إبريل 2020م

 

  • تمهيد

يعرض هذا التقرير عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر إبريل 2020م، وناقشها نخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • إعلاء المسؤولية الوطنية أثناء الأزمات.
  • التحديات التي تواجه الأسرة في ظل التغيرات المتسارعة (جائحة كورونا).
  • التعليم عن بُعد.
  • أوبك بلس بلس.

القضية الأولى

إعلاء المسؤولية الوطنية أثناء الأزمات

(5/4/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: م. فاضل القرني
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. فايزة الحربي
  • التعقيب الثاني: د. سعيد الغامدي
  • إدارة الحوار: أ. هيلة المكيرش

 

  • الملخص التنفيذي:

أشار م. فاضل القرني في الورقة الرئيسة إلى أنه من الوهلة الأولى للحديث عن الوطنية، تُعطي انطباعًا بأنها مفهوم جديد على بعض شعوب العالم وخاصة النامية منه. لغرض الإشباع المعنوي وزيادة الإنتاج والارتقاء في إيقاع سريع للحياة العصرية. وتأطيرها ومنهجتها في مواد تعليمية، كما هو الحال في إضافة مادة التربية الوطنية في المملكة في أواخر التسعينيات الميلادية لأسباب عدة؛ يمكن حصرها في التنمية، ومحاربة أفكار ضالة انبثقت منذ بداية الثمانينيات الميلادية. هي كذلك من حيث إظهارها للوجود في التعليم والإعلام، ولكن بدأت منذ التأسيس في صور مباشرة وبسيطة وفق ظروف الزمان والإمكانات في حينه، ولعلَّ توطين البادية الذي كان يتطلع له المؤسِّس – طيَّب الله ثراه – هو أداة مباشرة للوطنية، وخلق بيئة مشاركة في البناء. ولا يمكن إلا بعد دمج المجتمع في هوية وطنية واحدة بتسمية المملكة العربية السعودية.

وقد حاولت الورقة الرئيسة الإجابة عن تساؤلات مهمة، من بينها: كيف يتحقق هدف إعلاء المسؤولية الوطنية أثناء الأزمات؟ وكيف يكون الكلُّ شريكًا في المواجهة؟ وما هو المطلوب بالضبط؟ وماذا يعني الإحساس بالمسؤولية الوطنية بالضبط؟ وما الذي يجب أن يترتب على ذلك في الواقع العملي؟

وأكدت د. فايزة الحربي في التعقيب الأول على أنه إذا كان الالتزام بالقوانين والمحافظة على المكتسبات واجبًا، فإنه يصبح أكثر لزامًا في أوقات الأزمات؛ باحترام الأنظمة والقوانين، وتحمُّل المسؤولية سواء على صعيد العمل أو الأسرة أو الأدوار الواجب القيام بها، بل تتعداها بالمبادرة لكل مهمة وطنية قد تُسهم في احتواء الأزمة والقضاء عليها أو التخفيف منها.

أما د. سعيد الغامدي فتطرق في التعقيب الثاني إلى مجموعة من الخطوات العامة التي يمكن البدء بها لتحقيق أيٍّ من الأهداف السابقة، كلٌّ على حدة، سواء كان ذلك في وقت الرخاء أم في وقت الأزمات، منها: تأليف المناهج المختلفة في شتى المراحل الدراسية (الابتدائية، المتوسطة، الثانوية، الجامعية) التي تُركِّز على مفاهيم الوطنية والمسؤولية الوطنية وقيم المواطنة، وإيضاح القوانين التي تحمي ذلك، وإعداد ونَشْر البرامج الإعلامية المتخصصة وتوجيهها لجميع شرائح المجتمع حول هذه القضايا المهمة، على أن تُنفَّذ بحبكة إعلامية مدروسة، بعيدًا عن نمط المباشرة التي نُشاهدها بشكل روتيني في جميع وسائل الإعلام الوطنية.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • المسؤولية المجتمعية والمواطنة: تحديد مفاهيمي.
  • المسؤولية الوطنية أثناء الأزمات: أزمة كورونا نموذجًا.
  • وسائل تنمية المسؤولية الوطنية لدى النشء والشباب.
  • آليات عملية مقترحة لتعزيز المسؤولية الوطنية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • إثراء المناهج الدراسية بالمفاهيم الوطنية والمسؤولية الاجتماعية وقيم المواطنة المختلفة تعليمًا وتطبيقًا. وأن تكون مادة التربية الوطنية تعمل على تنمية اتجاهات الشباب عن المسؤولية الوطنية. وفي المقابل، تفعيل دور المعلم كقدوة تربوية لتعزيز المسؤولية الوطنية لدى النشء ورفع كفاءته في هذا الجانب بالتدريب العملي.
  • إعداد ونَشْر البرامج الإعلامية المتخصصة وتوجيهها لجميع شرائح المجتمع حول هذه القضايا المهمة، على أن تُنفَّذ بحبكة إعلامية مدروسة، بعيدًا عن نمط المباشرة التي نُشاهدها بشكل روتيني في جميع وسائل الإعلام الوطنية. وضرورة إنشاء حسابات متعددة على منصات التواصل الاجتماعي لخدمة هذا التوجه. نشر ثقافة التعاون والتراحم وتعزيز ثقافة احترام العمل الشريف.

 

  • الورقة الرئيسة: م. فاضل القرني

مقدمة:

من الوهلة الأولى للحديث عن الوطنية، تُعطي انطباعًا بأنها مفهوم جديد على بعض شعوب العالم وخاصة النامية منه. لغرض الإشباع المعنوي وزيادة الإنتاج والارتقاء في إيقاع سريع للحياة العصرية. وتأطيرها ومنهجتها في مواد تعليمية، كما هو الحال في إضافة مادة التربية الوطنية في المملكة في أواخر التسعينيات الميلادية لأسباب عدة لا يتسع لها المجال هنا لذكرها، غير أنه يمكن حصرها في التنمية ومحاربة أفكار ضالة انبثقت منذ بداية الثمانينيات الميلادية. هي كذلك من حيث إظهارها للوجود في التعليم والإعلام، ولكن بدأت منذ التأسيس في صور مباشرة وبسيطة وفق ظروف الزمان والإمكانات في حينه. ولعل توطين البادية الذي كان يتطلع له المؤسِّس – طيَّب الله ثراه – هو أداة مباشرة للوطنية، وخلق بيئة مشاركة في البناء. ولا يمكن إلا بعد دمج المجتمع في هوية وطنية واحدة بتسمية المملكة العربية السعودية.

 كيف يتحقق هذا الهدف؟

إنَّ السعي لتحقي الهدف هو أولاً الاقتناع به؛ من حيث منطقيته، وإمكانية تحقيقه، ولمس نتائج تحقيقه. وإذا ما تمَّ ذلك يكون مردوده هو الالتزام القيمي والأخلاقي من جميع شرائح المجتمع (حاكم ومحكومين)، وذلك بالشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية بالوطن وأمنه في جميع الظروف، إلا أنه في الأزمات يتزايد الطلب والحاجة لذلك؛ نظرًا لتحوُّل تلك التحديات والأزمات إلى تهديدات ملموسة في تداعيتها. كما هو الحال مع (أزمة كورونا)، وليس بالضرورة أن تقتصر على نمط واحد من الأزمات تُهدِّد الأمن الوطني (سياسيًّا، اقتصاديًّا، أمنيًّا، اجتماعيًّا). وإن عملية تحقيق الهدف لا يمكن لها أن تكون اعتماديته على رد الفعل؛ وإنما قراءة سابقة وتحضير للقادم، استنادًا على تراكمات من تعليم وتجارب تُصقل في أزمات سابقة من خلال المنظومتين التعليمية والإعلامية بشكل مباشر، والأسرة والمجتمع بشكل غير مباشر ومستديم. الهدف وتحقيقه هو الالتقاء بين رأس المثلث (القيادة من خلال العدل، المساواة، الحفاظ على معتقد وقيم المجتمع، ووضوح التوجُّه والغاية) وقاعدة المثلث المجتمعي والتحرُّك بديناميكية مثمرة من خلال النُّخب وأصحاب الفكر والأعيان والآلة التعليمية والإعلامية والتي تنشر التفاعل المجتمعي. وفي وقوع الأزمات ينبثق الجانبان العاطفي والمصيري كمضاعفين في التسريع لذلك.

كيف يكون الكلُّ شريكًا في المواجهة؟

إن الدوافع للشعور بالمسؤولية الوطنية في بلدنا على وجه التحديد تتميز بوحدانية المعتقد والممارسات بما يتفق مع الثوابت الدينية والتسامح وتقبُّل الاختلاف في المتغيرات والتنوُّع في المذاهب، وإنْ كانت في بداية منتصف طريقها، “المملكة العربية السعودية، دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض “النظام الأساسي للحكم”. إضافةً لمرتكزات يجتمع فيها شعوب الدول الأخرى من حيث الولاء والإخلاص للوطن ونصيَّة وتطبيق الحقوق والواجبات.

 ما هو المطلوب بالضبط؟

مجتمع حيوي أول ركيزة في رؤية (٢٠٣٠)، لأول مرة في تاريخ المملكة تُقدَّم رؤية من القيادة بمنهجية ومرجعية منصوصة، لتكون اتجاهًا للوطن وشعبه، وكلمة سمو ولي العهد – والتي أعنونها (بجبل طويق) – فيها الكثير من الإيضاحات عن ذلك التطلُّع (https://www.youtube.com/watch?v=LcyAp54LR5s). والمطلوب هو الفهم بروح ومنطقية من جميع شرائح المجتمع واختلافاته (العرقية، الاقتصادية، المذهبية، العمرية، الجنسية، الحكومية والقطاع الخاص)؛ للتعاون لدفع الوطن إلى آفاق أوسع ووضعه في مصاف الدول المتقدمة. وفي تصوُّري لا يوجد اختلاف في تقبُّل ذلك، إلا إنه بالتطبيق والممارسات المستمرة والدؤوبة تتضح المنجزات التي تخدم ذلك التوجه من عدمه. وربما الوضع القائم وهو مظلة أزمة كورونا العالمية، والتي أظهرت تفاعلاً مجتمعيًّا متميزًا بين ثلاثية المجتمع الرئيسة (القطاع الحكومي، القطاع الخاص، والتطوعي) بصور متعددة ومختلفة، والسيطرة وإدارة الأزمة والدعم المالي من قِبل الحكومة، والتجهيزات والمنشآت، خاصة التي قدَّمت فعلًا أو التزامًا من القطاع الخاص، والمبالغ التي قُدِّمت من البنوك وبعض أصحاب رؤوس الأموال، وعدد المتطوعين في المجال الصحي والذي وصل قبل يومين إلى ما يُقارب سبعين ألف متطوع، وبالطبع لا ننسى أن هذه التجربة هي جديدة بطريقتها العصرية على المجتمع في التفاعل مع أزمة، وإنْ كان هناك أمثلة سابقة فيها تفاعل مجتمعي، ولكن تديره الحكومة بسيادة تامة، مثل الركود الاقتصادي الذي تبع حرب الخليج الأولى (تحرير الكويت). غير أن المطلوب هو استدامة الشعور بالمسؤولية لما بعد الأزمة، والذي سيضع ذلك على المحك، وما يتبعها من تداعيات اقتصادية وارتباك نسبة البطالة، والتي أصلًا هي في معدل مرتفع قبل الأزمة، إضافةً للآثار الاجتماعية والنفسية والصحية. لا يمكن للمجتمع والكيان السياسي أن يصل إلى التطلع والطموح بعد التعرض لأزمات بمختلف مشاربها، إلا إذا أدرك روحًا ومعنًى أنها فرصة للارتقاء بطريقة مختلفة. كان التعلم عن بُعد لدينا ومعظم الدول النامية قبل الأزمة هو أسلوب سياق عصري يعكس التطوُّر العالمي في مجال الاتصالات وعالم الفضاء الإلكتروني والتفاعل عن بُعد. الآن، وأنا أكتب هذه السطور ابني ينتظر محاضرته عن بُعد بنفس القدر المعرفي حضورًا في السابق القريب جدًّا، علمًا أن لغة الجسد والمواجهة – في اعتقادي – ضرورة كفواصل بين مراحل تحصيل المعرفة في جميع المستويات التعليمية.

ماذا يعني الإحساس بالمسؤولية الوطنية بالضبط؟

التضحية لأجل الوطن. والعمل الجماعي حتى وإنْ لم يكن مؤطرًا بأنظمة وقوانين في جزيئات نراها من التراث والانتماء القبلي أو العائلي. في عصر التواصل الاجتماعي، ظهرت أساليب أكثر ابتكارًا في إيصال المحتوى للمجتمعات بالصوت والصورة والمشاعر والآنية. فكم رأينا تعبيرًا عن وجهات نظر إيجابية وسلبية تصل في ثوانٍ للمتابعين. بالرغم من أن الأنظمة تختلف في نصوصها؛ فمنها الذي ينص بالتحديد والتفصيل، ومنها شامل بإطار عام. إلا أن التواصل الاجتماعي وضع إمكانية إعلامية في يد الجمهور، خلافًا عن قبلها والتي كانت عن طريق الوسائل الإعلامية الرسمية والخاصة وفق ضوابط ومنهجية إعلامية قانونية. وإن سهولة الحصول على الإعلام في متناول اليد من خلال الأجهزة الذكية بمختلف أنواعها، جعلت من ذلك أداةً لصقل الشعور والانتماء الوطني بأسلوب حي ومستمر. كم من الفيديوهات والصور والعبارات التي اختلفت في مشاربها توحي بمدى الشعور بتلك المسؤولية وبدرجات متفاوتة! منها ما يعكس للعالم الصور المشرقة عن المجتمع والانتماء للوطن، والأمثلة كثيرة في مختلف الأعمار والجنس والتخصصات والإمكانات المادية (المتفوقين في البعثات في الطب والاقتصاد والعلوم وصولًا إلى علم الصواريخ من إحدى بنات المجتمع، والأبحاث الإنسانية وبعض الأحداث اليومية والبسيطة لمتوسطي التعليم من ردود على رموز لها خصومة وعداء مع منهج المملكة وتوجهاتها التحوُّلية، ونشر الفضيلة والقيم السعودية الإسلامية والأفكار والابتكارات المتنوعة). وعلى الجانب الآخر السلبي، نشاهد الأساليب الغريبة من النعرات الفئوية والدعوة لها من شيلات لا تحمل إضافة ثقافية أو محتوى سليمًا يرتقي به المجتمع؛ بل هي رسائل تحمل العنصرية والتفرقة من نصوص كلماتها ومظاهرها المرئية التي توحي بالتميز والتباهي المُفرط المنافي للدين وقيم المجتمع، وربما ما يُعزِّز سلبية ذلك هو أنها تأخذ الصبغة الجماعية وليست بأداء فرد بعينه فقط. “وتحتوي هذه الشيلات على رسائل وعبارات تُقزِّم الآخرين وتبثُّ في النفوس التعنصر لقبيلة معينة أو عرقٍ معين، وما يزيد الأمر مرارةً هو أن أكثرية جمهورها من الشباب الذي يقع على عاتقه بناء وطن يحوي الجميع متماسك قوي الأسس والبنيان” (مالك الذيابي، عكاظ الجمعة 21 يوليو 2017). وبطبيعة الحال، هناك صور أخرى سلبية والتي تتأرجح من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مثل المواعظ والفيديوهات التي دافعها ديني بتحليل وتقييم شخصي، والتي تُوضع كعقبات في طريق التحول الوطني بشحذ العاطفة الدينية في المجتمع (عبادات ومعاملات)، وربما أفضل مثال ونحن تحت مظلة أزمة كورونا ما حدث من سلبيات تُعارض الأوامر السامية لإدارة الأزمة وكسر تعاليم الحظر بإقامة الصلاة خارج المساجد، وبعض التغريدات التي تلمح بضعف الإيمان والتوكل على الله بدون احتياطات آمنة أخذ بها مَن هم أسبق وأفضل في تطبيق الدين. وثمة صورة أخرى هي أكثر سلبية على الشعور الحقيقي بالمسؤولية للوطن وفهم المعنى الحقيقي من الطفرة الحضارية الكامنة والمتحركة حاليًّا في المملكة، وهي أقصى اليسار والتفريط من صور ونماذج سلبية في الأخلاق والألفاظ تساوي بالقدر والتأثير شيلات وعبارات العنصرية إلا أنها دعوة للتحلل وليس التحرر من سلوكيات، وربما تغريدات غير لائقة وجارحة للدين والذوق العام للمجتمع، وبالمناسبة ليست محصورة في الشباب بفئة عمرية معينة أو مركز اجتماعي معين، أُخذت من جميع أطياف المجتمع ولكن بنسبة وتناسب (حفلات خادشة للحياء والدين، اختلاط لا يحمل معنى نقيًّا وعمليًّا، تغريدات إثارة غرائز، تغريدات لغرض لفت الانتباه وكثرة المتابعين، وتُصدر – للآسف، وانْ كانت قليلة – من الذين يُحسبون نُخبًا في مجال الاجتماع والصحافة، والثقافة وحتى عسكريين).

المسؤولية هي حيوية وحياة المشاعر والالتزام لتعكس قيم الدين والوطن في جميع الأفعال وردود الأفعال والأقوال بالتلميح والتصريح بالنصوص والمرئيات لغرس وتعزيز تميُّز الوطن.

 

ما الذي يجب أن يترتب على ذلك في الواقع العملي؟

وطن طموح. يأخذ بأسباب التقدم العلمي والمعرفي والاقتصادي وجميع جوانب الحياة للارتقاء المجتمعي، ونقل مكانة الوطن في العالم والتي لن تكون البداية من الصفر. المملكة لاعب فاعل في المجتمع الدولي بصور شتى؛ من إسهامات سياسية، ومعاهدات دولية، وتفاعل تجاري واقتصادي، وضبط التأثير على أسواق الطاقة، وغير ذلك في المجالات العلمية والثقافية والمساعدات الإنسانية، قيادة مجموعة العشرين والطموح إلى أعلى من ذلك (لماذا لا تكون من مجموعة الثماني خلال هذا العقد؟). إلا أن الازدهار ورفع جودة الحياة هي استدامة بحد ذاتها، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بالمحافظة على المكتسبات واستثمارها لبناء الإنسان ومشاركته الفعالة في المجتمع (الاستمرار في تطوير الجانب القانوني والحوكمة من قِبل الحكومة وتقليص الاعتماد عليها، وتمكين القطاع الخاص والتطوع) وتقليص البطالة، والعمل على رفع جودة التعليم، والمستوى الصحي، والأخلاق، ونشر الفضيلة والقيم الإسلامية. ومنتج ذلك كله هو أمن وطني وقوة ناعمة عن بلد نموذجي للمنطقة والعالم. إن الأزمة الحالية تتيح فرصة وتعيد تشكيل وتغيير قواعد اللُّعبة، وخلق فراغات يمكن الاستفادة منها.

الخلاصة:

نظرة ومرور سريع (لا يواكب ضخامة وثراء الموضوع) على أهم عنصر في الوطن والمواطنة وهو الإنسان والمسؤول عن ديمومة هذا الكيان الإسلامي العربي الخليجي المميز عالميًّا وإقليميًّا بالمواقف والسياسات والثروات الطبيعية، وأيضًا وأهمها حاضن وبتفرد المشاعر الإسلامية والحرمين الشريفين، وما يتعلق بذلك العنصر من مسؤوليات وواجبات للمحافظة على إبقائه غضًّا حيًّا ليستمر قبلة للمسلمين في شعائرهم وللعالم علمًا وثقافةً وتجارةً تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، أيدهما الله بتأييده.

 الاستنتاج:

رفع الشعور والارتقاء بالمسؤولية من أطياف المجتمع بحفظ الحقوق والمطالبة بالواجبات، وهنا تبدو أهمية العودة للداخل للاطلاع والاستزادة من التغذية الراجعة بتحليل وتشخيص المجتمع بعد الأزمة العالمية، وإعادة تقييم الذات وفق الثوابت الدينية والسياسية والمحافظة على نسيج المجتمع، ونشر ورفع مستوى التسامح والتقبُّل للبعض، مع المحافظة على التنوع الثقافي الذي تزخر به المملكة العربية السعودية المبني على جغرافيتها وديموغرافيتها الواسعتين.

التوصية:

أن يطرح ملتقى أسبار قضية مركزية معنية بدراسة المجتمع بتفاصيل وشرح أكثر بجميع أبعاده المختلفة: القبلية، والعائلية، والانتماءات والعادات والتقاليد واختلاف الزي، واللهجات والمذاهب الإسلامية، وتقدِّم دراسة القضية التوصيات لصنَّاع القرار من خلال آلية الملتقى بما يخدم التقبُّل والتسامح، وأن ذلك هو إرث ثقافي وتنوُّع ديموغرافي لطالما امتدحت أمم في الغرب والشرق نفسها به.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. فايزة الحربي

مقدمة: 

كلمة الوطن: مشتقة من وطَّن، يُوطِّن، توطينًا. وتدل على المكان الذي يقيم فيه الإنسان ويتربى وينتمي إليه ويأكل من ثماره وخيراته.  واصطلاحًا: هي المكان الذي تسكنه مجموعة من الناس، ويشعر المرء بارتباطه وانتمائه الروحي والوجداني بهم.

فهي مفردة صغيرة في تركيبتها، كبيرة في معناها، ويندرج تحتها الكثير من المعاني التي لا تُقاس بالكلمات، كونه مصدر العز والرفعة والكرامة، وهو الذي يُحقِّق للإنسان ولأهله الأمانَ والاستقرار والعيش بسلام مع حفظ حقوقه (الصحية والأمنية والاقتصادية والتعليمية… إلخ).

ولو نظرنا إلى حب الأوطان والانتماء إليها، نجد أنها ذُكرت في القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ مما يدل على أهمية الوطن كمصدر أمن وأمان، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [سورة البقرة: آية 126]. أما السنة النبوية فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَا أطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأحَبَّكِ إليَّ، وَلَوْلا أن قَوْمِي أخْرَجونِي مِنْكِ مَا سَكَنْت غيْرَكِ”. (رواه عبد الله بن عباس، سنن الترمذي: رقم الحديث 3926)

كيف يتحقق هذا الهدف؟

لا شك أن الدور الذي يقوم به المواطن دورٌ حيويٌّ وفاعل لخدمة وطنه، حين يكون داخل بيته أو عمله، وحتى في سيره بالشارع وتعامله مع الممتلكات العامة وإحساسه بالمسؤولية الوطنية تجاه كل ذلك، وتبرز روح المواطنة وتتجلى في وقت الأزمات عندما يكون وطنه بحاجة إليه، ربما أكثر من ذي قبل حيث تظهر هنا المواطنة الحقيقية والدور المأمول من المواطن من خلال التكاتف بين أفراد المجتمع فيما بينهم ومع ولاة أمرهم، من جهة أخرى بالتزامهم بالقوانين والتوجيهات العامة للدولة، سواء القائمة أو الطارئة خاصة ما يتعلق بالأزمة التي تمرُّ بها البلاد.

