يناير 2020

تمهيد

يعرض هذا التقرير عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر يناير 2020 م، وناقشها نخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • السياسات السكانية للمملكة العربية السعودية: البعد الدولي والخليجي والوطني.
  • قياس يكشف المستور: ملخص أولي لتحليل نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات.
  • التنظيمات الهيكلية الأخيرة للأجهزة ذات العلاقة بمكافحة الفساد، وأثرها على مكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية.
  • كبار السن في المملكة.. ماذا أعددنا لهم؟

القضية الأولى

السياسات السكانية للمملكة العربية السعودية – البعد الدولي والخليجي والوطني (5/1/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. ثريا عبيد (ضيفة الملتقى)
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: م. أسامة كردي
  • التعقيب الثاني: د. عبد الله المطيري
  • إدارة الحوار: د. سليمان الطفيل

 

  • الملخص التنفيذي:

تناولت د. ثريا عبيد في الورقة الرئيسة محورين أساسيين؛ عرض المحور الأول التحديات التنموية المرتبطة بالسياسة السكانية في المملكة العربية السعودية. أما المحور الثاني فتطرق إلى السياسات الديموغرافية في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030؛ ولا سيما بالإشارة إلى التركيز من قبل صاحب السمو الملكي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، على الشباب وإعطائهم أولوية واهتمام شديد. وهذا يتمشى مع “الفرصة أو النافذة” الديموغرافية والتي تدفع بالشباب إلى الأمام. إضافةً إلى ذلك، فكل ما ورد حول تحسين حالة السكان وتوزيعهم الجغرافي والخدمات المقدَّمة لهم، علميًّا وتقنيًّا وعمليًّا وصحيًّا، يصبُّ في تحقيق محاور الرؤية.

وناقش م. أسامة كردي في التعقيب الأول علاقة السياسة السكانية برؤية المملكة ٢٠٣٠ باعتبار أن أحد عوامل استمرار النجاح في تنفيذ الرؤية هو الاهتمام بالسياسة السكانية في المملكة، بل وإضافة مجموعة من البرامج والمبادرات في الرؤية متعلقة بالسياسة السكانية والاستعجال في ذلك.

وسلَّط د. عبد الله المطيري الضوءَ في التعقيب الثاني على التحدي الذي سيواجه المملكة في السنوات القادمة، وهو شيخوخة السكان السعوديين؛ وذلك لتأثيره المستقبلي على التنمية والأمن الوطني.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • التركيبة السكانية في المملكة.
  • النمو السكاني: الإيجابيات والمحاذير.
  • أبعاد شيخوخة السكان.
  • الهجرة السكانية: السلبيات والحلول.
  • رؤية استشرافية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: السياسات السكانية للمملكة العربية السعودية: البعد الدولي والخليجي والوطني، ما يلي:

  • العمل على الاستثمار الأمثل للنافذة الديموغرافية، وجعلها أداةً تنمويةً، وتحويلها من مشكلة وعبء إلى فرصة وقوة.
  • العمل على تنمية المناطق المختلفة في المملكة (مدن صغيرة ومتوسطة وقرى)، ودعم إنشاء تجمعات سكانية فيها باستغلال الميزة النسبية لها، أو إنشاء جامعات متخصصة في تلك الميزة أو مصنع أو خلافه حسب موارد كل منطقة، واستقطاب كفاءات جيدة في توفير الخدمات الملائمة لتوطين سكانها الأصليين، وتشجيع غيرهم للعمل فيها، بدلاً من الانتقال للمدن الرئيسية؛ ومن جهة أخرى، تحقيقًا لحق الجميع في الحصول على المستوى اللائق من الخدمات، وكنتيجة سيؤدي ذلك إلى الحفاظ على هوية كل منطقة والحد من الانتقال للمدن.
  • إنشاء مركز وطني للدراسات السكانية.

 

  • الورقة الرئيسة: د. ثريا عبيد (ضيفة الملتقى) (*)
  • التحديات التنموية المرتبطة بالسياسة السكانية في المملكة العربية السعودية

يمكن تلخيص التحديات التي تواجهها المملكة بالنسبة لقضية السكان كما يلي:

  • تؤدي السرعة في وتيرة الزيادة السكانية إلى تحديات أمام الدولة لتأمين الخدمات الأساسية للسكان: المدارس، المراكز الصحية، المستشفيات، مجالات للعمل،… إلخ. لذلك، اعتماد سياسة المباعدة بين الولادات (أو ما يُعرف عالميًّا بـ “تنظيم الأسرة”) سيؤدي إلى خفض سرعة الزيادة السكانية؛ مما يمكن الدولة من التخطيط الملائم والتنفيذ المطلوب لمواجهة احتياجات السكان.
  • وجود ما يُسمَّى Youth Bulge، والتي تعتبر نافذة ديموغرافية للسكان في سن العمل، وهذا يتطلب من الدولة إعطاء أولوية لمواجهة احتياجات هذه الفئة حتى تكون قادرةً على المشاركة الفعلية في اقتصاد البلد وتطوره.
  • يعتبر التكدُّس السكاني في المدن الرئيسية من أهم التحديات التي تواجه المملكة، ويؤثر هذا التكدس على توزيع الموارد المتاحة بين مناطق المملكة المختلفة حسب الحاجة؛ مما يجعل الحاجة ملحة في المدن الكبرى على حساب المدن التي تركها المواطنون للعمل في المدن الأساسية. وهذا يؤدي كذلك إلى زيادة الضغوط على المراكز الحضرية وقدرتها على الإيفاء باحتياجات جميع سكانها.
  • ضعف الخدمات خارج المدن الأساسية في الحضر مما يؤثر على أوضاع السكان في المدن البعيدة عن المراكز الأساسية بالنسبة للخدمات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية.
  • أن حجم السكان المتزايد يجعل التوازن بين الموارد الطبيعية وخاصة المياه تحديًّا أساسيًّا.
  • يشكل وجود أعداد الشباب في سن العمل، تلك النافذة أو الفرصة الديموغرافية، تحديًّا كبيرًا؛ نظرًا لضرورة ربط مجالات التعليم التي تتطور ببطء، ومتطلبات سوق العمل والاقتصاديات الجديدة، بما فيها الاقتصاد الرقمي والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، والتي تتطور بسرعة مذهلة.
  • وجود خدمات صحية ملائمة تتوجه لكل الفئات العمرية، بما فيها المراهقون والمسنون والمرأة في مراحل الإنجاب العمرية المختلفة.
  • الحاجة إلى التنسيق العملي والمستمر بين الوزارات والهيئات حول مشروعات الرؤية ٢٠٣٠ وبرنامج التحول الوطني ٢٠٢٠، والتعاون في البرامج المشتركة؛ تفاديًا لهدر الموارد المتاحة، وتنظيمًا للعملية التنفيذية، وحماية للمواطنين من الضياع بين مؤسسات الدولة المختلفة.
  • التعامل مع المفاهيم والممارسات الخاطئة المرتبطة بمفهوم الصحة الإنجابية بمعناها العلمي والاجتماعي والثقافي والديني، والمفهوم الاجتماعي المرتبط بقوة الأسرة أو القبيلة بناءً على العدد وليس نوع الأفراد علمًا وعملاً.
  • التعامل مع المفهوم الخاطئ للأمن الوطني والذي يطالب بزيادة أعداد السكان من أجل “ملء الصحراء” للدفاع عن حدود المملكة شرقًا وجنوبًا، وعدم الإدراك أن الجيل الرابع من الحروب لا يتطلب أعدادًا هائلة من السكان حاملي السلاح؛ بل يتطلب عقولاً علمية متطورة تنتج السلاح التكنولوجي المتقدِّم المناسب للحروب الجديدة التي لا تتطلب مواجهة جسدية فعلية بين الجيوش، وما الطائرة بدون طيار drones وما الاعتداء على مواقع البترول في المنطقة الشرقية إلا مثالاً واحدًا لأدوات الجيل الرابع من الحروب.
  • تشجيع منظمات المجتمع المدني للمشاركة في التوعية الأسرية والقضايا المرتبطة بصحة الأم والخصوبة، وما إلى ذلك من أمور أسرية.
  • وأخيرًا، التحدي الأساسي وهو إمكانية ضياع الذاكرة المؤسسية للدولة بسبب العلاقات القائمة بين جيل الشباب الذي يدخل سوق العمل الآن من أوسع أبوابها وأعلاها، والجيل الأكبر عمرًا (فئة الأربعين فما فوق) الذي عمل لسنوات عديدة في ظروف العمل الحكومي الصعبة إداريًّا وماليًّا، والشعور بين الشباب بالتعالي على مَن سبقهم في العمل في المؤسسات الحكومية بسبب تعليمهم الحديث تكنولوجيًّا ومعرفيًّا مقارنةً بالآخرين، والشعور بين موظفي الحكومة أنه لديهم الخبرة والمعرفة الوظيفية؛ لذلك لا بد من اعتماد برنامج يجعل الحوار بين الأجيال والتناغم بين المهارات الجديدة والمعرفة والخبرة القائمة حقيقةً إيجابية تدفع بالجميع نحو المشاركة في تقدم الوطن وتحقيق رؤية المملكة ٢٠٣٠ وما بعدها.
  • رؤية المملكة العربية السعودية 2030:

تعتمد رؤية المملكة العربية السعودية 2030 على ثلاثة محاور، وهي المجتمع الحيوي والاقتصاد المزدهر والوطن الطموح، ويمثِّل المحور الأول (المجتمع الحيوي) أساسًا لتحقيق هذه الرؤية، وتأسيس قاعدة صلبة للازدهار الاقتصادي، أما المحور الثاني (الاقتصاد المزدهر) فيركِّز على توفير الفرص للجميع وتطوير الأدوات الاستثمارية، وتخصيص الخدمات الحكومية وتحسين بيئة الأعمال واستغلال الموقع الإستراتيجي الفريد للمملكة، أما المحور الثالث (الوطن الطموح)  فقد تم التركيز على القطاع العام من خلال رسم ملامح الحكومة الفاعلة، وتهيئة البيئة اللازمة للمواطنين وقطاع الأعمال والقطاع غير الربحي لتحمُّل مسؤولياتهم وأخذ زمام المبادرة في مواجهة التحديات واقتناص الفرص.

ولقد تمَّ التركيز من قِبل صاحب السمو الملكي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، على الشباب وإعطائهم أولوية واهتمام شديد. وهذا يتمشى مع “الفرصة أو النافذة” الديموغرافية والتي تدفع بالشباب إلى الأمام. إضافةً إلى ذلك، كل ما ورد حول تحسين حالة السكان وتوزيعهم الجغرافي والخدمات المقدَّمة لهم، علميًّا وتقنيًّا وعمليًّا وصحيًّا، يصبُّ في تحقيق محاور الرؤية الثلاثة.

أما التغيرات التي تحدث في أوضاع المرأة والهدف من زيادة مشاركة المرأة في قوة العمل وتقديم الخدمات المساندة لها، بما فيها دور الضيافة للأطفال في مواقع العمل، وقدرتها على التنقل بقيادة سيارتها، والالتزام بالمعنى الشرعي للولاية؛ فكلها تصب في التزام المملكة دوليًّا ووطنيًّا بتمكين المرأة والتوازن بين دوريها: الإنجابي والإنتاجي.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: م. أسامة كردي

لا شك أن أحد عوامل استمرار النجاح في تنفيذ رؤية المملكة 2030 هو الاهتمام بالسياسة السكانية في المملكة، بل وإضافة مجموعة من البرامج والمبادرات في الرؤية متعلقةً بالسياسة السكانية والاستعجال في ذلك. ولعلِّي هنا أُثني على ما ذكرته د. ثريا من ضرورة الاهتمام بعدم ضياع (الذاكرة المؤسسية للدولة) التي ينبني عليها تحقيق أغلب – إنْ لم يكنْ كل – برامج ومبادرات وأهداف الرؤية.  كما أودُّ أن أؤكد على أحد التحديات الذي أرى أهميته، وهو التكدُّس السكاني في المدن الرئيسة مع ضعف الخدمات خارجها.

وفي عجالة، هنا يمكن الإشارة إلى بعض من أهداف الرؤية التي تتأثر مباشرةً بالسياسة السكانية، ومن هذه الأهداف رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل بالذات فيما يتعلق بالمباعدة بين الولادات، للتوازن بين دور المرأة الإنجابي والإنتاجي، ومنها رفع نسبة تملك المنازل، وتخفيض البطالة؛ بالإضافة إلى مجموعة من الأهداف المتعلقة بالخدمات الصحية التي يجب أن تؤدي إلى زيادة العمر المتوقع للإنسان وارتفاع نسبة الشيخوخة.

وعلى الرغم من وجود برنامج دولي غير ملزم حول (السكان والتنمية)، ووجود إطار استرشادي خليجي لإستراتيجية سكانية، وعلى الرغم من قيام المملكة بتقديم تقريرها التطوعي الأول عام ٢٠١٨ حول أهداف التنمية المستدامة، وقيام مجلس الشورى بدراسة (مشروع الإستراتيجية السكانية) عام ٢٠١٤؛ فإن المملكة لا يوجد لديها إستراتيجية معتمدة للسكان.

بقي أن نعرف أن مشروع الإستراتيجية السعودية يحتوي على أربعة مواضيع، هي: حجم النمو السكاني والتركيب العمري، والخصوبة والصحة الإنجابية، والصحة ومعدل الوفيات، والهجرة والنزوح.  ويجب أن نعرف أن أي إستراتيجية سكانية يجب أن تحوي أجزاءً مهمة، مثل: دور المرأة في التنمية، والتعليم والتدريب، والقوى العاملة والبطالة، ومكافحة الفقر.  كما يجب أن نعرف أيضًا أن معظم المختصين في المملكة أجمعوا على أن أفضل أسلوب لتنظيم الأسرة هو المباعدة بين الولادات؛ لأنها تعطي الطفل حقَّه من الرعاية، وتسمح للأم بالتعافي جسديًّا وعاطفيًّا، كما أن العارفين في أمور الشريعة أكدوا مشروعية ذلك.

وأخيرًا، يبدو أن هناك حاجة حقيقية لإنشاء (مركز للدراسات السكانية) يُكمل عمل (اللجنة الوطنية للسكان) التي شُكِّلت بموجب قرار من مجلس الوزراء في عام ٢٠٠٧، خاصةً أن المجلس في عام ٢٠١٦ قد أكَّد على دور اللجنة الوطنية وضرورة قيامها بتقديم تقارير دورية عن الحالة السكانية لساكني المملكة.

 

  • التعقيب الثاني: د. عبد الله المطيري

يركز هذا التعقيب على التحدي الذي سيواجه المملكة في السنوات القادمة وهو شيخوخة السكان السعوديين؛ وذلك لتأثيره المستقبلي على التنمية والأمن الوطني.

تناولت عدة دراسات موضوع الشيخوخة، ومنها دراسة أعدَّها د. حسين أبو ساق عام 2015م بعنوان “شيخوخة السكان في المملكة العربية السعودية”، تناول فيها أثر الشيخوخة على الاقتصاد السعودي، ومما ورد في الدراسة:

  • تتوقع الأمم المتحدة أن تصل نسبة من أعمارهم 60 سنة فما فوق 25% في عام 2050م، أي نحو 10 ملايين نسمة، فيما كانت تمثل 4.4 عام 2010م أي 1.1مليون نسمة، وأنه خلال الفترة 2015-2050م فإن الفئات العمرية 60-80 فأعلى، سيكون معدل نموها أعلى من بقية الفئات العمرية، وستكون الزيادة حادةً بعد عام 2015م، كما هو مُبيَّن في الشكل.

  • أن من أسباب شيخوخة السكان:
  1. انخفاض معدل الخصوبة في السنوات الأخيرة، وأنها ستصل إلى 1.7 مولود عام 2050م.
  2. ارتفاع متوسط العمر المتوقع للسكان الذي سيصل إلى 82 سنة، والذي سيؤدي إلى ارتفاع في نسبة المسنين نتيجة توافقه مع انخفاض معدل الخصوبة.
  3. انخفاض معدلات المواليد والوفيات (الزيادة الطبيعية) سيؤدي إلى نقص في فئة الشباب وزيادة في فئة المسنين.
    • من التحديات التي تواجه صانع القرار ما يلي:
  • أن للمسنين احتياجات تختلف عن غيرهم من الفئات العمرية من حيث السلوكيات والاستهلاك والرعاية الصحية، وكونهم يشكلون عبئًا مع زيادة العمر المتوقع على صناديق التقاعد؛ مما يجعل مدخراته غير كافية.
  • ثمة ارتفاع مفاجئ في نسبة الإعالة وزيادة الرعاية الصحية نتيجة ارتفاع أعداد المسنين، وتوقع انخفاض معدل مشاركة القوة العاملة.

من خلال ما ورد في هذه الدراسة وغيرها من الدراسات والمؤشرات الديموغرافية، فإن شيخوخة السكان السعوديين أحد التحديات السكانية المستقبلية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار، خاصة أننا نشاهد على أرض الواقع ما يحدث في بعض الدول الأوروبية واليابان وغيرها من مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية بسبب زيادة أعداد المهاجرين من أفريقيا وشرق آسيا.

ذكرت د. ثريا أن من التحديات التنموية التي تواجه المملكة “السرعة في وتيرة الزيادة السكانية”، وفي الواقع تشير الإحصاءات إلى عكس ذلك، فمعدل النمو أخذ في الانخفاض منذ التسعينيات بشكل لافت للنظر، كما هو مُبيَّن في الجدول التالي:

العام معدل النمو السنوي %
1992م 3.79
2004 2.45
2010 2.13
2016 1.11

المصدر: سلسلة دراسات السكان والمساكن في المملكة العربية السعودية

مركز الدراسات السكانية، جامعة الملك سعود.

النمو السكاني في المملكة لم يعُد يمثل مشكلة، فحجم السكان ليس بالحجم الكبير الذي يؤدي إلى زيادة كبيرة في الأعداد السنوية؛ ومن ناحية، فهو وصل إلى مرحلة الاستقرار. وما يقلق هو كيفية التعامل مع النافذة الديموغرافية التي تعتبر نعمة، وإذا لم يُستفد منها فهي نقمة.

  • المداخلات حول القضية:
  • التركيبة السكانية في المملكة:

أشارت أ. فائزة العجروش إلى أن التركيبة السكانية قضية مهمة جدًّا، وتمثل قضية أمن ‏قومي للمملكة، وليست خاصة بالتركيبة ‏السكانية فقط؛ لارتباطها بالأوضاع الاقتصادية ‏والسياسية والاجتماعية والإستراتيجية بشكل ‏عام. فما تحمله هذه القضية في طياتها من عدم ‏توازن في التركيبة السكانية، ليست قضية أرقام أو إحصائيات ‏ترتفع وتنخفض، لكنها تتطرق ‏لجوانب بالغة الأهمية وشديدة الحساسية على مختلف المستويات؛ فالمشاريع ‏التنموية والترفيهية تؤدي ‏بشكل واضح إلى تواجد العمالة الوافدة بهذا الكم الهائل، وما لها من تبعات اقتصادية ‏وثقافية ‏واحتمالات للتغير في القيم الاجتماعية؛ لذا فمن الأهمية التصدي لمواجهة العشوائية في جلب العمالة ‏الآسيوية والغربية ‏وغزوها المجتمع السعودي بالعديد من الموروثات الثقافية والممارسات المغايرة ‏‏لتقاليد مجتمعنا المحافظ، وتورط البعض منها في جرائم كثيرة، ‏مثل ‏المخدرات والسرقات وغسيل الأموال والتهريب، وغيرها من الجرائم التي لم يعرفها ‏المجتمع في الماضي. وينبغي ‏التأكيد هنا على تفعيل القوانين الخاصة بإلزام ‏الوافدين باحترام عادات وتقاليد الدولة، خاصة من جانب الذكور ‏الذين تزداد أعدادهم بأرقام ‏مخيفة مع زيادة عدد المشروعات التنموية والترفيهية التي تشهدها المملكة.‏ وتعتبر هذه القضية بالدرجة الأولى ‏قضية أمن قومي، فعندما يصل عدد ‏الوافدين في مجتمع ما إلى 50%، وبهذا التسارع حتى ‏وإن كان مبررًا!  يعتبر مؤشرًا خطيرًا.

وبمقارنة الأرقام ‏والإحصاءات في تعداد الوافدين بين ‏عامي (1974/2010م)، يلاحظ أنه كانت هناك قفزات كبيرة في الأرقام من ‏‏(0.8) مليون نسمة ‏إلى (8.4) ملايين نسمة خلال تلك الفترة، ثم أصبح عددهم في 2016 م (11,7) مليون نسمة؛  مما يعني التركيز بشكل أكبر على خطورة زيادة ‏نسبة ‏العمالة الوافدة بالمملكة؛ نظرًا لقرب تجاوزها الحدود الآمنة، والمخيف في هذه القضية ‏التباين الواضح في ‏النسب والمعدلات بين المواطنين والوافدين، فحينما يصل معدل ‏الوافدين إلى أكثر من 50% من عدد السكان؛ ‏ينذر هذا المعدل بمزيد من الارتفاع ما لم ‏تتغير سياسات الدولة تجاه استقدام العمالة الوافدة. ‏

وتعتبر (العمالة الهامشية التي ليس لها دور فاعل في المجتمع والعمالة السائبة، واللتان ‏تمثلان عبئًا على الدولة ‏وتقعان في مخالفات أمنية وأخلاقية بسبب الفراغ والحاجة) الأشد ‏خطورة في هذا الملف، حيث باتت تلك العمالة تؤثر على ‏الأمن القومي للمجتمع، وأصبحت تُشكِّل خطرًا ‏أمنيًّا، ولا سيما أن هناك بعض الجاليات فاق عددها المائتي ألف نسمة، بزيادة نسبة الذكور على ‏الإناث، وأن كثيرًا من الجاليات سكنت في مناطق، واحتلت مناطق أخرى وكونت أشبه ما يكون بالمستعمرات الخاصة بهم، وطغت على سلوكيات المواطنين ‏الموجودين ‏فيها. كما أنها تسبَّبت في سيطرة الوافدين على الخدمات العامة التي تقدمها الدولة؛ لذا ‏يجب ‏العمل بشكل سريع وحاسم على إيجاد طرق معالجة سريعة لموازنة الأمر، لتجنُّب ‏حدوث أي اختلال في ‏المستقبل، من خلال وضع إستراتيجية مستقبلية مدروسة تعمل على تقليل ‏أعداد الوافدين إلى الحد المأمون. ‏فمن حق كل مواطن أن يشعر بمواطنته، ومن حق كل دولة أن ‏تعالج الخلل في التركيبة السكانية حفظًا لأمنها ‏وأمن مواطنيها، والمحافظة على موروثهم الشعبي ‏ولهجتهم، وربما لغتهم الأم وثرواتهم الطبيعية والمالية، والتي قد ‏تتأثر وتتآكل في ظل وجود عدد ‏هائل يعادل نصف عدد السكان.‏

ولا يفوتنا أن نؤكد أن الوافدين كانوا ولا يزالون يسهمون بدور ‏مؤثر في العديد من الإنجازات منذ ما يزيد عن 40 عامًا، ‏ولا تزال الحاجة قائمة لهم تلبيةً لاحتياجات مشاريع التنمية؛ غير أن الزيادة المطردة ‏في أعدادهم خلال الفترة الأخيرة أحدثت تداعيات متنوعة وأثرت على المجتمع؛ ما ‏انعكس سلبًا على التركيبة السكانية، وأوجد خللًا ديموغرافيًّا واضحًا.‏

  • النمو السكاني: الإيجابيات والمحاذير:

ترى د. مجيدة الناجم أن زيادة النمو السكاني بحد ذاته ليس معضلة، بل هو مؤشر للاستقرار والتوازن؛ ولكن لا بد من وجود تصور لاتجاهات هذا النمو وشكله، ووجود آليات وخطط واضحة للاستفادة القصوى من هذا النمو، والتوازن في توفير الخدمات لكافة الأجيال؛ وعليه يُفترض أن يكون هناك خُطط منطلقة من دراسات استشرافية – أو ما يُعرف بالدراسات المبنية على المستقبل- للوضع السكاني المستقبلي، وهنا سيتضح ماذا سنحتاج لكافة المراحل من خدمات، وكيف سيُستفاد من كل فئة عمرية كقوى منتجة؛ مثلاً، نحتاج تحديد ما نوع وعدد مُقدِّمي الخدمات الصحية للمسنين بناءً على أعدادهم واحتياجاتهم الصحية من خلال الدراسات التنبؤية المبنية على المعطيات الواقعية، فوجود هذا النوع من البيانات سيجعل التخطيط الموجه للتعامل مع المستقبل أكثر جدوى. مع الوضع في الاعتبار النمو المتوازن لكافة المناطق؛ مما يحدُّ من الهجرة بغرض الحصول على الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم،…)، وهنا يبرز التساؤل: هل يوجد لدينا متخصصون في هذا النوع من الدراسات، أو جهات تُعنَى بإعدادها؟ وكيف يمكن العمل على توفيرها؟

وتساءل د. سليمان الطفيل: كيف يمكن أن نربط بين تسابق الدول المتقدمة وبالأخص دول أوروبا وأمريكا على فتح أبواب الهجرة السنوية وبين الدعوة لتقليل النسل في الدول النامية؟ وبدورها ذكرت د. وفاء طيبة أن معدلات الخصوبة في المملكة تنخفض بشكل تدريجي وأسباب ذلك معروفة، حيث تتضمن: صعوبة الحياة، وخروج المرأة للعمل، وارتفاع سن الزواج، وغيره، فنحن سائرون على خُطى مَن سبقنا من الدول الغربية في هذا المجال حتى وصل الوضع في بعضها إلى أن نزل معدل الإحلال عن 2%، وهذه الدول هي التي تفتح باب الهجرة على مصراعيه، ومنها ألمانيا. والواقع أن معدل الخصوبة للمرأة السعودية تناقص من ٧.٢٦ في السبعينيات إلى ٢.٣٤ في ٢٠٢٠ حسب تقرير   World meters info، وهو أقل من ذلك في بعض التقارير الأخرى، وإذا كان معنى المباعدة بين الولادات هو بالقدر الذي يسمح بحسن التربية واسترداد المرأة صحتها، فقد يكون مقبولاً، أما بمعنى تخفيض النسل فالاعتقاد أننا لا نحتاج إلى ذلك؛ بل بالعكس قد يدفعنا مستقبلاً لزيادة اليد العاملة الأجنبية، كما فعلت أوروبا، وذوبان ثقافتنا أكثر من ذلك.

ومن وجهة نظر د. عبد الله المطيري، فإن الزيادة السكانية لا تهدد التنمية المستدامة، فالإنسان ثروة تنموية متجددة ومستدامة، في حين أن الثروات الطبيعية ناضبة، وغياب التخطيط السليم في الماضي هو الذي يهدِّد التنمية المستدامة والشاملة، وخلق التحديات التي أشارت لها د. ثريا في ورقتها.

في حين ترى د. عائشة الأحمدي أن الزيادة السكانية عندما تُستثمر تصبح قوة اقتصادية، ومصداقية ذلك استثمارها في الصين وإندونيسيا ومؤخرا في بنجلاديش، لكن هي في الوقت نفسه تحدٍ وعائق خطير للتنمية، إذا لم تكن هناك إمكانيات للتعليم والتدريب والصحة؛ فالانفجار السكان لدينا، ينسب له انخفاض جودة التعليم، وتراجع مستوى الصحة، وتدني نصيب الفرد من الدخل ومن المياه ومن الرعاية الاجتماعية، فما شهدته المملكة في العقود الثلاثة الماضية من تسارع  في النمو السكاني، كان سببًا في تهالك المكتسبات المادية، فخصوبة المرأة السعودية كانت من أعلى معدلات الخصوبة في العالم، وعلى ذلك فإن صناعة الوعي السكاني في أجهزة الإعلام والمناهج، وفي كافة الأجهزة المعنية بتشكيل الوعي، هي ضرورة  حتمية، إذا أُريد  للإنجازات التنموية أن تؤتي أُكلها.

وأشارت د. هند الخليفة إلى جانب آخر، وهو ما يرتبط بالسياسة السكانية في المدن والتوزيع الجغرافي للأحياء، الذي غالبًا يحتوي على أحياء هامشية. يشكل التخطيط لإدماج هذه الأحياء وسكانها تحديًّا، يتطلب التغلب عليه الأخذ بعدد من الأسس:

  • الشراكة والمشاركة مع سكان الأحياء في التخطيط والتنفيذ.
  • مراعاة أُسس الأحياء والمدن الصديقة في إعادة بناء هذه الأحياء.
  • توفير الخدمات الصحية والاجتماعية والترفيهية، وتنفيذها بطريقة تتناسب مع احتياجات السكان في هذه الأحياء.

أيضًا، فإن فئة الشباب بشكل عام وفي الأحياء الهامشية بحاجة إلى عناية واهتمام وإدماج في المجتمع، ويرتبط اندماج الشباب في المجتمع بثلاث علاقات، وهي: الحياة الاجتماعية، والعمل، والسكن. لذا، فإن التنمية السكانية لا بد أن تأخذ في الاعتبار طبيعة علاقة الإنسان بالمكان والمحيط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه.

وذهبت د. عائشة الأحمدي إلى أن هناك نقطة من الضروري الوقوف عليها، عند الحديث، عن رسم سياسات سكانية للبلدان العربية، والمملكة واحدة منها، وهي تلك الفرضيات التي تذهب إلى أن النمو السكاني لكل واحد في المئة، لا بد أن يقابله نمو اقتصادي مقداره ٣ في المئة، حتى يكون هناك ضمان لتنمية القدرة البشرية، وهذه الفرضية تلعب دورًا جوهريًّا في التوجهات السكانية لكثير من البلدان، ولا سيما المتقدمة منها، والتي تأمل تحقيق تنمية حقيقية.

وأوجز د. زياد الدريس وجهة نظره في هذا الإطار في مجموعة النقاط التالية:

  • إن الحديث عن السياسات السكانية للمملكة أو لدول الخليج أو الوطن العربي أو لأي بلد في العالم – لا يمكن أن يغفل الحديث عن المكوِّن الأساسي للسياسة السكانية وهو (الأسرة). فقد ظلّت (الأسرة) منذ التاريخ الأول للبشرية وحتى قبل أعوام قليلة هي الركيزة الأولى للاستقرار الاجتماعي وللأمن الاقتصادي وللطمأنينة الفردية، ثم تقلَّصت هذه الأهمية للأسرة بدءًا من التحولات التي جرت في المجتمعات الغربية خصوصًا بعد الثورات الشبابية في منتصف القرن العشرين. وقد تأخرت التغيرات التي تطال كيان الأسرة في المشرق العربي بشكل خاص لسنوات، واستطاعت مقاومة التحولات الغربية التي تتمدد أو تحاول التمدد لفرض نموذجها الجديد في هذا العالم. وللأسف، فإن تمدد الأفكار الغربية حول الأسرة قد بدأ في التسارع في السنوات القليلة الماضية، وتأثيره أصبح يتعمق بشكل ملموس في المجتمعات الشرقية والمجتمعات العربية.
  • كان من أبرز التحديات التي تناولت الأسرة هو محاولة تحويلها من إطار (الأسرة العمودية) التي قام عليها التاريخ البشري والقائمة على سلطة الأبوين وتحتهما الأولاد، إلى (الأسرة الأفقية) التي تتساوى فيها سلطة الأبوين مع الأولاد في صفٍّ واحد، وهو المفهوم الغربي للأسرة الذي يدّعي الانسجام مع المساواة والحرية الكاملة لكل أفراد المجتمع، بما فيها المساواة بين الأب وابنه في الحقوق والواجبات.
  • هناك مُهدِّد آخر أشد خطورةً من الأول، وهو انتشار ظاهرة الشذوذ الجنسي أو ما يحب أن يسميها أنصارها في الغرب وفي غير الغرب بحقوق المثليين! وهي ظاهرة توسَّعت بشكل كبير حتى بلغت في السنوات القليلة الماضية درجة الاعتراف بزواج المثليين؛ ما يعني أننا أمام إطار جديد للأسرة مغاير تمامًا ومخالف للأسرة التي قامت عليها الكائنات البشرية جميعًا وليس الإنسان فقط، وهي الأسرة المكونة من الذكر والأنثى التي تضمن الاستمرار البيولوجي وليس فقط الوجداني بين أعضاء الأسرة. وهذا التمدد “العبثي” لزواج المثليين لو صحَّ له أن ينتشر وأن يعمَّ العالم؛ فستصبح البشرية أمام مأزق يهدِّد وجودها واستمرارها.
  • هذان الإطاران المستجدّان؛ التحول من الأسرة العمودية إلى الأسرة الأفقية، ثم التحول من الأسرة المزدوجة من الذكر والأنثى إلى الأسرة المتماثلة من ذكرين أو أُنثيين، أي الأسرة الشاذة – قد يؤدي إلى خلخلة مفاهيم المكوّن السكاني للدول؛ وبالتالي سيعيد حسابات كثيرة في مسألة السياسات السكانية.
  • يقود هذا إلى التساؤل: هل التفتت المنظمات الدولية المعنية أو المتخصصة إلى هذه المآزق التي تهدِّد كيان الأسرة؟ هل سعت إلى وضع تشريعات وأنظمة لحماية الأسرة الطبيعية من العبث الذي يطالها؟ أم أن المنظمات الدولية تقوم بالعكس تمامًا، كما يقول البعض، إذ إنها تدعم هذه التوجهات الشاذة، ولا تجد أيَّ مانع في دعم الأسرة الأفقية، وفي دعم الأسرة الشاذة أيضًا؟!

وعقَّبت د. وفاء طيبة بأن منظمة الأمم المتحدة أوردت وجوب الاعتراف بالأنواع المختلفة للأسر وللشذوذ الجنسي في KSDGs وهناك عمل قوي جدًّا ومنظَّم وواضح ليس من الأمم المتحدة فحسب، ولكن من جميع الجهات ذات العلاقة وخاصة الإعلام.

وأوضحت د. ثريا عبيد أن ما يتم من قبول لموضوع المثليين يأتي بمطالبة من الدول الأعضاء خلال مناقشة أي برنامج عمل ضمن متابعة برنامج عمل السكان حتى 2030. وما حدث حتى الآن هو رفض الدول الأعضاء في لجنة السكان، مثلاً، للتعديل الذي قد يؤدي إلى تفسيره مثليًّا. وبالتحديد، يقول برنامج العمل الذي اعتُمد في القاهرة: The right to sexual and reproductive health؛  أي التركيز هو على الحق في الصحة. وكانت هناك محاولة أن يتم قبول النص التالي: sexual and reproductive health and rights، أي الحقوق الجنسية. وهذا ما رفضته الدول الأعضاء بغالبية التصويت، وكان هذا في مارس 2019.

وبدروه أكد د. خالد الرديعان على ضرورة حماية الأسرة من التصدعات التي بدأت تعصف بها؛ كقضية المساواة بين أفرادها في السلطة، ما يعني تهميش دور أركانها (الوالدين)، وقضية المثلية الجنسية التي يتم الترويج لها بصورة بشعة في القوانين الدولية وفي وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. هذه الآفة يلزم محاربتها دون هوادة لأنها تهدِّد بقاء الأسرة. يلزم كذلك سن قوانين رادعة تمنع الترويج لها في وسائل التواصل في مجتمعنا المسلم المحافظ. بقاء الأسرة والمحافظة عليها ككيان مسألة أساسية في بقاء الجنس البشري والتكاثر الطبيعي بالزواج الشرعي، وأي تهديد لها يعني نهاية كل شيء.

  • أبعاد شيخوخة السكان:

أشارت د. وفاء طيبة إلى بعض مما أورده تقرير إستراتيجية العمل الدولية للشيخوخة، الصادر عن الأمم المتحدة على نحو ما توضحه النقاط التالية:

  • التحول الديموغرافي الذي يحدث الآن سيؤدي إلى أن يُشكِّل كلٌّ من الشباب والمسنين حصة متساوية من العالم في عام ٢٠٥٠.
  • ستنخفض نسبة الأطفال بمقدار الثلث من ٣٠٪؜ إلى ٢١٪؜، بل إنه في بعض البلدان المتقدمة وأيضًا التي تمرُّ اقتصاداتها بمرحلة الانتقال سوف يزيد عدد كبار السن عن الأطفال، وتقل معدلات المواليد عن مستوى الإحلال.
  • بالنسبة للشيخوخة، فستصبح قضية كبرى في البلاد النامية، حيث إنَّ من المتوقع أن تزيد نسبة كبار السن من ٨٪؜ عالميًّا بحلول ٢٠٥٠، إلى ١٩٪؜ أي أكثر من الضعف، ومن ثَمَّ تزيد نسب الإعالة.
  • الهجرة الداخلية في الدول النامية خاصة تُشكِّل تهميشًا قسريًّا لكبار السن واستبعادهم من التيار الرئيس للتنمية.
  • هذه التغيرات الديموغرافية في الأطفال والشيوخ خاصة سوف تُمثِّل مشكلةً كبيرة في الدول النامية؛ ففي حين تمكنت الدول المتقدمة من معالجة بعض مشكلات هذا التحول الديموجرافي تدريجيًّا؛ فإن الدول النامية (مثلنا) ستواجه هذا التحول فجأةً بما يقتضي معالجة مشكلات السكان والتنمية في آن واحد.
  • أسرع الفئات نموًّا هي فئة البالغين ٨٠ سنة فما فوق، وسوف يزيد عدد النساء من كبار السن عن الرجال.

وأضافت د. وفاء طيبة أن هذه المعلومات تحتم ضرورة إدماج مواجهة شيخوخة السكان وانخفاض نسبة الإحلال والانخفاض التدريجي في معدلات النمو السكاني في المملكة مع مشروعات التنمية في خطة متكاملة حتى لا نُفاجَأ بهذا التغير. كما أن من المهم جدًّا التركيز على العدالة بين الأجيال، واحترام حق الكبار في المشاركة المجتمعية والثقافية، والمشاركة في التنمية ومواصلة العمل ما داموا يقدرون ويريدون ذلك، وهنا نجد كثيرًا من الدول أدخلت تعديلات على أنظمة التقاعد تسمح لكبار السن بمزيد من سنوات العمل؛ ومن جهة أخرى، تعطيهم حقوقًا أكثر بعد التقاعد تجعلهم يعيشون بكرامة. ومن المهم ملاحظة أن عمر التقاعد لدينا هو بالميلادي ٥٨ سنة (في عز الحكمة والنشاط)، وأن العمر المتوقع هو ما بين ٧٤ و٧٦ للرجال والنساء؛ أي إن الإنسان في السعودية يقضي أكثر من ٢٠٪؜ من عمره متقاعدًا.

وترى د. ثريا عبيد أن ما ذكرته د. وفاء هو حقيقة إذا أخذنا الأمر من منظور عالمي، ولكنه يختلف في بلدنا حيث إنَّ فئة الشباب دون الأربعين تشكل أكبر فئة في الهرم السكاني. وهذا يعطينا فرصة سنوات عديدة للتخطيط الصحيح للمسنين. فأمامنا سنوات نستطيع أن نبدأ من الآن في التخطيط للتحول الديموغرافي باتجاه الشيخوخة، وهذا يتطلب تصورًا لخطة سكانية واضحة المعالم وبرامج محددة مع تمويل مؤكد لمواجهة هذا التحول العمري للسكان. فهناك دول قد اعتمدت برامج متقدمة لفهم الشيخوخة ومتطلباتها ووضع برامج لها. وفي الوقت ذاته، فثمة اتفاق حول سن التقاعد وهو مبكر في المملكة. وفي الوقت ذاته، لا توجد برامج تساعد على مرحلية الانتقال من عمل إلى لا عمل. وكل البرامج المتنوعة المطروحة كقطاع ثالث للعمل – مثل العمل الجزئي والعمل من المنزل.. إلخ – يمكن أن تساعد على انتقال المسنين من مراحل عمل اعتيادية إلى مراحل تناسب التغير في أعمارهم وصحتهم وقدراتهم الجسدية إضافةً إلى حالاتهم النفسية. ونحن أقل اهتمامًا بالحالة النفسية للمسنين، وهذا يتطلب برامج جديدة في فهمها لواقعهم.

وبدورها أكدت د. وفاء طيبة أن المهم هو أن نبدأ التخطيط من الآن حتى لا نُفاجَأ بـ (millennials) شيوخ لم نُخطط لهم، فغيرنا واجه هذه المشكلة تدريجيًّا وهو أوسع للتخطيط، أما حالة الإنكار التي نعيشها الآن فسيكون لها أثر سلبي مستقبلًا. مع الوضع في الاعتبار النقطة المهمة التي ذكرتها د. ثريا، وهي التباعد بين الأجيال وخاصة الشباب والأكبر سنًّا، وإنكار الشباب لما لديهم من حكمة، وفي الوقت نفسه عدم تقبُّل الكبار لبعض قرارات وأحكام الأصغر سنًّا، وهي نقطة مهمة ولها أثر على التماسك الاجتماعي، وتوفير الحياة الكريمة للجميع، ويجب عمل برامج خاصة في هذا المجال. وهذه نقطة مرتبطة أيضًا بهجرة كبار السن مع أولادهم إلى المدن الرئيسة في المملكة وما ينتج عنه من تهميش لحاجاتهم ورغباتهم، أو العكس بحيث يهاجر الصغار ويتركون الكبار وراءهم، فيُحرم الكبير من العناية والرعاية الواجبة.

ويرى د. حميد الشايجي أنه ونظرًا للتزايد المتوقع في أعداد المسنين في المملكة، فهناك ضرورة ملحة لتحسين وتجويد الخدمات والمرافق المقدَّمة لهم وتطويرها لتلبي احتياجاتهم المتزايدة، وتفعيل دور جميع الجهات ذات العلاقة في تقديم خدمات نوعية للمسنين، والاستفادة من طاقاتهم المهدرة.

وأكد د. عبد الله بن صالح الحمود على أهمية تشجيع القطاع الخاص، والمحسنين، في إنشاء دور نوعية للمسنين تتفق والمتغيرات الاجتماعية؛ إسهامًا منهم نحو تقدير هذه الفئة، فضلًا عن تنشيط المرافق الاجتماعية والاقتصادية في المحافظات والمراكز، حفاظاً على الهوية الريفية والقروية من الاندثار، والحد من الانتقال إلى المدن.

ويرى م. إبراهيم ناظر أن الشيخوخة ستصبح قضية كبرى في البلاد النامية، وهنا يبرز السؤال: ما الحلُّ لتوفير الخدمة الطبية لهذه الفئة التي ترفضها شركات التأمين، بل وترفض المستشفيات دخولها، وفي أحسن الأحوال تصرف لمَن هم ضمن هذه الفئة دواءً وتُعيِّن ممرضة تزورهم يوميًّا لمدة ساعة؟ وكيف حلَّت الدول المتقدِّمة هذه المشكلة؟ ربما يكمن الحل من منظور نظامي إجرائي في إلزام شركات التأمين بقبول التأمين على كبار السن، وإنشاء مستشفيات ما يُسمَّى بالعناية الممتدة لنضمن لأنفسنا في آخر العمر مَن يعتني بالمسنين صحيًّا ولو على حسابهم.

وذكر د. حمد البريثن أنه يوجد في اليابان خُطة لدعم الأبحاث في مجال أشباه موصلات النيترايد، وأحد أهم الدعائم لهذا الدعم هو إمكانية استخدامها للأجهزة المساندة لكبار السن حيث من المتوقع أن ترتفع نسبة كبار السن إلى مستوى عالٍ في العام ٢٠٤٠.

وفي اعتقاد د. ثريا عبيد أنه فيما يتعلق بكيفية تأمين الخدمات المطلوبة للمسنين، فنحن لسنا أول دولة تواجه وستواجه هذا التحدي، وهناك تجارب ناجحة في دول عديدة خاصة في الدول الإسكندنافية وبعض دول آسيا يمكن الإفادة منها وتطبيقها بما يناسب ظروف المجتمع السعودي. ومع ازدياد الأسر النووية يبقى المسنون بدون رعاية أسرية مع أنها المطلب الأساسي من الناحية الدينية، ومن ناحية الاهتمامات الدولية بتوفير الرعاية للمسنين ضمن أسرهم. ولتحقيق ذلك، لا بد من اعتماد برنامج وطني يتوجه إلى دعم الأسر المساندة باحتياجاتها لرعاية المسنين في إطارها، بما في ذلك تدريب بعض أفراد الأسرة وتأمين الأسرّة الطبية والمراجعة السريرية من قِبل مختصين، وما إلى ذلك من احتياجات. وهذا هو التوجه الأساسي مثلاً للخطة الدولية للمسنين، والتي اعتمدتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. ولقد قامت بعض الدول برفع تقارير طوعية عن أهداف التنمية المستدامة، ومنها دمج احتياجات المسنين في الأهداف المختلفة.

وفي تصوُّر أ. فائزة العجروش، فإن هناك أهمية لمعرفة مدى ‏التناسب بين أعداد المسنين الحالي في الدولة والخدمات والمرافق المؤهلة لهم، وتوضيح ‏ماهية ‏الخدمات الإضافية المقترحة لما يمكن عمله من جميع الجهات المسؤولة لمواكبة ازدياد عدد ‏المسنين ‏‏(الذين في عمر 65 سنة وأكثر)، فلا شك أن هذه الفئة تحتاج منَّا بذل المزيد من ‏الجهود لتوفير كافة الوسائل ‏الخاصة والاحتياجات التي تساعدهم على العيش والعلاج ‏والتنقل بسهولة ‏ويُسر في حياتهم.‏ وما هي إمكانية أن يكونوا مساهمين في التنمية الوطنية كلٌّ حسب طاقاته ‏‏وإمكانياته.

  • الهجرة السكانية: السلبيات والحلول:

يرى د. صدقة فاضل أن هناك هجرةً ملحوظة لبعض مناطق المملكة دون غيرها، وبأعداد ضخمة نسبيًّا، ومن ثَمَّ يبرز التساؤل: ماذا يمكن عمله لتفادي سلبيات هذه الهجرة؟

ومن جانبها أوضحت د. ثريا عبيد أن التجارب الدولية المختلفة والدراسات السكانية تركز على أهمية إيجاد مصادر دخل متنوعة مناسبة لكل منطقة، بحيث يستطيع سكان تلك المنطقة إيجاد عمل، أي دخل مُجزٍ. هذا إضافةً إلى الخدمات الاجتماعية من تعليم إلى خدمات صحية إلى مساكن، بحيث لا يحتاج سكان تلك المنطقة هجرها لمناطق تُقدِّم كلَّ هذه الخدمات. وهذا كلُّه يعني تخطيطًا عمرانيًّا سليمًا لكل منطقة، يأخذ في الاعتبار خصائص كل منطقة ومصادر الدخل الممكنة، وبناء المشاريع ومراكز الخدمات المختلفة التي تفي باحتياجات السكان، وتُشجِّع على الالتزام بمنطقتهم والعزوف عن الهجرة الداخلية.

