لتحميل التقرير اضغط هنا


أغسطس 2020

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر أغسطس 2020 م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • المسؤولية الاجتماعية للشركات: حقٌّ أم منحة؟
  • نظام التعليم العالي الجديد بين تحقيق الاستقلالية وضمان تكافؤ الفرص التعليمية.
  • ذوو الإعاقة وبرنامج جودة الحياة: الواقع والمأمول.
  • السياحة الداخلية ودورها في تنمية الاقتصاد الوطني في المملكة.

 القضية الأولى

المسؤولية الاجتماعية للشركات: حقٌّ أم منحة؟

(9/8/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. بسمة التويجري
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. فائزة العجروش
  • التعقيب الثاني: د. ناصر القعود
  • إدارة الحوار: أ. فهد القاسم

 

  • الملخص التنفيذي:

تعرَّضت أ. بسمة التويجري في الورقة الرئيسة إلى التعريف بمفهوم المسؤولية الاجتماعية وعلاقتها بالتنمية المستدامة، والدور الذي يلعبه القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني في تفعيل مبادرات المسؤولية الاجتماعية، وتأرجح هذه المسؤولية الاجتماعية بين كونها مجرد أعمال خيرية أو مبادرات لتحقيق أهداف وطنية تنموية بعيدة المدى.

كما تم تناول التأثيرات المالية لالتزام الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية سواء كانت هذه التأثيرات تتمثل في زيادة العوائد المالية، أو في زيادة ولاء العملاء، أو تحقيق الشركات لسمعة جيدة تمنحها ميزة تنافسية على غيرها من الشركات.

أيضًا، فقد تمت الإشارة إلى أهم برامج المسؤولية الاجتماعية في المملكة، كما تمَّ التطرق إلى تجربة شركة أرامكو على نحو محدَّد في مجال المسؤولية الاجتماعية.

أما أ. فائزة العجروش فأشارت في التعقيب الأول إلى أن المسؤولية الاجتماعية في الظروف الصعبة والطارئة والاستثنائية تكون واجبًا وليست تطوُّعًا. وعلى الشركات التزام أخلاقي بمسؤولية مجتمعية متبلورة في عدة مجالات؛ ولا سيما ما يتعلق منها بمراعاة حقوق البيئة، وحقوق العاملين، وحقوق المجتمع المحلي المحيط بها، والالتزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفي اعتقادها، فإنه إذا توصلنا إلى تقنين قواعد للمسؤولية الاجتماعية أو تحديد نسب معينة من أرباح الشركات، ستنتفي صفة الطواعية في المسؤولية الاجتماعية؛ فكل إلزام يقابله جزاء. كما ركَّزت أ. فائزة على واقع المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص في المملكة، جنبًا إلى جنب مع متطلبات تحقيق الدور المأمول من الشركات على المستوى الوطني، وآليات تحقيق أقصى استفادة ممكنة للمجتمع المحلي من برامج المسؤولية الاجتماعية.

في حين ذهب د. ناصر القعود في التعقيب الثاني إلى إمكانية ترك حرية الاختيار للشركات لتقديم مبادراتها والتنافس مع مثيلاتها في مجال مبادرات المسؤولية الاجتماعية، وأن يكون لها حقُّ التعاون متى شاءت مع مؤسسات المجتمع المدني، على أن تُفصح عن هذه المبادرات في تقاريرها. وأضاف أن تفعيل المسؤولية الاجتماعية للشركات حقٌّ للمجتمع، ويتم ذلك من خلال منح ومبادرات بشكل مؤسسي ومنتظم.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • المفهوم العام للمسؤولية الاجتماعية.
  • المسؤولية الاجتماعية للشركات ما بين التطوُّع والإلزام.
  • تقييم تجارب الشركات السعودية الكبرى المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية.
  • مقترحات لتعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • إنشاء مجلس للمسؤولية المجتمعية يكون بمثابة المرجعية لأنشطة ومبادرات المسؤولية الاجتماعية التي تتبناها الشركات والمؤسسات لتنمية المجتمع وتلبية احتياجاته، ويكون هو المظلة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية على مستوى المملكة، ومن أعماله تشجيع ودعم ورفع مستوى ‏المسؤولية الاجتماعية للشركات‎ وتنظيمها وتوجيهها.‎
  • التأسيس لمؤشر وطني للمسؤولية الاجتماعية يُبنَى على معايير متوافقة مع مبادئ العدالة والتكافل، وينشر تصنيفه الدوري للشركات السعودية بناءً على مساهماته الاجتماعية.
  • الورقة الرئيسة: أ. بسمة التويجري

تطوُّر مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات:

المسؤولية الاجتماعية من المفاهيم الحديثة نسبيًّا في المملكة، رغم أنها أصبحت صمامًا للأمان في المجتمعات المتقدمة حيث تُسهم في بناء هذه المجتمعات وفي استقرارها وتطوُّرها. وإذا حاولنا أن نرصد التطور التاريخي لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات، فسنجد أنه بدأ الحديث عنه في الستينيات من القرن الماضي، وتزايد الاهتمام بالدور الاجتماعي لرأس المال في أعقاب انهيار جدار برلين، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكذلك الفضائح المالية لعدد من الشركات العالمية مثل إنرون وآرثر أندرسون وغيرهما من الشركات العالمية التي لفتت الانتباه إلى الممارسات الخاطئة لهذه الشركات وتفشي مظاهر الفساد بها. وهنا ظهرت أهمية تبنِّي الشركات لبرامج المسؤولية الاجتماعية، كنتيجة لزيادة الاهتمام بالقضايا المتعلقة بالفقر، وانخفاض مستوى معيشة بعض الفئات، وانتشار البطالة وكذلك تنامي الاهتمام بالتنمية الاجتماعية، فقد أوصى المؤتمر المنعقد في جامعة كاليفورنيا عام 1972 تحت شعار “المسؤولية الاجتماعية لمنظمات الأعمال” بضرورة إلزام كافة المنظمات برعاية الجوانب الاجتماعية للبيئة، والمساهمة في التنمية الاجتماعية، والتخلي عن فلسفة تعظيم الربح كهدف وحيد.

ومع استجابة منظمات الأعمال لهذا الطرح الجديد، وضع المشرِّع القانوني قواعد تضفي على هذه الأفكار سمة الإلزام، للتأكيد على أن الالتزام بالأداء الاجتماعي لم يعُد خيارًا أمام المؤسسات؛ إنما هو أمر ملزم إذا رغبت هذه المؤسسات في الاستمرار، وعليه ظهرت دراسات الجمعية القومية للمحاسبين، وجمعية المحاسبين الأمريكية، ودراسات المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين؛ للتأكيد على أهمية الإفصاح عن الأداء الاجتماعي، حيث اتجهت لإرساء الأسس اللازمة لقياس فاعلية البرامج الاجتماعية لمنظمات الأعمال. ولقد اختلفت الأطر النظرية المفسِّرة للدور الاجتماعي للمؤسسة من اقتصادي لآخر، ومن مدرسة إدارية لأخرى، ومن نظرية لأخرى. ولعل أهم تلك النظريات الممهدة للتأصيل العلمي والشرح الاصطلاحي لمفهوم المسؤولية الاجتماعية ما يلي:

  • النظرية النيوكلاسيكية: ممارسة المسؤولية لفائدة المساهمين، ويُسمَّى أيضًا نموذج (shareholder).
  • نموذج أصحاب المصالح (Stakeholders).
  • ومن نموذج أصحاب المصالح ظهر مصطلح المسؤولية الاجتماعية.
    ويتم تطبيق المسؤولية الاجتماعية لرأس المال من خلال عدد من المحاور؛ تشمل حماية مصالح المساهمين وحقوق المستهلكين، والمحافظة على البيئة ومواردها الطبيعية، والاهتمام برأس المال البشري، والمساهمة في جهود التنمية، فضلًا عن المشاركة في العمل الاجتماعي.

أما من ناحية تعريف مصطلح المسؤولية الاجتماعية، فقد قام البنك الدولي بتعريفها على أنها التزام أصحاب النشاطات التجارية بالمساهمة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم والمجتمع المحلي والمجتمع ككل لتحسين مستوى معيشة الناس بأسلوب يخدم التجارة، ويخدم التنمية في آن واحد. كما عرَّفها مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة بأنها الالتزام المستمر من قِبل مؤسسات الأعمال بالتصرف أخلاقيًّا، والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية، والعمل على تحسين نوعية الظروف المعيشية للقوى العاملة وعائلاتهم.  كما يمكننا تعريف المسؤولية الاجتماعية كمفهوم عام بأنها التزام بتقديم الدعم للبرامج والأنشطة الاجتماعية لأفراد المجتمع بشكل غير ربحي من قِبل شركات القطاع الخاص ومؤسساته ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة، وبناء شراكة فاعلة بين هذين القطاعين لتبنِّي مبادرات المسؤولية الاجتماعية والعمل على تحقيقها واستدامتها.

وللمسؤولية الاجتماعية جذورٌ عميقة في ديننا الإسلامي وثقافتنا؛ حيث إنَّ الكرم والإيثار ومختلف أعمال التطوع من الصور الجميلة للمسؤولية الاجتماعية، يقوم بها الأفراد نحو مجتمعهم ووطنهم، وهذا المصطلح ليس مُستحدَثًا؛ بل إنه ممارسة يومية يمارسها المسلم نحو مجتمعه تحقيقًا لما جاء به الإسلام من قيم سامية تدعو إلى البذل والعطاء وتحمُّل المسؤولية (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ).
والقارئ لتاريخنا الإسلامي تظهر له صورٌ متعددة لمفهوم المسؤولية الاجتماعية من خلال بعض الممارسات التي تُعبِّر بصدق عن هذا المفهوم، ومن ضمنها إغاثة الملهوف والتكافل الاجتماعي ونصرة المظلوم وغيرها من الصور الجميلة ذات الدلالات العميقة في مفهوم المسؤولية الاجتماعية، والتي لا تزال تُمارس بين أفراد المجتمع.

فالمسؤولية الاجتماعية بمفهومها الحديث أو بمفهومها المتجذِّر في ديننا وأخلاقنا ليست شعارات تُرفع أو عبارات يُنادى بها فقط؛ بل هي عمل اجتماعي وأخلاقي وإنساني نبيل يجب القيام به وفق أطر تنظيمية وإستراتيجية بعيدة المدى، تأخذ في الاعتبار مصالح المجتمعات والأفراد على حد سواء. وأودُّ التركيز على خمسة جوانب مهمة للمسؤولية الاجتماعية، وهي كالتالي:

  • أولًا: الجانب التعليمي، ويتمثل في توفير فرص التعلُّم واكتساب المهارات اللازمة للعمل؛ وذلك من خلال إنشاء مراكز ومعاهد التأهيل والتدريب.
  • ثانيًا: الجانب الصحي، ويتمثل في تقديم الرعاية الصحية الأولية والمتقدمة، والقيام بحملات التثقيف الصحي والوقاية من الأمراض.
  • ثالثًا: الجانب الاجتماعي، ويتمثل في توفير الدعم المادي للمؤسسات الخيرية، ودعم البرامج والأنشطة الاجتماعية والإنسانية، إضافة إلى دراسة الظواهر والمشكلات الاجتماعية ومحاولة إيجاد حلول لها.
  • رابعًا: الجانب البيئي، ويتمثل في تبنِّي برامج المحافظة على البيئة، وعدم الإضرار بها بأي حال من الأحوال.
  • خامسًا: الجانب الاقتصادي، وفيه تسهم برامج المسؤولية الاجتماعية في زيادة الرفاه الاجتماعي والنمو الاقتصادي المستدام.

دور القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني في تفعيل مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات:

مع تطوُّر مفهوم المسؤولية الاجتماعية، لم يعُد أداؤها مقتصرًا على جهة واحدة، بل أصبحت مسؤولية تكاملية تتضافر فيها جهود القطاع الحكومي والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، فالقطاع الحكومي معنيٌّ بإنشاء قواعد المعلومات المطلوبة للشركات، وتقديم كافة المحفِّزات التي تُشجِّع على العمل في مجال خدمة المجتمع، وتقديم التسهيلات اللازمة للشركات لتنفيذ برامجها ومبادراتها الاجتماعية، ولا بد لإنجاح مبادرات المسؤولية الاجتماعية من إيجاد البنية التحتية التي ينبغي أن يمهدها القطاع العام في شكل أنظمة ولوائح وتشريعات تنظِّم وتُسهِّل على الشركات إطلاق مبادراتها في مناخ صحي مُنظَّم وشفَّاف يُشجِّع ويُحفِّز جميعَ الشركات بكافة فئاتها على تفعيل برامجها في المسؤولية الاجتماعية، وتسخير جهودها وإمكانياتها.

والقطاع الخاص مسؤوليته الاجتماعية تتمثَّل في قدرته على تلمُّس حاجات المجتمع وتجاوبه مع مؤسسات القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني لتحقيق أهداف تنموية مجتمعية مستدامة، والمساهمة في استقرار المجتمعات؛ وذلك من خلال إطلاق مشاريع ومبادرات وبرامج غير تقليدية تُسهم في إيجاد الحلول والمعالجات لبعض مشاكل المجتمع في جميع الجوانب التعليمية والصحية والاجتماعية والبيئية.

أما دور مؤسسات المجتمع المدني فيتمثل في النهوض بجهودها وإمكانياتها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، فلا يخفى على أحد أن دور هذه المؤسسات لم يعُد ينحصر في جَمْع التبرعات وإنفاقها مع ما تتحصل عليه من دعم حكومي على مشاريع خيرية ذات نفع مؤقت، والإسهام في إيجاد حلول عاجلة لمشاكل اجتماعية ومعيشية متفاقمة، بل إن هذا الدور تطوَّر بشكل إيجابي كبير ليشمل تصميم وتنفيذ برامج ومبادرات ومشاريع تسهم في إيجاد حلول جذرية لمشاكل المجتمع، وفي تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وذلك بالتنسيق المتكامل مع القطاعين العام والخاص في سعي دؤوب لتفعيل الشراكة المجتمعية والمسؤولية الاجتماعية لهذين القطاعين.

فالمسؤولية الاجتماعية لا تتعلق فقط بحجم التبرعات المالية والدعم الحكومي لمؤسسات المجتمع المدني؛ وإنما بأوجه الصرف على برامج ومشاريع اجتماعية مستدامة تلبي الاحتياجات المجتمعية ذات الأولوية القصوى. وهنا لا بد من التأكيد أنه ليس باستطاعة الشركات وحدها تحديد البرامج المطلوبة اجتماعيًّا، وإنما لا بد من عمل مشترك بين جميع مكونات المجتمع المحلي سواء أكانوا المؤثرين أم المتأثرين بتلك البرامج. وسيكون من غير المقبول أن تقوم الشركة بفرض برامجها من منطلق التكرم والصدقة (منحة) وليس كواجب ورغبة واهتمام (حق) يحتم تلبية الاحتياجات الحقيقية للمجتمع المحلي. فالهدف من برامج المسؤولية الاجتماعية هو تحقيق التوازن بين الشركة والمجتمع في إطار يحقق المنفعة للجميع. وعلى أي حال، فإن قضايا الفقر والبطالة والسكن تمثِّل أولوية اجتماعية واقتصادية وأمنية، وبالتالي يستلزم أن تركِّز تلك البرامج عليها. وإذا كانت بعض هذه البرامج تحتاج إلى موارد مالية كبيرة، فإنه بالإمكان تعاون عدة شركات في إنجاز هذه البرامج. وهذا التعاون بين جميع القطاعات يعَدُّ منطلقًا لتحديد توجُّه المسؤولية الاجتماعية للشركات السعودية، وكيفية مساهمتها بكفاءة وفاعلية واستجابة لمتطلبات المجتمعات المحلية.

ولكي نُحقِّق النجاح في ذلك لا بد أن تعيَ مؤسساتنا الحكومية والخاصة هذا الأمر، وتسعى لتحقيق المسؤولية المجتمعية وفق رؤية المملكة 2030، والتي تعَدُّ خارطةَ طريق لتحقيق التنمية المستدامة، والتي من أبرز أهدافها المسؤولية المجتمعية، وليس التركيز على المبادرات التطوعية الآنية التي سرعان ما تنتهي بمجرد انتهاء هذه المبادرة أو تلك؛ بل نحتاج إلى عمل مؤسسي مستدام يحقق التناغم بين محاور المسؤولية المجتمعية بأبعادها المختلفة (سواءً كانت بيئيةً أو اجتماعية أو صحية أو تعليمية أو اقتصادية) مع رؤية المملكة 2030 والمرتكزة على المجتمع الحيوي والاقتصاد المزدهر والوطن الطموح.

تأثير المسؤولية الاجتماعية للشركات على أدائها المالي:

وفقًا للعديد من الدراسات التي أُجريت مؤخرًا على الكثير من الشركات، وُجِد أن المسؤولية المجتمعية للشركات أصبحت أحدَ العوامل الأساسية التي تؤثر على أداء الشركات، حيث إنَّ ثمة علاقة بين البيئة الاجتماعية التي تعمل فيها الشركات، وتأثير الشركات على البيئة الطبيعية التي تعمل فيها؛ إذ إنهما جزآن مهمَّان في قياس أداء هذه الشركات، وقدرتها على الاستمرار في العمل بشكل مؤثر؛ وهو ما يعكس بشكل خاص أهميةَ وجود أنظمة اقتصادية بيئية وصحية ومساواة مجتمعية وحوكمة مؤسسية تحكم عمل هذه الشركات.

ولقد قدَّمت الأبحاث المتعلقة بالعلاقة بين المسؤولية الاجتماعية للشركات والربحية نتائج متناقضة، ومن أهم أسباب تناقض هذه النتائج هو إشكالية قياس الأداء الاجتماعي للشركة. إنَّ المسؤولية الاجتماعية للشركات مفهوم متعدد الأبعاد، ولكي نحصل على نتائج دقيقة يتوجب على الباحث قياس كافة هذه الأبعاد عبر صناعات ومجالات خدمية مختلفة؛ مما يجعل هذا المفهوم صعب القياس. وقد ركَّزت معظم الأبحاث على قياس بُعد أو بعدين من أبعاد المسؤولية الاجتماعية للشركات، وأهملت الأبعاد الأخرى، وهو ما جعل نتائج هذه الأبحاث عن العلاقة بين المسؤولية الاجتماعية للشركات والربحية غير دقيقة ومختلفة.

أظهرت بعض الدراسات أن هناك علاقة سلبية بين التزام الشركات بمسؤوليتها الاجتماعية وتحقيقها للأرباح، وأرجعت السبب إلى أن قيام الشركة بمسؤوليتها الاجتماعية يُضعِف من قدرتها التنافسية نتيجة تحمُّلها لتكاليف مشاريع المسؤولية الاجتماعية التي لا تتحمَّلها الشركات المنافسة. وهناك دراسات أخرى ادَّعت أنه لا توجد أي علاقة بين المسؤولية الاجتماعية للشركات وربحيتها، وأن السبب في ذلك أنه يوجد الكثير من العوامل المختلفة المشتركة بين المسؤولية الاجتماعية للشركات والربحية، فمن الصعب إثبات وجود علاقة بين المسؤولية الاجتماعية للشركات وربحيتها، وإذا وُجدت أي علاقة بينهما فلا يمكن إسنادها إلا إلى محض صدفة فقط؛ لأنه من الصعب إثبات وجود هذه العلاقة إحصائيًّا. وهناك نوع ثالث من الدراسات وجدت علاقة إيجابية بين المسؤولية الاجتماعية للشركات والربحية، وأرجعت ذلك إلى عدد من الأسباب، منها تحقيق الشركات التي تلتزم بمسؤوليتها الاجتماعية لسمعة جيدة في المجتمع؛ مما يزيد من عدد عملائها، وارتفاع قيمة أسهمها، وحصولها على بعض المزايا الحكومية كالإعفاءات الضريبية وغيرها. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن بعض الدراسات ربطت بين التزام الشركات بمسؤوليتها الاجتماعية وارتفاع معدلات الولاء لدى موظفيها، وهو ما ينعكس بالإيجاب على أدائها المالي.

برامج المسؤولية الاجتماعية في المملكة: شركة أرامكو نموذجًا:

المسؤولية الاجتماعية للشركات ــ كمفهوم حديث ــ أمرٌ جديد على المجتمع السعودي، حتى وإنْ كان له أصوله في الشرع الإسلامي من حيث الحث على البر والتعاون بين أفراد المجتمع، وانطلاقًا من أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. وإذا كانت نشأة هذا المفهوم في المجتمعات الرأسمالية الغربية تنبع من رغبة الشركات في تحسين صورتها التسويقية وتعزيز ولاء عملائها، والحصول على الدعم والتسهيلات الحكومية؛ فإن الدافع في بيئة الأعمال السعودية هو نتيجة ظهور للتحديات والمشكلات الاجتماعية، وضرورة أن تقوم الشركات التي تستحوذ على حصص كبيرة من مشاريع الإنفاق الحكومي بمشاركة المجتمع بجزء من أرباحها وذلك على هيئة مشاريع ومبادرات وبرامج تلبي حاجة المجتمع، وتسهم في حل بعض مشكلاته، ومواجهة بعض تحدياته. وهنا تبرز أهمية تنظيم هذه المبادرات ودراسة هذه المشاريع؛ لضمان عدم ازدواجيتها وتحقيقها لأهدافها المرجوة، واختيار البرامج التي تلائم البيئة المحلية، وذلك لضمان تحقيق المنفعة منها. ويمكن طرح عدة تساؤلات في هذا الإطار، مثل:

  • هل يُترك للشركات حرية اختيار الأنشطة المجتمعية المقدَّمة أم يكون هناك إلزام من قِبل جهة مختصة ببرامج معينة تسهم في التنمية المحلية المستدامة؟
  • هل ستقوم الجهة المختصة برسم التوجهات في مجال المسؤولية الاجتماعية بإنشاء قاعدة بيانات تحتوي على الأولويات والقضايا المجتمعية التي تستوجب مبادرات سريعة لحلها؟
  • هل ستأخذ برامج ومبادرات ومشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات في الاعتبار التغيرات السريعة الحادثة في السكان والاقتصاد والتقنية؟

لقد أصبحت القضايا المجتمعية أكثر تعقيدًا، وتتطلب حلولاً مبتكرة وسريعة، ومشاركة فاعلة وجدية ومسؤولة من مؤسسات القطاع الخاص التي تحقِّق عوائد اقتصادية مجزية دون أي مردود على المجتمع، ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى ضعف دور المسؤولية الاجتماعية في المملكة:

  • قلة الكوادر البشرية العاملة في مجال المسؤولية الاجتماعية.
  • عدم وجود برامج تدريبية متخصصة في موضوع المسؤولية الاجتماعية، إضافةً إلى عدم وجود مراكز متخصصة في تقديم هذا النوع من البرامج.
  • قلة الوعي والاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية من قِبل الشركات السعودية واكتفاؤها بالقيام ببعض الأنشطة الدعائية أو التسويقية كرعاية الندوات أو المؤتمرات، واعتبار ذلك ضمن مسؤوليتها الاجتماعية.
  • قلة الدراسات والأبحاث في مجال المسؤولية الاجتماعية في المملكة، على عكس اهتمام الباحثين به في الكثير من بلدان العالم.
  • ضعف جهود الشركات في التعريف بمبادراتها المجتمعية إعلاميًّا.

نحن بحاجة اليوم إلى تعزيز ثقافة المسؤولية الاجتماعية لدى أصحاب الأعمال والشركات، وبيان دورها الفاعل في نهوض المجتمع والاستثمار في رأس المال البشري الذي يعتبر إحدى ركائز التنمية المستدامة طويلة الأمد، والمساهمة في بناء جيل قادر على مواجهة التحديات.

وعلى الرغم من الجهود المباركة من بعض الجهات الحكومية والجمعيات وتبنيِّها للعديد من برامج وأنشطة مبادرات المسؤولية الاجتماعية، وعقد اللقاءات والمؤتمرات وورش العمل للتوعية بأهمية المسؤولية الاجتماعية؛ إلا أننا لا نزال نحتاج إلى المزيد من الاهتمام والتفاعل من الباحثين والمهتمين بمبادرات وبرامج ومشاريع المسؤولية الاجتماعية.

لا شك أن هناك العديد من الشركات السعودية التي خطت خطوات واسعة في تحقيق العديد من مبادرات المسؤولية الاجتماعية، مثل: شركة الاتصالات السعودية، وشركة المراعي، وشركة صافولا، ولكننا سنُسلِّط الضوءَ على شركة أرامكو السعودية؛ نظرًا لريادتها في هذا المجال.

إذا أخذنا شركة أرامكو السعودية كمثال على الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية، فإن عمرها الذي تجاوز الثمانين عامًا هو عمرٌ تاريخي كما تثبته اتفاقية الامتياز، ولكن عمر عطائها في مجال المسؤولية الاجتماعية أطول بكثير من عمرها التاريخي، فالمتأمل في تجربة أرامكو السعودية في مجال المسؤولية الاجتماعية والتي تبنتها الشركة؛ يجد أنها أصبحت منارة تضيء مسؤوليتها الاجتماعية في المجتمع السعودي. ويتبوأ قسم المسؤولية الاجتماعية في الشركة مكانة كبيرة من خلال تواصله مع كافة أطياف المجتمع، ويدل على ذلك أن الشركة قد وضعت مبدأ المواطنة كإحدى قيمها الأساسية، تلك القيم التي لا تقل أهمية عن خط عملها في النفط والغاز والبتروكيميائيات.

توقعاتنا جميعًا من أرامكو السعودية لا حدود لها، حيث اقترن عملها في أذهان الكثيرين بالجودة والتميز؛ لأنها تملك العقولَ النيرة فضلًا عن الإمكانات الأخرى. بل إن مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات انبثق من أرامكو، فالمدارس والمعاهد والمستشفيات وبعض الطرق التي شيدتها أرامكو قبل أربعة عقود في المنطقة الشرقية لا تزال في الخدمة. في جدة، أشرفت أرامكو على مشروعين عملاقين (جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، ومدينة الملك عبد الله الرياضية)، ولها مشاركات في المعارض الدولية والمحلية، وأفضل رعاية صحية تجدها في أرامكو، وأفضل تأمين طبي على المنتسبين والمتقاعدين تجده في أرامكو، وجهود أرامكو في الفترة التي توقفت فيها البعثات السعودية للخارج معروفة، فقد سارعت بتقديم ألف منحة دراسية للتعليم العالي، كان نصيب جامعة أم القرى منها مئة منحة خُصِّصت جميعها لطلبة كلية الطب في عام 1417هـ لسد العجز الكبير في الكوادر الطبية، وهناك العديد من المبادرات الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها. إذا نظرنا إلى البرامج المجتمعية في أرامكو، سنجد أنها تمنح القائمين عليها الكثيرَ من الشعور بالسعادة والرضا، وتعَدُّ فرصة ثمينة للتواصل مع المجتمع، وخطوة تأتي انسجامًا مع مسؤولية الشركة الاجتماعية، وتأكيدًا على القيم والمعاني العظيمة التي يحثُّ عليها ديننا الإسلامي الحنيف. كما تُعزِّز هذه البرامج الروابطَ الإنسانية، وتُسهم في المحافظة على القيم والثوابت الداعمة للتكافل الاجتماعي.

الخاتمة:

لقد تمَّ التعامل مع مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات في المملكة بشكل خاطئ لفترات طويلة من الزمن، وتم اعتبارها أعمالًا خيرية تقوم بها الشركات بين حين وآخر؛ وهو ما أدى لتكوين صورة ذهنية لدى المواطن السعودي بعيدة كل البعد عن الواقع الفعلي لما تنطوي عليه الأعمال التجارية المسؤولة. وقد ساهم هذا الفهم المنقوص في الحدِّ من تطبيق المفهوم الصحيح للمسؤولية الاجتماعية للشركات، حيث كانت الشركات تركِّز على المبادرات المجتمعية غير المتكررة في محاولة لاسترضاء الرأي العام، وتحسين صورتها أمام الجمهور؛ حيث لا توجد محفِّزات للشركات تدعوها لبناء إستراتيجية متكاملة للمسؤولية الاجتماعية، خاصة إذا كان القيام ببعض الأنشطة البسيطة أو حتى دفع بعض التبرعات يمنحها تغطية إعلامية جيدة، ولا يُحمِّل ميزانياتها مبالغ إضافية ضخمة تتطلبها برامج المسؤولية الاجتماعية.

ومع تطوُّر مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وزيادة انفتاح المملكة على دول العالم واستفادتها من تجاربها في مجالات عدة؛ برز دور الحكومة في تشجيع المسؤولية الاجتماعية للشركات، حيث تقوم الوزارات  والهيئات الحكومية المختلفة بمختلف مستوياتها بالتعامل مع فكرة المسؤولية الاجتماعية للشركات بجدية أكبر، استشعارًا منها بأهمية الدور الذي تلعبه شركات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني في ترسيخ مبادئ المسؤولية الاجتماعية؛ ومن هنا تأتي الحاجة لمظلة حكومية إستراتيجية تهدف لتشجيع ودعم الشركات التي تفكر في اتخاذ خطوات تجاه رفع مستوى المسؤولية الاجتماعية لها، وتؤسِّس لمؤشر وطني للمسؤولية الاجتماعية يأخذ في الاعتبار تحقيق الاستدامة وفق رؤية 2030، ويتوافق مع أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة في 17 محورًا، إلى جانب المطالبة بتعريف موحَّد للمسؤولية الاجتماعية وتحديد أطُرها، وتحديد جهة تشريعية للمسؤولية الاجتماعية في المملكة.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. فائزة العجروش

في الآونة الأخيرة عاد مفهوم المسؤولية الاجتماعية مجددًا وبقوة ليفرض نفسه على الساحة في ظل الأزمة الحالية لجائحة كورونا التي تشهدها الكثير من دول العالم ومنها المملكة، حيث سارعت العديد من الشركات الوطنية إلى المشاركة العاجلة بدعم القطاع الصحي بالأموال، أو بتأمين المعدات الطبية والأدوية، ‏أو بتوفير أماكن تُخصَّص كمستشفيات للحجر الصحي والعلاج‎. وإنْ كنا نطمح لأن تتحول هذه اللفتات الاستثنائية إلى ثقافة عامة للجميع وليس فقط لحالات معينة، خاصة في ظل إدارة دولتنا الاحترافية لهذه الحالة الاستثنائية وتحمُّلها العبء الأكبر، وهذا بعث لنا جميعًا رسالة اطمئنان وتحفيز بأن نتكاتف جميعًا بأي صورة من صور التضامن مع مجتمعنا لتخطي هذه الأزمة، والعمل على التخفيف من آثارها.

وبدوري أتساءل: هل المسؤولية الاجتماعية للشركات في الأحوال الاعتيادية: واجبة أم تطوعية؟ اختيارية أم إجبارية؟ وإجابتي أن “المسؤولية الاجتماعية عمل تطوعي ذو ‏التزام أخلاقي.

لأنه حتى الآن لا يوجد نصٌّ تشريعي صريح للمسؤولية الاجتماعية يوضح هل هي اختيارية أم إجبارية، لكن الأصل هو “الإلزام”؛ للتأكيد على أن هذا الالتزام بالأداء الاجتماعي لم يعُد خيارًا أمام المؤسسات، وإنما هو أمر ملزم مع أهمية الإفصاح عن مؤشرات الأداء.

وسأطرح وجهة نظري بعد أن كثُر الحديث مؤخرًا عن ضرورة سن قوانين تلزم الشركات باستقطاع جزء من أرباحها ومشاركتها المجتمع على شكل مساعدات مالية أو مبادرات ومشاريع تسهم في حل بعض مشكلاته ومواجهة بعض تحدياته، باعتبار أن المسؤولية الاجتماعية عمل مؤسساتي يحتاج إلى تقنين وتنظيم، وليست صدقة تُجبى للمحتاجين والفقراء والمتضررين. ففي اعتقادي أنه إذا توصلنا إلى تقنين قواعد للمسؤولية الاجتماعية أو تحديد نسب معينة من أرباح الشركات، ستنتفي صفة الطواعية في المسؤولية الاجتماعية؛ فكل إلزام يقابله جزاء.

لكن نؤكد هنا أن على الشركات التزام أخلاقي بمسؤولية مجتمعية متبلورة في عدة مجالات، من أهمها: مراعاة حقوق البيئة، وحقوق العاملين، وحقوق المجتمع المحلي المحيط بها، والالتزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ بمعنى أن نشاط الشركة يكون مُحقِّقًا لأبعاد إضافية، منها: الاهتمام بتغيرات المناخ والتصدي لها، ومنها الأمور الخاصة بالحوكمة سواء حوكمة الشركة أو علاقتها بمؤسسات المجتمع، وأيضًا تحقيق الأبعاد الاجتماعية. مع الامتناع عن الدخول في أي نوع من أنواع الأنشطة المشبوهة، أو أي نوع من أنواع الفساد. وقبل كل هذا، الالتزام بحقوق الدولة إذا كانت زكاة أو ضرائب أو جمارك أو رسومًا، وغيرها.

وقبل أن نحرص على قيام الشركات بالمسؤولية المجتمعية، وعلى طريقة الفرض والنافلة، لا تُقبل النافلة قبل أداء الفرض؛ فالفرض هنا هو التزام الشركة بالقيام بنشاط اقتصادي والالتزام بحقوق الدولة، والنافلة هي: دفع تبرعات لا تُغني مهما بلغت عن المستحقات التي فُرضت من أجلها الزكاة والضرائب والجمارك. مع التسليم بأن وجود الشركة كنشاط اقتصادي هو في حد ذاته نوعٌ من القيام بالمسؤولية المجتمعية من خلال مساندة المجتمع وتطويره، وتحسين مستويات معيشة أفراده، ومكافحة الفقر فيه، والارتقاء بمستوى التعليم والرعاية الصحية.

والواقع أن ‏سنَّ نسبة محددة من الأرباح أو وضع قانون خاص بالمسؤولية الاجتماعية يعني ما يلي:

  • خروج المسؤولية الاجتماعية ‏من إطار الاختيار إلى إطار الإجبار والإلزام القانوني وليس ‏الأخلاقي.
  • لا بد أن ‏يتكيَّف أي قانون يتم إصداره في هذا الجانب مع أي متغيرات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية.
  • ستقيد الجوانب التنظيمية الشركات، ولن تكون ‏قادرةً على اتخاذ ‏القرارات السريعة والمناسبة في مبادرات وبرامج المسؤولية الاجتماعية، كما أنها لن تتمكن من الإبداع أو الابتكار في هذا الجانب.‏
  • إلزام ‏الشركات بنسبة معينة من أرباحها، يعني أنَّها ستتحول بذلك إلى ‏ضريبة، وذلك التحول سيؤدي إلى تغيُّر المفهوم كليًّا.

وبناءً على ما سبق، يتعين علينا أولًا أن نؤكد: أن المسؤولية الاجتماعية هي ضمير ‏وشعور ومبادئ وأخلاقيات ومُثل تنبع من الداخل ومن قناعة القائمين على هذه الشركات، وليست استجابةً لتوجيهات خارجية وأنظمة تُفرض عن طريق القانون‎.‎ ومسألة المساهمة المادية من الشركة هي جزئية بسيطة جدًّا من المفهوم العام للمسؤولية المرتبط بالجانب الاقتصادي والتنمية والاستدامة.

وإذا لم يترسخ هذا المبدأ في الضمير فلن يجد تطبيقه على أرض الواقع ولو تم فرضه بالقانون؛ وسيجد ‏معارضوه منفذًا للتهرُّب من قوانينه وجزاءاته‎ أو عدم القيام به بالشكل المرجو ‎منه. ونرى أنه من الأفضل ألا يكون إلزامًا قانونيًّا؛ وإنّما نحرص على جعله التزامًا أخلاقيًّا، وهذا ما يجعله يتميز عن المسؤولية القانونية‎.