كيف يكون الكلُّ شريكًا في المواجهة؟

لكل مواطن أيًا كان جنسُه أو مرحلته العمرية دورٌ وطنيٌّ مهمٌّ وقت الأزمات، وتلتقي هذه الأدوار في النهاية وتتوحد في دور واحد هو حفظ الوطن والمحافظة على مكتسباته ومدخراته، وفي مقدمتها “مواطنوه” بإعلان الولاء لولاة الأمر قولًا وعملًا من خلال الالتزام بالحقوق والواجبات الذاتية أو اتباع التعليمات والالتزام بالقوانين؛ إدراكًا منهم أن جميع قراراتهم تصبُّ بالدرجة الأولى في مصلحة الوطن، وبالتالي المواطن.

أزمة كورونا أكَّدت هذه الحقيقة، وأن المواطن لدينا على قدر المسؤولية، وأنه يستشعر الدورَ الكبيرَ الذي قامت به الدولة تجاهه، وحرص القيادة الرشيدة على ذلك.

صحيح كانت هناك حالات فردية وشاذة ولامبالاة من بعض الشباب الذين لا يُدركون حجم تصرفاتهم لأسباب ليس هنا مجال الحديث عنها، وقد تعاملت معها الجهات المسؤولة بحزم، وهو ما يتطلبه الموقف في مثل هذه الظروف.

من جانب آخر، أكدت هذه الأزمة روح المواطنة التي يتمتع بها المواطن السعودي من الجنسين سواء من الشباب أو الفتيات أو أصحاب الخبرات، بإعلان رغبتهم المشاركة في المجالات التطوعية المتعددة، وجاء إعلان وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بفتح منصة العمل التطوعي تأكيدًا لذلك، ولاحظنا كيف أن الرقم وصل إلى عشرات الآلاف من راغبي التطوع.

أيضًا جاءت مشاركة رجال الأعمال والقطاع الخاص كلٌّ في مجاله، خاصة ما يمسُّ معيشة المواطن والمقيم وحياته اليومية في مواجهة الأزمة، بما يُبرز الدور الحقيقي للمواطن بمشاركته وحبه لوطنه.

 ما هو المطلوب بالضبط؟

يبقى دور المواطن في محيطه الصغير ودائرته بالسعي لرفع مستوى الوعي لديه ولدى أسرته ومَن حوله، وبث ذلك عبر القنوات المتاحة له سواء كانت أسرية أو إعلامية، مع الالتزام بالقوانين والأنظمة الصادرة من الدولة، ومساهمة المواطن في توعية مَن حوله ومَن يقعون تحت مسؤوليته بالالتزام بهذه الأنظمة.

ماذا يعني الإحساس بالمسؤولية الوطنية بالضبط؟

هو حب الوطن والمحافظة عليه وحمايته والسعي لخروجه من الأزمات بأقل الخسائر، والوفاء لكل عطاء قدَّمه ويُقدّمه هذا الوطن العظيم.

لقد أكدت هذه الأزمة مكانة المملكة العربية السعودية واستشعارها المسؤولية في حماية ورعاية أبنائها، والمشهد الحالي يطرح علينا كلَّ يوم لقاءات ومقاطع وطنية وأخرى خارجية تُشعرنا بالفخر أننا ننتمي لهذا الوطن العظيم (السعودية)، وكم يغبطنا وربما يحسدنا الكثيرون على عطايا وطننا الغالي لأبنائه داخل البلاد وخارجها في ظل أزمة كورونا، بل وامتدت العطايا إلى المقيم المخالِف لنظام الدولة بتوفير رعاية صحية كاملة له.

علينا أن نستشعر كلَّ الجهود التي تبذلها الدولة من الإجازات المرضية التي مُنِحت لموظفي القطاعات الخاصة، والأثر الرجعي لرواتبهم والميزانيات التي رُصدت، مثل 120 مليار ريال لدعم منشآت القطاع الخاص كما صرح بذلك وزير المالية، والأمر الملكي الصادر يوم الجمعة ٣ إبريل ٢٠٢٠م، المتضمِّن دفع رواتب العاملين في القطاع الخاص بنسبة تصل إلى ٧٠ % من الرواتب، والكثير من الدعم الذي لا يتسع المجال لذكره.

 ما الذي يجب أن يترتب على ذلك في الواقع العملي؟

إذا كان الالتزام بالقوانين والمحافظة على المكتسبات واجبًا، فإنه يصبح أكثر لزامًا في أوقات الأزمات؛ باحترام الأنظمة والقوانين، وتحمُّل المسؤولية سواء على صعيد العمل أو الأسرة أو الأدوار الواجب القيام بها، بل تتعداها بالمبادرة لكل مهمة وطنية قد تسهم في احتواء الأزمة والقضاء عليها أو التخفيف منها.

  • التعقيب الثاني: د. سعيد الغامدي

يرى م. فاضل القرني أن المسؤولية الوطنية تأتي كنتاج للروح الوطنية العالية لدى أفراد المجتمع.  كما أن تلك الروح لا تأتى من فراغ، إنما هناك شروطٌ مهمة لتحقيقها، وهي – كما أسماها – التعاون بين رأس المثلث (القيادة: من خلال العدل، المساواة، والحفاظ على معتقد وقيم المجتمع، ووضوح التوجه والغاية)، وقاعدة المثلث المجتمعي والتي يجب عليها التفاعل المثمر والإيجابي مع كل ما يُطرَح ويُقدَّم لها؛ مشترطًا أن تتم مناقشة كل تلك المضامين المهمة بواسطة النُّخب وأصحاب الفكر والأعيان، كما يجب أن تدخل كل تلك المفاهيم في المناهج التعليمية وضمن برامج وخُطط وسائل الإعلام. كما يرى أن تحقيق ذلك المستوى العالي من الوطنية يتطلب الاقتناع به كهدف يسعى الجميع إلى تحقيقه. وعندها ستكون النتيجة المرجوة هي الالتزام القيمي والأخلاقي من جميع شرائح المجتمع، إضافةً إلى الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية بالوطن وأمنه في جميع الظروف دون استثناء، ومن الطبيعي أن يتزايد وينمو ذلك الشعور الجمعي في وقت الأزمات والمخاطر التي تُهدِّد سلامة الوطن ومكتسباته.

وشدَّد م. فاضل القرني على أن المرتكز الرئيس لبناء الروح الوطنية ومن ثَمَّ الشعور الجمعي بالمسؤولية الوطنية في المملكة سينشأ من رؤية المملكة 2030، وما تفضَّل به سمو ولي العهد عندما قدَّمها للعالم. وقد ناقش محور المجتمع الحيوي، والوطن الطموح، كركيزتين مهمتين ستصنعان مجتمعًا سعوديًّا متناغمًا مع متطلبات العصر، ومتجانسًا ومنسجمًا مع نفسه والعالم، يأخذ بأسباب التقدُّم العلمي والمعرفي والاقتصادي. مجتمع مترابط بجميع شرائحه العرقية والاقتصادية والمذهبية والعمرية، يشعر بالمسؤولية الفردية والجماعية بالوطن وأمنه في جميع الظروف. مجتمع يقوم على التعاون بين القطاع الحكومي والخاص والمواطنين، لرفع اسم الوطن عاليًا، وإلى المكانة التي يستحقها بين الدول المتقدمة.

وقد أشارت الورقة الرئيسة كذلك إلى أن روح المسؤولية في المجتمع السعودي ظهرت بشكل جلي في الأزمة الراهنة (أزمة فيروس كورونا)، التي اجتاحت العالم، والتي أظهرت نجاحات على الساحة السعودية بشكل لافت، من القطاع الحكومي والقطاع الخاص ومن المواطنين، والذين أظهروا ولاءً كبيرًا وانسجامًا وتعاونًا غير مسبوق في مواجهة هذا الوباء العالمي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك بعض النماذج المتطرفة والتي ظهرت على الساحة الشعبية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، في مختلف الاتجاهات في المجتمع، بما قد يؤثر بشكل سلبي على الروح الوطنية، من خلال ما تبثُّه من الفرقة والقطيعة بين أفراد المجتمع.

وأوضحت الورقة الرئيسة أن المسؤولية الوطنية تعني التضحية والالتزام بقيم الدين والوطن في جميع الأفعال، وردود الأفعال والأقوال، بالتلميح والتصريح، بالنصوص والمرئيات؛ لغرس وتعزيز تميُّز الوطن. كما أكدت على أن رفع ذلك الشعور والارتقاء بالمسؤولية من جميع أطياف المجتمع يحفظ الحقوق والمطالبة بالواجبات، ويحافظ على نسيج المجتمع، ويرفع مستوى التسامح والتقبُّل للبعض، ويسهم في التمسُّك بالتنوُّع الثقافي الغني للمملكة العربية السعودية. وفي النهاية، أوصي م. فاضل القرني بأهمية دراسة وتحليل وتشخيص المجتمع بعد هذه الأزمة العالمية، وإعادة تقييم الذات وفق الثوابت الدينية والسياسية والاجتماعية، وبتركيز أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي وما تم فيها من مناقشات أو توجهات فكرية قد تضرُّ باللُّحمة الوطنية.

ولعلِّي أُضيف إلى ما تقدَّم أن هناك فرقًا بين الوطنية والمواطنة. فالوطنية تعني ذلك الشعور الوجداني لدى الفرد في المجتمع تجاه وطنه، مثل: المحبة والولاء للوطن، أرضًا وأهلا، في كل وقت وحين، والسعي إلى خدمة مصالحه، والدافعية الشخصية للعمل وإتقانه بشكل كبير دون النظر إلى ما سيعود على الفرد من ذلك. أما المواطنة فتشمل الجوانب السلوكية؛ كالالتزام بالمبادئ والقيم الاجتماعية، والمشاركة الإيجابية في رقي وتطوُّر وأمن الوطن، وغيرها من السلوكيات التي تعكس فهمًا واضحًا بحقوق وواجبات المواطن والوطن؛ وبذلك تكون حقوق المواطنين بمثابة واجبات على الدولة، وحقوق الدولة واجبات على المواطنين.

لذا، ومن خلال هذا المفهوم، يجب أن ننظر إلى القضية المطروحة هنا، حيث لا بد لنا من تحديد الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه بدقة. وكما نعرف أن هناك أهدافًا قصيرة المدى، وأخرى متوسطة وطويلة المدى. فالمواطن له مطالب عديدة، وفي الوقت نفسه عليه التزامات كبيرة تجاه وطنه. فهل نهدف إلى رفع المسؤولية الوطنية لدى المواطن نحو حب الوطن، وتقديم النفس فداءً له في السراء والضراء؟ أم أن الهدف هو تعزيز الجوانب السلوكية لديه من حب للعمل والإخلاص فيه؟ أم باتباع القيم والقوانين والإجراءات والعادات والتقاليد المعمول بها، أو القيام بتنفيذ البرامج المختلفة لخدمته سواء الرسمية أو التطوعية؟

لذلك، أرى أن كلًّا من هذه الجوانب تحتاج منا إلى إستراتيجيات ودراسات وخُطط مختلفة كثيرة نفسية واجتماعية وإعلامية، والتي تتطلب وقتًا طويلاً وجهدًا كبيرًا لكي تؤتي ثمارها.

ولكن، وعلى الرغم مما تقدَّم، يمكن القول إن هناك خطوات عامة يمكن البدء بها لتحقيق أيٍّ من الأهداف السابقة، كلٌّ على حدة، سواء كان ذلك في وقت الرخاء أم في وقت الأزمات، ومنها:

  • تأليف المناهج المختلفة في مختلف المراحل الدراسية (الابتدائية، المتوسطة، الثانوية، الجامعية) التي تُركِّز على مفاهيم الوطنية والمسؤولية الوطنية وقيم المواطنة، وإيضاح القوانين التي تحمي ذلك.
  • إعداد ونشر البرامج الإعلامية المتخصصة وتوجيهها لجميع شرائح المجتمع حول هذه القضايا المهمة، على أن تُنفَّذ بحبكة إعلامية مدروسة، بعيدًا عن نمط المباشرة التي نُشاهدها بشكل روتيني في جميع وسائل الإعلام الوطنية.
  • إنشاء حسابات متعددة على منصات التواصل الاجتماعي لخدمة هذا التوجه. ويمكن الاستفادة من بعض المواقع الناجحة في هذا المجال، والتي تجد لها رواجًا بين فئات عمرية مختلفة.
  • إقامة المؤتمرات والندوات والمحاضرات واللقاءات العلمية لنفس الغرض؛ للخروج بتوصيات مهمة يمكن تطبيقها.
  • القيام بتحليل ودراسة وسائل التواصل الاجتماعي؛ لرصد التوجهات الفكرية التي تعمل على شق الصف والوحدة الوطنية وبث الإشاعات التي تُهدِّد السلم المجتمعي.
  • التنسيق بين الجهات المعنية (أمن الدولة، وزارة الداخلية، هيئة الاتصالات والمعلومات، وزارة الإعلام) لتفعيل أنظمة وقوانين وعقوبات النشر، وجرائم النشر الإلكتروني؛ للتصدي لكل ما يمسُّ الوحدة الوطنية، ونشر مضامين الكراهية والعنصرية بين المواطنين.
  • الاستفادة من تجارب الدول الأخرى (مصر على سبيل المثال)؛ لمعرفة الأساليب التي استخدمتها في رفع الروح الوطنية والمسؤولية الوطنية أو المواطنة بين المواطنين.
  • المداخلات حول القضية:
  • المسؤولية المجتمعية والمواطنة: تحديد مفاهيمي:

يرى م. إبراهيم ناظر أن المسؤولية عمومًا هي تلك الصفات الملازمة للشخص الواعي والمُدرِك والمسؤول عن تصرفاته سواءً كانت أقوالًا أم أفعالًا، بحيث يتحمل نتائج الأفعال، ويُحاسب عليها سواءً كانت خيرًا أم شرًّا؛ حيث يتحمَّل الشخص المسؤول نتائج الالتزامات والاختيارات والقرارات من النواحي الإيجابية والسلبية أمام الله عز وجل، وأمام ضميره ونفسه وأسرته، ثم أمام المجتمع الذي يعيش فيه من باب كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، إذًا هو شعور وإخلاص دائب في أداء الواجب، وبإضافة الوطنية تعني تعزيز الولاء والانتماء للوطن بالحفاظ على الثوابت والتعامل معها على أساس أنها ثوابت، وتحديد المتغيرات والتعامل معها في ضوء الثوابت بما يخدم المجتمع في حاضره ومستقبله، والحرص الشديد على أمنه القومي والفكري والاجتماعي، والأمن على حياة الناس من كافة الجوانب، فالوطنية هي الإحساس بالمسؤولية الشاملة تجاه الوطن وقيادته وأهله ونظُمه وجميع مكوناته. والوطنية أو حب الوطن ليس بدعًا من القول أو مُستحدَثًا من مستحدثات الزمان الحالي، بل هي جزء من الجذور الاجتماعية التي قامت عليها المجتمعات، فقد قِيل في الوطن وحُبِّه الكثير من القصص والقصائد والحكايات في الوقت الذي كان الناس لا يقرؤون ولا يكتبون، فالوطن جزءٌ من الهوية والانتماء لأي شخص، وفي هذه القضية نريد تعلية المسؤولية الوطنية زمن الكوارث. ولقد قام الملك عبد العزيز – رحمه الله – بتوحيد المملكة تحت كيان سياسي واجتماعي واقتصادي وجغرافي واحد، وأوجد بذلك هويةً وطنيةً واحدةً سُمِّيت بالهوية السعودية، وتميَّزت هذه الهوية مع مرور الزمن بالصلابة والقوة والإسلامية العربية والرحمة وحب الخير للبعيد والقريب. واستمرت هذه الهوية في التميُّز لتخلق المسؤولية الوطنية والدينية والإسلامية والعربية، وأصبح الفرد السعودي يشعر بهذه المسؤولية تجاه أبناء وطنه وتجاه إخوانه العرب والمسلمين، بل والإنسانية جمعاء حتى أُطلق على المملكة العربية السعودية “مملكة الإنسانية”.

وفي تصوُّر د. هند الخليفة، فإن المسؤولية المجتمعية ترتبط بمفهوم المواطنة، والذي يشير إلى الحقوق والواجبات في علاقة الفرد بالمجتمع/ الدولة. فالمواطنة ليست فقط مسؤولية الدولة تجاه الأفراد، بل هي أيضًا واجبات الأفراد تجاه الدولة. ويشير مفهوم المواطنة إلى علاقة بين فرد ودولة، كما يحددها قانون تلك الدولة. أما الوطنية فقد عرَّفتها الموسوعة العربية العالمية بأنها “تعبير قويم يعني حُبَّ الفرد وإخلاصه لوطنه، الذي يشمل الانتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد، والفخر بالتاريخ، والتفاني في خدمة الوطن”. واستنادًا على ذلك، فإن المسؤولية المجتمعية تنبع من توافر مقومات المواطنة والشعور والالتزام بالوطنية، إذًا من مقومات تواجدها توافر القوانين والسلوك والمشاعر. وتعزيز السلوك والمشاعر في هذا السياق يتطلب التربية على المواطنة وكذلك التربية الوطنية، والتي لا بد أن تبدأ مع الفرد المواطن منذ نعومة أظفاره.

وبدوره ذهب د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن الوطنية هي مفردة في كتابتها، عميقة في معانيها، لا يمكن لأي فرد أن يتغنى بكلمة الوطنية دون أن يُدرك أسُس وأبعاد هذه الكلمة، الوطنية هي ممارسة مستديمة نحو الحفاظ على الثوابت، فالتعامل مع روح الوطنية يعني التقيُّد بالثوابت، وجَعْل الوطن المقدم على الفردية والمتطلبات الشخصية، فحُبُّ الوطن والعناية بأرضه وأهله هي مسلمات تعني الوصول إلى قمة المسؤولية الوطنية المبتغاة، دون ذلك لا يعَدُّ الفرد أو المجتمع منوطًا به مسؤولية وطنه، الوطن مستقبل، الوطن أم، الوطن هو دار للمِّ الشمل، وأفراده هم الحصن الشديد وقت الرخاء والشدة، ومستقبله والحرص الشديد عليه واجب ديني، هنا واجب أن يدرك المجتمع أن الوطنية إحساس بالمسؤولية الحقيقية، إحساس تجاه أمن الوطن؛ فكريًّا واجتماعيًّا.

في حين يرى م. إبراهيم ناظر أنه لا بد من تعريف المواطنة اصطلاحًا بأنّها صفة المواطن الذي ينتمي للوطن، وبانتمائه هذا يترتب عليه واجبات كالولاء، والدفاع، وأداء العمل، ويُسَنُّ له حقوقٌ كحق التعليم والرعاية والعمل؛ وعليه فإنَّ المواطنة هي علاقة وطيدة محدَّدة بقوانين (وضعية أو إسلامية) تربط بين الفرد ودولته، وتضمن له المساواة بين المواطنين، والعيش بكرامة، وحماية حقوقه كإنسان، وقد كرَّم الله الإنسان وعظَّم حقوقه كإنسان، وأكَّد على حق المواطن في الأمن (على نفسه وماله ودينه وعرضه)، والعدل والعيش الكريم (العمل والتعليم والخدمات الصحية، وحرية التنقل، وبيئة نقية من التلوث والأمراض، ومواصلات ميسرة، وغيرها من وسائل الحياة المعاصرة). وفي المقابل، واجبات المواطن تجاه وطنه الانتماء والولاء والإخلاص والتفاني في خدمة الوطن الذي أعطاه الكثير من الخير ورغد العيش، وعدم الإضرار بمصالحه، والدفاع عن الوطن في أي خطر يتهدده، والمساعدة بقدر استطاعته، واحترام القوانين، وأن يكون مسؤولًا ويبلِّغ عن أي انتهاك لحقوق الوطن.

وذهب د. عبد الإله الصالح إلى أن الوطنية، مواطنة في وطن، غصن في شجرة وارفة تحت ظلها سكن وسكينة ونمو ونماء، ليبقى وينمو ويزهر الغصن ويثمر عبر المواسم والفصول لا بد له من عاطفة عامرة، وشعور حي، وعمل دؤوب في فضاء صحي من دين عامر ودنيا عادلة.

وأضاف أ. عبد الله الضويحي أنه وإذا كانت المراجع وبعض الدراسات تقول: إن مفهوم الوطنية قد نشأ في القرن السابع عشر، وإذا عرفنا أن “الوطن” في (لسان العرب) هو المنزل تُقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله، والجمع أوطان؛ فإن الحقيقة تقول إن تأصيل الوطنية والتأسيس لها قد نشأ قبل وجود الإنسان على الأرض ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة البقرة: الآية 35). والآيات الدالة على ذلك كثيرة، وفي قصص الأنبياء ما يغني، بل تجاوز ذلك إلى التأكيد على حب الوطن والدعاء والولاء له، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (سورة البقرة: الآية 126). هذا دعاء بالأمن الشامل للوطن. وفي موضع آخر، قرن سبحانه وتعالى حب الوطن مع حب الإنسان لنفسه، وأن كلاً منهما متأصِّل في النفس عزيز عليها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أن اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أو اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾(سورة النساء: الآية 66). والموضوع يطول في هذا الجانب، لكننا نخلص إلى نقطة مهمة، وهي أن (الوطنية) أو (حب الوطن) أمرٌ فطري في النفس البشرية. وقد تطوَّرت هذه المفردة عبر العصور، وبرز مفهوم “المواطنة” الذي تحوَّل إلى مفهوم عام وشامل؛ فهناك مَن يعتبرها تعبيرًا عن الإحساس بالارتباط والالتزام لأمة معينة أو دولة أو مجتمع معين، وهناك من يرى أن (المواطنة بوجه عام علاقة قانونية بين الفرد “المواطن” والوطن الذي تُمثِّله الدولة بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، حيث تُنظِّم القوانين السائدة هذه العلاقة، والتي تقوم على أساس الانتماء لوطن واحد خاضع لنظام سياسي واحد، بعيدًا عن الارتباط بشيء خارج إطار الوطن).

في حين يرى د. راشد العبد الكريم أن مفهوم المسؤولية الوطنية يشير إلى واعظ داخلي شخصي بما يفترض أن يقوم به الشخص تجاه مجتمعه الكبير (وطنه)، ينعكس في صورة سلوك.

