرحلة رياض الأطفال.
  • إبرام اتفاقيات مع منظمات إقليمية ودولية، ومن أهمها: برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)؛ وذلك لإعداد منهج (التعليم الذاتي) لمرحلة رياض الأطفال على أسُس تربوية ملائمة لتلك المرحلة الزمنية، بالإضافة إلى إنشاء ستة مراكز لتدريب وتأهيل معلمات رياض الأطفال، موزَّعة على مناطق المملكة.
  • صدور الأمر السامي الكريم في عام 1423هـ، بجعل مرحلة رياض الأطفال مرحلةً مستقلة بمبانيها وفصلها عن مراحل التعليم الأخرى، ووضع خطة وبرنامج زمني للتوسُّع فيها في أنحاء المملكة، مع الاستفادة من القطاع الخاص في تحقيق هذا الهدف.
  • ما ورد في الإستراتيجية الوطنية للطفولة في المملكة (من إدراك أهمية السنوات الأولى من عمر الطفل ومدى التأثير البالغ للتعليم المبكر، والجودة العالية على مستقبل الطفل ونموه من جميع الجوانب، وما يترتب على ذلك من مضامينَ تربويةٍ واستثمارية تجعلها قاعدةَ السُّلَّم التعليمي)، كما تعتمد الرؤية المستقبلية للطفولة كما وردت في الإستراتيجية الوطنية للطفولة في المملكة (منظورًا شاملًا لحقِّ الطفل في التعليم؛ كونه حقًّا مركزيًّا وشرطًا أساسيًّا في تمكين الطفل وضمان كافة حقوقه وفق الوثائق والالتزامات الوطنية السعودية).
  • ما تضمنته وثيقة رؤية المملكة 2030 من تأكيد على توفير التعليم القادر على بناء الشخصية، وترسيخ القيم الإيجابية في شخصيات أبنائنا؛ عن طريق تطوير المنظومة التعليمية والتربوية بجميع مكوناتها، والتأكيد على أن كلَّ طفل سعودي – أينما كان – سيحصل على فرص التعليم الجيد وفق خيارات متنوعة، وأنه سيكون هناك تركيز أكبر على التعليم المبكر.

وامتدادًا لهذا الاهتمام، فقد بذل القائمون على وزارة التعليم خلال العقود الماضية، وما زالوا يبذلون جهودًا كبيرة للرقي بالخدمات المقدَّمة للطفولة المبكرة، وتجويدها؛ وذلك من رؤية وإحساس بأهمية هذه المرحلة، وقناعة بوجود حاجة ملحة للرقي بالخدمات المقدَّمة لها. فكان تأسيس أول روضة في المملكة عام 1965م في المدينة المنورة، وكانت روضة حكومية، تلاها افتتاح رياض الأطفال الحكومية والأهلية بشكل مُتدرِّج، حتى بلغ إجمالي رياض الأطفال خلال الفترة من عام 1965م إلى عام 2009م، حوالي (500) روضة.

لقد شرُفت بالعمل في وزارة التعليم كنائب لوزير التعليم خلال الفترة من عام 2009م وحتى 2015م، وحرصت خلال تلك الفترة على العمل مع زملائي وزميلاتي في الوزارة على دعم الطفولة المبكرة، وتحديد الأولويات التي لا تحتمل التأجيل، مع المحافظة على التوازن في تحقيق متطلبات المرحلة الآنية والإستراتيجية، وذلك من خلال عدد من المسارات التي تتوازى وتتوازن فيها المكونات الكمية والنوعية لتحقيق الأهداف والطموحات المستقبلية لتطوير الطفولة المبكرة، والرقي بمخرجاتها. ولقد واجه هذا المشروع الكثير من التحديات التي تمت معالجة أغلبها في حينه ولله الحمد، ومن أهم المسارات التي تمَّ تبنِّيها في تلك الفترة ما يلي:

  • تبنِّي المفهوم الشامل لمرحلة الطفولة المبكرة.
  • التوسُّع في إنشاء روضات لمرحلة رياض الأطفال.
  • توفير وتأمين الدعم للتوسُّع في رياض الأطفال.
  • رفع الكفاءة المهنية لمعلمات رياض الأطفال.
  • التوعية بأهمية مرحلة رياض الأطفال.
  • تعزيز مشاركة كافة القطاعات في مرحلة الطفولة المبكرة.

وفيما يلي توضيح مختصر لأهم ما تمَّ إنجازه:

  • تبنِّي المفهوم الشامل (المتكامل) لمرحلة الطفولة المبكرة:

إنَّ الرؤية المستقبلية للتعليم التي تستهدف صناعة الإنسان من خلال الاستثمار في الطفل السعودي – تدعونا للنظر بشكل شمولي للتعليم، وربط نموذج مرحلة التعليم المبكر بمراحل التعليم الأخرى، إضافةً لذلك وتماشيًا مع حق الطفل وحاجته إلى مفهوم متكامل، وسعيًا لمراعاة الجوانب النفسية لشخصيته والسيكولوجية والنمائية مع ضمان جودة تعلُّمه في بيئة آمنة وسليمة ومحفِّزة؛ فلقد كان لوزارة التعليم السبقُ في تبنِّي المفهوم الشامل لمرحلة الطفولة المبكرة، والتي تشمل الأطفال من الولادة إلى ثماني سنوات، ويدخل تحت هذه المرحلة ثلاثة مستويات، هي:

  • مستوى الحضانة، وتبدأ من الولادة.
  • مستوى الروضة، وتبدأ من سن (3) سنوات.
  • مستوى الصفوف الأولية، وتبدأ من سن (6) سنوات، وتشمل حسب سُلَّم التعليم الرسمي الصفوف: الأول والثاني والثالث الابتدائي.

 

  • التوسُّع في إنشاء روضات لمرحلة رياض الأطفال:

تمَّ تبنِّي مشروع للتوسُّع في رياض الأطفال الحكومية في القرى والهجر والأحياء التي لا يصلها التعليم الأهلي داخل المدن بوزارة التعليم، حتى تضاعَف عدد الروضات الحكومية من حوالي (500) روضة في عام (2009م)، إلى أكثر من (1500) روضة في عام (2015م)، وكانت هذه الخطة سريعة وطموحة وجريئة، حيث إنَّه خلال الأعوام 2010م، 2011 م، 2012م، كان يتم افتتاح روضات الأطفال بمعدل سريع يصل في بعض الأحيان إلى (2 – 3) روضات يوميًّا، وقد ساهم ذلك في رفع نسبة الالتحاق بمرحلة رياض الأطفال في المملكة إلى أكثر من 14 %، إضافةً لذلك فقد تمَّ إعداد خطة خمسية مستقبلية لافتتاح عدد (1500) روضة حكومية خلال خمس سنوات، بمعدل (300) روضة في كل عام على مدى خمسة أعوام.

  • توفير وتأمين الدعم للتوسُّع في روضات الأطفال:
  • العمل على بناء منهج حديث لمرحلة رياض الأطفال، وإعداد أدلة إجرائية للعمل في هذه المرحلة، بالإضافة لتطوير مراكز تدريب معلمات رياض الأطفال.
  • وَضْع خطة تشغيلية لمتابعة وتقييم خطة التوسُّع، وتحليل تقارير إدارات التعليم حول تطبيق خطة التوسُّع، وتحديد المعوقات والعمل على معالجتها.
  • التعاون مع شركات متخصصة لتوريد تجهيزات رياض الأطفال، وتجهيز فصول الروضات.
  • إعداد دليل لتأثيث وتجهيز الروضات، يشمل المواصفات الفنية وسُبل توظيف مكونات الدليل في العملية التعليمية.
  • تحديد المعايير الخاصة بالمساحات التي يمكن تنفيذ خطة التوسُّع فيها.
  • تصميم قاعدة بيانات لحصر بيانات معلمات رياض الأطفال اللاتي يمكن إعادة تأهيلهن وفق محددات معيارية (السن، التخصص، الرغبة).
  • تخصيص وظائف تعليمية للمتخصصات في رياض الأطفال.
  • دعم التوسُّع النوعي للمرحلة من خلال تبني مشروع بناء المعايير النمائية الوطنية للطفولة المبكرة، بالاعتماد على قدرات وطنية مؤهلة، وبتعاون وإشراف من الجمعية الأمريكية الوطنية لتعليم الأطفال الصغار The national association for the education of the Young children (NAEYC)، ويعتبر هذا المشروع دليلًا داعمًا للمعنيين بمرحلة الطفولة المبكرة سواء في وزارة التربية والتعليم أو أولياء الأمور أو مُقدِّمي الخدمة للطفولة المبكرة، كما أنه سيكون – بإذن الله – أساسًا لإعداد المعايير للمراحل الدراسية الأخرى، والمنطلق الأساسي لتطوير هذه المرحلة وبقية المراحل التعليمية، ويعَدُّ هذا المشروع هو الأول من نوعه على المستوى العربي والإسلامي.
  • رفع الكفاءة المهنية لمعلمات رياض الأطفال:

إن الاهتمام بعملية تدريب الموارد البشرية، وزيادة فعالية وكفاءة أدائها، ومواكبة المستجدات العالمية التي تطرأ على برامج الطفولة المبكرة، والاستثمار في القوى العاملة وتمكينها من أداء أدوارها بفعالية – يعَدُّ هدفًا من الأهداف الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، ولدعم هذا الهدف فقد جرى العمل على ما يلي:

  • وضع إطار عام لتصميم برامج للتطوير المهني لمعلمات رياض الأطفال، يهدف إلى تدريب أو إعادة تأهيل معلمات رياض الأطفال، مع العمل على الحصول على اعتراف وزارة الخدمة المدنية لهذه البرامج؛ وذلك لاحتساب هذه البرامج في المسار المهني للمعلمات.
  • تنفيذ العديد من برامج التنمية المهنية التي تهدف إلى رفع كفاءة معلمات رياض الأطفال من خلال الإيفاد الداخلي أو الابتعاث الخارجي لمَن هُنَّ دون المؤهل الجامعي.
  • التنسيق مع وزارة التعليم العالي لاستحداث أقسام جديدة للطفولة المبكرة في الجامعات السعودية؛ لتأمين الكفاءات المتخصصة في هذه المرحلة على المستوى الوطني، وتصميم برامج للتطوير المهني لمعلمات رياض الأطفال.
  • التعاون مع منظمة الخليج العربي للتنمية (أجفند) لتطوير مراكز تدريب معلمات رياض الأطفال، وفق مؤشرات عالمية مع أَخْذ العناصر التعليمية للطفولة المبكرة في الاعتبار.
  • تعزيز جهود العاملين في الميدان، ومنهم معلمات رياض الأطفال، بمجموعة من الحوافز التي تدفعهن للإبداع والابتكار، وتتيح لهُنَّ الفرصة للتميُّز، من خلال جائزة وزارة التعليم للتميُّز، وإشراكهن في الجوائز التي تقوم عليها الهيئات والمؤسسات والأفراد في الدول العربية والعالمية.
  • إتاحة الفرصة للعاملات في مجال الطفولة المبكرة لحضور المؤتمرات الإقليمية والدولية والبرامج التدريبية؛ لمواكبة المستجدات العالمية في هذا المجال.
  • التوعية بأهمية مرحلة رياض الأطفال:

نظرًا لوجود حاجة للتوعية بأهمية مرحلة رياض الأطفال، فقد تمَّ العمل على ما يلي:

  • وَضْع خطة للتوعية بأهمية مرحلة رياض الأطفال، وعَقْد لقاءات مكثفة وورش عمل في إدارات التعليم.
  • توقيع اتفاقية تعاون مع وزارة الثقافة والإعلام لتخصيص عدد (15) ساعة تلفزيونية شهريًّا، وتخصيص عدد (60) ساعة إذاعية شهريًّا، وذلك لوزارة التعليم بحيث تتولى الوزارة الإشراف على المحتوى والإعداد للبرامج على اختلافها، ومنها برامج التوعية بأهمية مرحلة الطفولة المبكرة.
  • دعمًا لمرحلة الطفولة المبكرة، وحرصًا على تشجيع الأهالي على إلحاق أطفالهم بمرحلة رياض الأطفال، وحيث إنَّ خصائص النماء تختلف من طفل لآخر؛ فقد أقرَّت الوزارة في عام 1432هـ السماح بتطبيق الفترة التقديرية (Calibration period)، وذلك من خلال السماح للأطفال الذين تقلُّ أعمارهم عن ست سنوات بـ (180) يومًا، أي ستة أشهر بالتسجيل في الصف الأول الابتدائي بشرط الالتحاق بمرحلة رياض الأطفال، وبشرط التأكُّد من جاهزية هؤلاء الأطفال لذلك وفق مقياس الاستعداد المدرسي الذي صُمِّم لهذا الغرض، بحيث يتم التحقُّق من توفُّر عدد من المعايير، ومن أهمها تمكُّن الطفل من المهارات النمائية.
  • تعزيز مشاركة كافة القطاعات في مرحلة الطفولة المبكرة:

إنَّ عملية إصلاح التعليم تستلزم تضافُر وتكاتُف الجهود بين جميع المؤسسات في القطاعين الحكومي والخاص، فالتعليم مسؤولية مجتمعية وواجب وطني، كما أن العناية بالطفولة المبكرة مسؤولية مشتركة أيضًا بين كافة القطاعات؛ لذا وإيمانًا من القائمين على التعليم بأهمية الشراكة المجتمعية مع مؤسسات المجتمع المدني، ومع الجهات التي تقدِّم خدمات للطفولة، فقد تمَّ تنفيذ عدد من المشاريع والبرامج التي تهدف لتجويد مرحلة الطفولة المبكرة بالتعاون مع بعض المؤسسات الحكومية والجمعيات الخيرية، والشركات الوطنية، وبعض الجامعات الحكومية والأهلية، ومن ذلك ما يلي:

  • العمل على التشبيك مع الجهات التي تُعنى بتقديم برامج للطفولة المبكرة، مثل: وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الشؤون الإسلامية، ووزارة الصحة، وجمعية رعاية الطفولة.
  • حرصًا على تحقيق التكافؤ بين ما يتلقاه الطفل داخل الروضة وما يتلقاه في المنزل؛ فقد تمَّ تبنِّي ودعم مشروع لتثقيف الأم والطفل، بالتعاون مع جمعية رعاية الطفولة؛ وذلك من أجل مساعدة أمهات الأطفال على تربية أطفالهن تربية سليمة، ومساعدة هؤلاء الأطفال على اكتساب المهارات الأساسية بما يتوافق وخصائصهم النمائية.
  • تبنِّي عدد من المبادرات لدعم مرحلة الطفولة المبكرة من خلال الشراكة المجتمعية مع القطاع الخاص؛ وذلك بتأهيل أو إنشاء عدد من رياض الأطفال ومراكز التدريب في المملكة، ضمن مبادرات مؤتمر الجودة في التعليم العام.
  • السماح للمدارس الأهلية في عام نهاية 2009 م، بتدريس الأطفال الذكور في الصفوف الأولية (الأول والثاني والثالث) من قِبل معلمات، وقد وصلت نسبة المدارس الأهلية التي طلبت الموافقة على ذلك أكثر من 80 % حتى عام 2015م.
  • دَعْم ومتابعة مشروع تطبيق تجربة لضمِّ طالبات مرحلة التمهيدي المتقدِّم للعمر (5 -6) سنوات مع طالبات المرحلة الابتدائية بمبنى واحد، في عدد من المدارس الحكومية بمدينة الرياض، ومتابعة عملية تقييم التجربة للتحقُّق من جدوى تعميمها.
  • تبنِّي مشروع لافتتاح حضانات لأبناء الموظفات بوزارة التعليم من عمر شهر وحتى ثلاث سنوات، وإعداد الدليل المنظِّم للحضانات، والسماح بافتتاح حضانات داخل المدارس والمجمعات الحكومية، مع إتاحة الفرصة للمستثمرين لافتتاح حضانات أهلية.

إن القائمين على وزارة التعليم قد حرصوا وما زالوا يحرصون على العناية بمرحلة الطفولة المبكرة. ومن أهم المستجدات في مجال تعليم ورعاية الطفولة المبكرة في وزارة التعليم: المشروع الوطني الجديد (مدارس الطفولة المبكرة) الذي تمَّ تدشينه من عدة أشهر، والذي يهدف إلى دعم وتحسين جودة التعليم في إطار رؤية المملكة 2030، حيث تمَّ تدشين أكثر من ألف مدرسة للطفولة المبكرة، وتطبيق إسناد تدريس الصفوف الأولية للطلاب من الجنسين إلى المعلمات، والتي ستُوفِّر حسب ما أوضحته الوزارة أكثر من ملياري ريال سعودي، أي (533) مليون دولار. لقد عملت الوزارة على زيادة أعداد الأطفال المستهدفين بخدمات الطفولة بعدد إجمالي يتجاوز (160) ألف طالب وطالبة في رياض الأطفال والصفوف الأولية، وقد بلغ عدد مدارس الطفولة المبكرة (1460) مدرسة، تضمُّ (3313) فصلًا دراسيًّا في رياض الأطفال، وعدد (3483) فصلًا في الصفوف الأولية، لاستيعاب عدد (82,825) طالبًا وطالبة.

أما الفئة العمرية المُستهدَفة بهذا المشروع الرائد فهي المستويات الثاني والثالث (التمهيدي المبتدِئ والتمهيدي المتقدِّم) في رياض الأطفال، وذلك للعمر (4 إلى 6) سنوات، والصفوف الأولية في المرحلة الابتدائية (الصف الأول والثاني والثالث)، بنين وبنات للعمر (6 – 7 – 8) سنوات، ويُقصد بالإسناد: تدريس الصفوف الأولية للطلاب الذكور من قِبل معلمات متخصصات، وتسعى وزارة التعليم بهذا المشروع إلى رَفْع نسبة الالتحاق برياض الأطفال من 17% إلى 21% في نهاية العام الحالي، وتحسين جودة التعليم والاستثمار الأمثل للفراغات والمساحات في المباني المدرسية لمرحلتي رياض الأطفال والابتدائي، والاستفادة من الموارد المتاحة لمنظومة التعليم، وتوسيع فرص الالتحاق برياض الأطفال جغرافيًّا، لتشمل جميع مناطق المملكة، وإيجاد إطار عملي لتوفير التعليم للطفولة المبكرة في المملكة.

ولقد أشارت أ. ندى السماعيل مديرة عام رياض الأطفال بوزارة التعليم إلى أن تطبيق المشروع وتأهيل وتطوير المباني المستقلة للطفولة المبكرة، قد واكبه تحديث لبعض الأنظمة الداخلية، وتوفير عناصر متخصِّصة في رياض الأطفال والصفوف الأولية، مع إعداد وتطوير برامج تأهيلية، مؤكِّدة أنَّ مشروع مدارس الطفولة المبكرة سيُطبَّق في مختلف مناطق المملكة من مدن وقرى وهجر، وموضِّحة بأن وزارة التعليم قد اتخذت عددًا من الإجراءات لتطبيق المشروع؛ منها: مراجعة السياسات التعليمية ذات العلاقة بهذه المرحلة، وتشكيل فِرق عمل من المتخصصين لبناء وتنفيذ وتقويم التعليم للطفولة المبكرة، والاستفادة من التجارب الدولية والإقليمية في مجال تطوير وتحسين جودة التعليم للطفولة المبكرة، وإعداد الخُطط التنفيذية، وتحديد المستهدفات المستقبلية، وتطوير البرامج التربوية للطفولة المبكرة؛ كما أوضحت أن الوزارة تستهدف رفع نسبة الالتحاق برياض الأطفال إلى 95 % في عام 2030.

كما أن وزارة التعليم قد قامت خلال الفترة الماضية أيضًا بتبنِّي مشروع (الروضة الافتراضية)، وهذا المشروع عبارة عن تطبيق إلكتروني مجاني، يتبنى منهجية التعليم عن بُعد، من خلال محتويات تعليمية مُخصَّصة للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة للعمر من ثلاث سنوات وحتى ست سنوات، ويتضمن هذا التطبيق خمسة عناصر رئيسة هي: القصص التربوية، الأناشيد التعليمية، الأنشطة التفاعلية، الألعاب الإلكترونية التعليمية، والفيديوهات التعليمية، وهذا التطبيق مُتاح لأولياء الأمور ولكلِّ مَن يرغب.

لقد سعدت كثيرًا بمشاريع الوزارة، وبالأخص مشروع (مدارس الطفولة المبكرة)، ولديَّ قناعة كبيرة بأنه سيكون لهذا المشروع آثارٌ إيجابية كبيرة في تطوير مستوى العملية التعليمية، وتحسين مخرجات التعليم، وفي رَفْع نسبة التحاق الأطفال بمرحلة رياض الأطفال.

وكل ما أتمناه من هذه الوزارة العريقة أن تُكمل المشوارَ في دعم الطفولة المبكرة من خلال تبنِّي مشروع للحضانات، وذلك للأطفال من (الولادة إلى ثلاث سنوات)، ولا أعني بذلك أن تقومَ وزارة التعليم بفتح حضانات مجانية، فهذه المهمة – من وجهة نظري – ليست مهمتهم، بل هي مهمة مشتركة بين جميع القطاعات التي تعمل بها أكثر من خمسين موظفة، إذ يُفترض أن تُوفِّر تلك القطاعات حضانات لأطفال الموظفات بمقابل مادي ملائم، وذلك انطلاقًا من السياسات الوطنية لحقوق الموظفات العاملات، التي تؤكِّد على تقديم الخدمات المساندة للمرأة العاملة، وتفعيلًا للمادة رقم (159) من مواد نظام العمل التي تؤكد على ذلك.

إن الذي أعنيه بتبنِّي مشروع الحضانات من قِبل وزارة التعليم، هو وضع الأنظمة والضوابط والبرامج النمائية التي تراعي خصائص نمو الأطفال وحاجاتهم، وقدراتهم الجسدية والانفعالية والعقلية والاجتماعية وفق المعايير النمائية للأطفال في هذه المرحلة (من الولادة وحتى ثلاث سنوات)، والمتابعة لعمل هذه الحضانات وضبط الجودة في كلِّ ما يُقدَّم من برامج وأنشطة.

لقد أكدت الدراسات التربوية أهميةَ وجود مؤسسات تربوية يلتحق بها الأطفال في سن مبكرة بحيث ترعاهم وتطوِّر قدراتهم الذهنية والعقلية والاجتماعية، من خلال برامج تربوية وترفيهية، وبرامج للتعليم المبكر متوافقة مع المعايير النمائية للمرحلة العمرية؛ وهو ما يؤدي إلى تسريع عملية النمو السليم، ويُمهِّد لدخولهم الروضة ثم المدرسة، ويُهيِّئهم في وقت لاحق للنجاح في الحياة.

ويزيد من أهمية هذه المؤسسات حاجة الأمهات العاملات لتعزيز استقرارهن وشعورهن بالراحة النفسية والأمان، بوجود أطفالهن في مؤسسات تربوية آمنة، ترعاهم بطريقة سليمة، مما سيساهم في زيادة إنتاجية هؤلاء الموظفات في العمل والأداء الوظيفي، ويزيد من نسبة انضباطهن في الحضور والالتزام بمواعيد العمل، وفي الوقت نفسه يُحقِّق لهُنَّ الرضا الوظيفي.

وأخيرًا، فإن الأطفال نعمة وهبة، والهبة جديرةٌ بأن تُصان وتُرعى وتُحفظ، وحقوق الطفل في الإسلام تبدأ من ولادته، واختيار اسمه، وحقه في الرضاعة الطبيعية، وحقه في الرحمة والحياة الكريمة والرعاية الصحية، وحقه في اللعب، وأخيرًا حقه في التعليم والرعاية والتربية، وهو ما نحن بصدده في هذه الورقة.

إن الأطفال هم أملُ أيِّ أمة تسعى للرقي وتحقيق التنمية الشاملة والعادلة والمتوازنة، وإنَّ هذا لن يتحقق بالتمني، ولكن بالعزم والتصميم والإرادة الجادة، والعمل الدؤوب، وبالقادة الذين يدعمون ويساندون، وإنَّ أطفالنا بقدر حاجتهم إلى كل ذلك لهم الحق في أكثر من ذلك.

التوصيات:

إن من أهم التوصيات التي أرى العملَ عليها للرقي بعملية تعليم ورعاية الطفولة المبكرة ما يلي:

  • مراجعة التنظيمات والتشريعات الخاصة بتعليم ورعاية الطفولة المبكرة، وتطويرها بما يتلاءم ورؤية المملكة 2030، وبما يتفق والتطورات العلمية، وبما يسهم في رفع نسبة الالتحاق بهذه المرحلة، ومواكبة الدول المتقدِّمة في هذا المجال.
  • العمل على إضافة مرحلة الروضة المتقدِّمة للعمر من خمس سنوات إلى ست سنوات لسُلَّم التعليم الرسمي، وجَعْلها إلزامية.
  • وضع الضوابط والجزاءات الخاصة بإلزامية التعليم بشكل عام، والتعليم المبكر بشكل خاص، سواء لسن (5 – 6) سنوات أو الصفوف الأولية في المرحلة الابتدائية.
  • إعداد دراسة علمية محكمة لتقييم واقع رياض الأطفال في المملكة، ووَضْع خطة تطويرية متفقة ورؤية المملكة 2030.
  • الاستفادة من دليل المعايير النمائية الوطنية لمرحلة الطفولة المبكرة في التخطيط لبرامج وأنشطة الطفولة المبكرة، وعملية تهيئة البيئة المدرسية لهذه المرحلة، وبرامج التطوير المهني للمعلمات، سواء في وزارة التعليم أو مؤسسات التعليم الأهلي.
  • الاستفادة من دليل المعايير النمائية أيضًا في عملية وضع المعايير والضوابط لجميع المؤسسات المعنية بتعليم ورعاية الطفولة المبكرة في وزارة التعليم أو التعليم الأهلي، وذلك من قِبل هيئة تقويم التعليم، وتفعيل ذلك في عملية تقويم هذه المؤسسات.
  • العمل على بناء معايير نمائية وطنية لمراحل التعليم الأخرى، وبالأخص المرحلة الابتدائية، بالتنسيق مع الجهات المتخصصة في هذا المجال؛ وذلك للاستفادة من هذه المعايير في بناء وإعداد المناهج الدراسية، والبرامج والأنشطة المساندة، والبيئة المدرسية… وغيرها، بما يتفق وخصائص نمو أبنائنا وبناتنا في هذه السن؛ وذلك لتحقيق الاستفادة القصوى من التعليم، وتقليل الهدر التربوي والمادي.
  • تعزيز كفاءة الفرص الاستثمارية في مجال الطفولة المبكرة، وتقليل المخاطر عبر الشراكات مع المؤسسات أو الشركات التنفيذية المحلية، بحيث تخضع هذه المؤسسات للحوكمة والرقابة.
  • حث المستثمرين السعوديين على الاستثمار في جميع مجالات الطفولة المبكرة ذات الطابع التنموي الذي يمكن أن يُسهم في خلق فرص عمل للمواطنين، كإنشاء مدارس الطفولة المبكرة أو الحضانات، أو تصميم وبناء مدارس الطفولة المبكرة أو الحضانات، أو تدريب المعلمات في جميع المجالات، وبالأخص مجال الطفولة المبكرة، أو تصنيع الأثاث أو الألعاب التعليمية للطفولة المبكرة أو النقل التعليمي،.. وغيرها من فرص استثمارية يمكن أن تخدم التعليم بشكل عام، وتعليم ورعاية الطفولة المبكرة بشكل خاص، والمساهمة في تحقيق التنمية الوطنية.
  • استحداث أقسام خاصة بالطفولة المبكرة في الجامعات السعودية، تُعنَى بتعليم طالبات الجامعة (اللاتي لديهن الاستعداد لمهنة التعليم في هذه المرحلة) أساسيات تعليم ورعاية الطفولة المبكرة للعمر من الولادة وحتى ثماني سنوات.
  • العمل على التوعية بأهمية تعليم ورعاية الطفولة المبكرة، على أن تتولى عملية التوعية جميع المؤسسات المعنية بهذه المرحلة، مثل: الكليات المتخصِّصة في هذا المجال في الجامعات، والمعنيين بالطفولة المبكرة في وزارة التعليم، والجمعيات الخيرية كجمعية رعاية الطفولة، وغيرها من مؤسسات في القطاع التعليمي الأهلي؛ سواء عن طريق المحاضرات، أو ورش العمل، أو المطبوعات، أو البرامج الإعلامية، أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ مع أهمية أن تُوجَّه هذه البرامج التوعوية للنساء والرجال على حد سواء، وليس للنساء فقط.
  • مراجعة وتفعيل الأنظمة والسياسات الوطنية الخاصة بحقوق المرأة العاملة، التي تؤكِّد على تقديم الخدمات المساندة للمرأة العاملة، ومنها: توفير حضانات للأطفال من عمر الولادة وحتى ثلاث سنوات في مقر العمل أو قريبة منه، وذلك لأبناء الموظفات في أي جهة حكومية أو قطاع خاص، إذا زاد عدد الموظفات عن خمسين موظفة، على أن يشمل ذلك أطفال المعلمات في المجمعات المدرسية، بحيث تكون هذه الحضانات بمقابل مادي تدفعه الأم العاملة، مع وَضْع التنظيمات والضوابط المؤسسية التي تحكم ذلك.
  • أن تقوم وزارة التعليم بوضع الأنظمة والضوابط والبرامج والأنشطة النمائية للحضانات التي تخدم الأطفال من الولادة وحتى ثلاث سنوات، بحيث يُراعَى في هذه البرامج والأنشطة خصائص نمو الأطفال وحاجاتهم وقدراتهم الجسدية والانفعالية والعقلية والاجتماعية، وَفْق المعايير النمائية للأطفال في هذه المرحلة.
  • أن تتولى وزارة التعليم مَنْح التراخيص لجميع الحضانات في جميع القطاعات، مع الإشراف على عمل هذه الحضانات إداريًّا وفنيًّا وتربويًّا، ومتابعة وضبط العمل في تلك الحضانات للتحقُّق من جودة ما يُقدَّم فيها من برامج وأنشطة.
  • استكمال العمل على مشروع إسناد تدريس الطلاب البنين في الصفوف الأول والثاني والثالث لمعلمات في جميع المدارس الحكومية والأهلية.
  • مراجعة إجراءات مَنْح التراخيص للقطاع الأهلي لافتتاح مدارس الطفولة المبكرة أو الحضانات سواء في وزارة التعليم أو غيرها من المؤسسات المعنية بذلك، والعمل على تبسيطها وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال.
  • فتح مراكز للخدمة الشاملة في أنحاء المملكة؛ وذلك لتقديم خدمات ميسرة وشاملة للمستثمرين في التعليم بشكل عام، والمستثمرين في تعليم ورعاية الطفولة المبكرة بشكل خاص، ومَنْح جميع التراخيص الخاصة بهذه المشاريع الاستثمارية من خلال تلك المراكز، ويُقترَح أن تقام هذه المراكز في إدارات التعليم بالمناطق.
  • أن يُتاح للقطاع الخاص المساهمة مع وزارة التعليم في تطوير وتجويد ما يُقدَّم للطفولة المبكرة من برامج وأنشطة، كعملية بناء وإعداد المناهج والبرامج لهذه المرحلة.
  • أن تقوم شركة تطوير التعليم القابضة بوضع آليات للإقراض الميسر للراغبين في الاستثمار في مدارس الطفولة المبكرة أو الحضانات، ومَنْح قروض لمَن يثبت جدوى مشاريعهم، وتقديم المساندة الإدارية والفنية المتخصِّصة في مجال الطفولة المبكرة.
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. هيا العوَّاد (ضيفة الملتقى) (*):
  • أولًا: تطرَّقت الورقة الرئيسة لموضوع مهم جدًّا، وقد نعتبره موضوع الساعة، نتيجة الاهتمام الذي يحظى به المواطن السعودي من كافة النواحي في هذا العهد الزاهر، وهو ما يتطلب أن يكون مُعَدًّا إعدادًا يؤهله ليتبوأ مكانته في قيادة وطنه. وقد نال موضوع الطفولة المبكرة في السنوات الأخيرة ما يستحق من اهتمام من قيادة هذا البلد، وتمَّ التأكيد على أهمية العناية بالتعليم المبكر في الرؤية الوطنية ٢٠٣٠.
  • ثانيًا: الورقة الرئيسة شملت كافة الجوانب المهمة للطفولة المبكرة، وركزت على أهمية هذه المرحلة في حياة الإنسان وما حظيت به من دعم واهتمام من قِبل حكومتنا الرشيدة، وعرضت واقع ما قامت به وزارة التعليم في هذا المجال منذ بداية افتتاح رياض الأطفال إلى الوقت الراهن.
  • ثالثًا: لا شك أن أ. نورة الفايز تُدرك جيدًا أهمية توثيق أوراق العمل، ولكن قد يكون الوقت أو طبيعة النقاش في المجموعة لم يُسعفها لتوثيق الورقة العلمية؛ فأهمية مرحلة الطفولة المبكرة في حياة الفرد والمجتمع يعيها غالبية الناس بشكل عام، ولكن قلة مَن يدركون مستوى هذه الأهمية، وإلى أي درجة يمكن أن يخسر الفرد ويخسر المجتمع عند التفريط في تربية الأطفال في سن الطفولة المبكرة، وعدم إلحاقهم بمؤسسات تعليمية متخصِّصة تقدِّم لهم فرص التعليم والتعلُّم المبني على أحدث النظريات العلمية في التربية؛ ولذلك أرى أهمية توثيق هذه الورقة بذكر الدراسات العلمية وبخاصة التطبيقية منها التي تناولت موضوع الطفولة المبكرة وهي كثيرة، مثل: الدراسة التي نُشرت عام ٢٠١٨ في دورية  (Nature Communications) الأمريكية، وهي من الدراسات التتبُّعية التي أُجريت على مجموعة من الأطفال بداية التحاقهم برياض الأطفال، شارك في الدراسة 78 طفلًا من عائلات ذات دخل منخفض، ونُفِّذت في 40 عامًا كاملة تمَّ فيها تتبُّع عينة الدراسة، وأظهرت الدراسة أن التعليم المبكر حقَّق نتائج إيجابية على مستويات متعددة؛ إذ لُوحظ تحسُّنٌ في الحالة الصحية والتعليمية والبدنية والاقتصادية لهؤلاء الأطفال حين وصلوا إلى سن البلوغ، مقارنةً بأقرانهم الذين بدؤوا تعليمهم في عمر المرحلة الابتدائية، ويذكر أحد المشاركين في الدراسة أن الفريق يهدف في المستقبل إلى دراسة الأسس العصبية لاتخاذ القرارات الاجتماعية بالنسبة للأشخاص الذين تلقوا التعليم في الطفولة المبكرة، عبر تصوير أدمغتهم بالرنين المغناطيسي؛ لمعرفة مدى تأثُّر خلايا أمخاخهم بعملية التعلُّم المبكر، وذِكْر مثل هذه الدراسات يغني عن كثير مما يمكن كتابته تحت عنوان الأهمية، ويقنع صاحب القرار لبَذْل المزيد من الاستثمار في هذا المجال، وطلب الدعم المادي والبشري لبناء هذه المرحلة.
  • رابعًا: من المهم الإشارة إلى أنه في عام ٢٠١٦ تمَّ اعتماد بعض برامج تحقيق الرؤية الوطنية ٢٠٣٠، ومنها برنامج التحوُّل الوطني الذي تضمَّن مبادرات لعدة جهات في الدولة، ومنها وزارة التعليم التي اعتمد لها مبادرات كثيرة لتطوير التعليم، ومن أهمها: مبادرة (تطوير برامج الحضانات ورياض الأطفال والتوسُّع في خدماتها لتشمل جميع مناطق المملكة)، وخُصِّص لها ميزانية بلغت أكثر من ٢ مليار ريال؛ ونتيجة العمل على هذه المبادرة (وتحديثًا للإحصائية الواردة في الورقة الرئيسة التي تشير إلى أن عدد الروضات عام ٢٠١٥ بلغ ١٥٠٠ روضة)، فقد زاد عدد الروضات عام ٢٠١٨ فبلغ ٣٦٨٤ روضة.
  • خامسًا: من المهم أن يُضاف للورقة الرئيسة، ضمن مظاهر الاهتمام بمرحلة الطفولة المبكرة، ما يتعلق بالمعرض والمنتدى الدولي السادس للتعليم الذي أُقيم في إبريل ٢٠١٨، وخُصِّص للتعليم والتعلُّم في مرحلة الطفولة المبكرة، وقد كان المعرض والمنتدى الدولي برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، وهو المنتدى الأول على مستوى دول الخليج والدول العربية الذي خُصِّص للطفولة المبكرة، وقد كان لوجود العديد من بيوت الخبرة الدولية والمستثمرين الأجانب فرصة للتعرُّف على الفرص الاستثمارية في هذه المرحلة، مثل: دار الكتاب البريطانية، ومدارس جيمس التي بدأت استثمارها في المملكة.
  • سادسًا: فيما يخصُّ الفقرة الأولى من المنجز رقم ٦، فقد رفعت الوزارة للمقام السامي بشأن تعدُّد الجهات التي تشرف على الحضانات ورياض الأطفال، لما يسببه ذلك من ازدواجية ويؤثِّر على جودة هذه المرحلة، فصدر قرار مجلس الوزراء رقم ١٥٢ وتاريخ ٢٩/٤/ ١٤٣٧هـ متضمنًا قصر مسؤولية افتتاح الحضانات ورياض الأطفال والإشراف عليها على وزارة التعليم، ومراكز الضيافة على وزارة العمل؛ ما يعني أن جميع الجهات الأخرى المشار إليها في الفقرة ليس من صلاحياتها بعد صدور القرار العمل في هذا المجال.
  • سابعًا: بالنسبة للروضة الافتراضية هي تطبيق كغيره من التطبيقات المخصَّصة للأطفال، ولا أرى مناسبة ذكره دون توضيح الرأي التربوي حول اعتماده كمماثل للروضة، علمًا بأنه سيتم احتساب الأطفال المُسجَّلين في التطبيق ضمن نسبة الالتحاق برياض الأطفال، وبخاصة أن هناك دراسات تؤكد على أهمية إبعاد الأطفال عن الأجهزة الإلكترونية، مثل: دراسة نشرتها وزارة الصحة في فرنسا، تفيد بأن تعريض الأطفال للشاشات في الصباح قبل الذهاب للمدرسة يزيد من خطر تعرُّضهم لاضطرابات لغوية. كما أن أحد معايير التعلُّم النمائية التي بنتها وزارة التعليم مع الجمعية الوطنية الأمريكية لتعليم الأطفال الصغار (NAEYC) جودة بيئة التعلُّم المحسوسة.
  • ثامنًا: فيما يتعلق بموضوع الحضانات، فقد تضمنت مبادرة التحوُّل الوطني المشار إليها أيضًا إنشاء حضانات، وتمَّ بالفعل العمل مع شركة تطور للمباني على اعتماد مخططات هندسية لحضانات مستقلة وحضانات ملحقة بروضات لتقديمها للمستثمرين في هذا المجال، وأيضًا دعمهم بحوافز أخرى، كما تمَّ إعداد معايير التعلُّم النمائية لمرحلة الحضانة بالتعاون مع جمعية NAEYC، ولكن يبدو أن توجُّه الوزارة الحالي في الطفولة المبكرة التركيز فقط على رياض الأطفال عمر ٥ و٦ سنوات مع الصفوف الأولية.
  • تاسعًا: بلغ عدد التوصيات ١٩ توصية، ومن وجهة نظري من المناسب التركيز على توصيات رئيسة مختصرة ومحدَّدة، بحيث يتم بلورة ٣ أو ٤ توصيات تتعلق بالجوانب التالية:
  • دعم مرحلة الطفولة المبكرة بكامل مراحلها من الميلاد للصف الثالث الابتدائي، وعدم الاقتصار على صفين فقط من رياض الأطفال.
  • دعم معلمات رياض الأطفال وذلك بشمولهن بالماجستير المهني الذي استُثنيت منه أقسام الطفولة المبكرة في الجامعات.
  • العمل على أن يتزامن التوسُّع الكمي مع المحافظة على الجودة، وبخاصة مع مكتسبات سابقة تُمكِّن من تحقيق التوازن الكمي والنوعي عند عمليات التوسُّع والانتشار في أنحاء المملكة، ومن أهمها توافر المعايير النمائية التي بُنيت مع بيت خبرة دولي.
  • التعقيب الثاني: د. راشد العبد الكريم

الطفولة المبكرة من المراحل الأساسية والمهمة في حياة الطفل، إذ تؤكد الأدبيات النفسية أن شخصية الطفل تتكون – بشكل كبير – في السنوات الأربع الأولى من حياته.

وقد أفاضت الورقة الرئيسة في الحديث عن أهمية الطفولة المبكرة – مرحلة التمهيدي ورياض الأطفال، والصفوف الأولية من المرحلة الابتدائية. وهي أهمية مستحقة، وهذا أمر تتالت عليه الأدبيات التربوية؛ ولذلك لا أريدُ الحديث عنه، لكني أريد التنبيه على أمر كثيرًا ما نغفل عنه في زخم الحديث عن أهمية التعليم في الطفولة المبكرة، وهو أهمية عدم عزل الطفل عن محيطه الأسري. فالمحيط الأسري هو الأساس، وتعليم الطفولة المبكرة مهما قيل فيه – كما الحال مع النظام المدرسي من أساسه – أمرٌ طارئ في نمط الحياة الإنسانية. فالنشأة الإنسانية الفطرية نشأة أسرية. يجب ألا تغيب عنَّا هذه الحقيقة. وكل ما طرأ عليه إنما هو لمعالجة حاجات طارئة نتجت عن تغيرات في تلك النشأة الفطرية، اقتضتها التعقيدات الاجتماعية.

وطالما أن الحديث عن (الطفولة المبكرة)، فإن من المُلحِّ التأكيد على أهمية بناء مناهج الطفولة المبكرة على أسُس صحيحة، تُراعى فيها الأسُس العلمية في بناء المناهج. فمن خبرتي القصيرة في مناقشة رسائل علمية في مناهج الطفولة المبكرة، أرى تركيزًا على مناهج وبرامج غربية النشأة؛ (منتسوري)، و(هاي سكوب)، و(ريجيو إميليا).