واقع المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص في المملكة:

ما زالت المسؤولية الاجتماعية للشركات في المملكة تتحسس ‏الخُطى على الرغم من المبالغ التي تُصرف في برامجها حتى وقتنا الراهن، ووفقًا للخبراء والقانونيين تغيب آليات وإستراتيجيات ‏انتشارها داخل مؤسسات القطاع الخاص؛ نظرًا لوجود عدد من ‏المعوقات – ذكرتها أ. بسمة – أدت إلى ضعف دورها في المملكة، ولعلِّي أضيفُ إليها هاتين النقطتين؛ أولًا: عدم وجود مرجعية رسمية تنظِّم أعمال المسؤولية الاجتماعية، ثانيًا: غياب التخطيط الإستراتيجي لأعمال المسؤولية الاجتماعية في ‏أغلب مؤسسات القطاع الخاص؛ لذا تظهر أغلب مبادراتها في صيغة أعمال خيرية ‏تقليدية عشوائية لا تسهم في عملية التنمية، ولا تقترب من مفهوم الاستدامة أو تدعو للابتكار‎. وحسب علمي، لا يوجد تعريف محدَّد ‏لمفهوم المسؤولية الاجتماعية بشكل قاطع في المملكة، ولم تطاله بعدُ التشريعات والقوانين بالتنظيم، كي يكتسب بموجبه قوة إلزام قانونية وطنية‏؛ لذا ستظل هذه المسؤولية في جوهرها أدبية ‏ومعنوية، وستستمد قوتها وقبولها وانتشارها من ‏طبيعتها الطوعية الاختيارية، وبطبيعة الحال ستكون هذه المسؤولية ليست ‏جامدةً؛ بل إنها ستتصف بالديناميكية والواقعية، والتغير والتطور المستمر.‎ ‎

وبشكل عام، فإن مستقبل المسؤولية الاجتماعية في المملكة يبدو ‏مبشرًا إذا عملنا وَفْق رؤى واضحة. ومن هنا، قد تتعدد صور ‏المبادرات والبرامج والفعاليات بحسب طبيعة البيئة المحيطة ونطاق ‏نشاط الشركات وأشكالها، وما تتمتع به كل شركة من ‏قدرة مالية وبشرية، وحسب ما يطرأ من أولويات مجتمعية.

وحيث إنَّ هذا المفهوم غير واضح لدى كثير من غير المختصين، فقد كان لزامًا تحريره؛ لتحديده ‏بشكل دقيق نظرًا لطابعه المتعدد الأبعاد الذي ‏يخلق أحيانًا بعضَ اللبس في علاقة المسؤولية المجتمعية ‏بالتنمية المستدامة أو بالاقتصاد الأخضر، وارتباطه بالحوكمة والشفافية؛ راجين لملمة الجهود المتناثرة في إطار يعود بالنفع على المجتمع.

وما أشارت إليه كاتبة الوقة الرئيسة من قصور الفهم والخلط لمفهوم المسؤولية الاجتماعية ‏لدى الكثيرين يعَدُّ بالفعل من أهم مشكلات المسؤولية الاجتماعية؛ فهناك مَن يرون أنها ‏مجرد تطوُّع وتبرُّع خيري فقط، وهناك من يصفونها بأنها هدر للموارد وليس استثمارًا، في حين نرى أنها مسؤولية تطوعية تزامنًا مع شراكة حقيقية طويلة المدى مع مختلف ‏القطاعات وفق برامج تُوضع بدقة، ويتم تطبيقها ‏وفق خُطط مدروسة‎.‎ وهذا المفهوم له بُعد أخلاقي ومجتمعي يرتبط بالسوك ‏التكاملي المستدام بقصد تحقيق التنمية المستدامة.‏ ‏

ولا بد أن تضع الشركات والمؤسسات التجارية مبدأ ‏المسؤولية الاجتماعية والاستدامة في رؤيتها وإستراتيجيتها ‏وخططها المستقبلية، ‏لكن للأسف غياب هوية وإستراتيجية وطنية لمفهوم المسؤولية المجتمعية في المملكة يجعل من الصعب معرفة الأولويات الوطنية، وكيفية تحديد أدوار ومسؤوليات وحجم مساهمة الشركات في التنمية المجتمعية.

من خلال ما سبق، ومن تأكيد الورقة لاختلافات الأطر  النظرية المفسِّرة للدور الاجتماعي للمؤسسات التجارية؛ تبرز هنا أهمية طرح عدة تساؤلات القصد منها: استكشاف وتحديد هوية للمسؤولية الاجتماعية للشركات في المملكة وخلق إستراتيجية فعالة لها، وتسليط الضوء على الطرق المُثلى لتطبيق المسؤولية الاجتماعية بما يتناسب مع البيئة السعودية، ومعرفة الأسس اللازمة لقياس فاعلية البرامج الاجتماعية لمنظمات الأعمال السعودية؛ للقيام بدورها المأمول في تنمية المجتمع المحلي صحيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وتقنيًّا وثقافيًّا، وما هي الجوانب التي يلزم أخذها بعين الاعتبار لضمان نجاح تلك البرامج؟ وما الدور المتوقع من الشركات السعودية؟ وما المطلوب منها فعلُه تجاه المجتمع؟ وما هي الأولويات المجتمعية والقضايا المهمة التي تستدعي مساهمة الشركات السعودية وتجعلها أكثر فاعليةً؟ وهنا، أجد أن اللجان المختصة بمجلس الشورى يقع على عاتقها اقتراح مشاريع الأنظمة المتعلقة بهذه المسؤولية وتأسيسها وتطوير مفهومها ومستوى الوعي بها، وما هي الأسس التي تساهم في قبول شركات الأعمال طواعية ‏لمسؤوليتها الاجتماعية إلى جانب مسؤوليها الاقتصادية ‏التقليدية؟ وهل من مصلحة المجتمع إلزام الشركات السعودية بتقديم برامج وأنشطة مجتمعية للمساهمة في التنمية المحلية؟ خاصة ونحن نرى على أرض الواقع ثقافة عطاء قوية ومتأصِّلة في تجارب تطوعية ناجحة لشركات مملوكة لأسر معروفة بحب عمل الخير، وتتضمن مؤسسات خيرية مستقلة، من أمثلتها: الراجحي، السبيعي، الموسى، العنود الخيرية، وهل سيكون من المفيد تأسيس مركز مستقل (كمركز الملك سلمان للإغاثة) تحت مظلة وطنية؛ لتحديد الاحتياجات المحلية، وتصميم برامج المسؤولية الاجتماعية، وتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المطلوب؟ وما الدور الذي ستلعبه جائزة يقودها مسؤول حكومي رفيع المستوى أو أحد أثرياء المجتمع في تحفيز وتثقيف مؤسسات القطاع الخاص على القيام بدورها المرجو في المسؤولية الاجتماعية؟ كما دأبت المملكة دومًا على تشجيع المبادرات وخاصة ‏الفردية وتكريم القائمين عليها – مواطنين ‏ومقيمين – عند قيامهم بدور فعال في خدمة الدولة، كحالات التبرع بالدم أو مساعدة المتضررين عند نزول الأمطار الغزيرة.

ولكي يتحقق الدور المأمول من الشركات على المستوى الوطني، يجب أن يكون خلفه:

  • دافع ديني وأخلاقي ووطني يتسق مع أهداف رؤية 2030.
  • عائد استثماري ذو ارتباط وثيق بالتنمية المستدامة.
  • إستراتيجية فعالة وتنظيم واضح للمسؤولية الاجتماعية.
  • التزام بتضمين الإنفاق ومؤشرات الأداء في هذا الجانب في تقاريرها السنوية.
  • ضرورة وجود إطار يقرب هدف الشركة مع هدف المجتمع؛ حتى لا يكون هناك تعارض في المصالح الشخصية للشركات على ‏حساب المجتمع‏.
  • متابعة دقيقة من مظلة متخصصة تنظِّم الجهود وتوجهها التوجيه الأمثل.
  • تعاون وتكامل وتناغم مع الشركات الرائدة في هذا المجال ومع الجهات الحكومية سعيًا لتحقيق أهداف موحَّدة تحقِّق أهدافَ الرؤية، بدون صراع أو هيمنة جانب على آخر.

ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة للمجتمع المحلي من برامج المسؤولية الاجتماعية، لا بد من حدوث الآتي:

  • إيجاد مظلة حكومية تهدف لتشجيع ودعم ورفع مستوى ‏المسؤولية الاجتماعية للشركات‎ وتحوِّلها من مجرد أعمال خيرية عشوائية أو برامج تطوعية قد لا تُحقِّق أهدافها إلى خطط تنموية وطنية ومبادرات مؤسسية قابلة للتنفيذ والقياس.
  • خلق منصة تفاعلية مباشرة مع المجتمع؛ للوقوف على احتياجاته وتحديد أولوياته حسب المتغيرات المتسارعة، مع ضرورة ملاءمة هذه المشاريع لتحقيق أهداف رؤية 2030.
  • التخصص في مجالات المسؤولية الاجتماعية التي تتوجه إليها ‏الشركات كلٌّ حسب تخصصها، بحيث يكون في صلب مهامها وتتماشى مع أولويات التطوير الحكومي للخدمات الاجتماعية.
  • ضمان التحول من مبادرات اختيارية إلى عمل مؤسساتي له مصادر ‏تمويل وأوجه صرف ‏‎وتحكمه معايير جودة عالية تقوم ‏على الحوكمة والشفافية والمسؤولية والالتزام، وإيجاد مؤشرات حقيقية قابلة لقياس الأداء الاجتماعي.

في هذا السياق نؤكد على أن تنظيم المسؤولية الاجتماعية مطلبٌ وطني، ونطمح أن يكون للدولة دورٌ فعَّال في تنظيم المسؤولية الاجتماعية؛ أولًا: لأن الدولة أحد المستفيدينَ الرئیسيینَ من إدراك ‏الشركات لدورها الاجتماعي؛ الأمر الذي يسهم في تخفيف ‏الأعباء التي تتحمَّلها في سبيل أداء مهامها ‏المختلفة، وثانيًا: لأن بعض الشركات ترغب في تنفيذ دورها داخل محيط تواجدها، والبعض ترغب في تقديم تبرعات مادية وخلافه؛ لذا من المهم في هذه المرحلة أن يكون دور الدولة تنظيميًّا لتلك الشركات باختيار النشاط المناسب لها، وتوجيهها حسب الأولويات المجتمعية والظروف الطارئة، من خلال ما يلي:

  • خلق بيئة مواتية وداعمة ومحفِّزة ‏على توسيع أنشطة المسؤولية الاجتماعية.
  • وَضْع لوائح وبروتوكولات – منظمة وليست ملزمة – لخلق هوية محدَّدة للمسؤولية الاجتماعية.
  • تجنُّب التدخل الحكومي لإجبار الشركات على تحمُّل مسؤوليتها الاجتماعية.
  • وضع أطر ‏التطبيق والتسهيل وحوكمة الجوانب المؤسسية.
  • سن دليل استرشادي أو مدونة تتضمن السلوكيات وأخلاقيات الأعمال التي يجب على الشركات اتباعها.
  • خلق فرص ومنابر للتفاعل وتبادل الخبرات.
  • الاستفادة من إنجازات وتجارب ‏الدول الرائدة عربيًّا ودوليًّا، ودراسة جوانبها ‏الإيجابية كنموذج لابتكار ‏قواعد بيانات مستنيرة، تعي واقعنا واحتياجاتنا تمامًا ‏في المملكة. ‏
  • دعم ‏النهج الوقائي للتحديات البيئية، وتوجيه التوعية من توعية قائمة على الإرشاد المباشر للأفراد إلى مشاركة أفراد المجتمع، وإشراك الفرق التطوعية في تنفيذ البرامج ‏التوعوية المعنية ‏بالعمل ‏البلدي.‏
  • الاهتمام بتنمية ثقافة المسؤولية الاجتماعية، وغرس قيمها بدءًا من الأسرة.

والمؤكد أنه ليس باستطاعة الشركات وحدها تحديد البرامج المطلوبة اجتماعيًّا، وإنما لا بد من عمل مشترك بين جميع مكونات المجتمع المحلي؛ فهناك مسؤوليات جِسام للمسؤولية الاجتماعية للشركات لا يصح أبدًا تركها لمجرد مبادرات طوعية غير ملزمة، ولا مجال فيها للارتجال والفردية، وهذا يستدعي تضافر كل الجهود التشاركية، والتنسيق المستمر ‏فيما بينهم، بمسؤولية واعية نحو استشراف ‏مستقبل واعد ومتوازن، ومواكبة المتغيرات. ومن منطلق أهمية توافق المسؤولية الاجتماعية مع أجندة 2030، واتساق السعي وراء تحقيق الأهداف الوطنية، نجد أن ما ينقصنا هو: (العمل على رفع كفاءة المتخصصين السعوديين في مجالي المسؤولية الاجتماعية والاستدامة)، و(إكساب القطاع الأهلي الممارسة ‏المؤسسية اللازمة)؛ حتى يتمكن من تجاوز المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي الفاعل، أسوة بمبادرات القطاعين التجاري والصناعي التي تعتبر مبادرات مؤسسية قابلة للتنفيذ ‏والقياس.

وختامًا، إذا كانت المخاوف على الصحة العامة وسلامة المجتمع والبيئة هي التي أفضت إلى المسؤولية المجتمعية في السابق، ولأن الدنيا تغيَّرت، سلامتنا الرقمية تعدُّ اليوم من أبرز التحديات الإنسانية، ولأن التحول الشامل نحو الرقمنة يتطلب نوعًا جديدًا من المسؤولية الرقمية لحماية خصوصية العملاء؛ أودُّ أن أضيف جانبًا سادسًا للجوانب الخمسة للمسؤولية الاجتماعية المتضمَّنة في الورقة الرئيسة، يختص بـ (المسؤولية الرقمية) للشركات بوصفه معيارًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا للشركات والمؤسسات – تنبَّه له خبراء الأمم المتحدة في عام 2015م وظهر لأول مرة اصطلاح CDR في ثنايا دليل الأمم المتحدة – للمساهمة في حماية الأمن السيبراني للمجتمعات والأفراد، وإضفاء البعد الأخلاقي والإنساني على أي إستراتيجيات أو خطط تحول رقمي بحيث لا يكون الربح المادي هو الباعث الوحيد لتلك الإستراتيجيات.

  • التعقيب الثاني: د. ناصر القعود

أفردت كاتبة الورقة الرئيسة جزءًا خاصًّا عن المسؤولية الاجتماعية للشركات السعودية، وعرض الأسباب المؤدية لضعفها، ثم استعراض موجز لبعض الشركات السعودية التي خطت خطوات واسعة في تحقيق العديد من مبادرات المسؤولية الاجتماعية، وذكرت – على سبيل المثال – شركات الاتصالات السعودية والمراعي وصافولا، مع ذكر أوسع لمبادرات شركة أرامكو التي تعتبر نموذجًا متميزًا خلال تاريخها الطويل.

ويمكن أن يُضاف لهذه الأمثلة تجربة شركة عبد اللطيف جميل والبنوك السعودية، ولا سيما مصرف الراجحي والبنك الأهلي وبنك الرياض؛ فلديها برامج ومبادرات مجتمعية جيدة وملموسة.

للمساهمة في النقاش حول ما طرحته كاتبة الورقة من تساؤلات، ومنها: هل يُترك للشركات حرية اختيار الأنشطة المجتمعية أم يكون هناك إلزام وتوجيه من جهة مختصة بأنشطة معينة؟

أرى أن تُترك حرية الاختيار للشركات لتقديم مبادراتها والتنافس مع مثيلاتها في هذا المجال، ولها حق التعاون متى شاءت مع مؤسسات المجتمع المدني، على أن تُفصح عن هذه المبادرات في تقاريرها. والشركات قادرة على مواكبة التغيرات المتسارعة في الاقتصاد والتقنية، وذلك ما يقوم به عدد من الشركات من خلال التدريب ودعم المؤتمرات العلمية وتشجيع المبادرات الفردية وغير ذلك من المبادرات.

أمّا ما يتعلق بأن تقوم جهة أو جهات مختصة برسم التوجهات في مجال المسؤولية الاجتماعية فذلك وارد؛ إذ لا بد من وضع قواعد وأنظمة تنظِّم ذلك وتشجِّع عليه. وبالفعل وبالنسبة للمملكة، فيمكن أن يُشار إلى ما قامت وتقوم به في هذا المجال كلٌّ من: هيئة السوق المالية، ومؤسسة النقد، ووزارة التجارة.

سأشير هنا إلى ما تضمنته “لائحة حوكمة الشركات” الصادرة عن هيئة السوق المالية بتاريخ 16/5/1438 والمعدلة بتاريخ 15/9/1440؛ حيث نصت المادة ٨٧ الخاصة بالمسؤولية الاجتماعية على “تضع الجمعية العامة العادية- بناءً على اقتراح من مجلس الإدارة – سياسة تكفل إقامة التوازن بين أهدافها والأهداف التي يصبو المجتمع إلى تحقيقها بغرض تطوير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع”.

وتنص المادة ٨٨، عن مبادرات العمل الاجتماعي، على أن “يضع مجلس الإدارة البرامج ويحدد الوسائل اللازمة لطرح مبادرات الشركة في مجال العمل الاجتماعي، ويشمل ذلك ما يلي:

  • وَضْع مؤشرات قياس تربط أداء الشركة بما تقدمه من مبادرات في العمل الاجتماعي، ومقارنة ذلك بالشركات الأخرى ذات النشاط المشابه.
  • الإفصاح عن أهداف المسؤولية الاجتماعية التي تتبناها الشركة للعاملين فيها، وتوعيتهم وتثقيفهم بها.
  • الإفصاح عن خطط تحقيق المسؤولية الاجتماعية في التقارير الدورية ذات الصلة بأنشطة الشركة.
  • وضع برامج توعية للمجتمع للتعريف بالمسؤولية الاجتماعية للشركة.”

وتضمنت المادة ٨٣، عن تنظيم العلاقة مع أصحاب المصالح، الطلب من مجلس الإدارة وَضْع سياسات وإجراءات واضحة ومكتوبة لتنظيم ما يتعلق بالمساهمة الاجتماعية للشركة.

وحرصًا على الإفصاح عن ذلك، نصت المادة ٩٠ على أن يتضمن تقرير مجلس الإدارة “تفاصيل المساهمات الاجتماعية للشركة..

أتفقُ مع أ. بسمة في أن مصطلح المسؤولية الاجتماعية للشركات ما زال يعاني من عدم الوضوح، وعدم وجود حدود فاصلة بينه وبين المفاهيم الأخرى ذات الصلة، مثل: المسؤولية الأخلاقية، والمسؤولية القانونية، والمسؤولية الاقتصادية.

ومن أشهر التعريفات للمسؤولية الاجتماعية للشركات “التزام المنشأة تجاه المجتمع الذي تعمل فيه، والإسهام في تنمية موارد المجتمع وتحسين نوعية الحياة فيه، وفق عمل مؤسسي ومستدام”. ويأتي عدم الوضوح من أن أي شركة عليها مسؤوليات متعددة: مسؤولية اقتصادية بتقديم منتجات بنوعية جيدة تلبي احتياجات المجتمع، وعليها في الوقت نفسه تحقيق عوائد مجزية للمستثمرين، ومسؤولية قانونية للالتزام بالأنظمة والقوانين، ومسؤولية أخلاقية لتحقيق العدل والمساواة تجاه العاملين فيها ومعها والمستخدمين لمنتجاتها، ومسؤولية مجتمعية تجاه المجتمع الذي تعمل فيه والبيئة المحيطة بها من خلال المحافظة على البيئة والمساهمة في التنمية الشاملة والمستدامة.

وأختمُ بالجواب على سؤال: المسؤولية الاجتماعية للشركات حقٌّ أم منحة؟ بأن تفعيل المسؤولية الاجتماعية للشركات حقٌّ للمجتمع، ويتم ذلك من خلال مِنح ومبادرات بشكل مؤسسي ومنتظم.

  • المداخلات حول القضية:
  • المفهوم العام للمسؤولية الاجتماعية:

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن المسؤولية الاجتماعية تأتي كعبارة لها دلالتها المعنوية؛ بمعنى أن الفرد يقع على عاتقه مسؤولية مجتمعية تحتم عليه أن يكون عنصرًا فاعلًا في المناشط المتعددة داخل مجتمعه. وعبارة (مسؤولية اجتماعية) هنا تُعبِّر عن هاجس حسي يُشعِر الفرد بالواجب الملقى على عاتقه خلال تعايشه ومعايشته مع أبناء مجتمعه، وبحكم أن الأصل في السعي نحو المؤازرة والمساندة داخل المجتمعات تتأتى من الأفراد ابتداءً؛ إلا أن الفرد مع النمو السكني المطرد وترامي أطراف المدن، فضلًا عن تعدد وتنوع احتياجات المجتمعات، لم يعُد هو المسؤول الوحيد في تلبية احتياجات مجتمعه؛ وهو ما أدى إلى وجوب النهوض بهذه المسؤوليات من لدن منظمات ومنشآت اقتصادية، يتحتم عليها الأمر المشاركة في تقديم الدعم والمؤازرة للمجتمع.

وذكرت د. عائشة الأحمدي أن تعريف المسؤولية الاجتماعية في ضوء محدداتها بحسب ما تنص عليه اللوائح المناط بها في القطاعات المختلفة، فيحددها تعريف القطاع ذاته بحسب الجانب المناط به في المسؤولية المجتمعية. فمثلًا، المسؤولية الاجتماعية في قطاع التعليم العالي وبحسب المفوضية الأوربية، فإنه يتعين على الجامعات أن تتحمل مسؤولية العواقب الناتجة عن إستراتيجياتها، كما أن التحول في النظرة العامة للجامعة من مزوِّد للخدمات التعليمية، إلى رافد يُعوَّل عليه في إنتاج مواطنين مدربين من أجل دخول منافسة عالمية، يلزمها بأن تكون مسؤولة نحو المجتمع الذي توجد به، والقفز فوق حاجز اعتبار التعليم سلعة للبيع والشراء – النظرة التي أسهمت فيها تأثيرات العولمة. أما في الشركات فلكل شركة مفهوم خاص بحسب النشاط لها، والمحدَّد في وثائقها وبروتوكولاتها، طبعًا في ضوء محددات المفهوم العام للمسؤولية المجتمعية.

  • المسؤولية الاجتماعية للشركات ما بين التطوع والإلزام:

يرى أ. لاحم الناصر أن الأصل عدم الإلزام، والتصوُّر أنه لا توجد دولة في العالم تلزم بالمسؤولية الاجتماعية؛ بل هي التزام أخلاقي ومهني من الشركات؛ صحيح قد يوجد بعض القوانين التي تُلزم ببعض الجوانب التي تُصنَّف من قبيل المسؤولية الاجتماعية مثل بعض القوانين البيئية، وبعض أنظمة العمل وغيرها؛ لكن المسؤولية الاجتماعية كنظام كامل لا يوجد إلزام بها.

من ناحيته تساءل د. رياض نجم: لماذا نُطالب أو نتوقع أن يكون للشركات الخاصة مسؤولية اجتماعية، في حين أننا لا نسمع أبدًا بهذه المطالبة من رجال الأعمال الأثرياء؟ فإذا نظرنا إلى الموضوع من ناحية المسؤولية تجاه المجتمع، فإننا نجد بالتأكيد أن الفرد الثري أكثر استغلالًا لمقدرات المجتمع من الشركة الخاصة، حيث إنَّ ملَّاك الشركة متعددون ويمكن أن يصلوا إلى آلاف بل إلى ملايين أحيانًا. وبنظرة واقعية، نجد أن الغرض من الاستثمار الخاص في شركة هو الحصول على مردود تجاري من وراء هذا الاستثمار. وإذا انتفى هذا الغرض تصبح الشركة غير هادفة للربح. وإذا بررنا أهمية المسؤولية الاجتماعية بأنها جزء من رد الجميل للمجتمع الذي استفادت منه هذه الشركة، فكيف ولماذا نتوقع أن تقوم الشركة بهذه المسؤولية دون أن يكون لها أي حافز لذلك (مادي أو معنوي أو ضريبي أو غير ذلك)؟ وما لم تتوفر هذه الحوافز فسيظل تقديم المسؤولية الاجتماعية محدودًا جدًّا. كذلك فإن علينا المطالبة بها من الأفراد والشركات الخاصة على حد سواء.

وعقَّب م. إبراهيم ناظر بأن العلاقة بين الشركة (كمستثمر) والبيئة والمجتمع المحلي الذي تتواجد به الشركة هي علاقة تكافل (win-win)، فرضتها الضرورة حتى تتم الاستدامة لأعمال الشركة والتنمية للمجتمع والمحافظة على البيئة، فتتحقق الفائدة للجميع؛ لذلك حلَّ الآن مفهوم تعظيم الفائدة محل مفهوم تعظيم الربح.

  • تقييم تجارب الشركات السعودية الكبرى المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية:

في تصوُّر م. إبراهيم ناظر، فإن مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات في السعودية ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسات المتعمقة والأبحاث والحوار من خلال إقامة ورش العمل والندوات؛ لتوضيح مفهوم ومجالات المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص (الشركات). لكن المؤكد أن المسؤولية الاجتماعية تمثِّل ضرورة مهمة في توفير احتياجات المجتمع المحلي من استثمار في تشغيل، وتأمين صحي وتعليم وتدريب وتثقيف، وخلق بيئة نظيفة، وغيرها من متطلبات المنافع الاجتماعية وترابط تنمية المجتمع مع تنمية القطاع الخاص، ولا تزال الشركات السعودية شبه غائبة في التصنيفات الدولية في الاستجابة للقضايا الاجتماعية والبيئية.

وتساءلت د. فوزية البكر بشأن ما ورد في الورقة الرئيسة حول تجربة أرامكو في المسؤولية الاجتماعية المستدامة، هل تمت دراسة وتسجيل هذه المبادرات وغيرها مثل المبادرات الاجتماعية لشركة عبد اللطيف جميل، وكذلك شركة المراعي والاتصالات؟ فالتسجيل يفيد في تعريف الشركات الأخرى بالمنافذ الاجتماعية التي يمكن خدمتها، كما أن الترويج لها إعلاميًّا يدخلها في المناخ العام الذي يتقبلها ويبدأ المطالبة بها.

ومن جانبها أوضحت أ. بسمة التويجري أنه وفيما يتعلق بمدى توثيق الشركات الكبرى مثل أرامكو وغيرها من الشركات والبنوك التجارية للمبادرات في مجال المسؤولية الاجتماعية، يمكن القول إن هذه المنشآت التجارية أدركت أهمية دور المسؤولية الاجتماعية في تعزيز وجودها من ناحية، وفي أداء واجبها نحو مجتمعها من ناحية ثانية؛ فبدأت بتأسيس وحدات إدارية متخصصة للمسؤولية الاجتماعية فيها، حتى قام بعضها بتشكيل لجنة تابعة لمجلس الإدارة اسمها لجنة المسؤولية الاجتماعية كما هو الحال في البنك السعودي الفرنسي، على سبيل المثال. وتقوم هذه الوحدات الإدارية أو اللجان المتخصصة بوضع الإستراتيجيات والمشاريع والمبادرات التي تصب في خدمة المجتمع بشكل مستدام. كما أنها بدأت بالإعلان عن هذه المبادرات والمشاريع بشكل مكثَّف من أجل تحفيز بقية الشركات على أن تحذو حذوها.

وأشار د. عبد العزيز الحرقان إلى أننا نحتاج إلى تعريف المسؤولية الاجتماعية ومستوياتها. فقد تُحقِّق نشاطات الشركة نوعًا من المسؤولية الاجتماعية بشكل غير مباشر أو بدون تخطيط مسبق (مثل استخدام ممرات الأسواق لرياضة المشي لسكان الحي) أو بشكل مخطط له ويندمج مع قيم الشركة وأهداف التسويق. دول العالم لا تجبر على نشاطات المسؤولية الاجتماعية، ولكن تقدم تحفيزات. ففي الولايات المتحدة يحقٌّ للشركة خصم جزء مما تدفعه في مشاريع المسؤولية الاجتماعية من المستحقات الضريبية. ويحدِّد القانون الحد الأقصى للمبلغ المستقطع من الضريبة. وفي السعودية، تنقسم المسؤولية الاجتماعية إلى قسمين: نشاطات تندرج تحت حكم مصروفات الزكاة والصدقة، وقسم آخر لغير ذلك. فتجد الشركات تحبذ القسم الأول احتسابًا للأجر.

ويرى م. خالد العثمان أن أحد أوجه الخلل التي تشوب مفهوم المسؤولية الاجتماعية يتمثَّل في خلطها بمفهوم العمل الخيري، وهما بالطبع أمران مختلفان اختلافًا كليًّا وموضوعيًّا وهيكليًّا برغم التشابه الظاهري المفعم بالنوايا الحسنة. ولعل هذا الخلط هو أحد أسباب قصور الحراك المؤسسي في تدعيم المسؤولية الاجتماعية، إذ إنَّ كثيرًا من الشركات تكتفي بمبادرات في المجال الخيري، وتعمد إلى تسجيله في سجل المسؤولية الاجتماعية.

ومن ناحيته يرى د. زياد الدريس أن “المسؤولية الاجتماعية” مصطلح جديد على مجتمعنا؛ ولذا فإنه لم تستقر حتى الآن ترجمته إلى اجتماعية أو مجتمعية، ولم يعرف كثير من الناس الفرقَ بينه وبين العمل الخيري. لكنَّ جِدّة المصطلح والمفهوم لا تعني بالضرورة جِدّة الوجود والممارسة. فنحن نستطيع بأثر رجعي أن نعيد تسمية كثير من الأعمال المجتمعية التي كانت تقدِّمها المؤسسات ورجال الأعمال قبل ٤٠ أو ٥٠ سنة أو أكثر بأنها مسؤولية مجتمعية، لكنها كانت تُسمَّى شيئًا آخر حينذاك. المدارس والمستشفيات التي أنشأتها شركة أرامكو في الخمسينيات، هل كانت تُصنَّف حينذاك تحت اسم مسؤولية مجتمعية؟ وقِس على هذا ما قامت به شركات أخرى.

وفي الإطار ذاته، أوضحت أ. بسمة التويجري بعضَ الفروقات بين العمل الخيري والمسؤولية الاجتماعية والأعمال التطوعية على نحو ما يُبيِّنه الشكل التالي:(*)

أما د. نبيل المبارك فيرى أنه ونظرًا لأن مفهوم المسؤولية الاجتماعية في أصله الغربي هو جزء من منظومة متكاملة؛ فإننا نجد أن تلك المسؤولية تُنفَّذ من قِبل الشركات ضمن هذه المنظومة، ففي جزء منها تسويقي، وجزء آخر عملي للحصول على امتيازات وتفضيلات أو إعفاءات ضريبية أو رسوم، وجزء منها عقائدي. هذه المنظومة – مع الأسف – غير موجودة، وعلى سبيل المثال: لو أن الشركة أنفقت ٥٠٪؜ من دخلها في سبيل المسؤولية المجتمعية، فلن تحصل على أي ميزة تنافسية أو إعفاء من الرسوم، بل وقد تنعكس سلبًا في بعض الحالات على الشركة؛ لأنها تثير تساؤلًا لدى المنافسين.

  • مقترحات لتعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات:

أكد م. إبراهيم ناظر على أن تعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات في المجتمع السعودي يستلزم الأَخْذ بما يلي:

  1. العمل على ترسيخ ثقافة المسؤولية الاجتماعية في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
  2. إيجاد إستراتيجية واضحة فيما يتعلق بما يجب على الشركات من دعم في مجال احتياجات المجتمع المحلي.
  3. تعظيم الفائدة (الاستفادة بين المستثمرين والمجتمع المحلي الذي يُستثمر فيه) بدل تعظيم الربح، وتعزيز المردود الإيجابي لمساهمة الشركات في مجال البيئة والمجتمع المحلي.

وترى أ. د. مجيدة الناجم أنه يلزم العمل على تأصيل المفهوم بصورة أكبر، وإيجاد آلية لتفعيل المسؤولية الاجتماعية في القطاع الخاص، وأن يُستعان بالخبراء والمتخصصين حتى تكون برامج مُعبِّرة عن احتياج فعلي ولا يترتب عليها مصروفات وهدر دون فائدة. لذا، لا بد من وجود جهة مسؤولة عن تنظيم المسؤولية الاجتماعية للشركات تكون بمثابة موجِّه وداعم، وتتضمن مسؤولين من القطاع الخاص والشركات إضافةً إلى متخصصين في مجالات أخرى ذات صلة ببرامج التنمية الاجتماعية ونحوها في شتى المجالات؛ بحيث تحصل على برامج ونماذج قابلة للاستمرار، وتُحقِّق الهدف المرجو منها.

وأضاف د. عبد القادر أمير أنه لا شك أن على القطاع الخاص مسؤوليات وواجبات دينية وأخلاقية في اتجاه تطوير المستوى العلمي والثقافي والمادي في المجتمع. والتصور أنه ينبغي تقنين هذه المسؤوليات من قِبل الدولة. ومن أهم هذه المسؤوليات: إقامة دورات تدريبية لعامة الناس لتطوير قدراتهم التقنية أو المهنية، إضافةً للمساهمات في الجمعيات الخيرية الموجَّهة للتدريب والتأهيل العملي والمهني والمالي. أيضًا، لا بد أن تكون البرامج التدريبية متخصِّصة في كيفية بدء أعمال جديدة، وكيانات عملية صغيرة، وطرق التمويل.

ومن ناحيتها ترى د. الجازي الشبيكي أنه وبما أن مصطلح المسؤولية الاجتماعية يتضمن 3 عناصر، هي: الاهتمام والفهم والمشاركة؛ فعلينا التركيز على إثارة الاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية لدى الشركات، ورفع مستوى الوعي والفهم بأولويات وقضايا المجتمع التي تستوجب المبادرات السريعة لحلها، وتحفيز ومتابعة مشاركة الشركات والتنسيق فيما بين القطاعات المختلفة، ومن ثَمَّ المتابعة والتقييم والتقويم. لكن السؤال هنا، ما هي الجهة المسؤولة عن تلك المهام مع تعدُّد الجهات التي تعتبر نفسها مظلة للمسؤولية الاجتماعية؟ هل هي وزارة الموارد البشرية والتنمية، أم الغرفة التجارية، أم مجلس المسؤولية الاجتماعية بإمارة المنطقة؟ والتصوُّر أن العمل التنسيقي هنا مطلوب جدًّا من الجهات الثلاث أعلاه، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث في الجامعات في إطار رؤية المملكة 2030.

ويرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن المفترض ألا تتأتى مسألة القيام بمهام المسؤولية الاجتماعية كفرض نظامي على المنشآت، فالأصل هنا كونها تعَدُّ ضمن الأعمال التطوعية مع الخيرية من لدن تلك المنشآت للوطن والمواطنين.

وفي المقابل، أكَّد د. صدقة فاضل على أنه لا يجب جَعْل المسؤولية الاجتماعية وأدائها أمرًا اختياريًّا، بل لا بد من إصدار قانون يحدِّد – بصفة عامة – المسؤولية الاجتماعية للقطاعات الثلاثة: العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني بأنواعها. ولا بد أن يحدِّد القانون مسؤولية كل قطاع وكل جزئية في القطاع.

وفي اعتقاد أ. لاحم الناصر، فإننا بحاجة إلى هيئة مستقلة للمسؤولية الاجتماعية تضع الأنظمة لها، وتُراجع التقارير الصادرة، وتُصدر تقارير خاصة عن المسؤولية الاجتماعية، وتقدِّم دورات فيها، وتمنح شهادات مهنية فيها، كما أننا نحتاج كذلك أن يتم تعديل الأنظمة الضريبية بحيث تأخذ في الاعتبار ما تقدِّمه الشركات في سبيل المسؤولية الاجتماعية لتستفيد منه كخصم من الوعاء الضريبي.