وفي تصوُّر د. زياد الدريس، فإنه يلزمنا دومًا التمييز بين مفهومين متداخلين، هما: الوطنية والمواطنة؛ فالوطنية تعني المشاعر العاطفية والوجدانية التي تتكون عند الفرد تجاه الوطن أو الأرض التي يحبُّها. أما المواطنة فهي الممارسات والسلوكيات والأفعال التي يجب على الفرد أداؤها في صورة منسجمة مع قوانين الوطن وأنظمته وأمنه وسلامته وحمايته. وهذا، للأسف، يعني أنه ليس بالضرورة أن كل وطني مُحِبٌّ لوطنه هو دائمًا مواطن صالح إيجابي مفيد لوطنه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوطنية من حيث هي نبتة وجدانية مشاعرية، لا يمكن استزراعها بالإكراه ولا قطف ثمارها بالقوة؛ بل هي تنبت عندما تتوافر لها التربة الخِصبة والسقيا العذبة، وعندما تتم حمايتها من الآفات والتلوثات، القومية والحزبية والقبلية. أما المواطنة من حيث هي سلوك وممارسة وعمل ومساهمة وتنمية وفعالية، فهي ملزِمة لكل مَن سكن هذا الوطن، سعوديًّا أو غير سعودي.

واتفق د. فهد الحارثي مع التعريف الذي وضعه د. زياد للوطنية، في حين ذهب إلى أن تعريفه للمواطنة يحتاج إلى تحديد أكثر، فالمواطنة هي هوية، وهي حقوق وواجبات، وهي حقوق للإنسان لدى الكيان (الوطن) الذي ينتمي إليه، وهي واجبات عليه تجاه ذلك الكيان. والحقوق التي نرمي إليها هنا هي مثلًا: حقه في التعليم والصحة، وحقه في الحرية والعيش الكريم؛ وفي المقابل، فإن الواجبات التي نعنيها هي مثلًا: الولاء للكيان (الوطن)، والالتزام بدستوره وقوانينه، والدفاع عن ترابه وعلَمه. والمواطنون يجب أن يكونوا متساوين في حق المواطنة، فلا ينازعهم في ذلك اختلاف الدين أو المذهب أو المنطقة أو القبيلة أو العرق أو أي أمر آخر إذا ما التزموا بأداء الواجبات الأساسية المشترطة للوطن عليهم. ولهذا، فيبدو من غير المفهوم اللجوء هذه الأيام إلى التنبيش في أصل المواطن وعرقه ومذهبه وجنسيته السابقة، على سبيل المثال عندما نختلف معه في شيء ما. المواطنة في كلمتين تعني أن الوطن للجميع، وليس هناك مواطن أصلي ومواطن تقليد.

وبالإشارة إلى الدراسة التي أنجزها مركز أسبار قبل عدة سنوات، وكان موضوعها ” الإستراتيجية الوطنية لثقافة الجيل”، فقد ورد فيها أن “مفهوم المواطنة من منظور مزدوج قوامه الانتماء للوطن من جهة، وحقوق وواجبات المشاركة من جهة أخرى… ويقوم مفهوم المواطنة في المملكة العربية السعودية على مقومات صلبة في دائرتي الانتماء والمشاركة. فبخصوص دائرة الانتماء، تتركز قيم الانتماء في الهوية الوطنية بأبعادها القيمية والثقافية والاجتماعية، ويُشكِّل المرجع الديني أساسًا قويًّا لهذا الانتماء، بما يحثُّ عليه من حب للوطن وإخلاص له؛ في حين تُشكِّل المقومات الموضوعية للهوية أساسًا متينًا لهذا الانتماء الذي يتجلى التعبير عنه في الاستعداد للتضحية من أجل الوطن، ومنح الأولوية لمصالحه وفضائله، كما يبرز في لحظات الفرح والمحن والمناسبات الوطنية الكبرى. أما دائرة المشاركة بمحوريها فتتجلى بقوة فيما نصَّت عليه النظُم والتشريعات الوطنية وفي مقدمتها نظام الحكم الأساسي من واجبات على المواطن وحقوق مكفولة له”.

أيضًا، فقد أكد د. خالد الرديعان على أن من الأهمية بمكان فض الاشتباك بين مصطلحي: “الوطنية”، “والمواطنة”. فحسب التعريفات الشائعة، فإن الوطنية nationalism تشير إلى شعور نفسي واجتماعي وثقافي بالانتماء إلى وطن أو كيان، وما يترتب على ذلك من ممارسات يقوم بها الفرد تعكس حبَّ الوطن وأهله والتعبير عن ذلك بصور مختلفة. تُترجم الوطنية إجرائيًّا بوثائق رسمية يحملها الفرد تشير إلى انتمائه، لكن ذلك لا يعَدُّ كافيًا خاصة عندما تختفي أو تقلُّ أو تتضعضع الرابطة الروحية بين المواطن ووطنه.. وهذه الأخيرة يصعب قياسها. أما المواطنة citizenship فقد تشير إلى الحقوق والواجبات وفقًا للتعريفات الشائعة. فالحقوق التي يحصل عليها المواطن؛ كالجنسية، والحماية، والمشاركة في إدارة مجتمعه، وتوفير احتياجاته. والمواطنة كذلك واجبات يجب على المواطن أداؤها في مقابل الحقوق التي يحصل عليها.. شيء يشبه العقد الاجتماعي الذي بموجبه يتنازل الفرد عن جزء من حريته ليحصل على الحماية التي تُوفِّر له العيش الكريم (هوبز ولوك)، وذلك في ظل دولة رشيدة تسهر على مصالح أفرادها وتُعبِّر عن تطلعاتهم. وما يجري عادةً هو أن الفرد ينظر إلى حقوقه على دولته، ولا ينظر بذات الطريقة إلى ما عليه من واجبات؛ ومن هنا تحدث الفجوة أو الخلل الذي يقود في بعض المجتمعات إلى توترات اجتماعية وقلاقل، وربما أبعد من ذلك.

بينما ترى د. عبير برهمين أن الوطنية والمواطنة هي علاقة تبادلية تفاعلية بين الفرد ووطنه بجميع مكوناته. وهي علاقة حية تنمو وتكبر وتقوى روابطها أو تضعف نتيجة لهذه العلاقة التبادلية. تبدأ المواطنة والوطنية منذ الولادة، ولا تنتهي بموت الفرد؛ لأن بعض العظماء يمتد أثرهم لفترات طويلة بعد وفاتهم. “كيف يتم إعلاء المسؤولية الوطنية لدى المواطن؟” سؤال صعب، والإجابة عنه أصعب. كثيرٌ من الناس تختلط عليهم بعض الأمور تبعًا لمخزونهم الفكري وخلفيتهم الثقافية والاجتماعية، ومدى سلامة البصيرة واتساع الأفق. لذا، نجد أن هناك تباينًا في مفهوم المواطنة والوطنية والعلاقة التبادلية والتفاعلية بينهما. وأضافت د. عبير قولها: “المواطنة في مفهومي الشخصي هو كيف أُعبِّر عن حبي لوطني ومَن فيه، حكومةً وشعبًا ومواردَ؟ ما هو دوري في كل سلوك أسلكه، وكل عمل أُكلَّف به أو دور أقوم به عبر مراحل حياتي المختلفة؟ وما مدى استعدادي لخدمة وطني في جميع أدواري بحيث أفيد وأستفيد، وعند الضرورة ما مدى تضحيتي إنْ تطلبت الظروف ذلك؟

أما د. الجازي الشبيكي فترى أن المسؤولية الوطنية مفهوم يشير إلى التزام أفراد المجتمع وجماعاته ومنظماته بالقيام بالمهام الإيجابية التي تدعم مصلحة ونماء ووحدة الوطن من خلال الاهتمام والمشاركة والعمل، سواءً من خلال إتقان وإحسان وإتمام مهامهم الرسمية أو من خلال جهودهم الاختيارية التطوعية لخدمة الوطن. وإذا كان الإحساس بالمسؤولية الوطنية والعمل على تفعيلها مطلوبًا في كل الأوقات والظروف، فإنه في وقت الأزمات أشدُّ مطلبًا واحتياجًا.

  • المسؤولية الوطنية أثناء الأزمات: أزمة كورونا نموذجًا:

أشارت أ. فائزة العجروش إلى أن حب الوطن ليس ادعاءً بل عملاً وعطاءً.. وعندما يتعلق الأمر بالسعودية وأمنها ونسيجها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، علينا أن نقف جميعًا صفًّا واحدًا بوطنية خالصة وصادقة، فعلًا وممارسةً واستماعًا وبُعدَ نظر. وحب الوطن أن نُحافظ على أرواح أبناء هذا الوطن، وترابه ومقدساته، ومكتسباته، وتراثه وثقافته، وسيادته الوطنية. وحب الوطن أن نكونَ يدًا واحدة في مجابهة الأخطار والكوارث والحروب والأمراض الجائحة والفتاكة. ومن هذا المنطلق، فنحن الآنَ أمام اختبار حقيقي لهذه الوطنية في تعزيز التلاحم والترابط والانصياع لمجابهة انتشار سريع لفيروس يفتك بالبشرية ويشل مناحي الحياة فيها. وأخذًا في الاعتبار لكل ما ورد ذكره، فإنَّه يتعين علينا جميعًا أفرادًا ومؤسساتٍ، أن نتعاون على إعلاء روح المسؤولية الوطنية، على الدوام وليس وقت الأزمات فقط، وأن نتحد من أجل أن نواصل بناء مملكتنا الغالية، وأن ندعم كلَّ خطوة تتخذها الحكومة، وأن تتكاتف جميع الجهود من أجل أن نخرج من هذه الأزمة بسلام. وأن تكون البداية من المسؤول نفسه، ثم في كل مواطن صغيرًا كان أو كبيرًا، وتبقى الأفعال هي الشاهد والبرهان والدليل على ما يُقدِّمه أي مواطن – أيًّا كان موقعه – لوطنه، وتتحقق عندما يخلص الطبيب والعسكري والمعلم والطالب وإمام المسجد والموظف والمهندس والشرطي والتاجر والصحفي ولاعب الكرة وغيرهم في تأدية ما عليهم بإخلاص وأمانة وصدق، وعندما يأمرون بحب الوطن، وينهون عن كل ما يضر الوطن، بضمير حي وإخلاص لله وحده، فهم وطنيون. الوطنيّة باختصار، هي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه تجاه وطنه، ويترجمها أفعالاً واقعةً على الأرض، وتحقق معنى الوطنية والمواطنة بكل معانيها العظيمة. والوطنية الصادقة وما تُمثِّله من حب وتقديس للوطن، وتضحية لإعلاء شأنه والحفاظ على أمنه واستقراره، عنوان يجب أن يتضح من خلال الآتي:

  • النسيج الاجتماعي: الوطنية تُحتِّم علينا الإثبات دومًا أن المملكة نسيج اجتماعي واحد، وأن نكون يدًا واحدة، وبأننا أهل وحدة وطنية متميزة، وأهل بأس شديد، ونبذ التفرقة؛ لأن الفرقة أو التفرقة أصلًا غير موجودة في القاموس السعودي الرصين، وعلينا المحافظة على تماسُك نسيجنا الاجتماعي، والمحافظة على مُقدرات هذا الوطن وحماية اقتصاده من الانهيار، والتأكيد على أن (الاستهتار مرفوض بشدة)..، ويكفي ما أعلنته وسائل الإعلام المحلية عن وجود حالة طارئة، وما وجدناه من رصِّ الصفوف السعودية في مثل هذا الاصطفاف الملحمي الكبير، ليعطي قراءةً واضحة عن حال السعوديين، إذا ما دعا الداعي إلى ظرف طارئ آخر – لا سمح الله – وإنْ كنَّا نطمح في المزيد.
  • الأسرة الوطنية: من الأسرة يبدأ صلاح المواطن والمجتمع، ومنها يبدأ تحصين الأبناء وتعزيز روح المواطنة فيهم، وحب الوطن من المعاني المهمة التي يجب أن يعتني بها الوالدان والمربون؛ لأنه يُولِّد لدى الصغار والشباب الانتماء والعمل المتواصل لنهضة ورفعة وطنهم والمشاركة في بناء الوطن، ويجعلهم مُحصَّنين ضد التيارات المنحرفة التي تحاول أن تغزو عقول الشباب فتحولهم لقنابل موقوتة في جسد الأوطان، ولا شك أن لهم دورًا كبيرًا جدًّا في تعزيز انتماء وولاء الأبناء للوطن، والكثير من الأمور التي يجب أن يلتفت لها الآباء والأمهات عند تربيتهم لأبنائهم من حيث حب الوطن وتعميق المواطنة لديهم… وما نودُّ التأكيد عليه هنا، هو دور الوالدين الكبير وبالأخص الأم، التي يجب أن تقوم بإرضاع أطفالها حب الوطن والذود عن حماه منذ نعومة أظفارهم، والأب الذي يعلمهم معاني الوطنية والمواطنة في حياتهم بأن يكون قدوةً عمليةً قولًا وفعلًا.
  • أثرياء السعودية: إن هذه الأزمة كافية لاختبار إخلاص أغنياء السعودية تجاه وطنهم، فلا يجوز لهم في مثل هذه الظروف العصيبة إدارة ظهورهم للدولة التي تبذل كلَّ غال ونفيس في مواجهة هذه الجائحة بكل اقتدار، وتَرْكها هي والمواطنين العاديين يواجهون الأزمة دون تدخل إيجابي منهم، وندعو كلَّ الأثرياء الذين نالوا من خير الوطن أن يُسهموا الآنَ لردِّ الجميل له؛ فالمملكة وأهلها يستحقون المزيدَ، وحب الوطن لا يحتاج إلى شعارات رنانة، والأفعال هي الشاهدة دائمًا وأبدًا على حبنا للوطن… فماذا لو تمَّ إنشاء صندوق تعاوني للمملكة يسهم فيه الأثرياء؛ للاستفادة من رصيده في الخروج من هذه الأزمة بأقل خسائر ممكنة للوطن والمواطنين.
  • الإعلام: عندما نتحدث عن المسؤولية الوطنية للإعلام، فإننا نُشير بوضوح إلى الأداء المسؤول للإعلام، على مستوى المؤسسة الإعلامية، وعلى مستوى الصحفي أو الإعلامي المُمارِس للمهنة. وهذا الأداء المسؤول يتحقق من خلال تبني أعلى معايير المهنية والموضوعية والالتزام بها بأقصى درجة، والتحلي بالمصداقية في نشر الأخبار والمعلومات، وتجنُّب تلوين الخبر بصبغة غير مهنية، وتحري الدِّقة في كتابة تصريحات المسؤولين.
  • أعضاء مجلس الشورى: نؤكد هنا على أهمية مقعد مجلس الشورى، وأن يكون شاغلُه أهلًا لحمل تلك المسؤولية الوطنية واضعًا دائمًا وأبدًا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وأن يكون العضو قدوةً يُحتذَى بها، وبالذات في مجال المواطنة واتباع الأنظمة. وأن يكون لهم دور ملموس في هذه الأزمة بوضع رؤية تطويرية، وخطة زمنية تقود هذه التجربة الحالية إلى مراتب تتلاءم والآمال والطموحات التي تُبنى على المجلس كجهة معنية بإقرار التشريعات التنظيمية المختلفة.
  • القطاع الخاص: نستحثُّ هنا الحسَّ الوطني الكبير الذي تتمتع به الشركات الكبيرة في المملكة، ولا شك أنها قدَّمت خلال العقود الماضية مشروعات عظيمة عزَّزت مسيرة النهضة، لكن آن الأوان لأن تتبنَّى ثقافة (رد الجميل للوطن)، وتقوم بإسهام فاعل في صنع الفارق ومواجهة تداعيات تفشي فيروس كورونا، بإطلاق المزيد من المبادرات التي تحمل طابع المسؤولية المجتمعية؛ ليكونوا يدًا واحدة وقلبًا واحدًا مع الدولة؛ فجميعنا في سفينة واحدة، وضربتان على الرأس مُؤلمة حقًّا؛ فليس للدولة قُدرة على احتمالهما بسهولة؛ فهناك ضربة الجائحة الكونية، والضربة الثانية ضربة النفط المتهاوي.
  • محاربة الفساد: علينا أن نرجع جميعًا من أصغر فرد وأصغر مسؤول في المجتمع إلى أكبر فرد وأكبر مسؤول في المجتمع إلى التمسُّك التام بأساسيات النهج الرباني السليم، وأن تكون محاربة الفساد مسؤولية الجميع، وكل فرد سعودي مُطالَب بأداء هذه المسؤولية على حسب طاقته. وأن يتم تضمين المناهج الدراسية ذلك منذ المراحل الأولية.

ويرى د. خالد الرديعان أن إعلاء المسؤولية الوطنية خاصة أثناء الأزمات – كما في أزمة كورونا الحالية – تعَدُّ مسألةً في غاية الأهمية لضمان تماسُك المجتمع وعدم انفراط عقده في مثل هذه الظروف الاستثنائية التي تجتاح العالم أجمع. وتقوم هذه المسؤولية على ركائز أساسية، وهي:

  • الركيزة الأولى: الولاء للوطن وقيادته وعدم الخروج على ما ترسمه القيادة؛ ولا سيما أن بلدنا تُحيط به دول مضطربة قد يضمر بعضها الشرَّ لنا، وأنها تتحين الفرص للإيقاع فيما بيننا من خلال شعارات فارغة ولغة خشبية لا تُسمن ولا تُغني من جوع. يستخدمون من أجل ذلك وسائل التواصل الاجتماعي وربما إعلامهم الرسمي أحيانًا. هنا يجب أن نتسم بالحذر الشديد، وأن لا نُعطيَهم ذريعةَ التدخل في قضايانا الوطنية مهما تدثروا بالنزاهة أو الموضوعية.. قضايانا كسعوديين نُعالجها فيما بيننا؛ وبذلك نقفل الباب على أيِّ تدخل مهما كان برَّاقًا، فهو في النهاية كلام معسول يُراد منه تقويض عقدنا الاجتماعي.
  • الركيزة الثانية لإعلاء المسؤولية الوطنية يتمثل ذلك بالانصياع للقانون العام وعدم الخروج عليه تحت أي ظرف من الظروف. الانصياع للقانون يضمن ديمومةَ المجتمع، ويمنع الاعتداء لتوفير الأمن والعدل للجميع؛ فغاية القانون في النهاية هي ترسيخ العدل وحفظ الحقوق وتطبيق العدالة وبقاء المجتمع.
  • الركيزة الثالثة لإعلاء المسؤولية الوطنية، تتمثل في المحافظة على الممتلكات العامة وصيانتها من التخريب، ومنع أي مظهر من مظاهر الاعتداء عليها، والتبليغ عن كل ما يمسُّ هذه الممتلكات بسوء؛ يشمل ذلك جميع المرافق العامة والخدمات. وليس الأمر كذلك، بل غرس هذا التوجه عند أبنائنا ومَن لنا ولاية عليهم.
  • الركيزة الرابعة لإعلاء المسؤولية الوطنية يتمثل ذلك في القيام بالعمل الموكل إلى كلٍّ منَّا بكل جدية ونزاهة استشعارًا للدور الذي نقوم به كأفراد؛ فنحن في اضطلاعنا بمسؤولياتنا نسهم في استمرار المجتمع وبقاء لحمته وعدم تأثره بالأزمات الطارئة مهما كانت. جميع الشعوب مرَّت وتمرُّ بأزمات، وإن ما يساعد على تماسكها إضافةً إلى ما سبق هو العمل بروح جماعية، والتخلص من الأنانية، والنظر إلى المجتمع كالأسرة الكبيرة التي تُوفِّر لأعضائها الملاذ الآمن عند الأزمات.
  • الركيزة الخامسة لإعلاء المسؤولية الوطنية أثناء الأزمات هي التضحية ونكران الذات، والبعد عن كل ما من شأنه شق عصا الجماعة تحت أي دعوى قد تودي بالجميع إلى الهاوية، لا سمح الله.

الوطن هو الخيمة الكبيرة التي نستظل تحتها، وعمودها هي القيادة، وأطنابها أجهزة الدولة، وحبالها هي ما تقوم به هذه الأجهزة من مهام، وسقفها هو الشرعية التي تُمثِّل الغطاء الذي يحمي الجميعَ من عواصف الزمن. نحن جميعًا تحت هذه الخيمة ومسؤوليتنا هي الحفاظ عليها ومنع الاقتراب منها.

وأكدت د. وفاء طيبة على ضرورة الانصياع للقانون الذي يضمن ديمومة المجتمع ويُوفِّر العدل والأمن، وأشارت إلى قوة هذه الركيزة بالفعل من أجل إعلاء المسؤولية المجتمعية، ويرتبط بها ضرورة متابعة وتطبيق القانون على الجميع من قِبل الجهة المسؤولة، فقد أثبت التاريخ أن الإنسان عادة لا ينصاع طواعيةً، وإنما بفعل تطبيق القانون التطبيق الجيد الفعال، والأمثلة على ذلك كثيرة. وفي هذا التطبيق والمتابعة للقانون عدل وإعطاء حق ومتابعة واجب، فمن حقي كسائق في الشارع السعودي أن أشعرَ بالأمان عند قيادة السيارة أو حتى عند خروج أحد من أفراد أسرتي للطريق، ومن واجب السائقين جميعًا ووزارة الداخلية توفير ذلك الحق.

ومن جديد، اقترح د. خالد الرديعان في ظل أزمة كورونا أن يتداعى أصحاب الحسابات المؤثرة والمشاهير في تويتر لإطلاق هاشتاق يدور حول المسؤولية الوطنية؛ بحكم أن عددًا كبيرًا من السعوديين هم من مستخدمي تويتر، فهذا الإجراء سيكون له تأثيرٌ كبير. ويمكن كذلك لإحدى قنواتنا التلفزيونية المؤثرة أن تعمل برنامج على الهواء يديره مجموعة من الإعلاميين المحترفين، ويُستضاف فيه بعض الرموز الوطنية للمشاركة والحديث عن المسؤولية الوطنية.

وركَّزت أ. علياء البازعي على أهمية الاستمرار في محاسبة المشاهير على شبكات التواصل الاجتماعي ومَن هم على منبر إعلامي مؤثر إذا ما تجاوزوا خاصة في أوقات الأزمات؛ لأنهم شِئنا أم أبينا لهم تأثير قوي على قاعدة جماهيرية عريضة، ومعظمهم لا يُقدِّر حجم المسؤولية التي على عاتقه. وعقَّبت أ. فائزة العجروش بأنها تعتقد أن العنصرية لا تزال غير مُجرَّمة أو مقنَّنة لدينا، وما نطمح إليه هو إنشاء نظام جديد يختص بمكافحة العنصرية، في حين أن جرائم التخوين بمختلف أنواعها قد تدخل تحت مظلات أنظمة أخرى حسب نوع الجريمة؛ كالخيانة عبر الشبكة العنكبوتية تحت نظام جرائم المعلوماتية، وكالعلاقة مع أحد الإرهابيين أو تمويل جهات مشبوهة تحت نظام جرائم الإرهاب وتمويله.