أيضًا، من المهم توعية الأسر غير القادرة أو غير الراغبة في إلحاق أطفالها بالمراحل المبكرة من رياض الأطفال (الحضانة والتمهيدي)، لتطوير بيئات أسرية تربوية ومساعدتها في ذلك.

فالملاحظ أن هناك أسرًا تتفرغ فيها الأمهات لتربية أولادهن، لأسباب متعددة، وأرى أنَّه من الضروري الالتفات إلى تلك الأسر وتوفير الدعم لها، ماديًّا وعمليًّا؛ فكون الأسرة لا تُرسِل أولادَها لمدارس الطفولة المبكرة لا يعني أنه يجب ألا تُشمَل بالرعاية والتوجيه والاهتمام. فأقترح أن يكون هناك نظام (يشابه التعليم المنزلي في أمريكا)، بحيث يتأكد من توفُّر البيئة التربوية للأولاد الذين لا يذهبون لمدارس الطفولة المبكرة، وقد يخضعون لاختبارات محدَّدة؛ بل إني أذهب إلى أبعد من ذلك، بأن يُنظَر في بناء نظام يعِدُّ الأم المتفرغة لتربية أولادها (بعدد معين، دون وجود خادمة) امرأة عاملة.

فيما يتعلق بالتوصية (10) الواردة في الورقة، التي تنصُّ على (استحداث أقسام خاصة بالطفولة المبكرة في الجامعات السعودية تُعنَى بتعليم طالبات الجامعة (اللاتي لديهن الاستعداد لمهنة التعليم في هذه المرحلة) أساسيات تعليم ورعاية الطفولة المبكرة للعمر من الولادة وحتى ثماني سنوات)، فألفت النظر إلى أنه يوجد في كلية التربية في جامعة الملك سعود (وربما في جامعات غيرها) مسار خاص بالطفولة المبكرة – في قسم أصول التربية، السياسات التربوية – يُعنَى بتأهيل المتخصِّصات في تعليم الطفولة المبكرة، وقد استقل في السنوات الأخيرة قسمًا بذاته. وفيما يتعلق ببرامج ومناهج رياض الأطفال، فإن الدراسات المتعلقة بها تُجرَى بالتعاون بين قسم الطفولة المبكرة وقسم المناهج في الكلية.

 

  • المداخلات حول القضية:
  • احتياجات الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة:

يرى د. خالد الرديعان أن الطفل قبل مرحلة المدرسة يحتاج إلى مهارات مهمة تتعلق بالتهيؤ للمدرسة والحياة كذلك. حيث إنَّه يحتاج أولاً للعب وتفريغ طاقته، وقضاء وقت ممتع في الروضة حتى يتشكل عنده انطباع جيد عن المدرسة لاحقًا، وحتى لا يكون عبئًا على أسرته والمجتمع. كما يحتاج الطفل كذلك إلى مهارة الإمساك بالقلم والتعامل معه بطريقة صحيحة حتى تستقيم كتابته. يحتاج كذلك إلى تنمية صداقته مع الكتاب والحفاظ عليه، وألا يُمزقه بعد الانتهاء منه، فتعويده على ذلك سيجعله يحترم الكتاب والكلمة المكتوبة، ويوصل له رسالة مفادها أن الكتاب مهم كمصدر للمعرفة والمتعة كذلك، ويتم كل ذلك برفق. لا نريد طفلًا كارهًا للكتاب أو النظر إليه، وكأنه شرٌّ لا بد منه. ويحتاج الطفل أيضًا إلى تنمية مُخيلته بالمزيد من حصص الرسم والأشغال اليدوية البسيطة، وذلك بتوفير مستلزمات الرسم والأشغال، وأن يكون المكان في الروضة مُهيَّأً لمثل هذه الأنشطة مع توفُّر الأدوات الكافية. كما يحتاج الطفل إلى تقدير البيئة من حوله بأشجارها وطيورها وجميع مخلوقات الله حتى يكون محافظًا على البيئة، ويكون لديه معنى للحياة وحياة الآخرين من حوله، وفي كل مكان وزمان. فضلًا عن أن الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة يحتاج إلى تخليصه من المشاعر العنصرية التي نراها عند صغارنا (بدوي، عبد، قبيلي، غير قبيلي… إلخ). تهذيب هذه المشاعر في غاية الأهمية حتى نضمن سويته عندما يتعامل مع الآخرين المختلفين عنه مستقبلًا. نريده أن ينشأ متسامِحًا مع الآخرين، ومتقِّبلاً للاختلاف الذي سيواجهه في حياته. نريده أن يكون محترمًا ومعتزًا بنفسه ودينه ووطنه، وأن ينعكس ذلك في احترام الآخرين، واحترام ما يمتلكون، وعدم الاعتداء عليهم. جنبًا إلى جنب، يحتاج الطفل إلى تنمية الشغف والفضول الإيجابي عنده لكي يتعلم ويُعلم ويُقبل على الحياة دون عُقد. كما يحتاج إلى الحب والعطف والحنان والغذاء الجيد والأسرة المتماسكة التي تزيد من ثقته بنفسه؛ بحيث يشق طريقه في الحياة بأقل توترات ممكنة.

ومن المهم كذلك – كما يرى د. الرديعان – التركيز على مواد التربية الفنية (رسم، أشغال، مهارة صنع الأشياء الصغيرة كالطائرات الورقية مثلاً، وإمكانية الاستفادة من الخامات المتاحة في البيئة، والمواد التي نستغني عنها في المنزل كالورق، والعُلب الفارغة، والخشب، والفلين، وبقايا الأقمشة… إلخ). والتساؤل: لماذا هذه المهارات البسيطة مهمة، أي الرسم والأشغال؟ هي مهمة؛ لأنها تُنمِّي عند الطفل المخيلةimagination  التي تعَدُّ أساسيةً في التعلُّم وإيجاد الحلول في المواقف الحياتية المختلفة، وهي مهارة تستمر مع الطفل وتساعده في الاعتماد على نفسه. هو بذلك يكتشف إمكاناته، ويعرف نفسه أكثر من خلال المخيلة الخلاقة. أيضًا، فمهارات الفن والرسم والأشغال تنمِّي عند الطفل ملكة الابتكار innovation، وتجعله يُقدِّر الأشياء ووظائفها، وكيف تمَّ إنتاجها، ومن ثَمَّ ضرورة الحفاظ عليها؛ مما يقلل من نزعة التخلُّص من الأشياء التي يمتلكها، وهو ما ينعكس في الميل الاستهلاكي عند الأفراد عمومًا، والذي نراه طاغيًا عند الكبار والصغار على حد سواء. كذلك، فإن الفنون تُربي عند الطفل الذوقَ الجميلَ، وحب الحياة وتقدير المخلوقات، فينشأ مُحافِظًا على البيئة وكل ما يدبُّ على الأرض من بشر وطيور وحيوانات. والواقع أن طفلنا في العموم يعتدي على البيئة ويتلف ما حوله، إذ إنه لا يُقدِّر قيمة هذه المخلوقات؛ لأن حسه الفني والجمالي أقل مما يجب، ولأنه يرى الآخرين يقومون بسلوكيات تفتقر للذوق وتقدير المخلوقات. طفلنا مُدلل ولا يعتني بمظهره ونظافته بشكل سليم؛ بسبب اعتماده على الأم والخادمة التي تقوم بكل شيء عنه، بما في ذلك بعض المهارات البسيطة، كارتداء جواربه وربط حذائه.

وتطرقت أ. علياء البازعي إلى أن من مبادئ التربية الخاصة الأساسية “التدخُّل المبكر”، وهو تقديم خدمات الدعم والرعاية للأطفال من ذوي الإعاقة أو التأخُّر النمائي من سن ٠ إلى ٦ سنوات، والذي يتقاطع إلى حد كبير مع رياض الأطفال.

ومن جانبها ذكرت د. وفاء طيبة أنه تمَّ التطرُّق في الورقة الرئيسة والتعقيب عليها إلى أهمية مرحلة رياض الأطفال، وللدراسات الطولية التي أثبتت على مدى طويل الأثرَ الاجتماعيَّ والاقتصادي للتعليم في مرحلة رياض الأطفال (*). ومن المهم التوضيح أن ما عنته أ. نورة بالاهتمام بمرحلة الطفولة المبكرة كلها قصدت بها الولادة إلى ٨ سنوات، فقد كنَّا في جميع برامجنا السابقة نعني بهذا المصطلح ٣-٦ سنوات، والواقع أننا في علم النفس نُقسِّمها إلى مرحلتين: المهد وهي من الولادة إلى ما قبل ٣، ثم الطفولة المبكرة. وقد بدأنا حديثًا (مثل بقية العالم) الاهتمام بالطفولة المبكرة كمرحلة من ٣ إلى ٨ سنوات؛ ولذا بدأت فكرة تعليم المعلمات للصفوف الأول والثاني والثالث. وعالميًّا، تُعامل بالفعل المرحلة من ٣-٨ سنوات على أنها طفولة مبكرة. أيضًا، فإن الدراسات الطولية المذكورة اهتمت بأثر مرحلة رياض الأطفال فقط وليس بما قبلها، فإذا كان الاهتمام بهذه المرحلة أدَّى إلى كل هذه النتائج الإيجابية، فماذا سيكون الأثر لو تمَّ الاهتمام على أسُس علمية صحيحة بالمرحلة التي تسبق رياض الأطفال وهي مرحلة الحضانة أو المهد، سواء كان ذلك في الأسرة أو في نظام تعليمي علمي صحيح؟ وماذا سيكون الأثر لو اهتمت الأسرة (أم وأب) بمرحلة ما قبل الحضانة أيضًا، وهي مرحلة الحمل؟  فكل هذه المراحل لها أهميتها الخاصة في بناء الإنسان، وأثرها على بقية حياته؛ ولذا ذكرت أ. نورة أهميةَ أن يكون هناك برامج في الجامعات لمعلمات المرحلة من الولادة إلى ٨ سنوات، والواقع أن برنامج جامعة الملك سعود لرياض الأطفال -على سبيل المثال- يركِّز من حيث بناء قدرات المعلمة على التعليم وبناء شخصية الطفل في المرحلة من ٣-٦ سنوات، ولم يهتم بفترة الحضانة بأكثر من مادة علم نفس النمو التي يدرسها قسم علم النفس، وقد يكون هناك مواد قليلة أخرى؛ لكنَّ الاهتمامَ منصبٌّ على المرحلة ٣-٦ سنوات، لا قبل ولا بعد، والواقع أنه جيد في هذا المجال، ولكن ولكي نواكب طموحاتنا يجب الاهتمام بكيفية فَهْم وبناء الشخصية في المراحل الأخرى هذا من جهة. ومن جهة أخرى، وفيما يخصُّ موضوع الحضانات والقائمات على الإشراف عليها، فقد كانت هناك نظرة سلبية لهُنَّ ورَفْض من خريجات رياض الأطفال للعمل بها، وكان ذلك يرجع لعدة أسباب: المُسمَّى وكان (حاضنة)، وأيضًا المرتبات التي كانت لا تعترف بأهمية ولا صعوبة هذه المرحلة، ومعضلة فهم الأهمية لاختيار الشخصية والخلفية العلمية المناسبة لتسلُّم أطفالنا في المهد. وفي علم النفس لدينا قناعة علمية بأن المرحلة تزداد أهميةً وخطورةً كلما كانت أسبق في عمر الإنسان، فالخلايا العصبية في المخ تتكون ويتم استبدال قليل جدًّا منها بعد الولادة، وغالبية ما يُفقد يُفقد للأبد، والوصلات العصبية، وهي التعلُّم والخبرات في صورة بيولوجية، أسرع وأنشط ما تكون في السنوات الخمس الأولى؛ ولذا فليس بكثير على طفل المهد أن نهتم بتربية مَن يربونه في الأسرة والبيت وتوعيتهم وتعليمهم، وهذا هو الاستثمار الحقيقي، الاستثمار في الإنسان.

وأضافت أ. نورة الفايز أن مرحلة الطفولة المبكرة بالفعل تشمل الأطفال من الولادة وحتى ثماني سنوات؛ لذا فقد تمَّ تبنِّي المفهوم الشامل للطفولة المبكرة في وزارة التعليم، وتقسيمها إلى ثلاثة مستويات حسب ما هو مُوضَّح في الورقة الرئيسة، أما الدراسات الممتدة فلا يوجد أي دراسة محلية خاصة بمرحلة الطفولة المبكرة، ومن الضروري فعلاً عمل مثل هذه الدراسة بحيث تبدأ من مرحلة الحضانة.

وفي تصوُّر د. سعيد العمودي، فإن الأطفال الصغار يُولدون وهم في قمة طاقتهم الإبداعية، ولديهم قدرة فائقة على حل المشكلات والتخيُّل. يتأثر هذا بشكل كبير بسبب قمع حريتهم في اللعب، وأيضًا شهيتهم الكبيرة في البحث عن إجابات لكل سؤال، يتم ذلك بقصد أو بإهمال داخل المؤسسات تحتضن هؤلاء الأطفال. والاعتقاد أنه لو تمَّ تأهيل المشرفات في تلك المحاضن بأن يكنَّ أكثر حرصًا على تنمية الفضول والتخيُّل والتفكير الإبداعي، وتشجيع الأسئلة وترسيخ النقاش الجماعي بحثًا عن الأفكار والحلول؛ فسينشأ جيل حالمٌ مُبدِع ومُبتكِر ومتوافق مع تطلعات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان.

ومن جانبها أضافت أ. نورة الفايز أن تنمية مهارات الابتكار والإبداع تبدأ فعلًا من الطفولة المبكرة، وقدرة الأطفال على الاستيعاب في هذه السن كبيرة، وتقلُّ بالتدريج كلما كبروا؛ لذا يُفترَض أن يتم استغلال هذه المرحلة بشكل كبير، والعناية بتنمية مهارات التفكير والإبداع لدى الأطفال مطلب أساسي لأي معلم أو معلمة، وبالأخص للطفولة المبكرة، وتعتبر من أهم أساسيات مهارات التدريس، ويُفترَض أن تُضمَّن هذه المهارات ضمن مناهج التعليم الجامعي للطالبات والطلاب الذين يتم تأهيلهم كمعلمين. كما أنَّ هناك الكثير من البرامج التدريبية في مهارات التدريس التي تُقدَّم للمعلمين والمعلمات على رأس العمل. ومع ذلك فثمة حاجة للمزيد من العناية بهذا الموضوع، وأن يتم تطوير مناهج التعليم الجامعي الخاصة بتأهيل المعلمين بما يتفق وهذه الرؤية، مع العمل على تكثيف برامج التطوير المهني في جميع المجالات، ومنها هذا المجال، وبالأخص للطفولة المبكرة.

  • تعليم ورعاية الطفولة المبكرة في الواقع السعودي:

ذكر د. محمد الملحم أن رياض الأطفال كانت في السابق (أيام الرئاسة العامة لتعليم البنات)؛ إما مُلحَقة بمبانٍ حكومية للمراحل الأخرى أو أن تكون في مبنى مستأجر أو حتى حكومي استغنت عنه المدارس لسبب أو لآخر، أي إنها لم تكن كـ “مرحلة تعليمية” في أجندة الإنشاء والتوسُّع، أو أن يُخصَّص لها نموذج معماري خاص بها كمبنى تعليمي؛ بل كانت ميزانيتها التشغيلية متواضعةً مقارنة باحتياجاتها، خاصة لتوفير الألعاب والاستهلاك اليومي والتي هي محل الفرق الواضح بينها وبين المدرسة العادية؛ ولذلك كانت رياض الأطفال “الحكومية” تأخذ من أولياء الأمور الذين يُلحِقون بها أولادَهم رسومًا ماليةً (تقريبًا 500 ريال)، وهي ليست رسميةً وليست نتاجَ نظام منصوص عليه، وإنما ممارسة سائدة أصبحت كأنها نظام رسمي في صورتها النهائية، وتمَّ إيقاف ذلك منذ عام 2002، وتمَّ تعويضه بدعم الروضات من الصندوق المركزي للمقاصف المدرسية والذي كان موجودًا حينها، وكذلك وفر الميزانيات ثم بعد ذلك صندوق اقتصاديات التعليم، وهو صندوق استثماري تمَّ إنشاؤه خلفًا لصندوق المقاصف، وتمَّ تقنينه ضمن تعليمات الأنظمة المالية الخاصة بالتبرعات والاستثمار، وكان له أثرٌ كبير في دعم المشروعات التطويرية؛ بل إنه تمكَّن عام 2009 وما بعده حينما قررت الوزارة سرعة التوسُّع في إنشاء رياض الأطفال – وقد أشارت الورقة الرئيسة إلى ذلك – إذا توفَّر “المكان المجهز”؛ وعليه فقد تمَّ تدبير عدة أماكن أتاحتها مشاريع مبان جديدة كبيرة، وتمَّ تخصيص تلك الأجزاء منها لرياض أطفال، وشمَل ذلك المدن والقرى. وقد كانت مهمة شاقة جدًّا أن تُؤسِّس عددًا كبيرًا من الروضات “دفعة واحدة” وتؤثِّثها بمتطلباتها من المقاعد والأجهزة والألعاب والمكونات المطلوبة للمرحلة، وبطريق “الشراء المباشر” والفوري؛ لتتمكن من الافتتاح وأخذ الموافقة الرسمية. عمومًا، الوعي نحو رياض الأطفال تحسَّن بشكل كبير على كل المستويات سواء لدى المسؤولين أو لدى أولياء الأمور، وخاصة عندما تولَّت الأمور شخصيات متحمسة للتحديث التربوي على أصوله الصحيحة.

وتساءل م. إبراهيم ناظر: ما المؤشرات التي تُطمئِننا على قياس ما حققناه من إنجاز أو نتائج على أرض الواقع مقارنةً بالدول التي سبقتنا في هذا المجال؟ وفي هذا الإطار، يعتقد د. راشد العبد الكريم أن لدينا من السياسات والتنظيمات الخاصة بالطفولة المبكرة، ولدينا من المتخصصات في ذلك ممَّن حصلنَ على تأهيل من جامعات عالمية متنوعة، ما لا يوجد في كثير من الدول العربية. وبذلك نكون مُؤهَّلين للقيادة في هذا المجال. مشكلتنا أننا لا نمتلك الثقةَ في أنفسنا (ويُعزِّز هذا افتقاد المسؤولين لثقتهم بنا)؛ ولذلك لم نستطع أن نخرج من القفص الذي صنعناه لأنفسنا – في عقولنا فقط – وهو تفوق الأجنبي علينا.

في حين أشارت أ. نورة الفايز، فما يرتبط بالمؤشرات التي تدلنا على ما تحقَّق من إنجاز وموقع المملكة العربية السعودية بين دول العالم التي سبقتنا في مجال الطفولة المبكرة إلى ما يلي:

  1. لقد اعتمدت وزارة التعليم في فترة سابقة العملَ على الموازنة بين الكم والنوع من خلال العمل على تطوير أداء المعلمات والعناية بالبيئة المدرسية والمناهج والبرامج.. وغيرها، وقد تمَّ توضيح ذلك ضمن الورقة الرئيسة.
  2. ومع كل ذلك، فلا يزال مستوى وجودة ما يُقدَّم في رياض الأطفال والحضانات سواء الحكومية أو الأهلية دون المأمول؛ ولذا فقد تمَّ العمل على تبنِّي مشروع المعايير النمائية الوطنية لمرحلة الطفولة المبكرة، والتي تعتبر مرجعًا يمكن الاستفادة منه لتطوير مستوى البرامج والمناهج والأداء في مجال الطفولة المبكرة.
  3. كان هناك لقاء مؤخرًا مع معالي رئيس هيئة تقويم التعليم والتدريب، وقد تمَّت التوصية بأهمية العناية بمرحلة الطفولة المبكرة فيما يتعلق بموضوع تحديد معايير ومؤشرات الأداء، وتقييم واقع العمل في المرحلة، والتوصية بتبنِّي مشروع المعايير النمائية الوطنية المُعَدِّ من قِبل وزارة التعليم، والذي يعتبر هو الأول من نوعه على المستوى العربي والإسلامي.
  4. أما بالنسبة لموقع المملكة في مجال الطفولة المبكرة ومع ما عُرض من أرقام لأعداد الروضات التي أُنشئت؛ إلا أن الوضع أقلُّ بكثير من الطموحات مقارنةً بالدول الأخرى، فما زالت نسبة الالتحاق بهذه المرحلة ١٧٪؜ حسب تصريح مديرة عام رياض الأطفال بوزارة التعليم.

وذكرت د. هيا العواد فيما يتعلق بمناهج الطفولة المبكرة، أنه قد تمَّ الانتهاء من إعداد المعايير النمائية للعمر من ٤ – ٦ سنوات بالشراكة مع بيت الخبرة العالمي الجمعية الأمريكية الوطنية لتعليم الأطفال الصغار (NAEYC)، كما ذكرت أ. نورة في الورقة الرئيسة، وتمَّ استكمال العمل والانتهاء من المعايير النمائية للعمر من الميلاد إلى ٣ سنوات، ولا يزال العمل جاريًا على تطوير المناهج بناءً على المعايير التي تمَّ إعدادها وإعداد معايير العمر ٧ و٨ سنوات. أما وبالنسبة لموقع المملكة من العالم فهو متدنٍ جدًّا؛ فنسبة الالتحاق برياض الأطفال لا تتجاوز حاليًّا أكثر من ١٨٪؜، ودول العالم وحتى بعض دول الخليج تجاوزت ٩٠٪؜، وفي فرنسا وصلت النسبة ٩٨٪؜، وهناك مشروع أطلقه “ماكرون” عام ٢٠١٨ لإلزامية التعليم ما قبل المدرسة ابتداءً من المستوى الثاني أي ٥ و٦ سنوات، وإنْ لم يُنفَّذ إلى الآن.

وبدوره تساءل د. خالد بن دهيش: هل كان هناك تنسيق أو تعاون مع هيئة تقويم التعليم والتدريب في مجال بناء المعايير النمائية لمرحلة الطفولة المبكرة بمعناها الواسع من الولادة وحتى الصف الثالث الابتدائي؟ وأوضحت د. هيا العواد أنه لم يكن هناك تنسيقٌ مع هيئة تقويم التعليم في مجال بناء المعايير النمائية للطفولة المبكرة؛ لأن وزارة التعليم بدأت مشروعها قبل أن تُنشأ الهيئة واستكملته قبل أن تصل الهيئة لمرحلة الطفولة المبكرة، لكنَّ المعايير موجودة لدى الهيئة حاليًّا، وهي لا تزال حديثة.

وطرح د. علي الطخيس تساؤلًا مفاده: هل توجد محاولات لتعقُّب وسبر وتتبُّع التاريخ التعليمي لفئة من الطلاب ولو كانت محدودة العدد من دخولها مراحل التعليم المبكر مرورًا بالمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية، وهل لوحظ فرق أمكن قياسه بين مستوى هؤلاء مقارنة ببقية طلاب المدارس؟

وفي هذا الإطار، أجاب د. محمد الملحم بأنه إذا كان السؤال فيما يتعلق بالمستوى العالمي، فالجواب: نعم، وذلك على نحو ما ذكرت د. هيا في تعقيبها؛ أما على المستوى المحلي فلا توجد دراسة طولية سوى دراسة التسرُّب الشهيرة، ونفَّذتها وزارة المعارف. ويمكنك استنتاج عدم وجودها لغياب أسلوب “البورتفوليو” في تقييم الطالب لدينا.

أما د. خالد بن دهيش فذكر أنه كان هناك تتبُّع سنوي يوضِّح نسب الرسوب والتسرُّب لكل صف دراسي يظهر في التقارير السنوية لتعليم البنات قبل الدمج، واستمر بعده للبنين والبنات.

ومن جهتها أشارت د. وفاء طيبة إلى أنه لا توجد لدينا دراسات تتبُّعية طولية لدراسة الأثر social impact، وهي التي عمل عليها الغرب، هذه الدراسات تحتاج إلى اهتمام جامعات أو مراكز أبحاث للطفولة؛ فالتعليم في نظرها ليس نجاحًا ورسوبًا فقط، كما أنه ليس في المرحلة التي نتكلم عنها نجاح ورسوب، بالفعل نحتاج أن نتوسع في الدراسات الخاصة بالطفولة بكل مراحلها. كما أننا نحتاج إلى مزيد من الجهات، مثل جمعية رعاية الطفولة التي تقوم بمجهود علمي ممتاز في سبيل تعليم الأمهات وتثقيفهم فيما يخصُّ الطفولة.

في حين أوضحت د. هيا العواد أن هناك أمورًا مهمةً ينبغي توضيحها حتى يمكن فهم سياق الأحداث داخل وزارة التعليم، وما قد يظهر لمَن هم خارج الوزارة بأنه تقصير من المسؤولين في موضوع الطفولة المبكرة؛ حيث إنَّه ورغم الجهود المبذولة في السنوات الماضية إلا أن نسبة الالتحاق برياض الأطفال تعَدُّ الأضعف على مستوى دول الخليج والدول العربية، فضلًا عن دول العالم المتقدِّم كما ذُكِر أعلاه، ولا تعكس النتائجُ الجهودَ الضخمة التي تُبذَل لتطوير هذه المرحلة، ومن هذه الأمور:

  • حركة نقل المعلمين التي تتمُّ سنويًّا، وتؤثر على البرامج التعليمية، وبالذات التوسُّع في رياض الأطفال، وقد أثرت على معلمات مرحلة رياض الأطفال، ففي عامي ٢٠١٦ و٢٠١٧ تمَّ تنفيذ حركتي نقل كبيرتين جدًّا تم فيهما تلبية رغبات نسبة كبيرة من المعلمين، ونُقِلوا على رغبتهم الأولى، والرغبة الأولى عادةً تكون للمدن الرئيسة، ففقدت كثيرٌ من القرى والهجر معلمات رياض الأطفال؛ وهو ما تسبَّب في إغلاق بعض الروضات فيها، مما جعل نسبة الالتحاق لا تزيد بالشكل المتوقع.
  • ارتفاع كُلفة هذه المرحلة، وبخاصة إذا أردنا المحافظة على الجودة العالية بالتوازي مع التوسُّع الكمي والانتشار. وبحساب بسيط، فإن الحد الأدنى لكُلفة تجهيز روضة حجم صغير (٣) فصول فقط تبلغ ٣٣٠.٠٠٠ ريال، حيث إنَّ الكلفة التقديرية لمبنى من ٤ فصول مليون وخمس مئة ألف ريال، في حين أن الكلفة التقديرية لمبنى من ٦ فصول ٣ ملايين ريال، يُضاف إلى ذلك تكلفة الموارد البشرية، الرواتب والتدريب والنظافة والصيانة، والمواد المستهلكة اليومية.. وغير ذلك، والحضانات تزيد على ذلك نظرًا لانخفاض معيار نسبة الأطفال لكل حضانة.

ويرى أ. د. عثمان العثمان أن الملاحظ في كثير من رياض الأطفال وخاصة في القرى، أن الغالب عليها اللعب غير الموجَّه؛ ولذا ترى نسبة لا بأس بها من أولياء الأمور أن التعليم المبكر يُعوِّد الطفل على عدم الجدية. بل هناك من المعلمين مَن يرون أن طلاب رياض الأطفال أقل اهتمامًا في الصف الأول الابتدائي؛ ولذلك فثمة إشكالية في معيارية التعليم في رياض الأطفال، وربما أن هامش حرية التخطيط والتعليم فيها عالٍ، مع النقص في الخبرة وربما التخصص أيضًا.

وركزت أ. نورة الفايز في تعقيبها على الطرح السابق على النقاط المحددة التالية:

  1. لا يُفترض أن يكون تركيز رياض الأطفال على اللعب غير المُوجَّه، وهناك مناهج وبرامج مكتوبة ومُعَدَّة بما يتفق والخصائص النمائية لهذه المرحلة، ويتم تزويد جميع الروضات بها، ويُفترض أن تُطبَّق.
  2. أما من ناحية النظرة إلى أن التعليم المبكر يُعوِّد الطفل على عدم الجدية، فهذه – مع الأسف – نظرة خاطئة يُفترَض العمل على معالجتها.
  3. وأما من ناحية أن الأطفال الذين سبق لهم الالتحاق بمرحلة رياض الأطفال أقل اهتمامًا في الصف الأول الابتدائي؛ فهذا يُؤكِّد أن لديهم الأساس مقارنةً بغيرهم، ويُفترَض أن يكون للمعلم دورٌ أفضل في هذا الشأن، وأن يعمل على إشراكهم، كما أن ذلك يؤكِّد على أهمية أن يتم إلحاق جميع الأطفال بهذه المرحلة ليكونوا متساوين في الصف الأول الابتدائي.
  4. معيارية التعليم في مرحلة رياض الأطفال تحكمها الكثير من الأمور، أهمها: المستوى العلمي، والمهارة الشخصية، والقناعات الشخصية، وغيرها.

في حين أشارت د. وفاء طيبة إلى أن الأطفال الذين سبق لهم الالتحاق بالروضة عندما يكونون أقل اهتمامًا بما يُعطَى لهم في الصف الأول الابتدائي، يرجع ذلك لعدم التناسق بين المراحل، فيتكرر ما تعلَّمه الطفل في الروضة لضعف الإقبال على مرحلة رياض الأطفال من آخرين؛ بمعنى أن الخطأ ليس في رياض الأطفال، وإنما الخطأ في تنظيم التعليم بين المرحلة الابتدائية ورياض الأطفال، لا بد من إيجاد حل لذلك؛ حتى لا نخسر العقول والقدرات التي ما استطعنا أن نبنيها إلا في ١٧٪؜ من الأطفال من أجل البقية!

وطرحت أ. فائزة العجروش مجموعةً من التساؤلات المهمة فيما يتعلق بواقع الطفولة المبكرة في المملكة على النحو التالي:

  • أولًا: هل هناك توجُّه حقيقي لجذب رؤوس الأموال والاستثمار في هذه المرحلة من التعليم بالتعاون والتعاقد مع شراكات مع بعض رجال الأعمال، فالأمر كما تعلمون يستوجب تعاون القطاعين الحكومي والخاص لإنجاح هذا المشروع، وللتسريع في إنجاز الأهداف المأمولة لمستقبل أجمل لجيل قادم.
  • ثانيًا: هل تقوم الأجهزة التعليمية من خلال تبنِّي الجودة في الهرم التعليمي من الأسفل للأعلى ومن الداخل للخارج، بتكثيف الاستفادة من دراسات استشرافية للمستقبل لتخطيط مستقبلي سليم، وتقوم بنشر مسببات ما تُخطِّط له والإعلان عن خطتها الطموحة الهادفة للتوسُّع في مرحلة رياض الأطفال والاهتمام بمبانيها بأن تكون في مبانٍ مستقلة مُهيَّأة وملائمة لمرحلتهم العمرية، أو مُلحَقة بمباني بعض المدارس.
  • ثالثًا: هل هناك توجُّه لاستغلال المناسبات المختلفة للترويج عمَّا تمَّ اعتماده في وزارة التعليم والأهداف المستقبلية لتنوير عقول أفراد المجتمع، للمشاركة في تحسين المخرجات التعليمية (أبنائنا)، وتكثيف بعضها الذي يغري فئات المجتمع المختلفة بالمبادرة في الاستثمار بتنمية عقول جيل المستقبل.
  • رابعًا: هل هناك الوعي الاقتصادي اللازم بكيفية كسب المستثمرين المتميزين القادرين على المساهمة في هذه المرحلة من التنمية التعليمية الشاملة، من خلال إنشاء منصة خاصة بالاستثمار في مرحلة رياض الأطفال، ومن خلالها تتحقق المزايا التالية للمستثمرين:
  • الإعلان عن الفرص المناسبة، وتحديد أي المناطق في المملكة تحتاج بشكل فوري لمثل هذا الاستثمار.
  • الأنظمة واللوائح المنظِّمة وآلية العمل بها مع التحديث المستمر والالتزام بها من قِبل جميع الأطراف المعنية.
  • توضيح وسائل الاتصال المستخدمة.
  • كيفية الحصول على الدعم (توضيح الشروط والمعايير) الذي يعينهم على أن يكون رافدين حقيقيين لتلك الصناعة.
  • التواصل مع بعضهم البعض بسهولة وباحتراف.

أما أ. نورة الفايز فأشارت فيما يخصُّ التساؤلات المطروحة إلى التوضيحات التالية:

  • هناك توجُّه لجذب رؤوس الأموال المحلية والاستثمار في هذه المرحلة، ولشركة “تطوير” جهودٌ في ذلك وإنْ كانت غير كافية، ومن المهم العناية بذلك بشكل أكبر وأكثر تركيزًا.
  • بالنسبة للدراسات الاستشرافية التي تُعنَى بالتخطيط المستقبلي الجيد، فهي محدودة جدًّا في مجال التعليم بشكل عام، والطفولة المبكرة بشكل خاص.
  • أما بالنسبة للترويج (التعريف) لما تمَّ اعتماده من أهداف أو خُطط أو برامج في وزارة التعليم، فيتم من خلال استغلال المناسبات المختلفة ومن خلال الإعلام، والمهم هنا هو تفعيل ما يتمُّ الترويج له وعدم الاكتفاء بالترويج فقط.
  • لا يوجد منصة خاصة بالاستثمار في الطفولة المبكرة.

من وجهة نظر د. مها المنيف، فإنه ومع أن التعليم خطا خطوات جبارة منذ أكثر من ٦٠ سنة إلا أن مرحلة رياض الأطفال تمَّ إهمالها بشكل كبير، حيث إنَّ نسبة الالتحاق برياض الأطفال في الألفية الجديدة لا تتعدى ١٧٪؜، في حين أن دول مجموعة العشرين وحتى بعض دول الجوار وصلت النسبة إلى ما فوق ٩٠٪؜. وأضافت أن د. جيمس هيكمان والحاصل على جائزة نوبل في عام ٢٠٠٥م على معادلته الاقتصادية باسم heckman equation التي تقول ببساطة: إن دخول الطفل في رياض الأطفال يُقلِّل من العجز المالي للدولة، وإنَّ هناك ١٣٪؜ عائد من الاستثمار لكل طفل سنويًّا عن طريق أفضل تعليم وأفضل صحة وكذلك أفضل حياة اجتماعية واقتصاد، وله على الإنترنت عدة محاضرات يوضِّح فيها معادلته والتي تعتبر مهمة لإقناع صانعي القرار بالاستثمار في هذه المرحلة. وبعض أبحاث هيكمان كانت على الأطفال الأقل حظًّا underprivileged children من خلال برامج طفولة مبكرة ناجحة في أمريكا، استطاعت أن تدمج الأطفال الفقراء فيها، مثل perry preschool program and head start program. وفي أمريكا على سبيل المثال، فإن نظام الخدمات الاجتماعية يؤكد على دخول أطفال الأمهات العازبات والفقيرات الحضانة ورياض الأطفال بمبلغ رمزي أو حتى مجانًا في كثير من الحالات.

ومن ناحيتها، ذكرت أ. نورة الفايز أن الاهتمام بمرحلة رياض الأطفال كان يخطو ببطء شديد جدًّا لعدم قناعة بعض القيادات العليا أو الوسطى في التعليم بأهمية هذه المرحلة، وحتى مع ما بُذِل خلال السنوات الماضية من حملات وجهود على جميع المستويات، لدرجة أنه كان يتم افتتاح روضة أو روضتين في اليوم الواحد؛ وذلك للرفع من نسبة التحاق الأطفال بهذه المرحلة، فالنسبة مع الأسف ما زالت متدنيةً ولا ترقى إلى الطموحات إطلاقًا.

ومن ناحيته أشار د. محمد الملحم إلى أنه وفيما يتعلق بالتباين بين مخرجات رياض الأطفال ومدخلات المرحلة الابتدائية (الصف الأول)، فإن الممارسات السائدة في مدارس البنين لا تتناغم مع معطيات رياض الأطفال، ومن ثَمَّ يمكن أن يخلق هذا التباين مشكلات اغتراب تربوي؛ ولذلك فإن التأثير الإيجابي الذي تشير إليه الدراسات هو مبنيٌّ على افتراضات أهمها هذا التماهي بين المرحلتين والتكامل، بل حتى المراحل التالية يُفترَض أنها بيئات صحية تربويًّا وتعليميًّا. أما بالنسبة للتأثير الإيجابي لرياض الأطفال فهو أيضًا نتيجة حُسْن تطبيق مناهج رياض الأطفال، فليست كل روضة تقدِّم ما تتوقعه من هذه المرحلة، وقد وجدتُ حالات كثيرة تمارس فيها المعلمة “التدريس” التقليدي، وهو ما لا يناسب المرحلة تمامًا، ولكن المعلمة لا لومَ عليها لأنها لم تُدرَّب، وإنما قامت الإدارة التعليمية بنقلها من المرحلة الابتدائية مثلاً إلى الروضة، وعلى أن هذه الممارسة قديمة نوعًا، فالافتراض أنها مرحلة تاريخية، ولكن لن يمنع هذا من وجود حالات مماثلة هنا وهناك؛ فالوعي لدى المسؤولين خاصة في المناطق البعيدة لا يزال لم يصل إلى مرحلة النضج التي تُرضينا وتجعلنا في ثقة تامة. ومن ناحية ثالثة، يمكن أن يترك التطبيق الناقص أو الاجتهادي لمنهج رياض الأطفال أثرًا سلبيًّا لاحقًا على الطفل في مسيرته التعليمية، وحينها ربما “لو جلس في بيت أهله لكان خيرًا له”، والمقصود هنا هو التأكيد على خطورة الجانب النوعي في رياض الأطفال، فهو افتراض ينبغي تحقُّقه وبقوة وبكل ثقة، وتُبذل فيه كل السبل لضمانه والتأكُّد منه.

وعقَّبت د. وفاء طيبة على ما ورَد في المداخلة أعلاه بأن خبرات الأطفال في المرحلة الابتدائية سيئة جدًّا، وأيد ذلك دراسة أعدَّتها حول الإساءة النفسية للأطفال، وهو بالطبع يتسق مع ما نُسمِّيه adverse experience بالنسبة للطفل، ولو سألنا أيَّ طفل في المرحلة الابتدائية لوجدنا جعبته مليئةً بالخبرات التي يُفترض ألا يخبرها في المدرسة حتى في الأهلي منها للأسف! ولذا يمكن القول إن مرحلة رياض الأطفال وجدت اهتمامًا وتطويرًا أكثر من المرحلة الابتدائية، خاصة أن معلمات مرحلة الروضة درسن وتخصصن في هذه المرحلة، في حين معظم مَن يدرِّس أبناءنا في المرحلة الابتدائية تخصَّصُوا في العلم الذي يدرسونه وليس في طُرق التدريس وكيف يتعلم الطفل ويتعاملون معه، للأسف.

وذكرت أ. نورة الفايز فيما يتصل بالتباين بين مخرجات رياض الأطفال ومدخلات الصفوف الأولية، أن وزارة التعليم الآنَ بصدد معالجة مثل هذا الموضوع، وذلك بتبنِّي مدارس الطفولة المبكرة، كما أن تدريس الأطفال الذكور من قِبل معلمات سيسهم أيضًا في سدِّ هذه الفجوة. أما بالنسبة لأهمية العناية بتأهيل وتدريب المعلمات في مرحلة الطفولة المبكرة بشكل مختلف عن غيرهن من المعلمات، فهذا هو ما يُفترَض أن يُؤخذ به، وهو موجود فعلاً؛ ومع ذلك فإن التوقع أنه ليس بالمستوى الذي يرقى إلى الطموحات.

وبدوره طرح د. خالد الفهيد تساؤلًا مفاده: هل وزارة التعليم كجهة مُشرِفة على التعليم المبكر تضع المواصفات التي يتقيد بها راغبو الاستثمار التعليمي للاستثمار في مجال الحضانة ورياض الأطفال مثل التقيُّد بمناهج التعليم الحديثة، مثل منهج منتسوري التعليمي كطريقة علمية لمراقبة النظام البيولوجي لنمو الأطفال بهدف تصميم منهج تعليمي يراعي الإمكانيات والخصوصية الفردية لكل طفل، أو أن الأمر متروك لكل مستثمر هو يُحدِّد ذلك؟ وهذا يقود إلى تساؤل آخر: هل هناك تصنيف لرياض الأطفال في المملكة، حيث يُلاحظ التفاوت الكبير في رسوم بعضها؟

وفي هذا الصدد ذكرت د. هيا العواد أن وزارة التعليم تضع مواصفات وشروطًا للمبنى والتجهيزات ومؤهلات المعلمات، ومنذ أكثر من ١٠ سنوات لم تعُد تُجبر المستثمرين على منهج الوزارة، بل تسمح لهم بتطبيق أيِّ منهج تعليمي يتوافق مع خصائص طفل الروضة وحاجاته. أما التصنيف فيتم من أجل الحصول على الإعانة، فالروضات التي تحصل على تصنيف ممتاز يمكنها الحصول على إعانة، ولكن الرسوم لا تتدخل الوزارة في تحديدها، إنما فقط في زيادتها إذا ما حقَّقت معايير معينة. علمًا أن الوزارة من خلال شركة تطوير للخدمات التعليمية، قد عملت دراسة مقارنة بين عدة مناهج (منتسوري والإبداعي وبواكير) مقارنة بمنهج الوزارة، ووجدت أن منهج الوزارة يوازي المناهج الأخرى.

أما م. خالد العثمان فذكر أنه وبحسب علمه، فإن شركه تطوير التعليم تقوم حاليًّا بتنفيذ مشروع لإنشاء أكثر من ١٠٠ مركز للطفولة المبكرة في أنحاء المملكة، والتساؤل المُلحّ هنا: ما مدى جودة تصاميم هذه المراكز ومسايرتها لأحدث الاتجاهات العالمية في هذا المضمار؟ فهذا الموضوع يحمل أهميةً خاصة لضمان توفير منشآت قادرة على احتضان الأطفال وتوفير متطلبات تعليمهم خاصة فيما يتعلق بالأثر النفسي للبيئة المبنية على المستخدمين.

وأكدت د. هيا العواد على أن المباني التي تنشأ خصيصًا للطفولة المبكرة لها تصاميم ذات معايير عالية لدى شركة تطوير للمباني؛ لكنَّ المشكلة أن عدم توافر الأراضي في المواقع المطلوبة يجعل الوزارة تتوجه لترميم مبانٍ قائمة، والترميم عادةً يكون غير مطابق للمواصفات المطلوبة.