وفي اعتقاد م. أسامة كردي، فإن هناك الكثيرَ مما يمكن عمله لتفادي سلبيات الهجرة إلى المدن، ومن ذلك:

  • التوسُّع في إقامة المؤسسات التعليمية (الحكومية والخاصة) خارج المدن الكبيرة؛ وهذا جزئيًّا مُطبَّق ولكن يحتاج إلى توسُّع.
  • ونفس الأمر السابق ينطبق على المؤسسات الصحية (الحكومية والخاصة).
  • التوسُّع في المناطق الاقتصادية والصناعية بغرض إحداث وظائف.
  • منح المستثمرين مميزات أكبر خارج المدن الكبيرة، وقد يكون من المناسب إنشاء صندوق متخصص لتنمية المناطق، وهذا جُزئيًّا مُطبَّق فيما يتعلق بقرض صندوق التنمية الصناعي.
  • منح إمارات المناطق صلاحيات أكبر في إدارة مناطقهم، بل وتخصيص جزء من الميزانية الحكومية لهم لأنهم أعرف باحتياجاتهم.
  • التركيز على الميزات النسبية للمناطق المختلفة، مثل الزراعة أو السياحة أو اللوجستيات.
  • توزيع الدوائر الحكومية الكبيرة على مدن المملكة، وبالذات الجديدة منها.
  • منح الموظفين الحكوميين علاوات مرتبطة بالعمل خارج المدن الكبرى.

وذكر أ. محمد الدندني أن لدينا ما يُقارب الاثني عشر مليون عامل أجنبي لهم عاداتهم ولهم طريقة عيشهم، ما يهمنا هو علاقتهم بالنمو السكاني، كما لا يجب أن نغفل التأثيرات السلبية لهذه العمالة، مع الحاجة في الوقت ذاته إلى تنمية المناطق التي هي مصدر للهجرة بحثًا عن فرص العمل، فالواقع أن السكان في الهجر والقرى لا ينعمون بخدمات أساسية كالتعليم المُجدي والعلاج، وربما البعض يسافر إلى قُرى أكبر أو مدينة قريبة للحصول على هذه الخدمات.

وعقَّبت د. ثريا عبيد فيما يتعلق بالعمالة الأجنبية وقيم العمل، أنه في الواقع لا يوجد لدينا دراسات واسعة تُحلِّل العلاقة بين المواطنين والعمالة الأجنبية من ناحية، وقيم العمل للفئتين من ناحية أخرى. ونجد أنفسنا الآن في ظروف عمل ليست سهلة بسبب خروج العمالة بدون تخطيط واضح يُحدِّد كيفية تعويض المهارات التي خرجت من البلد. هل نملك هذه المهارات بين أفراد شعبنا أم نحتاج إلى برنامج لنقل هذه المهارات من الأجنبي إلى المواطن؟

أما د. وفاء طيبة فأوضحت أنه وبالنسبة لغير السعوديين المقيمين بيننا، فلا اعتراض أبدًا على وجودهم بيننا، بل نحن ندين لمعظمهم بالكثير في كل مجالات الحياة. المشكلة أن نسبتهم أصبحت كبيرةً وآخذةً في ازدياد، فالنسبة الآن هي ٤٢٪؜ تقريبًا، ومن المعروف أن كثيرًا منهم من العمالة البسيطة، ولكن ألا يُشكِّل ذلك ضغطًا على المواطنين؟ ولماذا نسمح بكل هؤلاء وخاصة من المستويات الأكاديمية المتقدِّمة والتي يُفترض أن يشغل وظائفَها شبابُنا وخريجونا من الجامعات والبعثات؟

وبدورها أكدت أ. فائزة العجروش على أنه توجد أهمية لوضع إستراتيجية مدروسة تعمل على تقليل أعداد الوافدين إلى الحد المأمون، والاستفادة القصوى من التركيب العمري الحالي والمستقبلي للشباب والمتعارف عليها بالنافذة الديموغرافية، والاستعداد مبكرًا للأعداد المتزايدة من المسنين. وأن يُركِّز محور الخدمات الصحية والوضع الصحي للسكان بالعمل على تغيير الفهم المغلوط لفكرة مكروهة عند البعض وهي مؤشر تنظيم الأسرة؛ فالصحة الإنجابية للمرأة تتطلب المباعدة بين الولادات لتتمكن من استعادة صحتها تمامًا، وحتى تستطيع تقديم الرعاية الضرورية للطفل في مراحل عمره الأولى.

وفي تصوُّر د. خالد الرديعان، فإن مدننا الرئيسية مكتظة سكانيًّا كالرياض وجدة ومكة والدمام والخبر؛ ما يعني وجودَ ضغط شديد على معظم الخدمات في هذه المدن تقريبًا؛ كالمدارس والمستشفيات والمساكن وسائر الخدمات، بما في ذلك الخدمات غير الأساسية؛ كالمراكز الترفيهية والأسواق والمطاعم والطرق، ناهيك عن ارتفاع مستوى التلوث البيئي بسبب عوادم السيارات. وفي الوقت ذاته قد نلاحظ أن المدن الصغيرة والبلدات لا تواجه ذات المشكلة، بل إن هواءَها غير ملوَّث وفيها “وفر خدماتي”، وإنْ لم يكن بذات الجودة التي نجدها في خدمات المدن الكبرى. والهجرة المتواصلة من البلدات الصغيرة والقرى والهجر- ومعظمها تتوفر على الخدمات الأساسية – إلى المدن الكبرى يخلق مشكلات كثيرة؛ فمن ناحية، فإن ذلك يُشكِّل ضغطًا على الخدمات، وفي الوقت ذاته يسهم في إفراغ البلدات والقرى والمناطق الريفية من سكانها الشباب. ولعل من الحلول المناسبة لهذه القضية أن يتم نقل بعض الجامعات والكليات الجديدة التي في طور التأسيس، وبعض المستشفيات الكبرى والمصانع إلى الأرياف بحيث نُؤسِّس لمدن صغيرة جاذبة لسكانها وسكان المدن الكبرى، وبالتالي نُخفِّف معدلات الهجرة والحراك السكاني من الريف للمدن.

  • رؤية استشرافية:

اهتم م. خالد العثمان بتفعيل برامج التنمية المتوازنة في مناطق المملكة خصوصًا الهامشية منها، وتطوير مجالات ممارسة الإدارة المحلية وزيادة مساهمة إدارات وإمارات المناطق في التنمية المحلية، ومراجعة وَضْع المدن الاقتصادية ومعالجة برامج تنميتها لإخراجها من واقع التعثُّر الراهن.

وأكد د. خالد بن دهيش على أهمية العمل على تصحيح الصورة المتعلقة بالسياسات السكانية لدى الجهات الدولية حتى لا تكون هناك معلومات مغلوطة حول الإستراتيجيات السكانية في المملكة. فمثلًا، بمراجعة الإحصاءات المحلية والدولية، نجد أن نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي كانت تظهر في تقارير التنمية البشرية ٥٧٪؜، بينما الواقع أن النسبة تصل إلى ٩٩٪؜. حيث كان هذا الوضع محل تساؤل جهات داخلية وخارجية.

وأوضحت د. ثريا عبيد أن قسم الإحصاء في الأمم المتحدة يعتمد على الإحصاءات الرسمية التي تصله من الدول الأعضاء. وتقوم الدول بمراجعة ما يصدر وطلب تصحيح الأرقام إذا وُجد اختلاف. ولكن للأسف كثير من الدول العربية لا تراجع ما يصدر، رغم أن تصحيح المعلومات من حقِّ كل دولة. كذلك فإن إحصاءات المملكة تصدر متأخرة؛ فمثلاً، تأخّر إصدار التقرير الإحصائي للتعداد السكاني لعام 2010 وكذلك التحليل الذي يليه، ولكن الأمل أن التعداد السكاني في المملكة لعام 2020 سيكون من أفضل التعدادات.

وتساءل أ. فهد الأحمري: كيف يمكن العمل على جذب السعوديين المقيمين في الخارج لأغراض غير الدراسة كالاستثمار والعمل والإقامة بعد التقاعد لأرض الوطن خاصة المستثمرين منهم؟ إذ إن عودتهم فيها عودة للأموال المهاجرة ولا سيما أن تعدادهم ليس بالقليل؛ فعلى سبيل المثال: في الإمارات يوجد نحو 700 ألف مواطن، وفي مصر يوجد حوالي 600 ألف مواطن، وربما جزء ليس بالقليل من هذا العدد هم المقيمون للاستثمار، ومنهم مَن يرى أفضلية الحياة الاقتصادية بعد التقاعد كما هو الحال في مصر مثلًا، وغيرها.

وفي هذا الصدد، ترى د. ثريا عبيد أن هناك حاجة لدراسة ميدانية تراعي الاعتبارات الاجتماعية والثقافية والنفسية والثقافية؛ لفهم هجرة المواطنين بعد التقاعد، أي لماذا تركوا الوطن وبحثوا عن بديل خصوصًا إذا كان البديل مُكلِّفًا ماليًّا في ظل فرض بعض الدول لضرائب؟

وتطرَّق د. رياض نجم إلى أهمية إيجاد حلول للسكان غير النظاميين في المملكة والمتواجدين على الأقل في ثلاث مدن رئيسية، وهي: (مكة وجدة والمدينة). فمع أن بداية مشكلتهم كانت سياسية بدخولهم للمملكة بطُرق مشروعة في معظم الأحيان وغير مشروعة في بعضها، ثم بقاؤهم مخالفة للأنظمة، إلا أن استمرارهم لعدة عقود وتوالدهم لثلاثة أجيال شكَّل مُعضلةً سكانيةً لها أثر سلبي على الأمن والمجتمع والاقتصاد، وغير ذلك؛ حيث تشير التقديرات إلى أن عددهم يبلغ نحو ٢ مليون، وهذا يُشكِّل حوالي ٦٪؜ من سكان المملكة النظاميين، وهم بالتأكيد ليسوا جزءًا من التعداد السكاني للمملكة. وكلما تأخَّرنا في إيجاد حل مُرضٍ لهذه الفئة، زاد موضوعهم تعقيدًا!

وبدورها ذكرت د. ثريا عبيد أن السكان غير النظاميين في المدن الأساسية في المملكة يُشكِّلون تحديًّا آخر أمام الدولة. ولا بد من اتخاذ قرار بهذا الشأن، مع الأخذ في الاعتبار النواحي الأمنية. فالأعداد الكبيرة التي لها سنوات عديدة، من جيل إلى جيل من مواليد المملكة، هي قضية تعاني منها دول كثيرة، ونحن في المملكة أمامنا مثلاً قضية “البدون” و”البرماويين” و”اليمنيين/الحضارمة خاصة” وكذلك “أبناء المواطنة السعودية المتزوجة من غير السعودي”. وقد طُرحت قضية “البدون” في الشورى، وكان القرار الأغلب أن يُترك الأمر ليحل ضمن إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية بسبب حساسية الموضوع، وكذلك بسبب تواجد هذه الفئة من السكان في أكثر من دولة خليجية، وطبعًا طُرح البُعد الأمني. ولكن من المنظور الحقوقي، فإن تواجد هذه الفئات في المملكة على مدى أجيال يعتبر حقًّا مكتسبًا للجنسية أو لإقامة دائمة، ولكن هناك شبه رفض لهذا الأمر؛ لأنه يعتبر قرارًا سياديًّا يُترك لأولياء الأمر لاتخاذ ما يرونه مناسبًا.

وأكَّد د. سليمان الطفيل على أن ثمة مشكلة تعترض التخطيط للسياسات السكانية، وهي مشكلة دقة الإحصاءات السكانية، والأعداد غير المشمولين في الإحصاءات السكانية، وتوزيع السكان المكاني، والقوى العاملة الوطنية والأجنبية وتوزيعاتهم في المدن الرئيسية والمراكز والقرى والهجر، وآليات الاستفادة القصوى من شبابنا في مسيرة التنمية، وتأثير الزيادة السكانية على الخدمات والتنمية البشرية والأمية والميزانية العامة للدولة… إلخ.

وأشارت د. مها العيدان إلى أن أحد عوامل النجاح في تنفيذ الرؤية هو الاهتمام بالسياسة السكانية خاصة أن التنمية الحديثة مرتبطة بالفرد الذي يُشكِّل جزءًا من المجموعة السكانية؛ لذا لا بد من معرفة:

  • متوسط عمر الفرد.
  • متوسط سن الإنجاب.
  • متوسط الخصوبة.
  • نسبة الذكور للإناث.
  • تحديد الفئات العمرية من أطفال وشباب وشيوخ لتحديد متوسط الإعالة.
  • نسبة الهجرة الداخلية والخارجية.
  • نسبة سكان المدن للقرى.

من خلال ذلك يمكن وضع الخطط المستقبلية لتحديد مسار السياسة السكانية، مع الأخذ في الاعتبار السياسات التي تحدُّ من:

  • البطالة.
  • سيادة المدن الرئيسية.
  • ارتفاع نسبة العمالة الأجنبية.
  • الحد من الهجرة الداخلية والخارجية.

حتى نتمكن من الربط بين كلٍّ من البُعد: (الأمني، والبيئي، والاقتصادي، والاجتماعي)، والربط بين هذه الأبعاد في تناسق وتكامل شمولي يُعزِّز من قوتنا السكانية في المستقبل.

أما د. الجازي الشبيكي فأكدت بدورها على ما يلي:

  • ضرورة التركيز على توفُّر البيانات الدقيقة الصحيحة المُحدَّثة عن السكان في مدن ومحافظات وقرى وهجر المملكة، والتي تُبنى عليها السياسات والخُطط ومن ثَمَّ الخدمات والبرامج. وهذه المهمة يفُترض أن تشارك فيها مع الوزارات والهيئات ذات العلاقة، الجامعات ومنظمات المجتمع المدني.
  • الحاجة إلى الإفادة من تجارب الدول التي سبقتنا فيما يتعلق بسياسات البرامج التوعوية المتعلقة بتنظيم النسل والتباعد بين الولادات، وحققت نجاحات من خلال سياسات التحفيز والتشجيع، مثل: تقديم المنح والمزايا التعليمية والوظيفية والإسكانية للأسر التي تساعد الدولة في ذلك التوجه. فالمسألة اللافتة للنظر والتي يعرفها أكثر مَن يتعامل من خلال الجمعيات الخيرية مع الأسر ذات الدخول المحدودة، أن هذه الأُسر على الرغم من ظروفها المعيشية الصعبة تعتبر الأكثر في نسب حالات الولادة المتكررة والمتقاربة، وهذا يتطلب جهودًا مكثفة من كل الجهات ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة سواء الحكومية أو غير الحكومية. متضمنةً إلى جانب التحفيز والتشجيع، التوعية الاجتماعية والاقتصادية وحتى الدينية.

ومن جانبها ترى د. عبير برهمين أن المحاور الأساسية المشار إليها أعلاه، مثل: الهجرة إلى المدن الكبرى، والخدمات التي تهمُّ كبار السن وصحة المرأة عمومًا، والإنجابية على وجه الخصوص، وتزايد عدد العمالة الوافدة؛ هي ملفات شائكة، وتتطلب تضافُر الجهود لجميع الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني. إلا أن هناك دورًا كبيرًا يقع على الأفراد أيضًا، فهناك أدوار وواجبات يجب أن يقوم بها كلُّ فرد (مهما كان عمره) في التنمية المجتمعية. كما يجب أن يكون للجامعات السعودية دورٌ في التنمية، يتلخص في إعداد الخريجين لاحتياجات المجتمع مستقبلاً.

وفي اعتقاد د. مجيدة الناجم، فإن أفضل نموذج حديث في وضع السياسات هو تبني منظور السياسات الاجتماعية المبنية على مفهوم إدارة المخاطر الاجتماعية والتي تقوم على أساس حصر المخاطر على كافة المستويات لجميع السكان وتحديد درجتها ودرجة خطورتها؛ وعليه يمكن وضع خُطط للتدخل وميزانيات واضحة تتناسب مع الأوضاع القائمة والأوضاع المتوقع حدوثها بما يضمن عدم الهدر المالي، وفِي الوقت نفسه استدامة السياسات في كافة الظروف.

وأكدت أ. فائزة العجروش على ما أشارت إليه د. ثريا في الورقة الرئيسة من أهمية الاستفادة من النافذة الديموغرافية التي يمرُّ بها ‏المجتمع السعودي، ‏للاستفادة منها في دعم خُطط وبرامج التنمية المستدامة؛ فهي (فرصة) تحدث ‏مرة واحدة ولمدى زمني محدد لا ‏يتجاوز أربعين عامًا، وهي بالفعل إشارة مهمة بالفعل، ويجب على ‏جميع أجهزة الدولة أَخْذ ذلك بعين الاعتبار ووضعها في ‏قمة الأولويات، فنحن بحاجة إلى ‏وضع إستراتيجية وطنية للاستفادة القصوى من التركيب ‏العمري الحالي ‏والمستقبلي للشباب والمتعارف عليها بالنافذة الديموغرافية، بحيث تسهم فيها كافة الجهات المعنية في الدولة، وكافة ‏فئاتها، وأهمها ‏إستراتيجية للتعليم والتدريب، والاستفادة من تنمية وتأهيل رأس المال البشري واستيعابه في ‏‏سوق العمل باعتبارها الحلَّ الجذري للمشكلة في المستقبل القريب، واتخاذ كافة الإجراءات ‏اللازمة للتخفيف ‏من مستويات البطالة بين السعوديين في قوة العمل، خاصة للنساء. وهذه القضية مهمة جدًّا، وتحتاج إلى الآتي:

  • إحصائيات وبيانات إضافية لتُعطي الصورةَ الكاملة عن الوضع الحالي‏؛ فلدينا ‏الكثير من الكفاءات الوطنية التي تعطلت عن العمل ‏والإبداع بسبب ازدحام البلد بالوافدين. وعلينا الاستعانة ‏بأبناء البلد أولًا، وإذا لم تتوفر الكفاءة ‏المطلوبة من بين السعوديين فيكون عندها الاستعانة بالوافدين ‏الذين يجب أن تتحدد ‏أعدادهم ومستواهم تلبية لسوق العمل ووفق خطة مدروسة للطاقة الاستيعابية.
  • الحاجة لإيجاد آليات ثابتة ومعايير مُحدَّدة لدخول الوافدين، فلا بد أن يكون ‏لهم عمل ‏مُحدَّد وواضح ومكان إقامة، وغيرها من الشروط.
  • ألا نغفل أن الإحلال ‏يجب أن يُقنَّن بدراسات من ‏قِبل خبراء ومستشارين لوضع آلية الإحلال في الوقت والزمن ‏والكيفية الصحيحة لذلك، وذلك من خلال ‏الاطلاع على نتائج دراسات لدول أخرى نجحت في ‏هذا الإحلال.

وقد وردت في المناقشات بعض الأفكار المهمة الأخرى:

  • نَشْر الوعي بالقضايا السكانية والتحديات المستقبلية للمملكة مع توضيح مدى ارتباطها بقضايا التنمية بكل الوسائل المتاحة.
  • تغيير ثقافة المجتمع حيال القضايا المجتمعية الكبرى (مثل: فكرة تحديد النسل، وتفضيل العمل بالقطاع الحكومي والبحث عن الوظيفة في القطاع الخاص في مدن أخرى، والسكن في شقق عوضًا عن الفلل خاصة للعوائل الصغيرة).
  • تزويد المنظمات الدولية والإقليمية بأحدث الإحصاءات خاصة ذات العلاقة بالسكان، مثل التعليم والصحة وغيرها؛ لضمان وضع الترتيب الذي يمثل الواقع الفعلي للمملكة بين الأمم الأخرى في كافة المجالات، مثل تقارير التنمية البشرية السنوية، وغيرها.

 

  • التوصيات:
  1. العمل على الاستثمار الأمثل للنافذة الديموغرافية، وجعلها أداة تنموية، وتحويلها من مشكلة وعبء إلى فرصة وقوة.
  2. العمل على تنمية المناطق المختلفة في المملكة (مدن صغيرة ومتوسطة وقرى)، ودعم إنشاء تجمعات سكانية فيها باستغلال الميزة النسبية لها أو إنشاء جامعات متخصصة في تلك الميزة أو مصنع أو خلافه حسب موارد كل منطقة، واستقطاب كفاءات جيدة في توفير الخدمات الملائمة لتوطين سكانها الأصليين وتشجيع غيرهم للعمل فيها، بدلاً من الانتقال للمدن الرئيسية؛ ومن جهة أخرى، تحقيقًا لحقِّ الجميع في الحصول على المستوى اللائق من الخدمات، وكنتيجة سيؤدي ذلك إلى الحفاظ على هوية كل منطقة، والحد من الانتقال للمدن.
  3. إنشاء مركز وطني للدراسات السكانية.
  4. الأسرة هي نواة المجتمع، ويلزم حمايتها من التصدُّع، والتشريعات التي تقلل من مكانتها وتهدد بقاءها؛ كالمثلية الجنسية، وتهميش دور بعض أعضائها. والزواج الشرعي هو الوسيلة الوحيدة لاستمرارها، وحمايتها، مع حفظ حقوق أعضائها، وتوعيتهم في كلِّ ما يخصهم من أمور تنظيم النسل والعمل والسكن.
  5. العمل على إصلاح الخلل والتشوُّه في هيكل التركيبة السكانية، والتشديد بتقليل نسب الوافدين للمملكة خاصة الذكور.
  6. أهمية التناسب بين أعداد المسنين الحالي في الدولة وبين الخدمات والمرافق الملائمة لهم، والعمل على توفير الخدمات الإضافية المقترحة لما يمكن عمله من جميع الجهات المسؤولة؛ لمواكبة ازدياد عدد ‏المسنين ‏ ‏(الذين في عمر 65 سنة وأكثر)، وما هي إمكانية أن يكونوا مساهمين في التنمية الوطنية كلٌّ حسب طاقاته ‏‏وإمكانياته، وتوعية المواطنين بحاجات الكبار لتوجيه الأموال الخيرية إلى هذه المجالات أيضًا؛ كإنشاء دور نوعية للمسنين تتفق والمتغيرات الاجتماعية.
  7. دراسة حقيقة الفقر ومعرفة أسبابه، واتخاذ خطوات إستراتيجية للتركيز على مفاصل المشكلة ووضع الحلول لها ومتابعة تطبيقها، حتى لا تتحول هذه الفئة إلى فئة ناقمة على المجتمع، وتُستخدم من قِبل جهات خارجية.
  8. الإسراع بحسم ملف فئة “البدون” بطريقة تضمن تصحيح وضعهم لاعتبارات أمنية وقانونية، وبما يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية في هذا الشأن.

 


القضية الثانية

قياس يكشف المستور: ملخص أولي لتحليل نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات

(12/1/2020م)

  • الورقة الرئيسة: د. إبراهيم البعيز
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. فوزية البكر
  • التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان
  • إدارة الحوار: أ. عبد الله الضويحي

 

  • الملخص التنفيذي:

مضى عقدان من الزمن على تأسيس “المركز الوطني للقياس”، وبالرغم من أن التباين في وجهات النظر لا يزال قائمًا حول دوره ونتائجه إلا أن هناك إجماعًا على أهمية وضع اختبارات معيارية مقننة للقبول للدراسة الجامعية؛ حيث أثبتت كثير من الدراسات والتقارير أهمية ذلك لارتباطها بتنمية الوطن ومستقبله من خلال إعداد وتهيئة طلاب وطالبات المرحلة الثانوية للمرحلة الجامعية وسوق العمل كونهم شباب اليوم ورجال المستقبل.

وقد أشار د. إبراهيم البعيز في الورقة الرئيسة إلى أنه يُلاحظ من نتائج المقارنات لتحليل نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي مدى التباين الواضح بين أداء المدارس في المناطق، حيث استطاعت أكثر من نصف مدارس المنطقة الشرقية (51%) أن تُحقِّق أداءً جيدًا لطلابها في الاختبار التحصيلي، وهذه نسبة مرتفعة جدًّا مقارنة بالمدارس في مناطق جازان ونجران والجوف وتبوك والحدود الشمالية وحائل التي لم تتجاوز نسبة المدارس ذات الأداء الجيد 7%، ولم يكن الاختلاف على مستوى المناطق فحسب، بل أيضًا هناك فرقٌ واضح في الأداء بين مدارس البنات ومدارس البنين. حيث وصلت نسبة مدارس البنات ذات الأداء الجيد إلى 46% مقابل نسبة لم تتجاوز 14% لمدارس البنين.

وذكرت د. فوزية البكر في التعقيب الأول أن ثمة تساؤلات عديدة تثيرها البيانات المشار إليها في الورقة الرئيسة، منها عل سبيل المثال: لماذا حققت مدارس الشرقية نتائج أفضل من بقية مدارس المملكة؟ ولماذا حقَّقت الطالبات تقدُّمًا كبيرًا جدًّا بالنسبة للطلاب الذكور؟ ولماذا لم تختلف نتائج المدارس الأهلية عن الحكومية؟

أما د. خالد الرديعان فقد أكد في التعقيب الثاني على أنه من الأهمية بمكان بقاء اختباري القدرات العامة والتحصيل الدراسي وعدم إلغائهما تحت تأثير بعض الضغوط التي ترى أنهما مجرد وسيلة لتحصيل الرسوم المالية كما يُشاع، وأنهما مجرد وسيلة لمنع البعض من دخول الجامعات. فالاختباران (القدرات العامة، والتحصيل الدراسي) يشكلان عنصرًا مهمًّا في فرز الطلبة؛ وذلك لتوجيههما نحو نمط التعليم المناسب لهم، ومن لا يجتازون الاختبارين يتجهون لمجالات أخرى تقنية يحتاجها سوق العمل، إذ ليس من الضروري أن يتجه الجميع للجامعات في ظل وجود أعداد كبيرة من خريجي الجامعات ممَّن لم يجدوا فرصًا في سوق العمل.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • قراءة تحليلية في نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات.
  • أسباب تفوق المنطقة الشرقية في نتائج اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات.
  • أسباب تفوق مدارس البنات على مدارس البنين في نتائج اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات.
  • رؤية استشرافية حول تطوير اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: “قياس يكشف المستور: ملخص أولي لتحليل نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات”، ما يلي:

  • أن يقدِّم مركز “قياس” دراسات معمقة في:
  • النتائج ويقارنها بدلالاتها الإحصائية ومؤشراتها النوعية عبر المناطق والمدارس مبرزًا جوانب المهارات التي يقيسها ومشكلاتها و(تحليل الأخطاء الشائعة) التي يقع فيها الطلاب لاستكشاف نقاط الضعف في التدريس، وكذلك تحليل أوجه القصور والقوة في المنهج (تأليفًا أو تقديمًا).
  • وتتم مقارنة النتائج بالمدخلات المعرفية والمهارية؛ لتقديم الدعم اللازم لكل منطقة، وكذلك الاستفادة من تحليل نتائج الطلاب في كل دورة اختبارية.
  • عمل دراسات تتبعية لأثر اختبارات قياس باختلاف أنواعها (قدرات – تحصيلي – معلمين)، لتجيب عن السؤال التالي: إلى أية درجة ساهم الاختبار في إيجاد مدخلات طلاب للجامعة أكثر احتمالية للنجاح!؟ ونشر نتائج هذه الدراسات للعموم، لتحقيق قناعة واهتمام بالاختبار وأهميته للفرد والمجتمع.
  • الورقة الرئيسة: د. إبراهيم البعيز

تأسَّس المركز الوطني للقياس في عام 1421هـ /2000م، وبذلك أصبحت المملكة العربية السعودية ضمن قائمة تضمُّ أكثر من أربعين دولة في العالم تعتمد اختبارات معيارية مقننة للقبول في الدراسة الجامعية. فقد أثبتت كثير من الدراسات والتقارير المتخصصة أن المعدل الذي يحصل عليه الطالب في الثانوية العامة ليس معيارًا صادقًا يُعتد به للمفاضلة بين المتقدمين للتعليم الجامعي، وليس مؤشرًا يمكن الاعتماد عليه للتنبؤ بأهلية الطالب للدراسة الأكاديمية في كثير من التخصصات العلمية والتطبيقية؛ لذا بدأ المركز بتقديم اختبار القدرات العامة واختبار التحصيل الدراسي، والتي يشكِّل مستوى الأداء فيهما عنصرًا مهمًّا في معادلة النسبة الموزونة للمفاضلة بين المتنافسين على مقاعد الدراسة الجامعية في مختلف التخصصات. يتراوح وزن هذين الاختبارين في الجامعات السعودية بين 50 و70%، وقد يصل إلى 80% كما في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

يقوم المركز – من مبدأ الشفافية وعملًا بسياسة البيانات المفتوحة – بنشر ترتيب مدارس المملكة وفقًا لمتوسط درجات طلابها وطالباتها في هذين الاختبارين. وبناءً على هذه النتائج تمت دراسة تحليلية بهدف إجراء سلسلة من المقارنات بين أداء المدارس في اختباري القدرات العامة والتحصيل الدراسي؛ وتشمل مقارنة بين المناطق، وبين مدارس البنين والبنات، وبين المدارس الحكومية والأهلية، وبين المدارس التي تُطبِّق المناهج السعودية وتلك التي تُطبِّق مناهج دولية.

تم تصنيف مستوى أداء المدارس في ثلاثة مستويات: جيد ومتوسط وضعيف، وذلك وفقاً لمدى ابتعاد متوسط درجات طلاب المدرسة من الوسط الحسابي والانحراف المعياري على مستوى المملكة (الوسط الحسابي = 65، الانحراف المعياري = 6). ووفقاً لذلك يُصنَّف أداء المدرسة بكونه جيدًا إن كان متوسط درجات طلابها أعلى من متوسط أداء الطلاب على مستوى المملكة بما لا يقل عن نصف قيمة الانحراف المعياري، أي إنها ضمن قائمة تضمُّ تقريباً أفضل 30% من المدارس، وهي المدارس التي تجاوزت بأداء طلابها 70% من مدارس المملكة، حيث كان متوسط درجات طلابها أعلى من 68. ويُصنَّف أداء المدرسة بكونه ضعيفاً إن كانت ضمن قائمة تضم أضعف 30% من المدارس، وهي المدارس التي تخلَّفت بأداء طلابها عن 70% من مدارس المملكة حيث كان متوسط درجات طلابها دون 62. ويُصنَّف أداء المدرسة بكونه متوسطًا إنْ كانت ضمن قائمة تضم 40% من مدارس المملكة تراوح متوسط طلابها بين 62 و68.

وقد قامت الدراسة على مقارنة أداء 7486 مدرسة تقدَّم طلابها في القسم العلمي لاختبارات القدرات العامة (4003 مدرسة) والتحصيل الدراسي (3483 مدرسة).

وحرصاً على الاختصار، سيقتصر العرض هنا على نتائج المقارنات في الاختبار التحصيلي، ويُلاحظ من الجداول التالية مدى التباين الواضح بين أداء المدارس في المناطق، حيث استطاعت أكثر من نصف مدارس المنطقة الشرقية (51%) أن تُحقِّق أداءً جيدًا لطلابها في الاختبار التحصيلي، وهذه نسبة مرتفعة جدًّا مقارنة بالمدارس في مناطق جازان ونجران والجوف وتبوك والحدود الشمالية وحائل التي لم تتجاوز نسبة المدارس ذات الأداء الجيد فيها 7%.

م المنطقة توزيع مدارس المنطقة حسب الأداء في الاختبار التحصيلي المجموع
ضعيف متوسط جيد
1 الشرقية العدد 94 131 232 457
النسبة 21% 29% 51% 100%
2 مكة العدد 196 251 265 712
النسبة 28% 35% 37% 100%
3 الرياض العدد 232 241 266 739
النسبة 31% 33% 36% 100%
4 المدينة العدد 84 75 85 244
النسبة 34% 31% 35% 100%
5 الباحة العدد 18 40 18 76
النسبة 24% 53% 24% 100%
6 عسير العدد 124 160 66 350
النسبة 35% 46% 19% 100%
7 القصيم العدد 93 78 54 225
النسبة 41% 35% 24% 100%
8 تبوك العدد 57 51 20 128
النسبة 45% 40% 16% 100%
9 جازان العدد 103 84 14 201
النسبة 51% 42% 7% 100%
10 نجران العدد 41 24 1 66%
النسبة 62% 36% 2% 100%
11 الجوف العدد 67 28 4 99
النسبة 68% 28% 4% 100%
12 الشمالية العدد 46 15 1 62
النسبة 74% 24% 2% 100%
13 حائل العدد 98 25 1 124
النسبة 79% 20% 1% 100%
المجموع العدد 1253 1203 1027 3483
النسبة 36% 35% 29% 100%

 

ولم يكن الاختلاف على مستوى المناطق فحسب، بل أيضًا هناك فرقٌ واضح في الأداء بين مدارس البنات ومدارس البنين. حيث وصلت نسبة مدارس البنات ذات الأداء الجيد إلى 46% مقابل نسبة لم تتجاوز 14% لمدارس البنين.

م النوع الاجتماعي توزيع مدارس البنات والبنين حسب الأداء في التحصيلي المجموع
ضعيف متوسط جيد
1 بنات العدد 248 675 783 1706
النسبة 15% 40% 46% 100%
2 بنين العدد 1005 528 244 1777
النسبة 57% 30% 14% 100%
المجموع العدد 1253 1203 1027 3483
النسبة 36% 35% 29% 100%

وخلافًا لما يعتقد البعض، لم تكن المدارس الأهلية بأفضل حالاً من المدارس الحكومية، حيث كانت نسبة مدارسها ذات الأداء الجيد 30% والمدارس الحكومية 29%، بل إن نسبة المدارس الأهلية ذات الأداء الضعيف 39% في حين أن النسبة في المدارس الحكومية كانت 35%.

م نوع المدرسة توزيع المدارس الأهلية والحكومية حسب الأداء في التحصيلي المجموع
ضعيف متوسط جيد
1 بنات العدد 254 205 195 654
النسبة 39% 31% 30% 100%
2 بنين العدد 999 998 832 2829
النسبة 35% 35% 29% 100%
المجموع العدد 1253 1203 1027 3483
النسبة 36% 35% 29% 100%

وبالتأكيد، فإن هذه الفروق والتباين الواضح في الأداء سواء بين المناطق أو بين مدارس البنات ومدارس البنين جديرةٌ بالمناقشة والحوار حول أسبابها.

  • ما الأسباب التي جعلت المنطقة الشرقية تتفوق بمدارسها وبنسب واضحة على بقية المناطق الأخرى؟
  • لماذا تفوقت مدارس البنات على مدارس البنين؟
  • لماذا لم يختلف أداء المدارس الأهلية عن المدارس الحكومية؟

 

 

التعقيبات:

  • التعقيب الأول: د. فوزية البكر

الورقة الرئيسة برمتها تطرح أسئلةً عميقة، مثل تلك التي طرحها د. البعيز: لماذا – مثلاً – مدارس الشرقية حققت نتائج أفضل من بقية مدارس المملكة؟ ولماذا حققت الطالبات تقدمًا كبيرًا جدًّا بالنسبة للطلاب الذكور؟ ولماذا لم تختلف نتائج المدارس الأهلية عن الحكومية؟

بالنسبة لمدارس الشرقية فهذا يثير شغفاً علمياً حريٌّ بأحد طلابنا متابعته، لكني فعلاً لم أستطع تفسيره إلا إذا كان المعلمون وطلابهم هناك أكثر التزاماً من غيرهم؟ وإذا كان هذا الافتراض صحيحًا، فلماذا؟ هناك بالطبع عدد من التفسيرات المحلية المتناثرة لكنها لم تُدرس علمياً، ومنها – على سبيل المثال – أن الشرقية تحوي أقليةً شيعيةً، وفي العادة الأقليات تسعى للتميُّز لتتمكن من مزاحمة صفوف الاعتياديين. هناك مَن يتحدث عن الأثر الاجتماعي والثقافي الذي أحدثته أرامكو في سكان منطقة الشرقية، فنشرت قيمًا بين العاملين فيها، ربما أثَّر على علاقة الأهل بمدارس أبنائهم ورفع وعيهم بمستوى التعليم… إلخ. عمومًا، الآثار الاجتماعية والثقافية وحتى العمرانية لشركة كبيرة وعظيمة، مثل أرامكو لم تُدرس علميًّا بالشكل المطلوب.

الجدول المُبيَّن بالورقة الرئيسة حول ترتيب المناطق يثير أسئلةً أخرى، إذ عند ملاحظة الترتيب نجد المناطق الكبرى هي مَن تتفوق، في حين تأتي المناطق التي على الأطراف بأقل النتائج؛ مما يطرح سؤالاً كبيرًا حول نوعية التعليم المُقدَّم لطلاب المناطق الصغيرة والنائية، فرغم أهمية هذا الموضوع في الدراسات الدولية المقارنة، إلا إنه لا يحظى بذات الأهمية في جامعاتنا المحلية، ومن المهم كذلك طرح موضوع (نوعية التعليم) وجودته والتي تؤثر في فرص هؤلاء الطلاب لاحقًا في الالتحاق بتخصصات جيدة  في الجامعات، حيث  تضمن دخلاً جيدًا يقيهم من البقاء في دائرة الفقر، كذلك تحرمهم مما يتمتع به أبناء المناطق الرئيسة من تركُّز أفضل المعلمين فيها، وتيسر حصول مدارسهم على ما تحتاج، فضلًا عن تأثير عوامل كنوع المباني والأنشطة والإمكانات المدرسية المتاحة… إلخ.

فيما يتعلق بتفوق الطالبات، لا تبدو النتائج مختلفة عما سبقها، فكافة الدراسات تقريبًا تُثبت ذلك، وتحديدًا في منطقة الخليج: انظر دراسة الحربي والجابري حول نتائج الاختبارات للعام 2011، وانظر أيضًا الاستعراض الذي قمتُ به لكتاب:

Fawziah Albakr.(2015)” Book review: Natasha Ridge. (2014). Education and the Revers Gender Divide in the Gulf States: Embracing the Global، Ignoring the local. International Perspectives on education Reform. Gita Steiner –Khamsi، Editor. Teacher College Press، 1234 Amsterdam Avenue، New York، NY

والذي يشير لذات الظاهرة، بل ويُحذِّر الشعوب الخليجية من مغبة التهاون في تدريس الذكور.

نأتي لسؤال د. البعيز حول ضعف نتائج المدارس الأهلية التي لم تتفوق على الحكومية رغم أن الأهالي اختاروا إدخال أبنائهم فيها اعتقادًا منهم أنها تقدِّم تعليمًا أفضل، وقبلوا دفع الأقساط المدرسية الآخذة في الارتفاع دون مردود علمي واضح، وهذا يثير سؤالاً إضافيًّا مهمًّا حول: نوعية التعليم في تلك المدارس الأهلية، وماذا يجري فيها؟

يجب أن نعرف أن المدارس الأهلية متنوعة جدًّا، فهناك المدارس الأهلية السعودية (تتبع المنهج السعودي مع إضافة مواد، مثل اللغة الإنجليزية)، وهذه تتنوع كثيرًا في المستوى الذي تقدِّمه بحسب موقعها الجغرافي وسمعتها المحلية؛ لكن أغلبها ضعيف بسبب ضعف رواتب المعلمين وكثرة أشغالهم، وانشغال المدارس ليس بالتعليم بل بإرضاء الأهالي الذين هم الزبائن الدافعون لأرباحها، وما إلى ذلك من قضايا جوهرية تمسُّ مخرجات هذه المدارس؛ ولذا تجد الكثير من الأهالي يعمدون لنقل أبنائهم في السنة الأخيرة من الثانوية إلى هذه النوعية من المدارس (المنفلتة) لرفع نسبته حتى يدخل الجامعة، لكنني أتوقع أنه ومع الإصلاحات الجوهرية التي يمرُّ بها تعليمنا منذ سنوات وحتى الآن، فسيستعيد الأهالي ثقتهم بالتعليم الحكومي ويعودون إليه.

هناك مدارس أهلية أخرى تتبع المناهج العالمية، ويعتقد البعض أنها أفضل، هل هي فعلاً كذلك؟ وهل البرامج العالمية التي تقدِّمها في مستوى هذه البرامج خارج السعودية؟

هناك أيضًا  مدارس الجاليات، والتي تتنوع ما بين جاليات فقيرة ومدارس أكثر فقرًا واكتظاظًا، مثل الهندية والبنغلادشية، وأخيرًا هناك مدارس الجاليات الغنية والتي تجد مدارسها بعض الرعاية من سفاراتها، مثل الأمريكية والبريطانية والفرنسية، ولا أظن هذه المدارس تحديدًا قد دخلت ضمن امتحانات قياس، وهذه المدارس لديها امتحاناتها الخاصة المتعارف عليها دوليًّا، مثل السات SAT 1 and SAT 2، حيث صُمِّمت هذه الامتحانات بطريقة تتناسب مع طرق التدريس المستخدمة في تلك المدارس، وهذا أحد عيوب قياس حيث تم بناؤه بطريقة لا تتوافق مع الطرق التقليدية المتبعة في تعليمنا، والتي تعتمد على حفظ ما يرد في المناهج واسترجاعها عند الامتحانات النهائية، في حين يتطلب قياس مهارات عالية في الرياضيات والمنطق وتصوُّر الفرضيات وابتكار الحلول، وهذا ربما يفسِّر في جزء منه ضعف النتائج بشكل عام.

 

  • التعقيب الثاني: د. خالد الرديعان

أودُّ بدايةً التأكيد على أنه من الأهمية بمكان بقاء اختباري القدرات العامة والتحصيل الدراسي، وعدم إلغائهما تحت تأثير بعض الضغوط التي ترى أنهما مجرد وسيلة لتحصيل الرسوم المالية كما يُشاع، وأنهما مجرد وسيلة لمنع البعض من دخول الجامعات.

الاختباران (القدرات العامة، والتحصيل الدراسي) يُشكِّلان عنصرًا مهمًّا في فرز الطلبة؛ وذلك لتوجيههما نحو نمط التعليم المناسب لهم، ومَن لا يجتازون الاختبارين يتجهون لمجالات أخرى تقنية يحتاجها سوق العمل، إذ ليس من الضروري أن يتجه الجميع للجامعات في ظل وجود أعداد كبيرة من خريجي الجامعات ممَّن لم يجدوا فرصًا في سوق العمل.

الجداول والنسب التي وردت في الورقة الرئيسة دالة، وتعطي مؤشرات مفيدة يُفترض عدم تجاهلها؛ فالورقة تكشف وبالنسب أن طلبة المنطقة الشرقية هم الأفضل أداءً في اختبار القدرات العامة مقارنةً بطلبة المناطق الأخرى، وأن الطالبات عمومًا أفضل أداءً من الطلاب، وأن طلبة الثانويات الحكومية ينجزون أفضل من طلبة الثانويات الأهلية (الخاصة) بعكس ما يُشاع عن جودة التعليم الخاص. والورقة تثير كذلك تساؤلات حول هذه القضايا الثلاث لتكون مدخلًا للنقاش في القضية.

أودُّ فقط التركيز على القضية الأولى، أي تقدُّم طلاب المنطقة الشرقية على طلاب المناطق الأخرى. يذكرني هذا بضرورة الإشارة إلى دراسة قديمة موسَّعة على مناطق المملكة تعود للعام ٢٠٠٤، أعدها مركز أسبار حول استخدامات مواقع الإنترنت. وقد بينت نتائج الدراسة وبفروق واضحة أن شباب المنطقة الشرقية هم الأفضل استخدامًا للإنترنت؛ من حيث محتوى المواد التي يتم تصفحها وذلك مقارنة بالمستخدمين في بقية مناطق المملكة.

وقد فسَّرنا ذلك بوجود جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ووجود شركات النفط والبتروكيماويات، وبيئة المنطقة الشرقية التي كثيرًا ما ارتبطت بالإنتاج والجدية في العمل. الأحساء وهي جزء من المنطقة الشرقية ارتبطت كذلك بالإنتاج الزراعي والحرفي؛ الأمر الذي ينعكس على شباب المنطقة وجديتهم في العمل والتحصيل والإقبال على الدراسة، رغم أن المناهج موحدة في جميع مناطق المملكة. ومن تجربة شخصية في التعليم الجامعي مع طلاب المنطقة الشرقية عمومًا والأحساء على وجه الخصوص، فقد لاحظت كما لاحظ بعض زملائي أن طلاب هذه المنطقة يتسمون بإقبال ملحوظ على التحصيل الدراسي، وأن لديهم ميولًا شديدة في إجادة اللغة الإنجليزية واستخدامها على نطاق واسع؛ ربما بسبب تأثير وجود شركة أرامكو، والتعليم الجيد الذي كانت تقدِّمه الشركة لمنسوبيها وأبنائهم في العقود الماضية قبل التوسع في المدارس الحكومية.

أما تفوق الطالبات في اختبار القدرات والتحصيل مقارنةً بالطلاب وهي القضية الثانية التي أثارتها الورقة الرئيسة، فقد يعود إلى كمية الوقت المتاح للبنات للبقاء في منازلهن ومع الأسرة، وأنهن يستغللن ذلك في الاستذكار، بعكس إخوانهن ممن ينفقون وقتًا لا يُستهان به خارج المنزل مع أصدقائهم، وذلك على حساب الوقت المخصَّص للاستذكار ومراجعة دروسهم. ومن تجربة شخصية كذلك في تدريس الجنسين، فقد لاحظت أن الفتيات أكثر إقبالًا على التعليم، بل وأكثر جديةً مقارنة بأقرانهن من الذكور، وهو ما أعيده إلى رغبتهن في إثبات الذات في مجتمع يشعرن فيه أن الذكور أفضل منهن حظًّا في جميع الفرص. فبإقبالهن على التعلم والتحصيل فإنهن بذلك يحاولن القول إنهن لا يقللن عن الذكور في القدرات واكتساب المهارات.

 

  • المداخلات حول القضية:
  • قراءة تحليلية في نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات:

أشار أ. فهد الصالح إلى أنه ثمة ملاحظات على نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات، وتتمثل فيما يلي:

  • ليس ثمة شكٌّ في أن المحصلة العلمية للطلاب زادت بسبب اختبار القدرات والتحصيلي؛ لأنهم أُجبروا على المراجعة قبله ودخول دورات متخصصة لكي ترتفع النسب المتحققة لهم، ولكن هذا في المدن الرئيسة؛ في حين تبقى النسبة محدودةً في المناطق الطرفية من وطننا الغالي.
  • ضعف الاهتمام الرسمي بالمدارس الأهلية أضعف مخرجاتها بالرغم من المبالغ الكبيرة التي يدفعها أولياء الأمور من أجل الحصول على مخرجات تعليمية نوعية.
  • التوجه إلى الخصخصة سيضعف المخرج بصورة أكبر؛ لاستهداف الربح والتوسُّع المربح في التعليم.
  • تميز المنطقة الشرقية هو ثقافة أسرية ثم مجتمعية عممت على الكثير من المخرجات والسلوكيات، ثم استهداف الأهالي لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن ومعرفتهم أنها لا تقبل إلا نسبًا مرتفعة؛ جعلك الجهد أكبر، ورفعت سقف الطموح.
  • لو فُرزت مدارس تحفيظ القرآن عن المدارس العامة لكانت النتيجة أشد ألمًا؛ لأنها حققت نتائج مذهلة في القدرات والتحصيلي والجامعي.
  • الاستمرار في إتمام اختباري القدرات والتحصيلي وتطبيقه في الصف الأول والثاني الثانوي سيرفع لا شك قدرات الطلبة.
  • أتمت الوزارة قبل عامين اختبارات للقدرات في السادس ابتدائي والمتوسط، وكانت النتائج مخجلة؛ وهذا يؤكد أن التعليم يحتاج إلى إستراتيجية مختلفة للمعلم خاصة.

