لتحميل التقرير اضغط هنا


ديسمبر 2020

 

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر ديسمبر 2020م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثرَوْا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • الحوكمة في القطاع الخاص خيارٌ أم إلزامٌ؟
  • التحديات التي تواجهها المملكة في تطوير الدراسات الوبائية واللقاحات خلال جائحة كوفيد -١٩.
  • برنامج جودة الحياة والمجالس البلدية.
  • البُعد الاقتصادي للُّغة العربية والسياسة اللُّغوية في المملكة.

القضية الأولى

الحوكمة في القطاع الخاص خيارٌ أم إلزامٌ؟

(6/12/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: م. إبراهيم ناظر
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. وفاء الرشيد
  • التعقيب الثاني: أ. عاصم العيسى
  • إدارة الحوار: أ. لاحم ناصر

 

  • الملخص التنفيذي:

تناول م. إبراهيم ناظر في الورقة الرئيسة مفهوم الحوكمة واختلافها من مدرسة إلى أخرى حيث لا يوجد ممارسة موحَّدة لها، ثم تطرَّق إلى معنى كلمة حوكمة ومرجعها التاريخي، ثم انتقل للحديث عن سبب نشوئها وأهميتها لتعزيز الشفافية والمساءلة وفصل الملكية عن الإدارة، وكذلك الحوكمة للقطاعات الحكومية وأهمية إعداد أدلة للحوكمة تضمن المساءلة والشفافية وغيرها من أهداف الحوكمة، كما تمَّ التطرق إلى مراكز الحوكمة في المملكة. واختتم م. إبراهيم ناظر الورقة بالإشارة إلى أنه على الرغم من الانتشار الواسع لحوكمة الشركات إلا أنه لا تزال هنالك العديد من العقبات والتحديات التي تواجه تطبيقها في المملكة بشكل كامل، ومنها: الركود في الغرف التجارية، وكذلك القصور الذي يكتنف البيئة القانونية بالرغم من الجهود المبذولة لتطويرها؛ ما يعني أن الشركات المساهمة تواجه قصورًا في الضوابط الداخلية والخارجية، بجانب محدودية عدد الشركات المساهمة العامة، وكذلك المدرجة منها في سوق المال.

وتطرَّقت د. وفاء الرشيد في التعقيب الأول إلى أن النظام البيئي لحوكمة الشركات (CG) في أي سوق ليس مهمًّا فحسب، بل هو العامل الذي يميِّز بين نجاح وفشل النظام على المدى الطويل. وتناولت أيضًا أهمَّ معوقات تطبيق الحوكمة في المملكة على وجه العموم، ولا سيما ما يتعلق بعدم وجود ممارسين أو خبراء في مجال حوكمة الشركات والإدارة على مستوى مجلس الإدارة مع الخبرة المطلوبة، وهي مشكلة موجودة حتى في الأسواق المتقدمة، وتُقوِّض الحوكمةَ الرشيدةَ بسبب الرشوة والفساد، واختُتم التعقيب بالإشارة إلى أن على الغرف التجارية اليومَ ووزارة التجارة مسؤولية كبيرة للمساهمة في تغيير المسار باتجاه الحوكمة الرشيدة.

أما أ. عاصم العيسى فأكَّد في التعقيب الثاني على أهمية الإلزام بالحوكمة مع وجود نظام عقوبات رادع للمخالفين له، من منطلق أن أي سياسات للحوكمة دون تفعيل المُساءلة والعقوبات الصارمة والقضاء السريع لن تؤتيَ الثمرة المرجوة.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحاورَ التالية:

  • النشأةَ التاريخيةَ للحوكمة.
  • واقع الحوكمة ومعوقات تطبيقها في المملكة.
  • آليات التطبيق الفعَّال لسياسات الحوكمة في البيئة السعودية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • تأسيس شهادة مهنية في الحوكمة تتبناها الأكاديمية المالية.
  • مراجعة مؤشر الحوكمة وتطويره واشتراك أكثر من جهة في إعداده.
  • الورقة الرئيسة: م. إبراهيم ناظر

المقدمة:

يقوم مفهوم حوكمة الشركات على الفصل بين الملكية والإدارة ولا سيما في الشركات المساهمة العامة، ولكن لم يتم التوصل إلى نموذج مُوحَّد للحوكمة بسبب اختلاف آليات التطبيق والمؤسسات المختلفة الأغراض؛ لذلك يجب الاطلاع والتعمُّق في النماذج المختلفة التي تقوم عليها حوكمة  الشركات، وتطبيق النموذج الذي يلائم احتياجات كل شركة من الشركات المعنية بالحوكمة، ونجد العديد من النماذج المتعلقة بالحوكمة في بريطانيا وأمريكا ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومنظمة المواصفات الدولية أيزو (26000)، والأهم هو تطبيق مبادئ الحوكمة من خلال الاستخدام السليم للنماذج المختارة.

تعريف الحوكمة:

يعود لفظ الحوكمة إلى كلمة إغريقية قديمة تُعبِّر عن قدرة ربان السفينة (governor good) ومهارته على إدارة السفينة وسط الأمواج والأعاصير. وتعريفها بشكل بسيط هو (نظامٌ متكامل للرقابة المالية وغير المالية للسيطرة على أي انحراف داخل الشركة وفقًا لمعايير الإفصاح والشفافية والعدالة).

نظرًا لتعمُّق انفصال رأس المال عن الإدارة مع مرور الزمن، وتوسُّع الاستثمارات وعبورها للقارات؛ نشأت فلسفة جديدة في الإدارة تستوجب تحمُّلها مسؤولية الفشل والنجاح؛ ومن أهم مستلزمات نجاح الإدارات الجديدة هي: وضع السياسات والإستراتيجيات، وتحمُّل المخاطر والتنبؤ بالمستقبل ووضع السيناريوهات.

لأجل ذلك، نشأ مبدأ الشراكة في الإدارة والنتائج والحصول على منافع مهمة في الأرباح، حيث إنَّ المدير التنفيذي له أسهم في أرباح الشركة؛ مما جعل فلسفة العمل ضمن مبدأ الشراكة الفعلية.

وتمَّ وَضْع ضوابط للشفافية والمساءلة التي تمنع الانحرافات المختلفة من خلال كَشْف الأرصدة ومصدرها وحدود النزاهة، ومَنْع أي مظاهر للاستغلال الشخصي وتكوين الثروة على حساب عمل الشركة، وتُسمَّى الحوكمة في القرن الواحد والعشرين بالحوكمة الذكية.

ومن وسائل تطوير الحوكمة في القرن الواحد والعشرين: الحكومات الذكية، وهي نموذج لتطوُّر الحكومة الإلكترونية، إذ رأينا ذلك خلال العقد الماضي، وتهدف الدول من خلال التطبيقات للنظام الجديد الاقتراب من المواطن والتفاعل مع أدوات الاستشعار الذكية (sensors Smart). كما أنها ترتبط بالإنترنت، وتساعد على سرعة الإنجاز وكفاءته، وتقليل الأخطاء وتقليل التكاليف، وزيادة رضا العملاء.

ولعل من أبرز الإنجازاتِ إنجازَ الخدمات من خلال الهواتف الذكية من خلال الدخول على البيانات الحكومية الضخمة Data Big Government والسيرفرات الضخمة؛ مثال ذلك: المملكة استخدمت قاعدة البيانات في مركز المعلومات الوطني من خلال شركة علم، وأصبحت خلال السنوات الثلاث الماضية من أفضل الدول في المنطقة في خدماتها الإلكترونية؛ مما خلق بيئةً لجلب الاستثمارات بنجاح كبير، ونتطلع أن تُصبح المملكة دولة في المقارنة المرجعية والمعيارية في مجالات حوكمة المؤسسات العامة والشركات.

إن إعداد دليل للحوكمة هو الضمان للأداء السليم سواء في الشركات أو المؤسسات العامة، بحيث يتم تطبيقه لقياس جودة الأداء وتحديد المسؤولية في كل خطوة من خطوات الإدارة والنتائج، بما يمنع الانحراف ويسهل كشف موقعه والمتسببين فيه، وأيضًا يضع وصفًا للمعرفة والمهارة في كل موقع في المؤسسة؛ للابتعاد عن المحسوبية والمنسوبية في المهام، ويتم وَضْع مؤشرات أداء قابلة للقياس من خلالها، ويتطلب ذلك إستراتيجية واضحة، وذلك على النحو التالي:

  • نظام مساءلة.
  • نظام شفافية.
  • أنظمة وتشريعات تتلاءم مع طبيعة المجتمع.
  • التوعية المتواصلة وتنمية المواطنة والمسؤولية.
  • التنمية المستدامة.
  • تطوير مؤشر لحوكمة الشركات (CGI)؛ لرصد وتشجيع ممارسات الحكم الرشيد بين الشركات، وسوف يؤدي مؤشر حوكمة الشركات إلى رفع معايير الحوكمة الكلية للشركة.

مراكز الحوكمة في المملكة:

  • المركز السعودي للحوكمة.

أول مركز استشاري متخصِّص في المملكة، يُقدِّم مجموعةً واسعةً من الخدمات الاستشارية ذات القيمة المضافة للقطاع الخاص والعام في مجال الحوكمة وتطبيقاتها.

  • مركز حوكمة الشركات في جامعة الفيصل.

يقوم مركز حوكمة الشركات في كلية إدارة الأعمال بجامعة الفيصل بإجراء دراسة كبرى لتطوير مؤشر حوكمة للشركات التي تتداول في السوق المالية السعودية. يعمل فريق متخصص من كلية الأعمال في جامعة الفيصل بدعم من مستشارين ذوي خبرة عالية لتطوير هذا المؤشر.

يستند مؤشر حوكمة الشركات فقط على مبادئ حوكمة الشركات الجيدة التي وضعتها هيئة السوق المالية السعودية (CMA) ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD).

تحديات تطبيق أنظمة الحوكمة في السوق السعودي:

(أسهم عدم التطبيق الكامل لمعايير الحوكمة في المملكة في حدوث تعثُّر في بعض المؤسسات الاقتصادية الكبرى، وهنالك العديد من الأمثلة في شتى القطاعات؛ منها قطاع التأمين وقطاع المصارف، وكذلك انهيار “النكسة” في سوق المال السعودي (تداول) عام 2006م، وغيرها، إلا أن هنالك بعض المؤسسات التي تُطبِّق منهج الحوكمة والإدارة الرشيدة من خلال التعليمات الموجَّهة للقطاعات التي تشرف عليها، كهيئة سوق المال ومؤسسة النقد العربي السعودي، فقد أشار تقرير إدارة هيئة سوق المال إلى تطبيق جزئي بمعايير ومفاهيم معينة للحوكمة من قِبل بعض الشركات في المملكة، ولكن لا يوجد تطبيق عام للمفهوم بكامل جزئياته، إذ تؤكد أن قواعد حوكمة الشركات (استرشادية) وغير ملزمة، حيث تهدف إلى رفع مستوى الإدارة في الشركات وحماية حقوق المساهمين؛ وبالرغم من ذلك فإن التطبيق الجزئي للحوكمة غير كافٍ، حيث يجب أن يتم تطبيق النظام الشامل للحوكمة في الشركات لتحقيق أقصى استفادة منه ورفع كفاءة السوق.

ونجد أن هنالك توجُّهًا من قِبل إدارة هيئة سوق الأوراق المالية السعودية لاستخدام أحدث التقنيات في أنظمة التداول المعمول بها في الأسواق الإقليمية، وتبنِّي أسُس وقواعد حوكمة الشركات مستقبلًا كمتطلب للإدراج في السوق المالية، والعمل على زيادة الوعي لدى الأفراد بأهمية الحوكمة؛ وبالرغم من ذلك فإن هنالك العديد ممَّن يرون أن هذا التوجه لا يكفي لجذب الاستثمارات لسوق رأس المال السعودي ما لم يرافقه تطور الأنظمة والتعليمات والقوانين التي تحكم الشركات؛ وعليه نجد أن التوجه العام نحو تطبيق الحوكمة في المملكة يفتقر إلى ثقافة ممارسة الحوكمة الشاملة في الشركات باعتبارها غير ملزمة في الكثير من الحالات، ولكن نجد أن التطبيق الجيد للحوكمة خاصة في الإفصاح والشفافية يساهم في حماية المستثمرين وزيادة ثقتهم، وهو ما يزيد من حجم التداول وحركة السيولة؛ لذا وجب الاهتمام بنَشْر ثقافة الحوكمة بمفهومها الواسع بين الشركات، والعمل على تحديث القوانين التنظيمية التي توفِّر الحماية اللازمة للمستثمرين.

وعلى الرغم من الانتشار الواسع لحوكمة الشركات إلا أننا نجد أنه ما زالت هنالك العديد من العقبات والتحديات التي تواجه تطبيقها في المملكة بشكل كامل، ومنها الركود في الغرف التجارية؛ إذ إنَّ بقاء أعضاء مجالس هذه الغرف في مواقعهم لمدة طويلة هو ظاهرة خطيرة تؤدي إلى انعكاسات سلبية بالغة، وكذلك القصور الذي يكتنف البيئة القانونية بالرغم من الجهود المبذولة لتطويرها؛ وهو ما يعني أن الشركات المساهمة تواجه قصورًا في الضوابط الداخلية والخارجية، وأيضًا محدودية عدد الشركات المساهمة العامة، وكذلك المُدرَجة منها في سوق المال، وسيطرة الملكية العائلية على هيكل القطاع الخاص من ناحية ملكية رأس المال أو من ناحية الإدارة، وضعف الوعي الاستثماري لدى جمهور صغار المستثمرين رغم المحاولات الجادة التي تقوم بها هيئة سوق الأوراق المالية، وعدم وجود جمعية لحماية حقوق المستثمرين الصغار، فضلًا عن أن تطبيق بعض مواد لائحة الحوكمة يتطلب وجود هذه اللائحة داخل الشركات المساهمة، وهذا يتطلب وجودَ إدارة كبيرة لدى الهيئة لمتابعة وجودِ هذه اللائحة داخل الشركات المساهمة؛ وبالتالي جهازًا إداريًّا أكبر، وهو ما يؤدي إلى كبر التكلفة الاقتصادية).

المرجع

  • د. عبد العزيز المزيد، مقال (اتجاهات ومعوقات تطبيق الحوكمة في الشركات السعودية)، صحيفة مال الاقتصادية لخميس 18 ربيع الآخر 1442هـ.
  • حوكمة الشركات بين المفهوم والتطبيق في المملكة العربية السعودية، مركز حوكمة الشركات CGC أكتوبر 2018.
  • مشروع مؤشر حوكمة الشركات السعودي، الهيئة العامة للاستثمار ومركز حوكمة الشركات جامعة الفيصل.
  • د. سعد محمد عثمان، الحوكمة المؤسسية بين المفهوم الكلاسيكي والمعاصر، حوكمة الأداء الاقتصادي.

 

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. وفاء الرشيد

“إن النظام البيئي لحوكمة الشركات (CG) في أي سوق ليس مهمًّا فحسب، بل هو العامل الذي يُميِّز بين نجاح وفشل النظام على المدى الطويل”.

تعَدُّ المشاريع والاستثمار الخاص مُحرِّكًا رئيسيًّا للنمو الاقتصادي والفرص في الأسواق النامية… وقد تزايد تشجيع ومطالبات المنظمات غير الوطنية في الميدان الاقتصادي، مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية، المنظمين في جميع أنحاء العالم على رؤية قوانين حوكمة الشركات كشرط ضروري للتنمية.

العلاقة اليومَ بين قواعد الحكم الرشيد والنمو الاقتصادي الوطني أصبحت أساسيةً للتنافسية والازدهار، وخاصة إذا كان للدول تطلُّع لجذب الاستثمارات الدولية، فتقييم الحوكمة أصبح اليوم جزءًا رئيسيًّا من قرار الاستثمار أو الائتمان، فغالبًا ما يشير نهج الشركة في الحوكمة إلى نهج الرقابة المالية والمخاطر في الدول؛ فالمستثمر يبحث دائمًا عن اليقين التنظيمي، وحقوق المستثمرين الواضحة، والإفصاح الجيد، والأسواق المالية المبنية على الثقة والاستقامة.

التحدي الكبير اليومَ الذي يعيشه القطاع الخاص في مدى إمكانية حوكمة الشركات – أصبح موضوعًا معقدًا وعميقًا ومصيريًّا، ولكن الرحلة – للأسف –  طويلة للوصول لحوكمة رشيدة؛ لأسباب أهمها:

  • عدم وجود ممارسين / خبراء حوكمة الشركات والإدارة على مستوى مجلس الإدارة مع الخبرة المطلوبة، وهي مشكلة حتى في الأسواق “المتقدمة”.
  • تقوُّض الحوكمة الرشيدة بسبب الرشوة والفساد.
  • الحوكمة الرشيدة اليومَ الحافزُ لها ضئيل للتغيير بالنسبة للشركات المملوكة للدولة، حيث لا توجد سياسة دفع منها؛ لأن الدعم قائم قائم.
  • الشركات العائلية هي قوة اليوم وتحدي المستقبل؛ فانتشار المالك المهيمن، وتفشي معايير الحوكمة الضعيفة، والتضارب بين المصالح، وغياب خُطط التعاقب بين الجيل الأول للثاني للثالث وبين الذكور والإناث في العوائل التجارية – أصبحت ناقوس خطر حقيقي يدقُّ! إنْ لم يكن بدون أدنى مبالغة التحدي الأكبر الذي يؤثر على الاستدامة والاقتصاد المحلي السعودي في المستقبل القريب.

الشركات العائلية – التحدي الأكبر:

تعتبر الشركات العائلية اليومَ من أبرز ركائز الاقتصاد العالمي عمومًا وفي المملكة تحديدًا، حيث يلعب هذا النوع من الشركات دورًا أساسيًّا في الاقتصاد السعودي، إذ تساهم بـــ 810 مليارات ريال (216 مليار دولار) في الناتج المحلي السعودي. حيث يبلغ عدد الشركات العائلية في المملكة العربية السعودية أكثر من 538 ألف منشأة، بنسبة 63 في المئة من إجمالي المنشآت العاملة في السعودية، وتُقدَّر استثمارات الشركات العائلية في السوق السعودي بنحو 250 مليار ريال، وتُشكِّل ما بين 60 و70 في المئة من القطاع الخاص في المملكة. وهذه الأرقام مقلقة إنْ لم تكن الحوكمة عمادًا أساسيًّا في بنيتها.

فإذا كانت هذه الشركات تساهم بنحو 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وبنحو 40 في المئة من الناتج المحلي غير النفطي، كما تُشكِّل حوالي 70 في المئة من استثمارات القطاع الخاص، كذلك تساهم نحو 95% من الشركات المسجَّلة في السعودية شركات عائلية في توظيف نحو 80% من القوى العاملة في المملكة، إذ إنَّ المنشآت العائلية وظَّفت قُرابة 7.2 ملايين موظف؛ وهو ما يُشكِّل نسبة 52 في المئة من مجمل قوى العمل في البلاد.

على الغرف التجارية اليوم ووزارة التجارة مسؤولية كبيرة باتجاه المساهمة في تغيير المسار باتجاه الحوكمة الرشيدة، فالقصور في البيئة القانونية التي تحكم هذه الشركات من حيث توارث الأجيال ووجود ثغرات في قانون المواريث، يُحسِن – للأسف – استغلالَه ضِعافُ النفوس الطماعة لمصالحهم، وهو ما يدفع معظم الشركات العائلية لأبواب المحاكم، ومنها للتعثُّر والزوال بعد رحلة طويلة من الشقاء. وسيقول البعض إن الحل هو التحوُّل إلى شركات مساهمة، إلا إنه حتى الشركات العائلية والحكومية اليومَ (والتي تحولت إلى شركات مساهمة) نجدها تعاني من وجود قصور في الضوابط الداخلية والخارجية ومن محدوديتها.

  • التعقيب الثاني: أ. عاصم العيسى
  • اهتمام المملكة بالحوكمة:

اهتمت المملكة – كغيرها من الدول – بمفاهيم وسياسات وأدلة والتزامات حوكمة الشركات، فكانت تعليمات ثُمَّ (لائحة حوكمة الشركات)، بدأت استرشادية، تُدرِّجَ في الإلزام، حتى أصبحت غالبية أحكامها اليوم إلزاميَّة بالنسبة للشركات المُدرجَة، في حين أنها ما زالت استرشادية للشركات غير المُدرجَة، وقد واكبت هيئة السوق المالية التطورات العالمية، ونجد باستمرار التعديل النظامي على اللائحة، وكان آخره في 20/5/2019م.

  • إحصائيات الشركات الخاسرة:

إنه باستقراء الشركات المُدرَجَة في السوق السعودي حتى يوم 6/12/2020م، نجد أن عددها الإجمالي (203) شركات، منها عدد (4) في اللون الأحمر، ونعني بذلك الشركات ذات الخسائر المُتراكمة بنسبة (50%) أو أكثر من رأس مالها، ومنها عدد (7) شركات في اللون البرتقالي، ونعني ذات الخسائر بين (35%) و(50%) من رأس مالها، وعدد (15) شركة في اللون الأصفر، ونعني ذات الخسائر بين (20%) و(35%) من رأس المال.

المُستفاد من الإحصائية السابقة أن نسبة (12%) من إجمالي الشركات لديه خسائر في رأس المال، وهي نسبة ليست قليلة، وهو ما يستحق الكثير من الحوكمة والمُساءلة وحماية السوق والمُستثمرين.

  • استشعار أهمية السوق المالية وحمايتها:

لأن الملك عام للجميع، للقوي والضعيف، فهذا يُرتِّب حقوقًا للمساهمين والملَّاك، وحقوقًا للاقتصاد الوطني وثرواته ومقدراته وسمعته وهيبته؛ تستوجب حمايته وتغليظ العقوبة على المُخالفين، وبخاصة أن الدولة ووسائل إعلامها ترعى الاستثمار في السوق وتُشرف عليه، وهو ملاذ لملايين المُستثمرين من المواطنين والمقيمين على حدٍّ سواء.

  • المعالجة الأساس تتمثل في حوكمة الأداء:

رغم تعدد التزامات لائحة الحوكمة، ومع ذلك فالسوق يَئِنُّ بعشرات الشركات الخاسرة، والعلاج الأهم – في تصوُّر الورقة – يتمثَّل في حوكمة الأداء، وقياس النتائج والقوائم المالية وأداء الشركة مع إمكانياتها والسوق، في سبيل تحقيق الحوكمة الفعلية لأفضل ممارسة للشركات بعيدًا عن الانحرافات، لا الحوكمة الإجرائية فقط، والتحقيق في أسباب الخسائر، أهيَ لظروف السوق أم لإهمالٍ وتقصير؟

  • أهمية تفعيل المُساءلة والعقوبة لمَن ظلم:

تفعيلًا (أنه لن ينجو أحدٌ كائنًا مَن كان)، وتفعيلًا لدعوى المسؤولية على المديرين المُهملين والمُقصرين وغير الملتزمين بأمانتهم ومصالح الشركة، ويدعم ذلك نظام الشركات، ومنه المادتان (79) و(165)، ونظام السوق المالية، ومنه المادة (55) وما تلاها، واعتبار العديد من المخالفات جرائم تستحق العقوبة حتى السجن خمس سنوات والغرامة بما لا يزيد على خمسة ملايين ريال، وأبرز تلك المخالفات: التضليل في القوائم المالية، واستغلال مدير الشركة للمصالح الشخصية.

وعليه، فأي سياسات للحوكمة، دون تفعيل المُساءلة والعقوبات الصارمة والقضاء السريع، لن تؤتيَ الثمرةَ المرجوة.

وهنا تجدر الإشارة والتوصية بالآتي:

  • أهمية التفريق بين أسباب الخسائر، وبالذات تلك الناتجة عن الاجتهاد في القرارات، فالمدير يحتاج إلى القوة ودعمه بالثقة، وقد ينتج عن قراراته الاجتهادية خسائر في السوق، ومع ذلك لا مُساءلة له، بل يجب حمايته؛ أما المُسيء والمُقصِّر فهو ما نعني بالمُساءلة والعقوبة.
  • وضع الضوابط لضمان حُسن الاختيار لمجالس الإدارات والإدارات التنفيذية العليا، بل والمُساءلة القانونية عن سوء الاختيار، وعمَّا يُلحقه من أضرار للشركة.
  • تنظيم حق المساهمين والجهات الرسمية في السؤال: من أينَ لكَ هذا؟ وذلك بإقرار الإفصاح المالي لأعضاء المجالس والإدارة العليا.
  • تأسيس جمعية أهلية تُعنَى بحماية حقوق المستثمرين والمتعاملين، ودعمها، وحوكمة الأداء.
  • دعم الإدارات الحكومية الإشرافية؛ للتحقُّق من سلامة الأداء، والتحقيق بالذات في أسباب الخسائر.
  • المداخلات حول القضية:
  • النشأة التاريخية للحوكمة:

تناول م. إبراهيم ناظر النشأة التاريخية للحوكمة ومفهومها، حيث أوضح أن أول ظهور للحوكمة كان في سبعينيات القرن الماضي حين قامت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC  في عام ١٩٧٦ بجَعْل حوكمة الشركات من ضمن أولوياتها، وكان ذلك في أعقاب أكبر قضية إفلاس، عندما أعلنت شركة Penn Central  إفلاسها عام ١٩٧٠م، وتسبَّب ذلك في أزمة اقتصادية، وبعد سلسلة من التحقيقات تمَّ اكتشاف سلسلة واسعة من التزويرات في سجلات عدد من الشركات ومجموعة من المديرين التنفيذيين في خرقهم للقواعد المهنية، إذ كانت السبب خلف تلك الانهيارات؛ مما دفع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إلى توجيه بورصة نيويورك أن تطلب من الشركات المدرجة أن تُشكِّل لجانًا مرجعيةً داخلية لديها وبعضوية أعضاء مستقلين، ولجانًا مشابهة لإقرار المكافآت والترشيحات والتعيين. وقد واجهت هذه الحوكمة مقاومة بدعوى أنها تضع القيود والعراقيل على المرونة التي تتطلبها الشركات لدى صناعة قراراتها، ثم قام معهد القانون الأمريكي AlI بوضع عدة مبادئ تحت مُسمَّى مبادئ حوكمة الشركات، ومن أهم الوثائق في هذا الموضوع تقرير كادبوري، الذي ترأس لجنة الجوانب المالية لحوكمة الشركات التي شكَّلها مجلس العموم البريطاني، ومن أبرز التقارير التي ساهمت في إرساء مفهوم الحوكمة وتطبيقاته تقريرThe king Report  on corporate Governance. وفي عام ١٩٩٥م، أصدرت فرنسا تقريرًا Rapport Vienot  بعد ما علموكم الأزمات المالية التي مرت بها بعض الشركات، وفي ألمانيا صدر قانون KonTraG  الذي قدَّم معايير جديدة لحوكمة الشركات المدرجة في السوق الألماني، ثم ما قامت به OECD عام ١٩٩٨ من إصدار تقرير يستعرض مبادئ حوكمة الشركات، وهو ما أيده اجتماع وزراء مالية دول مجموعة العشرين الذي عُقِد في عام ٢٠١٥ وأُطلِق عليها OECD/G20، وفي هذا السياق أقام الكونجرس الأمريكي في 2002 (SOX) Sarbanes-Oxley Act Of 2002، وهو قانون أصدره الكونغرس الأمريكي في عام 2002م، إذ يهدف إلى حماية المستثمرين من احتمالية قيام المنظمات بالأعمال المحاسبية الاحتيالية، واقتضى قانون ساربينز أوكسلي إصلاحات صارمة لتعزيز الإقرارات المالية من المؤسسات ولتجنُّب الاحتيال المحاسبي. كما تَّم إصدار قانون ساربينز أوكسلي كردة فعل لسوء الممارسة المحاسبية في بدايات هذا القرن، عندما تضرَّر الاقتصاد الأمريكي جرَّاء عدد من الفضائح العامة مثل فضيحة شركة إنرون وتايكو الدولية بي إل سي ووورلدكوم، وطالب المتضرِّرون بالإصلاح في المعايير الرقابية. وفي المملكة أصدرت هيئة السوق المالية لائحة حوكمة الشركات (للشركات المُدرَجة) عام ٢٠٠٦، وأصدرت وزارة التجارة لوائح وأنظمة لائحة حوكمة الشركات المساهمة غير المدرجة.

  • واقع الحوكمة ومعوقات تطبيقها في المملكة:

تساءل أ. لاحم الناصر: هل لدينا اليوم في المملكة معايير لحوكمة القطاع العام؟ ومن المفروض أن يضعها ويراقب تنفيذها؟

وبدوره ذهب م. إبراهيم ناظر إلى أن الحوكمة في القطاع العام تختلف عن الحوكمة القطاع الخاص من حيث تطوير الأداء والمؤسسي، وسلامة الأنظمة الحكومية وكفاءتها وتعزيز الأجهزة الحكومية، وثقة المواطنين بالخدمات الحكومية والحفاظ على المال العام، وتحتاج إلى وضع منهجيات وتقييم يضمن تحقيق أهداف الجهات الحكومية؛ ولكنها في القطاعين تلتقي في هدف الحكم الرشيد من حيث الشفافية والمساواة والعدالة والمساءلة والمحاسبة والنزاهة وسيادة القانون والمشاركة والكفاءة والفعالية، والورقة موضعها الحوكمة في القطاع الخاص.

ومن جانبه أضاف م. أسامة كردي أنه وفي ظل وجود جمعية عمومية تُحاسب مجلس الإدارة (وتُساءله)، وفي وجود مجلس إدارة يحاسب الإدارة (ويُسائلها)، وفي وجود مراجع حسابات داخلي ومراجع حسابات خارجي، وفي وجود نظام للشركات ورقابة حكومية على الكثير منها؛ كيف يمكن تعليل وتوضيح الحاجة إلى الحوكمة من أساسها، بالذات في ضوء ما تضمنته الورقة الرئيسة في بدايتها عن وصف وتعريف الحوكمة.

وذكر د. عبد الإله الصالح أن بعض القياديين من القطاع العام والخاص والقانونيين يرون أن تصميم الحوكمة لكل مؤسسة يختلف عن الأخرى في أمور كثيرة تفصيلية، ولكن يشبهها في أمور أساسية مثل تصميم المهندس للمنزل، المتشابه بل والمتماثل والمشترك في المنازل كثير ومهم، ولكن هناك اختلافات تفرضها الخصوصية والظروف وطبيعة المؤسسة ومكانها وقيادتها ومرحلتها من التكوين. ومن واقع تجربة شخصية، فإن النظام واللوائح سواء كانت استرشادية أو ملزمة تذهب إلى حد معين من التقرير التفصيلي، ثم تترك التفاصيل للمختصين الذين يُفصِّلون الثوب على صاحبه، ويُغيِّرون في تفاصيل الثوب من تقدُّم صاحبه في السن والنمو.

وعقَّب أ. عاصم العيسى بأنه رغم وجود كل ذلك، هناك تلاعُب وتعارض مصالح وعدم شفافية واستغلال، وكل ذلك يتطلب الكثير من الإجراءات والأدوات؛ لعل أهمها ردع الجاني ليكون عبرةً.

وأشار م. إبراهيم ناظر إلى أن الأنظمة وحدها  بدون تفعيل وتطبيق ومحاسبة لا تُجدي نفعًا، ولا سيما بعدما تعمُّق فصل الملكية عن الإدارة في الشركات العامة المساهمة، وتوسُّع الاستثمارات وعبورها للقارات، ونشأت فلسفة في تحميل إدارة الشركة مسؤولية الفشل والنجاح واستدامة النمو؛ فتطلَّب الوضع ضوابط للمساءلة والشفافية تمنع الانحرافات وتُركِّز على النزاهة وسيادة القانون، وتمَّ التركيز على أربعة محاور في الشركات، وهي: مجلس الإدارة، الإفصاحات المالية والشفافية، وحقوق المساهمين، وحقوق أصحاب العلاقة من غير المساهمين مثل الموظفين والعملاء والموردين والبيئة الطبيعية والاجتماعية. وتمَّ وضع مبادئ للحوكمة، من أهمها الشفافية والمساواة والعدالة وغيرها، وكذلك نماذج وآليات تطبيق للمراقبة الداخلية والخارجية، ومؤشرات حوكمة الشركات التي تعتمد في المملكة على معايير حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة سوق المال السعودي CMA ومؤسسة النقد العربي السعودي SAMA ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وكل مجموعة من المؤشرات تختص بنوع من الشركات والبنوك وشركات التأمين.