وعقَّب د. سليمان الطفيل بأن هذا ليس عُذرًا؛ حيث تستطيع الدولة شراء أفضل المواقع أو دعم المستثمرين وإقراضهم قرضًا حسنًا وهم لديهم الجدارة للقيام بتنفيذ أفضل المشروعات وبالمواصفات التي تضعها لهم الدولة، وللأسف ما زلنا نرى مرافق صحية وتعليمية حكومية قديمة.

بينما أكدت د. فوزية البكر على أن البيئة التعليمية مطلوبة، لكن أهم منها هو المعلمة المؤهَّلة والمدرَّبة والطاقم الإداري الذي يجب الحديث عنه وعن الفلسفة التربوية التي يتبنونها، وعن الأهل وتفاعلهم مع الروضة.. إلخ من أعمدة التعليم في الطفولة المبكرة.

أيضًا، فقد تطرَّق د. سليمان الطفيل إلى أن ثمة ملاحظات أساسية على الورقة الرئيسة، وهي كما يلي:

  • لم تتعرض الورقة لبيان الإحصائيات الأساسية لتعداد السكان في مرحلة الطفولة وتوزيعاتها العمرية حتى يمكن الخروج بأفكار أكثر إثراءً ومعرفة وممارسة.
  • لم تتعرض الورقة لإحصائيات المدارس ورياض الأطفال ومراكز الحضانة وتوزيعاتها المكانية ومدى قدرتها الاستيعابية؛ لمعرفة الاحتياجات الحالية والمستقبلية، وتقدير حجم تكلفتها وعوائدها المباشرة وغير المباشرة حتى يستطيع صاحب القرار والقطاع الخاص وكذا القطاع غير الربحي المشاركة أو الاستثمار في تعليم ورعاية الطفولة المبكرة.
  • ذكرت الورقة الرئيسة أنه تمَّ اعتماد خطة خمسية مستقبلية لافتتاح عدد 1500 روضة حكومية خلال خمس سنوات بمعدل 300 روضة كل عام. السؤال: ماذا تمَّ من بناء لهذه الروضات؟ ولماذا تقوم الحكومة بهذا البناء وتتخلى عن القطاع الخاص؟ لماذا لم تؤسِّس وزارةُ التعليم شركةً متخصِّصة في تعليم الطفولة المبكرة، وتعمل على بناء شراكات مع القطاع الخاص أو القطاع الأهلي التعاوني لتأسيس هذه المشاريع بدلاً عنها، خاصة وأن رؤية المملكة تسعى إلى إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في عملية التنمية؟ أم تقوم الدولة بعد بنائها بخصخصتها في مرحلة قادمة؟
  • دعت الورقة الرئيسة إلى تبنِّي معايير نمائية وطنية للطفولة المبكرة بالتعاون مع الجمعية الأمريكية الوطنية لتعليم الأطفال الصغار، واختتمت بأن هذا المشروع سيكون الأول من نوعه على المستوى العربي والإسلامي! والتساؤل هنا: ألا يمكن بناء معايير على أسُس ومبادئ قيمنا الإسلامية والعربية؟ والاعتقاد أننا – ولله الحمد – وصلنا لمرحلة من النضج والفكر والإدراك ما يُمكِّن من تفرُّدنا ببناء أجيالنا وفق معايير وقيم صحيحة، كما ذكر د. راشد العبد الكريم في تعقيبه.
  • وأخيرًا، فإن التساؤل المهم: كيف نُشجِّع الوالدين من الأسر ضعيفة الدخل لإلحاق أطفالهم في دور الحضانة ورياض الأطفال؟

وذكرت أ. نورة الفايز في تعقيبها على الملاحظات أعلاه، أنه بالنسبة للإحصائيات من المهم بالطبع تضمينها لكنها لم تكن متوافرة؛ ومن جانب آخر، فقد تمَّ طرح عدد من التوصيات الخاصة بأهمية تشجيع القطاع الخاص على المشاركة في المشاريع الخاصة بالطفولة المبكرة، وأهمية تقديم التسهيلات اللازمة لذلك. أيضًا، فمن الواجب التنويه إلى أنه لدى شركة تطوير التعليم القابضة شركة متخصِّصة في تصميم المباني المدرسية (شركة تطوير للمباني)، تعمل على تصميم وتنفيذ المباني المدرسية لجميع مراحل التعليم، ومنها الطفولة المبكرة بالاستعانة بالقطاع الخاص. أما بالنسبة للمعايير النمائية فقد تمَّ العمل على مشروع المعايير النمائية الوطنية من قِبل كفاءات وطنية مؤهلة وبإشراف مؤسسة متخصصة في هذا المجال، مع عدم إغفال قيمنا الإسلامية والعربية العريقة، وثقافتنا الوطنية الراسخة، ومع الحرص على بناء معايير وطنية وليس قصًّا ولصقًا. وأخيرًا، فيما يخصُّ التساؤل المطروح في الملاحظة الخامسة، فإن تشجيع الوالدين في الأسر ضعيفة الدخل على إلحاق أطفالهم بدور الحضانة مطلب يُفترض أن يتم تبنِّيه من قِبل المؤسسات التعليمية والإعلامية؛ وذلك بالتثقيف والتوعية بأهمية هذه المرحلة، والأهم من ذَا وذاك توفير الحضانات لأطفالهم بدون مقابل، وهذا ما تمَّ العمل عليه في وزارة التعليم عند تبنِّي مشروع التوسُّع في رياض الأطفال؛ إذ إنه قد تمَّ العمل على افتتاح روضات حكومية في القرى والهجر، وفي الأحياء التي لا يصلها التعليم الأهلي في المدن، وهذه هي المناطق التي تشتمل على أسر ضعيفة الدخل في الغالب.

وذكرت د. هيا العواد فيما يتعلق بملاحظة د. سليمان الطفيل حول ما تمَّ إنجازه من روضات، فإنه تمَّ الانتهاء من ١٥٠٠ روضة وافتتاحها بين ٢٠٠٩ و٢٠١٥، وقد تمَّت الإشارة سلفًا إلى أن هناك مبادرة ضمن برنامج التحول الوطني كأحد برامج تحقيق رؤية ٢٠٣٠ تتضمن افتتاح ١٥٠٠ روضة وحضانة بحلول عام ٢٠٢٠، 1000 روضة منها للقطاع الخاص وتتولى الوزارة فقط ٥٠٠ روضة، إلا أن برنامج التحوُّل الوطني لم يسر تمامًا وفق المطلوب وأُلغي، وتحوَّلت المبادرات الخاصة بالتعليم إلى برنامج تنمية القدرات البشرية، وتمَّ التعديل على المبادرة. أما فيما يخص الملاحظة المتعلقة بالمعايير النمائية، فهي أيضًا مشروع انتهى وبدأ العمل بناءً عليه في تطوير المناهج وتدريب المعلمات، ورغم أنه تمَّ الاستعانة ببيت الخبرة العالمي (NAEYC)، إلا أنه بُنِي بأيدي خبرات وطنية درَّبتهم جمعية “نايسي” تدريبًا مكثفًا وكانت تراجع وتراقب، وتتضمن المعايير معيارًا عن الدين ومعيارًا عن المواطنة، وهو ما أقرَّته جمعية “نايسي” للمعايير الخاصة بالمملكة دون أن يكون موجودًا في معاييرها الأساسية.

أيضًا، فقد عقَّبت د. وفاء طيبة على ملاحظة د. سليمان الطفيل المتعلقة بالمعايير النمائية الوطنية للطفولة المبكرة، بأنه من المهم جدًّا ألا نأخذ تلك المعايير كما هي، ويجب مراعاة الطفل السعودي ثم العربي وكل بيئة يتم تطبيق المعايير فيها (Standardization) خاصة ونحن نهتم بمعاييرنا الإسلامية التي يجب أن تُراعى حتى لا تذوب الهوية الإسلامية من البداية.

  • الإعلام والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة: تجربة برنامج “افتح يا سمسم”:

ذهب د. إبراهيم البعيز إلى أن هناك نقاطَ التقاء بين الإعلام والتعليم، فكلاهما مؤسستان لإنتاج ونَشْر المعرفة والفكر؛ لذا من المهم إيلاء العناية الكافية بالجانب الإعلامي ذي الصلة الوثيقة بالتعليم ورعاية الطفولة المبكرة. وفي هذا الصدد يمكن التطرُّق إلى برنامج نعرفه جميعًا، وهو “افتح يا سمسم”. وهذا البرنامج في الأصل “شارع السمسم” وهو برنامج تعليمي تلفزيوني أنتجته مؤسسة تُسمَّى ورشة تلفزيون الأطفال Children Television Workshop، وفي عام 2000 تغيَّر اسمها إلى ورشة السمسم Sesame Workshop، وهدف البرنامج تقديم مادة تعليمية للأطفال في الفئة العمرية (3 – 6 سنوات) قبيل التحاقهم بالمرحلة الابتدائية. وجاء ذلك لحل مشكلة الفجوة المعرفية بين أطفال الفقراء والأقليات وأقرانهم من الطبقة المتوسطة القادرين على الالتحاق برياض الأطفال والتمهيدي. فقد كان أطفال الفقراء يأتون إلى المرحلة الابتدائية دون معرفة بالأساسيات، مثل الأرقام والحروف والأشكال وغيرها من المعارف التي كانت لدى أطفال الطبقة المتوسطة.

ويمضي أطفال الفقراء وقتًا طويلاً أمام التلفزيون لمشاهدة الإعلانات التجارية وأفلام الكرتون دون أن يعود ذلك عليهم بفوائد تعليمية أو ثقافية. ويعتبر هذا البرنامج من أنجح البرامج التعليمية على مستوى العالم، وقد تمَّ اقتباس أسلوب البرنامج بأكثر من 20 لغة في العالم، والنسخة العربية له من النسخ الأجنبية الرائدة والمتميزة.  ونجاح البرنامج يعود إلى سببين رئيسين:

  • السبب الأول: التخطيط العلمي وحرفية الإنتاج، فقد استغرقت فترة الإعداد للبرنامج ثلاث سنوات من عام 1966 إلى عام 1969. وشارك في الإعداد أكاديميون ومتخصصون في التربية والإعلام وعلم الاجتماع والفن. بدأ الإعداد للبرنامج بدراسة لسلوكيات مشاهدة التلفزيون لدى الأطفال، وتمَّ الاستنتاج أن الإعلانات وأفلام الكرتون هي التي تستهويهم. والقاسم المشترك بينها هو سرعة الإيقاع وهو الوحيد القادر على شد انتباه الأطفال ومتابعتهم؛ لذا تمَّ تبنِّي فكرة سرعة الإيقاع بحيث تكون كل حلقة مكونة من سلسلة من المقاطع القصيرة والمتتابعة. وكل مقطع يتم إنتاجه يخضع لعملية تقييم قبل اعتماده في بنك المقاطع المتاحة التي يمكن الاستفادة منها وتكرار عرضها.
  • السبب الثاني: سخاء التمويل، حيث ساهمت مؤسستان في تمويله (مؤسسة فورد الخيرية، ومعهد كارنجي) وكذلك الحكومة الفيدرالية. وكانت أول ميزانية له 8 ملايين دولار (تقريبا 60 مليون دولار بالأسعار الحالية). وشارع السمسم هو النسخة العربية لبرنامج افتح يا سمسم. أنتجته مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك بإشراف المؤسسة الأمريكية “ورشة تلفزيون الأطفال”. وتمَّ بث الحلقة الأولى له في عام 1979. استغرق إنتاج الحلقتين النموذجيتين حوالي سنة، وتم إنتاج 128 حلقة. وقد رُصدت له ميزانية تُقدَّر بـسبعة ملايين دولار (تتجاوز 40 مليون دولار بالأسعار الحالية)، ساهمت بها المملكة والكويت وقطر والبحرين والعراق والإمارات. ووُضع له 170 هدفًا تتعلق بمجالات معرفية، واجتماعية، وصحية، وفكرية، واقتصادية، وتقنية، وجمالية، وقومية، وروحية، وإنسانية. ساهم في إعداد البرنامج 23 كاتبًا من مختلف الدول العربية، وكُتبت للبرنامج 120 أنشودة، مثل أناشيد الأرقام والحروف والتصنيف.

وأشارت أ. نورة الفايز إلى أن برنامج افتح يا سمسم أو شارع السمسم من البرامج التعليمية التلفزيونية الرائدة التي تركت آثارًا واضحة على بعض الأطفال في المملكة، وقد كانت هناك دعوة لوزارة التعليم للمشاركة في تبني هذا البرنامج ودعمه.

في حين عقَّبت د. مها المنيف بأن تعليم الأطفال من خلال برنامج افتح يا سمسم الذي يستمر ٣٠ دقيقة يوميًّا أو برنامج تثقيف الأم الذي تشرف عليه جمعية رعاية الطفل (والذي يُعلِّم الأم كيف تُدرِّس وتقرأ لطفلها) لن تحل محل إلزامية دخول الأطفال إلى التمهيدي على الأقل، ويمكن وضع ميزانية كافية لدعم القطاع الخاص لإنشائها، على أن تشرف عليها وزارة التعليم، مع وضع إستراتيجية لقبول جميع الأطفال بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي، وتدعم الوزارة هؤلاء الأطفال خاصة الموجودين في المناطق النائية.

 

  • نحو آليات عملية للنهوض بتعليم ورعاية الطفولة المبكرة:

يرى د. خالد بن دهيش أهميةَ العمل على تعزيز ودعم القطاع الخاص للمساهمة والاستثمار في حضانات ورياض الأطفال ومدارس الصفوف الأولية بالمرحلة الابتدائية في مجال من خلال:

  1. تقديم الدعم الفني والتدريب.
  2. تأمين المقررات والمناهج والوسائل التعليمية.
  3. إعطاء هامش من الحرية لهذا النوع من التعليم والرعاية، مع الالتزام بالمعايير الأساسية المعتمدة.
  4. تقديم خدمات الدعم من الرعاية الصحية الأولية والإرشاد الاجتماعي والتربوي وخدمات التغذية وفق عقد موحَّد يُعتمد من وزارة التعليم.
  5. تقديم حوافز للقطاع الخاص للاستثمار في التعليم ما قبل المرحلة الابتدائية في المناطق غير الجاذبة (النائية).

وركزت أ. نورة الفايز على أهمية دور الأسرة في تنشئة الطفل، وأهمية العمل على التوعية الأسرية؛ فللأسرة دورٌ كبير في تنشئة الطفل في جميع مراحل حياته، وبالأخص في مرحلة الطفولة المبكرة؛ ولذلك يُفترض أن يكون لدينا خطط توعوية وتثقيفية للأسر في أساسيات تنشئة الطفل؛ وعلى سبيل المثال، فإن جمعية رعاية الطفولة قدَّمت وما زالت تقدِّم برنامجًا تثقيفيًّا بمسمَّى (تثقيف الأم والطفل) مدته (٢٥) أسبوعًا، يُقدَّم للأمهات في جميع أنحاء المملكة (١٣) منطقة، وقد استفادت منه أكثر من (١٢,٢٣٠) سيدة، ولقي إقبالًا كبيرًا. بالإضافة لذلك، فقد قدَّمت جمعية رعاية الطفولة برنامجًا لدعم الرضاعة الطبيعية، وبرامج لتثقيف وتوعية المجتمع.

وأكد د. محمد الملحم على ما ذكرته د. هيا حول ضرورة عدم تفعيل الروضة الافتراضية على نحو رسمي أو كبديل كامل للروضة؛ وذلك للأضرار التي يمكن أن يتركها إدمان الشاشة على الطفل خاصة في هذه الفترة المبكرة؛ باعتبار أن الروضة الإلكترونية يمكن أن تكون في صورة برامج إثرائية مساندة محدودة الزمن أيضًا.

وفي اعتقاد أ. علياء البازعي، فإن تطبيق الروضة الافتراضية قد يكون فعَّالًا إذا تمَّ تطبيقه بشكل صحيح ومنظَّم، مع “التأكيد” على تدريب الأمهات / أفراد الأسرة على استخدام هذا التطبيق وتفعيل محتواه بشكل سليم، لا أن يكون مثل بقية التطبيقات.

أما د. فوزية البكر فلم تتفق مع ما طالَب به د. راشد العبد الكريم، حيث ينادي ضمنيًّا – كما ترى – بعدم ضرورة الالتحاق بالروضة؛ فالأسرة هي الأصل في تربية الطفل، وهي كذلك حقًّا؛ لكنَّ عصرنا الحديث يُثبت حاجة الطفل إلى أن يلعب ويشارك ويتعلم الأخلاق المدنية من الروضة. وقد أوضحت بيانات الاختبارات الدولية بيرلز ٢٠١٦ أن الوالدين هما المعلم الأول للطفل بشرط أن يشركانه في نشاطات منظَّمة من الكلام والغناء ورواية القصص. وأكدت النتائج أن الأطفال ممَّن التحقوا بالروضات قبل التحاقهم بالمرحلة الابتدائية أظهروا تفوقًا أكبر في مهارات القراءة والكتابة مقارنةً بنظرائهم الذين لم يحظوا بأية نشاطات منظَّمة لتعلُّم القراءة والكتابة. كذلك أشارت النتائج إلى أن تحسُّن القراءة (ويُقاس في الصف الرابع) تأثَّر بثلاثة عوامل:

  • إذا التحقوا بمدارس في مناطق مرتفعة الدخل.
  • وإذا كان زملاؤهم في الفصل قد حظوا بخبرات في القراءة والكتابة قبل الالتحاق بالابتدائية (أي الالتحاق برياض الأطفال).
  • وإذا لم يكن لديهم قصور في إمكانات المدرسة لتوفير المصادر التعليمية.

وفيما يتصل بسؤال د. راشد حول المناهج الغربية المطبَّقة، فمن المهم التوضيح بأن معظم الفلسفات في هذا الحقل نمت ونضجت في الغرب، وقد قامت السعودية بتعديلات كثيرة على هذه البرامج، ومن ضمنها برنامج الأركان التعليمية المطبَّق الآن لتضمينها المفاهيم الدينية والاجتماعية الأساسية لطفل الروضة. أما فيما يتعلق بالروضات الافتراضية فهي بلا شك وُضِعت للطلاب الذين لا تمكِّنهم ظروفهم من الالتحاق (لبُعد المنطقة أو في ظل الحروب) بالروضات الواقعية التي تُحقِّق التفاعل الحقيقي في بيئة طبيعية، بل علينا في المملكة واجب وطني، وهو العمل للحد من الاستخدام المُفرط لأطفالنا للألعاب الإلكترونية والجوالات وغيرها. هناك الآنَ تيار قوي في الولايات المتحدة ويحمل رايته مالكو شركات التكنولوجيا في السيليكون فالي؛ حيث ظهرت مجموعة من المدارس التقليدية التي تمنع تمامًا استخدام التكنولوجيا في مناهجها، وتُحدِّد بشكل دقيق الاستخدام خارجها، وأول زبائنها هم أبناء أصحاب هذه الشركات لإدراكهم خطورة التكنولوجيا وخاصة على الصغار.

أما د. زياد الدريس فيرى ضرورة أن تستفيد المملكة بالخبرات الوافرة في مجال التعليم المبكر بدلًا من استيراد ذلك! وركزت أ. مها عقيل على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة على النمو الذهني وشخصية الطفل، وهي مسألة تحتاج إلى تعامل ملائم معها.

وعرضت د. هيا العواد لتوصيات المعرض والمنتدى الدولي السادس للتعليم ٢٠١٨ عن الطفولة المبكرة، ومن أهمها ما يلي:

  • إطلاق ملتقى للفرص الاستثمارية يتضمن إقامة ورش عمل تُحقِّق التكاملية في صناعة مرحلة رياض الأطفال.
  • إنشاء متاحف للطفولة المبكرة من قِبل الجهة المعنية بمشاركة القطاع الخاص.
  • مشاركة القطاع الثالث في دعم الطفولة المبكرة عن طريق تبنِّي مبادرات نوعية بالتنسيق مع وزارة التعليم.
  • توسيع نطاق التكامل والتنسيق بين وزارة التعليم والوزارات المعنية بالطفولة المبكرة.
  • تفعيل دور مؤسسات الإعلام في بثِّ رسائل توعوية للمجتمع؛ لرفع وعي أولياء الأمور بأهمية هذه المرحلة.
  • انتفاع القطاع الخاص من الخدمات والتسهيلات المقدَّمة من وزارة الشؤون البلدية والقروية في التوسُّع في مرحلة رياض الأطفال.
  • بناء شراكة مع المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني في مجال تدريب معلمات الطفولة المبكرة.
  • التكامل بين الجامعات الحكومية والخاصة والتعليم العام في إعداد برامج الدراسات العليا لمرحلة الطفولة المبكرة.
  • الاستفادة من البرامج المطروحة في أوراق العمل لتأهيل معلمات مرحلة الطفولة المبكرة ذوات التأهيل الأقل من الجامعي أثناء الخدمة.
  • الاستفادة من تجارب الدول المشاركة بالمنتدى في دعم الحكومات للطفولة المبكرة.
  • تصميم برامج للأسر للتوعية بأهمية الطفولة المبكرة.
  • استفادة القطاع الخاص مما طُرِح في هذا المنتدى من نماذج استثمارية؛ كونه شريكًا أساسيًّا في دعم الطفولة المبكرة.

وفي اعتقاد د. خالد بن دهيش، فإنه ولدعم برنامج الطفولة المبكرة فإننا نحتاج إلى حثِّ جهات التمويل المُحتملة، مثل: وزارة التعليم، وصندوق تنمية الموارد البشرية، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ووزارة المالية، وغيرها؛ وذلك لدعم البرامج التالية:

  1. تمويل إنشاء المدارس ورياض الأطفال كعنصر مساعد لمشاركة المرأة في قطاع العمل.
  2. تمويل برامج تأهيل وتدريب الكادر التعليمي الوطني.
  3. المساهمة في تغطية رواتب المعلمات في القطاع الأهلي.
  4. التعاون بين وزارة التعليم ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية لتحديد فئات الدخل المحدود، للعمل على إلحاق أطفالهم بالتعليم ما قبل المرحلة الابتدائية؛ من خلال تقديم الدعم والتشجيع (المادي والمعنوي) لهم لتحفيزهم على التحاق أطفالهم بمرحلة رياض الأطفال.
  5. وضع برامج خاصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والموهوبين من خلال نظام القسائم (vouchers) لتغطية نسبة من الأقساط المالية.

وترى د. مها المنيف فيما يتعلق بارتفاع كلفة مرحلة رياض الأطفال خاصة مع التوسُّع الكمي والانتشار في المملكة، أن هذا الأمر يعوَّل على القطاع الخاص، ويجب إلزام كل مستثمر في إنشاء رياض أطفال بقبول نسبة من الأطفال غير ميسوري الحال underprivileged، وتجربة الولايات المتحدة في إدماج جميع الأطفال في هذا الموضوع جديرة بالنظر إليها، خاصة أن مدارس رياض الأطفال الخاصة والموجودة لدينا الآن باهظة التكاليف. وعليه، وبما أن الدراسات في دول كثيرة أثبتت أن العائد من الاستثمار في مرحلة الطفولة المبكرة كبير جدًّا على اقتصاد الدولة؛ فإنه يجب أن تتوفر مدارس رياض الأطفال في جميع مناطق المملكة ولجميع الأطفال، بغض النظر عن حالة أسرهم الاقتصادية والاجتماعية.

ومن ناحيتها ذكرت أ. نورة الفايز بالنسبة لمسألة العناية بأطفال الأمهات الأقل حظًّا في الحياة أو الفقيرات، واقتراح قبول بعض من هؤلاء الأطفال في بعض المدارس الأهلية بدون مقابل، فهي توصية من المهمِّ الأخذ بها؛ على أن يكون ذلك من معايير تقييم المدارس. أما التوصية الخاصة بتوفير مراكز الطفولة المبكرة في جميع مناطق المملكة، فقد سبق العمل عليها مع التركيز على القرى والهجر، كما أن وزارة التعليم الآن تُنفِّذ مشروعًا مماثلًا.

وأكدت أ. فائزة العجروش على أن الإعلام بلا شك قطاع داعم ومهم لتحقيق الأهداف المأمولة لعملية التنمية الشاملة في أي دولة؛ لذا من الضروري التكامل بين جميع الجهات ذات العلاقة ومن بينها الإعلام كمطلب أساسي لنجاح تلك الجهود، بما فيها الجهود المرتبطة برعاية الطفولة المبكرة.

ومن ناحية أخرى، ترى د. وفاء طيبة أن المباني الخاصة برياض الأطفال يجب أن تنال الاهتمام الكافي؛ فكل منهج تعليمي له تنظيم داخلي خاص به، فنظام الأركان والمعروف في المنهج المطور لدينا يختلف جدًّا عن حاجات منتسوري أو ريجيو إميليا مثلًا، ويجب أن نعمل على موافقة منهجنا مع مبنانا؛ فهناك نماذج للروضات في أنحاء المملكة لا يمكن أن تُطبِّق فيها المعلمة حتى المنهج المطوَّر المعروف في وزارة التعليم بطريقة صحيحة!

واهتم د. محمد الملحم بتسليط الضوء على ضرورة العناية بمعلمات رياض الأطفال في تجهيز مراكز تدريب متخصصة لهن مختلفة عن تلك التي تُدرَّب فيها معلمات المراحل الأخرى، وتكون لهن أساليب تقييم مختلفة لأجل الوقوف على الجودة والتمكُّن من خلال مدخل التقييم الأصيل authentic evaluation، وهو الذي يتم فيه وضع اليد على المهارات الدقيقة، ويتبع المنهج التشخيصي في التطوير المهني.

أما د. الجازي الشبيكي فاتفقت مع د. راشد العبد الكريم في التأكيد على أهمية بناء مناهج الطفولة المبكرة على أسُس صحيحة، وأهم ركائز هذا المنهج برأيها هو إستراتيجيات التعلُّم التفاعلي النشط الذي يتيح الفرصة للطفل لتنمية قدراته ومهاراته الحركية وتوفير فرص مهارات التفكير ومهارات إدراك العلاقات بين الأشياء ومهارات الاتصال؛ ولكن هل هناك من المؤسسات والهيئات المعنية من عمل بجدية وتخطيط وإستراتيجية قوية متكاملة وشاملة لبناء مناهج رياض الأطفال وفق  قيمنا ومبادئنا، واسترشادًا بالتقنيات والأساليب المتقدِّمة للدول الناجحة في هذا الشأن؟

أيضًا، أكدت د. الجازي على أهمية تكوين وتفريغ فريق تربوي علمي تقني متخصص من قِبل الجهات الحكومية ذات العلاقة (وليس فقط وزارة التعليم)، بالإضافة إلى مشاركة القطاع الخاص لبناء منهج تعليمي لمرحلة الطفولة المبكرة، يرتكز على قيمنا، ويأخذ بالأساليب الحديثة المتقدِّمة للدول التي نجحت في هذا المجال.

بينما يرى د. مساعد المحيا أن من المهم مدَّ جسور التعاون بين كل عناصر البيئة التربوية والاجتماعية المؤثرة في حياة الطفل وتكوينه؛ إذ إن هذا التعاون يمكن أن يُمثِّل أساسًا تربويًّا في نجاح تربيته وتحقيق نموه المتكامل. ومؤسسات الطفولة المبكرة ومراكزها لن تُحقِّق نجاحًا ما لم تقُم برامجها على الشراكة الفاعلة والمؤثرة بين الأسرة ومؤسسات الطفولة. وإذا كنا حريصين فعلاً على بناء قدرات الأطفال، فإن من المهم أن نُعنَى بالأسر والمسؤولين عن التعامل مع الأطفال داخلها، إذ هم المؤثر الأكبر على نمو الطفل وتربيته وتعليمه؛ وبخاصة في تدريبهم وتعليمهم، وفي تشجيعهم وتقديم الحوافز لهم والمكافآت المادية لكلِّ مَن يبذل جهدًا وفق برامج تقدِّمها مراكز ومؤسسات الطفولة.

بينما وفي تصوُّر د. عبير برهمين، فإن من المُلحّ معرفة مدى عمق أو سوء الجرح أو الجراح في أنظمة تعليمنا بما فيها التعليم في سنوات الطفولة المبكرة؛ لأن أيَّ علاج سطحي ومحاولة قفل الجرح بما فيه سيُفاقم المسألة ويؤدي لما لا تُحمد عقباه. عناصر التعليم ثلاثة: المعلم، والمنهج، والبيئة المحيطة به، ويُضاف إليها أيضًا استشراف مستقبل أطفالنا. وعليه، فلا بد عند تطوير أي مرحلة تعليمية أن نُطوِّر العناصر السابقة (معًا وفي وقت واحد) بصورة تكاملية جمعية، واضعين نُصب أعيننا خصائص المنتج النهائي (الطالب)، وكيف ندعمه للانتقال للمراحل المتقدِّمة على التوالي. هنالك ملاحظة مهمة جدًّا تتعلق بالقيادات العليا؛ فلا يكفي أن يكونوا فقط متخصصين (حاملين للشهادة)، بل يجب أن يكونوا كذلك ممارسين لمهنة التعليم؛ لأن الممارسة اليومية تعرِّفنا على الفجوات التي يجب أن تُردم. هنالك عددٌ كبيرٌ جدًّا من المربين الفاضلين من الجنسين من ذوي الشهادات العليا ممن أفنوا زهرة شبابهم في التربية والتعليم وتم إحالتهم للتقاعد دونما الاستفادة من كنوز خبراتهم التراكمية حتى ولو على سبيل المشورة. كذلك فإن دور البيت تكاملي مع التعليم، وأكبر خطأ هو فصل التربية عن التعليم، فهما عينان في رأس لا غنى لأحدهما عن الآخر. ولا يمكن أن نُطوِّر بيئةَ التعليم في المدرسة ليتم نسف ما تمَّ تطويره في المنزل عبر إخضاع الطلاب لرسائل متضاربة في القيم والتعليم ما بين المدرسة والبيت. وبصفة عامة، من المهم التركيز على ما يلي:

  • إجراء دراسات وأبحاث عن مواطن الخلل الفعلية في تطوير التعليم في السنوات المبكرة من عمر الطفل.
  • التأكيد على ضرورة تأهيل معلمات ومعلمين الصفوف الأولى بدرجة الماجستير، والخضوع لاختبارات كفاءة تنسجم مع أهمية تعليم الأطفال في هذه المرحلة العمرية. (تجربة فنلندا مثالاً).
  • وَضْع معايير ثابتة لخصائص المخرجات في مرحلة الطفولة المبكرة قابلة للقياس (يتقن القراءة “ما هي معايير الإتقان”، السلوك اللائق في التعامل مع الأقران “ما هي معايير السلوك اللائق”، وهكذا).
  • الاستفادة من خبرات المعلمات والمعلمين المتقاعدين كاستشاريين عند تطوير المناهج، وكذلك عند تثقيف وتوعية الأهل من وحي تجاربهم الغزيرة والطويلة باعتماد أفضل الممارسات.
  • تطوير مناهج التعليم الخاصة بتخصص رياض الأطفال في الجامعات؛ بالتركيز على السلوكيات والصحة النفسية، وأنماط الشخصية الخاصة بالأطفال وكيفية التعامل معهم.
  • اشتراط وجود شخص متخصِّص في التعليم عند مَنْح تراخيص افتتاح روضات أو مدارس أهلية؛ لضمان تحقيق حد أدنى من جودة التعليم بدلاً من اعتباره مشروعًا استثماريًّا بحتًا يركِّز على الهامش الربحي.

كما تواصل الحوار حول بعض النقاط المهمة، مثل:

  1. التركيز على مهارات التفكير كأساس في التربية والتعليم؛ لتمكين الأطفال من المهارات الحياتية والثقة واتخاذ القرار والإبداع.
  2. تشكيل فريق عمل متفرغ يجمع بين التخصصات العلمية والتربوية والتقنية وغيرها من التخصصات ذات العلاقة؛ لبناء منهج تعليمي تربوي لمرحلة الطفولة المبكرة، يرتكز على القيم والمبادئ الإسلامية، ويأخذ بالأساليب والآليات العالمية الحديثة المتقدِّمة الناجحة، ووضع دستور للتربية في الأسرة يركِّز على بناء الفرد، وما هي الأدوار التي يجب أن يلعبها الوالدان حتى نُخرِج أجيالًا مسلمةً منتميةً للوطن وللعالم.
  3. وضع الأنظمة والمعايير والضوابط العلمية لرياض الأطفال، ومراقبة جودة العمل فيها من قِبل جهات متخصِّصة.
  4. إثراء ثقافة الطفل من خلال توظيف أدب الطفل في المناهج والأنشطة لأطفال المراحل المبكرة من التعليم.
  5. أهمية ضبط الجودة عند عمليات التوسُّع والانتشار في أنحاء المملكة؛ لتحقيق التوازن الكمي والنوعي معًا، وبخاصة أن متطلبات ذلك من معايير نمائية وبرامج تدريبية عالية متوافرة، وتمت مع بيوت خبرة دولية.

 

  • التوصيات:
  1. ضرورة إضافة مرحلة الروضة المتقدِّمة للعمر من (٥ إلى ٦) سنوات لسُلَّم التعليم الرسمي الإلزامي، مع وضع ضوابط وجزاءات لمَن لا يُلحِق أطفالَه بهذه المرحلة مثل المرحلة الابتدائية.
  2. ضرورة بناء إستراتيجية متكاملة تغطي جميعَ الجوانب لرعاية الأطفال في مرحلة المهد من (الولادة إلى 3 سنوات)؛ لما أثبتته أبحاث الدماغ عن خطورة هذه المرحلة النمائية على عموم حياة الإنسان، وتشمل الإستراتيجية الأسرة والمؤسسات التي تقوم على الرعاية، بما في ذلك الشخص الذي يباشر رعاية الطفل، والمسمَّى الوظيفي لها لاستقطاب شخصيات ممتازة في هذا المجال، ومعايير اختيارها ورخصتها وتدريبها المستمر على رأس العمل، والبيئة الفيزيائية والنفسية التي ترعى الطفل سواء في الأسرة أو تحت إشراف وزارة التعليم في الصفوف والغرف الخاصة، وأساليب تحقيق الجودة والتقييم، ثم التوسُّع في القبول في هذه المرحلة لمَن يحتاج هذه الرعاية.
  3. تأسيس شركة حضانات أطفال (علامة تجارية) مميزة، يكون لها انتشار واسع في المملكة، ويكون لها فروع في المولات التجارية التي تكثر فيها النساء البائعات والمتسوقات، وكذا في الجامعات والمستشفيات والوزارات وداخل المجمعات أو المدن الصناعية لتشجيع المرأة على العمل في قطاع الصناعة.
  4. مراجعة وتفعيل الأنظمة والسياسات الوطنية الخاصة بحقوق المرأة العاملة، التي تؤكِّد على تقديم الخدمات المساندة للمرأة العاملة، ومنها توفير حضانات للأطفال من الولادة وحتى ثلاث سنوات في مقر العمل أو قريب منه، على أن يشمل ذلك أطفال المعلمات في المجمعات التعليمية مع وضع الضوابط المؤسسية التي تحكم ذلك.
  5. إنشاء أكاديمية وطنية متخصِّصة في الطفولة المبكرة تتولى وضع معايير شخصية للمتقدِّمات للعمل في مجال الطفولة المبكرة، والتدريب واعتماد الترخيص للوظائف والمشاريع، والأبحاث ذات العلاقة على المستوى الوطني، وتكون بيت خبرة للجهات واضعة السياسات والأدوات المتعلقة بالطفولة المبكرة. وتُطبِّق الجامعات هذه المعايير في القبول لقسم رياض الأطفال.
  6. إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للمساهمة مع وزارة التعليم في تطوير وتجويد ما يُقدَّم للطفولة المبكرة من برامج وأنشطة، كعملية بناء وإعداد المناهج والبرامج لهذه المرحلة. وتحديث الإجراءات الخاصة بمنح التراخيص للمستثمرين وتبسيطها، والعمل على إيجاد مراكز للخدمة الشاملة للمستثمرين لمَنْح جميع التراخيص في مكان واحد.
  7. أن تقوم شركة تطوير التعليم القابضة بوَضْع آليات للإقراض الميسر للراغبين في الاستثمار في الطفولة المبكرة، ومَنْح القروض لمَن يثبت جدوى مشاريعهم، مع تقديم المساندة الإدارية والفنية لهم.
  8. أن تقوم جمعية رعاية الطفولة بتكثيف البرامج الموجَّهة للأم والأب في مجال التوعية بأساسيات التعامل مع الأطفال، ودعم جهود الجمعية في هذا المجال من قِبل وزارة التعليم والجهات ذات العلاقة. وتشجيع القطاع الثالث على العمل في مجال التربية الأسرية وتدريب الوالدين والمعلمات، ونَشْر الوعي بأهمية المراحل الأولى من حياة الإنسان بما فيها مرحلة الحمل، ودعم الجمعيات القائمة والجديدة في هذا المجال.
  9. دعم إنشاء مراكز أبحاث وطنية لدراسات الطفولة في الجامعات.
  10. دَعْم عَقْد المؤتمرات العلمية عن تعليم الطفولة المبكرة باستمرار وتنوُّع موضوعاتها، وتقوم على هذه المؤتمرات وزارة التعليم والجامعات.

 القضية الثالثة

تحديات التغيُّر الاجتماعي في المجتمع السعودي

(16‏/2‏/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. نورة الصويان
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. الجازي الشبيكي
  • التعقيب الثاني: أ. د. مجيدة الناجم
  • إدارة الحوار: د. عائشة الأحمدي

 

  • الملخص التنفيذي:

تناولت د. نورة الصويان في الورقة الرئيسة مفهوم التغيُّر الاجتماعي والفرق بينه وبين مفهوم التغيير الاجتماعي، وحاولت أن تُقدِّم تفسيرًا لمفهوم التغيُّر الاجتماعي في المجتمع السعودي في ظل المتغيرات السياسية، وفي إطار رؤية 2030 وما انبثق عنها من برامجَ ومبادرات ساعدت على تحقيق تغيير اجتماعي (مقصود) في بنية المجتمع من أجل تحقيق الأهداف التي وُضِعت من أجلها في إحداث تغيير على جميع الأصعدة، وفي جميع مناحي الحياة. وعرضت لأسباب وعوامل التغيُّر الاجتماعي. كما تناولت أثرَ التغيُّر على الأسرة السعودية، وكيف تأثَّرت بحزمة الأنظمة الحديثة بحيث تغيَّرت العلاقات داخل الأسرة وتوزيع السلطات، وتقسيم الأدوار، وتغيَّر نظام الزواج… إلخ. وعرضت كيف أن هذه التغيرات صاحَبها إشكالات أو تحديات، تمثَّلت في ارتفاع نسب الطلاق، والفجوة بين التعليم وسوق العمل، وبناء الشخصية الوطنية. وركزت على تحديات قطاع التعليم في التعامل مع التغيُّر الاجتماعي من خلال (تطوير المناهج، والتركيز على جودة التعليم وتطوير مخرجاته). وأخيرًا، قدَّمت رؤية مقترحة لدور بعض المؤسسات المجتمعية ذات العلاقة بالتعامل مع التغير الاجتماعي، وقد حدَّدتها في ثلاث مؤسسات، وهي: (وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وزارة التعليم). وقد قدَّمت مقترحاتٍ أو توصيات متعلقة بكل مؤسسة من هذه المؤسسات في مواجهة تحديات التغيُّر الاجتماعي.

وتطرقت د. الجازي الشبيكي في التعقيب الأول إلى أحدث التغيرات الاجتماعية المفاجئة في سرعتها في المجتمع السعودي، والتي تعدَّت مرحلة التحويل إلى مرحلة التطبيق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الانفراجات التي طال انتظارها في عدد من أنظمة الدولة فيما يخصُّ تمكين المرأة، والتي أهلَّتها لتنالَ حقوقها بصفتها مواطنة كاملة الأهلية، ونظام ولائحة الذوق العام الذي حلَّ  كقانون مدني حديث يضمن الالتزام بالآداب والأخلاقيات في الأماكن العامة، وإعادة صياغة ثقافة السياحة والترويح والترفيه بما يتناسب مع متطلبات التحديث والانفتاح على العالم، بجانب التوسُّع في الاهتمام بالمجالات الثقافية المتمثِّلة في الفنون والآداب والتراث والمتاحف وغيرها.

وأوضحت أ. د. مجيدة الناجم في التعقيب الثاني أن التغير الاجتماعي عملية حتمية لا بد أن تحصل، لأنها طبيعة تطور المجتمعات البشرية؛ لذا فقد حظي موضوع التغير الاجتماعي باهتمام مبكر من منظِّري علم الاجتماع والمهتمين بدراسة المجتمعات الإنسانية. وبما أن التغير الاجتماعي في الوقت الحالي في المجتمع السعودي هو نتيجة تغيير مقصود لم يستهدف الجانب الاجتماعي بحد ذاته؛ إنما كان له أهدافٌ اقتصادية وسياسية وتنموية، بهدف الارتقاء بالمملكة العربية السعودية؛ لذا فقد كان هناك إصلاحات هيكلية تناولت جوانب أساسية في المجتمع، وطبيعي أن ينتج عن هذا الإصلاح والتطوير إرهاصات اجتماعية وتغيرات في بناء المجتمع، وفي دور مؤسساته، وفي نمط العلاقات التي تربط أفراده، ونلمس جميعنا أثر التغير الاجتماعي الحاصل بدايةً على صعيد أسرنا، إلى أن يشمل المجتمع ككل.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاورَ التالية:

  • واقع التغير الاجتماعي ومظاهره في المجتمع السعودي.
  • التحديات المرتبطة بالتغير الاجتماعي.
  • آليات التعامل الملائمة مع التغير الاجتماعي.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: تحديات التغير الاجتماعي في المجتمع السعودي، ما يلي:

  • إنشاء مرصد لرصد التغير الاجتماعي ومظاهره وآثاره على المجتمع، وأن يكون هناك آلية لرصد ماهية نوع التغيرات الحاصلة، مَن هم المتأثِّرون بها؟ كيف أثَّرت على علاقاتهم وعلى تماسُك المجتمع ككل؟ والخروج بمنظورات تفسِّر هذا التغيير الحاصل واتجاهاته وآثاره.
  • العمل على تسريع اكتمال برنامج تعزيز الشخصية الوطنية السعودية ومبادراته، باعتباره صمام أمان يمكن من خلاله تجسير الفجوة بين سرعة التغيير وقيم المجتمع وثقافته، وأن ينفتح على المشاركة الفاعلة من قِبل مؤسسات المجتمع، وتُمثَّل جميع أطياف المجتمع في مبادراته.