ومن وجهة نظر د. هند الخليفة، فإن نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات المبينة بالورقة الرئيسة والتعقيبات تثير تساؤلين أساسيين في تقييم دور هذه الاختبارات وفعاليتها:

  • التساؤل الأول: يرتبط بمضمون المقاييس المطبَّقة، ومدى قدرتها على قياس المهارات والكفاءات للطلبة، والمقصود هنا المهارات: المعرفية والإدراكية والنفسحركية. هذه المهارات في جملتها هي مضمون الاختبارات المطبَّقة عالميًّا لقياس قدرات وتحصيل الطلبة قبل دخول الجامعة. ومن الملاحظات الميدانية أن الطلبة يجدون صعوبة كبيرة في الاستعداد لهذه الاختبارات وفِي اجتيازها، بالرغم من دراستهم في أفضل المدارس بالمملكة، وبالرغم من قدرتهم العالية على التفكير النقدي وحل المشكلات وإجادة اللغة الإنجليزية. إن هذا الوضع يحيلنا إلى مضمون هذه الاختبارات والوزن النسبي لها في قياس مهارات الطلبة المختلفة وعدم التركيز على الجانب المعرفي التلقيني. كما أنه يحمل مؤشرات على وجود فجوة كبيرة بين ما يدور داخل المدارس وما يتم التخطيط والتنفيذ له في الهيئات والمراكز المسؤولة عن قياس جودة أداء الطلبة؛ بمعنى آخر، غياب التكامل بين الجهات المسؤولة عن التعليم، والعمل بمعزل عن بعضها البعض، لينتهي الأمر بالطلبة إلى الصدمة والإخفاق المتكرر في هذه الاختبارات بالرغم من تفوقهم في سنوات الدراسة. إن وضع اختبارات بهذه المقاييس دون إعداد الطلبة لها بشكل مناسب، وغياب بناء الاختبارات بمعايير محددة لقياس مخرجات تعلُّم الطلبة بناءً على المحتوى للمناهج التي دُرست لهم خلال مراحل تعليمهم؛ إن مجمل هذه العناصر تؤدي إلى ضعف نتائج الطلبة في اختبارات التحصيل والقدرات.
  • التساؤل الثاني: إلى أي مدى يتم التخطيط بشكل تكاملي بين الجهات المسؤولة عن تعليم وتقييم جودة مخرجات التعلم للطلبة خريجي المرحلة الثانوية؟

وعقبت د. وفاء طيبة فيما يتعلق بمسألة إعداد الطلبة للاختبارات، فإن المفترض إعداد الطلبة لكل ما تمكنهم منه قدراتهم التي خلقهم الله بها نفسيًّا ومعرفيًّا وحركيًّا، ثم إعداد أداة لقياس المخرج بدون تدريب الطلبة على محتوى الاختبار كما يحدث الآن في اختبارات PISA مثلًا.

وذكرت أ. علياء البازعي أنه بشكل عام، فإن للاختبارات المقننة هدفين، يتمثل الهدف الأول في قياس حصيلة وقدرة المتقدم للاختبار، لتحديد مستوى إمكاناته في مجال ما مقارنةً بمَن هم من فئته “العمرية/التعليمية/الاجتماعية… إلخ”. أما الهدف الثاني فيكمن في الحصول على أرقام تخدم مجالات مختلفة حسب مجال الاختبار نفسه لاستخدامها في أغراض البحث العلمي والإحصاءات، وكذلك معالجة موطن الخلل وغيرها. واختبارات قياس سواء اختبار القدرات أو الاختبار التحصيلي بُنيت على أسس علمية عالمية، واستخدمتها الوزارة بالفعل للوصول للهدفين السابقين. لكن ما يعتبره الكثيرين غير منصف هو محاسبة الطلاب على ضعف النظام التعليمي؛ فالطالب قد يُحرم من دخول التخصص الذي يرغب فيه بسبب أنه لم يحصل على الدرجة المطلوبة في الامتحان الذي لم يُعد له إعدادًا جيدًا؛ حيث إنَّ تهيئة الطلاب لهذا النوع من الاختبارات يجب أن يتم على مدى سنوات من تلقي المحتوى المناسب مرورًا بإستراتيجيات التدريس، ووصولاً إلى طريقة المذاكرة وتقديم الاختبار.

وأورد د. إبراهيم البعيز مقارنةً بين توزيع مدارس المناطق حسب الأداء في اختبار القدرات والاختبار التحصيلي، وذكر أن اللافت أن العلاقة بين الاختبارين قوية جدًّا وفقًا لمعامل بيرسون حيث تتجاوز 0.64، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال البيانات الواردة بالجدول التالي، إضافةً للبيانات المبيَّنة سابقًا في الورقة الرئيسة.

 

م المنطقة توزيع مدارس المنطقة حسب الأداء في اختبار القدرات المجموع
ضعيف متوسط جيد
1 الشرقية العدد 94 161 251 506
النسبة 19% 32% 50% 100%
2 الرياض العدد 216 287 351 854
النسبة 25% 34% 41% 100%
3 مكة العدد 187 323 322 832
النسبة 22% 39% 39% 100%
4 المدينة العدد 81 102 86 269
النسبة 30% 38% 32% 100%
5 الباحة العدد 18 46 27 91
النسبة 20% 51% 30% 100%
6 القصيم العدد 84 101 76 261
النسبة 32% 39% 29% 100%
7 عسير العدد 140 149 112 401
النسبة 35% 37% 28% 100%
8 تبوك العدد 65 61 16 142
النسبة 46% 43% 11% 100%
9 الجوف العدد 82 29 8 119
النسبة 69% 24% 7% 100%
10 حائل العدد 94 31 10 135
النسبة 70% 23% 7% 100%
11 جازان العدد 156 69% 8 233
النسبة 67% 30% 3% 100%
12 نجران العدد 46 41 2 89
النسبة 52% 46% 2% 100%
13 الشمالية العدد 41 29 1 71
النسبة 58% 41% 1% 100%
المجموع العدد 1304 1429 1270 4003
النسبة 33% 36% 32% 100%

 

وترى د. فايزة الحربي أن من الأمور اللافتة للانتباه حول اختبارات القدرات والاختبار التحصيلي أن طلاب التحفيظ هم الأعلى نسبًا بين أقرانهم من طلاب المدارس العامة رغم أن دراستهم للمواد العلمية والأدبية ليست بنفس الكثافة ولا الكم. وأيضًا بدأ الكثير من الطلاب والطالبات في السنوات الأخيرة يحقِّقون نسبة ١٠٠% في اختبارات القدرات والاختبار التحصيلي، وهو ما يعدُّ مؤشرًا على أن التدريب على هذه الاختبارات يحقِّق تقدُّمًا كبيرًا. الأزمة الحقيقية حين يأتي الطالب بممتاز بمعدل الدراسة و٦٠ بالقدرات والتحصيلي، هنا تكون فجوة حقيقية بين واقع الطالب وحقيقة درجاته.

وفي اعتقاد أ. فائزة العجروش، فإن بروز مشكلة تدني درجات طلاب الثانوية في اختبارات القياس، الأمر الذي قلَّل من فرص قبولهم في الجامعات، مشكلة متعددة الأبعاد، تارةً تكون نفسية وتربوية، وتارةً تكون اجتماعية، وتارةً نرى مَن يُرجع السبب للاختبارات، وعدم قدرتها لقياس الهدف المرجو منها، والرأي أن هذه الاختبارات لا بد أن تستمر؛ فهي تشكِّل ركنًا أساسيًّا في العملية التعليمية، وتعتبر عملية تشخيصية وعلاجية في الوقت ذاته. أما فيما يتعلق بالعوامل المؤثرة على نتائج الطلاب السلبية والمتدنية فيمكن إرجاعها إلى العوامل التالية:

  • العوامل المتعلقة بالطالب، ومن أهمها:
    • عدم التدرب الكافي من الطالب نفسه لاختبارات تجريبية مكثفة.
    • افتقاد الطالب إلى الدافعية للاستعداد لهذه النوعية من الاختبارات، وإلى التعليم بصفة عامة.
    • اقتصار بعض الطلاب لدخول الاختبار مرة واحدة لعجزه ماديًّا.
    • السهر، فكثير من الطلبة يأتي دون أخذ القسط الكافي من النوم؛ مما يضعف من قدراته العقلية في التحليل والاستنتاج، ويعيق سرعة إنجازه.
  • العوامل المرتبطة بالامتحانات نفسها، ومنها:
  • طبيعة أسئلة اختبارات المركز وبُعدها عن مضمون المناهج.
  • بعض فقرات الأسئلة تحتاج لأدوات رياضية ولم تتوفر للطلبة.
  • بعض الفقرات متداخلة وتفقد الطلب تركيزه، وتجعل الكثيرين يلجؤون للتخمين.
  • الغريب أنه في بداية تطبيق هذه الاختبارات كانت مسموحة لمرة واحدة للإناث، في حين سماحها لأكثر من مرة للذكور، وهذا يوجد دافعية أكبر لدى الإناث لحصولهن على درجات عالية كونها مرة يتيمة، إلى جانب ما ذُكر من عوامل تبين تفوق الإناث عن الذكور في حب الدراسة والاجتهاد والتركيز.
  • الإخفاق في الأداء بسبب عدم اختيار قاعات مناسبة للاختبارات.
  • عوامل مشتركة، ومن أهمها:
  • الضبابية بين ولي أمر الطالب وبين ماهية اختبار القدرات. مثله مثل نظام المقررات والمعدل التراكمي.
  • قصور دور الأسرة منذ البداية في التربية واتكالها على المدرسة في هذه المهمة بجميع جوانبها.
  • من قراءاتي، كان تدني مستوى الطلاب في الاختبار التحصيلي يتضح جليًّا في المواد التالية: الرياضيات والأحياء والإنجليزي والكيمياء، وهذا ليس بغريب إذا ما عرفنا أن هذه المواد هي نفسها التي يعاني منها كثير من طلابنا طوال حياتهم التعليمية، ومستواهم فيها ضعيف فيها.
  • ضعف الدور الإعلامي لتهيئة أولياء الأمور وتوعيتهم بأهمية هذه الاختبارات.

ولعل السبب الأكبر والأهم يعود لافتقار المناهج التعليمية للنقد والتجريب والاستنتاج والتحليل والتفكير، وضعف أداء المعلم، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، غياب دور الأسرة، وافتقاد طلابنا لحب التعلم؛ ونجدهم يدرسون فقط للحصول على شهادة تؤهلهم لوظيفة مناسبة، وليس دراسة عن حُب وشغف لتخصص ما! لذا توجد ضرورة للاهتمام بغرس حب التعليم بدافع التعلُّم لدى طلابنا، والتركيز على البيئة المحيطة بالطالب بدءًا من الأسرة، والمدرسة وأعمدتها المهمة والمؤثرة بشكل واضح وجلي: (المعلمين، والمناهج) والأصدقاء المرافقين.

ولفت د. حميد الشايجي الانتباه إلى أن ببحث بسيط عن أكثر المدارس تميزًا في اختبارات القياس والقدرات أمكَن الاستدلال من خلال عدد من المقالات إلى تفوق مدارس تحفيظ القرآن في الاختبار مقارنةً بالمدارس الأخرى خلال عدة أعوام متتالية من 1430 إلى 1441هـ، مع أن البعض كان يعيب على مدارس التحفيظ بأن أسلوبها يعتمد على التلقين والحفظ. وهنا يكون التساؤل المطروح: كيف السبيل إلى التوفيق بين هذين الأمرين، وهل أصلًا هناك علاقة بين أسلوب التعليم ونتائج اختبارات القياس والقدرات؟

وذكرت د. فوزية البكر أنه يجب التوضيح أن اختبارات قياس في جانبها اللفظي (النظري)، تركز على استيعاب المقروء وإكمال الجمل… إلخ، وهو ما تفوق فيه طلاب تحفيظ القرآن ويجب عليهم ذلك. لكن ثمة جوانب أخرى (كمية) تتناول أسئلة حسابية وهندسية وجبرية وتحليلية وإحصائية وأسئلة مقارنة. وإذا كان تفوق مدارس التحفيظ فقط في الجزء النظري، فهل سيساعدهم ذلك على الالتحاق بالكليات العلمية أو التجارية التي تجد رواجًا في سوق العمل؟

وذكر د. خالد الرديعان فيما يتعلق بأسباب تقدُّم طلاب مدارس تحفيظ القرآن في اختبارات قياس، أن طلاب تحفيظ القرآن ملكتهم اللغوية أفضل؛ لأنهم لا يقتصرون على حفظ القرآن فقط، بل تفسير آياته مما يزيد من حصيلتهم اللغوية، وهذا عنصر مهم للغاية، إذ كلما اتسعت وزادت مفردات الطالب اللغوية انعكس ذلك على طريقة تعبيره، وربما تفكيره. مسألة أخرى، وهي أن طالب التحفيظ لديه اعتياد على القراءة المكثفة والمواظبة عليها، وكذلك الاستظهار، وهي عناصر أخرى مهمة. القراءة المكثفة تساعد في اتساع المدارك، وسرعة التفكير. وعمومًا “فنزعة التدين” عند طالب التحفيظ قد يكون لها أثرٌ؛ كخلق الاطمئنان النفسي عند الطالب، ومن ثَمَّ دخول الاختبارات بأقل توتر ممكن، وهذه فرضية أخرى بحاجة إلى إثبات.

لكن د. إبراهيم البعيز يرى أن ارتباط الدراسة في مدارس التحفيظ بارتفاع الأداء في اختبارات قياس لا يعني أن ذلك علاقة سببية؛ بمعنى أن الدراسة في مدراس التحفيظ هي السبب، فثمة تأثير لمتغيرات أخرى يجب البحث عنها، مثل: ارتفاع الدخل، وقراءة الصحف، ومستوى تعليم الوالدين، وغيرها.

وأوجز د. راشد العبد الكريم وجهة نظره حول نتائج الاختبارات في ملاحظتين أساسيتين:

  • الملاحظة الأولى: في سياق تطوير التعليم، فإن الحديث عن اختبارات تحصيلية أو قدرات مع الوضع المخجل لأكثر المدارس، هو نوع من الترف، ونوع من الهروب للأمام؛ فأكثر مدارسنا تفتقر للأساسيات الإنسانية فضلاً عن التربوية: فلا ماء صالح للشرب، ولا غذاء صحي، كما أن مستوى الأمن النفسي (والحسي) ضعيف، بجانب عدم توافر البيئة التربوية الجاذبة، وكذلك التكدس في الفصول، أيضًا فإن مستوى المعلمين في مجملهم ضعيف. وبناءً عليه، فإن نتائج قياس ليست مفاجئة، والسعي إلى رفع النتائج من خلال تدريب الطلاب أو توجيه التدريس لأجل الاختبار قد يكون مُضللًا، ومُضرًا على المدى البعيد.
  • الملاحظة الثانية: فيما يتعلق بتفوق طلاب المدن الكبيرة على الأطراف، يبدو أنه يعود لاهتمام طلاب المدن وأسرهم بهذه الاختبارات، ووجود كتب ومراكز للتدريب عليها والاستعداد المبكر لها. وهذه الاختبارات (ومثلها الاختبارات الدولية) يجب أن تكون كاشفةً ووسيلةً لفرز الطلاب وليست هدفًا في ذاتها؛ هي وسيلة، وجعلها غايةً يضرُّ بالتعليم أكثر مما يفيده.

وذكرت أ. نورة الفايز أنه يتضح من البيانات المشار إليها في السابق أن عدد المدارس التي حققت مستوى جيدًا في جميع المناطق بما فيها المنطقة الشرقية كان (١٠٢٧) مدرسة، وهذا يعتبر قليلًا مقارنة بالمجموع الكلي للمدارس التي أُجريت عليها الدراسة، وعددها (3483) مدرسة، مع التأكيد على القناعة بوجود اختلاف طبيعي بين الطلاب في مثل هذه الاختبارات، وأن لا نتوقع أن جميع أبنائنا وبناتنا يجب أن يحصلوا على نتائج عالية في مثل هذه الاختبارات، ومع التأكيد أيضًا على أهمية مثل هذه الاختبارات، وضرورة بقائها مع تطويرها حسب مقتضيات العملية التعليمية والتطورات العالمية.

ومن ناحيتها، ترى د. الجازي الشبيكي أن اختبار القدرات والاختبار التحصيلي، كان من الأولى البدء بهما مع نهاية كل مرحلة دراسية حتى يُلمَّ الطلبة بآلياتها تدريجيًّا، فهي تعتمد على سرعة البديهة وقوة الملاحظة التي كان من الأجدر تدريب الطلبة عليهما في كل المناهج الدراسية اعتمادًا على الذكاء والتحليل والاستنتاج، وليس الأسلوب التلقيني في الغالب لمدة 12 سنة، ثم نأتي بعد ذلك لنُغير طريقة تفكيرهم في أشهر معدودة ونحاسبهم عليها في ساعتين من الاختبار. وزارة التعليم التي تُعاقب على إدارتها قيادات أكفاء، كان من المفترض أن ترفض أو تتحفَّظ على قبول ذلك مؤقتًا، وتشترط تغيير الخُطط الإستراتيجية للتعليم لتتوافق مع هذا التوجه؛ لأنه ليس مناسبًا في حقها أن تُعطى درجات تحصيل مدارسها لمدة ١٢ سنة نسبة 20٪ من درجات القبول، بينما 80٪ تُعطى لمراكز القياس. وكان من الأجدى أن يكون هناك لقاءات وحوارات وورش عمل يشترك بها كل مَن له علاقة بموضوع التعليم ومعايير القبول في الجامعات، وأن نبدأ بالتخطيط لذلك تخطيطًا إستراتيجيًّا قويًّا يأخذ بأحدث الأساليب المتقدمة الناجحة التي سبقتنا، ويُراعى فيها احتياجات بلادنا من التخصصات وفق رؤاها التنموية المُستدامة. لكن للأسف، تعاقب الوزراء على هذه الوزارة في سنوات قليلة مع طواقمهم الإدارية المختلفة، ورغبة كل حقبة وزارية تحقيق نتائج سريعة تُحسب لفترة وزارتهم، قد تكون من أسباب الضعف والارتباك فيما نراه من نتائج.

 

  • أسباب تفوق المنطقة الشرقية في نتائج اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات:

يرى أ. فهد الصالح أن من أسباب تفوق أبناء المنطقة الشرقية في نتائج اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات، ما يلي:

  • الثقافة الأسرية الجادة وتأثير نظام أرامكو وسكيكو وغيرها من الشركات على الرغبة في التفرُّد والتميز، بالإضافة إلى أسلوب التربية الجاد، وبناء الأسرة الداخلي الذي استفاد من تعدد الثقافات.
  • المعلم في المنطقة الشرقية ابن بيئته الأسرية المتعلمة وصاحب سلوك تواصلي مختلف أثَّر إيجابًا على مخرجات التعليم وتنمية الإنسان وتوجيهه من الصغر.
  • الحياة العملية الجادة للأهالي جعلت التعليم والتحصيل المتميز يأتي أولًا.
  • الاهتمام الرسمي في المنطقة الشرقية بسبب تلك الثقافة أفضل من بقية المناطق، بالإضافة إلى الاستقرار الوظيفي للقيادات.

في حين يرى أ. فهد الأحمري أن كشف الأسباب التي جعلت المنطقة الشرقية تتفوق بمدارسها وبنسب واضحة على بقية المناطق الأخرى – يحتاج لدراسة ميدانية، لكن ثمة بعض الأسباب المبدئية التي يمكن التطرُّق إليها، منها: وجود بيئة مؤثرة وكيانات لها تأثير مادي ومعنوي (أرامكو والهيئة الملكية)، فهما تقومان بإنشاء المدارس، ورعاية بعضها ودعمها بالأجهزة الكهربية والتقنية، وربما أيضًا يعود ذلك لعامل الدول المجاورة، وهو ما أثر تأثيرًا إيجابيًّا خاصة ممَّن يكونون بالقرب من الحدود أو القرابة الأسرية.

وترى د. وفاء طيبة أنه بالنسبة لضعف مستوى أداء المناطق الطرفية، فإن النظرة الشمولية لها دور في تحليل ذلك، فكما افترضنا أن المنطقة الشرقية قد أثَّر في مستوى طلبتها وجود أرامكو والهيئة الملكية للجبيل، وكلنا شاهد المنطقة الشرقية حتى تنظيمها مختلف عن بقية المدن الكبرى، ففي المقابل نجد المناطق الطرفية غير جاذبة للعينات الجيدة من المعلمين وأساتذة الجامعات؛ بل إنها طاردة حتى لسكانها الأصليين بسبب فقر الخدمات وقلتها، وعدم وجود مدارس مستواها جيد لهؤلاء؛ كل ذلك له تأثير، وإنْ لم يكن مباشرًا على نتائج المناطق الطرفية.

ومن جانبه يرى د. إبراهيم البعيز أنه يجب عدم المبالغة في التعميم بالنسبة للمنطقة الشرقية؛ حيث إنَّ مقارنة نتائج الدمام والخُبر والظهران مع بقية المحافظات قد تُبيِّن أن هذه المحافظات (مثل حفر الباطن – الهفوف) ليست بعيدة عن نتائج مدارس الأطراف. ونفس الشيء بالنسبة لمنطقة الرياض، يمكن أن نجد أن مدارس الخرج ومدارس عفيف مثل مدارس الأطراف. الخلاصة هنا أن النتائج الجيدة قد تكون محصورة في المدن الكبرى.

بينما وفي اعتقاد د. فوزية البكر، فإن من الضروري التركيز على نقطة مهمة، وهي عدم العدالة في توزيع الموارد الوطنية بين أبناء الوطن؛ بدليل ضعف مخرجات مدارس الأطراف والمناطق النائية لأسباب كثيرة. فعدم العدالة هذا سيفرض خيارات قاسية على أبناء المناطق النائية، كما يحرمهم من مهارات تحتاجها الكليات العلمية وسوق العمل، مثل: اللغة الإنجليزية ومهارات التعامل مع مختلف الجنسيات وفهم أكبر للثقافات المختلفة، وهذا ما يُحفِّزنا للمطالبة بتخصيص إمكانات أكبر للمناطق البعيدة؛ لأن الوطن ككل سيدفع ثمن التسرُّب المدرسي لهم أو اضطرارهم لخيارات دراسية لا تُسمن من جوع في سوق العمل كما هو حاصل اليوم، وهي معضلة وطنية تحتاج كثيرًا إلى التوقف.

وأضاف د. إبراهيم البعيز أن التباين الذي كشفته اختبارات مركز القياس دعوة صريحة لنا للنظر في إشكالية التعليم في بعض المناطق، مما يُهدِّد من مستوى العدالة والمساواة في الفُرص التعليمية في الجامعات المتميزة، وعلى المنافسة في سوق الفرص الوظيفية الواعدة.

وفي المقابل يرى د. خالد بن دهيش أنه وعند التطرُّق للعدالة بين المناطق، فالاعتقاد أن هناك عدالة عالية في توزيع الموارد بين مناطق المملكة، خاصة منذ أن تولى الملك عبدالله إدارة شؤون المملكة في حياة الملك فهد، وبعد توليه مقاليد الحكم رحمهما الله، وهناك تركيز على العدالة في توزيع الموارد الوطنية بين كافة مناطق المملكة؛ حيث كان الملك عبد الله – رحمه الله – يؤكد على موضوع العدالة، واستمر ذلك في عهد الملك سلمان حفظه الله؛ ففُتحت الجامعات والكليات التقنية للبنين والبنات والمستشفيات التخصصية، وتطوير الطرق والمطارات والموانئ، وتم إنشاء المدن الاقتصادية والمعرفية والتعدينية (وعد الشمال) والمصفاة بجازان ومشروع نيوم بالشمال ومشروع البحر الأحمر وغيرها، وبالتالي، فثمة فرص وظيفية نوعية عالية لأبناء وبنات تلك المناطق خاصة بعد توجيه الجامعات في تلك المناطق بتوفير التخصصات المناسبة لتلك المشاريع العملاقة، ونظام الجامعات الجديد سيمنح جامعات المناطق الحرية في افتتاح الكليات والأقسام للتخصصّات التي تحتاجها تلك المشروعات. أما التباين في نتائج اختبارات قياس بين المناطق فهو جدير بالدراسة، ولا يُعزى للعدالة من عدمها في توزيع الموارد الوطنية.

وعقَّب د. إبراهيم البعيز بأنه لم يقصد بالتأكيد أن غياب العدالة هي السبب في التباين في الأداء بين المناطق. ما قصده أن النتيجة سيترتب عليها ضياع الفرص في الحصول على قبول في جامعات متميزة، مثل جامعة الملك فهد، والتي يصل وزن اختبارات القياس إلى 80% من النسبة الموزونة للمفاضلة بين المتقدمين.

بينما وفي اعتقاد د. مها المنيف، فإن تفوق المنطقة الشرقية عن بقية المناطق في نتائج اختبارات المركز الوطني للقياس قد يرجع في أحد أسبابه للأسرة، وتحديدًا ما يتعلق بدور الأم المتعلمة التي تؤثر إيجابًا في مدى تحصيل أبنائها العلمي، ونسبة التعليم لدى الأمهات يتناسب طرديًّا مع تحصيل الأبناء والبنات دراسيًّا. وفي مسح الأسرة السعودية من هيئة الإحصاء، كانت نسبة تعليم الإناث في المنطقة الشرقية عالية مقارنة ببقية المناطق؛ فلا نغفل دور الأسرة وخاصة الأم المتعلمة في نتائج الأبناء الدراسية.

من جهته يرى د. مساعد المحيا أن تفوق المنطقة الشرقية سببه أن هناك جهودًا تُبذل داخل المؤسسات الاجتماعية في المنطقة الشرقية لمعرفة الكثير من التفاصيل عن هذه الاختبارات؛ إذ يدخل هذه الاختبارات أشخاص متعلمون وذوو مستويات تعليمية للحصول على كل ما يتمُّ تقديمه خلالها وفق تنسيق معين، ثم يتم رصد هذه الاختبارات وتدريب أبنائهم عليها.

 

  • أسباب تفوق مدارس البنات على مدارس البنين في نتائج اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات:

أشار د. إبراهيم البعيز إلى أن تفوق مدارس البنات على مدارس الأبناء ليس خاصًّا بالمملكة، فهو ظاهرة عالمية أشارت لها كثير من الدراسات وتكررت أيضًا في بعض الدول العربية، مثل الأردن. لكن هناك سببٌ يبدو أنه خاص بالتعليم السعودي؛ فالتعليم الجامعي مفتوحة كل تخصصاته للطلاب؛ لذا نجد أن الطلاب المتميزين يحرصون على تخصصات الطب والهندسة والقانون والحاسب وإدارة الأعمال، أما الطلاب الأقل تميزًا الذين لا تقبلهم هذه التخصصات فيذهبون إلى العلوم والتربية، وينتهي المطاف بالكثير منهم في سلك التعليم. وبالنسبة للطالبة المتميزة فليس لها من خيار إلا التربية أو الكليات الصحية. ونظرا للثقافة المجتمعية تتجه الغالبية منهن إلى التربية؛ لذا نجد أن المعلمات أكثر تميُّزًا من المعلمين؛ وربما هذا انعكس على مستوى التعليم في مدارس البنات.

ويرى د. خالد بن دهيش فيما يتعلق بأسباب تفوق البنات على البنين في التحصيل الدراسي، أنه بالإضافة لما ذُكر من تفرغهن للدراسة بالمنزل لوقت أطول من تفرغ معظم البنين، بجانب تفوق المعلمات والإشراف التربوي والإداري وبذلهن الجهد والوقت الأطول مع طالباتهن وحرصهن على أداء عملهن، وهذا ليس تقصيرًا في المعلم، ولكن الحديث عن المرأة بشكل عام، والتي تبذل في الغالب جهدًا أكبر.

وذكرت د. فوزية البكر أنه بالنسبة لتفوق الفتيات وحسب نتائج الاختبارات الدولية وتحديدا 2016، فمن بين ٥٠ دولة أظهرت الفتيات في ٤٨ منها تفوقًا ملحوظًا في القراءة، كما أن الهوّة بين الجنسين قد ظهرت منذ بدأت هذه الاختبارات عام ٢٠٠١، ولا يبدو أنها آخذة في التناقص؛ بل تزداد.

أما د. خالد الرديعان فأشار فيما يتعلق بالتساؤل: هل ستتغير المقارنة بين الأولاد والبنات بعد أن فُتح المجال أمام المرأة وأصبحت تحصل على حقوق مشابهة لحقوق الرجل؟ أجاب د. خالد الرديعان بأنه يصعب التنبؤ بحدوث تغيرات سريعة، لكن السمات النفسية لكل جنس تظلُّ دائمًا عناصر مهمة يُفترض أخْذها في الحسبان عند المقارنة بينهما. فالبنت تنظر للتعليم بطريقة تختلف عن الولد، فالأخير يُتاح له فرص أكثر في الحياة حتى لو أخفق في تعليمه، بينما البنت تعتقد أن التعليم هو الوسيلة الوحيدة التي تمكِّنها من التقدم والحصول على عمل، وبذلك تُعطي التعليم أهمية قصوى تفوق ما يعطيه الولد، وتظل هذه فرضية بحاجة إلى التحقق من صدقها ببحث معمَّق يقوم به فريق من علماء النفس وعلماء الاجتماع التربوي.

ومن وجهة نظر أ. نورة الفايز، فيما يتصل بالاختلافات سواء بين المناطق، أو بين المدارس، أو بين البنين والبنات، أنه يحكمها أمور كثيرة؛ لعل أهمها هو مدى وعي الأسرة بأهمية تعليم أبنائها وتثقيفهم، والعمل على زيادة وعيهم بأهمية تطوير ذاتهم، وعدم الاعتماد الكامل على المدرسة في تعليم أبنائها. كما أن من أسباب مثل هذه الاختلافات أيضًا التحاق الطفل بالتعليم المبكر في صغره. أما النتيجة الخاصة بالاختلاف بين البنين والبنات في هذه الاختبارات، فقد تكررت كثيرًا على مستوى نتائج الطلاب والطالبات في الاختبارات المدرسية، وفي الاختبارات الدولية في التعليم العام، وعلى الرغم من أن هذا الاختلاف يُعتبر عالميًّا، إلا أنه يرجع في الغالب للتباين في مستوى أداء المعلمات مقارنة بمستوى أداء المعلمين، أكثر من أنه راجع  لمستوى أداء الطلاب والطالبات أنفسهم؛ وقد يعنى ذلك إما الاختلاف في مستوى التعليم الجامعي بين البنين والبنات، أو الاختلاف في التأسيس المدرسي، أو في مدى حرص المعلمات على التعليم الجيد للطالبات، أو في طبيعة تكوين المرأة، أو في بعض أو كل ما تقدم. أما بالنسبة للتقارب في النتائج بين المدارس الأهلية والمدارس الحكومية فهذا متوقع، إذ إن غالبية المدارس الأهلية تُطبِّق المناهج الحكومية، وتتبع نفس أساليب التدريس، كما أن المعلمين بنفس المستوى، إلا ما ظهر في السنوات الأخيرة من مدارس سُمح لها بتطبيق برامج عالمية، وبها معلمون على مستوى مختلف من الكفاءة؛ لذا فقد ظهرت نتائج طلابها مختلفة.

 

  • رؤية استشرافية حول تطوير اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات:

من وجهة نظر د. عبد الله بن صالح الحمود، فإن برنامج القياس والقدرات يبدو أنه برنامج لم يأتِ بسياسة تدرُّجية؛ فالبرنامج لم يكن مُوفقًا في الأصل حين أتى تطبيقه مباشرة على الطلاب دون المعلمين، مهما تكن نتائجه الحالية سلبًا أو إيجابًا، فإن مرد ذلك هو صناعة المعلم، والمعلم هنا ممثل للدور الكامل للمدرسة، فقد كان في الأمر تجاوزٌ كبيرٌ حين يتم تطبيق برنامج كهذا على الطالب قبل أن نقيس كفاءة وقدرة المعلم، وأيضًا نوعية المناهج ومدى كثافتها أو محدوديتها العلمية، وزارة التعليم تخطت مرحلة عن مرحلة مهمة، فهي سعت إلى تطبيق برنامج قياس قدرة الطالب قبل أن تقيس قدرة المعلم، وهنا بطبيعة الحال ظهرت لنا نتائج متوقعة من أن أغلب الطلاب أتوا بدرجات دون المستوى المأمول خصوصًا في السنوات الأولى من التطبيق، ثم إن مسألة تطبيق برنامج كهذا يحدُّ من قبول أعداد كبيرة في السلك الأكاديمي، كان من المفترض أن يتم تهيئة مؤسسات تعليمية موازية لمؤسسات التعليم العالي للدراسة لما بعد المرحلة الثانوية لاستيعاب مَن لم يحصل على درجة موزونة تؤهله لمواصلة الدراسة الجامعية، فهذا حقيقة نهج أوجد معادلة مؤثرة على الجانب الاجتماعي. ويبرز في هذا الإطار التساؤل: أين إستراتيجية التنسيق التي دومًا نُطالب بها لتحقيق مسيرة تعليمية ناجحة، كيف للجامعات أن تتبنى أو تطالب ببرنامج كهذا، وإنْ كانت مُحِقة ويقوم به مركز يتبع وزارة التعليم التي هي مسؤولة عن الجامعات أيضًا، دون أن نُدرك أن هناك خللًا أو قصورًا في أوساط مؤسسات التعليم العام، ما ذنب خريجي المرحلة الثانوية حين يصطدمون بتنظيم أو ببرنامج لقياس قدراتهم وتحصيلهم العلمي لينالوا أدنى درجات التقييم، والذي قد يكون سببه الأكبر المعلم والمنهج؟!

في حين أوضح د. إبراهيم البعيز أن الفكرة الأساسية من المركز الوطني للقياس لم تكن تقييم التعليم والمعلمين، بل كان لتفادي إشكالية كانت تمرُّ بها الجامعات، والمتمثلة في النسب العالية للتسرُّب. حيث كان معيار الثانوية للمفاضلة بين المتقدمين غير دقيق، ومن ثَمَّ تمَّ قبول طلاب كُثر بناءً على معدلات الثانوية في كليات الهندسة والحاسب والعمارة؛ لكن هؤلاء لم يتمكنوا من النجاح لأن معايير قبولهم (النسبة في الثانوية) غير دقيقة. وبالمقارنة كانت نسب التسرب في جامعة الملك فهد أقل بكثير من النسب في بقية الجامعات، حيث كانت الجامعة لا تعتمد على نسبة الثانوية، بل كان لديها اختباراتها الخاصة، وهي التي حمتها من التسرُّب الذي كانت تعاني منه بقية الجامعات.

بينما تساءل أ. محمد الدندني: هل كان قرار بناء الجامعات في الأطراف قرارًا ذا أولوية أو مفيدًا فقط من باب ضعف المخرجات في التعليم العام، وسياسة تقليل التعليم الأكاديمي، وأيضًا حرمان الطلبة المميزين من دخول جامعات أقوى تتناسب مع قدراتهم؟ أليس من الأفضل لو وُجد البديل لمَن لا يجتاز التقييم في الدراسة بكليات تقنية على مستوى عالٍ من التعليم والتدريب؟  إن غياب البدائل سيخلق مشاكل اجتماعية، وأولاها البطالة. أيضًا، فمن النقاط المهمة أن كليات المسار الطبي والهندسة وكثير من مواد العلوم يرجع الطالب لمراجع باللغة الإنجليزية، ونعلم المستوى الضعيف للغة الإنجليزية في التعليم العام.

بينما وفي تصوُّر د. حمد البريثن، فإن اختبارات مركز قياس لا تحدُّ من القبول بالجامعات؛ حيث إنَّ ما يحدُّ القبول هو السعة الاستيعابية، وهذه السعة تعتمد على مؤثرات أخرى، وليس لها أي علاقة باختبارات قياس. وتمتاز اختبارات قياس بالاحترافية في وضع الأسئلة وأداء الامتحانات بشكل متميز، حيث يتم وضع الأسئلة بمقاييس عالمية علمية، وكذلك يتم تحليل الإجابات لكل سؤال لضمان قدرة السؤال على تمييز الطلاب وعدالة مقصده. والمركز الوطني للقياس لا يقبل أو يرفض الطلاب، فوظيفته فقط إعداد وإقامة الاختبارات، والقرار بالقبول والرفض مرتبط بالقطاع التعليمي. كذلك الاختبارات الخاصة بكفاية المعلمين، يقوم المركز بإعداد الامتحانات بالاستعانة بالمتخصصين من الجامعات، وكذلك يدير الامتحان؛ في حين أن القرار بالتعيين وتحديد الحد الأدنى للاجتياز يكون من قِبل الوزارة.

من جانبه يرى د. عبد الله المطيري أنه يلاحظ عدم اهتمام المختصين طيلة سنوات تطبيق اختبارات القياس لمعالجة الخلل الذي كشفته اختبارات القياس، المفترض أن يُستفاد من نتائج القياس في معالجة الخلل وليس فقط تحديد مستويات الطلاب.

وفي تصوُّر د. وفاء طيبة، فإن طريقة بناء اختبار القدرات والاختبار التحصيلي لا تتفق مع الطرق التقليدية المتبعة في التعليم لدينا والمعتمدة على الحفظ. ومن المؤكد أن الخطأ في تعليمنا وليس في بناء هذه الاختبارات ذاتها، والمشكلة تكمن في اختلاف أداة القياس عن مخرجات التعليم، ولطالما نادينا بالاستفادة من هرمية بلوم في التفكير في التعليم، ولكن حتى الإضافات التي تمَّت إضافتها في المناهج كأسئلة لاستثارة التفكير، كانت بالفعل إضافة! بمعنى أنها غير مدمجة بطريقة ذكية مع الموضوع، ويتم الحصول منها على استجابة واحدة، ولا تكون مجالًا للتفكير؛ ولذا فقدت معناها وظلت مناهجنا جامدةً معتمدةً على الحفظ، حتى في الرياضيات لا يمكن أن يواجه الطالب بفكرة جديدة لمحاولة حلها بالتفكير في الاختبار، وإنما يجب أن يحفظ طريقة حل كل فكرة، فتكون كل الأفكار معروفة لديه من قبلُ.

بينما أوضح د. إبراهيم البعيز أن الاختبارات ليست من خارج المقررات التي درسها الطلاب خلال ثلاث سنوات في الثانوية، فهي تغطي صفوف المرحلة الثانوية الثلاثة بالنسب الآتية:

  • 20% من الصف الأول.
  • 30% من الصف الثاني.
  • 50% من الصف الثالث.

وتتوزع الأسـئلة بنسب متقاربة على مواد: الأحياء، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات. والإشكالية ربما التعود على الحفظ دون الفهم، وهذا لا يتناسب بالطبع مع المعرفة العلمية التراكمية.

وتعتقد د. هند الخليفة أنه قد يكون من المفيد والمهم إعادة النظر في هذه الاختبارات، وفحص الأهداف والمهارات التي تتوجه إلى قياسها. ومعرفة أين يقع الخلل، فقد يكون في ارتباط الاختبارات بالمناهج التعليمية وأساليب التدريس.

في المقابل، فإن د. إبراهيم البعيز لا يعتقد أن الخلل في الاختبارات؛ فقد استعان المركز بخبرات وتجارب مؤسسات عالمية متخصصة في إعداد الاختبارات المقننة. ويمكن العمل على زيارة موقع المركز للتعرُّف على الكيفية التي يُبنَى بها بنك الأسئلة واختبارات المصداقية للأسئلة.

وتساءل أ. عبد الله الضويحي: هل هناك حاجة لدراسة شاملة ومتخصصة يقوم بها أحد المراكز أو دور البحث أو الجامعات حول توجُّه الطلاب والطالبات لجامعات أو تخصصات معينة وفقًا لمناطقهم؟  وبدورها ترى د. وفاء طيبة أن من المهم قبل الدراسة توفير هذا النوع من التعليم حسب المنطقة وإمكانياتها التنموية؛ الأمر الذي سيساهم في الاستقرار والتوطين لهذه المناطق، وبجوار ذلك توفير الخدمات، كما يجب التوعية بذلك وجعله جذَّابًا ومرغوبًا حتى يقبل عليه أهل المنطقة.

وأكدت أ. فائزة العجروش أنه من المهم استغلال الميزة النسبية لمناطق معينة في المملكة وافتتاح جامعات تخصصية بحثية بها، ويتم توجيه طلاب المناطق الساحلية لدراسة الاستزراع السمكي على سبيل المثال، ويتم توجيه أبناء المناطق الزراعية في القصيم والخرج وغيرها للتخصص في الدراسات الزراعية والمحافظة على المياه، وتوجيه طلاب المنطقة الشرقية لدراسة كل ما يتعلق بالبترول والمنتجات النفطية، وتوجيه أبناء المنطقة الغربية لدراسة اللغات العالمية وطب الطوارئ وفن التعامل مع الحشود الكبيرة والأزمات الطارئة، مع العمل على خلق الحوافز وتهيئة الظروف التي تضمن زيادة الرغبة لدى أبنائنا الطلاب لدراسة تلك التخصصات، وأهمية تهيئة تلك المناطق بالبنى التحتية اللازمة لجذب الطلاب والمستثمرين من كافة مناطق المملكة.

ومن جانبه يرى د. رياض نجم أنه يستخلص من الأرقام المبيَّنة في جدول المقارنة بين مناطق المملكة أن النتيجة في خمس مناطق من المملكة على الأقل تعتبر كارثية؛ فأداء أكثر من نصف المدارس (وأعلاها يصل إلى ٧٩٪؜) في هذه المناطق مصنف أنه ضعيف! فقبل أن ننظر إلى أسباب تميز طلاب المنطقة الشرقية والبنات عن الأولاد وتقارب نتائج المدارس الحكومية والأهلية، علينا أن نبحث عن أسباب تدهور التعليم في هذه المناطق. ومن المهم معرفة: هل تغير نمط نتائج الاختبارات منذ إنشاء المركز الوطني للقياس قبل ٢٠ عامًا؟ وهل قامت وزارة التعليم – وهي على علم بهذه النتائج – بدراسة أسباب تدهور مستوى الطلاب في هذه المناطق، وعملت على معالجتها؟

واتفقت د. هند الخليفة مع أهمية تقصي الأسباب، وبناءً على ذلك يتم العمل على وضع الحلول، إذ إن تقييم الوضع والكشف عن أولويات التحسين ثم وضع خطة تنفيذية لتحقيق أهداف التحسين، ومتابعة ذلك – هو ما يطلق عليه إغلاق دائرة الجودة؛ لضمان التقدم ووضع الحلول التي تنطلق من الواقع.

وبدوره أكد أ. فهد الصالح أن بقاء المركز الوطني للقياس ضرورة قصوى، وعلى الوزارة أن تبحث أسباب التدهور، وإعادة صياغة المعلم لكي تتضح مساهمته في تغيير النتائج، ويكون المستوى مقاربًا أو قريبًا من المكشوف في حال التعليم، وربما قراءة إستراتيجية التعليم من جديد بالمدخلات والمخرجات.

أيضًا، فقد أكدت د. وفاء طيبة على أن المركز يجب أن يبقى ولكن يُستفاد منه، ومن غيره مثل هيئة تقويم التعليم في تحسين المخرجات التعليمية، سواء من الثانوية أو الجامعة، أو حتى مخرجات التدريب التقني والمهني.

وفي سياق متصل، أكد د. عبد الله بن صالح الحمود أنه لا يُفترض أن يكون القياس هو لتحديد آلية القبول في الجامعات، بقدر ما يكون داعمًا أيضًا لمعرفة أسباب الإخفاق التعليمي والسعي إلى تطويره.

وتساءل أ. عبد الرحمن باسلم: ما الهدف من إنشاء المركز، ألم يكن تحجيم الإقبال على الجامعات الذي كان هدفه توجيه الطلاب إلى المعاهد الفنية وإلى الكليات الأخرى؟ وبدوره أوضح د. إبراهيم البعيز أن ذلك لم يكن هدفًا على الإطلاق؛ بل كانت الغاية هي تحسين معايير المفاضلة بين المتقدمين، والمملكة ليست الدولة الوحيدة التي تتبنى هذا المشروع، فهي أتت بعد دول كنَّا نُشير إلى تميز تعليمها.

وعقبت د. هند الخليفة بأن الواقع أن مستوى طالبات الجامعة – وللأسف – يتراجع من عام لآخر، وهناك ضعف كبير في مهارات الكتابة والبحث العلمي، وإدارة الوقت وتحمُّل المسؤولية، وغيرها من مهارات يُفترض أن الطالب تدرَّب عليها خلال سنوات الدراسة، ناهيك عن الكفاءة العلمية والخبرات الأكاديمية. بشكل عام، مخرجات التعليم في المرحلة الثانوية ضعيفة وبعيدة عن المرحلة الجامعية، ومبدأ التراكم المعرفي غير وارد في التخطيط والتنفيذ.

ومن جديد ذكر أ. عبد الرحمن باسلم أن نسبة الملتحقين بالجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية من خريجي الثانوية يقلُّ عن (50%)، كما أن التعليم الجامعي في فنلندا لا يستوعب أكثر من (65%) من خريجي الثانوية العامة، أما في ماليزيا فتصل هذه النسبة إلى نحو (35%) فقط، وفي كوريا الجنوبية لا تزيد النسبة عن (54%) في الجامعات، وجميع هذه الدول تعدُّ من الدول المتقدمة في تعليمها الجامعي. ويتم توجيه البقية إلى التخصصات التي يحتاجها المجتمع وسد حاجة الشركات من العمالة بكافة أنواعها ومستويتها. والسؤال: هل وزاره التعليم تقوم بذلك؟ وهل قياس يساعد على توجيه الطلاب للتخصصات في المعاهد التقنية؟ وهل ساعد قياس التعليم في تطوير التعليم؟

ومن جانبه أوضح د. خالد بن دهيش أن الوزارة كانت لديها خُططها لتطوير العملية التعليمية، وأخذت في الاعتبار نتائج قياس وغيرها؛ فقامت باختيار أفضل مناهج العلوم والرياضيات الأمريكية وطبَّقتها على جميع المراحل الدراسية بعد تعريبها، إلى جانب تطوير مناهج ومقررات العلوم العربية والاجتماعية واللغة الإنجليزية، وتطوير أداء المعلمين/ات، وهذه العملية مستمرة، وهذا العام اتخذت خطوات نحو تعديل طرائق الاختبارات وتطويرها.