في حين ذهب أ. فهد القاسم إلى أن الحوكمة دون شك تعَدُّ أحد المفاهيم الرئيسية التي تحضر عند الحديث عن الفساد والشفافية والمساءلة والخسائر في القطاع الخاص، ولا يوجد تطبيقات تفصيلية حتمية للحوكمة؛ لأنها مرتبطة بالعنصر البشري والسلوك المقبول والممنوع والأخلاق والعرف.. إلخ. والتصوُّر أن قوانين وتطبيقات حوكمة البنوك عن طريق البنك المركزي، والشركات المُدرَجة عن طريق هيئة سوق المال، والشركات الأخرى عن طريق وزارة التجارة؛ تتغير إيجابيًّا بشكل متلاحق خاصة مع التطبيقات التقنية المتسارعة. والاعتقاد أنه لا يوجد ما يُسمَّى “تطبيق عام للحوكمة بكامل جزئياته”؛ لأن التفاصيل كثيرة، والإفصاح مراتب ودرجات، والشفافية لم يُتفق عليها بالضبط. ويرى أرباب العمل أهمية الموازنة بين الإفصاح الرشيد والإخلال بمعايير المنافسة، وتكلفة الحوكمة وفوائد تطبيقها. ولعل التوسُّط بين الأمرين هو الأنسب؛ فما لا يُدرَك كلُّه لا يُترك جُلُّه.

ومن جديد، ذكر م. إبراهيم ناظر أنه قد صاحَب الحكومةَ الإلكترونية واستخدامَ الحكومات للتقنيات الحديثة للاتصالات والمعلومات لتقديم الخدمات للمواطنين تعزيزٌ وتأسيسٌ للوصول للحكم الرشيد، فالحوكمة الإلكترونية هي الإطار من التشريعات والقوانين والآليات الذي ينظِّم وتعمل من خلاله هذه الحكومة. والحوكمة الإلكترونية أصبحت تُطبَّق في الشركات وخاصة في البنوك والتحويلات، “حيث تهدف إلى تحسين أداء نشاط الشركة وتحقيق الاستدامة، وتسابق الشركات من مختلف أنحاء العالم للاستفادة من تطبيقات الحوكمة الإلكترونية في تيسير سبل التعاملات الإدارية وتبسيط إجراءات إنجاز المعاملات بين أصحاب المصالح”([1]). ومن المهم الإشارة إلى أن المملكة وحتى الشركات تتجه إلى تطبيق الحوكمة الإلكترونية في مسيرة التحول الرقمي الحكومي في المملكة؛ لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة ٢٠٣٠.

وذكر د. خالد بن دهيش أن توجُّهات رؤية المملكة ٢٠٣٠ ألزمت القطاعَ العام بوَضْع خُطط إستراتيجية واضحة الأهداف ومؤشرات لقياس تحقيقها، ترسم ملامح الحكومة الرشيدة من خلال تعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة وفق معايير عالية لإدارة موارد الدولة المالية، وتقديم الخدمات للمواطن والمقيم والزائر بكفاءة واقتدار؛ لتحقيق أعلى مستويات الشفافية والحكومة الرشيدة. ويُلاحظ ذلك في إستراتيجيات القطاعات الحكومية المُعلَنة، فهي تُركِّز على تحقيق مؤشرات قياس الأداء لتطبيق الحكومة الرشيدة وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية، وبالتالي لن يكون القطاع العام بدون حوكمة رشيدة. السؤال هنا، هل اكتملت التشريعات اللازمة لتطبيق الحكومة الرشيدة لتعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة للقطاع العام؛ لنضمن أن القطاعين العام والخاص يسيران في اتجاه واحد نحو تحقيق هدف واحد ومهم للقطاعين، ألا وهو تعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة؛ لنصل إلى مستويات عالية بين الأمم التي تستلزم تحقيق ذلك في القطاعين العام والخاص؟

وأوضح م. إبراهيم ناظر أن الحوكمة في القطاع الخاص والشركات – كما تمَّ التوضيح سلفًا – تختلف عن الحوكمة في القطاع العام، إذ إنها تحتاج إلى وَضْع إستراتيجيات ومنهجيات وتقييم يضمن تحقيقَ أهداف الجهات الحكومية، ولكنها في القطاعين تلتقي في هدف الحكم الرشيد من حيث الشفافية والمساواة والعدالة والمساءلة والمحاسبة والنزاهة وسيادة القانون والمشاركة والكفاءة والفعالية. أما بالنسبة للسؤال المشار إليه، فيبدو أن الأمور تسير بشكل جيد؛ فخلال مدة ليست بالقصيرة يتردد في الاجتماعات مع الجهات الحكومية مصطلح التشاركية الإيجابية والحوكمة. وقد صدر تكليف مجلس الوزراء لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بوَضْع الآليات والترتيبات اللازمة لتحقيق “رؤية المملكة العربية السعودية 2030″، وقام المجلس بتطوير نظام حوكمة متكامل؛ لضمان مأسسة العمل ورفع كفاءته، وتسهيل تنسيق الجهود بين الجهات ذات العلاقة؛ بما يُمكِّن المجلس من المتابعة الفاعلة. وفي إطار حوكمة تنفيذ “رؤية المملكة العربية السعودية 2030″، تحدد بعض الجهات الحكومية التي تساند في أنشطة التواصل والشؤون المالية وإعداد الميزانيات ومراقبة الأداء، بالإضافة إلى بعض الجهات الداعمة الأخرى في جهود تحقيق رؤية المملكة 2030، وتمَّ تحديد أدوار مخصَّصة لها في أنشطة حوكمة رؤية المملكة 2030.

ومن جديد، تساءل أ. لاحم الناصر: هل يوجد معايير دولية متفق عليها للحوكمة؟ ومَن أصدرها إنْ كانت موجودة؟ وما مدى إلزاميتها؟

وفي هذا الصدد، أوضح م. إبراهيم ناظر أنه توجد معايير دولية كثيرة، وهي نحو ٣٠٠ معيار، يُطلق عليها مؤشرات لحوكمة الشركات، تصدرها عدة منظمات عالمية مثل: منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، وبنك التسويات الدولية BIS ممثَّلاً في لجنة بازل ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي. وقد قامت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بإعداد مبادئ الحوكمة للشركات المساهمة على مستوى العالم، وهي تقوم بإجراء تعديلات على قواعد الحوكمة بعد الأزمة المالية في عام ٢٠٠٨. أيضًا، فإن بنك التسويات الدولية BIS ممثَّلاً في لجنة بازل معنيٌّ بحوكمة البنوك والمصارف، وهي المرجع الرئيس لجميع بنوك العالم، ومؤسسة التمويل الدولية كذلك أعدَّت قواعدَ لحوكمة شركات المساهمة العامة، وهي قريبة مما أعدَّته OECD، وهي استرشادية في الغالب، وترجع لكل دولة في إلزاميتها، ومؤسسة النقد في المملكة تلزم البنوك فيما يصدر عن لجنة بازل من معايير، كما توجد نماذج أو آليات للتطبيق متعددة للحوكمة؛ أشهرها النماذج الألمانية والأمريكية واليابانية. والواقع أن الحوكمة هي في الأساس إصلاح إداري ومالي للقضاء على الفساد السياسي والاقتصادي والإداري والمالي؛ ولكن في إطار معايير وآليات معينة، وحسب نوع الشركات وأغراضها، فرضتها التطورات والأوضاع للشركات المعاصرة. وهذا الإصلاح يتطلب المراقبة الداخلية والخارجية لضمان الإصلاح وعدم الانحراف.

ولفت د. مساعد المحيا النظر إلى الحاجة إلى دراسة تأثير جائحة كورونا على واقع التشريعات المتعلقة بالحوكمة؛ إذ تشير بعض الدراسات إلى أنها أصبحت تجري مراجعات لأنظمتها. ويرتبط بذلك دراسة مدى تأثير جائحة كورونا على أولويات الحوكمة في مختلف الجوانب، وبخاصة أن الشركات أصبحت تعاني من تأثيرات كثيرة جدًّا قد تمتد لصافي دخلها أو إفصاحاتها المالية.

  • آليات التطبيق الفعَّال لسياسات الحوكمة في البيئة السعودية:

أكدت أ. بسمة التويجري أن تطبيق مواد الحوكمة في الشركات المدرَجة أو غير المدرجة يُحقِّق فوائدَ عديدة:

  • على صعيد الاقتصاد ككل، تسهم الحوكمة في استقرار الأسواق المالية، ورفع مستوى الشفافية الذي يؤدي إلى جذب المزيد من الاستثمارات الداخلية والخارجية ويؤدي إلى تقليل المخاطر.
  • على صعيد الشركات، تساعد الحوكمة الشركات على تحقيق أداء أفضل في ظل وجود مجالس إدارة وإدارات تنفيذية جيدة، كما أنها تساعد الشركات في الوصول إلى أسواق المال والحصول على التمويل بتكاليف أقل، وبناء ثقة أكبر مع أصحاب المصالح.
  • على صعيد المستثمرين، تهدف الحوكمة إلى حماية الاستثمارات من الخسائر الناجمة عن سوء استخدام السلطة أو تضارب المصالح؛ وذلك من خلال تفعيل دور المساهمين في المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة الشركة، ومعرفة كافة الجوانب الخاصة باستثماراتهم.
  • على صعيد أصحاب المصالح الآخرين، تسعى الحوكمة إلى بناء علاقة قوية بين الشركة والعاملين فيها ومورديها ودائنيها؛ فهي تُعزِّز ثقة جميع المتعاملين مع الشركة فيها، وتُنمِّي رغبتهم في رَفْع أدائها وتحقيق إستراتيجياتها.

وفيما يتعلق بما أشارت إليه الورقة الرئيسية بشأن مشروع بناء مؤشر للحوكمة تبنته جامعة الفيصل بالتعاون مع الهيئة العامة للاستثمار (وقتها)، فالواقع أن الجامعة أتمت بناء هذا المؤشر في ٢٠١٧م، وقامت بعَقْد لقاء سنوي (تحوَّل إلى مؤتمر للحوكمة في العام الماضي)، يتم خلال هذا اللقاء السنوي الإعلان عن الشركات التي حقَّقت أعلى الدرجات في المعايير المحددة في هذا المؤشر. ويتكون المؤشر من ثلاثة نماذج:

  • نموذج عام لتقييم حوكمة الشركات التي تنتمي إلى كافة القطاعات ما عدا قطاعي البنوك والتأمين، وهو مكوَّن من ٢٢٠ متغيرًا.
  • نموذج قطاع البنوك، وهو مكوَّن من ١٦٥ متغيرًا.
  • نموذج قطاع التأمين، وهو مكوَّن من ١٦٠ متغيرًا.

وفي ضوء ذلك، تساءل أ. لاحم الناصر: ما تأثير وجود مؤشرات للحوكمة على جودة الحوكمة في الشركات؟ وما الجهات المؤهلة لإصدارها؟

وبدورها أشارت أ. بسمة التويجري إلى أن مؤشرات الحوكمة المبنية على معايير جيدة تتناول كافة جوانب الحوكمة، وتتسم بقدر عالٍ من الوضوح والعدالة؛ لها تأثيرات إيجابية على الشركات التي تبدأ بالتنافس فيما بينها للحصول على مراتب متقدمة عند تقييمها بموجب هذه المؤشرات، وهذه المراتب المتقدمة تعطي الشركات سمعةً طيبةً وثقةً من مستثمريها ومن كافة أصحاب المصالح الذين يتعاملون معها. وغالبًا ما تقوم مراكز أبحاث متقدمة بإعداد هذا النوع من المؤشرات، وحتى جامعة الفيصل استعانت بمركزي أبحاث من جامعة هارفرد الأمريكية ومركز آخر من تركيا.

وفي سياق متصل، طرح أ. لاحم الناصر سؤالًا مؤدَّاه: كيف نضمن التوازنَ في الأنظمة والتشريعات بين حفظ حقوق المساهمين واستقرار بيئة الأعمال، وبين جَعْل البيئة جاذبة للمستثمرين من حيث تقليل عدد الأنظمة والتشريعات المقيدة وما يصاحبها كذلك من كُلف باهظة لتطبيقها، خاصة في ظل سوق ناشئة لا تزال تتلمَّس طريقها؟

ومن جانبه أوضح أ. فهد القاسم أن الإجابة عن هذا السؤال لا يتفق عليها اثنان، فهي بين شدٍّ وجذب منذ نشأة الأسواق المالية، ولكن هناك مقولة قد تنطبق على حالة المملكة، وهي أن “الأسواق تُصحِّح نفسها”، وهذا الذي حدث لدينا، فقد تعلَّمنا من أخطاء حدثت في السوق، فتعدلت الأنظمة استجابةً لها. ومن المهم أن يكون التغيير متدرِّجًا ومنطقيًّا ومرحليًّا. وعند مقارنة أنظمة الحوكمة لدينا بمثيلاتها في الدول العربية، سنجد الكفَّة راجحةً بالتأكيد للسوق السعودي.

وأشار د. نبيل المبارك إلى أن هناك افتراضًا بحاجة إلى تصحيح، وهو أن الحوكمة لمنع الفساد المالي والإداري، وهذا اعتقاد غير دقيق؛ فأصل الحوكمة هي الطريقة التي تُدار بها المنشاة، بما يتماشى مع الأنظمة والقوانين في البلد الذي تعمل فيه، وهي تعتمد في الأصل على الأسلوب الإداري والمالي الذي يناسب إدارة المنشأة، وما يُقدَّم من خلال المنظمات الدولية هو جهود استرشادية وليس معايير. وأصل الحوكمة جاء من خلال الإبداع الإداري الذي تطوَّر خلال القرون الماضية. ومن ناحية أخرى، فثمة أهمية لتحقيق التوازن بين التقييد والحرية للإبداع والتطوير، وإلا قتلت الأعمال، وأصبحت مثل الأجهزة الحكومية. في القطاع الخاص، يكون مستوى التنظيم والتشريع حسب نوعية القطاع ومصادر الأموال؛ فإذا كان القطاع ذا حساسية اقتصادية أو أمنية أو إستراتيجية لبلد ما، كانت التشريعات والحوكمة أشد، والعكس صحيح. وإذا كانت الأموال من مصادر عامة أو أموال مساهمين، فإن المشرع يسعى إلى مزيد من التشريع لحمايتها. أما التطورات التقنية التي نعيشها اليوم، وسوف تتسارع في المستقبل مثل البلوك تشين؛ فسوف تُقلِّل من التدخل البشري بشكل كبير، وبالتالي سوف تُقلِّل من الأخطاء والتجاوزات البشرية التي يمكن أن تحدث، وبالتالي هي حوكمة بحد ذاتها على الأعمال. وسوف تؤدي إلى مزيد من التساهل في متطلبات الحوكمة التقليدية التي نعرفها اليوم، ولكن سوف تزيد تكلفة مراقبة الجوانب التقنية من جانب الأمن السيبراني وأمن المعلومات وكل ما يتعلق بمخاطر التقنية وليس المخاطر البشرية.

وعقَّب م. إبراهيم ناظر بأنه لم يتبنَّ في الورقة الرئيسة فرضية أن الحوكمة هي طريقة تُدار بها الشركة خطأ، ولكن التساؤل: ما هو الهدف في النهاية سوى الوصول إلى الشفافية والإفصاح والعدالة والمساءلة والنزاهة، وإذا لم تكن هذه معايير لتجنُّب الانحراف، فماذا نُسمِّيها؟ وما الهدف النهائي لتطبيقها؟

وفيما يخصُّ مفهوم حوكمة الشركات، ذكر م. إبراهيم ناظر أنه وفقًا للائحة حوكمة الشركات الصادرة عن مجلس هيئة السوق المالية بموجب القرار رقم (8-16- 2017) وتاريخ 16/5/1438هـ الموافق 13/2/2017م، بناءً على نظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/3 وتاريخ 28/1/1437هـ، المعدَّلة بقرار مجلس هيئة السوق المالية رقم 3-57-2019 وتاريخ 15/9/1440هـ الموافق 20/5/2019م؛ فإن حوكمة الشركات تُعرف بأنها “قواعد لقيادة الشركة وتوجيهها، تشتمل على آليات لتنظيم العلاقات المختلفة بين مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين والمساهمين وأصحاب المصالح، وذلك بوَضْع قواعد وإجراءات خاصة لتسهيل عملية اتخاذ القرارات، وإضفاء طابع الشفافية والمصداقية عليها بغرض حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، وتحقيق العدالة والتنافسية والشفافية في السوق وبيئة الأعمال”.

بينما ترى د. وفاء الرشيد أنه لا يمكن لنا أن نُحقِّق أيَّ نوع من الحوكمة الرشيدة إذا كانت القوانين التجارية والاقتصادية والتشريعية في البلد المعنيِّ لا تعمل باتجاهها أو على تعزيزها كأدوات بلا تقيد طبعًا للإبداع الإداري. والمهم هنا أن يُضاف أن هناك قصورًا وتضاربًا في بعض التشريعات التي لم تُقنن، مثل الكثير منها، حيث سمحت لوجود ثغرات لدخول مَن أراد إساءة استعمال الشرع لنسف حوكمة هذه الشركات وبنائها لصالحه، مما يشكك في مدى جدوى الحوكمة في مثل هذه الحال.

ويرى د. عبد الإله الصالح أن النظر في فتح الباب لذوي الصفة من المساهمين وذوي العلاقة بالشركة رفع دعاوى تُبنى على فشل أساسيات الحوكمة في إدارة الشركة أمام محاكم تخصَّص قضاتها ومحاموها في هذا الباب من المسؤولية التقصيرية، وهو ما سوف يدفع إلى التقدُّم في حُسن الحوكمة وتطبيقها ورَفْع مستوى الالتزام الذاتي.

وذهبت أ. فائزة العجروش إلى أن تصحيح السوق يحتاج إلى قانون وتشريعات شاملة تضمن جدية القطاع الخاص والشركات المصنِّعة، التي لم تتمكن من بناء قاعدة صناعية لمنتجاتها رغم استفادتها من قروض الدولة بالمليارات لأعمال خدمية ليست بالمستوى المطلوب، وإما لأعمال استهلاكية فقط؛ لتتضمن نشاطاتها خطط تصنيع مستقبلية، تسهم في تنويع القاعدة الاقتصادية للمملكة.. وتتضمن نقل التقنية والمساهمة في توظيف وتدريب المواطنين؛ لضمان حقوق الدولة وحقوق المواطنين، وتحسين صورة القطاع الخاص لدى الشعب تحقيقًا لغاية كبرى تنشدها الرؤية، وهي (تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتآلف الاجتماعي الحقيقي والفعال). لأنه لا يمكننا تجاوز أننا عشنا في ظل نظام اقتصادي لا مثيلَ له لعقود طويلة (دولة ريعية مسؤولة عن كل شيء)؛ الأمر الذي أرهق الدولة ماديًّا.  وكان من أهم تشوهاتها استفادة بعض من طبقة التجار ورجال الأعمال من غياب الحوكمة، باحتكارها لسلع معينة لعقود يتم ترويجها عبر وكالاتهم لمدة عقود طويلة من الزمن، بلا أي مردود للحكومة وللمجتمع، وبلا أي ضوابط تحمي توزيع الفرص ومن ثَمَّ توزيع الثروة. لذا، نحتاج لوجود تشريعات خاصة بحوكمة الشركات، تتسم بوضوحها وارتباطها بأهداف رؤية 2030 وبالتنمية المستدامة والقضاء على الفساد، فمن خلالها نستطيع ردم أي تحديات تعيق تحقيق التنمية الشاملة وأي مشاكل بيئية أو مجتمعية، وتعمل على تقليص الفجوة بين أي احتياجات وطنية ذات أولوية وبين هدف الشركات الأساسي وهو (تحقيق أعلى قدر من الأرباح).

  • التوصيات:
  • تأسيس شهادة مهنية في الحوكمة تتبناها الأكاديمية المالية.
  • مراجعة مؤشر الحوكمة وتطويره، واشتراك أكثر من جهة في إعداده.
  • دعوة الباحثين والمختصين من كافة القطاعات للمشاركة بأبحاث ودراسات تثري الموضوع في المؤتمر السنوي للحوكمة الذي تعقده جامعة الفيصل سنويًّا.
  • مراجعة لائحة الحوكمة التي أصدرتها هيئة سوق المال وتطويرها وجَعْل غالبية بنودها إلزامية.
  • إيجاد مراسيم وأنظمة تلزم ببعض المعايير اللازمة لتحقيق الشفافية والإفصاح وعدم تعارض المصالح، وتمنع تفشي الفساد في المؤسسات سواء حكومية أو شركات.
  • إلزام الشركات بوجود إدارة خاصة بالحوكمة، تكون مرجعيتها لمجلس الإدارة، تضمن تطبيق معايير الحوكمة داخل الشركة أو المؤسسة الحكومية.
  • حث الشركات التي لم تشكل لجنة للحوكمة على تشكيل مثل هذه اللجنة، أو إيجاد إدارة خاصة بالحوكمة.

 


القضية الثانية

التحديات التي تواجهها المملكة في تطوير الدراسات الوبائية

واللقاحات خلال جائحة كوفيد-19

(13/12/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. ماجد الغريبي (ضيف الملتقى)([2])
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. بندر العصيمي (ضيف الملتقى)
  • التعقيب الثاني: د. مها المنيف
  • إدارة الحوار: د. فهد اليحيا

 

  • الملخص التنفيذي:

أشار د. ماجد الغريبي في الورقة الرئيسة إلى أن الاضطرابات الصحية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تفشي وانتشار الأمراض المعدية تفرض تحديات هائلة وعبئًا غير محتمل على صانعي القرار في جميع دول العالم، لمواجهة التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لتفشي الأوبئة. وبتسليط الضوء على التحديات التي تواجه البحث والتطوير في مجال الدراسات الوبائية للأمراض المعدية وتطوير اللقاحات في المملكة العربية السعودية، فيعَدُّ من أهمها: تحديد أولويات البحث الطبية وتوجيهها لأن تكون أبحاثًا قابلةً لتحويل نتائجها إلى منتجات لتحسين الصحة العامة، جنبًا إلى جنب مع تحدي بناء فِرَق بحثية طبية وطنية ذات جودة عالية تحت إدارة فعالة لتحقيق هدف معين.

ومن جانبه، تطرَّق د. بندر العصيمي في التعقيب الأول إلى أنه في بداية جائحة كورونا كانت هناك محاولات علمية حثيثة للتعرُّف على الفيروس، ولكن لم يستخدم الباحثون الفيروس نفسه، وكانوا يستخدمون نماذج فيروسية قديمة مشابهة (مثل فيروس سارس وميرس)؛ لذلك وجدنا أن هناك الكثير من الدراسات التي نُشرت في بداية الجائحة تختلف في نتائجها عن الدراسات الحديثة التي ‏تستخدم الفيروس نفسه، وقد سبقت المملكة كلَّ دول العالم في الاستجابة السريعة للجائحة بسبب خبرتها السابقة في التعامل مع فيروس ميرس، المُسبِّب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية؛ لذا كان الإغلاق مبكرًا، وكان استخدام بعض الأدوية (مثل إنترفيرون بيتا) التي أثبتت فعاليتها ضد ميرس أيضًا مبكرًا، والمأمول أن تكون السعودية من أوائل الدول التي ستتعافى سريعًا من هذه الأزمة.

وأكدت د. مها المنيف في التعقيب الثاني على أن القيام بالأبحاث العلمية المتخصصة هي الطريقة المضمونة والمعروفة لزيادة المعرفة والتقليل من حالة عدم اليقين، كما حصل مع وباء كورونا المستجد منذ بداية عام 2020. وقد ساعدت الأبحاث العلمية والإكلينيكية كثيرًا في معرفة تفاصيل المرض وطُرق تشخيصه وعلاجه، وإنْ كانت لا تزال هناك أبحاث متضاربة في النتائج خاصة في بروتوكولات العلاج.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحورين التاليين:

  • الإشكاليات المرتبطة بالدراسات الوبائية واللقاحات المتزامنة وجائحة كوفيد-١٩.
  • سُبل تطوير الدراسات الوبائية والتعامل مع لقاحات كورونا في المملكة.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • تضمين فريق العمل المختص بالأمراض الوبائية متخصصين في الدراسات الاجتماعية والنفسية.
  • إعداد وتطبيق حملة تثقيفية لنشر الاطمئنان عن اللقاح بتعاون الجهات المختصة (الصحة، الإعلام، التعليم) في جميع وسائل الإعلام والتواصل والأسواق وصالات السينما.
  • الورقة الرئيسة: د. ماجد الغريبي (ضيف الملتقى)

الاضطرابات الصحية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تفشي وانتشار الأمراض المعدية تفرض تحدياتٍ هائلةً وعبئًا غيرَ محتمل على صانعي القرار في جميع دول العالم، لمواجهة التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لتفشي الأوبئة. إضافةً إلى ذلك، طبيعة تفشي الأمراض المعدية وخاصة تلك التي تُسمَّى بالأمراض المعدية الناشئة، والتي لا تتوفر عنها المعلومات المرجعية اللازمة لكونها تحدث لأول مرة على مستوى العالم، وقلة المعلومات عن هذه الأمراض الناشئة، ومثل ما حدث في جائحة كورونا، واجه العالم بأسره تحديًا قد يكون الأول من نوعه، وربما سيكون درسًا مرجعيًّا يُستخدم كنموذج فعلي لتأسيس وتطوير الإجراءات والسياسات الصحية والوقائية والاقتصادية. استخدام وتطوير النماذج الوبائية له أهمية كبيرة في تقييم إستراتيجيات الصحة العامة لكل دولة، والتي من أسُسها الاستفادة من ديناميكيات انتشار الأوبئة السابقة والتعلُّم منها.

  • تطوير النماذج الوقائية والوبائية في حالة عدم اليقين (Uncertainty) من خلال منصات البحث العلمي.

تُشكِّل الأمراض المعدية الناشئة تحديًا صعبًا وفريدًا للصحة العامة، مما يؤدي إلى تهديدات خطيرة محتملة على صحة كُلٍّ من البشر والحيوانات. كما أن تاريخ انتشار الأوبئة في كثير من الأحيان كان مرتبطًا بقلة المعرفة وعدم اليقين والجهل التي دائمًا ما تصاحب ظهور الأمراض المعدية الناشئة. في بداية جائحة كورونا، كان هناك عدة أسئلة لم تكن لها إجابات كافية، مما زاد من عدم اليقين العلمي العالمي لكيفية مواجهة هذه الجائحة، لم يُعرف من أين أتى هذا المرض المُعدي؟ ولم تُعرف طريقة انتشاره؟ ولا كيفية علاجه أو الوقاية منه؟

بدأ علماء الأمراض المعدية في ذلك الوقت في التحقُّق من هذا المرض المعدي الناشئ، والإجابة على هذه الأسئلة من خلال القيام بالأبحاث العلمية المتخصصة التي كان لها دورٌ كبيرٌ جدًّا في زيادة المعرفة واليقين حول كيفية التعامل مع فيروس كورونا المستجد.

اتخذ علماء الأبحاث أفضل السبل للتعامل مع عدم اليقين خلال بداية الجائحة، لبناء قاعدة بيانات يمكن اللجوء إليها لاتخاذ القرارات الصحيحة وتصميم النماذج الوقائية. في حالة حدوث الأوبئة والجائحات الناجمة من انتشار فيروسات أو جراثيم شديدة العدوى، تصبح دراسة علم الأوبئة الجزيئية للأمراض المعدية ضرورةً أساسية، وهو علم يهتم بدراسة وتحديد مصادر ومسببات انتقال الأمراض المعدية، والوقاية منها باستخدام أحدث التقنيات واستخدام منصات البحث العلمي للأمراض المعدية.

في هذا الجانب وخلال العقد الماضي، استثمرت المملكة العربية السعودية كثيرًا لتطوير المراكز البحثية الطبية التي كان لها دورٌ كبير في موجهة انتشار الأمراض المعدية الناشئة. بدأ هذا الاهتمام عندما واجهت المملكة العربية السعودية في عام ٢٠١٢ انتشار فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. في ذلك الحين لم يكن هناك مراكز متخصصة ذات كفاءة عالية للدراسات الوبائية للأمراض المعدية. منذ ذلك الحين، بدأ الاهتمام ببناء البنية التحتية للمختبرات المتخصصة للدراسات الوبائية للأمراض المعدية. هنا كانت البداية، والتي يمكن أن ينطبق عليها المثل الدارج “أنْ تبدأ متأخرًا خيرٌ لك من ألَّا تبدأ أبدًا”. هذه البداية كان لها دورٌ كبير ليس فقط في بناء المختبرات وإنما أيضًا في بناء إستراتيجية إدارة الموارد البشرية والقدرات ذات الكفاءة العالية في تخصصات الأوبئة والأمراض المعدية.

وتمَّ الاستفادة من مراكز الأبحاث والقدرات العلمية الوطنية وخاصة خلال جائحة كورونا. وهنا يجب الإشارة إلى مدى إمكانية هذه القدرات الوطنية الحالية لمواكبة التطور العالمي لمكافحة الأمراض المعدية، وإيجاد الحلول السريعة في تطوير طرق الفحص السريعة، وتطوير اللقاحات ومضادات الميكروبات محليًّا.

  • التحديات التي تواجه البحث والتطوير في مجال الدراسات الوبائية للأمراض المعدية وتطوير اللقاحات في المملكة العربية السعودية.

في عام ٢٠١٢، لم يكن هناك مركز متخصِّص في المملكة العربية السعودية للدراسات الوبائية للكشف عن الأمراض المعدية الناشئة، وإنما تمَّ إرسال عينة أول مصاب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (التي تمَّ تسميتها لاحقًا) إلى مختبر متخصص في هولندا؛ للتعرف على الفيروس المسؤول عن هذه العدوى. عندما تم التعرف على الفيروس، وتم الإعلان أنه فيروس جديد ناشئ، شعر الكثير من علماء البحث العلمي في المملكة والمتخصصين في الأمراض المعدية بخيبة أمل بأن السبق العلمي لم يكن محليًّا. كان هذا الحدث له وَقْع كبير على المتخصصين الذين يرون أن المملكة العربية السعودية استثمرت في عدد كبير من الجامعات والمراكز البحثية لاحتضان وتطوير مجال الدراسات الوبائية وتطوير اللقاحات. خيبة الأمل التي أصابت علماء الأبحاث كانت هي نواة البدء المتأخر لوضع خطط علمية وإستراتيجية لتوطين البحث العلمي من خلال أسلوب منهجي (Systematic approach) لبناء منصات البحث والتطوير (Research and Development) بهدف تقوية وتعزيز البنية التحتية للأبحاث الطبية، ومراجعة وتنقيح المنصات الأكاديمية والبحثية المتوفرة. هذه الخطط كان لها دورٌ في تغير النمط الروتيني للأبحاث الطبية إلى حد ما، وأيضًا تعزيز كفاءة هذه الأبحاث وتحسين مخرجاتها إلى ما يُعرف بـ (الأبحاث المترجمة Translational research). تهدف الأبحاث المترجمة إلى سدِّ الفجوة بين البحوث الأساسية (الأبحاث التي تقدِّم معلومات علمية وتتيح الاستنباط المستقبلي (والبحوث السريرية (الأبحاث التي تهتم بتقييم التدخلات العلاجية أو الدوائية أو الجراحية أو الغذائية) لتحسين النتائج الصحية.

ما زالت المملكة العربية السعودية في بداية الطريق لتحويل البحوث الطبية والعلمية إلى منتجات تساعد في تحسين النتائج الصحية. ما تحتاجه المملكة في الوقت الحالي هو تعزيز ودعم البحوث العلمية وخاصة في مجال الأمراض المعدية، بوَضْع خطة إستراتيجية مُفصَّلة لنَقْل نتائج البحوث العلمية الواعدة من مراكز الأبحاث إلى خطوط الإنتاج من خلال شركات التقنية الحيوية الوطنية.