 

  • الورقة الرئيسة: د. نورة الصويان

تمهيــد:

لا شك أن التغيُّر الاجتماعي سُنَّة مجتمعية، غير أن هذا التغير يختلف في طبيعته ومستواه من مجتمع لآخر، وقد مرَّ المجتمع السعودي في غضون السنوات القليلة السابقة بعدة تغيرات كبيرة تمثِّل قفزة نوعية؛ ويرجع ذلك إلى الإرادة السياسية على إحداث تغيُّر في المجتمع السعودي.

ومن هذا المنطلق، تحاول هذه الورقة رَصْد مظاهر وعوامل وتحديات التغير الاجتماعي في المجتمع السعودي، في محاولة لوضع رؤية مقترحة لدور بعض المؤسسات المجتمعية ذات العلاقة للتعامل مع تبعات التغير الاجتماعي.

وتتمثل محاور الورقة في:

  • أولًاً: الفرق بين التغيير والتغير.
  • ثانيًا: عوامل وأسباب التغيُّر في المجتمع السعودي.
  • ثالثًا: أثر التغير على الأسرة السعودية (البناء – الأدوار – الوظائف- الثقافة).
  • رابعًا: تحديات التغير الاجتماعي في المجتمع السعودي.
  • خامسًا: رؤية مقترحة لدور بعض المؤسسات المجتمعية ذات العلاقة للتعامل مع تبعات التغيُّر الاجتماعي.

أولاً – الفرق بين التغيير والتغيُّر:

لا شك أن العديد من الباحثين ناهيك عن غالبية أفراد المجتمع من غير الباحثين لا يفرقون في تناولهم لمصطلح التغيُّر عن التغيير، ويمكن أن يرجع ذلك للارتباط والتداخل بين المصطلحين على الرغم من اختلافهما؛ لذا بدايةً نبدأ بتحديد الفرق بين التغيُّر والتغيير.

  • التغيُّر الاجتماعي:

التغير سمة من سمات الكون، ويرتبط بالتحضر والتنمية والنمو والتقدُّم والتكنولوجيا والإعلام وأسلوب الحكم، كما يمسُّ التنشئة الاجتماعية وطريقة الحياة. وهو عملية اجتماعية يتحقق عن طريقها تحوُّل المجتمع بأكمله، أي تحول في نظُمه الاجتماعية، كالنظام السياسي والاقتصادي والعائلي… إلخ، وذلك في حدود حقبة زمنية محددة؛ نتيجة عوامل ثقافية واقتصادية وسياسية، يتداخل بعضها ببعض، ويؤثر بعضها في الآخر.

ويذهب عالم الاجتماع أنتوني غيدنز (Antoni Gidnz) إلى القول بأن التغير الاجتماعي هو تحوُّل في البنى الأساسية للجماعة الاجتماعية أو المجتمع، ويرى أن التغيُّر الاجتماعي هو ظاهرة ملازمة على الدوام للحياة الاجتماعية (غيدنز، 2005).

يشمل التغيُّر الاجتماعي Social change جميعَ جوانب الحياة؛ وذلك لأن المجتمعات حاليًّا متغيرة ومنفتحة على غيرها من المجتمعات، كما يشمل التغيُّرُ البناءَ الاجتماعي كالعادات وأنظمة المجتمع وأدواته التي تساعد على التغير في جميع جوانب الحياة الاجتماعية (زامل، 2010م، ص4).

  • التغيير الاجتماعي:

التغيير هو التحوُّل الممنهج المدروس، الذي يتم تخطيطه بشكل حرفي بما يقلل من الأخطار والسلبيات التي قد تنتج عن عملية التحوُّل.

كما يُمكن تعريف التغيير الاجتماعي أيضًا بأنه التحوُّل الممنهج المدروس، الذي يتم تخطيطه كيفيًّا وكميًّا في المجتمع. ويتم التغيير بناء على دراسات وخُطط مثل رؤية المملكة 2030، وتُراعي الظروفَ والعوامل الخارجية والداخلية وفقًا لرؤية وفلسفة وأهداف محدَّدة، وفي ضوء إمكانيات مادية وخُطة زمنية. كما يتم التغيير في ضوء توجهات النظام السياسي، ووفقًا للقوانين وثقافة المجتمع.

وتتحدد أبعاد التغيير فيما يلي:

  • أن التغيير يتم وفقًا لفلسفة ورؤية محدَّدة.
  • يعمل على تحقيق أهداف محدَّدة تؤدي إلى الارتقاء بالمجتمع وتنميته.
  • يستند على رؤية نظرية وتوجُّهات وخُطط مدروسة.
  • يتم وفقًا لعوامل وظروف خارجية وداخلية.
  • يتم وفقًا لخطة محدَّدة تراعي (العاملَ المادي – العامل الزمني- العامل البشري).
  • يتم وفقًا لقوانين المجتمع وتوجهاته.
  • أن يراعي الجوانبَ المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

ورغم أهمية وتأثير التغير على المجتمع السعودي، إلا أن القفزة الحضارية في السنوات القليلة الأخيرة والتي حقَّقت نقلةً نوعية في مسار تنمية وتطوير المؤسسات وتمكين الأفراد – كانت نتيجة للتغيير، والذي كان نتاجًا للسياسات الفعالة الشاملة، والقرارات السياسية المستنيرة، والتي تُوجِّت برؤية 2030، وبرنامج التحوُّل الوطني 2020.

ثانيًا – عوامل وأسباب التغير:

يرى ماكس فيبر(Max Weber)  أن التغير الاجتماعي يمكن أن يحدث لأسباب عديدة، وبلغة أكثر دقة، فإن التغير الاجتماعي متعدد العوامل وفقًا لتحليل ماكس فيبر (عبد الجواد، 2002، ص 56).

سأحاول تحديد عوامل وأسباب التغير وَفْق عرض منفصل لكل عامل، لتوضيح تأثير هذه العوامل على التغير، وذلك لا ينفي قناعتي بتداخل هذه العوامل والأسباب في تشكيل طبيعة التغير ومستواه، وذلك أن الادعاء بتأثير عامل منفرد على طبيعة التغير يعَدُّ بُعدًا عن واقع التغير وتشوهًا في فهمه. ويمكن عرض عوامل وأسباب التغير فيما يلي:

  • العوامل البيئية (الفيزيقية): يؤدي الموقع الجغرافي للمجتمع السعودي إلى اكتسابه أهمية، وهو ما يؤثر على طبيعة التفاعلات الاجتماعية والثقافية، والتي تنعكس على طبيعة التغير الاجتماعي.
  • العوامل الديموغرافية: وتتمثل في خصائص السكان، وتركيبتهم، وقوة العمل وأشكال البطالة، والهجرة الداخلية، والمناشط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكلها تؤثر في تحديد اتجاهات التغيير وطبيعته، وهو ما يُمثِّل تحديًّا اجتماعيًّا يواجه المجتمع السعودي.
  • العوامل التكنولوجية: أثرت العوامل التكنولوجية على الأفراد والمجتمعات، وعلى تغيير أنماط حياتهم سواء في المنزل أو خارجه، فوفقًا لتقرير هيئة الاتصالات السعودية السنوي أن نسبة مستخدمي الإنترنت فـي المملكة سترتفـع إلى 6,82% من سكانها، مقارنة بنسبة ,732% من سكانها في العام 2017. وتقدَّمت المملكة العربية السعودية طبقًا للتقرير السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي تقنيًّا للمركز 33 من بين 139 دولة يصنفها المنتدى الاقتصادي العالمي بين عدة دول باسم (أعلى المتقدمين) في ميدان تقنية المعلومات والاتصالات.
  • العوامل السياسية: يؤثر النظام السياسي بدرجة كبيرة في مدى وطبيعة التغير الاجتماعي، حيث تضع الأنظمة السياسية بعضَ الضوابط والأساليب والتشريعات، وتتخذ القرارات التي تساعد على تحديد طبيعة التغير ومستواه، وهو ما حدث في المجتمع السعودي في السنوات الخمس الأخيرة، حيث كان للقرارات السياسية أثرٌ كبيرٌ في تحقيق قفزة كبيرة في تغيُّر المجتمع.
  • العوامل الاقتصادية: حيث تؤثِّر العوامل الاقتصادية في مدى تغيُّر المجتمع، حيث تتطلب خطة التنمية في المجالات الاجتماعية تكلفةً مادية يتم تخصيصها من النظام السياسي، لاستكمال مسيرة التطور وتحقيق أهداف رؤية 2030، والتي تُركِّز على ضرورة تنويع مصادر الدخل والإنتاج.
  • العوامل الثقافية: وتتمثل في الانفتاح الثقافي للمجتمع السعودي على العالم، وهو ما كان أحد العوامل الدافعة للنظام السياسي لتطوير البنية الثقافية والاجتماعية بما يتلاءم مع متطلبات العصر، ويضع المجتمع السعودي في مكانة متميزة على خريطة العالم، حيث اهتمت الدولة من خلال رؤية 2030 بضرورة تطوير كافة مؤسسات الدولة الرسمية والقطاع الخاص والقطاع الثالث.

دور المؤسسات الاجتماعية في تغيُّر المجتمع السعودي:

في إطار تغيُّر المجتمع، تواجه أغلب المؤسسات في كافة القطاعات العديدَ من التحديات الناتجة عن التغير الاجتماعي، وهو ما يتطلب التغيير بما يؤدي إلى تطوير أداء هذه المؤسسات، وهذا التغيير ينطلق من رؤية شاملة لتطوير المجتمع السعودي ومواجهة تحديات التغير. ويمكن عرض نماذج لبعض المؤسسات ذات العلاقة، مثل:

  • دور وزارة العمل والتنمية الاجتماعيةفي مواجهة تحديات التغير الاجتماعي.
  • دور وزارة التعليم للتعامل مع تحديات التغيُّر الاجتماعي والثقافي.
  • دور وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في مواجهة التدفقات الثقافية والقيم الاجتماعية، ما يبرز إيجابياتها، ويواجه سلبياتها.

ووفقًا لرؤية 2030 تقوم هذه المؤسسات بأدوارها في إطار من:

  • الحوكمة والشفافية.
  • بناء القدرات في كافة المؤسسات للتعامل مع المشكلات المتجددة.
  • صياغة وتقديم خطط وإستراتيجيات وبرامج تساعد على التعامل مع التحديات التي تواجه المجتمع السعودي.
  • تقديم تقارير دورية بحجم الإنجاز والتحديات وفق مؤشرات محددة.
  • المشاركة المجتمعية في تحقيق الأهداف المؤسسية ورؤية 2030.

ثالثًا – أثر التغيُّر على الأسرة السعودية (الأدوار – الوظائف- المكانة):

أثرت عمليات التغير التي يمرُّ بها المجتمع السعودي على بنية الأسرة ووظائفها التقليدية، حيث حدثت تغيرات أساسية في نمط العلاقات ووظائفها الاقتصادية والتربوية التي كانت تقوم بها قديمًا من خلال قيام بعض المؤسسات الحديثة بها. ومن تأثير التغير:

التأثير على بنية الأسرة السعودية:

لقد تعرَّض المجتمع السعودي للعديد من المتغيرات الجديدة التي أثرت على نواحي الحياة العامة. ومن بين هذه المتغيرات دخول وسائل الاتصال والترفيه الحديثة؛ وقد أدَّى ذلك إلى التغير في شكل وحجم الأسرة، حيث أصبح الأبناء يفضلون الاستقلال بعد الزواج، وقلَّ عدد الأطفال في الأسرة، وتغيَّرت طبيعة العلاقات بين أفرادها.

وما يهمنا هنا هو تغيُّر الأسرة من حيث حجمها ووظائفها، والمراكز الاجتماعية لأفرادها، وعادات الزواج بها، ووسائل تكوينها، وعوامل استقرارها وتفكُّكها.

أيضًا، تأثَّر الشباب نتيجة للانفتاح المجتمعي وخاصة من خلال وسائل التواصل الحديثة وتغيَّرت ثقافتهم، وزاد وعيهم بممارسة حقهم في المشاركة في صنع قرارات الأسرة، أو على الأقل في قراراتهم ومصيرهم.

كما أدَّى التغير الاجتماعي إلى تراجع السلطة المطلقة لربِّ الأسرة، فلم تعُد الزوجة منعزلةً ومنحصرة في تلك الأنماط التقليدية، وكذا الأبناء أصبح لديهم الوعي والقدرة على المناقشة، وعدم الطاعة المطلقة، وهو ما أدَّى إلى تقليص سلطة ربِّ الأسرة.

نتيجة لهذه التغيرات، زادت الفجوة والتوترات بين الآباء والأبناء، وبين الزوج والزوجة؛ وهو ما أثر على بناء الأسرة ووظائفها وطبيعة علاقات أفرادها.

وفيما يتعلق بالتماسك والترابط الأسري وما يرتبط به من كثرة الانشغال بمتابعة وسائل الاتصال الحديثة، وهو ما أدى إلى تقلص الوقت الذي يقضيه أفراد الأسرة مع بعضهم، إضافةً إلى الفجوة الثقافية التي تُحدثها بين الأجيال.

كما أثَّر التغير الاجتماعي على معايير الاختيار الزواجي، إذ إن الشباب اليوم في ظل سيطرة وسائل الاتصال الحديثة لديهم من الخبرة والمهارة ما يمكِّنهم من تقرير مصيرهم في حال حصولهم على تنشئة صحيحة، وتربيتهم على فكر معتدل، وقدرة على اتخاذ القرار وتحمُّل مسؤوليته.

وتمثَّل تأثير التغير على الأبناء فيما يلي:

  • التغير في العلاقات مع الوالدين: تغيَّرت أشكال العلاقات بين الوالدين والأبناء، حيث لم يعُد الشباب ملتزمًا بشكل صارم بتعليمات وتوجيهات الوالدين، وذلك بعد أن تراجع دور الوالدين في التربية ومتابعة الأبناء.
  • زيادة الفجوة بين الأجيال: أدت زيادة استخدام التقنية في الحياة اليومية وقضاء ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى عدم وجود لغة مشتركة بين الأبناء والوالدين، نتيجة زيادة علاقاتهم خارج إطار الأسرة من خلال “العالم الافتراضي”، علاوة على زيادة الفجوة بين الأجيال، والناتجة عن اختلاف ثقافة الشباب عن ثقافة الوالدين.
  • تراجع السلطة القبلية: أدى التغير الاجتماعي والتدفق الثقافي إلى تراجع السلطة القبلية، وكانت تنشئة الأسر سلطوية تصدر من أكبر رجل في الأسر القرابية، حاليًّا أدَّى الانفتاح على الثقافات الأخرى وارتفاع مستوى تعليم الأبناء، وتغيُّر شخصية المرأة إلى الوعي بحقهم في المشاركة وصنع القرارات المختلفة.
  • تغيُّر نظام الزواج: لم يعُد نظام الزواج الداخلي (من داخل القبيلة) يحظى بالقداسة في ظل التغيُّر الاجتماعي، وزيادة التحضُّر، وممارسة الشباب لحقِّه في اختيار شريك/ة الحياة؛ وهو ما أدَّى إلى تغير نوعي تحويلي.
  • تأخُّر سن الزواج للشباب من الجنسين: بعد أن كان أهل الفتاة يزوجونها في سن مبكرة، أثَّر تعليم الفتيات وزيادة الثقافة والتمكين والوعي بالصحة الإنجابية إلى تأخُّر سن الزواج، حيث تفضِّل أغلب الفتيات إتمام التعليم الجامعي قبل الزواج، فقد أصبح لديهن طموح وتطلعات أخرى، ولا تقتصر هذه الطموحات على الزواج فقط، وأيضًا بالنسبة للشباب بدأنا نلاحظ عزوف بعضهم عن الزواج.

رابعًا- تحديات التغيُّر الاجتماعي في المجتمع السعودي:

على الرغم من أهمية التغيُّر الاجتماعي وتأثيره الإيجابي في المجتمع السعودي، إلا أن هناك عددًا من التحديات التي لا بد من التعامل معها، وتتمثل فيما يلي:

  • ارتفاع نسب الطلاق: ففي إحصائية حديثة صدرت في شهري جُمادى الأولى وجمادى الآخرة لعام 2018م بلغ عدد صكوك الطلاق التي صدرت نحو 10016 صكًّا في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، فيما تراوح عدد صكوك الطلاق الشهرية لفترة اثني عشر شهرًا سابقًا بين 2. 663 كحد أدنى و6. 173 كحد أعلى؛ أي أن صكوك الطلاق في شهري جمادى الأول 4. 858 وجمادى الآخرة 5158 صك طلاق للعام 2018م، وذلك أن مظاهر التغيُّر الاجتماعي والثقافي الذي يمرُّ به المجتمع السعودي كأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية نتيجة المستجدات التي طرأت على سطحه الاجتماعي، أدَّت بالتالي إلى ظهور أنماط جديدة من السلوك الاجتماعي والعادات والقيم الثقافية التي ألقت بظلالها على النظام الأسري.
  • تحدي بناء الشخصية الوطنية: وهي الشخصية التي تجمع بين المحافظة على الهوية الأصلية والوطنية مع مواكبة المعاصرة والمدنية.
  • الفجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل: خاصة في ظل تطوُّر سوق العمل وإحلال التكنولوجيا في جميع الأعمال، وعدم وجود مناهج تساعد على الربط بين الطلاب ومستجدات سوق العمل.
  • تحديات تتعلق بتطوير المناهج: بما يساعد على تناول المتغيرات الحديثة مع المحافظة على ثقافة المجتمع، بما يسمح بتطوير قدرات ومهارات الطلاب.
  • تحديات تتعلق بتطوير المفاهيم وتناولها في المناهج التعليمية، مثل: المفاهيم الحقوقية، والمساواة، والعلاقات الأسرية، والإرشاد الأسري، التوافق الزواجي.. إلخ.
  • جودة التعليم وتطوير مخرجاته: من خلال التركيز على إكساب معارف ومهارات وبناء شخصية تستطيع التعامل مع التحديات والمستجدات الحياتية.
  • تحديات تتعلق بالدعوة لأساليب التعايش والتسامح بين أصحاب الديانات والثقافات المختلفة، وبين أصحاب الديانة الواحدة من المذاهب المتعددة.
  • تحديات تتعلق بأصول وأساليب الحوار بما يؤدي إلى تقارُب الآراء، وقبول الرأي الآخر.
  • تحديات تتعلق بالمشكلات المتجددة في الأسر، ودور المؤسسات المجتمعية الصديقة للأسر للتعامل مع هذه المشكلات العصرية.
  • تحديات تتمثل في زيادة الدعاة المتحدثين بلغات متعددة بما يخدم خطط الوزارة في تحقيق أهدافها، وبما يتواءم مع رؤية 2030.

 

خامسًا – رؤية مقترحة لدور بعض المؤسسات المجتمعية ذات العلاقة للتعامل مع تبعات التغير الاجتماعي:

  • مقترحات تتعلق بوزارة العمل والتنمية الاجتماعية:
  • إنشاء مكاتب استشارية لمواجهة المشكلات الأسرية الناتجة عن التغير الاجتماعي، إضافةً إلى التوعية بمفهوم الزواج، وكيفية إقامة حياة زوجية مستقرة، ومعرفة الحقوق والواجبات لكلا الزوجين خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية التي أدَّت إلى تغيُّر الأدوار والوظائف والعلاقات بين أفراد الأسرة.
  • تفعيل مراكز الأحياء ووحدات الإرشاد الأسري في تطوير خدماتها، وفقًا لطبيعة التغيرات الاجتماعية، والمشاكل المترتبة عليها.
  • بناء قدرات الموظفين والمرشدين بما يؤدي إلى تمكينهم من مواجهة المشكلات المستحدثة الناتجة عن التغير الاجتماعي والثقافي.
  • رفع معدل توظيف السعوديين.
  • إيجاد منظومة متكاملة للحماية الأسرية، ورفع نسبة الوعي بمشكلة العنف الأسري وآليات التبليغ.
  • إنشاء ما يُسمَّى بعيادات الأسرة في مراكز الرعاية الأولية عبر تأهيل أطباء الأسرة والمجتمع، بحيث تضمُّ متخصصين في الخدمة الاجتماعية وعلم النفس والاجتماع والتربية؛ للتعامل مع المشكلات الأسرية برؤية وتخصص.
  • دعم الشباب السعودي؛ وذلك بتفعيل ودعم “رؤية 2030” الإصلاحية، التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يحاول جاهدًا تحقيق هذه الرؤية. ومن بين أبرز المبادرات التي قدَّمها للشباب السعودي، برنامج “سند محمد بن سلمان” وهو عبر مبادرة “سند الزواج”، ويهدف إلى مساندة حديثي الزواج، والذين بلغ عددهم 20 ألف مستفيد، وتمَّ تقديم 395 مليون ريال سعودي من خلال هذه المبادرة.
  • دعم وتفعيل برنامج سند محمد بن سلمان لتقديم دورات لزيادة الوعي من خلال العديد من المبادرات، ومن بينها دورات الوعي المالي التي تعتبر عنصرًا أساسيًّا في تنمية المجتمع.
  • إدراج قضية الطلاق ضمن المناهج التعليمية والتربوية بصورة أكثر اهتمامًا، توضِّح مدى خطورة الطلاق وآثاره السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع.
  • تحديد سن إلزامية للالتحاق ببرامج تأهيل ما قبل الزواج، سواء للمخطوبين والمقبلين على الزواج، أو العازفين عن الزواج.
  • عقد المؤتمرات العلمية والندوات التنويرية وورش العمل التوعوية التي تتناول سُبل معالجة هذه الظاهرة (الطلاق)، والعمل على رَفْع سقف الوعي الأسري، وتأصيل مبدأ الحوار في الأسرة.
  • وضع رؤية إرشادية أسرية لتغيير وتطوير الصورة الذهنية والمنظومة السلوكية للوالدين، بما يسهم في التعامل الواعي الإيجابي بين الزوجين وبينهم وبين الأبناء، بما يراعي القيم الإيجابية، والاستفادة من التقدُّم التكنولوجي.
  • مقترحات تتعلق بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد:

الالتزام برؤية 2030، والتي تؤكد على:

  • منهج الوسطية والتسامح وترسيخ القيم الإيجابية في شخصيات أبنائنا، كما حدَّدت لكل منَّا مسؤولياته التي تحضُّ عليها مبادئنا الإسلامية وقيمنا العربية وتقاليدنا الوطنية.
  • تزويد الأسرة بعوامل النجاح اللازمة لتمكينها من رعاية أبنائها وتنمية ذاتهم وقدراتهم.
  • تدريب مجموعة من الدعاة على الإصلاح الأسري وتخصيصهم لذلك. وإطلاق مبادرة لتواصل الدعاة عبر الوسائل الحديثة للتواصل الاجتماعي، والعمل على ترسيخ القيم الاجتماعية المنصوص عليها في الرؤية في شخصيات أبنائنا.
  • الدعوة إلى أهمية تقوية الروابط والعلاقات الأسرية من خلال تنمية القيم الأسرية، ومنها: احترام الكبير، والترابط الأسري، وصلة الرحم، والتعاون، والتكافل.
  • مقترحات تتعلق بوزارة التعليم:
  • الاهتمام بتغيير المفاهيم بما يتناسب مع تغيرات العصر، والتطور التكنولوجي.
  • تطوير وتحديث نوعية التعليم بما يتلاءم واحتياجات سوق العمل.
  • إعداد المعلم وتطويره المهني بما يتناسب مع متطلبات معلم القرن الواحد والعشرين، وما يحتاجه من تطوير مهارات؛ لمواكبة مجريات التطورات الفكرية والمعرفية والتكنولوجية والصناعية.
  • تطوير المعلم عبر توفير دورات مميزة، وإطلاعه على كل جديد في المناهج وطُرق التدريس، وإثرائه المعرفي بالعديد من الأنشطة وورش العمل التربوية، ومَنْحه فرص الابتعاث للحصول على الشهادات العليا في مجالات مميزة تخدم قطاع التعليم.
  • تطوير الوسائل التعليمية واستخدامها بما يلزم من أجهزة حاسوبية وأجهزة عرض للتنوع في عملية التدريس، وتجهيز المختبرات العلمية بكل ما يلزمها من أجهزة وأدوات، إضافةً إلى السبورة الذكية التي أصبحت ضرورة من ضروريات التعليم العصري.
  • أن تواكب المناهج التطورات العلمية والحضارية؛ كي يكون الطالب على تواصل دائم مع أيِّ تطورات علمية ومعرفية وأي مستجدات.

المراجع:

  1. غيدنز، أنتوني (2005). علم الاجتماع. ترجمة فايز الصبَّاغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
  2. البداينة، ذياب؛ الطراونة، أ خليف؛ العثمان، حسين؛ وأبو حسان، ريم (2009). عوامل الخطورة في البيئة الجامعية لدى الشباب الجامعي في الأردن، المجلس الأعلى للشباب، مركز القيادة الشبابية، الأردن.
  3. عبد الجواد، مصطفى خلف (2002). قراءات معاصرة في نظرية علم الاجتماع. القاهرة: مركز البحوث والدراسات الاجتماعية.
  4. زامل، يوسف (2010). سوسيولوجيا التغير: قراءة مفاهيمية، مجلة كلية التربية، جامعة واسط.
  5. موقع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية.
  6. موقع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
  7. موقع وزارة التعليم.
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. الجازي الشبيكي

سوف أتناول في تعقيبي أحدث التغيرات الاجتماعية في المجتمع السعودي، وأتساءل عن أسباب هذا التسارُع في حدوثها:

  • هل هي نتيجة الرؤى والخُطط والإنجازات التراكمية السابقة، والتي مهَّدت لها التطورات المجتمعية في المجالات الاتصالية والتقنية والثورة المعلوماتية؟
  • أم أن هذا التسارُع كان نتيجة الإرادة السياسية للقيادة السعودية الجديدة؟
  • هل هناك قبول لدى الأغلبية من المجتمع لهذه التغيرات؟
  • هل تمَّ رصد هذه التغيرات سيسيولوجيًّا من قِبل الجهات ذات العلاقة في المجتمع، للوصول للمعلومات والبيانات التفصيلية التي تساعد في فهمها، وترصد سير توجهاتها؟

قبل الانتقال لاستعراض نماذج من تلك التغيرات، أُشير إلى ما ذكره أحد المتخصصين الاجتماعيين في هذا الجانب، وهو “د. “عبد الله بن ناصر السدحان” في مقال له بعنوان: “مَن يقود التغيير الاجتماعي في المجتمع السعودي؟ “، حيث ذكر أن التغيير يمرُّ بعدد من المراحل:

  • مرحلة التحدي: وتعَدُّ نقطة البداية في التغير الاجتماعي، إذ إن أيَّ مجتمع ينظر إلى عملية التغيير في أي مظهر من مظاهر الحياة وكأنها عملية تحدٍ للقيم والأعراف والعادات.
  • مرحلة الانتقال: وتظهر فيها فئة من المجتمع يتبنون الأفكار الجديدة أو يطالبون بها، وفئة أخرى معارضة، وهنا ينشأ الجدل المجتمعي ويحاول كل طرف إيجاد نقاط ضعف لدى الآخر.
  • مرحلة التحويل: وفي هذه المرحلة تقلُّ مقاومة الفئة المعارضة للتغير الاجتماعي، وتصبح القوة للأفكار الجديدة، سواءً عن قناعة الفئة المعارضة أو لعدم جدوى المعارضة أو لتدخل قوى أخرى في العملية التغييرية، مثل تدخل الدولة لصالح الفئة المطالبة بالتغيير، وهنا يبدأ تحوُّل المعارضين إلى مؤيدين أو محايدين.
  • مرحلة التطبيق: وهي المرحلة التي تصبح فيها الأفكار مُطبَّقة في المجتمع ككل أو الغالبية العظمى منه، وتصبح مستقرةً ويقلُّ حولها الجدل، ويصبح الحديث عنها من قصص التاريخ الاجتماعي في المجتمع.

أحدث التغيرات الاجتماعية المفاجئة في سرعتها في المجتمع السعودي، والتي تعدَّت مرحلة التحويل إلى مرحلة التطبيق هي التغيرات التالية:

  • الانفراجات التي طال انتظارها في عدد من أنظمة الدولة فيما يخصُّ تمكين المرأة، والتي أهلَّتها لتنالَ حقوقَها بصفتها مواطنة كاملة الأهلية.
  • نظام ولائحة الذوق العام الذي حلَّ كقانون مدني حديث يضمن الالتزام بالآداب والأخلاقيات في الأماكن العامة.
  • إعادة صياغة ثقافة السياحة والترويح والترفيه بما يتناسب مع متطلبات التحديث والانفتاح على العالم.
  • التوسُّع في الاهتمام بالمجالات الثقافية المتمثِّلة في الفنون والآداب والتراث والمتاحف وغيرها.

هذه التغيرات وغيرها أمامها تحديات القبول والتجاوب والاستمرارية والنجاح، من خلال:

  • إظهار مدى الحاجة المجتمعية لتلك التغييرات بشكل دائم.
  • الاستمرار في إبراز الإيجابيات العائدة للمجتمع منها.
  • مواجهة سلبيات التطبيق من خلال الأنظمة والتشريعات والقوانين.
  • نَشْر الوعي المجتمعي بأهميتها لصالح المجتمع.
  • القياس المستمر للأثر والعائد الاجتماعي لها.

أما فيما يتعلق بتحديات التغيُّر الاجتماعي التي تطرقت لها كاتبة الورقة د. نورة الصويان، فإنها تحديات متوقعة لكن هناك ضرورة واحتياج لمزيد من الدراسات والأبحاث العلمية الدقيقة حولها، كي تتمكن رؤية 2030 بخططها الطموحة وبرامجها المتعددة من مواجهتها والتعامل الفاعل معها.

وأتفق مع د. نورة في أن لكلٍّ من وزارة التعليم ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية ووزارة الشؤون الإسلامية وغيرها من الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة أدوارًا مهمة في دَعْم وتيسير التعامل مع تبعات التغير الاجتماعي، ولكن لا يُفترض أن تكون لكلٍّ منها خططها وبرامجها المستقلة عن التناغم والتنسيق والانسجام مع الأخرى؛ بل يجب أن يتم ذلك بتخطيط شمولي متكامل مرجعيته مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

مع تحفظي على مقترح د. نورة الصويان في الورقة الرئيسة فيما يخصُّ تدريب مجموعة من الدعاة على الإصلاح الأسري إلا في حال توفُّر التخصص الذي تؤكد عليه الرؤية في المجالات التنموية المتعددة. أما الدعاة في المجال الشرعي فلهم أدوارهم المتعلقة بنشر الوسطية والتسامح، والتوعية بالالتزام بالقيم والثوابت من خلال الندوات والملتقيات وخُطب الجمعة ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

  • التعقيب الثاني: أ. د. مجيدة الناجم

التغيُّر الاجتماعي عملية حتمية لا بد أن تحصل لأنها طبيعة تطور المجتمعات البشرية؛ لذا فقد حظي موضوع التغيُّر الاجتماعي باهتمام مبكر من مُنظِّري علم الاجتماع والمهتمين بدراسة المجتمعات الإنسانية، بل يمكن القول إن معظم نظريات علم الاجتماع كان التغير هو محور الاهتمام فيها، فهناك نظريات وأطروحات لتفسير ماهية التغير الاجتماعي وأسبابه، وعوامله وتأثيراته، وقد مُيِّز بين التغير الاجتماعي الطبيعي والتغيير الاجتماعي المقصود، وكلاهما سينتج عنه مشكلات وتحديات، فكما أن له إيجابيات فقد يحدث أن يصاحبه سلبيات، وبما أن التغير الاجتماعي – في الوقت الحالي- في المجتمع السعودي هو تغير نتيجة تغيير مقصود لم يستهدف الجانب الاجتماعي بحد ذاته، إنما كان له أهداف اقتصادية وسياسية وتنموية، بهدف الارتقاء بالمملكة العربية السعودية؛ لذا فقد كان هناك إصلاحات هيكلية تناولت جوانب أساسية في المجتمع، وطبيعي أن ينتج عن هذا الإصلاح والتطوير إرهاصات اجتماعية وتغيرات في بناء المجتمع، وفي دور مؤسساته، وفي نمط العلاقات التي تربط أفراده، ونلمس جميعنا أثر التغير الاجتماعي الحاصل بدايةً على صعيد أسرنا، إلى أن يشمل المجتمع ككل.

ولعل الملاحظ أن التغير الحاصل حاليًّا يتجاوز التغير السائد في المجتمع السعودي في الفترات السابقة، والذي كان تغيرًا ماديًّا في غالبه، وبصورة أقل في الجانب المعنوي، حيث إنَّ التغير الحاصل خلال السنوات الأخيرة يشمل جوانب معنوية بشكل أكبر؛ فهناك تغيُّر في القيم الاجتماعية، والأعراف، والعادات والتقاليد، والأدوار الاجتماعية ومحدداتها سواءً في داخل الأسرة أو المؤسسات الاجتماعية الأخرى، وفي سلطة المؤسسات التقليدية التي كانت تُوجِّه فكر المجتمع مثل (المؤسسة الدينية، القبيلة،…)، فقد تراجع تأثيرها بشكل ملحوظ على الأفراد نتيجة التغيُّر الحاصل، وإنْ كان هذا التراجع يتفاوت ما بين المدينة والقرية، وما بين الشباب والكبار، كما أصبح للنظام (القانون) دورٌ أكبر في تنظيم العلاقات وفي تسيير شؤون الحياة، وهذا عامل إيجابي ويدل على تقدُّم المجتمع وتطوُّره. وقد ساعد على حدوث هذا التغير تركيبة المجتمع الحالية التي يمثل فيها الشباب النسبة الكبرى، وارتفاع مستويات التعليم في المجتمع، والانفتاح الواسع على المجتمعات الأخرى الذي عزَّزه انتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لكن ما يُخشى عليه أن نتيجة هذا التغير تصل لتغيير أيديولوجيات وثوابت اجتماعية قد تؤثر على هوية المجتمع مستقبلًا، والتي تحرص جميع المجتمعات على الحفاظ عليها، وقد أكدت رؤية المملكة 2030 على تعزيز هوية المجتمع حيث جاءت كركيزة أساسية تمثَّلت في (مجتمع حيوي: قيمه راسخة، بيئته عامرة، بنيانه متين). فإن على المؤسسات سواء كانت (حكومية أو أهلية)، أن تعمل على تأصيل الهوية الوطنية للمجتمع السعودي، وإحداث تنمية اجتماعية متوازنة تراعي كافة الجوانب ودمج مفاهيم التنمية الاجتماعية والثقافية ضمن كافة الخطط والإستراتيجيات المقدَّمة من كافة القطاعات، ولكافة فئات المجتمع (طفل، شاب، امرأة، رجل، مُسنّ، مُعاق… وغيرها)؛ وذلك من أجل ردم الفجوة الحاصلة بين سرعة التغيُّر وعجز المؤسسات الحالية عن إشباع احتياجات أفرادها، والتجاوب مع نتائج التغير الحاصل؛ لذا يمكن الخروج بعدد من التوصيات في هذا الصدد تتمثل في:

  • تفعيل أكبر لدور البحث الاجتماعي في تحديد التغير ومظاهره وآثاره على المجتمع. وأن يكون هناك آلية لرصد ماهية نوع التغيرات الحاصلة، مَن هم المتأثِّرون بها؟ كيف أثَّرت على علاقاتهم وعلى تماسُك المجتمع ككل؟ والخروج بمنظورات تفسِّر هذا التغيير الحاصل واتجاهاته، وآثاره. يليها تصميم برامج للتعامل مع آثار هذا التغيير بشكل يساعد في الحفاظ على تماسُك المجتمع وبنيانه المتين.
  • إعطاء مساحة أكبر للمثقفين والمفكرين في تشكيل فكر الشباب والتأثير فيهم، فالفراغ الحاصل من غياب أصحاب الفكر فتَح المجال لأشخاص غير مؤهلين للتأثير في شرائح المجتمع وفي نمط تفكيرهم. والاستفادة من التكنولوجيا السائدة في إيصال فكرهم ورسائلهم الثقافية، وذلك لتوجيه عملية التغير الحاصلة بصورة أكثر إيجابية.
  • تعاون وشراكة بين المؤسسات (حكومية، وأهلية) في رسم إستراتيجية متعلقة بتعزيز الهوية الوطنية السعودية، تكون بمثابة الموجه في كل مناحي الحياة لإبراز هوية المجتمع السعودي، والتأكيد على ثوابته، والحفاظ على تماسكه. بحيث تعمل كافة الأجهزة المعنية بالتعامل مع شرائح المجتمع في العمل على غرس مفهوم الهوية الوطنية السعودية، والتركيز على تعزيز الهوية المحلية لمناطق المملكة، فكل ذلك هو بمثابة تأصيل لثقافة المجتمع وتراثه، ومحاولة للارتباط به، من خلال الأجيال الحالية وصولًا للأجيال القادمة، وسبيل لردم الفجوة بين الأجيال المتعددة.
  • المداخلات حول القضية:
  • واقع التغيُّر الاجتماعي ومظاهره في المجتمع السعودي:

ذكر د. محمد الملحم أن التغير مسألة كونية وطبيعية ولا نقاش فيه من حيث حدوثه، ولكن يمكن تحليل جوانبه وتوظيفها، ويمكن أيضًا أن يُوظَّف أحيانًا كأداة ووسيلة للتغيـــير، والتغـــيُّر يمكن أيضًا التعامل معه ومعالجته عندما يكون سلبيًّا أو قد يؤدي على المدى القريب أو البعيد إلى نتائج سلبية، وهذا هو واجب مؤسسات المجتمع المدني الهادفة للتنمية البشرية من تعليم وإعلام وشؤون اجتماعية (وغدا اليوم واجبًا لجميع المؤسسات بعد ظهور مفهوم: المسؤولية الاجتماعية كقيمة مؤسساتية). والتغيـــير أيضًا يمكن أن يستخدم ظاهرة التغيُّر الطبيعي لإحداث التغيـــير، وهذا ما أكَّد عليه أصحاب نظرية إدارة التغيير المخطَّط Management of Planned Change، مثل: مايكل فولان وراند نيللي، حيث يمكن إحداثه من الأسفل للأعلى لتمكين التغيير بشكل كبير ومؤثر، ويكون ذلك من خلال عملاء التغيير change agents، وذلك لأنه الأقوى والأبعد أثرًا؛ أما التغيير المفروض من الأعلى للأسفل، فيتحقق بسرعة ويزول بسرعة أيضًا. وهذا الاتجاه على المستوى الكبير صعب، ويحتاج إلى هندسة ووعي وتكامل بين جميع المؤسسات، كما يحتاج إلى رؤية من نوع خاص وطرق فعالة للتعامل معه.

وفي اعتقاد د. مها المنيف، فإن التغيير في المجتمع السعودي بدأ مع بداية الألفية الجديدة، وبالتحديد بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١، حيث بدأ برَفْع سقف حرية التعبير وحرية انتقاد المؤسسة الدينية، ومناقشة قضايا المجتمع (مثل، قيادة المرأة السيارة) بشفافية، والبدء بتغيير بعض القوانين والأنظمة في عهد المغفور له الملك عبد الله بتدرُّج مدروس، لكن من المؤكد أن التغيير الاجتماعي في عهد الملك سلمان قفز خطوات كبيرة في مجالات، مثل السياحة والفنون والترفيه وتمكين المرأة وغيرها، وقد شهدنا إيجابيات هذا التغيير.

ويرى م. فاضل القرني أن المجتمع السعودي كان ولا يزال في تغيُّر بجميع الأسباب التي وردت في الورقة الرئيسة (فيما يخصُّ التغير)، وربما بعد حرب الخليج الأولى تحرير الكويت و(عاصفة الصحراء)، حيث إن ثمة حراكًا مجتمعيًّا يريد أن يتخلص من قيود ونمذجة قديمة رآها المجتمع لا تتناسب مع التقارب المعرفي والتطور التكنولوجي، والذي ظهر في بداية التسعينيات. (ذُهل المجتمع وربما الشعوب العربية كلها من التطور الإعلامي الحي في سي إن إن وما واكبه من الاطلاع على العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا)، وبداية انتشار وسائل الإعلام والبرامج العالمية، وربما بداية التسوق عالميًّا ببضائع مباشرة من أمريكا للأسواق السعودية. وثمة تأثيرات غير إعلامية أخرى، تجارية عقارية حيث انتعش سوق العقار، والارتفاع إلى مقاييس لا يزال يعاني منها السوق حتى الآن. وأيضًا في الجانب التعليمي وحلحلة بعض القيود التي كانت على المرأة في التعليم والعمل والمشاركة في القرار، وتنصيبها في أماكن التطوير وصنع القرار، وهناك جوانب كثيرة ومتعددة بمرحلة التغير الملموس. وبالتالي، كان المجتمع بأغلبية غير ساحقة بل قريبة من الأقلية المعارضة متوافقة ومؤيده لهذا التغير حتى في الدعاة وطلبة العلم أنفسهم؛ وهو ما جعل ذلك فرصة لتدخل الدولة لترجيح تلك الأغلبية، والتي بدأت مع بداية الملك سلمان ورؤية سمو ولي عهده حفظهما الله، وهي مرحلة التغيير. وكلنا نلاحظ تسابُق مؤسسات الدولة إلى مواكبة التغيير والعمل لتحقيق الرؤية في زمنها.