ومن جانبه أشار د. محمد الملحم إلى أن المركز الوطني للقياس واجهة مشرفة للمملكة، ويعدُّ أفضل مؤسسة تعليمية لدينا من حيث أسُس عمله وحرصه على الدقة والاهتمام بجودة العمل والالتقاء مع أفضل الممارسات في مجال التخصص. وفيما يتعلق باختبار قدرات، فقد بدأ تاريخيًّا لدى جامعة البترول باختبار (رام 1)، ويقابل القدرات، ثم (رام 2) ويقابل التحصيلي، وبعد نجاح جامعة البترول في رام1 ورام2 انبثقت فكرة اختبار القدرات لدى وزارة التعليم العالي، فأنشأت مركز قياس، وظل رام يعمل جنبًا إلى جنب مع قياس لعدد من السنوات حتى أُلغي بعدها. وفيما يتعلق بالتساؤل عن الهدف من الاختبار ومن المركز، وهل الاختبار (أو المركز) حقَّق أهدافه؟ بل ما هي أهدافه: هل هي تقليص عدد الملتحقين بالجامعة ليتجهوا للكليات التقنية والمعاهد المتخصصة لسوق العمل، أو مساعدة الجامعات على الحصول على أفضل المخرجات الطلابية كمدخلات إليها، أو مساعدة وزارة التعليم لتتفادى عيوبها؟ فالاعتقاد أن الهدف هو هذه كلها باستثناء القول بتقليص الأعداد، فالأصح هو القول “ترشيح” أو فلترة المقبولين بالجامعات. فالتقليص ليس هدفًا في ذاته؛ وإنما توجيه الطلاب إلى ما يناسب قدراتهم. ومن ناحية أخرى، فإن الاختبار ممارسة عالمية، وهو على الرغم من مشكلات التعود عليه، وعدم تقدير الطلاب والأسر له يظلُّ بديلاً جيدًا لمشكلة تردي أساليب التقييم الرسمي وانخفاض الثقة فيها، والظن أنه لو لم يكن الاختبار موجودًا لكانت الجامعات ستعاني ضعفًا ما تعانيه اليوم (مع شكواها من الضعف النسبي للطلاب)، والاعتقاد كذلك أن الجامعات هي سبب آخر لضعف المخرج التعليمي لطلابها.

واقترح د. علي الطخيس أن تتبنى وزارة التعليم إيفاد المئات من المعلمين لبعض الدول المتقدمة تعليميًّا، مثل سنغافورة والنرويج وغيرها، بعد الاتفاق مع الجهات ذات العلاقة وبالطرق الدبلوماسية؛ للجلوس مع الطلاب، والاستماع لتدريس المعلمين، ومراقبة سلوك الطلاب، ونقل هذه التجارب للمملكة. فضلًا عن أهمية عمل برنامج مشابه لقياس خاص بالمعلمين لتطوير قدراتهم ومواهبهم، ويكون إلزاميًّا، ويُحال للتقاعد مَن يتعثر في الحصول على الحد الأدنى من درجة النجاح؛ لأن المعلم هو أساس نجاح العملية التعليمية.

وعقب د. خالد بن دهيش فيما يتعلق بمقترح ابتعاث المعلمين، فإن وزارة التعليم أحدثت منذ ثلاثة أعوام برنامج خبرات، وهو برنامج لتطوير القيادات المدرسية ذكورًا وإناثًا من خلال ابتعاث ألف من القيادات المدرسية سنويًّا للدول المتقدمة في التعليم لمدة عام دراسي، ويركز البرنامج على قيام المبتعث – وأغلبهم من مديري المدارس والمرشحين لها – الذين يُوزعون على مدارس الدولة المستضيفة بالمعايشة والمراقبة لإدارة المدرسة في تنفيذ مهامها تحت إشراف جامعات متخصصة طوال العام الدراسي، للاستفادة من كيفية إدارة المدرسة من جميع النواحي؛ بما فيها مقابلة ومراقبة  الطلاب عن قرب، وعند عودتهم يقومون بتدريب أقرانهم بالمنطقة التعليمية.

وأضاف أ. عبد الله الضويحي في هذا الصدد أن الوزارة الآن لديها برنامج تقييم للمعلمين (كفاية المعلم) على وزن (قياس)، وهناك دورات تدريبية لهم على البرنامج، والسُّلم الجديد للمعلمين ربَط الترقية بتحسين الوضع بالبرنامج.

في حين ترى د. وفاء طيبة أنه ربما كان من الأنسب أن يكون الابتعاث لمختلف الفئات التي تعمل مع الطلبة والطالبات، وأن لا يقتصر على الإدارة وإنْ كانت الإدارة مهمة طبعًا، بحيث يشمل المعلمين والإدارة عليا والمرشدين، فقد يفيد ذلك في تحريك العملية التربوية والتعليمية بطريقة أفضل.

وترى أ. نورة الفايز أهمية العمل على رفع مستوى نتائج الطلاب والطالبات في جميع الاختبارات المحلية والدولية، فهذه قضية محورية مهمة، لها آثارها الكبيرة على المجتمع الآن، وستكون آثارها أكبر في المستقبل، إذا لم يُعَدْ النظر في أساسيات العملية التعليمية سواء في التعليم العام أو في التعليم العالي، وبالأخص في الكليات التي تخرج معلمين؛ وذلك من ناحية المحتوى العلمي، وأسلوب التدريس في التعليم العام والعالي. ولقد كُتب الكثير عن موضوع أهمية تطوير المناهج التعليمية في التعليم العام، وأهمية تغيير أساليب التدريس وتقديم المادة العلمية بطريقة سلسة مشوقة تبقى في ذهن الطالب، كما كان لغالبية القيادات التي مرت على التعليم العام جهود كبيرة في هذا الشأن، وهناك بلا شك تطوُّر لا يمكن إغفاله، ولكن الحاجة ما زلت ماسة للمراجعة والتطوير والاستفادة من نتائج الدراسات والبحوث المحلية والتجارب الدولية؛ والأهم من ذلك العمل على إيجاد معلمين أكفاء متمكنين من المادة العلمية، وقادرين على تقديمها بطريقة مناسبة حسب المرحلة الدراسية، ولديهم الأمانة والإخلاص في عملهم، وكل ذلك يجب أن يُؤخذ في الاعتبار  في التعليم الجامعي لمَن يتم تأهيلهم كمعلمين؛ لذلك يُفترض أن لا يُقبل في هذا النوع من التعليم الجامعي إلا مَن لديه الرغبة الصادقة في العمل كمعلم، ولديه القدرة والمهارة على إيصال المعلومة، وهذه السمات لا تتوفر لدى أي شخص. كما أن اختبارات المعلمين لا تقل أهمية عن اختبارات الطلاب، ويُفترض أن تكون دورية، وأن يعمل المعلم على تطوير قدراته بشكل مستمر. والملاحظ أنه رغم طرح الموضوع كثيرًا إلا أنه في الغالب يتم بالتركيز على تطوير التعليم العام، مع أن التعليم الجامعي للمعلمين لا يقل أهمية، فمخرجات التعليم العام هي مدخلات للتعليم العالي، والعكس هو الصحيح. بالإضافة لما تقدَّم، فإن من المهم العمل على إتاحة فرصة التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة لجميع الأطفال قبل الالتحاق بالتعليم العام، والتي لها آثار كبيرة في مدى استفادة الطفل وتمكُّنه من التعليم، وفي نجاحه في حياته العلمية والعملية والاجتماعية بشكل عام. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سيكون لهيئة تقويم التعليم دورٌ في إيجاد معالجات لمثل هذه القضية؟

وبناءً على ما تقدم، تساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: ما الأسباب التي أدت إلى تأخير تطوير العملية التعليمية والجميع يطالب بذلك على الدوام؟  فثمة نقاشات كثيرة حول ضخامة الكتب المدرسية وما تحتويه من علوم مطولة، ربما يُكتفَى بأقل من نصفها وهو مضمون الفائدة، ناهيك عن حمل الحقيبة برمتها لطالب وطالبة لم يتجاوزا في العمر عشر سنوات، وتأهيل المعلم تأهيلاً مقبولاً للرسالة التعليمية، ولكن ربما أن سُلّم المعلمين الجديد قد يحفِّز المعلم والمعلمة على تطويرهما وتأهيلهما المطلوبين، لكن يبقى التساؤل: ما الآلية أو الجهات أيضًا التي يُناط بها النهوض بقدراتهما؟

ومن ناحيتها، ذكرت أ. نورة الفايز أن التأخر في تطوير العملية التعليمية يرجع لأسباب كثيرة، من أهمها: التغيير المستمر للقيادات في التعليم، وعدم التكامل بين التعليم العام والتعليم العالي، وعدم الوعي ببعض الأسس التربوية التي لها آثار كبيرة على التعليم، والتركيز على قضايا غير أساسية والبُعد عما يدور في الفصل الدراسي، والانشغال بالعمل اليومي الروتيني، وما إلى ذلك.

بدورها اهتمت د. عائشة الأحمدي بنشر نتائج الطلبة في اختبارات قياس، مُوضَّحًا فيها اسم المدرسة، وأن تعمد وزارة التعليم إلى ربط نتائج الطلبة في أعلى عشر مدارس من حيث متوسط الدرجات لطلبتها، بحوافز للمدرسة، وكذلك للمعلمين بها. بجانب حث أقسام علم النفس أن تُخصِّص قياسًا وتقويمًا على إثراء الدراسات المعنية بربط المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وجودة المدرسة بنتائج الطلبة في اختبارات قياس.

وعقَّب أ. فهد القاسم بأن موضوع تطوير التعليم في المملكة مرَّ بتجارب عديدة ومتنوعة، وكل وزير يأتي بما لم يأتِ به من قبله، والمؤكد أن إستراتيجية تطوير التعليم لا يجب أن تُترك للوزارة؛ بل تتولاها جهة أعلى (مجلس أو لجنة عليا) لا تتأثر بتغيير وتوجهات الوزراء.

وفي اعتقاد د. مساعد المحيا، فإننا حين نبالغ في منح اختبارات القياس هذه النسب في القبول، فإننا نهمش التعليم كله، ونقرُّ رسميًّا بضعفه، وهذا لا يسوغ على المدى الطويل. والتساؤل المطروح: لماذا وقد أصبح القياس جزءًا من المعايير في القبول لا يكون مادة دراسية يتعلم فيها الطالب كلَّ أساليبه وطُرقه وكيفية التعامل معه؟ والاعتقاد أن القياس هو أسلوب مهم لكشف مستوى العملية التعليمية، ومدى قدرة الطلاب على الإجابة عما تعلموه أو ما يمتلكونه من مهارات، وهو ما يحتم إعادة النظر في أدائنا التعليمي لينسجم الاثنان في إطار واحد. والواقع أيضًا أن هناك مَن يهتم بهذه المقاييس ويعلم بها أبناءه شخصيًّا أو عبر دورات تدريبية مكلفة؛ لذا حريٌّ بأن تقدِّم المدارس مجانًا  – إنْ لم تُصبح مادة دراسية – هذه الدورات ليكون هناك عدالة في العملية التعليمية، وفي مقاييسها. والخلاصة أنه يجب أن نُحدِّد تاريخًا نتوقف فيه عن هذه الاختبارات ليكون المستوى التعليمي هو المعيار الأهم والأدق. وأن لا يكون الطالب الذي يحصل على فرصة تعليمية تؤهله لهذه الاختبارات، أو يحصل على تفاصيل عنها خلال أسبوع واحد هو الأكثر تأهيلاً في القبول في بعض الجامعات. ومن المهم أن تبقى هذه الاختبارات فقط أداة لمنح الرخص وتجديدها في الطب والتعليم وكل المهن كل عام أو كل ثلاث سنوات، فهؤلاء هم الأولى بالاختبارات التي تقيس مدى كفاءتهم، وهو ما يجري في كثير من دول العالم على نحو يضمن كفاءة أكبر في المعلمين والأطباء والمهنين.

  • التوصيات:
  • التأكيد على أهمية برنامج “قياس” واستمراره مع العمل على تقييمه دوريًّا وتطويره من خلال مركز محايد ودراسات علمية تتسم بالموضوعية والجدية، ليكون وسيلة لفرز الطلاب لا هدفًا في ذاته.
  • أن يقدِّم مركز “قياس” دراسات معمقة في:
  • النتائج ويقارنها بدلالاتها الإحصائية ومؤشراتها النوعية عبر المناطق والمدارس، مُبرزًا جوانب المهارات التي يقيسها ومشكلاتها و(تحليل الأخطاء الشائعة) التي يقع فيها الطلاب؛ لاستكشاف نقاط الضعف في التدريس، وكذلك تحليل أوجه القصور والقوة في المنهج (تأليفًا أو تقديمًا).
  • وتتم مقارنة النتائج بالمدخلات المعرفية والمهارية، لتقديم الدعم اللازم لكل منطقة، وكذلك الاستفادة من تحليل نتائج الطلاب في كل دورة اختبارية.
  • عمل دراسات تتبعيَّة لأثر اختبارات قياس باختلاف أنواعها (قدرات – تحصيلي – معلمين)؛ لتجيب عن السؤال التالي: إلى أي درجة ساهم الاختبار في إيجاد مدخلات طلاب للجامعة أكثر احتمالية للنجاح؟! ونشر نتائج هذه الدراسات للعموم لتحقيق قناعة واهتمام بالاختبار وأهميته للفرد والمجتمع.
  • التأكيد على أن تقوم وزارة التعليم والمراكز البحثية المختلفة بدراسة:
  • التباين وأسباب تدني نتائج الطلاب لكل منطقة تعليمية على حدة ومحافظاتها دراسة شاملة على مستوى المملكة، تأخذ (بالمنتجين الكمي والكيفي)، يشارك فيه مختصون في التعليم والدراسات الاجتماعية من مختلف مناطق المملكة؛ للخروج بتوصيات وخطط تنفيذية تهدف إلى الرفع من مستوى أداء الطلاب في كافة الاختبارات.
  • دراسة العلاقات الإحصائية بين نتائج اختبارات قياس المقننة (وكذلك اختبارات بيزا وتميس وبيرلز) ونتائج اختباراتها بتنوعها سواء الاختبارات الوطنية أو اختبارات المدارس، وحيث إنَّ الاختبارات المقننة هي المرجع، فهذا سيساعد الوزارة على تحسين اختباراتها وتوجيهها بما يتناغم مع ما حولها من المقاييس.
  • الاهتمام بالبيئة العملية التعليمية في مختلف المناطق، بحيث تشمل دراسات تتبع للخلفيات الاجتماعية والمناطقية والاقتصادية للملتحقين بالجامعات والتخصصات؛ لضمان المساواة في الفرص التعليمية في الجامعات المتميزة، والمنافسة في سوق الفرص الوظيفية الواعدة.
  • العمل بجدية على إيجاد مسارات موازية للتعليم الجامعي تنتهي بمستقبل واعد لاستيعاب مَن لا يُقبلون فيه، وتوعية المجتمع بأهميتها.
  • الاهتمام بإعداد المعلم سواء من حيث مناهج ومقررات الكليات المتخصصة، أو من خلال التدريب على رأس العمل لرفع كفاءته ومواكبة العصر.
  • تضمين المنهج التعليمي النقد والتجريب والاستنتاج والتحليل والتفكير، سواءً في المقرر المدرسي أو النشاطات اللاصفية؛ وبهذا يمكن أن يكون الطالب مُهيَّأً لبرنامج قياس. والحث على التعليم المبكر لجميع الأطفال قبل الالتحاق بالتعليم العام.
  • إطلاق مبادرة مجتمعية تُشرف عليها وزارة التعليم بالمشاركة مع الجهات الداعمة في القطاعين الثاني والثالث؛ لتدريب وتأهيل المحتاجين من الطلبة والطالبات، والعمل على قياس الأثر وتقييم النتائج دوريًّا.
  • توضيح أسباب الفرق بين نتائج الاختبار الورقي والمحوسب، إذ إن الشائع في تجربة كثير من الطلاب أن المحوسب أسهل، وهي ظاهرة تستحق التوقف، ولا بد للمركز أن يقول كلمته ويدافع عن نفسه في هذا المجال.

القضية الثالثة

التنظيمات الهيكلية الأخيرة للأجهزة ذات العلاقة بمكافحة الفساد، وأثرها على مكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية

(19/1/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. علي عبد الله علي
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. عبد الرحمن باسلم
  • التعقيب الثاني: أ. فهد الأحمري
  • إدارة الحوار: أ. جمال ملائكة

 

  • الملخص التنفيذي:

أشار أ. علي عبد الله علي في الورقة الرئيسة إلى أنه في إطار جهود المملكة قدمًا لمكافحة الفساد بما يؤدي إلى محاصرة هذه الحالة والوصول بها إلى الحد الأدنى؛ فقد صدرت مجموعة من التنظيمات الهيكلية التي تتوخى تحقيق هذا الهدف، والمتمثِّلة في ضم كافة الجهات والوحدات الرقابية والضبطية والتحقيقية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري في جهاز واحد، بمسمَّى “هيئة الرقابة ومكافحة الفساد”، حيث تمَّ ضمُّ هيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية وإنشاء وحدة تحقيق وادعاء جنائي، في جهاز واحد ووضعها تحت مظلة واحدة مع هذا الجهاز، ومنحها الصلاحيات اللازمة لملاحقة الفاسدين ومحاسبتهم، وإعادة الأموال المنهوبة للخزينة العامة، بما يكفل تعزيز مبدأ سيادة القانون، ومُساءلة كل مسؤول مهما كان موقعه.

في حين أوضح أ. عبد الرحمن باسلم في التعقيب الأول أنه يتعين على جهاز الرقابة ومكافحة الفساد الجديد إعداد خطة إستراتيجية متكاملة تشترك فيها كافة الوزارات والجهات المعنية لتحقيق أهداف رؤية 2030، وأن يكون الجميع مسؤولًا عن تطبيقها ويُحاسب المقصر والمتخاذل. وكذلك اتخاذ إجراءات صارمة مع المفسدين والمطالبة بالتشهير بهم وإعلان ذلك في شكل تقارير شهرية للإعلام، والتركيز على القضايا حسب أهميتها وكبر الضرر فيها على المجتمع ومن ثَمَّ القضايا الأخرى. وعند اكتشاف فجوات في الأنظمة يتم الرفع مباشرة للجهات المعنية بطلب دراستها وتعديلها ومتابعتها حتى اعتماد التعديل والإعلان عنه.

أما أ. فهد الأحمري فركَّز في التعقيب الثاني على ضرورة تفعيل دور المؤسسات والمجتمع المدني والأفراد؛ إذ إن الفساد داء شمولي عميق الجذور، والتصدي له لا يقتصر على السلطات الرسمية للدولة؛ وإنما يشمل أيضًا المشاركة الفعالة من جانب الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني في منع ومكافحة الفساد.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • بعض من صور الفساد في الواقع العملي.
  • العوامل المؤدية إلى الفساد.
  • أسُس الهيكلة الرقابية بشكل عام.
  • رؤية استشرافية لمكافحة الفساد.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: التنظيمات الهيكلية الأخيرة للأجهزة ذات العلاقة بمكافحة الفساد، وأثرها على مكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية، ما يلي:

  • تقوية ودعم إدارات المراجعة الداخلية وربط تقاريرها بشكل مزدوج مع أعلى مسؤول بجهاز هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، والنظر في إمكانية الاستعانة بمدققين خارجيين.
  • ضرورة مراجعة إستراتيجية الفساد من جهاز الرقابة ومكافحة الفساد الجديد وتحديثها بناءً على ضم الجهات الثلاث، وتشترك في مناقشة الإستراتيجية كافة الوزارات والجهات المعنية لتحقيق أهداف رؤية 2030، ليكون الجميع أكثر شعورًا بالمسؤولية عن تطبيقها، ومحاسبة المقصر.

  

  • الورقة الرئيسة: أ. علي عبد الله علي

مقدمة:

تعدُّ قضية الفساد من القضايا الجوهرية التي تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام الحكومات والمنظمات الدولية والخبراء والباحثين والجهات الرقابية والقانونية والقضائية في مختلف دول العالم.

لا توجد دولة واحدة في العالم لا يوجد على أجندتها الحكومية والقضائية والرقابية والمجتمعية، مسألة مكافحة الفساد، بمختلف صور ومستويات المكافحة، القانونية والرقابية والوقائية والتوعوية، وأيضًا في مواجهة مختلف صور الفساد المالي والإداري والأخلاقي والاجتماعي.

تعدُّ قضية مكافحة الفساد من أهم القضايا التي تُعنى بها الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، خاصة بعد توقيع الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي تمَّ اعتمادها في 31 أكتوبر 2003م وتمَّ التوقيع عليها من قِبل 140 دولة، ونشأ عنها مؤتمر الدول الأطراف الذي يعقد اجتماعاته بشكل دوري بغرض تحقيق أهداف الاتفاقية، وفي إطار الاهتمام الدولي بمكافحة الفساد نشأت كذلك المنظمة الدولية لمكافحة الفساد كما نشأت المنظمة العربية لمكافحة الفساد، وكلتاهما معنيتان بإصدار تقارير سنوية بشأن الفساد، كما أطلقت الأمم المتحدة اليومَ العالمي لمكافحة الفساد في التاسع من ديسمبر من كل عام، وهو اليوم الذي يُنشر فيه التقرير السنوي المتضمِّن المؤشر العالمي لمكافحة الفساد، والذي يتناول ترتيب دول العالم في مكافحة الفساد أو في مستوى الفساد في هذه الدول.

تُمثِّل مسألة مكافحة الفساد اهتمامًا بالغًا للعديد من المنظمات القانونية والمالية الدولية، مثل: منظمة العدالة الجنائية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة؛ وذلك بسبب التأثير السلبي الكبير للفساد على التنمية، وأيضًا بسبب الحاجة الدائمة لتخفيض مستوى الفساد حتى يمكن للعلاقات والتبادلات المالية والتجارية الدولية والإقليمية وكذلك المساعدات والمعونات الإنمائية أن تُحقِّق أهدافها المأمولة.

ماذا نعني بكلمة فساد؟

الواقع أنه مع الانتشار الواسع لكلمة الفساد، فلا يمكن أن يدعي أحدٌ أنه يملك الإلمام التام بجميع معانيها ودلالتها، خاصة أنه مع كثرة ترديد الكلمة وارتباطها بمفاهيم متعددة، فقد أصبحت الكلمة ذاتها تحمل صورتها الذهنية المستقلة عن تعريفها الموضوعي، وهذه الصورة الذهنية ترتبط بالدور الذي يمثله الفساد ومكافحته في الواقع الثقافي والاجتماعي في كل بلد على حدة.

في كثير من الأحيان لا يمكن عزل قضية مكافحة الفساد عن الاستخدام السياسي، فهي مثلها مثل الكثير من القضايا التي تعتبر قضايا عادلة في جوهرها، لكن الاستخدام السياسي لها من قِبل الأطراف الدولية والإقليمية والابتعاد بها عن الجهود الاحترافية والمهنية، يفقدها في كثير من الأحيان الزحم الواجب أن تتمتع به، ويُعرقل في أحيان أخرى الجهودَ المحلية الهادفة إلى تخفيض مستويات الفساد إلى حدها الأدنى.

يرى فقهاء القانون أن الفساد في جوهره هو يعتبر سلوكًا غير أخلاقي من قِبل الأشخاص الذين يشغلون مناصب ذات سلطة، مثل المديرين والمسؤولين في الحكومة، وهو سلوك غير أمين يشمل الرشاوى، والهدايا بغير مناسبة والمعاملات المزدوجة وتحويل الأموال، والاحتيال وغسيل الأموال، وغيرها من أشكال الاستخدام الخاطئ للسلطة بهدف تحقيق منفعة، وبالتالي فهو إساءة استعمال السلطة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، ومن الممكن أن يحدث الفساد في القطاعين العام والخاص، فمن الممكن أن يكون على مستوى الأفراد أو الشركات أو المنظمات، وتكون الفائدة على شكل مال أو ميزة مكتسبة.

 

أنواع الفساد:

لا يمكن وضع مصطلح الفساد في إطار مُحدَّد أو قصره على نوع واحد، فهناك أنواع متعددة من الفساد، يتمثل أهمها فيما يلي:

  • الفساد السياسي:

في مختلف الأنظمة الديمقراطية لا بد أن تثور عبارة الفساد في البيئة السياسية والتشريعية، وهو مصطلح يشير إلى الطريقة التي تستخدمها الأحزاب والجماعات السياسية في المنافسة على السلطة وفي إدارة الحياة السياسية، سواء في الدعاية الانتخابية أو في الانتخابات أو الممارسة السياسية بعد الوصول إلى السلطة، ولا يكاد نظام ديمقراطي يخلو من الاتهامات المتبادلة بالفساد بين السياسيين، فضلاً عن أن هناك العديد من القضايا الكبرى المتعلقة بالتمويل واستغلال النفوذ السياسي، وقد شهدت العديد من تلك الأنظمة في البرازيل واليابان وكوريا الجنوبية والنمسا وقائع وقضايا شهيرة استغرقت تغطية طويلة ومعمقة من وسائل الإعلام، لعلَّ من أشهرها قضايا السياسي الياباني المعروف “كاكوي تاناكا” في الثمانينيات ثم قضية “كارلوس غصن” حاليًّا، وقضية رئيسة كوريا الجنوبية السابقة، وأيضًا القضايا التي طالت معظم رؤساء البرازيل، ثم القضية الخاصة بنائب المستشار النمساوي.

  • الفساد الإداري:

لا شك أن الفساد الإداري يعدُّ أسوأ أنواع الفساد وأعقدها؛ لأنه يرتبط بالتأثير على مصالح المواطنين وعلى كفاءة إدارة المرافق العامة، وتتعدد مستويات هذا النوع من الفساد، ما بين استغلال النفوذ في تولي الوظائف العامة أو إدارة المرافق الحكومية أو الترقيات وإنهاء الخدمات للموظفين، وقد يكون الفساد الإداري مقترنًا بفساد مالي أو سياسي، فهناك في بعض الدول تتم التعيينات الحكومية فيها على أساس حزبي، وفي بعضها الآخر تلعب الانتماءات الجغرافية دورًا في ذلك، أما في بعض البلاد فيتم الحصول على الوظيفة الحكومية بالرشوة أو المقابل المالي. ولا يتوقف الفساد الإداري على التعيينات الحكومية، بل يتجاوزها بذات الآليات إلى تقديم الخدمات لمناطق أو أفراد بعينهم دون غيرهم، أو الحصول على الخدمات الحكومية مقابل الرشوة، ويمتد ذلك إلى العطاءات والمشتريات الحكومية التي تتحول إلى بيئة خصبة للمنافع المتبادلة بين موظفي الإدارة ومُقدِّمي الخدمة.

  • الفساد المالي:

قد يكون الفساد المالي مستقلاً عن الفساد الإداري أو مرتبطًا به، والفساد المالي يصبح موجودًا حين تشيع في المجتمع الطرق غير المشروعة للحصول على المال، مثل: انتشار الاقتصاد السري أو الاقتصاد الأسود، حين تُدار الأنشطة الاقتصادية والصناعية والتجارية والخدمية بمعزل عن الحكومة وبدون تراخيص رسمية أو رقابة أو إشراف كما هو الحال في شيوع المصانع أو المتاجر غير المرخصة، أو انتشار الباعة الجائلين بشكل يعطل عمل المتاجر، أو انتشار توظيف الأموال دون ترخيص، وكذلك بناء المشاريع العقارية العشوائية، وعادة ما يقترن مثل هذا النوع من الفساد بحالة واسعة من التهرب الضريبي الذي يعَدُّ في حد ذاته أحد أبرز مظاهر الفساد المالي.

  • الفساد المجتمعي:

يتحقق الفساد المجتمعي حين تعمُّ البلوى بأنواع متعددة من الفساد الفردي والجماعي، كما هو الحال حين تكون الرشوة هي الأساس في الحصول على الخدمات الحكومية بما فيها البسيطة منها، يمكننا أن نلاحظ هذا الفساد المجتمعي في المجتمعات التي تُقدَّم فيها الأموال للموظفين على سبيل الإكرامية بغض النظر عن الحصول على خدمة محددة، كما يحدث مع موظفي المرور الفقراء أو رجال الأمن أو عمال الشحن في المطارات أو السكك الحديدية، هذا عدا عن أن يكون المال أداةً مُسبَقة جاهزة للاستخدام بشكل مُعلَن عند مراجعة الإدارات الحكومية.

أسباب الفساد:

لا يمكن الحديث بسهولة عن أسباب موحدة للفساد؛ لأن عوامل انتشار الفساد تختلف من بلد إلى بلد، ومن مجتمع إلى آخر، لكن أهم أسباب انتشار الفساد تتمثل فيما يلي:

  • الفقر الذي يُعَدُّ من أهم أسباب انتشار الفساد، علمًا أن الفساد أيضًا يعَدُّ أحد أسباب زيادة معدلات الفقر.
  • ضعف الإدارة الحكومية، وعدم الأخذ بالتقنيات الحديثة في الإدارة، وتضخم الجهاز الوظيفي بلا سبب.
  • ضعف الأدوات والأجهزة الرقابية.
  • ضعف الأدوات التشريعية والقانونية المقاومة للفساد.
  • تكوُّن فئات وطبقات منتفعة يكون الفساد هو المصدر الأساسي لدخلها.
  • انخفاض الوعي وفقدان الشجاعة لمواجهة الفساد والسلوكيات الفاسدة.
  • وجود بعض البيئات الثقافية التي تتغاضى عن الفساد وتشجعه.
  • الفساد ينتشر بسبب عدم وجود معايير للنزاهة والمسؤوليات.
  • الدافع لكسب دخل أكبر بسبب الفقر أو الأجور المنخفضة أو البطالة.
  • ازدياد أعداد السكان بالنسبة للموارد الطبيعية المتوفرة.
  • عدم الاستقرار السياسي والإرادة السياسية في بعض البلدان.

آثار الفساد:

تتعدد آثار الفساد ما بين آثار اقتصادية واجتماعية وتنموية، على النحو التالي:

  • الآثار الاقتصادية للفساد:

لا شك أن الفساد يترك آثارًا واضحة على اقتصاد أي مجتمع؛ وذلك بسبب الدور الذي يلعبه الفساد الإداري والمالي في استنزاف القدرات الاقتصادية والمالية لأي مجتمع، نتيجة الارتفاع غير المبرَّر في تكلفة إدارة المرافق العامة، وانخفاض إنتاجية الموظفين، وتكدُّس الأجهزة الإدارية، وتحميل الميزانيات الحكومية بأعباء مالية غير ضرورية، وهو ما يُعطِّل قدرة المجتمع على تلبية احتياجاته الأساسية.

  • الآثار الاجتماعية للفساد:

الفساد يتضمن في جوهره حزمةً من المخالفات القانونية والأخلاقية، ومن المؤكد أن الممارسات المتعلقة بالفساد لا بد أن تترك أثرها على النسق الاجتماعي، مثل: نشأة الثروات غير المشروعة، وانتشار البطالة، واتساع نطاق الجرائم، إضافة إلى تضرر منظومة القيم، وهي ظواهر لا بد من التعامل معها بشكل مبكر؛ لأنها هي في حد ذاتها تصبح بعد ذلك عوامل مساعدة لتجذر الفساد في المجتمع.

  • الآثار التنموية للفساد:

إن أخطر ما يتركه الفساد في أي مجتمع هو الدور الكبير الذي يلعبه في تعطيل التنمية والاستدامة؛ ذلك أن النمو المستدام هو الأداة الجوهرية التي تمكِّن أي مجتمع من الاستقرار والحفاظ على مستوى المعيشة الجيد للسكان، وبدون توفُّر معدلات جيدة للتنمية لا يمكن لأي مجتمع أن يستوعب الزيادة السكانية من جانب، وتنامي احتياجات السكان من جانب آخر، والفساد يعتبر العامل الأهم في خفض معدلات النمو، وذلك نتيجة لدوره في إضعاف تدفق الاستثمارات الخارجية، وامتصاص فائض المدخرات والاستثمار الذي يُحرِّك عجلة النمو، هذا بخلاف آثاره السلبية على الاقتصاد وعلى المجتمع، وهي جميعها عوامل تضعف بدورها فرص التنمية المستدامة.

الطبيعة الأخلاقية للفساد:

لا شك أن الفساد يُمثِّل مشكلة أخلاقية عميقة؛ لأنه يرتبط في الأساس بفكرة الاستيلاء على حقوق الآخرين، وهي من المخالفات الكبرى في مختلف الشرائع والديانات والأنظمة القانونية، وفي الشريعة الإسلامية يعتبر الفساد من أعظم الحرمات التي حرمها الإسلام: قال تعالى: ﴿ولَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾  [القصص:٧٧]، وتتعاظم جريمة الفاسد حين يكون من وجوه المجتمع أو البارزين فيه أو القائمين على خدمة الناس، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾  [البقرة: آية 11]. وقد ورد النهي عن الفساد في عشرات المواضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: آية ٥٦]، وقد اتفقت الثقافات العالمية المعاصرة على اختلافها على إنكار الفساد واعتباره عملاً غير أخلاقي بلا أي خلاف في ذلك.

الطبيعة الإجرامية للفساد:

لا شك في أن ما ورد في القرآن الكريم وفي أقوال الفقهاء بشأن الفساد لا يدع مجالاً للشك في أن الفساد جريمة من الجرائم الكبرى، والتي تقع عليها أكثر العقوبات تغليظًا وقسوة، وبالتالي فإن الطبيعة الإجرامية للفساد واضحة تمامًا في الفكر الإسلامي دون أي لبس، أما في الفكر الوضعي فقد كانت كثير من مظاهر الفساد موضع أَخْذ ورد على المستويين الفكري والقانوني، إلا أن المجتمع الدولي والمجتمعات المحلية مجمعة بشكل تام على أن مختلف مظاهر الفساد هي أعمال إجرامية، بغض النظر عن مدى انتشارها وعن الإجراءات التي تتخذها الحكومات لمحاصرتها والحد منها.

دور الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني:

لا شك أن الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني تمارس دورًا مهمًّا في مقاومة الفساد، ويتمثل دور الأفراد في رفض الانخراط في الممارسات الفاسدة، مثل رفض عرض الرشوة للحصول على الخدمات العامة، والإبلاغ عن الفاسدين، والتعاون مع الجهات المختصة بمكافحة الفساد.

أما عن دور مؤسسات المجتمع المدني، فيمكن القول إن المؤسسات التعليمية والتربوية والثقافية والفكرية تعتبر جميعها من مؤسسات المجتمع المدني، فهذه المؤسسات جميعها قادرة على أداء دور جوهري في مكافحة الفساد والحد من آثاره عبر البرامج التوعوية والتعليمية والمبادرات الفكرية والثقافية، والتي تعدُّ من أهم الأدوات التي تسهم في مقاومة الفساد بشكل فعَّال.

التنظيمات الهيكلية الأخيرة:

في إطار جهود المملكة للدفع قُدمًا بجهود مكافحة الفساد بما يؤدي إلى محاصرة هذه الحالة والوصول بها إلى الحد الأدنى؛ فقد صدرت مجموعة من التنظيمات الهيكلية التي تتوخى تحقيق هذا الهدف، والمتمثِّلة في ضم كافة الجهات والوحدات الرقابية والضبطية والتحقيقية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري في جهاز واحد، بمُسمَّى “هيئة الرقابة ومكافحة الفساد”، حيث تمَّ بعد ضم هيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية وإنشاء وحدة تحقيق وادعاء جنائي، في جهاز واحد ووضعها تحت مظلة واحدة مع هذا الجهاز، ومنحها الصلاحيات اللازمة لملاحقة الفاسدين ومحاسبتهم، وإعادة الأموال المنهوبة للخزينة العامة، بما يكفل تعزيز مبدأ سيادة القانون، ومساءلة كل مسؤول مهما كان موقعه.

 

أثر التنظيمات الأخيرة في مكافحة الفساد:

لا شك أن التنظيمات الأخيرة سوف يترتب عليها بشكل تلقائي أثرٌ كبير في رفع أداء وكفاءة العمل؛ ما يُعزِّز النزاهة، والقضاء على الفساد المالي والإداري، وبما يكفل سرعة البت في قضايا الفساد، وتحقيق الأهداف المرجوة. وعلى المستوى التفصيلي، فإن هناك العديد من النتائج التي سوف تنتج عن تطبيق هذه التنظيمات، والتي تتمثل فيما يلي:

  • سهولة التنسيق بين الوحدات المختلفة المعنية بمكافحة الفساد.
  • سهولة تكوين فِرَق العمل التي تتولى التفتيش والرقابة؛ لأن التعامل مع حالات الفساد يتطلب وجود تخصصات مالية وإدارية ومحاسبية وقانونية، وبالتالي فإن وجود جميع وحدات الرقابة تحت مظلة واحدة سوف يسهل ذلك الأمر.
  • منع التعارض وتشتت الجهود بين أكثر من جهاز، خاصة إذا تمَّ التحقيق في نفس القضية من قِبل أجهزة متعددة.
  • تحقيق الاستقلالية في أعمال المتابعة الفنية والإلكترونية وأعمال الضبط والتحري والادعاء والمحاكمة.
  • توفُّر القدرات الفنية المختلفة لدى الجهاز ذاته يؤدي إلى تعظيم قدرة هذا الجهاز على سرعة الفصل في الشكاوى والمعاملات، كما يؤدي إلى عدم بقاء الأبرياء لفترات طويلة تحت طائلة الاتهام.
  • المساهمة في تحقيق الردع الوقائي لدى الفاسدين لشعورهم بوجود إرادة حقيقية لمحاربة الفساد.
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. عبد الرحمن باسلم

حقيقةً، أتفق بالكامل مع كاتب الورقة الرئيسة في أن هذا الموضوع مهم لكل فئات المجتمع ومهم لمسيرة التطور في المملكة وتحقيق أهداف رؤية 2030، وأننا مسؤولون جميعًا عن مساندة الجهود التي تُبذل من قِبل الجهات المعنية لمكافحة الفساد حتى نصل للغاية السامية. ولمجتمع يسوده النظام وتحقيق الكفاءة والفعالية في كافة الأجهزة الحكومية والشركات. وأؤكد كذلك على أن القرار الحكيم بدمج الأجهزة المعنية بالفساد هو تقدُّم كبير نحو سرعة البتِّ في القضايا التي كانت في السابق تأخذ من الوقت الكثير للتنسيق بين هذه الأجهزة، وسنرى قريبًا ثمار هذا الدمج.

تعقيبي امتداد للمعلومات الواردة في الورقة الرئيسة، فهناك بعض المظاهر التي يجب القضاء عليها:

  • تفشي الواسطة في المجتمعات القبلية كمجتمعنا يُعَدُّ وباءً خطيرًا يضرُّ بمصالح الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر، وأصبح الأمر واقعًا نعيشه.
  • كان هناك هدرٌ للموارد المالية بسبب المصالح الشخصية في بعض المشاريع التنموية العامة، والكلفة المادية الكبيرة على الخزينة العامة وما نتج عنه من سوء تنفيذ المشاريع وتعثرها، وربما أخطاء كارثية عطلت الاستفادة منها، كما أن التلاعب في المواصفات جعَل كثيرًا من مشاريع الدولة ذات كلفة عالية في الصيانة والتشغيل.
  • انعكاسات الفساد في زيادة الفقر في المجتمع نتيجة لتكدُّس الأموال عند فئة معينة؛ مما حدَا بالدولة إلى إنشاء برنامج حساب المواطن لحماية الأسر السعودية من الأثر المباشر وغير المباشر المتوقع من الإصلاحات الاقتصادية المختلفة التي بدأت تشقُّ طريقها للوصول لرؤية 2030، والتي قد تتسبب في عبء إضافي على بعض فئات المجتمع.
  • صعوبة جذب الاستثمارات الخارجية وهروب بعض رؤوس الأموال المحلية، فالفساد يتعارض مع وجود بيئة تنافسية حرة، والتي تُشكِّل شرطًا أساسيًّا لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية، ووجود أنظمة وقوانين قوية وبيئة عمل متطورة على حد سواء.

ونحن في المملكة العربية السعودية مهبط الوحي والرسالة، تربينا على هذا الدين الحنيف، وهو ما يزيد الحمل علينا أضعافًا مضاعفة كي نُري العالم معاني الشريعة الحقيقية من خلال محاربة الفساد في أي مكان في المجتمع؛ لننعم بمجتمع يسوده الأمن والعدالة. ومن وجهة نظري، فإننا يجب أن نتخذ عددًا من الخطوات على عدة مستويات:

  • على المستوى التعليمي: يجب أن تُدرس مع مادة التربية الوطنية أهمية السلام؛ فالمسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده، وتكوين شخصية إسلامية وطنية تحترم قوانين وأنظمة الدولة؛ لما لها من أثر بالغ في تحقيق العدالة للجميع.
  • على مستوى المجتمع: يجب أن تكون هناك حملات إعلامية متواصلة طويلة المدى وليست لحظية بكل وسائل الإعلام الرقمي والمرئي والورقي، توضح ضرر الفساد بكافة أشكاله على المجتمع، ومدى تأثيره على سهولة الحصول على الخدمات وتحقيق العدالة المنشودة للجميع، مع ضرورة التعاون التام نحو محاربة الفساد.
  • على مستوى الأجهزة الحكومية وشبه الحكومية: تقوية ودعم إدارات المراجعة الداخلية وربطها بشكل مزدوج مع أعلى مسؤول بالجهاز وهو الموجود الآن، والاقتراح كذلك بربط كافة التقارير الصادرة منها مع هيئة الرقابة ومكافحة الفساد حتى تعطي الإدارة دافعًا أقوى للعمل بحرية كاملة وصلاحيات كبيرة.
  • على مستوى هيئة الرقابة ومكافحة الفساد الجديد:
  • أن يضطلع جهاز الرقابة ومكافحة الفساد الجديد بإعداد خطة إستراتيجية متكاملة تشترك فيها كافة الوزارات والجهات المعنية لتحقيق أهداف رؤية 2030، وأن يكون الجميع مسؤولًا عن تطبيقها، ويُحاسب المقصر والمتخاذل.
  • اتخاذ إجراءات صارمة مع المفسدين والمطالبة بالتشهير بهم، وإعلان ذلك في شكل تقارير شهرية للإعلام، والتركيز على القضايا حسب أهميتها وكبر الضرر فيها على المجتمع، ومن ثَمَّ القضايا الأخرى.
  • عند اكتشاف فجوات في الأنظمة، يتم الرفع مباشرةً للجهات المعنية بطلب دراستها وتعديلها ومتابعتها حتى اعتماد التعديل والإعلان عنه.
  • التعقيب الثاني: أ. فهد الأحمري

سلَّطت الورقة الرئيسة الضوءَ على أهمية قضية الفساد الجوهرية، وأنها الشغل الشاغل لدول العالم واهتمامات مجتمعاتها قاطبة؛ ولهذا أُنشئت المنظمات الدولية لمحاربتها. وتبع هذا تناول أنواع الفساد، كما عرَّجت الورقة على الفساد المجتمعي، وأعقب ذلك فقرة عن التنظيمات الهيكلية الأخيرة للأجهزة الرقابية، والتي أثنى فيها كاتب الورقة على الواقع السعودي الإيجابي في حجم الفساد وانتشاره، وهذا صحيح إلى حد ما بحكم الوازع الديني والثقافة المجتمعية والأخلاقية تجاه الفساد؛ إلا أن الورقة نفت أن يكون الفساد ظاهرة عامة تحظى بالقبول المجتمعي، وقد أتفق مع جزئية عدم تقبُّل المجتمع لها؛ إلا أنني أتحفظ على استبعاد كونها ظاهرة، بدليل الحرب القائمة عليها من أعلى السلطات للحد منها، ودمج التنظيمات الرقابية في شكلها الجديد هو دليل آخر على وجودها كظاهرة، من وجهة نظري. وختمت الورقة بتوضيح فوائد تنظيمات الدمج الأخيرة، وعدَّدت بعضَ النتائج التي سوف تظهر على هذا التنظيم.

تجنبت الورقة الرئيسة تعريف الفساد الذي هو الانحراف بالمؤسسة التنفيذية المخوَّلة لتحقيق منافع شخصية للمخول خلافًا للأغراض التي رُسمت لها. لوحظ كذلك أن بعض التمثيلات المذكورة، لا تلاقي مفهوم الفساد بشقيه الإداري والمالي وصوره الكثيرة من مثل: الرشوة والاختلاس، والاعتداء على المال العام وتبديده، وغسل الأموال، وتضارب المصالح، والثراء غير المشروع، وإعاقة سير العدالة، والاحتكار، والتسيب المالي، والغش التجاري، وغيرها من منابع الفساد المتعددة.

ولا شك أن الفساد ظاهرة مركبة متنوعة الأنماط متفاوتة الشدة، متعددة الأبعاد والأطراف؛ ولهذا تُعقد لها الكثير من المؤتمرات الدولية والمحلية. ومن المهم الإشارة إلى أن الفساد الاقتصادي أيضًا ينبغي إدراجه ضمن صور الفساد، والمتمثل في تركُّز السلطة الاقتصادية في كيانات احتكارية من خلال مشروعات عامة وهيئات اقتصادية مملوكة للقطاع الرسمي أو مملوكة للقطاع غير الرسمي، والتي يكون المستهلكون ضحاياها. كما أن الفساد يتمثل أيضًا في إغراق البلد بالمنتجات السيئة وجَعْل سوقنا مكبًّا للسلع الرديئة سواء الخارجية عن طريق مستثمرين داخليًّا أو من خلال بعض المعامل المحلية التي أقرَّ بوجود مخالفاتها معالي رئيس هيئة المواصفات والمقاييس في لقائه الأخير على قناة روتانا.

أيضًا لا يمكن أن نغفل الفساد الرياضي في جوانبه المؤسسية والإعلامية والتحكيمية والفردية وغيرها، والتي لها تأثيرها السلبي على احتقان الشباب، وخَلْق أجيال حاقدة على بعضها من جهة، وعلى المؤسسات الرسمية من جهة أخرى، والتي يرى الوسط الرياضي أن بعضها تقف موقفًا غير عادل.

كذلك فإن الفساد يؤثر على التنمية من خلال الفشل في استقطاب الاستثمارات الخارجية وهروب رؤوس الأموال المحلية؛ وهو ما يؤدي إلى ضعف عام في فرص العمل، ويُوسِّع ظاهرة البطالة والفقر وهجرة الكفاءات الاقتصادية والعلمية والمهنية لغياب التقدير والشعور بالاغتراب داخل الوطن، وطغيان المحسوبية والمحاباة، وهو أيضًا يُخلخل القيم الأخلاقية وانتشار اللامبالاة بالمال العام، وضعف الحس الوطني، وتفشي الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص.