‏في حين يرى د. حمد البريثن أن من أهم المساهمات الممكنة أن تقوم تلك الجهات بتبنِّي برامج تدريبية بنظام العمل الجزئي مرتبطة بالمؤسسات التعليمية، لتأهيل الكوادر من الطلاب والطالبات للدخول لمعترك الحياة مع وجود مناعة للكثير من المشاكل الواقعية؛ نظرًا لعملهم بتلك الجهات خلال مرحلة مبكرة تضمن كفاءةَ التهيئة.

وفي تصوُّر م. فاضل القرني، وانطلاقًا من مبدأ أن المسؤولية الاجتماعية هي ضمير وشعور ومبادئ وأخلاقيات ومُثل تنبع من الداخل ومن قناعة القائمين على هذه الشركات؛ فإنه لا بد أن يوافق هذا المبدأ الإنساني المدني القانون والأنظمة الضامنة لاستمراره في الحركة والاتجاه الصحيح، من خلال إستراتيجية وطنية والمعني بها هي الحكومة التي يتوافر لديها المعلومات والإحصاءات الحيوية المتصلة بالتخطيط. كما يُناط بالحكومة تحديد مجال مساهمة الشركات وأصحاب رؤوس الأموال والتجار.

ومن جانبه يعتقد أ. جمال ملائكة أن مجتمعنا وشركاتنا ومؤسساتنا تحتاج إلى وقت لتصل إلى المستوى التنظيمي اللائق والفعَّال للمساهمة في مسألة المسؤولية الاجتماعية، حيث إنَّ حجم المساهمة الحالية محدود وجهودها متناثرة، وقد لا تتسم بالاستدامة بصفة عامة. لذلك، فمن المهم إنشاء هيكل تنظيمي حكومي يضمُّ متخصصين في مفهوم وتطبيق المسؤولية الاجتماعية. ومن الأفضل أن يكون هذا التنظيم تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية، وتكون ميزانيته من بند مساهمات من كافة الشركات، وقد يكون مثلًا 1٪؜ من أرباح القطاع الخاص يتم تحصيلها مع الزكاة.

أما د. مساعد المحيا فيرى أن ثمة ضرورة لهيئة مدنية تمثِّل مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، ترعى العديد من المبادرات المجتمعية وتعرضها على مختلف المؤسسات والشركات وعلى الشخصيات الاعتبارية والمقتدرة ماليًّا، وكذلك على المؤسسات الحكومية؛ لخلق توازن في إنتاج ورعاية العديد من الأعمال التي يحتاجها المجتمع.

  • التوصيات:
  • إنشاء مجلس للمسؤولية المجتمعية يكون بمثابة المرجعية لأنشطة ومبادرات المسؤولية الاجتماعية التي تتبناها الشركات والمؤسسات لتنمية المجتمع وتلبية احتياجاته، ويكون هو المظلة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية على مستوى المملكة، ومن أعماله: تشجيع ودعم ورفع مستوى ‏المسؤولية الاجتماعية للشركات‎ وتنظيمها وتوجيهها.‎
  • التأسيس لمؤشر وطني للمسؤولية الاجتماعية يُبنى على معايير متوافقة مع مبادئ العدالة والتكافل، وينشر تصنيفه الدوري للشركات السعودية بناءً على مساهماته الاجتماعية.
  • إصدار وزارة التجارة وهيئة سوق المال لوائح تنظِّم المسؤولية الاجتماعية للشركات على غرار لوائح الحوكمة، بعضها إلزامي والبعض استرشادي، تهدف إلى تنظيم وتحفيز العمل الاجتماعي للمنشآت الخاصة.
  • وضع آليات لقياس الأثر الاجتماعي لبرامج المسؤولية الاجتماعية للشركات؛ وهو ما يعزِّز المصداقية والمقارنة والتواجد في المجتمع.
  • قيام الجامعات والمعاهد المتخصصة بتأسيس وتقديم برامج متخصصة في المسؤولية الاجتماعية.
  • خلق منصة تفاعلية مباشرة مع المجتمع للوقوف على احتياجاته وتحديد أولوياته، مع الأخذ بعين الاعتبار ملاءمة هذه المشاريع لأهداف رؤية 2030.
  • التخصص في مجالات المسؤولية الاجتماعية التي تتوجه إليها ‏الشركات كلٌّ حسب تخصصها، بحيث يكون في صلب مهام الشركات، وتتماشى مع أولويات الاحتياجات الاجتماعية.
  • أهمية تضمين الشركات والمؤسسات التجارية مبدأ ‏المسؤولية الاجتماعية والاستدامة في رؤيتها وإستراتيجيتها ‏وخططها المستقبلية، وإلزامها بقياس الأثر الاجتماعي لمبادراتها في مجال المسؤولية الاجتماعية، والأخذ بنتائجه عند تقييم هذه المبادرات.
  • التوعية بأهمية المسؤولية الاجتماعية المنوطة بالقطاعين الأهلي والخاص.

القضية الثانية

نظام التعليم العالي الجديد بين تحقيق الاستقلالية وضمان تكافؤ الفرص التعليمية

(16/8/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. د. عائشة الأحمدي
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. د. راشد العبد الكريم
  • التعقيب الثاني: أ. د. فوزية البكر
  • إدارة الحوار: أ. د. الجازي الشبيكي
  • الملخص التنفيذي:

أكدت أ. د. عائشة الأحمدي في الورقة الرئيسة على أن نظام التعليم السعودي قد شهد في السنوات الأخيرة نقلةً نوعية واكبت توجهات رؤية المملكة 2030، عبر إعادة هيكلة مؤسسات التعليم العام والجامعي، وإصدار نظام الجامعات الجديد. ومن أبرز ملاحظات د. عائشة الاستقرائية على نظام التعليم العالي الجديد ما يلي:

  1. النظام الجديد ركَّز على استقلالية التمويل مع استمرار ارتباط الجامعات ماليًّا بمخصصات من ميزانية الدولة.
  2. الترشيحات والتعيينات للعمداء ورؤساء الأقسام جاءت شبيهة ببيروقراطيتها السابقة.
  3. إغفال دور أعضاء هيئة التدريس (غير المنخرطين في العمل الإداري) في اتخاذ القرارات أو تقييمها، حيث لا يملكون وسيلة لإيصال أصواتهم فيما يخص اختيار ممثِّليهم في مجلس الأمناء أو التصويت على بعض قرارته أو على الأقل اختيار ممثِّليهم من عمداء أو رؤساء أقسام كما هو متعارف عليه أكاديميًّا في كثير من الجامعات العالمية.
  4. النظام الجديد لم يتناول المعيارَ الثاني من معايير تقييم المؤسسة التعليمية، وهو شرط تكافؤ الفرص التعليمية في الدخول لمؤسسات التعليم العالي فيما يرتبط ببُعد الجدارة.
  5. لم تتعرض مواد النظام الجديد لسياسة القبول فيما يخصُّ ضمان عدم جَعْل القدرة على دفع الرسوم معيارًا من معايير القبول في كافة البرامج ومستوياتها باستثناء ما جاء في حقِّ الجامعات في أَخْذ رسوم في برامج الدراسات العليا.
  6. مواد النظام الجديد لم تأتِ بما يضمن استمرارية مجانية التعليم على مستوى البكالوريوس رغم تأكيد المسؤولين على ذلك في تصريحاتهم اللاحقة، كذلك الأمر بالنسبة لمكافآت الطلبة.

أيضًا، فقد تطرقت د. عائشة لدور التعليم الجامعي في الحراك الاجتماعي ومنحه فرص النمو والقوة للأفراد وتمكينه الطامحين ذوي الكفاءة من تحقيق الحراك الصاعد دون تمييز. ثم ختمت بعددٍ من المقترحات والتوصيات لضمان استقلالية الجامعات بنفس القدر من ضمان تكافؤ الفرص التعليمية.

أما أ. د. راشد العبد الكريم، فذهب في التعقيب الأول إلى أن إغفال النظام الجديد لبعض الجوانب الإدارية، يُعدُّ من القضايا الإجرائية التي يمكن التعامل معها بأنظمة فرعية في حينها بما يحقِّق المصلحةَ، وأن تضمينها في النظام قد يثير إشكالاتٍ نظاميةً أخرى، وقد يولِّد مقاومةً للتغيير.  وأكد أ. د راشد كذلك على أهمية معيار تحقيق شرط تكافؤ الفرص التعليمية في الدخول لمؤسسات التعليم العالي فيما يرتبط ببُعد الجدارة، وهو ما لم يتناوله النظام كما جاء في الورقة الرئيسة. ثم بيَّن كيف كان للتعليم الجامعي المدعوم من الدولة الأثر الكبير في النهضة الحضارية الشاملة التي حقَّقتها المملكة.

في حين ركزت أ. د. فوزية البكر في التعقيب الثاني على ذكر عدد من التحديات التي يواجهها التعليم العالي في ظل توجُّهه نحو الاستقلالية الإدارية والمالية المنشودة في النظام الجديد؛ منها الزيادة الكبيرة لخريجي التعليم العام، وزيادة الطلب الاجتماعي على مؤسسات التعليم العالي تحت بند تكافؤ الفرص الذي ذُكِر في الورقة الرئيسة، ومنها تحدي الثورة التكنولوجية والتقدم العلمي الهائل أمام مؤسسات التعليم العالي التقليدية، إلى جانب تحدي توفُّر التمويل المالي في ظل الصعوبات الاقتصادية الحالية. وأوردت أ. د. فوزية البكر مقترحاتٍ محددةً يمكن أن تساعد في تحقيق الاستقلال المالي للجامعات بعدد من الأنشطة التي تُسهم في الوصول لما يُعرف بالجامعة المُنتِجة من خلال أساليب ووسائل متعددة تمَّ ذكرها في التعقيب، مُدعمةً بأمثلة من نماذج جامعات عالمية مرموقة نجحت في تحقيق الاستقلالية المالية، ويمكن العمل على تطويع تلك الإجراءات لتتلاءم مع واقعنا المحلي.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • المميزات المتضمَّنة في نظام الجامعات الجديد.
  • نظام التعليم العالي الجديد واستقلالية الجامعات.
  • الحراك الاجتماعي في ضوء نظام التعليم العالي الجديد.
  • ملاحظات على نظام الجامعات الجديد ومتطلبات تحقيق أهدافه المرجوة.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • أهمية تضمين لوائح النظام موادَّ واضحة وصريحة تضمن إلى جانب الاستقلالية، تكافؤ الفرص التعليمية بين فئات المجتمع المختلفة ضمانًا لاستمرار الحراك الاجتماعي الإيجابي الذي يُعدُّ التعليم العالي أحدَ أهمِّ عوامله.
  • التوسُّع في تقديم منح للطلاب غير السعوديين من المقيمين ومن الدول الإسلامية ودول العالم تفعيلًا لمتطلبات القوة الناعمة، بتمويل من برامج المسؤولية الاجتماعية أو المنظمات الدولية المانحة.
  • الورقة الرئيسة: أ. د. عائشة الأحمدي

شهد نظام التعليم السعودي في السنوات الأخيرة نقلةً نوعيةً واكبت توجهات رؤية المملكة 2030، عبر إعادة هيكلة مؤسسات التعليم العام والجامعي، وإصدار نظام الجامعات الجديد، الذي يستهدف تطوير قطاع التعليم الجامعي، بما يكفل الدفع بالكفاءات الوطنية لتُسهم في دعم واستكمال مسيرة النماء والازدهار، حيث جاء المنطلق الأساسي للنظام استقلالية الجامعات في تعزيز مواردها، وتحقيق كفاءة الإنفاق وتنمية القدرات والطاقات البشرية. والمتمعن بدقة في النظام المعدل يُدرك أن ما جاء في مواد النظام ليس إلا تحريرًا للجامعات من المواد التي تُقيِّد حريتَها في البحث عن مصارف لتمويل أنشطتها التعليمية والبحثية، وبصفة عامة فالنظام الجديد للجامعات يمثِّل تحولًا كبيرًا في مسيرة التعليم الجامعي في المملكة عما كان عليه سابقًا، ليكون متوائمًا مع ما ورد في رؤية المملكة 2030، فالإصلاح وإعادة هيكلة النظام التعليمي هو ما طالبت به الرؤية، حيث كان من طموحاتها السعي لأن تكون خمس جامعات من جامعات المملكة ضمن أفضل 200 جامعة في العالم، وإعادة النظر في التخصصات الجامعية الحالية وتطويعها لتتوافق مع احتياجات سوق العمل، والاهتمام بجودة التعليم الجامعي المقدَّم من خلال بناء شراكات إستراتيجية مع الجامعات العالمية، ومراقبة جودة المخرجات التعليمية. وفيما يتعلق بتنمية موارد الجامعة الذاتية، فهو وإنْ كان يعَدُّ نظرة مستقبلية إيجابية في النظام، لكن من المعروف أن الجامعات بدأت قبل سنوات في تنمية مصادر دخلها الذاتي، فأنشأت بعض الجامعات إدارات لاستثمار موارد الجامعة، وبعضها الأخرى أنشأت وكالة متخصصة لهذا الجانب، وجامعات أخرى أنشأت شركات مثل جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة طيبة، كما أن الجامعات بدأت بفرض رسوم على بعض التخصصات في الدراسات العليا وبرامج الدبلوم، هذا خلاف برامج التعليم عن بعد سابقًا.

من نظرة استقرائية سريعة على مواد النظام الجامعي المعدل، يمكن ملاحظة أن تحرير الجامعات من تكبيل مواد النظام السابق جاء محدودًا في البحث عن موارد للتمويل خارج إطار الدعم الحكومي دون غيره، فاستقلالية الجامعات – على سبيل المثال – في الترشيحات والتعيينات للعمداء ورؤساء الأقسام جاءت شبيهة بطريقتها البيروقراطية السابقة، يُضاف إلى ذلك ما صدر من تصريحات تشير إلى بقاء أعضاء الهيئتين الإدارية والأكاديمية في الجامعات على وضعهم وعدم تحويلهم بعقود سنوية؛ وهو ما يعني بقاءَ هذه الاستقلالية غير مكتملة الأركان، هذا خلاف ارتباط الجامعات ماليًّا بما تخصِّصه الدولة في ميزانية كل جامعة.

وعلى الرغم مما سُجِّل على النظام  في اكتمال حلقة الاستقلالية، سواء تلك الخاصة بإغفال دور أعضاء هيئة التدريس (غير المنخرطين في العمل الإداري) في اتخاذ القرارات أو تقييمها، حيث لا يملكون أيَّ وسيلة لإيصال صوتهم فيما يخص سياسة الجامعة، سواء من خلال اختيار ممثِّليهم في مجلس الأمناء، أو التصويت على بعض قراراته، أو على الأقل في اختيار ممثِّليهم من عمداء أو رؤساء الأقسام – كما هو متعارف عليه أكاديميًّا في كثير من الجامعات العالمية؛ إلا أن النظام لم يتناول المعيارَ الثاني من معايير تقييم المؤسسات التعليمية، وهو تحقيق شرط تكافؤ الفرص التعليمية في الدخول لمؤسسات التعليم العالي فيما يرتبط ببعد الجدارة، فإذا كانت مواد النظام الجديد لم تتعرض لسياسة القبول فيما يخص ضمان عدم جَعْل القدرة على دفع الرسوم التعليمية معيارًا من معايير القبول في كافة البرامج ومستوياتها، باستثناء ما جاء من حق الجامعات في أَخْذ رسوم في برامج الدراسات العليا، وسكت عمَّا يخص الدخول في برامج البكالوريوس، رغم تأكيدات أمين مجلس شؤون الجامعات أن النظام الجديد للجامعات لا يعني إطلاقًا توقُّف مكافآت الطلاب والطالبات أو فرض رسوم على التعليم العالي بالجامعات، لكنَّ الموادَ الثماني والخمسين لم تأتِ بما يضمن مجانية التعليم في مستواه الرابع، رغم تأكيدات المسؤولين انتفاء فتح الباب للجامعات في فرض رسوم الدخول لمرحلة البكالوريوس. فما ورد على لسان أمين مجلس شؤون الجامعات، حيث شدَّد “الصالح”، على أن مكافآت الطلاب والحديث عن فرض رسوم لا علاقة لها بالنظام الجديد للجامعات أبدًا، وأوضح أن الأمور المالية للجامعات لها قرارات مستقلة عن النظام التعليمي، مستشهِدًا بأن نظام مجلس التعليم العالي الصادر عام 1414هـ والفعَّال حتى الآن لم يتطرق على الإطلاق للمكافآت ولا الرسوم، مستبعدًا إمكانية حصول الجامعات على استقلالية تامة تمكِّنها من حجب مكافآت أو فرض رسوم على الطلاب الجامعيين، دون ضمان قانوني مُلزِم للجامعات في النظام الجديد.

ومن وجهة نظر أخرى، يذهب البعض ممَّن يميل إلى أن التعليم الجامعي هو بوابة الحراك الاجتماعي الصاعد داخل الطبقة، وبين الطبقات الاجتماعية، من خلال مَنْحه فرصَ النمو الفردي والحراك الاجتماعي والقوة السياسية والاقتصادية للمحرومين، وتمكينه الطامحين ذوي الكفاءة من تحقيق الحراك الصاعد دون تمييز، لا سيما أن المجتمعات كافة تعتبر التعليم حقًّا من حقوق الإنسان تجب كفالته للجميع، حتى وإنْ بدت صعوبة تحقيق ذلك في الواقع. أما في تلك المجتمعات التي يقتصر فيها حقُّ التعليم – نظريًّا أو فعليًّا- على طبقة معينة، يصير التعليم أداةً للحراك الصاعد داخل نطاق هذه الطبقة فقط. وقد أشارت الكثير من الدراسات التي تناولت الحراك الاجتماعي إلى أن التعليم الجامعي أصبح مطلبًا أساسيًّا للحراك الصاعد لا سيما في بعض التخصصات القيادية، حيث ظهر أن التعليم الجامعي قد لعب دورًا مهمًّا في الحراك الاجتماعي عند أبناء الطبقتين الدنيا والمتوسطة نتيجة لالتحاقهم بالجامعة، فأبناء الدخل المنخفض والوظائف الدنيا الذين التحقوا بالتعليم الجامعي تقلُّ احتمالية التحاقهم بوظائف دنيا. ويتضح أن التعليم الجامعي يلعب دورًا مؤثرًا في عملية اتساع البناء الاجتماعي في البلاد التي تلتحق نسبة كبيرة من أبنائها بالتعليم الجامعي أكثر من البلاد التي تلتحق فيها نسبة قليلة بالتعليم الجامعي.

إن الدور التقليدي لمؤسسات التعليم العالي في دعم الحراك الاجتماعي كان وما زال محطَّ اهتمام صنَّاع السياسة وباحثي علم الاجتماع، وهذا ما دفع غولدثورب وجاكسون Goldthorpe & Jackso,2008)) للقول إن نظام التعليم العالي القائم على الجدارة والاستحقاق من الممكن أن يعادل الطبقة الاجتماعية في تحديد المخرجات الاقتصادية، فالتعليم ما بعد الثانوي في النظام القائم على الجدارة هو عبارة عن مصفاة تمنع تسرُّب الوضع الاقتصادي للوالدين لأبنائهم، وهو ما يساعد في تعزيز الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

وفي المجتمع السعودي يرى كثيرون أن التعليم في العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي وخاصة التعليم الجامعي قد أحدث تعديلًا على البنى التقليدية للمجتمع، حيث تمكَّن التعليم أن يُغيِّر بعضَ الشيء من الذهنية الجماعية، إذ ساهم مساهمة فعالة في حركة الحراك الاجتماعي، وراهنت الدولة عليه كمحدِّد حاسم للحراك الصاعد وتوسيع شريحة الطبقة المتوسطة، فمن خلال تعميم التعليم وما رافقه من حوافز وتشجيعات، استطاعت البلاد خلال عقود من الزمن أن تعيش حراكًا غذَّى قطاعات التنمية المختلفة، وجعل سياسة السعودة أمرًا ممكن الإنجاز بدايةً من تسعينيات القرن الماضي في العديد من القطاعات الاقتصادية والإدارية. واستطاع التعليم الذي ترتهن إليه حركة الحراك الاقتصادي والوظيفي، أن يُحدث تعديلًا ما في البنية الطبقية، فكثير من أبناء الأسر منخفضة الدخل حققوا مستوى مهنيًّا ومعيشيًّا دخلوا به إلى مستويات مختلفة داخل الطبقة المتوسطة، وكان من بين أهم العوامل التي أدت إلى ترتيب المهن والوظائف، وله دور كبير في حراك الأفراد ضمن هذا الترتيب.

لكنَّ افتقار مواد النظام الجديد لمادة حاسمة تضمن عدم لجوء الجامعات لجَعْل الرسوم التعليمية هي المعيار المرجَّح لدخول الطلبة للجامعات، على حساب الجدارة، حيث لم تتضمن أي مادة من موادِّه الثماني والخمسين نصًّا يضمن مجانية الدخول لمؤسسات التعليم العالي وفقًا للجدارة؛ ولعل ما يؤكد هذه الشكوك هو السكوت عن وجود أي مادة تخصِّص نسبة من مقاعد الجامعات للفئات الأقل حظًّا في المستوى الاقتصادي (مستفيدي الضمان الاجتماعي، والجمعيات الخيرية، وذوي الاحتياجات الخاصة، وغيرهم من بقية الفئات المحرومة)، ولا سيما أن القبول في تلك الجامعات ملزم لها سياسيًّا بدفع مكافأة شهرية قد تشكِّل عبئًا إضافيًّا على موازنة التعليم، لا سيما أن المنطلق الأساسي لصدور النظام هو إعطاء الجامعات استقلاليتها في زيادة المشارب التي توفرها لها رسوم الطلبة كقنوات استثمارية، تشرعها المقارنات المرجعية العالمية، وتوصيات المنظمات الدولية، ويُخشَى أن تكون رسوم الدخول للطلاب في برامج البكالوريوس أهم القنوات التي قد تلجأ لها الجامعات مع عدم وجدود مادة صريحة بمجانية التعليم العالي.

إن تحقيق استقلالية الجامعات، وفي نفس الوقت ضمان تكافؤ الفرص من خلال ضمان مجانية التعليم، يتطلب تضمين النظام موادَّ واضحةً وصريحة في هذه المعادلة؛ من خلال إضافة مواد تنصُّ صراحةً على ما يضمن توافرهما، على أن يكون من بينها ما يلي:

  1. يتم قبول الراغبين في الالتحاق بالجامعات ما نسبته 60%من خريجي الثانوية العامة، وتكون الدراسة مجانًا
  2. وتتم المفاضلة بين المتقدمين مما تنطبق عليهم جميع الشروط ووفقًا لنسبتهم الموزونة التي تحدِّد شروطها الجامعات.
  3. يُخصَّص ما نسبته 5% من مقاعد المقبولين في الجامعات للفئات الخاصة لمستفيدي الضمان الاجتماعي، وأبناء منسوبي الجامعات وأبناء شهداء الواجب ورعايا الجمعيات الخيرية.
  4. يتم ترشيح رؤساء الأقسام وعمداء الكليات وفق مقياس مركَّب من ثلاثة جوانب، يُحدَّد لكل جانب نسبة في المقياس يضمن الآتي:
  • أولًاً – تصويت المنسوبين:
  • تحديد نسبة لا تقل عن 30 في المئة، لتصويت أعضاء هيئة التدريس في القسم والكلية من خلال رابط إلكتروني، يتم سحب نتائجه بسرية متناهية، ويُوضع على أساس هذا التصويت النسب للأفراد المرشحين للمنصب.
  • تُوضَّح شروط للمتقدمين للترشيح على المنصب، من ضمنها ألا تقل رتبة المرشَّح عن أستاذ مساعد.
  • يُفاضَل بين المتقدين وفق معايير معينة، يكون من ضمنها الرتبة الأكاديمية.
  • ثانيًا – ترشيح صاحب الصلاحية: يُرشح صاحب الصلاحية ثلاثة أعضاء هيئة تدريس، من خلال إعطاء درجة تقييم وفق استمارة محددة البنود.
  • ثالثًا – النشاطات العلمية: تُوضع معايير لها تقييم من خلال توافر مؤشرات واضحة وصريحة، مثل: عدد الأبحاث المنشورة، تأثير أوعية النشر، تطوير البرامج، وغيرها من معايير تصبُّ في هذا الباب.
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. د. راشد العبد الكريم

يعَدُّ التعليم بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص من المجالات الرئيسة في الرؤية التطويرية، رؤية 2030. ويأتي ذلك إيمانًا من الرؤية بأهمية التعليم بمستوياته كافة في تحقيق النجاح لأي خطة تطويرية وطنية. ترى الورقة التي قدَّمتها سعادة أ. د. عائشة الأحمدي بعنوان (نظام التعليم العالي الجديد بين تحقيق الاستقلالية وضمان تكافؤ الفرص التعليمية) أن النظام الجديد للجامعات يرمي إلى تطوير قطاع التعليم الجامعي، ليكون قادرًا على الدفع بالكفاءات الوطنية لتُسهم في مسيرة النماء والازدهار الوطني؛ وذلك من خلال تعزيز استقلال الجامعات لتنمية مواردها وتحقيق كفاءة الإنفاق فيها، وترشيد القبول كمًّا وكيفًا ليتوافق بفعالية مع احتياجات سوق العمل. ولا شك أن هذا يتوافق مع التوجُّهات الحديثة في التعليم العالي في العالم، ويتماشى أيضًا مع التوجهات الاقتصادية العالمية.

إلا أن الورقة ترى أن تحرير الجامعات من تكبيل النظام الإداري السابق جاء محدودًا في البحث عن موارد للتمويل، ولم يتوسع ليشمل إعطاء المرونة في الجوانب الإدارية التي تحكم الجامعة، خاصة ما يتعلق بتعيين العمداء ورؤساء الأقسام. كما أن الورقة ترى أن النظام سمح ببقاء أعضاء هيئة التدريس والإداريين على النظام القديم.

ووجهة نظري أن إغفال هذه القضايا أمرٌ إيجابيٌّ لسببين: الأول: أنها قضايا إجرائية، يمكن التعامل معها بأنظمة فرعية في حينها، بما يحقِّق المصلحة وبما يقتضيه الوضع بعد التطبيق. الثاني: أن تضمينها في النظام قد يثير إشكالاتٍ نظاميةً أخرى، وقد يولِّد مقاومة للتغيير للنظام الجديد، بسبب قضايا إجرائية تنفيذية كان يمكن تأجيلها لحين استقرار النظام الأساسي.

النقطة المهمة الثانية التي تعرضت لها الورقة، والتي هي فعلاً جديرة بالاهتمام، (أن النظام لم يتناول المعيار الثاني من معايير تقييم المؤسسات التعليمية، وهو تحقيق شرط تكافؤ الفرص التعليمية في الدخول لمؤسسات التعليم العالي فيما يرتبط ببعد الجدارة،…). وهذه نقطة مهمة، يجب فعلاً التنُّبه لها، ولها في الحقيقة شقان: الأول (تكافؤ الفرص)، والثاني (مجانية التعليم الجامعي) – خاصة مرحلة البكالوريوس. ويمكن أن يُضاف شقٌّ ثالث، وهو (مكافأة الطلاب الجامعيين). ومع أن الشقين الأولين (أعني تكافؤ الفرص ومجانية التعليم الجامعي) أكثر أهميةً وأجدر بأن يُنصَّ عليهما في النظام. فتكافؤ الفرص – من حيث المبدأ – مقوم أساس من مقومات المجتمعات الحديثة، وشرط أساس لنهوضها الشامل ورفاهيتها وازدهارها. وهي – أعني الرفاهية والازدهار- من الأمور التي أكدت عليها الرؤية.

إلا أن الشق الثالث (مكافأة الطلاب) يمكن أن يُغفل في النظام؛ لأنه قضية إجرائية، تخضع للظروف، وقد يمكن استبدالها بأنواع بديلة أو موازية من المكافآت. فيمكن النظر في وضع قائمة حقيقية من التسهيلات ذات القيمة تُخصَّص للطلاب بشروط معينة، مع إيجاد فرص عمل بمقابل للطلاب داخل الجامعة. إن تكافؤ الفرص ومجانية التعليم العالي أمران مرتبطان (بالأساس الاجتماعي للتعليم الجامعي)، ويجب أن تُؤخذ مبادئ هذا الأساس بعين الاعتبار عند التعامل معهما.

نقطة أخرى أثارتها الورقة وهي علاقة التعليم الجامعي بالحراك الاجتماعي، وكيف أن التعليم الجامعي بتوجيه من الدولة كان له أثر إيجابي كبير في ترشيد الحراك الاجتماعي وتطوير المجتمع. فقد كان للتعليم الجامعي المدعوم من الدولة الأثر الأكبر في النهضة الحضارية الشاملة التي حقَّقتها المملكة، وأرى أن قلق كاتبة الورقة حول هذا الشأن له ما يسوِّغه، بل قد يكون هو المتعين؛ من حيث إنَّ فرض الرسوم على الطلاب قد ينتهي بجَعْل التعليم نخبويًّا ينتهي بإيجاد طبقية تعليمية في المجتمع.

إن السمة الاقتصادية التي طغت على النظام الجامعي الجديد يجب أن لا تُنسينا الطبيعةَ الأصلية للمجتمع السعودي ونظامه السياسي، والعلاقة الفريدة المتميزة التي نشأت بينهما. هذا النموذج يجب أن يسعى التعليم الجامعي لتطويره وتعزيزه، ثم استبطانه في مواده، بما يعود على المجتمع بالازدهار والاستقرار.

إن تطوير نظام الجامعات يجب أن يتواءم مع الأسس الفلسفية والاجتماعية والنفسية والعلمية التي يقوم عليها التعليم في المجتمع. إن عدم مراعاة هذه الأسس أو التركيز على أساس واحد (أو جزئية منه) على حساب الأسس الأخرى، من المرجَّح أن يحدَّ من ثمار هذا التطوير، وربما أوجد مشكلاتٍ مماثلةً أو أكبر من المشكلات التي سعى لحلها. كما أنه يؤدي إلى وجود تناقضات عضوية ومنظومية داخل المجتمع.

  • التعقيب الثاني: أ. د. فوزية البكر

صدر الأمر الكريم باستقلال 3 جامعات (الملك سعود، الملك عبد العزيز، الإمام عبد الرحمن بن فيصل) وفق نظام الجامعات الجديد كمرحلة أولى، حيث نصَّ نظام الجامعات الجديد على منح الجامعات، التي سيُطبَّق عليها النظام، مدة انتقالية (سنة) من تاريخ نفاذ النظام؛ بحيث يستمر خلالها العمل باللوائح الجامعية الحالية إلى أن يُصدر مجلس شؤون الجامعات اللوائح المالية والإدارية والأكاديمية للجامعات، لتتوافق مع أحكام النظام، وبما لا يخلُّ بسلطة مجالس الأمناء في الإشراف على الجامعات، ولمجلس شؤون الجامعات زيادة المدة الانتقالية لتلك الجامعات أو بعضها، على ألا يتجاوز التمديد (ثلاث) سنوات من تاريخ انتهاء المدة الانتقالية المحدَّدة بـ (سنة).

ماذا يعني هذا الاستقلال بشكليه الإداري والمالي؟ وكيف يمكن زرع مؤسسة مستقلة إداريًّا وماليًّا في مناخ حكومي غارق في البيروقراطية، بل ويشد عليها بالنواجذ؟

يواجه التعليم العالي لدينا تحديدًا عددًا من التحديات، ومنها:

  • الزيادة السكانية الكبيرة لخريجي التعليم العام؛ مما يعني زيادة الطلب الاجتماعي على مؤسسات التعليم العالي، وهو ما ناقشته أ. د عائشة الأحمدي تحت بند تكافؤ الفرص التعليمية وخاصة للفئات الأقل تمكُّنًا من ذوي الدخول المحدودة أو من أبناء المناطق البعيدة عن المدن الكبرى وأبناء شهداء الواجب، وغيرهم من الفئات التي تحتاج دعمًا خاصًّا يحقِّق الحراك الاجتماعي لهذه الفئات، لتخرج من دائرتها الاجتماعية إلى أخرى أكثر استقرارًا مهنيًّا واجتماعيُّا؛ مما يُحسِّن مخرجات هذه الأسر عبر الأجيال القادمة.
  • تحدي الثورة التكنولوجية والتقدم العلمي الهائل وخاصة أمام مؤسسات التعليم العالي التقليدية التي يواجه التدريس فيها والبحث العلمي وخدمة المجتمع (وهي الوظائف الأساسية للجامعات) تحديات حقيقية قد تعصف بوجودها. (انظر مثلاً: الانهيار الجليدي القادم: التعليم العالي والثورة القادمة، 2013).
  • تحدي توفُّر التمويل المالي: حيث تواجه معظم الدول تحديات فعلية في توفير ميزانيات حكومية كافية لمؤسسات التعليم الجامعي، مما دفع بها إلى التقليص التدريجي للدعم المالي الحكومي، وهو ما يضع الجامعات أمام تحدي البحث عن موارد مالية جديدة.

يركِّز نظام الجامعات الجديد على الدفع بالجامعات الحكومية لتحقيق الاستقلال المالي التدريجي عن المخصصات الحكومية عبر توفير مواردها المالية الخاصة، وهذا يتوافق مع ما يُعرف بنموذج الجامعة المنتجة، والتي يمكن تعريفها بأنها: الجامعة المتفاعلة مع المجتمع من خلال مجموعة من النشاطات المضافة لدورها الأساسي، تُحقِّق من خلالها موارد إضافية لها تُعزِّز من موازنتها وتعطيها المرونة الكافية لتطوير بعض نشاطاتها وخدماتها التعليمية؛ أو هي الجامعة التي تُحقِّق وظائف التعلم والبحث العلمي والخدمة العامة، والتي تتكامل فيها هذه الوظائف لتحقيق بعض الموارد المالية الإضافية للجامعة، من خلال أساليب ووسائل متعددة؛ منها التعليم المموَّل ذاتيًّا، والتعليم المستمر، والاستشارات والبحوث التعاقدية، والأنشطة الإنتاجية (السعيد عثمان، 2018).

وهذا النموذج موجود في أغلب الجامعات الغربية فهارفارد وستانفورد تمكنتا من تحقيق استقرارهما المالي عبر ما يُسمَّى بالتبرعات سواء من خريجيها السابقين أو الأغنياء، أو عبر وصايا الإرث التي قد تشمل عقاراتٍ أو لوحاتٍ فنية أو أسهمًا، إلخ  Fund raising and Endowmen (انظر هذا الفيديو حول أهم المصادر المالية لجامعة هارفارد: https://www.youtube.com/watch?v=CSdQDbx4raM )

كما تشمل نشاطات الجامعات الاستثمار في أسواق الأسهم والسندات، والدخول في شركات مع نطاقات تجارية وصناعية، وغير ذلك من الأشكال المتعارف عليها عالميًّا لتهيئة موارد مستقلة للجامعات.

الآن، نأتي لهذه النماذج ومدى ملاءمتها للواقع المحلي، والذي تسلَّح هو الآخر بنماذج أكثر مناسبة ثقافيًّا، مثل الأوقاف التي أثبتت نجاحها الكبير عبر تجربة جامعة الملك سعود، كما بادرت بعض هذه الجامعات للانفتاح تجاريًّا على مشاريع متنوعة لتصبح الإدارة الناجحة لشركاتها إحدى الأذرع الحقيقة للجامعات، وهو ما قد يُخرجها عن نطاق وظائفها الأساسية (وهي التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع) إلى الغرق في العمل التجاري والربحي، لكن لتحقيق الاستقرار المالي فلا خيار للجامعات إلا باعتمار هذه القبعة.