وذهبت د. مها العيدان إلى أن التغيُّر الاجتماعي عملية حتمية في كافة المجتمعات، وكان من أهم العوامل التي خلقت إشكالية وضع إطار نظري يُفسِّر العواملَ التي تقود إلى التغير. وقد تناولت د. نورة في الورقة الرئيسة الفرقَ بين التغيير والتغير، لكـن الرأي بأنه لا يمكن الفصل بينهما؛ لأن أي تغيير مُخطط  لا بد أن يصاحبه تغيُّر نتيجة ظروف أو تداخلات قد تعيق أو تسرع في عملية التغير. كما طرحت د. الجازي في تعقيبها الأسبابَ التي أدَّت إلى التغيير، والاعتقاد أن الإرادة السياسة كانت وما زالت هي المحرِّك الأساسي لكافة عمليات التغيرات الجذرية في مجتمعنا، وأكبر مثال على ذلك تعليم المرأة، وانتهاؤها بكافة القرارات السياسية المرتبطة بالمرأة. والواقع أنه لا يمكن رصد النتائج في الوقت الحالي؛ بسبب سرعة التغيرات المتلاحقة في كافة جوانب الحياة الاجتماعية.

أما د. إبراهيم البعيز فذكر أن المتخصِّصين في الدراسات الاتصالية يعرفون أن الإعلام لا يعمل في فراغ، وقد ظهرت في سبعينيات القرن الماضي سلسلة من الدراسات التي تُركِّز على أثر المجتمع على الإعلام بدلاً من دراسة أثر الإعلام على المجتمع. ويعتبر المجتمع السعودي وبما مرَّ به من تغيرات اجتماعية متتالية بدءًا من ظهور النفط إلى وقتنا الحاضر مجالاً خصبًا لدراسة التغيُّر الاجتماعي وانعكاساته على الواقع الثقافي.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أننا نمرُّ وفي السنوات الأخيرة بحالة تحوُّل عميق غير مسبوقة؛ بسبب سرعة وتيرتها والأثر الذي أحدثته وتُحدِثه في بنية المجتمع. ويصعب بالطبع – كما أشارت د. مجيدة – تحديد درجة هذا الأثر أثناء هذه المرحلة ونحن في صلبها؛ فالمجتمع ليس في حالة استقرار حتى يمكن الحكم عليه، بل لا بد من الانتظار لبعض الوقت لنرى أثر التغيُّر سلبًا وإيجابًا. بعض التغير الذي نراه اليوم كان مستحقًا منذ عدة سنوات، ولكن التأخير قد يعود إلى انشغال الجهاز الرسمي بقضايا التطرُّف والإرهاب؛ وهو ما أعاقَ التفرُّغ لقضايا التحديث والتغيير. صحيح أن التغيير أو التغير يحدث لعدة أسباب كما يحدِّدها علماء الاجتماع، ومنها العامل التكنولوجي والمخترعات، والتثاقف بين الشعوب، وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة دخل الدولة والأفراد، ووسائل الإعلام، وانتشار التعليم، وغيرها من العوامل؛ إلا أن القرار الحكومي يعَدُّ هو الأكثر تأثيرًا. إنَّ أهم عامل في التغيير في مجتمعنا يكمن في “القرارات الحكومية” التي تتسم بدرجة عالية من الرضا والقبول، اتساقًا مع سمات “المجتمع الأبوي” الذي يمنح ثقة عالية لقادته وما يتخذونه من قرارات. وقد نعمنا في السنوات الأخيرة بقيادة شابة تهدف في معظم قراراتها إلى حرق المراحل والتسريع بعملية التغيير للحاق بركب الدول المتقدِّمة من خلال تنويع مصادر الدخل ورسملة المجتمع والخصخصة، والخروج من فكرة المجتمع الرعوي إلى المجتمع المُنتِج؛ بحيث يقلُّ اعتماد الأفراد على الدولة. وهذه العملية أو التحوُّل لا بد أن يصحبه بعض التوترات التي يؤمل تجاوزها، ولا سيما أن هذا من طبيعة الأمور خاصة عندما تكون بعض القرارات الحكومية ذات تأثير عميق وسريع. على سبيل المثال، فقد حدث تضخم اقتصادي يتم معالجته بعدة طرق، كحساب المواطن، والتوجه العام نحو الخصخصة؛ ما يعني أن له أيضًا تأثيرات على سوق العمل، وهناك قضية تمكين المرأة التي أوجدت حالةً جديدةً من الصراع القيمي، في ظل ثقافة تقليدية تتوجس من كلِّ ما يمسُّ مكانة ودور المرأة في المجتمع. يغذي هذه الثقافة تشدُّد اجتماعي يحاول تعديل مساره وإنْ كان ببطء نوعًا ما.

وذكر أ. جمال ملائكة أنه لا شك أنَّ هناك متغيرات اجتماعية ضخمة خلال الأعوام القليلة الماضية. كثيرٌ من هذه التغيرات إيجابية جدًّا وتتواءم مع روح الإسلام والقيم الإنسانية، مثل حماية المرأة من العضل، وحقها في التنقل وقيادة المركبات، والتوسُّع في توظيفها وتسنُّمها لوظائف عليا… إلخ.  كما أن هناك سنًّا لقوانين، مثل قانون التحرش والذوق العام، وهناك قرارات لتشجيع السياحة والترفيه، والكثير الذي من الصعب حصره هنا. والاعتقاد أن هناك مظاهر تبدو صادمةً للمجتمع وما تعوَّد عليه، مثل ما صاحَب الحفلات من تجاوزات للعادات والتقاليد، وتغير لباس النساء بصفة عامة، وتقريبًا عدم قفل بعض المحال خلال الصلاة، وبعض هذه المظاهر قد يكون لها تأثيرات خطيرة على العلاقات الأسرية وحالات الطلاق التي كانت مرتفعةً أصلًا.

وذكرت أ. فائزة العجروش أنه لا يوجد اختلاف على أن فكرة التطور والتغيير لا بد أن تطال كلَّ شيء في هذه الحياة، ولكن الأوضاع في مجتمعنا تغيَّرت بسرعة كبيرة، لم يقابلها تغيُّر مساوٍ لتقبُّلها ومجاراتها من البعض، ولا النضج الكافي للتعامل معها من البعض الآخر.. فانقسم المجتمع إلى (المصدوم، المعارض، والمعارض مع مطالب معينة، والمؤيد بشدة، والمؤيد مع تحفظات). كما أنه يبدو ثمة اتفاق على أن مَن لا يستجيب عاجلًا أم آجلًا لهذه التغييرات، ربما يُصنَّف مستقبلًا بشكل أو بآخر “كـشخص رجعي”. وبكل تأكيد، فإن التغييرات التي حدثت في مجتمعنا هي تغييرات مقصودة، وجزء من منظومة متكاملة ومرتبطة بمؤشرات يجب تحقيقها لدعم مكانة المملكة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومن أهمها: (التنافسية، التعليم، النزاهة ومكافحة الفساد، الشفافية، احترام حقوق الإنسان، تمكين المرأة، التسامح والتعايش)، والتي تعتبر من أهم المقومات لحضارة ناجحة.  وكانت هذه التغيرات نابعة أيضًا من ثقة الحكومة في المواطنين، وقد راهن علينا الأمير الملهم محمد بن سلمان، وبالفعل نحن نملكها كشعب وأفراد. والتي كان من بعض آثارها، ما حدث من تغير في مفاهيم المجتمع بصورة عامة، ونظرة المرأة والرجل حول الزواج والإنجاب، مثل: (ارتفاع سن الزواج، وزيادة تكاليف بناء الأسرة، وتقليص عدد أفراد الأسرة، والعزوف عن الزواج التقليدي، وظهور أنماط أخرى للزواج، والقابلية لارتفاع معدلات الطلاق). وفي المقابل، لا يجب أن ننسى بعض التغييرات الإيجابية، حيث أصبح المواطن السعودي أكثر إنتاجيةً، وأكثر احترامًا للوقت، وأكثر انفتاحًا وتقبُّلًا للتعايش مع المرأة بشكل عام، وتقبُّلًا للرأي الآخر، وأكثر واقعية في نظرته إلى الحياة. كما يجب أن لا نغفل استمرارية وجود البناء الاجتماعي المتماسك الذي نراهن عليه لمواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية؛ فمجتمعنا متماسك، ودرجة استجابته عالية لمواجهة أي تحديات داخلية، وقد رصدنا – ولله الحمد – أهمَّ صورها في الكثير من المواقف، عبر عدة صور؛ مثل: مبادرة “فرجت”، من المبادرات الرائعة للإفراج عن المساجين المُعسِرين. وكثيرًا ما نشاهد أيضًا، صورًا ناصعة البياض لمجتمعنا، فبمجرد أن يُوجِّه أحد مشاهير التواصل الاجتماعي نداءً لتوفير مبلغ مالي لحالة مرضية عاجلة أو توفير احتياجات ضرورية لفقراء، إلا والمبالغ قد تمَّ جمعها بأضعاف ما كان يُتوقَّع خلال ساعات قليلة.

  • التحديات المرتبطة بالتغير الاجتماعي:

يرى د. راشد العبد الكريم أن التغيير من التحديات التي تواجه المجتمعات بكافة أنماطها، فهو تحدٍ في حدوثه وفي إحداثه وفي نتائجه. ومن سمات المجتمعات الناضجة أنها عقلانية في تعاطيها مع التغير والتغيير والنتائج، تُغلِّب المصلحة العامة على الفردية والفئوية، والغايات البعيدة المدى على القصيرة والمحدودة. وفي حالات الهزات الاجتماعية التي تنتج عادة جراء التغيرات المتسارعة والنوعية، يجب الحرص على التمسك بالثوابت والأصول، والتوافق على ما سواها؛ لأنها هي الضمانة لعدم تضرُّر المجتمع من التغيرات، وهي المرساة التي تعيد التوازن للمجتمع، وتساعد على عدم انجرافه لغايات لا يريدها. والاعتقاد أنَّ من أهم ثوابت أي مجتمع (القيم) الأساسية التي قام عليها المجتمع. فلكل مجتمع قيم سابغة وصابغة، وهي من أكثر ما يتأثر من التغيير في هذا العصر، تحت ضغط العولمة وسرعة التغيير، وتخلخل هذه القيم أو التقليل من أهميتها هو الذي يحرف التغيير ويجعل الجوانب السلبية تطغى عليه. إنه ليس من مصلحة المجتمع الانشغال – أو الانبهار – بالتغيرات الشكلية أو الوظيفية، وعدم الانتباه إلى التغيرات الجوهرية البنيوية.

أشارت أ. هيلة المكيرش إلى أنه يُثار الكثير من الجدل حول إيجابية التغير الاجتماعي في المجتمع السعودي خاصة ما يتعلق بإيقاعه السريع، ومع التسليم بأن التغيُّر سنة كونية تُلازم المجتمعات الإنسانية عبر العصور، فإن ما نعيشه من تغيُّر إيجابي وفق رؤية طموحة تناولت جوانب الحياة لا بد أن يرافقه إفرازات قد لا نتقبلها، وقد تؤثر على الأسرة، وهو ما يعنينا كأفراد مهتمين بالشأن الاجتماعي، وكمواطنين نعَدُّ جزءًا من هذا النسيج المجتمعي. وكيف نواجه تداعيات ذلك التغيير مما يؤثر على أبنائنا وأسرنا، خاصةً مع تقلص الدور المؤسسي للضبط الاجتماعي الذي يفرضه التحول الحضاري، حيث أصبح على الأسرة دورٌ أساسيٌّ في عمليات التنشئة والضبط الاجتماعي، وهو ما يحمِّلها مسؤولية كبيرة نحو أفرادها، ويستدعي من الوالدين والمربين إعادة النظر في وسائل التربية وأساليب التنشئة وتأصيل القيم الراسخة وتعزيز الرقابة الذاتية التي تنمِّي شخصيةً متزنة وقوية قادرة على مواجهة التحديات مع سُبل رقابة متزنة. فلم يعُد الضبط خارج إطار الأسرة، وعلينا أن نُدرك عظم المسؤولية في تنمية مهارات الوالدين التربوية ووعيهم بما استجد لهم من دور في تحصين الأبناء.

وفي تصوُّر م. فاضل القرني، فإن التسارُع في التغيُّر الاجتماعي في المجتمع له تحدياته، وهي متنوعة ومتناقضة تتوافق مع ما ورَد في الورقة الرئيسة فيما يخصُّ تغيُّر وارتخاء الارتباط والانتماء العائلي والقبلي من حيث الإملاء والتبعية؛ إلا أنه على النقيض من حيث التعبير عن الانتماء، حيث نجد أن المجتمع يُعبِّر عن ذلك من خلال تصرفات وانتشاءات قبلية، وتسابق بالتباهي والاعتزاز من منطلق قبلي وتحقير للآخر، وتصرفات لا تليق بمجتمع قيمُه تدعو للتعايش وتقبُّل الآخر، بل يصل بعضها إلى تهديد غير مباشر للوحدة الوطنية.  وربما يتضح ذلك في (التواصل الاجتماعي)، وقليل جدًّا في بعض وسائل الإعلام التقليدية. بالإضافة إلى جانب مهم جدًّا قد يؤثر على المجتمع بصورة عكسية، وهي الروح الانتقامية ضد المتشددين بالأسلوب ذاته، الذي كان من أواسط السبعينيات وما قبل الصحوة، والذي أثارَ حفيظة الصحويين ضد غيرهم من حيث التكفير وتحريض الدولة على إلقائهم في السجون وربما قتلهم وصلبهم. والأمثلة والتفاصيل كثيرة. لقد كان التيار العام هو الذي يُشكِّل القناعات ليس في العقل، بل في اللاوعي، والذي يقتات على التلقين. وهناك روحٌ انتقامية ضد تحفُّظ المجتمع وتخمته بالدعاة وطلبة العلم الذين جعلوا هناك صورة ذهنية أن العلم هو العلم الشرعي فقط. وهذه الروح الانتقامية ترى ذلك التيار هو السبب في التخلُّف، وربما يصل لدى البعض أن السبب هو ما يدعون إليه من قيم؛ لذا نرى انكسارًا وربما عدم ثقة ومصداقية في تلك القيم، ونرى التصرفات غير المسؤولة وخروجًا عن قيم سماوية عُليا هي التي ميَّزت هذا المجتمع. وأهم أولوية الآن للدولة والمجتمع والأسر هو ضبط ارتداد البندول حتى لا يتجه إلى أقصى اليسار.

في حين ترى د. مجيدة الناجم أن التغيُّر الاجتماعي لا يشير إلى انكسار في منظومة القيم؛ بل على العكس هناك قيم بدأت في الصعود والنمو، مثل قيمة العطاء المرتبطة بالتطوُّع وارتفاع نسبته والقناعة به، وقيم الانتماء والوطنية، فالمتابع للمشهد الحالي يرى التعبيرَ عن حُبِّ الوطن أصبح أكثر ظهورًا، بجانب تراجع الفساد على جميع الأصعدة، ناهيك عن تغيُّر سلوكيات مثل احترام القواعد العامة، وغيرها؛ لكن هناك سلوكيات سلبية بدأت في الظهور لا تُمثِّل المجتمعَ التقليدي الذي نعرفه خلال عقود من الزمن، وما نخشاه هو أن نكون نسخة مكررة من المجتمعات الغربية، نحتاج تأصيلَ هويتنا الوطنية وعاداتنا المجتمعية، تلك التي لا تتعارض مع توجُّهات التنمية، ولا تعيق تطور المجتمع، وهناك أمثلة لمجتمعات تعيش نموًّا وازدهارًا اقتصاديًّا وانفتاحًا على الآخر، ولكن تشعر بهوية خاصة تُمثِّل  ذلك المجتمع، وهذا ما نسعى للوصول له، وهو مطلب أساسي.

وطرحت د. مها المنيف مجموعةً من التساؤلات المرتبطة بمظاهر التغيير التي يشهدها المجتمع السعودي، كما يلي:

  • هل السرعة في التغيير في السنوات الأخيرة سيكون له ردة فعل سلبية؟
  • هل سيكون هناك فريقان (مع التغيير وضده) سيتنافسان، وقد يؤدي ذلك إلى انقسام المجتمع؟
  • هل هذا التغيير سوف يعمِّق الفجوة بين جيل الكبار وجيل الشباب؟
  • هل التغيير خاصة في مجال تمكين الفتيات سوف يزيد من حدة العنف الأسري، وقد نشهد تزايدًا في حالات جرائم الشرف؟

وأكد أ. فهد الأحمري على أنه فعلاً هناك تغيُّر وتغيير في المجتمع، غير أن التغيُّر نتيجة طبيعية حتى على مستوى الفرد فضلاً عن المجتمع، فالجمادات والأموات هم الذين لا يتغيرون، ومَن كان يومه مثل أمسه فقد فاته يوم كامل، فما بالنا بعام وعقد من الزمن؟! ودومًا نجد في المجتمعات البشرية فئةً جمودية تحارب التغيير وتسعى للبقاء في منطقة الراحة، ومن حقهم احترامهم دون الالتزام برؤاهم، وهذا ما حدث من زمن المؤسِّس في مواجهته لمعارضي التعليم والأجهزة وعموم التنمية إلى العهد السلماني اليوم. وبالنسبة للتغيير الحالي من صانع القرار فهو يقع بين مَنْح حقوق ورؤية اقتصادية؛ ومن ثَمَّ فليس له علاقة بإرادة التغيير المجتمعي والهوية والثوابت، كما يصوِّره خصوم التحوُّل ويؤجِّجهم أعداء الوطن في الخارج. فإذا أردنا الحديث عن الثوابت الدينية، فعلينا أن نُقعِّدها أولًا. يرى الأصوليون أن الثوابت الدينية هي المسائل قطعية الثبوت، وما دونها فهي ظنية الثبوت؛ فالأركان الخمسة والمحرمات من النكاح والزنا والسرقة والخمر والربا وغيرها مما ورد فيه نصٌّ ثابت صحيح صريح ولم يرد فيها خلاف، وما دونها فليست من الثوابت. وما يحصل من تحوُّلات اليوم سواء أكانت مجتمعية أم قيادية لم تتعرض قط للثوابت.

في حين يرى م. إبراهيم ناظر أن أحدَ أهم تحديات التغير الاجتماعي في المجتمع السعودي هو انحسار الطبقة الوسطي من فئة المجتمع؛ فعادةً ما يعتبر اتساع حجم الطبقة الوسطى ورخاؤها في المجتمع أمرًا إيجابيًّا في بنية المجتمعات وصمام الأمان الاقتصادي والأمني والاجتماعي لأيِّ دولة.

ومن جانبها، تساءلت أ. منى أبو سليمان: ما هي قيم المجتمع السعودي التي نقول عنها إنها تتغير الآن؟ وأضافت: إذا لم أعرف مَن كنت، كيف أعرف مَن أكون؟ وثمةَ جانبٌ مظلم مما تقدَّم من مظاهر للتغير، ومنها على سبيل المثال ما يلي:

  • التطوُّع نابعٌ من عدم وجود وظائف والاحتياج للخبرة، وأرقام استمرارية التطوع لدى الشباب قليلة.
  • التعبير عن حب الوطن مرتبط أيضًا بكون هناك حراك كبير لطرد غير القبليين من نسيج الهوية السعودية. وأصبح التعبير جزءًا من محاولة غير القبليين إيجاد مساحة لهم وللقبليين لوضع السياج حول المساحة.
  • اتباع القواعد يتم بسبب العقوبات المالية والتصوير، ولم يكن نابعًا مع تدريس قيم معينة، وبعد ذلك رؤية الأثر بالتصرفات.

وأضافت أ. منى أبو سليمان أن الدولة تمرُّ بمراحل تغيُّر سريعة، والتغيير دائمًا مُخيف لمعظم الناس، خصوصًا إذا لم تكن تعرف إلى أين يتجه؛ لكن إذا لم نبنِ قواعدَ لقصة مَن نحن وما هي قيمنا، فسيصبح التغييرُ مخيفًا أكثر؛ لأنه ليس لدينا مرجعية قوية لقصة narrative of us. الآن، توجد محاولات لوضع قصة للجميع تكون جزءًا من هوية السعودية (غير فقط سرد التاريخ)، مثل قصة الملك فيصل وذهابه لبريطانيا born a king، لكن محاولات طمس تاريخ الآخرين وشيطنتهم قد تؤدي لردة فعل عكسية على المدى الطويل Are we inclusive or exclusive as a people and as a society ، وهل كون المجتمع السعودي مجتمعًا شبابيًّا يعتبر قيمة؟ وإذا كان قيمة حقيقية، فما هي فائدة كون المجتمع الشبابي (مجتمعًا ديناميكيًّا، مُنتِجًا، سريعَ التحول، غيرَ مُقيَّد بالعادات). هل هو مجتمع أصيل؟ (ما هي الأصالة.. صب القهوة بكل جمعة أم شهامة بكل موقف يحتاج شهامة؟). عند القول في السابق إننا مجتمع محافظ، كانت الحقيقية قشورًا.

وعقَّبت د. مجيدة الناجم على خلاف ما تقدَّم بأن التطوُّع كقيمة ليس فقط لعدم توفُّر عمل، بل أصبح ممارسةً اجتماعيةً وإنْ كانت محدودة، إلا أنها في انتشار وتزايد وتعبِّر عن رغبة في العطاء لدى مَن يمارسونه. أما فيما يتعلق بالوطن فهو وطن يتسع للجميع، ولا يوجد أي مظهر من مظاهر التمييز على الأصعدة الرسمية وحتى غير الرسمية، إلا إنْ كانت ممارسات شخصية وتحيزات فردية، وهذه طبيعة إنسانية، وتوجد في أكثر المجتمعات تحضُّرًا. المجتمع يتغير هذه حقيقة، ولكل تغيُّر آثارٌ، هذا ما نرغب في رصده وتتبُّعه حتى إنْ كان هناك تبعات سلبية يتم تلافيها مبكرًا حتى نكون نموذجًا يُحتذى به، وهناك مجتمعات تعَدُّ نماذج، ولها سماتها الخاصة بها. نحتاج لتعزيز صورة ذهنية تعبِّر عن مَن هو السعودي رجل أو امرأة، من شكل لسلوك وعادات وتقاليد تُمارس في إطار التغير والانفتاح، وهي تختلف عمَّا كان يُمارس سابقًا باسم الدين وغيره كعرف وعادات، وهي ممارسات إقصائية غير منطقية سقطت مع أول محاولة لمقاومتها؛ لأنها لم تكن تُعبِّر عن الواقع الفعلي.

وبدوره تساءل د. عبد العزيز الحرقان: ما هي قيم المجتمع السعودي التي يختص بها، والتي يجب أن نحافظ عليها ونعمل على تعزيزها؟ لا يكفي أن نكون عربًا مسلمين، فهذه سمة نُشارِك فيها مئات الملايين بالرغم من أنها أساسًا لقيم ومعايير المجتمع. المملكة دولة متعددة الأعراق وكذلك المذاهب، ويجب ألا يكون لدينا قالب واحد للجميع؛ ولكن على الأقل أن نُحدد ونعرف صفات وخصائص المجتمع التي يجب أن تعمل على تعزيزها كلُّ المؤسسات الحكومية. انفتاح المملكة على العالم الخارجي أظهر للشعب السعودي أنه لا يوجد نموذج إسلامي واحد ولا أخلاق عربية محددة، وأن الخصوصية التي كنَّا نتحدث عنها هي في الواقع إطار عام للمحافظة على القيم الحالية، بالرغم من أننا لا نعرفها بشكل موثَّق. والاعتقاد أنه يجب أن نعمل على توصيف القيم الاجتماعية السعودية قبل كل شيء.

وأوضحت د. عائشة الأحمدي أنه بالفعل من المهم البدء بوضع سُلَّم قيمي نتقاطع فيه مع بقية المجتمعات الإنسانية، لكنه في جزء منه ينمُّ عن خصوصية بحتة لنا، هذه الخصوصية مُستمَدة من المكان بالدرجة الأولى، وقد تمتزج بالعرف أحيانًا.

بينما لاحظ د. عبد العزيز الحرقان أن كلمة “خصوصية المجتمع السعودي” التي كانت تُتداول بكثرة لم تتضح حينما انفتحنا على العالم الخارجي بشكل موسَّع. القضية الأخرى هي دور الإعلام السعودي في نَشْر القيم الاجتماعية السعودية داخليًّا وفي إبرازها خارجيًّا، وهو محور أساسي لتعزيز قيم المجتمع إضافةً إلى التعليم.

لكن د. عائشة الأحمدي ترى أن الخصوصية قد تكون في قيم محددة؛ وكمثال، فإن انفتاح اليابان على العالم لا ينفي خصوصية قيمها في أعرق مؤسساتها، صحيح أن هناك قيمًا مشاعة؛ لكن هذا لا ينفي خصوصية القيم وفروقات مدى الالتزام بها بين المجتمعات.

من جانبها ترى د. عبير برهمين أن أيَّ تغير أو تغيير وأي محافظة على التراث والهوية يتأثران بشكل كبير بالمرأة؛ فبالرجوع إلى التحولات عبر التاريخ وخاصة في عالمنا العربي والإسلامي، نجد أن المرأة قامت فيها بدور مفصلي. والسؤال المهم في هذا الصدد: هل نحن كشعب مع التغيير رغبةً في التغيير إلى الأفضل (حسب فهمنا وتقييمنا)، أم استجابة للضغوط المحيطة بنا؟ الامتداد الجغرافي الكبير للمملكة يفرض عليها تنوُّعًا كبيرًا في العادات والتقاليد والتراث والخلفيات الإثنية، وهو شيءٌ إيجابي جدًّا، ويمثِّل مصدرَ قوة للمملكة؛ لكن البعض ومع الأسف دأب على تحويل هذا التنوُّع إلى مصدر اختلاف، وسعى لنثر بذور الفرقة والتناحر في النسيج الوطني بممارسة الإقصاء للآخر بمسميات شتى وأسباب كثيرة، ووجد في منصات التواصل الاجتماعي وما يُسمَّى بوسائل الإعلام الحديث أداةً تُسهِّل مهمته؛ ما يجعلنا نتساءل: هل نحن كمجتمع فعلًا مستعدون لهذا التغير أو التغيير، وندرك فعلًا تبعاته وكيف نتعامل معها؟ مشكلة التعنصر والعنصرية نلحظها في وتيرة متصاعدة حاليًّا، وهذه مشكلة مجتمعية كبيرة. وما زال هناك خلطٌ كبير بين العادات والتقاليد وتعاليم الإسلام، وفهمنا الخاطئ لها كمجتمع هو من أكبر المشاكل المجتمعية. فمثلاً، قيمة بر الوالدين ليست عُرفًا أو تقليدًا اجتماعيًّا؛ بل هي دين بالدرجة الأولى، فلم يربط ربُّ العزة والجلال بين عبوديته وبر الوالدين عبثًا، حيث قال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23). فلا نستطيع القول إن الاستقلال بالسكن والانشغال بالعمل يبرر عدم البر؛ نظرًا لأن المجتمع في تغيُّر، أليس كذلك؟!  ولا يمكن أن يكون للقبيلة سطوتها كما في مسألة المتاجرة بالدم وجمع الديات (ويتم فرضها عنوةً بقول رئيس قبيلة ما في حق (قاتل متعمد): ما ينقص ولد قبيلة كذا عشان فلوس)، ومع ذلك نجد أن العرف أصبح أهمَّ من الدين لدى البعض، وتقبل شريحة لا يُستهان بها من المجتمع بذلك.

وتساءل أ. جمال ملائكة: هل بعض التغيرات الاجتماعية التي شهدها المجتمع السعودي وبعضها نراه سلبيًّا، وغيرها هي ردة فعل آنية لعقود من التشدُّد بل والتنطع والانغلاق؛ أم هي تغيرات مستمرة، وسنشهد تطوُّرات أكثر تصادمًا لقيم المجتمع؟ وهل هناك دول تعرَّضت لما تعرَّضنا له، وخرجت سالمةً من هذه التجربة، وكيف؟ وهل باستطاعتنا “منع” هذه التغيرات؟ وهل الخطاب الديني والمقصود هنا الخطاب السلفي المتشدد مسؤول عما حدث من ردة فعل؟ وإنْ كان ذلك كذلك، فكيف السبيل إلى تغيير هذا الخطاب، ولدينا الآلاف ممَّن نُسمِّيهم وُعَّاظًا ودُعاةً تشرَّبوا فكرًا مُقصِيًا لغيره، متطرفًا في فهمه؟ مجتمعنا مجتمعٌ مسلم؛ لذلك لا مناصَ من تغيير المناهج بقوة وسرعة، وإعادة تأهيل الأئمة وطلبة العلم وإقصاء مَن تحجرت عقولهم ولم يفهموا حقيقة الدين الوسطية، ونَشْر الوعي بكافة السبل لإعادة تأهيل العقول التي تلوَّثت بالتشدد وكذلك العقول التي تفلتت من قيمها كرد فعل لما حدث في عقودٍ سابقة. كما أنَّ علينا غَرْس ثقافة العلم والتعلُّم والقراءة و”ثقافة” العمل والإنتاج واحترام القوانين وغيرها من القيم منذ مرحلة ٣-٧ سنوات بقوة وبتركيز، ليكون عندنا نشء لا تتجاذبه التفاهات والطرب والرقص لا غير.

في حين يرى أ. محمد الدندني أنه لعدة عقود عانينا من عدم وضوح الهوية، وربما أننا عانينا من ازدواجية أو تعدُّد الهوية والتي تُركت لتجاذبات، فلم يكن هناك تدخل لتوجيه الجيد ومحاربة غير الجيد. نعمنا بقرارات عظيمة، وأهمها تمكين المرأة وإنصافها، والقرارات الاقتصادية والتي نرجو أن نتحول بها إلى مجتمع مُنتِج، السؤال هنا: هل سيستمر التغيير من أعلى إلى أسفل، أو سنجد تفاعلًا مجتمعيًّا يفرز ما هو ضمن عناصر الشخصية السعودية أو لا؟ هل نعرف مقاسَ ثوبنا أو ستُجبرنا طبيعة التغيير على وجود أكثر من ثوب؟

من جانبه يعتقد د. حمزة بيت المال أن ما حصل في المجتمع السعودي هو بحسب ما ورد في الورقة الرئيسة يعتبر وفي إطار رؤية 2030 تغييرًا مدروسًا. إنَّ ما تطرحه الرؤية هو نوعٌ من القطيعة مع الماضي، هذه القطيعة عملت هزةً قوية في الكثير من المُسلَّمات (القيم) التقليدية السابقة في المجتمع السعودي. إن بعضَ القيم عادةً ما تتداخل مع الدين؛ لذلك نلحظ نوعًا من المقاومة والتخويف من هذا التغيير من بعض القوى المجتمعية التي كانت مسيطرةً على المشهد الاجتماعي؛ لذلك فإن المجتمع السعودي الآنَ في حالة من الارتباك وضَّحت جلَّها د. نورة الصويان في الورقة الرئيسة، والمعقبان عليها. والواقع أن التحدي يتمثل في أهمية استيعاب المرحلة والخروج منها بأقل الأضرار الممكنة، وإعادة التوازن للمجتمع السعودي. إنَّ حالة عدم التوازن وبحسب علم الإقناع، تعتبر فرصةً لتمرير قيم ومفاهيم وسلوكيات جديدة لتحلَّ محل السابقة، وذلك لصعوبة العيش في حالة عدم توازن، وبالأخص بالنسبة للفرد. والواقع أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي هي المعنية أكثر من أي قطاع آخر بتشكيل الوعي المجتمعي العام بأهمية التغيير، والبدء في بناء قيم ومفاهيم وسلوكيات جديدة تتوافق مع متطلبات المرحلة. طبعًا المقصود بالإعلام هنا ووسائل التواصل الاجتماعي بجميع وسائلها وأجناسها السينما، والدراما، والمسرح، والقصة، والمقال، والتحليل الصحفي، وهو ما قد يُطلق عليه مجازًا القوى الناعمة. غير أنه يستلزم التأكيد على أن الحراك الإعلامي يجب أن يكون مدروسًا بشكل جيد وواضحَ الأهداف، حتى لا تظهر نتائج عكسية تُحبط المراد من دورها.

وفي اعتقاد د. خالد الرديعان، فإن أكبر تحدٍ فكري نواجهه الآنَ ومستقبلاً هو قدرتنا على المواءمة بين إسلام نُؤمن به ونحافظ عليه، والعولمة والانفتاح على الآخرين بما يتطلبه كلُّ ذلك من اتزان ومسؤولية. ليس سرًّا أن بعض شروط العولمة تتصادم أحيانًا مع قيم إسلامية راسخة سواء في مجتمعنا أو حتى في مجتمعات إسلامية أخرى. هذا التباين قد نرى بعضَ إرهاصاته وصوره في سلوكيات وممارسات نُفسِّرها بأنها خروج على مسلمات راسخة، وخروج على الثقافة السائدة والهوية. ولا نريد جيلاً ينسلخ من هويته الإسلامية ويذوب في الآخر باسم العولمة والتحديث، وفي الوقت ذاته لا نريد التوقُّف والممانعة بدعوى المحافظة التي لا تستند إلى منطق وحُجج مقبولة. وهذا الأمر يُحتم على علماء الشريعة والمنتسبين للمؤسسة الدينية أن يبذلوا قصارى جهدهم لتجسير الهوَّة بين مقتضيات الدين وشروط التقدُّم والتحديث من خلال التيسير على الجمهور فيما لا يخلُّ بالدين، وهي معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة.

وعقَّبت د. الجازي الشبيكي بأن المجامع الفقهية المتعددة في عالمنا الإسلامي عليها مسؤولية كبيرة في هذا العصر، والملاحظ هو ضعف تواجدها وكسل جهودها في هذا الشأن. التغيير الذي تعيشه بلادنا تغيير مطلوب؛ لنشارك العالمَ حياتَه البشرية الطبيعية، ونواكب مستجدات العصر، ونقوِّي اقتصادَنا ومكانتنا التي نستحقها، لكن لنا في الوقت نفسه مبادئنا وقيمنا الدينية وهويتنا الوطنية التي بالفعل نعتز بها، ولا نريد لها الضياع أو الضعف، وهو ما أكَّدت عليه رؤيتنا التنموية الجديدة.

وتطرَّقت د. مجيدة الناجم إلى أن ما يُميِّز الدين الإسلامي أنه دينٌ صالح لكل زمان ومكان، ويحوي كلَّ القيم الإيجابية، وله ثوابت وحدود واضحة ومحددة. وفي ظل الإسلام، كان هناك دول وحضارات سادت وازدهرت فيها العلوم والفنون. تراجع الدول العربية في فترة زمنية هي نتيجة صراعات وحروب ومصالح متضاربة، تجاهلت الإنسان والبنيان. وعند الانتباه بأن الحياة سارت وسبقتنا دول بمراحل للأسف، هناك مَن علَّق التأخُّر على الدين الإسلامي، مع أنه لم يكن قط معيقًا؛ بل على العكس، أغلب الأعراف والعادات التي أعاقت المجتمع وأقصت أطيافه هي تتعارض مع جوهر الإسلام.

ومن جانبها ترى د. وفاء طيبة أن القيم المهم الاحتفاظ بها وعدم التخلي عنها هي القيم الإسلامية، والتي تتقاطع في غالبيتها مع القيم الإنسانية للأديان المختلفة والثقافات المختلفة، وحتى القيم التي لا تنتمي إلى دين فقَد سبق بها الإسلام. هذه القيم هي التي نُريد تعليمَها أبناءنا والمحافظة عليها. التغيير الحاصل هذه الأيام يمكن أن يمسَّ بعضًا من هذه القيم، مثل: قيمة بر الوالدين، وقيمة الأسرة، وقيمة التنازل عن شيء من الحرية في سبيل الآخرين كقيمة العطاء، فكثيرًا ما نسمع من الشباب كلماتٍ قد تكون ترجمةً خاطئة لما أُريد بها أصلاً، مثل (مفهوم أنا أولاً)  love your self ولا يُقصد به نفسيًّا حُبّ الذات، بمعنى الأنانية وأنا أولاً، ولكنه الدارج بين الشباب، إرضاء النفس قبل الآخرين، مفهوم مثل هذا قد يدمِّر العلاقات الأسرية، كيف للتربية أن تتم في جوٍّ من عدم الالتزام بالحقوق والواجبات التي شرعها الله داخل الأسرة، أي جيل ينتج؟ القيم في الأسرة القائمة على العطاء والأخذ، والحقوق والواجبات، كيف للشباب الحفاظ على قيمة بر الوالدين، والتي هي واجبة شرعًا مع مفهوم (أنا أولاً)؟

وأضافت د. وفاء أن التغيير واجب بالنسبة للقيم المجتمعية التي أثبتت التجارب عدم لياقتها، مثل قيمة العمل اليدوي مثلاً، وكيف كان يصعب على الشاب السعودي العمل في مطعم أو منجرة مثلاً، في حين بدأت هذه القيمة تتغير نحو الأفضل والقبول والحمد لله، وكذلك مسَّ التغيير كثيرًا من القيم السلبية (إنْ صحَّ التعبير)، والمرتبطة بحقوق المرأة في المجتمع السعودي، وهذا بالطبع شيء جيد وإيجابي. لكن أين قيمة حق الجار، وحق المريض في الزيارة، والمحافظة على النعمة، وحق صلة الرحم؟ هذه قيم ليست موجودةً بمعنى ديني في المجتمعات الغربية، بينما هي قيم وممارسات شرعية يُؤجر فاعلها، ولكنها للأسف تتعرض للانكسار. والواقع أنه لا بد من المحافظة على الهوية، وهي هوية إسلامية عربية سعودية، أجمل ما في أوروبا، التي جمع بين أغلب دولها الاتحاد الأوروبي وأذاب بعض الفروقات بينها، إلا أنك تستطيع لمس خصوصية كل دولة وجمالها واختلاف طبيعة أهلها وتراثها الذي احتفظت به، تستطيع أن تلمس هويتها بمجرد تخطي حدود دولة إلى أخرى. إنَّ كثيرًا من التغيير الذي تمَّ في الفترة الأخيرة يجب أن تُدرس عواقبه، فإنْ كانت حسنةً فلا بأس بها، وإنْ أساءت العواقب إلى هويتنا السعودية العربية والإسلامية فلا! بل نراجعها ونُعدِّلها، ومن المهم الحفاظ على هويتنا بالنسبة لنا كشعب أولاً، ثم بالنسبة لصورتنا في العالم، خاصة العالم الإسلامي، والمملكة قائدة للعالم الإسلامي وبها قبلة المسلمين، والاحتفاظ بثقافتنا مهم حتى بالنسبة للسياحة، فلماذا أعبرُ الحدود وأقطع المسافات كسائح لأجد ما أجده في بلدي؟

وذكر د. منصور المطيري أنه حين الحديث عن التغيير في أي مجتمع، فنحن لا نتحدث عن تغيير الأفراد والأشخاص، وإنما نتحدث عن تغيير الثقافة. ولذلك، فإن الحديث عن التغيير في المجتمع السعودي حديثٌ عن تغيير ثقافة المجتمع السعودي. وهذا يُوجب علينا أن نُفكِّر بعمق شديد في العلاقة بين المجتمع والثقافة؛ يظنُّ الكثيرون أن الثقافة والمجتمع شيئان مختلفان، والحقيقة أن هناك ارتباطًا عضويًّا وملابسة شديدة بين المجتمع والثقافة، تشبه العلاقة بين الكلام والمتكلم، بل هي مثلها تمامًا. والثقافة التي هي سلوك وأفعال المجتمع مكونة من جزأين أو عنصرين:

  • الجزء المضمر أو المستتر، أي العنصر الجوهري في الثقافة، وهو المعتقدات والقيم وما يتبعها من المعايير التي تساعد هذه المعتقدات والقيم في التشكُّل في شكل فعل وسلوك.
  • والجزء الظاهر المتمثِّل في الإشارات والرموز والسلوكيات الظاهرة.

وتكتسب العلاقة بين الفعل الاجتماعي أو السلوك وجوهر الثقافة الذي هو المعتقدات والقيم أهميةً ضخمةً وفائقة الأثر، فالفعل أو السلوك دالٌّ على قيمة معينة؛ ولذلك فالإنسان – كما يقول “الطاهر لبيب” – معلَّقٌ في شبكة من الدلالات بين المعتقد والسلوك؛ فالمرأة المسلمة عندما تتحجب هي تفعل ذلك كمدلول واضح لقيمة عليا في مجتمعها المسلم لك أن تسميها العبودية لله أو العفة أو الطهر والتزكية (ذَلِك أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ).

وأضاف د. منصور المطيري أن فهم هذا المقدِّمة ضروري جدًّا عند رسم أي سياسة للتغيير المجتمعي حتى لا يضطرب أو ينهار المجتمع بعد حين. فسياسة التغيير تأخذ أشكالًا؛ منها التغيير المخطَّط له وهو تغيير يحدث فيه نوعٌ من المشاركة بين الحكومة والمجتمع، ومنها التغيير القسري أي بالقوة وهو أسوأ أنواع التغيير؛ لأنه مُولِّد للاستجابة البغيضة، وهي السكوت مع الكره العميق للتغيير ولمَن قام بالتغيير، ويولِّد الرغبة في الانتقام، وفي الوقت نفسه يُولِّد التزلف والنفاق والخوف، وغياب الرأي الحر.  وأكبر أضرار التغيير القسري هو انقطاع وتفكك الدلالة بين المعتقد والسلوك، فتظهر في المجتمع سلوكيات لا دلالة لها، ولا تعبِّر عن قيمة، ولا تصنع فائدة؛ بل هي ضرر مجتمعي، ويصبح السلوك الفردي مع مرور الوقت كالسفينة بلا مرسى، وكالريشة تتقاذفها الرياح. ومن أضرار التغيير القسري أن تختفي وسائط نقل الثقافة الجوهرية، فيختفي العالم، ويختفي المثقف، ويضعف دور المعلم ودور الأب، وفي الوقت المعاصر يُغتال الرأي ويُغيَّب العقل عبر وسائل الإعلام والإعلام البديل، ويُقدَّم للمتلقي دعاية لا عقلَ فيها.