أيضًا، فإن عدم المهنية، وفقدان قيمة العمل، والميل للتفريط في أداء الواجب الوظيفي من نتائج الفساد، فالفساد من شأنه أن يعمل على تنامي الشعور بالظلم وانتشار الحقد والاحتقان بين شرائح المجتمع، ويغذي الإجحاف ونقمة الطبقات الشعبية بسبب محاباة شرائح وتهميش أخرى.

وفي معالجة آفة الفساد، أرى أننا أحوج لأمر أهم، وهو إرساء سُبُل فعالة تهدف إلى الوقاية من الفساد ومكافحته أكثر من العمل على اكتشافه وسائر الجرائم المتصلة به وملاحقة مرتكبيها، وحُسن إدارة الشؤون والممتلكات العمومية، وسيادة القانون.

ويجب العمل على إرساء تدابير ونظُم تسهل قيام الموظفين العموميين بإبلاغ السلطات المعنية عن أفعال الفساد في حال اطلاعهم عليها أثناء أدائهم لوظائفهم، وكذلك تشجيع رعايا الدول الأجنبية على إبلاغ السلطات الوطنية المعنية بجرائم الفساد محليًّا وتحفيزهم ماديًّا، وتوفير الحماية لهم، ورفع مشاعر الخوف عند الكثير منهم، ولا سيما أن أغلب الوافدين يتجنبون الخوض في هذه القضية.

ومن المهم كذلك تفعيل دور المؤسسات والمجتمع المدني والأفراد؛ إذ إن الفساد داء شمولي عميق الجذور، والتصدي له لا يقتصر على السلطات الرسمية للدولة؛ وإنما يشمل أيضًا الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني في المشاركة الفعالة في منع ومكافحة الفساد.

ويجدر بنا أيضًا التطرُّق للجهود العلمية لمكافحة الفساد التي تعقدها المؤسسات الوطنية والدولية، ومنها التجمع العلمي الذي عقدته جامعة الأمير نايف، حيث حضره دبلوماسيون ومنظمات دولية ذات علاقة بحماية النزاهة، وصدر عنه إعلان الرياض الذي يعَدُّ من وثائق الأمم المتحدة في مكافحة الفساد.

مجمل القول: إن الفساد آفة مدمرة، والعبرة فيما يحدث اليوم من مآسي في بعض الدول المجاورة نتيجة للفساد العام.

  • المداخلات حول القضية:
  • بعضٌ من صور الفساد في الواقع العملي:

أشار أ. جمال ملائكة إلى أن أنواع ومظاهر الفساد متعددة ولكل منها تأثيرات خطيرة على المجتمع، والاعتقاد أن الفساد المالي والإداري هما أكبر خطر داهم على المجتمعات؛ لما لهما من تأثير على التنمية وأخلاق العمل التي من الواضح أنها تحتاج إلى جهد جبار لإصلاحها. كما يؤثر الفساد المالي والإداري على مناخ الاستثمار الداخلي والخارجي، وربما يُركِّز الثروات في يد القلة، وكل هذه وغيرها خطرٌ داهم ينخر في جسد المجتمعات.

في حين ترى أ. بسمة التويجري أن بعض التصرفات التي تصدر من بعض أفراد المجتمع هي صورة من صور الفساد وإنْ لم نتمكن من تصنيفها تحت الأنواع المتعارف عليها للفساد، ومن ذلك ما يلي:

  • العبث بمرافق الدولة العامة وعدم الحفاظ عليها.
  • الهدر في استخدام الموارد الاقتصادية؛ كالمياه والطاقة والطعام.
  • الإساءة إلى الذوق العام في الملبس والتصرف في الأماكن العامة.
  • التخفي خلف أسماء وهمية في وسائل التواصل الاجتماعي وكيل الشتائم للناس.

هذه الأمثلة وغيرها تحتاج من الأسر والمدارس إلى وقفة صارمة لتنقية المجتمع من هذه الشوائب، والقضاء على تلك الصور من الفساد.

وفي تصوُّر د. عبير برهمين، فإن مجتمعنا وللأسف قد اعتادَ أشكالًا من الفساد الذي أصبح مقبولًا وسُمِّي بأسماء مخففة تخفي بشاعة الموقف أو ما يترتب عليه. فالرشوة أصبحت أتعابًا أو هديةً، والواسطة أصبحت شفاعةً حسنة ومساعدة. والتعصب أو العنصرية أصبحت تشجيعًا وحماسةً وأحيانًا وطنية… إلخ.

وذكر أ. عبد الله الضويحي أنه ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ففي العام الواحد تصل قيمة الرشاوى إلى تريليون دولار، فيما تصل قيمة المبالغ المسروقة عن طريق الفساد إلى ما يزيد عن 2.5 تريليون دولار (5% من الناتج المحلي العالمي). وتشير تقارير البرنامج أيضًا إلى أن قيمة الفاقد بسبب الفساد في البلدان النامية يُقدَّر بـ 10 أضعاف إجمالي مبالغ المساعدة الإنمائية المقدَّمة. والفساد الذي التفتت له الأمم المتحدة قبل عقدين فقط وُلِد مع نشأة الخليقة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية 30]، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تشير إلى الفساد، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة القصص: الآية 77]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة: الآية 204-205]. وليس المقصد هنا القول بأن الفساد هو فطرة إنسانية؛ لكن الهدف هو التأكيد على أنه جزء من تركيبته المجتمعية، ولو لم يوجد لأصبحنا مجتمعًا مثاليًّا، ولما هبط أبونا آدم من الجنة بسبب غلطة!

من جانبه عدَّد د. حامد الشراري بعضًا من صور الفساد التي يراها لا تأخذ نصيبها الكافي من الاهتمام، ومنها:

  • تقديم الخدمة للمواطن بجودة أقل ولا تناسب ما يدفعه من مبالغ مالية نظير هذه الخدمة، وهو ما يعَدُّ من صور الفساد أو الاحتيال، والتساؤل المطروح هنا: هل الجهاز الجديد لمكافحة الفساد يعالج مثل هذه القضايا؟
  • عدم تنفيذ العقود الموقَّعة من قِبل أجهزة حكومية أو شبه حكومية مع جهات خارجية؛ مثلاً: ينص العقد أن يُتدرب ٥٠ مهندسًا أو فنيًّا على جهاز معين، وتجد أنه لم يتدرب إلا ١٠ من ٥٠، والتساؤل المطروح هنا: هل التراخي من الجهة في تنفيذ العقد بحذافيره يعتبر جنحة فساد (مالية أو إدارية)؟
  • تكدُّس القضايا والتأخير في إنجاز معاملات المواطنين يعَدُّ نوعًا من الفساد الإداري المستشري، وتفعيل التقنية والحوكمة سيُحد منها.

وذكر م. أسامة كردي أن من أغرب مظاهر الفساد هو رفض استلام مراسلات القطاع الخاص لحصر المشاركين في المناقصات، وكذلك عدم الرد على المراسلات لنفس الهدف.

وتطرَّق م. إبراهيم ناظر إلى نوع مغاير من أنواع الفساد الذي قد يمارسه الكثيرون دون أي حرج  أو وجل أو أي مراعاة إلى ما سيُفضي إليه هذا الفساد من تلوُّث للجو والماء والتربة وهو الفساد البيئي؛ ويعني إدخال الملوثات إلى البيئة الطبيعية؛ مما يلحق الضرر بها، ويسبِّب الاضطراب في النظام البيئي، وهذه الملوثات إما أن تكون موادَّ دخيلة على البيئة، أو مواد طبيعية، ولكن تجاوزت المستويات المقبولة، وتتعدد ملوثات الهواء داخل المنازل، ومنها: المركبات الطاردة للعتة، ومبيدات الهوام، والمذيبات، ومزيلات الروائح، ومواد التنظيف، والملابس التي يتم تنظيفها تنظيفًا جافًّا، والسجاد المحمل بالغبار، والدهان، والمواد اللاصقة، والأبخرة الناتجة عن الطبخ والتسخين، وغيرها من الملوثات التي تؤدي إلى فساد المناخ أيضًا. وقد يقول قائل: هذه من مهمة وزارة البيئة، ولكن المقصود هنا سلوك الأفراد في حياتهم العادية، وهناك دراسات تنص على أن إساءة الناس للبيئة هو من الفساد، ويستدلون على ذلك بالآية الكريمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. وعليه، فإن من المهم حظر وتجريم ومراقبة استخدام تلك الملوثات على البيئة وصحة الإنسان، وعلى سبيل المثال: في أمريكا يحظر القانون تأجير منزل مدهون بدهان (بوية) فيه مركب الرصاص لأسرة لديها أطفال دون سن الرابعة عشرة.

وفي اعتقاد أ. فائزة العجروش، فإن الفساد الإداري يؤدي للفساد المالي؛ فعندما لا تكون هناك عدالة في الترقيات والمناصب، وعدم مساواة رواتب موظفي الخدمة المدنية مع رواتب موظفي الشركات، مع أنهم يشغلون نفس المنصب ويؤدون نفس العمل إنْ لم يكن أفضل؛ فسيؤدي ذلك إلى الفساد المالي بالاختلاسات وتزوير الانتدابات ووقت العمل الإضافي، وغيرها من أشكال الفساد. ويتضح الفساد الإداري أيضًا في صور عدم تحقيق العدالة في فتح مظاريف المناقصات وتعميد شركات معينة بذاتها مسبقًا – تزود الجهة بالهدايا والطعام والورود المخصصة للحفلات والشركات التي يتم التعاقد معها لتدريب الموظفين… إلخ – لشركات ذات علاقة وطيدة بالمسؤولين الكبار في الجهة إنْ لم تكن مملوكة لهم ولكن مسجلة تحت قريب له، مما يؤدي بغيرهم ممن تقدم بمناقصات شريفة لدفع الرشاوى، لعل وعسى أن ترسي المناقصة عليهم وتستمر الدائرة.

  • العوامل المؤدية إلى الفساد:

أشار د. خالد الرديعان إلى أن الفساد corruption متجذر في الكثير من المجتمعات العربية، دون أن يكون بالضرورة فعلاً مشينًا من المنظور الاجتماعي؛ لأنه يُبرَّر تحت أسماء أخرى تجعل منه عملاً مقبولاً، بل ومطلوبًا ينمُّ عن التضامن الاجتماعي بين أعضاء المجموعة التي تمارسه وتستفيد منه. هذا يعني أن الثقافة الاجتماعية والمتواضعات الثقافية والقيم السائدة تبرِّره من خلال النظرة إلى مال الدولة وممتلكاتها “كمغنم “booty  يجدر عدم تركه للآخرين، وخاصة إذا كان مالاً عامًّا أو أراضي أو وظائف، وعلى ذلك قِس. وفي المنظور الشعبي، فإن ما تملكه الدولة يشبه الكلأ الذي ينبت في الصحراء؛ فهو مُشاع وللجميع، والذكي مَن يستطيع الحصول عليه والانتفاع به أو يوجه نفعه للمجموعة التي ينتمي إليها سواء كانت قبيلةً أو معارف أو أفراد أسرة، أو حلقة كبرت أو صغرت من المنتفعين ممَّن ينظرون للدولة وأجهزتها ومكتسباتها كملك مشاع. الدولة من هذا المنظور “غنيمة كبرى”، وبالتالي يلزم الإفادة منها بأي صورة حتى مع وجود القوانين والأنظمة التي تُجرِّم الفساد؛ فالقوانين حبر على ورق. وكل ذلك يتم تبريره؛ فالواسطة التي تسلب حقوق البعض تُسمَّى “شفاعةً” لتلطيفها وإعطائها صبغة دينية، والرشوة التي يُقدِّمها الراشي تُسمَّى ” أتعابًا”، وأحيانًا “عمولة” مع استبعاد الوصف “بخشيش”، فهو وصف مبتذل ويحمل مدلولًا سلبيًّا للغاية، فهو يشير عادة إلى شيء صغير وتافه؛ كالذي ندفعه لنادل المطعم أو جرسون المقهى. الكلمة الأكثر لياقةً ودلالة هي “هبرة”، أما البخشيش فسيكون من التفاهات وسَقْط المتاع الذي يجدر الترفع عنه وتركه. ويصبح السؤالُ هو: لماذا تُسرق الدولة وأجهزتها؟ ولماذا هي تحديدًا؟ الجواب بسيط: وهو أن الدولة لا تزال جسمًا مهيمنًا وغريبًا عن الأفراد، وليس جزءًا منهم. إنهم يشعرون أنهم لا ينتمون إلى هذا الجسم الكبير والمخيف في ذات الوقت، وذلك بصرف النظر عن شكل الحكم، ونمط الإدارة الشائع، وعلاقة الحاكم بالمحكومين. الدولة ليس من صنعها الأفراد، وليس لهم فيها ناقة ولا جمل.. هكذا ينظر إليها كل فاسد ومرتشٍ ومدلس ممَّن تسنم منصبًا وتحت يده الكثير من الصلاحيات المالية والإدارية. هو يقول في قرارة نفسه: أنا اليوم في المنصب وغدًا سأتركه، وإنْ لم أفعل ما بوسعي سيأتي مَن يفعل، ثم إنني لستُ الوحيد الذي يفعل. وهذه حيلة نفسية اجتماعية يُبرِّر من خلالها سلوكه في كسب “الغنيمة”. وليس الأمر كذلك، بل إن مَن يحيطون به يشجعونه على “سلوكه الغنائمي” الذي يرونه غاية الحصافة والعقلانية، ولسان حالهم يقول: إنْ لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب. هكذا هي المعادلة بكل بساطة ودون مواربة. فكيف نقوي الانتماء الوطني؟ وكيف نُطبِّق المشاركة الشعبية في القرار؟ وكيف نُعزِّز من مستويات الشفافية؟ وكيف نُطبِّق القانون على الجميع دون استثناء؟ هذه هي الأسئلة التي يُفترض طرحها لمواجهة الفساد وعلل أخرى.

وفي اعتقاد د. نورة الصويان، فإن الفساد مشكلة عالمية تعاني منها كل المجتمعات بلا استثناء على اختلاف مستوياتها، وتمَّ لمعالجتها العديد من المبادرات سواء رسمية أو أهلية عبر مؤسسات مجتمع مدني، إضافةً للمعالجات والآليات القانونية والتنظيمية؛ لكن المهم هو أثر هذه الجهود على الواقع العملي.

ويرى د. عبد الله المطيري أن من أسباب الفساد غياب الوازع الديني؛ فمخافة الله تمنع الإنسان من الفساد بكافة أنواعه، كما أن الأسرة لها دورٌ محوري في منع أو انتشار الفساد، والشواهد كثيرة. وبعض الأنظمة قد تُسهم في انتشار الفساد خاصة الإداري نتيجة لصعوبة تطبيقها.

وفي تصوُّر د. عبد الله بن صالح الحمود، فإن الفساد لا ينشأ غالبًا إلا من تراخي الأنظمة وعدم تطبيق العقوبات، والفساد ينشأ حين نُؤجل أو نتأخر في تحديث الأنظمة، كما أن عدم تسخير التقنية والتوسُّع في تطبيقاتها في بيئات العمل هو مسلك آخر مؤدَّاه إيجاد بيئة خصبة يتفشى منها مسارات متعددة للفساد. بينما أكد د. حمد البريثن على أن التعقيد البيروقراطي يعَدُّ أحد أهم أسباب لجوء النزيهين لإجراءات فاسدة.

في حين يرى د. خالد بن دهيش أن الإشكالية تكمن في الغالب في عدم قدرة مِمثلي وزارة المالية وديوان المحاسبة في كشف الفساد، فهم مَن يراجع الصرف المالي قبل الصرف وبعد الصرف، ومع ذلك يُمرر الفساد، فهناك طرق وأساليب يصعب على مراقبي الصرف اكتشافها؛ لذا فالأمر يحتاج إلى تدريب مُركز لمراقبي الصرف.

من جانبه ذكر د. زياد الدريس أن الفقر لم يكن يومًا مُبرِّرًا للفساد والسرقة! وأضاف أن الناس يكررون الاستشهاد بقرار عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –  إيقاف حد السرقة في عام الرمادة. وثمة تشكُّك من اكتمال هذه الرواية أو ثبوتها؛ لأن القرار (العُمري) لو ثبُت فكأنه إيذان للناس بالسرقة “المشروعة”، وفتح باب الفوضى المجتمعية! صحيح أن جُرم السارق المستغني أشدُّ وأبشع من جُرم السارق المحتاج، هذا على صعيد الإثم الأخروي، لكن قد لا يكون بالضرورة في العقوبة الدنيوية. يُقاس هذا على قوله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أُشيمط زانٍ، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه”. والسؤال المهم: هل يتخفف الجرم مع حضور المبرر الفردي (فقر، شهوة،…)، وهل يجب أن ينعكس هذا على الحكم القضائي أم لا؟

واستعرضت د. وفاء طيبة تجربتها في مجلس الشورى من خلال عضويتها بلجنة حقوق الإنسان والهيئات الرقابية لمدة ثلاث سنوات، حيث ذكرت أنه تمَّ العمل في إحدى السنوات على دراسة وضع الهيئات الرقابية قبل ضمها (هيئة الرقابة والتحقيق، نزاهة، ديوان المراقبة) وتم التوصل إلى ضرورة تنظيم العمل بينها؛ لأن فيه كثيرًا من الازدواجية التي تمنع الإنتاجية، ولكن لم تكن المباحث الإدارية من ضمن الدراسة، وقد تم ذلك بحمد الله بضمِّها في هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، وسيكون لها – بإذن الله – دور كبير في المكافحة، ولكن يجب أن لا نغفل مراجعة أنظمة هذه الجهات؛ لأن عدم تطبيقها أنظمتها أيضًا من الفساد، فنظام نزاهة وكذلك نظام هيئة حقوق الإنسان كانا يشيران إلى ضرورة مراجعة أساليب العمل وإجراءاته في الجهات المشمولة باختصاصاتها بهدف تحديد نقاط الضعف واكتشاف الخلل فيها، وفي تطبيقها وتحديده كل فيما يخصه؛ لأنه يؤدي إلى الفساد، ومن ثَمَّ العمل على معالجتها بما يضمن تحقيق الأهداف لمحاربة الفساد وتأكيد تطبيق حقوق الإنسان. كما أن هيئة حقوق الإنسان هي أيضًا جهة رقابية مهمة يُفترض أن تقوم على المحافظة على حق الإنسان المادي والاجتماعي.

وتطرق د. حميد الشايجي لما كتبه “إدوين سذر لاند” حول جرائم ذوي الياقات البيضاء، حيث بيَّن أن أثر جرائمهم على المجتمع تفوق وبشكل كبير جرائم ذوي الياقات الزرقاء. وبيَّن أن الدراسات التي حاولت أن تربط بين الفقر والجريمة اعتمدت في جمع بياناتها على السجون، وهذا فيه خلل كبير، فمن المعروف أن ذوي الياقات البيضاء عادةً ما يفلتون من قبضة القانون بسبب النفوذ والواسطة والرشاوى وطاقم المحامين القوي، وبالتالي لا يدخلون ضمن إحصائيات السجون، أما الفقراء فلا تتوفر لديهم تلك المزايا مما يؤدي إلى سهولة دخولهم إلى السجن، مما يُضخِّم أعدادهم في الإحصاءات. وهذا الأمر ينطبق في كثير من البلدان، فأي دراسة ميدانية عن الفساد ستتجه إلى السجون لدراسة مَن ارتكبوا جرائم متعلقة بالفساد، وفي هذه الحالة لن تشمل مَن تمَّ إيداعهم في أماكن أخرى غير السجون.

  • أسس الهيكلة الرقابية بشكل عام:

ركَّز د. منصور المطيري على تناول أسس الهيكلة الرقابية بشكل عام، حيث أشار إلى أن المملكة باعتبارها دولة مسلمة وذات نهج إسلامي راسخ هي من ناحية المبدأ دولة قانونية بامتياز؛ أي إنها من المفترض أن تخضع هيئاتها وسلطاتها ومؤسساتها وأفرادها للقانون، ويكون التحاكم إليه، بحيث يعلو القانون على كل أحد. وتقوم الدولة القانونية التي هي أفضل شكل من أشكال الدول على أربعة أسس كبرى، هي: وجود دستور، ووجود قواعد قانونية متدرجة، وخضوع الإدارة للقانون، واعترافها بالحقوق والحريات الفردية. والدولة كلها بما فيها هذه الأسس يجب أن تصدر عن فلسفة عقائدية يؤمن بها الناس في هذه الدولة، وتؤثر تأثيرًا كبيرًا في تشكيل قيمهم وأخلاقهم وقوانينهم. ولكي تظل الدولة محتفظة بشكلها القانوني، وحرصًا على عدم خرق القانون والعبث به لا بد من توافر بعض الضمانات الهيكلية التي تحفظ للدولة شكلها القانوني؛ هذه الضمانات يمكن حصرها في ثلاثة ضمانات: الفصل بين السلطات، ووجود رقابة، ووجود شراكة في الحكم والإدارة تتمثل في الشورى. والرقابة بدورها تنقسم إلى ثلاثة أنواع: الرقابة الإدارية المُعبِّرة عن جهود السلطة التنفيذية ومشاركتها في الرقابة، والرقابة البرلمانية أو الشورية المُعبِّرة عن الجهة التشريعية وجهدها في الرقابة، والرقابة القضائية وهي أقواها وأشملها وأضمنها؛ لأن الإدارة أو السلطة التنفيذية قد تتصرف عند التطبيق للنظام باجتهادها الخاطئ أو تُفسِّر النظام على هواها فتكون أحيانًا خصمًا وحكمًا، وأما البرلمانات فقد يكون لميول الأغلبية السياسية في كثير من الدول تأثير في التشريع، ولكن القضاء المستقل هو العنصر الأكثر فاعليةً في الرقابة على كل مكونات الدولة.

وتأسيسًا على ذلك، يرى د. منصور المطيري أن ما صدر في الفترة الماضية من ضم عدة إدارات معنية بالرقابة تحت هيئة واحدة هي (هيئة الرقابة ومكافحة الفساد) يعتبر خطوة ممتازة في جهة واحدة من جهات الرقابة هي الرقابة الإدارية، ولعله كان من الأنسب ألا تتضمن وحدة للتحقيق والادعاء، بل تكون الوحدة هذه تابعة للادعاء العام مع وضع آلية لضمان استعجاله أو تقديمه لقضايا الفساد على غيرها؛ فالادعاء يجب أن يكون مستقلًا لا يخضع لأي جهة، بل يعلو على كل الجهات. وفي الوقت نفسه لا بد من تفعيل الرقابة في مجلس الشورى وإشراكه بدور رقابي يناسب مهمته التشريعية. وأما القضاء بأنواعه العام والإداري والمحكمة العليا فيجب أن يكون مفتوحًا لكل صاحب دعوى تتعلق بخرق النظام الذي هو أصل الفساد كله. والأهم من هيكلة الأجهزة الرقابية هو الهندسة الاجتماعية – إذا جازت التسمية- القائمة على الصياغة المتينة لقيم وأخلاق الأفراد وعقيدتهم الصحيحة عبر وسائل التنشئة المختلفة، وعدم الالتفات أبدًا إلى الاتجاهات الفكرية التي تُهوِّن وتُقلِّل من أهمية القيم والأخلاق والعقائد في الحياة المعاصرة، فما تطرحه هذه الاتجاهات سيقود حتمًا إلى هوية مضطربة، وضعف قيمي وأخلاقي يساهم في زيادة الفساد والجريمة والقلق والاضطراب الاجتماعي بشكل عام، ولن ينفع القانون وحده في مواجهته؛ لأن الإنسان الذي يُطبِّقه حينذاك إنسانٌ يفتقد روح العدالة التي هي غاية القانون.

وأشار د. سعيد العمودي إلى أن ثمة نوعًا آخر من الفساد، يتمثل في عدم مبالاة صاحب القرار في الجهاز الحكومي بالمبالغ المصروفة في مشروع معين مع وجود خلل في النتيجة المستهدفة.

  • رؤية استشرافية لمكافحة الفساد:

أوضح أ. فهد الأحمري أن الفساد كالفقر، فهما قضيتان لا يمكن القضاء عليهما بالكلية، لكن الحد منهما هو الهدف. وبخصوص المشاريع الحكومية، فقد عملت وزارة المالية على وضع منصة إلكترونية أسمتها “اعتماد” للمناقصات والمنافسات لمختلف الجهات الحكومية وربما القطاع الخاص كذلك، وتم سحب الاعتمادات المباشرة من إدارات المشاريع في القطاع العام، بحيث يستطيع الجميع مشاهدة المشاريع والمشتريات المراد تنفيذها؛ وهذه خطوة جيدة رغم أنه لا يزال هناك أعمال ينفذها المقاولون دون المنصة. والتساؤل المطروح: ماذا لو تمَّ اختيار مكتب تدقيق محاسبي أجنبي لكل قطاع عام بشرط ألا يُعلن عن اسمه حتى يصل ويكون كل ربع أو نصف سنة؟ التعاقدات طويلة الأجل مع مكاتب تدقيق معروفة محلية كانت أو أجنبية ربما يدخل فيها جوانب فساد؛ بينما التنويع في استدعاء مدقق أجنبي بطريقة سرية وعشوائية قبيل الaudit inspection  قد يكون مجديًاً أكثر.

وتطرق أ. محمد الدندني إلى آليات أو أذرع هيئة الرقابة ومكافحة الفساد؛ منها ما هو ضمن الهيئة، ومنها ما هو خارجها باعتبار أن المراقبة والتدقيق مطلبان في كل دائرة حكومية أو شركة؛ لذا ففي رأيه ثمة حاجة إلى:

  • وجود مدقق أو مراقب داخلي internal auditor مالي وإداري من خارج المنظومة، ويكون تابعًا للهيئة.
  • مدقق حسابات خارجي أي مكتب محاسبة قانوني، وهنا يجب تفعيل وتشجيع المحاسبين السعوديين لفتح مكاتب كي تقوم بهذه المهمة.
  • الإفصاح عن السنة المالية، وتكون موثقة ومُراجَعة من المدقق الداخلي والخارجي.
  • اعتماد التشهير بعد ثبات قضية الفساد صغيرة أو كبيرة، مالية أو إدارية.
  • اعتماد الإنذارات، فليس كل تجاوز هو فساد، كالأخطاء الإدارية، والتجاوز في القرار… إلخ.
  • مراجعة النظام الإداري في الوزارات وبالذات الخدمية منها، فمن المعروف أن المركزية تساعد على ضعف المراقبة، وتحاشي موقع الخطأ أو الفساد. في دولة كبيرة مثل بلادنا؛ فاللامركزية تساعد على حصر الفساد الإداري والمالي.

وأكد د. راشد العبد الكريم على ما يلي:

  • ضرورة أن يُؤسَّس لأنظمة شفافة ومُحدَّدة لمكافحة الفساد، لا تجعل متابعة الفساد أمرًا خاضعًا لرغبة الجهة، أو تجعله أداة لتصفية الحسابات. فمكافحة الفساد يجب أن تكون عملية مؤسسية بعيدة المدى.
  • ضرورة ألا تقتصر محاربة الفساد على الشكل دون المضمون؛ بمعنى أن يكون هناك من التنظيمات والإجراءات التي تمنع حدوث الفساد حتى لو كان تحت غطاء نظامي. فبعض أنواع “الفساد” – أو شبه الفساد – تتم ضمن الأطر النظامية.

في حين ذهب د. صدقة فاضل إلى أن أي بلد لا يخلو من الفساد، سواء كانت متقدِّمًا أو متخلفًا. ولكن المسألة مسألة تفاوت في نسب الفساد؛ وعليه يكون من الضروري وجود مؤسسة وطنية كبرى تراقِب وتتابِع وتُسائِل وتحاسب على نحو يسهم كثيرا في تخفيف نسب الفساد. ويمكن تخويل مجلس الشورى لدينا للقيام بهذه المهمة. كذلك فإن محاربة الفساد بشكل فعَّال وجاد لن تتم إلا إذا أخذنا بالإجراءات التي تتبعها وتتبناها البلاد المتقدمة والناجحة جدًّا في هذا الجانب بخاصة كما في الدول الإسكندنافية. وبالطبع فان الظروف العربية تختلف، ولكن هذا لا يمنع من البدء في السير في الطريق الأصح.

ويرى أ. عبد الله الضويحي أن التركيز على الوازع الديني والحرام والحلال ليس حلًا، بل ليس أول الحلول؛ فكثير من الفاسدين خاصة في مجتمعاتنا يدركون ذلك ويصلون ويقرؤون القرآن وأدوا القسم الوظيفي. كما أن العقوبة إنْ لم تكن آنية تفقد بعضًا من أثرها. التربية تبدأ من المنزل ثم من المدرسة، ليس بالتعليمات والمثاليات فقط بل بالقدوة، وفي العمل بالرئاسة، والأسرة عمومًا والوالدان خاصة يجب أن يكونوا قدوة في النزاهة لأبنائهم، والمعلمون لتلاميذهم، والرؤساء لمرؤوسيهم، ثم سنّ القوانين الصارمة وتطبيقها ومتابعة التطبيق والتنفيذ، والأهم العدل في تطبيقها.

بينما وفي اعتقاد د. عبد الله بن صالح الحمود، فإن الهيكلة الأخيرة التي ضمَّت ثلاث جهات حكومية (هيئة مكافحة الفساد – المباحث الإدارية – هيئة الرقابة والتحقيق)، هو نهج قويم سيجعل – بمشيئة الله تعالى- الرقابة على مواطن الفساد أكثر جدية، كما أن هذا الدمج يرفع من كفاءة العمل الرقابي والتحقيقي، المهم في الأمر كله، أن تسعى كافة الجهات الحكومية وشبه الحكومية والشركات المعنية بتقديم الخدمات العامة إلى تذليل الإجراءات ذات الصلة بأعمالها، وأن تُوجز في الاشتراطات خصوصًا تلك التي تعدُّ في النهاية تحصيل حاصل كما يُقال، مع أتمتة كافة أعمالها تقنيًّا واحترافيًّا، وأن تنشط هذه الجهات في جعل إنهاء كافة متطلباتها نحو تلبية احتياجات خدمات الجمهور عبر التقنية عن بُعد. هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، والتي أُنشئت بتاريخ 27 ديسمبر 2018، هي الأساس نحو التخلص من الفساد بنسبة كبيرة، فتطبيق أنظمتها وحسب ما هو مرسوم لها من ضوابط ستكون هيئة داعمة نحو أعمال تسير وفق منظومة تطهير المناشط. فعندما تمر كافة مشتريات الحكومة المباشرة وغير المباشرة عبر هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، هنا ستختفي الكثير من الطرق المؤدية إلى سرقة المال العام.

وأضاف د. خالد بن دهيش أن منصة اعتماد أيضًا دورها كبير في ضبط طرح المناقصات الحكومية بطريقة يُتاح من خلالها معرفة جميع المقاولين للمناقصات، والتقدم لها والحفظ السري الآلي للعروض حتى وقت إعلانها، ومن ثَمَّ ترسيتها، والقضاء على الدعوات التي تتم لشركات معينة.

ويرى أ. فهد الصالح أن التنظيمات الجديدة التي ضُمت من خلالها هيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية إلى نزاهة، وأصبح مسماها بعد التعديل هيئة الرقابة ومكافحة الفساد التي نادت بها الهيئة عدة مرات سواء من خلال الرفع إلى المقام السامي أو الإشارة إليها في تقريرها السنوي – قد تصنع الفرق في مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة؛ لأنهما صنوان لا يفترقان (لن نُعزِّز النزاهة ونحن لم نحارب الفساد، ولن ننجح في القضاء على الفساد دون تعزيز النزاهة العامة). والكرة الآن في ملعب الهيئة. فهل تستطيع أن تقوم بالبحث والتحري والضبط والتحقيق والادعاء في قضايا الفساد، أو يكون عندها إشكالية سواء على مستوى الشخوص أو الإجراءات التي من خلالها تبدأ وتنتهي قضايا الفساد في الهيئة قبل إحالتها إلى النيابة العامة ووزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى، كلٌّ حسب اختصاصه؟

وذهب د. علي الحارثي إلى أن ما يصدر من أنظمة وجهات إدارية حكومية لمكافحة الفساد يتوارى وهجها الإعلامي وأثرها الإيجابي أمام الاستثناءات الكثيرة، ومن ثَمَّ يجب التخلص من أية استثناءات كخطوة أساسية لمكافحة الفساد.

وتساءل م. أسامة كردي: ماذا لو ألزمنا هيئة نزاهة بمتابعة ونَشْر موقع المملكة في معايير النزاهة العالمية وغيرها من المعايير المرتبطة بالفساد، وتحديد موقع أو ترتيب مُستهدَف وبرامج ومبادرات للوصول إلى هذا الهدف كما هو معمول به في رؤية المملكة؟ وماذا لو نشرت الهيئة قضايا الفساد التي تحقق فيها بدون نشر أسماء المتورطين إلا بعد صدور الأحكام؟

ومن وجهة نظر د. سليمان الطفيل، فإن قضية مكافحة الفساد لا تقتصر على الإصلاح المالي أو الإداري؛ بل تتطلب إصلاحاتٍ في الفكر الفاسد والثقافة الفاسدة التي لوَّثت حياتنا وانتقلت عبر أفكار وثقافات يمكن القول إنها مستوردة، أو انتقلت عبر وسائل التواصل الاجتماعي شئنا أم أبينا. كما أننا بحاجة إلى إعادة نظر في معايير اختيار الأشخاص وضوابط العمل واتخاذ القرارات، كيف يمكن – على سبيل المثال – تولي شخص مهما كانت قدراته عددًا من الأجهزة الحكومية أو عددًا من الشركات الحكومية؟ وهو ما يتعارض مع مفهوم الحوكمة ومبدأ عدم تعارض المصالح؛ الأمر الذي يُولِّد بلا شك استغلال البغض لهذه الثغرات الإدارية، ويُوسِّع المجال أمام ضعاف النفوس للحصول على مصالح تتعارض مع متطلبات الإصلاح والتطوير.

وترى د. مجيدة الناجم أن مكافحة الفساد تستلزم إستراتيجية وطنية شاملة للقضاء على الفساد، بحيث تتضمن كافة العناصر والتنظيمات الرسمية وغير الرسمية، مع تحديد أهداف مباشرة وغير مباشرة، ومؤشرات قابلة للقياس. والحد من الفساد يجب أن يكون على محورين:

  • المحور الأول: تنظمي وتشريعي، وذلك من خلال:
  • الأنظمة والإجراءات الواضحة، والمتسمة بالمرونة بحيث تراعي جميع الحالات والاستثناءات؛ لأن الأنظمة الصارمة والموحدة قد تبدو في أول وهلة بأنها ضابطة، لكن مع الوقت تكون أحد أسباب ظهور الفساد؛ لأنه سيوجد استثناءات لا تتناسب معها، ومن هنا تظهر الثغرات والمداخل التي قد تُستغل بشكل غير نظامي.
  • المتابعة والمحاسبية المستمرة على جميع المستويات، ولعل التنظيمات الحديثة الموحدة للعمل مع التجاوزات والحد من الفساد تؤدي هذا الغرض، بحيث تأخذ القضايا مسارًا واحدًا، بدءًا من المراقبة والاكتشاف، والتعامل مع الوقائع قانونيًّا.
  • العقوبات الصارمة في حق مرتكبي الفساد والحرمان من الفرص مستقبلًا، فمن غير المقبول أن يُتهم شخص ما بالفساد، وبعد فترة يتقلد منصبًا آخر.
  • المحور الثاني مجتمعي: فالحرب على الفساد ليست فقط مسؤولية أجهزة معنية بذلك، فهي تتعامل مع الفساد الإداري والمالي الظاهر، ولكن هناك فسادٌ قيمي وأخلاقي هو الأخطر والأصعب تأثيرًا، وهو السبب لكل أنواع الفساد الأخرى، فلا بد من تغيير قيم وثقافة – للأسف – بعضها متأصلة ومتجذرة وتُمارَس بشكل علني، ومنها المحاباة والتحيُّز للمنطقة أو القبيلة في إتاحة الفرص، ونحوه من مظاهر متكررة؛ فمثل هذه المعتقدات والقيم وما يترتب عليها من ممارسات تتطلب مجهودًا من تنظيمات متعددة، ولعل على رأسها الأسرة والمنظومة التعليمية في تغيير تلك المفاهيم المغلوطة، وزرع قيم النزاهة منذ سن مبكرة، والاستفادة من الموروث الديني الزاخر بمفاهيم  تحدُّ من ممارسة الفساد.

وركزت أ. فائزة العجروش على أربعة محاور أساسية في التصدي للفساد بوصفه قضية مهمة تمسُّ أمن واقتصاد واستقرار الدولة:

أولًا – الفساد النظيف:

فمن الدروس المستفادة في الأحداث الأخيرة، أهمية محاربة ما يُطلق عليه “الفساد النظيف” الذي يظهر بعد افتضاح أمر المختلسين، وبعد أن تتمَّ إدانتهم، يكتشف المحققون – وللأسف – أنهم أمام تشكيل محترف ودقيق في الاختلاس؛ فكل معاملاتهم واختلاساتهم مرت بالمراحل القانونية المعتادة، دون حسيب ولا رقيب، وأن معظم الأموال والأراضي قد تمَّ تسجيلها بطُرق قانونية بأسماء أولادهم وزوجاتهم وأقربائهم، فتنجو الأملاك، وبذلك سيقضي “المتهم” مدة عقوبته في السجن ثم سيخرج للاستمتاع بثروته. والمأمول أن تساعد الترتيبات التنظيمية والهيكلية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري في كشف الفاسدين مبكرًا، وأن نضبط المخالفين أثناء مخالفتهم لا بعد أن يتمتعوا بها. والالتفات إلى الصغار الذين أصبحوا كبارًا دون أن يسترعوا انتباه أحد؛ بتفعيل القوانين والتشريعات التي تُجرِّم سرقة واختلاس المال العام، وعدم قبول شفاعة شفيع في قضية نهب الوطن، وفي الوقت نفسه تكريم الموظفين من أصحاب الأيادي الطاهرة النظيفة المخلصة، تلك السواعد الأبيّة، والقلوب الحيّة، والأرواح المخلصة في عشقها للوطن؛ فهم مَن يستحقون أن يُحتفى بهم في المناسبات الوطنية، والمُخلصون دُون غيرهم هم مَن يستحقون جلال هذا الوطن، هم وحدهم من واجهوا الفساد حين تكالب عليه أصحاب المصالح، وأن نُحفِّزهم ليكونوا قدوة للجميع، أما مَن خالف القانون وارتكب جرائم بحق الوطن، فيجب أن يُعَاقب بأشد العقوبات.

ثانيًا- حق الإعلام في المعلومة:

الإعلام شريكٌ في التنمية، حقيقة لا بد أن يدركها جميع المسؤولين، إذ إن المجتمع يعول على الإعلام الكثير من الآمال والتطلعات؛ من أجل توصيل الصورة الحقيقية والواقعية عما يحدث من أحداث في الدولة، وتأكيد الصحيح من الخطأ، والتأكيد هنا على حق الإعلام في أن يكون شريكًا أساسيًّا في كشف الحقائق، وحق الصحفيين في الوصول للمعلومة ونشرها بدلًا من أن تظل الحقائق محبوسةً في خنادق الشك ووديان الريبة بين احتمالية صحتها ودقتها أو خطئها وكذبها، لكن في بعض الأحيان نجد بعض المسؤولين مَن يرفض منهم التعامل مع وسائل الإعلام، والبعض الآخر يُماطِل أو يبدي أعذارًا لا تعكس حرص المسؤول على تبصير المجتمع بمختلف القضايا. ولا شك أن تخصيص متحدث رسمي ليكون همزة الوصل بين الصحفي والمسؤول تفاديًا لأية ارتباكات تقع – سيُغلق باب الشائعات، ويضع حدًّا للقيل والقال. فضلًا عن تعزيز مستويات الشفافية داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يرفع تصنيف المملكة في التقارير العالمية الخاصة بالشفافية.

ثالثًاً – حق المواطن في المعلومة:

إننا كمواطنين نملك الحق في الحصول على المعلومات ومناقشة مختلف القضايا بمزيد من الشفافية، وغياب الناطق الرسمي أو المصدر الرسمي قد يترك المواقف للشائعات، تتحكم في الرأي العام؛ ما يفتح الباب على مصراعيه أمام من يتفنن ويبالغ بطريقته الخاصة في نقل الأخبار ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت بيئةً خصبة لنمو وتناسل الشائعات واحدة تلو الأخرى.

رابعًا – الأمن الاقتصادي:

مما لا شك فيه أن هناك أمنًا آخر ذو أهمية كبرى وجزء مهم من الأمن الوطني لبلادنا، وهو الأمن الاقتصادي، ولا يمكن أن ينفصل عنه. ومن المؤكد أنَّ من أسوأ ما قد يواجهه اقتصاد أي دولة قضايا السرقات والاختلاسات المالية والفساد المالي، ومثل هذه الاختلاسات والسرقات المالية الكبرى تضرُّ بأمننا الاقتصادي، وتستنزف مقدرات الوطن، وتنعكس سلبيًّا على مناخ الاستثمار. وعلى الجهات المسؤولة أن تضع هذا الأمن في مقدمة الأولويات كغيره من القضايا الأمنية الاجتماعية والصحية والبيئية من خلال فرض قواعد منظِّمة للأسواق والتعاملات المالية، بما يضمن حفظ المصالح الاقتصادية الوطنية، وكشف المخاطر والتهديدات والسرقات المالية والاختلاسات…، وهي الخطوة التي من شأنها أن تُعزِّز الأمنَ القومي بصفة أشمل وأعم.

وأوضح د. إبراهيم البعيز أن الفساد موجود في كل دول العالم، لكن الدول تختلف بما اتخذته من إجراءات لكشفه والتعامل مع الفاسدين. وهي إجراءات يمكن أن نُسمِّيها إجراءات التصحيح الذاتي. وهنا يلعب الإعلام دورًا رئيسًا. فكثير من قضايا الفساد التي عرفتها المجتمعات الغربية كشفها الإعلام بالصحافة الاستقصائية. لذا، قد يكون من المناسب العمل على إيجاد البيئة التنظيمية والقانونية التي تُمكِّن الإعلام من المساهمة في الكشف عن الفساد، ومعاملة الفاسدين كشخصيات عامة والنشر عنهم بشفافية دون الخوف من المساءلة القانونية بذرائع التشهير. كما أن من المهم إيجاد نظام للمعلومات العامة تُسهِّل على الإعلاميين الوصول إلى المعلومات العامة التي يحتاجونها في تقارير الصحافة الاستقصائية، ومثل هذا النظام موجود في كثير من الدول، حيث يُمكِّن الصحفيين من الحصول على المعلومات وفق إجراءات إدارية واضحة، ويترتب عليه محاسبة المسؤولين في حالة الرفض – غير القانوني – للكشف عما يدخل في نطاق المعلومات العامة. وحريٌّ بالأجهزة ذات العلاقة بمكافحة الفساد أن تعمل على تعزيز هذه البيئة التشريعية التي تُمكِّن وسائل الإعلام من العمل بفاعلية لمكافحة الفساد، وهذا الدور جاء على قائمة اختصاصات نزاهة التي أشار إليها الأمر الملكي بإنشائها، حيث يتوجب عليها المبادرة بمراجعة كافة الأنظمة والسياسات اللازمة لمنع الفساد ومكافحته، وسبق أن أكدت الإستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة على مبدأ الوضوح (الشفافية) وتعزيزه داخل مؤسسات الدولة عن طريق كفالة حرية تداول المعلومات عن شؤون الفساد بين عامة الجمهور ووسائل الإعلام.

وأكد د. رياض نجم على ضرورة شمول صلاحيات الهيئة الجديدة لمكافحة الفساد لمؤسسات القطاع الخاص أيضًا، ولو فوق حجم معين لهذه المؤسسات أو الشركات.

من جهته، أشار د. مساعد المحيا إلى أن إقامة مؤسسة جديدة لمكافحة الفساد هو إقرار بتمدد هذا الوباء في عدد من القطاعات والمؤسسات برغم وجود جهازين رسميين مهمتهما تعقب قضايا الفساد والفاسدين. وإعادة هيكلة هذه المؤسسات الثلاث لتكون كيانًا واحدًا هو محاولة لجمع هذه الجهود لتصب في أطر تصحيح مسار مكافحة هذا الوباء الذي يتنامى. والسؤال المهم هو: هل هذا الجهاز يكفي لمواجهة ذلك؟  وتجارب كل دول العالم تقوم على أن مجالس النواب هي المخوَّلة فعلاً بمواجهة مظاهر الفساد، ولا سيما حينما تحصل على صلاحيات أوسع لمواجهته، ومعها وسائل الإعلام. وهناك أمران لا بد من التفريق بينهما: الأجهزة الرقابية والمحاسبية والضبط الأمني والتي تقوم بإجراءات المحاسبة، ومعرفة بعض مظاهر الفساد وبحثها ومن ثَمَّ مناقشة طبيعتها وأسبابها، وبالتالي وجود منبر لمناقشة قضايا الفساد. ففي الأولى المهمة أمنية ورقابية، وفي الثانية مهمة محاسبة علنية لأفراد وقطاعات تمارس الفساد، وتقديم معلومات واسعة عنهم وإتاحة الفرصة للحصول على كثير من المعلومات الأخرى. وهو ما يضمن عدم تكرار الفساد في تلك القطاعات، حين ذلك ستنشأ جهود لمحاسبة كل مسؤول فاسد في مختلف القطاعات، وبخاصة حينما يكون هناك مظاهر كثيرة للفساد. ومواجهة مظاهر الفساد تتطلب ضرورة تفعيل دور مجلس الشورى وتوسيع صلاحياته وتحويل كثير من أعضائه ليكونوا بالانتخاب، والعناية بالقضاء واستقلاليته، ومنح وسائل الإعلام إمكانية ممارسة وظيفتها الأهم في مراقبة المؤسسات والشركات.