وأضاف م. فاضل القرني أن قوة الدولة فوق كل تأثير من خلال قوانين منصوصة، وتتضاعف بالأخذ على أيديهم. الذي نراه ونسمعه أن النائب أمر بإلقاء القبض على فلان للسبب الفلاني، لكن مع الوقت ينسى ماذا بعد! يعلن عن الجزاءات أو حكم المحكمة وبعض الإجراءات الحازمة في حساباته، غير أن يكون ذلك لأمور حسب أولويات تمسُّ الدين والوطن والنسيج الاجتماعي.

وأكدت د. وفاء طيبة على أنه بالفعل لو استمرت المتابعة وعُرفت العقوبة وأُعلنت حتى لو بالأحرف الأولى للاسم أو بأسماء رمزية إنْ لم يكون هناك نظام ينص على التشهير بهم، فالاعتقاد أن هذا سوف يكون له تأثير أكبر في الردع وإعادة ذكر العقوبة دائمًا حتى لو كان منصوصًا عليها في نظام الجرائم المعلوماتية، فقلة هم مَن يعرفون بوجود هذه الأنظمة، فما بالكم بالتعمق فيها وإدراك مثل هذه العقوبات!

من جهته، لاحظ أ. فهد الأحمري أن مؤسسات الوطن في حالة حراك على هيئة فريق واحد وتعاون مشترك؛ الكل يساند أعمال الكل بهدف تجاوز أزمة كورونا الاستثنائية. روح عالية يعضدها شعب متكاتف بكل أطيافه في زمن الرخاء فضلًا عن زمن المحنة. مَن الذي خلق هذه الروح الإيجابية في الأمة السعودية، مؤسسات عامة وخاصة وأفرادًا؟ إنها القيادة التي جعلت نُصب عينيها الإنسان وليس غير الإنسان، مواطنًا أو مقيمًا؛ الأمر الذي أشعر الإنسان بإنسانيته وقيمته في هذا الوطن. ولنا الاستدلال، ليس بأفراد من خارج الوطن فحسب؛ بل بقيادات ومسؤولي دول عظمى كالسفيرين الأمريكي والصيني في الرياض وغيرهما، والذين أثنوا على التدابير السعودية وطالبوا رعاياهم بالبقاء في بلادنا. وهذه الأمور مجتمعةً لا ترفع معيارَ الفخر والاعتزاز لدى الإنسان السعودي فحسب، بل تُعلي معيار مسؤولية المواطنة الحقَّة، والعمل من خلال الهوية الوطنية المشتركة من كافة أفراد المجتمع، وتصويب مشاعرنا جميعًا باتجاه المهام الملقاة تجاه كل فرد منَّا بفضل قيادة إشرافية متميزة.

ومن وجهة نظر د. خالد بن دهيش، فإن من أهم أسس إعلاء المسؤولية الوطنية في الأزمات التربية الوطنية أن يركز تعليمنا على تنمية الناشئة والشباب بالاتجاهات الوطنية ومعاني المروءة والفداء، ليزدادوا اعتزازًا بوطنهم ومجتمعهم وطبيعته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومكانته بين دول العالم؛ كونه يشرُف بخدمة الحرمين الشريفين، وموقعه الجغرافي والاقتصادي باعتباره من ضمن أكبر ٢٠ دولة اقتصادية في العالم وغير ذلك، ليكونوا أكثر إدراكًا ووعيًا بمقوماته، وجعلهم أعمق وعيًا بحقوقهم وواجباتهم نحو وطنهم. إلى جانب تنمية العاطفة الوطنية والحس الاجتماعي في نفوسهم، وإكسابهم الاتجاهات الإيجابية نحو دول العالم في زمن العولمة والثورة المعلوماتية والتقنية المتطورة، ومكانة وطنهم بين دول العالم؛ وبذلك نكون حققنا هدف إعداد مواطنين صالحين لديهم روح الولاء لوطنهم وتحمُّل المسؤولية أثناء الأزمات، وحب وطنهم والدفاع عنه والعمل من أجله، وغرس حب النظام واحترامه، وتنمية أسس الحوار والتعاون وحب الأعمال الخيرية والتطوعية.

أما م. خالد العثمان فيرى أنه مع كل حديث عن الوحدة الوطنية في هذه الأزمة وغيرها من المواقف التي تستدعي التآزر وتكريس اللُّحمة الوطنية، يبرز التساؤل: كيف لنا أن نفصل ونُميِّز ونُفرِّق بين الحراك الوطني الحقيقي المنزَّه عن المصالح والمواقف المؤدلجة وذلك الحراك الذي يتخذ الوطنية مطيةً لتحقيق مآرب مصلحية أو عنصرية أو أيديولوجية تناقض بالكلية أهداف الوطنية الحقة، وتهدم بنية اللحمة الوطنية وتفتُّ في عضدها وتبثُّ الفرقة بين أبناء الوطن. نحن بحاجة إلى شيء من الفلترة والتوجيه والتقنين لهذا الحراك حتى لا يكون مطية لأصحاب الأجندات الخفية والمصلحية. المواقف التي اتخذتها الجهات الأمنية مؤخرًا ضد بعض المشاهير مثلاً، تُبرز تحولاً إيجابيًّا في التعامل مع مثل هذه التصرفات، وربما نحن بحاجة إلى منظومة تشريعية أو ميثاق أخلاقي لحوكمة هذا الحراك وتأطيره في الإطار الصحيح الذي يؤدي الأهداف المرجوة منه.

وأيَّد أ. عبد الرحمن باسلم ذات الرأي، وأضاف أن ما نره من مزايدين في القنوات الفضائية أخرجَ مفهوم الوطنية والمواطنة من سياقهما الحقيقي إلى مفهومهما الضيق.

واتفق د. زياد الدريس مع ما ذهب إليه م. خالد العثمان فيما يتعلق بالتخوف من الشوفينية التي تلبس رداء الوطنية، وهي منها براء. وأضاف أن الحديث عن الوطن حديث منعش ورقيق ومُحبَّب للنفس التي تعي نعمة الوطن وتُدرك معنى أن يكون عندك وطنٌ آمن، لكنَّ الحديث عن الوطنية للأسف ليس بسلاسة الحديث عن الوطن نفسه، إذ هنا ستبرز الجدالات – الحادة أحيانًا – عن المفاهيم والدلالات والحقوق والالتزامات (والمزايدات والمناقصات باسم الوطن!). الفارق بين الحديث عن الوطن والحديث عن الوطنية مشابه كثيرًا للفارق بين الحديث عن الدين والتديُّن، ويمكن في هذا الصدد إيراد سياقين للتشابه: حين يُعلِن (أو يدّعي) الإنسان انتماءه إلى الدين أو الوطن، فإنه بدلاً من أن ينشغل بإثبات انتمائه، ينشغل بإثبات أو نفي انتماء الآخرين إلى هذا الدين أو هذا الوطن، وفحصهم وتمحيصهم تمهيدًا لمنحهم صك الغفران! ومثلما يستخدم البعض الدين لتخويف الناس وتصنيفهم وإقصائهم، يستخدم آخرون الوطن للتخويف والتصنيف والإقصاء، أولئك يستخدمون أداةَ التكفير، وهؤلاء يستخدمون أداةَ التخوين. ما يجب أن نُعزِّزه بيننا حقًّا، هو نشر ثقافة الخوف على الوطن وليس التخويف بالوطن.

وذكر أ. لاحم الناصر أننا نعيش هذه الأيام مكارثية تكاد تُمزِّق لُحمة المجتمع الذي سعت الدولة فترة طويلة لتقويتها وربطها وتعزيزها، خصوصًا ما يتم هذه الأيام من حملة بزعم الدفاع عن الوطن عبر استهداف مكوِّن من أهم مكونات الوطن وهم مَن ترجع أصولهم البعيدة إلى دول أخرى غير المملكة ممَّن يطلقون عليهم هؤلاء المكارثية المجنسين، حيث التخوين والمطالبة بسحب الجنسية والترحيل والمصادرة حتى وصل الأمر إلى مطاردتهم والبحث عن بعض المقاطع لهم ونشرها في تويتر واستعداء المجتمع عليهم؛ مما يستدعي وقفة حازمة من قِبل النيابة العامة ضد هذه المعرفات التي تنخر في جسد المجتمع والوطن بزعم الدفاع عنه، وتسيء له محليًّا ودوليًّا.

وبدورها أشارت أ. فائزة العجروش إلى أن أصحاب النوايا السيئة، وأصحاب الرسائل الخبيثة، والذين عادة ما نراهم (يتناقزون باللهجة العامية) في ظل وجود حدث ما، وينسلون بين جوانبه، كما هو الحال اليوم بعد تفشي جائحة القرن (كورونا) حيث كثرت المغالطات والتأويلات والتفسيرات والاجتهادات والتعليلات من ظهور بعض العينات التي نوَّه لها د. زياد (الشوفينية تحت رداء الوطنية، وهي منها براء) التي استغلت التصريحات غير المؤكدة ربما (لغاية في نفس يعقوب)، وقد يكونون مأجورين، أو مُوجَّهين لإثارة القلاقل والفتن، وربما إشباع لحالة نفسية، ولا تجد متنفسها إلا في مثل هذه البيئات الضبابية؛ فالوقت قصير ويجب استغلاله، ولِمَ لا تكون تلك العينات محل الاهتمام المجتمعي المترقب لكل صغيرة وكبيرة لمجريات هذا الحدث الجلل! وقدرة المواطن على التعاطي الواعي مع هذه النماذج هي الرهان الأكبر لصناعة الفارق.

وذهب أ. عبد الله الضويحي إلى أن المملكة العربية السعودية دولة حديثة جغرافيًّا وتاريخيًّا قياسًا بمعظم الدول. لم تكن قائمةً من قبلُ أو مستعمرة بقدر ما كانت عبارة عن كيانات متفرقة ذات أيديولوجيات وتوجهات مختلفة، جاء الملك عبد العزيز – طيَّب الله ثراه – ليجمع الشتات، ويُؤسِّس لأعظم وحدة في القرن العشرين ويُتوجها باسم جامع وموحد بعد أن كانت تتوارى خلفه المناطقية. والمملكة العربية السعودية كيان قام بذاته، وتأسَّس على أكتاف أبنائه، فلا غرو أن تتأصل الوطنية فيهم. الأمر الآخر أن الملك عبد العزيز – طيَّب الله ثراه – وضع “ألف باء” اللغة المشتركة بين الدولة والمواطن، ليؤسِّس لمفهوم المواطنة إدراكًا منه لأهميتها في استمرار الكيان من خلال سياسة الباب المفتوح التي سار عليها أبناؤه الملوك من بعده. وهذه المواطنة التي أسَّس لها تجلَّت في مواقف عديدة على مرِّ تاريخ المملكة. ولأننا نتحدث عنها في الأزمات، يمكن التوقف عند ما يلي:

  • أثناء الركود الاقتصادي الذي مرَّ بالعالم في منتصف الثمانينيات، وقتها توقف الصرف عدا الرواتب فقط، ولم تُعلن الميزانية عامين متتاليين، ثم أُلغيت أو خُفِّفت كثير من البنود، وقتها خاطب الملك فهد الشعبَ بكل شفافية ووضوح عن الظروف المحيطة، لتأتي بعدها “عاصفة الصحراء” بعد غزو صدام للكويت (حرب الخليج الثانية)، وكان المواطن على قدر المسؤولية في تقبُّل الوضع، بل والتطوع أيضًا للدفاع عن الوطن ومقدساته.
  • أزمة كورونا والتناغم بين موقف المواطن وموقف الدولة خاصة الحكومة ما يصعب الإحاطة به، لكن يمكن اختصاره بالقول: إذا أردنا أن نعرف جهود المملكة علينا أن ننظر لوضع الدول الأخرى (دول العالم الأول) في أوروبا وأمريكا من خلال تعاملها مع الأزمة، وشهادات مواطنيها في تعاملنا معها.

وإذا كانت التوعية بالمسؤولية الوطنية مهمة وضرورية في كل الظروف أو فرض عين؛ فإنها تُصبح واجبةً في الأزمات حيث تكثر الإشاعات خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي واستغلالها من ضعاف نفوس من الخارج لتمرير أجندات وأهداف معينة، مما يُضاعِف من دور ربِّ الأسرة في توعيتها وخاصة الأولاد بأهمية أخذ المعلومة من مصدرها الرسمي، واتباع التعليمات والإرشادات الصادرة بهذا الخصوص. لقد لاحظنا في هذه الأزمة كيف انصهر المجتمع والدولة في بوتقة واحدة، أثبتت عمق العلاقة والثقة المتبادلة بينهما. ولعلَّ من المناسب هنا الإشارة إلى مقولة الكاتب الاسكتلندي الساخر والفيلسوف “توماس كارليل” الذي عاش في القرن الثامن عشر: (جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، ولكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن).

وأضاف د. راشد العبد الكريم أنه إذا دققنا وأزلنا (المظهريات) وأخذنا الأمور في سياقها، نجد أن مستوى المسؤولية الاجتماعية لدى المواطن السعودي عالٍ جدًّا. رأينا هذا في حرب الكويت، ورأيناه في محاربة الإرهاب، ونراه في كثير من الأزمات. والاعتقاد أن الإعلام يفشل كثيرًا في عكس المستوى الحقيقي للمسؤولية الاجتماعية، أو يحجمها في صورة معينة. نحن لدينا عاملان مهمان قد لا يتوفران لكثير من الدول. (العامل الديني واحتساب الأجر)، وعامل (الولاء للأسرة الحاكمة).

في حين أشار أ. وليد الحارثي إلى أن جائحة كورونا، على عكس الجوائح والأزمات الأخرى، فهي لا تُشبه كثيرًا منها.. في تأثيرها على جميع البلدان، وعلى كل مجالات الحياة؛ لكنها – في الوقت نفسه- خلقت مقياسًا للوطنية، انعكس على تفاني واستجابة المواطنين في الخط الأمامي الأول: ميدان الصحة. وفي الخطوط الأمامية الأخرى: الإعلام، والأمن، والتغذية، والنقل. وهو يحدد ارتفاع أو انخفاض مستوى الوطنية في بلد ما. والحمد لله، كانت بلادنا من أكثر البلدان وطنيةً، وارتقت استجابة الناس فيها إلى درجة عالية. قابلها تعاطٍ رائع من قِبل القيادة والمسؤولين فيها. وبدا ذلك واضحًا في شبكات التواصل الاجتماعي، بالأخص “سناب شات”، إذ عادت بعض الفلاتر الوطنية للاستخدام، وصُمِّمت فلاتر وطنية جديدة، استخدمها الكثيرون في سناباتهم.

وأشارت د. عبير برهمين إلى أنه في الظروف الحالية في ظل أزمة كورونا، فالظن أن الوقوف صفًّا واحدًا مع الحكومة والدولة والتزام التعليمات الاحترازية التي تصبُّ في مصلحة الجميع وسلامة النفس وحماية الآخرين، هو إحدى وسائل إعلاء المسؤولية الوطنية. الهدوء والبعد عن الهلع وإعمال الفكر لتمحيص الغث من السمين في ظل التدفق الهائل للمعلومات التي تصلنا من كل حدب وصوب، وكثير منها لا يستند – للأسف – لمصادر موثوقة. الثقة التامة في أداء الحكومة وأجهزتها المختلفة في أسلوب إدارتها للأزمة الحالية. وإرجاء الانتقادات والآراء المغايرة لحين تخطي الأزمة، حيث سيكون هناك وقت مُخصَّص للتغذية الراجعة ووضع سيناريوهات عديدة للاستفادة من هذه الأزمة لمواجهة التحديات المختلفة مستقبلاً.

  • وسائل تنمية المسؤولية الوطنية لدى النشء والشباب:

ذكرت أ. هيلة المكيرش أنه غالبًا ما يكثر النقاش حول كيفية تنمية المسؤولية الوطنية لدى النشء والشباب وكيفية العمل على إعلائها لدى المواطن. وتتعدد الآراء حول ذلك؛ حيث يراها البعض من خلال الاحتفال باليوم الوطني أو الالتزام بالزي السعودي أو باعتماد مادة التربية الوطنية وغيرها، بينما يرى آخرون أن ذلك يتم من خلال تعزيز الانتماء للوطن عبر توفُّر الخدمات وحماية حقوق الفرد ووجود إشباع حقيقي من كافة الأوجه.

في حين ترى د. هناء المسلط فيما يتعلق بعملية تنمية المسؤولية الوطنية لدى النشء أنها متداخلة، ويجب أن تكون متكاملةً من حيث الجهد المبذول من قِبل مؤسسات عديدة في المجتمع. ولا يكون نجاحها وتحقيق نتائج إلا بتكاتف هذه المؤسسات. فلو تناولنا التعليم مثلًا، نجد أنه لا بد من ربط التعليم ببيئة الطلاب لتعليمهم الانتماء والاهتمام بالمجتمع المدني، وإقامة الأنشطة التطوعية التي تخدم المجتمع. كذلك التركيز على تاريخ البلاد وجغرافيتها ووحدتها بما يناسب قدراتهم ويُعمِّق جذور الانتماء للوطن. كما أن للتنشئة الاجتماعية الدور الأكبر في تعليم وترسيخ هذه المسؤولية والتي بدايتها تكون من ولاء وانتماء الفرد لأسرته واحترام أفرادها، والتعرف على مهامه وأدواره كتدريب أولي لتحمُّل المسؤولية الكبرى. أيضًا لباقي المؤسسات أدوار مهمة لتعزيز الجوانب الوطنية، وخاصة الإعلام. وكذلك بعض المؤثرين في المجتمع. إذا تم وضع الأسس الصحيحة للتربية الوطنية حاضرًا، فإننا سنواجه ونتغلب على أي أزمة مستقبلًا.

وترى د. هند الخليفة بأنه ومن أجل تنمية وتعزيز مفهوم المسؤولية المجتمعية في ارتباطه بالمواطنة لدى النشء والشباب السعودي، يجب الأخذ بما يلي:

  • تركيز مؤسسات المجتمع المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية (الأسرة والمدرسة والإعلام) على تربية الأطفال على المواطنة والوطنية؛ من خلال تدريبهم على الشراكة في أوطانهم، والتمكُّن من المهارات اللازمة لتفعيل دورهم في المجتمع في الحاضر والمستقبل.
  • توفير القدوة الصالحة في سلوك الراشدين تجاه المجتمع.
  • اتباع المنهج التربوي الديمقراطي.
  • التدريب على تحمُّل المسؤولية.
  • اتباع المنهج التطبيقي في ممارسة المواطنة والتعبير عن الوطنية.

ومن جانبها، اتفقت د. وفاء طيبة مع ما ذكره م. فاضل القرني في الورقة الرئيسة من أن الوطنية ليست فقط من أجل الإنتاج أو تأطير المفهوم في مادة الوطنية التي تُدرس في المدارس، فيدرسها الطالب في حصة ٤٥ دقيقة، ويجد مخالفاتها طوال بقية الأسبوع من معظم مَن حوله، من أساتذته ومعلميه ومَن هم في الشارع، بل كثيرًا من أمه وأبيه، ولو أننا علمنا منهج الوطنية ومبادئها وأخلاقها للمعلمين والراشدين لكان الناتجُ أنجعَ من مادة تُدرَّس ويُفرغها الطالب في ورقة اختبار ثم يقذف بها عرض الحائط كما يفعل كثيرٌ من الراشدين حوله. فالقدوة والمثل الأعلى والمشاهدة أهم أسلوب في تعلُّم السلوكيات وإيقاد المشاعر. والحقيقة أن حب الوطن والوطنية كشعور لا تتحول دائما إلى مواطنة، أي سلوك، فكم رأينا من سعوديين يحبون وطنهم ولا يرضون عنه بديلا، ولكنهم على مستوى السلوك يسرقون أعمالهم بعدم استخدام الوقت في الإنتاج، أو لا يحافظون على المال العام ويستخدمونه لحاجاتهم الشخصية، أو يرمون القاذورات في الشوارع. من المؤكد أن كثيرًا جدًّا من المواطنين ضربوا أروعَ الأمثلة في تحمُّل المسؤولية في جائحة كورونا الحالية، وعلى رأسهم القطاع الطبي والأمني، وندعو لهم بالسلامة والأجر، فهل اختاروا المهنة أم اختارتهم؟ غالبا اختارتهم وحدَّدوها، بمعنى أن هذه المهن لا تقبل ولا يبقى فيها غير الشخصيات المسؤولة؛ ومن جهة أخرى، فأعمالهم ومهنهم تُهذِّب وترفع فيهم هذا الحس، وهذا لا يمنع وجود كثيرين آخرين في مجالات أخرى هم مسؤولون في سلوكياتهم مع أوطانهم، ورأيناهم في الاقتصاد والزراعة والبناء والهندسة وغيرها من مجالات. وكلما كان الشخص أكثر وعيًا كان أكثر مسؤولية، لا بد من التركيز في التربية عمليًّا (أسرة ومدرسة) على رفع الوعي ومعرفة الحقوق والواجبات، وأن كل حق يقابله واجب، وستكون النتيجة أن يتخذ منحى المسؤولية الاجتماعية تجاه الوطن منحىً طبيعيًّا على الأقل.

أما د. نورة الصويان فأكدت على أنه لا أحدَ يختلف على حب الجميع لهذا الوطن المعطاء، والانتماء كما هو معروف أحد الاحتياجات الأساسية للفرد والدوافع المؤثرة في حركته. ما نلمسه أن الشعور بالانتماء موجود، ولكن الدوافع المؤثرة في حركته هو ما نحتاج أن نُركِّز عليها وندرسها ونُحدِّدها؛ وذلك ليرتقي هذا الشعور إلى ممارسة سلوكية عملية تتجسَّد في التصرفات اليومية للأفراد من خلال الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية. نحتاج أن نُعزِّز هذا الإحساس من خلال العمل والممارسة لنُحقِّق أهدافَ رؤيتنا الوطنية ٢٠٣٠، ونصل لبناء وطننا. نحتاج أن نُعزِّز الأخلاقيات الإيجابية النابعة من ديننا وتراثنا وتاريخنا، وأن نغرس في شخصيات أطفالنا مُنذ الصغر حبَّ الوطن والفخر به والانتماء إليه، وأن نُعلِّمهم ونُشجِّعهم على التعبير باستمرار عن حبهم للوطن، وأن نُعرفهم بتاريخنا الوطني المشرف، وكفاح أجدادنا، ومقدساتنا وما يحويه وطننا من خيرات ونِعَم، وأن نُعرِّفهم بربوع بلادنا ونأخذهم إليها ونغرس فيهم حب هذه الربوع والانتماء لها والدفاع عنها. حب الوطن والشعور بالمسؤولية تجاهه والولاء لقادته جزء من منظومة متكاملة من الضروري أن يتشربها الطفل منذ الصغر من خلال التنشئة الأسرية وبقية المؤسسات التعليمية والتربوية، وتنمية الشعور بالمسؤولية من أهم الأمور التي لا بد أن تُنمَّى لدى الطفل؛ مسؤوليته تجاه وطنه وقادته ومجتمعه، ويكون ذلك بشكل تدريجي وبطريقة مبسَّطة بحيث تتطور مع تقدُّم الطفل في العمر وحسب المراحل العمرية، إلى أن يصبح شابًّا يعرف دوره ومسؤوليته تجاه وطنه وقادته ومجتمعه.