وعلى ضوء ما سبق، يرى د. منصور المطيري أن نحرص في مجتمعنا أن يكون التغيير إذا كان لازمًا يتراوح بين التغيير الطبيعي والتغيير المُخطَّط له الذي يتسم بصفة مهمة جدًّا وهي التشاركية، فيجب أن ينخرط المجتمع في عملية صنع التغيير بحيث يكون فاعلًا لا منفعلًا. كما يجب أن نحذر من الفخ الشهير، وهو فخ ربط التقدُّم بالسلوك الغربي، وربط السلوك الغربي بالعولمة، وقد تنبَّه لهذا عالم الاجتماع البريطاني الشهير “أنتوني غيدنز” عندما قال في عبارة مهمة: (إن العالم الذي خلق الحضارة الصناعية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مرادفًا لمفهوم التقدُّم). ويُطرح في هذا السياق موضوع ” العولمة “، والاعتقاد أن الاستجابة لحركة العولمة تخضع بسهولة لمنطق الاختيار فهي ليست جبرية، أنت لست مُجبَرًا على استضافة (ميناج)، ولا المصارعة النسائية ولا غيرها مما يدل على الانفكاك والانقطاع في الدلالة الثقافية.. أنت تفعل هذا باختيارك. بل أن بعض الدارسين أنكر وجود العولمة، بل ما يحدث هو امتداد لتغيرات تحدث في المجتمع الأوروبي من القرن السابع عشر إلى الآن، مع وجود تجديد في الوسائل. ومن ناحية ظهور آثار التغيير بأنواعه، فالتصور أن ظهورها يبدأ بوضوح في أجيال شابة قادمة، ولا تظهر الآن؛ لأن سياسات التغيير هي عمل على صياغة المستقبل، ولذلك فإن الآثار التي ذكرتها د. نورة في الورقة الرئيسة تنتمي لفترة سابقة على خطة التغيير الموجودة. والآثار ستمسُّ عناصر مهمة: القيم والمعايير، الهوية، الأدوار الاجتماعية، التنشئة الاجتماعية… وغيرها، وسيحسها الجميع في التماسُك واللحمة الأسرية والمجتمعية. ومن المهم في هذا السياق ضبط الخطاب الثقافي (في الغالب منتج إعلامي) الذي هو في حقيقته دعائي مندفع باتجاه تجاوز جوهر ثقافتنا المُشكِّل الأساس لهويتنا، ويجب أن نرفض القول بأن الهوية متغيرة، ونتبنى الرأي القائل بأن الهوية فيها عناصر ثابتة وعناصر متغيرة؛ بحيث نتسامح في تغيير العناصر المتغيرة، ونحافظ على العناصر الثابتة.

وأكدت د. وفاء طيبة أن الثقافة والمجتمع شيء واحد، فإذا تغيَّرت الثقافة تغيَّر المجتمع، وما زلنا ندور حول مفاهيم القيم وتشكُّلها وتغيُّرها، وبالفعل السلوك الظاهر هو دلالة الاعتقاد بالداخل، وما نلحظه من سلوكيات أو خلل في بعض السلوكيات دلالة على خلل داخلي للأسف، كان لنا دور أساسي في خلقه، ثم نشير إلى دور التكنولوجيا والعولمة، فإذا كان أساس المعتقد سليمًا لم يهزه تغيير حاصل إلا قليلاً، ويبدو أن الأسرة والمؤسسات التعليمية ضعُف أثرها أو أُضعِف أثرها في الفترة الماضية، فظهرت بعض الشخصيات الشبابية المختلة عقديًّا وبالطبع سلوكيًّا، ونرجو ألا تكون نسبة كبيرة، فقد ظهرت لدينا الفتيات اللواتي خلعن الحجاب مع أنها كانت تلبسه عن قناعة، والفتيات اللواتي يظهر نصف شعرهن أو يلبسن لباسًا لا يتفق مع أساس الحجاب وهن يعلمن ذلك، ظهر الشاب الذي لا يعرف مسؤولياته الأسرية ويتصرف على أنه (حر)، بل وقد يسيء لزوجته بالعنف. والخشية أن مثل هؤلاء هم قدوة الجيل القادم، كما كنَّا نحن قدوة هذا الجيل! ومع تأييد ما أورده د. منصور المطيري حول التغيير القسري وما يولده، فإن ثمة بُعدًا آخر من أبعاد الهوية يمكن إضافته وهو اللغة التي بالفعل تتعرض لحالة اغتيال غير ممنهج، بكل الوسائل التي تحدثنا عنها كثيرًا، ولن تتطور بلدٌ أيًّا كانت إلا بلغتها، وهي جزءٌ مهمٌّ جدًّا من الهوية لا بد من التركيز عليه؛ لأنه للأسف ما زلنا نعتمد في التخطيط للتغير على بعض مَن لا يهمُّهم مصلحة مجتمعنا، ومستشارين من الغرب لا يعرفون المجتمع من الداخل، بل إنه قد تكون لهم أهداف مبطنة، وقد صدر أمر ملكي بهذا الخصوص ولكننا ما زلنا نرى تدخلًا كثيرًا منهم.

أما د. خالد الرديعان فذهب إلى أن الخوف الذي ينشأ من أي تغيير أو تغير قد يكون في “تشظي الهوية” في مرحلة ما، وذلك عندما نُمعن في التغيير السريع وغير المدروس أو غير المتدرج مرحليًّا. وكما ذكر د. منصور المطيري، فالعولمة خيارٌ نأخذ منه ما يتوافق مع الثوابت والمرحلة، ونترك ما يتصادم مع الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية دون تعسُّف في توطين ما يصعب توطينه. والمجتمعات التي عانت من “تشظي الهوية” مرَّت بأزمات طاحنة سبقها اغتراب وفقدان للبوصلة، وليس ببعيد منَّا “الحرب العشرية” التي دارت رحاها في الجزائر في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وإنْ كانت أسباب تلك الحرب ذات خلفية سياسية، لكنَّ استمرارها وبتلك الضراوة وعدد الضحايا كان تعبيرًا صارخًا على أن المسألة أبعد من خلاف سياسي؛ فقد كانت أزمة هوية مرَّ بها المجتمع الجزائري؛ فلا هو الذي “تفرنس” كالفرنسيين ليقبلوه، ولا هو الذي “تعرَّب” كبقية العرب. لا نريدُ الوقوع في أخطاء يمكن تجنُّبها مبكرًا؛ فالأمور لا تزال بيدنا، وهناك مُتسَع من الوقت للتصحيح بعد التجريب.

وفي تصوُّر أ. محمد الدندني، فإنه من حيث التغيير وتعريف الشخصية الوطنية للسعوديين، فإن كلمة تغيير ليست هي المصطلح الأمثل حيث إنَّ الشخصية أو الهوية تُميِّزها أخلاق وطباع وعادات المجتمع. بهذا كل ما ننشده موجود ولا تغيير، فقط علينا إحياء عمود من أعمدة الدين “الأخلاق والمعاملات”.

ومن وجهة نظر أ. عبد الله الضويحي، فإن التغيُّر الاجتماعي وُلِد مع ولادة الإنسان ونزوله إلى هذه الأرض، وليس وليدَ العصر الحالي أو القرون الأخيرة كما يركِّز البعض عند تناوله لهذا الموضوع.. الفرق هو في سرعة التغيُّر المعتمد على ظروف العصر وإيقاعه.. وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات اجتماعية يصعب ضبط إيقاعها لسرعتها؛ إذ أنهت نمط حياة كان سائدًا لقرون ليحل مكانه نمط جديد يكاد أن يتشابه على مستوى العالم، بل يرى البعض أنه في هذا الطريق كمظهر من مظاهر العولمة. إنَّ سُنن التغيير الاجتماعي شأنها شأن السنن السماوية لا تتم ما لم تتكامل شروطها وتتوافر.. وفي الوقت ذاته ينتفي ما يحول دون تحقيقها، فالتغيير الاجتماعي له ثمنٌ، وربما كان الثمن عاليًا. وهذا ما يؤكده قرآننا الكريم قبل 14 قرنًا ونصف، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فهذه الآية تُمثِّل قانونًا للتغيير الاجتماعي، ليس لعصرها وما بعده؛ وإنما لكل المجتمعات مُنذ بدء الخليقة وهو ما تؤكده الأحداث، وتؤكد أيضًا “قانون السببية”؛ فأي تغيير لا بد له من ثمن، والثمن هنا تغيير ما في النفس من كل ما يتعارض مع قيم التغيير التي سيتم استحداثها في المجتمع. ولعلَّ أكبر معوقات التغيير عدم القناعة الشعبية بالمحاولات التي تأتي من خارج المجتمع؛ ما يجعل هذا التغيير دون مستوى تطلعات وطموحات راغبي التغيير. والذي عايش مجتمعنا على مدى خمسة أو ستة عقود مضت هم أكثر مَن يُدرك هذه الحقائق؛ كيف كنَّا؟ وكيف أصبحنا؟ وكيف سنكون؟  لقد أفرزت فترة ما سُمِّي بـ (الصحوة) والتي دامت ثلاثة عقود جيلًا كاملًا اختلطت لديه الأمور بين مؤمن بما كان، وآخر تحوَّلت لديه العادات والتقاليد إلى “عقيدة”؛ لذلك لا نستغرب انقلابَ بعض فئات من المجتمع واتهامهم لعلماء دين معتبرين وتشكيكهم في أمانتهم وعلمهم، ساعد على ذلك انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتمكُّن بعض الأصوات الخارجية من اعتلاء منصاتها بمعرفات سعودية لأهداف معروفة. والاعتقاد أننا الآنَ نمرُّ بفترة مخاض سندفع فيها ثمنًا ما، ونحتاج وقتًا ليعود المجتمع إلى توازنه، وسينجو منها مَن كان وسطيًّا طوال مراحل تغير المجتمع وتقلباته في العقود الماضية.

وركَّز د. سليمان الطفيل على أهمية عدم حصر الحديث عن التغيير في المجتمع في جانب الدين أو الصحوة أو المطاوعة، فهذا جزء بسيط بلا شك؛ لكن التغير شمَل الكثير من حياتنا حتى في طريقة تواصلنا الاجتماعي وعلاقاتنا الأسرية والعائلية، وفِي ثقافتنا الغذائية والرياضية والتجارية؛ الكل شعر ويشعر بالتغير الكبير في حياة المجتمع السعودي حتى الأجانب ممَّن يعيشون بيننا أو مَن في الخارج. هناك تحوُّل كبير في طبيعة الحياة الاجتماعية السعودية وخاصة الشباب السعودي والمرأة السعودية، وهذا التحوُّل سيكون له آثارٌ إيجابيةٌ وآثارٌ سلبيةٌ لا يمكن قياسها إلا عبر سنوات من الحياة. والواقع أن إطلاق الرؤية وما اشتملت عليه من برامجَ، وتخصيص برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠م وكذلك القرارات الأخرى هي ما سرَّع عملية التغيير في المجتمع، والتي كانت ستتغير مع مرور الوقت، لكن الدفعة القوية من القرارات والبرامج جعلت التغيير أكثر سهولةً وتمكينًا. والخلاصة أن التغيير سيتبعه تحديات، والتحديات لا يمكن دحرها في أيام وسنوات معدودة؛ بل سنين مع برامج ضبط تتسم بالتعديل والتطوير لتحقيق الأمثل بإذن الله تعالى.

وأشارت أ. مها عقيل إلى أن الفجوة بين جيل الشباب الذي ينعم ويستفيد ويعيش التغيير من انفتاح ثقافي وفني وتحوُّل في وضع المرأة، ومبادرات التمكين للمرأة والشباب… إلخ، وبين الجيل الذي طالب بالتغيير وعانى من التهميش والإقصاء والانغلاق، وعندما بدأ يحصل التغيير وجَد نفسه خارج السياق والعملية برمتها، ولم يستفد من خبرته وتجاربه ونظرته للأمور. هناك حاجة للحوار بين فئات المجتمع والأجيال المختلفة حول هذا التغيير، وأين نريده أن يتجه، وتحديد قيم المجتمع وعاداته التي نريد أن نحتفظ بها.

بينما يرى د. نبيل المبارك أن الحكومة في المملكة لم تسعَ للتغيير، ولكنها قادت التغيُّر الذي سوف يحدث عاجلاً أم آجلاً، نتيجة متغيرات طبيعية على كافة الأصعدة. وهو ذكاء من قيادة هذا البلد. فوحدها الحكومات الذكية التي تقرأ التغيير وتُحدِث التغيُّر قبل حدوث التغيير المتوقَّع؛ للمحافظة على النظام العام والسياسي. الأمر الذي لم تفهمه باقي الحكومات التي انهارت وتهاوت مع ما يُسمَّى “الربيع العربي”.

  • آليات التعامل الملائمة مع التغير الاجتماعي:

ترى أ. هيلة المكيرش أهميةَ رصد المتغيرات التي طرأت على مفاهيم التربية والسلطة الوالدية، ومفاهيم الزواج وأدوار أفراد الأسرة، ومن ثَمَّ بحث آليات مواجهتها بسبل متعددة؛ منها التوعية والتبصير عبر القنوات الرسمية للجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية. كذلك يجب العمل على تأصيل القيم الإيجابية من خلال التعليم كمناهج وأساليب تعليمية، ودور الإعلام في ذلك.

ومن وجهة نظر م. فاضل القرني، فإن وزارة الثقافة والإعلام لها دورٌ موازٍ إنْ لم يكن مضاهيًا لوزارة التعليم ووزارة التنمية الاجتماعية؛ بسنِّ القوانين التي تضمن الوحدة الوطنية والمحافظة عليها مع الاحتفاظ بالتقاليد المتنوعة في بلدنا، والتي تعتبر إرثًا حضاريًّا متنوعًا. وترسيخ مفهوم التغيير إلى الأفضل ليكون المجتمع إسلاميًّا عربيًّا سعوديًّا.

وأشار أ. عبد الرحمن باسلم إلى أن لدينا عملًا جبَّارًا، ويجب أن يقوده حكماء وعلماء البلد حتى لا نتفاجأ بتبعات نندم عليها كثيرًا.

وفي اعتقاد د. مها العيدان، فإن الوقت قد حانَ للتركيز على الأسرة في مواكبة التغيُّر من خلال تغيير مفاهيم التنشئة الاجتماعية من مفهوم المراقبة للأبناء إلى الاعتماد على المراقبة الذاتية والاحتواء، وإقامة جسور الحوار والثقة بين الوالدين والأبناء.

وأكدت د. فوزية البكر على أن احترام الثقافات الفرعية وتشجيع إظهارها ونَشْرها بين كافة مناطق المملكة، سيزيد من اللحمة الوطنية والاعتزاز الذاتي بالثقافة المحلية في مواجهة ثقافات عالمية أشبه بالفقاعات للأسف.

واهتمت د. فايزة الحربي بدراسة تأثير مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي وقوة تأثيرهم على التغيُّر الثقافي والاقتصادي للمجتمع، وكيفية الإفادة منهم للحراك المجتمعي المأمول.

وترى أ. فائزة العجروش أن السؤال الذي يطرح نفسه، هو: ما الذي تحتاجه المملكة لكي تخرج من جلبابها التقليدي القديم دون ضياع للهوية السعودية المتمسكة بتعاليم إسلامية سمحة وراسخة؟ إن الحاجة باتت مُلحة لما يلي:

  • البدء بإجراء أبحاث في علم الاجتماع بخصوص دراسة تداعيات التغيرات وتأثيرها على المجتمع بُرمته، ومحاولة وَضعْ حلول تُناسب المتغيرات المستجدة.
  • تكثيف الرسائل الموجَّهة للمواطنين بكل صورها كطرف رئيسي، لزيادة فَهْم وتقبُّل ونجاح تغييرات كان لا بد من حدوثها، وعلى رأسها الرسائل الإعلامية ذات التأثير المباشر.
  • حث الآباء والأمهات على تواجدهم الدائم والمستمر على قمة البناء الأسري، لتوجيه الأبناء التوجيه الصحيح.
  • ضبط الأمور للحد من المشاكل التي قد تحدث مع إقامة فعاليات الترفيه، وقدوم السياح، مثل: إصدار أنظمة واضحة ومُعلَنة وتطبيقها بصرامة على الجميع دون استثناء.
  • أهمية حث مؤسسات القطاعين العام والخاص على إيجاد خدمات “رياض الأطفال” في مقار العمل الرئيسة؛ لتمكين المرأة من أداء عملها دون أن يكون ذلك على حساب الأطفال.

بينما أكدت د. مجيدة الناجم على ما يلي:

  • إنشاء مرصد لرصد التغير الاجتماعي ومظاهره وآثاره على المجتمع. وأن يكون هناك آلية لرصد ماهية نوع التغيرات الحاصلة، مَن هم المتأثِّرون بها؟ كيف أثَّرت على علاقاتهم وعلى تماسُك المجتمع ككل؟ والخروج بمنظورات تُفسِّر هذا التغيير الحاصل واتجاهاته وآثاره. يليها تصميم برامج للتعامل مع آثار هذا التغيير بشكل يساعد في الحفاظ على تماسُك المجتمع وبنيانه المتين.
  • إعطاء مساحة أكبر للمثقفين والمفكرين في تشكيل فكر الشباب والتأثير فيهم، فالفراغ الحاصل من غياب أصحاب الفكر فتح المجال لأشخاص غير مؤهَّلين للتأثير في شرائح المجتمع وفي نمط تفكيرهم. والاستفادة من التكنولوجيا السائدة في إيصال فكرهم ورسائلهم الثقافية؛ وذلك لتوجيه عملية التغير الحاصلة بصورة أكثر إيجابية.
  • العمل على تسريع مبادرات برنامج تعزيز الشخصية الوطنية السعودية باعتباره صمام أمان يمكن من خلاله تجسير الفجوة بين سرعة التغيير وقيم المجتمع وثقافته، وأن ينفتح على المشاركة الفاعلة من قِبل مؤسسات المجتمع، وتُمثَّل جميع أطياف المجتمع في مبادراته.

وأكدت د. فوزية البكر على ضرورة تصميم برامج وأنشطة ثقافية ومسرحية وغيرها من قِبل وزارة التعليم، تُطبَّق في المدارس (أسوة بمعظم مدارس العالم) وكجزء من نشاط المدرسة، وتدور حول التغير الاجتماعي والقيم وتقبُّل الثقافات والتعرُّف عليها؛ لرفع درجة القبول والوعي بالاختلافات الثقافية والاجتماعية وكيفية التعامل معها، وهو ما يساعد على تأكيد تنمية الشخصية الوطنية والعالمية في آن واحد.

  • التوصيات:
  • إنشاء مرصد لرصد التغير الاجتماعي ومظاهره وآثاره على المجتمع، وأن يكون هناك آلية لرصد ماهية نوع التغيرات الحاصلة، مَن هم المتأثِّرون بها؟ كيف أثَّرت على علاقاتهم وعلى تماسُك المجتمع ككل؟ والخروج بمنظورات تُفسِّر هذا التغيير الحاصل واتجاهاته وآثاره.
  • العمل على تسريع اكتمال برنامج تعزيز الشخصية الوطنية السعودية ومبادراته، باعتباره صمام أمان يمكن من خلاله تجسير الفجوة بين سرعة التغيير وقيم المجتمع وثقافته، وأن ينفتح على المشاركة الفاعلة من قِبل مؤسسات المجتمع، وتُمثَّل جميع أطياف المجتمع في مبادراته.
  • تصميم برامج للتعامل مع آثار هذا التغيير بشكل يساعد في الحفاظ على تماسُك المجتمع وبنيانه المتين، والحفاظ على الأسرة، وبناء كوادر متخصِّصة في هذا المجال.
  • رسم سياسية إعلامية ثقافية تُخصَّص فيها مساحة أكبر للمثقفين والمفكرين في تشكيل فكر الشباب والتأثير فيهم، فالفراغ الحاصل من غياب أصحاب الفكر فتح المجال لأشخاص غير مؤهلين للتأثير في شرائح المجتمع وفي نمط تفكيرهم. والاستفادة من التكنولوجيا السائدة في إيصال فكرهم ورسائلهم الثقافية؛ وذلك لتوجيه عملية التغير الحاصلة بصورة أكثر إيجابية.
  • رسم سياسة تعليمية لمراحل التعليم المختلفة ابتداءً من الصفوف المبكرة، تُعنَى ببثِّ ثقافة القيم والمبادئ وتقبُّل الثقافات الأخرى والتعرُّف عليها، والتي تتناسب مع المرحلة العمرية.
  • تعزيز دور الباحثين الاجتماعيين والنفسيين في التخطيط للتغيير ودراسة آثاره، من خلال العمل المشترك مع الجهات المسؤولة، مع الحرص على تطبيق منهجيات بحث متطورة في دراسة اتجاهات الشباب نحو التغيير الاجتماعي وآثاره؛ وذلك من خلال تبنِّي الموضوعية والشمولية والتحوُّل من منظور المشكلات عند التعامل مع قضايا الشباب استنادًا إلى المنظور الحيوي النمائي (*).
  • تفعيل مراكز الأحياء ووحدات الإرشاد الأسري على مستوى الأحياء.

القضية الرابعة

التعليم الجامعي وتحديات القرن الواحد والعشرين

(23‏/2‏/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. مشاري النعيم
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. حامد الشراري
  • التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان
  • إدارة الحوار: د. محمد الملحم

 

  • الملخص التنفيذي:

انطلق د. مشاري النعيم في الورقة الرئيسة من تساؤل محوري، وهو: هل يُفترض أن يكون هناك ارتباطٌ بين التعليم وسوق العمل أم يجب أن يكون التعليم قائمًا بذاته، وربما يغازل سوق العمل ولكن لا يستجيب له استجابة كاملة؟ وأوضح أن هذا التساؤل مُوجَّه في الأساس لنقد فلسفة التعليم المعاصرة التي صدمتها التقنية بشكل شبه مفاجئ، أفقدتها توازنها و”حوَّرت” جزءًا كبيرًا من فلسفتها إلى طريق يشوبه الكثير من الغموض.

ويرى د. مشاري النعيم أن أيَّ نقاش للتعليم الجامعي والتحديات التي يواجهها في هذا القرن الذي تقوده التقنية أكثر مما تقوده الأفكار الكبيرة التي شكَّلت نظريات العلوم والعلوم الإنسانية في القرن الماضي – يجب أن يقف أمام “الهدف” من التعليم. فماذا نُريد أن تُحقِّق الجامعة؟ ودون هذا التساؤل المؤسس لا جدوى من أي تطوير أو تحسين للتعليم الجامعي، وبالتالي يُفترض التركيز في الأساس على الدور الذي يُفترض أن تقوم به الجامعة في عصر التقنية المتسارعة، وتغيير مفهوم المهارات التي يجب على الخريج اكتسابها؛ وكلها قضايا تمسُّ العملية التعليمية بشكل مباشر. واختُتمت الورقة الرئيسة بالإشارة إلى أن مأزق التعليم المعاصر في مواجهة التقنية الفائقة التطوُّر والتشابك المعرفي غير المسبوق سيكون مأزقًا خطيرًا؛ لأنه يتطلب التخلُّص من الأدوات التقليدية المعروفة واستبدالها بأدوات جديدة غير معروفة حتى الآن. هذا المأزق ليس مقتصرًا على بلدٍ معين، إذ إنه يتفاوت من بلد إلى آخر؛ لكنه يُمثِّل قضية من القضايا الكبيرة التي ستواجه هذا القرن الذي صار يعتمد على الذكاء الاصطناعي أكثر من العقل البشري، وأصبح كل يوم يتخلص من كثير من تقاليده القديمة إلى مجالات شبه مجهولة لا يعرف أحدٌ تأثيرها المستقبلي. على أنه من الواضح أن البشرية تسير في هذا الطريق المجهول بأقصى سرعة لديها.

واهتم د. حامد الشراري بمبررات التعليم الإلكتروني ودمجه في التعليم الجامعي كخطوة مرحلية ربما للمستقبل القادم، كما نوَّه إلى مواصفات التعلُّم الجديد لثورة المعلومات وتقنية المعلومات، والتي أكدت عليها كثير من المنظمات والهيئات المختصة وتبنّتها الجامعات المرموقة، ثم قدَّم أربعة سيناريوهات محتملة ترسم علاقة الإنسان بالآلة في عملية التعلُّم، وأشار أخيرًا إلى توجُّه المملكة من خلال الجامعة السعودية الإلكترونية المُفتتحة عام 2011 ودورها الكبير في هذا المجال حاليًّا وما يُؤمَّل مستقبلاً.

وذهب د. خالد الرديعان في التعقيب الثاني إلى أن المعضلة التي تواجهنا ستكون في سوق العمل المتغير، والذي يصعب التكهُّن بما يريد في ظل عدم مواكبة الجامعات وبالسرعة المطلوبة لمتطلبات هذا السوق الذي يفرض شروطه دون سابق إنذار. وليس الأمر كذلك فحسب؛ فحتى لو سلَّحنا الخريجين بكل ما هو جديد ومبتكر، فإن جديدهم هذا سيبلى بعد فترة من الزمن بسبب التقدُّم التقني المذهل، وتقلبات سوق العمل، وبروز مهن جديدة. والواقع أنه يجب أن يتسم التعليم الجامعي بالمرونة الكافية بحيث يُوفِّر للمتعلم عدة فرص في الوقت ذاته، كما يُفترض إعادة النظر في المقررات كل ثلاث أو أربع سنوات وتغييرها حسب متطلبات سوق العمل والتقدُّم التقني.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • واقع التعليم الجامعي في المملكة.
  • التحوُّل نحو التعليم عن بُعد والإلكتروني: أهميته ومحاذيره.
  • التحديات التي تواجه التعليم الجامعي.
  • مستقبل التعليم الجامعي في ضوء ما يواجهه من تحديات.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: التعليم الجامعي وتحديات القرن الواحد والعشرين، ما يلي:

  • تدريب القيادات في مؤسسات التعليم العالي على مهارات القيادة الحديثة التي تقود إلى الابتكار والإبداع واستشراف المستقبل، بعيدًا عن أنماط القيادة التقليدية.
  • عمل دراسات معمقة لواقع التعليم الجامعي في بلادنا، ودراسات استشرافية لوضع رؤية مستقبلية للتعليم الجامعي والتعامل مع التحديات التي تواجهه، واعتماد إستراتيجية التعليم في خدمة المجتمع، وهذا يشمل دور الجامعات التقليدي في التعليم والبحث وخدمة المجتمع، وصناعة الفكر وتوليد المعرفة.
  • الورقة الرئيسة: د. مشاري النعيم:

هل الجامعة منظومة لصناعة المفكرين أم لصناعة المهنيين؟ هل هي مكان لبناء الأفكار أو لتخريج التقنيين وإعداد الموظفين؟ التساؤل الذي تنطلق منه هذه الورقة هو: هل يُفترض أن يكون هناك ارتباطٌ بين التعليم وسوق العمل أم يجب أن يكون التعليم قائمًا بذاته، وربما يغازل سوق العمل ولكن لا يستجيب له استجابة كاملة؟ هذا التساؤل مُوجَّه في الأساس لنقد فلسفة التعليم المعاصرة التي صدمتها التقنية بشكل شبه مفاجئ، فأفقدتها توازنها، و”حوَّرت” جزءًا كبيرًا من فلسفتها إلى طريق يشوبه الكثير من الغموض.

في الحقيقة أن أي نقاش للتعليم الجامعي والتحديات التي يواجهها في هذا القرن الذي تقوده التقنية أكثر مما تقوده الأفكار الكبيرة التي شكَّلت نظريات العلوم والعلوم الإنسانية في القرن الماضي – يجب أن يقف أمام “الهدف” من التعليم.  فماذا نريد أن تُحقِّق الجامعة؟ ودون هذا التساؤل المؤسس لا جدوى من أي تطوير أو تحسين للتعليم الجامعي، وبالتالي يُفترض أن تركِّز الورقة على الدور الذي يُفترض أن تقوم به الجامعة في عصر التقنية المتسارعة، وتغيير مفهوم المهارات التي يجب على الخريج اكتسابها؛ وكلها قضايا تمسُّ العملية التعليمية بشكل مباشر.

أثار التساؤلان الأولان: هل الجامعة لصناعة الأفكار أم أنها لتخريج المهنيين والموظفين مثلاً، جدلاً موسعًا خلال القرن المنصرم، ولا يزال هذا الجدل يُحدِّد كثيرًا من فلسفات التعليم ومناهجه، كما يُحدِّد طرق التدريس التي يبدو أنها صارت تُضيِّق المسافة بين التعليم وسوق العمل، وتهمل “صناعة الأفكار”، وتُلغي شعار التعليم من أجل التعليم ذاته لا بسبب الحاجة إلى إنتاج موظفين وتقنيين. لعل هذا التحوُّل هو امتزاج التعليم نفسه بفلسفة الاقتصاد وعجلته الدائرة، والتنافس المحموم على تحقيق النمو الاقتصادي ورفع مستوى دخل الفرد؛ وكل هذه العوامل كانت تدفع إلى ربط التعليم بالاقتصاد أكثر من “رفاهية” التعليم من أجل التعليم. هذا التحول جعَل من التعليم عمليةً “ميكانيكية” محسوبة تحكمها قواعد الاعتماد الأكاديمي، وتُحدِّد إطارها أنظمة التقييم، وتُشكِّل حدودها المراجعات لمناهجها وطرق التدريس فيها. ربما لم تعُد هناك مساحات حقيقية للمعلم أن يبتكر ويطوِّر ويُضيف على العملية التعليمية كما كان يعمل سابقًا.

تتمظهر هذه الصورة بعمق في التحوُّل إلى التعليم الإلكتروني، الذي يُعزِّز من هذه الصورة “الميكانيكية” للتعليم.  فمجرد التفكير في التعليم عن بُعد، فإن هذا يلغي أغلب دور الأستاذ الجامعي في التعليم، حتى لو كان هو الذي يُعلِّم عن بعد؛ لأن التعليم أكثر من مجرد “تبليغ المعلومة”، بل هو تجربة شخصية بين المعلم والمتعلم، تصل إلى درجة التبادل المعرفي بين الطرفين، وليس مجرد طريق باتجاه واحد من المعلم إلى المتعلم. هذا لا يعني أننا في هذه الورقة نقف ضد التعليم الإلكتروني (وهو موضوع خارج نطاق حديثنا هنا)، ولكننا نقول: إن هذا التوجُّه يعكس فلسفة التعليم المعاصرة التي “قولبت” التعليم الجامعي وحدَّت من مساحات الإبداع فيه. والأكثر خطورة أنها تُرسِّخ صورةً نمطية للمعلم على أنه مجرد “ناقل” للمعلومة لا مُساهِم في بناء عقول مُنتِجة للمعرفة، وهذه الصورة النمطية لها مخاطرها؛ لأنها ستكون هي السبب في إلغاء دور المعلم في المستقبل.

هذه الحالة “شبه الساكنة” للعملية التعليمية تواجه اليوم تحديًّا كبيرًا، هو أن المعلومة أصبحت متاحةً ولا تتطلب حقيقةً أيَّ جهد للحصول عليها، وفي الوقت ذاته حوَّلت فلسفة التعليم المعاصرة المعلمَ إلى مجرد ناقل للمعلومة، بل إن المعلم نفسه لم يعُد له تلك الأهمية في عصر الشبكة العنكبوتية. في اعتقادنا أنه غاب أمرٌ مهمٌّ أثناء تطوير التعليم خلال العقود الأخيرة، وهو تعزيز دور المعلم (الأستاذ الجامعي).  والذي يبدو لنا أن التقنية أغرت القائمين على التعليم أو أغرت “الشركات” الجامعية بالعمل على الاستغناء عن المعلم كليًّا في المستقبل، فعملوا على ذلك، كما هم يعملون على الاستغناء عن العقل والفعل البشري في مجالات عديدة، مثل: الطب، والهندسة، وغيرها. الفلسفة الجديدة هي “ميكنة” العلوم والتعليم في عصر تتراكم فيه المعلومات والمعارف بشكل كبير، تغري فعلاً بالاستغناء عن الفعل البشري في المستقبل.

إذًا، التعليم انتقل من مرحلة صناعة الأفكار الكبرى التي أحدثت هذا التطور التقني الهائل إلى أن أصبح في مرحلةٍ جزءًا من فلسفة التنمية الاقتصادية، وتشكَّل كي يخدم هذه التنميةَ، ويكون جزءًا من عجلتها، والآنَ يمرُّ بمرحلة كونه مجرد “مُنتَج أو سلعة اقتصادية”؛ نتيجة للتطور التقني و”السيولة المعلوماتية”. البيئات التعليمية الثلاث: “التدريسية” و”العمرانية” و”الاجتماعية” صارت تتحول بشكل ملحوظ، وربما تختفي في المستقبل. فالمناهج أصبحت جاهزةً، وقد تقوم شركات متخصصة في المستقبل بإعدادها وإنتاجها. والبيئة العمرانية قد تُصبح افتراضيةً مع تزايد التعليم عن بُعد، والبيئة الاجتماعية التي تجمع المعلم بالمتعلم والأسرة والمجتمع بدأت تتراجع شيئًا فشيئًا.

هذه الصورة التي قد يراها البعض على أنها ضربٌ من التشاؤم، هي في طريقها للتحقُّق خلال العقود القليلة القادمة، فنظريات التعليم التي كانت تُنادي بأهمية إشراك الطالب في العملية التعليمية، والتخلي عن أسلوب التلقين SPOON FEEDING، والعمل على انتهاج فلسفة حل المشاكل BROBLEM SOVING في طرق التدريس – لم تعُد تُثار بجد في الفترة الأخيرة؛ لأن الفلسفة الجديدة هي “التعليم الذاتي” SELF EDUCATION الذي يلغي دورَ المعلم أو في طريقه إلى إلغاء دور المعلم؛ نتيجة لاقتصار دوره على نقل المعلومة، التي أصبحت متاحةً ولا تحتاج لأحدٍ لنقلها، بدلاً أن يتطور دوره إلى “مُحرِّك” لصناعة الأفكار ونَقْل الخبرة المعرفية وتطوير مهارات صناعتها لدى الطلاب.

مأزق التعليم المعاصر في مواجهة التقنية الفائقة التطور والتشابك المعرفي غير المسبوق سيكون مأزقًا خطيرًا؛ لأنه يتطلب التخلُّص من الأدوات التقليدية المعروفة واستبدالها بأدوات جديدة غير معروفة حتى الآن. هذا المأزق ليس مقتصرًا على بلدٍ معين، إذ إنه يتفاوت من بلد إلى آخر؛ لكنه يُمثِّل قضية من القضايا الكبيرة التي ستواجه هذا القرن الذي صار يعتمد على الذكاء الاصطناعي أكثر من العقل البشري، وأصبح كل يوم يتخلص من كثير من تقاليده القديمة إلى مجالات شبه مجهولة لا يعرف أحدٌ تأثيرها المستقبلي. على أنه من الواضح أن البشرية تسير في هذا الطريق المجهول بأقصى سرعة لديها.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. حامد الشراري

سأميلُ في تعقيبي أكثر إلى التعليم الإلكتروني (الرقمي) بحكم التخصص والعمل في جامعة تتبع نمط تعليم عالٍ جديد، من خلال أربع نقاط رئيسة، وهي على النحو التالي:

أولًا – خصائص مجتمع القرن الواحد والعشرين:

يعايش مجتمع الألفية الثالثة واقعًا متغيرًا جديدًا، يمتاز بالحراك المستمر وسرعة التغيُّر واتساع المفاهيم، علاوةً على أنه مجتمع متنوع وغير متجانس، يصارع سلسلة من الأزمات، والتي يبرز في ظلها أثر توجهات التكتلات الاقتصادية الكبيرة وقوة الإعلام والثروة المعلوماتية وثورة الاتصالات، حيث لم تعُد المعرفة سلطةً فقط، بل أصبحت أبرز مظاهر القوة مما يمنحها دورًا أكبر ومهمًّا في التنمية المستدامة. فمؤسسات التعليم العالي من جامعات وخلافه اليومَ تواجه مطالبَ عديدة، فرضتها عليها التطوُّرات العلمية والتقنية المتلاحقة والمتسارعة، وأصبح عليها – على الرغم من محدودية الإمكانات والموارد المتاحة لبعضها – مواجهة الإقبال المتزايد على التعليم العالي، والارتقاء بمستوى فعاليته وجودته؛ ليتماشى مع متطلبات العصر، ويفي باحتياجات سوق العمل وخُطط التنمية. واستجابةً لهذه التحديات، نحن بحاجة إلى أن نُغيِّر طريقة تفكيرنا وعملنا، الأمر الذي يفرض توفير نوعية تعليم وتعلُّم معينة من أجل التنمية المستدامة على جميع المستويات، وفي جميع البيئات الاجتماعية والجوانب الحياتية الأخرى.

ثانيًا- إحداث تغيرات جذرية في التعليم الجامعي:

من أجل تحقيق ومواجهة هذه التحديات والاحتياجات التعليمية، كان لا بد من إحداث تغيرات جذرية ونقلة نوعية في نظام التعليم الجامعي، بحيث لا يقتصر على نمط التدريس التقليدي داخل قاعات الدراسة، بل الاعتماد على نمط يستطيع توظيف التطورات الحديثة في الاتصالات وتقنية المعلومات، مع اتسامه بالمرونة والكفاءة والفاعلية، ويسمح بأن تصل مواده ومناهجه لطلاب الجامعة في أي وقت وفي أي مكان، نمط يمنح الطلاب القدرات والمهارات والمعارف الضرورية اللازمة لنجاحهم في الحياة الاجتماعية والوظيفية في عصر ثورة المعارف والتقنية والاتصال؛ لذا ومن هذا المنطلق تبنّت العديدُ من مؤسسات التعليم العالي – منها جامعات مرموقة في دول مختلفة – استخدام نمط “التعلُّم المدمج”، القائم على الدمج بين نمطي التعليم التقليدي والتعلم الإلكتروني، والذي أثبتت كثير من الدراسات فاعليته في تنمية كثير من القدرات والمهارات التعليمية لدى الطلاب. ولأهمية هذا التوجه والعمل على تحسينه؛ أصدرت مجموعة من منظمات مختصة (Virtual Learning Leadership Alliance and Quality Matters) نسخةً جديدةً ومطوَّرة من معايير التعليم الإلكتروني للمرة الأولى منذ 2011.

ثالثًا – الفجوة المهارية مشكلة عالمية:

الفجوة المهارية هي مشكلة عالمية لا تخصُّ مجتمعًا معينًا، فمجمل الدراسات والتقارير الدولية أشارت إلى هذه الفجوة، ووفقًا لتقرير أعدته اليونسكو لمؤتمر التعليم العالي العالمي 2009، هناك خمسة عوامل رئيسة تؤثر على التعليم العالي، هي: تأثير العولمة، ظاهرة التكتُّل، زيادة عدم المساواة في الوصول، زيادة حركة أو تنقل الطلاب، ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات.

وفي تقرير آخر أعدته مجموعة بوسطن كونسلتينج جروب (BCG)، الشريك المعرفي الرسمي لـ “القمة العالمية للحكومات” بعنوان: “مستقبل التعليم: دور الحكومات في سد فجوة القرن الحادي والعشرين”، حول التدابير الهيكلية الرئيسة لتعزيز التعليم التقني؛ حدَّدت ثلاث ركائز أساسية لأهم المهارات الواجب توافرها لدى الطلاب من أجل تطوير قدراتهم وكفاءاتهم في القرن الـ 21:

  • تعلُّم المهارات الأساسية، الذي يعكس المهارات الأساسية الواجب استخدامها في المهام اليومية، وتعلُّم الأساسيات الرقمية والعلمية.
  • الكفاءات، على الطلاب تعلُّم المهارات التي تُمكِّنهم من غرس قدرات التفكير الرئيسة لمواجهة التحديات المعقدة، كالتفكير النقدي والاتصالات والتعاون.
  • الصفات الشخصية، التي تساهم في خلق نهج مُخصَّص لتعزيز القدرة على التكيُّف، وتطوير مهارات المبادرة والمثابرة في بيئة متطورة.

وفي ورشة عمل أُقيمت الأسبوع الماضي بعنوان “التحول الرقمي في الجامعات السعودية”، أشار أحد المتحدثين إلى أن الشهادة الجامعية لم ولن تكون مطلبًا لكثير من الشركات العالمية، وأن المهارات التي يمتلكها المتقدِّم للوظيفة هي الفيصل في التوظيف؛ منها على سبيل المثال: شركة Apple ، وشركة Telsa. لذا، فتطوير الكوادر البشرية من خلال التركيز على اكتساب المتعلم مهارات التعلُّم الذاتي والتعاوني، ودمجه في نشاطات تربوية صفية ولا صفية مما يؤدي إلى زيادة ثقافته في مجال التقنية والاتصالات وتوظيفها في عملية التعليم والتعلُّم – أصبح مطلبًا مُلحًّا لمتطلبات الألفية الثالثة.

رابعًا – تصورات (سيناريوهات) جامعات المستقبل:

خلص تقرير منشور إلى مجموعة تصورات رئيسة عن مستقبل الجامعات في عام 2030، والذي هو نتيجة لتوقعات قيادات بعض الجامعات الأمريكية عن ماهية الجامعات في عام 2030، والمرتكز الرئيس للتقرير هو عن كيفية تحقيق توازن صحيح بين التقنية والاتصال البشري، وأبرز تلك السيناريوهات (التصورات) هي:

  • التصوُّر الأول: أن التطور الذكي المذهل في التقنية (الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي) سيجعل الآلة الذكية تحل محل الإنسان في الوظائف والمهن. لذا، فأصحاب هذا التصور يذهبون كثيرًا إلى أنه لن يكون هناك طلاب يتلقون التعليم في الجامعات، وبالتالي لن يكون هناك مستقبل للجامعات في عام 2030.
  • التصوُّر الثاني: هذا التصور عكس التصور الأول، فمضمونه أن العملية التعليمية في جامعات المستقبل ستعود مرة أخرى إلى الأسلوب التقليدي من خلال التوسُّع في أسلوب “المحاضرة” بعد أن كانت تقنيات التعليم الجديدة أزاحتها من الطريق، وانتشر بدلاً منها أسلوب “الفصل المقلوب أو المعكوس”، والمقصود به هو قلب مهام التعلُّم بين المعلم والطالب، بحيث يقوم الطالب بدور المعلم، والمعلم بدور الطالب. مع تأكيد أصحاب هذا التصور أنه لن يُهجر التعليم الإلكتروني.
  • التصوُّر الثالث: يطرح مُتبني هذا التصور بأنه عام 2030 سيحدث نقلة في تطوير أساليب تقويم الطلاب وعدم الاعتماد فقط على ما تلقَّاه الطالب من معلومات؛ بمعنى أنه لن يستمر الأسلوب الحالي في تقويم الطلاب عن طريق اختبارهم فيما درسوه، إنما فيما لم يدرسوه بحيث تُعرَض عليهم مواد جديدة وغريبة خارج المنهج الدراسي ويُطلب منهم تحليلها ونقدها وتوضيح ما يمكن استخراجه منها، أي يكون الاختبار هو قياس لقدرة الطالب على الفهم والاستيعاب والتحليل بدل استرجاع ما تمَّ تلقينه لهم والمخزَّن في ذاكرتهم.
  • التصوُّر الرابع: هذا التصور يعتمد على تعاظُم التقنية الرقمية وتأثيرها في التعليم، وإتاحة التعليم الجامعي والعمل بالجامعات إلى أقصى مدى. ففكرة هذا التصور أن الآلة الذكية ستحل محل أعضاء هيئة التدريس، وأن مفهوم الحرم الجامعي الواحد سيختفي، وأن تقسيم العام الجامعي إلى فصلين دراسيين سيتحول إلى نظام للتعلُّم على طول العام.