على سبيل المثال لا الحصر، خلال السنة الماضية كان هناك عدة محاولات من باحثين سعوديين لتطوير طُرق الفحص السريعة لفيروس كورونا. هذه المحاولات تدخل تحت مظلة (إثبات المفهوم proof-of-concept)، وهي الإثباتات المستمدة عادةً من تجربة أو مشروع تجريبي (مصغَّر)، يُوضِّح أن مفهوم تصميم وعمل مثل هذه الفحوصات محليًّا قد يكون أمرًا ممكنًا. ما ينقص هو نقل نتائج هذه البحوث إلى منصة تتبنى وتُقيِّم هذه الأفكار، ومن ثَمَّ تحويلها إلى منتجات يكون لها دورٌ في تطوير الصحة العامة وتعزيز الاقتصاد المحلي.

أما في الجانب الآخر والأكثر تعقيدًا وهو تطوير منصات وطنية لتطوير اللقاحات والمضادات الميكروبية، فنجد أنه ليس هناك تنظيم وطني تعاوني بين جامعات ومراكز الأبحاث مقارنةً بما يحدث عالميًّا. نجد أن للجامعات ومراكز الأبحاث دورًا محوريًّا وأساسيًّا في الابتكار وتطوير لقاحات كورونا المقترحة حاليًّا. لم تحدث هذه الابتكارات والتطويرات بمحض الصدفة، ولكن تمَّ دعم وتعزيز الأبحاث الأكاديمية عبر السنين من خلال بثِّ روح ريادة الأعمال لأعضاء هيئة التدريس والباحثين وطلاب الدراسات العليا، بتطبيق خبراتهم العلمية وتحويل نتائجهم البحثية الناجحة إلى شركات ناشئة.

في الوقت الراهن، قامت المملكة العربية السعودية بدعم عدة باحثين سعوديين في مجال تطوير اللقاحات. هذه الأبحاث قد تكون الأولى من نوعها في المملكة، ولكن ليس هناك نظام بيئي (Ecosystem) لتحويل أبحاث تطوير اللقاحات إلى عقار ومُنتَج قد يُغيِّر الحياة عبر كوادر سعودية موهوبة ومُتخصِّصة في عدة مجالات لإنشاء شركات ناشئة في مجال التقنية الحيوية وإنتاج اللقاحات.

هناك تحدياتٌ كبيرة جدًّا لإنشاء شركات قادرة على تحويل نتائج البحوث العلمية والطبية إلى منتجات تساعد في تطوير الصحة العامة وتعزيز الاقتصاد المحلي، ومن أهمها:

  • تحديد أولويات البحث الطبية وتوجيهها لأن تكون أبحاثًا قابلةً لتحويل نتائجها إلى منتجات لتحسين الصحة العامة.
  • بناء فِرَق بحثية طبية وطنية ذات جودة عالية تحت إدارة فعَّالة لتحقيق هدف معين.
  • تحديد الحوافز لأعضاء الفِرَق البحثة (فريق كل النجوم)، ودفعهم إلى عمل ذي مخرجات عالية الجودة.
  • إنشاء منصة قانونية علمية طبية لحفظ الحقوق وبراءات الاختراع والملكية الفكرية.
  • تأمين مصادر دعم وتمويل الأبحاث، وبناء فرص الاستثمار في الشركات الناشئة.
  • دراسة الأسواق العالمية وتحديد المخاطر خاصة أن أبحاث الأمراض المعدية ترتبط دائمًا بمبدأ عدم اليقين.Uncertainty
  • بناء الشركات الصغيرة على مبدأ (إثبات المفهوم proof-of-concept)، والبحث عن منتجات يمكن تسويقها محليًّا وعالميًّا.
  • الاعتماد في بناء هذه الشركات على الموارد البشرية المتوفرة من خلال الجامعات ومراكز الأبحاث المحلية.
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. بندر العصيمي

في بداية جائحة كورونا، كانت هناك محاولات علمية حثيثة للتعرف على الفيروس، ولكن لم يستخدم الباحثون الفيروسَ نفسَه، وكانوا يستخدمون نماذج فيروسية قديمة مشابهة مثل فيروس سارس وميرس؛ لذلك وجدنا أن هناك الكثير من الدراسات التي نُشرت في بداية الجائحة تختلف في نتائجها عن الدراسات الحديثة التي ‏تستخدم الفيروس نفسه، على سبيل المثال كان هناك جدال علمي كبير حول بقاء أو نجاة الفيروس على الأسطح؛ حيث كانت الدراسات الأولى تثبت بقاء الفيروس حتى تسعة أيام، ثم تطورت الدراسات حتى أثبتت أنه لا يستطيع البقاء أكثر من 10 دقائق ثم يتلاشى، وهكذا فإنه في بداية كل جائحة يحاول العلماء التعرف ‏على الميكروب الجديد من خلال المحاكاة والتجارب المقاربة.

سبقت المملكة كلَّ دول العالم في الاستجابة السريعة للجائحة؛ وذلك بسبب خبرتها السابقة في التعامل مع فيروس ميرس المسبِّب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية؛ لذا كان الإغلاق مبكرًا، وكان استخدام بعض الأدوية (مثل إنترفيرون بيتا) التي أثبتت فعاليتها ضد ميرس أيضًا مبكرًا، والمأمول أن تكون السعودية من أوائل الدول التي ستتعافى سريعًا من هذه الأزمة.

ومن ناحية أخرى، يظن الناس أن وجود مختصين في علم الفيروسات يعني بالضرورة قدرة المملكة على إنتاج لقاح! في واقع الأمر، فإن مراحل إنتاج لقاح تتطلب وجود الباحث المطوِّر لمادة اللقاح، ثم البيطري الذي سيُجرِّب اللقاحَ على الحيوانات، ثم المختص في المناعة الذي سيُثبت استجابةَ الجسم للقاح، ثم الصيدلي الذي سيقيس الكميةَ العيارية اللازمة من اللقاح، ثم الطبيب الذي سيُثبت عدم وجود أي أعراض جانبية، ثم عشرات الآلاف من المتطوعين لأَخْذ اللقاح، ثم اللجان المحايدة لتقييم اللقاح، ثم الجهات الرقابية المعتمدة لاستخدام اللقاح على البشر، ثم الشركة الدوائية التي ستدعم ماليًّا وإنتاجيًّا وتطويريًّا وتسويقيًّا.

كل هذه المراحل المضنية تتطلب تعاونًا كبيرًا وعلى مستوى عالٍ من الدعم الحكومي؛ لذا أتعجبُ من بعض الناس الذين يظنون أن تطوير اللقاح عملية سهلة.

  • التعقيب الثاني: د. مها المنيف

ركزت الورقة الرئيسة على آلية تطوير النماذج الوبائية والوقائية للتصدي للأمراض المعدية خاصة في حالة عدم اليقين وقلة المعرفة. فعند انتشار أي وباء جديد، لا يكون لدى العلماء المعلومات الكافية للتعامل الأمثل معه، وبالتالي تطوير آلية للتعامل معه سواء في المراكز البحثية أو على المستوى الإكلينيكي في المستشفيات، وهو ما يصبح تحديًا كبيرًا.

إن القيام بالأبحاث العلمية المتخصصة هي الطريقة المضمونة والمعروفة لزيادة المعرفة والتقليل من حالة عدم اليقين كما حصل مع وباء كورونا المستجد منذ بداية عام ٢٠٢٠. الأبحاث العلمية والإكلينيكية ساعدتنا كثيرًا في معرفة تفاصيل المرض وطُرق تشخيصه وعلاجه، وإنْ كانت لا تزال هناك أبحاث متضاربة في النتائج خاصة في بروتوكولات العلاج.

ومع أن مرحلة عدم اليقين uncertainty بدأت بالانخفاض خاصة في معرفة خصائص الفيروس، إلا أن المعلومات الخاصة باللقاحات والتي تضمُّ الأبحاث الخاصة في مرحلة ما بعد التوزيع وتأثير اللقاح ومضاعفاته على المدى البعيد لا تزال غامضةً؛ فالعامة انتقلوا الآنَ من مرحلة الخوف من الفيروس إلى الخوف من اللقاح بسبب عدم معرفتهم بتفاصيل التصنيع والأبحاث وآليات إنتاج وتوزيع اللقاحات.

ولعل من المناسب هنا الإشارة إلى بعض تفاصيل اللقاحات التي وصلت إلى مرحلة التوزيع للاستخدام العام. هناك على الأقل ٤ لقاحات وصلت إلى المراحل النهائية من تجارب تطوير لقاح كوفيد ١٩، وهي جاهزة للتوزيع والاستخدام، وتم اعتمادها من قِبل هيئات الدواء والغذاء في عدة دول، وهي:

  • لقاح شركة فايزر وشركة موديرنا، ويعتمد هذا اللقاح على تكنولوجيا استخدام”ناقل معلومات ” الصبغة الجينية mRNA أو ممكن تسميته ساعي البريد؛ وهو لا يحمل أيَّ جزء من الفيروس ولكن يحمل معلومات عن الفيروس يدخل بها إلى الخلية، ويبدأ بإعطاء المعلومات لتصنيع البروتين الموجود على سطح الفيروس، وبعد ذلك يحث الجسم على بناء مضادات ضد الفيروس أو (البروتين) وتكوين مناعة ضد مرض كوفيد 19؛ فهذا الناقل لا يدخل نواة الخلية أبدًا ولا يختلط مع DNAللشخص المتلقي للقاح. ومع أن هذه التكنولوجيا معروفة منذ التسعينيات من القرن الماضي، لكنها لم تُستخدَم لإنتاج لقاحات قبل ذلك (لأسباب لوجستية تصنيعية)، ولقاح كوفيد 19 هو الأول الذي استُخدمت فيه هذه التكنولوجيا.
  • اللقاح الثاني تمَّ تصنيعه من قِبل جامعة أكسفورد وشركة أسترازينيكا، وهو يعتمد على تحميل جزء من جينات فيروس كورونا داخل فيروس آخر معروف لدينا مثل فيروس adenovirus، ويُسمَّى الحامل أو vector، يدخل به إلى الخلية، وبطريقة معقدة يُوهم الجهاز المناعي لإنتاج مضادات فيروس كورونا، وتمَّ استخدام هذه التكنولوجيا في السابق في إنتاج لقاح الإيبولا وحُمى الضنك.
  • النوع الثالث والرابع من تصنيع الشركة الصينية والروسية، وهو المتعارف عليه بحقن الجسم إما بفيروس ميت أو بجزء من البروتينات الخاصة بفيروس كورونا، وهي بدورها تُنشِّط الجهاز المناعي، ومعظم لقاحات الأطفال المعروفة تنتهج هذه التكنولوجيا. هناك الآنَ عدة دراسات إكلينيكية (سريرية) حول فاعلية اللقاح وأضراره الجانبية، يقوم بها باحثون في المملكة، وكذلك هناك أبحاث علمية لإنتاج اللقاح الخاص بفيروس كورونا المسبِّب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS).

في عام ٢٠١٤ عند انتشار MERS في المملكة، لم نستطع حتى التعرف على الفيروس جينيًّا، وتم إرساله إلى مراكز أبحاث عالمية للتعرف على الشفرة الجينية، والآن هناك تقدُّم ولو بسيط لكن ملحوظ في الدراسات والأبحاث لتطوير اللقاحات في المملكة.

إن تعاملنا منذ عام ٢٠١٤ مع انتشار الفيروس المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية ساعدنا كثيرًا في التعامل مع كوفيد 19 على مستوى الأبحاث الإكلينيكية (السريرية)، والأهم على مستوى الأبحاث العلمية الأساسية، وعمل نماذج لتطوير الأبحاث الوبائية وأبحاث اللقاحات وتعزيز البنية التحتية لمراكز الأبحاث.

أتفقُ مع توصيات د. الغريبي، وأؤكد كذلك على أن الدعم المادي لعمل بحوث أساسية وتحويلها إلى منتج في السوق المحلية والعالمية لا يزال ضعيفًا جدًّا، ويعتمد على التمويل من الجهات الحكومية بشكل كبير، وهنا يجب أن نؤكد على أهمية هذه الأبحاث لرجال الأعمال للاستثمار في الأبحاث الأساسية التي ينتجها مُنتج سواء تشخيصي أو علاجي أو وقائي (لقاح).

وحقيقة، فإن الموضوع الذي تناولته الورقة الرئيسة مهم، خاصة وأننا نتجه إلى مرحلة توزيع وإعطاء اللقاح ضد مرض كوفيد 19، وموافقة هيئة الدواء والغذاء السعودية على لقاح شركة فايزر – بيونتك، الذي أثبت فعاليته بنسبة عالية تصل إلى 94% وبدون مضاعفات، ونشكر الله أننا في دولة تهتم بصحة المواطن وقادرة على توفير اللقاح لمواطنيها، خاصة أن الوباء منتشر في كل أنحاء العالم، والطلب أعلى بكثير من القدرة على الإنتاج، ولن تستطيع شركات الإنتاج أن تنتج الكمية الكافية لحماية العالم من هذا الوباء.

  • المداخلات حول القضية:
  • الإشكاليات المرتبطة بالدراسات الوبائية واللقاحات المتزامنة وجائحة كوفيد-١٩:

ذكرت أ. فائزة العجروش أنه بعد أن استبشرنا واستبشر العالم مع الأنباء المتتالية عن اكتشاف لقاحات مضادة لفيروس كورونا، لكن نحن نحتاج بالفعل لرسائل تطمينية خاصة بعد ما ذكره د. بندر العصيمي في تعقيبه الثاني من مراحل مضنية تسبق اختراع أي لقاح، والتي تتطلب تعاونًا كبيرًا، وعلى مستوى عالٍ من الدعم الحكومي، وتعجُّبه من بعض الناس الذين يظنون أن تطوير اللقاح عملية سهلة. وإنْ كان الاعتقاد أنَّ مَن يُشكِّك في فعالية اللقاح، وعبَّرُوا عن تخوُّفهم من طريقة سير عملية التلقيح، واختبارات التأكُّد من سلامته؛ كونه تمَّ في أقل من سنة؛ في حين تتطلب التجارب السريرية على الحيوانات ومن ثم الإنسان بالعادة سنوات حتى يتم الحكم على مدى نجاحه من عدمه، ومقارنة إيجابياته مع سلبياته. وبعيدًا عن حالة التفاؤل بقرب انتهاء الأزمة، والتي تبعت إعلان شركة بيونتيك الألمانية وفايزر الأمريكية عن لقاح كورونا المنتظر بفاعلية تصل إلى 90%، ثم إعلان شركة موديرنا الأمريكية عن لقاح بفاعلية تزيد على 94 %. بهذه الأخبار، تبقى كثير من الأسئلة دون إجابات، ومن بينها: هل نسب الوقاية المُعلَنة واقعية؟ وهل اللقاح الذي تم اعتماده رسميًّا آمن؟

وأشار د. بندر العصيمي إلى أن الطريقة الأخيرة هي وجود فيروس مشابه للفيروس الممرض، ومثال ذلك الطبيب إدوارد جينر في لندن عام 1798 عندما اكتشف أن النساء اللاتي يحلبن الأبقار لا يُصبن بالجدري smallpox، وبعد البحث والتحري وجد أن هناك فيروسًا يصيب البقر هو cowpox، وعند التعرض له فإنه يعطي مناعةً عكسية للفيروس المُمرض المسبِّب للحصبة. القصة فيها مغامرة جريئة من د. جينر، ملخصها أنه اختار الطفل جيمس فيبس الذي كان بصحة جيدة وبلغ عمره حوالي 8 سنوات للتلقيح بمرض جدري البقر. ونجا الطفل من التلقيح التجريبي لفيروس جدري البقر، ولم يعانِ إلا من حُمى خفيفة. وعندما حقَن جينر الطفلَ بمرض الجدري الأكثر خطورة، ظلَّ جيمس مُعافى ولم يمرض وكرَّر ذلك ٢٠ مرة، وكان الجهاز المناعي للطفل في كل مرة يُقاوم الفيروس.

وعقَّب د. فهد اليحيا بأنه لم يقبل الناس اللقاحَ بسهولة، وسخروا منه وتندروا عليه، ويبين الرسم الساخر التالي خروج رؤوس أبقار من أجساد الذين أخذوا اللقاح!

ومن ناحيتها، أكدت د. مها المنيف على النقاط التالية:

  • أولًا: مع أن خطوات إنتاج أي لقاح طويلة، لكن التكنولوجيا التي استُخدمت في لقاح الكوفيد -19 معروفة مسبقًا، وتم اختبارها في السابق، ومرَّت بعدة مراحل لإنتاج لقاحات مختلفة؛ لذلك بدأ العلماء بالمراحل الأخيرة، وهي دراسة فعاليته وتأثيراته الجانبية؛ لأن المراحل الأولى مُجرَّبة نسبيًّا على فيروسات أخرى.
  • ثانيًا: أن خصائص فيروس كوفيد والشفرة الجينية له تمَّ التعرف عليها بسرعة فائقة بسبب تجربتنا مع سارس وميرس، وهذا ساعد كثيرًا في خطوات اكتشاف اللقاح.
  • ثالثًا: بسبب وجود الوباء في كل العالم، هبَّت جميع الشركات ومراكز الأبحاث إلى النظر في تجارب سابقة للقاحات أخرى، والبناء عليها، والسباق لإنتاج لقاح يحمي البشرية.
  • رابعًا: الدعم المالي لإنتاج لقاح ضد فيروس كوفيد كان كبيرًا جدًّا من الدول العظمى؛ لأن الوباء قد أثر في الوضع الاقتصادي لكثير من دول العالم، وهذا شجَّع السياسيين لدعم وجود لقاح للتخفيف من الأعباء الاقتصادية التي سببها الفيروس.
  • خامسًا: الدراسات التي عملت على اللقاحات التي وصلت إلى خط النهاية من ناحية الفعالية والمضاعفات تم تقييمها من عدة مراكز بحثية موثوقة وهيئات الدواء والغذاء بعدة دول، وأثبتت فعالية اللقاح وأمانه.
  • أخيرًا، ما يحصل مع كوفيد 19 قد حصل مع كل لقاح جديد، فنجد دومًا المترددين ونجد المؤيدين.

مراحل تطوير اللقاحات من الأبحاث، التجارب ما قبل وبعد السريرية، الموافقات وانتشاره

وعقَّبت أ. فائزة العجروش بأن من المهم الإشارة إلى أن تسجيل اللقاح لحد الآن تسجيل مشروط، ووفق كلام المتحدِّث باسم هيئة الغذاء والدواء أنه تمت مراجعة اللقاح، وهي مشروطة لحين استكمال الملفات التي تنقص لاعتماده بشكل كامل، وهذا يعني استمرار الدراسات حول الآثار الجانبية له وغيرها.

وبدوره أوضح د. ماجد الغريبي أننا كباحثين نؤمن تمامًا أنه ليس هناك شك في النتائج ما قبل السريرية والسريرية لأي لقاح وصل لمراحل متقدمة كما هو الحال للقاحات الموافق عليها. نعم، تطوير هذه اللقاحات تمَّ في فترة قصيرة جدًّا ولم يعتَدْ هذا الحقل من الأبحاث أن يستعجل في تطوير للقاح بهذه السرعة.

في الوقت الحالي، ثمة ثورة معلوماتية وتقنية كبيرة ساعدت في تسريع الوصول للمعلومات باستخدام تقنيات عالية الدقة. تمَّ استخدام هذه التقنيات لتحديد التسلسل الجيني الكامل للفيروس بدقة عالية وفي وقت قصير. تحديد التسلسل الجيني مهم جدًّا في تطوير اللقاحات، وفي استخدام التسلسل الجيني للجينات المسؤولة عن البروتين الموجود على سطح الفيروس. هذا التسلسل الجيني يُستخدَم في اللقاحات كممثل للفيروس (بدون حدوث الإصابة) لتحفيز الجهاز المناعي للإنسان. أيضًا وجود تقنيات الحوسبة البيولوجية وعلم البينات، ساعد في تحليل مخرجات الأبحاث بطريقة سريعة، وبمحاكات هذه التجارب باستخدام الحوسبة البيولوجية قبل تطبيقها في الواقع للتأكد من صحتها.

جميع هذه العوامل ساعدت البحث العلمي وتطوير اللقاحات على تسريع عملية تطوير لقاح كوفيد-١٩. والأهم من ذلك، هو اتجاه دول العالم لدعم وتعزيز الأبحاث للوصول للقاح دون أي معوقات، وتسخير جميع القوى اللوجستية والاقتصادية لخدمة تطوير اللقاح. أما بخصوص أمان هذه اللقاحات، فيمكن الرجوع لمخرجات التجارب السريرية والتي أثبت مأمونية اللقاح بأقل الأعراض الجانبية.

وفيما يتعلق بمدى واقعية نسب الوقاية المُعلَنة، يرى د. ماجد الغريبي أن المملكة العربية السعودية ومن خلال تجربتها في تعزيز الإجراءات الوقائية على جميع الأصعدة، وأيضًا مقارنتها بما تمَّ تنفيذه في الكثير من الدول، أثبتت للعالم أن ما تمَّ تطبيقه هو نموذج يُحتذَى به. بكل تأكيد هذه الإجراءات صارمة، وكان لها تأثيرات اجتماعية ونفسية واقتصادية؛ ولكنها كانت مهمة جدًّا في التحكم في انتشار الفيروس حتى يزيد لدينا اليقين والمعرفة الكافية للتعامل بأفضل الوسائل للعلاج ومكافحة انتشار الفيروس.

وأضافت أ. فائزة العجروش أنه لا خلافَ على أن اللقاحات لا بد أن تمرَّ بتجارب كثيرة وتمحيص كبير لها قبل الموافقة عليها، وأن حالة “كوفيد 19” هي حالة استثنائية، وأصبحت الحاجة مُلِحة أكثر لتطوير سريع للقاح، ليس بسبب تزايد الوفيات فقط؛ وإنما خوفًا من التأثيرات الاقتصادية القوية التي جعلت العالم يتكاتف ليسرع في إنتاجها. ويبدو أن اللقاح أثبت سلامته حتى الآنَ لدرجة تجعل المنفعة المرجوة أكبرَ بكثير من أي أضرار يُتوقَّع حدوثها مستقبلاً، لكن هل هذه المنفعة المرجوة لجميع الناس أم فقط للحالات الحرجة؟ وهل الجرعات المقررة متساوية لجميع الناس أم هناك اختلافات تعتمد على العمر أو حالة الشخص؟  وهناك سؤال مهم مفاده: لماذا سيبدَؤُون التطعيمَ في الفئة العمرية ما فوق ٦٥ سنة، وهؤلاء هم محتاطون أصلًا؟ مع ملاحظة أن نسب الإصابة في الشباب أكبر من الفئات العمرية المتقدمة؛ لذلك فالاعتقاد أن اختيارهم لهذه الفئة لمزيد من الاختبارات السريرية لكشف أي آثار جانبية، والضحية كبار السن!

وبدوره أوضح د. بندر العصيمي أن الموضوع مرتبط بالفئات العمرية الأكثر خطورةً عند الإصابة بالفيروس، وليس الأكثر حيطةً وحذرًا. وقد ثبت أن الفئة الأخطر هم أصحاب الأمراض المزمنة والمناعة الضعيفة، وهم في الغالب من كبار السن.

وتساءلت د. وفاء طيبة: لماذا كانت بداية التطعيم باللقاح من سن ١٦ سنة؟ وهل تأخير استلام الجرعات بسبب شروط هيئة الغذاء والدواء، أم بسبب حاجة بريطانيا لها أولاً؟

ومن جهتها، حدَّدت د. مها المنيف أسباب بدء التطعيم باللقاح من سن ١٦ سنة فيما يلي:

  • أولًاً: الأبحاث التجريبية للأدوية أو اللقاحات بصفة عامة تحتاج إلى موافقة من المتطوعين الذين يأخذون الجرعات الأولية، وعادةً هذه تكون عند البالغين، ولا يجوز إدخال الأطفال في هذه التجارب؛ لأمور لها دخل بأخلاقيات الطب.
  • ثانيًا: كوفيد -١٩ كمرض لم يكن بهذه الشدة على الأطفال، ومعظم من توفاهم الله بسبب المرض أو ممَّن دخلوا العناية المركزة هم من كِبار السن أو ممن لديهم أمراض مزمنة مثل الضغط والسكري أو السمنة أو الأشخاص الذين تم تشخيصهم بأمراض نقص المناعة أو يستخدمون أدويةً تُقلِّل المناعة مثل الكورتيزون، وكل هذه الفئات لها الأولوية باللقاح لأن مضاعفات المرض عليها شديدة.

أما فيما يخص سبب تأخير استلام الجرعات، فالتصور أنها فقط مسألة مرتبطة بجانب العرض والطلب.

وأوضح د. ماجد الغريبي أنه بخصوص نقل واستلام الجرعات، فهذا يعتمد على أمور لوجستية عدة؛ منها أولوية الطلب من بعض الدول، ثم أيضًا كمية إنتاج اللقاح، وعدد خطوط الإنتاج، وغيرها.

أما د. محمد الثقفي فتساءل: ما سبب التحليلات (العلمية) المتناقضة من البنية التخليقية للقاح؟ وما جدوى الاستخدام في ظل الخوف المجتمعي الذي يزداد بالإشعارات التحذيرية المصاحبة لاستخدامه؟

أيضًا، تساءل د. سعيد العمودي: هل ثمة ربط منطقي لتوقيت اكتشاف المصل المضاد لكوفيد 19 مع نهاية حكم ترامب؟ وماذا عن التداعيات الأخرى المضادة لطرح اللقاح، ومنها الجانب الاقتصادي الذي كان مُحرِّكًا لطروحات المؤامرة، والدفع باسم بيل غيتس تحديدًا كطرف فيها؟

وفي هذا الصدد، أوضحت د. مها المنيف أن هناك الكثير من الخيال العلمي والأفكار التي تنتشر بين الآونة والأخرى؛ إما عن أن الفيروس مُصنَّع بالمختبرات، أو أن اللقاح هو خُطة سياسية لتقليل عدد سكان الأرض، أو أنه أُنتج بسبب أمور اقتصادية للقضاء على بعض الدول وهيمنة دول أخرى، إلى آخره من سلسلة المؤامرات، بعضها يخلط العلم بالخيال، وبعضها يكون – للأسف – من طرف أطباء وعلماء يعتقد الناس أن لديهم مصداقية. كذلك هناك مجموعات قوية جدًّا ونشيطة من منظمات ضد اللقاحات بصفة عامة، لكن الفائدة الكبيرة المرجوة من اللقاح تفوق كثيرًا أيًّا من المخاوف. والاعتقاد أن الجدوى من استخدام اللقاح الآنَ كبيرةٌ جدًّا، أما المخاوف فستبقى، ومعظم التحليلات التي تُخيف الناس من اللقاح هي غير علمية، وخلفها أجندات خفية. الخوف كان في البداية من الفيروس، وظهرت عدة نظريات تؤكد أنه مؤامرة، والآنَ تحوَّل الخوف إلى اللقاح، وبقيت نظرية المؤامرة للأسف.

أما د. بندر العصيمي فذهب إلى أنه ‏لا يوجد تناقض في تصنيع اللقاحات، إنما هي مجموعة من الطرق المختلفة للتخليق، وتنتهي بإنتاج لقاح واعد، مثال ذلك أن تحاول تسخين فطيرة؛ تستطيع استخدام المايكرويف، وممكن الفرن، وممكن عن طريق الحطب، في النهاية عملية التسخين حصلت ولا يوجد تناقض. ‏قد يأتيك مَن يقول إن التسخين باستخدام المايكرويف خطرٌ جدًّا، هذا مثل استخدام لقاح فايزر لأنه يستخدم تقنية جديدة، وهي mRNA

لكن د. فوزية البكر ترى أن الفرق هو في أن تقنية تطعيم فايزر تقنية جديدة لم تُستخدَم من قبلُ، وتم التسريع بها بفعل ضغط الجائحة، ولا توجد دراسات طولية تتبعية للآثار الجانبية؛ في حين أن تقنيات التطعيمات الأخرى معروفة منذ بدأت فكرة اللقاحات.

ومن ناحيته، يرى د. ماجد الغريبي فيما يتعلق بالتحليلات المختلفة حول لقاحات فيروس كورونا، أن ذلك يعود أيضًا للطبيعة التنافسية لمخرجات البحث العلمي وما يصاحبها من فوائد علمية واقتصادية وسياسية لكل دولة. هو سباق وفرصة عظيمة لقيادة البحث العلمي في هذا المجال. وبخصوص الإشعارات التحذيرية، فهذا هو ديدن مَن يؤمن بنظرية المؤامرة، وخاصة فيما يتعلق باللقاحات. التاريخ يعيد نفسه، وفي النهاية يخضع الجميع لاستخدام اللقاحات وأهميتها.

ويرى د. فهد اليحيا أن سطوة السوشيال ميديا تجعل من الصعب على قسم من الناس تقبُّل اللقاح، ولكنهم سيقبلون عليه بعد أسابيع! الحساسية واردة، ورد الفعل الفردي مجهول السبب Idiopathic قد يحدث لأي شخص من غير سبب من جراء أي دواء أو لقاح. فلقاح الإنفلونزا الموسمية لا يُعطى لمَن لديهم حساسية من البيض. هناك في علم الصيدلة Drug surveillance لمتابعة الآثار الجانبية على الأدوية المصرح بها، ولكن الآثار الجانبية قد تظهر بنسب قليلة ولا يتبين ذلك إلا بعد أن يتم توزيعها على نطاق واسع، والظن أن هناك جهات مشابهة تقوم بهذا بشأن اللقاحات.

  • سُبل تطوير الدراسات الوبائية والتعامل مع لقاحات كورونا في المملكة:

يرى م. فاضل القرني أنه من المهم الإشارة إلى قدرة المملكة المميزة في إدارة الأزمة والاستنفار لاحتوائها، على حساب الاستباق والبحث والتطوير وعوائقه المتشابهة، ليس في المجال الطبي فقط؛ لكن لا تزال الصورة النمطية في التمويل الحكومي هي العمود الرئيس في الابتكار والبحث عن الحلول. وهذا دليل على افتقار شركات الأدوية والصيدلة، والاستثمار في القطاع الخاص غير مُحفز، ولا يوجد جرأة في ثقافتهم الاستثمارية لتبنِّي مشاريع مثل هذه. وربما سمعنا أول الجائحة بشأن ريادة مدينة الملك عبد العزيز الطبية لتطوير لقاح أو دواء لكورونا، لكنها وجدت نفسها وحيدة تواجه عوائق مالية وربما إدارية.

وركزت د. وفاء طيبة على أهمية دراسة وضع المراكز البحثية في المملكة في مجال الدراسات الوبائية وقصورها والتحديات التي تواجهها في الفترة الحالية.

إلا أن د. بندر العصيمي أوضح أنه ليس كل المراكز البحثية متخصصة في كورونا، ولا تمتلك جميعُها التقنيةَ اللازمة لتصنيع اللقاحات.

وذهب د. ماجد الغريبي إلى أنه فيما يخصُّ تحديات البحث العلمي فهو أمر مُتوقَّع، وخاصة في السعودية التي تعمل على بناء وتعزيز البنية التحتية للبحوث في الجامعات والمراكز البحثية. البحث العلمي ليس أمرًا يُطبَّق أو يُنقَل في وقت قصير؛ وإنما هو عملية تراكمية تُبنَى خلال السنين والأجيال. والواقع أن أهمية البحث العلمي تعود عندما يكون هناك إيمان وثقة بأنه هو الأساس في صناعة المعلومة بناءً على الأدلة. هو أيضًا أسلوب حياة للباحثين والأكاديميين وطلاب الدراسات العليا عندما يكون الشغف هو الدافع المُحرِّك لإنتاجهم العلمي، نحتاج إلى وقت نتمنى ألا يكون طويلًا للوصول لمرحلة النُّضج لمنصات البحث العلمي، سيحدث ذلك بإذن الله، وسيكون الدليل عندما نرى توجيهَ الاهتمام بالمراكز البحثية والباحثين، وحصولهم على الموارد الأساسية للبحث العلمي بسهولة. وبعدها ستكون الجامعات والمراكز مزدحمةً (حتى في عطلات نهاية الأسبوع) بالباحثين وطلاب الدراسات العليا.

وأكد د. عبد الله بن صالح الحمود على أهمية أن تقوم وزارة الصحة بعد وصول دفعات اللقاح بعمل حملة إعلامية لطمأنة المجتمع نحو إيجابيات وسلامة مصل اللقاح.