فكرة التبرعات للجامعات غير معروفة ثقافيًّا لدينا، ويمكن العمل تدريجيًّا على جَعْلها جزءًا من ثقافة المجتمع مع أَخْذ الاحتياطات الأمنية المناسبة التي تفرضها ظروف بلادنا في مجال مكافحة جمع التبرعات لأغراض مشبوهة، وهو الأمر الذي دفع الدولة – حفظها الله – لتقييدها، لكننا ومع شُحِّ الموارد الحكومية بحاجة إلى فتح هذ الملف مجددًا وتخليصه من عوالقه التاريخية والثقافية حيث هو مصدر أساسي لكل الجامعات الكبيرة حول العالم، ويُلاحظ مثلاً أن جامعة الملك سعود عُنيت في السنوات الأخيرة بالتواصل مع الخريجين وإقامة وحدات خاصة بمتابعتهم على أمل الحصول على دعمهم بكل أشكاله.

لا توجد مواد واضحة في النظام حول الرسوم الجامعية، وهذا ما يدعم – بإذن الله – توجُّه الدولة لإبقائه مجانيًّا كما في الدول الأوروبية، ويجب تمامًا الحذر من النموذج الأمريكي الذي يضطر فيه الطلاب لأَخْذ قروض لدفع ثمن دراستهم الجامعية حيث أوضحت بعض الدراسات أن بعض الطلاب قد تصل قروضهم عند تخرجهم إلى حوالي 150 ألف ريال، ويقضي الطبيب أو المحامي الأمريكي ما مقداره عشر سنوات في المتوسط بعد تخرُّجه لدفع تكاليف دراسته في هذه التخصصات الباهظة.

حتى تستطيع الجامعات بيع منتجاتها من تدريس وبحث علمي، لا بد لها من تقديم نوعية راقية وتتماشي مع أحدث التغييرات في هذين المجالين، لكن ومع تأكيد النظام على الاحتفاظ بكوادر الجامعات التقليدية والتي جاءت كمحصلة للتعينات الحكومية، كيف لهذه الجامعات النهوض المختلف بمنتجاتها؟

  • المداخلات حول القضية:
  • المميزات المتضمَّنة في نظام الجامعات الجديد:

ذهب د. محمد الثقفي إلى أن نظام الجامعات الجديد يشمل عددًا من المميزات المحفِّزة لنجاح تطبيقه، وقد صدر وله أهدافه الإستراتيجية والتنموية، وسبق أن طُرِح على الجامعات وعلى مجلس الشورى، وكتب عنه المختصون قبل صدوره، واليوم بدأت ثلاث جامعات في تطبيقه، تمهيدًا للتحوُّل الشامل للعمل وفقًا له، والجميل أن هذه الجامعات الثلاث (الملك عبد العزيز، الملك سعود، وجامعة الإمام عبد الرحمن الفيصل) هي من أفضل الجامعات بالمملكة، وحصلت على مستويات عليا في معايير التقييم العالمية، عربيًّا ومحليًّا على الأقل، وجديرة بتطبيق النظام والنجاح فيه، والأهم أن لديها فرصًا أفضل وأكبر في التطبيق، وهو ما سيُعطي الوزارة ومجلس شؤون الجامعات الفرصة الثمينة للاستفادة من هذه التجارب في التطبيق لاحقًا على بقية الجامعات.

والنظام في مجمله قريب من نظام الجامعات والكليات الأهلية، وقد استفاد من ممارسات وتجارب هذه المؤسسات، وبالذات في مجالي توفير الموارد المالية، والمرونة الإدارية في اتخاذ القرارات الإدارية والأكاديمية، لا سيما أنه توجد جامعات وكليات أهلية رائدة، وحقَّقت أهدافًا تنموية وطنية، وقفزت في توفير مخرجات نوعية تتسق مع تطلعات سوق العمل، وتحاكي مخرجات بعض الجامعات العالمية.

ويرى د. عبد الله بن صالح الحمود أن  نظام التعليم العالي الجديد لا شك قد أتى بحِلة جديدة مغايرة، وفي الوقت نفسه يعَدُّ نوعيًّا في التنظيم عن سابقه الذي مضى عليه عقود من الزمن لم يطرأ عليه تحديث أو تفعيل يسهم لمسيرة التعليم العالي نحو أفق أوسع وأرحب، وهنا لا بد أن نعلم أن أي نظام جديد لا بد أنه سيواجه بعضًا من العقبات والمعضلات التي لن تجعل من نظام حديث مسلكًا يُظهِر تغيُّرًا جذريًّا على أرض الواقع كما رُسم له نظريًّا، إنما لا بد أيضًا من التفاؤل أنَّ ما سيأتي من نظام جديد على الأقل يُحدِث تغييرًا جديدًا عن سابقه، والتغيير مهما يكن فهو سنةٌ من سُنن الله في خلقه.

المهمُّ هنا، وإنْ كانت بعضٌ من مواد وضوابط نظام الجامعات الجديد يُعتقد أنها لا تزال مرتبطة بمواد وضوابط النظام القديم، أو لا يزال يعلوه شيء من البيروقراطية؛ إنما تظلُّ مسألة تعديل وتغيير بعض الشيء يعَدُّ مكسبًا للمعنيين بذلك، من هيئة أكاديمية وإدارية وطلاب. المهم في الأمر وعلى وجه الخصوص، أن تتحقق في قيادة مجلس الأمناء كفاءات علمية ثاقبة، وكفاءات عملية ذات خبرات متنوعة، وخُطط ذات محتوى تمكِّن المعاقل الأكاديمية نحو تغيير جذري؛ تغيير يهدف إلى الرفع من كفاءة التعليم العالي ومخرجاته؛ مخرجات تتواءم واحتياجات سوق العمل خاصة، ومخرجات داعمة لاحتياجات المجتمع عامة، وأن يكون للبحث العلمي خصوصيةٌ في الدعم ماليًّا وإداريًّا، كما أن مسألة الموارد المالية التي ستكون إحدى الركائز الأساسية التي سترتكز عليها كلُّ جامعة مستقلة، ألا يكون الاستثمار المالي يهدف إلى الربح الاقتصادي بالدرجة الأولى، بقدر ما يفترض أن يكون الهدف تقديم رسالة تعليمية أكاديمية مشرفة.

وذكر د. عبد الإله الصالح أن الورقة الرئيسة والتعقيبين أشبعت حقل توظيف النظام لخدمة الطبقات الاجتماعية المختلفة من حيث الحراك الاجتماعي واستبقاء زخمه في المملكة، والاستمرار في توسعة الطبقة الوسطى في الوطن، وزيادة اعتبار “الجدارة ” في القبول باستقلال عن القدرات المالية وغيرها عنصرًا يحفظ التوازن بين المصالح المتنافسة التي أشار لها الجميع… وبات واضحًا مما ذُكر أن الموضوع تتجاذبه الكثير من المصالح والرؤى المتنافسة ولكنها متغيرة؛ مما يعني أن المُشَرِّع أدرك ذلك وعكسها في تشكيل المجال النظامي والتنفيذي والمالي والأكاديمي بين المنظِّم (مجلس شؤون الجامعات) وإدارة الجامعة (مجلس الأمناء ومجلس الجامعة والمجالس الأخرى). كما تمت الإشارة في التعقيب الأول إلى أن المشرِّع توجَّه للعمومية في هذه المرحلة في بعض الأمور، تاركًا للواقع إثبات نفسه، والتجارب، لتصحيح المسار (واللوائح بدون شك)، فاتحًا المجالَ للطبقات المختلفة في حكومة الجامعة توظيف هذه العمومية للبروز والإبداع في مجال يحكمه مجلس شؤون الجامعات في المفاصل الحساسة ذات التأثير الوطني والاجتماعي والسياسي (مثلًا، الفقرة ٢٠ مِن المادة السابعة المتعلقة باختصاص مجلس شؤون الجامعات في تحديد البرامج والدورات التي يجوز للجامعة وضع مقابل مالي عليها). ويُقصَد من هذه النقطة أن مجلس شؤون الجامعات (المنظِّم للمجال) وهو يُفترض فيه الحياد (مع بعض التحفظ بسبب التشكيل، فمثلًا وجود نائب وزير المالية سوف يكون له تأثير كبير في الميل تجاه زيادة الدخل للجامعات على حساب مجانية البرامج) وليس لاعبًا فيه، أخذ لنفسه صلاحيات تنظيمية معقولة ومستحقة تفرضها طبيعة الوضع ومتغيرات الحال والشؤون الوطنية.

أيضًا، فقد أكَّد د. عبد الإله الصالح على أن مجلس شؤون الجامعات (وإلى حد ما مجلس الأمناء)، من خلال النظام وتشكيل منظومة الاختصاصات والصلاحيات، والإدارة القانونية والفنية الصحيحة تستهدف تحقيق ما أشارت إليه كاتبة الورقة الرئيسة والمعقبان في مجالين؛ أولاً: ترسيخ الصعود الاجتماعي (توفير سلالم للصعود إلى الأعلى بفضل التعليم لمحدودي الدخل أو مَن ليسوا في المركز). وثانيًا: توظيف متطور لـ “الجدارة ” في القبول والصعود. وهنا يأتي التساؤل حول لوائح العمل في مجلس شؤون الجامعات من حيث التطور والشمول والتفصيل والحوكمة، للتعامل مع الجامعات بالعموم، وكل منها على حدة (بدلًا من نظام المسطرة) في مجالات التعليم الجامعي المتغيرة والمعقدة، وإعطاء الأمانة مزيدًا من الصلاحيات في الإحصاء والدراسات ومراقبة المؤشرات وتوظيف الاستشاريين والمستشارين وآليات الفصل في الشكاوى واستئناف القرارات وتداخل الصلاحيات، وغير ذلك مما لم يشر له النظام لا من قريب ولا من بعيد. حيث إنه يهمُّ الجامعات وجود آلية ولوائح إجرائية واضحة يمكن التخطيط بناءً عليها في مقاربة الجهة التنظيمية العليا التي تحكم أعمالها؛ مجلس شؤون الجامعات.

وفي ضوء الطرح السابق، تساءلت د. الجازي الشبيكي: هل التوقع أن هناك اختلافًا في الرؤى وآلية التنفيذ بين كلٍّ من مجلس شؤون الجامعات ومجلس الأمناء ومجلس الجامعة، وأن التنظيمات الإدارية المتعددة التي ذُكرت في النظام ستخفِّف من ذلك التنافس للصالح العام؟

وبدوره أوضح د. عبد الإله الصالح أن كون مجلس شؤون الجامعات هو الجهة التنظيمية العليا للمجال، فإنه قد يكون من المناسب النظر في تعديل النظام ليكون هناك آلية شفافة محدَّدة ذات إجراءات شبه قضائية للتعامل مع الشكاوى والمقترحات من الجهات المتعاملة أو المستفيدة في مجال العمل الجامعي والأكاديمي ضد الجامعات من خارجها.

  • نظام التعليم العالي الجديد واستقلالية الجامعات:

تساءلت د. وفاء طيبة: ما المقصود بالمصطلحات الواردة في النظام والتي وُضعت لتعريف غيرها، مثل الاستقلالية المنضبطة؟ وما السياسات العامة للدولة التي ستضبط استقلالية الجامعات؟ وهل تستطيع الجامعة بنظامها واستقلاليتها المتوقعة أن تخرج عن بيروقراطية الجهات الأخرى المرتبطة بأدائها؟ وإلى أي حد يمكن لأي جامعة في ظروفنا الحالية الاستغناء عن التمويل الحكومي؟ وهل وبسبب الاعتماد الجزئي على الدخل من أنشطة الجامعة، سيؤثر ذلك على وضع واستقرار أعضاء هيئة التدريس والنشاط البحثي المهم لكل جامعة؟ بمعنى، إلى أي حد سيتمكن النظام من تحقيق رضا عضو هيئة التدريس واستقراره وأدائه لمهامه على أكمل وجه، وعدم التعرض للتسرب من الجامعات بسبب عدم الرضا وانخفاض المرتبات؟ وهو ما حاول الملك عبد الله – رحمه الله – معالجته في عام ٢٠٠٩ تقريبًا بتطوير بعض الأنظمة التي تمسُّ دخل عضو هيئة التدريس. وهل إخضاعها لنظام العمل سيحل المشكلة؟ وبالنسبة للطالب، هل سيؤثر فرض رسوم على التعليم العالي على عدد الطلاب؟ وما هي حدود هذه الرسوم؟ ومَن مِن الطلاب وخاصة في الظروف الحالية سيتمكن من دفع هذه الرسوم؟ هل ستستمر البعثات الخارجية على حساب الدولة؟ وهل سيتأثر التعليم العالي برسومه المفروضة باستمرار البعثات، أم أنه سيضعف؟

أيضًا، ومن جانبه تساءل د. علي الطخيس: ما هي الاستقلالية المنضبطة للجامعات باعتبارها من أبرز ملامح نظام التعليم العالي الجديد؟ هل يُقصد من ذلك استقلال الجامعات عن الوزارة ماليًّا وإداريًّا وأكاديميًّا، وهل هناك استقلالية غير منضبطة مع ذكر نماذج منها؟

ومن ناحيتها أوضحت د. الجازي الشبيكي أن المقصود بالاستقلالية المنضبطة كما جاء في النظام، هو أن تكون لوائحها الأكاديمية والمالية والإدارية وفق السياسات العامة التي تقرُّها الدولة من خلال مجلس شؤون الجامعات.

بينما ذهبت د. عائشة الأحمدي إلى أنه يُقصد بالاستقلالية المنضبطة للجامعات: أن تكون هذه المسؤولية تحت طائلة المحاسبية، لا سيما في الأبحاث، والإنفاق المالي، وكذلك في مناهجها. فهناك جامعات قد تتغول في قضايا بحثية ليست ضمن أهداف أو حتى اهتمامات المجتمع، أو قد تثير قضايا بحثية لا تتماشى مع العقيدة السائدة للبلد، أو حتى لا تخدم المجتمع، فهي مستقلة في حدود الانضباط، حتى في الإنفاق المالي، وفي التعاقدات، وفي كل أنشطتها البحثية والتعليمية.

وذكرت أ. د. مجيدة الناجم أن الاستقلالية المنضبطة تعني أن الاستقلالية المالية ونحوها من صلاحيات جديدة ستُمنح للجامعات يجب أن تتم في أطُر عامة لا تحيد بها عن المعمول به والمسموح به في السياسات العامة للدولة سواء ما كان مكتوبًا أو حتى في العُرف العام، فكما نعلم أن الجامعات هي مصانع للبحث العلمي والفكر بشتى أطيافه وأيديولوجياته وتوجهاته، فالحرية الممنوحة يجب أن تكون وفق محاذير؛ فعلى سبيل المثال، سيصبح هناك تمويل أكبر للبحوث من جهات متنوعة قد تكون داخلية وحتى خارجية؛ هنا لا بد أن يكون هناك ضبط لهذا الموضوع، ومعرفة الأغراض الظاهرة والباطنة لهذا التمويل وأسبابه وتأثيراته ونحو ذلك، حتى لا تكون بابًا قد يتسبَّب فيما يتعارض مع السياسات والثوابت. أعتقد أن القصد من هذا المصطلح هو هذا المعنى، فالجامعات فعلاً هي بحاجة لمساحات أكبر في حرية اتخاذ القرارات المتعلقة بإقرار برامج تعليمية وحجب أخرى، واستقطاب كفاءات عالمية والاستغناء عمَّن لا تراهم يحقِّقون أهدافها وتوجهاتها بعيدًا عن البيروقراطية والالتزامات الحكومية التي لا تتناسب مع بيئة يُفترض أن تكون سبَّاقة في التغيير وأن تقوده وتوجِّهه، لا أن تكون تابعةً ومُوجَّهة، ونهوض الجامعات واستقلاليتها سببٌ لحدوث تغييرات ونقلات حضارية في التاريخ الحديث. والتصوُّر أن هناك فقرات في النظام تحتاج فعلاً لتفسير وتوضيح أكبر؛ للاسترشاد بها في كل ما يخصُّ تنظيم الجامعات، ويُحقّق مخرجات أفضل لها تتماشى مع التطلعات، بل وتسبق ما هو قائم لما هو أفضل.

وفي هذا الإطار، تساءلت د. الجازي الشبيكي حول القدرة المتوقعة للجامعات لتكون مستقلة داخل مناخ عام يدعم البيروقراطية، وما إذا كانت رؤية 2030 قد ساعدت على التخفيف من ذلك؟ وبدورها أوضحت د. فوزية البكر أن الرؤية ساهمت في تسريع الحراك الإداري، وساعد تطبيق مفاهيم الحكومة الإلكترونية على تقليل المسارات الإدارية التقليدية، لكن لا تزال عجلة الإجراءات الإدارية الحكومية هائلةً، ولا يبدو من النظام أنه سيعطي الجامعات استقلالًا محدودًا، وأبقاها مربوطةً بباقي أجهزة الدولة والممثلين في مجالس أمناء الجامعات. وسنرى من خلال التجربة ما الذي يمكن للجامعات أن تفعله لتكون مستقلةً فعلاً؟

ويرى د. محمد الثقفي أن مفهوم الاستقلالية في حد ذاته من الموضوعات المهمة في التطوير، بل وفي زيادة التأثير؛ ولذلك يرتبط النظام بزيادة تمكين الجامعات الحكومية في عملية التحويل والتغيير التي تسعى رؤية المملكة إلى تحقيقها، وفيه مميزات كثيرة مقابل النظام القديم، والثقافة التنظيمية السائدة، ومن المخطَّط أن هذا التحوُّل سيمكِّن الجامعات نحو سعي المملكة مع بقية دول العالم إلى تحقيق التنمية المستدامة، وفقاً لما أُقِر أمميًّا في 2015.

وفي تصوُّر د. محمد الملحم، فإن الورقة الرئيسة قد اهتمت بالجانب المالي في مسألة استقلال الجامعات، ومعها الحق في ذلك، فالقرار متحيز إلى هذه المساحة، بيد أن هناك جوانب مهمة كان ينبغي أن يتناولها القرار ويعتني بها ليمنح لهذه الاستقلالية نكهتها الحقيقية، سواء في منح سلطات أكبر لمجلس الجامعة أو في وضع إطار جديد لضمان الجودة النوعية لهذه الكيانات الجديدة، وهي  نقطة أساسية بالتأكيد، لكن يُضاف أن أي تغيير باراديمي في المؤسسات (مثل الاستقلال) يكون عادةً لتحقيق مكسب مادي (جانب كمي) أو مكسب تطويري (جانب نوعي)، وفي حالتنا فلا يتوقع المراقب أن مؤسساتنا الحكومية (ومنها الجامعات) تشكو من الجانب المادي ليكون الاستقلال أحد أهم الحلول!   ولو وُجد هذا الرأي فهو قابل لتداول الخلاف arguable، بيد أن الجانب النوعي هو تقريبًا محل إجماع؛ سواء رأى بعضنا أن النقص هو في جانب التدريس، أو رآه آخرون في البحث العلمي، أو رآه غيرهم في خدمة المجتمع؛ المجالات الأساسية الثلاثة للجامعة. ولهذا، كان ينبغي أن يعتني النظام الجديد للجامعات بهذا الشأن ويوليه عنايته، وتحفل فقراته بالتحسينات والتنظيمات التي تكفل حدوث تقدُّم ملموس ونقلة نوعية.

وبالإشارة إلى البيروقراطية في الجامعات، ولعل المقصود بها هنا “المركزية”، وهي في الواقع داؤنا الحكومي الذي نشكو منه منذ سنوات طوال، ونردد نغمة هذه الشكوى في كل محفل تقريبًا، ومع أن لدينا محاولات للفرار من هذا الداء لكنها لم تُحقِّق الطموحات المنشودة؛ مجلس الشورى، ميزانيات البرامج الحكومية، وأخيرًا استقلال الجامعات… والتصوُّر أن المركزية يجب أن تُعالج معالجة شاملة في باكج متكامل، لا أن تُجرَّب هنا وهناك؛ عندها سيكون لدينا منتجات إدارية “خديجة” أو مشوهة. بالنسبة لي، أرى أن بقاء أي مؤسسة في سياقها البيروقراطي المركزي مع ضخ قرارات تطويرية ومنح بعض الصلاحيات الإضافية أفضل لها من تغيير دراماتيكي لم يكتمل نموه. والأمل أن تُحقِّق جامعات التجربة الثلاث نتائج مشجِّعة وتقدِّم أطُرًا عمليةً فعالةً، كما تستثمر الأنظمة الجديدة المتاحة لها إلى آخر قطرة، والمؤكد أن تحقيق ذلك لن يكون سهلاً، ويحتاج إلى قيادات إبداعية تملك الجرأة والحكمة الإدارية، وهي بالقطع متوافرة بالفعل.

وتطرقت أ. بسمة التويجري إلى ما أوردته د. فوزية في تعقيبها من وجود نقص كبير في ثقافة منح وقبول التبرعات في الجامعات السعودية، وأشارت في هذا الشأن إلى أن كراسي البحث المنتشرة في جامعاتنا هي من أهم التبرعات التي قدَّمها رجال أعمال وشركات للجامعات إيمانًا منهم بأهمية البحث العلمي ودعمًا له في مجالات عدة. والاعتقاد أن على الجامعات بعد استقلالها أن تهتم بهذا الرافد التمويلي اهتمامًا كبيرًا، وأن تعمل على تفعيل كراسي البحث هذه بما يعود بالنفع على الجامعة وعلى المجتمع، ومن باب المسؤولية الاجتماعية للتعليم العالي. كذلك فإن استقلالية الجامعات قد تمنحها استقلالية أكبر في اختيار موضوعات البحث العلمي ذات الطابع التطبيقي، وأن تتقاضى رسومًا على هذه الأبحاث تسهم في توفير موارد مالية لها من جهة، وتجعلها أكثر قدرةً على حل مشاكل البلد من بيوت الخبرة الأجنبية التي تتقاضى ملايين الريالات في دراساتها واستشاراتها التي تقدِّمها للجهات الحكومية المختلفة.

  • الحراك الاجتماعي في ضوء نظام التعليم العالي الجديد:

ذكرت د. عائشة الأحمدي أنه وعبر التاريخ تُقسَّم المجتمعات الإنسانية إلى فئات يمكن ترتيبها بطريقة تدريجية وفقًا للثروة التي يملكها الفرد، أو القوة التي تحت يده أو الهيبة التي يتمتع بها، حيث يُرتَّب الأفراد والأسر والجماعات وفق مستويات اجتماعية تمتد من المستويات الدنيا إلى المستويات العليا، ويُطلق على هذا الترتيب التدرج الاجتماعي. وتشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى وجود التدرُّج الاجتماعي في جميع المجتمعات البشرية على اختلاف الأزمان. فظاهرة الحراك الاجتماعي تعَدُّ ظاهرةً جديدة في المجتمع الحديث، بل أحد المقومات الرئيسة في المجتمع المتحضر الذي يتميز عن المجتمع التقليدي الإقطاعي الذي يُعَدُّ مجتمعًا مغلقًا، ولا يتحرك الفرد فيه خارج الجماعة التي ينشأ فيها لوجود حواجز اجتماعية تربط الفرد بجماعته.

وتعدُّ درجة الحراك الاجتماعي الصاعد بحسب النظرية الليبرالية دليلًا على ما يتمتع به مجتمع ما من الانفتاح؛ لأنها تشير إلى المدى الذي يستطيع فيه الأفراد الموهوبون الذين وُلدوا في شريحة اجتماعية دنيا أن يرتقوا السلم الاجتماعي الترتيبي، وفي هذا المجال، يعتبر الحراك الاجتماعي قضية سياسية مهمة خاصة في البلدان التي تشيع فيها نظرة ليبرالية تحررية تجاه تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين. وقد انتشر هذا المفهوم الذي يربط بين الحراك الاجتماعي والمساواة وتكافؤ الفرص في المجتمعات الغربية، ثم بدأ يأخذ طريقَه إلى أكثر المجتمعات النامية.

ويفترض الحراك الاجتماعي في نمطه المثالي مجتمعًا مفتوحًا، يخبر قدرًا من السيولة والحركة تتيح للأفراد أن يتحركوا بحرية عبر السُّلَّم الاجتماعي على قدر ما يتوافر لهم من قدرات وعلى قدر ما يبذلونه من جهد دون النظر إلى مكانهم الاجتماعي عند الولادة؛ ومِن ثَمَّ فإن الحراك الاجتماعي إذا ما وُجد في هذه الصورة المثالية فإنه يعَدُّ مؤشرًا على أن المجتمع قد تجاوز النظرة التقليدية المحدودة التي تقدِّر الفرد في ضوء مكانته الموروثة، واتجه إلى تقدير الأفراد في ضوء مكانتهم المكتسبة. فالمجتمع يتيح للفرد أن يرتقي طالما تملَّك القدرات والكفاءات التي يرتقي بها، تاركًا أولئك المتعثرين عن تملُّك هذه القدرات في مراحل متدنية على السُّلَّم الاجتماعي. كما أن الحراك الاجتماعي – في هذه الصورة المثالية – يعَدُّ مؤشرًا أيضًا على حالة من العدالة في توزيع القيم.

أما بخصوص دور التعليم الجامعي في صناعة الحراك، فبحسب ما تشير إليه الدراسات على  محددات أن كافة المجتمعات الحديثة يكون التحصيل التعليمي هو العامل الأهم الذي يؤثر في الحراك الاجتماعي، أما الخصائص الفردية الأخرى ذات الصلة مثل معدل الذكاء أو الدوافع فيبدو أنها تعمل إلى حد كبير من خلال التحصيل التعليمي؛ ومع ذلك فإنه لا يوجد مجتمع حتى الآن يمثل جديروقراطية حقيقية؛ بمعنى أن الأصل الاجتماعي للأفراد فيه وطموحاتهم تكون مستقلة من الناحية الإحصائية عند تفسير التعليم أو معدل الذكاء أو متغيرات الاستحقاق والجدارة، فصحيحٌ أنه لا يزال هناك أثر مباشر لأصل الفرد، وأن أهمية التعليم في إحداث الحراك لا تتزايد بشكل ثابت على مدار الوقت؛ إلا أن العلاقة بين الأصل الاجتماعي والتحصيل التعليمي تضعف على الأقل، ومن ناحية أخرى تشير عدة دراسات قومية حديثة إلى أن العلاقة بين التعليم والطموحات تميل إلى الضعف حاليًّا وليس إلى القوة.

ويطرح جاكسون Jackson ,2008)) ثلاثة مطالب للانتقال نحو مجتمع أقل اعتمادًا على الطبقة الاجتماعية تتلخص فيما يلي: أولًا، أن العلاقة بين الأصول الاجتماعية للأفراد وتعليمهم يجب أن تعكس قدراتهم فقط، وثانيًا: أن العلاقة بين تعليمهم ووظائفهم الدائمة لا بد أن تكون مدعومةً بالمؤهلات اللازمة من خلال التعليم، وثالثًا: أن العلاقة بين التعليم والعمل يجب أن تصبح ثابتةً للأفراد ذوي الأصول الاجتماعية المختلفة؛ أي للأفراد مهما اختلفت أصولهم الاجتماعية Jackson ,2008)).

وأشارت د. هناء المسلط إلى أن افتراض العلاقة بين التعليم والحراك الاجتماعي يقوم على الاعتقاد أن التعليم له قيمة في حد ذاته، فالتعليم له قيمة رمزية، وهي قيمة تختلف عن القيمة الوظيفية. كما أن التعليم يختلف في تأثيره في عملية الحراك الاجتماعي، لا بد أن يكون التعليم متميزًا للوصول إلى الإبداع والابتكار. بحيث تكون المهنة أو الوظيفة بعد التخرج أحد الوسائط الأساسية في علاقة التعليم بالحراك الاجتماعي، فالوظيفة التي يلتحق بها الخريجون هي التي تلعب دورًا في عملية الحراك الاجتماعي.  ومن هذا المنطلق، فكلما أُتيحت الفرص التعليمية المتكافئة لجميع أبناء الوطن حسب قدراتهم وإمكانياتهم، زاد الحراك الاجتماعي. مع ضرورة التركيز على الطلاب والطالبات من ذوي الحاجة، ومحدودي الدخل وذوي الاحتياجات الخاصة. مع إتاحة بدائل تعليمية للجميع، ومع تحقيق التوافق بين مخرجات التعليم والمجتمع.

  • ملاحظات على نظام الجامعات الجديد ومتطلبات تحقيق أهدافه المرجوة:

يرى د. محمد الثقفي أن توجُّه الجامعات وفق النظام الجديد على تنويع مصادر الدخل دونما تركيز، ربما تتقاطع مع توجهات الرؤية في برنامج الخصخصة، حيث إنَّ دعوة الحكومة وتوجهها لدعم القطاع الخاص في التعليم العام والعالي والتدريب سيصطدم مع المنافسة المقبلة وغير العادلة للجامعات، وبالتالي التأثير السلبي على استثمار القطاع الخاص في هذا المجال.          وصحيح أن للتعليم الجامعي والجامعات الحكومية وللخاصة دورًا كبيرًا في التنمية، سواء في المملكة أو في غيرها من دول العالم الأول والثالث، بيد أن دورها في المملكة يزداد أهميةً وتأثيرًا، ولا سيما أن التركيبة الديموغرافية للسكان تتكون ثلثاها من الشباب.

وقد تضمنت الرؤية كإطار إستراتيجي عدة برامج، منها: برنامج التوسع في الخصخصة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتقوم وزارة التعليم بالعمل في هذين البرنامجين؛ على سبيل المثال، هناك مشروعات ضخمة، ومشروعات متوسطة وصغيرة تستثمر مع وزارة التعليم والجهات المرتبطة بها، ومنها: رياض الأطفال، ومدارس التعليم العام، ومؤسسات التعليم الجامعي.

ويتيح نظام الجامعات الجديد لكل جامعة ممارسة هذه الوظائف لتنويع مصادر الدخل، ويحقُّ له فتح مدراس خاصة للتعليم العام، وبيع برامج التعليم العالي ممثَّلة في الدراسات العليا، وعندها ستكون التكلفة التشغيلية أقلَّ بكثير من المستثمرين، شركات كبرى أو مؤسسات صغيرة؛ وهنا ستكون منافسة الجامعات للقطاع الخاص مجحفة، وقد يضطر القطاع الخاص إلى مغادرة السوق، والتخلي عن الحصة السوقية لاستثمار الجامعات.

وهنا تتضح فرصة استحواذ ومنافسة الجامعات غير المنصفة، وبالتالي تعطيل هدف إستراتيجي في مجال البرنامجين المشار لهما أعلاه!

ولا يجب أن ننسى الدور التنموي العظيم لبرنامج الابتعاث الخارجي، وبرنامج الابتعاث الداخلي، اللذين يمكن قياسهما في العديد من مجالات التنمية؛ فمن تلك المميزات، تمكين جميع فئات الشعب السعودي من الدراسة في الخارج، والتي كانت مقصورة على فئات محددة في السابق، وكذلك تمكين غير القادرين من الحصول على المؤهل الجامعي والدراسات العليا في الجامعات الحكومية، بالحصول عليها في الجامعات والكليات الأهلية.

ومن منظور آخر، ينطلق من مفهوم الأمن الوطني، فإن تيسير التعليم الجامعي يسهم في فهم وتطبيق متطلبات المواطنة الإيجابية لدى أفراد المجتمع، ويُسهم في فهم وتبنِّي أفراد المجتمع لتحقيق العديد من مقومات الأمن الوطني، سواء الاقتصادية أو التربوية أو العقدية أو الاجتماعية، وحمايتها من أيٍّ من المهددات أو المخاطر. أيضًا، فثمة أهمية لضمان تكافؤ الفرص التعليمية للطلاب في التعليم الجامعي، ودراسة أي مشكلات متوقعة لاحقًا نتيجة التطبيق للنظام، والتعامل المبكر معها. وإنه جديرٌ بالمخططين للسياسة التعليمية وفي نظام الجامعات الجديد، النظر برؤية إستراتيجية استشرافية شاملة ومتوازنة لجميع المؤسسات الحكومية والخاصة وغير الربحية في تحقيق التنمية، والتقليل من الآثار السلبية التي قد تُحدثها بعض التنظيمات الجديدة، التي غاياتها الكبرى والنهائية تنمية ورفاهية المواطن السعودي.

وذكرت د. مها العيدان أن من الإشكاليات التي ذكرتها د. عائشة أهمية تقدير الموارد، وفي نظرها لا يمكن تحديد الموارد بشكل تتفق عليه الجامعات الثلاث؛ لذا لا بد من الشفافية والوضوح لتحديدها حتى تُحقِّق النجاح للوصول إلى كفاءة الإنفاق مع تحقيق تنمية للقدرات والطاقات البشرية سواء على مستوى الإدارة أو أعضاء هيئة التدريس أو الطلاب والطالبات. كذلك وفيما يتعلق بالبحث في الجامعات، فإنه سيستمر مرتبطًا ببعض العوامل التي قد تفرض عليه بعض القيود. أما بشأن إعادة بعض التخصصات الجامعية، فمع أن هذا قد يكون إضافة عبء اقتصادي على موارد الجامعة في الوقت الحالي؛ إلا أنه يمكِّن في الوقت نفسه إعادة هيكلة الأعداد المقبولة في مختلف الأقسام بناءً على احتياجات السوق.  ومن المهم أيضًا التأكيد على مجانية التعليم الجامعي مع إمكانية وضع بعض المعايير الخاصة بالمكافأة الجامعية، ولا بد من التأكيد على أهمية البناء في هذه المرحلة، وألا يتحول التعليم الجامعي إلى مؤسسة اقتصادية يكون الجانب الاقتصادي هو الأول في اهتماماتها، وأن يكون هناك معايير واضحة ومحددة لضمان تكافؤ الفرص للجميع.

ويرى د. عبد الإله الصالح أن مجلس شؤون الجامعات سوَف يتحمل مسؤولية كبيرة جدًّا مما يظهر في اختصاصاته، ويحتاج لجهاز فني وقانوني متخصص مع الاستعانة باستشاريين ومستشارين في مجال العمل الجامعي (الإداري والأكاديمي والتجاري والوقفي والإحصائي، وغير ذلك). والنظام لا يعطي المجلس شيئًا من هذا، وهو أمرٌ سوف يُقيِّد الجامعات بسقف المجلس. وقد يكون من اللازم النظر في إنشاء معهد (مركز) تميز للعمل الجامعي، يخدم مجلس شؤون الجامعات ومجالس الأمناء بأسلوب شبه تجاري، يضمُّ بين جدرانه المختصين في مجال الدراسات الفنية المتعلقة بالجامعات بدلًا من تشتيتها بين الجامعات، ويكون تمويل المعهد من الجامعات.

وأشارت د. وفاء طيبة إلى أن أحد المجالس الجديدة حسب النظام الجديد هو مجلس الأمناء، فبعد معرفتنا دور هذا المجلس وطريقة اختياره، يبرز التساؤل: ماذا قد يضيف للعملية التعليمية؟

وفي هذا الصدد، أوضحت د. فوزية البكر أن دور مجلس الأمناء يتركز على مراجعة السياسات العامة، ولا يدخل في العمل التنفيذي الذي يُترك للعاملين داخل المؤسسة. هو مجلس يتألف في العادة من خبراء من حقول متعددة لاستخدام خبرتهم فيما يساعد المؤسسة على اتخاذ قرارتها المالية لوجود الخبراء الماليين، أو الحقوقية لوجود المحامين، أو التربية لوجود خبراء التربية؛ وهكذا يساعد المؤسسات المعنية على اتخاذ القرارات الكبيرة التأسيسية والتوظيفية والعامة… إلخ عن طريق التصويت.