وقد ورد في النقاش أفكار مهمة حول:

  • تنظيم حملات إعلامية متواصلة وطويلة المدى وليست لحظية بكل وسائل الإعلام الرقمي والمرئي والورقي، توضِّح ضرر الفساد بكافة أشكاله على المجتمع، ومدى تأثيره على سهولة الحصول على الخدمات وتحقيق العدالة المنشودة للجميع، مع ضرورة التعاون التام نحو محاربة الفساد.
  • اقتراح إعادة النظر في تعيين القيادات على الأجهزة والشركات الحكومية، مع عدم توسيع نطاق إدارتهم وصلاحياتهم إلا في حدود نطاق اختصاصاتهم المحددة وأن يكون هناك إقرار للذمة المالية قبل تولي المناصب القيادية.
  • النظر في أهمية التوزيع العادل للدخل ودوره في معالجة ظاهرة الفساد، وإعداد دراسات تطبيقية موسَّعة في ذلك.
  • إرساء سُبل فعالة تهدف إلى الوقاية من الفساد ومكافحته أكثر من العمل على اكتشافه وسائر الجرائم المتصلة به.
  • تشجيع رعايا الدول الأجنبية على إبلاغ السلطات الوطنية المعنية بجرائم الفساد محليًّا، وتحفيزهم ماديًّا، وتوفير الحماية لهم، ورفع مشاعر الخوف عند الكثير منهم في الكشف عن الفساد.
  • تحفيز الجامعات والمؤسسات البحثية على إجراء دراسات علمية مركزة عن الفساد وكيفية توعية المجتمع بهذه الآفة، وكذلك تشجيع مؤسسات المجتمع المدني للمساهمة في مكافحة الفساد.
  • فتح الباب لتقديم الشكاوى والتظلمات مباشرة ضد موظفي الأجهزة والشركات الحكومية لدى الأجهزة الرقابية تحت طائلة السرية أو توفير الحماية لصاحب الشكوى من التبعات الانتقامية التي قد تطاله.
  • التأكيد على أن تكون كافة أعمال ومناشط الدوائر الحكومية وشبه الحكومية عبر ميكنة متقدمة، والتوسع في استخدام الخدمات الإلكترونية.
  • أن يكون هناك شفافية تامة وإفصاح في عقود المناقصات الحكومية التي تُرسى على شركات القطاع الخاص، ولمَن تُعطى، ومعرفة ملاك هذه الشركات، ومبررات إرساء المناقصات عليهم.
  • يُوصى بنشر قضايا الفساد التي يتمُّ التحقيق فيها بدون نشر أسماء المتورطين، كما يُوصى بالتشهير بالفاسدين مهما كان موقعهم، ومنعهم من تولي مناصب عامة في الدولة، ومصادرة الأموال والممتلكات التي حصلوا عليها بطرق كسب غير مشروعة وذلك بعد صدور الحكم القضائي النهائي.

 

  • التوصيات:
  1. تقوية ودعم إدارات المراجعة الداخلية وربط تقاريرها بشكل مزدوج مع أعلى مسؤول بجهاز هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، والنظر في إمكانية الاستعانة بمدققين خارجيين.
  2. ضرورة مراجعة إستراتيجية الفساد من جهاز الرقابة ومكافحة الفساد الجديد، وتحديثها بناء على ضم الجهات الثلاث، بحيث تشترك في مناقشة الإستراتيجية كافة الوزارات والجهات المعنية لتحقيق أهداف رؤية 2030، ليكون الجميع أكثر شعورًا بالمسؤولية عن تطبيقها، ومحاسبة المقصر.
  3. تفعيل دور هيئة حقوق الإنسان في الداخل وليس الخارج فقط، بما يتفق مع نظامها، وتفعيل دورها وكذلك دور هيئة الرقابة ومكافحة الفساد في مراجعة أنظمة وآليات تفعيل أنظمة الجهات الحكومية، لتحديد ثغرات الفساد وطلب دراستها وتعديلها ومتابعتها حتى يتم التعديل؛ لأنها تؤدي إلى الفساد وحرمان الأشخاص من حقوقهم أيًّا كانت.
  4. إعطاء مجلس الشورى دوره الرقابي لمراقبة الأجهزة الحكومية للحد من الفساد، وليساند هيئة الرقابة ومكافحة الفساد.
  5. تدريب متخصصين تدريبًا عاليًا لرصد جميع المخالفات لكل الجهات المشمولة بمراقبة هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، ومخالفات الصرف المالي؛ خاصة (وزارة المالية، وديوان المحاسبة، وهيئة مكافحة الفساد والرقابة، وغيرها) وفي الهيئة ذاتها، من قِبل شركات عالمية متخصصة في مجال اكتشاف التلاعب في الحسابات والتهرب من الضرائب، وكذلك في كتابة التقارير.
  6. إعطاء التستر أهمية قصوى في نظام هيئة الرقابة ومكافحة الفساد؛ لأنه ظاهرة خطيرة على الاقتصاد والمجتمع، وهو من أكبر أبواب دخول وانتشار الفساد.
  7. إصدار نظام للمعلومات العامة يُمكِّن الصحفيين من دورهم المأمول في محاربة الفساد، والحصول على المعلومات التي يحتاجونها للتقارير الصحفية الاستقصائية لكشف الفساد، من وسائله وجود ناطق رسمي تابع للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد للحصول على المعلومة بكل مصداقية من مصدرها الصحيح والموثوق بكل شفافية ووضوح.
  8. كبح جماح إدارات البنوك في التصرف بالودائع أو في منح القروض والضمانات إلا فيما يحقق الأهداف الاقتصادية للوطن والمجتمع، ووضع إطار قانوني رقابي مستقل في ذلك.
  9. العمل على فك الاحتكار في الكيانات التجارية التي تنفذ المشروعات العامة.
  10. تكثيف العمل الجاد مع الجمارك والمنافذ الوطنية لإيقاف الفساد في دخول واستيراد المنتجات الخارجية الرديئة، وكذلك ضبط مواصفات المنتجات المحلية.

 

القضية الرابعة

كبار السن في المملكة.. ماذا أعددنا لهم؟  

(26/1/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. وفاء طيبة
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. هدى النعيم
  • التعقيب الثاني: د. وليد المالك
  • إدارة الحوار: د. عبد الله صالح الحمود

 

  • الملخص التنفيذي:

ذكرت د. وفاء طيبة في الورقة الرئيسة أنه وبمراجعة رؤية المملكة 2030، نجد أن هناك كثيرًا من البرامج والمبادرات يمكن لكبار السن الاستفادة منها في الجوانب المختلفة: الصحية والاجتماعية والبيئية وغيرها، ومنها برنامج جودة الحياة الذي من أهدافه الصحية رفع متوسط العمر المتوقع إلى 80 سنة، وإنْ كان من المأمول تضمين الرؤية برنامجًا أو مبادرة خاصة بكبار السن لمقابلة احتياجاتهم المختلفة عن الشباب بحيث تكون شاملة كل الجوانب، وكذلك أن تكون إحدى مبادرات برنامج جودة الحياة خاصة بكبار السن وتغطي الجوانب الصحية والبيئية والاجتماعية لحاجات كبار السن، مثل: البرامج الوقائية التوعوية والرياضية، وبرامج سد الفجوة بين الشباب والكبار، وتعليم التعامل بالتقنية، والمدن الصديقة لكبار السن، وغير ذلك. وقد قدَّم مجلس الشورى نظامًا لرعاية كبار السن، ووافق عليه المجلس ورُفع إلى مجلس الوزراء ولكن لما يتم البتُّ فيه بعدُ.

كذلك فقد استعرضت د. وفاء في الورقة الرئيسة تقرير هيئة الإحصاء عن المسنين (2019) والذي ذكر أن نسبة كبار السن السعوديين في المملكة هي 4,2% (4% رجال، 4,4% نساء)، وذلك لتعريفه لكبار السن بأنهم 65 فما فوق (وهو يتفق مع تعريف منظمة الصحة العالمية). كما أشارت إلى التوزيع النسبي لكبار السن حسب مناطق المملكة حسب تقرير الهيئة العامة للإحصاء. وتم الإشارة في محور آخر إلى الإعلانات الدولية وسياساتها المقترحة بشأن كبار السن، وتمَّ التوسُّع في أهمية وبعض سبل الاهتمام الوطني بتزايد كبار السن من الآن في التخطيط المستقبلي، وكذلك النظر لحقوقهم من منظور إسلامي حقوقي بدلاً عن المنظور الاقتصادي فقط. كما تمَّ التطرق إلى تجارب بعض الدول ومنها السويد في الاهتمام بالمسنين.

وركزت أ. هدى النعيم في التعقيب الأول على توضيح بعض التحديات التي تواجه كبار السن في الوقت الحالي، ومن أبرزها: محدودية الاستفادة من خبرات ومهارات كبار السن على المستوى الفردي والمجتمعي والاقتصادي والسياسي، وبالتالي على التنمية الشاملة للمجتمع، ومحدودية البرامج الموجهة للنساء الأرامل من القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، بجانب محدودية البرامج التدريبية المتعلقة باستخدام التقنية لتيسير حياة كبار السن، وتدني نسبة المشاركة المجتمعية لكبار السن واتساع الفجوة بين الأجيال، وضعف خدمات الرعاية المنزلية لكبار السن وعدم وجود مبادرات مطروحة في برنامج جودة الحياة لرعاية كبار السن، وارتفاع نسبة الشباب مقارنة بكبار السن في الوقت الحالي وعدم وجود إستراتيجية وطنية شاملة للاستعداد للمرحلة الانتقالية عندما تتزايد فيها أعداد كبار السن وتنخفض فيها معدلات المواليد، وإهمال أنظمة التقاعد الحالية لمهارات وخبرات كبار السن والتي تعتبر ثروة يجب الاستفادة منها، فضلًاً عن نقص الخبرات والمختصين في مجال طب كبار السن، وإهمال تطبيق معايير المدن الصديقة لكبار السن عند تصميم الأحياء السكنية.

واهتم د. وليد المالك في التعقيب الثاني بالوضع المستقبلي للرعاية الصحية لكبار السن، حيث أوضح أن المجتمع – وكذلك الأوساط الطبية في المملكة العربية السعودية – ينتظر بفارغ الصبر صدور تنظيم وطني متكامل يجمع شتات الجهود الفردية المبعثرة في خدمة شريحة كبار السن بشكل علمي ومنهجي، ويضع السياسات والأطر واللوائح، ويرسم خارطة طريق واضحة وقابلة للتطبيق تسير عليها مختلف القطاعات الصحية الحكومية والخاصة، وتغطي جميع مستويات الرعاية الصحية الأولية والمتقدمة لكبار السن، مستفيدةً من التجارب العالمية في هذا المجال، بما يحقِّق كفاءة الخدمة ورقي مستواها ورضا المستفيدين من المرضى.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • دوافع الاهتمام بالمسنين.
  • واقع كبار السن والخدمات المقدَّمة لهم في المملكة.
  • رؤية استشرافية لتطوير أوضاع كبار السن.

ومن أبرز ما انتهى إليه المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية: كبار السن في المملكة.. ماذا أعددنا لهم؟ التطرق لبعض المقترحات الهادفة لتأمين احتياجات المتقاعد وكبير السن المادية بعد التقاعد، وتتضمن:

  • إنشاء وقف للمسنين والمتقاعدين تعود منافعه عليهم.
  • ضرورة توفير التأمين الصحي الكامل لكبار السن مع توفير برامج الرعاية النهارية وبيوت الإقامة العلاجية لمَن يحتاجها منهم، ويمكن اقتطاع ما نسبته 1% من مرتب الموظف أثناء سنوات الخدمة، بحيث يغطي هذا المبلغ التأمين على صحته بعد التقاعد، ومن العملي أن يُستثمر بطريقة احترافية لكي ينمو.
  • أن تقوم بعض الجهات الخاصة والشركات بتقديم نظام تقاعد موازٍ منفصل عن نظام التقاعد الحكومي والتأمينات، يعتمد على استثمار نسبة معينة من راتب الموظف يحددها هو حسب رغبته، تعود له هي وأرباحها بعد التقاعد.
  • الورقة الرئيسة: د. وفاء طيبة

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: الآية 54].

ذكر تقرير منظمة الصحة العالمية (التقرير العالمي حول التشيخ والصحة، 2017) في مقدمته أنه: (اليوم، ولأول مرة في التاريخ، يمكن أن يتوقع أغلب الناس أن يعمّروا إلى الستينيات بل أكبر، ويرجع ذلك إلى النجاح في خفض نسب وفيات الأطفال والأمهات، وحديثًا كبار السن. ومتى ترافق هذا بالانخفاضات الملموسة في معدلات الخصوبة أدَّت هذه الزيادة المتوقعة في العمر إلى التشيخ السريع للمجموعات السكانية في كل أنحاء العالم).

هذه التغيرات دراماتيكية، وتداعياتها عميقة، فطول العمر هو تطوُّر إيجابي ومصدر ذو قيمة لكلٍّ من الفرد والمجتمع، وعليه يجب تقدير ذلك على المستوى الفردي والمجتمعي والاقتصادي والسياسي، إذ إن له أثره الكبير على التنمية في أي مجتمع.

في المملكة، نحن مجتمع شاب، ويتضح ذلك من الجدول المرفق من الهيئة العامة للإحصاء عن تعداد 2016 (في نهاية هذه الورقة) – أرجو مراجعته – والذي أتوقع أنه مختلف الآن في 2020.

ومن الجميل رغم ذلك أن نجد اهتماما – ولو قليلاً – بكبار السن، فهناك توجُّه من الهيئة العامة للإحصاء لإجراء مسوحات دورية تخصُّ هذه المرحلة العمرية، وآخر تقاريرها كان في (2017) ثم في (2019)، وسأعتمد في المعلومات التالية على التقرير الأخير (2019)، ثم أضيف بعضَ المعلومات من تقرير (2017) حيث أجده أكثر تفصيلًا.

في تقرير هيئة الإحصاء عن المسنين (2019)، ذكر أن نسبة كبار السن السعوديين في المملكة هي 4,2% (4% رجال، 4,4% نساء) وذلك لتعريفه لكبار السن بأنهم 65 فما فوق (وهو يتفق مع تعريف منظمة الصحة العالمية). ولكن أحبُّ أن يكون لدينا تصوُّر عن أعداد ونسب مَن هم فوق الستين حيث إنَّ سن التقاعد لدينا يشير إلى 60 سنة (58 ميلادية)، كما أن (مجلس الأسرة) عرَّف كبير السن بمَن هم فوق الستين، وهو السن الذي يؤثر في حياة الفرد العامل، وينقله من فرد عامل منتج إلى متقاعد، وفي كثير من الأحيان تظهر الحاجات المادية والشعور بالضعف والمرض. من الجدول المرفق في نهاية الورقة** يتضح أنَّ مَن هم فوق الستين من السعوديين في إحصائية 2016، عددهم 1132307، وبذلك تكون نسبتهم بالنسبة للمجموع الكلي هي 5,45% من مجموع السعوديين.

أما التوزيع النسبي لكبار السن حسب مناطق المملكة حسب تقرير الهيئة العامة للإحصاء فهو كالآتي:

توزيع كبار السن (سعوديين وغير سعوديين) النسبي حسب مناطق المملكة

مكة المكرمة الرياض الشرقية عسير جازان المدينة المنورة القصيم حائل الباحة تبوك نجران الجوف الحدود الشمالية
24% 19.5% 11.7% 11.7% 7.2% 6.9% 5% 3.1% 3& 2.6% 2.1% 1.5 1.3%

وهنا أطرح سؤالاً: قد يكون لدينا بعض الخدمات لكبار السن في منطقة الرياض، ولكن هل لدينا في مكة المكرمة التي تتمتع بأعلى نسبة من كبار السن من الخدمات ما يكفيهم؟ أترك هذا السؤال للمعقبين، فهم أدرى مني بالجانب العملي.

بعض المعلومات الإضافية من تقرير المسنين للهيئة العامة للإحصاء (2019):

  • نسبة مشاركة كبار السن 65 فما فوق في الحياة الاقتصادية 14% (25% ذكور، 3,1% إناث).
  • وجاء في تقرير (2017) أن 4.6% من كبار السن يشاركون بأعمال تطوعية في المجالات المختلفة.
  • نسبة المتزوجين من كبار السن 70% بينما الأرامل 27%، وجاء في تقرير (2017) أن نسبة الأرامل من النساء تفوق الذكور (25% إناث، 2% ذكور)، وهنا أيضًا نقطة مهمة: ما هي البرامج المناسبة للنساء الأرامل، والتي تستجيب لحاجاتهن الفعلية (المادية وغير المادية)؟
  • 52% من كبار السن لديهم إعاقات، و78.5% من هؤلاء لديهم صعوبات في وظائف الجسم ويستفيدون من خدمات وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وجاء في تقرير (2017): صعوبات الرؤية (24%) ثم صعوبات السمع (5,3%).
  • 74% من الكبار لديهم أمراض مزمنة (50% سكري، 52% ارتفاع في ضغط الدم، 11% أمراض قلب، 1% أمراض السرطان).
  • 12% فقط لديهم تأمين صحي (وفي التقرير أيضًا: نسبة مَن يعالجون على نفقتهم الخاصة 20%)، في حين يعتمد 79% منهم على الخدمات العلاجية التي تقدمها الدولة.
  • نسبة مَن يقومون بالرياضة 150 د فأكثر أسبوعيًّا، 1.75% (1.48% رجال، 0.27% نساء).
  • نسبة مَن يقومون باستخدام تقنية المعلومات من كبار السن خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة قبل الإحصاء كما جاء في التقرير: (59% الهاتف المتنقل غير الذكي، 33.3% الإنترنت، 29% الهاتف المتنقل الذكي، 5% الحاسوب). هنا أيضًا نقطة للتأمل: هل لدينا برامج تدريبية توعوية لاستخدام التقنية التي أصبحت لا بد منها؟ الأمر الذي يساهم في رفع نسبة الأداء والمشاركة المجتمعية للكبار وسد الفجوة بين الأجيال.
  • وأوضح مسح (2017) أن الاحتياجات اليومية لكبار السن هي على التوالي: التنقل والحركة، العناية الشخصية، أَخْذ الدواء، تناول الطعام والشراب! (وللأسف أهملت هذه الإحصائية حاجات كثيرة، منها: المشاركة المجتمعية، والحاجات الاجتماعية الأخرى والنفسية).
  • وأيضًا من إحصائية (2017) يتبين أن النسبة الكبرى من كبار السن يتلقون المساعدة من أحد أفراد الأسرة (86,5%)، ثم ممرض أو عامل خاص (10%)، ثم المساعدة من أحد الأصدقاء (3,3%). واتضح أن معظم الخدمات التي تقدمها وزارة التنمية هي خدمات مادية (87%)، أما العينية فهي (9%)، والرعاية المنزلية (2%)، والرعاية النهارية (1%)، (وهنا نلاحظ ضعف الخدمات الحكومية العينية وغيرها المقدَّمة في المنازل رغم أن 79% تقريبًا ممَّن لديهم صعوبات جسدية من الكبار قد يحتاجون لأجهزة أو خدمات غير مادية). أما التواصل مع دور كبار السن، فإنه بنسبة ضعيفة جدًّا 0,02% فقط.

إن إستراتيجية وزارة الصحة في التحوُّل الصحي (والتي يُفترض أن ينتهي تطبيقها في 2020 تُبشِّر بخير، فهي تهدف إلى: (تحسين الصحة، وتطوير الرعاية الصحية، وتطوير القيمة)، وهي الأهداف التي تتوافق مع رؤية المملكة 2030 للصحة، واعتمدت على أطُر دولية معروفة لتعزيز الصحة في المملكة العربية السعودية، وصُمِّمت برامج الرعاية في الإستراتيجية معتمدة على مبادئ سيكون لها دور كبير في رعاية الكبار وتطوير صحتهم.

وبمراجعة رؤية المملكة 2030، هناك كثير من البرامج والمبادرات التي يمكن لكبار السن الاستفادة منها في الجوانب المختلفة: الصحية والاجتماعية والبيئية وغيرها، ومنها برنامج جودة الحياة الذي من أهدافه الصحية رفع متوسط العمر المتوقع إلى 80 سنة، وإنْ كُنتُ أتمنى أن أجد برنامجًا أو مبادرة خاصة بكبار السن لمقابلة احتياجاتهم المختلفة عن الشباب بحيث تكون شاملةً كل الجوانب، وكنت أتمنى لو كانت إحدى مبادرات برنامج جودة الحياة خاصة بكبار السن وتُغطي الجوانب الصحية والبيئية والاجتماعية لحاجات كبار السن، مثل: البرامج الوقائية التوعوية والرياضية، وبرامج سد الفجوة بين الشباب والكبار، وتعليم التعامل بالتقنية، والمدن الصديقة لكبار السن، وغير ذلك.

وقد قدَّم مجلس الشورى نظامًا لرعاية كبار السن، ووافق عليه المجلس ورُفع إلى مجلس الوزراء، ولكن لما يتم البت فيه بعدُ.

الإعلانات الدولية وسياساتها المقترحة:

عالميًّا، تناقش الإعلانات الدولية التطور نحو الشيخوخة في العالم، وهو قادم ومتسارع، وسوف يؤثر ويتأثر بالتنمية المحلية لأي بلد، هذه الإعلانات تقترح السياسات المهمة في موضوع الشيخوخة لتسترشد بها جميع الدول لوضع أنظمتها وبرامجها المحلية، ومن هذه التقارير: تقرير الدورة الثالثة عشرة (1995) لإعلان فيينا المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكبار السن، وتقرير إستراتيجية العمل الدولية للشيخوخة الصادر عن الأمم المتحدة (2002)، وإعلان مدريد الخاص بالشيخوخة (2002)، وكذلك إطار العمل المرجعي للشيخوخة الفاعلة الصادر عن منظمة الصحة العالمية (2002)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) الذي وقَّعت عليه المملكة، وغيرها كثير، ونحن جزءٌ من ذلك العالم، وإنْ كنَّا نتمتع بنسبة شباب كبيرة حاليًّا ولكننا سائرون على ما سارت عليه الدول من قبلنا، سائرون إلى التشيخ الذي لا بد أن نحسب حسابه ونخطط له من الآن تخطيطًا جيدًا قبل أن يقع؛ لنواجهه تدريجيًّا كما فعلت الدول المتقدمة. وقد أشارت هذه التقارير والسياسات في مجملها إلى الإحصاءات التالية:

  • التحول الديموجرافي الذي يحدث الآن سيؤدي إلى أن يُشكِّل كل من الشباب والمسنين حصة متساوية من العالم في عام ٢٠٥٠.
  • سوف يرتفع عدد كبار السن (60 فما فوق) من 600 مليون في عام 2000م إلى قرابة البليونين في 2050؛ وهو ما يجعل النسبة تتضاعف، فيشكل كبار السن 21% بدلاً عن 10%.
  • ستنخفض نسبة الأطفال بمقدار الثلث من ٣٠٪؜ إلى ٢١٪؜، بل إنه في بعض البلدان المتقدمة وأيضًا التي تمر اقتصاداتها بمرحلة الانتقال سوف يزيد عدد كبار السن عن الأطفال، وتقل معدلات المواليد عن مستوى الإحلال.
  • أسرع الفئات نموًّا هي فئة البالغين ٨٠ سنة فما فوق، فسيرتفع عددهم من 70 مليونًا في عام 2000 إلى قرابة خمسة أضعاف ذلك الرقم.
  • سوف يزيد عدد النساء من كبار السن عن الرجال؛ وهو ما يفتح نافذة أخرى يجب معالجتها. ويجب أن تكون للمسنات سياسات فارقة في خطة العمل المحلية لطول العمر المتوقع. (من الآن نسب النساء المسنات أكبر من الرجال في المملكة، ونسبة الأرامل أعلى بكثير).
  • هذه الزيادة ستكون الأكبر في الدول النامية، إذ يُتوقع أن تتضاعف أعداد كبار السن في 2050 إلى 4 مرات عما هي في 2000.
  • بالنسبة للشيخوخة فستصبح قضية كبرى في البلاد النامية، حيث إنَّه من المتوقع أن تزيد نسبة كبار السن من ٨٪؜ عالميًّا بحلول ٢٠٥٠، إلى ١٩٪؜ أي أكثر من الضعف، ومن ثَمَّ تزيد نسب الإعالة.
  • الهجرة الداخلية في الدول النامية خاصة تُشكِّل تهميشًا قسريًّا لكبار السن واستبعادهم من التيار الرئيس للتنمية.
  • هذه التغيرات الديموغرافية في الأطفال والشيوخ خاصة سوف تُمثِّل مشكلة كبيرة في الدول النامية؛ ففي حين تمكنت الدول المتقدمة من معالجة بعض مشكلات هذا التحوُّل الديموجرافي تدريجيًّا، فإن الدول النامية (مثلنا) ستواجه هذا التحول فجأةً (إنْ لم تستعد له)؛ الأمر الذي يقتضي معالجة مشكلات السكان والتنمية في آن واحد.

قد نقول إننا بلدٌ فتي، وأن نسب الشباب لدينا هي المرتفعة وليست نسب الشيوخ، ولكن – وما ذُكر في كل التقارير العالمية عن الشيخوخة – أن هذا التغير الديموغرافي يسير بسرعة، وأنه سوف يطال كل أنحاء العالم، وأن له أثرًا ليس على كبار السن فقط، وإنما سوف يطال كل فرد في أي دولة، وأنه لا بد من التخطيط المستقبلي له.

وقد كان عنوان السنة العالمية لكبار السن في عام 1999 هو مجتمع لجميع الأعمار، ونتج عن ذلك مجموعة من السياسات الفرعية المهمة في إعلان مدريد، ومنها:

  • الاعتراف الكامل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية لكبار السن.
  • الحق في الشيخوخة الآمنة، والذي يتضمن الأمن من الفقر.
  • تمكين كبار السن، وذلك بالمشاركة الكاملة والفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمجتمعاتهم، بما في ذلك الأعمال التي تدرُّ دخلاً والعمل التطوعي، وكذلك الاستفادة من معطيات المجتمع الذي يعيشون فيه.
  • توفير الفرص للنمو الشخصي وتحقيق الذات والصحة العامة طوال العمر، وفي الكبر بإتاحة الفرصة – مثلاً – للتعلُّم مدى الحياة، والمشاركة في المجتمع.
  • التأكد من حصول كبار السن على جميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والصحية والسياسية بدون أي تمييز ضدهم.
  • توفير الرعاية الصحية بالعدل والدعم والحماية المجتمعية، بما في ذلك الطب الوقائي والتأهيلي. وهذا يتطلب توفير الجهاز الطبي التأهيلي كاملاً.
  • مجتمع لجميع الأعمار مفهوم يتضمن ردم الفجوة بين الأجيال، وتوثيق العلاقات بين الأجيال، والعلاقة المتبادلة بين شيخوخة السكان والتنمية، وألا تقل حقوق كبار السن عن حقوق الأعمار الأخرى.
  • دعم البحث العلمي في مجال كبار السن، والتركيز على الاستفادة من التكنولوجيا في جميع المجالات لخدمة كبار السن.

وجاء في إستراتيجية العمل الدولية للشيخوخة بعضُ السياسات الإضافية:

  • تهدف الإستراتيجية الدولية للشيخوخة إلى تمكين جميع الأفراد من التقدم في العمر بكرامة، وأن يستمروا بالمشاركة في الحياة الاجتماعية، وأن إرساء الدعامات لشيخوخة صحية تُثري ما حولها لا بد أن يتم في مرحلة مبكرة. وما من فرد ينبغي أن يُحرم من الاستفادة من التنمية؛ وعليه يجب أن يشارك مشاركة فاعلة فيها، ويستفيد من مكاسبها بصورة عادلة.
  • ضمان حقوق كبار السن الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالإضافة إلى حقوقهم المدنية، بما في ذلك القضاء على جميع أشكال التمييز القائم على السن.
  • كما أشارت إلى ضرورة السماح لكبار السن بالعمل المدرّ للدخل ما أمكنهم القيام بذلك بصورة منتجة، وأن هذا الاستمرار في تشغيل الأكبر سنًّا وتأخير سن التقاعد يجب ألا يؤثر على عمل الشباب لو أُحسن التخطيط له.

إنَّ هذه التوقعات في الوثائق الدولية مرتكزة على البعد الاقتصادي السياسي وهو بالطبع مهم، إلا أنها اعتبرت هذه التغيرات أحد أهم النجاحات الإنسانية ويجب الاحتفال بها، ونظرت للقضية من جانبها الحقوقي، ونحن أولى بذلك من منظورنا الإسلامي، فالدين يحثنا على توقير ورعاية الكبير، (ليس منَّا مَن لم يُوقِّر كبيرنا، ويرحم صغيرنا)، ويدفعنا بأجر البِر للتعامل مع مَن يصل لهذا العمر بكل كرامة وإحسان، ولا أرى ذلك الواجب من بر وتوقير ينطبق على الأفراد فقط، وإنما أفراد ومجتمعات.

هذه المعلومات الواردة في الوثائق الدولية تحتم ضرورة إدماج مواجهة شيخوخة السكان وانخفاض نسبة الإحلال ونسبة الخصوبة والانخفاض التدريجي في معدلات النمو السكاني في المملكة مع مشروعات التنمية في خطة متكاملة، والاستفادة من السياسات التي اقترحتها الوثائق الدولية بما يناسبنا حتى لا نُفاجَأ بهذا التغير، ولو كانت نسبة الشباب الآن هي الكبيرة، فهذه ميزة فما زال هناك متسع من الوقت لا بد من استغلاله الاستغلال الأمثل، بل يجب أن يعيَ الشباب أن هذا التخطيط هو بالفعل التخطيط لهم ولحياتهم المستقبلية أيضًا، فمن عمره 30 سنة الآن من الشباب هو الذي سيكون شيخًا في الستين في 2050، وإذا أرادوا الاستمرار في المشاركة في الحياة الاجتماعية الكريمة فلا بد من الانتباه لذلك الآنَ، والتخطيط له.

وهنا أؤكد على عدة نقاط أراها مهمةً من المنظور الحقوقي التنموي:

  • أولاً- أنظمة التقاعد: إذا كان متوسط العمر المتوقع في المملكة الآنَ 74 سنة، ومن خلال الرؤية نهدف إلى رفعه إلى 80 سنة، فماذا أعددنا لذلك؟ إنَّ هذا يعني أن الإنسان سيقضي 25% من عمره متقاعدًا، سواء أرادَ أم لم يُرد، إذا لم نعمل على تغيير أنظمتنا إلى أنظمة مرنة – وقد جاء ذلك كسياسة مقترحة في الوثائق الدولية السابقة الذكر- فإذا وضعنا في اعتبارنا أن هذه قوى عاملة وطنية لا بد من الاستفادة منها ما دامت قادرةً وراغبة في العطاء، سواء عمل كامل أو جزئي، والنظر إلى مهارات وخبرات كبار السن كثروة يجب عدم التفريط فيها والاستفادة منها في التنمية والمحافظة عليها، وهي مهارات وخبرات أنفقت عليها الدولة في كثير من الحالات لبنائها، فلماذا نقوم بإهدارها؟ فإن العدالة بين الأجيال واحترام حق الكبار في المشاركة المجتمعية والثقافية والمشاركة في التنمية ومواصلة العمل تحتم – من ضمن ما تحتمه – تغير نظام التقاعد، واعتماد النظام المرن، ويتم ضبط ذلك بضوابط واضحة، كما أن ذلك سيُوفِّر دخلاً كافيًا لكبير السن، وسيُحقِّق البعد عن الفقر والأمن الاجتماعي، بدلاً من الاعتماد على الجيل الأصغر، والمعيشة في محيط علاقات اجتماعية في بيئة العمل، ونحن نعلم أنَّ من أهم ما يعاني منه الكبير اجتماعيًّا هو العزلة، والشعور بأنه لا داعيَ له، وأن مهمته قد انتهت؛ مما يُسرع بالأمراض حتى لو كان صحيحًا مُعافًا. وهنا نجد كثيرًا من الدول أدخلت تعديلات على أنظمة التقاعد بحيث تسمح لكبار السن بمزيد من سنوات العمل، ومن جهة أخرى؛ تُعطيهم حقوقًا أكبر بعد التقاعد للعيش بكرامة، وسيقول قائل: وماذا عن الشباب؟ إن المهمات التي يقوم بها الشباب تختلف عما يقوم به الكبير، ثم إن الكبير بهذه الطريقة يُخفِّف العبء عن الشاب ويكون قادرًا على الاستقلال لفترة أطول من الحياة؛ الأمر الذي له أثر إيجابي على حياة الشباب ماديًّا ومعنويًّا، هي منظومة إيجابية قائمة على دراسات. ولا بد أن ندرك وبقوة أن الحياة للجميع (المجتمع لجميع الأعمار)، كما جاء في عنوان السنة العالمية لكبار السن 1999.
  • ثانيًا – تغيُّر المنظور الصحي للوقاية بدلاً من العلاج: والمقصود هنا الصحة الشاملة من الجوانب الجسمية والنفسية والاجتماعية، وما يتعلق بذلك من خدمات صحية وخدمات التأمين الصحي، وهذا ما نجد بعض علاماته في إستراتيجية وزارة الصحة للتحول الصحي.
  • ثالثًا- توفير الكوادر: وبالمقابل لا بد من توفير الكوادر الخاصة بهذه المرحلة في الشيخوخة – وهذا تحدٍ مهمٌّ – فكوادر طبية وتمريضية ونفسية واجتماعية وتأهيلية، فعدد أطباء الشيخوخة السعوديين بل والكادر الطبي كله محدود جدًّا، فلا بد أن تعمل الجهات المعنية على تشجيع طلبة الطب والتخصصات المعنية على التخصص في هذا المجال.
  • رابعًا – ردم الفجوة بين الأجيال: إن التباعد بين الأجيال وخاصة الشباب والأكبر سنًّا، وإنكار الشباب لما لدى الكبار من حكمة، وفي الوقت نفسه عدم تقبُّل الكبار لبعض قرارات وأحكام الأصغر سنًّا، هذه الفجوة في نظري زادت واتسعت عن أي زمان مضى، ويمكن أن نتحدث عن أسباب ذلك في صفحات كثيرة، وهي نقطة مهمة ولها أثرها على التماسك الاجتماعي، والحفاظ على الأسرة مترابطةً بكل أعمارها من منظورنا الإسلامي، وتوفير الحياة الكريمة للجميع، وبناء المجتمعات المتجانسة المتآلفة كبارها وشبابها وصغارها. إن تصميم وعرض برامج خاصة في هذا المجال يعتبر أمرًا مهمًّا، إنه بتغيير المنظور إلى حقوقي تكاملي يمكن بناء منظومة عمل، أو منظومة حياة، تُوفِّر لكل من الصغير والكبير حياةً كريمة. ومن الجميل القراءة عن برامج فنلندا في هذا المجال.
  • خامسًا – المدن الصديقة لكبار السن: إن تحوُّل المجتمعات تدريجيًّا نحو زيادة نسبة كبار السن يجب أن يلازمه من الناحية العملية والتخطيطية تحوُّل المدن لتناسب الجميعَ ومنهم كبار السن، ومن الجميل أن نضع ذلك في الاعتبار من الآن، وقد نشرت منظمة الصحة العالمية في 2009 معايير المدن الصديقة لكبار السن بعد إجراء دراسة على عدة مدن، منها مدن عربية، وهي باختصار في المجالات التالية: (النقل، والإسكان، والمشاركة المجتمعية، والاحترام والاندماج الاجتماعي، والمشاركة الدينية، والتوظيف، والاتصالات والمعلومات، والدعم المجتمعي والخدمات الصحية).

السويد نموذجًا:

العمر المتوقع في السويد هو من ضمن الأعمار الأعلى عالميًّا، وهو 81 للرجال و84 للنساء، 5,2% من المواطنين فوق الثمانين، ويزداد عدد مَن هم بصحة جيدة في هذه الأعمار.

منذ عام 1980 أخذت مصروفات التنمية لكبار السن في السويد تنخفض بشكل كبير واستمرت منخفضة إلى الآن؛ الأمر الذي لم تنجح فيه إلا دولٌ قليلة في العالم. ومع هذا الانخفاض في التكلفة، فالسويديون يعيشون أطول من معظم دول العالم. خبرة السويديين جديرة بالنظر:

يعيش في السويد 10 ملايين مواطن سويدي، منهم 2 مليون فوق 65 من العمر، أي 20% منهم، وبحلول 2040 ستكون النسبة 25%، وعندما ننظر إلى العناية الصحية في السويد نجدها قائمةً على خمس أولويات:

  • 1) العناية بالوقاية. 2) الأولوية للكبار أن يقيموا في منازلهم. 3) تسهيل الوصول إلى العناية داخل المنزل والخدمات العملية. 4) الأطباء يتابعون ويصفون للكبير حتى النشاط الحركي الضروري (أهمية الرياضة). 5) حوكمة العلاج والوقاية زمنيًّا، بمعنى تحديد مدة معينة يجب ألا يتعداها إمكانية الحصول على موعد مع طبيب الأسرة والطبيب المتخصص.
  • العناية الصحية في السويد غير مركزية، بل هي مجموع الخدمات المقدَّمة من:
  • نظام الصحة المحلي (وزارة الصحة).
  • المركز الوطني للتطوير والأبحاث.
  • منظمة التقاعد الوطنية.
  • مجموعة كبيرة من المنظمات الأهلية التي تساعد كبار السن على الشيخوخة بكرامة واحترام، وقد تضاعف عدد هذه المنظمات خمس مرات ما بين 1995 و2005.

وهكذا تواجه السويد الزيادةَ المستمرة في كبار السن بالتعديلات البسيطة على النظام الذي تمَّ بناؤه قديمًا (1980) على أساس حقوقي، وعلى الدراسات والأبحاث المستمرة.

منذ عام 1992 بدأت الإصلاحات في السويد بتحويل المسؤولية للمجلس البلدي لكل منطقة لتوفير الخدمات لكبار السن في منازلهم، بدلاً من جهة واحدة مركزية. خصَّصت السويد 3,6% من الدخل القومي بالإضافة للضرائب للعناية طويلة الأمد بالكبار لكل منطقة. التكلفة الكلية للإنفاق على كبار السن في عام 2014 كانت 12,7 بليون دولار، 4% منها فقط كان يدفعه كبير السن، هذا الدخل يُخصَّص من أجل رفع كفاءة البلدية والعاملين بها، وتوفير مكافآت مادية للمستشفيات لتخفيض عدد مرات التنويم وإعادة التنويم غير الضرورية في المستشفيات للكبار.

  • ملحق: توزيع السكان في المملكة حسب الجنسية وفئات العمر والجنسية: (*)

  

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. هدى بنت عبد العزيز النعيم (ضيفة الملتقى) (*)

بعد الاطلاع على الورقة الرئيسة، استخلصتُ بعضَ التحديات التي تواجه كبار السن في الوقت الحالي، والتي أستطيعُ حصرَها في النقاط التالية:

  • محدودية الاستفادة من خبرات ومهارات كبار السن على المستوى الفردي والمجتمعي والاقتصادي والسياسي، وبالتالي على التنمية الشاملة للمجتمع.
  • محدودية البرامج الموجَّهة للنساء الأرامل من القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية.
  • محدودية البرامج التدريبية المتعلقة باستخدام التقنية لتيسير حياة كبار السن.
  • تدني نسبة المشاركة المجتمعية لكبار السن، واتساع الفجوة بين الأجيال.
  • ضعف خدمات الرعاية المنزلية لكبار السن، وعدم وجود مبادرات مطروحة في برنامج جودة الحياة لرعاية كبار السن.
  • ارتفاع نسبة الشباب مقارنة بكبار السن في الوقت الحالي، وعدم وجود إستراتيجية وطنية شاملة للاستعداد للمرحلة الانتقالية عندما تتزايد فيها أعداد كبار السن، وتنخفض فيها معدلات المواليد.
  • إهمال أنظمة التقاعد الحالية لمهارات وخبرات كبار السن، والتي تعتبر ثروة يجب الاستفادة منها.
  • نقص الخبرات والمختصين في مجال طب كبار السن.
  • إهمال تطبيق معايير المدن الصديقة لكبار السن عند تصميم الأحياء السكنية.

وباستعراض سريع للخدمات التي تُقدِّمها الدولة لكبار السن، نجد أن المملكة العربية السعودية قد أولت جُلَّ اهتمامها وعنايتها بالمواطنين بشكل عام ومنهم كبار السن، وقد جاءت المادة السابعة والعشرون من النظام الأساسي للحكم لتنص على: (أن تكفل الدولة حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة، وتدعم نظام الضمان الاجتماعي، وتُشجِّع المؤسسات والأفراد على المساهمة في الأعمال الخيرية). كما جاءت المادة الحادية والثلاثون من النظام الأساسي للحكم لتشير إلى أن: (تعتني الدولة بالصحة العامة لكل مواطن). بناءً على ما تقدَّم؛ تعمل القطاعات الحكومية والجمعيات الخيرية على تقديم خدمات وبرامج ومبادرات تخدم كبار السن، وتلبي احتياجاتهم وتحفظ حقوقهم، والتي منها:

  • أولًا: تُقدِّم وزارة الصحة العديدَ من الخدمات الصحية لكبار السن، منها على سبيل المثال:
  • برنامج رعاية كبار السن في مراكز الرعاية الصحية الأولية منذ عام 2010، وهو مبنيٌّ على الإستراتيجية الوطنية لصحة المسنين (2010 – 2015)، حيث يهدف البرنامج إلى تقديم خدمات صحية وقائية وعلاجية وتأهيلية من خلال ملف الفحص الشامل للمسنين، وإجراء الكشف المبكر باستخدام أدوات تقييم وكشف مبكر معيارية أوصت بها منظمة الصحة العالمية.
  • برنامج مكاتب المساندة في المنشآت الصحية لتقديم الخدمات اللوجستية لكبار السن.
  • إصدار بطاقة أولوية لكبار السن.
  • تعزيز الشيخوخة الصحية والنشطة، وتفعيل المناسبات الدولية لكبار السن.
  • العلاج المجاني في المستشفيات الحكومية.
  • التحمُّل الجزئي لنفقات العلاج في القطاع الخاص.
  • دعم أنشطة المؤسسات والجمعيات الخيرية التي تتعلق بكبار السن.
  • تعزيز التعاون مع الجهات والقطاعات الحكومية وغير الحكومية ذات العلاقة برعاية كبار السن من خلال البرامج الإرشادية والتوعوية.
  • ثانيًا: تحرص لجنة كبار السن بمجلس شؤون الأسرة على تتبُّع أهم القضايا التي تختصُّ بكبار السن، وتسعى إلى دراستها بالتعاون مع المختصين في مجال كل قضية على حدة، ومنها على سبيل المثال:
  • إعداد مشروع مواصفات المراكز النهارية لكبار السن تحت إشراف كادر مؤهل فنيًّا واجتماعيًّا، على أن يتم تنفيذها من قِبل القطاع الخاص والجمعيات الخيرية والأفراد.
  • المشاركة مع القطاعات الحكومية في إعداد مشروع نظام حقوق كبار السن ورعايتهم، وهو مجموعة من المواد المنظِّمة لحقوق كبار السن القانونية والصحية والمادية والاجتماعية والاقتصادية، التي تكفل لهم حياةً اجتماعية كريمة، وتلبي احتياجاتهم. وقد تم الانتهاء منه ومراجعته في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء.
  • العمل جارٍ على إعداد إستراتيجية وطنية شاملة لكبار السن، تُركِّز على التوعية بحقوق كبار السن، وتهدف لتحسين الظروف المعيشية والصحية لكبار السن وحمايتهم من الإساءة والإيذاء، وتسعى إلى تقليص الفجوة بين الأجيال وتحقيق الاندماج الأسري لكبار السن.
  • توقيع اتفاقية شراكة مع الجمعية السعودية لمساندة كبار السن (وقار)، لدعم جميع أنشطتها وبرامجها ومبادراتها لخدمة كبار السن.
  • إعداد دليل شامل لحصر الخدمات التي تُقدِّمها جميع القطاعات الحكومية والخيرية والخاصة بالمملكة لكبار السن بالتعاون مع جمعية وقار، ويمكن الاطلاع عليه في الموقع الرسمي للمجلس.
  • تفعيل المناسبات العالمية لكبار السن بالتعاون مع الجهات الحكومية على مستوى المملكة، حيث يتم التركيز على الأنشطة التوعوية والإعلامية والإرشادية والمعارض، ويتم إصدار تقارير ختامية يتم توزيعها في المؤتمرات والملتقيات العلمية؛ لتعم الفائدة أكبر شريحة من أفراد المجتمع.
  • تنفيذ مسابقة توعوية بالتعاون مع جائزة صيتة بنت عبد العزيز تحت مُسمَّى (كما ربياني)، تستهدف جميع الفئات العمرية، وتشتمل على عدة مسارات (مقالات، رسوم تعبيرية، مبادرات)، وتهدف إلى تقدير واحترام كبار السن وتعزيز دمجهم بالمجتمع، وتعزيز القيم والمبادئ الإسلامية، وتقليص الفجوة بين الأجيال.
  • تنظيم منتدى الأسرة الثاني حيث تم تخصيص محور لمناقشة أثر التقنية في تسهيل حياة كبار السن، طُرح من خلاله العديد من التجارب والأبحاث والمبادرات والتوصيات التي تتولى اللجنة حاليًّا متابعة تنفيذها من قِبل الجهات التنفيذية المعنية.
  • تم عمل دراسة استطلاع رأي للمواطنين عن الخدمات التي تُقدَّم لكبار السن بالتعاون مع المركز الوطني لاستطلاع الرأي.
  • تم توقيع اتفاقية مع هيئة الإحصاءات العامة لتزويد اللجنة بإحصائيات تختص بكبار السن على مستوى المملكة وفقًا للمحددات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والمهنية لكبار السن.
  • تم عقد ورشة عمل لمناقشة موضوع الحد من الممارسات السلبية تجاه كبار السن، انتهت إلى تسع توصيات تمَّ اعتمادها من قِبل وزير العمل والتنمية الاجتماعية، والآنَ يجري إعداد خطة تنفيذية لكل توصية مع تحديد الجهات المعنية وإطلاق مبادرات يتم تمويلها من القطاع الخاص.
  • تم توقيع اتفاقية مع وزارة التعليم وهيئة الإسعافات الأولية لتنفيذ حملة توعوية تستهدف طلاب وطالبات المدارس في المرحلة الثانوية، لتوعية الطلاب بكيفية إسعاف ذويهم من كبار السن، وتُطبَّق هذه الحملة على مستوى إدارات التعليم بكافة مناطق المملكة.
  • ثالثًا: أنشأت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية عددًا من الدور الاجتماعية لرعاية كبار السن، كما تُقدِّم العديدَ من الخدمات لكبار السن، منها:
  • المخصصات المالية الشهرية.
  • الرعاية المنزلية.
  • الأدوات الطبية.
  • دعم أسر السجناء.
  • دعم الأسر المنتجة.
  • إصدار نظام الحماية من الإيذاء ولائحته التنفيذية لحماية كبار السن.
  • إنشاء مراكز بلاغات تعمل على مدار الساعة، وتستقبل كلَّ أنواع البلاغات عن العنف والإيذاء وخاصة إيذاء كبار السن.
  • رابعًا: تقوم وزارة التعليم بتقديم خدمات تعليمية وتثقيفية للأميين من كبار السن، وتتيح الفرصة لكبار السن للاستفادة من برامج مراكز الأحياء والحملات الصيفية والحي المتعلم والأندية الموسمية.
  • خامسًا: تلتزم المؤسسة العامة للتقاعد والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بصرف استحقاقات المشتركين من كبار السن المتقاعدين شهريًّا، وللورثة في حال الوفاة. كما طرحت المؤسسة العامة للتقاعد عددًا من المبادرات للمتقاعدين بالتعاون مع الجهات الحكومية، مثل: تخفيض تذاكر السفر، وتخصيص ممرات خاصة لهم بالمطارات، وتخفيض تذاكر حضور الفعاليات الرياضية والترفيهية.
  • سادسًا: يقوم القطاع غير الربحي برعاية كبار السن من خلال الجمعيات الخيرية التخصصية، مثل: جمعية وقار بالرياض، جمعية إكرام بالباحة، جمعية سفانة في حائل، جمعية الوفاء بعنيزة وجمعية الزهايمر بالرياض وجمعية الروماتيزم بالرياض، وجمعية المتقاعدين الأهلية بالرياض؛ حيث تعمل هذه الجمعيات على تقديم الدعم العيني والمادي، وتُطلق المبادرات الاجتماعية، وتُنظِّم الأنشطة والبرامج، وتُخصِّص أماكن لإيواء المحتاجين، وتُقدِّم الأجهزة التعويضية والمعدات الطبية لكبار السن.