وبدورها، أوضحت د. وفاء طيبة أن وزارة الصحة بدأت بالفعل من الآن حملة إعلامية لتصحيح مفهوم بعض الناس وطمأنتهم، كما أن هناك وثيقة صدرت عن الوزارة مفيدة جدًّا ضمن الحملة التوعوية للقاح فيروس كورونا (كوفيد-19)، لكن من المقترحات التي قد تكون ذات جدوى أن يكون مع حملة وزارة الصحة مجموعة من أطباء سعوديين يعملون في الفيديوهات التوعوية؛ لما لذلك من دور فعَّال في طمأنة الداخل السعودي. وهناك كذلك نقطة مهمة ويجب أن يتم أَخْذها في الاعتبار في عملية التوعية ترتبط بما نلمسه من الشباب من إعراض عن اللقاح، على أساس أنهم حتى لو أُصيبوا فإصابتهم عادةً خفيفة، ولم يفكروا في مسألة كونهم ناقلين للمرض أو أنهم جزءٌ من القطيع.

وتطرَّق د. ماجد الغريبي إلى أن هناك جدالًا كبيرًا في حقِّ الاختيار في أَخْذ اللقاحات، وهل للحكومات الحقُّ في إجبار الناس؟ الممارسون في جميع المجالات الصحية ليس سواء في مستوى العلم وإدراك أهمية اللقاحات، وقد يكون يسيطر عليهم تأثير مباشر أو غير مباشر لرفض اللقاحات. ولكن من خلال التاريخ؛ ففي الدول التي طبَّقت سياسات معينة للقاحات، نجد أن نسبة بعض الأمراض انتهت تمامًا، والمملكة العربية السعودية من أفضل الأمثلة في هذا الصدد عندما كان لقاحات الأطفال إلزامية لصدور كرت العائلة. مثلًا في عام ١٩٠٥، أيدت المحكمة العليا في أمريكا قوانين التطعيم الإلزامية تحت سلطة الشرطة في أمريكا. وكان هناك مجال ضيق للإعفاءات في حالة هناك ضرر مباشر لبعض الأفراد. في عام ١٩٢٢، أوضحت المحكمة أيضًا أنه يمكن للنظام المدرسي أن يرفض الطالب الذي لم يستوفِ شروط التطعيم. وهذا لن ينتهك بندَ الحماية. في عام ١٩٤٤، أقرت المحكمة أن الدولة لها الحقُّ في طلب تطعيم للأطفال بغض النظر عن اعتراض أحد الوالدين الديني، إذ “الحق في ممارسة الدين بحرية لا يشمل الحرية في تعريض المجتمع أو الطفل للأمراض المعدية أو هذا الأخير لاعتلال الصحة أو الموت “. أحد الأمثلة هو الحصبة في عام ٢٠٠٠، تم إعلان القضاء على الحصبة في أمريكا بسبب نجاح جهود اللقاح. ولكن وبسبب تزايد أعداد معارضي اللقاحات، في ٢٠١٨ تم تأكيد حوالي ٣٧٠ حالة إصابة بالحصبة في أمريكا، وفي ٢٠١٩ حوالي ١٢١٥ حالة، وتم إعلان حالة الطوارئ في بعض الولايات، واتضح أن أغلبية المصابين لم يتلقوا التطعيم، وكان السبب الرئيسي هو نتيجة مباشرة للحراك المناهض للقاحات.

وذهب د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن مسألة رفض قبول التطعيم مرحليًّا يعطي فرصة لمَن يلزم عليهم أَخْذ اللقاح كمثل الممارسين الصحيين وما شابههم في المهمات الإنسانية، إضافة إلى مَن يرى مناسبة أَخْذ اللقاح له، سواء لدواعي السفر المبكر أو خشية انتقال العدوى من المصاب بشكل عام، ومن ثَمَّ بلا شك ستتوالى رغبات الأغلبية لأخذ اللقاح.

وفي اعتقاد أ. لاحم الناصر، فإن مسألة الإلزام ليست مطروحةً على الأقل في الدول المتقدمة، بحكم أن نسبة التعافي من المرض عالية جدًّا، كما أن عدم وجود فترة كافية لاختباره يُدخِل المؤسسات الحكومية في إشكالات قانونية في حال ظهور أعراض جانبية لدى أَخْذ اللقاح في نسبة كبيرة حتى لو بعد فترة، ومن ثَمَّ فليس من الصواب الإجبار على أَخْذ اللقاح، بل تَرْك الأمر بالخيار هو الأنسب، مع العلم أن الاستفتاءات في بعض الدول حول قبول التطعيم باللقاح وصلت إلى حوالي ٨٠٪؜ تقريبًا.

وتساءل د. محمد الثقفي: ما المبرر العلمي لوَضْع التحذيرات من تعاطي لقاحات فيروس كورونا، مقارنةً باللقاحات الأخرى التي تُعطى بدونه؟

وفي اعتقاد د. بندر العصيمي، فإن أبرز أسباب التخوُّف من لقاح كورونا في الفترة الراهنة ما يلي:

  • أولًا: قصر مدة التصنيع في أقل من سنة مقارنةً باللقاحات الأخرى، وأقصرها لقاح فيروس النُّكاف الذي استغرق ٤ سنوات.
  • ثانيًا: ثمةَ تخوُّف مرتبط بأن فايزر وموديرنا تستخدمان في تصنيع اللقاح طريقة تصنيع جديدة mRNA، لم يسبق تاريخيًّا استخدامها.
  • ثالثًا: عدم العلم بالآثار الجانبية المحتملة بعيدة المدى، التي يمكن أن تنتج بعد سنوات من أَخْذ اللقاح!

وأضاف م. فاضل القرني أن وسائل التواصل الاجتماعي ملأت الفراغات المرتبطة بحالة عدم التيقن وقلة المعرفة والجهل حول فيروس كورونا، بحجم هائل من المعلومات والإحصاءات والحوادث التي حدثت، والتي دعمت الفزع من كورونا. وبنفس القياس سيكون التخوُّف والفَزع من اللقاح مُبرَّرًا. وربما الشعوب الآن تنظر إلى التجارب التي فشلت فيها حالات وربما وفيات، ولا يُنظَر إلى إحصاءات الحالات التي نجحت، والرقم الذي أوردته د. مها (٩٤٪؜) نسبة مطمئنة وأكثر. الآلية التي أوردها د. بندر في التعقيب الثاني هي شرح وسياق عن مهنية واحترافية طبية تهتم بنجاح مفهوم اللقاح، والاهتمام بحياة الإنسان وزيادة الثقة.  وهذه ستزيد الشكوك في مصداقية ما تمَّ اتباعه في لقاح كورونا. وهي بطبيعة الحال ليست مصداقية اجتماعية أو طبية. لذا، من الأهمية بمكان العمل على رفع تلك المصداقية من خلال التناول الإيجابي من مشاهير وباحثين متخصصين في (الطب، والصيدلة، والصحافة،…) وكذلك من مسؤولين وأعيان وفنانين، والاصطفاف لتطمين الناس من اللقاح وربما الحصول عليه، وبتوثيق حي في وسائل التواصل.

وأضاف د. حسين الحكمي أن من المناسب فيما يخص المقترح المتضمَّن بالورقة الرئيسة، ومفاده بناء فِرَق بحثية طبية وطنية ذات جودة عالية تحت إدارة فعالة لتحقيق هدف معين، أن يكون ضمن هذه الفِرق أطباء وباحثون وصيادلة، بجانب أعضاء من المتخصصين الاجتماعيين والنفسيين الذين تكون مهمتهم دراسة أفراد المجتمع وكيف يمكن حمايتهم من الفيروسات أو حتى كيف يتعاطون مع المرض أولاً ومع العلاج لاحقًا. كذلك يمكن أن تتم الاستفادة من المتخصصين في العلوم الاجتماعية والنفسية بكيفية معالجة الحالة الاجتماعية التي يتم تداولها حاليًّا، وهي رفض الشخص أو عدد من أفراد المجتمع تعاطي اللقاح.

  • التوصيات:
  • تضمين فريق العمل المختص بالأمراض الوبائية متخصصين في الدراسات الاجتماعية والنفسية.
  • إعداد وتطبيق حملة تثقيفية لنشر الاطمئنان عن اللقاح، بتعاون الجهات المختصة (الصحة، الإعلام، التعليم) في جميع وسائل الإعلام والتواصل والأسواق وصالات السينما.
  • قيام وزارة الصحة بندوات علمية على التلفزيون، يشارك في تقديمها أطباء وأكاديميون في العلوم ذات العلاقة لطمأنة الجمهور، وبيان أهمية أَخْذ اللقاحات.
  • أهمية دراسة وَضْع المراكز البحثية في المملكة في مجال الدراسات الوبائية وقصورها والتحديات التي تواجهها في الفترة الحالية.

 


القضية الثالثة

برنامج جودة الحياة والمجالس البلدية

(20/12/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: م. عبد الله العمران (ضيف الملتقى)([3])
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. مرام الحربي
  • التعقيب الثاني: أ. هدى الجريسي (ضيفة الملتقى)([4])
  • إدارة الحوار: د. عبد الإله الصالح

 

  • الملخص التنفيذي:

تناول م. عبد الله العمران في الورقة الرئيسة موضوع (المجالس الوطنية وجودة الحياة)، وذلك بالتركيز على محاور أساسية تضمنت: برنامج جودة الحياة ودور المجالس البلدية في تحقيق أهدافه، تأسيس المجالس البلدية وارتباطها ونظامها وصلاحيتها (واقع ومنجزات)، التحديات التي تواجه المجالس البلدية والمأمول، المجالس البلدية بين الاحتياج والتمكين للقيام بأدوار فاعلة.

واختتمت الورقة بالتأكيد على أنه رغم كثرة العقبات والمعوقات، فإنه يمكن للمجالس البلدية أن تلعب دورًا محوريًّا في تحقيق رؤية المملكة 2030 وبرنامجها الطموح لتحسين جودة الحياة.

بينما أشارت د. مرام الحربي في التعقيب الأول إلى أن المجالس البلدية تعَدُّ شريكًا مهمًّا في العملية التنموية، وخدمة المجتمع المحلي، وصولًا إلى تحقيق رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى تحسين المشهد الحضري، وتحقيق مفهوم جودة الحياة؛ لرفع مؤشرات قابلية العيش من البنية التحتية والنقل والإسكان وغيرها، وتوفير نمط الحياة لرفع مؤشرات الرياضة والتراث والثقافة، والترفيه والترويح، والمشاركة المجتمعية. ولكي يتحقق التغيير المنشود نحو الأفضل لا بد من توطيد الروابط الاجتماعية وإشراك المواطنين على أوسع نطاق في صناعة القرار والتنفيذ لمعالجة قضاياهم، للوصول لعيش كريم في ظلِّ رَفْع كفاءات وحُسْن أداء المجالس البلدية بتفاعل اجتماعي.

في حين أكدت أ. هدى الجريسي في التعقيب الثاني على أهمية تحقيق الاستقلالية الإدارية والمالية للمجالس البلدية؛ بأن تحصل على احتياجاتها الإدارية والمالية من أمانة المجالس البلدية، ورفع ميزانيتها لتكون أداةً فاعلة في تحقيق التنمية ورفع مستوى جودة الحياة.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاورَ التالية:

  • واقع مساهمة المجالس البلدية في برامج جودة الحياة.
  • التحديات التي تواجه المجالس البلدية.
  • آليات تمكين المجالس البلدية للاضطلاع بأدوارها المتوقعة.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • تمكين المجالس البلدية من ممارسة مهامها في الرقابة والإقرار بإدراج الإجراء ضمن الدورة المستندية للبلديات، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بإجراءات عمل قياسية وموحَّدة (SOPs) تُحدِّد العلاقةَ ومصفوفة الصلاحيات بين الطرفين.
  • تفعيل النظام وتحقيق الاستقلال المالي وتوفير الممكنات بإنشاء إدارات مالية ضمن أمانات المجالس (الإدارة التنفيذية)، مع إقرار لائحة مالية تُحدِّد أبوابَ الصرف والإيراد والصلاحية. مع النظر في التوصية المتعلقة باقتطاع نسبة من إيرادات البلدية لتحقيق الديمومة في الموارد المالية.
  • الورقة الرئيسة: م. عبد الله العمران (ضيف الملتقى)

يُمثِّل البرنامج الطموح لجودة الحياة 2020 في إدراج ثلاث مدن سعودية ضمن قائمة أفضل 100 مدينة للعيش في العالم مع حلول عام 2030 تحديًا يتطلب معالجة مجموعة واسعة من العناصر، تتراوح بين تطوير البنية التحتية للأنشطة الترفيهية والرياضية والثقافية إضافةً إلى الإسكان والتصميم الحضري وجودة البيئة.

ومن المألوف أن الصورة الذهنية للمدن والبلدات تتكون من خلال قدرتها على التفاعل مع الإنسان ومتطلباته التي يمكن تحقيقها بسُبل متعددة؛ من أهمها كفاءة التخطيط الحضري والخدمات البلدية كأساس لكل ما يليه من خطط وبرامج وتوسُّع مستقبلي، وما يصاحبه من أنظمة وتشريعات تسهم في تحقيق معايير جودة الحياة وإعطاء صورة ذهنية إيجابية.

وتأتي المجالس البلدية ضمن منظومة الأطراف التي يمكن أن تشارك في تحقيق تلك الأهداف من خلال المشاركة المجتمعية المتمثِّلة في أعضاء المجالس المنتخبين الذين يشكِّلون ثلثي الأعضاء؛ وهو ما يُعزِّز الشعور بالانتماء والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمدينتهم.

وقد أُسِّست المجالس البلدية في المملكة العربية السعودية في دورتها الثالثة بموجب المرسوم الملكي رقم م/61 وتاريخ  4/10/1435هـ، الذي حدَّد فيه نظامها وصلاحياتها، وحسب المرسوم الملكي فإن المجلس البلدي شخصية اعتبارية ذات استقلال مالي وإداري، يرتبط تنظيميًّا بوزير الشؤون البلدية والقروية، ويمارس سلطة التقرير والمراقبة وفقًا لأحكام نظام المجالس البلدية ولوائحه في حدود اختصاص البلدية المكاني، ومدة ولاية المجلس أربع سنوات مالية تبدأ من تاريخ السنة المالية التي تلي تكوينه، وها نحن على مشارف نهاية السنة الخامسة من الدورة الثالثة التي مُدِّدت سنتين إضافيتين لتكون ستَ سنوات سبقها دورتان مدتهما عشر سنوات، لتكون مُدد ممارسة المجالس لمهامها تقارب الخمس عشرة سنة مضت، وسنة واحدة باقية، وثمة تساؤل يطرح نفسه: هل حقَّقت المجالس البلدية أهدافها التي أُنشئت من أجلها، وهل هناك منجزات ملموسة؟

يتبادر إلى الذهن عند ذِكْر المجالس البلدية ما يسبق انعقادها من تنافس بين المرشحين في الانتخابات في شتى مناطق المملكة وسط متابعة إعلامية وشعبية لافتة تعكس تفاعل المجتمع، وعادة ما يتقدم للترشُّح مَن يشعر بقدرته على المشاركة في تحسين الخدمات البلدية وإحداث التغيير، وإنْ كان بعضهم أثناء الحملات والبرامج الانتخابية يبالغ في الوعود بما يتجاوز سقف الصلاحيات أملًا في كسب الأصوات. أما حال المواطنين فيتأرجح بين فريق ينظر بسلبية وقناعة بعدم جدوى المجالس البلدية، وهم لا يهتمون ولا يشاركون في التصويت؛ وفريق آخر يطمعون أن تُحدِث المجالس البلدية قفزةً نوعية في الخدمات البلدية والرقابة عليها، ويتضح أن الفريق الأول هم الأغلبية لتدنِّي نسبة المصوِّتين من العدد الكلي الذين يحقُّ لهم التصويت.

وبطبيعة الحال، لا يمكن الحديث عن المجالس البلدية ومنجزاتها دون ذكر الأمانات والبلديات التي تعتبر من الجهات الأكثر تماسًّا مع السكان، ويقع على عاتقها توفير خدمات بلدية تُحسِّن من جودة الحياة وتسهم في أنسنة المدينة وترفع من مستوى البيئة المكانية، ويتطلب ذلك منظومةً إدارية وإجرائية محكمة بين المجالس البلدية والبلديات من جهة، والجهات المشاركة في إدارة المدينة كهيئات التطوير ومجالس المناطق والوزارات الخدمية من جهة أخرى.

ورغم التحديات التي عادةً تصاحب المدن المتسارعة النمو كما هو الحال في المدن الرئيسية في المملكة، والتي تتطلب تنسيقًا وتناغمًا مُحكَمًا بين الجهات التخطيطية والتشريعية والخدمية؛ فقد جاهدت البلديات ومُقدِّمو الخدمات للحاق بركب التسارُع وتقديم الخدمات الأساسية، فأحسنت تارةً في مراكز المدن والمناطق الحيوية، وأخفقت تارة في المناطق الشعبية وأطراف المدن.

وتبرز أهمية التخطيط بشكل عام وتخطيط المدن بشكل خاص عند مواجهة معوقات تحدُّ من تقديم الخدمات الأساسية لأجزاء من المدينة؛ مما  يستنزف الجهود والأموال ويضعها في غير مواقعها الصحيحة، وقد يُفرز حالات تبدو غريبة، والشواهد على ذلك كثيرة؛ ومنها أن هناك أحياء في مدينة الرياض مثل مخططات 2030، وأجزاء من مخططات عريض ونمار والمهدية جنوب الرياض، وتلك الأحياء اعتُمدت مخططاتها منذ عقود إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الخدمات الرئيسية أو بعضها كالكهرباء والماء وشبكات التصريف، وهي مناطق شبه مأهولة وتقع داخل النطاق العمراني، وربما يكون من أسباب هذا أن هناك جهات عديدة تتولى إدارة المدينة تفتقد أحيانًا للتنسيق فيما بينها؛ مما يؤدي إلى نشوء بيئة سكانية غير منظَّمة وتنمية مرتبكة ومربكة للسكان، وغني عن القول إدراك صعوبة التعامل مع قضايا مثل تلك من قِبل المجالس البلدية أو البلديات إنْ لم يكن هناك قرار سيادي لإدارة المدينة وإعادة ترتيب أولوياتها.

إنَّ المجالس البلدية قد تكون أداةً فاعلة في تحقيق التنمية ورفع مستوى جودة الحياة، وقد كفل لها النظام صلاحيات واسعة؛ ومنها سلطة الرقابة والإقرار بما يمكِّنها من المشاركة في القرارات الإستراتيجية المرتبطة بإدارة المدينة، ويمكن تشبيهها بمجلس إدارة يمارس دوره كأداة إشرافية ورقابية على الإدارة التنفيذية للبلدية، ولكن هل تستطيع المجالس لعب ذلك الدور بقدراتها وإمكانياتها الذاتية.

تعاني المجالس البلدية من افتقارها لجملة من الممكِّنات، ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن صلب النظام وروحه لم يُفعَّل لعدم وجود المجلس في الدورة المستندية والمسار الإجرائي للبلدية، ليتمكن من إقرار المشاريع والميزانيات والحساب الختامي فضلاً عن عدم استيعاب بعض قياديي البلديات لدور المجلس وصلاحياته، إضافةً إلى بعض التناقضات بين ما نصَّ عليه النظام والتطبيق الواقعي، فليس هناك استقلال مالي وإداري حقيقي، فرغم محدودية الميزانيات المرصودة للمجالس، فإن اعتماد صرفها لا يتم إلا بموافقة البلدية ومن خلال نظامها وإداراتها المالية، ولا شك أن ذلك يُمثِّل تعارُضًا في المصالح، ومخالفة لروح النظام الذي نصَّ صراحةً على أن المجالس ذات شخصية اعتبارية مستقلة، ولا يمكن أن يتحقق الاستقلال إلا بفصل ميزانية المجالس ونظام صرفها عن البلدية فصلاً تامًّا.

وربما تكون هناك بدائل أكثر عمليةً من تخصيص مبالغ ثابتة كميزانيات للمجالس البلدية تُصرف من خلال البلديات، وغالبًا لا تُلبي الحدود الدنيا للمصروفات في حال التزام المجالس بتنفيذ مهامها بكفاءة، حيث يمكن توفير موارد مالية ثابتة للمجالس تُحقِّق الديمومة، وتُمكِّنها من أداء أعمالها وممارسة مسؤولياتها وإعداد الخطط والبرامج التشغيلية. ومع إدراك صعوبة تقدير الموارد المالية اللازمة لكل مجلس لتفاوتها في الحجم والنطاق المكاني، فإنه من الممكن توفير الموارد المالية من خلال تحديد نسبة مئوية بسيطة وثابتة من إيرادات كل أمانة أو بلدية حسب نطاقها المكاني؛ وذلك سيُحفِّز المجالس على مراقبة استثمارات البلدية وتعظيم دخولها، والتماشي مع رؤى برنامج التحول الوطني في تحقيق الإيراد الذاتي للموارد المالية دون الاعتماد على الميزانية العامة للدولة.

ومن الملاحظ أيضًا أنه رغم أهمية وجود مقرَّات رسمية مناسبة تلبي الاحتياجات الأساسية للمجالس البلدية وما تحمله من رمزية لتكامل الأنظمة وتفعيل المشاركة المجتمعية في اتخاذ القرار فيما يخص الشأن البلدي، فإن بعض المجالس الكبرى كحال مجلس العاصمة الرياض، إذ إنه لا يملك مقرًّا ويشغل جزءًا من أحد مباني الأمانة، وهذا ما يكرِّس التبعية ويفرض واقعًا يحدُّ من قدرة المجالس على القيام بمهامها.

أما ما يخصُّ الاستقلالَ الإداري، فإنه يصطدم بغياب التنظيم والهيكلة الإدارية لموظفي أمانات المجالس البلدية مع قلة أعدادهم ومحدودية قدراتهم، فضلاً عن كونهم أصلاً من موظفي البلدية وعلى مَلاكها، ومن الطبيعي أن يتأثر عمل المجلس ويرتبك إذا لم يتوفر هيكل تنظيمي يتناسب مع مهام المجلس وكفاءات بشرية مختارة قادرة على تحقيق الخطط والبرامج والمبادرات.

إلا أنه من المؤكد أن المجالس البلدية منذ قيامها قبل خمسة عشر عامًا وحتى الآن، ورغم تفاوتها في الأداء بين منطقة وأخرى، فيُحسب لها قدرتها على العمل وفق الإمكانات المتاحة وفي حدود الأنظمة، ولا يخلو مجلس من منجزات ليس المجال هنا لذكرها، وقد يكون من أهمها أنها  أصبحت جسرًا للتواصل المباشر بين المسؤول والمواطن سواء خلال اللقاءات التي تنظِّمها المجالس مع المواطنين ويحضرها مسؤولو البلديات والجهات الخدمية أو من خلال الجولات الميدانية المباشرة على المناطق والأحياء السكنية، وترصد فيها ملاحظات السكان وشكاواهم، وهذا أحد برامج وأنشطة مجلس الرياض، الذي جاب خلال السنتين الماضيتين في  برنامج الجولات الميدانية ما يزيد عن 1000 كم في أحياء الرياض، استغرقت أكثر من 80 ساعة، وشارك فيها 242 مسؤولًا، والتقى خلالها عددًا كبيرًا من المواطنين، ووقف على الجوانب الإيجابية ومكامن الضعف في الأداء البلدي، ولا أرى جهة أخرى غير المجالس البلدية من الممكن أن تقوم بدور تنسيقي يجمع بين مُقدِّم الخدمة والمستفيد، وتقف ميدانيًّا على المواقع، وتضع المواطن وجهًا لوجه مع المسؤول.

مما تقدَّم يتضح أنه رغم كثرة العقبات والمعوقات، فإنه يمكن للمجالس البلدية أن تلعب دورًا محوريًّا في تحقيق رؤية المملكة 2030 وبرنامجها الطموح لتحسين جودة الحياة، وقد كفل لها النظام صلاحيات واسعة، ويلزم لتفعيلها إرادة ودعم رسمي؛ لتُحقِّق التكاملَ مع الجهات الأخرى، وتتمكن من المشاركة في التنمية كإحدى الأدوات الفعَّالة لتطبيق الحوكمة على أداء الأمانات والبلديات.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. مرام الحربي

تعَدُّ المجالس البلدية شريكًا مهمًّا في العملية التنموية، وخدمة المجتمع المحلي، وصولًا إلى تحقيق رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى تحسين المشهد الحضري، وتحقيق مفهوم جودة الحياة؛ لرفع مؤشرات قابلية العيش من البنية التحتية والنقل والإسكان…، وتوفير نمط الحياة لرفع مؤشرات الرياضة، والتراث والثقافة، والترفيه والترويح، والمشاركة المجتمعية. وقد تضمنت مرتكزات إستراتيجية جودة الحياة مرتكزات تدعم قابلية العيش (تطوير المدن، تأمين الخدمات، تعزيز التفاعل الاجتماعي)، ومرتكزات تدعم نمط الحياة (تطوير المرافق، توفير الخيارات لنمط الحياة، تحفيز الناس على التفاعل وضمان المشاركة).

ومن خلال صلاحيات المجلس البلدي الُمقَرَّة من خلال نظام المجالس البلدية، والتي تتركز في سلطة التقرير والمراقبة؛ بإقرار الخطط والبرامج البلدية بتنفيذ المشروعات البلدية المعتمدة بالميزانية، وتنفيذ مشروعات التشغيل والصيانة، وتنفيذ المشروعات التطويرية والاستثمارية، وبرامج الخدمات البلدية ومشروعاتها، وكذلك إقرار ميزانية البلدية، وإقرار الحساب الختامي.

وتمارس المجالس البلدية سلطتها الرقابية على أداء البلدية وعلى ما تقدِّمه من خدمات؛ وذلك من خلال الوسائل الآتية: التقارير الدورية التي تُقدِّمها البلدية عن أعمالها، تقارير سير المشروعات التي تُنفَّذ، تقارير سير المشروعات، تقارير تحصيل الإيرادات البلدية، تقارير الاستثمارات البلدية، ما يرد للمجلس من شكاوى في شأن أيٍّ من الخدمات البلدية، تقارير الزيارات التي تقوم بها اللجان المختصة، مراجعة إجراءات تقسيم الأراضي وإجراءات مَنْح الأراضي السكنية للتأكد من سلامة الإجراءات.

في ظلِّ هذه الصلاحيات، يتطلع المجتمع لقيام هذه المجالس بأدوار مؤثرة لتحقيق أهداف جودة الحياة. لكن لا شك أن هناك ما يحول دون الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف والتطلعات، ولقد جاء في التقرير السنوي للمجالس البلدية 2019، ومنها: نقص الوظائف المساندة لأعمال المجالس، وضعف التكامل بين المجلس والبلدية كسلطة للتقرير والمراقبة وسلطة التنفيذ لأمناء الأمانات ورؤساء البلديات، وضعف أداء بعض الأعضاء لممارسة اختصاصاتهم.

ولا شك أن انتخابات المجالس البلدية تسهم في رفع الوعي الانتخابي كممارسة ديمقراطية فيما تُمثِّله الديمقراطية من حق في حرية الاختيار ومنح الأصوات. ويعقد الناخبون آمالاً وتطلعات لدور المجالس.

تعَدُّ قضية التنمية من أهم قضايا عصرنا الحالي في ظل رؤية 2030، ولعل تنمية العقول ورأس المال البشري لإدارة التنمية للتغلب على التحديات التي تواجه الأمانات والبلديات هي الهدف الأسمى المنشود. فالتنمية المحلية تحتاج إلى تكثيف الجهود من قِبل الكفاءات المحلية، لتجعل من أفراد المجتمع المنطلقَ الأساسي لعملها التنموي من خلال تفاعلهم المجتمعي في إنعاش المبادرات التنموية، بحيث توظف تلك القدرات المحلية كمصادر بيئية أو بشرية، وزيادة تطويعها بما يعود بمنفعة على جميع أفراد المجتمع وتوجيه الحراك الاجتماعي نحو التنمية المستدامة.

ولكي يتحقق التغيير المنشود نحو الأفضل لا بد من توطيد الروابط الاجتماعية، وإشراك المواطنين على أوسع نطاق في صناعة القرار والتنفيذ لمعالجة قضاياهم؛ للوصول لعيش كريم في ظل رفع كفاءات وحسن أداء المجالس البلدية بتفاعل اجتماعي.

  • التعقيب الثاني: أ. هدى الجريسي (ضيفة الملتقى)

حدَّد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اثني عشر برنامجًا ذا أهمية إستراتيجية للمملكة؛ من أجل تحقيق الأهداف التي تضمنتها رؤية 2030، ومن بين هذه البرامج الاثني عشر برنامج جودة الحياة 2020، الذي يُركِّز بشكل أساسي على جَعْل المملكة أفضل وجهة للعيش للمواطنين والمقيمين على حد سواء. ويُعنَى برنامج تحقيق الرؤية – على وجه التحديد – بالجانبين التاليين:

  • تطوير نمط حياة الفرد: عبر وَضْع منظومة بيئية تدعم وتُسهِم في توفير خيارات جديدة تُعزِّز مشاركة المواطنين والمقيمين في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية.
  • تحسين جودة الحياة: تطوير أنشطة ملائمة تسهم في تعزيز جودة حياة الأفراد والعائلات، وخلق فرص العمل وتنويع الاقتصاد، بالإضافة إلى رفع مستوى مدن المملكة لتتبوأ مكانة متقدمة بين أفضل المدن في العالم.

وهنا تكمن أهمية توافق البرامج المعتمدة من قِبل المجالس البلدية ومنجزاتها مع برنامج جودة الحياة 2020؛ لذلك على المجالس البلدية رَصْد ومتابعة أداء البلديات الفرعية والإدارات العامة، والتأكد من جودته، مثل: التصميم الحضري والخدمات المستدامة والبنية التحتية للتمكين، وتقديم برامج الترفيه والثقافة والفنون والرياضة والترويح، وأيضًا التأكد من تحقيق مؤشرات الأداء الموضوعة بالتواريخ المجدولة وحسب المعايير المعتمدة لجميع البرامج لتأمين جودة حياة رفيعة لكل سكان المملكة، ومنها زيادة عدد الحدائق والمساحات الخضراء (9 أمتار مربعة للفرد)، خدمات بلدية شاملة ومستدامة، جَمْع النُّفايات ومخلفات البناء والتخلص منها بكفاءة، النقل العام الآمن وبجودة عالية (خدمة المترو ونظام النقل بالحافلات)، أرصفة الشوارع وجَعْلها آمنةً للمشي، وَضْع الأنظمة والتشريعات لتسهيل الإجراءات وسرعة الحصول على التراخيص، ودعم حركة الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن… لتحقيق المستوى المنشود لقابلية العيش ونمط حياة متميز، بهدف الرفع من مراتب المملكة لتصل بين أول 5% من أفضل البلدان عيشًا في العالم.

ولا بد أن يعمل جميع أعضاء المجالس البلدية وليس فقط المنتخبين لتحقيق أهداف رؤية 2030، والمشاركة في برامج المجلس واتخاذ القرارات المتعلقة بتحديث البنية التحتية الحالية وتطوير بنى جديدة، وتوفير الخدمات كمًّا وجودةً وإمكانية الحصول عليها.

والتحدي لدى المجالس البلدية هو الحصول على ما كفَله لها النظام من الاستقلالية الإدارية والمالية مع بقائها تحت إمرة الأمانات، مثل: الرد على الخطابات وفي الموعد، والحصول على التقارير والخُطط لاعتمادها، والاعتمادات المالية، وتوفير الكوادر الوظيفية المؤهلة… مما قد تتعطل بسبب تضارب المصالح، ويتأخر التجاوب مع المخاطبات في حال عدم رضا بعض منسوبي الأمانة.

ومن التحديات الأخرى أن قدرات الأعضاء متفاوتة؛ فالبعض ليس عنده الكفاءة الكافية للمساهمة بشكل فعَّال في تنفيذ البرامج التي تضعها اللجان، وفي كثير من الأحيان يعطِّلها. وللأسف، الأعضاء المُعيَّنون لا يغطون هذا النقص، وهم في الأغلب من أقل الأعضاء إنجازًا في المجالس البلدية، وفي المقابل ميزانية المجالس البلدية لا تكفي للتعويض بمساهمة المستشارين وإعداد الدراسات.