ومن ناحيته تساءل أ. محمد الدندني: هل من الممكن – بأثر رجعي – أن تكون نسبة من وقف ما يعود لجامعة ما، مُخصَّصة لصرف على الطلبة المتفوقين أو المحتاجين؟ وهل هناك خطٌّ موازٍ لتحسين التعليم المهني والفني يتواكب مع احتياجات الوطن كي نُقلِّل من نسبة الطلبة لدخول الجامعات، والأهم السعي للاكتفاء تدريجيًّا بالمهن الفنية والمهنية، كون أيضًا هناك مجال كبير للتعاون بين الجامعات ومعاهد أو كليات التعليم الفني والمهني. وهل تطبيق هذا النهج أجدى لجامعة جديدة من أجل تقليل المخاطر؟  فالتصور أن يتم اختيار جامعتين أو ثلاث من الجامعات الناشئة بجانب الجامعات الأمهات الثلاث، وأن تكون كل جامعة ناشئة مرتبطة أكاديميًّا وإداريًّا وماليًّا مع جامعة من الجامعات الثلاث. هي كمن يجمع إحصائيات؛ ولذا كلما زاد التمثيل للعينات، زادت دقة النتائج. وبشأن الاستقلالية كتوجه عام، فهذا مطلوب لفائدة أقلها خلق حراك بين المراكز الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع عمومًا، فلماذا لا يُعجَّل بنظام ضريبة الدخل ليكونَ جزءٌ منها عائدًا للجامعات. أليس من الواجب على المجتمع أن يسهم في تعليم أبنائه وبناته؟

وركَّز أ. لاحم الناصر على ضرورة إنشاء أوقاف للجامعات من قِبل الدولة وكذلك القطاع الخاص والأثرياء.

وسلَّط م. فاضل القرني الضوءَ على النقطة التي ذكرتها أ. د. فوزية البكر بخصوص مجانية التعليم من عدمه، والمقارنة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة.  ففي تصوُّره، أن طريقة الاقتراب لهذا النظام هو أقرب بشدة للنموذج الأمريكي الذي يعتبر عبئًا على كاهل الطالب وعائلته (وكما ورد من تكاليف قد تأخذ منه سنوات للتسديد)، غير أن سوق العمل وانفتاحه وفرص القطاع الخاص للمساهمة في الولايات المتحدة أكبر وأوسع من المملكة، وأقصد بالنسبة والتناسب. وخاصة إذا كان السبب الأهم، وعلى الأقل في الدرجة الثانية هو سبب مالي دفع للاستقلالية. وبدون إصلاحات في أسواق العمل خارج الجامعات ربما يتسبب ذلك في إبطاء عجلة تطوير التعليم الجامعي والحراك المجتمعي الإيجابي التنموي. وهناك اعتبارات ستكون مؤثرةً وربما ستكون منافسة.  لا يمكن بأي حال أن نغفل التقلبات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط وربما العالم العربي، والتي في تصوُّري وحتى إنْ كان ليس في المدى القريب ربما تجعل الجامعات تبحث عن كوادر ومؤهلات علمية خارجية (هيئات تدريس)؛ لأسباب منها: التحصيل والسبق العلمي بالإضافة إلى قلة التكاليف المقارنة. وثمة اعتبار مهم أيضًا، وهو أن تحقيق البكالوريوس في ظل غياب وضوح النظام فيما يتعلق بالرسوم والمكافآت سيكون أخصب المجالات في توجُّه الجامعات المستقلة لاستخدامه؛ إذ إنه يتميز بأنه هو الأكثر كثافةً من الطلبة والأكثر ضرورية، فضلاً عن الضغط على الطلبة وعوائلهم بالاقتراض وفعل المستحيل للحصول على الدرجة وتضاعف الأعباء في عدم جاهزية سوق العمل.

واتفقت د. فوزية البكر مع القول بأنه حققت مجانية التعليم الجامعي منذ تدشين أول خطة تنمية في المملكة عام ١٩٧٠ وحتى الآن آثارًا كبيرةً سواء في تكوين طبقة متوسطة متعلمة تتمتع بكفاءات تخدم قطاع الدولة والقطاع الخاص في معظم المجالات، أو دوره في توفير كوادر متميزة في بعض التخصصات، مثل تميُّز الأطباء السعوديين وثقة الناس بهم، ومعظمهم خريجو جامعاتنا المحلية وكذا المعلمون… إلخ. إذاً التعليم الجامعي لعب ويلعب دورًا مهمًّا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والمهني وتحقيق الرفاه، وهو ما يطمح له برنامج جودة الحياة في برنامج الرؤية. لذا، فمن المهم – في رأيها – التأكيد على ضرورة الالتزام بمجانية التعليم الجامعي، وضرورة التمويل الحكومي الجزئي له، وكذلك الخروج بنموذج إداري مختلف عما هو سائد في الإدارات الحكومية، وهنا أيضًا لا نحتاج إلى اختراع العجلة، فنماذج إدارة الجامعات الناجحة موجودة في كل أنحاء العالم المتقدم. كذلك فإنه ولتحقيق التميز لجامعاتنا المحلية لتكون ضمن أهم الجامعات العالمية، فعليها الالتزام بالمعايير العالمية المتعارف عليها في تقييم الجامعات، وهي جودة مخرجات البحث العلمي، ومدى مساهماتها في التحوُّل إلى مجتمع المعرفة؛ أي أن تتحول مخرجات البحث العلمي إلى منتجات تخدم احتياجات البلد والمنطقة التي توجد فيها.

أيضًا، فمن المهم الانتقال من فكرة التدريس في القاعات الجامعية إلى فكرة الخلق والإبداع بالتخلي عن البرامج الجماعية للطلاب – كما هو لدينا الآن، وخاصة في الدراسات العليا – إلى فكرة البرامج التي تُفصَّل لكل طالب على حدة عبر اختياراته الموجَّهة من مشرفه، منها هو موجود في سلة مقررات الكلية والجامعة أو جامعات أخرى، وهو المعمول به في معظم الجامعات الأمريكية، وهذا سيتطلب تحرير الإدارات الجامعية من البيروقراطية الإدارية للتفاعل بحرية مع باقي المؤسسات الأكاديمية؛ للوصول إلى ما يحتاجه الطالب وسوق العمل.

واقترحت د. وفاء طيبة لو أن بعض الجامعات في استقلالها الجديد تتخصص تدريجيًّا في مجالات معينة، وتُركِّز عليها فتُصبح متكاملةً ومعروفة في مجال معين، مثل MIT أو طب هارفارد، أو العلوم الإنسانية في Yale وغيرها، وحبذا لو كان هذا التخصص مرتبطًا نوعًا ما بطبيعة المنطقة وحاجة سوق العمل فيها. لكنها من جهة أخرى، تساءلت: هل تطبيق هذا النظام على جامعة حديثة وأقل (عراقةً أو قِدمًا) من الجامعات المختارة كان سيعطي نتائج أفضل، أو لنقُل مختلفة؟ ما دفعني للسؤال هو مسألة التغيير وصعوبته في المؤسسات القديمة والتي اعتاد موظفوها على طريقة ما، ويصعب تغييرها! هل لو جربنا، أو كانت إحدى الجامعات حديثة النشأة كنَّا سنجد نتيجة مختلفة؟ هل كان التغيير أسهل؟

ومن ناحيته، يرى د. محمد الملحم أننا لا نستطيع الجزم هنا، فهذه معادلات مركبة وصعبة، ولكن المعروف في علم التغيير المخطَّط أنه ينجح من خلال 3 عوامل مهمة: القيادة التحويلية transformative leadership، وهذه قيادة جريئة وشمولية، وتملك قوة المعرفة والثقة؛ واتجاه التغيير، فمن الأسفل للأعلى يكون أقوى وأعمق أثرًا من ذلك الذي يأتي بالطيارة (من الأعلى للأسفل)، فمع أنه أسرع أثرًا بكثير من الأول، لكنه ضعيف وقابل للتآكل؛ وأخيرًا نوع التغيير وتقاطعه مع المصلحة والوظيفة Function أو أصحاب المصلحة stakeholders

أما د. هناء المسلط فأكدت على أنه لا بد من وجود معايير محددة للجامعات قبل تطبيق النظام الجديد، بحيث يتم التركيز على العملية التعليمية والتميز البحثي وتنمية الموارد البشرية، ودمج تقنيات التدريس. فلا يمكن الاعتماد فقط على أقدمية الجامعة، وعراقتها.

وأضافت د. فوزية البكر أن تغييرًا كهذا يحتاج إلى خبرة متراكمة، وأجهزة إدارية فاعلة، وقطاعات إدارية تمتع بالدراية وسهولة التواصل مع صانع القرار عند اللزوم، وغير ذلك من العوامل التي يمكن أن تدعم نجاح التجربة.

وفي سياق متصل، طرحت د. الجازي الشبيكي تساؤلًا مؤدَّاه: ما مدى إمكانية مواءمة الأسس الفلسفية والاجتماعية والنفسية والعلمية للمجتمع – المشار إليها في نهاية التعقيب الأول – مع متطلبات ومقتضيات العولمة في إطار تطوير نظام الجامعات؟

وحول هذه النقطة، أوضح د. راشد العبد الكريم أن المواءمة ممكنة من خلال الفهم الصحيح لمستجدات العولمة (ثوابتها ومتغيراتها، لبابها وقشورها)، وتحديد نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف (ودرجتهما)، وتقدير مدى التأثر، ثم اتخاذ قرارات رشيدة حيال ذلك. الوضع المثالي هو أن نستطيع توظيف مستجدات العولمة وموجاتها لصالحنا، لكن قد لا يتيسر ذلك، فيكون الإجراء في تخفيف الآثار السلبية، أو تحوير الآثار بما يجعلها إيجابية أو خفيفة الضرر. التفاعل الإيجابي ضروري وممكن، المهم أن نتخلص من الطرفين؛ الرفض السلبي أو الانفتاح الساذج. لدينا من الأسس العقدية والاجتماعية والنفسية ما يُمكننا أن يكون تفاعلنا مع العولمة تفاعلاً إيجابيًّا مثمرًا.

أما أ. عبد الرحمن باسلم فأشار إلى أن نظام الجامعات تطرَّق إلى السماح للجامعات الأجنبية بفتح فروع لها في المملكة، وهذه خطوة جيدة لكن قد تسحب البساط من بعض جامعاتنا؛ كون أن التكلفة المالية ستكون أقل بكثير من المدن الجامعية ذات المصاريف التشغيلية الكبيرة، أضف إلى ذلك أن التعليم عن بُعد لهذه الجامعات سيأخذ حيزًا كبيرًا من المناهج، وبالتالي هناك مبانٍ أقل لمَن يتطلب حضورهم، وخبرات كبيرة وأسماء لامعة، وبرسوم قد تكون في البدايات منافسة. أيضًا، سمح للجامعات السعودية بفتح فروع خارج المملكة، السؤال: مَن سيدعم ذلك ماليًّا للمنافسة مع الجامعات الأخرى؟

وعقَّب د. رياض نجم بأنه من الناحية الإجرائية والعملية، سيكون من الصعب جدًّا طلب إجراء تعديل في النظام بعد أن تمت مناقشته لعدة سنوات، واعتُمد من الجهات التشريعية في المملكة. لذا، أنصح بعدم الإصرار على إجراء تعديلات على النظام، وأن نُوجِّه توصياتنا ومقترحاتنا لما يمكن تضمينه في اللوائح التنفيذية. أما بخصوص انتقاد د. عائشة للنظام لعدم ذكره أي شيء يتعلق بتأكيد استمرارية مكافآت الطلاب ومجانية التعليم في مرحلة البكالوريوس. فالتصوُّر أن هذا لا يعدُّ قصورًا في النظام؛ لأن هذين الأمرين ليسا ذوي طبيعة أكاديمية أو إدارية، بل من الممكن معالجتهما خارج نظام الجامعات، ومن قِبل جهات ليست بالضرورة داخل الجامعات. فمن الأغراض الرئيسية للنظام: رفع كفاءة الإنفاق، وتركيز الجامعات على الجوانب الأكاديمية والبحثية. وأظن أننا تجاوزنا مرحلة تشجيع الطلاب على دخول الجامعات بمنحهم مكافآت… بل إن هذه المكافآت استفاد منها في السابق مَن لا يستحقها، وأدت إلى تخرُّج طلاب في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل. أما بخصوص فئات المجتمع التي تحتاج إلى دعم مالي لإكمال تعليمهم الجامعي، فبالإمكان أن يُناط هذا الأمر بمجلس الجامعات أو وزارة التعليم أو وزارة الموارد البشرية والشؤون الاجتماعية؛ لوضع سياسة خاصة بتطبيق هذه المكافآت لمَن يستحقها.

وأضاف د. رياض نجم أنه وبخصوص مجانية التعليم الجامعي لمرحلة البكالوريوس، فالرأي أن يُناط ذلك بمجلس الجامعات الذي يمكنه وضع سياسة لهذه المجانية بأن تكون شاملة، مع بعض الاستثناءات مثلاً لبعض التخصصات غير الأساسية والطلبة الذين يكون أداؤهم متدنيًا جدًّا، أو لاعتبارات أخرى يراها المجلس. ومن جهة أخرى، فقد سمح النظام للجامعات بتحصيل رسوم مقابل مرحلة الدراسات العليا، ولم يُلزمها بذلك. وهذه نقطة إيجابية تُحسَب للنظام؛ إذ إن سوق العمل ليس بحاجة ماسَّة لهذه الدرجات الجامعية في كثير من التخصصات، ومن المفيد أن يتم تقنين المتخرجين بهذه الدرجات. ومَن يريد الوجاهة والترف الأكاديمي، فعليه أن يدفع مقابل ذلك. هذا بالتأكيد لا يتعارض مع تقديم الجامعات منحًا دراسية مجانية للطلبة المتميزين في الدراسات العليا.

بينما يرى أ. جمال ملائكة أن بلادنا تحتاج إلى عددٍ كبير من الفنيين ليس فقط في المجال التقني البحت، بل في مجالات المحاسبة وإدارة المخازن والخدمات اللوجستية والتأمين والمبيعات والموارد البشرية وغيرها، وليس مطلوبًا أن يكون كلُّ هؤلاء خريجي جامعات، بل خريجي معاهد متخصصة لا تتعدى الدراسة فيها سنتين إلى ثلاث سنوات. إننا لم نعُد بحاجة إلى أعداد كبيرة من خريجي الجامعات خاصة أن عددَ الطلاب اليومَ يصل إلى أكثر من خمسة ملايين طالبة وطالب، وهذه أعداد هائلة لن نستطيع تحمُّل تكاليف تعليمها بالجامعات. وبالإضافة إلى ضغوط الميزانية العامة خاصةً في المستقبل، وبالنظر إلى الحاجة “لاستدامة” الجامعات في توفير مستويات عالية من جودة التعليم؛ لذلك كله ينبغي إعادة النظر في مجانية التعليم “للجميع”، وجَعْل مجانية التعليم فقط للمحتاج، وفرض رسوم على القادرين، وليس شرطًا أن تكون التكلفة كاملة بل جزءًا منها، كما يجب إلغاء المكافأة والإبقاء عليها لمَن يحتاجها فقط. وسيؤدي كل هذا إلى استمرار الجادين في الجامعات والمتميزين الذين نحتاجهم في مجال الأبحاث والابتكار.

وأشار د. صدقة فاضل إلى أن التعليم الجامعي قد تطوَّر لدينا تطوُّرًا ملموسًا، يشهد به المراقبون المنصفون. فمن حيث الكمّ، قفز العدد خلال أقل من 70 عامًا من كلية واحدة إلى 28 جامعة حكومية، و13 جامعة غير حكومية، و45 كلية، عدد برامج البكالوريوس فيها وصل إلى 294 برنامجًا، وعدد برامج الماجستير في الجامعات الأهلية وصل إلى 51 برنامجًا. ويدرس بالجامعات والكليات الأهلية نحو 62 ألف طالب وطالبة. ومن حيث “الكيف” (Quality)  فقد ارتقى مستوى هذه الجامعات، وبقدر ملحوظ… إذا أخذنا في الاعتبار الحداثة النسبية لهذه الجامعات. ولكن، ما زال ذلك المستوى دون الطموحات، ودون التوقعات. وذلك ما أظهرته بعض مؤسسات التقييم العلمي مؤخرًا، وتقويم الجامعات الدولية والإقليمية. فقد كشفت التقارير الأخيرة لبعض مؤسسات تقويم الجامعات تدني مستوى جامعاتنا، لدرجة ما كنَّا نتوقعها، وما كان أكثر المتشائمين فينا ينتظرها. حتى على مستوى إقليم «الشرق الأوسط»، لم تحقِّق أيٌّ من جامعاتنا – مع الأسف – مراكز متقدمة (معقولة) ومناسبة لما أُنفِق عليها من أموال طائلة، وما قُدِّم لها من دعم مادي ومعنوي سخي؛ حكومي وخاص. إن التقويم الموضوعي يقتضي منا الإقرارَ بأننا ما زلنا نحتاج أن تكون جامعاتنا على مستوى أفضل مما هي عليه الآن، والمأمول أن يُسهم إصدار نظام الجامعات الجديد في ذلك.

وفي اعتقاد د. هند الخليفة، فإن كفاءة أي نظام للتعليم الجامعي يُقاس بمخرجاته، ومدى ارتباطها بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والأهداف التنموية لاستدامة النمو والتقدم. ولذا، فإن توافق مهارات خريجي الجامعات مع احتياجات سوق العمل، وتطوير هذه المخرجات لتقود التغيرَ وتُحقِّق الاحتياجات المتجددة – يصبح عمودًا أساسًّا في قيادة التغيير، والذي تقوده مؤسسات التعليم العالي. ومن ثَمَّ، فإن نظام الجامعات الجديد يحمل هذه المسؤولية من بين الأدوار الجديدة المتوقعة منه. والاستقلالية المنضبطة، كما جاءت في النظام، والتي تحمل غموضًا يمكن تفسيره بالتوجُّه نحو المرونة في إدارة العمل مع الاحتفاظ بمسؤولية الالتزام بمعايير الجودة والارتقاء بها للمستويات الدولية.

كذلك فإن الابتكار أو الإبداع في إدارة الجامعات وتوجهاتها يعَدُّ مطلبًا أساسيًّا؛ ففي السابق كان يتم تفصيل نظام الجامعات ليتوافق مع حجم ومطالب المجتمع، واليوم يُتوقَّع من الجامعات أن تُفصِّل الثوب الذي يلبسه المجتمع؛ بمعنى أن تأخذ زمام مبادرة التغيير، وتنطلق في ذلك من الأهداف بعيدة المدى لخدمة الإنسان والإنسانية. التميز والتنوع في رسالة التعليم من جامعة لأخرى مطلبٌ أساسيٌّ، حتى لا تكون الجامعات نسخةً مكررةً في أهدافها ومخرجاتها؛ فهناك جامعات البحثية، وأخرى تعليمية… وغير ذلك. كذلك ارتباط الجامعة بالبيئة المحيطة ومواردها لا بد أن يكون أحد المتغيرات التي تُحدِّد هويةَ الجامعة. الجامعة منارة للعلم؛ ولذا من الخطورة بمكان أن ترتبط مواردها واستمراريتها بالرسوم التي يدفعها الطلبة. وبالرغم من أن عهد مجانية التعليم قد بدأ في الاندثار، إلا أن تقنين ودراسة أوضاع الطلبة لا بد أن تؤخذ في الاعتبار عند فرض هذه الرسوم. كذلك اعتماد الدبلوم كشهادة معترف بها هو أحد الحلول العملية الفاعلة في العديد من جامعات العالم.

  • التوصيات:
  • أهمية تضمين لوائح النظام موادَّ واضحة وصريحة تضمن إلى جانب الاستقلالية، تكافؤ الفرص التعليمية بين فئات المجتمع المختلفة؛ ضمانًا لاستمرار الحراك الاجتماعي الإيجابي الذي يُعدُّ التعليم العالي أحد أهم عوامله.
  • التوسُّع في تقديم منح للطلاب غير السعوديين من المقيمين ومن الدول الإسلامية ودول العالم؛ تفعيلًا لمتطلبات القوة الناعمة، بتمويل من برامج المسؤولية الاجتماعية أو المنظمات الدولية المانحة.
  • تعميق الشراكات مع المنظمات العالمية والقطاع الثالث والقطاع الخاص؛ لتمويل المشروعات البحثية، والحصول على اعتمادات برامجية.
  • إعطاء أهمية لأصوات وترشيحات أعضاء هيئة التدريس لمناصب العمداء ورؤساء الأقسام.
  • أهمية ارتكاز مجلس شؤون الجامعات على جهاز متميز من الفنيين والقانونيين والاستشاريين في مجال العمل الجامعي (الإداري والأكاديمي والتجاري والإحصائي والوقفي وغيره)، وإصدار لوائح مُعلَنة متسمة بالشفافية لتنظيم سير العمل من خلال أمانة عامة ذات كفاءة وصلاحيات.
  • استحداث نموذج إداري متطوِّر ومختلف عما هو سائد في الإدارات الحكومية التقليدية والعادية.
  • التركيز على الالتزام بالمعايير العالمية في تقييم الجامعات وجودة مخرجات البحث العلمي؛ لتسهم في إثراء الجانب المعرفي والتطبيقي لخدمة المجتمع.
  • رفع مستوى أساليب التدريس لتواكب متطلبات المرحلة إبداعًا ومهارةً من قبل الأساتذة والإداريين والطلبة، بعيدًا عن الجمود والبيروقراطية.
  • تفعيل الشراكات الإستراتيجية مع القطاع الخاص بمختلف مؤسساته لصالح دعم الطلبة والبحث العلمي.
  • الاهتمام بكراسي البحث العلمي كرافد تمويلي مهم.
  • استثمار استقلالية الجامعات في الاستفادة من عوائد الأبحاث التطبيقية ذات النفع المزدوج ماديًّا ومجتمعيًّا.
  • تُصرف مكافآت الطلبة لمَن يستحقها وفق آليات معينة يقرُّها مجلس شؤون الجامعات.
  • الدعوة إلى احتساب الأعمال التطوعية ضمن متطلبات التخرج، والاستفادة من المرونة التي تمنحها الاستقلالية في اتخاذ مثل هذه القرارات.
  • يؤخذ بعين الاعتبار، عدم تقاطع توجُّهات الرؤية في برنامج الخصخصة بين القطاع الخاص والجامعات.
  • إعادة هيكلة الأعداد المقبولة للطلبة الجامعيين في مختلف التخصصات بناءً على احتياجات السوق، والحرص التوازن بين التخصصات الإنسانية والعلمية.
  • التأكيد على إسهام التعليم في الإبداع والابتكار.
  • الاعتناء بالجانب النوعي بنفس العناية بالجانب المادي وأكثر؛ لإحداث تقدُّم ونقلة ملموسة متوازنة.
  • الحاجة إلى العناية بالتخصصات المهنية والصناعية والفنية التقنية في مجالات عديدة تحتاجها البلاد، من خلال برامج دبلومات إضافية متعددة.
  • اعتماد تفعيل التمويل الذاتي من قِبل الطلبة للدبلومات المطروحة؛ للتعويد على العمل والمشاركة في تحمُّل المسؤولية.
  • رَفْع مستوى التدريب الجامعي بالتنسيق بين الجامعات والشركات والمؤسسات الخاصة، لاكتساب الخبرة العملية المطلوبة.

 


القضية الثالثة

ذوو الإعاقة وبرنامج جودة الحياة: الواقع والمأمول

 (23/8/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. د. مجيدة الناجم
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. د. مها العيدان
  • التعقيب الثاني: م. مختار الشيباني (ضيف الملتقى)
  • إدارة الحوار: د. حسين الحكمي
  • الملخص التنفيذي:

أشارت أ. د. مجيدة الناجم في الورقة الرئيسة إلى أن حكومة المملكة تُقدِّم العديدَ من الخدمات النوعية لذوي الإعاقة، وأنهم يتمتعون إلى حد كبير بمستويات جيدة من جودة الحياة، شأنهم شأن بقية أفراد المجتمع، فهناك برامج صحية ورعاية شاملة في الخدمات الصحية والتأهيلية والتي تختلف حسب نوع الإعاقات وحدتها ودرجة انتشارها. أما على مستوى التعليم فهناك إدارة خاصة بذوي الإعاقة في وزارة التعليم، وقد تمَّ تأسيسها منذ العام 1377هـ، كما يحظى ذوو الإعاقة بالعديد من الخدمات المقدَّمة من قِبل وزارة العمل والتنمية الاجتماعية. ومع إطلاق رؤية المملكة 2030، تزايد الاهتمام بهذه الفئة من خلال التشجيع على العناية بهم وتمكينهم وتجويد حياتهم بما يتناسب مع طبيعتهم ويساعدهم في التمتُّع بمستوى حياة ملائم وفق أفضل المؤشرات العالمية.

من جانبها أوضحت د. مها العيدان في التعقيب الأول أن ثمة معوقات لتحقيق جودة الحياة لذوي الإعاقة في السعودية؛ فعلى مستوى التعليم، لا تتوفر مدارس متخصصة لبعض من الإعاقات وبأسعار متاحة للجميع. وعلى المستوى الصحي، فإن كثيرًا من العيادات التي ترعى بعضَ جوانب الإعاقات لا يتوفر فيها ملف صحي يساعد على متابعة حالة المريض. وعلى مستوى المجتمع، فثمة محدودية لمساهمة القطاعات المدنية المختلفة في تحقيق أي مساعدة لذوي الإعاقة سواء من تدريب أو توظيف؛ إذ لا تزال الدولة هي المُوجِّه والمُحرِّك الأكبر لعجلة التنمية في هذا المجال.

أما م. مختار الشيباني فركَّز في التعقيب الثاني على الوصول الشامل كمصطلح يهدف إلى خدمة جميع فئات المجتمع ممَّن يعانون من إعاقات جسدية أو عقلية، ويندرج من ضمنهم كبار السن والأطفال. حيث تكون أولوية خدمة الفئة الأضعف في المجتمع أعلى من الفئة الأقوى.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحاورَ التالية:

  • تصنيفات الإعاقة ومسبباتها.
  • الصعوبات التي تواجه ذوي الإعاقة وتحديات تجويد واقعهم.
  • مقترحات لتحسين جودة الحياة لذوي الإعاقة.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • إنشاء وحدة متخصِّصة في القطاعات العامة والخاصة لتقديم الخدمات لذوي الإعاقة في جميع المجالات، وكذلك بعض البرامج التي تخدم هذه الفئة، مثل برنامج إستراتيجيات التنقل الحركي والاستقلال الآمن للمكفوفين، وغيرها من البرامج المجتمعية.
  • سن ميثاق أخلاقي تشريعي تنظيمي تُحفظ من خلاله الحقوقُ لأصحاب الاحتياجات الخاصة حيث يشعرون فيه أنهم في مجتمع يحفظ حقوقهم كحقوق واجبة بعيدًا عن فكرة التعاطف المباشر معهم، والذي قد يشعرهم بعدم الارتياح.
  • الورقة الرئيسة: أ. د مجيدة الناجم

المحور الأول: ذوو الإعاقة في الإحصاءات السكانية المحلية:

أجرت الهيئة العامة للإحصاء في العام 2017 دراسة مسحية عن ذوي الإعاقة في المملكة العربية السعودية تضمَّنت تصنيفاتهم حسب نوع الإعاقة وشدتها وتوزيعهم حسب مناطق المملكة، وأبرز المشكلات التي يعانون منها، والخدمات المقدَّمة لهم. وتعَدُّ هذه الإحصائية هي الرسمية، والتي يُستند على أرقامها منذ تاريخه وحتى اليوم فيما يتعلق بوصف الإعاقة في المملكة سكانيًّا. وقد أظهرت نتائج المسح أن نسبة السكان السعوديين ممَّن لديهم إعاقة (خفيفة ومتوسطة وشديدة الصعوبة) تبلغ (7.1%) من إجمالي السكان، تُشكِّل نسبة الذكور منهم (3.7%)، في حين أن نسبة الإناث (3.4%) من مجمل السكان.

كما بيَّنت نتائج المسح أن ما نسبته (2.9%) من مجمل السكان لديهم صعوبة بالغة أو شديدة، وأن ما نسبته (4.1%) لديهم صعوبة خفيفة، وأن ما نسبته (4%) لديهم صعوبة واحدة، في حين ما نسبته (3.1%) لديهم أكثر من صعوبة في آن واحد (صعوبات متعددة). ومجمل عدد السكان السعوديين ممَّن لديهم إعاقة (خفيفة متوسطة وبالغة) هو (1.445.723)؛ أي ما يقارب مليون ونصف المليون مواطن. وتتنوع أنواع الإعاقات فتشمل (الصعوبة البصرية، والقدرة على العناية الشخصية، والصعوبة السمعية، والصعوبة الحركية، والقدرة على التذكُّر والتركيز، والقدرة على التواصل والتفاهم). وكذلك اختلفت توزيعاتهم بين السكان ما بين أطفال وشباب ومسنين، ويظهر أن نسب الإصابة بالإعاقة في ارتفاع بين المسنين حيث تبلغ نسبتهم 57% من مجمل المعاقين. كما أن هناك ارتفاعًا في نسبة الإصابة بالإعاقة ممَّن هم دون سن خمس سنوات، فمن كلِّ (1000) طفل هناك (78) طفلًا لديه إعاقة أو أكثر. (مرجع رقم 1).

وبنظرة سريعة على النسب والأرقام السابقة نجد أنها تستحق الاهتمام والعناية، وتوفير الخدمات التي تساعدهم في الحصول على مستوى جيد من الحياة.

المحور الثاني: ماهية جودة الحياة ومؤشراتها العالمية:

تعرِّف “منظمة الصحة العالمية” WHO مفهوم جودة الحياة بأنها “إدراك وتصوُّر الأفراد لوضعهم وموقعهم في سياق نظُم الثقافة والقيم التي يعيشون فيها، وعلاقة ذلك بأهدافهم وتوقعاتهم ومعاييرهم واعتباراتهم، وهو مفهوم واسع النطاق يتأثر بالصحة الجسدية للشخص وحالته النفسية ومعتقداته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية”. وبمعنى آخر بسيط، يمكن تعريف جودة الحياة على أنها قدرة أي إنسان على التعايش مع نفسه ومجتمعه بشكل سليم يمنحه القدرةَ على أداء دوره كاملًا نحو نفسه وأسرته ومجتمعه، ويجب علينا هنا أن نُفرِّق بين مفهوم جودة الحياة ومصطلح مستوى المعيشة؛ لأن الاثنين لا يعنيان بالضرورة نفس الشيء؛ فمستوى المعيشة هو مجرد تقييم للثروة المادية والوضع الوظيفي للشخص في المجتمع. وعلى الرغم من تأثيرهما على جودة الحياة إلا أن جودة الحياة تتضمن عوامل أكثر أهميةً؛ منها الصحة الجسدية والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والحالة الروحانية وتوفُّر الخدمات الأساسية التي تمكِّنه من العيش في مستوى لائق من الناحية الإنسانية، وكل مرحلة من مراحل عمر الإنسان لها متطلبات لجودة الحياة، إضافةً إلى ما يتمتع به الفرد من قدرات وإمكانات لها دور في تحديد ماهية جودة الحياة لدى الفرد ومؤشراتها. ويمكن تحديد أهم مؤشرات جودة في الحياة في المحددات التالية:

  • مؤشرات الحياة اليومية: تشير لمفاهيم كالضغوط والسعادة ونحوها، وكيفية تحقيقها من توفُّر الخدمات الرئيسة والضرورية لحياة الإنسان؛ وتتحقق من خلال توفُّر الاعتراف بقيمة الفرد ومشاركته في الحياة ومناحيها المتنوعة، وتوفُّر الأمان في المنزل والمدرسة والشارع وفي المجتمع ككل.
  • مؤشرات توفُّر الإمكانات المتاحة: تشير لتوفر فرص العمل والدخل الكافي، وتوفُّر الرعاية الصحية النوعية حسب العمر والوضع الصحي بشكل عام، والتعليم والمدارس ذات الجودة والبيئة الملائمة، وتوفُّر السكن ووسائل النقل العام والخاص، وتوفُّر البنى التحتية التي تساعد الفرد على العيش الكريم، وتوفُّر المسكن الصحي والمناسب والملائم للظروف الصحية للفرد.
  • مؤشرات بيئية طبيعية: وهي المؤشرات التي تتصل بالبيئة المحيطة بالفرد من معدلات التلوث ومستوى النظافة ونحو ذلك، فتوفُّر الماء النقي، وانخفاض معدلات التلوث في الهواء، وتوفُّر ضوء الشمس والبعد عن أماكن الصناعات الخطيرة؛ هي كلها مؤشرات تدخل في تحديد مستوى جودة الحياة، ولكل بُعد مؤشراته الخاصة التي يمكن تحقيقها للوصول إلى مستوى أفضل لجودة الحياة.
  • مؤشرات اجتماعية: كل مجتمع هو عبارة عن أفراد يجمعهم المكان والزمان والحدود التي تجعل منهم مجتمعًا، يربط أفراده شبكة من العلاقات والتفاعلات وأنماط من التفاعلات المشتركة التي تحدِّد شكل الحياة السائدة. وتشير جودة الحياة الاجتماعية إلى توفُّر فرص أعلى للتعاون وممارسة الحريات والتمتُّع بكافة الحقوق، والقدرة على تنظيم أنفسهم وفق مناشط محدَّدة لإشباع احتياجاتهم وحل مشكلاتهم الحياتية، بينما تنخفض جودة الحياة الاجتماعية عند فَقْد أحد هذه العناصر وغياب التفاعل بين أفراد المجتمع وتقلُّص تمتعهم بحقوقهم، ووجود معيقات تحدُّ من أداء المجتمع؛ كانتشار الجريمة ووجود الاضطرابات والصراعات ونحو ذلك.

ويمكن تحقيق مؤشرات الحياة الاجتماعية من خلال نَشْر الثقافة الاجتماعية؛ فالثقافة بكافة صورها ومناحيها هي مؤشر يمكن الاستفادة منه في الحفاظ على الأصالة والهوية الوطنية، وإيجاد لغة مشتركة بين أطياف المجتمع ومكوناته المتعددة. إضافةً إلى أن توفُّر الترفيه هو أحد المؤشرات التي تُقاس بها جودة حياة الشعوب والأفراد.

وبالطبع تحت كل مؤشر أبعاد ومؤشرات فرعية يقاس بها البعد ككل، ومن ثَمَّ يتم تحديد درجة جودة الحياة بناءً على توفُّر هذه الأبعاد والمؤشرات. (مرجع رقم 2)

المحور الثالث: متطلبات واحتياجات ذوي الإعاقة وعلاقتها بجودة الحياة:

تتنوع احتياجات ومتطلبات ذوي الإعاقة حسب نوع الإعاقة وحدتها والفئة العمرية التي تعاني منها، وهذا الموضوع متشعب ويحتاج إلى بحوث ودراسات كبيرة وموسَّعة حتى يمكن حصر كل الاحتياجات والمتطلبات، وبما أن محور اهتمام هذه الورقة هو جودة الحياة عند ذوي الإعاقة؛ فسيتم التركيز على الاحتياجات والمتطلبات العامة ذات الصلة بمفهوم جودة الحياة ومؤشراتها.

أولًا – في مجال الصحة: تعَدُّ الخدمات الصحية هي المطلب الأول والرئيس لذوي الإعاقة في كل مرحلة من مراحل الإصابة بالإعاقة. ويُقصد بالخدمات الصحية العلاجية والتأهيلية والنفسية، فالمعاق هو بحاجة لتوفير العلاج الدوائي الطبي في الكثير من الحالات؛ لذا لا بد من توفير خدمات علاجية على مستوى عالٍ من الكفاءة والشمولية، وأن يستطيع أن يحصل على العلاج المناسب له في كل وقت وفي كل زمان يحتاج له، ويكون له الأولوية في استحقاق العلاج والمتابعة الصحية. كما أن التأهيل أو العلاج الطبيعي أيضًا له أهميته؛ لأنه سيساعد على تحسين حياته وجَعْله أكثر قدرةً على الاستفادة من الممكنات الأخرى المتوفرة في شخصيته وفي جسده بصورة أفضل.  كما أن مشاكل نفسية كالقلق والاكتئاب تعَدُّ متلازمة مرتبطة كثيرًا بالإعاقات، فالعزلة الاجتماعية والشعور بالنقص والعجز تُسبِّب الكثيرَ من المشكلات النفسية التي تتطلب علاجها والتغلب عليها سواءً بالعلاج النفسي الدوائي أو العلاج النفسي السلوكي والتأهيلي، فكل معاق هو بحاجة لمعالج نفسي وأخصائي نفسي واجتماعي في مرحلة ما من مراحل حياته حتى يتمكن من تحقيق التكيف النفسي والتوافق الاجتماعي والشعور بالأهمية والوعي الواقعي والشعور بالسعادة كمتطلبات أساسية، وصولًا إلى القدرة على حل المشكلات، وأحيانًا الإبداع والتميُّز. فالرعاية الذاتية وممارسة الأنشطة الرياضية والهوايات المتنوعة والقدرة على التعامل مع الضغوط، والهوية الثقافية؛ تعرف بأنها مؤشرات للصحة بشكل عام، والصحة النفسية المرتبطة بجودة الحياة الصحية للفرد. لذا، لا بد من الاهتمام بها، والتعرف على مدى توفُّرها لذوي الإعاقة حتى يتسنى الاعتراف بأنهم يتمتعون بمستوى جيد من جودة الحياة.