وذهب د. راشد العبد الكريم إلى أن تنمية المسؤولية الاجتماعية لدى النشء يكون من خلال أمرين رئيسين: إيجاد وتعزيز الاتجاه الإيجابي (الموقف النفسي) تجاه الوطن ومكوناته الأساسية، والثاني غرس سلوك المواطنة العملي لدى الجميع، خاصة الأطفال. يجب أن يكون واضحًا للجميع أن (المسؤولية الوطنية) قيمة مربحة ولو على المدى البعيد ـ وفي المقابل يجب أن لا يشعر المواطن أن (اللامسؤولية) الوطنية هي طريق النجاح. ويجب أن لا نُصوِّر الوطنية في سلوك لفظي؛ لأن هذا يُسهِّل نشوء مسؤولية وطنية زائفة.

وأكد أ. عبد الرحمن باسلم على أهمية التأكيد على أمرين مهمين بصدد تنمية المسؤولية الوطنية لدى النشء والشباب، وهما:

  • احترام كامل لكافة الأفراد من كافة الجنسيات أبناء الوطن والمقيمين، وأن نُظهِر حُسن غراسنا الإسلامي الوطني باحترام الشعوب كافة، وأن أساس ذلك ديننا الحنيف وأنظمتنا التي تحترم الإنسان على أي أرض وتحت أي سماء.
  • احترام كامل للأنظمة والقوانين، وأن نُحقِّق الرؤية برقي وطننا كأحد البلدان التي يُشار لها بالبنان من حيث احترام الأنظمة، والقضاء على الفساد والمحسوبية حتى يتحقق معنى المواطنة من كل فرد.
  • آليات عملية مقترحة لتعزيز المسؤولية الوطنية:

يرى د. نبيل المبارك أن الوطن هو “الأنا”، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ أرض، ولاة أمر، مواطنين ومقيمين، من الشمال الأشم إلى الجنوب الأشد، من الغرب إلى الشرق، تحت ظل حكامها من قلبها النابض نجد العذيَّة. ولكن الأساس والقاعدة في المواطنة هي “الممارسة”، والمواطنة دون ممارسة من قِبل الجميع تعتبر شعارات لا معنى لها:

  • كيف تُترجم تلك المشاعر إلى نظام عام يعمل كالساعة التي لا تُخطئ التوقيت، يستمر طول العام في سقيا أرضه بكل ما هو جديد وكل إبداع وكل مقومات القوة حتى ينافس الوطن أعتى الدول، ولدينا قيادة أعلنت بوضوح أن طموحنا عنان السماء. وعليه، نحتاج إلى دليل مكتوب لتوجيه القلوب والعقول معًا. المسألة ليست عاطفة فقط، فنكتب المعلقات، وليست آلة أيضًا، تنتج دون توقُّف ودون هدف. مع الأسف، مرَّت أوقات تم تعريف الوطن بتعاريف وتخاريف، من منطلقات ليس لها أساس. للوطن تعريف واحد فقط.
  • كيف نحدُّ من الانحرافات ذات اليمين وذات الشمال، من أشخاص أو كيانات تدعي الوطنية ولا تُمارسها ولا تؤمن بها، بل مع الأسف تتاجر بها لمصالحها؟
  • كيف نضمن أن لا يصل متسلقون للسلطة يضرون بها الوطن ولا يفيدونه؟ الواقع، في بعض الأحيان يقول إنهم موجودون، ويصلون ولا ندري كيف!
  • كيف نضمن أن يكون لدينا رجالات دولة تعمل بصمت (الخويطر)، ورجالات دولة تدافع بحجج وتُغرِّد بمجد (القصيبي)، ورجالات تُخطِّط لبعيد وبحذر (أبا الخيل)، ورجالات دولة تحفظ الأسرار (القصبي)، ورجالات تُشير وتنصح بصدق وأمانة (العيبان)، وغيرهم كثير، ولله الحمد.
  • كيف نضمن أن ينخرط الجميع في ممارسة الوطنية كلٌّ من خلال موقعه الذي هو فيه؟ كيف نضمن أن لا وجود للتمايز في خدمة الوطن؟
  • كيف نضمن أن لا نتعامل مع الوطن كصراف آلي، نعشقه عندما يدندن بصوت النقود التي تخرج وقتما نطلب؟ ونكفر به عندما يكون خارج الخدمة مؤقتًا أو حتى دائمًا، لا سمح الله؟ وإنما عشق للتراب، وإخلاص للقيادة، وحفر في الصخر لاستخراج مائه، وإنْ لم نجده نموت على أرضه.
  • كيف نضمن أن يكون إيماننا بوطننا اليوم هو نفس إيمان أبنائنا، مع كل تلك التغييرات التي تجاوزت الحدود إلى المضاجع دون جمارك؟ كيف نُوازن بين العولمة والوطن؟ تحدٍ حقيقي، علينا أن نستعد له، ونجد التوازن المطلوب.
  • كيف نضمن أن نكون جميعًا سيوفًا، بما فيهم ممتلئ الجيوب ونافخو الخشوم، جاهزة للدفاع عن الوطن وقت الجد وليس للغدر أو المغادرة؟ هل التجنيد الإجباري خيارٌ وارد لصقل الشباب والفتيات؟ ربما.
  • كيف نضمن أن نزرع التقنيات، نمتلكها بل نخترعها أيضًا في عقولنا قبل أجهزتنا، ولا نستهلكها على حساب جيوبنا بالدولار واليوان؟
  • كيف نضمن أن نُفرِّق بين نقد المحب للأخطاء والتجاوزات والتي لا بد منها في أي عمل مخلص، وبين نقد المحرضين والمتربصين، ولا نخلط بينهما؟ كيف نرفع المخلصين وننبذ غيرهم؟

وأشار أ. عاصم العيسى إلى ما ورد في الباب الثالث من النظام الأساسي للحكم، وهو الخاص بمقومات المجتمع السعودي، ومن ذلك المادة (11): “يقوم المجتمع السعودي على أساس من اعتصام أفراده بحبل الله وتعاونهم على البر والتقوى والتكافل فيما بينهم وعدم تفرُّقهم”، والمادة (12): “تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كلَّ ما يؤدي إلى الفرقة والفتنة والانقسام”. وفي ضوء ذلك، فإن ثمة حاجة إلى إيجاد برنامج عملي تطبيقي، لتعميق المواطنة ومعايشتها، يُعزِّز العمل والعطاء بإتقان لأجل الوطن ومجتمعه. ومن ذلك: سن (نظام المجتمع)، وإقرار (إستراتيجية وطنية لتعزيز المواطنة ومحاربة ما يُضادّها). ومن وجهة نظره، فإنه يمكن الأخذ بالتطبيقات التالية لتفعيل المواطنة:

  • الولاء تسنده القيم: وقد تجلى ذلك في التعامل مع أزمة كورونا الحالية كمثال كانت ركيزته الإنسان أولًا، وإنْ كان على حساب الربح والخسارة المُعوَّضَة لاحقًا، في حين خسرت دول استندت قيمتها على الربح وإنْ كان على حساب الإنسان، هنا نجحنا بالقيم، وطنيًّا وولاءً؛ مما يُعزِّز أن خير تعزيز للمواطنة هو تفعيلها على أرض الواقع.
  • إحياء الإتقان والتميُّز في العمل: فذلك يرفع الفخر بالوطن، ورجالاته، وإكرام المتقنين.
  • الوطن عاطفة: ولكن التركيز على العاطفة وحدها لا يكفي، إذ بالعطاء والعمل تترسخ وتزيد.
  • كلنا مسؤول: حيث يجب تعزيز الثقة بالمجتمع، بوصفه ركيزة المواطنة، وإبراز قيمة أن المجتمع بخير وكلنا مِعطاء مُحب لسفينة بلده، بكل مقوماتها؛ وهذا يقتضي إبراز الدور المجتمعي والثقة به وتقدير جهوده، فالثناء حق للمسؤول والقيادة وكذلك للمجتمع وأفراده.
  • مُساءلة مَن اعتدى على قاعدة (كلنا مسؤول): وهذا يقتضي احترام الأنظمة وتقدير المرحلة، ومساءلة بالذات مَن شاعتْ تصرفاتهم غير المألوفة أو الغوغائية أو شديدة التفلُّت؛ مما يقتضي أحيانًا استنادًا إلى السياسة الشرعية الممنوحة للقيادة، مُضاعفة العقوبة لهم، ويشمل ذلك بعضَ الفئات المُفترض بها المسؤولية، كالمشاهير والمسؤولين، إذ خطأ أحدهم ليس كخطأ الرجل العادي.
  • اقتراح سن (نظام المجتمع): ويرتكز على تقرير سمات المجتمع وحقوقه وواجباته، ومن ذلك ما له وما عليه في الأزمات، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ، وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ” (رواه البيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث 19668).
  • تحديد مظاهر غير مقبولة للوطن، ورفضها عمليًّا: ومن مظاهرها: الأداء الزائف باسم الوطن، أو التغني بالقبائلية والمناطقية والطبقية، أو استنقاص مكونات باسم الوطن (كمَن ينتقص مَن لهم أصول محددة) رغم أن ذلك زيف ويضر باللُّحمة ويُسيء للمجتمع، أو الإساءة للوطن بغشه أو سرقته أو المتاجرة باسمه، أو تخوين الآخرين؛ وخاصة المسارعة في تخوين مَن ينتقد نقدًا بنَّاءً لأجل الوطن، إذ الأصل الثقة برجالات المجتمع ومنحهم المساحة للمشاركة، وكل ما سبق معول هدم لأبناء الوطن، معول فرقة لا اجتماع.
  • تعزيز التفاعل المجتمعي، والمشاركة بالقرار كلٌّ بحسب تخصصه: ومن ذلك تفعيل دوره والسماع لصوته من خلال الغرف التجارية ووسائل الإعلام والتواصل المباشر والجمعيات الأهلية والأندية، مع ملاحظة إحجام البعض عن المشاركة، بحجة أن صوته غير مسموع، وهذه الفجوة خطرة، وتضييقها بالتفاعل المجتمعي والمشاركة. ويمكن في هذا الصدد إقرار جائزة في كل جهة حكومية، تكون لأفضل مشاركة استفادت منها الجهة، من خلال مقال مكتوب أو اقتراح أو دراسة مقدَّمة، وتكريم صاحب المشاركة، ونسب القرار لاقتراحه، وبذلك نؤكد عدم صحة أن الصوت غير مسموع. ومن المظاهر المنافية للوطنية، شعور الوطني بالخوف من المشاركة، ولهذا أسبابه؛ منها الجهل بمساحة الحوار أو بأدواته، وهو ما يقتضي تعزيز منصات الحوار وأدواته ومنح المساحة للعطاء، والتدريب على المشاركة، مما يبني مواطنًا قويًّا بعطائه وولائه، وترتكز على الثقة المتبادلة بين المواطن والمسؤول.
  • عدم المبالغة بالإفراط في المديح والإطراء: تتسم كثير من المداخلات الإعلامية بالإفراط بالمديح والإطراء، والخشية أن هذا الديدن يصل إلى درجة المبالغة والتكرار، فيكون مفعوله عكسيًّا، فالواقع أن العمل والإتقان ثم الحديث عنه أنجع في القبول، وهو ما اتسم به أداء أجهزة الدولة في أزمة كورونا الراهنة.
  • توسيع مفهوم المجتمع ليشمل الجميعَ: فمن المهم توسيع مفهوم المشاركة لأجل الوطن، ليشمل مع كل مواطن، كلَّ مَن هو يعيش على تراب هذا الوطن، فيكون الجميع (مواطنون وغير مواطنين) على قدر المسؤولية والاحترام، ومنع الإساءة للجميع بحيث يتكاتفون جميعًا لخير الوطن.

وذكرت د. الجازي الشبيكي أن هناك مسارين يمكن الحديث عنهما فيما يتصل بتعزيز المسؤولية الوطنية في أوقات الأزمات أو خارجها؛ الأول: المسار التأسيسي المبادر بعيد أو طويل المدى. والثاني: المسار الآني العلاجي قصير المدى. ويتطلب المسار التأسيسي أن تكون هناك خطة إستراتيجية على المستوى الوطني تستهدف رفع مستوى المشاعر الوطنية والتحفيز على تحقيق متطلبات المواطنة الحقيقية في كل الأوقات، وفي أوقات الأزمات بشكل خاص، هذه الخطة كما جاء في رؤية المملكة 2030 لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال تكامل الأدوار وتحمُّل المسؤوليات بين القطاعات الثلاثة (الحكومي، والخاص، ومنظمات المجتمع المدني) وَفْق مستويات تخطيطية كبرى تتفرع وتتوزع وتُنفِّذ وتُتُابع وتُقيِّم وتقوِّم، ويُركَّز فيها في هذه المرحلة بالذات على الأسرة والمؤسسات التربوية المختلفة والإعلام وغيرها من المنظمات ذات العلاقة بالتخطيط الجذري.

أما المسار الآني العلاجي فيبرز فيه أهمية دور القادة، قادة المجموعات المختلفة، سواء قادة الأسرة أم قادة المنظمات الحكومية وغير الحكومية بمختلف مستويات القيادة، انتهاءً بالقيادة العليا للوطن. ففي وقت الأزمات يحتاج الناس للقيادة الرشيدة المتسمة بالقدرة على تحمُّل المسؤولية، ورفع الروح المعنوية والمُحفِّزة على التواصل الفعَّال، وتهدئة المواقف المتوترة، وحصر التحديات والقضايا الإشكالية، واتخاذ الإستراتيجيات الجديدة، وتذليل الصعوبات. والحمد لله الذي تفضل على بلادنا بقيادة حكيمة، كانت على أكبر قدر من تحمُّل المسؤولية والتضحية بقطاع كبير من دخل واقتصاد الدولة لمصلحة المواطنين من خلال الإجراءات والقرارات التي تمَّ اتخاذها خلال أزمة “كورونا” الحالية. إلى جانب دور وأهمية القيادة في المسار الثاني، هناك أهمية للدور الإعلامي المتواصل والمكثف المتسِّم بالشفافية والمعلومات الصحيحة والواقعية، كي لا يكون هناك فرصة لتزييف الأخبار وتناقل الشائعات. أيضًا، على الجهات ذات العلاقة بالأزمة، أيًّا كانت هذه الأزمة مسؤولية التثقيف المستمر والمتواصل عن طبيعة الأزمة، ورفع مستوى الوعي بالإجراءات المطلوبة للتخفيف من وطأتها. كذلك، فإن الأسرة عليها دور كبير في إعلاء المسؤولية الوطنية لأفرادها وخاصة في أوقات الأزمات؛ من خلال التوجيه والإرشاد والقدوة التطبيقية الحسنة، وتوزيع المهام، والتحفيز على التجاوب البنَّاء. وكل مواطن ومواطنة عليهم مسؤولية عظيمة وكبيرة تجاه بلادهم في كل حين، وفي أوقات الأزمات على وجه الخصوص؛ استرشادًا بتعاليم ديننا الحنيف التي تحثُّ على هذا الأمر، وتحقيقًا لمتطلبات المواطنة الفاعلة، وتعاونا وتكاملًا مع تعليمات وإجراءات الدولة.

أما أ. محمد الدندني فيرى أن الوطنية وحب الوطن كائن حي يحتاج العناية والصيانة مع الوقت، والأهم معرفة الأسباب والعوامل التي تحافظ على ديمومتها. هناك الوطنية العاطفية وهي فطرة، فُطِر الإنسان عليها، وهناك الوطنية العملية أو ممارسة الوطنية. والوطنية العملية هي استحضار كافة مكوناتها؛ فهي الوطن المادي كأرض، والدولة بأركانها والشعب. لذا، هي كائن حي تستمر حياتها بسلامة كل الأركان. ويمكن في هذا الإطار التأكيد على المرتكزات التالية:

  • البُعد عن الوطنية العاطفية أو المزايدة أو العنصرية داخل الوطن وخارجه.
  • استيعاب أفراد المجتمع في ديناميكية القرارات عن طريق تفعيل المجالس المحلية وربطها بمجلس الشورى بآليات تضمن سماع متطلبات المواطنين والمواطنات، وفي نفس الوقت أن لا نخلق جسمًا بيروقراطيًّا ضخمًا يُعطِّل مسيرة النقاش والتوصيات.
  • تحديث قنوات التظلم بأنظمة حديثة، وقد بدأت والحمد لله، وهنا يجدر أن نشكر القيادة في هذا الأمر حيث تحديث وزارة العدل وما تم إنجازه.
  • توعية المواطن والمواطنة بحقوقهم، ليس فقط في علاقتهم مع الدولة؛ بل مع المؤسسات الحكومية والخاصة.
  • تعريف الزائر والمقيم بحقوقه المادية والمعنوية وقنوات الشكوى، وبالذات في الحقوق المعنوية.
  • حمل الهوية والمواطنة بتمثيلها أحسن تمثيل في داخل الوطن وخارجه.
  • الالتفات أفرادًا ومجتمعًا وحكومةً لضعفائنا من عاجزين وفقراء وأرامل وأيتام… إلخ. بجانب قنوات الدولة، وتفعيل التراحم والتذكير؛ بل والأمر ومعاقبة من يُقصِّر في واجباته تجاه هذه الفئة. القناة في التظلم المحاكم المستعجلة، ولجعل القناة أكثر فعاليةً يمكن أن تحتضن المجالس البلدية مثل هذه القضايا.
  • القضاء على البطالة ما أمكن، وبنفس الأهمية الصبر والتفهُّم لحديثي العاملين باستيعابهم وتفهُّم الأخطاء وتصحيحها، وليس النقد الجارح ولصق التهم؛ كالقول بأن السعودي لا يحب العمل… إلخ.
  • العمل على دمج المواطنين وجَعْلهم أحد المُلَّاك المهمين في مشروعنا الوطني (رؤية 2030)، فهذا مما يساعد على تفهُّم المواطن لبعض القرارات التي قد تُفهم أنها قاسية، ولكنها لمصلحة المواطن والوطن.

وعقَّبت د. وفاء طيبة على ما ورد في النقطة الأولى أعلاه بأننا لا نريد البُعد عن الوطنية العاطفية بشكل عام؛ لأن العاطفة هي المُحرِّك الأساس للعمل، فلن أعمل لوطني لولا عاطفتي نحوه وحبي له، هذا من جهة.  ومن جهة أخرى، نعم، نريد توجيه هذه العاطفة نحو السلوك الصحيح للمواطنة وليس الشوفينية كما يسمونها، والتي تخدم مصالح شخصية ولا تخدم الوطن، بل قد تكون ضده. أما بالنسبة للنقطة الأخيرة فهي بالفعل نقطة مهمة؛ ففي علم الإدارة، فإن الإنسان يملك المشروع أو القرار إذا شارك في صنعه، ومن الجميل أن نذكر أن بعض الوزارات دأبت مؤخرًا على وضع خُططها في مواقعها؛ لإبداء الآراء من قِبل المواطنين.

وأضاف م. إبراهيم ناظر أن من الآليات والإجراءات التي تُعلي المسؤولية الوطنية:

  • التركيز على التعليم وتدريس الأطفال والطلاب تاريخ وطنهم المعاصر والتضحيات والإنجازات التي بذلها المُؤسِّس ورجال الوطن من بداية التوحيد والتأسيس حتى ما نحن فيه من رفاهية ورغد عيش؛ ليستشعروا عظمة الرجال الذين شاركوا في بناء هذا الكيان الكبير، ويكونوا قدوة لهم.
  • نشر التوعية بأهمية الوطن بالمؤسسات الحكومية والإعلامية عامة.
  • توفير فرص العمل للشباب والمواطنين عمومًا من الجهات المختصة.
  • تخصيص مؤسسات للشكاوى والاستماع إلى المواطنين (وهذا موجود بالفعل).
  • اتخاذ الإجراءات الصارمة فيما يخصُّ الفساد وانتهاك حقوق المواطنين (وهذا حاصل، ولله الحمد).

وفي تصوُّر د. راشد العبد الكريم، فإن إعلاء المسؤولية الوطنية لدى المواطن يتطلب تفاعل مجموعة من العوامل الشخصية (المتنوعة) والاجتماعية. فهناك عوامل دينية تتعلق بلزوم الجماعة، والسمع والطاعة، وتتعلق أيضًا بقضية الرغبة في الثواب من الله بفعل الخير للآخرين؛ وهناك عوامل شخصية نابعة من الشعور الداخلي بالرغبة في المشاركة في الصالح العام. كما أن هناك عوامل اجتماعية، مثل شعور المواطن بأن هذا الوطن يعني له شيئًا، ويُقدِّم له قيمة مضافة في حياته سواء مادية أو معنوية. يجب أن يشعر المواطن أن المسؤولية الوطنية مجدية، ويجب أن لا يرى أمثلة على أن المواقف اللاوطنية تُكافَأ، بشكل مباشر أو غير مباشر.

وأكد أ. لاحم الناصر على إعلاء قيمة الوطن ومسؤولية المواطنة عبر زرع ذلك في اللاوعي عبر النشاطات الفنية والأدبية كالرواية والشعر والأفلام والمسلسلات؛ فمثلاً لا تجد فيلمًا أمريكيًّا يخلو من العلَم الأمريكي، والتركيز على أهمية ذلك فهو أمام كل منزل، والجميع يحترم ذلك ويرفض إسقاطه، كذلك في الكثير من الأفلام والمسلسلات تجدها تدور حول قصة بطل يُضحِّي من أجل الوطن، ويتم زرع الكثير من القيم داخلها عبر قصص شخوصها، وفي النهاية ينتصر الوطن، كذلك التركيز على عظمة الوطن وقوته وقدرته على حماية مواطنيه، والتركيز كذلك على قيم العائلة، والصلاة فكثيرًا من الأفلام لا تخلو من الصلاة على المائدة وفي الكنيسة، وإظهار عيد الفصح وعيد الميلاد بصورة مبهجة، وهذه قيم أمريكية أصيلة، كلها تُمرَّر عبر هذه الأفلام والمسلسلات والقصص فتنغرس في لاوعي المتلقي، حيث إن التوجيه المباشر غير مؤثر إطلاقًا.