ومن المهم جدًّا توفير مَقرٍّ خاص بالمجالس البلدية خاصة في المدن الرئيسية، فعدم وجود مقر للمجلس البلدي لمنطقة الرياض يؤثر على أدائه سلبًا، وجوده في الإدارة العامة للنظافة والنقل للعضوات عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة لعدم توفُّر المساحات الكافية في مقر الرجال، وعدم القدرة على توفير الحد الأدنى من المرافق لهن مثل دورات المياه.

ومن التحديات التي تعاني منها مجالس البلدية عدم كفاءة معظم العاملين لديها في أمانة المجلس، والذين يتم توفيرهم عن طريق أمانات المناطق، فهم بحاجة إلى تدريب عالٍ ومتخصِّص لدعم ومتابعة تنفيذ برامج المجالس البلدية.

والمجالس البلدية بحاجة ماسَّة لدعم معالي وزير الشؤون البلدية والقروية عن طريق أمانة المجالس، خاصة عندما يعاني من عدم تجاوب بعض وكالات الأمانات والإدارات العامة والبلديات الفرعية، وكثير من الأحيان بسبب جهلهم بنظام المجالس البلدية وصلاحياتها.. فهذا الدعم غير متوفر للأسف، مما يؤدي إلى التمادي في عدم الرد على خطابات المجالس البلدية وتوفير الطلبات حسب النظام وضمن الصلاحيات المعطاة لها.

وتعاني أيضًا بعضُ المجالس البلدية مثل المجلس البلدي لمنطقة الرياض من تعدُّد الجهات (مثل، الهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض، أمانة منطقة الرياض). والمجلس البلدي ليس من صلاحياته متابعة ما تقوم به الهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض؛ لذا فهو يعاني من عدم التجاوب مع طلبات التعرف على أعمال الهيئة والتنسيق معها للبرامج التي يكون التخطيط من قِبل الهيئة والتنفيذ من قِبل الأمانة.

لذلك، فإن التنسيق بين الجهات المعنية مهمٌّ جدًّا، إذ يساعد على التخطيط السليم والتنفيذ الصحيح وبجودة عالية ترضي السكان، وترفع من مستوى قابلية العيش ونمط الحياة، والشواهد المذكورة في الورقة الرئيسة تؤكد على الإخفاق في التخطيط والتنفيذ، والمضرة وقعت على المواطنين وغير المواطنين، وأثرت على مرتبة العاصمة الرياض سلبًا ضمن عواصم بلدان العالم.

وتخصيص المشاريع سيساعد على سرعة تخطي الاحتياجات، مثل تطوير البنية التحتية وتوفير المرافق العامة والخدمات من حيث التخطيط لها وتنفيذها بجودة عالية وفق المعايير المطلوبة تحت رقابة مستمرة وفاعلة من قِبل الجهات المعنية؛ مما سيُسرِّع من تحقيق برنامج جودة الحياة 2020 ورؤية المملكة 2030.

ويمكن تلخيص التوصيات في أهمية تحقيق الاستقلالية الإدارية والمالية للمجالس البلدية؛ بأن تحصل على احتياجاتها الإدارية والمالية من أمانة المجالس البلدية، ورفع ميزانيتها لتكون أداةً فاعلة في تحقيق التنمية ورفع مستوى جودة الحياة.

والتوصية المقترحة في الورقة الرئيسة مناسبة جدًّا، وستساعد في الرفع من مستوى أداء مجالس البلديات، وتفعيل التنفيذ المقنن لخططها السنوية وبرامج اللجان، وتمكنها من الرقابة والإقرار حسب النظام والمشاركة في القرارات الإستراتيجية المرتبطة بإدارة المدينة.

  • المداخلات حول القضية:
  • واقع مساهمة المجالس البلدية في برامج جودة الحياة:

أشارت أ. د. مجيدة الناجم إلى أن موضوع مساهمة المجالس البلدية في برامج جودة الحياة ذو أهمية، خصوصًا في إطار التحول الذي نعيشه منذ انطلاق رؤية المملكة ٢٠٣٠ بهدف إحداث نقلة نوعية في جميع المجالات، وعلى جميع الأصعدة، والعمل ضمن منظومة ووفق مستهدفات ومؤشرات عالمية، والتنافس على مراكز متقدمة، وفعلاً هذا الحراك أتى بثماره في قطاعات متنوعة، وتأتي جودة حياة المدن على قائمة الأولويات التي يتم العمل على تحقيقها، ومنها أنسنة المدن وإنشاء الهيئات الملكية لتطوير العديد من المدن، والعمل على إعادة إعمار وإحياء المناطق الأثرية في المدن الرئيسة، والتساؤل: ما هو دور المجالس البلدية في هذه الخطوات والبرامج والمشاريع؟ وإذا لم يكن هناك دور واضح، ما هي الرؤية المستقبلية لدمجها في الحراك؟ فهي تمثِّل جانب المجتمع المدني في هذا الحراك الكبير، ويُنتظَر منها مبادرات تعكس المزاج الشعبي فيما يطمح له من مظاهرَ ومعانٍ لجودة الحياة التي تأخذ شقين: أحدهما موضوعي، والذي تحكمه المؤشرات والمعايير العالمية، وهذا الذي يتم العمل عليه؛ وهناك جانب ذاتي أو (كيفي)، ويُمثِّل توقعات الناس حول ماهية جودة الحياة، والتي تُقاس بالرفاهية العامة والرضا عن الحياة والسعادة الشخصية. إنَّ هذا الجانب من جودة الحياة هو المدخل الذي يمكن للمجالس البلدية أن تتبنَّاه؛ لأنه مرتبط مباشرةً بالأفراد ورضاهم وسعادتهم، وحتى نُحقِّق مستويات عالية من جودة الحياة في المدن لا بد أن تتكامل هذه الجوانب وتؤخذ في الاعتبار، بحيث تكون كلُّ منطقة بل كل مدينة لها روحها الخاصة التي تميزها وتعكس اهتمامات سكانها.

وأوضح د. حامد الشراري أن المجالس الرئيسة في المملكة هي: مجلس الشورى، ومجالس المناطق، والمجالس البلدية، إضافةً إلى المجالس المحلية، وهناك مجالس شباب المناطق، واللجان الشبابية لكل محافظة والتي تتبع مجلس الشباب بالمنطقة. والمجالس المحلية تتبع مجالس المناطق، ويتم إنشاؤها بكل محافظة، وتعمل كرافد لمجالس المناطق في دراسة واقتراح احتياجات المحافظات والمراكز التابعة لها من المشاريع واقتراح الأولويات ومتابعة التنفيذ. والتساؤل المهم هنا: هل هناك علاقة أو آلية عمل بين هذه المجالس والمجالس البلدية؟

وذكر د. محمد الثقفي أنه وبشكل مباشر هناك مفاهيم عديدة مترابطة فيما بينها وبين موضوع القضية؛ فهناك التنمية المستدامة ولها أهدافها الأممية الـ (١٧)، وهناك جودة الحياة، الذي اعتُمد كأحد برامج الرؤية ٢٠٣٠، وفي التنظيم المؤسسي محليًّا تأتي المجالس البلدية.

ومن جانبه ذكر م. عبد الله العمران أن برنامج جودة الحياة والتنمية المستدامة يحتاج إلى خطة إستراتيجية شاملة تتضمن أنظمةً وتشريعات قادرة على تحقيق التقدُّم في هذين المجالين، والتصوُّر أن هناك بوادر مشجعة؛ فوجود مصطلح جودة الحياة ضمن برامج الرؤية في حد ذاته يعتبر نقلةً نوعيةً، خصوصًا أن هناك مراكز لتحقيق الرؤية في كل جهة حكومية تعمل وفق معايير ومؤشرات أداء. أما دور المجالس البلدية فيرتكز على أداء دورها في إقرار المشاريع المرتبطة بتحقيق الرؤية، ومنها على سبيل المثال مشاريع أنسنة المدن.

وطرحت د. عائشة الأحمدي تساؤلًا مؤدَّاه: ما الدور الحقيقي لمجالس البلديات، وما طبيعة الأبعاد التراثية والثقافية في إطار هذا الدور، وكذلك ما دورها في تقوية العلاقات الاجتماعية والإنسانية وتقليص المشكلات البيئية والاقتصادية لقاطني تلك المدن، وتفعيل الاتصال وآليات الحوار مع السكان، والاستفادة من المرافق البلدية الممثَّلة في الحدائق والمتنزهات؟

وفي هذا الإطار، يرى م. عبد الله العمران أن الدور الحقيقي للمجالس البلدية هو تمثيل المواطن وإشراكه في مركز اتخاذ القرار في الخدمات البلدية التي تُقدَّم له، ويتفاوت التقييم من منطقة لأخرى؛ إذ من الممكن أن يُحقِّق مجلس في بلدة صغيرة منجزات ملموسة لقاطنيها مثل تحسُّن خدمات النظافة أو تحقيق مبادرة مجتمعية، وفي المقابل قد لا تكون النتائج ملموسةً في المدن الرئيسية رغم العمل الجاد للمجالس. أما موضوع الحفاظ على البيئة والحد من المشكلات البيئية، فإن المجالس من أكثر الجهات متابعةً لالتزام البلديات بالضوابط البيئية؛ ففي مجلس الرياض مثلاً، هناك بند ثابت في أي اجتماع مع قياديي الأمانة عن المظاهر السلبية في مكبَّات النُّفايات والمصانع التي تُسبِّب التلوث وتؤثر على صحة السكان، وضرورة نَقْلها إلى خارج المدينة.

ويمكن الإشارة فيما يلي كمثال لأبرز مبادرات المجلس البلدي لأمانة منطقة الرياض لعام 2019-2020م (*)

 وتساءل أ. فهد الأحمري: ماذا ينتظر المواطن من المجلس البلدي في منطقته، وهل هناك مؤشر أو استطلاع عن رضا المستفيدين من المجالس الموقرة؟ وماذا عن المواءمة بين المجلسين المحلي والبلدي، وذلك لتشابه أعمالهما، وكذلك لتوفير الجهد والمال والخدمات والمصروفات فضلاً عن القوة المكتسبة في حال الدمج؟

وأكَّد م. عبد الله العمران على أن رضا المستفيدين أحد مستهدفات برامج تحقيق الرؤية في وزارة الشؤون البلدية والقروية، والمجالس البلدية من المفترض أن تُسهِم في رَفْع مؤشر الرضا. أما ما يخصُّ المواءمة والتنسيق بين كلٍّ من المجلس المحلي أو مجلس المنطقة والمجلس البلدي فهو مطلبٌ نتمنى تحقيقه.

وأضافت د. عائشة الأحمدي أن جزءًا من دور المجالس البلدية ذو طبيعة اجتماعية ثقافية، ومن ثَمَّ يكون التساؤل المُلِح: أين دور المجالس البلدية في الإثراء الثقافي؟ أين دورها الاجتماعي في إحياء المناسبات الوطنية والمشاركة المجتمعية للطبقات على اختلاف مستوياتهم؟ جزء من دورها هو دراسة المشكلات الاجتماعية في المنطقة، ووضع الآليات والحلول، والمشاركة في رَفْع الوعي المجتمعي في قضايا مجتمعية خطيرة. إن الدور البارز لمجالس البلديات هو دور مُصغَّر للأمانات، وهذا غياب في المنظور الواسع لدور المجالس البلدية، كنَّا ننتظر من المجالس البلدية دعم الصالونات الثقافية، وتغذية المشاركات المجتمعية، وليس الاقتصار على الدور الرقابي للبلديات رغم أهمية هذا الدور.

وذكرت أ. هدى الجريسى أن دور المجالس البلدية مرتبط بالنطاق والصلاحيات، ويعتمد على دور ومهام كل أمانة والبلديات والإدارات العامة والبلديات الفرعية. أما الجانب الترفيهي فقد انتقل إلى الهيئة العامة للترفيه، والثقافي انتقل لوزارة الثقافة. ومن الأمور التي يتم التركيز عليها كثيرًا هي التواصل المباشر مع المواطنين عن طريق الجولات الميدانية التي يقوم بها أعضاء المجلس البلدي، ولقاء المواطنين الذي يُعقد في المناطق المختلفة، ويتم خلاله حصر التحديات والعمل على تذليلها، والتنسيق مع الجهات الخدمية الأخرى، مثل: شركة الكهرباء، وشركة المياه، والنقل والاتصالات والمرور.

وأشارت د. هند الخليفة إلى أن موضوع المجالس البلدية وتحقيق جودة الحياة موضوع حيوي ومهم، وذو علاقة بالتنمية المستدامة، وبالشراكة بين القطاع الحكومي ومنظمات المجتمع المدني، وبالإنسان الذي هو محور وهدف وأداة تحقيق التنمية والتكامل والرفاه. وأنسنة المدن – من وجهة نظرها – تقع في قلب عمل المجالس البلدية، والتي بدورها بحاجة إلى الإدارة المرنة والمستقلة والمتكاملة مع القطاع الحكومي. التخطيط من أجل الإنسان ورفاهه لا بد أن يتكامل العمل فيه من أجل الوصول إلى الأهداف المنشودة في رؤية ٢٠٣٠. وهنا يُطرح سؤال: ما معوقات تفعيل دور المجالس البلدية في أنسنة المدن؟ لا بد أن يتم تناول هذا السؤال بشفافية، والتعامل مع الحلول بمرونة ومنهجية تحفظ حقَّ الإنسان في الشراكة وجودة الحياة. ومن أبسط الأمور التي تؤثر على حياة المواطن في الحاضر والمستقبل، إدارة وإعادة تدوير المواد الاستهلاكية، لماذا إلى اليوم لم يتم اعتمادها في الأحياء والمنازل والأماكن العامة؟ ولِنَقس على ذلك أمورًا أخرى على مستويات مختلفة. كما أن من القضايا التي تستحق الاهتمام: دور المرأة في المجالس البلدية ومدى فعاليته، وإجراءات الانتخابات، وحيوية البرامج الانتخابية ومدى تحويلها إلى واقع، وهل المجالس البلدية لا تزال تُمثِّل إجراءً منبريًّا لا يخدم الواقع ولا يسهم في تحقيق جودة الحياة؟

ويرى د. مساعد المحيا أن هناك تراجعًا كبيرًا في مهام ووظائف أعضاء المجالس الانتخابية. لقد كان الكثيرون يأملون أن يتطور أداء الأعضاء على نحو يجعل المسؤول يمنحهم صلاحيات أكبر لمصلحة المدن وأنسنتها وجودة الحياة، لكن تأخير الانتخابات الحالية جعل الشعور يزداد بأنها تجربة ربما يُعاد النظر فيها على نحو عام.

  • التحديات التي تواجه المجالس البلدية:

ذهبت أ. فائزة العجروش إلى أنه يُستدَلُّ من الورقة الرئيسة والتعقيبين عليها والتي هدفت جميعُها إلى تطوير كفاءة أداء المجالس البلدية، بما ينعكس على تطوير العمل البلدي، وكذلك فعالية النظام المعمول به ولوائحه التنظيمية، والتكامل بين المجالس والسلطة التنفيذية في الأمانات والبلديات؛ أن من أهم الصعوبات والتحديات التي تواجهها المجالس البلدية: عدم وضوح بنود الصرف في الميزانية المالية الحديثة، إضافةً إلى أنه ليس لديها الاستقلالية التامة ماليًّا وإداريًّا. إن من أهم التحديات التي تواجه المجلس كذلك هو ضعف الميزانية مقارنةً بالتطورات المخطَّط تنفيذُها، وكذلك لطابع بعض المناطق الجغرافية الصعبة، وعدم إشراك المجالس في التخطيط، والوقت الطويل في بعض الإجراءات حتى يتم إقرار المشاريع. ويُضاف كذلك أنه من أهم الصعوبات التي تواجه المجالس: ضعف بند نزع الملكيات، ووجود إشكاليات نزعها للممتلكات الخاصة؛ الأمر الذي قد يُسبِّب تعثُّرًا في الكثير من الخُطط التطويرية، وغياب التنسيق بين الجهات الحكومية المُنفِّذة للمشاريع. والمعروف أن فئة البلدية (د) أو (هـ) تسبب في قلة الاعتمادات من وزارة المالية، كونها أقل فئة في تصنيف البلديات، رغم أنها تخدم مراكز إدارة وتوابعها من الهجر والقرى المجاورة، والميزانيات المعتمدة لها لا تفي بمتطلبات الخدمات للمراكز والقرى التابعة لها.

وتطرَّق د. خالد بن دهيش إلى موضوع المعاناة مع الجهات العليا المُوكَل لها رسميًّا موضوع جودة الحياة، فمثلًا الهيئة الملكية لتطوير الرياض – والتي يرأس مجلس إدارتها سمو ولي العهد – تعمل على مستوى عالٍ من المهنية لتطوير أحياء وشوارع قائمة وتحويلها إلى أحياء وشوارع على أرقى المستويات الدولية، وتتفق مع متطلبات جودة الحياة لمدينة الرياض. ومن خلال متابعة لمشاريعها هناك، تمَّ وضع كود بناء لإحياء وتطوير وادي حنيفة وتطوير أحياء شمال الرياض وطريق الأمير محمد بن سلمان ومشروع الرياض الخضراء وفكرة توسعة حي السفارات على حساب أحياء قائمة. والسؤال أين المجلس البلدي من هذه المشروعات؟ وهل أسهم في نَقْل تطلعات المواطن إلى الهيئة الملكية؟

وأوضحت أ. هدى الجريسي ردًّا على السؤال الأخير، أن المجلس البلدي بالرياض يتابع مشروعات الهيئة عن بُعد دون القدرة على المشاركة بالمرئيات والمقترحات التي تُمثِّل المواطن، كما أنه قد سبق المشاركة بالحضور عند عرض إستراتيجية الهيئة الملكية.

وبدوره ذكر م. عبد الله العمران أن سلطة المجلس البلدي حسب النظام تنحصر فيما تُقدِّمه البلديات من خدمات وإنْ كان هناك تنسيق مع هيئات التطوير، فإنه لا يرتقي إلى المشاركة في اتخاذ القرار.

في حين يرى د. حامد الشراري أنه يبدو أن هناك معضلتين رئيستين تواجهان المجالس البلدية، وهما:

  • تفعيل نظام المجالس البلدية: بالنسبة للنظام فهو مُحكم بشكل كبير حيث إنَّ أعضاء مجلس الشورى واللجنة المختصة برئاسة معالي م. محمد القويحص درسوه وراجعوه بعناية، وأضافوا وعدَّلوا عليه مستفيدين من تجربة المجالس البلدية السابقة والمجالس المماثلة في الدول المجاورة.
  • عدم تخصيص ميزانية منفصلة وكافية للمجالس البلدية: هي معضلة مقدور على حلها، وحلُّها مرتبط بتفعيل النظام. قد تكون أيضًا مرتبطةً بنضوج الفكر الإداري لقيادة تلك المجالس.

وترى د. عبير برهمين من واقع تجربتها كعضو مجلس بلدي في أمانة مكة المكرمة أن مساهمات المجالس البلدية في جودة الحياة متواضعة جدًّا في الوقت الحالي إنْ لم تكن معدومةً في بعض المجالس؛ لأنها مُحدَّدة بنطاق عمل وصلاحيات الأمانات والبلديات التابعة لها، ولأن صلاحيات المجالس هي فقط المراقبة والإقرار، ولكن أيضًا ضمن نطاق عمل وصلاحيات الأمانات والبلديات التابعة لها؛ أي أن عمل المجالس يعتبر في مجمله حلقةَ وصل بين المواطنين والمقيمين والأمانات دون صلاحيات أو سلطة تنفيذية، وهو ما أفقد المجالس البلدية الكثير مما يتطلع له المواطن والمقيم من خدمات. ودون مبالغة، فإن السبب في عزوف كثير من الناخبين عن الانتخابات البلدية ما أصاب الأهالي من إحباط من دور المجلس البلدي المأمول. والواقع أن محدودية تأثير المجالس ودورها بشكل عام، وفي تحقيق جودة الحياة على التحديد؛ يرجع إلى تواضع إمكانات بعض أعضاء المجالس البلدية من منتخبين ومعينين (وبالمناسبة، لا يوجد فَرق بين العضو المنتخب أو المعين في دوره أو صلاحياته سوى طريقة وصوله للمجلس، هل هو عن طريق صندوق الانتخاب أو باختيار مجلس الخبراء). وللأسف، فإن بعض شروط الترشُّح متواضعة جدًّا، فهي تتطلب الثانوية العامة كمؤهل وسن ٢٥ سنة، مما يخلق بونًا شاسعًا في الخلفية الفكرية والتعليمية ينعكس سلبًا على تناغُم عمل أفراد المجلس. إضافةً إلى أن سن ٢٥ سنة غالبًا لا يعكس حجم الخبرة الحياتية.

  • آليات تمكين المجالس البلدية للاضطلاع بأدوارها المتوقعة:

أكد د. عبد الإله الصالح على أن هناك عملًا حقيقيًّا في كواليس المُشرِّع في وزارة البلديات، للاستفادة من تجارب الدورات الماضية للمجالس البلدية، والارتفاع بها في الدورات القادمة لمستوى يليق بنظامها. وما تضمنته الورقة الرئيسة والتعقيبان عليها يُعطي إضاءةً رشيدةً للاتجاهات التي قد يكون المُشرِّع يفكِّر بها.

ومن وجهة نظر أ. فائزة العجروش، تتطلب التحديات التي تواجه المجالس البلدية من أجل تمكينها من الاضطلاع بأدوارها المتوقعة، ما يلي:

  • وجود جهاز إداري ذي خبرة وكفاءة، يعتمد في عمله على التقنيات الحديثة والمعلومات؛ إذ إن هذه التقنيات الرقمية تساعد في تبسيط وتسريع الإجراءات، كما تساعد البلدية على الإلمام بالواقع الديمغرافي والاجتماعي والثقافي والبيئي والاقتصادي للنطاق البلدي مما يُسهِّل بالتالي عملية التخطيط للمستقبل.
  • بما أن الآلية المعمول بها حاليًّا لاختيار المرشحين والمعينين للمجالس غير مجدية، حيث لا تعطي المجالس قوةً فنية تُحقِّق رغبة المجتمع، فضلاً عن كونها تؤثر سلبيًّا على مستوى أدائها؛ لذا من الأهمية إعادة النظر في الآلية المعمول بها حاليًّا لاختيار المرشحين من المنتخبين والمعينين للمجالس، والحرص على نزاهة العملية الانتخابية؛ فالانتخابات التي تأتي بأعضاء غير فاعلين أو مؤهلين بما يُناط بهم من مسؤوليات تستلزم إعادتها وتعيين مَن يرونه قادرًا على أن ينسجم مع متطلبات العمل في هذه المجالس ومهماتها ومسؤولياتها، وما يؤول إليها من أعمال رقابية وإشرافية. ومن المناسب وَضْع نسبة معينة للتصويت للمنتخبين، والنسبة الأخرى للملف المصاحب المتضمِّن السيرة الذاتية وملاءمتها لأعمال المجالس، إضافةً إلى الحرص على التنوع والتوازن في التخصصات للمعينين.
  • سنُّ آلية واضحة وصريحة لمحاسبة مَن تعثَّر من المقاولين في تنفيذ المشاريع، وإيجاد حلول ناجعة للحدِّ من التعثُّر.
  • التوسُّع في صلاحيات المجالس بما يخدم الصالح العام، وعَقْد اجتماع نصف سنوي لرؤساء المجالس بالأمانات للنقاش حول أداء المجالس، والرفع بالتوصيات لأمانة المجالس.
  • إعادة ترتيب الكوادر البشرية في المجالس بما يتواءم والمعطيات الجديدة لتحقيق مشاريع رؤية ٢٠٣٠، هذا إلى جانب التأكُّد من مدى مناسبة العدد الحالي لأعضاء المجالس البلدية ووجود الخبرة الكافية لديهم.
  • من المهم ترقية بعض المجالس لفئة أعلى توازي حجم المنطقة وطبيعتها الجغرافية وخشونة تضاريسها ووعورة طرقها. والبحث عن حلول لعزوف المستثمرين والشركات عن المشاريع المطروحة للاستثمار. ومن المناسب أيضًا تعزيز أسطول النقل التابع لتلك المجالس.

وفي تصوُّر د. مها العيدان، فإنه آنَ الأوان للخروج من الطرح النظري للتعامل مع المشكلات التي تعيق عمل المجالس البلدية. لذا، لا بد من إعادة كيفية تشكيل المجالس وتحديد الصلاحيات والقوانين التي لا تتضارب مع الجهات الأخرى، بل تكون مكملةً لتحقيق أعلى مستوى من الجودة في العمل، لينعكس ذلك على جودة الحياة. ولعل من المناسب أن تُعاد تركيبة المجالس البلدية بحيث تتكون المجالس من أفراد الحي ومن خلال إقامة مركز ثقافي يضمُّ كافة احتياجات كل حي، بحيث يضمُّ المركز مسجدًا ومكتبةً صغيرةً وبعضَ الألعاب التي لا تحتاج مساحات كبيرة… إلخ؛ مما يجعل من هذا المركز صوتًا لطرح مشكلات الحي، ومع تضافر الجهود يمكن الوصول إلى تحقيق درجة من جودة الحياة على نطاق الحي ومن خلال وجهة نظر سكانه.

ويرى م. فاضل القرني أن الإطار العام المؤثر في عمل المجالس البلدية هو الاستيعاب المجتمعي وثقافته في مفهوم المشاركة والمسؤولية والالتزام. الرغبات متوفرة ولكن الإرادة الباعثة للعمل هي من الطرفين الحكومة والمجتمع.  والحكومة من رحم المجتمع بالرغم من أن توجُّه الدولة كان تكوين مجالس تشارك في التنمية.

واقترح أ. جمال ملائكة أن تكون نصف المجالس البلدية من فئة الشابات والشابات مناصفةً، بالنظر لاعتبارات منها:

  • أن غالبية مواطني المملكة هم من الشباب.
  • كثير من الشباب حصل على تأهيل جامعي من خارج المملكة مما مكَّنه من الاطلاع على تجارب دول مختلفة في مجال الشؤون البلدية.
  • انفتاح الشباب الواسع على العالم من خلال الإنترنت ووسائل التواصل.
  • الحاجة إلى تمكين الشباب من شَغْل أدوار قيادية في المستقبل.

واهتم م. خالد العثمان بإعادة النظر في منظومة المجالس كافة ضمن مراجعة شاملة تستهدف تمكين الإدارة المحلية، ورَفْع كفاءة المشاركة الشعبية في التنمية.

ويرى أ. لاحم الناصر وجوب فصل المجلس البلدي عن وزارة الشؤون البلدية، وأن يكون مرجعية للحاكم الإداري للمنطقة؛ لأن المجلس جزء من وظيفته الإشراف والمراقبة على بعض أعمال الوزارة، ولذا لا بد أن يتمتع بالاستقلالية عن الوزارة، كما أن الأعضاء المعينين يجب أن يُعينهم الحاكم الإداري.

  • التوصيات:
  • تمكين المجالس البلدية من ممارسة مهامها في الرقابة والإقرار؛ بإدراج الإجراء ضمن الدورة المستندية للبلديات، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بإجراءات عمل قياسية وموحَّدة (SOPs) تُحدِّد العلاقة ومصفوفة الصلاحيات بين الطرفين.
  • تفعيل النظام وتحقيق الاستقلال المالي وتوفير الممكنات؛ بإنشاء إدارات مالية ضمن أمانات المجالس (الإدارة التنفيذية) مع إقرار لائحة مالية تُحدِّد أبوابَ الصرف والإيراد والصلاحية. مع النظر في اقتطاع نسبة من إيرادات البلدية لتحقيق الديمومة في الموارد المالية.
  • تشكيل أمانات المجالس ووَضْع هياكل تنظيمية مع لائحة داخلية تُنظِّم العمل الإداري، وتُحدِّد المهام والصلاحيات لمنسوبي أمانة المجالس.
  • مراعاة العمر والجنس في تشكيلة المجلس والأجهزة التابعة له في الاختيار والترشيح والتعيين، بحيث تعكس الحقائق الديموغرافية في المدينة.
  • إعادة تقييم اللوائح المنظِّمة لعمل المجالس البلدية؛ بإشراك الجميع بمبدأ ٣٦٠ درجة للتقييم.
  • ضرورة إيجاد تقييم شخصي لأداء أعضاء المجالس البلدية؛ لضمان فعالية الأداء، وجَعْلها شرطًا لإعادة الترشُّح أو التعيين.
  • وَضْع آلية تضمن أداء رؤساء المجالس البلدية بكفاءة، تتضمن (برنامجًا للترشُّح للمنصب، أسلوبًا لتقييم الأداء، إجراءات الإقصاء في حال عدم الكفاءة).
  • وَضْع شرط تحقيق المجالس البلدية لجودة الحياة، وتوصيف دورها بالمشاركة مع الهيئات والوزارات الأخرى ذات العلاقة.
  • إعداد خُطط إستراتيجية وتنفيذية ذات مؤشرات تضمن حوكمة الأداء في المجالس البلدية.
  • وجوب فصل المجلس البلدي عن وزارة الشؤون البلدية، وأن يكون مرجعية للحاكم الإداري للمنطقة.
  • تفعيل دور المجالس البلدية في تطبيق “المدن الصديقة للأطفال”، بالشراكة مع الأمانات والبلديات.
  • تضمين “أنسنة المدن” كمجال أساسي في التخطيط لمشاريع تطوير المدن، والتي تدخل المجالس البلدية شريكًا أساسيًّا في تنفيذها.
  • توفير مقرات مناسبة للمجالس البلدية تلبي احتياجاتها وتُعزِّز رمزيتها في المشاركة المجتمعية، وخصوصًا في المدن الخمس الكبرى.
  • تعزيز التنسيق بين المجالس البلدية ومجالس المناطق (المحلية) وهيئات التطوير، وتخصيص مقاعد لممثلين من المجلس البلدي في مجالس إدارات تلك الجهات.
  • إلزام مُقدِّمي الخدمات (الكهرباء، الماء، الصرف الصحي، السيول، الاتصالات) بالتنسيق مع المجالس البلدية كأحد الأطراف المشاركة في تحديد الأولويات وإقرار معايير توزيع المشاريع وإيصال الخدمات.
  • إنشاء مجلس تنسيقي رسمي يضمُّ جميع الجهات التي تتشارك في تقديم الخدمات وإدارة المدينة بجميع مراحلها بدءًا من التخطيط والتشريع والتنفيذ وكذلك الإدارة والتشغيل، ويتولى التنسيق في تقديم الخدمات، وكذلك إقرار النطاق العمراني والتوسُّع المستقبلي وحدود التنمية لكل مدينة.

 


 

القضية الرابعة

البُعد الاقتصادي للُّغة العربية

والسياسة اللُّغوية في المملكة

(27/12/2020م)

  • الورقة الرئيسة: أ. فائزة العجروش
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. سعيد الزهراني
  • التعقيب الثاني: د. زياد الدريس
  • إدارة الحوار: م. فاضل القرني

 

  • الملخص التنفيذي:

تناولت أ. فائزة العجروش في الورقة الرئيسة الجانبَ الاقتصادي من نمو اللُّغة العربية والمحافظة عليها بين الندرة والوفرة، والعلاقة بين اللُّغة والاقتصاد من كُلفة وعائد ومنفعة، والعوامل التي لها تأثير على اللُّغة وتجعلها وعاءً للسوق؛ مثل اشتراط إجادة اللُّغة قبل الحصول على تسهيلات معينة للإقامة والعمل والتعليم، وكذلك عائد اللُّغة في الناتج المحلي من المؤلَّفات والترجمة وغيرها، وما ورد من المقارنة بين السياسة اللُّغوية والسياسة النقدية، بجانب التأثيرات اللُّغوية في الدبلوماسية والتجارة وصناعة الثقافة. وأكدت كاتبة الورقة على أهمية التعامل مع اللُّغة كثروة اقتصادية من خلال تراكم المعرفة، وتعريب مجالات التعليم والتكنولوجيا ومنها برمجيات عربية، وغرس اللُّغة العربية في النشء لتكون صانعةً ومكونةً لفكرهم.

وركَّز د. سعيد الزهراني في التعقيب الأول على طريقة اقتراب مختلفة في مفهوم اللُّغات حاليًّا ومستقبلًا. وأشار إلى بوادر الحضارة الرقمية ونشوء الجمهوريات الافتراضية التي تسيطر عليها شركات التقانة الفائقة. والمرحلة الحالية تضم جيلين (الرقميين المهاجرين والرقميين الأصليين)؛ الأول سيختفي مع مرور الزمن، والآخر سيبقى، وهو الذي سيُعمِّق الحضارة الرقمية اجتماعيًّا واقتصاديًّا ولغويًّا.