جزء من هذا التصور نرى أنه متحقق بالجامعة السعودية الإلكترونية التي افتُتحت عام 2011؛ حيث إنَّها تهتم في جوهرها بسدِّ فجوة المهارات المستقبلية، إذ إنها تعتمد بشكل كبير على التقنية من خلال توفير بيئة قائمة على تقنيات المعلومات والاتصالات والتعلُّم الإلكتروني والتعليم المدمج، إضافةً إلى تقديم التعليم العالي والتعلم المستمر والتعلم مدى الحياة، وتمنح درجات علمية في برامج وتخصصات متوائمة مع احتياجات سوق العمل ومُلبية لمتطلبات التنمية والتعلُّم مدى الحياة، وأكثر مرونةً لتعلُّم الطلاب العاملين، وفسحة أكبر للتعلُّم الذاتي، مع انتشارها في غالب مناطق المملكة العربية السعودية؛ وهو ما يجعلها تحوز قصب السبق في ممارسة أساليب التعليم الجامعي القادم.

لعل تعقيبي سلَّط الضوءَ على بعض الأسئلة المتناثرة في ثنايا الورقة النوعية التي طرحها د. النعيم، وإعطاء بعد آخر في مناقشة هذه القضية؛ لكن يبقى السؤال الأهم: هل تصمد الجامعة التقليدية في ظل ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات التي نعايش إرهاصاتها؟

  • التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان:

استهل د. مشاري النعيم الورقة الرئيسة بسؤال مركزي حول الهدف من التعليم الجامعي؛ وما إذا كان لغرض سوق العمل وسد احتياجاته من المؤهلين، أم أنه لصناعة الأفكار التي تُحدِث التغيير المنشود في المجتمع في ظل التسارع التقني الذي يجعل ما نقوم به ونمتلكه اليوم قديمًا وعديم الفائدة. هل نريد مؤهلين للعمل أم نريد أفكارًا جديدة؟

الإجابة الكسلى لهذا السؤال ستكون للاثنين؛ أي تهيئة الخريجين لسوق العمل وصناعة الأفكار، إلا أن المعضلة التي تواجهنا ستكون في سوق العمل المتغير، والذي يصعب التكهُّن بما يريد في ظل عدم مواكبة الجامعات وبالسرعة المطلوبة لمتطلبات هذا السوق الذي يفرض شروطه دون سابق إنذار. وليس الأمر كذلك فحسب؛ فحتى لو سلَّحنا الخريجين بكل ما هو جديد ومبتكر، فإن جديدهم هذا سيبلى بعد فترة من الزمن؛ بسبب التقدم التقني المذهل، وتقلبات سوق العمل، وبروز مهن جديدة.

وتتفاقم الأزمة (التعليم الجامعي) عمومًا، وستتضح معالمها عندما تكون أغلب الجامعات (قطاع عام) تُسيِّرها البيروقراطية الحكومية البطيئة وليس “مبدأ الربح” كما هو الحال عليه في الجامعات الخاصة التي تستطيع أن تُغيِّر من هياكلها وتوجهاتها وتخصصاتها في أوقات قياسية، بل وتحت وطأة التغير تستغني عن بعض طواقمها غير المفيدين من الأساتذة والفنيين دون أدنى شعور بالذنب، طالما أن السوق هو “الوثن المقدس” الذي تسعى لإرضائه.

تطرح الورقة كذلك مأزقًا آخر، يتمثل في دور التقنية في خلخلة العملية التعليمية في الجامعات، ومن ثَمَّ فقدان وظيفتها بسبب توفُّر المعلومة بطرق جديدة ومبتكرة؛ ما يعني فقدان الجامعة وأساتذتها للكثير من المهام التي يقومون بها في العملية التعليمية؛ بل إن الأمر يطال الجامعة كمبنى ورمز تعليمي، وذلك في ظل التوسُّع في التعليم عن بُعد والتعليم الإلكتروني والتعليم الذاتي الذي لا يحتاج إلى كل هذه المباني والمعامل والمرافق، وإلى هذا العدد الغفير من الأساتذة والموظفين، الذين – وحسب هذا المفهوم – يشكلون عبئًا ماليًّا على العملية التعليمية.

ماذا تفعل الجامعات والحال كذلك؟ هذا هو السؤال المحوري الذي لم تُجب عنه الورقة الرئيسة. وفي الواقع ليس لديَّ إجابة محددة، لكنه يُفترض أن نُغيِّر من مفهوم التعليم الجامعي بحيث يُصبح مرنًا بدرجة كبيرة، بل ومستمرًا مع الطلبة حتى بعد تخرُّجهم؛ وذلك لكي يتمكن الخريج من ملاحقة الجديد من خلال دورات قصيرة (أسبوع وربما أقل من ذلك)، بحيث يصقل خبراته العملية بمعلومات جديدة. أيضًا، يُفترض أن يقلَّ عدد سنوات الجامعة إلى ثلاث سنوات، ويكون التركيز فيها على اكتساب المهارات أكثر من اكتساب المعلومات، وخاصة في الكليات العلمية ذات الجانب التطبيقي، وأن ترتبط التخصصات بما هو سائد في سوق العمل.

مع ذلك، سنواجه معضلةً أخرى، وهي ماذا نفعل بالكليات الإنسانية التي لا ترتبط مخرجاتها بسوق العمل بصورة مباشرة؟ لست مع الرأي بإغلاقها بالطبع، ولكن مع هيكلتها، ودمج بعض التخصصات المتقاربة، والأخذ بمبدأ الدراسات البينية أو ما يُسمَّى interdisciplinary، والحد من أعداد الملتحقين بها وذلك في التخصصات ذات الطبيعة الفكرية، مع ضرورة تعميم مفهوم التخصصات البينية لزيادة حصيلة المتعلم وفتح آفاقه أمام عدة احتمالات، وهو ما يساعده على النظر للأمور من عدة زوايا.

ولا بأس أن يلمَّ المتخصص في العلوم الإنسانية والفكرية بتخصص فرعي علمي حسب قدرته، ليكون لديه مرونة كافية للعمل في أكثر من مجال بحيث لا تكون الشهادة في التخصص الإنساني عائقًا في الحصول على عمل حسب متطلبات سوق العمل المتغيرة.

يجب أن يتسم التعليم الجامعي بالمرونة الكافية بحيث يُوفِّر للمتعلم عدة فرص في الوقت ذاته، كما يُفترض إعادة النظر في المقررات كل ثلاث أو أربع سنوات، وتغييرها حسب متطلبات سوق العمل والتقدُّم التقني.

  • المداخلات حول القضية:
  • واقع التعليم الجامعي في المملكة:

أشار د. صدقة فاضل إلى مجموعة من الملاحظات حول واقع الجامعات السعودية على النحو التالي:

  • فيما يخصُّ البحث العلمي: ما زال الإنتاج البحثي العلمي لجامعاتنا دون المستوى المأمول، كمًّا وكيفًا. فلم يحظ هذا الجانب من نشاط الجامعات بما يجب أن يناله من اهتمام. يقول وزير التعليم د. حمد آل الشيخ: إنَّ ما تمَّ إنفاقه على البحث العلمي من قِبل الجامعات الحكومية لا يتعدى 100 مليون ريال، في الوقت الذي رُصِد فيه للبحث العلمي مبلغ مليار ريال! ولا بد، والحالة هذه، من حثِّ الجامعات للاهتمام أكثر بهذا الجانب من النشاط الأكاديمي، وتقديم حوافز لها؛ كي تُعطي البحث العلمي اهتمامًا يوازي اهتمامها بالتدريس، على الأقل.
  • فيما يتعلق بالارتباط بسوق العمل: نسمع ونقرأ دعوات لجَعْل مخرجات الجامعات متناغمةً تمامًا مع «متطلبات» سوق العمل، أي تخريج موظفين وعاملين يقومون بالعمل المتقن فورَ تخرُّجهم في الجامعات، وتلك حجة يستخدمها البعض لصرف النظر عن شُح الوظائف والأعمال، وتبرير البطالة المتأصِّلة؛ ومع ذلك، فهي مطلب مقبول ومنطقي، ولكن يجب ألا يكون مطلبًا مطلقًا وإلا تمَّ إلغاء فكرة الجامعة من جذورها. فالجامعة هي معقل العلم والثقافة والمعرفة بكل فروعها، ويُفترض أن تُخرج متعلمين ومثقفين في مجالاتهم. والخريج الجامعي يسهل (نسبيًّا) تهيئته لأداء معظم الأعمال، بقدر قليل من التدريب، يخضع له قبل تولي مهمته. وهذا لا يمنع من التركيز على التخصصات التي يحتاج إليها المجتمع أكثر من غيرها، وإعطائها الأولوية من الاهتمام. أما أن نخضع كلَّ مخرجات الجامعات لما يطلبه «سوق العمل»؛ فإن ذلك ليس في صالح أي طرف، بما في ذلك سوق العمل.

في حين ترى د. فايزة الحربي أنه وبخصوص الجانب المتعلق بدور التعليم الجامعي في صناعة الطالب للفكر أم لسوق العمل؛ فالاعتقاد أن العلاقة بينهما متكاملة ومتلازمة، ومتى ما غُيِّب أحدهما ضعُف المخرج التعليمي، ويمكننا مساندة الجامعات بالمعاهد التدريبية المكثَّفة في كلِّ تخصص كجزء رئيس من الخطة الدراسية، أو فتح مسارين لبعض التخصصات التي تتطلب جوانب مهارية، ليختار الطالب أن يكون من خريجي القسم النظري، وهو مجال يسعى للبحوث والدراسات في تخصصه، ومجال عملي يمارس فيه جميع الممارسات العملية التي يتطلبها سوق العمل في مجال تخصصه.

وأشار د. يوسف الرشيدي إلى أن الجامعات في كثير من الدول ومنذ تأسيسها تتبنَّى أحد توجهين؛ الأول: أن تكون تطبيقية عملية تُعنَى بالسوق ومتطلباته واحتياجاته والتعاطي معه في تطوير التقنية العملية والإدارية وغيرها من تخصصات من خلال المشاريع المشتركة كالتدريب، وتطبيق مناهج عملية من السوق وما يدور في السوق من تطبيقات مبنية على نظريات أُنتِجت في جامعة ما أو في شركة أو كلتيهما معًا، وهذا النوع من التعليم مهمٌّ جدًّا، ويعتبر الأهمَّ والأكثر طلبًا لجميع الاقتصادات، الناشئ منها والمتقدم. والتوجُّه الآخر أن تكون الجامعة بحثيةَ التوجه علميةَ المنتج البحثي، تركز على الإسهام المباشر في إثراء الجانب النظري كثيرًا والتطبيقي قليلًا، وهذا التوجُّه جيد ولكنه لم يعُد مطلبًا ملحًا، وخاصة أن التوجُّه العملي وبعلاقته الوطيدة بالسوق استطاع أن يلغي الفجوة بين النظرية والتطبيق ويجهز الشباب للسوق، وفي الوقت نفسه يكون مصدرًا للحلول الاقتصادية والعلمية وغيرها؛ كونها تتعاطى مع الواقع ومشاكله أكثر من التنظير البحت، وإنْ كانت تعتمد على النظرية كونها الأساس ولكن ليست محط الاهتمام الأكبر. وبعض الجامعات تحاول التوفيق بين هذا وذاك، ولكن قطعًا لن يكون لها ذلك الأثر، وهذا للأسف الموجود لدينا في المملكة؛ فكل جامعة تعمل على أن تكون تطبيقيةً ومواكبةً ومُسايرةً لسوق العمل وحاجاته، وفي الوقت نفسه تُنشِئ الكراسي البحثية على اختلافها وتُنفق الأموال الطائلة، وفي النهاية لم نرَ أثرًا واضحًا في تعزيز علاقة المناهج ومخرجاتها وسوق العمل، ولم نرَ إنتاجًا بحثيًّا يُرتكز عليه.

وعقَّبت د. وفاء طيبة على ما ذكره د. خالد الرديعان حول الكليات الإنسانية، حيث ترى أنَّ مشكلة الكليات الإنسانية الأساسية هي عدم الاعتراف بها وبدور خريجيها في كل منظومة ابتداءً من الشخص نفسه كفرد إلى الأسرة وإلى منظومات وأدوار أكثر تعقيدًا؛ سياسية وأمنية وصحية، وفي وزارة الداخلية والخارجية ومؤسسات القطاع الخاص. فالواقع أن خريجي العلوم الإدارية وعلم النفس والاجتماع والخدمة الاجتماعية، وحتى التاريخ، متواجدون في الغرب في جميع المؤسسات ويُشاركون في التخطيط لهذه المؤسسات على اعتبار أنَّ مَن يعمل فيها ويخدمها والهدف النهائي لها هو الإنسان، وذلك رغم أن الغرب في معظمه دول رأسمالية ويهمُّها المادة والاقتصاد. أما بالنسبة للتساؤل المحوري في الورقة الرئيسة حول وظيفة الجامعات، فالاعتقاد أن الجواب هو أنَّ على الجامعات تخريج ما يحتاج له سوق العمل وكذلك المفكرون، بل هي وسيلتنا لتخريج المفكرين والمبدعين والمُجدِّدين في مجالات التعليم الجامعي، ولكن مع الأسف فالهدف من التعليم الجامعي في كثير من الأحيان في ذهن الطالب هو الحصول على الشهادة؛ ولذا نجد أن ما نفتقده في التعليم عمومًا والتعليم الجامعي هو تعليم مهارات التفكير العليا وتغيير المناهج وطرق التعليم والقياس، للقيام بهذه المهمة، فهي التي تُهيِّئ الإنسانَ للتغيرات التي لا يتوقعها، وفي الوقت نفسه تُهيِّئه لأنْ يكون مُغيِّرًا ومُجدِّدًا ومُبدِعًا في مجاله، وجزءًا فاعلاً من الحركة التطويرية.

وأكَّد د. عبد العزيز الحرقان أن للجامعات دورًا أصيلًا في البحث العلمي المرتبط بالتعليم أو التدريس الجامعي. ويُشكِّل الطلاب مع الأساتذة فِرق عمل للبحث وبناء المعرفة. وتتشكل من هذا أحيانًا شراكة لنقل نتائج البحث العلمي إلى السوق، مثلما حصل مع مؤسِّسي جوجل الذي حصل أستاذهما على حصة من شركتهم الوليدة نظيرَ إشرافه على المشروع، وكذلك الجامعة لأن المشروع كان بناءً على بحث الدكتوراه. ويُقدَّر ما حصلت عليه الجامعة حينما طرحت جوجل للاكتتاب بـ٣ مليارات دولار. وفي المملكة تمنع أنظمة الخدمة المدنية أن يتشارك الأستاذ الجامعي في المنشأة التجارية المستثمرة في نتائج بحث أو اختراع. كما أن سياسة الملكية الفكرية لنتائج البحوث العلمية والاختراعات في الجامعات تُقيِّد ذلك بشكل كبير.

ومن وجهة نظر م. إبراهيم ناظر، فإن نتائج التعليم الجامعي خلال الفترة السابقة غير مرضية؛ لا من حيث صناعة الفكر وتوليد المعرفة، ولا من حيث التوافق مع سوق العمل باستثناء بعض مخرجات جامعات محدَّدة (جامعة الملك فهد للبترول والمعادن) وبعض كليات محدَّدة في بعض الجامعات، وليس كلُّ من حمل شهادة جامعية عليا صانعَ فكر ولا مُنتِجًا للمعرفة، والعبرة في الجودة وليس في عدد حملة الشهادات العليا، وإستراتيجية العلم من أجل الرفاهية العلمية والبريستيج الاجتماعي الذي سارت عليه وزارة التعليم العالي أغلب السنوات الماضية ليس لها مردود علمي أو اقتصادي. إنَّ ما صُرِف على البحث العلمي عن طريق مدينة الملك عبد العزيز والجامعات السعودية فيما سُمِّي بالخطة العلمية لنقل التقنية على مرحلتين، كل مرحلة خمس سنوات؛ الأولى تقريبًا سبعة مليارات، والثانية ثمانية مليارات مباشرة من وزارة المالية في أحد عشر موضوعًا علميًّا، وذلك ابتداءً من حوالي عام ١٤٢٥هـ، وهذا إضافة إلى ما صُرف على الكراسي العلمية؛ ومع ذلك لا يزال الصرف على البحث العلمي قليلًا.

وأشارت د. عبير برهمين إلى بعض الملاحظات حول بعض ما ورد في الورقة الرئيسة والمداخلات حول واقع التعليم الجامعي والتحديات التي تواجهه على النحو التالي:

  • دور المعلم أو عضو هيئة التدريس ليس مُلقِّنًا للمعلومات وليس هو المصدر للمعلومة كما في السابق، دوره اليوم هو مُحفِّز ومُيسِّر للمعلومة ومُدرِّب وقدوة. وللأسف، ما زال عددٌ كبيرٌ من أعضاء هيئة التدريس يعتقدون أن دورهم هو التلقين والتصرُّف على أنهم هم فقط مصدر المعلومة، وهنا تكمن المشكلة.
  • الصف المقلوب لا يعني أن الطالب يأخذ دورَ المعلم فيقوم بدوره، وإنما يعني تقديم المادة العلمية أو الدرس إلكترونيًّا أو كمادة مطبوعة ليدرسها الطالب، ومن ثَمَّ يتم مناقشتها في الصف لاحقًا.
  • ما يُشاع بأنَّ ميزانية البحث العلمي المرصودة هي مليار ريال. أتساءل: لماذا إذًا يكون تمويل البحوث العلمية شحيحًا ومُعقدًا؟ ولماذا اختفت المبالغ البسيطة التي كانت تُخصَّص لبحوث التخرُّج؟
  • إن مهمة الجامعات هو تأهيل الطلبة أكاديميًّا ومهاريًّا وبحثيًّا وأخلاقيًّا، كيف ذلك وأغلب جامعاتنا للأسف تُركِّز على تلقين المعلومة واعتماد التعلُّم السطحي باعتماد الحفظ دون الفهم أو التطبيق؟! ولأنَّ المعدل التراكمي هو الأهم في مفاضلات الدراسات العليا أو التوظيف؛ نجد أن الطلبة لا يكترثون لشيء سوى الحفظ وإفراغ ما حفظوه في ورقة الاختبار، ومن ثَمَّ نسيانه. وهنا يقع اللوم على (نظام التعليم وفلسفته، ونظام العمل والتوظيف). أغلب الاختبارات تركِّز على تقييم جزء من كل؛ فهي تخصُّ المعلومات على حساب المهارات والكفايات والأخلاقيات المهنية. KSA يجب أن تتناسب نسبها مع نوع وتخصص الكلية.

K= Knowledge

S = skills

A = Attitude

فقد تكون نسبة إحداها أكبر من الأخرى، إلا أنها لا بد أن تتوافر في كل المخرجات.

ويرى أ. فهد الأحمري أن الجامعات تقوم على أسُس أو أهداف ثلاثة: سوق العمل، والبحث، وخدمة المجتمع، والجانب الأخير يبدو أن هناك تقصيرًا فيه، ولا سيما في جوانب حياة الناس العامة، فلم نشاهد إعلانًا لجامعة تُقدِّم خدمةً في الأحياء وأماكن تجمعات الناس. كما أن أعضاء هيئة التدريس في شبه غياب عن الخدمة المجتمعية سواء في العالم الافتراضي أو الواقعي.

وعقَّبت أ. فائزة العجروش على ما طرحه أ. فهد الأحمري بأنه توجد نسبة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس من جامعات المملكة المختلفة ممَّن يساهمون في الخدمة المجتمعية متطوعين؛ لذا فإنَّ التعميم هنا فيه ظلم وتجنٍّ على هذه الفئة الغالية التي تُعلِّم أجيالًا وأجيالًا، وتسعى لنهضة وتنمية وتدريب الثروة البشرية المتمثِّلة في طلابنا وطالباتنا.

وفي سياق متصل، يعتقد د. سعيد العمودي أنَّ الجامعات السعودية “مختلفة” و” متزمتة” عن الجامعات في دول العالم الأخرى، على الأقل أمريكا وبريطانيا، وذلك في ناحية  interdisciplinary ” تداخل التخصصات”، وبالتالي لدينا في الجامعات تقديسٌ كبير لامتداد التخصص، وينتج عن ذلك ضعف في الإبداع والابتكار؛ لأن الشخص الذي يدرس مجالًا واحدًا ويقرأ فيه فقط  ستضعف لديه ميزة الربط والاستنتاج والإنتاج لأفكار متجددة. في أمريكا مثلاً، كليات القانون هي للدراسات العليا فقط، ولا يوجد فيها برامج بكالوريوس، ومع ذلك تجد كثيرًا أستاذ القانون قد درس البكالوريوس في الاقتصاد ثم درس القانون، ثم دكتوراه فلسفية PhD في الاقتصاد أو إدارة الأعمال، ولا سيما في كليات القانون العشر الأولى في التصنيف؛ ولذلك يدرِّس مادة (القانون والاقتصاد) أستاذ متخصص فيهما، وكذلك مادة (تاريخ القانون) يدرِّسها مُتخصِّص في التاريخ والقانون. ومن النماذج التي تُبرز روعةَ تداخل التخصصات اكتشافDNA ، كان نتيجة تداخل تخصص الطب مع الفيزياء. “زها حديد” درست الرياضيات في البكالوريوس، وبعدها أخذت دبلوم العمارة! وأصبحت من أشهر المعماريات في العالم، وربما في التاريخ.  كذلك “ماري كوري” حازت على جائزة نوبل في تخصص الفيزياء، ثم حازتها مرة أخرى في تخصص الكيمياء! والتصوُّر أنه لو كان في مرحلة من مراحل الدراسة الجامعية تشجيعٌ لتداخل التخصصات فسيكون له إثراءٌ رائعٌ في التخصص، وقدرة على تشجيع الابتكار في العلوم والمعارف.

واتفق د. حامد الشراري مع ما تقدَّم، وأضاف أنه قد يكون أحد عناصر جامعة المستقبل هو التزاوج بين التخصصات؛ فالنانو مثلاً هو خليط بين الفيزياء والإلكترونيات والكيمياء والأحياء والطب…، وكذلك التقنية الحيوية والميكاترونيكس الذي هو مزيج بين الهندسة الكهربائية والميكانيكية والحاسب. أيضًا، نحن مُقبِلون على تخصصات جديدة، منها ما له علاقة بالثورة الصناعية الرابعة. إذًا، على جامعتنا الاستعداد لهذا المستقبل ومواكبته والسير في ركبه. كذلك، فإن هذا التوجُّه المستقبلي والمبني على تزاوج التخصصات سيسمح بالتوصل إلى حلول مبتكرة للمشكلات الوطنية والمجتمعية الكبرى، والتي تُشكِّل تحديًّا مستقبليًّا لوطننا، مثل الطاقة والمياه والتصحر… إلخ.

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أننا اليوم نعيش متغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية، متغيرات مذهلة للغاية، والمفترض أن يتأقلم ويواكب كل مجتمع المتغيرات التي تنشأ داخله، التعليم الذي يعَدُّ أحدَ أسُس بناء الإنسان هو الآخر عنصر أساس لا بد أن يكون مواكبًا للمتغيرات تحديثًا وتطويرًا حتى يكون بيئة تنمو وتزدهر بها العقول. والتعليم الجامعي كتعليم عالٍ متقدِّم، وأمام ما نُطالب به أن يكون تعليمًا مواكبًا لمتطلبات الحياة من سوق عمل واحتياجات اجتماعية، كما أن التعليم الجامعي مهما يُقال عنه من وجوب أن يكون رافدًا رئيسًا للتنمية، إلا أنه لا يمكن أن يُقدِّم كلَّ ما في وسعه من خدمات تعليمية طموحة، والسبب هو أن الهدف الرئيس لبناء الاحتياجات المجتمعية لا يتحقق من لدن قطاع وحده، فالتعليم الجامعي أو حتى التعليم العام يظلان مسارين مؤسَّسَينِ لأهداف محددة؛ ولهذا لا بد من أن يتحقق بجانبهما تعليم موازٍ يجعل منهما مسيرةً تعليمية مكتملة، والقصد من ذلك أن هناك تخصصات تعليمية وتدريبية قد لا يمكن النيل منها من خلال تعليم عالٍ وعام فحسب؛ ولهذا فإن توافر معاهد تعليمية وتدريبية تعَدُّ مسلكًا تعليميًّا وتثقيفيًّا واجبَ الإتيان بها، نحن في الواقع في المملكة نفتقد وجود معاهد تعليمية وتدريبية متخصِّصة تخدم بناء الإنسان من ناحية، وتدعم سوق العمل من ناحية أخرى، وفقدان هذه المعاهد على أرض الواقع جعَل منَّا على الدوام نُطالب الجامعات بضرورة تحديث وتطوير مخرجاتها بما يتواءم ومتطلبات السوق، صحيحٌ أن الجامعات مُطالَبة أن تواكبَ الاحتياجات والمتغيرات المجتمعية، إلا أن ذلك لا يعني أن تتسق مناهجها أمام ما يُفترَض أنْ تقدِّمه المعاهد المتخصِّصة، والتي تعَدُّ مخرجاتها مهنيةً أكثرَ منها علمية وأكاديمية. وبالقطع، فقد تأخَّرنا كثيرًا في إنشاء معاهد متخصِّصة تفي بالاحتياجات في الماضي والحاضر، ولا يمكن القول إن كليات التقنية كانت ملبيةً لمتطلبات سوق العمل؛ بل العكس، فقد أصبحت كليات التقنية وكأنَّها منافسٌ للجامعات؛ أي جعلت من نفسها كليات كمثل الكليات الجامعية.  والاعتقاد أنه لا بد من مبادرة الجهات المختصة في التعليم من إنشاء معاهد عليا ذات تخصصات متعددة، وهو يُفترض ما نسعى إلى تحقيقه نحو رؤية المملكة 2030.

وترى د. هند الخليفة أن مؤسسات التعليم العالي لدينا تفتقد إلى تطوير أساليب القيادة في كافة المستويات، إذ لا تزال المركزية عاليةً جدًّا في اتخاذ القرار والصلاحيات. إن قيادة التطوير والابتكار بحاجة إلى الانطلاق من فلسفة قائمة على الشراكة والمشاركة مع منسوبي الجامعات، وتبنِّي منهجية وأساليب للعمل تنطلق من هذه الفلسفة وتنتهي باتخاذ قرارات تنبع من المستفيدين، وتخدم احتياجاتهم الواقعية واحتياجات التطوير.

ويذهب د. مساعد المحيا إلى أن فلسفة التعليم في المقابل حريٌّ بها أن تنتزع حقَّها في إدارة طبيعة التعليم بدلاً من الاستسلام لاحتياجات سوق العمل التي يمكن القول إنها لا تتجاوز في أغلبها مخرجات دورات تدريبية ومهنية تبتعد عن صناعة المعرفة والقدرة على الاستقلال في البناء الوظيفي لفلسفة التعليم. وبالتالي، القلق من أن تتحول الأقسام العلمية وكأنها معاهد تدريب مرتبطة وملحقة بالشركات، تُفصِّل لها موظفين يتقنون ما تحتاجه في موظفيها من مهارات. وفي المقابل، فإن حالة التكلُّس والجمود التي تعيشها بعض الأقسام العلمية وبعض الأساتذة نتيجة الانفصال عن الواقع الممارَس في الحياة هو أحد العوامل المؤثرة في تحوُّل كثيرين نحو مشهد ضعف التعليم الجامعي، ومن ثَمَّ البحث عن بدائل تعتمد التقنية في الحصول على المعرفة والتعليم، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة جامعاتنا ومجتمعنا على إمكانية تقبُّل فكرة خصخصة التعليم فيها واستقلاليتها. فمن واقع الممارسة والتجربة العلمية داخل جامعاتنا، ثمة شك كبير في قدرتها على أن تُحقِّق حالة الاستقلال الإداري والعلمي.

وبدوره أكد د. خالد الرديعان على الصعوبات الإدارية والبيروقراطية في المؤسسات الجامعية، وضرب مثالًا لذلك بأن عَقْد مؤتمر أو ندوة في أي جامعة يستغرق الإعدادُ له عدة أشهر وأحيانًا أكثر من سنة للحصول على الموافقات اللازمة من عدة جهات؛ خاصة إذا لزم الأمر استضافة مشاركين من خارج المملكة؛ وذلك للتحقق من الأسماء وربما توجهاتهم. وهناك ما يشبه ذلك في إعداد بعض الرسائل العلمية (ماجستير ودكتوراه)، إذ يوجد لجان في كل كلية تُسمَّى (اللجنة الأمنية) تقوم اللجنة وعشوائيًّا بفحص بعض الرسائل قبل إقرار مناقشتها؛ وذلك للتأكد من أن موضوع الرسالة لا يتناول بعضَ الموضوعات. وهذه الموضوعات مبهمة للباحثين والأساتذة، بل واعتباطية. وباختصار، فالبحث غير مستقل ومحفوف ببعض العوائق؛ إذ يتحرى الأستاذ المشرف دائمًا ما يعتقد أنه قابل للبحث والتداول، ويترك بعضَ الموضوعات القابلة للبحث خشيةَ أن يتم رفضها. هذه العقلية الأمنية التي تتعامل مع البحث بهذه الصورة يُفترَض التخلُّص منها نهائيًّا حتى يتقدم البحث. أيضًا، فثمة خطوات كثيرة لاختيار موضوع البحث والموافقة عليه، ومنها:

  • يُعرَض الموضوع على لجنة الدراسات العليا بالقسم للموافقة.
  • بعد موافقة اللجنة أعلاه، يُعرَض الموضوع في مجلس القسم للموافقة.
  • بعد موافقة مجلس القسم، يُعرَض الموضوع على لجنة الدراسات العليا بالكلية (لجنة وكيل الكلية للبحث والدراسات العليا) للموافقة.
  • بعد موافقة لجنة الوكيل، يُعرَض الموضوع على مجلس الكلية للموافقة.
  • بعد موافقة الكلية، يُرفَع الموضوع إلى عمادة الدراسات العليا بالجامعة للموافقة النهائية.
  • إذا لم يكن هناك ملاحظات أو طلب تعديلات، فإن الخطوات السابقة تستغرق عادة ثلاثة أشهر (فصل دراسي كامل).

وهذا جزء صغيرٌ من تعقيدات العقلية البيروقراطية.

  • التحوُّل نحو التعليم عن بُعد والإلكتروني: أهميته ومحاذيره:

ذكرت د. فايزة الحربي بخصوص التعليم الافتراضي الممثَّل حاليًّا في الجامعة الإلكترونية، فالاعتقاد أنه سيحقِّق نقلةً كبيرةً في عالم التعليم الجامعي؛ كون إلزام الطالب بحضور الجامعة لم يعُد بتلك الأهمية طالما أنه يجد المعلومةَ والمحاضرة كاملةً ومن أستاذه، ويمكنه تكرار سماعها في أي وقت، ويواكب هذا التطور خصائص العصر الحالي؛ فالمهم وصول المعلومات للطالب وفق ضوابط تضعها الجامعة على طلابها وأساتذتها.

وبدوره أوضح د. حامد الشراري أن نمط التعليم في الجامعة السعودية الإلكترونية هو التعليم المدمج الذي يدمج التعليم الحضوري (face to face) بالتعليم الافتراضي (virtual) بنسب معينة.

ومن جانبه ذكر د. زياد الدريس أن التعليم العالي عن بُعد أصبح مُعترَفًا به على المستوى الدولي؛ فقد اعتمدته منظمة اليونسكو منذ سنوات، وبدأت تضع له التشريعات اللازمة. وقد شاركت المملكة بوفد رسمي في أحد الاجتماعات المختصة بذلك قبل ست سنوات تقريبًا.

بينما تساءل أ. محمد الدندني: كيف يكون التعليم في عالم افتراضي للتخصصات التي تحتاج المعامل والتجربة، كالطب والصيدلة والعلوم والهندسة؟ وفي هذا الإطار، تعتقد د. فايزة الحربي أن التعليم الافتراضي يتعلق أكثر بالمجالات النظرية، ويمكن طرح التجارب للاطلاع عليها كأفلام، ويتم التطبيق في أوقات محددة. ومن جديد، عقَّب أ. محمد الدندني بأنه يرى أن تفاعل الطلبة مع الأستاذ ومع بعضهم يفيد كثيرًا، وينتج عنه أفكار وإبداع أكثر. ربما وجدنا أنفسَنا مع روبوتات طبيعية تُنافس الروبوتات المصنَّعة.

لكن د. إبراهيم البعيز يرى أن أنماط التعليم عن بُعد والإلكتروني مأخوذة من دول أنجزت الواجبات التعليمية الأساسية، وتفرَّغت للتحسين والإضافات، ولا يعني نسخ نماذج أن النجاح سيأتي معها، وأكبر مثال على ذلك نقل فكرة الجامعة المفتوحة البريطانية – فإخراج التجربة من سياقها الثقافي هو أحد أسباب فشلنا في نقل التجارب الغربية الناجحة.

واتفقت د. عائشة الأحمدي مع ما طرحه د. إبراهيم البعيز، وأضافت أن هذه الدول التي أخذت بهذه الأنماط من التعليم، نسبة الأمية الثقافية والتقنية تكاد تلامس الصفر، ولغة العقل تكاد تسود في كل مناحي الحياة فيها، وهناك فارق كبير بين أوساطها المجتمعية، وبين مجتمعات تغلب عليها لغة العاطفة، وتتحكم فيها الشكليات، ويغلب تقديس الشهادات على العلم ذاته.

واتفقت د. نورة الصويان مع الرأي بتحوُّل الجامعة للصورة الإلكترونية الكاملة، فمن الممكن أن تكون مدمجةً بالصورة التقليدية المتعارف عليها والإلكترونية. والإشكالية في واقعنا المحلي أننا بحاجة لتأهيل كثير من الأساتذة الجامعيين معرفيًّا ومهاريًّا ليستطيعوا القيام بدورهم المفترَض منهم كأستاذ جامعي.

بينما في تصوُّر د. محمد الملحم، فإن المطلوب للقرن 21 أن يكون الطالب قادرًا على أن يتعلم بنفسه ليستطيع أن يعيشَ في مجتمع المعرفة، والذي سيكون أكثر تعقيدًا في المستقبل، ويحتاج إلى متابعة مستمرة وسرعة تعلُّم.

لكن وفي اعتقاد أ. محمد الدندني، فإن هذه نظرة متفائلة إنْ استطعنا أن نمسك بالمعارف والمعلومات والمهارات، ولكن التخوُّف أن نفلس منها فنفتقد بناء الفكر وشخصية المفكِّر. ويمكن الأخذ بها، لكن مع مراعاة أن هذا النوع من التعليم يحتاج الآتي:

  • مستوى عاليًا من أخلاق وقيم التعلُّم والأمانة العلمية.
  • مستوى عاليًا من المشرفين والأساتذة الذين يستطيعون أن يقيِّموا هذه التجربة.
  • مجتمعًا متقدِّمًا علميًّا وصناعيًّا، ولديه أساسيات البحث والتفكير والإبداع.

أما أ. د. عثمان العثمان فذهب إلى أن إحدى مشاكلنا هي البحث عن الحلول الشمولية التي نريدها أن تكون حلًّا سحريًّا، في حين أن سنَّة الله الكونية انتفاء الكمال المطلق. نريد المدارس أن تدرِّس كلَّ شيء، والجامعات أن تُغطي كلَّ بُعد من أبعاد الشخصية؛ المعرفة والسلوك والقيادة والمهارة… إلخ، نريد نمطًا تعليميًّا سالمًا من كل العيوب! لذلك يُحقِّق تعدُّد الأنماط التعليمية حاجات وظروفًا مختلفة، وتتكامل فيما بينها لخدمة المجتمع. والعبرة بالجودة، وتحقيق الأهداف، أيًّا كان النمط. ولا ننس أن هناك الدورات المتخصصة، والبرامج التدريبية المهنية، والشخصية التي تُعزِّز جوانب الضعف. ومن المهم أن نُعلِّم الطلبةَ مهارة التعلُّم الذاتي مدى الحياة؛ فالجامعة والمدرسة وغيرها لن تُعلِّمه كلَّ ما يحتاجه تمامًا. والتعلم مدى الحياة قيمة يجب زرعُها في الطلبة وتدريبهم عليها؛ سيحتاجونها حتمًا طوال حياتهم؛ سواء رجعوا للجامعة لدرجات أعلى، أو في دورات متخصصة، أو حتى بالتعلُّم الذاتي من كتاب أو مقطع يوتيوب أو محاضرة على موقع تعليمي أو غيره.

وفي اعتقاد د. حامد الشراري، فإن من سُنن الحياة التغيير والتطور، وعلينا أن نتقبله، وألا نكون حبيسين ما نؤمن به. لو نرجع أكثر من ألف سنة قبل أن تُعرف الجامعة وبعدها عند تكوين أول جامعة (ولادة فكرة الجامعة)، ونتابع المتغيرات عليها حتى عصرنا الحاضر حتى أصبحت الجامعة التقليدية كشيء مُنزَّل لا يمكن أن يطرأ عليه تغيير أو قابل للتغيير بشكل جوهري. ومن ثَمَّ، يكون التساؤل: هل التطوُّر في التقنية الذي نعايشه هو بداية عصر جديد لجامعات المستقبل الذي قد تتغير فيه مفاهيم وأساليب التعليم الجامعي الحالية، وقد يتم إلغاء الجامعة التقليدية ويخرج شيءٌ آخر نتيجة هذه التطوُّرات والمتغيرات؟

وتساءل د. محمد الملحم: هل يمكن أن نتصور يومًا ما في المستقبل تحوُّل كل جامعاتنا اليوم إلى جامعة إلكترونية؟ كيف سيكون شكل الحياة الأكاديمية؟ وما الذي سيتغير؟ وما الذي سنكسب؟ وما الذي سنخسر؟

ومن جانبه يرى أ. د. عثمان العثمان أن الجامعة الإلكترونية مثل بقية الجامعات، وتحت لوائح الجامعات وتقوم بنفس المهام (التدريس، البحث العلمي، خدمة المجتمع)، مع إدخال تجربة التعليم الإلكتروني إضافةً للتقليدي؛ فالعبرة بالجودة لا بالنمط.

وفي تقدير د. مساعد المحيا، فإن التعليم الإلكتروني أو الافتراضي يظلُّ أحدَ الحلول التي تتيح فرصًا تعليميةً متنوعةً لمَن لا تسمح لهم ظروفهم بالحضور المباشر والالتزام بذلك، لكن المبالغة في التوجُّه لهذا النمط سيقضي على إمكانية الإبداع والتعلُّم القائم على طبيعة الاتصال الشخصي والجمعي، وسيُجذِّر في مجتمعاتنا المحلية أن تتحول لنمط التعامل مع التعليم على أنه قناة للوصول للوظيفة أكثر من كونه بناءَ شخصيات وقدرات وكفاءات.

وأشار د. خالد بن دهيش إلى أن منظمة اليونسكو سبق وأن ركَّزت في مؤتمراتها بدءًا من عام ١٩٩٨ على مبادئ وآليات مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين في مجال التعليم العالي، فوضعت أربعة مبادئ لتطوير التعليم الجامعي لمواجهة هذه التحديات، هي:

  • الحداثة – updating
  • التكييف – Adaptations
  • المرونة – Flexibility
  • الارتباط – Rlexibility

فالجامعات في الوطن العربي عامة ومملكتنا خاصة مطالبةٌ بالانتقال من الممارسات الإدارية والأكاديمية التقليدية إلى التجديد والإبداع وآفاق التطوير والإصلاح الإداري والأكاديمي؛ للانتقال إلى الآفاق المستقبلية وإلى متطلبات القرن 21 بكل تجلياتها لمقارعة الجامعات العالمية في المستوى الذي وصلت إليه لتكونَ مخرجاتها من البحوث والدراسات ومن الطلاب الذين يستطيعون العمل في سوق متطور ومتسارع، ويحتاج إلى كفاءات متمكنة تملك ملكات الإبداع والتجديد في عالم متسارع ومتطور يحتاج لمتابعة عالية لاحتياجات هذا السوق. ويحتاج كذلك إلى طلاب متسلحين بأحدث المعارف والعلوم والثقافات. فالجامعات بحاجة إلى إدارة إستراتيجية، وتخطيط إستراتيجي، وبرامج وميزانيات ونظم إدارة بالأداء. لذلك، فإن العديدَ من الدول اتجهت إلى أساليب ونظم غير تقليدية في مؤسسات التعليم العالي، لا تعتمد على الالتزام بالأساليب التقليدية، فأحدثت في نظُمها الجامعات المفتوحة، وجامعات التعليم عن بُعد، وجامعات البرامج العالمية (من خلال طرح البرامج العالمية الفعَّالة في تبادل الطلبة والأساتذة والبحوث والمشاريع)، والجامعات المبدعة (التي تحوَّلت من حفظ المعرفة ونقلها إلى إنتاجها وابتكارها، واستبدال الصف الدراسي إلى الورش وانتهاج مبدأ التحالفات الإستراتيجية مع مؤسسات الإبداع)، والجامعات المتكاملة (التي تمتلك شبكةً عالمية حقيقية وافتراضية في مجال البحوث والدراسات والاكتشافات مع جامعات مماثلة)، والجامعات الافتراضية (الإلكترونية) المشار إليها أعلاه.