ثانيًا – في مجال التعليم: يعَدُّ التعليم حقًّا عامًّا لكل فرد، وعليه يجب أن يتم توفير البيئة التعليمية المناسبة لاحتياجات الفرد ووفق قدراته؛ لذا لا بد من تصميم البيئات التعليمية المناسبة لذوي الإعاقة، وتشمل هذا البيئات: المباني المدرسية، مراكز مصادر التعلم، المكتبات، سهولة الوصول الشامل لكافة الخدمات التعليمية بيُسر وسهولة. ويجب أن تشتمل مصادر التعلم على أحدث الوسائل والأجهزة التعليمية المساعدة والحديثة التي تيسِّر العملية التعليمية وتتناسب مع طبيعة كل نوع من أنواع الإعاقة أو العجز، بحيث نضمن في نهاية العام الدراسي حصول كل معاق على كافة الفرص التعليمية الكاملة مساواة بأقرانه من الأسوياء. بجانب توفُّر المتخصصين من معلمين وأخصائيين مساعدين في التخصصات ذات الصلة، المؤهلين بما فيه الكفاية للتعامل مع ذوي الإعاقة، وتوفير احتياجاتهم التعليمية. (مرجع رقم 3)

ثالثًا – في مجال البنية التحتية والخدمات العامة: مما لا شك فيه أن ذوي الإعاقة لهم متطلباتهم الخاصة في شكل المباني، وفي توفُّر التسهيلات التي تساعدهم على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وكذلك في توفُّر وسائل المواصلات والنقل العام والخاص المناسب لهم، بما يكفل لهم حريةَ التنقل وممارسة حياتهم الطبيعية بسهولة ويسر. لذا، لا بد من توفير الوسائل المساعدة وفق أعلى المعايير العالمية المعمول بها في توفير وسائل نقل آمنة ومناسبة لذوي الإعاقة. وتخصيص أماكن خاصة بوقوفهم، ووضع ملصقات كافية تشير إلى تخصيص أماكن خاصة بهم في الأماكن العامة وفي وسائل النقل العام. وكذلك وَضْع الأجهزة الناطقة ونحوها في وسائل النقل وفي سيارات الأجرة. إضافةً إلى تجهيز الطرقات والشوارع والمباني بما يسمح لهم بسهولة الوصول، وتخصيص مساكن خاصة لكل نوع من أنواع الإعاقة، وتوفيرها لهم ليتمكنوا من الاستفادة منها، بجانب تجهيز المرافق العامة في داخل المباني والأسواق لتتناسب مع احتياجات أنواع الإعاقات المختلفة.

رابعًا – في مجال التقنية وتكنولوجيا المعلومات: الاستفادة من التكنولوجيا في تعليم ذوي الإعاقة وفي مجالات العمل الخاصة، وتوفير التطبيقات والأدوات التقنية التي تساعدهم على استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في حياتهم بشكل مساوٍ لنظرائهم من الأسوياء، والتغلب على الأمية الرقمية عندهم خصوصًا مَن هم في سن الشباب ويحتاجون التكنولوجيا في حياتهم اليومية وفي التواصل مع البيئة التي يعيشون فيها وفي إدارة شؤون حياتهم. (مرجع رقم 4).

المحور الرابع: لمحة عن تجربة المملكة في توفير الرعاية لذوي الإعاقة وفق مؤشرات جودة الحياة: الواقع والمأمول:

تقدِّم حكومة المملكة العديدَ من الخدمات النوعية لذوي الإعاقة، فهم يتمتعون إلى حد كبير بمستويات جيدة من جودة الحياة، شأنهم شأن بقية أفراد المجتمع، والتي بالطبع تختلف درجتها باختلاف المؤشرات؛ فهناك برامج صحية ورعاية شاملة في الخدمات الصحية والتأهيلية والتي تختلف حسب نوع الإعاقات وحدتها ودرجة انتشارها؛ فكلما كانت نسب الانتشار أعلى فيتوقع أن تكون الخدمات الموفرة أكثر وأكبر، في حين قد تتقلص الخدمات لبعض أنواع الإعاقات الحديثة التصنيف أو المركبة والشديدة. أما على مستوى التعليم فهناك إدارة خاصة بذوي الإعاقة في وزارة التعليم، وقد تم تأسيسها منذ العام 1377هـ؛ أي منذ ما يقارب 65 عامًا، من خلال توفير فصول للمكفوفين تحوَّلت فيما بعدُ لمدارس خاصة بهم، ومع الوقت تنوعت البرامج والمدارس التي توفِّر التعليم لكل نوع من أنواع الإعاقة، وقد لحق ذلك إنشاء أقسام خاصة بالتربية الخاصة في عدد من الجامعات السعودية وابتعاث متخصصين للتأهيل في مجالات وتخصصات نوعية في برامج تعليم وتأهيل المعاقين. ومنذ ما يقارب عقدين من الزمن تطوَّر مفهوم تعليم ورعاية المعاقين ليشمل مفاهيم متعلقة بجودة الحياة من خلال توفير مصادر التعلُّم الخاصة في المدارس، وتطوير شكل المباني ومرافقها التعليمية بشكل يتناسب مع طبيعة العديد من أنواع الإعاقات، وتبنِّي مفهوم الوصول الشامل للمعاقين للاستفادة من البيئة التعليمية بشكل أكبر.

ويحظى ذوو الإعاقة بالعديد من الخدمات المقدَّمة من قِبل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والتي يأتي في مقدمتها الخدمات المادية؛ حيث إنَّ ما نسبته (83%) من مجموع المسجلين كمعاقين في الوزارة يحصلون على دعم مادي، في حين ما نسبته (9%) هي خدمات عينية، في حين تتراوح الخدمات الأخرى ما بين 4% و0.3% من مجموع الخدمات. ويتم توفير مراكز لتعليم وتأهيل العديد من الإعاقات وكذلك دور إيوائية خصوصًا لمَن لا يتوفَّر لهم في أسرهم عناية ويحتاجون لها، أو ممَّن تتطلب إعاقتهم عناية خاصة لشدتها وصعوبة التعامل معها. ويُقدَّم في هذه المراكز برامج متعددة، ويعمل بها متخصصون من تخصصات متنوعة لكل نوع من أنواع الإعاقة (مرجع رقم 1).

مما سبق، نجد أن هناك عناية بذوي الإعاقة منذ زمن طويل، ومع إطلاق رؤية المملكة 2030 أصبح هناك اهتمامٌ أكبر بهذه الفئة؛ من خلال التشجيع على العناية بهم وتمكينهم كمكون أساسي من مكونات المجتمع. لذا، فإنه لا بد من وجود برامج خاصة بهم في برنامج جودة الحياة تتناسب مع طبيعتهم وتساعدهم في التمتُّع بمستوى حياة وفق أفضل المؤشرات العالمية.

المراجع:

يعَدُّ مفهوم جودة الحياة من المفاهيم الحديثة التي ظهرت على الساحة الاجتماعية كمتطلب ضروري لتحقيق الرفاهية لجميع أفراد المجتمع بمختلف أنواعهم وأجناسهم. وتحقيق مستوى معين من الرفاهية الاجتماعية ونوعية الحياة هو ما يؤكد عليه المحور الاجتماعي في التنمية المستدامة، والتي تركز على مسائل التدريب والتعليم والعدالة والمساواة ومحاربة الفقر، وتحسين الأوضاع السكنية والمعيشية والصحية للسكان، وتحقيق السلام والأمن للمواطنين.

وبما أن ذوي الإعاقة جزء مهم من أفراد المجتمع، فإن من المهم العمل على تحقيق درجة ملائمة من جودة الحياة الكريمة لهم، والتي حدَّدتها الورقة الرئيسة في كلٍّ من: المجال الصحي، والتعليمي، والبيئة التحتية والخدمات العامة، ومجال التقنية وتكنولوجيا المعلومات. ومن خلال بعض المشاهدات والتجارب لأفراد من ذوي الإعاقة أو بعض الأسر التي لديها بعض الأفراد من ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى العاملين في هذا المجال سواء على المستوى التعليمي أو الصحي؛ يُلاحظ أنه ما زال هناك قصورٌ في كثير من الجوانب مما لم تحقِّق المأمول منها، خاصة أن الخدمات المقدَّمة تختلف درجاتها بين مدن ومناطق المملكة.

ويُلاحظ كذلك أن تحقيق المؤشرات العالمية لجودة الحياة مرتبطة بمجوعة من العوامل، تتضمن:

  • الوعي المجتمعي.
  • تغيير ثقافة المجتمع نحو الأفراد من ذوي الإعاقة.
  • وضع الأنظمة والقوانين التي تكفل لهم أحقيتهم في التعليم والصحة والعمل.

وحرصًا من المملكة العربية السعودية على هذه الفئة، تمَّ إنشاء هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة في شهر فبراير عام 2018م والتي كان من أهم أهدافها ضمان حصولهم على حقوقهم التي ضمنتها الدولة مع تعزيز الخدمات التي تقدِّمها الأجهزة لهم، ورفع مستوى الوقاية، ومتابعة ما يلزم لذوي الإعاقة والرفع عن ذلك وفق الإجراءات النظامية المتبعة، والعمل على رفع مستوى الخدمات والمتطلبات والاحتياجات مع تحديد لمؤشرات جودة الخدمات وقياسها.

وبالرغم من شمولية اختصاصات الهيئة إلا أنها قاصرة فقط على الإشراف على نوعين فقط من الإعاقة، كما ذكر عضو مجلس الشورى (د. ناصر الموسى) في تغريدة له في توتير أن هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة لم تُحقِّق المأمول منها؛ لأنها – في رأيه – ما زالت بدون هوية واضحة، ولا تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، وأنها ما زالت مرتبطة بوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.

كما تمَّ إنشاء برنامج توافق الذي أنشأه صندوق الموارد البشرية بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية، والذي يهدف لدعم عمل ذوي الإعاقة والقادرين على العمل في القطاع الخاص.

ومن خلال ذلك، يمكن تحديد أهم المعوقات في تحقيق جودة الحياة فيما يلي:

  1. على مستوى التعليم: لا تتوفر مدارس متخصصة لبعض من الإعاقات وبأسعار متاحة للجميع، وأكبر مثال على ذلك أن كثيرًا من الأهالي الذين لديهم أبناء يعانون من التوحد يُلحقون أبناءهم الذين يعانون من التوحد بمدارس متخصصة في الأردن بالرغم من الإمكانيات المادية والبشرية في المجتمع السعودي، والتي يمكن توظيفها لتأسيس هذا النوع من الرعاية والتعليم لهذه الفئة.
  2. على المستوى الصحي: كثير من العيادات التي ترعى بعض جوانب الإعاقات مثل التخاطب لا يتوفر لديها ملف صحي يمكن متابعة حالة المريض من خلاله برقم طبي مرتبط بشبكة من المعلومات الخاصة.
  3. على مستوى المجتمع: ثمة محدودية لمساهمة القطاعات المدنية المختلفة في تحقيق أي مساعدة لذوي الإعاقة سواء من تدريب أو توظيف؛ إذ لا تزال الدولة هي المُوجِّه والمُحرِّك الأكبر لعجلة التنمية في هذا المجال.
  • التعقيب الثاني: م. مختار الشيباني (ضيف الملتقى) (*)
  • الوصول الشامل (universal accessibility) مصطلح يهدف إلى خدمة جميع فئات المجتمع ممَّن يعانون من إعاقات جسدية أو عقلية، ويندرج من ضمنهم كبار السن والأطفال. حيث تكون أولوية خدمة الفئة الأضعف في المجتمع أعلى من الفئة الأقوى. فقد يضع الوصول الشامل المدينة ضمن مراحل تطور بحيث تحترم الماضي وتضع بصمتها عليه، وتركز على تطوير الخطط المستقبلية، وتعمل على دعم الحاضر ليخدم الإنسان ويحقِّق له الحياة الكريمة في المجتمع.
  • استنادًا إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المقرة عام 2007م، والموقعة من المملكة العربية السعودية عام 2008م؛ فقد اعتُمد إطلاق مصطلح الأشخاص ذوي الإعاقة بدلًا من ذوي الاحتياجات الخاصة. وأكد المرسوم الملكي بتاريخ 6/12/2019م على استخدام مصطلح الأشخاص ذوي الإعاقة لشموليته بناءً على توصية هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة المسؤولة عن حقوقهم في المملكة العربية السعودية.
  • يعتبر الوصول الشامل هو حجر الأساس لبرنامج جودة الحياة، حيث إنَّه يتقاطع ويؤثر على كل القطاعات (الثقافية، التعليمية، الصحية، الترفيهية… إلخ) في المملكة، لتحقيق مجتمع حيوي يحظى بخيارات واسعة تلبي مختلف احتياجات المجتمع بما فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن.
  • وضعت المملكة العربية السعودية أدلة إرشادية في مجال الوصول الشامل للبيئات (العمرانية، النقل، الافتراضية) وتم إقرارها بمرسوم ملكي رقم 35362 وتاريخ 22/9/1434هـ، وهذه الأدلة موجَّهة للمخططين والمهندسين والمعماريين ليتمكنوا من العمل بها وتطبيقها في دراساتهم الاستشارية والتنفيذية، وهذا سيُعزِّز مفهوم برنامج جودة الحياة وأنسنة المدن خدمةً للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن.
  • المأمول أن يتم تطبيق معايير الوصول الشامل على مدن المملكة العربية السعودية لتكون من الدول السباقة في تحقيق جودة الحياة وأنسنة المدن.
  • المداخلات حول القضية:
  • تصنيفات الإعاقة ومسبباتها:

ذكر د. حسين الحكمي أن هنالك تصنيفات عديدة للإعاقة، لكن يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:

  1. الإعاقة الحركية: مثل الشلل أو ضمور العضلات أو التشوهات الخلقية.
  2. الإعاقة العقلية أو الذهنية: ويمكن قياسها بمقياس الذكاء، ويُصنَّف الشخص من هذه الفئة إذا كان معدل الذكاء لديه أقل من ٧٠، والإعاقة هنا عدة درجات وفئات هي: المعتوه وهي أشد درجات التخلف حيث تكون نسبة الذكاء أقل من ٢٥، والفئة الثانية الأبله وتتراوح نسبة الذكاء هنا بين ٢٥ و٥٠، والفئة الثالثة المأفون أو المورون وهو مَن تتراوح نسبة ذكائه بين ٥٠ و٧٠.
  3. الإعاقة الحسية: تكون في السمع أو البصر أو النطق والكلام.

وتطرقت د. مها المنيف إلى أن الخطوة الأولى للتقليل من نسب ومعدلات الإعاقة في المملكة تكمن في التعرف أولًا على بعض من أسبابها؛ فالإعاقة إما من الولادة، وإما بعد ذلك بسبب الأمراض والحوادث:

  1. إعاقة من الولادة: إذا كان ٨٪؜ تقريبًا من المواليد يُولدون بإعاقة، فالتساؤل هنا: ما هي هذه الإعاقات؟ وما نوع المسح الذي يعمل للمواليد لمنع هذه الأمراض؟ في المملكة برنامج وطني (مسح للمواليد) newborn screening، وهذا البرنامج يضمُّ المسح لبعض الأمراض الوراثية والاستقلابية التي تنتقل بالتزاوج بين الأقارب، ولكن لا يضمُّ جميع الأمراض الجينية والحركية؛ فمثلاً هناك تحسُّن في نسبة الإعاقة الحركية الناتجة عن نقص الأكسجين أثناء الولادة المتعسرة، والتي تؤدي إلى إعاقة بسبب التحسُّن الملحوظ في العناية بالمرأة الحامل والولادة. كذلك هناك تحسُّن في نسبة بعض أمراض الدم مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية التي تؤدي إلى إعاقة حركية تطورية لوجود فحص ما قبل الزواج للوالدين. ومع تطوُّر وتوفُّر الفحوصات الجينية والخلل الكروموسومي وبعض الأمراض الاستقلابية (inborn error of metabolism)، لكن لا تزال هذه الفحوص ليست جزءًا من مسح المواليد، وتُكتشَف عادةً في السنة الأولى من عمر الطفل؛ إما بسبب إعاقته أو أن الإعاقة تأتي لاحقًا بسبب تأخُّر العلاج. يسهم المسح إلى حد كبير في منع الإعاقات بالعلاج المبكر، وكذلك منع ولادة طفل آخر بنفس المشكلة للعائلة.
  2. إعاقة ما بعد الولادة: وأهم مسبباتها الحوادث وخاصة حوادث السير التي تسبِّب إعاقة حركية وذهنية للأطفال والشباب، ولو أنها انخفضت بعض الشيء بوجود نظام المرور الجديد ووجود ساهر؛ إلا أن النسب لا تزال عالية جدًّا مقارنة بالعالم.
  • الصعوبات التي تواجه ذوي الإعاقة وتحديات تجويد واقعهم:

في تصوُّر أ. مها عقيل، أن الأماكن العامة وحتى السكنية وأماكن العمل قليلاً ما تكون مناسبة ومؤهلة لذوي الإعاقة. وما زال ينقصنا الكثير من مراكز الرعاية والصحة والتعليم والتدريب في كلِّ مناطق المملكة. وقد أظهرت أزمة كورونا الكثيرَ من نواحي القصور في الاهتمام بذوي الإعاقة، وخاصة مع الاعتماد على التعليم والعمل عن بُعد.

وذكر د. سعيد العمودي أنه يمكن ملاحظة أن ثمة صعوبات يعاني منها أصحاب الإعاقة الجسدية، أو كبار السن على الكراسي المتحركة من الأقارب والأصدقاء في حركتهم داخل المدينة في التسوق وزيارة المستشفيات وزيارة الأقارب والأصدقاء، للأسف لم تُصمَّم الأرصفة لهم، ولا المباني، ولا المداخل، كأنَّ المدن خاصة فقط للأصحاء! والتحدي الكبير تركيز بعض الجهات الحكومية في أنشطتها على خدمة الأصحاء فقط! ويكون الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن مهمشين في التفاصيل المهمة في التصميم.

وتساءل أ. عبد الرحمن باسلم: هل كود البناء السعودي الجديد يتضمن مواصفات للمباني العامة والمطاعم، وتأخذ في الاعتبار حاجات ذوي الإعاقة المختلفة؟

وفي هذا الصدد، أوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أن وزارة الشؤون البلدية والقروية قد بدأت بالفعل بالتأكيد على إلزامية المنزلقات للمعاقين، وتوقيع العقوبة في حال المخالفة.

وأبدى د. زياد الدريس اندهاشه من أن دولًا عربية وكمثال الأردن قد استطاعت خلال السنوات القليلة الماضية أن تُصبح موئلًا للأسر السعودية والخليجية، يحملون أطفالهم إلى مراكزها المتخصصة في رعاية ذوي الإعاقة! ومن هنا يبرز التساؤل: لماذا استطاعت الأردن الشقيقة التي لا تفوقنا ماديًّا أو بشريًّا أو تقنيًّا أن تصبح قادرةً على بناء مراكز تأهيل نموذجية، ونحن بما لدينا من إمكانيات متنوعة عاجزون عن ذلك؟ هل المشكلة في الإمكانيات، أم أنها في الحقيقة تكمن في حُسن التخطيط، وقبل ذلك في القناعة الحضارية/ الإنسانية لاحتياجات ذوي الإعاقة؟

ومن جانبه، ركَّز أ. فهد الأحمري على أن هناك تقصيرًا في جودة التعليم لفئة ذوي الإعاقة، كما أن مواقف سيارات المعاقين نجدها لا تزال منتهكة، وكذلك الطرق المنزلقة إلى المباني. لا نجد أقسى قلبًا من الذي يشاهد لوحة موقف أو طريق لأصحاب الإعاقة ثم يحتله دون اكتراث، حتى أن بعض هذه المواقف الخاصة بهم أضحت مواقف لسيارات تنزيل وتحميل البضائع. كذلك يُلاحظ بعض الدورات والمؤتمرات ليس فيها لغة إشارة للصم والبكم.

وأوضحت أ. د. مجيدة الناجم أنه على الرغم من وجود التشريعات والأنظمة التي تكفل حقوق المعاق؛ إلا أنه هناك نقصٌ حادٌّ في البرامج والمراكز المتخصصة.

  • مقترحات لتحسين جودة الحياة لذوي الإعاقة:

أكد د. سعيد العمودي على أهمية وجود شروط ومحددات لأي مبنى أو مسجد أو فعالية أو نشاط تجاري أو مدرسة وكافة الجهات الخدمية، بأن يكون هناك وعي بوجود مدخل خاص ومناسب لذوي الإعاقة، ولا تكون بشكل عشوائي أو بعد الطلب! ولعل وجود هيئة الأشخاص ذوي الإعاقة من شأنه أن يسهم في تحسين جودة حياة الأشخاص موضع اهتمامها من المعاقين.

وأشارت د. فايزة الحربي إلى أن بعض الإعاقات تخلق مهنيين محترفين في بعض المهارات، ليتنا نُركِّز على ذلك في تشجيع استقطاب هذه الفئات للعمل في المصانع بحسب العمل المناسب لهم.

وسلَّط أ. لاحم الناصر الضوءَ على أن ثمة تعليمات محددة صادرة عن مؤسسة النقد العربي السعودي بخصوص تيسير الخدمات المقدَّمة للأشخاص ذوي الإعاقة في المؤسسات المالية العاملة في المملكة، بما يصب في إطار تعزيز الدور الإنساني لتلك المؤسسات تجاه عملائها من الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال العمل على تسهيل وتيسير سُبل تقديم الخدمات المالية لهذه الفئة العزيزة من المجتمع. ويأتي إصدار هذه التعليمات ضمن جهود مؤسسة النقد الرامية إلى تأدية المؤسسات المالية لدورها الإنساني، والتشـجيع على تطوير الخدمات المالية المُقدَّمة لعملائها من الأشخاص ذوي الإعاقة.

وأكدت د. وفاء طيبة على أن المعاقين الراشدين هم الأقل حظًّا في مجال الرعاية بهم، فلربما وجدنا عناية وخدمات وتعليم ولو جزئيًّا لصغار ذوي الإعاقة، ولكن نجد هذه الخدمات تتضاءل كلما كبر الطفل، وخاصة بالنسبة للذكور. وعليه، فإن المأمول هو أن يوفِّر التدريب التقني والمهني مثل هذا التدريب لهذه الفئة حسب حاجتها، على نحو يحقِّق إفادة للمجتمع من قدراتهم، وبما يجعلهم كذلك جزءًا من عجلة الحياة بدلاً من أن يكونوا عبئًا عليها.

ومن المهم كذلك فيما يتعلق بالعوامل التي من شأنها تحقيق المؤشرات العالمية لجودة الحياة وارتباطها بالوعي المجتمعي: العمل على تغيير ثقافة المجتمع نحو الأفراد من ذوي الإعاقة، ووضع الأنظمة والقوانين التي تكفل لهم أحقيتهم في التعليم والصحة والعمل. والحقيقة أن المجتمع أصبح أكثر وعيًا وأكثر قبولاً، ووُضِعت الأنظمة، ولكن لم نصل إلى الإيمان الحقيقي بحق ذوي الإعاقة في حياة جيدة، كلٌّ حسب حاجته، فحق الإنسان في الحياة الكريمة لا يمكن أن يمتنع بالإعاقة، ولم يستثنِ اللهُ سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: الآية 70)، فالاعتراف بحقوق ذوي الإعاقة على اختلاف إعاقتهم أياً كانت يجب أن ينتقل من وَضْع القوانين إلى التنفيذ وإلى التوعية العامة التي تدفع لتغيير الثقافة فيما يخص هذا الموضوع، فهذا ما ميَّز بعض الدول الغربية في مجال الإعاقة.

أيضًا، نحتاج إلى دورات وحديث مع الأسر من المتخصصين بقدر ما نحتاج إلى تعليم أو تدريب لذوي الإعاقة أنفسهم، فهم درعه الأول وحمايته بالتمكين وتنمية الثقة وتقدير الذات تقع على عاتقهم أولاً قبل أن يخرج لباقي المجتمع.

وأكد د. مشاري النعيم على أهمية أن تكون فرص التعليم الجامعي متاحةً أمام ذوي الإعاقة؛ فعدم قبول بعض من ذوي الإعاقة بالجامعات بسبب إعاقتهم هو قمة الظلم وتكريس الدور السلبي للجامعة في المجتمع، وإذا كانت الجامعة غير قادرة ماليًّا على تأهيل مبانيها لاستقبال المعوقين، فإن هناك الكثير من رجال الخير في هذا البلد الذين لن يترددوا أبدًا في التبرع لتأهيل هذه المباني.

ومن وجهة نظر م. خالد العثمان، فإن الحديث عن معايير وإرشادات تطبيق وسائل الوصول الشامل لذوي الإعاقة التي أشار إليها م. مختار الشيباني في تعقيبه، يتطلب التوصية بإلزامية تطبيقها ووضعها تحت طائلة العقوبة من الأمانات والبلديات. هذه المعايير ما زالت حتى الآن بحكم الاسترشادية، وحتى مَن يطبقونها يفعلون ذلك بالحد الأدنى من الحرص الهندسي، ولا تعدو أن تكون في الغالب شكلية أو غير ذات جدوى. الواجب أن تكون هذه المعايير ضمن المتطلبات الإلزامية التي تؤسس لإصدار رخص واعتماد البناء مثلها مثل بقية الأنظمة البلدية، على الأقل في المباني العامة والحكومية وما في حكمها. كذلك، فإن الوصول الشامل يتطلب أيضًا التزام الأمانات والبلديات والجهات الأخرى ذات العلاقة (مثل، وزارة الإسكان ووزارة الشؤون البلدية والقروية) بفرض تطبيق معاييره على مستوى التصميم العمراني لتحقيق سهولة الحركة والتنقل في البيئة العامة عبر الأرصفة والطرق والمتنزهات، وغير ذلك من الأماكن العامة التي لا تقع ضمن اختصاص المطورين العقاريين أو المستثمرين من القطاع الخاص.

ولعله من المناسب أيضًا توظيف أدوات تحفيزية للمطورين والمستثمرين نظير مبادرتهم بتطبيق أدوات ومعايير الوصول الشامل في مشروعاتهم، مثل: مَنْح إعفاءات من بعض الرسوم، أو زيادات في المساحات الاستثمارية، وغير ذلك. الغرض من استخدام مثل هذه الحزم – ولو لفترة محددة مثلاً – تحفيز نشر هذه الثقافة ولمس أثرها على المجتمع، وخلق نمط اعتيادي لدى الناس يصبح بعد ذلك على المدى الطويل جزءًا ثابتًا من مكونات التنمية العمرانية.

وركز د. ناصر القعود على أنه يجب مراعاة أن احتياجات كل فئة من ذوي الإعاقة تختلف عن الفئة الأخرى؛ وعلى سبيل المثال، المصابون بطيف “التوحد” يأتي في مقدمة احتياجاتهم توفير مراكز متخصصة تُحقِّق لهم الرعاية والتعليم والتدريب، ومراكز إيواء تتناسب مع أعمارهم وتلبي احتياجاتهم.

وذكر د. محمد الثقفي أنه وعلى الرغم من أن هناك برامج حكومية خاصة بذوي الإعاقة في السعودية، كما برزت مؤخرًا العديد من منظمات المجتمع المدني لخدمة هذه الفئات؛ إلا أنها مع ذلك تظل غير كافية.

وأضافت أ. فائزة العجروش أن الركيزة الأساسية لبناء المجتمع المنتج هو العمل، وقاعدة أي نظام اقتصادي هو نظام العمل؛ لذلك يتأثر ويؤثر كل منهما بالآخر، فلا يمكن أن يحدث أيُّ تطور اقتصادي دون تثبيت قواعد عمل لائقة في قطاعات الاقتصاد الوطني. ولهذه الأهمية، أصبح العمل بصفته المعيارية اللائقة هدفًا إستراتيجيًّا في مصفوفة أهداف التنمية المستدامة للمملكة (الهدف الثامن، توفير فرص عمل لائقة ونمو الاقتصاد). وكما نلاحظ أن قطاع الاقتصاد وقطاع الأعمال محليًّا يشهدان العديد من التغيرات التي تبرز فيها أهمية التنوُّع البشري كونه عاملًا أساسيًّا لتحسين الكفاءة والإنتاجية، والتشجيع على التنافسية والتطور. ومن الأهمية بمكان أن يشمل هذا التنوع الأشخاص ذوي الإعاقة. ولتمكين العمالة المُنتِجة منهم كجزء لا يتجزأ من جودة حياة ذوي الإعاقة، وتوفير العمل اللائق لهم، وإتاحة فرص العمل أمام جميع مَن هم في سن العمل في ظل ظروف لائقة، يندرج هذا المفهوم تحت الهدف العاشر: (الحد من أوجه عدم المساواة). فمن أهم الأسباب التي تحرم الأشخاص ذوي الإعاقة من سُبل العيش الكريم عدم تكافؤ الفرص، والافتقار لبنية تحتية سليمة، بالإضافة إلى الافتقاد للمهارات العملية التي تؤهلهم للحصول على فرص عمل لتوفير الاحتياجات الأساسية لهم ولأسرهم. والحد من أوجه عدم المساواة يهدف لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ويكفل كذلك مشاركة المرأة من ذوات الإعاقة وتكافؤ الفرصة لها للقيادة وصنع القرار، بما يحقق مبدأ الشمولية والاستقلالية ضمن مجتمع يعترف بحقوقهم في الحصول على سُبل العيش الكريم، ويسهم كذلك في تعظيم المنفعة اقتصاديًّا، من خلال رفع مستوى التشغيل في المملكة، ويمكن تلخيص الجدوى من توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في النقاط التالية:

  1. ازدياد وعي العديد من أصحاب العمل تجاه قيمة الأشخاص ذوي الإعاقة كأفراد منتجين، والمنفعة الاقتصادية من توظيفهم في سوق العمل.
  2. الموظفون ذوو الإعاقة يمكن الاعتماد عليهم في الأعمال التي تحتاج للدقة والانضباط، كالسكرتارية والمحاسبة، وخدمة عملاء.
  3. معدل الدوران الوظيفي للأشخاص ذوي الإعاقة أقل؛ لأنهم يستمرون في وظائفهم مدة أطول من غيرهم.
  4. توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة يزيد من رضا الموظفين عن بيئة العمل ومعنوياتهم.
  5. الاستغلال الأمثل للمهارات غير المستغلة للأشخاص ذوي الإعاقة سواء كانت تقنية أو إدارية أو تخطيطية.
  6. ليس هناك أفضل ممَّن يخدم فئة المعاقين سوى مَن يعاني نفس معاناتهم؛ لذا من المنطقي توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في الوظائف التي تخدم ذوي الإعاقة.

فضلًا عن تحقيق الأهداف الاقتصادية التالية:

  1. إدراج النمو الاقتصادي الفردي للأشخاص ذوي الإعاقة لنمو الناتج المحلي الإجمالي.
  2. تحقيق مستويات أعلى من الإنتاجية الاقتصادية.
  3. تخفيض نسبة الإعالة؛ نسبة إعالة ذوي الإعاقة من قِبل أحد أفراد أسرتهم، ونسبة إعالة الشخص من ذوي الإعاقة لنفسه.
  4. التكامل في تنفيذ أهداف العمل في رؤية 2030 وأهداف التنمية المستدامة بالقضاء على الفقر، وخفض معدلات البطالة.
  5. تمكين العمالة المنتِجة، وتوفير العمل اللائق لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة.
  6. تحسين الكفاءة في استخدام الموارد في مجال الاستهلاك والإنتاج.
  7. تفعيل السياسات الموجَّهة نحو التنمية، ووَضْع سياسات تنفيذية لتشغيل ذوي الإعاقة في كافة القطاعات المستدامة.
  8. تعزيز قدرات المؤسسات المالية المحلية لغرض توفير فرص عمل مستدامة لذوي الإعاقة.
  9. حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في بيئة العمل، وتوفير بيئة عمل آمنة خالية من العوائق والحواجز.

وذكر د. حميد الشايجي أن ثمة مبادرات عديدة لتدريب وتأهيل ذوي الإعاقة لسوق العمل؛ إلا أنها لا تزال لا تفي بالاحتياج المطلوب، خصوصًا أن مثل هذه البرامج متركزة في المدن الرئيسية، ولا تُغطي القرى والمناطق النائية، ومن هذه المبادرات:

  1. برنامج توافق: وهو برنامج أطلقه صندوق الموارد البشرية.
  2. لأجلكم: مبادرة التأهيل الدولي لتجهيز وتدريب المعاقين لسوق العمل، أطلقتها في ٢٨ رجب ١٤٣٧هـ، سمو الأميرة نوف بنت عبد الرحمن بن ناصر آل سعود، رئيس مجلس إدارة مركز فريق التأهيل الدولي.
  3. مبادرة أرامكو في توظيف ذوي الإعاقة.
  4. احتساب ذوي الإعاقة في نظام نطاقات تشجيعًا للقطاع الخاص في توظيفهم.
  5. تنظيم ساعات العمل والأجور لذوي الإعاقة.
  6. مبادرة سعي لتأهيل وتوظيف ذوي الإعاقة: وهي مبادرة غير ربحية تطوعية، تأسست بتاريخ 1-1- 1439هـ في مدينة الرياض.
  7. مبادرة تيسير لتدريب وتأهيل ذوي الإعاقة لسوق العمل، والتي أطلقها مجمع خدمة الصناعة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري التابعة لجامعة الدول العربية في ١٣جمادى الآخرة ١٤٤١هـ ·
  8. مبادرة “قادرون” لإعادة التأهيل المهني لذوي الإعاقة للمشاركة في سوق العمل.

لكن وعلى الرغم من تعدُّد المبادرات المشار إليها، والتي تسعى لتأهيل ذوي الإعاقة لسوق العمل؛ إلا أنها لا تزال لا تفي بالاحتياج، خصوصًا أنها متركِّزة في المدن الرئيسية.

ومن ناحيته يرى م. فاضل القرني أنه يُستدل مما ورد حول الوصول الشامل – المشار إليه في التعقيب الثاني – أن الإعاقة تأخذ جزءًا كبيرًا من الاهتمام بالتخطيط والبناء في السعودية، لكن التصور أن ثمة أهمية لإدراج الإعاقات النادرة، والتي في الغالب يكون سببها مشاكل جينية. وكمثال هناك مرض جيني يُسمَّى Fibrodysplasia ossificans progressiva ، ويتعلق بتكلُّس العضلات لتصبح عظامًا تعيق المريض من الولادة حتى يصبح كالتمثال. والحالات من هذه النوعية تستحق أن يتم إدراجها ضمن فئة المعاقين حتى يستفيدوا من الخدمات والفرص والحقوق الممنوحة لهم.

وفي اعتقاد أ. د. مجيدة الناجم، أن أكثر ما نحتاج له لتحسين حياة ذوي الإعاقة يتركز في وجود قاعدة بيانات توضِّح كلَّ ما يخص أنواع الإعاقة وانتشارها وتصنيفها واحتياجاتها؛ ومن ثَمَّ وجود برامج ومراكز تناسب كلَّ فئة.