بينما ذهب د. زياد الدريس في التعقيب الثاني إلى أن ما يواجه اللُّغة العربية من تهديدات يواجه بقية اللُّغات الرئيسة في العالم بمؤثرات مختلفة، وربما التحولات الديموغرافية سبب رئيس لذلك، كما الحال في أمريكا الشمالية وشيوع اللُّغة الإسبانية. وكذلك ما تواجهه روسيا والصين.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • البُعد الاقتصادي للُّغة العربية.
  • اللُّغة العربية في عالم الرقمنة.
  • سُبل النهوض باللُّغة العربية والمحتوى اللُّغوي كثروة اقتصادية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • حَصْر الجهود التقنية في خدمة اللُّغة العربية على مستوى العالم، وتصميم منصة أو “فورم” لتمكين التواصل فيما بين القائمين على تلك الجهود على مستوى العالم.
  • تحفيز وتسريع العمل وتفعيل مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربية، والتأكيد على تطوير ذلك بتدرُّج، والتركيز على الجوانب العلمية والاقتصادية كأولوية من خلال إعطاء المصطلحات الاقتصادية جانبًا مهمًّا من اهتماماته، وعدم تركيز الاهتمام بالعلم والفنون فقط. ويليها الجوانب الأدبية والفقهية وغيرها.

 

الورقة الرئيسة: أ. فائزة العجروش

قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: الآيات 1-4)، وجعل من آياته اختلاف ألسنة البشر لتحقيق التنوع والتعارف، وجلب المنافع والمصالح، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُــمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} (الروم: الآية 22).

قالوا عن اللُّغة العربية:

“اللُّغة العربية قضية أمن قومي، ولا بد من رؤية مستقبلية لواقعها”([1])

“العربية، من الناحية الديموغرافية، تنمو أسرع من أي لغة عالمية أخرى. وبحلول عام 2050، ستكون ذات ملامح عمرية شابة (أي أغلب متحدثيها من صغار السن). وسيُحدِّد الجيل الذي ينمو حاليًّا من متكلمي العربية مستقبلَها العالمي”([2])

“اللُّغة العربية لا تزال تحيا حياة حقيقية، وهي واحدة من ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة استيلاءً لم يحصل عليه غيرها”([3]).

  • توطئة لا بد منها:

اللُّغة هي أساس التراث والدين والهوية والمجتمع، وللُّغة أداورٌ عدة، كرأس مال فكري، ودور سيادي، ودور مهم كقطاع اقتصادي وأداة اقتصادية في عملية التنمية (محور اهتمام هذه الورقة)، وكما ذكر د. محمود السيد([4])” أن عملية التنمية لا تجري إلا بالتنمية البشرية المستدامة، وهذه لا تتحقق إلا بالاستثمار الصحيح في الإنسان وخاصة معرفته، وأن اللُّغة هي وعاء المعرفة ولا سيما معرفته العلمية والتقنية، وأن دور اللُّغة العلمية والتقنية في تحسين مردود القوى العاملة (أي باللُّغة الأم) يتعاظم بدرجة كبيرة مع التوجُّه نحو الاقتصاد المبني على المعرفة”.

وواقع اللُّغة العربية سواء في أسواقنا المحلية في المملكة أو في السوق الدولية للُّغات يفرض على متخذي القرار والاقتصاديين إدخال البُعد الاقتصادي للغتنا الأم في حيز اهتماماتهم، للأسباب التالية:

  • “ما نتعرَّض له من هيمنة سياسية وثقافية أجنبية شاملة، من أخطر مظاهرها: لغة غير لغتنا على ألسنتنا ومنطوقنا اللُّغوي اليومي العام”([5]) أدى لانحسار تدريجي للُّغة العربية أمام اللُّغة الإنجليزية، سواء كان في التواصل اليومي أو في المجال الأكاديمي أو في سوق العمل.
  • اعتبار بعض الغربيين المنشغلين باللُّغات الحيَّة أن اللُّغة العربيَّة لا تعَدُّ من طائفة اللُّغات الميتة أو المحتضرة لكنها مُهدَّدة بالانقراض -لا قدر الله-إزاء ما يتهددها من مخاطرَ؛ نظرًا لكونها لغة غير منطوقة بسبب الفجوة بين العربيَّة المنطوقة (المتعدِّدة) والعربيَّة المكتوبة (الواحدة)([6])، ويجدر بنا التأكيد هنا على أننا سنستعرض لاحقًا أهمية التخطيط لسياسة لغوية تتضمن البُعد الاقتصادي للإنعاش اللُّغوي للغتنا العربية، الذي لا نقصد بالتنويه عنها بأي حال من الأحوال تصنيفها أو تشخيصها بلغة تحتضر؛ لكنها باتت في منافسة شرسة مع لغات أجنبية في عقر دارها، وتحتاج مكانتها في النفوس إلى تدعيم وتمكين لتتوارثها الأجيال كلغة علم ومسايرة لكل العصور.
  • حين نتفاجأ بجهود لغة أخرى رغم صغر حجم جماعتها اللُّغوية في السوق الدولية، كاللُّغة العبرية([7]).
  • إهمال إدخال اللُّغة في الدراسات الاقتصادية في المملكة وتعزيز اللُّغة الأم لاعتبار اقتصادي بحت، مع التأكيد بعدم إغفال دور المملكة الكبير في دعم العربية وتعليمها دوليًّا، إلا أن هناك مشكلة جوهرية تكمن في الصرف على العربية بدلًا من الاستثمار فيها([8]).
  • على الرغم من أن مجال الاستثمار في التقنية واللُّغة مورد اقتصادي مهم إلا أنه مُعطَّل أو شبه معطل فيما يتعلق باللُّغة العربية([9])، ولنا مثال في الشركات الصينية مثل: (علي بابا) التي توجَّهت لتقديم واجهاتها ووصف منتجاتها بالعربية لتشجيع العرب على الشراء.
  • عدم الفهم الكافي لقيمة الأصول غير المادية (المعرفة)؛ فالمعرفة لا تتبع مبدأ الندرة الأساسي في الاقتصاد التقليدي (اقتصاد الندرة) -أي ندرة الموارد في مقابل التطور اللامحدود لحاجات الناس ومتطلباتهم -والمعرفة كلما استعملتها (تداولتها أو استهلكتها) ازدادت.. إلى ما لا نهاية.. من حيث هي لا تُستهلك (بمعنى أنها لا تُستنفد)، بل تتوالد ذاتيًّا بالاستهلاك، أي عند تقاسمها وتشاركها من خلال نَقْلها إلى الآخرين وخصوصًا في ظل التكنولوجيا الرقمية (اقتصاد الوفرة).

وتزامنًا مع “اليوم العالمي للُّغة العربية 18 ديسمبر” الذي يُحدَّد له في كل عام موضوع محوري لتسليط الضوء عليه، وتصادف موضوع هذا العام: “مجامع اللُّغة العربية، ضرورة أم ترف؟”، ومناسبته للنقاش حول الحراك الكبير والإيجابي للُّغة العربية الذي تعيشه السعودية، بعد قرار إنشاء مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربية، الذي يهدف أن يصبح مرجعيةً عالمية للُّغة العربية بنَشْرها وحمايتها؛ تتناول القضية الحالية البُعد المنسيَ للُّغة وغير المطروق إلى حد كبير  (البعد الاقتصادي)، وأهمية اللُّغة كقيمة اقتصادية كقطاع وصناعة من جهة، وعظم الفوائد من مجالات الاستثمار فيها من جهة أخرى خدمة للجانبين، مع التنويه بعدم تطرُّق الورقة للبُعدين السيادي والاجتماعي للُّغة (لأنه دور غير مهمل في المملكة، وهناك جهود كبيرة وهائلة في هذا الشأن). والتركيز سيكون بإلقاء الضوء على بعض المفاهيم ذات الصلة الاقتصادية.

 

  • اقتصاديات اللُّغة

يقوم التحليل الاقتصادي للُّغة بالنظر إليها على أنها: “أداة في الاقتصاد، وفي عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول والأمم. إذ يعَدُّ استعمال اللُّغة بمردود جيد وكفاية عالية أساسًا لتحقيق الاقتصاد المعرفي، ومن ثَمَّ النمو الاقتصادي ككل، كما يعتبر ضروريًّا في عملية التنمية”([1]). لذا، يلجأ الباحثون في قضايا اقتصاديات اللُّغة لتناول جوانب من قبيل التنوع اللُّغوي في المجتمع وانعكاساته الاقتصادية، والسياسات اللُّغوية وكلفتها ومردودها الاقتصادي، والرخاء الاقتصادي وانعكاساته اللُّغوية، والعلاقة بين اللُّغة والهوية الوطنية والاقتصاد، والموارد اللُّغوية واستثمارها، وأثر معرفات لغات معينة في دخل الفرد([2]).

ومن الناحية الاقتصادية، ومن وجهة نظر الاقتصاديين:

  • اللُّغة تُوفِّر (قيمة مضافة) للتعاملات الاقتصادية؛ فالحياة الاقتصادية لا تتم دون تعاملات وتواصلات واتصالات، واستخدام اللُّغة الوطنية (والتي عادة ما تكون اللُّغة الأم) سواء في المجتمع أو عالميًّا، سيكون الأقل تكلفةً والأكثر سهولةً ووضوحًا وأمانًا وعائدًا.
  • اللُّغة تخلق (قيمة اقتصادية)؛ كونها هي المادة الخام في الصناعات الإبداعية وخاصة الثقافية منها، وتُوفِّر تكامل وعنقدة هذا القطاع.
  • اللُّغة يمكن اعتبارها (سلعة اقتصادية)؛ كونها موردًا من موارد (الأصول غير المادية)، وهي أقرب لأن تكون (سلعة عامة) جزئيًّا؛ فالمصروف من المال والوقت والجهد في اكتساب لغة يقابل الاستثمار الاقتصادي في أصل له عائد دائم.
  • العلاقة بين اللُّغة والاقتصاد:

العلاقة بين اللُّغة والاقتصاد علاقة ليست حديثة، ويمكن القول إنها قديمة قِدم اللُّغة والاقتصاد ([3]). واللُّغة لها قابلية للتقويم على نحو اقتصادي، حيث يتم تبادلها في السوق، وتحتاج إلى الإنفاق عليها، كما أن لها دورًا مؤثرًا في العملية الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تتأثر بها أيضًا، وتتضح العلاقة بينهما كالآتي:

  • للُّغة خصائص اقتصادية، مثل: القيمة، والتكلفة، والعائد، والمنفعة، وتعتبر جزءًا من رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي، وهي وأصل من الأصول غير المادية (مثال، big data).
  • عند ربط مؤشر التنافسية العالمية، نجد أنه كلما كانت قوة اللُّغة أعلى، زادت تنافسية الدولة.
  • هناك تأثير متبادل بين اللُّغة والاقتصاد؛ فالكلمات عصب للتفكير، مثلما أن النقد عصب للاستثمار، والنقود تقوم بوظائف اتصالية واللُّغة تقوم بوظائف اقتصادية.
  • مثلما تخسر شركات وتُفلس في السوق الاقتصادية، تنقرض لغات تكون حية اليوم، ثم تموت غدًا.

وأشار تقرير لمنظمة اليونسكو الدولية (أن هناك الكثير من اللُّغات المحلية التي لا تزال حية في أوروبا مُهدَّدة بالانقراض بسبب زحف اللُّغة الإنجليزية، مثل اللُّغة البروتونية في فرنسا، وبعض اللُّغات المحلية في إسبانيا وبلجيكا(([4])، وهذا يجعلنا نتذكر ما آلت إليه اللُّغة اللاتينية التي كانت الأكثر تأثيرًا في أحاديث الناس لأكثر من ألف سنة، وكيف اقتصر استخدامها اليوم على رجال الدين وبعض التخصصات الجامعية([5]).

تقول إحدى النظريات: “إن بقاء اللُّغة مرهونٌ بما يُتداول فيها من إبداع وابتكار علمي وثقافي”. وحدَّدت اليونيسكو في وثيقة أصدرتها في موقعها الإلكتروني عددًا من العوامل التي في ضوئها يمكن تشخيص حياة اللُّغة وحالتها، والعوامل هي: انتقال اللُّغة بين الأجيال، عدد متحدثي اللُّغة، نسبة متحدثي اللُّغة إلى مجموع السكان، مجالات اللُّغة ودرجة انتقال هذه المجالات للأجيال (هل تُستعمل اللُّغة في المجالات الرسمية أو هي فقط في المنزل، وهل تعاني اللُّغة من الازدواجية، ومدى انحسار استعمالها في المجتمع مؤشر على قرب موتها)، واستجابة اللُّغة للسياقات الجديدة وللإعلام، وتعليم القراءة والكتابة بها، وتعلُّم مواد اللُّغة بها (هل لهذه اللُّغة قواعد إملائية، وهل اللُّغة شفهية أو مكتوبة، وهل لها كتب للقراءة والاطلاع للكبار والصغار، وكلما ظلت اللُّغة مُتداولةً في المجتمع، وكثُر الإنتاج العلمي والثقافي بها؛ أَمِنت من الزوال).

ومما سبق، تتضح أهمية دعم الترجمة العلمية والثقافية إلى العربية، وتعليم العلوم والتقنية باللُّغة العربية. وزيادة المحتوى العربي على شبكة الإنترنت وتعزيزه، ورفع قيمته الحضارية. وتطويع لغات الحاسوب للُّغة العربية وتوفير الترجمة الآلية للعربية، وتعليمها لغير الناطقين بها بكافة الوسائل التعليمية والتكنولوجية.

وهناك خصائص اقتصادية للُّغة، يُعبَّر عنها بثلاث علاقات كالآتي([6]):

  • تأثير اللُّغة في الاقتصاد بـ {L}→{E} يتضح من خلال:
  • وجود لغة وطنية رسمية واحدة معيارية هو ميزة اقتصادية، ويقلل ممَّا يُسمَّى بالتكلفة التنظيمية، مثال: الصين تعداد سكانها يتعدى مليارًا ونصف المليار، ورغم وجود قوميات مختلفة ولغات متعددة إلا أنها وحَّدت لغتها الرسمية (المندرين)، فيما نجد عددًا من الدول العربية لا تزال تجاهد حتى تقرَّ لغة رسمية واحدة، كالمغرب الذي يعترف بثلاث لغات رسمية (العربية دستوريًّا وقانونيًّا وفعليًّا، الأمازيغية رسمية دستورية، والفرنسية رسمية فعليًّا).
  • الكفاءة في إجراءات المعاملات، وتداول الأصول غير المادية (كأبحاث الفكر، المعرفة، والتكنولوجيا) وكيفية تداولها باعتبارها وسيلة نقل مثل وسائل النقل المعروفة في تبادل السلع.
  • حجم أو تأثير اللُّغة في زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر FD I)) والتجارة البينية[7])).
  • تضيف اللُّغة قيمة اقتصادية إلى حائزيها؛ فدخل الفرد يتأثر بمدى إتقانه اللُّغة الأم واللُّغات الأجنبية الأخرى، وهذه (قيمة)‏.
  1. تأثير الاقتصاد في اللُّغة بـ {E}→{L} من حيث: ديناميكية اللُّغة وتأثير الاقتصاد عليها من حيث نموها وانتشارها وحيويتها([8])؛ أضحت مصائر اللُّغات (والشعوب) رهنـًا باقتصادياتها، فكلما نَشِط اقتصاد لغة زادَ انتشارها والإقبال عليها. وتسليمًا بحقيقة دامغة تؤكد على (أن اللُّغة الأكثر انتشارًا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بدولة تمتلك اقتصادًا أقوى، واللُّغات الأهم في العالم هي للاقتصادات الأكبر، والعكس صحيح)، وتظل لغة الدول المتخلفة اقتصاديًّا حبيسة الداخل.
  2. عوامل أخرى تؤثر في اللُّغة من الناحية الاقتصادية بـ {X}→{L}E، مثل:
  • ارتباط متوسط دخل الفرد بتواجده في مجتمع يولد المعرفة، “عندما تُتاح المعرفة وتُوطَّن وتُنشر باللُّغة الأم، لتكون ملكًا حرًّا ومشاعًا لكل أفراد المجتمع”.
  • تعزيز اللُّغة الوطنية في السوق الدولية يزيد قيمتها السوقية ويجعلها موردًا اقتصاديًّا مهمًّا، كاشتراط الدول المتقدمة على العاملين إجادة قدر معين من لغتها الرسمية، وبعض الجامعات الأمريكية.
  • لقبول الراغبين بالدراسة فيها اجتياز برامج عالمية باللُّغة إنجليزية (T0FEEL& IELTS)([9])
  • وجود رابط بين تعلُّم لغة البلد المضيف وإقامة المهاجرين واللاجئين يؤثر اقتصاديًّا على دخلهم؛ بسبب ما تشترطه بعض الدول لتعلُّم لغتها قبل الحصول على تصريح الإقامة وأي فرصة عمل.
  • العائد الاقتصادي للمهن (الإثنية) أو العرقية، والمنعكسات الاقتصادية للعوامل الاجتماعية.
  • من المؤشرات العالمية لقياس القيمة الاقتصادية للُّغة (قياس حصة اللُّغة في الناتج المحلي الإجمالي)، من خلال تحديد القطاعات والسلع والخدمات التي يكون للُّغة دورٌ فيها.
  • من مؤشرات قياس القيمة الاقتصادية للُّغة (الفائدة الاقتصادية منها): عدد متكلميها كلغة أم، وعدد متكلميها كلغة ثانية “أي من غير الناطقين بها”.
  • هي لغة سوق العمل، وتعَدُّ المعرفة القاصرة للفرد بلغة سوق العمل مثل عدم توافر رأس مال نقدي لدى رجل الأعمال الذي يريد إنشاء مشروع معين([10]).
  • تُقاس القوة الشرائية للأفراد المتكلمين بالعربية كنسبة من مجمل القوة الشرائية العالمية للأفراد.

 

  • دور اللُّغة في الاقتصاد عالميًّا:

هناك تكتلات اقتصادية سياسية ثقافية تقوم على اللُّغة: الكومنولث، الفرانكوفونية، الجامعة العربية. وتسليمًا بأن للُّغة جوانب اقتصادية، هناك:

  • ثمن اقتصادي باهظ للتعدُّد اللُّغوي داخل الدولة، والنمو الاقتصادي يتناسب طرديًّا مع أحادية اللُّغة الرسمية، ويرى الاقتصاديون أن البلاد المُجزَّأة لغويًّا بشكل كبير بلاد فقيرة دائمًا؛ لذلك سعت عدة دول باعتماد لغة رسمية واحدة تدرس العلم والتكنولوجيا فيها وتترجم لها رسميًّا، لدواعٍ اقتصادية بجانب الدواعي الأخرى، منها: سنغافورة، كوريا، ماليزيا([11]).
  • دول حرصت على تعليم أبنائها لغة أخرى غير لغتها للمردود الاقتصادي، منها: السعودية عندما قررت إدخال تعلُّم اللُّغة الصينية في مناهجها، وتركيا التي أضافت اللُّغة العربية بشدة مُجدَّدًا إلى مناهجها التعليمية كلغة ثانية اختيارية، وتشجيعها على استخدام العربية في المناطق السياحية والمزدحمة بالعرب، وكوريا الجنوبية التي تُدرِّس العربية في ست جامعات بها، وجعلتها مادةً رسمية للقبول في الجامعات([12])، وهذا مؤشر إلى ثقل المردود الاقتصادي للُّغات في العلاقات الخارجية بين الدول.
  • توافق بين اللُّغة المكتوبة والمنطوقة يتناسب طرديًّا مع النمو الاقتصادي للدولة([13])، حيث ترجع بعض الدراسات قوة اقتصاد ألمانيا مقابل إيطاليا؛ كون الأولى تعتمد وتتحدث الفصحى أكثر من العامية.
  • سهولة في تبادل السلع والخدمات للأصول غير المادية (تبادل المعلومات المنتجة) بين الدول عن طريق اللُّغة (العلمية والتكنولوجية)، كسهولة تبادل السلع والخدمات للأصول المادية عن طريق المال أو النقد؛ فاللُّغة تعَدُّ أداةً – مثل النقود – تنطوي على تسهيل تلبية خيارات الأفراد وتوسيع مجال الفعل لديهم.
  • بورصة تخضع لها اللُّغات تمامًا كبورصة العملات، ويمكن إسقاط حالات التنافس بين السلع، أيضًا على اللُّغات، فهذه الأخيرة تكسب أو تخسر متحدثين عند انتقالها من جيل لآخر، عندما يتوقف استخدامها وسيلة للاتصال.

والتنافسية بين اللُّغات يعتمد على مدى انتشارها لفائدتها ونجاحها الاقتصادي، الذي يعتمد في الأساس على الظروف الاجتماعية لجماعاتها اللُّغوية الخاصة. ويعتمد أيضًا على صلاحيتها، ومدى تكيُّفها مع المتطلبات الاتصالية لمتحدثيها. فبالرغم من تواجد نحو سبعة آلاف لغة منطوقة في العالم؛ إلا أنها من حيث الأهمية والتأثير في ظل العولمة هناك منها ذات قيمة مرتفعة، وأخرى ذات قيمة منخفضة. وهذا ما حاول إثباته عالم اللُّغات الفرنسي الكبير (لويس جان كالفي)([14])، “إن أوزان اللُّغات تشير إلى (بورصة) من نوع مختلف، حيث يعتمد على مقياس مركَّب يشمل عددَ المتكلمين باللُّغة بوصفها لغة أولى أو (لغة أم)، وعدد البلدان التي تكون اللُّغة فيها رسمية، ومعدلات الكتب المترجمة من اللُّغة وإليها، والموقع الذي تحتله على شبكة الإنترنت، والوزن الاقتصادي للبلدان التي تتكلم اللُّغة. ووفق هذا المقياس، يشتد التنافس والتفاوت بين اللُّغات. وينطوي هذا التفاوت على احتكار مثل الذي يحدث في الاقتصاد، بل قد يكون أشدَّ حيث تحتكر 5% من اللُّغات نحو 94% من (السوق) أو سكان العالم، أي أن 6% فقط من البشر يتداولون 95% من اللُّغات.

وباعتبار اللُّغة كأي نشاط اقتصادي له قيمة، وأي سلعة لها قيمة.. سنتعرف من خلال ما يلي على قيمة اللُّغة الاقتصادية وكيف نقيسها، وما هي المؤشرات التي تعطي قيمة لها وتساعد في قياسها.

  • اقتصاديات اللُّغة في الدبلوماسية العالمية والمنظمات الدولية:

من الواضح أن وضع اللُّغة العربية في التعاملات الدبلوماسية العالمية عالٍ جدًّا، وحاضر بشكل لافت، وليس أدل على ذلك من (أن يتم اعتمادها لغة العمل الرسمية للمؤتمر العام لليونيسكو منذ دورته الثالثة 1948م([15])، وأن تكون العربية واحدة من بين اللُّغات الست التي تعترف بها الأمم المتحدة من بين سبعة آلاف لغة حية في العالم، وأن يحتل ترتيبها من حيث الانتشار العالمي المرتبة الرابعة بنسبة عدد متحدثيها في العالم 6.6%. ويُقاس مؤشر قوة اللُّغة في البعد الدبلوماسي من خلال معرفة مدى انتشارها في البنك الدولي والمنظمات الإقليمية والعالمية، ومن خلال مدى توفُّر الترجمة الفورية للعربية في الاجتماعات الدولية، وعدد ممثلي العالم العربي في المنظمات الدولية الذين يتحدثون العربية (ما عدا مَن لديهم عقدة التحدُّث بلغة أخرى)([16]). وعندما نتحدث عن اقتصاديات اللُّغة في الدبلوماسية العالمية والمنظمات الدولية، نجد أن لها عائدًا تطويريًّا على اللُّغات المعتمدة وذخيرتها، وتكلفة التواصل مع الدول الأعضاء في الاتجاهين، وتكلفة خدمات الترجمة والنشر، وتكلفة الترجمة الفورية، وتكلفة البنى التحتية والموارد البشرية.

  • تأثير اللُّغة في التجارة:

تُعَدُّ اللُّغة بالنسبة لاقتصاد السوق مسألة محورية، لتأثيرها الكبير في خطوات الإنتاج في خطوط العمل؛ الأمر الذي يحقِّق إتقانَ القوى العاملة للُّغة العلمية والتكنولوجية ولمصطلحات القطاع التي تعمل به، ويحقق ذلك أن تصبح فاعليتهم أكبر وإنتاجيتهم أكثر، وقدرتهم على نَقْل التكنولوجيا للمجتمع من منابعها.

للُّغة تأثيرٌ كبيرٌ في الصادرات؛ فالصين تحتاج عند تصدير بضاعتها للعالم العربي إلى ترجمة إرشاداتها للُّغة العربية، في حين لا تحتاج فرنسا لذات الشيء عند قيامها بتصدير بضاعتها لبلاد المغرب العربي ولبنان.

تنشأ أهمية اللُّغة الكبيرة في التجارة من كون النشاط الاقتصادي يعتمد على الاتصال بدرجة كبيرة، وأن العناصر الأساسية للاتصال الاقتصادي عناصر لغوية. ولن يستطيع الفرد إنتاج العمل في الأسواق دون تمكُّنه من أداة لغوية معينة؛ فالمعرفة القاصرة للفرد بلغة سوق العمل مثل عدم توافر رأس مال نقدي.

ورغم تفوق اللُّغة العربية على جميع لغات العالم في القيمة الثقافية بوصفها لغة القرآن الكريم ولغة الضاد، إلا أن قيمتها الاقتصادية تتأخر كثيرًا مقارنةً بكثير من هذه اللُّغات؛ فالقيمة الاقتصادية للُّغة الإنجليزية في السوق السعودية أكبر من القيمة الاقتصادية للُّغة العربية في السوق الأمريكية؛ لأن رجل الأعمال السعودي لا يستطيع أن يتعامل في سوق أمريكية من دون تمكُّن كافٍ من الإنجليزية، بينما يستطيع رجل الأعمال الأمريكي القيام بأي أعمال يرغب بها في السعودية دون الحاجة لإتقان العربية.

  • تأثير اللُّغة في الصناعات الثقافية:

معظم الصناعات الثقافية لها علاقة باللُّغة وفي الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، من خلال قياس القيمة الاقتصادية للصناعات الثقافية، وأنشطتها المتعاظمة داخل الدولة وخارجها كمتغير (مؤشر) في اقتصاديات اللُّغة، ومن هذه المتغيرات: نَشْر الكتب، والترجمة من وإلى العربية، وحجم المحتوى العربي في الإنترنت وعدد متصفحيه، والأفلام بالعربية والدبلجة إليها، وما يُقدَّم في القنوات التلفزيونية.. وهذا ما يستوجب صياغة سياسة لغوية، والتي لا شك سيكون لها منعكسات اقتصادية في تكلفة تعليم اللُّغة العربية والعائد نتيجة تخصيص ميزانيات للأنشطة اللُّغوية، وكذلك في التنمية المناطقية والتعامل مع الأقليات واللاجئين والعمالة الأجنبية، وفي الانسجام الاجتماعي.

  • الاستثمار اللُّغوي:

هو نشاط اقتصادي موضوعه اللُّغة، إذًا هو استثمار يثري اللُّغة ويُمكِّن مجالات استخدامها، ويزيد عدد مستخدميها، ويُسهم في ترسيخ استعمالها في ميادين ونطاقات مهمة. وذلك بلا شك له انعكاساته اللُّغوية الكبيرة مثلما أن له انعكاسات اقتصادية كبيرة. وعلى الرغم من أهمية ذلك، لم تُقدَّر اللُّغة بوصفها عاملًا مهمًّا من عوامل التنمية الاقتصادية في المحيط الوطني، في حين نرى دولًا أولت عنايةً واضحة باقتصاديات اللُّغة حتى أضحت مؤثرةً في دخلها القومي([17]). لكن ينبغي علينا هنا التفريق بين أوجه الاستثمار اللُّغوي، فهناك قسمان؛ الأول: استثمارات لغوية تسهم في تحسين الانتفاع اللُّغوي، وهي استثمارات تُحقِّق عوائد مالية (كالعمل المعجمي)، لكنها ليست هي المُستهدَف في المقام الأول لهذه الورقة، والثاني: استثمارات لغوية تسهم في الانتفاع الاقتصادي، ويُقصد بها الاستثمارات في اللُّغة بهدف تحقيق العائد المادي، ولها أثر في الدخل القومي “كتعليم اللُّغة لغير الناطقين بها”([18]).

وبناءً على ما سبق ذكره عن مفهوم “اقتصاديات اللُّغة”، باعتباره دائرة واسعة تتناول العلاقة التبادلية بين اللُّغة والاقتصاد، ومجالات تقاطع كل منهما مع الآخر وما تتطلبه من تأثير؛ فمفهوم “اقتصاديات اللُّغة” أوسع من مفهوم “الاستثمار اللُّغوي”.. ولتحقيق الاستفادة المثلى من الاستثمار اللُّغوي، يجب الالتفات لأهمية التخطيط اللُّغوي، وهو “الجهود المنظَّمة من قِبل الحكومات والهيئات أو الأفراد للتأثير في وظيفة اللُّغة وبنيتها واكتسابها في مجتمع ما”، ووضع سياسة لغوية، وهي “المنطلقات والموجهات الرئيسة التي يضعها صاحب القرار لتوجيه الشأن اللُّغوي في مجتمع ما، وتنبثق منها أنظمة وقوانين ولوائح ومبادرات لغوية. وأولى خطوات التخطيط اللُّغوي والسياسات اللُّغوية (التي تتشابه في أهميتها للدولة كالسياسات النقدية) هي التعرف على الواقع الذي نعيشه ونسعى إلى تحسينه أو تغييره. وحتى نُقرِّب الصورة أكثر، سنستعرض فيما يلي مدى التشابه بين السياستين اللُّغوية والنقدية:

 

  • أوجه التشابه بين السياسة اللُّغوية والسياسة النقدية:
  • اللُّغة هي أداة تداول الأصول غير المادية ومن أدوات السياسة اللُّغوية، في حين النقد يمثل أداةً لتداول الأصول المادية وأداة من أدوات السياسة النقدية.
  • الترجمة مقابل تحويل العملة.. واللُّغة الأجنبية مقابل النقد الأجنبي، حيث تتشابه ترجمة محتوى من لغة إلى أخرى بتبديل سلع بواسطة النقود. فالمترجمون للُّغة كالصرافين للعملة، يقوم الأولون بلعب الوساطة لتحويل نفس الأفكار المُعبَّر عنها في لغة معينة وإعادة إنتاجها بلغة أخرى.
  • القيمة الاقتصادية للُّغة يقابلها قيمة العملة؛ هناك توازٍ بين تطور اللُّغة وتطور العملة، وتشابه بين استخدام الكلمات واستخدام النقود، خاصة أن كليهما يستمد قيمته من التبادل، وأن لكليهما قيمةً وحاجةً اجتماعية، وأن لكليهما نظامًا اجتماعيًّا.
  • هناك حرب اللُّغات كحرب العملات ([19])؛ فالصراعات اللُّغوية اليوم تتوازى وتتقابل بشدة مع ترتيبات وصراعات العملات؛ فالمواجهة بين الدولار واليورو والين هي الوجه الآخر لصراع لغات وثقافات وحضارات أمريكا وأوروبا واليابان.
  • تنتعش الدولة بتوفُّر الذخيرة اللُّغوية كما الحال بتوفُّر السيولة المالية، فكما للدولة رصيدٌ من الثروة النقديَّة لها أيضًا رصيد من الثروة اللُّغويّة، وكلٌّ من العملة واللُّغة تُصك، ويُعتنَى بتنظيم صكها، ولا تُترك من دون تحكُّم ومتابعة من الدولة، وتأتي قيمة النقد وكذلك قيمة اللُّغة من تداولها، فإذا أهملت الدولة التداول بعملتها أو بلغتها (التعليم بغير اللُّغة الوطنية)؛ فإن لهذا آثارًا اقتصادية هائلة([20]).