من جانبه يرى د. سعيد الغامدي أن مهام الجامعة الرئيسة والمتعارف عليها عالميًّا هي التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع. ولا يمكن لأي جامعة أن تخرج عن هذه المهام الثلاث مهما تطوَّرت أو تغيَّرت أساليب التدريس أو تمَّ استخدام التقنية الحديثة ووسائل الاتصال، التي جعلت الجامعات في مختلف أنحاء العالم تبرز في جانب وتخفق في جانب آخر من الجوانب السابقة؛ بل بالعكس، فإن استخدام التقنية الحديثة في المجالات السابقة سيساهم بدون شك في تجويد مخرجات التعليم والتعلُّم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، ومن ثَمَّ رَبْط الجامعة بالمجتمع بشكل أكبر وأوثق. فلو أخذنا التدريس كأحد تلك المحاور، نجد أن الأستاذ الماهر هو الذي يجمع بين الأسلوب التقليدي في التدريس من خلال المحاضرة المباشرة التي تركِّز على المفاهيم والمعارف، على أن يعزِّز المفاهيم المطروحة بما هو موجود من منتجات إلكترونية تساهم التقنية في إنتاجها أو جلبها.  كذلك لا غنى لمعلم اليوم عن أسلوب التعليم المقلوب أو قلب واقع الفصل Flipped classroom/ Flipped Learning ، بحيث يمكن للطلاب قضاء المزيد من الوقت في التفاعل مع زملائهم تحت إشراف الأستاذ وتوجيهه. يُضاف إلى ذلك ربط التدريس بالواقع من خلال الإشراف على تدريب الطلاب في المجالات المختلفة التي درَسها، وعندها سيتخرج الطالب وهو مُلِمٌّ بكل ما هو مفيد ومرتبط بشكل كبير بالواقع. أيضًا، يمكن القول إن الجامعة جسد أصيل في البحث العلمي والاكتشافات المختلفة، حيث نرى أن معظم المنتجات المحيطة بنا خرجت من مختبرات ومعامل الجامعات في مختلف دول العالم، قام بها علماء وباحثون بارزون، وهنا نؤكِّد على أن الإفادة من التقنية الحديثة لا يتعارض أبدًا مع هذا التوجُّه، بل يُعزِّزه ويخدمه بشكل رائع. وينطبق هذا على ما تقوم به الجامعة في خدمة المجمع، فالجامعة ستُصبح البوابةَ الفاعلة في خدمة المجتمع من خلال ما تُقدِّمه لمجتمعها من قيادات وخبرات واستشارات ودراسات وخدمات، جميعها تتركز على تلك الجهود التي يُقدِّمها أعضاء هيئة التدريس أو الباحثون أو الأساتذة في الجامعة أو مراكز البحوث ومراكز الفكر.

أما د. وفاء طيبة فترى أن دخول التكنولوجيا في التعليم لا بد منه، ولعل أفضل سيناريو هو استخدام التكنولوجيا مع وجود الإنسان كمعلم كضرورة أساسية، فمن الصعب تصوُّر قتل الحياة الجامعية أو أتمتتها تمامًا وخسران كل تلك الخبرات العظيمة بين الطلبة وبين الطالب والمعلم والإدارة، ينسحب ذلك على كل المراحل التعليمية. وقد يكون من المفيد التساؤل: هل يمكن أن يُباشر الطبيب أو المهندس أعماله بواسطة التكنولوجيا قبل أن يتعلم تعلُّمًا إنسانيًّا مختلطًا، على الأقل بين الإلكتروني والتقليدي ولا سيما فيما يتعلق بمهن مؤثرة كالطبيب وما شابه؟

ومن ناحيته، أكد أ. د. عثمان العثمان أن دور الأستاذ يزداد مع استخدام التقنية، عكس ما قد يتبادر للذهن، على الأقل في واقعنا الحاضر. أما وفيما يتعلق بتساؤل د. وفاء حول التدريب، فالواقع أن الطالب سيتدرب على ما يُفترض أنه العمل الذي يُهيَّأ له، فإنْ كان سيعمل على آلة فسيتدرب على الآلة، وإنْ كان مع الإنسان فمع الإنسان. والجانب الإنساني لن يختفيَ تمامًا، على الأقل في المستقبل المنظور؛ فحتى التعليم الإلكتروني فيه تواصل إنساني، فهناك أستاذ يحاضر ويناقش ويسأل، وطلبة يتفاعلون تزامنيًّا.

أما د. عبير برهمين فترى فيما يتعلق بما إذا كان الاعتماد على التقنية سيلغي دور المعلم أو بعض المهنيين بما فيهم الأطباء والمهندسون، أن هذا بالقطع لن يحدث؛ فما زالت الحاجة للعنصر البشري في الجامعات قائمةً، وإنما اختلفت معايير الاحتياج والأدوار ليس إلا.

وذهب د. مشاري النعيم إلى أن سطوة التعليم الافتراضي خطرٌ يفرضه “تسليع التعليم”، فوهم “التطور” و”استخدام التقنية غير المقنَّن” هو جزء من التسليع العالمي للتعليم.

  • التحديات التي تواجه التعليم الجامعي:

ذكرت أ. فائزة العجروش أن من أهم توجهات رؤية 2030 التنويع الاقتصادي وبناء اقتصاد المعرفة، وللانتقال من نموذج اقتصادي قائم على الموارد إلى نموذج اقتصادي قائم على المعرفة، تواجه المملكة عددًا من التحديات، من أهمها:

  • أولًا: أن التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين لا بد أن يعتمد على الابتكار، وجامعة القرن الحادي والعشرين ستعتمد تدريجيًّا على الذكاء الاصطناعي. والتمكين الرقمي سيسهم على المستوى البعيد في تقليل كلفة التعليم وتوفره للجميع، كما سيسهم في توفير تعليم صديق للبيئة بتقليل طباعة الكتب والمستلزمات الورقية، وبالتالي المساعدة في التخفيف من ظاهرة الاحتباس الحراري، بما يُحقِّق الرؤية الاقتصادية 2030 في مجال التنمية المستدامة، وفي مجال التنمية البشرية واقتصاد المعرفة.
  • ثانيًا: أن الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي يضع الملايين من فرص العمل في خطر خلال السنوات المقبلة.

ونجاح الجامعات السعودية في النهوض بدوها المأمول، يرتبط بنجاحها في زيادة درجة المواءمة بين مستوى المنتَج التعليمي الذي تقدِّمه للمجتمع، والاحتياجات المتطورة والمتجددة لسوق العمل، والارتقاء بنوعية الخريجين، والاستجابة لمتطلبات التطور المعاصر. والمملكة تحتاج إلى تأهيل كوادر بشرية مدربة تماشيًا مع الاحتياجات المستقبلية لسوق العمل؛ لتلبية احتياجات جميع القطاعات العاملة فيها، وأبرزها القطاع المصرفي والمالي.

وتساءل د. عبد الله المطيري: هل شروط التوظيف في المستقبل ستخلو من شرط المؤهلات الجامعية؟ وترى د. عائشة الأحمدي أننا نعيش الآنَ حدثَ ابتلاع سوق العمل لفلسفة التعليم الجامعي المولِّد للمعرفة، والذي تنازلت عنه الجامعات، لمجاراة احتياج سوق العمل، وبالتالي التنازل عن دورها في توليد المعرفة وصناعة أرض خصبة لها، وتلهث وراء إكساب طلابها درجة معينة من الكفايات التي تتوافق مع احتياجات سوق العمل، والظن أنها تحوَّلت إلى مؤسسات تدريب أكثر منها مؤسسات أكاديمية، مسؤولة في المقام الأول عن صقل العقل الإنساني وتفجير قدراته، هذا التحول من الاعتماد على الذكاء البشري للذكاء الصناعي هو حافة الهوية للروح البشرية، فالذكاء الاصطناعي في نهاية الأمر هو صناعة للعقل الإنساني، والاعتقاد أن إحلاله محل العقل البشري فعل غير مقبول؛ لعدم قدرته على التناغم مع الملكات الإنسانية، وإلا ما تفسير تطوُّر كثير من المفاهيم الإنسانية كالتسامح، والعفو، والعطاء، وحقوق الإنسان، في الدول المتقدمة، والتي يعَدُّ الذكاء الاصطناعي صنيعة عقول أبناء مجتمعاتها. لكنها فترة تحول في بدايتها، تأخذ مدًّا وجذرًا، والخوف هو أن تغرق مؤسسات التعليم الجامعي في البلدان النامية في هذا التوجه.

وأضاف د. يوسف الرشيدي أن التعليم يتطور ولا يتراجع، والربط المستمر في كبرى المؤسسات مع سوق العمل هو ذروة التطور للتعليم، والجامعات ذات الاهتمام التطبيقي التعليمي مولد ومصدر للمؤثرين في جميع المجالات. والتعليم المدمج وعن بُعد أتاح للغني والفقير والصغير والكبير ممَّن لا يملكون الوقت الكافي للتعلُّم والاستمرار في التطور بمحدودية تخدم أهدافهم الشخصية وأهدافَ الدول التي تشجِّع وتعمل على تحفيز الجميع للتعلُّم وتطوير مهاراتهم وكفاءاتهم.

ويرى م. فاضل القرني أنه بدون أدنى شك، فإن التعليم برمته يواجه تحدي الثورة الرقمية، ولم تكن الوحيدة، بل لأسباب تاريخية وضاربة في العمق بسبب جمود تطوير العملية منذ عقود. ولا يمكن التسليم بأن التعليم عن بعد هو البديل القادم، ولا يُمكن أيضًا التسليم بأن سوق العمل هو الموجِّه الرئيس للتعليم الجامعي. ولو عُدنا إلى مرتكزات رؤية ٢٠٣٠ لوجدنا حيوية المجتمع هي المحفِّز الأهم لتحقيق الرؤية؛ وبذلك فإن جميع ما اندرج تحتها يتطلب خلق وإحلال وظائف بالكوادر السعودية المؤهلة لوطن يحمل عبئًا واعتبارات مختلفة، ومنها:

  1. الموقع العربي والإسلامي للمملكة جغرافيًّا وسياسيًّا ومعنويًّا (روحيًّا).
  2. موقع المملكة دوليًّا وليس المقصود جغرافيًّا، ولكن من حيث التأثير سياسيًّا واقتصاديًّا (عضو في الأمم المتحدة، عضو في معاهدات عالمية في البحار، حقوق الإنسان، الصندوق والبنك الدوليين، المعاهدات الكثيرة والمتنوعة مثل حظر أسلحة التدمير الشامل، وقيادة مجموعة العشرين،… وغيرها).
  3. موقع المملكة في الأسواق العالمية للطاقة من الوقود الأحفوري والاكتشافات الجديدة، والتي ستتطلب كوادر مؤهَّلة في مجالات مختلفة وسياسات جديدة.
  4. الطموح السياحي على واجهتين بحريتين بآلاف الكيلومترات.

ويُضاف إلى ذلك في تصوُّر م. فاضل القرني، أن الثورة الرقمية عزَّزت التصور بأن سوق العمل هو الجانب الاقتصادي وخاصةً في الدول النامية، ويغفل عن فكرة تمديد سوق العمل إلى ساحات قد لا تكون اقتصاديةً بشكل مباشر، ولكن لها تأثيرها الفاعل بصفة غير مباشرة. إنَّ السياحة والاستثمار تتطلب التخصصات غير الاقتصادية، وربما غير العلمية المطلقة في العلوم الإنسانية النظرية الموجودة وغير الموجودة، والتي يتطلب ابتكارها (التاريخ الاقتصادي والسياسي، علم الآثار، الفلسفة بتفرعاتها، علم الاجتماع وفروعه، الدراسات الإسلامية، الفنون بأنواعها)، والتي للأسف لا يوجد وربما لا تقبل في سوق العمل بسبب أن الكلمة للسوق وليس للتعليم. لذا، لا بد من المرجعية الأعلى (الأهداف الوطنية، الرؤية) في إعادة تأسيس مفهوم سوق العمل وهيكلته، وتحصيص التخصصات بنسبة وتناسب فيه (ببساطة توسيع سوق العمل). ولأجل تحقيق ذلك، لا بد من التفاعل البشري في حاضنة التعليم (الجامعات في القطاع العام والخاص)، وليست بالضرورة بالتلقين؛ وإنما بالمناقشات والمشاركات في وسط تكنولوجي يسهِّل وصول المعلومة والتغلُّب على أهم عنصر وهو الزمن، وربما يجعل التعليم عابرًا للحدود بالمناقشات والمحاضرات عن بُعد في حرم الجامعات بطريقة تفاعلية أكثر مع الخبرات الداخلية والخارجية.  والتعليم لأجل التعليم هو المحيط العارم، ويكون في داخله سوق العمل، ولن يتأتى ذلك إلا بالمزاوجة بين التفاعل البشري والاطلاع من خلال الدراسات والبحوث وجهًا لوجه وعن بُعد.

وتطرَّق د. حامد الشراري إلى تحدي صناعة هوية الجامعة، حيث أشار إلى أن الهوية هي صناعة فكرية تُؤسَّس على بنيان العقيدة والمبادئ والقيم، وتُحدَّد أشكالها بهندسة الأهداف النامية مع ظروف التطور، ملبيةً لحاجات الارتقاء ومواكبة لمستجدات الثقافة السياسية والاجتماعية. أيضًا، صناعة الهوية الواضحة ذات الفكر الراسخ، والمبنية على أسس قانونية متينة، وسياسات عامة واضحة ومعتمدة – هي تحدٍ كبير يواجه أغلب الجامعات السعودية في ظل استنساخ الجامعات وتشابهها في أكثر من مكان. وقد جاء نظام الجامعات السعودية الجديد وما فيه من سمات ومرونة ليساند الجامعات في مواجهة التحديات التي تواجهها من خلال صناعة هوية خاصة بها، تُحدِّد فيها فلسفتها ورسالتها وأهدافها وبرامجها، ومدى اختلافها عن الجامعات الأخرى، ومؤشرات تميُّزها وتمايزها لتؤدي دورها الحقيقي في تنمية مستدامة.  ووفقًا لـ (بيرجر ولوكمان 1966)، فإن الهوية تتشكل من خلال العمليات الاجتماعية، وتحدِّدها البنية الاجتماعية، وهي ​تنبع من الجدلية بين الأفراد والمجتمع؛ وهو ما يعني أنه يتم تشكيلها​ في التفاعل بين الموضوع والسياق. وإنشاء هوية الجامعة ترتكز على أربعة أبعاد، هي: الهوية التنظيمية، والهوية الرمزية، والصورة، والسمعة.

وأضاف د. حامد الشراري أن هوية الجامعة تتشكل – أيضًا- وفق منطلقات يمكن إجمالها في النقاط التالية:

  • النظام الاقتصادي والسياسي للدولة.
  • متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل.
  • ثقافة المجتمع وأفراده.
  • التطورات العصرية المختلفة؛ كثورة الاتصالات وتقنية المعلومات، والعولمة.
  • الجامعة:
  • فلسفتها وأهدافها ونوعية برامجها.
  • نظامها ولوائحها وتنظيماتها الإدارية.
  • قياداتها ونوعية أساتذتها وطلابها.
  • بيئتها وإمكانياتها.
  • مستقبل التعليم الجامعي في ضوء ما يواجهه من تحديات:

ترى أ. فائزة العجروش أنه وفي ظل تسارُع تطوُّر التكنولوجيا والتحوُّلات، فإن من الحلول والبدائل المطلوبة في التعليم الجامعي وسياساته الإستراتيجية، ما يلي:

  • التميُّز الجامعي بجميع أشكاله، وهذا يتطلب من الجامعات أن تُميِّز نفسَها من خلال نوعية التعليم والخبرة المُقدَّمة للطلاب، والالتزام الكامل بتوفير تعليم عالٍ في جامعاتنا وكلياتنا يتفق مع متطلبات القرن الواحد والعشرين، وتحقيق التعليم المتقدِّم والبحوث المؤثرة المتصلة بالواقع.
  • التركيز على تعليم الطلاب كيفية التعلُّم لمدى الحياة، وهذا ما أشار إليه د. العثمان، وسُبل طرح برامج هذا التعليم بنجاح وكفاءة؛ تعليم يُنمِّي لدى الطالب شعورَه بواجباته ومسؤولياته في مسيرة المجتمع، ويعوِّده على التحليل الموضوعي وحل المشكلات والعمل ضمن فريق، ويُنمِّي قدراته الفكرية والمهنية باستمرار، بل ويُنمِّي لديه الثقة بمواجهة التحديات سواء في مجال عمله أو في محيط أسرته.
  • إنشاء معاهد وأكاديميات تعليمية متخصِّصة تعمل على تشخيص فجوة المهارات في القطاع المالي، داخل المملكة وخارجها، والقيام بتصميم البرامج التي تقدِّم المهارات المطلوبة وبرامج متخصِّصة في مجال التكنولوجيا الحديثة، مثل: برامج الحوسبة السحابية، والشهادات الاحترافية في تقنية الـ “بلوك تشين”، وتقنية المعلومات المالية “فينتك”، إضافةً إلى الأمن السيبراني؛ لرفد الطالب بمهارات من شأنها أن تُعزِّز الأعمال في القطاع المالي والمصرفي في المملكة.
  • أهمية أن تستوعب الجامعات أنها في كثير من الحالات سوق تنافسية للطلاب الذين لديهم المزيد من المعلومات لاتخاذ خيارات أكثر من أي وقت مضى، ويجب على مؤسسات التعليم العالي إدراك أهمية التغيُّرات الهيكلية لكي تصبح قادرةً على الربط بين الإبداع والابتكار وتنظيم النشاط البحثي والتطويري، وتضمينه ضمن الإستراتيجيات الجامعية التي يجب وضعها ومراجعتها دوريًّا.
  • على الجامعات التزام مواكبة التغييرات السريعة للساحة الأكاديمية عالميًّا، للبقاء في نفس الخط مع الاحتياجات المعاصرة للمجتمع القادرة على إبقاء الصلة مع طلابنا المستقبليين، والتوسُّع في إنشاء مختبرات للعلوم الافتراضية.
  • دراسات استشرافية لوضع رؤية مستقبلية حول التغيُّرات الجذرية التي يمرُّ بها قطاع التعليم في جميع أنحاء العالم، والتركيز على الدراسات الجامعية، وبالأخص منها الدراسات العليا؛ للتعامل مع التحديات التي تواجه المؤسسات التعليمية وخاصة الجامعات، والتي منها تأمين التعليم العالي المفتوح للجميع على أعلى مستوى متطلبات الجودة، والتحكم في كلفة التعليم التي كادت أن تخرج عن السيطرة مع الارتفاع المتواصل لعدد الطلبة.

ومن جهته ركز د. إبراهيم البعيز على قضية يراها أساسيةً حول مستقبل التعليم الجامعي، وتتعلق بقضية اختيار التخصص والإشكاليات التي تحدث لدى البعض ممَّن يواجهون صعوبةً في اختيار التخصص المناسب، وهي الإشكالية التي تتسبب في ارتفاع نسب التسرُّب في الجامعات، وربما الإخفاق وترك الجامعة بسبب قرار غير مدروس. وفي هذا الصدد، اقترح أن توجه الجامعات برامجها الدراسية في فترة الصيف لطلاب المرحلة الثانوية وأولياء أمورهم، للتعريف ببرامجها وتخصصاتها؛ وذلك لإعطاء فرصة لمعرفة المتاح لهم في الدراسة في المرحلة الجامعية، خاصة وأن فترة الصيف تبدو للكثيرين أنها فترة ركود وهدوء في مؤسسات التعليم بشكل عام، وفي الجامعات على وجه الخصوص. فالجامعات الغربية تحرص على استغلال فترة الإجازة الصيفية للبدء في برامج أكاديمية تستهدف بها التواصلَ مع طلاب المرحلة الثانوية وأولياء أمورهم للتعرُّف على المرحلة الجامعية؛ وهو ما يسهم في التخفيف من مشاعر القلق المرتبط بالانتقال من مرحلة تعليمية إلى أخرى. ومعظم المعلومات التي تقدِّمها الجامعات والتي تهمُّ طلاب المرحلة الثانوية تتسم بالصبغة الإجرائية، والتي تقتصر على شروط وإجراءات ومواعيد القبول، ومثل هذه المعلومات لا تساعد كثيرًا على التقويم والمفاضلة واتخاذ القرار في اختيار التخصص الجامعي؛ لذا فمن الضروري أن تبدأ الأقسام في التعريف بتخصصاتها بأسلوب يتناسب مع اهتمامات الطلاب وحاجتهم للمفاضلة بين الأقسام الجامعية والتخصصات التي تقدِّمها.

وبدورها أكدت د. وفاء طيبة على أهمية أن يتم ذلك أيضًا في المدرسة، بحيث يتم القبول في التخصص بجدية حسب القدرات والميول، ويتم تعرُّف الطالب على ذلك في المدرسة بمساعدة المرشدين والبرامج الحديثة لتحديد التخصص والوظيفة المستقبلية ومكانها بناء على القدرات والميول وسمات الشخصية.

أيضًا، لا يُفترض – في رأي د. إبراهيم البعيز – أن تقتصر النظرة للطلاب على أنهم فقط مستفيدون من التعليم الذي تقدِّمه الجامعة؛ بل الأمر يجب أن يتجاوز ذلك إلى التعامل معهم على أنهم شركاء في العملية التعليمية، وأنه في الوقت الذي تُفاخر وتتباهى الجامعات بالمتميزين من خريجيها، عليها أيضًا ألا تغفل عن مسؤوليتها تجاه المتعثرين من طلابها. ومن هذا المنطلق، يكون لزامًا على الجامعة أن تعمل على أن يشمل نشاطها الإرشادي ما يمكن أن يساعد طلابها على النجاح، والاستفادة من تجربتهم في الدراسة الجامعية بما يؤهِّلهم ويمكِّنهم من اقتناص الفرص المتاحة في سوق العمل. وعناصر النجاح والخطوات الأولى للاستفادة من الدراسة الجامعية تبدأ من اللحظات الأولى التي يفكر فيها الطالب بطَرْق أبواب الجامعة والتقديم لها، والطالب في هذه المرحلة بحاجة إلى أن يتخذ قرارًا لاختيار التخصص في دراسته الجامعية، ومعرفة الفرص المتاحة في التعليم العالي، وكيفية الاستفادة من سنوات الدراسة الجامعية ويما تشتمل عليه من معارفَ وقيمٍ ومهارات ليرسم مسارَه المهني المستقبلي.

وأكد د. سعيد الغامدي على الدور المحوري لعضو هيئة التدريس أو المعلم في عملية التعليم والتعلُّم، والاعتقاد أن استبداله بالوسائل التقنية أو بالمحاضرات (الجاهزة أو المعلبة) لا يخدم العملية تلك. التعليم وخاصة العالي عملية إنسانية بالدرجة الأولى وتشاركية بين الأطراف المعنية بها، ولا يمكن الاستعاضة عنه تمامًا بأي وسيلة مهما كانت متطورة أو حديثة. والدليل هنا أن أعرق الجامعات في العالم لا تزال تعتمد على المحاضر بشكل أساس في الجامعة على الرغم من تملُّكها لأحدث التقنيات في العالم، بل تتنافس على الفوز بالمشهورين والمميزين منهم وتغريهم بشتى الطرق للعمل لديها. لذلك، فإن دور أستاذ الجامعة سينحسر في المستقبل مقابل استخدام التقنية في التعليم أو التعلُّم؛ بل بالعكس تمامًا، فإن دوره سيتعاظم ويكبر مع الوقت، وقد تسهم وسائل التقنية وبرمجيات وتطبيقات الاتصال الحديثة في وصوله إلى مجتمعات أكبر وأبعد. والحديث هنا عن ذلك الأستاذ الذي يطوِّر ذاتَه ويسعى بشكل دائم لمعرفة كل جديد في مجال تخصصه، إضافةً إلى تمكُّنه التام من أساليب وتقنيات التدريس الحديثة. ومن خلال ما تقدَّم يمكن القول: إن عضو هيئة التدريس أو المعلم هو العنصر الأساس في منظومة التعليم العالي، ولكي يبدع هذا العنصر لا بد له مما يلي:

  1. الاهتمام بالبيئة التعليمية المُحفِّزة من قِبل القائمين على الجامعات والتعليم العالي.
  2. الدعم المالي الكافي لكي يتفرغ تمامًا للعملية التعليمة والإبداع فيها.
  3. الدعم (اللوجستي) التجهيزات الضرورية من مختبرات ومعامل وبرمجيات وغيرها.
  4. تسهيل مشاركته في المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية.
  5. التدريب المتخصِّص في مجالات التدريس المختلفة والمتقدِّمة داخليًّا وخارجيًّا.
  6. التدريب المتخصص في استخدام التقنيات الحديثة في البحث والتدريس.
  7. تحفيز / إجبار عضو هيئة التدريس على العمل ضمن المجموعات البحثية.
  8. إنشاء الجوائز والحوافز العالية في مجالات التدريس والبحث العلمي المختلفة.

وركَّز م. إبراهيم ناظر على أهمية اعتماد إستراتيجية التعليم في خدمة المجتمع، وهذا لا يتعارض ودور الجامعات التقليدي في التعليم وصناعة الفكر وتوليد المعرفة.

وأكد د. مساعد المحيا على أن الجامعات دون أن تحظى بالثقة والمسؤولية الكاملة لن تكون قادرةً على القيام والوفاء بأدوارها العلمية والتعليمية والبحثية وبخدمة المجتمع، وهو ما يجعل البعض ينتقص من وظيفتها ويهوِّن من مكانتها وينظر لها على أنها نمط يمكن تجاوزه بتوظيف اليوتيوب والمواد التفاعلية المرتبطة به. ولذا، من المهم اليوم أن تمنح الجامعات الكثيرَ من الصلاحيات التي تخوِّلها بناء قدراتها وإعادة رسم خارطة اهتماماتها وتأثيرها ومكانتها؛ لتكون قادرةً على المنافسة مع الجامعات العالمية، ولتحظى بدعم وافر في ميزانيات البحث العلمي الذي يعَدُّ أحدَ أسُس تميُّز الجامعات في العالم.

بينما يرى م. فاضل القرني أنه لا بد من إعداد بحث مشترك من جميع المرجعيات والتخصصات وأصحاب الخبرة في رسم منظومة التعليم كله، وليس الجامعي فقط، بنموذج بنائي من التعليم الأساسي إلى الجامعي (Building Block) في المعلومة والأسلوب والغاية، يرتكز على الأهداف الوطنية والرؤية ومستجدات المملكة داخليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، والأخذ في الاعتبار خبرة سنين طويلة في صورة الجامعة التقليدية العريقة (جامعة الملك فهد للبترول)، والصورة الحديثة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، وأن يكون لهما جزء كبير في تلك المشاركة والبحث.

وحدَّدت أ. نورة الفايز رؤيتها لمستقبل التعليم الجامعي في ضوء التحديات التي يواجهها في النقاط التالية:

  • لا شك أن للتعليم والتأهيل بعد المرحلة الثانوية أهميةً كبيرة سواء كان تعليمًا جامعيًّا، أو تعليمًا مهنيًّا، ويُفترض أن يساهم هذا التعليم في زيادة معلومات الطالب، وتنمية مهاراته، وتعديل سلوكه، وقد يكون السبب في تأكيد بعض القيادات في وطننا، وفي بعض الدول بعدم حاجتهم لخريجي الجامعات بسبب نقص الجانب المهارى لدى هؤلاء الطلاب. وهذا قد يكون من أسباب إقبال كثير من الجهات على توظيف خريجي البرامج الإعدادية (التأهيلية) بمعهد الإدارة العامة؛ لذا يُفترض أن يكون هناك تركيزٌ أكبر على تنمية الجانب المهاري العملي أو التطبيقي لدى الطلاب في الجامعات.
  • إضافة لذلك، فإن التعليم الجامعي أو المهني يُفترض أن يكون مكمِّلاً للتعليم العام، بمعنى أن يكون الأستاذ الجامعي قادرًا على تحديد جوانب القصور أو التميُّز في إمكانات وقدرات الطالب، وأن يعمل على دعمها، وأن يساعد الطالب على اكتشاف مهاراته وقدراته، وأن يعينه على توجيهها التوجيه الصحيح.
  • ما زال هناك قصورٌ كبير في التعليم العام في وطننا خاصةً، وفي كثير من الدول في مجال تنمية مهارات التفكير والتحليل والنقد البنَّاء؛ لذا يُفترَض أن تعمل الجامعات السعودية على تضمين مناهجها وبرامجها، برامجَ لتنمية مهارات التفكير والتحليل والنقد، ولا ننسى أن طلابنا أيضًا بحاجة لتنمية مهاراتهم الحياتية ليتمكنوا من تقبُّل كل جديد، ويستطيعوا التكيُّف والتعايش في أي بيئة عمل.
  • من الضروري أن يكون هناك دراسات معمقة لواقع التعليم الجامعي في وطننا والاحتياجات المستقبلية للوطن، وأن يتم العمل على تطوير المحتوى العلمي والمناهج والبرامج في الجامعات بما يتفق والاحتياجات المستقبلية، مع أهمية تطوير أداء أساتذة الجامعات أكاديميًّا وتطبيقيًّا، فالأستاذ الجامعي كغيره بحاجة لتطوير أدائه المهني.

وفي اعتقاد أ. عبد الرحمن باسلم، فإننا نعيش واقعًا لا نحتاج فيه إلى اجتهاد كبير، بل نكون Smart followers؛ فهناك الجامعات العشر الأُوَل في العالم، ويمكن الاستفادة من خُططها في خدمة مجتمعاتها. ومن ناحية أخرى، لا نزال نحتاج إلى جهود عميقة ومكثَّفة لتطوير التعليم الجامعي.

أما د. نورة الصويان فترى أن الدور المتوقَّع للجامعة أن تكون مصنعًا للمعرفة وإكساب المهارات وقائدةً للتنوير المجتمعي؛ فلا تغيير ممكن بلا تعليم، كما أن التعليمَ مستحيل بلا تغيير، خاصة في عالمنا اليوم المتسارع التغيير. عالم اليوم بحاجة للتوجُّه نحو تعليم للحياة عوضًا عن تعليم فقط من أجل الاختبارات والحصول على الشهادة الجامعية. والتعليم لا بد أن يؤدي للتمكين وإكساب الأفراد القدرة على صنع القرارات، والفاعلية والتأثير في المحيط، وتطوير الشخصية بمهارات اجتماعية، وتنمية الشعور بالمواطنة والانتماء، وتنمية الضمير والوعي الاجتماعي، ومعرفة الحقوق والواجبات، والتفرقة بين الشخصي والجماعي.

وأكدت أ. هيلة المكيرش على ما يلي:

  • أن المأمول من الجامعات أن تقود الحراك الثقافي التنموي، وذلك من خلال بناء وتأهيل القدرات البشرية للطلبة فكرًا ومعرفةً وجوانب شخصية؛ من خلال تزويدهم بمهارات وأساليب البحث والمناقشة وإدارة الحوار والمفاوضة مع تعزيز قبول الآخر.
  • مواكبة الاحتياجات التنموية للمجتمع وعلى المستوى الدولي والمحلي؛ لسدِّ الفجوة بين القدرات البشرية والاحتياج.
  • قيادة الحراك الثقافي لسد الفجوات للتوجهات الفكرية بين أفراد المجتمع؛ سعيًا لتحقيق التوازن بين المجتمع ودعم استقراره.

وفي رأي د. خالد الرديعان، فإن الجامعات تحتاج إلى درجة كافية من الحرية والاستقلالية والاستدامة المالية؛ لكي تُجري تغييرات في فلسفتها وتوجهاتها وتخصصاتها. جامعاتنا مكبَّلة بنظام الخدمة المدنية وبيروقراطيته كذلك، وهذا عائق آخر؛ إذ يصعب مثلًا التخلص من الأساتذة غير المنتجين واستبدالهم بغيرهم من الأكفاء. كما أن البيروقراطية معوق أساسي في عملية هيكلة بعض الجامعات، أو دمج أو إلغاء بعض التخصصات، أو حتى استحداث تخصصات جديدة. كما أن التوسُّع في قبول أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات وتركُّزهم في تخصصات معينة يحدُّ من قدرة الجامعة على الحراك. من جهة أخرى، هناك “تصوُّر اجتماعي” بضرورة الشهادة الجامعية “البكالوريوس” حتى لو كانت غير مفيدة في ظل توفُّر البديل التعليمي خارج أسوار الجامعات. للشهادة الجامعية “رمزية مزيفة”، وهنا يلزم أن يكون الإعلام شريكًا رئيسًا في فَضْح هذا الزيف.

وفي اعتقاد د. مها العيدان، فإنه لا بد من التمييز بين التخصصات الإنسانية والتخصصات العلمية؛ فالتخصصات الإنسانية يمكن تطويرها تقنيًّا، في حين أن التخصصات العلمية تعتمد على تعليم مرتبط بالتدريب؛ لذا فنقل المعلومة يخالف الحصول على المعلومة مع الحاجة إلى تطبيق هذه المعلومة عن طريق اكتساب المهارة في تحويلها من معرفة نظرية إلى معرفة عملية.

وأكدت د. هند الخليفة على أهمية التوجُّه للدراسات البينية في العلوم الإنسانية والطبيعية على حد سواء. كذلك ضرورة فتح مجال للتخصصات الحديثة التي تعتمد عليها مهارات المستقبل، على أن يشمل ذلك العلوم الإنسانية والطبيعية، مع التخطيط المتوازن لكلا المجالين لأهميتهما؛ إذ يُلاحظ أن التوجُّه السائد هو تقليص الميزانيات والموارد للتخصصات الإنسانية مع التركيز على العلوم الطبيعية والتطبيقية. المأزق الذي تقع فيه العلوم الإنسانية لدينا هو عدم مواكبتها للتغيُّر والتطوُّر الحادث عالميًّا في مجالات الاهتمام والمناهج والأساليب. يُضاف إلى ذلك ضرورة تطوير أساليب ومناهج التعليم للدراسات العليا، إذ يُلاحظ أن هناك قصورًا في فلسفة التعليم في هذه المرحلة، ولكي يتم إحداث نقلة نوعية في الدراسات العليا، هناك حاجة إلى العمل على تدريب وتهيئة أعضاء هيئة التدريس على أساليب التعليم والتفكير والبحث العلمي وغير ذلك من مهارات. يتزامن مع ذلك تهيئة البيئة التعليمية لتواكب احتياجات هذه المرحلة، وكذلك تعزيز العمل البحثي المشترك مع الجامعات والمراكز البحثية المتقدِّمة عالميًّا في مجال التخصص، وتبادل الباحثين والعمل معهم. والعناية بمصادر التعلم لطلاب هذه المرحلة، من خلال توفير المصادر المناسبة والمراكز الخاصة بهم للعمل والبحث والالتقاء ببعضهم في جوٍّ أكاديمي فعَّال، على غرار ما هو مُطبَّق عالميًّا. كذلك فمن المهم تدريب القيادات في مؤسسات التعليم العالي على مهارات القيادة الحديثة التي تقود إلى الابتكار والإبداع، بعيدًا عن أنماط القيادة التقليدية.

  • التوصيات:
  • تدريب القيادات في مؤسسات التعليم العالي على مهارات القيادة الحديثة التي تقود إلى الابتكار والإبداع واستشراف المستقبل، بعيدًا عن أنماط القيادة التقليدية.
  • عمل دراسات معمَّقة لواقع التعليم الجامعي في بلادنا، ودراسات استشرافية لوضع رؤية مستقبلية للتعليم الجامعي والتعامل مع التحديات التي تواجهه، واعتماد إستراتيجية التعليم في خدمة المجتمع، وهذا يشمل دور الجامعات التقليدي في التعليم والبحث وخدمة المجتمع، وصناعة الفكر وتوليد المعرفة.
  • مَنْح الجامعات الحرية الأكاديمية، فالجامعات تحتاج إلى المرونة في هيكلة برامجها وتخصصاتها وإلغاء أو استحداث ما تراه من تخصصات حسب الحاجة بعيدًا عن المعوق البيروقراطي. ومنح إدارات الجامعات حرية الاستغناء عن الأعضاء والعضوات غير الفاعلين أكاديميًّا، وتُقيِّم كفاءتهم بمهام العضو الأساسية (التدريس، الأبحاث والمشاركات الأكاديمية، وخدمة المجتمع).
  • أهمية تطوير أداء أساتذة الجامعات أكاديميًّا وتطبيقيًّا، والتدريب المتخصص في مجالات التدريس المختلفة والمتقدِّمة داخليًّا وخارجيًّا، وتوفير الدعم المالي الكافي للتفرُّغ للعملية التعليمية والإبداع فيها، وكذا توفير الدعم (اللوجستي) والتجهيزات الضرورية من مختبرات ومعامل وبرمجيات وغيرها، وتسهيل المشاركة في المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية، والتدريب المتخصِّص في استخدام التقنيات والمنهجيات الحديثة في البحث والتدريس المعتمد على المشروعات وحل المشكلات، ومَنْح الجوائز في مجال التدريس والعمل البحثي والإداري وخدمة المجتمع.
  • تعزيز العمل البحثي المشترك مع الجامعات والمراكز البحثية المتقدِّمة عالميًّا في مجال التخصص، وتبادل الباحثين والعمل معهم، وتحفيز / إجبار عضو هيئة التدريس على العمل ضمن هذه المجموعات البحثية.
  • ضرورة تطبيق منهج التخصصات البينية interdisciplinary؛ لما له من فوائد كبيرة، مع تطبيق نظام الساعات المرن ليختار الطلبة الوقت المناسب لهم بدلاً من نظام الساعات المقيد بأوقات وحزم محددة.
  • من المهم دمج كفاءات القرن الحادي والعشرين والاحتياجات المستقبلية في المناهج، مثل تنمية مهارات التفكير والتحليل والنقد من خلال المناهج؛ ليتمكنَ الخريجون من تقبُّل كل جديد، ويستطيعوا التكيُّف والتعايش في أي بيئة عمل، وكذلك التركيز على الجانب العملي التطبيقي.
  • الاهتمام بالبيئة التعليمية (النفسية والإدارية والفيزيائية) المناسبة لمختلف الأقسام التعليمية والمحفِّزة للجميع من قِبل القائمين على الجامعات والتعليم العالي.
  • أن تستفيد الجامعات السعودية الأخرى عند توجُّهها إلى التعليم الإلكتروني مستقبلاً من تجربة الجامعة الإلكترونية السعودية وغيرها من الجامعات العالمية، حتى تبدأ مما انتهى عنده الآخرون، وتستثمر في هذه الخبرة العميقة والنجاح الباهر.
  • إعادة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وفصلها عن وزارة التعليم؛ لاختلاف مهامهما.

 


المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

( حسب الحروف الأبجدية)

  • المشاركون في قضية “الاقتصاد الأزرق.. مستقبل واعد ‏وقطاع داعم ‏للاقتصاد ‏الوطني وجاذب للاستثمارات ‏المحلية ‏والدولية”:
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. إبراهيم ناظر
  • بسمة التويجري
  • د. الجازي الشبيكي
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حامد الشراري
  • د. حمد البريثن
  • د. خالد الرديعان
  • د. رياض نجم
  • م. سالم المري
  • د. سليمان الطفيل
  • د. صدقة فاضل
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • د. عبير برهمين
  • أ. د. عثمان العثمان
  • أ. فهد الأحمري
  • أ. فهد الصالح
  • أ. فهد القاسم
  • أ. محمد الدندني
  • د. مساعد المحيا
  • د. وفاء طيبة
  • المشاركون في قضية “تعليم ورعاية الطفولة المبكرة”:
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. إبراهيم محمد ناظر
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. خالد الرديعان
  • م. خالد العثمان
  • د. خالد الفهيد
  • د. زياد الدريس
  • د. سعيد العمودي
  • د. سليمان الطفيل
  • د. عبير برهمين
  • د. عثمان العثمان
  • د. علي الطخيس
  • أ. علياء البازعي
  • أ. فائزة العجروش
  • د. فوزية البكر
  • د. محمد الملحم
  • د. مساعد المحيا
  • د. مها المنيف
  • أ. مها عقيل
  • د. وفاء طيبة
  • المشاركون في قضية “تحديات التغيُّر الاجتماعي في المجتمع السعودي”:
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. إبراهيم ناظر
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حمزة بيت المال
  • د. خالد الرديعان
  • د. راشد العبد الكريم
  • د. سليمان الطفيل
  • د. عائشة الأحمدي
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • أ. عبد الله الضويحي
  • د. عبير برهمين
  • م. فاضل القرني
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. فهد الأحمري
  • د. فوزية البكر
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد الملحم
  • د. منصور المطيري
  • أ. منى أبو سليمان
  • أ. مها العقيل
  • د. مها العيدان
  • د. مها المنيف
  • أ. هيلة المكيرش
  • د. وفاء طيبة
  • المشاركون في قضية “التعليم الجامعي وتحديات القرن الواحد والعشرين”:
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. إبراهيم ناظر
  • د. خالد بن دهيش
  • د. زياد الدريس
  • د. سعيد العامودي
  • د. سعيد الغامدي
  • د. صدقة فاضل
  • د. عائشة الأحمدي
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • د. عبد الله المطيري
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. عبير برهمين
  • أ. د. عثمان العثمان
  • م. فاضل القرني
  • د. فايزة الحربي
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. فهد الأحمري
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد الملحم
  • د. مساعد المحيا
  • د. مها العيدان
  • أ. نورة الفايز
  • د. نورة الصويان
  • د. هند الخليفة
  • أ. هيلة المكيرش
  • د. وفاء طيبة
  • د. يوسف الرشيدي

  http://arsco.org/article-detail-887-4-0 (([1]

(*) وكيلة وزارة التعليم للتعليم الموازي سابقًا.

(*) يمكن الرجوع إلى مقالة مهمة في هذا الصدد، منشورة في النيويورك تايمز، ومتاحة على الرابط التالي: https://www.nytimes.com/2010/07/28/business/economy/28leonhardt.html

(*) يشير مفهوم “المنظور الحيوي النمائي” إلى الانطلاق في التعامل مع قضايا الشباب بالتركيز على القدرات والإمكانيات لديهم، وإمكانية مشاركتهم في صنع القرار، عوضًا عن التركيز على المشكلات والسلبيات التي عادةً يُنظر إلى مواقف الشباب من خلالها.


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-60-لشهر-فبراير-2020.pdf