وضربت د. هناء عبد الله الفريح مثالًا بجوانب من الاهتمام بذوي الإعاقة في أمريكا كمثال، حيث أشارت إلى أن التعليم الحكومي لذوي الإعاقة في أمريكا عبارة عن قسمين: قسم حكومي عام، وقسم حكومي متخصص، وهذا القسم الأخير يتولى الفئة ذات الإعاقات غير القابلة للدمج بسبب التأخر العقلي أو قصور في الفهم أو ذوي السلوكيات التي لا تسمح بدمجهم في التعليم العام، وهذه الفئة يتم تعريفهم بالبرامج الأكاديمية البسيطة كالقراءة والكتابة والمسائل الحسابية البسيطة أو التواصل بالصور في حالات غير الناطقين. وخلصت د. هناء إلى أن المأمول أن ترقى المجالات الخاصة بذوي الإعاقة في المملكة بحيث نتخطى ما وصلت إليه أمريكا، ونكون مثالًا في العدل والمساواة.

وترى أ. علياء البازعي أن جودة الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة تبدأ من مرحلة مبكرة جدًّا في مرحلة الطفولة وخطواتها، هي:

  1. اكتشاف مبكر (توعية للأسر بأهمية مرحلة “التدخل المبكر”، تدريب أطباء الأطفال وأطباء مراكز الرعاية الصحية الأولية على اكتشاف جوانب القصور النمائي على اختلافها).
  2. تعليم جيد (إيجاد مراكز تدخل مبكر داخل الأحياء، ويمكن في مراكز الرعاية الصحية الأولية – قبول في المدارس القريبة من السكن وتوفير أساسيات تعليم ذوي الإعاقة).
  3. برامج تأهيل لمهارات الحياة لتحقيق أقصى قدر من الاستقلالية.
  4. برامج تأهيل للتوظيف حسب مستوى قدرات كل شخص.

وأشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن الوصول إلى تحقيق برامج منظمة ومنتظمة، بهدف تحقيق الغايات تجاه احتياجات اجتماعية واقتصادية على وجه الخصوص، غير ممكن عمليًّا دون أن تؤسس أنظمة وقواعد رصينة تكون الأساس نحو بلوغ الوصول إلى البرامج التي هي محور تنفيذ ما يُرجَى تحقيقه في النهاية. ولا بد كذلك أن تتضافر الجهود الحكومية والقطاع الخاص لتوفير بيئات تخدم كافة صنوف الإعاقة؛ وذلك من خلال ما يلي:

  • قيام وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالتوسُّع في إنشاء المراكز والمعاهد المتخصصة بالتعاون مع وزارتي الصحة والتعليم.
  • تحفيز ودعم القطاع الخاص في إنشاء مراكز تخصصية للمعاقين بكافة فئاتهم في كل المناطق وأغلب المحافظات.
  • أن يكون هناك وزارة للتنمية والرعاية الاجتماعية مستقلة عن وزارة الموارد البشرية.

ومن وجهة نظر د. الجازي الشبيكي، فإن التخطيط والتنفيذ لكل جهود رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل يضمن حصولهم على حقوقهم المتصلة بالإعاقة، يُفترض أن يتم ضمن منظومة موحَّدة تحت مظلة “هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة” التي تمَّ إنشاؤها بمرسوم ملكي عام 1439هـ، كإحدى مبادرات برنامج التحوُّل الوطني، لتكون المظلة الشاملة بكل ما يُعنى بشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحرص على متابعة تنفيذ الجهود المبذولة في هذا المجال. والآلية المأمولة في هذا الخصوص هي الآلية التنسيقية (إنشائيًّا ووقائيًّا وعلاجيًّا) التالية، والتي يمكن تحقيقها في ظل خطة وتوجُّه الرؤية ومكاتبها المعنية والمتواجدة في الوزارات والهيئات المختلفة، وذلك كما يلي:

  • تصميم برنامج متكامل يبدأ منذ ولادة الطفل المعاق، والتأكُّد من نوع الإعاقة بحيث تبدأ أولى خطوات البرنامج بـــ:
  1. إرسال المعلومة للسجل الوطني لذوي الإعاقة “إذا كان موجودًا، أو يتم إنشاؤه إنْ لم يكن كذلك”؛ ليتم حصر عدد ونوعية الإعاقات في المملكة، وأهم العوامل المُسبِّبة لها؛ لتيسير برامج الجهود الوقائية فيما بعدُ.
  2. إبلاغ مركز الإرشاد الأسري المخصَّص لدعم واحتواء تقبُّل الأُسر للأمر، ثم لتوعيتها بآليات التعامل المطلوبة في تربية الطفل منذ الصغر.
  3. تسجيل الطفل بحسب نوع إعاقته في المؤسسة المعنية بالعلاج الطبيعي والعلاج التأهيلي في وقت مبكِّر.
  4. حجز مقعد للطفل في المدرسة المتخصصة في التربية الخاصة الأقرب لمنزله، أو المدرسة التي تُطبِّق الدمج، والتي يُفترض أن تكون شاملةً لكل المراحل التعليمية.

كل ما سبق يستلزم في ضوء متطلبات جودة الحياة ما يأتي:

  1. انشاء سجل وطني لذوي الإعاقة.
  2. توفير عدد كافٍ ومناسب ومدعم بالمتخصصين الاجتماعيين والنفسيين والتربويين من مراكز الاحتواء والدعم والإرشاد الأُسري.
  3. تكثيف إنشاء المراكز المعنية بالعلاج الطبيعي والعلاج التأهيلي بحسب نوع الإعاقة.
  4. تسهيل قبول ذوي الإعاقة بالمدارس التعليمية سواءً الخاصة بهم أم التي تُطبِّق عملية الدمج، ويتضمن هذا التسهيل توفُّر الأدوات المساندة والأجهزة المُعِينة على الحركة والتنقل، والوسائل التعليمية والتقنية المناسبة لكل نوع إعاقة.
  5. تشجيع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني على التنافس مع الجهود الحكومية في كلِّ ما سبق من متطلبات، من حيث العمليات العلاجية التأهيلية أو الجهود التعليمية لذوي الإعاقة بمستويات متميزة تُتيح للأُسر خيارات عديدة وواسعة بحسب ظروفهم المعيشية ومستوياتهم الاقتصادية، مع ضمان أن الخدمات الحكومية تُقدَّم بشكل متميز وكافٍ.

هذا بالطبع إلى جانب توفير البيئة الصحية الآمنة في الشوارع والحدائق ووسائل المواصلات، والاهتمام بكلِّ ما يجعل المعاق مندمجًا ومتواصلًا مع الناس في العلاقات والحياة الاجتماعية إعلاميًّا ورياضيًّا وترفيهيًّا؛ ممَّا يُبعده قدر الإمكان عن العزلة والانطواء والكآبة بسبب ظروف إعاقته المختلفة عن ظروف أقرانه من غير المعاقين.

  • هناك أهمية كبيرة لتخصيص جهة مستقلة غير تابعة لأي قطاع من القطاعات المذكورة ومرتبطة بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، تقوم دوريًّا بمتابعة وتقييم البرامج والجهود والخدمات المقدَّمة لذوي الإعاقة؛ للتحسين والتعديل والإضافة والتطوير.
  • التوصيات:
  • إنشاء وحدة متخصِّصة في القطاعات العامة والخاصة لتقديم الخدمات لذوي الإعاقة في جميع المجالات، وكذلك بعض البرامج التي تخدم هذه الفئة مثل برنامج إستراتيجيات التنقل الحركي والاستقلال الآمن للمكفوفين، وغيرها من البرامج المجتمعية.
  • سن ميثاق أخلاقي تشريعي تنظيمي تُحفظ من خلاله الحقوقُ لأصحاب الاحتياجات الخاصة، حيث يشعرون فيه أنهم في مجتمع يحفظ حقوقهم كحقوق واجبة بعيدًا عن فكرة التعاطف المباشر معهم، والذي قد يُشعِرهم بعدم الارتياح.
  • توفير خدمات لغة الإشارة في الدورات والمؤتمرات.
  • التوسُّع في إنشاء المراكز المتخصِّصة في تدريب وتأهيل ذوي الإعاقة، وتشجيع القطاع غير الربحي والقطاع الخاص نحو تأسيس وتشغيل هذه المراكز.
  • تهيئة كافة الظروف البيئية والسلوكية والاجتماعية بما يُحفِّز الأشخاص بمختلف أنواع إعاقتهم على العمل والظهور والمشاركة في الحياة العامة.
  • إنشاء قاعدة بيانات تتضمن الإحصاءات الدقيقة حول مدى وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى سوق العمل، وتقديم جميع ما يلزم من ترتيبات لازمة لتوفير بيئة عمل مستدامة خالية من العوائق والحواجز.
  • تضمين حقوق المرأة ذات الإعاقة وقضاياها في الإستراتيجيات والخُطط الوطنية المتعلقة بمشاركة وإشراك النساء ذوات الإعاقة على نحو فاعل ومُنتِج.
  • إنشاء خط ساخن مُهيَّأ وميسر الوصول للمرأة ذات الإعاقة، بما في ذلك لغة الإشارة والرسائل النصية؛ للإبلاغ عن أي حادثة عنف أو استغلال أو اعتداء على أساس الإعاقة.
  • إنشاء آلية رقابة ومتابعة لحماية الأطفال ذوي الإعاقة من أي ممارسة تنطوي على تعذيب أو عقوبة أو معاملة لا إنسانية، قد تحدث لهم في المؤسسات التعليمية أو دور الرعاية الاجتماعية أو من قِبل المربيات في المنازل.
  • وضع حوافز وإعفاءات ضريبية لأرباب العمل الخاص، تسهم في توظيف أكبر عدد من ذوي الإعاقة في القطاع الخاص.
  • إنشاء خطوط إنتاج في القطاعين الحكومي والخاص خاصة بذوي الإعاقة، بتنظيم معين يضمن سلامتهم وتدريبهم وإنتاجهم الجيد، ويمكن أن تسهم في ذلك مؤسسة التدريب التقني والمهني.
  • قيام وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في التوسُّع وإنشاء أعداد من المراكز والمعاهد المتخصصة بالتعاون مع وزارتي الصحة والتعليم؛ لتحقيق العطاء الشامل لكل معاق ونوع إصابته.
  • تحفيز ودعم القطاع الخاص في إنشاء مراكز تخصصية للمعاقين بكافة فئاتهم في كل المناطق وأغلب المحافظات، خصوصًا التي تثبت الإحصاءات كثرة تواجدهم بها.
  • إنشاء وزارة للتنمية والرعاية الاجتماعية مستقلة في أعمالها ومهامها عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية؛ نظرًا لاختلاف التخصص والمهام بينهما.
  • إنشاء وتفعيل جمعيات الإعاقة كمجتمع خاص يتواصل ويتبادل المعلومات، والتعاون في كل ما يتعلق بالبحث عن التغلب على الإعاقة ووصول صوتهم إلى القطاعات الثلاثة (الحكومي، الخاص والتطوعي)، وتحفيز القطاعات الطبية والمستثمرين للدراسات والتجارب والسعي لحلول طبية.
  • تفعيل مهام (هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة) لتكون المظلة التي تندرج تحتها كل الخُطط والجهود والخدمات لذوي الإعاقة.
  • تقديم الخدمات والبرامج لذوي الإعاقة ضمن منظومة تنسيقية موحَّدة بين جميع الأطراف ذات العلاقة (الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني) في المجال الصحي والأُسري “التوعوي والإرشادي” والتعليمي والتأهيلي والخدمات العامة المختلفة.
  • التركيز على الاهتمام بتطوير عمل مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة بالشراكة والاتفاقيات المتبادلة مع الجامعات المحلية والعالمية، والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة بهذا الخصوص.
  • تحفيز التنافس بين المدن أو المناطق بجوائز وامتيازات لمَن يُحقِّق أعلى الدرجات في تحقيق متطلبات جودة الحياة لذوي الإعاقة.
  • العمل بخُطى توازن بين الجهود الوقائية والجهود العلاجية؛ للتقليل قدر الإمكان من حجم وأعداد حالات الإعاقة المستقبلية.
  • إعطاء أهمية لعمليات المتابعة والتقييم والتقويم المستمر لكل الجهود والخدمات التي تُبذل لذوي الإعاقة لمواكبة مستجدات التطور الطبي والعلمي والتقني.
  • العمل على توفير قاعدة بيانات توضِّح كلَّ ما يخصُّ أنواع الإعاقة وانتشارها وتصنيفها واحتياجاتها، ومن ثَمَّ وجود برامج ومراكز تناسب كل فئة.
  • تبنِّي سياسات كافية لدعم أولياء أمور ومعلمي ومرافقي ذوي الإعاقة، والنظر إلى الاحتياجات المطلوب تحقيقها لمساعدتهم على الاهتمام بهم ورعايتهم على الوجه الأمثل (المساندة المعنوية والنفسية، الإجازات الرسمية من العمل عند الحاجة وعدم احتسابها من رصيد الإجازة الاعتيادية، الحاجات التمويلية، الأجهزة والوسائل المساعدة)، وغيرها.
  • التوعية بأهمية التفاعل الأسري مع النظُم التعليمية وفريق العمل المعالج.
  • تقوم الجهات المعنية بذوي الإعاقة والخدمات الخاصة بهم بإعلان خدماتها على مواقعها الإلكترونية بشكل واضح ويسير، وكذلك المساعدات والمخصصات المالية تكون واضحة ومُعلَنة بالتفصيل مع الشروط.
  • تشكيل لجنة استشارية تعمل مع برنامج جودة الحياة، متخصِّصة في هذا المجال، يتم تمثيل الجهات المعنية بها؛ لأن لديها الميزانيات الكافية لدعم كل ما يتعلق بجودة الحياة في المملكة لتحقيق رؤيتها ٢٠٣٠.
  • اعتماد إدارة التربية الخاصة في الوزارة آلية معينة لتوعية الطلبة والطالبات بالإعاقة، لاستقبال الأطفال ذوي الإعاقة بطريقة تفاعلية إيجابية سليمة.

 

القضية الرابعة

 السياحة الداخلية ودورها في تنمية الاقتصاد الوطني في المملكة

(30/8/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. فهد الأحمري
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. عبد الله صالح الحمود
  • التعقيب الثاني: أ. جمال الملائكة
  • إدارة الحوار: د. نوف الغامدي

 

  • الملخص التنفيذي:

أكد أ. فهد الأحمري في الورقة الرئيسة على أنه يتوافر للمملكة العربية السعودية العديدُ من المقومات السياحية: الجغرافية، والمناخية، والتاريخية، والثقافية، والدينية، والفنية، والحضارية. وكما أن لدى المملكة العمق التاريخي لعشرات القرون، فإن لدينا كذلك حاضرًا مشرفًا أيضًا من دولة عصرية ناشئة تمكَّنت من اقتحام دول العشرين العظمى اقتصاديًّا، مرورًا بمدن صناعية كالظهران والجبيل وينبع، وشركات كبرى كأرامكو وسابك، علاوة على مشاريع ضخمة قادمة كنيوم والقدية، والتي ستُغيِّر معالم الصناعة والتجارة والاقتصاد والسياحة في العالم؛ الأمر الذي يستوجب العملَ الجادَّ لتعزيز التنمية السياحية الوطنية بوصفها أحدث أنواع التنمية التي تسعى لها الدول كمصدر دخل عظيم الشأن، وتتطابق مع التنمية الشاملة، ولما تتضمنه من تنمية حضارية شاملة لكافة المقومات الطبيعية والإنسانية والمادية.

في حين أكد د. عبد الله صالح الحمود في التعقيب الأول على أنه لا بد من المُضي قدمًا نحو صناعة سياحية فاعلة تغطي الاحتياجات والمتطلبات للمواطن أولًا حفاظًا على مصروفات مالية قُدِّرت بآلاف الدولارات تُغادر سنويًّا لأجل قضاء أوقات سياحية خارجية، وصناعة سياحية فاعلة أيضًا تجذب سيَّاحًا دوليين، نتشرف بالتعريف لهم عن سماحة ديننا الإسلامي الحنيف، والتعريف بثقافاتنا، فضلاً عما يُشكِّل ذلك لنا من مورد اقتصادي داعم للناتج المحلي الإجمالي ودخلنا القومي.

أما أ. جمال الملائكة فأشار في التعقيب الثاني إلى عدد من المقترحات التي من شأنها تنمية صناعة السياحة في السعودية، ومنها: تحويل هيئة السياحة إلى وزارة بصلاحيات واسعة وميزانية ملائمة، وإنشاء جهاز متطور للمراقبين للمنشآت السياحية، والاهتمام بإنشاء الفنادق الملائمة في المدن.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحورين التاليين:

  • التحديات التي تواجه السياحة الداخلية في المملكة.
  • آليات تنمية السياحة الداخلية وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • تطبيق برامج الابتعاث السياحي وتدريب الكفاءات التي يتطلبها القطاع السياحي كالإرشاد والضيافة، بالتعاون مع أفضل الجهات العالمية لتوطين المعرفة لتمكين المنشآت السياحية من أداء أدوارها بكفاءة عالية.
  • المحافظة على المواقع السياحية وأنسنتها بصورتها الطبيعية والأثرية والتاريخية مع لمسات بسيطة لا تمسُّ بأصل الموقع.
  • الورقة الرئيسة: أ. فهد الأحمري

يخطِئ مَن يظن أن المملكة العربية السعودية تفتقر للمقومات السياحية، فلدينا مقومات جغرافية ومناخية وتاريخية وثقافية ودينية وفنية وحضارية. فالسهول والكثبان والسواحل والجبال والبحار والأودية والجزر وطبقات المياه، كمكونات جغرافية قد – بل أزعم أنها- لا تتوفر كلها في بلد آخر.

في الجانب المناخي نجد التنوُّعَ الثري يتشكل في أبهى الحُلل في شمال البلاد وجنوبها ووسطها، علاوة على سواحلها الشرقية والغربية. لدينا عمق تاريخي توثِّقه المخطوطات والمنحوتات الصخرية منذ آلاف السنين، وتؤكده أشعار العرب التي تحدثت عن الأماكن والأحداث المختلفة.

في تاريخ الجزيرة العربية عدة لغات محكية مكتوبة على الصخور كالثمودية واللحيانية والمسمارية، وكمية نقوش أؤكد أنها لا تتوفر في موقع آخر. وبالتالي، فإن بلدنا تستحق أن تكون من أهم مقاصد العالم في جانب السياحة إذا تم استغلالها الاستغلال الأمثل.

وكما أن لدينا في الجزيرة العربية عمقًا تاريخيًّا لعشرات القرون فإن لدينا كذلك حاضرًا مشرَّفًا أيضًا من دولة عصرية ناشئة تمكَّنت من اقتحام دول العشرين العظمى اقتصاديًّا، مرورًا بمدن صناعية كالظهران والجبيل وينبع، وشركات كبرى كأرامكو وسابك، علاوة على مشاريع ضخمة قادمة كنيوم والقدية، والتي ستغيِّر معالمَ الصناعة والتجارة والاقتصاد والسياحة في العالم؛ الأمر الذي يستوجب العملَ الجادَّ لتعزيز التنمية السياحية الوطنية.

إن التنمية السياحية هي أحدث أنواع التنمية التي تسعى لها الدول كمصدر دخل عظيم الشأن وتتطابق مع التنمية الشاملة، فكل مقومات التنمية الشاملة تعَدُّ من مقومات التنمية السياحية؛ الأمر الذي جعَل التنمية السياحية عند أغلب دول العالم إحدى أهم قضايا العصر، كونها تسهم في زيادة دخل الأفراد والحكومات، وبالتالي فهي أحد الروافد الرئيسة للدخل القومي، ولما تتضمنه من تنمية حضارية شاملة لكافة المقومات الطبيعية والإنسانية والمادية. ومن ثَمَّ، فإن التنمية السياحية هي أحد أبرز روافد التنمية الاقتصادية.

إنَّ أهداف التنمية السياحية تختلف بحسب الزمان والمكان، فالذي يتناسب مع بلد قد لا يتناسب مع بلد آخر؛ لاختلاف الثقافات والقيم وتفاوت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والبيئية. وكذلك الأهداف ذاتها قد يختلف زمنها، فما يصلح كهدف في مرحلة معينة قد لا يصلح كهدف لمرحلة أخرى.

ومن أهم الأهداف العامة التي قد تشترك فيها أغلب البلدان:

  • أهداف اقتصادية:

وهذه لا تحتاج لمزيد إيضاح، فالكل يعلم مردود السياحة على الدخل العام والدخل الخاص للمؤسسات العامة والخاصة وكذلك الأفراد، من خلال استقطاب السيَّاح من الخارج فضلاً عن سُيَّاح الداخل الذين ينفقون 30 مليار دولار سنويًّا على السياحة الخارجية كأحد أكبر دول العالم إنفاقًا على السياحة.

  • أهداف اجتماعية:
  • رَفْع مستوى الوعي الشعبي وتحسين الصورة النمطية المحلية عن السياحة، والتي لا يزال يراها بعض البسطاء مسألةً دون المطلوب في الجوانب الثقافية والأخلاقية والاقتصادية.
  • تنمية المجتمع حضاريًّا وثقافيًّا، من خلال رَفْع مستوى الوعي والاعتزاز بتاريخ الوطن وجغرافيته ومقدراته والارتباط المباشر بمكوناته وتراثه.
  • خلق بيئة جاذبة لاستقطاب السيَّاح الأجانب والمقيمين والمواطنين لإشباع حاجاتهم ورغباتهم للاستجمام والاستمتاع والترويح بما يتوافق مع القيم والتشريعات المحلية.
  • تصحيح الصورة النمطية السلبية عن وطننا الذي يراه الكثير من شعوب العالم مجرد صحراء قاحلة تتوسطها آبار نفط.
  • مد جسور التواصل مع الشعوب من خلال فتح البلاد لسائحي العالم ليتعرفوا عن قرب على الوطن والمجتمع السعودي المضياف المرحب بالآخر.
  • أهداف بيئية:

تتركز في حماية مقومات البيئة كإحدى ركائز التنمية المستدامة من خلال التعامل الأمثل مع مواردنا الطبيعية والحيوانية، وتجنُّب بواعث التلوث، والمحافظة على موارد التراث المحلي.

  • أهداف ثقافية:
  • السياحة ليست مجرد محرِّك لنمو الاقتصاد فحسب، بل جسر للتواصل الثقافي مع العالم، وزيادة مستوى التفاهم والاحترام المشترك.
  • تعريف الزائر على تراثنا الضارب في عمق التاريخ والمتنوع في أشكاله المتعددة؛ الثقافي والعمراني والفلكلوري والفني وخلافه.

إن تنمية الصناعة السياحية تتطلب مراعاة نقاط جوهرية تتلخص في التالي:

  • تدريب العناصر البشرية اللازمة التي يتطلبها القطاع السياحي؛ لتمكين المنشآت السياحية من أداء أدوارها بصورة مميزة.
  • المحافظة على بقاء المواقع السياحية على حقيقتها الطبيعية والأثرية والتاريخية مع لمسات بسيطة لا تضر بأصل الموقع؛ لأن كل نمط له رواده من السياح.
  • استغلال موارد السياحة المتوفرة وتحسينها؛ لتتمكن من تحقيق احتياجات الطلب السياحي المحلي والعالمي.
  • عمل دراسة شاملة للتحقق من الجدوى الاقتصادية للاستثمارات السياحية المقترحة.
  • تحفيز القطاع السياحي، من خلال دعم القطاع الخاص لتنفيذ برامج السياحة عبر خطط إعلانية تسويقية متكاملة.
  • رَبْط خُطط التنمية السياحية بخُطط التنمية الأخرى للقطاعات الاقتصادية لتحقيق نمو متوازن.

متطلبات القطاع العام:

  • التخطيط السياحي العلمي الرشيد لتحقيق أكبر معدل ممكن من النمو السياحي في وقت وتكلفة قياسيين؛ لمواجهة سوق التنافس السياحي الدولي العريض.
  • تحقيق العمل الجماعي المتكامل بين جميع أجهزة الدولة المتصلة بالسياحة، وكذا التنسيق بين الأنشطة السياحية ذاتها.
  • دعم البرامج البحثية عن السياحة المحلية لخلق بيئة سياحية مرتبطة بتراثنا الزاخر بالتنوع العريض، وإيجاد الطرق العلمية لتنميتها وعرضها للعالم بطريقتنا الخاصة.
  • إصدار القوانين اللازمة لتنظيم السياحة.
  • رَفْع مستوى الخدمات المتصلة بالمواقع السياحية.
  • تحفيز القطاع الخاص لتوسيع أفق اهتماماته في جانب التنمية السياحية المستدامة.
  • توفير المتطلبات الأمنية والتقنية في مختلف المناطق السياحية؛ لضمان سلامة السياح وتواصلهم تقنيًّا.
  • توفير المعلومات والبيانات الواسعة عن المواقع السياحية من خلال المنشورات الورقية والتقنية.
  • العمل الدبلوماسي لترويج السياحة السعودية من خلال منشآتنا الدبلوماسية في الداخل والخارج.
  • فتح مكاتب في دول العالم التي تُعنى شعوبها بالسياحة، بحيث تقوم بأنشطة فنية وثقافية تعريفية، يتخللها جوائز تحفيزية مباشرة وتخفيضات رمزية في التذاكر والإقامة في السعودية.
  • إغراء مشاهير ومؤثرين دوليين بالاستضافة الكاملة لأرض الوطن، ومنحهم عقارات في المناطق السياحية للاستثمار فيها.
  • استغلال المناسبات الدولية والمؤتمرات الكبرى لاستعراض مكوناتنا السياحية والفنية والتاريخية والثقافية.

متطلبات القطاع الخاص:

القطاع الخاص رافدٌ جوهري للسياحة السعودية، وهي مورد اقتصادي مهم لهذا القطاع دون شك. والحديث عن دور القطاع الخاص ومشاركته مع القطاع العام ليس لها حدود، فهي أدوار مفتوحة لا يحدُّها سوى الفكر والذهن التجاري الخلَّاق الذي يستفيد من التجارب والخبرات العالمية، مع توظيف تقنيات العصر الحديث؛ باعتبار أن السبيل للنهوض السياحي المستقبلي الفعال والمربح يتطلب النظر بعين المعطيات الإنسانية والعالمية، وعين الابتكار والتجديد مع مراعاة لخصوصية الإنسان والمكان؛ لنبتدع توليفة خلَّاقة لما يمكن لبلدنا أن تقدِّمه للعالم في تجربة سياحية فريدة.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. عبد الله صالح الحمود

قدَّم أ. فهد الاحمري ملخصًا ضافيًا حول ما تحتضنه بلادنا من موارد سياحية متعددة الأوجه والأصناف، وتطرَّق للأهداف الرئيسية التي منها تنطلق وتتضح معالمنا السياحية، وهي الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، مؤكِّدًا على أن تنمية السياحة تُشكِّل مصدرًا اقتصاديًّا في كل بلدان العالم، وهذه خاصية لا تُضاهى تختص بها السياحة عامة؛ كون السياحة في بلدان عديدة تُشكِّل الدخلَ الأكبرَ في ناتجها المحلي ودخلها القومي.

والسياحة في المجمل تُقسَّم إلى مجموعة أنواع، ويتميَّزُ كلُّ نوعٍ منها بمميزات خاصة به؛ فعلى سبيل المثال هناك السياحة ذات الأهداف وهي: (الدينية – الرياضية – المؤتمرات – الثقافية – العلاجية – الترفيهية)، والسياحة حسب الموقع الجغرافي وهي: (الداخلية – الإقليمية – الدولية)، والسياحة حسب فترات الإقامة وهي: (الموسمية – العابرة)، وأخيرًا السياحة حسب عدد الأفراد وهي: (الفردية – الجماعية).

ومما يدل على أن السياحة اليوم لم تعُد ذات مفهوم أو معنى أو حتى احتياج معين ومحدَّد، إنما أضحت توجُّهات واتجاهات ورغبات واحتياجات؛ لذلك تُسمَّى السياحة صناعة، والصناعة عادةً تتطلب البناء الحقيقي لبلوغ الأهداف المُخطَّط لها لدعم موازنات الدولة، وللنيل من صدارة التفوق السياحي بين الدول. ولأهمية السياحة فهي تعَدُّ مصدرًا رئيسًا للدخل؛ لذا تسعى الدول إلى تنمية السياحة داخلها بمختلف أنواعها لجذب المزيد من السياح، وتتنوع أهميتها وتعمُّ فوائدها على الدولة وعلى أهل البلاد وعلى السائحين.

ومن أهمية ذلك:

  • دخول العملة الصعبة إلى البلاد دعمًا لتنمية الاقتصاد الوطني والرفع من كفاءة ميزان المدفوعات.
  • توافر زيادة فرص العمل لدى الشباب والشابات وكل الفئات دون استثناء، فحيثما يحل السائح في أي مكان فهو يحتاج إلى المزيد من الخدمات التي من شأنها توفير فرص العمل المختلفة.
  • تعَدُّ السياحة وسيلةً للتبادل الثقافي بين الشعوب، وعملية توجيه فكري يتأثر فيها السائح بالطابع الثقافي للدولة التي يسافر إليها، ويتعرف أكثر سكان البلد الأصلية على ثقافة الشعوب الأخرى.
  • الترفيه والاستمتاع، فتعَدُّ السياحة وسيلةً للحصول على الراحة الجسمية والجسدية عن طريق ممارسة العديد من الأنشطة التي تُدخِل السرور إلى النفس.
  • تعَدُّ السياحة مرآةً حضارية تعكس الوجه الحضاري لشعبها، وتبين الكثير من عاداته وتقاليده وقيمه الحضارية، والتي تنقل انطباعًا عن مدى رُقي أهل البلاد.
  • كما أن للسياحة أهميةً كبرى بتنمية المناطق السياحية والعمرانية في البلاد، وللحصول على أكبر عائد من السياحة تقوم الدول بعمليات التنمية والتركيز على المعالم المختلفة، والاهتمام بإنشاء العديد من الفنادق والمنتجعات وتنويع الخدمات بما يعود بالفائدة على الدولة وسكانها، ويحقِّق التوازنَ بين المناطق السياحية بالفعل، والمناطق الفقيرة التي تمتد إليها يدُ الدولة للتطوير.
  • دعم البنية التحتية للبلاد عن طريق بناء وتشييد طُرق جديدة لتسهيل عمليات الانتقال، وبناء المطارات وتحسين الخدمات بها.

وأيضًا، ما أتت به الورقة الرئيسة مؤكِّدة ما تنعم به مملكتنا الغالية من إرث تاريخي وثقافي فضلاً عن مناطق جبلية وساحلية تزخر بها البلاد في كلِّ الاتجاهات، تلك تعَدُّ إحدى الوسائل الجاذبة لعدد من الفئات السياحية التي تفد إلى المملكة طامحةً إلى مشاهدة ما هو تراثي، وما هو مُستجَد من تغير ثقافي حلَّ بالبلاد، ودون أدنى شك أن ما قامت وتقوم به الحكومة في الآونة الأخيرة من التشجيع على السياحة، والذي من أهمها إصدار تأشيرات سياحية إلكترونيًّا، وتحفيز القطاع الخاص على التوسُّع في استثمار النُزُل كالفنادق والشقق المفروشة والشاليهات، كما أن المبادرات التي ظهرت منذ أكثر من عقدين من الزمن في إنشاء كليات للسياحة أوجدت كفاءاتٍ شابةً مؤهلةً للخدمة الفندقية والإرشاد السياحي وتخصصات عدة داعمة لصناعة سياحية واعدة.

وخلاصة القول: لا بد من المُضي قدمًا نحو صناعة سياحية فاعلة تغطي الاحتياجات والمتطلبات للمواطن أولًا؛ حفاظًا على مصروفات مالية قُدِّرت بآلاف الدولارات تُغادر سنويًّا لأجل قضاء أوقات سياحية خارجية، وصناعة سياحية فاعلة أيضًا تجذب سيَّاحًا دوليين، نتشرف بالتعريف لهم عن سماحة ديننا الإسلامي الحنيف، والتعريف بثقافاتنا، فضلاً عما يُشكِّل ذلك لنا من مورد اقتصادي داعم للناتج المحلي الإجمالي ودخلنا القومي.

  • التعقيب الثاني: أ. جمال الملائكة
  • هناك مناطق سياحية جذَّابة جدًّا من ناحية الطبيعة الجبلية أو الساحلية (كمثال الطائف والجنوب وجدة)، وبعضها يكون الطقس فيها معتدلًا شتاءً مثل مدينة جدة، وبعضها يكون معتدلًا صيفًا مثل الطائف وبعض مدن الجنوب). وإذا أمعنا النظر فسنجد أن المستثمر سيُحجم عن الاستثمار في مجال السياحة لضعف المردود؛ وذلك لعدة أسباب، منها: الطبيعة الموسمية لهذه المدن، وبالتالي تعطُّل الأصول لمعظم فترات السنة.

الحل هو قيام صندوق الاستثمارات بالأعمال الإنشائية وبشراكة محددة من المستثمر (لضمان مصداقيته)، وتأجيرها عليه لفترة تمتد لأربعين عامًا مثلًا؛ وهو ما يشجع المستثمر على خوض هذا المجال.

وبوجود هذه الأصول من فنادقَ ومنتجعاتٍ وملاهي ومسارحَ ودور سينما ومطاعمَ ومراكز تسوُّق… إلخ ممولة جزئيًّا من صندوق الاستثمارات، سيجد السائح الداخلي والخارجي ما يتطلع إليه من ترفيه.