وفي سياق ما ذكرنا أعلاه في اقتصاديات اللُّغة وعلاقتها بالتخطيط اللُّغوي والسياسة اللُّغوية، يمكن أن نُحدِّد الممارسات العملية الرئيسة التالية: “النظر للُّغة كمورد استثماري يجدر بالدولة الاستفادة منه بصورة فاعلة لتحقيق عائدات مهمة للدخل القومي، والنظر للاقتصاد كداعم للشأن اللُّغوي من حيث استغلال مكانة المملكة الاقتصادية لدعم اللُّغة العربية وتمكينها دوليًّا، والاستفادة من المعطيات الاقتصادية (استثمار بعض المفاهيم كالتكلفة، وآلية توفيرها والعائد الاقتصادي)، لاتخاذ قرارات التخطيط اللُّغوي ووَضْع سياسة لغوية كالسياسة النقدية، فضلًا عن الاستفادة لاحقًا من المعطيات الاقتصادية لتقييم وتعديل سياسة لغوية قائمة وتخطيط لغوي مُنجَز.

إلا أن تحليل البُعد الاقتصادي للُّغة ليس بهذه السهولة. فقد يصبح ضخ أموال عامة في بعض اللُّغات خيارًا غير رشيد وفقًا لآلية ” النفقة – العائد”؛ لأن هذا الاستثمار لن يحقِّقَ أو يَعِد بتحقيق عوائد اقتصادية مناسبة في حالة انخفاض القيمة الاقتصادية للُّغة في السوق الدولية للُّغات، مما يتطلب مزيدًا من اهتمام متخذي القرار، ومن قِبل علماء اللُّغة وعلماء الاقتصاد والمخططين اللُّغويين لتبني سياسة لغوية يُركَّز فيها على البعد الاقتصادي للُّغة العربية؛ لقابلية هذه الاستثمارات اللُّغوية للنمو بسبب تزايد الطلب على برامج المعالجة اللُّغوية؛ نظرًا لاتساع سوق اللُّغة العربية في المنطقة العربية والدولية، وإقبال غير العرب على برامج تعلُّمها.

  • ومضة: “وما ذلَّت لغة شعب إلا ذلَّ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار”([21]).
  • الخلاصة: يجب التعامل مع اللُّغة والمحتوى اللُّغوي كثروة اقتصادية؛ فتراكم المعرفة باللُّغة ‏العربية ‏يساوي تراكم الأصول غير المادية، وتداولها يوازي تداول السلع في السوق. وعلى متخذي القرار في المملكة جَعْل اقتصاديات اللُّغة العربية من الأولويات، والتعامل مع ملف اللُّغة كملف استثماري ورافد اقتصادي مهم، يُدعم بتخطيط لغوي وسياسة لغوية. هذا إلى جانب الاهتمام بالتصدير اللُّغوي للبرامج والتقنيات التي تعالج منظومتها، وإيجاد لغة برمجية عربية متطورة تستطيع اللحاق بركب اللُّغات العالمية، تتبناها جهة حكومية أو صندوق استثماري تحت مظلة مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربية؛ لأن الاجتهادات الفردية غير مجدية حاليًّا في مواجهة الشركات العالمية. والتأكيد على أن نهضتنا الاقتصادية مرهونة بنجاحنا في إعادة إحياء العربية كلغة للعلم والتكنولوجيا؛ بتوفير العلوم بلغتنا الأم، وتعريب التعليم خاصة الجامعي بجميع تخصصاته، مع ضرورة مواكبة اللُّغة العربية لكل ما يُستجَدُّ من تقنيات لغوية حديثة، والاستفادة من الذكاء الصناعي في هذا المجال. والحرص على اكتساب أطفالنا للُّغة العربية الفصحى في سنٍّ ‏مبكرة، وتعويدهم على استعمال لغتهم الأم منذ بواكير نشأتهم؛ حتى تكون اللُّغة ‏الأصلية جزءًا من مكونهم الفكري. فضلًا عن التغلب على أي عوائق تنظيمية وبيئية تعيق توفر بيئات استثمارية جاذبة للُّغة، وتشجيع استخدام الفصحى في أماكن العمل وداخل أروقة المصالح الحكومية وفي مؤسسات التعليم العالي. والحث على إجراء المزيد من الدراسات البحثية ومعرفة مكامن الخلل، واستقصاء بعض حالات الاستثمار اللُّغوي الناجحة. مع التنويه إلى أن عبء النهوض بالبُعد الاقتصادي للغتنا العربية لا يُلقَى على كاهل جهة واحدة، وإنما هو مسؤولية جماعية؛ فلغتنا العربية محتاجة إلى استفادتنا من كنوزها أكثر من حاجتها إلى الندوات والمؤتمرات التي تبقى في دائرة النقاش دون تطبيق. وما أجلَّ وأعظم أن نجتمع جميعًا على حُبِّ لغتنا الجميلة، والتفاني قولًا وعملًا في خدمتها. *

التعقيبات:

  • التعقيب الأول: د. سعيد الزهراني

أُخصِّص تعقيبي حيال اقتصاديات اللُّغة حول الفكرة الرقمية.. إذ إن ما يُقال ويُقارب اليوم في مختلف الشؤون والشجون يجب أن يستحضر بالحتمية لا بالاختيار مرحلة الحضارة الرقمية الجديدة.. من هنا، تتركز مقاربة اللُّغة بصورة عامة في ظل المعطى الرقمي عبر ثلاثة مفاصل رئيسة:

  • حوامل اللُّغة الرقمية.
  • الأجيال الرقمية الأصلية.
  • نحو أو قواعد اللُّغة الرقمية.

وكما أشارت الأستاذة فائزة.. لطالما ارتبط ازدهار لغة ما بقوة الناطقين بها (القوة الشاملة اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا.. إلخ).. وهي ذات القاعدة في عوالم الحضارة الرقمية التي سيكون الازدهار عبرها من نصيب الدول المتحكِّمة في الجمهوريات الافتراضية.. من قبيل شركات التقانة الفائقة التي تستوطن السيلكون فالي، وتستعمر أكثر من أربعة مليارات ونصف المليار إنسان.. الإشارة اللافتة في هذا السياق تذهب نحو تدني نسبة المحتوى العربي إلى أقل من 5% من إجمالي المحتوى على منظومة الإنترنت، ما يقودنا إلى استشعار حجم تراجع القيمة الاقتصادية للُّغة العربية في سوق الحضارة الرقمية.

أما ما يتعلق بالأجيال الرقمية الأصلية (مصطلح يُقسِّم مستخدمي التطبيقات الرقمية إلى فئتين؛ فئة الرقميين المهاجرين وهم المرتحلون من الحضارة التقليدية أي ما قبل الرقمية، والرقميين الأصليين أي مَن وُلدوا في أحضان التنقية الاتصالية الرقمية وتشرَّبوا تعاليم حضارتها الجديدة)، فاللُّغة لديهم – أي لدى الرقميين الأصليين – منطبعة بطبيعة النظام الاتصالي الرقمي الرئيسة، المتمثِّلة في الهوية التسارعية.. ولعل تتبُّع تاريخ توالد موجات التطبيقات الرقمية يوضِّح تنامي فكرة السرعة والتسارع داخل هذه المنظومة الرقمية التي انطبعت البشرية بها في مختلف شؤونها، ومنها النظام اللُّغوي.. كانت الولادة بالمنتديات والمواقع الإلكترونية التي تتيح كتابة موضوع واحد في 9 آلاف كلمة، تلتها المواقع الشخصية والمدونات التي انحسر فيها حجم المكتوب ليناسب الطبيعة الفردية بما يُشبه اليوميات الخاصة، ثم توالت تطبيقات الشبكات الاتصالية؛ وأولها الفيس بوك الذي هو عبارة عن مدونة مطورة تتيح الوسائط المتعددة والتدوين التفاعلي الاجتماعي الحميمي مُوجِدًا عُرفًا اتصاليًّا لدى مستخدميه ينحو تجاه المشاركات القصيرة وعدم الإطالة، تلاه تويتر الذي يقوم بالأصل على فكرة التكثيف اللُّغوي بالكتابة لحدود 280 حرفًا، تلاه إنستقرام وسناب شات القائمان في الأصل على اللُّغة المرئية صورة وفيديو، أي إنك في هذين التطبيقين يمكن أن تقول ما لديك دون أن تقول شيئًا وذلك عبر سيميائية اللُّغة المرئية استنادًا إلى أن (كلَّ ما دَلَّ فهو لغة)، وهذا في مجمله يُشكِّل ما يُعرَف بالشفاهية الرقمية الجديدة التي تشمل لغة الإيموجي ومؤثرات أو (افكتات) التطبيقات التشاركية.. يقول الرئيس التنفيذي لشركة سناب شات (يتساءل بعض الناس: لماذا تلتقط ابنتهم 10 آلاف صورة في اليوم.. وما لا يدركونه أنها لا تحتفظ بشيء من تلك الصور.. إنها فقط تتحدث)، نلاحظ هنا صيغة الشفاهية الرقمية الجديدة وأدواتها.. إنها الصورة والسنابة والتغريدة، كما نلاحظ أيضًا أننا أمام لغة عالمية مشتركة قوامها المرئيات والرموز، وهذا ما يتعلق بالمرتكز الأخير حول نحو أو قواعد اللُّغة الرقمية.. فالكلمة أصبحت رمزًا إيموجيًّا، والجملة لقطة سناب مُعزَّزة بالفلتر المناسب، والنص بمفهومه التقليدي مصطلح لم يعُد صالحًا للاستخدام في منظومة الحضارة الرقمية التي لا تحفل بالنصوص التخاطبية، وإنما باللحظات التواصلية السريعة.. ما يعني أن استثمارًا لغويًّا رقميًّا يتشكَّل خارج أُطر المحددات التقليدية.

هذه المستجدات في علم الألسنيات واللُّغات الرقمية تتطلب وعيًا مستحضرًا لطبيعتها وآليات اشتغالها، وبالتالي البناء على ضوئها؛ ما يُسهم في تحقيق استثمار لغوي ضمن اقتصاديات اللُّغة.

  • التعقيب الثاني: د. زياد الدريس

أثارت أ. فائزة التهديدات التي تطال اللُّغة العربية من اللُّغات الأخرى، ومن الإنجليزية خصوصًا. أُريد أن أذكِّر بأن اللُّغة العربية ليست وحدَها التي تجد منافسةً من اللُّغة الإنجليزية، الفرنسيون أيضًا يعانون من مزاحمة اللُّغة الإنجليزية، والإنجليز الآن يعانون من تهديدات اللُّغة الإسبانية لهم، خصوصًا في الزحف البشري من جنوب إلى شمال القارة الأمريكية. وكذلك اللُّغتان الروسية والصينية لديهما أيضًا تهديدات، إما عليهما أو منهما للُّغات الأخرى.

التهديد يزداد ويتضخم عندما يصبح لدى الناس هزيمة داخلية تجاه لغتهم، وهذا ما تعانيه العربية أكثر من غيرها.

من الخطأ الشائع الاعتقاد بأن أفضل وسيلة لمواجهة هذه التهديدات هو تدبيج المدائح الرنَّانة للُّغة العربية وتعظيمها، وخصوصًا إذا ترافق هذا التعظيم مع تقزيم اللُّغات الأخرى والانتقاص منها!

بالمفهوم الاقتصادي، يمكن القول إن اللُّغات بضائع في سوق التداول البشري، والمهارة في تسويق البضاعة لا تنطوي على مديح متانتها فقط؛ بل وعلى سهولة استخدامها أيضًا، وكثرة الإقبال على استخدامها. ولذا، سأعيدُ هنا عبارةً كرَّرتها كثيرًا طوالَ العشر سنوات الماضية: “إنَّ أسهل طريقة لرفع مكانة اللُّغة العربية ليس بكثرة مديحها، بل بكثرة استخدامها”.

النقطة الأخرى، هي مسألة معاهد تعليم اللُّغة العربية للناطقين بغيرها، وقد سبق أن كتبتُ قبلَ سنوات عن معاهد تعليم اللُّغة الإنجليزية التي هي تحت مظلة الـ «British council» المجلس البريطاني، وهي تُحقِّق مكاسب دبلوماسية وثقافية كبيرة لبريطانيا، بالإضافة إلى مدخولات مالية يتم إعادة صرفها على مناشط مماثلة. وبالمثل، معاهد تعليم اللُّغة الفرنسية التي هي تحت مظلة الـ «Alliance Française»  ، ومعاهد تعليم اللُّغة الإسبانية «سيرڤانتيس»، ومعاهد «بوشكين» لتعليم اللُّغة الروسية، ومعاهد «كونفشيوس» لتعليم اللُّغة الصينية. كل هذه اللُّغات الدولية الخمس لديها سلسلة معاهد مشهورة عالميًّا وتُشرف عليها الحكومات. ومن حُسن حظِّ تلك اللُّغات أن لديها مرجعية قُطرية واحدة؛ أي اللُّغة الفرنسية تهتم بها دولة فرنسا، والإنجليزية بريطانيا والولايات المتحدة معها، والصينية تهتم بها الصين، والروسية روسيا، والإسبانية إسبانيا. مشكلة اللُّغة العربية أنها لا تعود إلى دولة واحدة، بل إلى أكثر من عشرين دولة عربية، وهذه فيما كنتُ أظنُّها ميزةً تبيَّن لي لاحقًا أنها كثيرًا ما تكون عيبًا، إذ تُسبِّب التواكل بين الدول في دعم لغتها. وقد رأينا كيف أن اللُّغات الأخرى لديها معاهد متخصِّصة لتعليمها، في حين أن اللُّغة العربية لا يوجد حتى الآن سلسلة معاهد متخصِّصة تُشرف عليها دولة واحدة، وتكون ذات وعي بأهداف تعليم اللُّغات بوصفها قوةً ناعمةً وذراعًا متينة للتمكين الاقتصادي.

إن المملكة العربية السعودية التي هي مهبط القرآن الكريم، وموطن المعلقات (أيقونات الشعر العربي)، ينبغي أن تكون هي مرجعية.

اللُّغة العربية ليست للعرب فقط، ولا العرب والمسلمين فقط، إذ نتحدث عن أكثر من ألف وخمس مئة مليون عربي ومسلم مرجعيتهم مكة المكرمة، بل وللمهتمين بالعربية في العالم أجمع، نحن الأجدر لتولِّي هذه المهمة، مهمة قيادة اللُّغة العربية في العالم، وأرجو أن يكون إنشاء مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربية هو الذراع القادمة لتحقيق ذلك.

  • المداخلات حول القضية:
  • البُعد الاقتصادي للُّغة العربية:

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن اللُّغة العربية من الأزل هي الجسر التجاري والاقتصادي للعديد من الدول، فضلاً عن علاقة اللُّغة بالتنمية، فثمة تحوُّلات اقتصادية في العالم خصوصًا في هذه المرحلة التي تعجُّ بميادين عدة من تكنولوجيا المعلومات والتواصل الاجتماعي الحديث التقني والتقدم الهائل، وعولمة الدول لمرافق الحياة، حيث بزغ نوعٌ جديد من الاقتصاد، وهو الاقتصادُ المبنيُّ على المعرفة، وما تستطيع المعرفة أن تُسديَه للاقتصاد من حركة وتنمية وإنعاش، ويتضح ذلك من خلال تقارير التنمية البشرية التي أصدرَتها كثيرٌ من المحافل والمؤسسات الدولية، وهنا يأتي التساؤل عن موقع اللُّغة من اقتصاد المعرفة، فالمعرفة ترتبط بالسياسات الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا لعلاقتها بمعرفة  المعلومات المتداولة في عالم الاقتصاد. ولأن تطوير الإنتاج الاقتصادي رهين بما يُخطَّط من مشاريع علمية معرفية؛ فإن اللُّغة هي أداة حصول المعرفة الاقتصادية وتدويلها، ودلالةُ اللُّغة على المعرفة الاقتصادية تسند إليها وظيفة جديدة هي الوظيفة الاقتصادية للُّغة، إلى جانب الوظائف الأخرى التعبيرية للُّغة، كالوظيفة التعليمية والوظيفة الإعلامية والوظيفة السياسية. وإجمالًا، فإن اللُّغة عامةً واللُّغة العربية خصوصًا تعَدُّ الأساسَ والمنطلق نحو بناء روابط تجارية واقتصادية ترفع من كفاءة الاقتصادات بين المجتمع الواحد والمجتمعات بعضها البعض.

وذكرت د. فوزية البكر أنه إذا كنَّا نعمل للثلاثين والخمسين سنة القادمة، فهذا يعني أن أطفال اليوم في الغالب هم مَن سيتولَّون مهمةَ ذلك إنْ اعتقدوا به، ولكن هؤلاء الأطفال في الغالب لا يتعاملون مع المحتوى العربي في المجال الأكثر شعبيةً (وهو العالم الافتراضي) إلا إذا كانوا مُرغَمينَ لغرض مدرسي أو ديني، لكنهم يحملون التطبيقات والأغاني ويشترون ألعابهم وأكلهم وأغراضهم الشخصية من مواقع تتحدث الإنجليزية في الغالب. والتحديات الاقتصادية كبيرة أيضًا، فاللُّغة الإنجليزية يتحدث بها معظم البشر، وتقوم عليها دول عظمى بشركاتها التي تبتلعنا كما الطوفان، لكن ما يُميِّز اللُّغةَ العربية، وعلى الأقل كما نراها نحن – المسلمين – أنها لغة القرآن المحفوظة، وأنها نزلت كاملةً متكاملةً منذ خلقها، وهو ما يجعلها فريدةً بين لغات البشر، وستبقى في بيت كل مسلم، وهذا يعني أنها حتى مع طغيان الإنجليزية ونكران بعض الأجيال الجديدة لها ستبقى محفوظةً، وهي مرتبطة بذاكرة كلِّ طفل مسلم، لكن يجب ألا تبقى فقط في النطاق الديني، بل تتحول إلى مُنتج يؤكِّد حضورَ اللُّغة العربية في أذهان وقلوب أبنائها قبل غيرهم، وفي كلِّ المجالات الثقافية والترفيهية والمالية. وهنا، نتذكر عددًا من المحاولات الخجولة لإنتاج أفلام كرتونية بالعربية، لم تكن ناجحة كثيرًا فيما عدا برنامج (افتح يا سمسم)؛ لأنه بُنِي على نُسخة أجنبية. كذلك لنا أن نتذكر عمل عدد من الجهات والجمعيات لنَشْر الإنتاج العربي وترجمته، لكنها تظلُّ محاولات فوقية وليست جماهيرية، فما العمل؟ لا نريد أن ننظر في غياب رؤى إستراتيجية قابلة للتطبيق.

وذهبت د. هناء المسلط إلى أننا نعلم قيمة اللُّغة التبادلية إلى جانب قيمتها الثقافية. فاللُّغة رصيد يمتلكه الإنسان ويتداوله من خلال استخداماته المتعددة. ما نجده الآنَ أن غالبية المجتمعات تتجه للُّغات الدول المهيمنة اقتصاديًّا، هل هذا يعني أن النمو الاقتصادي في هذه الدول هو المُحرِّك الأساسي للُّغة؟ ولو رجعنا للغتنا العربية، هل النهوض بالجانب الاقتصادي والمعرفي في مجتمعاتنا العربية سيحلُّ مشكلةَ تراجع لغتنا، ويمكن استعادة لياقتها؟

وبدورها، أكدت أ. فائزة العجروش على أن قوة الاقتصاد والنمو الاقتصادي لأي دولة قوة للغتها الأم، وليس العكس؛ لذلك نُعول على مكانة المملكة الاقتصادية بجانب مكانتها السياسية والدينية بأن تقود هذه المسؤولية ولمّ شتات الجهود العربية المتناثرة. وفيما يخص الرأي القائل بأن تعليم اللُّغة الإنجليزية شرط أساسي لنهضة أي دولة وازدهارها اقتصاديًّا، فإنه قد يكون سببًا ولكن لا يكون شرطًا أساسيًّا أبدًا، ولو نظرنا إلى أهم الاقتصادات العالمية في مجموعة العشرين، سنجد جميعَ هذه الدول يتم التدريس فيها بلغتهم الأم رغم تطورها الاقتصادي واختيارها ضمن أهم اقتصاديات عالمية.

وأشارت د. الجازي الشبيكي أن مما يلفت النظر في السنوات الأخيرة، أن المؤتمرات الاقتصادية العالمية التي يتمُّ تنظيمها في المملكة ترتكز على التخاطب التام باللُّغة الإنجليزية فقط، في حين لا نرى ذلك لنفس المؤتمرات في الصين وألمانيا وفرنسا وروسيا، فتلك الدول تعتمد لغة بلادها كلغة رسمية للمؤتمرات مع وجود وسائل ترجمة للُّغات الأخرى، كذلك يُعتبر اشتراط التمكُّن التام من اللُّغة الإنجليزية أساسًا في القبول في الوظائف الحديثة متقدِّمًا على اشتراطات الكفاءة الأخرى، ومِمَّا لا شك فيه أن مما ساعد على ذلك أن البلاد التي تتحدَّث اللُّغة الإنجليزية هي في الغالب البلاد التي تتقدَّم فيها بشكل كبير العلوم والأبحاث والتقنية، إلى جانب أن تيار العولمة وسيادة شبكة الإنترنت والخدمات الرقمية أنتجت العالم الرقمي المفتوح المعتمد على اللُّغة الإنجليزية بشكل كبير، بينما نفتقد في بلداننا العربية المنافسة في النشر في مجال النشاط الاقتصادي الرقمي والبحث العلمي والتقني.

  • اللُّغة العربية في عالم الرقمنة:

تساءل م. فاضل القرني: هل المحتوى العربي في الفضاء الإلكتروني متواضع جدًّا، كما ورد ٥٪؜ فقط، وهل هو فقر في الكم أو النوع – بالرغم أن رقمنة المؤلَّفات العربية في ازدياد من دخول الإنترنت المملكة في وسط ١٩٩٨ وكذلك البرمجيات العربية، وتزايد تأثير الحوكمة الإلكترونية، والتطبيقات العربية المختلفة، وتعريب الخدمات والأسواق الإلكترونية العالمية والإقليمية، وتعريب مراجع علمية في الفلك والفيزياء والرياضيات، وفي وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك – أم أن المحتوى مربوط بالجانب البحثي العلمي والاقتصادي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الحلول؟

وفي هذا السياق، ذكرت أ. فائزة العجروش أنه لو سألنا أنفسنا بطريقة ‏أخرى لمعرفة الوضع الراهن: أين مكان اللُّغة العربية في عالم الرقمنة؟ وما هي مكانة العربية في قطاع ‏النشر؟ ستكون الإجابة بكل تأكيد: لدينا فقر في الكم والنوع، وأننا بحاجة إلى تحول رقمي ضخم، ونحتاج ‏إلى العمل على إنشاء محتوى ضخم يعزِّز انتشار العربية عالميًّا؛ لما يواجهه قطاع النشر العربي من ‏مشكلات بنيوية، واحتياج حركة الترجمة من العربية وإليها إلى تطوير وحُسن إدارة، ومن قرصنة الحقوق في الفضاء ‏الرقمي، والتقاطعات بين الصناعات اللُّغوية. كما نحتاج كذلك إلى استبعاد المحتوى غير القانوني في سبيل ‏تنمية المحتوى العربي ورقمنته‎.‎ وهذا لن يحدث إلا بجهود مشتركة بين القطاعين الخاص والعام والمهتمين باللُّغة العربية؛ بهدف رفد ‏الإنترنت بأكبر حجم ممكن من المحتوى العربي الهادف من نصوص وصور وسمعيات وخرائط وغيرها، وليس حصره فقط في ‏نصوص بحثية وعلمية؛ لتحقيق تحول رقمي كبير ونوعي مقارنةً مع ما يمثِّله اليوم من نسبة ضعيفة ‏حوالي 1% فقط، كي نصل إلى زيادة نسبته في المحتوى الرقمي العالمي، لتصبح 5% على أقل تقدير، ‏وذلك حسب ما جاء من بيانات في إحدى جلسات أسبوع اللُّغة العربية المنظَّم من قِبل وزارة الثقافة والشباب ‏الإماراتية تزامنًا مع اليوم العالمي للُّغة العربية.

وأضافت أ. فائزة العجروش: لنا أن نفخر بمشروع وطني (ويكي دوِّن)، لرقمنة وإتاحة المحتوى الرقمي السعودي ‏وأرشفته وإتاحته للعالم، وهو إحدى مبادرات مركز التاريخ السعودي الرقمي لإثراء المحتوى الرقمي ‏السعودي والعربي والإسلامي في الموسوعة الحرة ويكيبيديا بشكل علمي ذي تأثير‎- ‏ في موضوعات ‏مختلفة، منها: (التاريخ، الحضارة، التراث، المعالم، الأعلام والسير…)‏‎.‎ ومن أهم أهدافه: إبراز تاريخ وحضارة ‏المملكة العربية السعودية والعالمين العربي والإسلامي، والعمل على ردم الفجوة بين المستخدمين ‏السعوديين للشبكة العنكبوتية ونسبة المحتوى الرقمي، ونشر مواد تعليمية رقمية عن تاريخ وحضارة ‏المملكة العربية السعودية، وتأصيل المواد الرقمية المنشورة عن تاريخ المملكة، وتصحيح حالات ‏المغالطات والتزييف عن تاريخنا. فضلًا عن نَشْر ثقافة المشاركة والتفاعل وبناء مجتمع من المتطوعين ‏لإثراء التاريخ الرقمي لحضارة المملكة العربية السعودية.‏

وذكرت أ. منى أبو سليمان أن شركة ومنصة “أدري” تترجم المقالات العلمية عن طريق الذكاء الاصطناعي خلال دقائق وبتكلفة بسيطة جدًّا. الهدف منه هو تمكين الدارسين باللُّغة العربية من تحديث معلوماتهم سريعًا لمواكبة المنشورات الأكاديمية.

وأشار د. حامد الشراري إلى أن لدينا تجربة جديرة بالاهتمام والدعم، وهي تجربة حديثة وتنمو باطراد، وهي برنامج اللُّغة العربية على الإنترنت لغير الناطقين بها، والاختبار المعياري للُّغة العربية في الجامعة السعودية الإلكترونية؛ برنامج العربية على الإنترنت يلبي احتياجات ميدان تعليم اللُّغة العربية للناطقين بغيرها، بتوفير برنامج إلكتروني متكامل يتيح دراسة العربية في كل مكان في العالم دون قيود زمنية أو جغرافية لأكبر عدد ممكن من الراغبين في التعلُّم، بطاقة استيعابية غير محدودة، متجاوزًا عوائق التعليم التقليدي، وموفِّرًا التكلفة التعليمية وتبعات السفر والتنقل.

في حين ذكرت د. وفاء طيبة أننا لا ننتج كدول عربية مجتمعة، وحسب تقرير التنمية الثقافية الذي أصدرته اليونسكو للكتب الثقافية في 2019، ننتج بالعربية 5000 عنوان، في مقابل 300000 في أمريكا، وتتفوق ألمانيا في عدد الكتب المنشورة في العالم. وبالإضافة إلى ضعف الإنتاج، هناك ضعف القراءة والمطالعة من أغلب الجيل الجديد، الذي تتحدد قراءته  بحدود أحرف التغريدة في تويتر، وإذا أضفنا أيضًا ضعف المحتوى العربي في عالمنا الجديد (العالم الرقمي)، وعدم أو قلة برامج التواصل والتعامل المعتمدة على اللُّغة العربية، واعتماد الجيل الجديد على اللُّغة الإنجليزية في محادثاته ومعاملاته في جهات العمل في القطاعين الخاص والحكومي وبدون اعتراض من أحد، حيث يتم تقديم أهم التقارير باللُّغة الإنجليزية، ثم يتذكرون أنه لا بد من توصيل الفكرة للمواطن الذي لا يقرأ الإنجليزية، فتتذوق راغمًا طعمَ اللُّغة الأخرى في الترجمة العربية الركيكة! فمن أين لنا أن يكون للغتنا اقتصادٌ؟!

  • سبل النهوض باللُّغة العربية والمحتوى اللُّغوي كثروة اقتصادية:

أكد د. محمد الثقفي على أن اللُّغة العربية تُشكِّل أحد مقومات الأمن الوطني السعودي، وأنها أحد مكونات الهوية الوطنية السعودية، وتتطلب الغرس والتعزيز، والحماية من المخاطر، وهي مجال اهتمام تشريعي وتنفيذي؛ بدليل أن العناية باللُّغة العربية أحد الأهداف التفصيلية للهدف الإستراتيجي الأول في رؤية المملكة 2030، وتوجد برامج حكومية محلية ودولية للعناية بها، كما أنها عنصرٌ مهمٌّ في إطار المقوم السياسي للدولة، والتعامل بها كعنصر محوري، بل إنها من عوامل القوة الناعمة في تنفيذ السياسة الخارجية للدولة. والتصوُّر أن الاستثمار في نَشْر وتعليم اللُّغة العربية كقوة ناعمة من قِبل الحكومة السعودية في تكوين دبلوماسية شعبية، خارج المملكة تحديدًا أو حتى داخلها؛ سيُحقِّق الأهدافَ المرجوةَ للُّغة وللدولة، ودون أي مخاطر، وفي الوقت ذاته فإنه سيُحقِّق عوائدَ اقتصادية مجزية.

ومن وجهة نظر د. مشاري النعيم، فإنه عندما كان العرب قادةً للعالم كانت لغتهم هي مصدر المصطلحات، وكانت لغة العلوم، وعندما كانوا يملكون مفتاح النمو الاقتصادي كانت لغتهم هي السائدة، وهي المرجع الذي لا غنى لأحد عنه. اللُّغة لا تتطور دون اقتصاد، ومَن يقول غير هذا فهو واهم. إن بقاء العربية وتطورها لن يكون إلا من خلال النمو الاقتصادي. فنحن لا نتوقع من الشباب أن يتعلم العربية ويتقنها وهي غير مطلوبة اقتصاديًّا، فنحن لم نسمع عن وظيفة طُلِب فيها إتقان اللُّغة العربية إلا إذا كانت تنتمي للتاريخ، فكيف نتوق إلى أن تبقى وتتطور العربية وتكون لغة العلوم، وهي ليست ذات تأثير على الحياة اليومية وعلى رفاهية مَن يتحدَّثها. إننا يجب أن نتخلص من العاطفة ومن التواكل، فالقناعة هي أن العربية محفوظة، فالله الذي نزَّل الذكر وهو مَن سيحفظه، وهي قناعة غريبة لأنَّ الله أمرنا بالعمل، فالآية الكريمة لا تعني أبدًا أن العربية محفوظة وخالدة دون عمل، فالأمر مُسبَّب، وسواء كان رأيه صحيحًا أو أنه يريد أن يُحذِّر متحدثي العربية بأن عليهم أن يعملوا أكثر من أجل هذه اللُّغة الجميلة؛ فإن الأمر بالنسبة لنا سِيَّان.

وفيما يتعلق بالاستثمار الاقتصادي للُّغة، اقترح د. عبد الرحمن العريني تحديدًا برمجة دليل المنتجات ووصفات وتعليمات الأدوية وكل المنتجات التي عادةً توجد مطبوعة بلغات، وبرمجتها بنظام موصل بطابعة رقمية يترجم الدليل ويطبعه في ذات الوقت إلى كلِّ اللُّغات المستهدفة، ويكون مكملًا للمصانع. أيضًا، القواميس والمعاجم الإلكترونية والإبداع في صناعتها كالمدقق الإملائي واللُّغوي والتحليل الصرفي الإلكتروني والتحليل العاملي للُّغة إلكترونيًّا، والتعرف على الأصوات وتوظيف هذه التقنيات في الذكاء الصناعي والثورة الصناعية الرابعة وخطوط الإنتاج، وتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة.. إلخ.

وفي تصوُّر أ. فائزة العجروش، فإن نهضتنا الاقتصادية مرهونة بقدر تمسُّكنا بثقافتنا ولغتنا العربية وعدم انسلاخنا منها، وعلى نجاحنا في توفير العلوم والتكنولوجيا بلغتنا الأم في المدارس والجامعات والمعاهد وكافة المؤسسات التعليمية. هذا إلى جانب رفع القيمة الاقتصادية للُّغة العربية في سوق العمل السعودي قبل العالمي. وفي سياق متصل، فإننا نحتاج لقرار سيادي يُشدِّد على القائمين على المؤسسات التعليمية والتربوية والوسائل الإعلامية بأهمية التصدي لأي تحديات تُهمِّش من استخدام العربية في المملكة، وتوفير بيئة مُحفِّزة للاستفادة الاقتصادية من اللُّغة العربية كقطاع صناعي، والعمل على إيجاد لغة برمجية عربية متطورة تُعين على ترسيخ اللُّغة العربية في التداولات العالمية.