وفي اعتقاد أ. جمال ملائكة، فإن هناك أمرين مطلوبين بشدة، وهما في غاية الأهمية، إذ إنهما يعمقان من روح الوطنية والمواطنة:

  • وقف كل أشكال العنصرية التي برزت في الساحة وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث هناك أشخاص قد يكونون من هذا البلد أو مأجورين من خارجه، اللافت أن بعضهم يعرف نفسه بالاسم. إنَّ بثَّ العنصرية في المجتمع السعودي لها ارتدادات خطيرة، ويجب وقف هذا بقوة القانون وبحسم وحزم، وكلنا يعرف أن ضرب الوحدة الوطنية خطيرٌ جدًّا على أي بلد. والدولة تستطيع بما لديها من إمكانيات الوصول لهؤلاء.
  • التنمية المتوازنة لكافة مناطق المملكة مع مراعاة عدد السكان في كل منطقة ومساحتها ونقاط قوتها وضعفها… إلخ. فهناك مناطق ضعيفة في البنية التحتية وتعاني من قلة الاستثمار فيها؛ مما يدفع شبابها للنزوح لمناطق توفِّر الفرص الوظيفية… إلخ.

 

كما ناقش الملتقى الأفكار التالية:

  • إقامة المؤتمرات والندوات والمحاضرات واللقاءات العلمية لنفس الغرض؛ للخروج بتوصيات مهمة يمكن تطبيقها.
  • التنسيق بين الجهات المعنية (أمن الدولة، وزارة الداخلية، هيئة الاتصالات والمعلومات، وزارة الإعلام)، لتفعيل أنظمة وقوانين وعقوبات النشر، وجرائم النشر الإلكتروني؛ للتصدي لكل ما يمسُّ الوحدة الوطنية، ونَشْر مضامين الكراهية والعنصرية بين المواطنين.
  • الاستفادة من التجارب الناجحة في الدول الأخرى لمعرفة الأساليب التي استخدمتها في رفع المسؤولية الوطنية أو المواطنة بين المواطنين.
  • البعد عن الوطنية العاطفية أو المزايدة أو العنصرية داخل الوطن أو خارجه.
  • حمل الهوية والمواطنة بتمثيلها أحسن تمثيل في داخل الوطن وخارجه.
  • دعم مؤسسات المجتمع المدني كجمعيات ومؤسسات خيرية، للقيام بأدوار داعمة لضعفائنا من عاجزين وفقراء وأرامل وأيتام… إلخ، بجانب قنوات الدولة.
  • من أهم ركائز المسؤولية الوطنية الانصياع للقانون والالتزام به، وبه يتحقق الاستقرار وتُحفظ الحقوق ويشيع العدل.
  • تعد المحافظة على الممتلكات العامة وصيانتها من التخريب إحدى ركائز المسؤولية الوطنية.
  • التزام الفرد بالعمل بجدٍّ ونزاهة يعَدُّ إحدى ركائز المسؤولية الوطنية.
  • التطوع والمساهمة في الخدمة أثناء الأزمات يعَدُّ من مظاهر الوطنية.
  • رفع كفاءة المؤسسات الإعلامية وكوادرها عبر برامج مكثَّفة وموجَّهة.
  • تعزيز مبدأ الشفافية والشراكة للمواطن أثناء الأزمات ليكون شريكًا متفاعلاً؛ مما يُعزِّز الوطنية.
  • إن تعزيز المسؤولية الوطنية يتطلب النظر إليها كمنظومة متكاملة العناصر والأدوار (دور الفرد – الأسرة – المدرسة – الدولة).
  • تكثيف التوعية للوالدين بأهمية الوطنية ودورها في استقرار الفرد والمجتمع حتى يكونوا قدوةً للأبناء.
  • سن الأنظمة والقوانين الاجتماعية التي تضبط سلوك الأفراد، وتحدُّ من التعديات العنصرية.
  • تعزيز التفاعل المجتمعي بتسهيل قنوات المشاركة المختلفة (وسائل التواصل الاجتماعي- عضوية الغرف التجارية- مجالس البلدية).
  • تكثيف برامج التوعية التي تحثُّ على الاحترام المتبادل للإنسان، وعدم الانتقاص من أي عرق أو جنسية.
  • اقتراح جائزة وطنية في كل جهة لأفضل مشاركة أو مقترح استفادت منه الجهة.

 

  • التوصيات:
  • إثراء المناهج الدراسية بالمفاهيم الوطنية والمسؤولية الاجتماعية وقيم المواطنة المختلفة تعليمًا وتطبيقًا. وأن تكون مادة التربية الوطنية تعمل على تنمية اتجاهات الشباب عن المسؤولية الوطنية. وفي المقابل، تفعيل دور المعلم كقدوة تربوية لتعزيز المسؤولية الوطنية لدى النشء، ورفع كفاءته في هذا الجانب بالتدريب العملي.
  • إعداد ونشر البرامج الإعلامية المتخصصة وتوجيهها لجميع شرائح المجتمع حول هذه القضايا المهمة، على أن تُنفَّذ بحبكة إعلامية مدروسة، بعيدًا عن نمط المباشرة التي نُشاهدها بشكل روتيني في جميع وسائل الإعلام الوطنية. وضرورة إنشاء حسابات متعددة على منصات التواصل الاجتماعي لخدمة هذا التوجه. ونشر ثقافة التعاون والتراحم وتعزيز ثقافة احترام العمل الشريف.
  • القيام بتحليل ودراسة وسائل التواصل الاجتماعي؛ لرصد التوجهات الفكرية التي تعمل على شقِّ الصف والوحدة الوطنية وبث الإشاعات التي تستهدف الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي، والتعامل معها بحزم وحسم حسب النظام.
  • العمل على دمج المواطنين وجعلهم مُلَّاكًا مهمّين في مشروعنا الوطني (رؤية 2030)، فاستيعاب أفراد المجتمع في ديناميكية القرارات يجعلهم مُلَّاكًا لها، وذلك عن طريق تفعيل المجالس المحلية وربطها بمجلس الشورى بآليات تضمن سماع متطلبات المواطنين والمواطنات، وفي الوقت نفسه أن لا نخلق جسمًا بيروقراطيًّا ضخمًا يُعطِّل مسيرة النقاش والتوصيات.
  • توعية المواطن والمواطنة بحقوقهم وواجباتهم، وتعريف الزائر والمقيم بحقوقه المادية والمعنوية، وتحديث قنوات التظلم بأنظمة حديثة.
  • الاعتزاز بالعلَم السعودي والاهتمام بتواجده في كل مَحفل.
  • مراعاة التوازن في البرامج التنموية والخدمات لتشمل جميع المناطق.
  • دعم كتابة السير الشخصية لمخلصي الوطن، والذين يُمثِّلون قدوات يُحتذى بها.
  • اقتراح سن (نظام المجتمع): ويرتكز على تقرير سمات المجتمع وحقوقه وواجباته، ومن ذلك ما له وما عليه في الأزمات، ووضع خطة إستراتيجية وطنية لرفع مستوى المسؤولية الوطنية وتحفيز اللُّحمة الوطنية.
  • تعزيز أنظمة الرقابة ضد الفساد والواسطة.

 القضية الثانية

التحديات التي تواجه الأسرة في ظل التغيُّرات المتسارعة (جائحة كورونا)

(12/4/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: أ. د. مجيدة الناجم
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. زياد الدريس
  • التعقيب الثاني: أ. هيلة المكيرش
  • إدارة الحوار: د. مها العيدان

 

  • الملخص التنفيذي:

أشارت أ. د. مجيدة الناجم في الورقة الرئيسة إلى أن العالم يواجه اليوم جائحةً كبرى لم يشهد العصر الحديث مشابهًا لها، فقد امتدت من مشرق الأرض لمغربها، ألقت بظلالها على جميع مناحي الحياة وشؤونها. وهذا التأثير امتد ليشمل كلَّ شيء من حولنا، ومن المؤسسات التي انصبَّ عليها الضوء وتأثرت كثيرًا وما زال التأثير مستمرًا ولا يمكن حاليًّا تقدير حجمه واتجاهه هي الأسرة، وكلنا نعلم أن العقود الأخيرة شهدت تراجعًا كبيرًا لدور الأسرة التقليدية التي كانت تُقدِّم الرعايةَ الكاملة لأفرادها، حيث حلَّت مؤسسات كثيرة محلها في عملية التنشئة الاجتماعية، وشاركتها مؤسسات أخرى في أداء أدوارها. ومع هذه الأزمة، تغيَّر الوضع وعادت المطالبات للأسرة أن تستعيد دورها وتُمسك بزمام الأمر، من حيث الحفاظ على أفرادها من تأثير المرض، وأصبح المنزل هو المدرسة، والمكتب، والمسجد، ومكان الترفيه، فلم يعُد هناك عالمٌ خارجي كما السابق، وأصبحت الصلة به عن طريق الإعلام أو وسائل التواصل في العالم الافتراضي. وبالتالي، فإن هناك تغيُّرًا مفاجئًا في دور الأسرة، وفي طبيعة العلاقات، وفي طُرق إدارة الشؤون الأسرية بشكل عام. ولا يمكن الجزم بسلبية أو إيجابية ما حصل ويحصل حاليًّا، ولكن يمكن القول إن هناك تحدياتٍ تواجهها الأسرة، ومن تلك التحديات ما يتعلق بالتغيُّر في شكل العلاقات والأدوار في الأسرة والمشكلات الناتجة عنها، وكذلك المخاطر التي قد تتعرض لها الأسرة، وهو ما تتزايد معه أهمية دور الدولة في الحفاظ على الأسرة.

وذكر د. زياد الدريس في التعقيب الأول أن الموقف من التحولات في دور الأسرة سيكون على نمطين؛ الأول: التعايش مع التحوُّلات الطارئة والمؤقتة خلال مدة الجائحة (التي قد تطول). الثاني: التكيُّف مع بعض التحولات التي قد تكتسب صفة الديمومة حتى بعد عودة الحياة إلى طبيعتها.

في حين أوضحت أ. هيلة المكيرش في التعقيب الثاني أننا اليوم ونحن نعيش هذه الأزمة التي حلَّت بالعالم بأسره وبشكل غير متوقع، فمن الطبيعي أن تتأثر الأسرة حيث هي البناء الأول الذي يحتمي به الفرد ضد الكوارث، وفي تقديرها فإننا لم نتمكن من تحديد أهم المشكلات والتحديات برصد علمي دقيق؛ إنما يمكن أن نلمسها من خلال المعايشة والمشاهدة والملاحظة وآراء المختصين في الإرشاد الأسري. لكن وعلى الرغم من الآثار السلبية على الأسرة، إلا أن الأزمة لها جوانب إيجابية للأسر المستقرة لا بد من تناولها. وبصفة عامة، فإن هذه الأزمة كشفت الستار عن مدى تماسُك بنيان الأسرة واستقرارها، وذلك ما يخلق الفارق بين الأسر وقدرتها على مواجهة التحديات؛ حيث إن المواقف الصعبة والأزمات تُظهِر مدى قدرة الأسرة على البقاء.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحورين الأساسيين التاليين:

  • رصد لجوانب من التحديات التي تواجه الأسرة في الوقت الراهن.
  • الدور المأمول من الأسرة لتجاوز أزمة جائحة كورونا.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • مراجعة جميع الأنظمة ذات العلاقة بالأسرة لتطويرها وتعديلها، بما يكون ذا مردود إيجابي على الأسرة عمومًا، وفي وقت الأزمات.
  • وصول الإعلام من مجلس الأسرة إلى جميع الشرائح وجميع القرى في المملكة، بأن لا تقتصر رسائله على وسائل التواصل الحديثة؛ وإنما أيضًا في التلفاز والراديو والجوال.
  • وضع مجموعة من الخطط والإجراءات الوقائية للحد من العنف المنزلي أثناء الحجر المنزلي، مثل: زيادة الوعي، وتسهيل وصول الضحايا للخدمات، وتفعيل الخطوط الهاتفية الساخنة في مثل هذه الظروف، وتقديم الدعم والإرشاد النفسي والاجتماعي والحماية للمعنَّفين.
  • الورقة الرئيسة: أ. د. مجيدة الناجم

مقدمة:

يواجه العالم اليوم جائحةً كبرى لم يشهد العصر الحديث مشابهًا لها، فقد امتدت من مشرق الأرض لمغربها، وألقت بظلالها على جميع مناحي الحياة وشؤونها. وقد سارعت دول العالم في محاولة لاحتواء هذه الكارثة الصحية، والحد من انتشارها، فتوقفت عجلة الحياة التي كنَّا نألفها لتأخذ منحى آخر مختلفًا في جميع معطياته. وهذا التأثير امتد ليشمل كلَّ شيء من حولنا، ومن المؤسسات التي انصبَّ عليها الضوء وتأثرت كثيرًا وما زال التأثير مستمرًا ولا يمكن حاليًّا تقدير حجمه واتجاهه هي الأسرة، وكلنا نعلم أن العقود الأخيرة شهدت تراجعًا كبيرًا لدور الأسرة التقليدية التي كانت تُقدِّم الرعايةَ الكاملةَ لأفرادها، حيث حلَّت مؤسسات كثيرة محلها في عملية التنشئة الاجتماعية، وشاركتها مؤسسات أخرى في أداء أدوارها، ومع هذه الأزمة تغيَّر الوضع وعادت المطالبات للأسرة أن تستعيد دورَها وتُمسك بزمام الأمر، من حيث الحفاظ على أفرادها من تأثير المرض، وأصبح المنزل هو المدرسة والمكتب والمسجد ومكان الترفيه، فلم يعُد هناك عالم خارجي كما السابق، وأصبحت الصلة به عن طريق الإعلام أو وسائل التواصل في العالم الافتراضي. وبالتالي، فإن هناك تغيُّرًا مفاجئًا في دور الأسرة، وفي طبيعة العلاقات، وفي طرق إدارة الشؤون الأسرية بشكل عام. ولا يمكن الجزم بسلبية أو إيجابية ما حصل ويحصل حاليًّا، ولكن يمكن القول إن هناك تحديات تواجهها الأسرة، وسنُعرِّج على بعضها، ومن تلك التحديات:

  • أولًا: التغيُّر في شكل العلاقات والأدوار في الأسرة والمشكلات الناتجة عنها: تعَدُّ الأسرة هي المؤسسة الأولى المعنية بتقديم الدعم لكافة أفرادها على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم ومصالحهم، فهناك الأطفال والشباب والمسنون، ولكلٍّ منهم احتياجاته ومتطلباته، التي جرت العادة أن يتم إشباع جزء كبير منها من قبل جهات ومؤسسات أخرى (كالتعليم، والرعاية الصحية، والترفيه). فقد أصبح التعليم اليومَ في المنزل، وعلى الأسرة متابعة تعليم الأبناء والإشراف على تعليمهم، وهذا يُشكِّل ضغطًا على الأسرة الحالية التي الأب والأم فيها غالبًا يعملان، وهما أيضًا مطلوب منهما أداء مهام أعمالهم عن بُعد، ومن المتوقع أن يكون لهذه الأدوار المتداخلة والجديدة والمفاجئة في آن واحد تأثيرٌ على تفاعلات وعلاقات أفراد الأسرة؛ من حيث الخلافات التي قد تنشأ بين الزوجين في إدارة الأسرة، وفي تحديد الأولويات سواء من الناحية المادية أو في إشباع متطلبات الأبناء، ومتطلبات التعليم، والحفاظ على صحة كل فرد في الأسرة، والتي قد ينتج عنها مشاكل ومشاجرات قد تصل لحد ممارسة تُصنَّف ضمن العنف الأسري. وغالبًا هذه الممارسات ستظلُّ في محيط الأسرة، ولا نعلم هل ستصل للجهات ذات الاختصاص لمواجهتها والتعامل معها ورصدها أم ستظل في داخل المحيط الأسري؟ ولا يمكن تقدير إلى أين ستتجه؟ وما سيكون أثرها مستقبلًا على الأسرة وعلى العلاقات التي تحكم أفرادها؟
  • ثانيًا: المخاطر التي قد تتعرض لها الأسرة: تختلف المخاطر التي ستكون الأسر مُعرَّضة لها بناءً على معطيات متعددة، مثل مكونات أفرادها (أطفال، مسنين، معاقين)، وبناءً على مستواها الاقتصادي، وحتى البيئي (نوع السكن، والحي)، فالأسرة التي يوجد بها مُسِنٌّ أو أكثر هي في تحدٍ كبير نتيجة الوضع الحالي من حيث القدرة في الحفاظ على صحتهم سواءً الجسدية أو النفسية، فالتغيير الحاصل كبير عليهم، وفرض العزلة في هذه المرحلة العمرية له تأثيره، وافتقاد العلاقات الاجتماعية والتواصل الذي كان سمةً لمجتمعنا من حيث الحرص على الزيارة للمسنين والاجتماع بهم. وكذلك من الناحية الصحية الجسدية، حيث إنهم بلا شك أكثر عُرضةً – لا قدر الله – للإصابة بالمرض. وعليه، لا بد من توفير الاحترازات اللازمة، والتي قد تكون سبب خلافات أحيانًا بين المسنين والأبناء. كذلك الأمر بالنسبة للأطفال، حيث إنَّ بقاءهم الطويل في المنزل له تأثير بشكل أو بآخر على نموهم الاجتماعي لاحقًا. إضافةً إلى أنهم قد يكونون عُرضةً لممارسة الإيذاء ضدهم نتيجة اختلاف التوقعات بينهم وبين والديهم في قدرتهم على التحصيل الدراسي عن بُعد، أو في تقبُّل الوضع الراهن والتغير في طبيعة الحياة. كما أن المعاقين أيضًا وجودهم في الأسرة له تحدياته خصوصًا مَن كانوا يتلقون خدمات رعاية من مؤسسات أخرى. أما فيما يتعلق بالمخاطر الاقتصادية فهي التحدي الأكبر والأكثر تأثيرًا وخطورة، فهناك أُسر كثيرة تعتمد في دخلها على إنتاجها اليومي، ونتيجة للوضع الحالي انقطع الدخل، وأيضًا هناك الكثير فقدوا أو قد يفقدون أعمالَهم إنْ طال أمد الأزمة – لا قدر الله؛ مما يعني مزيدًا من البطالة، وهناك أُسر ستكون ضمن الأسر الفقيرة التي تحتاج مساعدة ودعمًا؛ وهذا سيُشكِّل ضغطًا على الضمان الاجتماعي وعلى الجمعيات الخيرية لاحقًا.
  • ثالثًا: دور الدولة في الحفاظ على الأسرة: منذ بداية الأزمة والدولة تسعى نحو الحفاظ على صحة الفرد وأمنه من جميع النواحي، واتخذت في شأن ذلك الكثير من القرارات الحازمة التي ساعدت في الحفاظ على الأمن الصحي والمجتمعي. وقد عوَّلت على الأسرة كثيرًا في تنفيذ تلك الاحترازات. هذا الوضع يجعل هناك تساؤلات حول ما هو الدور المتوقع من الدولة في الحفاظ على الأسرة كمؤسسة رئيسة في المجتمع، ودعمها حتى تكون حصنًا يمكن الاستناد إليه في الأزمات؟ حيث ثبت أنها اللبنة الأولى والحلقة الأهم في حفظ المجتمع، بل وفي حفظ الإنسانية. لذا، فإنه لا بد من أن تكون محلَّ اهتمام من حيث التشريع والحماية مستقبلاً.

 

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. زياد الدريس

في الحقيقة، إن الموقف من التحولات في دور الأسرة سيكون على نمطين؛ الأول: التعايش مع التحولات الطارئة والمؤقتة خلال مدة الجائحة (التي قد تطول). الثاني: التكيُّف مع بعض التحولات التي قد تكتسب صفة الديمومة حتى بعد عودة الحياة إلى طبيعتها. ولأكون واضحًا بما فيه الكفاية، فإنه يصعب عليَّ الآنَ فرز ما قد يندرج تحت التحول الطارئ مما سيندرج تحت التحول المستديم، قد يتبين هذا بشكل أوضح بعد أيامٍ من زوال الجائحة.

بالعودة إلى جذور النقاش، سأستعيد الآنَ ما سبق أن قلته هنا عن التهديدات الوجودية، التي كانت تتمدد من الغرب باتجاه الشرق، لتهميش دور الأسرة من خلال تحويلها من النمط العمودي (بإدارة الوالدين وولايتهما) إلى النمط الأفقي (بإدارة كل فرد لنفسه دون وصاية من أحد)، أو لتقويض الأسرة تمامًا من خلال تسويغ تشريعات زواج المثليين/ الشواذ، والترويج المتنامي بأن الأسرة يمكن أن تتكون من رجلين أو امرأتين!

جاءت هذه العزلة البيتوتية المفروضة بسبب كورونا لتُعيد للأسرة دورَها، بل أدوارًا لم تكن من مهامها من قبلُ، كالمهام التعليمية والتأهيلية والاجتماعية والنفسية والتغذوية، مما استطردت د. مجيدة في تفصيلاتها في الورقة الرئيسة بإحاطة كافية.

ومثلما استعادت كثيرٌ من الدول صرامتها وتراجعت عن كثير من تفويضاتها للجماهير، فقد استعادت الأسرة تلقائيًّا كثيرًا من هيبتها المهددة وصلاحياتها المسلوبة باسم الحرية!

وقد أصبح يقينًا لدى أفراد المجتمع كافةً أن أوقات الجِد والخطر والتهديد لا يُصبح الإنسان في غنى عن صرامة رأس الدولة ورأس الأسرة، فهما محورا الأمن الاجتماعي والاستقرار الوجداني.

ومثلما أن الدولة قد استفادت كثيرًا من الأسرة في مواجهة الجائحة، وعوَّلت عليها كثيرًا في أداء مهام متعددة بالنيابة عن مؤسسات الدولة المعطَّلة أو شبه المعطلة؛ فإنه ينبغي على الدولة، بعد زوال الجائحة بعون الله، أن تردَّ الجميل للأسرة، باعتبارها الذراع اليمنى للدولة، من خلال ردِّ الاعتبار لها وعدم السماح للعبثيين بتهديد وجوديتها.

  • التعقيب الثاني: أ. هيلة المكيرش

تعَدُّ الأسرة اللبنةَ الأساسية في بناء المجتمعات، وتُقاس قوة وضعف المجتمع بناءً على تماسك الأسرة أو ضعفها، كما أن صلاح المجتمع يعتمد على صلاح الأسرة كونها تعَدُّ المؤسسة الأولى التي تقوم بتنشئة الفرد وإعداده ليكون مواطنًا صالحًا، يليها المدرسة ثم المسجد والرفاق والمجتمع.

وصلاح واستقرار هذه المؤسسة يُحقِّق صلاحًا للمجتمع بأسره إلا أن هذا الكيان المهم يواجه الكثيرَ من التحديات منذ نشأة الحياة.