أما فيما يتعلق بالتحديات التي تطرقت إليها د. وفاء طيبة في الورقة الرئيسة؛ فمن وجهة نظري، أرى أنها ترتبط مع بعضها البعض بشكل تسلسلي وتدريجي، وحتى أستطيع توضيح ذلك سوف أناقشُ فكرةً أتمنى أن يتم تطبيقها في بلادنا وعلى مستوى جميع القطاعات حتى نستطيع معالجة الجزء الأكبر من هذه التحديات. وتتلخص هذه الفكرة في إطلاق مبادرة التهيئة للتقاعد (preparing for retirement) على أن يرتبط بها مجموعة من البرامج المساندة، مثل: برنامج خطة الخلافة (succession plan)، برنامج الادخار، برنامج الاستثمار، برنامج التدريب، برنامج التوظيف.

من خلال برنامج التهيئة للتقاعد، نستطيع أن نُهيِّئ الموظف قبل الوصول إلى التقاعد بخمس سنوات، وفي الوقت نفسه يتم تدريب الشخص الذي يخلفه على مهامه الوظيفية، ويتم إتاحة الفرصة لهذا الشخص بأن يلتحق بالعديد من البرامج التدريبية التي يستطيع من خلالها التعرف على الجهات التي يمكن أن تستفيد من خبراته فيما بعد التقاعد، كما يتم دعوة الجهات الاستثمارية والادخارية لتدريب هؤلاء الأشخاص على كيفية التأقلم مع مرحلة التقاعد، وكيف يتم تنمية مواردهم المالية.

هذه المبادرة ستساهم في ردم الفجوة بين الأجيال وعزلة كبار السن، وإتاحة الفرصة للاستفادة من خبرات ومهارات كبار السن، وفتح آفاق ومجالات كثيرة يستطيع كبار السن المساهمة من خلالها بقيمة مضافة إيجابية في الدخل القومي، وبالتالي في التنمية الشاملة. هذه المبادرة سوف تُسهم في الحد من المشاكل النفسية المترتبة على العزلة والمشاكل الصحية، وأيضًا ستسهم في تحسين المستوى المعيشي لكبار السن، وتُخفِّف من الأعباء المادية الملقاة على عاتق الأبناء.

من المجالات التي يمكن أن يعمل فيها المتقاعدون، ويساهمون فيها مساهمة إيجابية:

  • المجالات الثقافية والأدبية.
  • المجالات التعليمية والتربوية والتدريبية.
  • المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
  • المجالات الاستشارية.
  • المجالات التطوعية.

تجربة اليابان مع المتقاعدين:

حيث يتم تعيين بعض المتقاعدين مستشارين في مؤسسات حكومية ومؤسسات المجتمع المدني، كما أُنشئت جامعة للمتقاعدين لمَن يريد أن يتعلم الفنون النظرية والعملية، ويمكن الالتحاق بالجامعة عن طريق المراسلة، والدراسة فيها مجانية.

في الختام؛ أقترح ما يلي:

  • يتم إنشاء منصة لحصر أعداد المتقاعدين وتخصصاتهم، وكيفية الاستفادة من خبراتهم.
  • تزويد الديوانيات الخاصة بالمتقاعدين التابعة للجمعيات الخيرية بأحدث الأجهزة التقنية.
  • إنشاء أندية صحية ورياضية خاصة بالمتقاعدين للمحافظة على صحتهم الجسمية والنفسية والعقلية.

وقد أكدت الدراسات البحثية على أن الأشخاص الذين يعملون بعد سن التقاعد يتمتعون بصحة أفضل مقارنةً مع غيرهم. وحسب فريق الدراسة الذي ضمَّ مختصين من جامعة ميريلاند الأمريكية، فإن مرحلة ما بعد الحياة المهنية تُشكِّل ما يمكن تسميته (الجسر الوظيفي)، حيث يعمل الفرد في هذه المرحلة بوظيفة بدوام جزئي، وتقول الدراسة إن هؤلاء الناس أظهروا تحسُّنًا في الحالة النفسية.

خلاصة هذه الورقة، أؤكد فيها على أهمية الاهتمام بالمتقاعدين مهما كان مجال تخصصهم حتى نُحفِّز شبابنا اليوم للعمل بجد واجتهاد ليوقنوا أن المجتمع لن ينساهم في كبرهم، فيزدادوا اهتمامًا وتقديرًا لعملهم ومجتمعهم في الوقت الحالي.

  • التعقيب الثاني: د. وليد بن عبد الله المالك (ضيف الملتقى) (*)

تمهيد:

شهدت المملكة العربية السعودية تغيرات ديموغرافية كما هو في جميع دول العالم من حيث انخفاض معدل الخصوبة وقلة معدلات الوفيات، ومن ثَمَّ الزيادة في معدلات متوقع الحياة عند الولادة، وهذه التغييرات أدَّت إلى الزيادة في أعداد فئة كبار السن ممَّن تجاوزوا سن 60 سنة وما فوق، وقد كان للتطور المشهود في مجال الاقتصاد والتعليم وجودة الخدمات الصحية الأثرُ الرئيسي في إبراز هذه الظاهرة.

إنَّ التعداد السكاني للمملكة العربية لعام ٢٠١٨ أوضح أن عدد السكان قد بلغ قرابة ٣٣ مليون نسمة، ويمثل كبار السن من عمر ٦٥ فأكثر (١٠٥٠٨٨٥)، أي ٣.٢ ٪ من إجمالي السكان، ويمثل الذكور منهم ٥٧.٥٪ والإناث ٤٢.٥٪، ومن المتوقع أن تصل نسبتهم الإجمالية عام ٢٠٥٠ إلى ١٣٪.

الرؤية الصحية كما أراها:

ضمان التشيُّخ النشط والصحي وذلك بتوفير خدمات ورعاية صحية شاملة ومتكاملة ذات جودة عالية لجميع سكان السعودية خلال مختلف مراحل حياتهم.

الرسالة:

ضمان توفير خدمات صحية وقائية، علاجية وتلطيفية، على أن تكون هذه الخدمات شاملة، ذات جودة عالية مبنية على الدليل العلمي وسهلة المنال من حيث المكان والزمان، ومناسبة وموفية لاحتياجات المرضى؛ وذلك من أجل مساعدة كبار السن في السعودية ليعيشوا شيخوخةً صحية ونشطة.

أهمية موضوع كبار السن:

إن هذه الزيادة المتسارعة في أعداد كبار السن ستمثِّل حتمًا تحديًّا كبيرًا لصانعي القرار ومُقدِّمي الرعاية الصحية لهم في ظل نقص الكوادر الصحية المتخصصة في علاج هذه الفئة العمرية، وبالنظر إلى التكلفة المالية الباهظة التي يحتاجها كبار السن لقاء الخدمات الصحية المتنوعة والمتكررة وخاصة في السنة الأخيرة من أعمارهم وآجالهم.

ذكر تقرير عن إستراتيجيات الرعاية الصحية لكبار السن في منطقة الشرق الأوسط أصدرته منظمة الصحة العالمية WHO 2006-2015 أن الخدمات الصحية التي تقدمها أغلب هذه الدول لا تولي خطط وبرامج الرعاية الصحية المنهجية لكبار السن الاهتمامَ المطلوبَ.

لماذا كبير السن مختلف؟ 

يعتقد كثير من المختصين والمخططين في المجال الصحي خطأً أنه لا فرق بين شريحتي البالغين وكبار السن فيما يخصُّ نمط وطبيعة الأمراض التي تعتريهم، وعليه يتم وضع برامج وخُطط وسياسات علاجية واحدة للشريحتين؛ في حين أن البون شاسع، وهذه بعض خصائص كبار السن المرضية التي يتميزون بها عن الفئات العمرية الأصغر:

  • تعددية وتداخل العلل الصحية في المريض الواحد، فقلما نجد علة صحية فردية تزول بعلاج مباشر وسريع.
  • الأعراض السريرية لكبار السن مختلفة وغير تقليدية مقارنة بمَن هم أصغر سنًّا.
  • معاناة كبار السن في الغالب هي بسبب العجز والقصور العقلي والبدني والنفسي الناتج من تراكم هذه العلل، وليس من الأمراض المُسبِّبة لها.
  • التدخلات العلاجية والأدوية في المجال الطبي، والتي تأتي بنتائج إيجابية عند إعمالها في فئة البالغين قد تأتي بنتائج عكسية وسلبية عند استخدامها في فئة كبار السن.
  • يتميز كبار السن بصفة متناولي الأدوية المتعددة polypharmacy، وهذه الصفة تزيد من تعقيد الوضع الصحي العام.
  • لا يمكن أن يتم علاج كبار السن بشكل صحيح وفعال بشكل فردي، بل يجب توفُّر فريق عمل طبي وصحي متكامل ومتنوع الاختصاص، يعمل كجسد واحد لمساعدة المريض في التخلص من القصور والعجز الصحي بمختلف أشكاله أو تخفيف نسبته.
  • أثبتت الدراسات الطبية العالمية أن الطريقة العشوائية أو العرضية في علاج كبار السن تؤدي إلى زيادة معدلات زيارة أقسام الطوارئ المتكررة، وإعادة التنويم في المستشفى خلال الشهر الأول بعد خروجهم منها، وتؤدي كذلك إلى زيادة الهدر المالي والجهد البشري.

 

إن المسؤولية الملقاة على عاتق صانعي القرار في ضمان إنفاق الأموال المخصصة للرعاية الصحية بكفاءة وعلى الوجه الصحيح، لتستدعي التحرُّك بشكل عاجل لإعادة النظر في السياسة الصحية الحالية المُقدَّمة لفئة كبار السن، القائمة على العلاج العرضي والآني episodic care  في أغلب الأحوال، وليس على الرعاية الشاملة والمتكاملة، والتي أثبتت التجارب العالمية نجاحها في تقديم رعاية صحية كفؤة مع تقليل الهدر المالي غير المنضبط، وهذا لن يتم إلا بتبني خُطط وبرامج صحية مؤسسة بطريقة علمية ومهنية ومستوحاة من التجارب والممارسات العالمية في هذا المجال.

 

الأهداف الصحية الواجب تطبيقها:

  • رفع مستوى الوعي الصحي لدى كلِّ مَن له علاقة بالرعاية الصحية لفئة كبار السن ابتداءً من صانع القرار ونزولاً إلى مُقدِّمي الرعاية الصحية المباشرة في جميع قطاعات المجتمع العامة والخاصة وغير الربحية والأسرية.
  • التنسيق بين جميع هذه الجهات وتبادل الخبرات العلمية والمهنية والاستشارية، وتقديم الدعم الفني واللوجستي للمهتمين في هذا المجال؛ لضمان رعاية صحية كفؤة ومرضية لمرضى كبار السن.
  • تشجيع البيئة العلمية المناسبة لعمل البحوث والدراسات العلمية والمهنية والميدانية التي تساهم في رفع مستوى الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية والتأهيلية لكبار السن.
  • العمل والتعاون مع الجامعات والأكاديميات السعودية، وتقديم الدعم الإداري والاستشاري والفني لإدخال مناهج علوم طب وصحة كبار السن من ضمن المسارات التعليمية الأساسية.
  • المساهمة والمساعدة في صياغة البرامج والخُطط والسياسات الصحية والطبية المتخصصة والعامة في مجال رعاية كبار السن، وتقديمها للجهات ذات العلاقة.
  • رصد ومتابعة المستجدات الصحية محليًّا وعالميًّا لكبار السن؛ بهدف ضمان جودة الرعاية الطبية المُقدَّمة ومواكبتها للتطورات اليومية التي تشهدها ساحتهم.
  • التنسيق والتعاون مع المنظمات الصحية المحلية والإقليمية والعالمية في مجال طب ومكافحة أمراض الشيخوخة والوقاية منها.
  • تعزيز مفهوم المنشآت الصحية الصديقة للمسن والعمل مع الجهات المسؤولة على اعتماده وتنفيذه.

الوضع الراهن للرعاية الصحية المُقدَّمة لفئة كبار السن:

دأبت مختلف القطاعات الصحية في المملكة العربية السعودية على نهج سياسة العلاج العرضي الآني للمشاكل الصحية التي تعتري كبار السن تمشيًا مع الحال المتبعة في علاج المرضى البالغين والأصغر سنًّا دون النظر إلى الخصائص المرضية المختلفة بين الشريحتين العمريتين، والتي أشرنا إليها سابقًا، ولا يزال هذا النهج هو المعمول به إلى يومنا هذا، وقد يعود السبب في هذا إلى:

  • قلة الوعي الصحي الرسمي والشعبي بطبيعة كبار السن المرضية والصحية المختلفة.
  • قلة أعداد كبار السن في العقود الماضية في المملكة العربية السعودية.
  • قلة أعداد الكوادر الطبية والصحية المدرَّبة والمتخصصة في مجال رعاية كبار السن الصحية.
  • عدم توفُّر الدراسات والإحصاءات العلمية والميدانية الكافية التي تمثل قاعدة بيانية علمية يعتمد عليها البدء في التخطيط السليم، ووضع البرامج العلاجية الفعالة المبنية على البراهين والأدلة العلمية.
  • وجود مشاكل صحية كبيرة وملحة في المجتمع السعودي وجب التصدي لها والاهتمام بها أولاً، فسبقت في الأولوية خطط وبرامج رعاية كبار السن الصحية.

يتواجد الآن في المملكة العربية السعودية قُرابة ١٥ طبيبًا مختصًّا بتقديم الرعاية الصحية لكبار السن، يتمركزون في الرياض وجدة والدمام، وبسبب عدم وجود سياسة تكاملية وبرنامج وطني لصحة المسن؛ فقد اضطر أكثر هؤلاء الأطباء للعمل بشكل فردي بحت لخدمة المسنين في مواقع وظائفهم دون وجود الدعم المالي والفني والإداري اللازم لهذه الخدمة الحيوية والمتشعبة، التي تتطلب التمكين والدعم من أعلى مستويات اتخاذ القرار.

قامت وزارة الصحة قبل عدة سنوات بتكوين لجنة متخصصة لدراسة الوضع الراهن للرعاية الصحية المُقدَّمة لكبار السن، ومن ثَمَّ بناء إستراتيجية وبرنامج صحي متكامل يخدم كبار السن في مراكز الرعاية الأولية والمستشفيات التابعة لها، وينتظر المجتمع الصحي أعمال هذه اللجنة أن ترى النور وتدخل طور التنفيذ.

أما فيما يخص البحوث والدراسات الطبية المحلية المتوفرة حاليًّا في مجال صحة كبار السن فهي قليلة جدًّا، ولا يكاد الباحث المهتم في هذا المجال أن يحصل إلا على النزر اليسير من المعلومات المتواضعة عن بعض الجوانب الصحية والاجتماعية لكبار السن في السعودية، وقد ساهم هذا القصور المعرفي والبحثي – ولا شك – في حدوث تأخُّر مبادرات التخطيط وتقديم خدمات الرعاية الصحية اللازمة لهم، بل أضعَف القدرة على معرفة طبيعة وحجم المشاكل التي يعاني منها كبار السن محليًّا.

ومن الجدير ذكره كذلك وجود مؤسسات مدنية خيرية وعلمية مهتمة بفئة كبار السن، مثل: الجمعية السعودية لمساندة كبار السن (وقار)، والجمعية السعودية لطب المسنين، وجمعية الزهايمر، وغيرها.

الوضع المستقبلي للرعاية الصحية لكبار السن:

ينتظر المجتمع والأوساط الطبية في المملكة العربية السعودية بفارغ الصبر صدور تنظيم وطني متكامل يجمع شتات الجهود الفردية المبعثرة في خدمة شريحة كبار السن بشكل علمي ومنهجي، ويضع السياسات والأطر واللوائح، ويرسم خارطة طريق واضحة وقابلة للتطبيق تسير عليها مختلف القطاعات الصحية الحكومية والخاصة، وتُغطي جميع مستويات الرعاية الصحية الأولية والمتقدِّمة لكبار السن مستفيدةً من التجارب العالمية في هذا المجال، بما يحقق كفاءة الخدمة ورقي مستواها ورضا المستفيدين من المرضى.

إن الحاجة لإنشاء جهة رسمية ومرجعية تعمل على وضع السياسات والبرامج الخاصة برعاية كبار السن الصحية هي أشد ما تكون في هذا الوقت الذي تهيأت فيه الأرضية والفرصة المناسبة لتحقيقها، واتضحت فيه الرؤية وكذلك جوانب القصور التي من الممكن إصلاحها في ظل الدعم اللامحدود من لدن القيادة لتحقيق أعلى مستويات الرفاهية للمواطنين، بما فيها الرفاهية الصحية.

إن وجود جهة تنظيمية وإشرافية تُعنى بشؤون كبار السن الصحية تعَدُّ الخطوة الأولى في هذا الأمر، وتعمل على المهام التالية:

  • رسم السياسة الوطنية العامة لخدمات الرعاية الصحية لكبار السن.
  • تحديد الأهداف الرئيسية والفرعية المراد تحقيقها، وترتيب تنفيذ البرامج الصحية بحسب الأولوية.
  • مراقبة تنفيذ الخطط المعتمدة وتقييم مسارها، وتحديث البرامج الصحية بما يواكب التطورات العلمية والخدمية في مجال طب المسنين.
  • التنسيق بين الجهات ذات العلاقة من أجل تبادل الخبرات والمعلومات، ورصد وتفادي الأخطاء المتوقعة أثناء التنفيذ.
  • بناء قاعدة بيانات وطنية تحوي جميع المعلومات الإحصائية الضرورية عن الخدمات الصحية المُقدَّمة لكبار السن، وأنماط الأمراض والمشاكل الصحية وتوزيعها الديموغرافي في المملكة العربية السعودية؛ للاستفادة منها لأغراض البحث العلمي وتحسين الخدمة.

ولكي تتحقق هذه المهام بالشكل المطلوب والمثالي، فإنه يلزم دعم أعمال هذه الجهة الوطنية بإنشاء إدارات أو أقسام طبية لكبار السن في جميع الوزارات والمنشآت التي تقدم خدمات صحية للمواطنين، تقوم بالتنسيق والتعاون فيما بينها لتحقيق الأهداف والمهام المنوطة بها في مجال صحة كبار السن.

التجارب الدولية في خدمات صحة كبار السن:

هناك العديد من التجارب العالمية التي قدَّمت نماذج رعاية صحية (model of care)   ناجحة وفعَّالة مُخصَّصة لكبار السن، ترتكز على مفهوم الرعاية الصحية الشاملة والتكاملية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  • أولاً – المرضى المنومون في المستشفيات:
  1. Geriatric Evaluation and Management (GEM) Unit
  2. acute care for elders (ACE)
  3. Hospital elder life program (HELP)
  4. Surgical co-management
  5. Nurses improving care of health system elders (NICHE).
  • ثانيًا- المرضى غير المنومين (الرعاية الخارجية):
  1. Patient centered medical home (PCMH)
  2. Accountable care organization (ACO)
  3. Guided care
  4. GRACE team care
  5. Care more
  6. Geriatrics evaluation and management (GEM).
  • الدراسات المحلية في مجال صحة كبار السن:
  1. الهيئة العامة للإحصاء، مسح كبار السن ٢٠١٧.
  2. الإستراتيجية الوطنية لصحة المسنين في المملكة العربية السعودية ٢٠١٠ – ٢٠١٥.
  3. The Relationship between 25 (OH) D Levels (vitamin D) and Bone Mineral Density (BMD)  in a Saudi Population in a Community-Based Setting.

Abdullah Alkhenizan1*, Ahmed Mahmoud1, Aneela Hussain1, Alia Gabr1, Suad Alsoghayer1, Abdelmoneim Eldali2

  1. Prevalence of Mild Cognitive impairment and dementia in Saudi Arabia: A Community-based Study.

Muath Alkhunizan Abdullah Alkhenizan Loay Basudan, Department of Family Medicine and Polyclinics, King Faisal Specialist Hospital and Research Centre, Riyadh, Kingdom of Saudi ArabiaNurses Improving Care of Health System Elders (NICHE).

  1. Aging in Saudi Arabia An Exploratory Study of Contemporary Older Persons’ Views About Daily Life, Health, and the

Experience of Aging , Nancy J. Karlin, PhD,1 Joyce Weil, PhD, MPH,1 and Wejdan Felmban, PhD1.

 

 

 

  • المداخلات حول القضية:
  • دوافع الاهتمام بالمسنين:

بدايةً، أشار د. زياد الدريس إلى أنه إضافةً إلى الدوافع الإنسانية لرعاية المسنين، فإننا نؤمن من منطلق ديني بأن ما يدفعنا إلى ذلك هو مفهوم أرفع بكثير من مفهوم (الرعاية)، إنه (البرُّ) الذي جعله الله أحدَ أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة، وجعل من مضاداته (العقوق) إحدى كبائر الذنوب. وحين نستخدم في نقاشاتنا وفي إجراءاتنا لمعالجة مشاكل المسنين المصطلح المدني (رعاية) يجب ألا نغفل عن تطعيمه بين حين وآخر بالمصطلح الديني (البِرّ)، فهو ذو أثر فعال في أفئدة الناس، أو هكذا يجب أن يكون، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن نظام (الأسرة) هو أحد أهم ضمانات رعاية المسنين، والبرُّ بهم في أصل البنية الاجتماعية، أما التحول إلى الرعاية المؤسسية فهو علاج لخلل في البنية الأسرية الأصيلة. لكن نظام (الأسرة) مُهدَّد عالميًّا الآن بكل أسف، بأمرين أساسيين: التحول من الأسرة العمودية إلى الأسرة الأفقية، بحيث تتساوى السلطات بين الآباء والأبناء، وبالتالي تتوارى تلقائيًّا قيمة (البر) في التراتبية الأسرية. والمهدد الثاني: التحول من الأسرة المزدوجة إلى الأسرة المثلية (أسر الشواذ)، وفي هذا عبثٌ بقيم الأسرة والمجتمع كافة!

وفي سياق متصل، ذكرت د. وفاء طيبة أن بداية الاهتمام بالمسنين تكون بالحق الذي شرعه الله، وهذا الحقُّ في خدمة الصغير للكبير لا يمنع أن يساعده المجتمع في تقديمه بأكمل وجه، فيكون برّ الابن وبرّ المجتمع وبرّ الدولة، وبوعد الله تعالى تعمُّ بركة وأجر البر على الجميع، وتوفير دور الرعاية النهارية ودور المسنين لمَن احتاج واجب، مع بقاء الحق في ذمة صاحب الواجب، يقابل به ربه يوم القيامة.

وذكرت أ. بسمة التويجري أن العالم شهد تحوُّلاً ديموغرافيًّا هائلاً. ففي عام 1960، كان كبار السن الذين يتجاوزون 65 عامًا يُمثِّلون 4.9 في المئة من سكان العالم، لكن مع حلول عام 2050 سيُمثِّلون 17 في المئة من السكان، وسيعجُّ العالم قريبًا بالمسنين الذين يتجاوزون الستين والسبعين وحتى الثمانين، وما فوق ذلك. وسيؤثر هذا التحوُّل في التركيبة السكانية على مجالات عديدة، أبرزها سوق العمل. إذ أشارت دراسة أجراها مكتب إحصاءات العمالة بالولايات المتحدة، إلى أنه بحلول عام 2026، سيكون هناك واحد من بين كل 10 عمال في أواخر السبعينيات من العمر، وستتراوح أعمار ثلاثة من بين كل عشرة عمال ما بين 65 و74 عامًا، كما هو الحال تقريبًا الآن في اليابان، التي تشهد أعلى نسبة مشاركة لكبار السن في سوق العمل. صحيح أن قدراتنا الذهنية تتراجع كلما تقدَّم بنا العمر، إلا أن هذه التغيرات تؤثر على ما يُطلق عليه اسم “الذكاء السائل” الذي يبدأ بالتوقف في النمو ابتداءً من العشرينيات، وهو يُقاس بالقدرة على حل مشكلات جديدة، في حين أن الذكاء البلوري – الذي يُقاس بالقدرة على الاستدلال اللغوي واكتساب المعلومات، ويعتمد على الخبرة – يستمر في التطور والنمو حتى التسعينيات من العمر. وجديرٌ بالذكر أننا لا نشيخ بنفس الوتيرة ولا بنفس الطريقة. فقد تجد بعض كبار السن في السبعين من العمر أكثر كفاءة من الشباب في هذه المهارات الذهنية. وخلافًا للاعتقاد الشائع، لا توجد أدلة حتى الآن تجزم بأن العمال الأكبر سنًّا أقل قدرةً على الإنتاج من نظرائهم الشباب، إذ خلصت دراسة أُجريت في عام 2018 إلى أنه لا يوجد ثمة رابط بين الأداء الإجمالي لمؤسسات القطاع الخاص بالمملكة المتحدة ونسبة العاملين المسنين فيها. وبدلاً من إرجاع تراجع الإنتاجية في المجتمعات الشائخة إلى ضمور الأدمغة وتدهور القدرات العقلية لدى كبار السن، هناك تفسيرات بديلة، كالقول بأنه عندما يغادر العمال المهرة من كبار السن سوق العمل يحلُّ محلهم عمال شباب أكثر حماسًا ربما ولكن أقل خبرة، ولا تزيد الإنتاجية بالضرورة بانخفاض أعمار الموظفين.

وأشارت د. الجازي الشبيكي إلى أن التقدُّم العلمي والخدمات الصحية في العقود الزمنية الأخيرة قد أدَّى إلى استمرار الصحة الذهنية والبدنية للإنسان لمراحل عمرية متقدمة، وهو ما يستوجب أهمية وضع ذلك في الحسبان من حيث إشراك وإدماج الفئات العمرية (بعد الستين) في عالم التقنيات والتحولات الرقمية كي لا يكونوا مُستبعدين من المشاركة في الجهود التنموية (الاقتصادية والاجتماعية) التي ستستفيد جدًّا من مشاركتهم بخبراتهم الثرية التي تعتبر قيمة مضافة لأي جهود تنموية.

وأكد د. مساعد المحيا أن الدور الأكبر في رعاية كبار السن سواء أكانوا قادرين على العطاء أم عاجزين هو على الأسرة وبخاصة الأبناء والبنات؛ فالكبير والكبيرة هما اللذان احتضنا هؤلاء صغارًا وربوهم ورعوهم وبذلوا من صحتهم الكثير من أجل أن ينعموا بسعادة. وإحدى سمات المجتمع المسلم هو شعور المرء بأن عليه واجب الإحسان إلى والديه ونحوهما ممَّن كان لهم دور في حياته. لذا حريٌّ بأن لا نُجذر في مجتمعنا أن تقوم المؤسسات والمجتمعات بما ينبغي أن يقوم به الأبناء (أولاد وبنات). وكبار السن أحوج ما يكونون إلى العطف والحنان والحب والعطاء والبذل، وهذا ما لا يمكن أن تُقدِّمه المؤسسات، وأن تكون هذه المؤسسات هي للحالات الشاذة النادرة.

  • واقع كبار السن والخدمات المُقدَّمة لهم في المملكة:

يرى د. خالد الرديعان أن أهم مشكلتين تواجهان المسن في مجتمعنا هما المشكلة الصحية بحكم التقدم في السن، ومشكلة قضاء وقت الفراغ، وعدم توفر خدمات كافية تواجه المشكلتين وخاصة في المدن الكبرى التي تشيع فيها العلاقات الرسمية والمصلحية بخلاف المناطق الريفية؛ التي تبدو أكثر حميميةً ومناسبةً لكبار السن سواء للسكن أو ممارسة بعض الأنشطة المفيدة دون مزاحمة الشبان في وظائفهم. ولعل من المشكلات التي يواجهها المسن في مجتمعنا هي “الأمية الرقمية”، فعددٌ كبير من المسنين ومن الجنسين لا يستطيعون إنجاز بعض مهامهم الضرورية من خلال نظام أبشر والتطبيقات الأخرى على سبيل المثال، رغم أن وضعهم المادي قد يكون جيدًا لكنهم يفتقدون هذا الشغف التقني الذي أصبحت معظم الأعمال تتم من خلاله. حيث تجدُ المسن أو المسنة متواجدين في الشارع بانتظار تاكسي تقليدي؛ لأنهما لا يستطيعان الإفادة من تطبيق أوبر وكريم والتطبيقات الأخرى، وعلى ذلك قِس بقية التطبيقات المفيدة؛ كطلب الوجبات من المطاعم وبعض السلع التي تصل للمنزل دون عناء. هناك “فجوة رقمية” بين الأجيال، وبالتالي فمن المهم أن نلتفت لهذه المشكلة؛ لمعرفة سُبل مواجهتها ومساعدة المسنين في التكيف مع الوضع الجديد والثورة الرقمية.

وأشار أ. فهد الأحمري إلى أن الدولة تُوفِّر العديدَ من الخدمات الموجهة إلى كبار السن، إلا أن بعضها إنْ لم يكن جلها، لا يزال دون المستوى، وقد تكون تنظيرية أكثر منها عملية على أرض الواقع. فمثلًا، خدمة صرف الأجهزة والمعدات الطبية المنزلية في وزارة العمل غير مُرضية من حيث التنفيذ، واليوم توقَّف صرفها عينيًّا، وتحولت إلى صرف مبلغ مالي بدلاً منها، بجانب فترة الانتظار الطويلة، كما أن أداء جمعية المتقاعدين ضعيف حيث لم تُقدِّم المأمول منها؛ ربما بسبب مركزيتها وإخفاقها في كسب الدعم من المؤسسات العامة والخاصة. لدينا ثقافة اجتماعية قد تكون سلبية في جانب ما، وهي أن ذوي البعض يرى الأنفة والعيب من تسجيل والده أو والدته في جمعية للاستفادة من خدماتها لحسابات اجتماعية معينة.

وتساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: ما الأسباب الكامنة التي أدت إلى نشوء أسباب ضعف الخدمات الحكومية العينية المُقدَّمة في المنازل لكبار السن؟ وفي هذا الصدد، أوضحت د. وفاء طيبة أن الأسباب تنظيمية ومادية بالطبع، فهذه الأجهزة عالية التكلفة، وإنْ كان من الممكن تنظيمها بحيث يتكرر استخدامها.

ومن جانبه ذكر أ. فهد الصالح أن لدى وزارة الصحة أكثر من مبادرة صحية لكبار السن، منها: الرعاية المنزلية، وبرنامج مساندة، وبرنامج الرعاية الأولية للمسنين. كذلك، فإن بعض الجهات الحكومية تُقدِّم خدمات خاصة للمسنين كالجوازات والأحوال المدنية والكهرباء والمياه وربما غيرها، أيضًا فإن من أهم الاتحادات الرياضية، اتحاد الرياضة المجتمعية الذي كان سابقًا اتحاد الرياضة للجميع، وجزء كبير من مهامه للمسنين. كذلك، فقد أولت رؤية 2030 كبار السن اهتمامًا خاصًّا في استمرار النشاط البدني، وهذا يحتاج لترجمة لم تظهر حتى الآن، ونحتاج مزيدًا من التركيز حوله. وثمة ملاحظات على واقع كبار السن في المملكة يمكن إيجازها فيما يلي:

  • القطاع الأول (الحكومي): يشهد تقصيرًا في الاهتمام بكبار السن، ربما غير مبرر؛ فدور المسنين لم تتجاوز الثماني على مستوى المملكة، وحتى داخل تلك الدور نرى ما يحزننا، وفي الجانب الآخر نجد ترفًا في المباني يكفي لأضعافها عددًا وعتادًا.
  • القطاع الثاني (الخاص): يبحث كذلك عن برامج يمكن للمجتمع العامل أن يتحدث عنها وليس كبير السن؛ ولذا لا تجد دورًا أو برنامجًا يخدم تلك الفئة الغالية.
  • القطاع الثالث (الجمعيات الأهلية): ويبرز في إطاره الجمعية السعودية لمساندة كبار السن “وقار”، وهي كشامة في خدمة فئة كبار السن، وعمرها قصير وعطاؤها مقدر، وتبحث جاهدةً عن أثر جميل ولكن الحاجة أكبر من القدرة.

وقد كان لمجتمع الأعمال والموسرين قبل أكثر من عقدين مبادرةٌ رائدة تبنَّاها ريادي مختلف هو معالي الشيخ عبد الله العلي النعيم أمين الرياض سابقًا لتخليد اسم ورسم باني الرياض الملك سلمان على معلم إنساني، جمع له أكثر من ٨٠ مليون ريال على دفعتين برعاية غرفة الرياض، وأنشأ مركز الملك سلمان الذي كان سابقًا للمسنين وأصبح الاجتماعي، ورخّص له مؤخرًا لأن يصبح جمعية خيرية ذا شخصية اعتبارية مستقلة، وهو كخلية النحل به مئات المسنين والمسنات يحتضنهم في برامج ثقافية واجتماعية ورياضية تناسب أعمارهم وقواهم ونشاطهم، ومتكامل الخدمات والتجهيزات، ويشرف عليه يوميًّا معالي الشيخ النعيم رئيس مجلس الإدارة ونائبه سمو الأمير سعود بن ثنيان، وأعضاء فاعلون، وإدارة تنفيذية مميزة، وأُلحقت به ذراع استثمارية مهمة وهي مستشفى رعاية الرياض للإقامة الطويلة. ولعلَّ ثمة خطة لافتتاح فرع له في جنوب الرياض وربما في شرقه. أيضًا فإن لأمانة مدينة الرياض بادرة فريدة في إقامة ديوانيات الرعيل الأول، والهدف أن تكون مع نهاية ٢٠٢٠ عشر ديوانيات، والمتحقق منها النصف حتى الآن، تحتضن من الصباح إلى المساء كبار السن، وتُوفِّر لهم ضيافةً متكاملة وصحفًا ومجلات وبعض المسليات وميادين للمشي وحدائق للراحة. وقد كان ثمة طموحٌ كبير لدى جمعية المتقاعدين في إنشاء مركز الأمير نايف الثقافي للمتقاعدين وفروع له في العاصمة والمناطق الرئيسة، ووافق في حينه الأمير نايف على ذلك، وسعى إلى تحقيقه، ولكن لم تسعف الظروف تلك الجمعية إلى تحقيقه، ولربما في تشكيلها الجديد أن يتحقق ذلك لخدمة المسنين.

وأشارت د. وفاء طيبة إلى أن المملكة وخاصة المدن الكبرى الآنَ تزخر بالنوادي الرياضية، والرياضة هي في مقدمة أولويات ما يجب أن يحافظ عليه الإنسان لمقاومة الشيخوخة وأمراضها، وهذا مُثبت علميًّا، وهناك سلسلة مشهورة من النوادي تقدِّم خصمًا للمتقاعدين، وهذا جيد، ولكن المهم أن يُعمَّم ذلك، وأن يكون هناك برامج رياضية خاصة داخل النوادي لكبار السن، مثل تدريبات لبناء العضلات؛ لأن نقص قوة العضلات يكون بنسبة ٢٠٪؜ في السبعينيات و٤٠٪؜ في الثمانينيات، وكذا العظام تتعرض للهشاشة، وهي في النساء أكثر من الرجال، وتدريبات لحفظ التوازن، فسقوط الكبار يُشكِّل مشكلة كبيرة، واحد من كل ٣ حالات فوق ٦٥ سنة في الولايات المتحدة (وليس لدينا إحصاءات هنا) يسقطون سقوطًا له عواقب وخيمة، ونصف كبار السن الذين يكسرون أوراكهم لا يُشفَوَن، و٢٥٪؜ منهم يموتون خلال ٦ أشهر، وهذا في الولايات المتحدة، وهم الذين بدؤوا المشوار بصحة أفضل أصلاً، والرياضة من أهم الأمور لمقاومة ذلك لو تم تقديمها بطريقة صحيحة لكبار السن، فلو أن تشجيع الرياضة ونظامها لكبار السن طالبت به الجهات العليا التي تنتمي له النوادي الرياضة لكان أفضل.

وأشار د. وليد المالك إلى أن الرعاية الصحية تُمثِّل تحديًّا ضخمًا لكبار السن، وفقدها يبكي الأبناء قبل الآباء والشيوخ. رعاية الجسد والعقل والنفس رعاية مبنية على البرامج الوقائية والعلاجية والتأهيلية، وهي رعاية لا تقوم على مبادئ العلاج العرضي المحدود أو الحاد؛ بل رعاية شاملة مستمرة تضمن كرامة الضعيف من المسنين. وكُلفة رعاية المسنين مرتفعة ولا شك، ولا يستطيع قطاع دون آخر أن يسدَّ كلَّ حاجاتهم. ومن ثَمَّ، فإن الدعم مسؤولية الأسرة والدولة والقطاع الأهلي، والمجلس الصحي السعودي هو فتيل المعركة لنصرة كبار السن وليس وزارة الصحة؛ لأنه الممثل الصحي لكل قطاعات الدولة (العامة والأهلية) أمام ولي الأمر، وحثه على خلق إستراتيجية عمل مؤسسي ومنهجي ومتكامل يلبي حاجات كبار السن الصحية لكل السعوديين هو رأس حربة الأمر فيلزم به كل قطاعات الدولة. وحتى هذه اللحظة لم تولد برامج صحية مخصصة لكبار السن علماً بوجود إستراتيجية مُقدَّمة لوزارة الصحة عام ٢٠٠٩ لم تخرج من أرفف مكتبة الملك فهد رحمه الله، وقد عفاها الزمن الآن، ونحن بحاجة لخارطة طريق وإستراتيجية أخرى محدثة. ويُلاحظ هنا أن المجلس الصحي السعودية جهة تنظيمية وتنسيقية وإشرافية فقط.

وأشار أ. محمد الدندني إلى أن ما يقلق المسن هو توفُّر الرعاية الصحية. ومن المؤلم أن نرى مُسنًا يضطر إلى أن يسافر من أقصى الشمال أو الجنوب إلى الرياض لمتابعة علاجه في مواعيد متباعدة، فهذه مشقة تزيده مرضًا ومعاناةً. وبصفة عامة، فمن المهم أن يكون النمو السكاني مرتبطًا بخُطط التنمية وبإحصائيات دقيقة لكافة شرائح المجتمع العمرية. وهناك نقطة مهمة إذا أردنا تشجيع بقاء المسنين مع أبنائهم أو بناتهم المتزوجين، وهي أن يراعى هذا في تصميم البيت بأن يكون المسن مستقلاً بجزء منه، وهنا تكون خصوصية للمسن وهو الوالد أو الوالدة وكذلك لزوجة الابن، لعلَّنا نتحاشى وحدتهم وبعدهم عمَّن يحنو عليهم.

ولفت د. سليمان الطفيل النظر إلى أن الدولة تسعى حاليًّا من خلال وزارة العمل ووزارة التجارة لبناء نموذج تشاركي للمسؤولية الاجتماعية، بحيث يكون القطاع العام والخاص وغير الربحي شركاء في تنفيذ مشروعات المسؤولية المجتمعية، وقد أطلقت وزارة العمل مبادرة الاستثمار الاجتماعي لتمويل مشروعات اجتماعية، مثل دور رعاية كبار السن ووسائل تنقلهم… إلخ.

وتطرَّق أ. عبد الرحمن باسلم إلى تجربة البوسنة فيما يتعلق بالمسنين من واقع تجربة شخصية له، حيث وجد أنه لا يوجد مُسِن من الجنسين بصحة لا يعمل، أما في القرى فالجميع يعمل في الزراعة وأعمارهم من ٧٥ إلى ٨٠ سنة، كما يتجمعون في كل أسبوع للرقص المعبر عن فولكلورهم الخاص، كوسيلة للترفيه وقضاء وقت الفراغ.

وتطرَّقت أ. بسمة التويجري إلى نقطة تتعلق بتعرُّض كبار السن في مجتمعاتنا والمجتمعات الأخرى على حد سواء للتمييز على أساس العمر عند الرغبة في العمل بعد سن التقاعد، وحتى قبل ذلك؛ ففي تقرير أجرته الجمعية الأمريكية للمتقاعدين، أشار إلى أن 61 في المئة من العمال كبار السن الذين استُطلعت آراؤهم تعرَّضوا للتمييز على أساس العمر. وأشار تقرير آخر لهذه الجمعية إلى أن الشركات الأمريكية، رغم القوانين الصارمة التي تمنع التمييز، تعمد إلى استبعاد المتقدمين إلى الوظائف من كبار السن باستخدام عبارات في إعلانات التوظيف من قبيل “حديثي التخرج” أو “من مواليد عصر الهواتف الذكية”، أو “يناسبون ثقافة الشركة الشابة” أو “خبرة من خمس إلى سبع سنوات”. وتقدَّم موظفون سابقون بشركة “آي بي إم” بدعوى قضائية ضد الشركة زاعمين أنها سرحتهم من العمل دون وجه حق بسبب تقدُّمهم في العمر. وذكر تقرير أجرته شركة “بلومبيرغ” أن الشركة فصلت 100 ألف موظف في السنوات القليلة الماضية، أكثرهم من كبار السن، لتبدو أكثر عصريةً وتوظِّف عددًا أكبر من الشباب من أبناء جيل الألفية أسوةً بمنافستيها أمازون وغوغل. ولعل الوضع لدينا لا يختلف كثيرًا عما ورد في هذه الاستطلاعات الغربية. ومن ناحية أخرى، فثمة اعتقادٌ لدى بعض أصحاب العمل بأن إلحاق كبار السن بالعمل وتوفير التدريب لهم غير مُجدٍ اقتصاديًّا، وعبر عن هذه الفكرة “كال هالفورسن”، خبير في شيخوخة المجتمع بكلية بوسطن، حيث ذكر أن البعض ينظر للعمال كبار السن على أنهم عبء على المؤسسة. ولا يمنح الكثير من أصحاب العمل موظفيهم المسنين فرصًا للتطور الوظيفي؛ لأنهم يعتقدون أن السنوات التي سيقضونها في المؤسسة لا تستحق المبالغ التي سينفقونها على تدريبهم، ولأن الكثيرين يستخفون بقدرات هؤلاء العمال على تعلُّم مهارات جديدة. ويعارض ذلك “هالفورسن” بالقول إن الموظف الذي يبلغ من العمر 55 عامًا قد يظل في سوق العمل لعشر أو 15 أو حتى 20 سنة إضافية. ويقول إن بعض الأبحاث أثبتت أن التنوع العمري يُشجِّع على التفكير الخلاق والإبداع.

وعقَّبت د. وفاء طيبة على الطرح السابق حول التقاعد بأن هناك كثيرًا من المسنين الذين يرغبون ويستطيعون العمل لفترات طويلة بعد التقاعد، ولكن أنظمتنا لا تسمح دائمًا بذلك، وفي نظرها فإن ابتداع نظام التقاعد في العالم لم يكن بحسن نية، وعندما اكتشفوا مشكلاته بدأ العالم في محاولة علاج ذلك بأساليب تمديد عمر التقاعد أو أنظمة التقاعد المرن، فالتقاعد يناسب البعض ويرغبون فيه، ولكنه في كثير من الأحيان بداية للمشكلات النفسية والاجتماعية والمادية للكبير.

كذلك فقد اتفقت أ. فائزة العجروش مع ما ذكرته أ. بسمة، وأضافت أن هذا هو ما يحصل حاليًّا في كثير من الجهات الحكومية وغيرها من بطالة للخبرات في العمل قبل التقاعد وتهميشهم، في ظل إعطاء الفرصة للشباب؛ مما يفقد الجهة الإفادة من تجاربهم الثرية وكذلك بطالة الخبرات من المتقاعدين.

بينما أضافت د. فوزية البكر أن الفكرة ليست فقط في استمرار عمل المتقاعد إذا كان قادرًا؛ بل في أن بعض المهن تحتاج في إتقانها إلى سنوات من التراكم المعرفي والمنهجي والتطبيقي مثل أساتذة الجامعات الذين لم يُعرف قط في جامعات العالم أنهم يُحالون للتقاعد أو الأطباء مثلاً أو المهندسين… إلخ.

وبدورها أكدت د. وفاء طيبة على أن الخبرة التراكمية مهمة في معظم المهن إنْ لم يكن كلها، وأشارت مقالة كانت تقدِّم نصائح لمَن يريد تشكيل لجنة في موضوع معين أنه يجب تضمين المجموعة واحدًا على الأقل من ذي الشيبة ذوي الخبرة. والاعتقاد أن الشباب يؤمنون بأن التكنولوجيا في العصر الحديث أحدثت هوّةً كبيرة بين خبرات الأكبر سنًّا والشباب، ولكن هناك خبرات إدارية وإنسانية وعملية وعلمية ما زال يستطيع كبير السن تقديمها، كما أن من حقه أن يواصل تعليمه في المجال التكنولوجي، ولا مانع من ذلك لمَن يرغب بحيث يستطيع أن يلحق بالركب، ويُقدِّم خبراته في صورة مفهومة للجميع.

وأشارت أ. هدى النعيم إلى أنه تم الانتهاء من مراجعة نظام حقوق كبار السن ورعايتهم الذي اقترحه مجلس الشورى في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، والنظام يشتمل على ١٦ مادة تؤكد على حق كبير السن في أن يعيش حياة كريمة داخل أسرته، وأن تُحفظ كرامته، ووُضعت عقوبات في حال التعدي على حقوق كبار السن، كما تمَّ الاستناد في إعداد النظام إلى العديد من الأنظمة في الدول العربية والأجنبية.

  • رؤية استشرافية لتطوير أوضاع كبار السن:

اقترحت د. فايزة الحربي ربط دور المسنين بدور الأيتام، وخلق روابط دائمة بين أعضائها؛ باعتبار أن التكامل بينهم يشبع احتياجات الطرفين، ويخلق جو مجتمع صحي، كذلك يمكن استضافة كبار السن في برامج تلفزيونية وفي مراكز الأحياء للحديث عن تجاربهم.