وأشار م. إبراهيم ناظر إلى أنه ليس بحال من الأحوال ضد لغتنا الجميلة لغة القرآن، ولكنها حاليًّا ليست بحال من الأحوال لغة العلوم والتقنيات الحديثة والأبحاث العلمية الرصينة والمتقدمة، وتعلُّم العلوم مثل الطب والطيران باللُّغة العربية سوف يفاقم الهوّة بين التقدُّم العلمي والدارسين باللُّغة العربية، وبصراحة الأطباء الذي تلقوا علوم الطب باللُّغة العربية في غالبيتهم يلجَؤُون إلى أَخْذ دراستهم المتقدمة بلغة أجنبية في الدول الأوروبية أو أمريكا حتى يتمكنوا من ملاحقة وتعلُّم الجديد في هذه العلوم. إن المشكلة ليست في اللُّغة العربية، فما تعانيه اللُّغة من ضعف وإهمال هو أعراض لأساس المشكلة، وهي ضعف أبنائها وتخلُّفهم الحضاري والعلمي، وعدم وجود نهضة علمية وأدبية وإعلامية اقتصادية وحتى سياسية مؤثرة تؤدي إلى الانفتاح على الحضارة الأخرى، والغربية بالذات، والاستفادة منها والتأثير فيها عن طريق إبراز فضل العرب في الآداب والعلوم، ووجوب العمل على إحياء أمجادهم الماضية.

وأضاف د. حمد البريثن أن تدريس الطب أو العلوم بالعربية يحتاج إلى حركة ترجمة قوية وجهود موحَّدة؛ فالبلدان العربية كثُر عدد سكانها بحدود الـ 450 مليون؛ لذلك من السهل تنسيق العمل والبدء به بقوة وتوافق.

وأكدت د. الجازي الشبيكي أننا كبلدان تتحدَّث العربية بحاجة بالفعل إلى التركيز على تكثيف التراكم المعرفي النوعي في مجالات عديدة باللُّغة العربية من خلال قنوات نَشْر قوية وعالمية معتمدة، كما أننا بحاجة ماسَّة للتركيز على تقوية المحتوى العربي في الفضاء الرقمي، وطرح المنتجات الاقتصادية ذات الطلب العالمي، وعلى الأخص من قِبل الفئات الشبابية التي نستهدفها بهذا التوجُّه بشكل عام، وهذا طريق صعب ولكنه غير مستحيل إذا شُحِذت له الهمم من خلال عمل جاد ورؤى إستراتيجية قوية وخُطط تكاملية سليمة.

بينما أشارت د. مها العتيقي إلى أن التمسُّك باللُّغة العربية والمطالبة بترجمة العلوم والطب قد يزيد من عزلتنا ويتسبب في تأخُّرنا عن مواكبة العلوم والأبحاث في الدول المتقدِّمة خصوصًا في المجالات الحديثة للذكاء الاصطناعي والخوارزميات.

وذكر د. حميد الشايجي أن أحد جوانب الاستفادة الاقتصادية من اللُّغة هو تدريسها لغير الناطقين بها في معاهد ومراكز ربحية سواء مرتبطة بالجامعات أو يمتلكها القطاع الخاص.

ومن جانبه يرى أ. لاحم الناصر أنه ما لم تكن اللُّغة العربية لغة الأعمال في المملكة العربية السعودية، بحيث تكون اللُّغة العربية هي اللُّغة المستخدمة داخل المؤسسات والشركات المصانع والمحلات الجارية، ولغة التخاطب الرسمي في المؤسسات الحكومية كمؤسسة النقد وهيئة السوق المالية، ومتطلب لمَن يشغل وظائف عليا في الشركات؛ فلن يكون لها حظوة أو قبول لدى النشء وأولياء الأمور.

ومن وجهة نظر د. فوزية أبو خالد، فإنه لا بد من التفكير خارج الصندوق لاكتشاف أساليب وطرق جديدة لإحياء اللُّغة العربية عربيًّا وعالميًّا وجَعْلها لغة تفاعلية عبر عدة نوافذ من النوافذ الإلكترونية، ومنها نوافذ المعرفة العلمية والمعرفة الأدبية وفنون النحت والتشكيل… إلخ.

وتطرَّق د. عبد الإله الصالح إلى أهمية أن يكون هناك إحصاء دائم ومستمر لأكثر المستجدات استخدامًا وترددًا وتحمل اسمًا أجنبيًّا، والمسارعة لإعطائها مفردة عربية قابلة للتطوير قبل أن ترسخ المفردة الأجنبية الصماء لأهل العربية من حيث التكوين والأصل.

بينما في تصوُّر م. خالد العثمان، فإن إحدى أدوات تمكين وإشاعة استخدام اللُّغة العربية تمكين استيعاب وتوظيف المفردات التي يشيع استخدامها من لغات أخرى دون تمحك وتصنُّع في ترجمتها طالما لا نملك القدرة على خلق مرادفات عربية كفؤة تقنع المستخدمين وتغريهم باستخدامها.

وأكد أ. محمد الدندني على أهمية إنشاء معاهد لتدريس اللُّغة العربية، أقلها للوافدين، وربط تجديد الإقامة بتعلُّم اللُّغة، ففي أوروبا وأمريكا هناك مستويات لتحصيل قدر معين من اللُّغة حين تجديد الإقامة. هذا مثل على احترام الشعوب والدول للغتهم. وإذا كان الهدف لدى المقيم أن يتجنس بجنسية الدولة المقيم بها، فعليه إجادة اللُّغة إجادة تامة. هذا محليًّا، وبنفس الأهمية في الدول الإسلامية والدول الصديقة، وبالذات مع الدول التي تربطنا بها علاقات اقتصادية وتجارية.

ويرى د. مساعد المحيا أن من المهم إيقاع غرامة مالية تنفِّذها وزارة التجارة والبلديات على أي منتج يدخل المملكة أو يُصنع فيها دون أن يوجد فيه وعليه كل المعلومات المتعلقة بهذا المنتج بما في ذلك الكتالوج باللُّغة العربية، وأن يكون التعريب صحيحًا وسليمًا، وهذه الغرامة تحدِّدها وزارة التجارة، وبدون ذلك لن تلتزم كثير من الشركات، ويشمل ذلك لوحات الشوارع والإعلانات. وأضاف د. فهد اليحيا إلى ما سبق أهمية مراعاة اللُّغة فيما يُكتب هنا من حيث القواعد والنحو والصرف والإملاء.

ومن جهتها، اقترحت د. عبير برهمين من أجل تعزيز أدوارنا في خدمة اللُّغة العربية المقترحات التالية:

  • تشجيع أعمال الترجمة من وإلى اللُّغة العربية في شتى العلوم.
  • اعتماد اللُّغة العربية في المعارض والمؤتمرات المقامة على أرض المملكة العربية السعودية كلغة رئيسية، ويُسمَح للُّغات الأخرى بالمشاركة مع توفير ترجمة للُّغة العربية.
  • التركيز على الفنون القائمة على الخط العربي بكل أشكاله، واعتمادها وتسجيلها من أركان مُسجَّلة.
  • تشجيع إدخال الخط العربي في “لوقو” المشاريع التجارية.
  • فتح المجال للدراسات العليا (لدول العالم حتى غير الناطقين بالعربية) في العلوم المختلفة باللُّغة العربية. وتأسيس معاهد أكاديمية لتعليم اللُّغة العربية لاجتياز امتحانات القبول بالعربية.
  • إنشاء مجمع لغوي خاص باللُّغة العربية؛ لتوحيد المصطلحات العلمية وجَعْلها سهلة وسلسة ومسؤولة.
  • التوصيات:
  • حَصْر للجهود التقنية في خدمة اللُّغة العربية على مستوى العالم، وتصميم منصة أو “فورم” لتمكين التواصل فيما بين القائمين على تلك الجهود على مستوى العالم.
  • تحفيز وتسريع العمل وتفعيل مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربية، والتأكيد على تطوير ذلك بتدرُّج، والتركيز على الجوانب العلمية والاقتصادية كأولوية من خلال إعطاء المصطلحات الاقتصادية جانبًا مهمًّا من اهتماماته، وعدم تركيز الاهتمام بالعلم والفنون فقط. ويليها الجوانب الأدبية والفقهية وغيرها.
  • دعم مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز للمحتوى الرقمي العربي؛ لتعزيز حضور اللُّغة العربية في جميع الميادين رقميًّا.
  • يجب التعامل مع اللُّغة والمحتوى اللُّغوي كثروة اقتصادية؛ فتراكم المعرفة باللُّغة ‏العربية ‏يساوي تراكم الأصول غير المادية، وتداولها يوازي تداول السلع في السوق.
  • إيجاد مركز (برج) مراقبة والرد السريع للتعامل مع المفردات الأجنبية الطارئة ذات حساسية، إما لتكررها أو لملامستها الحياة اليومية.
  • على متخذي القرار في المملكة جَعْل اقتصاديات اللُّغة العربية من الأولويات، والتعامل مع ملف اللُّغة كملف استثماري ورافد اقتصادي مهم، يُدعم بتخطيط لغوي وسياسة لغوية.
  • الاهتمام بالتصدير اللُّغوي للبرامج والتقنيات التي تعالج منظومتها. وإيجاد لغة برمجية عربية متطورة تستطيع اللحاق بركب اللُّغات العالمية، تتبناها جهة حكومية أو صندوق استثماري تحت مظلة مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربية؛ لأن الاجتهادات الفردية غير مجدية حاليًّا في مواجهة الشركات العالمية.
  • التأكيد على أن نهضتنا الاقتصادية مرهونة بنجاحنا في إعادة إحياء العربية كلغة للعلم والتكنولوجيا بتوفير العلوم بلغتنا الأم، وتعريب التعليم خاصة الجامعي بجميع تخصصاته.
  • ضرورة مواكبة اللُّغة العربية لكلِّ ما يُستجَدُّ من تقنيات لغوية حديثة، والاستفادة من الذكاء الصناعي في هذا المجال.
  • الحرص على اكتساب أطفالنا للُّغة العربية الفصحى في سنٍّ ‏مبكرة، وتعويدهم على استعمال لغتهم الأم منذ بواكير نشأتهم؛ حتى تكون اللُّغة ‏الأصلية جزءًا من مكونهم الفكري، فضلًا عن التغلب على أي عوائق تنظيمية وبيئية تعيق توفُّر بيئات استثمارية جاذبة للُّغة.
  • تشجيع استخدام الفصحى في أماكن العمل وداخل أروقة المصالح الحكومية وفي مؤسسات التعليم العالي.
  • الحث على إجراء المزيد من الدراسات البحثية حول البُعد الاقتصادي للُّغة، ومعرفة مكامن الخلل، واستقصاء بعض حالات الاستثمار اللُّغوي الناجحة.
  • التنويه على أن عبء النهوض بالبُعد الاقتصادي للغتنا العربية لا يُلقَى على كاهل جهة واحدة، وإنما هو مسؤولية جماعية؛ فلغتنا العربية محتاجة إلى استفادتنا من كنوزها أكثر من حاجتها إلى الندوات والمؤتمرات التي تبقى في دائرة النقاش دون تطبيق.

توصيات خاصة بالمحتوى الرقمي:

طرحت أ. فائزة العجروش مجموعةً من التوصيات المركزة حول المحتوى الرقمي، وآليات الارتقاء به وتطويره من خلال ما يلي:

  • قيام كيانات اقتصادية وتحالفات صناعية داخل المملكة تهتم بقطاع المحتوى العربي والرقمنة ‏والنشر، تضع خارطة طريق واضحة لخلق فرص مستقبلية في الصناعات القائمة على اللُّغة وفي ‏مجال النشر‎، وتُحقِّق العوامل التالية:
  • تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية بتشكيل لجنة من وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات ومن ‏الخبراء ذوي التخصصات المختلفة قانونيًّا وتقنيًّا؛ لصياغة مجموعة من القوانين ذات الصلة ‏بالمحتوى الرقمي، وبحرية النفاذ إلى البيانات والمعلومات، وأمن المعلومات‏.
  • وضع إستراتيجية وطنية للمحتوى الرقمي العربي، تستقرئ رؤية مستقبلية لأولويات ‏العمل‎ ‎في المرحلة المقبلة؛ لتحقيق قفزات نوعية على طريق تطوير محتوى رقمي عربي ‏إبداعي بما يخدم التنمية المستدامة، والتحول لاقتصاد المعرفة، ونعول على مجمع ‏الملك سلمان لدور المملكة المؤثر في المحيط العربي والإقليمي والدولي.
  • ‏وضع إطار عام لرقمنة المحتوى العربي وإتاحته؛ من اتفاقية بين الجهة المالكة للمحتوى ‏والجهة المنفذة، ثم تحليل الوضع القائم وحالة المحتوى المراد رقمنته لوضع الخطة التنفيذية، مرورًا ‏بجميع المراحل الفنية اللازمة، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة الإنتاج‏.
  • توفير حاضنات تكنولوجية، وتكون مهمتها رفــع المعانــاة عن رواد الأعمــال والمبدعيــن، ‏ومساعدتهم فــي البــدء بتنفيــذ أعمالهــم ذات العلاقة باللُّغة العربية، ولمســاندتهم بتقديــم ‏الاستشــارات فــي مرحلــة دراســة الجــدوى للمشــروع أو الفكــرة المــراد تنفيذهــا.
  • توفير منظومة متكاملة وموحَّدة للبنية التحتية تتسم بالجودة والكفاءة والتنافسية، تتعامل مع ‏جميع الأطراف المعنية من أصحاب المحتوى الرقمي ومنتجيه؛ لتكون حلقة الوصل بينهم، مع ‏ضمان اتساق الأداء وكفاءته وفعاليته.
  • ‏المبادرات بتشجيع المحتوى العربي وتطوير تطبيقات باللُّغة العربية على شبكة الإنترنت ‏والهواتف المحمولة؛ بتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة والخريجين من أقسام الحاسب ‏الآلي والبرمجة.‏
  • توفير منظومة لبناء المستودعات الرقمية بمنهجية تتضمن أولًا: التوافقية والاستناد للمعايير ‏الدولية، ومعايير موحَّدة وقواعد منظمة تعمل على تجميع كل جهود الرقمنة المبذولة في ‏عمليات خلق المحتوى الرقمي وتطويره؛ ومن ثَمَّ الشمولية والكفاءة في استرجاع البيانات ‏الرقمية والوصول إليها والترابط فيما بينها.. وتأتي أهمية ذلك في الالتزام بها من قِبل الجميع.
  • الاهتمام أكثر بمسألة التسويق في العالم الرقمي، للترويج للمحتوى العربي المنشور على ‏الإنترنت،‏ ومراعاة عدد من الاعتبارات، من أهمها:‏
  • السلوكيات الشرائية للمستهلك على الإنترنت.‏
  • رفع درجة الوعي وتنمية الثقافة المجتمعية بصفة عامة وللشباب بصفة خاصة؛ بحماية اللُّغة العربية والحرص على تداولها.
  • البيئة التمكينية لصناعة المحتوى الرقمي، التي تؤدي إلى الانتقال من مرحلة الإنتاج ‏إلى البيع، ومن مرحلة الفكرة إلى التمويل.
  • تمكين معاملات الدفع الإلكتروني وتفعيلها والتعريف بها والترويج لها.
  • ‏ توفير نماذج اقتصادية واضحة تنظِّم علاقة كلٍّ من أطراف العمل في المحتوى الرقمي ‏العربية، من منتج ومستهلك ومُقدِّم للخدمة وحقوق كل منهم وواجباته، ومن أمثلتها‏‎:‎‏ (النماذج ‏الإعلانية، نماذج الاشتراكات، النموذج التعاقدي، النماذج غير الربحية… إلخ)، مع مراعاة تنوُّع ‏النماذج الاقتصادية من حيث أدواتها وتطبيقها، وتوفير نماذج مبتكرة تتواءم والمستجدات على ‏الساحة الدولية.
  • ‏الاهتمام بالمنصات التي تخدم العربية كأمازون وغيرها، والتصدي للقرصنة الفكرية وسرقة ‏الحقوق، وتمكين آليات البحث في المحتوى العربي المتاح رقميًّا.
  • رقمنة المحتوى التعليمي، وإشراك القطاع الخاص والمتعلمين والمعلمين والناشرين في إثرائه، ‏والاهتمام بتطوير خُطط الدروس وتحويل المقررات الدراسية إلى صور إلكترونية، وتطوير ‏المحتوى المعتمد على المشاركة والحقائق المدمجة والتجارب والمعامل الافتراضية والكتب ‏التفاعلية والألعاب التعليمية والاهتمام بنشره إلكترونيًّا‏.
  • إقامة المسابقات والمشروعات المشتركة على مستوى الدول العربية والإسلامية، الرامية لتعزيز ثقافة الابتكار والإبداع ‏لدى الشباب، وتحفيز جميع الناطقين باللُّغة العربية والمهتمين بها؛ لإنتاج المحتوى الإبداعي باللُّغة العربية.
  • تطوير الشراكات من أجل تطوير ‏صناعة النشر وتمكينها؛ لإدخال فكر الصناعة إلى النشر بمظلة تشريعية تنفيذية، ليصبح النشر مُعزِّزًا لهذه الصناعة، مما يسهل مهام دور النشر المحلية الخاصة والحكومية نحو التحوُّل الرقمي بشكل أسرع مما ‏نراه الآن‎.‎ ‏ونعول على مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربية بتوحيد الجهود وتنسيقها تحت مظلته، ‏في سبيل بناء منصة عربية واحدة للمحتوى الرقمي‎.‎
  • الاهتمام ببناء مستودعات رقمية تختلف باختلاف نوع المحتوى الحكومي ‏الذي تتعامل معه، وبالتالي الخدمات والتطبيقات التي تُبنَى عليه.‏ ومن أمثلتها: برنامج للمحتوى الحكومي المفتوح، وبرنامج للمحتوى الحكومي المدفوع.‏
  • أهمية التعامل بجدية مع المخاوف والتحديات الراهنة لتحفيز إنتاج المحتوى الرقمي العربي، ‏وتشجيع استخدامه.

 

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

  • قضية “الحوكمة في القطاع الخاص خيار أم إلزام؟”:
  • م. أسامة كردي
  • م. عبد الإله الصالح
  • أ. فهد القاسم
  • أ. نبيل المبارك
  • أ. فائزة العجروش
  • د. خالد الدهيش
  • د. بسمة التويجري
  • د. مساعد المحيا
  • قضية “التحديات التي تواجهها المملكة في تطوير الدراسات الوبائية واللقاحات خلال جائحة كوفيد-١٩”:
  • أ. فائزة العجروش
  • د. سعيد العامودي
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. محمد الثقفي
  • م. فاضل القرني
  • د. فوزية البكر
  • م. أسامة كردي
  • د. حسين الحكمي
  • أ. لاحم الناصر
  • د. وفاء طيبة
  • قضية “برنامج جودة الحياة والمجالس البلدية”:
  • أ. د. مجيدة الناجم
  • د. حامد الشراري
  • د. محمد الثقفي
  • د. عائشة الأحمدي
  • أ. فهد الأحمري
  • د. هند الخليفة
  • د. مساعد المحيا
  • أ. فائزة العجروش
  • د. خالد بن دهيش
  • د. عبير برهمين
  • د. مها العيدان
  • م. فاضل القرني
  • أ. جمال ملائكة
  • م. خالد العثمان
  • أ. لاحم الناصر
  • قضية “البُعد الاقتصادي للُّغة العربية والسياسة اللُّغوية في المملكة”:
  • د. فوزية البكر
  • د. هناء المسلط
  • د. عبد الرحمن العريني
  • د. محمد الثقفي
  • د. حميد الشايجي
  • أ. منى أبو سليمان
  • د. حمد البريثن
  • د. فهد اليحيا
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. مشاري النعيم
  • م. أسامة الكردي
  • أ. فهد القاسم
  • أ. لاحم الناصر
  • د. فوزية أبو خالد
  • أ. د محمد المقصودي
  • أ. إبراهيم ناظر
  • د. وفاء طيبة
  • د. مها العتيقي
  • أ. عبد الإله الصالح
  • م. خالد العثمان
  • أ. محمد الدندني
  • د. عبير برهيمن
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • أ. حامد الشراري
  • د. مساعد المحيا

([1]) يُنظر في ذلك: ورقة بحثية مقدمة من بوسالم أبوبكر. بن دهيبة محمد. قدري صلاح الدين، حول مبادئ الحوكمة الإلكترونية وأهميتها وآليات تطبيقها للشركات، وإبراز أهمية تطبيق مفهوم الحوكمة الإلكترونية للشركات العاملة في البيئة الاقتصادية بما يحقق الاستدامة، منشورة في: مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي، المجلد (4)، العدد (3)، ص ص 256-268.

([2]) رئيس قسم أبحاث الأمراض المعدية، مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية.

([3]) مستشار – عضو الهيئة السعودية للمهندسين.

([4]) عضو المجلس البلدي بمنطقة الرياض.

(*) المصدر: بلدي الرياض، الموقع الإلكتروني: https://eservices.alriyadh.gov.sa/

([5]) الأمير تركي الفيصل، ملتقى “اقتصاديات تعليم اللُّغة العربية – لغة ثانية”، نظَّمه مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2016.

([6]) اللساني البريطاني ديفيد غرادول.

([7]) المستشرق مرجليوث الأستاذ بجامعة أكسفورد‏.

([8]) محمود السيّد: قضايا راهنة للُّغة العربيّة، وزارة الثقافة، الهيئة العامَّة السوريَّة للكتاب، 2016.

([9]) الأمير تركي الفيصل، ملتقى “اقتصاديات تعليم اللُّغة العربية – لغة ثانية”، نظَّمه مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2016 م.

([10]) فعليًّا، يعاني المجتمع السعودي من ثنائية اللُّغة، (العامية) في الحياة العامة، (الفصحى) ‏على مقاعد الدراسة والمؤتمرات العلمية، (الإنجليزية) في سوق العمل، والنتيجة أضعنا لغتنا وأهملنا في تعليمها التعليم الصحيح لأبنائنا وتعلَّم الوافدون منَّا لغةً عربيةً مكسَّرة. ‏

([11]) ﺣﺮص اﻟﻴﻬﻮد ﻋﻠﻰ ﻋﻤﻠﻴﺔ الترويج للعبرية دوليًّا، وﺗﺪﻋﻴﻢ اﻟﻌﻮاﻣﻞ اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ من خلال دعم الطباعة والصحف وتأسيس الجمعيات اللغوية وعبرنة الفنون، وكما هو معروف، اﻟﻠﻐﺔ واﻟﺪﻳﻦ هما عنصران مركزيان ﻷي ﺛﻘﺎﻓﺔ أو ﺣﻀﺎرة أو لغة يُكتب لها اﻟﺒﻘﺎء. وﻳﺒـﺪو ﻫــﺬا ﺟﻠﻴـًّا ﰲ رﺑـﻂ العبرية ﺑﺎﻟﺪﻳﺎﻧــﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳـﺔ. وكانت الجدوى الاقتصادية من تكلفة عملية إﺣﻴﺎء العبرية – التي ﺳـﺎﻫﻢ ﻓﻴﻬـﺎ اﻟﻴﻬـﻮد ﻣـﻦ روﺳـﻴﺎ وأﳌﺎﻧﻴـﺎ وﺑﻮﻟﻨـﺪا بخاصة ﰒ ﺑﻘﻴـﺔ ﻳﻬـﻮد العالم-أﺿﻌﺎﻓًﺎ ﻣﻀﺎﻋﻔﺔ؛ أﻻ وهي إﻗﺎﻣﺔ “دوﻟﺔ ﻋﺒﺮﻳﺔ. “د. عبد العظيم أحمد عبد العظيم، التخطيط اللغوي لتأصيل الهوية العبرية في فلسطين.

([12]) لا يفوتنا الإشارة هنا لجهود مركز الملك عبد الله للُّغة العربية في دعم وتمكين اللُّغة العربية في الداخل والخارج، وإلى عشرات الملايين التي صرفتها المملكة لنشر اللُّغة العربية في الخارج، بإنشاء معاهد للعلوم الإسلامية والعربية في كلٍّ من: موريتانيا، إندونيسيا، جيبوتي، واشنطن. وكذلك إلى المبادرة العالمية التي أطلقتها هيئة تقويم التعليم والتدريب للاعتماد الأكاديمي لمراكز وبرامج تعليم اللُّغة العربية لغير الناطقين بها حول العالم تزامنًا مع اليوم العالمي للعربية 2020، التي تأتي تعزيزًا لمكانة المملكة العربية السعودية ومسؤوليتها التاريخية والإسلامية وريادتها في الحفاظ على اللُّغة العربية، وسد الفجوة في جودة تعليم برامج اللُّغة العربية لغير الناطقين بها واعتمادها، وضمان مستوى جودة هذه البرامج ورفع جودة مخرجاتها.

([13]) الاستثمار في اللُّغة العربية، مباحث لغوية (3)، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللُّغة العربية.

([14] (Organization for Economic cooperation and development (OECD), The Knowledge Based Economy ;1996.

([15]) ظهر مصطلح “اقتصاديات اللُّغة” لأول مرة في العام ‏1965، د. محمود بن عبد الله المحمود، التخطيط اللغوي الاقتصادي: رؤية نحو العربية.

([16]) ‏”مما يدل على توسُّع العرب قديمًا في المسائل الاقتصادية، كثرة ألفاظ اللُّغة العربية الدالة على المال، ‏لكل منها معنى من المعاني الاقتصادية التي ترجع إلى الاستثمار ‏وغيره، منها «التلاد “المـال الموروث”، والركاز “المال المدفون”، والضمار “المال لا يرجى”، والطارف “‏المال المستحدث”، والتالد “المال القديم”.‏ ‏ كريم ربيع، مقال بعنوان “في يومها العالمي.. هل ‏تراجعت اللُّغة العربية اقتصاديًّا؟”‏

[17] (Organization des Nations Unis pour l’Education, la Science et la Culture: „VITALITE ET DISPARITION DES LANGUES

([18]) يرجع ذلك لتأثر اللُّغة اللاتينية بعصر النهضة الأوروبية تأثرًا ملحوظًا باعتبارها اللُّغة التي كان يستخدمها رجال الدين، وتمَّ نقل العديد من المؤلَّفات والمخطوطات والكتب المؤلَّفة بها إلى مجموعة من اللُّغات الأوروبية المحكية؛ الأمر الذي أدى إلى انخفاض نسبة مستخدمي اللُّغة اللاتينية.

([19]) د. محمد مراياتي، الخبير ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، برنامج تدريبي عن اللُّغة والاقتصاد.

([20]) من التجارب المثيرة للانتباه لتأثير اللُّغة الكبير في الاقتصاد تجربة رواندا الاقتصادية والتعليمية، التي كانت تعيش حربًا أهلية، ذهب ضحيتها عشرات الآلاف وأصبحت اليوم من أقوى اقتصاديات إفريقيا؛ لاعتماد الإنجليزية في النظام التعليمي بدلًا من الفرنسية، والتوجه لاقتصاد قائم على الطاقة البديلة.

([21]) من أبرز الأمثلة على ذلك، أن تعزيز الاقتصاد في كتالونيا (إسبانيا) كان عاملًا رئيسًا في تشجيع استخدام اللُّغة الكتالونية في الإقليم؛ مما عزَّز مكانة اللُّغة في المناطق الأخرى الناطقة بالكتالونية أيضًا.

[22] يمكن الإشارة هنا إلى فخرنا ببرنامجين تقدمهما الجامعة السعودية الإلكترونية لخدمة اللُّغة العربية: الأول هو العربية على الإنترنت  Arabic-online.net، والثاني هو اختبار العربية المعياري   Standardized Arabic Test، وهو ‏اختبار ناجز ومقنن مقابل لاختبارات التوفل والآيلتس في الإنجليزية.

([23]) هناك مقولة شهيرة للمستشار الألماني الأسبق (ويلي براندت)” إذا أردتُ أن أبيعـــك بضاعتي يجب أن أتحدث لغتـك، وإذا أردتَ أن تبيعني بضاعتــك فعليك أن تتحدث بالألمانيـة.

(([24] يصعب وجود أمثلة واقعية لدول تشهد تعددية لغوية كبيرة نسبيًّا، وتتمتع باقتصادات قوية، لكن هذا لا يمنع من وجود بعض الاستثناءات الناجحة، كدولة سويسرا التي يتحدث شعبها ب 3 لغات (فرنسية، ألمانية وإيطالية).

([25] (https://www.youtube.com/watch?v=mJczNhMT6tw

([26]) اللُّغة المكتوبة فرصة نفاذ أكبر من اللُّغة المنطوقة، والكتابة تجعل لها أصولاً، حتى لو زالت ففرصة زوال لغة منطوقة أكبر من فرصة زوال اللُّغة المكتوبة.

[27] Louis-Jean Calvet, Il était une fois 7 000 langues, Paris, Fayard, 2011, 267 p.

([28]) http://www.unesco.org/new/ar/unesco/resources/history-of-the-arabic-language-at-unesco

([29]) يُحكى أنه في أحد اجتماعات البرلمان الأوربي، ترك الرئيس الفرنسي شيراك القاعة؛ لأن المندوب الفرنسي تكلَّم باللُّغة الإنجليزية احتجاجًا على مواطنه الذي تكلم بلغة غير الفرنسية.

([30]) محمود بن عبد الله المحمود، “التخطيط اللغوي الاقتصادي: رؤية نحو العربية “. يُوضِّح أحد التقارير المعنيّ بنشر الفرنسية في العالم الجهودَ المبذولة للتأكيد على مكانة الفرنسية كلغة عالمية، وأنها لغة للاقتصاد الدولي. يعتبر الاقتصاد الفرنسي الخامس عالميًّا، وتمثِّل الدول الناطقة بالفرنسية (12 %) من التجارة الدولية، ويُخصَّص لنشر اللُّغة الفرنسية أكثر من 700مليون يورو من الميزانية السنوية، وهو ما أوجد 30 ألف وظيفة في فرنسا نتيجة للحراك الاقتصادي مع الدول الناطقة بالفرنسية. ويتم تدريب أكثر من (10) آلاف دبلوماسي أجنبي سنويًّا في فرنسا بدورات لغوية. وهناك دولة أخرى تستحق النظر، فـ(كندا) التي تعيش تعددية لغوية، إذ تهيمن عليها الإنجليزية، ويتم الاعتراف بالفرنسية لغة ثانية في عموم البلاد، فمن تقرير اقتصادي لتقييم الصناعة اللغوية في كندا، بيَّن لنا حجم إسهام الصناعة اللغوية في الاقتصاد الكندي بحوالي (2.7) مليار دولار، وتوفير (51700) وظيفة، وحظي قطاع الترجمة بالمساهمة الكبرى في الصناعة اللغوية بحوالي (1.2) مليون دولار، وتوفير (25200) وظيفة.

([31]) تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين القسمين علاقة تبادلية؛ فالاستثمارات اللغوية التي تسهم في تحسين الانتفاع اللغوي تؤثر إيجابًا في دعم الاستثمارات اللغوية التي تسهم في الانتفاع الاقتصادي.

([32]) من الحروب اللغوية التي نشبت في أواخر الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، (حرب المعاجم)، في الولايات المتحدة الأمريكية، وفيها استعرت حدة المنافسة التجارية في مجال اللُّغة، وأسفرت عن تأكيد استقلال أمريكا والحفاظ على هويتها من التأثر اللامحدود ببريطانيا العظمى. ومن الأمثلة الأخرى للصراع بين الكلمات واللُّغات ما حدث بين اللُّغة العربية واللُّغة القبطية في مصر، عندما بدأت حروب الفتح العربي لمصر سنة 20هـ / 640م، حيث أخذت اللُّغة العربية تحل محل القبطية. وفي عام 87هـ/ 706م أصدر والى مصر آنذاك عبد الله بن عبد الملك بن مروان أوامره بإحلال العربية محل القبطية.

([33]) د. محمود السيد، محاضرة «الاستثمار في اللُّغة العربية ثروة قومية في عالم المعرفة»، 2015 م، مجمع اللُّغة العربية، سوريا.

([34]) أصدق قول عن اللُّغة للأديب مصطفى صادق الرافعي.


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-70-لشهر-ديسمبر-2020-1.pdf