وبشكل موجز، أودُّ عرضَ أهم المشكلات والتحديات التي تواجه الأسرة السعودية بشكل عام قبل هذه الأزمة:

  1. تزايد معدلات الطلاق كما يظهر من إحصائيات وزارة العدل.
  2. ضعف التخطيط لمستقبل الأسرة وأفرادها، وخاصة التخطيط المالي.
  3. سيادة النمط الاستهلاكي والتنافس على الكماليات؛ مما يزيد من الخلافات، ويؤثر على علاقة أفراد الأسرة.
  4. اختلال الأدوار وغياب سلطة الأب؛ مما أثر على انضباط سلوك أفرادها، وبالتالي استقرارها.
  5. تفشي نمط الحياة غير الصحي؛ قلة الرياضة، والغذاء غير الصحي، وعدم تنظيم النوم.
  6. النزعة الفردية (الأنانية)؛ الإهمال والتجاهل من قِبل الزوج للزوجة أو الأبناء، وكذلك الزوجة نحو الزوج، والأبناء نحو والديهم.
  7. تراجع بعض القيم، مثل: الاحترام المطلق للوالدين، وتزايد النزعة الحقوقية لدى الأفراد.
  8. ضعف المسؤولية الاجتماعية لدى الأبناء؛ نتيجة الاتكالية على الخدم والوالدين والمعلمين، والمبالغة في الاستجابة لمتطلباتهم.
  9. تفشي العنف الأسري بكل أنواعه (النفسي، اللفظي، الجسدي).
  10. تنامي نمط الأسرة ذات البناء الفارغ.
  11. تراجع دور الأسرة التربوي، وحلَّ محله العالم الخارجي بمؤثراته المختلفة (وسائل التواصل والأصحاب (.

وما سبق استعراض موجز جدًّا لأبرز المشكلات التي تواجه الأسرة.

واليوم ونحن نعيش هذه الأزمة التي حلَّت بالعالم بأسره وبشكل غير متوقع، فمن الطبيعي أن تتأثر الأسرة حيث هي البناء الأول الذي يحتمى به الفرد ضد الكوارث، وفي تقديري أننا لم نتمكن من تحديد أهم المشكلات والتحديات برصد علمي دقيق؛ إنما يمكن أن نلمسها من خلال المعايشة والمشاهدة والملاحظة وآراء المختصين في الإرشاد الأسري، وذلك كما يلي:

  • الاضطرار إلى الحظر في المنازل يقابله الشعور لدى البعض بالملل، ومن ثَمَّ تزايد الشجار.
  • تزايد حالات العنف عنها في السابق.
  • هناك أضرار اقتصادية لحقت بالجميع خاصة مع تأثُّر الاستثمارات والأسهم.
  • تُعاني الأسر ذات الدخل اليومي أو المعتمدة على فرد واحد في الدخل يكون دخله من منشأة صغيرة من قلق حول مستقبلها المالي.
  • تزايد حالات القلق والاكتئاب نتيجة الخوف من المرض أو الخسائر المادية.
  • اعتماد الأبناء كليًّا على الأسرة في التعلُّم، وهذا يُمثِّل عبئًا على الوالدين، خاصةً الأم، التي في الغالب زادت أعباؤها في هذه الفترة.

وعلى الرغم من الآثار السلبية على الأسرة، إلا أن الأزمة لها جوانب إيجابية للأسر المستقرة لا بد من تناولها:

  • اجتماع جميع أفراد الأسرة.
  • التعايش والمشاركة في أوقات المتعة واللعب.
  • ضبط سلوك الشباب والمراهقين.
  • استقرار أوضاع الأسرة ببقاء الوالدين وتفرغهم للأبناء.
  • الالتفاف بين أفرادها؛ نظرًا لوجود خطر خارجي.
  • تقدير النِّعم التي كانت مألوفةً ومعتادةً.
  • إعادة النظر في بعض السلوكيات والممارسات السلبية والعودة إلى الله.

مقترحات لمواجهة تحديات الأسرة أثناء هذه الجائحة:

لا شك أن هذه الأزمة كشفت الستار عن مدى تماسُك بنيان الأسرة واستقرارها؛ وذلك ما يخلق الفارق بين الأسر وقدرتها على مواجهة التحديات، حيث إنَّ المواقف الصعبة والأزمات تُظهِر مدى قدرة الأسرة على البقاء:

  • إشاعة الأمان والحوار الهادئ.
  • الاستماع لمشاكل الأبناء والمخاوف التي تواجههم، وإظهار العاطفة والاحترام من جميع الأطراف.
  • وضع قواعد تُنظِّم البرنامج اليومي للأسرة، ومراعاة أن يكون هناك نشاط بدني.
  • التشارك في قضاء وقت ممتع ومُحبَّب.
  • تجنُّب الروتين والسعي إلى كسره بأنشطة محبَّبة.
  • إدارة حوارات أسرية تتناول استذكار النِّعم والإقلاع عن السلوكيات السلبية.
  • أهمية تفعيل الإرشاد الأسري الإلكتروني بكل أنواعه، وتسهيل آليات الوصول إليه.
  • تكثيف جهود التوعية حول الحقوق والواجبات، وتعظيم قيمة الترابط الأسري.
  • المداخلات حول القضية:
  • رصد لجوانب من التحديات التي تواجه الأسرة في الوقت الراهن:

ترى د. هناء المسلط أن أكبر تحدٍّ يواجه الأسرة اليوم في ظل هذه الجائحة هو كيفية توزيع المهام والأدوار داخل الأسرة الواحدة، وتدريب كل فرد فيها على تحمُّل المسؤولية، والحفاظ على التوازن من خلال التعاون والاستفادة من هذه التجربة بإيجابياتها وسلبياتها. والتحديات اليوم شاملة لجميع الجوانب الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية والاقتصادية. إنَّ هذه التحديات هي قياس حقيقي لمدى تماسُك الأسرة.

بينما وفي اعتقاد أ. لاحم الناصر، فإن أهم إشكالية تواجه الأسرة في هذه الجائحة وما تبعها، هو الحجر الذي ألزم الجميعَ بلزوم المنزل، مما يزيد الاحتكاكَ بين أفراد الأسرة؛ الأبناء مع بعضهم، الزوج والزوجة، الوالدين مع أولادهم، والضغط على العمالة المنزلية، مع الأخذ في عين الاعتبار الملل الذي يعاني منه الجميع، والضغوط النفسية نتيجة القلق وعدم إدراك متى ستزول الأزمة، والأعباء المتزايدة على الوالدين، وعدم تعوُّد الأبناء على التعلُّم عن بُعد الذي يستلزم تنظيم الوقت وتحمُّل المسؤولية، جميع هذه الضغوط سينتج عنها كثيرٌ من المشكلات والانفعالات؛ لذا يجب على الوالدين بالذات، وكذلك الزوج والزوجة الوحيدين تعلُّم إدارة الغضب والتحكم في الانفعالات وتجنُّب الاحتكاك مع الحرص على ضبط المسافة الخاصة بالخصوصية بين الجميع واحترامها، مثل أن يرغب أحد أفراد العائلة بالانفراد بنفسه فلا يتم إزعاجه، كذلك يكون هناك اتفاق مُسبَق بين الزوج والزوجة أنه عند حدوث احتكاك أو اختلاف فعندما ينسحب أحدهما لتهدئة الخلاف إلى غرفة في المنزل، فعلى الآخر تركه حتى يهدأ خصوصًا الرجل، حيث إنَّ كثيرًا من الرجال كان في السابق عندما يغضب لتجنُّب تصاعد الخلاف، يخرج من المنزل ليعود وقد هدأت الأمور فتحل المشكلة، كذلك بالنسبة للوجبات فلا شك أنه مع الحجر سيتغير نمطها؛ لذا فعلى الأسرة التسامح في هذا الجانب مع الأبناء وتحمُّل الفوضى في المطبخ مع توجيههم بطريقة فيها ليونة إلى أهمية ترتيب فوضاهم، ومتابعتهم في هذا الجانب، كذلك النوم وغيرها مما كان في السابق يتعامل معه الوالدان بصرامة. ويجب أن نعيَ أن كِبر الأسرة وصغرها، وكبر المنزل وصغره، وأعمار الأبناء، والدرجة العلمية والمادية تفرض مشاكل مختلفة وحلولاً متباينة.

وذكرت أ. فائزة العجروش فيما يتعلق بالأسرة والتحديات التي تواجهها في ظل جائحة كورونا، أن الكل يعلم كيف استيقظت الإنسانية على إثر كابوس فظيع لا يعلم أحد إلى أين سيمضي بالعالم، كابوس قد يُهلك الآلاف من البشر، ولن يسلم أي شخص منه إلا إذا التزم بالتباعد الاجتماعي.. وها نحن نرصد في ملتقى أسبار تجربتنا بعد أن انتزع منَّا كورونا بعض المسلمات “كالإنسان كائن اجتماعي بطبعه”؛ فيما يرى كورونا العكس، حيث يلزم الفرد أن يكون بعيدًا عن الجماعة إذا ما أرادوا أن يكونوا جميعًا في مأمن. وكما بينت أزمة كورونا أن العالم كله في حاجة إلى إعادة ترتيب أوراقه الصحية والاقتصادية والدبلوماسية والسياسية، بيَّنت كذلك للأسرة حاجتها لإعادة ترتيب أدوراها ومهامها، خاصة بعد ظهور بعض التحديات خلال فترة الحظر المنزلي، التي جعلت الأسرة تواجه امتحانًا صعبًا، وعليها النجاح فيه بامتياز بتعاون جميع أفرادها، ومن أهم هذه التحديات:

  • تضاعُف مهمة الأم.

فمن واقع تجربة شخصية، سرعان ما تمَّ تجاوز القيود المكانية، وسرعان ما تمَّ التخلص من الشعور بفقدان بعض من جوانب الحرية الشخصية والشعور بالملل والضجر من المكان الواحد طوال الوقت، ووجدتُ منزلي بحجم وطن، وأسرتي بحجم شعب.. لكن بلا شك تعددت وتعاظمت مسؤولياتي؛ وبالقطع فإن كلَّ أم بعد هذه الأزمة كبرت مسؤولياتها وتعددت ما بين مسؤوليتها الأولى والأساسية (التربية) والمسؤوليات الأخرى؛ كتوجيه الأبناء للاهتمام بصحتهم وعدم إهمال هوايتهم، وتنظيم الميزانية واختيار المائدة اليومية، في ظل الظروف الجديدة والتي تُحتِّم حسن الاختيار والاقتصاد والتدبير بما يتوافق مع ما لديها من أغراض غذائية  في المنزل، هذا كله إلى جانب الاهتمام بالنواحي النفسية لجميع القاطنين في المنزل بما فيهم العاملة المنزلية، وخاصة الزوج الذي يُعاني أكثر من الملل بسبب فقدان التواصل مع زملاء العمل والأهل والأصدقاء، بعكس الزوجة التي تجد راحتها أكثرَ في المنزل ومحاطة بعائلتها.

  • دور أكبر للأب.

نتوجه لشركائنا في المسؤولية الأسرية مَن يُشاطروننا هموم التنشئة والتربية والتعليم للأبناء، بحتمية تصحيح علاقاتهم مع أسرهم وأبنائهم (حتى لو كان الزوجان منفصلين)؛ وأخصُّ الآباء الذين كانوا يعدون منازلهم مسكنًا للنوم فقط، وبسبب بقاء الآباء والأبناء في منازلهم لفترات أطول لن تجدوا أفضل من هذه الفرصة، خاصة وأن الأبناء هم الآنَ في أمسِّ الحاجة لمَن يقف معهم؛ فمنهم الخائف، ومنهم التائه، ومنهم المشوش لما سيحمله المستقبل من أحداث جديدة.

  • التخلص من إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.

من الملاحظ أنه خلال فترة الحجر المنزلي زاد الإدمان لوسائل التواصل الاجتماعي لأفراد الأسرة، وأصبحُوا أشبَه بالأسرى لهواتفهم النقالة ولأجهزتهم الحديثة؛ بحيث أصبح من غير المُمكن التحرُّك بدونها؛ فاعتمادهم الكُلي والأخير على هذه الوسائل. وأصبح كل شخص في العائلة مشغولًا بحياته الافتراضية؛ ففي الغالب وبحكم الحظر المنزلي الإجباري، نجد الأب والأم مشغولَينِ إلى جانب انشغالهما بأوضاع الأبناء الصحية والنفسية وتبادل الأدوار لمساعدتهم، بإنهاء أعمالهما عن بُعد؛ مما جعَل العبءَ مضاعفًا عليهم.

ومن السَّلبيات كذلك زيادة إدمان الأبناء لمشاهد الأفلام والمسلسلات الأجنبية عبر موقع شهير، والكل يعرف أنها قد تنطوي على محتوى ومناظر وتصرفات لا تليق أبدًا بتعاليم ديننا الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا.

  • المحافظة على السرية والخصوصية.

كما أن وسائل الاتصال قرَّبت الناس من بعضهم بشكل كبير خلال فترة الحظر، أصبح من غير المُمكن المحافظة على السرية والخصوصية العائلية؛ فقد يلجأ البعض بحجة الملل للفضفضة المؤدية لكشف المستور، والبوح بالمحظور، ويُصبح الجميع على معرفة بما يحدث بين جدران الأسرة الواحدة؛ مما قد يَسْمَح للمُسيئين والمتنمرين من الاقتراب من الشخص وتحطيمه وابتزازه في الحياة الواقعية.

  • ميزانية الأسرة.

بشكل شبه يومي، نسمع حوارات ونقاشات كثيرة وتداول النكات عن التكاليف المادية والمصاريف الزائدة التي تُعاني منها الأسرة السعودية بعد الحظر المنزلي، بسبب لجوء البعض لشراء المعقمات والأدوية والمواد الغذائية بشكل يفوق حاجاتهم المعتادة؛ وذلك إما لغرض التخزين خوفًا من عدم تواجدها مستقبلًا، أو لرغبتهم في عدم الخروج أكثر من مرة لشرائها، أو لشراء بعض المُسليات والكماليات من الأغذية والألعاب لمساعدة الجميع نفسيًّا على تخطي هذه الفترة العصيبة.

وبالطبع، لا يُمكن النَّظر لنفقات ودخل الأسرة بشكل رسمي إلا من خلال أرقام وبيانات اقتصادية واجتماعية موثوقة، لتكون جزءًا من تخطيط إستراتيجي على المدى البعيد؛ للمساعدة في وَضْع الخُطط الوطنية للاقتصاد والمجتمع.

  • الجانب الديني والنفسي.

خلال هذه الأزمة نتعرض يوميًّا لسيل من الأخبار المُخيفة عن فيروس كورونا، ما قد يتسبب في حالة من القلق والضيق. وبلا شك تقبُّل أفراد الأسرة لتلك الأخبار يختلف باختلاف أعمارهم وشخصياتهم، وهناك مَن يسمح لهذه الأفكار السلبية بالسيطرة عليه خاصة كبار السن والأطفال، ولا نُريد للوضع أن يزداد سوءًا.

  • مستقبل العلاقة بين الأجيال.

في رأي محللين، أن الأزمة الحالية لن تمرَّ دون أن تترك بصماتها على مستقبل الأسرة، وفي صلبها دور الأسرة والعلاقة بين الأجيال؛ فبسبب هذا الوباء كان لتطبيق قاعدتي فصل كبار السن عن الصغار والتباعد الاجتماعي، مقومات لنجاح أكبر في مواجهة تفشي الفيروس والحيلولة دون تشكُّل بؤر وبائية أفقية داخل البيوت والأحياء السكنية. وكان لإجراءات العزل الاجتماعي نتائج ذات دلالة فيما يخصُّ فصل الأجداد عن الصغار من آثار سلبية ونفسية على صغار العائلة وكبارها؛ فنسبة كبيرة من الأسر كان يعيش فيها الأجداد مع عائلاتهم ويعتمدون عليهم في رعاية الأطفال ومرافقتهم إلى المدارس أو الأماكن العامة؛ الأمر الذي توقف تمامًا لاحتمالات تعرُّضهم للعدوى من الأبناء أو من الأحفاد.

بينما ترى د. مها العيدان أنه يجب أن لا نتحامل في تصوُّرنا للأسرة أنها بلا بشكل أو روح، وأن كورونا والبقاء في المنزل أعاد تشكيل الأسرة، ولكن يجب أن نرى أنها أخرجت المخزون العاطفي والتقارب بين الجميع مع زيادة وقت الفراغ وطول فترة التقارب.

وذهب د. خالد الرديعان إلى أنه رغم الألم الذي سبَّبته جائحة كورونا وما خلَّفته من تأثيرات سلبية وقلق عند الأسرة السعودية، إلا أن لها إيجابيات فيما يتعلق بوظائف الأسرة ودور أعضائها؛ فهي على الصعيد الجندري ربما خفَّفت من حدة الفروق بين الجنسين (الزوج والزوجة) في مسألة تقسيم العمل في المنزل، وضرورة انهماك الرجل في أعمال كان يراها من صُلب عمل المرأة كالطهي والتنظيف ورعاية الأبناء، وهي أعمال يراها الرجل “غير مناسبة” له، أو أنها تقسيم اجتماعي مقدس يصعب تغييره. كبرياء الرجل واعتقاده بأن المرأة تقوم بكل شيء في المنزل يجب أن ينتهيَ، ليحل التعاون بين الجنسين والنظر للأمور من زاوية مختلفة.. قد ينطبق ذلك على أُسر الطبقة الوسطى التي ليس لديها عاملة منزلية تقوم بكل شيء، ونيابة عن الجميع بما في ذلك الأولاد والبنات ممَّن استهووا الدعة والكسل. هنا يلزم إيكال بعض الأعمال للأولاد من الجنسين لكي يكسبوا بعض المهارات، ولتنمية الاعتماد على النفس. مسألة أخرى في غاية الأهمية طرأت على الأسرة في السنوات الأخيرة، وزادت من العزلة فيما بين أفرادها، وهي الإسراف في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على حساب العلاقات الأسرية والحوار الأسري وقضاء وقت مفيد مع بعض. يُفترض الآنَ تقنين هذا الاستخدام طوعًا بالطبع، وخروج الأفراد من عزلتهم لزيادة اهتمام بعضهم ببعض.

ومن جانبها عقَّبت أ. فائزة العجروش بأن ما ذكرته لا تقصد به أبدًا التحامل على الأسرة، فأول العلاج أن نعترف بالمشكلة، ورُبَّ ضارَّةٍ نافعة، ولا يجب أن نُنكر أنه كان هناك خللٌ في وظيفة الأسرة التربوية وفراغ تربوي في بعض الأسر، والناجم عن انشغال أحد الوالدين أو كليهما في العمل، إضافةً إلى غياب الوعي والمعرفة السليمة بالأساليب التربوية التي تتناسب وكل مرحلة عمرية، إلى جانب انشغالهما في الكثير من تفاصيل الحياة الأخرى، والآنَ بعد أن أتاحت لنا الظروف القهرية، وخاصة بعد أن سحب منَّا فيروس كورونا الكثيرَ من حرياتنا الشخصية، وحرمنا من عاداتنا الاجتماعية المتوارثة، كالزيارات والأفراح؛ أصبحنا نقضي ساعاتٍ أطول من الساعات مع الأسرة، وأصبحت الفرصة مُهيَّأة أكثر لأن نُعيد اكتشافَ عوالمنا الأسرية وتصحيح جوانب الخلل فيها، وتعزيز الجوانب الإيجابية في وظائف الأسرة ودور أعضائها وتقسيم العمل فيما بينهم، التي ظهرت خلال فترة الحظر، وكذلك الالتفات لما ظهر من تلاحم في التعامل بين أفراد الأسرة والعمل على استدامته مستقبلًا.

لكن د. رياض نجم يرى أنه لا شك أن هناك كثيرًا من الجوانب السلبية التي جلبها لنا البقاء في المنزل لأسابيع متواصلة، والتي ربما تتحول إلى أشهر على ما يبدو. والظن أننا متفقون على أن سلبيات هذه الجائحة على الأسرة أكثر من إيجابياتها. فكيف لنا أن نُقنع أطفالنا بعد أن بقوا في المنزل أشهرًا بأهمية:

  • الرياضة على صحتهم… وليس في كل منزل غُرفة (جيم).
  • صلة الرحم وزيارة الأقارب خصوصًا كبار العائلة.
  • صلاة الجماعة والجمعة.
  • تجنُّب عادات الأكل المُفرط وغير الصحي.
  • تجنُّب الاستخدام المفرط لأجهزة الاتصال والتواصل الاجتماعي.

والتخوف من اهتزاز الثقة لدى أطفالنا، خصوصًا لدى الصغار منهم، وصعوبة إقناعهم بما هو جيد وما هو سيئ من العادات والسلوك.

ومن ناحيتها، ترى أ. هيلة المكيرش أن الممارسات السلبية المُشار إليها مقلقة، والخشية أن يعتادها أبناؤنا، ومن ثَمَّ فإنها تستحق أن نُوليها الاهتمامَ بالمعالجة. وبنظرة تفاؤلية لواقع الحال، فإننا نُحاول تلمُّس الجانب المضيء من الأزمة. فأبناؤنا نشؤوا في مراحل من الرخاء الاقتصادي والحقوقي بحيث لم يعيشوا أيَّ نقص في المعيشة أو الكماليات، بل أُغرقوا في الغالب في الترفيه. وهذه المرحلة استسلموا فيها لواقع المعيشة في الحظر. وهذا في حد ذاته تربية وترويض، والنفس البشرية في الغالب إذا رُوِّضت قنعت ورضيت، وهذه الفترة فُرصة ذهبية للحوار معهم وتذكيرهم وتبصيرهم، مع مشاركتهم في نفس الوقت أوقات لعب من اختيارهم. وتمرير رسائل تربوية لهم عن الصلاة، وصلة الرحم، واستخدام البدائل عبر التطبيقات الإلكترونية؛ Face Time وغيرها للتواصل مع الأهل والأحباب. وبالنسبة الرياضة، فإن أي نشاط بدني حسب وضع المسكن هو بديل. والاعتقاد أن الأغلبية سابقًا وضعهم السابق قبل الحجر ليس أفضل كقضاء الوقت في الاستراحات للشباب أو المطاعم والكافيهات.. إلخ، ويُصاحب ذلك سهر وتذمُّر أغلب الأحيان؛ المقصد أن هناك عودة إجبارية لحضن الأسرة لعلها تُعزِّز قيمتها لدى كل أفرادها.