  • التركيز على مدن مثل مدينة جدة، حيث يوجد بها البنية التحتية والكثافة السكانية، والأهم قربها من الحرمين الشريفين، ووجود الشواطئ التي يمكن بناء الكثير من المنتجعات فيها (يُلاحظ سفر المواطن لدول ذات طبيعة حارة ورطبة مثل ماليزيا؛ وذلك لوجود الترفيه والسعر المعقول). مدينة جدة طقسها معتدل جدًّا لمدة ستة أشهر، ومن الممكن جذب السائح الأجنبي بوجود المرافق المذكورة أعلاه، بجانب نشاطات ترفيهية أخرى بالطبع.
  • تخفيض التكلفة على الحاج والمعتمر، وجَعْل الرسوم أقلَّ ما يمكن؛ حيث إنَّ الهدف هو زيادة أعداد المعتمرين والحجاج، وبالتالي تشجيعهم على الإقامة في مدن السياحة خاصة مدينة جدة القريبة جدًّا من مكة؛ وهو ما سيُنعش الاقتصاد المحلي وبالتالي الوطني بشكل هائل. ولنا أن نتصور لو ازداد عدد المعتمرين إلى ٣٠ مليون معتمر سنويًّا، وهو هدف من أهداف رؤية ٢٠٣٠.
  • تحويل بعض شواطئ مدينة جدة والشرقية (مرة أخرى، لوجود الكثافة السكانية والبنية التحتية) لمناطق منتجعات ونشاطات بحرية متنوعة من رحلات كروز ويخوت وسباقات… إلخ).
  • الاهتمام بإنشاء الفنادق الملائمة في المدن، والتركيز على ذات النجوم الأربع؛ لأنها المفضَّلة للسائح.
  • مراجعة وسائل النقل العامة وخاصةً سيارات الأجرة؛ للتأكد من ملاءمتها لمتطلبات السياحة.
  • دراسة عمل رحلات طيران خاصة بالسياحة منخفضة التكلفة (chartered flights).
  • التعاقد مع مكاتب ومواقع سياحة عالمية وخليجية، وتزويدها بتفاصيل الفنادق والمنتجعات ومراكز الترفيه… إلخ.
  • التركيز على مراكز تدريب المختصين بالسياحة وتطويرها.
  • تحويل هيئة السياحة إلى وزارة بصلاحيات واسعة وميزانية ملائمة.
  • إنشاء جهاز متطور للمراقبين للمنشآت السياحية.
  • المداخلات حول القضية:
  • التحديات التي تواجه السياحة الداخلية في المملكة:

أشارت د. مها العيدان إلى أن السياحة تعَدُّ أحدَ الروافد المهمة للجانب الاقتصادي لأي مجتمع، ومنطقة شبة الجزيرة العربية تتميز بقِدمها، ويعود تاريخُها لآلاف السنين، ويسودها عبر التاريخ التجارة والأسواق والحضارات المختلفة. وبالرغم من قِدمها في الحضارة إلا أنها من أكثر المناطق غموضًا مع غناها الدفين في الحضارة؛ والسبب يرجع إلى أن الكتابات عن المنطقة لا تُقدِّم إلا القليل من المعرفة. حتى الكتابات القديمة كانت تتناولها من جانب استعماري أو كتابات وأبحاث أنثروبولوجية سطحية تفتقر إلى المعرفة الدقيقة للمنطقة. كما أن الكتابات الحديثة تناولتها من خلال المنظور الاقتصادي. لذا، اقتصرت السياحة على الجانب الديني لسنوات طويلة. ومع التغيرات ورؤية المملكة، كانت السياحة هي أحد الروافد المهمة للجانب الاقتصادي. ومن خلال ذلك، نجد أنه لا اختلاف على غنى المنطقة كبيئة سياحية متعددة الجوانب، ويمكن إدارتها على مختلف الفصول وعلى مختلف الأشكال البيئية. لذا، يأتي دور الإعداد لتهيئة هذه البيئة من خدمات وأنظمة وقوانين بحيث تُتيح للأفراد سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي أن يمارس السياحة، وألا تكون مجرد تجربة تنتهي بزيارته الأولى؛ إذ لا بد من خلق عوامل جذب مستمرة للسائح حتى يُكرِّر التجربة، وفي الوقت نفسه يكون جزءًا من تقديم الصورة المشرفة في هذا الجانب، خاصة أن خيارات السياحة في العالم متعددة، ولا يمكن أن ننجح في هذا المجال إلا بتحقيق درجة من التنافس في هذا المجال. بالإضافة إلى أن السائح السعودي له تجربة في السياحة الخارجية في السنوات الأخيرة؛ مما يجعله يدخل في حيز المقارنة بين السياحة الخارجية والداخلية من خلال ما يُقدَّم له من مستوى اقتصادي مناسب وخدمات تتوافق مع ما يجده من تنوع ونظام في السياحة الخارجية.

وفي تصوُّر أ. فهد القاسم، فإن أهم مشكلة تعاني منها السياحة لدينا هي الموسمية، وتحتاج معالجة مختلفة عن غيرها من الإشكاليات المذكورة في الورقة الرئيسة والتعقيبين عليها. والداء العضال الثاني هو ثقافة السياحة المتدنية، مع أن الضيافة جزءٌ من علوم العرب ومكارم الأخلاق؛ إلا أن هذا بالذات يحتاج إلى برامج مكثَّفة ومستمرة وقوانين تُحقِّق الثقافةَ الإيجابية التي تُحقِّق مفهومَ السياحة وجاذبيتها.

وفي اعتقاد د. وفاء طيبة، أن مشكلة الموسمية على أهميتها إلا أنها عائق في أذهاننا أكثر من الواقع، فلو توفَّرت الخدمات التي تُشجِّع السائح سواء الداخلي أو الخارجي فسيزور السائح هذه الأماكن؛ ففي أوروبا مثلاً تتراوح درجة الحرارة بين الثلاثين مئوية ودرجة تحت الصفر، ولكن أوروبا من أنشط القارات سياحةً؛ لذا لو استطعنا توفير ما يناسب كلَّ جو من الأنشطة وعوامل الجذب مع توفر البنية التحتية الأساسية لاستطعنا تنشيط السياحة على مدار السنة، والاعتقاد أن الدول السياحية الأوروبية تنشط فيها السياحة على مدار العام بنفس المستوى، فهم يعانون من شدة البرد، ونحن في المقابل نُعاني من شدة الحر في عدد من أشهر السنة. خاصة لو استغللنا مناطق الشمال والجنوب. وكذا في جدة مثلاً لو استبعدنا يوليو وأغسطس وسبتمبر مثلاً، فباقي العام يمكن أن يكون مناسبًا للسياحة الترفيهية، بينما قد نستطيع استغلال نوع آخر من السياحة في الأشهر الحارة.

ويرى. فهد الأحمري أن “الموسمية” خلقها المستثمر الذي يرى أنها بُعبع يلاحقه في استثماراته السياحية، وقد نتفهم مخاوفه؛ فهو يعمد إلى إنشاء منشأة سياحية أيًا كانت فندقية أو ترفيهية في أبها، النماص، الباحة مثلًا، ثم يكون الاقبال عليها شهرين أو ثلاثة، في حين تكون بقية الأشهر شبه خالية؛ غير أننا لا نعدم من إيجاد حلول لهذه المُعضلة، ومنها إشغال هذه المناطق بالمؤتمرات والندوات الدولية والمحلية في فترات الركود. وفي النظر للموسمية السياحية من مشهدها الأكبر، نجد أن بلادنا موسمية طوال السنة لتنوع المناخ في وطن تزيد مساحته عن مليوني كم مربع. لو ضربنا مثالًا للمدن المذكورة آنفًا، أبها والنماص والباحة، لوجدنا أن أغلب قاطنيها لديهم منازل في تهامة يستمتعون بالأجواء التهامية شتاءً، ويعودون لمنازلها صيفًا فيما يُسمِّونه «الحجاز»، وتشمل المرتفعات أبها النماص والباحة إلى الطائف، وقد وفَّرت الدولة طُرقًا تسهِّل التنقُّل اليومي لأعمال الناس بين تهامة والحجاز.

وأضاف أ. فهد الأحمري أنه يبدو أن لدينا خللًا في حساب العائد المحلي في السياحة باعتبارها تعداد الذين يزورون البلد من خارجها، وهذا خطأ في الحسابات التي تعتمدها الدول السياحية؛ فهذه الدول تعتمد على انتقال شخص من مدينة إلى أخرى سواء كان مواطنًا أو مقيمًا باختلاف أغراض تلك الزيارة (سياحة، عمل، زيارة أقارب أو مريض)، وليس مجرد الزوَّار من الخارج. الزائر لمدينة أو قرية ويشغل سكن ليلة واحدة هو سائح، وبالتالي يحسب معدل مصروفه الشامل للخدمات المختلفة من سكن ومطعم وبقالة، وغيرها خلال يوم.

  • آليات تنمية السياحة الداخلية وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني:

ذكرت د. نوف الغامدي أن السياحة اليوم تحظى بأهمية كبيرة ومميزة لكونها أهم الصناعات في العالم، وإحدى أكبر الدعائم الأساسية التي تُعزِّز النمو الاقتصادي، وتسهم في إنعاش الحركة الاستثمارية، وتوفير الفرص الوظيفية. ونلاحظ أن أكثر الدول تطوُّرًا هي التي حظيت بالنصيب الأكبر من السياحة العالمية من حيث المواقع السياحية، وسهولة التنقل داخل مدنها، وأسعارها المنخفضة؛ مما جعلها تصل لدرجة تنافسية عالمية عالية. ‏‏وتعَدُّ السياحة في السعودية من أكثر القطاعات النامية التي شكَّلت تطوُّرًا واهتمامًا كبيرًا في السنوات الأخيرة. وضمن الرؤية الوطنية 2030، قرَّرت السعودية الاتجاه للاستثمار في القطاع السياحي، وجَعْله من أهم الركائز التي تقوم عليها الرؤية للتغلب على المعوقات، ولتغيير مفهوم السياحة الداخلية التقليدية، وجَعْلها منافِسة للسياحة الخارجية لتُحقِّق صناعة سياحية عالمية تصبُّ في تنمية الاقتصاد الدولي بعيدًا عن النفط. ويبقى التساؤل المهم: كيف يمكن أن نُحقِّق الميزة السياحية التنافسية خصوصًا في ظلِّ التغيرات العالمية والإجراءات الاحترازية التي تتخذها معظم الدول؟

وطرحت د. نوف الغامدي تساؤلًا مؤداه: كيف يمكن الاستفادة من نظُم المعلومات الجغرافية، والتي تم إطلاق منصتها الوطنية في تعزيز الميزات التنافسية الجغرافية لمناطق المملكة؟

ومن جانبه أوضح د. عبد الله بن صالح الحمود أنه مما لا شك فيه أن توافر المزايا الجغرافية مناطقيًّا يُخرِج تنافسية بطبيعة الحال، ويبقى أن تنشط الجهات المعنية في إظهار ما هو متاح من تلك المزايا؛ هنا تتضح لنا الإمكانيات المتوافرة في كل منطقة ومحافظة، ومن خلال ذلك نستطيع التعرف على الماهية السياحية كلٌّ على حدة، الذي من شأنه أن يُظهِر لنا الوجهات السياحية المتنوعة، والتي يمكن استغلالها وإتاحتها للسائح، والمقصود والهدف من ذلك ألا نعود للوراء كما كنَّا، من أن تكون السياحة ترويحية فحسب وفي فصل واحد سنويًّا كفصل الصيف، فالسياحة أيضًا يمكن أن تشمل على سبيل المثال لا الحصر (سياحة المؤتمرات والندوات، والسياحة الثقافية، والعلاجية، والرياضية،… إلخ). وتحقيقًا لاقتصاديات متعددة، وزيادة في دخل الناتج المحلي الإجمالي وحتى القومي؛ لا بد من التوسُّع في الخدمات السياحية خصوصًا إذا توافرت البيئات الطبيعية، وهي متوافرة ولله الحمد.

وأكدت د. الجازي الشبيكي على أهمية تعزيز ثقافة السياحة في بلادنا، ورفع مستوى الوعي بأهميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والعمل على بذل الجهود الملائمة في هذا الصدد.

ومن وجهة نظر أ. فائزة العجروش، فإن التنوُّع السياحي الذي ننشده لبلادنا، والجاذب لكي يُستثمَر فيه كصناعة قادمة وبقوة ورافد حقيقي للناتج المحلي؛ يتنوع بين: السياحة الثقافية، والسياحة الدينية، والسياحة العلاجية، والسياحة الجبلية، والسياحة الشاطئية، والسياحة الترفيهية، والسياحة الطبيعية، وسياحة الأعمال، وسياحة المؤتمرات والندوات. ولكن المملكة تنقصها مقومات وعوامل جذب في غاية الأهمية يجب تهيئتها لتكون بلدًا سياحيًّا، ويتمثل أهمها فيما يلي:

  • يجب مراقبة الأسعار المرتفعة للفنادق والشقق الفندقية مقابل ما تقدِّمه من خدمات متواضعة، مع الحرص على توفُّر أسعار لمختلف الطبقات الاجتماعية.
  • ضبط الجودة والمواصفات السياحية بالرقابة المستمرة (لأن المستثمر في الغالب يكون هدفه الأول الربح، ودون رقابة لن يُقدِّم الخدمة أو يُقدِّمها بطريقة لا ترقى لمَن يبحث عن مكان نظيف ذي جودة عالية).
  • تثقيف سكان المناطق السياحية بأسلوب جاذب للتعامل مع السياح من الأمور المهمة جدًّا؛ فكما رأينا هناك دول يكره السياح الذهاب لها لخشونة تعامُل السكان مع السياح.
  • توفير أرصفة وأماكن مخصَّصة للمشي في جميع المناطق السياحية وأماكن لممارسة الرياضة والهرولة وقيادة الدراجات؛ فالسياح معتادون على ممارستها، ومن الصعب عليهم الانقطاع عنها.
  • يجب الاهتمام بالطرق البرية وسلامتها، ومدى توفر محطات الوقود الملائمة لاحتياجات السياح، مع التأكيد على جَعْل دورات المياه الملحقة بها يتم تنظيفها آليًّا بعد كل استخدام.
  • توفير شقق فندقية في الطرق البرية بمستوى مُشرف وبأسعار جيدة، توفِّر كافة الخدمات التي يحتاجها المسافرون برًّا.
  • توحيد كافة الجهود ذات العلاقة تحت مظلة وزارة السياحة تجنُّبًا لازدواج المهام أو تعطُّلها.
  • تكثيف الحملات الإعلامية عن السياحة في المملكة، وأهميتها للاقتصاد المحلي.
  • إقامة مهرجانات عالمية في كل المدن الكبرى وفي كل منطقة سياحية، ونجدها فرصة عظيمة للتعريف بشكل لائق بالمطبخ السعودي والأكلات التي تتميز بها كل منطقة عن الأخرى، والتعريف بالتراث الشعبي، وإقامة عروض للملابس التقليدية والحِرف القديمة لكل منطقة من مناطق المملكة.
  • استغلال الميزة النسبية لكل منطقة في إقامة رياضات احترافية تجذب الهُواة من جميع مناطق العالم؛ كالتزلج على الرمال في الأماكن الصحراوية ذات الكثبان الكثيفة، والتزلج على الثلوج في المناطق الشمالية والجنوبية.
  • استغلال المناطق الزراعية والباردة لإقامة منتجعات صحية ذات مستوى عالمي، ولنستفِد من السياحة العلاجية في أبها والطائف وحائل والباحة على سبيل المثال.
  • الاهتمام بالمنازل الطينية القديمة، والبحث عن المتاحف المنزلية المملوكة لأشخاص ودعمهم والحفاظ عليها وترميمها لتبقى مزارًا سياحيًّا ضمن الآثار الوطنية.

وأشار. عبد العزيز الحرقان إلى أن السياحة هي استثمار للموارد الطبيعية والثقافية لأي منطقة، ولكن لا يمكن تحقيق هذا الاستثمار بدون وجود قاعدة من الخدمات الأساسية للسيَّاح. تتشابه دول أوروبا في جوِّها وطبيعتها، ومع ذلك تختص دول معدودة بمعظم السياح بسبب تكامل الخدمات ووسائل الترفيه وتوفُّر البيئة الاجتماعية المناسبة. وأهم العوامل الاجتماعية هي “الضيافة”، بمعنى الترحيب بالغريب (مهما كان) وقبوله زائرًا في المنطقة. وكذلك الرغبة في العمل في النشاطات السياحية.

وتساءلت د. نوف الغامدي: هل وجود شركة تعمل مع صندوق الاستثمارات العامة للعمل على البنية التحتية للمناطق المختلفة بما يتناسب مع الخطة الإستراتيجية لكل منطقة من شأنه أن يُعزِّز الفرص الاستثمارية المناطقية؟ وبدوره ذكر أ. جمال ملائكة أن هذه تعَدُّ فكرة وجيهة؛ إلا أنها لا بد أن تكون شركة حكومية يتحدَّد هدفها الأساسي في تشييد البنى التحتية والمنشآت السياحية (الكبيرة) ثم تأجيرها لمدة طويلة جدًّا للمستثمر؛ لرفع التكلفة الرأسمالية الكبيرة عن كاهله، ويكون ذلك بشروط:

  • جودة عالية في الإدارة.
  • توظيف ما لا يقل عن ٨٠٪؜ من المواطنين.
  • أسعار تكون في المتناول، ويتم مراقبتها.

بينما ركَّز م. فاضل القرني على نقطة تعَدُّ الأهمَّ في رأيه، وهي المرشدون السياحيون (رجال أو نساء) والذين هم بيدهم أهم عامل للتأثير السياحي. جميع أجهزة الدولة المعنية بالسياحة بعلاقة مباشرة أو غير مباشرة والقطاع الخاص والمهتمون والموهوبون (مثل أصحاب المتاحف الخاصة وبعض الأفراد المهتمين بالاحتفاظ بالإرث)؛ كل هؤلاء هم مهندسو وممولو القطاع السياحي، ويُطلق عليهم (عناصر الأداء). وعصارة جهدهم تقع في أيدي المرشدين والمختصين المعنين بتقديم كل ذلك للسيَّاح (عناصر الإلقاء)، والذي سيقع في نفس وعقل وثقافة السائح بمردود إيجابي ومعرفة تفصيلية عن ثقافة منطقة وبلد، بطريقة شيقة تُرسِّخ ذلك في قاعدة بياناته وذكرياته لنقلها للغير، وربما يكون ذلك السائح كاتبًا أو فنَّانًا أو صاحبَ قرار، فتكون تلك الزيارة السياحية لها تأثير لديه بعد حين من الزمن بما يعود إيجابيًّا على بلدنا.  لذلك، فاختيار شخصيات وتدريب المرشدين هو تتويج (Capstone) لكل الجهود في الصناعة السياحية وخط إنتاج مقوماتها. المرشدون بيدهم نجاح المُنتَج السياحي أو إخفاقه. كما أن من المهم كذلك فَهْم واستيعاب المرشدين لما يُقدِّموه من معلومات عن المعالم السياحية، إذ هم المسؤولون عنها بتكامل.

وفي سياق متصل، سلط أ. محمد الدندني الضوءَ على النقاط التالية:

  • أن السياحة الموسمية لا تُمثِّل عقبةً؛ كون أغلب الدول السياحية لديها مواسم يحدِدها الجو صيفًا أو شتاءً. ولها حلول ليست صعبةً؛ فمثلاً أي مستثمر يستطيع أن يستثمر في منطقتين مختلفتين حسب تنوُّع الجو والنشاط.
  • لا ضرر من الاستثمار الأجنبي، وبالذات شركات الفنادق العالمية. وأيضًا هنا، كما هو معروف يستثمر المستثمر في البنية الأساسية كالفنادق ومدن الألعاب والترفيه، ويكون المُشغِّل شركة أجنبية بضوابط تحمي المحتوى المحلي كموارد بشرية وموارد مادية.
  • يجب الاهتمام بالبنية التحتية عمومًا وتحسينها، وبالذات الطرق وخدماتها.
  • إنشاء معاهد لتدريب الشباب والشابات على العمل في السياحة بكل ما تحتاج من خدمات.
  • لتشجيع السياحة الداخلية من المفيد تغيير فترات الإجازات، فمثلاً تكون إجازة الربيع شهرًا، وهذا يكون على حساب طول الإجازة الصيفية، والتي تعتبر طويلة ومملة للطلبة، وهنا لا تنحصر إجازات الموظفين والموظفات في الصيف، ولعلها تُخفِّف من الهجرة الصيفية المؤقتة.
  • محاولة دَمْج المجتمع في هذا القطاع؛ فمثلا يقوم بعض الأهالي بتأجير بيوتهم موسميًّا لشهرين أو ثلاثة أو تخصيص منزل لهذا الغرض يكون دخلاً إضافيًّا. أيضًا، السماح للعوائل المُنتِجة لبيع منتجاتهم في الفنادق والأماكن التي يرتادها السياح.
  • الانضباط في الأسعار وأيضًا القوانين (الأمن)، لحماية السائح من الداخل والخارج.
  • فيما يخص الاستثمار، حث المواطنين لإنشاء جمعيات تعاونية سياحية كما في كثير من الأنشطة.
  • العمل على ترسيخ ثقافة الخدمة ببشاشة وفخر لهذا العمل، وتقبُّل الأجنبي، وتقديم صورة مشرفة عن الوطن أمامه.
  • التقليل من الحديث والمبالغات حتى تكتمل المقومات السياحية؛ أي يكون جذب السيَّاح متوافقًا مع ما أُنجِز بالفعل على أرض الواقع.
  • التركيز على جذب القروبات السياحية كي تكون العملية السياحية منظمة، ويمكن هنا تخفيف شروط الفيزا السياحية أو الزيارة للبلاد التي لا تشملها القوانين الحالية بشرط القدوم مع قروبات أو مجاميع سياحية.
  • يجب توظيف الإعلام في الترويج للسياحة بالمملكة، كما أن من المهم دعوة الشركات السياحية لزيارة المناطق السياحية بكل أنواعها، والسماح لها بفتح مكاتب سياحية بشراكات مع شركات سعودية.

أما د. خالد الفهيد فيرى أنه وكما هو معلوم، تختلف أنماط السياحة الداخلية؛ ومنها السياحة الريفية التي أهم عناصرها السياحة الزراعية والصحراوية والبيئية، والتي في حال تعزيزها ودعمها سينتج عنها توطين أبناء الريف والحد من الهجرة للمدن، والاستثمارات الصغيرة والمتوسطة في قطاعات الزراعة لأبناء الريف، وإيجاد فرص عمل في مجالات السياحة الزراعية والمرتبطة بها كحلقات أمامية أو خلفية، مثل النُّزُل الريفية والأنشطة المصاحبة لها. وهذا ما تسعى أجهزة الدولة المختلفة لتحقيقه، إلا أنه يسير ببطء.

وتطرقت أ. بسمة التويجري إلى جانب مهمٍّ يتعلق بالبعد الأمني للسياحة، حيث ذكرت أن كلنا نعرف أن بلادنا بقيت مغلقةً في وجه السيَّاح لفترة طويلة، وهناك تعطش لزيارة هذه البلاد الغامضة واستكشافها هذا من ناحية. لكن من ناحية أخرى، نعرف أيضًا أننا مستهدفون أمنيًّا من عدة جهات ترغب في الإساءة إلينا بشكل أو بآخر؛ وعليه فإن ثمة تساؤل يفرض نفسَه حول الإجراءات التي تتخذها الجهات المسؤولة عن مَنْح التأشيرات السياحية فيما يتعلق بالمسح الأمني للمتقدمين للحصول على هذه التأشيرات، وهل منح التأشيرات في المطار عند الوصول يخضع لهذا المسح الأمني؟ كذلك هل هناك جهود لحماية الأماكن الأثرية من السطو والتخريب؟ أيضًا وفي سياق متصل، وفيما يتعلق بجهود الدولة في تشجيع الهجرة العكسية من المدن إلى القرى والأرياف، يمكن لإنشاء المشاريع السياحية خارج المدن الكبرى أن يمنح تلك المناطق انتعاشًا اقتصاديًّا وفرص عمل وفيرة لأبنائهم تمكِّنهم من البقاء في مواطنهم الأصلية، وتحدّ من الهجرة الداخلية، بل وتشجِّع على الهجرة العكسية.

وبدورها أكدت د. وفاء طيبة على أهمية البُعد الصحي، ففي بعض المناطق السياحية جدًّا نفتقر لمستشفيات أو مستوصفات ذات مستوى ملائم في حالة الطوارئ.

وفي تصوُّر د. عبير برهمين، فإن قطاع السياحة أو (صناعة السياحة) بحاجة للصرف عليها بسخاء ولمدة طويلة حتى تبدأ في تحقيق عوائد مالية منها. نحن بحاجة لتشييد بنية تحتية متكاملة الخدمات بدءًا من شقِّ طرق برية آمنة وعصرية، تُسهِّل الوصولَ إلى الوجهات السياحية ودور الضيافة بأنواعها ودرجاتها من فنادقَ وشقق مفروشة وشاليهات ومخيمات برية وغيرها. وكذلك تعدُّد وسائل النقل العام من باصات وقطارات وتلفريك وجسور وأنفاق وغيرها. ومن ثَمَّ، تهيئة الأماكن السياحية لاستقبال السياح من داخل المملكة أو خارجها. لا يختلف اثنان على أن بلادنا – حماها الله – تزخر بتنوُّع بيئي ومناطقي كبير وجميل، ولها عبق تاريخي وإرث إنساني متناهٍ في القدم يؤهِّلها لأن تكون وجهةً سياحية بامتياز؛ لكنها تحتاج إلى مضاعفة الجهود وكثير من العمل المتواصل. وقبل هذا وذاك، بناء الإنسان وتنمية حسِّ المواطنة والمسؤولية وثقافة السياحة. الإنسان هو المقوم الأول والأهم في أي صناعة، وفي مقدمتها صناعة السياحة. بناء فنادق قد يستغرق سنتين فقط في حال توفُّر الميزانية المخصَّصة له، وسيكون لدينا مبنى ومُجهَّز على أعلى مستوى. في حين أن بناء الإنسان المثقف ذي الحس السياحي يتطلب 30 سنة على الأقل. نحن كمواطنين (نهرب) من السياحة الداخلية؛ لأنها حاليًّا بيئة طاردة وليست جاذبة ما لم تتضافر الجهود لتحسين الوضع. مَن منَّا لم يشتكِ من وضع دورات المياه والمساجد على الطُّرق السريعة البرية بين المدن، وحال محطات الوقود والاستراحات؟ مَن منَّا لم يقارن تكلفة المبيت ليلتين في بلدنا في شقة مفروشة أو فندق غير مُصنَّف بتكلفة مبيت أسبوع في فندق خمس نجوم في دول شرق وجنوب شرق آسيا أو حتى مقارنةً بشرم الشيخ في مصر؟ مَن منَّا لم يتذمر من القمامة ومخلفات سلخ وذبح الماشية في غابات السودة أو رغدان؟ مَن منَّا لم يتذمر من مستوى نظافة بعض المطاعم، وخاصة تلك التي تقدِّم الأكلات الشعبية في بعض مناطق المملكة؟ باختصار، لا يوجد حاليًّا في المملكة إلا السياحة الدينية من خلال مواسم الحج والعمرة هي التي تدرُّ دخلاً طيبًا؛ لأنها القطاع الوحيد الذي تمَّ تجويد العمل فيه بشكل مؤسسي وخبرات تراكمية ودعم سخي من قِبل الدولة. أما السياحة بأنواعها ومشاربها المختلفة فلا تعدو كونها اجتهادات فردية طموحة بحاجة لكثير من الجهد والوقت وبناء خبرات تراكمية وانفتاح واحترام السائح مواطنًا كان أو زائرًا.

ويرى م. خالد العثمان أنَّ من المهمِّ تنويع المناشط وعناصر الجذب لمعالجة مشكلة الموسمية، لكن الاتكاء على الطقس وحده لن يخلقَ سياحةً. وترويج صور مشاهد الطبيعة الخلابة وحدها لن يجذب الزوَّار والسيَّاح. المفتاح هو المناشط والفعاليات التي تجذب الناسَ، وتنطلق من المزايا النسبية للمنطقة بما فيها المناشط الثقافية والترفيهية والرياضية والتجارية، وغير ذلك الكثير.

أيضًا، فقد أكَّد د. مساعد المحيا على أننا نحتاج فعلاً أن تُكتشَف بلادنا لنقدِّمها للسياح، ونرى ماذا يختارون ويفضِّلون ما دُمنا سنمضي في أن السياحة تمثِّل منفذًا استثماريًّا يمكن أن يعود علينا بدخل كبير؛ على ألا تكون تكلفة هذا الاكتشاف أكبر من عوائده.

بينما يرى د. حمد البريثن أن ثمة إمكانية لتنشيط السياحة من خلال تحفيز الجامعات والقطاعات الأخرى باستضافة المؤتمرات العالمية للترويج للمملكة سياحيًّا.

واهتم د. علي الطخيس بالعمل على تشجيع السياحة الجيولوجية حيث يوجد العديد من الظواهر الجيولوجية كالكهوف والدحول ومنكشفات الجبال سواء كانت في منطقة الدرع العربي أو في الرف الرسوبي والكثبان الرملية كما في صحراء الربع الخالي أو الدهناء أو النفود الكبير.

  • التوصيات:
  • تطبيق برامج الابتعاث السياحي وتدريب الكفاءات التي يتطلبها القطاع السياحي كالإرشاد والضيافة بالتعاون مع أفضل الجهات العالمية؛ لتوطين المعرفة لتمكين المنشآت السياحية من أداء أدوارها بكفاءة عالية.
  • المحافظة على المواقع السياحية وأنسنتها بصورتها الطبيعية والأثرية والتاريخية مع لمسات بسيطة لا تمسُّ بأصل الموقع.
  • الاستغلال الأمثل للموارد السياحية المتوفرة وتحسينها؛ لتتمكن من تحقيق احتياجات الطلب السياحي المحلي والعالمي.
  • العمل على دراسة شاملة للتحقُّق من الجدوى الاقتصادية للاستثمارات السياحية المقترحة وأثرها الاجتماعي والاستثماري.
  • تحفيز القطاع السياحي من خلال دعم القطاع الخاص لتنفيذ البرامج السياحية عبر خُطط إعلانية تسويقية متكاملة.
  • رَبْط خطط التنمية السياحية بخُطط التنمية الأخرى للقطاعات الاقتصادية، لتحقيق نمو متوازن.
  • التخطيط السياحي العلمي الرشيد لتحقيق أكبر معدل ممكن من النمو السياحي في وقت وتكلفة قياسيين؛ لمواجهة سوق التنافس السياحي الدولي العريض.
  • دعم البرامج البحثية عن السياحة المحلية لخلق بيئة سياحية مرتبطة بتراثنا الزاخر بالتنوع العريض، وإيجاد الطرق العلمية لتنميتها وعرضها للعالم بطريقتنا الخاصة.
  • رَفْع مستوى الخدمات المتصلة بالمواقع السياحية وتجويدها.
  • تحفيز القطاع الخاص لتوسيع أفق اهتماماته في جانب التنمية السياحية المستدامة.
  • توفير المتطلبات الأمنية والتقنية والصحية في مختلف المناطق السياحية؛ لضمان سلامة السيَّاح وتواصلهم تقنيًّا.
  • توفير المعلومات والبيانات الواسعة عن المواقع السياحية من خلال المنشورات الورقية والتقنية.
  • العمل الدبلوماسي لترويج السياحة السعودية من خلال منشآتنا الدبلوماسية في الداخل والخارج.
  • فتح مكاتب في دول العالم التي تُعنى شعوبها بالسياحة، تقوم بأنشطة فنية وثقافية تعريفية يتخللها جوائز تحفيزية مباشرة وتخفيضات رمزية في التذاكر والإقامة في السعودية، وتزويدهم بتفاصيل الفنادق والمنتجعات ومراكز الترفيه.
  • استقطاب مشاهير ومؤثرين دوليين بالاستضافة الكاملة لأرض الوطن، ومَنْحهم عقارات في المناطق السياحية للاستثمار فيها.
  • استغلال المناسبات الدولية والمؤتمرات الكبرى لاستعراض مكوناتنا السياحية والفنية والتاريخية والثقافية.
  • قيام صندوق الاستثمارات العامة بالأعمال الإنشائية وبشراكة محددة من المستثمر (لضمان مصداقيته)، وتأجيرها عليه لفترة بنظام الـ BOT؛ مما يشجع المستثمر على خوض هذا المجال.
  • التركيز على بعض المدن الساحلية بالمنطقة الغربية مثل مدينة جدة والمنطقة الشرقية؛ حيث يوجد بها البنية التحتية والكثافة السكانية، والأهم قُربها من الحرمين الشريفين، ووجود الشواطئ التي يمكن بناء الكثير من المنتجعات فيها، والنشاطات البحرية المتنوعة من رحلات كروز ويخوت وسباقات وغيرها.
  • تخفيض التكلفة على الحاج والمعتمر وجَعْل الرسوم أقل ما يمكن؛ حيث إنَّ الهدف هو زيادة أعداد المعتمرين والحجاج، وبالتالي تشجيعهم على الإقامة في مدن السياحة خاصة مدينة جدة القريبة جدًّا من مكة؛ وهو ما سينعش الاقتصاد المحلي وبالتالي الوطني بشكل هائل.
  • الاهتمام بإنشاء الفنادق الملائمة في المدن، والتركيز على ذات النجوم الأربع؛ لأنها المفضلة للسائح.
  • مراجعة وسائل النقل العامة وخاصةً سيارات الأجرة؛ للتأكد من ملاءمتها لمتطلبات السياحة.
  • دراسة عمل رحلات طيران خاصة بالسياحة منخفضة التكلفة (chartered flights).
  • التركيز على مراكز تدريب المختصين بالسياحة وتطويرها، وتدريب الراغبين من خريجي العمارة والتاريخ في معاهد عليا للسياحة بتخصصات مختلفة حسب المجالات السياحية.
  • تطوير التخصص السياحي في الجامعات والصروح الأكاديمية بما استجدَّ في عالم السياحة (نظريًّا وعمليًّا وتقنيًّا والتطبيقات ميدانيًّا على أفضل الممارسات العالمية في صناعة السياحة).
  • ربط قواعد البيانات السياحية بقاعدة النظُم الجغرافية الوطنية وتفعيلها.
  • تشجيع السياحة الجيولوجية حيث يوجد العديد من الظواهر الجيولوجية كالكهوف والدحول ومنكشفات الجبال، سواء كانت في منطقة الدرع العربي أو في الرف الرسوبي والكثبان الرملية كما في صحراء الربع الخالي أو الدهناء أو النفود الكبير.
  • تحفيز قيام استثمارات نوعية صغيرة ومتوسطة تعتمد على الميزات التنافسية للمنطقة؛ للمساهمة في إيجاد تنمية ريفية مستدامة، وتشجيع السياحة الزراعية والصحراوية لإقامة النُّزُل الريفية والتعريف بموروث مناطق المملكة المختلفة، والاستفادة من المشاريع القائمة مثل مشروع زراعة البُن في فيفا والداير بمنطقة جازان بتوفير خدمات جاذبة للسياح.

 

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

  • قضية “المسؤولية الاجتماعية للشركات: حقٌّ أم منحة؟”:
  • د. فوزية البكر
  • أ. لاحم الناصر
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • د. إبراهيم الناظر
  • د. رياض نجم
  • م. خالد العثمان
  • د. محمد الثقفي
  • أ. نبيل المبارك
  • د. عبد القادر أمير
  • د. مجيدة الناجم
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. صدقة فاضل
  • د. رياض نجم
  • د. حمد البريثن
  • م. فاضل القرني
  • أ. جمال ملائكة
  • د. مساعد المحيا
  • د. عفاف الأنسي
  • د. زياد الدريس
  • قضية “نظام التعليم العالي الجديد بين تحقيق الاستقلالية وضمان تكافؤ الفرص التعليمية”:
  • د. علي الطخيس
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. محمد الثقفي
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. وفاء طيبة
  • د. مها العيدان
  • م. فاضل القرني
  • د. هناء المسلط
  • د. مجيدة الناجم
  • د. محمد الملحم
  • د. رياض نجم
  • د. عبد الرحمن باسلم
  • أ. جمال ملائكة
  • د. صدقة فاضل
  • د. هند الخليفة
  • أ. بسمة التويجري
  • د. حمد البريثن
  • أ. محمد الدندني
  • أ. لاحم الناصر
  • قضية “ذوو الاحتياجات الخاصة وبرنامج جودة الحياة: الواقع والمأمول”:
  • د. سعيد العامودي
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. علياء البازعي
  • د. مها المنيف
  • أ. مها العقيل
  • د. زياد الدريس
  • د. فائزة الحربي
  • أ. لاحم الناصر
  • د. وفاء طيبة
  • م. خالد العثمان
  • د. ناصر القعود
  • د. محمد الثقفي
  • أ. فهد الأحمري
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. حميد الشايجي
  • د. مشاري النعيم
  • د. الجازي الشبيكي
  • م. فاضل القرني
  • د. هناء الفريح
  • قضية “السياحة الداخلية ودورها في تنمية الاقتصاد الوطني في المملكة”:
  • أ. فهد القاسم
  • د. وفاء طيبة
  • أ. فائزة العجروش
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • أ. محمد الدندني
  • د. الجازي الشبيكي
  • م. فاضل القرني
  • د. عبير برهيمن
  • د. خالد الفهيد
  • أ. بسمة التويجري
  • د. علي الطخيس
  • م. خالد العثمان
  • د. مها العيدان
  • د. مساعد المحيا

(*) تم الرجوع في هذا الصدد للدراسة المنشورة على الرابط التالي:

https://www.docdroid.net/EIPjes3/kyf-tsmm-mbadr-llmsooly-alagtmaaay-pdf

(*) الرئيس السابق لمنظمة التحالف العالمي لتسهيل الوصول للبيئة والتقنية (جيتس) / رئيس مكتب المدن الهندسي المتخصص في استشارات الوصول الشامل.

 


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-66-لشهر-اغسطس-2020.pdf