لكن أ. فائزة العجروش أشارت إلى أن الرغبة في تطبيق ما ذكرته د. فايزة أمرٌ ليس بهذه السهولة من الناحية العملية؛ لأن هناك أبناء يتامى ليس لهم في الدنيا أحد سوى الله، ثم الجمعيات التي تهتم بها؛ فهناك فريقان يريان أن تطبيق هذه التجربة في المملكة ستحقق نجاحًا كبيرًا، بسبب الشخصية العاطفية التي يتميز بها المواطن السعودي، خاصة كبار السن الذين لا يذهب معظمهم إلى دور المسنين إلا بسبب إهمال الأبناء لهم، ويعانون من الحزن واليأس من الحياة، ووجود أطفال صغار معهم سوف يمنحهم القدرةَ على مقاومة هذه المشاعر الصعبة، وسوف يُعطي لحياتهم معنى، وفي المقابل فإن الأطفال الصغار لن يشعروا بأنهم “مقطوعون من شجرة” كما يقول المثل الشعبي المصري، وسيُحاطون بشعور عائلي يهتم بهم ويساعدهم لتخطي مصاعب الحياة. فيما يرى الفريق الآخر أن هؤلاء المسنين الذين يعانون من عقوق الأبناء، وأن جهدهم طوال سنين في تربيتهم والاهتمام بهم ضاع هباء وانتهى بإيداعهم في دور المسنين، فكيف لهم أن يعيدوا الكرة مرة أخرى وأبناؤهم من صلبهم تخلوا عنهم؟! بالإضافة إلى أنه عند تطبيق هذه التجربة يجب الانتباه إلى أهمية معرفة أن الأيتام يعانون أشدَّ المعاناة النفسية، ومن الصعب جدًّا إدماجهم في تجارب قد تؤدي لتأخر تأهيل نفسياتهم لتقبُّل وضعهم ودمجهم في المجتمع، وكذلك أهمية دراسة الحالة الصحية والنفسية للمسنين لمعرفة مدى جاهزيتهم لتطبيق تلك التجربة، فالتجربة ليست بتلك السهولة المتوقعة.

كما أكدت أ. فائزة العجروش على أهمية التوصية الثانية التي اقترحتها أ. هدى في تعقيبها، وأضافت أنه قد يكون من المناسب أن تتولاها وزارة التعليم بتخصيص حصص في مدارس محو الأمية، وإقامة دورات مجانية على مدار العام بالمشاركة مع القطاع الخاص لتدريس مبادئ التقنية لهم، وكيفية استخدام البرامج الأكثر احتياجًا في حياتنا اليومية، مثل: (أبشر، وتطبيق البنوك، وتطبيق المستشفيات)، خاصة مع أتمتة الحكومة حيث أصبحت معظم المعاملات لا تتم إلا من خلال الإنترنت، وهناك من كبار السن من لا يفقه فيها شيئاً؛ مما يعطل كثيرًا من أعمالهم، أو يُعرِّضهم للسرقة بسبب جهلهم بكيفية استخدام البرامج المخصصة لذلك، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، إحساس الكبار بالعزلة عن باقي المجتمع المتطور تقنيًّا. أما بالنسبة للتوصية الثالثة التي أشارت إليها أ. هدى، فلعل من المناسب تخصيص حصص مُخصَّصة لكبار السن في الأندية الرياضية الموجودة وليس إنشاء أندية مستقلة لهم؛ فنحن نريد تقليص الفجوة بين الأجيال، ووجودهم في نفس النادي يزيد من فرص اكتساب الخبرة والحكمة والإصرار والطموح وحب الحياة بين الأجيال المختلفة. ويمكن التوصية في هذا السياق بما يلي:

  • إدخال أمراض الشيخوخة وكبار السن ضمن مناهج الطب في المملكة.
  • أهمية توفير الإحصاءات والبيانات الحديثة التي تُحدِّد نسب كبار السن المقيمين في المؤسسات الإيوائية، مقارنة بكبار السن المقيمين في المنازل؛ لتحديد الاحتياجات اللازمة لكل منهم، وتحديد الجهات المسؤولة لمخاطبتهم وخدمتهم.
  • أهمية تثقيف المجتمع بارتفاع الأعباء المالية لرعاية كبار السن، والتي تتحمل الدولة العبءَ الأكبر، وضرورة إسهام المجتمع المحلي والقطاعات الأخرى في تحمُّلها.
  • الحاجة إلى لفت النظر لأهمية الحاجات النفسية لكبار السن، والتي لا تقلُّ بحال من الأحوال عن الاحتياجات الأخرى لهم، وحقهم الكامل في إشباع حاجاتهم الفكرية والثقافية والترفيهية مهما بلغوا من العمر عتيًّا.

وفي تصوُّر د. سليمان الطفيل، فإن علينا أن ننظر في توزيعات كبار السن وفقًا للفئات المتنوعة حسب: (الجنس، الجنسية، العمر، الدخل، المنطقة، الحالة الصحية، الحالة الاجتماعية)، وهذا التوزيع يسهم بدرجة كبيرة في التركيز على احتياجات كبار السن حسب كل فئة، وهذا أمرٌ مهم لمعالجة أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. كما أن علينا تحديد مسارات كبار السن كذلك؛ فهناك مَن يحاول أن يقضي بقية وقته في العبادة، وهناك مَن يهوى القراءة والتأليف فيقضي بقية حياته في الاطلاع والبحث والتأليف، وهناك مَن يهوى ممارسة الرياضة والمشي والرحلات البرية فيقضي بقية عمره مع أصدقائه في ذلك، وهناك مَن يهوى السفر والترحال فيضع لنفسه جدولَ رحلات سنوية متنوعة للاطلاع على الثقافات والحضارات والاستماع بذلك، وهناك مَن يرغب في الاستمرار في العمل الحر فيقضي بقية وقته في ممارسة التجارة بشتى أنواعها أو الزراعة، وهكذا كلما استطعنا تحديد المسارات وصمَّمنا لكل مسار برامج متنوعة، أمكننا تصنيف كبار السن على هذا الأساس، وبالتالي استطعنا تحقيق الأشياء الجميلة بقية حياتهم. أيضًا، هناك ضرورة للإفادة من الفرص الاستثمارية الناتجة عن ارتفاع معدلات كبار السن وفئاتهم وأجناسهم وأعمارهم وأماكن تركيزهم، والجدوى الاقتصادية للدولة من الإنفاق على كبار السن، وكذلك الجدوى الاستثمارية التي سيحصل عليها المستثمرون في القطاع الخاص من الاستثمار في المجالات المرتبطة بكبار السن (الصحية، والتعليمية، والرياضية، والسياحية، والترفيهية، والصناعية، والتجارية… إلخ). أيضًا، فإن الأندية الأدبية تعَدُّ أحد مسارات اهتمامات كبار السن التي يجب دعمها من قِبل الهيئة العامة للثقافة لكونها الجهة المسؤولة عن جميع الأنشطة الثقافية في المملكة، والتي أُعلن عن إنشائها بأمر ملكي في 7 مايو 2016. كذلك فإن الجانب الرياضي لكبار السن يحتاج لمزيد من التفكير الإبداعي لتحفيزهم على ممارسة الرياضة قدر الإمكان، وقد يكون تصميم تطبيق خاص بالمشي لكبار السن مساهمًا في تحفيزهم على المشي أو برامج رحلات، وبخاصة في الحدائق العامة داخل الأحياء، بحيث يتولى مجلس الحي مثل هذه الأنشطة الرياضية الجماعية لكبار السن.

ومن ناحية أخرى، اقترح د. سليمان الطفيل انطلاقًا من برنامج جودة الحياة الهادف إلى تحقيق رؤية المملكة 2030، بتحسين نمط حياة الفرد والأسرة وبناء مجتمع ينعم أفراده بأسلوب حياة متوازن، من خلال تهيئة البيئة اللازمة لتُعزِّز مشاركة الفرد والمجتمع في الحياة بشكل أفضل. وإيمانًا بأهمية المواطن كبير السن الذي كان سببًا فيما تحقَّق للمملكة من إنجازات تفتخر بها أمام العالم اليوم، تأسيس المركز الوطني للحياة ليصبح مركزًا للعناية بجميع شؤون كبار السن حتى الوفاة، يتابعهم ويلبي احتياجاتهم ويحقق تطلعاتهم، على أن يُؤسَّس له صندوق استثماري ليدعم أنشطته وبرامجه، يساهم فيه جميع القطاعات؛ وبخاصة الأوقاف والتبرعات ومساهمات رجال الأعمال.

واتفقت د. وفاء طيبة مع أهمية هذا المقترح الأخير، وأضافت أنها كانت تتمنى أن يظهر في برنامج جودة الحياة ما يخدم كبار السن. والواقع أن الجزء الصحي سيخدمهم بالطبع ولو على المدى البعيد، ولكن من الضروري أن يكون هناك إستراتيجية متكاملة للكبار يتم تسكينها في جهة معينة تُنفِّذ بالفعل كلَّ ما جاء فيها بطريقة تحترم حقَّ كبار السن الإسلامي في الخدمة والحياة. أما بخصوص تقسيم حالات كبار السن حسب الفئات المبينة، فإن ثمة تساؤلاً مطروحًا مفاده: وماذا عن كبار السن المقتدرين ولكن لا يستطيعون الحصول على الخدمة الصحية التي يستحقونها، لأن هناك شابًّا يحتاج ذلك السرير؟ أو ماذا عن كبار السن الذين يحتاجون إلى خدمات أخرى غير الخدمات الصحية؟  نعم، الصحة حياة أو موت، ولكن الصحة العامة تشمل الصحة النفسية والاجتماعية أيضًا، وكثير من الخدمات غير المتوافرة، أو نقص حق كبير السن المشروع في المشاركة الاجتماعية والاقتصادية وحقه في العمل ذي الدخل ما دام يستطيع؛ هذه الخبرات السيئة تؤثر حتمًا على الصحة النفسية ثم الجسدية، وأصحاب الدخول الجيدة كثير منهم لا يرغب في ترك بلده للعلاج خارج البلاد، كما يضطر أن يفعل كثير من كبار السن.

ومن ناحية أخرى، أوضحت د. وفاء طيبة أنها تطرقت في ورقتها لتجربة السويد، وكيف أن الهدف الأول هو بقاء الكبير في بيته وخدمته في بيته، كما أنه في فنلندا توجد مساكن لكبار السن مع طلبة الجامعات لتبادل الزيارات والخدمات ومنعًا للعزلة عن الشباب حيث وجدوا في ذلك قيمة كبيرة، وهذه القيمة كانت متوفرة لدينا في نظام الأسرة الممتدة، وما زالت الأسرة الأساس فيها احتفاظ كبار السن بمنازلهم الأولى أو مع منازل أولادهم، ولكن النقص في الخدمات في المنازل أدَّى إلى إمكانية استبداله بمراكز الرعاية النهارية فقط عند الحاجة، خصوصًا مع خروج المرأة للعمل كأساس. ولعلَّ مسألة إعداد المتقاعدين التي تطرقت إليها أ. هدى في تعقيبها هي من المبادرات العملية التي نتطلع إلى أن ترى النور. أيضًا، فإن من تجارب الدول الإسكندنافية عدم عزل كبار السن في سكن مُخصَّص لهم فقط، بل وجدوا أفضل النتائج في دمج كبار السن مع سكن الصغار، وفي فنلندا مع طلبة الجامعات، ولكن التخطيط المعماري أصلاً في كل البلد مناسب للجميع، ويقوم الشباب بالمساعدة في التنظيف وطبخ الطعام للكبار، ويقوم الكبار بخدمات مقابلة قد تتمثل في رعاية الأطفال أو بعض المهام البسيطة الأخرى التي تُشعرهم بالإنتاج لمن لا يعمل منهم، حيث إنَّ التقاعد ليس إجبارًا لمَن يريد أن يستمر في العمل، ولديه تقارير صحية تفيد بقدرته على ذلك.

وذكر أ. فهد الأحمري أنه في دولة لوكسمبورغ، فإن النقل العام يوفِّر خصمًا خاصًّا لكبار السن ومداخل خاصة، وكذلك أولوية في بعض الخدمات من خلال بطاقة (senior). واقترح في هذا الإطار ما يلي:

  • العمل على منح بطاقة أولوية لكبار السن في المنشآت العامة والخاصة.
  • توفير صالة رياضية خاصة بكبار السن في الأحياء من خلال المراكز الصحية ومراكز التنمية الاجتماعية.
  • تسهيل قبول كبار السن في التعليم الجامعي والعالي.
  • منح كبار السن خصمًا خاصًّا في النقل والمراكز الرياضية.
  • منح بطاقة عضوية للمسن في النادي الرياضي الذي يشجعه.

واقترح أ. د. عثمان العثمان استحداث برامج لتعزيز التواصل الاجتماعي الفعال بين الأجيال وتنمية الشعور لدى النشء بأهمية الكبار ودورهم فيما وصلنا إليه اليوم. فمازال صغارنا وشبابنا – والحمد لله – يوقرون كبارهم، ولكن المشكلة في تآكل فرص الالتقاء، والانشغال الشديد؛ وهو ما يضعف تجربة التفاعل بين الأجيال. وربما أدت الهوّة التقنية بين الأجيال إلى درجة من عدم التواصل الكافي.

وذكر د. عبد الله بن صالح الحمود أنه لا شك أن هناك علاقة طردية ما بين العناية الصحية المفترض منحها لكبار السن، والرعاية الاجتماعية المتعددة الأوجه، ومن ثَمَّ يكون التساؤل المطروح: كيف لنا بناء علاقة تتسق والوصول إلى عناية متكاملة على نحو مأمول؟  والجدير بالذكر أنه لدينا عدة جهات تُعنى بالاهتمام بشؤون كبار السن، وهي: (وزارة الصحة، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ومجلس شؤون الأسرة)، ومع ذلك لا تزال المناداة مستمرة بتوافر بيئات صحية لاحتضان هذه الفئة.

وبدوره أشار د. وليد المالك إلى أن الاحتياجات الصحية والاجتماعية لكبار السن لا ينفكان عن بعضهما البعض، ولتحقيق هذه المتطلبات لا بد من فريق عمل متعدد المسؤوليات والمهام يعمل تحت بناء وهيكلة إدارية واحدة، وإنْ لم يحصل فيكون ثمة حاجة إلى تنسيق مباشر بين مؤسسات الدولة العامة والمدنية ذات العلاقة. وفي السياق ذاته، فقد أنشأت المملكة في عام 1974م الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وكان أعداد الشباب وقتها لا يتجاوز ٢ مليون، حرصًا من القيادة على احتوائهم وتلبية حاجاتهم، وقد وصل جل هؤلاء إنْ لم يكن كلهم إلى سن الشيخوخة حاليًّا. ونحن الآن في أمس الحاجة لنُكمل جميلنا معهم، وننشئ رئاسة عامة لرعاية كبار السن.

وعقَّبت أ. فائزة العجروش بأن ما نلاحظه من حكومتنا الرشيدة عند وضعها للرؤية ارتفاع سقف طموح رؤية ٢٠٣٠ ليعانق السحاب، ولكن هذا لم يمنع من القيام ببعض التغييرات والتعديلات العاجلة على بعض البرامج المصاحبة لها بعد البدء في تطبيقها على أرض الواقع، مثل البرنامج المالي، والنظر في تعديل رسوم الوافدين؛ لذلك فمع الجهود الواضحة لمجلس الأسرة، وتكرار المطالبات بهذه القضية سيلفت نظر المسؤولين لاتخاذ ما يلزم لمواجهة مشكلة كبار السن وتضمينه في البرامج المصاحبة للرؤية قبل استفحال الحال في المستقبل القريب، ولعل البدء بإنشاء منصة خاصة للتطوع وفتح مجال للعمل الجزئي عن بُعد، هذا كله أخذ في الحسبان بطالة الخبرات من كبار السن.

وأوضح د. خالد الرديعان أنه ليس مع أن ينخرط المتقاعد وكبير السن في وظائف ومهن الشباب حتى لا نُفاقم من مشكلة البطالة. المطلوب أن يعيش المسن حياة كريمة وهادئة بعيدة عن الصخب، ودون أن يبذل جهدًا شاقًّا في سبيل توفير لقمة عيشه التي يُفترض أنها مكفولة من معاشه التقاعدي. مجتمعنا كأفراد وجماعات قرابية لا يزال فيه الكثير من الخير، ويُقدِّر كبير السن ويُقدِّم له دعمًا معنويًّا، بل وماديًّا عند الحاجة وإنْ كان لا يمكن التعميم في مسألة الدعم المادي. والرعاية الصحية هي أهم ما يحتاجه المسن في مجتمعنا في ظل تواضع تقديم الخدمات الصحية، وصعوبة الحصول عليها أحيانًا وليس دائمًا. يُضاف إلى ذلك جشع شركات التأمين في التعامل مع كبار السن، وعدم تغطية بعض الأمراض والفحوصات. ومن الحلول الجذرية لمشكلة التأمين الصحي للمسن وعلاجه، اقتراح اقتطاع مبلغ بحدود ١٪؜ من راتب الموظف والموظفة في القطاعين الحكومي والخاص عندما يبلغون سن الخمسين تحديدًا، بحيث يتم توجيه هذا المبلغ إلى صندوق خاص يُدار بأيدٍ نزيهة. هذه المبالغ تُستخدَم لاحقًا للتأمين الصحي للمتقاعد، ولتقديم الرعاية الصحية التي يحتاجها، بحيث لا يضطر المسن لتسول “الواسطة” والمعارف للبحث عن علاج أو سرير في المستشفى. فلا نريد كذلك أن يكون المسن عبئًا على أبنائه وأسرته، بل لا بد من توفُّر خدمة رعاية له ومن ماله المقتطع من راتبه يومَ إنْ كان على رأس العمل (نسبة ال ١٪؜) التي ذُكرت أعلاه.

ومن ناحية أخرى، وفيما يخصُّ وقت الفراغ، يرى د. خالد الرديعان أن المسجد في الحي مكانٌ مناسب لتنظيم بعض الأنشطة للمسنين والمسنات، وذلك عندما يتعذر وجود نادٍ في كل حي للمسنين. ووجود نادٍ في كل حي سيكون عملاً مفيدًا، ويمكن تغطية تكلفة بنائه من الخيرين من سكان الحي، كلٌّ حسب قدرته مع دعم إضافي من الحكومة. نحن نجد في كل حي مسجدًا أو جامعًا وربما أكثر من مسجد بناه أحد الخيرين، وبالتالي يمكن إرشاد مَن يريد بناء مسجد أن يفكِّر كذلك في نادي للمسنين، ففي ذلك أجر، ولا مانعَ من بناء غرف إيواء مؤقت في النادي لمن تنقطع بهم السبل من المسنين، ريثما يتم خدمتهم من جهات أخرى؛ كوزارة العمل والتنمية الاجتماعية.

وتعقيبًا على ما ذكره د. خال الرديعان، أشارت د. وفاء طيبة إلى أن أحد أهم التحديات التي تواجه كبار السن هي المشكلات الصحية، والأمل أن تقل تدريجيًّا إلى حد ما مع برامج الوقاية والتوعية الصحية إنْ تحققت، لكننا نلمس حاجة الكبار للتقدير والمشاركة المجتمعية، وهذا غير ملء وقت الفراغ بالنوادي والترفيه، ويكون ذلك لمَن أراد. لذا، فقد تضمنت الورقة الرئيسة مقترح نظام التقاعد المرن الذي يجب أن يُدرَس ويُطبَّق بطريقة تخدمنا جميعًا شبابًا وشيبًا.

أما أ. هدى النعيم فترى أنه لا بد أن نعرف أن احتياجات كبار السن تتغير عبر الزمان، فاحتياجات آبائنا تختلف عن احتياجات أجدادنا، واحتياجات كبار السن حاليًّا تختلف عن احتياجات الشباب في المستقبل؛ لذا لا بد من وضع إستراتيجية وطنية شاملة لتلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية هذا من جانب، ولتتناسب مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسة والديموغرافية.

وبدوره تساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: ماذا لو تمَّ تكليف القطاع الخاص بإنشاء وإدارة دور المسنين، ولكن بتخطيط معماري نوعي ومميز، يشمل أنديةً صحيةً واجتماعية وثقافية، إضافةً إلى مساكن للإقامة الدائمة والمؤقتة، وتكون هذه المقار بديلاً للمباني الحالية الحكومية خصوصًا وأنها مبانٍ محدودة، هنا ستتوسع هذه المقار على مستوى البلاد. ومن جهتها ذكرت أ. هدى النعيم أن هذا هو التوجُّه الجديد في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، حيث تمَّ وضع شروط ومواصفات المراكز النهارية لكبار السن، على أن يتم تنفيذها من قِبل القطاع الخاص.

وفي تصوُّر د. فوزية البكر، فإنه ربما من المفيد استثمار طاقات وخبرات بعض كبار السن من الأصحاء للمطالبة بحقوقهم والبرامج الصحية والاجتماعية والرياضية والتقنية التي تساعدهم على أن لا يكونوا عبئًا على أحد. أيضًا من الضروري تذكُّر حجم العزلة التي يشعر بها كبار السن حتى لو أحاط بهم أولادهم؛ وذلك لضعف السمع والبصر، فلا يتمكنون من سماع الأحاديث والمشاركة فيها، فضلاً عن مشكلاتهم الصحية المتراكمة.

واقترحت أ. علياء البازعي أن يكون في دور الرعاية النهارية لكبار السن – التي سيقضون بها جزءًا من اليوم ثم يعودون لبيوتهم وأسرهم – رعاية طبية بسيطة (قياس ضغط / سكري)، ووجبات صحية وخدمات مساندة وتأهيلية، مثل العلاج الطبيعي والوظيفي والدعم النفسي والاجتماعي، وكذلك الأنشطة الإثرائية/ الثقافية والرياضية والاجتماعية حسب الحاجة التي تُحسِّن من جودة حياة الشخص بدلاً من البقاء وحيدًا في البيت أو مع الخدم في ظل انشغال بقية أفراد الأسرة بأعمالهم. وهذه الدور – في رأيها – مفيدة للطرفين (المسن وأسرته)، فهي مختلفة عن دور الإيواء والمستشفيات.

ومن وجهة نظر د. صدقة فاضل، فإن العناية الواجبة على الدولة أي دولة، حكومةً وشعبًا، تجاه مواطنيها كبار السن يمكن أن تسير في مسارين:

  • المسار الأول: رعاية المتقاعدين ذكورًا وإناثًا عبر تقديم كافة الخدمات التي يحتاجونها في هذه المرحلة من أعمارهم، وبحيث يحظَوَن بمعاملة خاصة ومميزة في كل المجالات.
  • المسار الثاني: إنشاء مجمعات إسكانية فندقية لكبار السن، وبحيث تكون كالفنادق الجيدة، يقيم فيها المسن، ويتمتع بكافة الخدمات اللازمة، وخاصة الرعاية الصحية والاجتماعية. وبحيث يشترك فيها مَن يريد من كبار السن، أو يشترك لهم أهلهم؛ فالإقامة فيها كثيرًا ما تكون أفضلَ من الإقامة بين ذويهم، ولا يوجد عيب في ذلك. فراحة المسن أهم من أي اعتبار آخر. ويتمتع المسن الذي يقيم في هذه المجمعات بإقامة علاقات اجتماعية مع أقرانه وممارسة هواياته المحببة، والترفيه عن نفسه. ومثل هذه الدور منتشرة في أمريكا ويقيم فيها كبار السن حتى وإنْ كان لديهم عوائل كبيرة. ويتم دفع مقابل مادي مناسب من تقاعد المسن لهذه الدور، كما أن حكومات الولايات تدعم هذه الدور، ماديًّا ومعنويًّا.

لكن د. وفاء طيبة ترى عدم عزل كبار السن في أي توصية متعلقة بهم؛ فخبرات العالم التي سبقنا في هذا المجال لا تؤيد العزل، ونحن بما يمليه علينا ديننا يُفترض ألا نفعل، كالعزل في مشاريع سكنية منفصلة مثلاً أو نوادٍ رياضية منفصلة، فالأصح نفسيًّا وعمليًّا للطرفين هو اختلاط الأعمار، وهذا ما تؤيده التجارب العالمية. وألمحت د. وفاء طيبة في هذا الصدد إلى توصيات مؤتمر جمعية وقار لمساندة كبار السن 1440/2019 ذات العلاقة بما أشارت إليه، والمتاحة على الرابط التالي: https://twitter.com/waqarorg/status/1110073583215263744?s=12

ويرى أ. محمد الدندني أنه يجب توعية كل مواطن ومواطنه بعمل حساب توفير مهما صغر معدل ادخاره الشهري يساعده في تقاعده. أيضًا يمكن عمل نظام للتقاعد الموازي بأن تقيم الدولة وربما القطاع الخاص صندوقَ تأمين تعاوني للتقاعد؛ حيث يشتري الموظف والموظفة أو أي مواطن ومواطنة تقاعد يحدده بمبلغ شهري معين يستحقه حين تقاعده وحسب عدد السنين التي سيدفعها، يحدد الصندوق قيمة المشاركة الشهرية.

ومن ناحيتها ذكرت د. مجيدة الناجم أن هناك تجارب رائدة في رعاية المسنين، فمثلاً، دائرة الخدمات الاجتماعية في إمارة الشارقة لديهم خدمات نوعية متعددة المظاهر لرعاية المسنين، تنقسم ما بين الرعاية المنزلية إلى الرعاية الإيوائية لمَن يحتاجون رعاية خاصة لوجود أمراض أو إعاقات، ولتخفيف الضغط على الأسر يتم استقبال المسن في الدار، وتُقدَّم له الرعاية الكاملة التي تصل لدرجة متابعة أملاكه وصيانتها إنْ وُجدت، وفي حال تحسنت حالته ورغب في العودة لأسرته يتم دمجه وفق برنامج تأهيلي للطرفين، كما أن هناك تنسيقًا مع بعض الراغبين من الأسر ميسورة الحال، والتي ترغب في استضافة مسن ودمجه مع أفرادها، والفكرة أن هناك صورًا متعددة للخدمات التي يمكن تقديمها، وتُحسِّن من حياة المسنين، ولكن يلزم وجود حراك مجتمعي من خلال الجمعيات ونحوه للاستمرار في التوعية والمطالبة بحقوق المسنين، والاستفادة من تجارب الآخرين خصوصًا التي لقيت نجاحًا وصدى طيبًا.

واقترح د. علي الطخيس تشجيع عمل أوقاف يذهب ريعها لخدمة كبار السن، وكذلك العمل على تشجيع أبناء وبنات كبار السن بمزيد من البر بهم وخدمتهم. وأكد أ. فهد الصالح على أهمية المحافظة بكل الوسائل على الاستحقاق التقاعدي للمسن والمتقاعد.

وأكدت د. فوزية البكر على أن هناك الكثير من النصوص في المناهج حول احترام كبار السن والتعامل معهم، إلا أن ما يجب التأكيد عليه هو ضرورة عدم تقديم كبار السن كعاجزين ومحتاجين؛ لأنهم فعليًّا ليسوا كذلك، خاصة في السنوات العشر الأولى من الشيخوخة؛ بل كخبراء لديهم الرغبة في العمل أو التطوع بخبراتهم، أي العلاقة بهم كفرد مساوٍ مستقل وليس عبئًا عائليًّا ومجتمعيًّا.

وأشارت د. وفاء طيبة إلى ميثاق الرياض حول رعاية المسنين، الصادر عن الندوة الخليجية لرعاية المسنين بالمملكة العربية السعودية، التي عُقدت في مدينة الرياض يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول 1430هـ الموافق الثامن عشر من شهر مارس 2009م، وقد تضمَّن العديد من التوصيات المرتبطة بجهات محددة؛ فمنها ما يتعلق بوزارة الصحة كتفعيل المبادرات العالمية، مثل: الرعاية الصحية الأولية الصديقة للمسنين، والمستشفيات الصديقة للمسنين، والمدن الصديقة للمسنين، والشيخوخة النشطة، وتطويع النظم الصحية بما يحقق الهدف المطلوب. وفيما يتعلق بوزارات العمل والشؤون الاجتماعية، اقتراح تزويد المسنين بالامتيازات والتسهيلات الضرورية، وبخاصة منحهم الأولوية في الأماكن العامة، وتخصيص مقاعد لهم في وسائل المواصلات العامة والحدائق والمسارح والنوادي الثقافية والاجتماعية، وتأمين وسائل الحركة للمعوقين والعاجزين، ومنحهم حسومات مناسبة في أجور المواصلات البرية والبحرية والجوية وأجور العضوية في النوادي، وغيرها من المؤسسات التي تقدِّم الخدمات الاجتماعية والترفيهية والرياضة وغيرها. وبالنسبة للتشريعات وحقوق الإنسان / المسنين، فمن التوصيات إنشاء هيئة لجنة وطنية وخليجية لرعاية المسنين بمشاركة أعضاء من وزارات الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية والثقافة والإعلام والإسكان والبلديات والشؤون الإسلامية. ومما يخص المعاشات والتقاعد، العمل على ضمان حق المُؤمَّن عليهم من كبار السن في الجمع بين معاشهم التأميني والمعاش التأميني للزوج أو الزوجة الراحلة أو للأبناء الراحلين غير المتزوجين، واتخاذ الإجراءات التشريعية الملائمة بغية ضمان الحق في الإعاشة الكريمة لكبار السن الذين لم ينضووا تحت لواء أنظمة التأمينات الاجتماعية. وفيما يتعلق بالإسكان والبلديات، العمل على تخطيط المناطق السكنية على النحو الذي يلبي بصفة خاصة الاحتياجات الخاصة لفئة كبار السن وخاصة ذوي الاحتياجات الخاصة، مع ضمان السكن الملائم لمَن يعوزه السكن من هذه الفئة. بجانب توصيات أخرى تتعلق بأسر المسنين وجهات أخرى مفادها تحسين أوضاع المسنين.

وفي تصوُّر أ. عبد الله الضويحي، فإننا نفتقد لثقافة ما بعد التقاعد، ولنقُل هنا ثقافة مرحلة الشيخوخة، حيث إنَّنا لا نُخطِّط لهذه المرحلة. ومن جهة أخرى، فإن ثمة عائقًا يتمثل في بيروقراطية الدوائر الحكومية، فكم من دراسة أعدها مجلس الشورى! وكم من توصية رُفعت! وكم من برنامج وُضع! وكلها انتهت إلى الأدراج؛ ما يعني هدرَ المال والوقت. والخلاصة أنه إذا لم تكن هناك إستراتيجية واضحة وعمل جديّ مرتبط بالمجلس الصحي السعودي ومتابعة مستمرة، فكل البرامج والخطط ستلحق بسابقاتها.

وذهب أ. جمال ملائكة إلى أن كبار السن ربما يشعرون بالمشاركة والمساهمة في تطوُّر مجتمعهم وبلادهم، وبالتالي يؤثر ذلك إيجابًا على معنوياتهم ومن ثَمَّ على صحتهم العامة، والاقتراح أن يكون هناك “بنك معلومات” عن كل متقاعد/كبير في السن، حيث يحتوي هذا البنك ضمن ما يحتوي على معلومات تخصُّ تخصص وخبرة كلٍّ منهم، وتقوم جهة ما بالتواصل معهم للحصول على استشارات في تخصصهم بحكم خبراتهم الطويلة.

ومن وجهة نظر د. عبير برهمين، فإن من المهم تسليط الضوء على عدد يتجاوز الـ 700,000 متقاعد يعيشون خارج المملكة حاليًّا بإقامة شبه دائمة، والسؤال المطروح: ما أسباب اتخاذهم قرار الهجرة؟ وتدور الإجابات في أغلبها حول كونهم يشعرون أنه غير مرغوب في وجودهم في البلد. فلا خدمات تُعينهم على العيش بكرامة ولا الراتب التقاعدي يمكِّنهم من العيش الكريم، لكنهم برواتبهم التقاعدية يستطيعون أن يحصلوا على الخدمات التي يرغبون في الحصول عليها في أي بلد خارج المملكة، وهذا واقع يحتاج إلى معالجة، وهو ما يمكن أن يتم من خلال ما يلي:

  • إعداد بوليصة تأمين صحي تُناسب وتغطي جميع احتياجات كبار السن الصحية، ويتم تغطية جزء منها من قِبل الدولة، والجزء الآخر من الراتب التقاعدي.
  • تخصيص وسائل نقل لكبار السن لأعمالهم المهمة، وخاصة مراجعة المراكز الصحية والخدمات الحكومية.
  • تعزيز بطاقة الأولوية بإصدارها تلقائيًّا بمجرد بلوغ سن الستين أو ال ٦٥ في نظام أبشر، ليعطيهم امتيازات هذه البطاقة.
  • إلزام المراكز التجارية وخاصة التموينية والمستهلكات بتقديم حسومات خاصة على مدار العام لحاملي بطاقة الأولوية.
  • تسهيل إجراءات التقديم على استقدام ممرض أو ممرضة لكبار السن.
  • تخصيص خط ساخن لتلقي التساؤلات والشكاوى من كبار السن خاصة ممَّن لا يوجد أحد يرعاهم.

أما د. الجازي الشبيكي فترى أننا في المملكة بحاجة إلى الاستفادة ممَّا توصلت إليه المجتمعات المتقدمة في مجال رعاية المسنين صحيًّا، ولكن علينا أن نُقدِّم لهم أهمية كذلك ما جاءت به التشريعات الإسلامية من عناية بالمسنين، وما اتسم به مجتمعنا من عادات وأعراف اجتماعية في الاهتمام بكبار السن. كما أن هناك حاجةً لتخطيط إستراتيجي في هذا الشأن، يشترك فيه كلُّ مَن له علاقة متقاطعة في موضوع المسنين، ومجلس شؤون الأسرة – كما علمنا هنا – يُعِدُّ لهذه الإستراتيجية، لكن الأمل ألا يغيب عنهم أن هذا التخطيط يجب أن يأخذ في اعتباره الأبعاد المهمة لموضوع المسنين؛ فهناك المسنون المتعلمون وأنصاف المتعلمين وغير المتعلمين، وهناك المسنون الميسورون ومتوسطو الدخل ومحدودو الدخل. ومسنو المدن الكبيرة يختلفون عن مسني القرى والأرياف والهجر. والمؤكد أن الدراسة الميدانية الدقيقة التي بموجبها يتم الحصول على المعلومات المطلوبة، هي التي تُحدِّد توجهات الخطة الإستراتيجية حتى لا تكون خطتُنا لرعاية المسنين خطةً موحَّدة يتم بناءً عليها وضع برامج وخدمات قد لا يحتاجها جميع المسنين. ومن المهم كذلك إنشاء أندية في مختلف أحياء المُدن باسم أندية كبار المقام، تشتمل على برامج اجتماعية وثقافية وصحية وترفيهية ورياضية، يُشارك في التخطيط لها وتنفيذها كلٌّ من المسنين أنفسهم وعائلاتهم والمجالس البلدية والأندية الأدبية والرياضية ومنظمات المجتمع المدني والجامعات وغيرهم من ذوي العلاقة المباشرة وغير المباشرة بقضايا كبار المقام، رجالًا ونساءً.

وتمَّ التعرض للأفكار التالية في النقاش:

  • الإفادة من الأمر السامي الكريم بتأسيس إدارات للمسؤوليات الاجتماعية داخل الوزارات، وجَعْل المسن أو المسنة من أولوياتها، إضافةً إلى إطلاق مبادرات وبرامج ذات صبغة تكاملية مع مؤسسات القطاع الثالث ذات التوجه المقارب (جمعيات المتقاعدين الرئيسية ال13، جمعية “وقار” وما في حكمها).
  • دفع توجهات جمعية المتقاعدين في إطلاق سلسلة مراكزها الثقافية المتكاملة في خدماتها وبرامجها للمسنين والمتقاعدين.
  • أن تتبنى إحدى الجهات ذات العلاقة بكبار السن إصدار دليل شامل بجميع الخدمات المُقدَّمة لكبار السن في المملكة سواء من القطاع العام أو الخاص أو القطاع غير الربحي، حتى يمكن نشره والاستفادة منه بأقصى درجة ممكنة، ولتحفيز الجهات الحكومية نحو استمرار الدعم والمساندة.
  • بناء مصفوفة برامج تطوعية تناسب من تجاوز ال٥٠ عامًا ويملك الرغبة، تُنفَّذ بالمشاركة مع الفرق التطوعية أو الجمعيات الخيرية أو جهات المسؤولية الاجتماعية.
  • إطلاق برامج للإرشاد السياحي يُمثِّلها مَن له الرغبة من كبار السن.
  • تفعيل دور الأندية واللجان الأدبية والمكتبات العامة في احتضان كبار السن، وفتح المجال لهم ليقدموا ما لديهم، ويستثمروا أوقات فراغهم.
  • استثمار دعم الجهات المانحة في القطاعين الثاني والثالث وكذلك الموسرون، وتصميم برامج سياحية مناسبة لكبار السن خاصةً الداخلية.
  • تسليط الضوء على النماذج الرائعة في رعاية المسنين؛ من أجل صناعة القدوة في الأفراد والجماعات.
  • العمل على تغيير الصورة النمطية لعجز كبار السن، فكبير اليوم والمستقبل ليس مثل كبير الأيام الماضية، خاصةً مع ارتفاع العمر المتوقع لكبار السن في المملكة وتقدُّم الرعاية الصحية عمومًا، واعتماد مُسمَّى الكبار بدلاً من المسنين.
  • مشاركة كبار السن في صياغة وتنفيذ السياسات التي تسهم مباشرة في رفاهيتهم، وحتى يكونوا شركاء لدعم الأجيال الشابة بمعرفتهم وخبراتهم وحكمتهم ومهاراتهم.
  • قيام وزارة الشؤون البلدية والقروية وأمانات المدن بتحويل جزء من مساحات الحدائق العامة إلى حاضنات للأسر، وتهيئتها بما يعود بالنفع للمسن؛ وذلك من خلال إنشاء ديوانيات الرعيل الأول فيها، ومضامير مشاة حولها، أو صالة تتوافر بها أجهزة رياضية تناسب نشاط المسن أو المتقاعد وتمكينه من إداراتها.
  • دراسة وضع المقيمين في الخارج من المتقاعدين وأسباب لجوئهم لذلك.
  • إطلاق منصة إلكترونية تحوي خبرات المسنين والمتقاعدين، وتكفل سرعة التواصل معهم، مع تبنيها من القطاعات الثلاثة بما يرفع إحساس المسن بوجوده ومواكبته العصر، وكذلك عدم الاستغناء عن خبراته حتى في التجديد والتطوير.
  • العمل على منح بطاقة أولوية تقديم الخدمات لكبار السن في المنشآت العامة والخاصة، وتقديم تخفيضات على الخدمات المقدَّمة من الأجهزة الحكومية والمنشآت الاقتصادية لمَن تجاوز الـ ٦٠ عامًا، إنْ لم تكن مجانية لبعضها؛ تقديرًا للمسن عمَّا قدَّم للوطن والمواطن في شبابه.

 

  • التوصيات:
  • تطرَّق الملتقى لبعض المقترحات للتأمين على احتياجات المتقاعد وكبير السن المادية بعد التقاعد:
  • إنشاء وقف للمسنين والمتقاعدين تعود منافعه عليهم.
  • ضرورة توفير التأمين الصحي الكامل لكبار السن، مع توفير برامج الرعاية النهارية وبيوت الإقامة العلاجية لمَن يحتاجها منهم، ويمكن اقتطاع ما نسبته 1% من مرتب الموظف أثناء سنوات الخدمة بحيث يغطي هذا المبلغ التأمين على صحته بعد التقاعد، ومن العملي أن يُستثمر بطريقة احترافية لكي ينمو.
  • أن تقوم بعض الجهات الخاصة والشركات بتقديم نظام تقاعد موازٍ منفصل عن نظام التقاعد الحكومي والتأمينات، يعتمد على استثمار نسبة معينة من راتب الموظف يحدِّدها هو حسب رغبته، تعود له هي وأرباحها بعد التقاعد.
  • تأسيس (المركز الوطني للحياة) ليصبح مركزًا للعناية بجميع شؤون كبار السن حتى الوفاة، يتابعهم ويلبي احتياجاتهم ويحقق تطلعاتهم؛ انطلاقًا من برنامج جودة الحياة الهادف إلى تحقيق رؤية المملكة 2030، بتحسين نمط حياة الفرد والأسرة، وبناء مجتمع ينعم أفراده بأسلوب حياة متوازن، من خلال تهيئة البيئة اللازمة لتعزيز مشاركة الفرد والمجتمع في الحياة بشكل أفضل، وإيمانًا بأهمية المواطن كبير السن الذي كان سببًا فيما تحقق للمملكة من إنجازات تفتخر بها أمام العالم اليوم.
  • إعادة النظر في نظام التقاعد، بدراسة نظام التقاعد المرن – غير المحدود بعمر إجباري للتقاعد- وأثره على المجتمع والتنمية المستدامة خاصة مع العزم على رفع العمر المتوقع للإنسان في المملكة في برنامج جودة الحياة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى الحد من بطالة الخبرات الوطنية، خاصةً للعاملين الذين لديهم الرغبة والخبرة والقدرة على الاستمرار في العمل في المجالات المختلفة؛ كالطب والتعليم والاستشارات والأبحاث وغيرها من الأعمال التي لا تحتاج لمجهود بدني كبير.
  • التقليل من الفجوة الرقمية التي يعاني منها كبار السن، وهو ما يصعب عليهم مواكبة ما يُستجد على هذه العلوم بالسرعة اللازمة؛ بأن تتولى وزارة التعليم تخصيص حصص وإقامة دورات مجانية على مدار العام بالمشاركة مع القطاع الخاص لتدريس مبادئ التقنية لهم، ومن ذلك كيفية استخدام البرامج الأكثر احتياجًا لها في حياتنا اليومية، مثل: (أبشر، وتطبيق البنوك، وتطبيق المستشفيات)، خاصة مع أتمتة الحكومة لأعمالها.
  • المطالبة بتنشيط اتحاد الرياضة المجتمعية، وتوجيه جزء من برامجه ومبادراته للمسنين والمتقاعدين؛ بتصميم برامج تناسب أعمار واحتياجات كبار السن وحالتهم الصحية.
  • تعميم مشروع أنسنة المدن ليشمل المصالح الحكومية والأماكن العامة والأسواق كي نصنع المدن الصديقة للجميع وخاصة مع المسن والمتقاعد؛ ومن ذلك أهمية التأكيد على تطبيق ثقافة الوصول الشامل لجميع الإعاقات، وتمكين المسن والمعاق من ممارسة حياته الطبيعية حسب نشاطه وإعاقته.
  • تكرار تجربة مركز الملك سلمان الاجتماعي وعلى أحجام مختلفة تُطلَق في المناطق والمحافظات والمراكز الإدارية.
  • تشكيل سياسة اجتماعية تقوم على التواصل السليم بين الأجيال في العمل بشكل خاص، وفي المجتمع بشكل عام، وتكثيف برامج التعريف والتثقيف بمرحلة الشيخوخة والتعامل معها من قِبل الكبار أنفسهم أو مَن يتعاملون معهم من الأعمار المختلفة، وهو ما يسهم في ردم الفجوة بين الأجيال.
  • دراسة حالة النساء كبيرات السن، وبناء برامج فرعية استجابة لحاجاتهن خاصة.

[1] – يمكن الرجوع إلى الورقة التعريفية المفصلة على الرابط التالي: https://bit.ly/38wxC0l

(*) رئيس لجنة كِبار السن في مجلس شؤون الأسرة، وعضو في عدد من الجمعيات والهيئات الخيرية والاجتماعية، وعضو ممثل لقضايا الشيخوخة وكبار السن في الأسكوا.

(*) استشاري أمراض كبار السن ومكافحة الشيخوخة، وأستاذ طب كبار السن المساعد جامعة الملك سعود بن عبد العزيز الصحية في الحرس الوطني، وعضو مجلس إدارة الجمعية السعودية لمساندة كبار السن “وقار”.


المشاركون في مناقشات هذا التقرير

(حسب الحروف الأبجدية)

  • المشاركون في قضية: السياسات السكانية للمملكة العربية السعودية – البُعد الدولي والخليجي والوطني:
  • م. إبراهيم ناظر
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. حمد البريثن
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. خالد الرديعان
  • م. خالد العثمان
  • د. رياض نجم
  • د. زياد الدريس
  • د. سليمان الطفيل
  • د. صدقة فاضل
  • د. عائشة الأحمدي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبير برهمين
  • أ. فائزة العجروش
  • فهد الأحمري
  • أ. محمد الدندني
  • د. مجيدة الناجم
  • د. مها العيدان
  • د. هند الخليفة
  • د. وفاء طيبة
  • المشاركون في قضية: قياس يكشف المستور: ملخص أولي لتحليل نتائج المدارس الثانوية في اختبار التحصيل الدراسي واختبار القدرات:
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. حمد البريثن
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. راشد العبد الكريم
  • د. رياض نجم
  • د. عائشة الأحمدي
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • أ. عبد الله الضويحي
  • د. عبد الله المطيري
  • أ. علياء البازعي
  • د. علي الطخيس
  • د. فايزة الحربي
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. فهد الأحمري
  • أ. فهد الصالح
  • أ. فهد القاسم
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد الملحم
  • د. مساعد المحيا
  • د. مها المنيف
  • أ. نورة الفايز
  • د. هند الخليفة
  • د. وفاء طيبة
  • المشاركون في قضية: التنظيمات الهيكلية الأخيرة للأجهزة ذات العلاقة بمكافحة الفساد، وأثرها على مكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية:
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. إبراهيم ناظر
  • م. أسامة كردي
  • أ. بسمة التويجري
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حامد الشراري
  • د. حمد البريثن
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. خالد الرديعان
  • د. راشد العبد الكريم
  • د. رياض نجم
  • د. زياد الدريس
  • د. سعيد العمودي
  • د. سليمان الطفيل
  • د. صدقة فاضل
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • أ. عبد الله الضويحي
  • د. عبد الله المطيري
  • د. عبير برهمين
  • د. علي الحارثي
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. فهد الصالح
  • أ. محمد الدندني
  • د. مجيدة الناجم
  • د. مساعد المحيا
  • د. منصور المطيري
  • د. نورة الصويان
  • د. وفاء طيبة
  • المشاركون في قضية: كبار السن في المملكة.. ماذا أعددنا لهم؟
  • أ. بسمة التويجري
  • د. الجازي الشبيكي
  • أ. جمال ملائكة
  • د. خالد الرديعان
  • د. زياد الدريس
  • د. سليمان الطفيل
  • د. صدقة فاضل
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • أ. عبد الله الضويحي
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبير برهمين
  • أ. د. عثمان العثمان
  • د. علي الطخيس
  • أ. علياء البازعي
  • د. فايزة الحربي
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. فهد الأحمري
  • أ. فهد الصالح
  • د. فوزية البكر
  • د. مجيدة الناجم
  • أ. محمد الدندني
  • د. مساعد المحيا

(*) رئيس لجنة كِبار السن في مجلس شؤون الأسرة، وعضو في عدد من الجمعيات والهيئات الخيرية والاجتماعية، وعضو ممثل لقضايا الشيخوخة وكبار السن في الأسكوا.

(*) استشاري أمراض كبار السن ومكافحة الشيخوخة، وأستاذ طب كبار السن المساعد جامعة الملك سعود بن عبد العزيز الصحية في الحرس الوطني، وعضو مجلس إدارة الجمعية السعودية لمساندة كبار السن “وقار”.


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-59-لشهر-يناير-2020.pdf