وأضافت د. مجيدة الناجم أن من أبرز الآثار السلبية التي قد تترتب على الحجر المنزلي مفهوم التباعد الاجتماعي بحد ذاته، فهو سلبي في الظروف العادية، ولكن هذا الوضع الاستثنائي جعله السبيل للحد من انتشار الوباء والحفاظ على الحياة. وعدم توفُّر أساليب الحياة الصحية في داخل المنازل بالطبع أثرها سيكون كبيرًا، ولكن هذه الجائحة لم تترك شيئًا لم تمسّه، وعلى الأسرة أن تُوضِّح لأبنائها أن هذا مجرد ظرف استثنائي، وأن الحياة ستعود لسابقها، وما تخلينا عنه من عادات إيجابية سنعود لها لأنها الأصل. وما نعيشه هو وضع مؤقت، ويجب استغلال الوقت بما يفيد ولا يضرُّ بقدر المستطاع، وذلك بالطبع لا يمكن تعميمه، فوعي الأسرة يلعب دورًا جوهريًّا في ذلك.

أما د. مها المنيف فأشارت إلى أنه وعلى الرغم من وجود العنف الأسري في كل مجتمع إلا أنه متوقع أن تزداد نسبة وحدة العنف بسبب الضغوط الصحية والمادية التي تعيشها الشعوب أثناء الحجر المنزلي. فالعنف إما يكون مستجدًّا بسبب الظروف الاستثنائية التي يعيشها أفراد الأسرة أو عنفًا مُتجذِّرًا في الأسرة، تزداد حدته أثناء الأزمات. هناك دلائل تاريخية تِؤكد أن قضايا العنف تزداد أثناء الحجر الصحي، فمثلاً في أثناء انتشار وباء إيبولا في إفريقيا زادت الجرائم الأسرية والاغتصاب وزواج الأطفال. وهناك دلائل حديثة على أن هذه الجائحة قد أثَّرت سلبًا في بعض الأسر؛ فمثلاً، في فرنسا زاد التبليغ عن العنف الأسري بنسبة 30%، والصين كشفت عن ارتفاع في حالات الطلاق، وفي كندا وبريطانيا وألمانيا أعلنوا عن زيادة في الطلب من النساء لدور الإيواء أثناء الأزمة الحالية. فكلما طالت مدة الحجر المنزلي من أجل السيطرة على الفيروس، انعزلت الضحايا عن العالم، وصعُب عليهم الوصول للخدمات بسبب الحجر؛ ومن ثَمَّ يُصبحون أكثر عُرضةً للعنف المنزلي، هذا بالإضافة إلى أن مُقدِّمي الخدمات الصحية والأمنية مشغولون أثناء الجائحة؛ مما يؤدي إلى نقص في الخدمات المُقدَّمة للضحايا، إضافةً إلى صعوبة التواصل مع الضحية إلكترونيًّا. وكذلك صعوبة التواصل بين الجهات لتقديم خدمة متكاملة بسبب إغلاق المؤسسات الحكومية والأهلية التي تُقدِّم خدمات للضحايا. ومن ناحية قضائية، فإن إغلاق الكثير من المحاكم الأسرية، وتأخير قضايا الطلاق والحضانة وغيرها، وفي بعض الدول تمَّ تسريح الأشخاص المُعنِّفين والمطلوبين في قضايا أسرية بسيطة لمنع انتشار الفيروس بالسجن؛ كل هذه العوامل أدَّت إلى ارتفاع نسبة وحدة العنف الأسري.

بينما ترى د. هند الخليفة أن الظروف التي تعيشها الأسرة اليوم، هي ظروف غير مسبوقة، لم تمر بها من قبلُ. وهي ظروف تبثُّ حالةً جماعيةً من القلق والخوف من المستقبل؛ وهو ما يترتب عليه شعور جماعي بعدم الأمان. إن تأثير هذه الظروف على الأسرة يأتي على مستويات مختلفة، فهناك المستوى المتعلق ببناء الأسرة والعلاقات والأدوار والقيم والمفاهيم التي تتشكل من خلالها هذه العلاقات والأدوار. إنَّ بعض هذه التغيرات يأتي إيجابيًّا يُعيد التوازن لدور الوالدين والأبناء، كما أنه يكشف عن الجوانب ذات القيمة الأعلى في حياة الإنسان، والتي لا يمكن البقاء بدونها؛ ولذا فهي ذات القيمة الأعلى، ومن المفروض أن يعطيها المجتمع المكانة العليا. فالطب والعلم والبحث العلمي أعلى قيمة من اقتناء الماركات العالمية والتسكع في المقاهي. إن هذه التغيرات الجذرية لا بد من الإمساك بها لكي لا تفلت من بين أيدينا بعد انتهاء الأزمة. أما المستوى الثاني من التغير فهو يرتبط بروتين الحياة اليومية، والذي تغيَّر بشكل كبير، فوجد أفراد الأسرة أنفسهم وجهًا لوجه بعد تباعُد وعزلة، حيث اعتاد كل منهم أن يسبح في فلكه بعيدًا. وهنا الأسرة بحاجة إلى كثير من الدعم والإرشاد للسماح لأفرادها بالتعايش والتسامح والاحترام للمشاعر والحق في التعبير عنها ليعم السلام في البيت. والواقع أن التحديات ترتبط بمرحلة أثناء الأزمة، ومرحلة ما بعد الأزمة، وكما هي تحديات فهي تحمل فُرصًا لم نتوقع أن تُتاح لنا نحن الذين كُنَّا نعيش حالةً من التغيير السريع الذي فلت زمامه من أيدينا وأصبحنا نقبل بالكثير وكأنه مسلمات تفرضها المرحلة التي نعيشها، ولكن يد الله هي العليا، وإرادة الله فوق كل إرادة.

وركَّزت د. وفاء طيبة في مداخلتها حول التحديات التي تواجهها الأسرة في ظل جائحة كورونا على الملاحظات التالية:

  • زيادة التعليقات السلبية والنكات على علاقة الزوج بزوجته أو الأم بأطفالها، ربما ضحكنا قليلاً في البداية، ولكن بالفعل هذه ظاهرة غير مطمئنة، بل هي مؤلمة، وتعطي صورةً سيئة للمراهقين ولمَن لم يتزوج من الشباب عن ماهية العلاقات في الأسرة. هل مثل هذه التعليقات موجودة في الغرب؟
  • التقنية في هذه الجائحة هي الكاسب الأول، وبقدر ما استفدنا منها في التعليم والعمل عن بُعد إلا أن الخشية أن مدى الاعتماد عليها في الوقت الحاضر سوف يورث إدمانًا كنَّا نُحاربه من قبلُ، وهو اليوم يتفشى ويزيد.
  • كثرة استخدام الأطفال والمراهقين وسائل التواصل وإدمانهم لها يزيد من فرصة تعرُّضهم للخطر، فهناك مَن يتربص لهم قبل الجائحة، فكيف الآنَ وهم منشغلون بالتقنية لفترة أطول، بل هي ضرورة في بعض الأحيان كما في التعليم، ويشعرون بالملل الذي قد يدعو للاستكشاف بشكل أكبر، في حاجة أكبر للتواصل، مما قد يُعرِّضهم للإيذاء الإلكتروني والتنمر الإلكتروني cyber abuse & cyber bullying، وهنا تبدو الحاجة الملحة للمراقبة والحماية. كيف يمكننا فعل ذلك بدون أن نقتحم خصوصيتهم أو نُشعرهم بعدم الثقة والأمان؟
  • العمل عن بُعد: بقدر ما كان اعتمادنا على التقنية مفيدًا في العمل عن بُعد، إلا أن البعض اشتكى من عدم تحديد وقت العمل، وأصبحت الاتصالات والاجتماعات عن بُعد في أي وقت دون احترام لوقت الأسرة خاصة في هذه الظروف، ولا احترام لحق الموظف في العمل مدة معينة تمَّ الاتفاق عليها فقط. وبالطبع، عانت النساء من ذلك بشكل أكبر لكونها مسؤولة عن بقية أفراد الأسرة، وتحتاج لتنظيم وقتها ليأخذ كل ذي حقٍّ حقَّه. فهل من تنظيم لذلك الوضع؟
  • تكرر ذكر كبار السن في هذه الجائحة وخاصة في بدايتها بشكل مؤلم للكبار، وجلس بعضهم ينتظر نهايته، تناولنا لهذه القضية لم يرحمهم ويهتم بما يدور في عقولهم من أفكار، فهو إما الموت بكورونا وإما العزلة التي هي أسوأ من كورونا، أمران أحلاهما مُرٌّ. كيف يمكن أن نُطمِئنهم ونتواصل معهم؟
  • هناك فئة من الأحبة مهملة نوعًا ما مع أنها ضمن الأسرة بجانب كبار السن والأطفال والأزواج والأبناء، وهم فئة ذوي الإعاقة سواء الجسدية أو العقلية، وما قد يعانونه في هذه الفترة العصيبة والضغوط التي قد يجدها والداهم لتخفيف شعورهم إما بالخوف أو الملل أو الغضب، خاصة لو لم يكن الطفل أو المراهق يستوعب ما يُقال (الإعاقة العقلية)، أو الخوف من عدم القدرة على الحركة مثل (الإعاقة الجسدية)، ويُضاف لهؤلاء المرضى النفسيون وما قد تُشكِّل لهم هذه الفترة من الحظر من مشكلات: تأخُّر مواعيد الأطباء، إلغاء مواعيد، صعوبة الحصول على الأدوية، الملل والخوف والقلق، والضغوط التي قد يجدها الأهالي لتُضاف إلى ضغوطهم. فماذا يمكننا أن نُقدِّم لمثل هذه الفئة من المعاقين أو المرضى النفسيين؟
  • أيضًا تزايد العنف الأسري، وبالاستشهاد بحالة تونس كمثال، فقد ذُكِر أن عدد البلاغات انخفض بشكل كبير، وهذا بالطبع ليس ظاهرة حسنة، لكن التفسير العميق قد يكشف أنه يرتبط فقط بصعوبة التبليغ، ومن التوقعات ارتفاع نسب الطلاق بسبب الحظر، وهذا بالطبع يعود لوضع الأسرة قبل الجائحة والضغوط التي تقع عليها بعدها سواء اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية.
  • لعلنا نعتبر أزمة كورونا الراهنة (أكبر دراسة تجريبية في التاريخ)، ونستفيد من كل ملاحظاتنا سواء الإيجابية أو السلبية بل ونُسجِّلها؛ حتى ننتبه لما يحتاج إلى تعديل في ممارساتنا وما يجب تطويره في أنظمتنا.

لكن د. الجازي الشبيكي أكدت بدورها على العديد من الإيجابيات التي انعكست اجتماعيًّا على الأسرة بالرغم من المساوئ العديدة التي أحدثها هذا الوباء من حيث شلُّ وجمود الحركة والاقتصاد وحرية التنقل وغيرها من التأثيرات والمساوئ على مستوى الدولة. فإيجابيات الأزمة على عودة الحياة الطبيعية والعلاقات والتفاعلات الأسرية يمكن لكل منَّا ملاحظتها في أسرته ومَن حوله، خاصة في استقرار حركة خروج الشباب والشابات الذي كان استمراره وكثافته سابقًا يُسبِّب العديدَ من الخلافات والإشكالات بينهم وبين والديهم. حيث أصبح هناك مُتسَعٌ من الوقت لتعزيز الأجواء الأسرية وفُرص التقارب من خلال الحوار وبعض الأنشطة والألعاب، بالإضافة لمعرفة المزيد عن المناهج التعليمية للأبناء واهتماماتهم. وقد عادت كثير من الأسر لعادة جميلة ضعُف الأخذ بها منذ فترة طويلة، وهي عادة الاجتماع على مائدة الطعام ولو لوجبة واحدة. هناك أيضًا إيجابية توفُّر بعض الوقت لتعلُّم بعض المهارات، وقراءة الكتب المؤجَّل قراءتها، وممارسة الألعاب الجماعية الأسرية والأنشطة الرياضية المنزلية. كذلك فإن المصاريف الأسرية على الأكل خارج المنزل خفَّت بشكل كبير حتى مع وجود خدمة توصيل الطلبات خشية التعرُّض لعدوى انتقال الفايروس. وقد كانت صعبة على الشباب في بداية الأمر، لكنَّهم تعودوا على ذلك، بل وبعضهم أبدع في المشاركة في صنع بعض الأطباق مع الأم.

وذهبت د. عبير برهمين إلى أن جائحة كورونا برغم تداعياتها وآثارها السلبية، إلا أنها حملت كثيرًا من الإيجابيات على حياة البشر. أهم وأعظم إيجابية هي أن العظمة لله وحده. وأن سر النجاح في الحياة بعد توفيق الله تعالى هو وجود أسرة مُحِبَّة مترابطة.

في حين ترى أ. علياء البازعي أن ما يُبهر في هذه الجائحة هو حجم التشابه في حياة البشر بشكل عام.. فوجود الجميع تحت نفس الظروف خلق نوعًا من الاتحاد البشري وكأنه الذي نراه في الأفلام عندما يُواجَه العالم بمخلوقات فضائية.. حتى الأسر أصبحت ظروفها متشابهة. إن الخصوصية المزعومة لمجتمعاتنا بدأت بالتلاشي وإنْ لم نستوعب ذلك نحن، فأبناؤنا قد تشرَّبوا الفكرة.. ومعها يجب أن يعيَ الأبوان أن أدوارهم اختلفت. النُّصح أو التوجيه المباشر قد يُحدِث تغييرًا بطيئًا؛ لكن فاعليته لم تعُد كما كانت. والتواجد والمشاركة مهمَّان جدًّا للمحافظة على التحكم في زمام الأمور.

وأضاف د. زياد الدريس أن العالم والناس والطباع أصبحت متشابهة إلى حد كبير، وإنْ بدا للناس أن الجائحة قد أعادتنا إلى ما قبل العولمة، فهذا غير صحيح. الإنسان المعولم ما زال حيًّا ونشطًا عبر التقنيات والتطبيقات التي تخترق الحدود المغلقة، وتتجاوز حواجز حظر التجول. ما يجري هو تجميد لبعض وسائل العولمة بسبب التباعد، لكن وسائل أخرى لها غدت أكثر نشاطًا مع الحالة الراهنة. وهذا يؤكد أهمية دور الأسرة في رعاية القيم الأسرية وحمايتها من المهددات، ولكن وفق أساليب تليق بعقلية الجيل المُعولَم.

وبدورها ذكرت د. مجيدة الناجم أن وسائل العولمة بالفعل تغيَّرت وما زالت موجودة، وعلى الأسرة دور في حماية الأبناء، فعدم الخروج من المنزل لا يعني أنهم في مأمن، بما أن التقنية متاحة طوال الوقت؛ ولكن ما تغير أن هناك مساحة أكبر لمشاركتهم يومياتهم، ومن خلالها يتم مناقشة ما هو متسق مع قيم المجتمع وما هو خطر عليه، إنها فرصة بما أن الأسرة حاليًّا عاد لها شيء من دورها التقليدي. على أن يستمر العمل على تعزيز الهوية السعودية مستقبلًا من خلال منظومة متكاملة. أيضًا، فقد أكدت أ. فائزة العجروش على أن وجود هذه الوسائل كانت نعمة كبيرة لتخفيف آثار الحجر على الجميع، ولولاها لأصبحنا في كهوف مغلقة، ولكن بلا شك جعلت المهمة أكبر وأصعب لدور الأسرة لملاحظة ومراقبة تعامل الأبناء معها خاصة لمن تقلُّ أعمارهم عن ١٨ سنة، ولعل من أفضل الطرق لذلك أن نكون أصدقاء لهم؛ لفهم شعورهم ومتطلباتهم بطريقة أفضل.

وأكدت د. وفاء طيبة على أن الوضع بالنسبة للأسرة فعلاً خطيرٌ، ونلمسه بوضوح فيما يُقدَّم في الإعلام الغربي من مسلسلات وأفلام، وما نتحدث عنه هنا هو النظام الأسري كما يريده الله في شرعه، ومن ذلك ما ذكرة د. زياد (التمرُّد على السلطة، وتقزيم دور الوالدين). وبالطبع، المشكلة هي متابعة أبنائنا لهذه المسلسلات والأفلام، وإذا قلنا نحن تربيتنا مختلفة، فلا نستطيع القطع ما حدود هذا الاختلاف؟ فالوالدان يضطران للرضوخ أحيانًا خاصة في عصر العولمة، كل ما لا تريده أن يصل لأبنائك يصل لهم! فالعالم من حولنا يُربي أيضًا. واستشهدت د. وفاء بمثال تبيَّن لها من متابعة أحد المسلسلات الاجتماعية في ظل العزلة التي فرضتها الأزمة، حيث كشفت عن ملاحظتها لما انطوى عليه المحتوى من كمٍّ كبير من الاستهزاء بالوالدين وأفكارهم، وكيف حوَّلوا كلَّ مشكلة نفسية في الكبر إلى خطأ تربوي في الصغر، وكيف أظهروا الوالدين مع أبنائهم الشباب والشجار الذي بينهم، وإعلاء فكر ورأي الشاب على والده. والحقيقة أن خطأ الوالدين وارد، ولكن لماذا نُركِّز على هذا الخطأ ونُبرزه وكأنه مقصود؟! هل يتعمد الوالدان إيذاء أبنائهم؟ نعم أحيانًا، ولكن أغلب الممارسات التربوية من الوالدية حسنة النية والمراد الأساس منها حَسن، خاصة في الأسر العادية، لا مانع أن ندعو لتعلُّم التربية الصحيحة لتقليل الآثار السيئة بالطبع! أما التعامل مع الوالدين بهذه الصورة فمؤلم جدًّا.

ومن جديد، أكد د. زياد الدريس أن ما يتم من ضخ للمواد الإعلامية بكل أصنافها في سياق تشويه كيان الأسرة وتهميش دور الوالدين هو عمل ممنهج غير عشوائي أو عفوي أبدًا. وهذا التهديد يطال الأسرة في كل جهات العالم، وليس فقط الأسرة السعودية أو حتى العربية. ولذا، فالرأي هو أن التصدي لهذه الحملة يجب أن يتم على المستوى الدولي وليس المحلي أو الإقليمي، وذلك من خلال إيصال رسالة واضحة عبر المنظمات الدولية المعنية بشؤون التربية والأسرة لإيقاف هذا الاستهداف.

وبدورها أكدت د. وفاء طيبة أنه بالفعل عمل ممنهج معتمد على علوم نفسية وإعلامية يصل لنا، وكثير من أبنائنا ممن يشاهدونه؛ ولذا لا بد أن يكون التصدي الداخلي ممنهجًا أيضًا، ويعتمد على علم ودين وثقافة. واتفق أ. محمد الدندني مع القول بأن التصدي محليًّا أكثر فعاليةً؛ لأن المنظمات الإقليمية والدولية جلها يسعى برأيه لتفكيك الأسرة.

ومن جديد أشار د. زياد الدريس إلى أن تدويل قيم الأسرة، التي نؤمن بها وتؤمن بها كل دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، سيُخفِّف علينا الضغوطَ التي تأتي من الإعلام الغربي!

بينما ذكرت د. وفاء طيبة أنه لعل من المناسب وجود هيئة يمكنها أن تتصدى لذلك؛ لن تكون دولية بالطبع ولكن إسلامية، ومن ثَمَّ فإن التساؤل المطروح: هل يوجد جهة عالية المستوى يمكنها التصدي لذلك؟ صحيح أنه في كل محفل ترفض المملكة الشذوذَ وغيره، لكن هل توجد جهة يمكنها أن تتكلم بصورة تقابل هذه المحافل الدولية؟ وأوضح د. زياد الدريس أنه على المستوى المحلي يمكن لمجلس الأسرة أن يؤدي دورًا مهمًّا في ذلك. أما على المستوى الدولي فينبغي لمنظمة الإيسيسكو أن تكون لاعبًا رئيسيًّا في هذا المجال.

وأفادت أ. مها عقيل بأن الإيسيسكو بالفعل تعمل في هذا المجال تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، وقد تمَّ تبني إستراتيجية في ديسمبر 2019 لتمكين الأسرة في العالم الإسلامي والحفاظ على قيمها من قِبل الدول الأعضاء، وتتناول الإستراتيجية الكثير من التحديات التي تواجه الأسرة، ومنها ما تم الإشارة إليه.

وعقَّب د. عبد الإله الصالح بأن العائلة تتشكل لغير ما نريد أن نتصور بسبب تغيُّرات وتحوُّلات أساسية لامست شبه ثوابت في الهيكل والمبدأ التقليدي؛ والمثال الأول على ذلك هو عمل المرأة سواء الزوجة أو الأم أو البنت. أما المثال الثاني فيتعلق بالإعالة، بمعنى مَن يعيل الأسرة.

بينما اختلف د. زياد الدريس مع الرأي السابق، حيث يرى أن هذا الطرح يُوحي بأن التحولات في نمط الأسرة هي مسألة حتمية لا بد من التعايش معها، ومحاولة تخفيف أعراضها فقط. فتحولات الأنماط الإنسانية لم تتوقف طوال تاريخ البشرية سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، لكن لم تكن أبدًا حتمية لا يمكن الانفكاك منها.  في السياسي تمسكت الدول حتى اليوم بالاختيار بين النظام الجمهوري والنظام الملكي أو الملكي الهجين (الدستوري). في الاقتصاد، ما زالت المراوحة بين الرأسمالية والاشتراكية المرسملة (مثال: فرنسا). وفي الاجتماعي يسعى الغرب لفرض نموذج الأسرة الأفقية (تساوي السلطات بين الأبوين والأبناء)، بينما ما زالت بقية وجهات العالم تتمسك بنموذج الأسرة العمودية، وتقاوم بقوة ضغوط التحوُّل إلى الأسرة الأفقية أو إلى ما هو أسوأ (الأسرة المثلية/ الشاذة). هذه المقاومة التي نريدها وندعو إليها لا تعني أبدًا الممانعة ضد تطوير أداء الأسرة وإعادة ترتيب أولوياتها، لكن من دون السماح بتدمير قيمها الأساسية.

ومن وجهة نظر م. إبراهيم ناظر، فإن التغيير الحاصل في الأسرة هو تحصيل حاصل وأمرٌ طبيعي لنموذج الحياة المعاصرة الذي أخذنا به، والتحول من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، ومن الدولة الحارسة إلى الدولة الوطنية الراعية لأمور المجتمع والأسرة، ومن تكافل الأسرة في الإنتاج والوظيفة إلى التخصص المهني والوظيفي، وأهم سبب في التحول الأسري هو الاستقلال المالي للزوجة بعد خروجها لسوق العمل، والتحوُّل في بناء الأسرة وعلاقة أفرادها أمر طبيعي، لكن مهما حصل لن نصل إلى التفكك الذي حصل في بعض المجتمعات الغربية، ولن نستطيع أن نُوقف هذا التحول والمتضمِّن لقيم إيجابية وأخرى سلبية، والواجب علينا هو التخفيف من الآثار السلبية  بقدر الإمكان؛ قد يكون التغيير الاجتماعي للمجتمعات والأسرة حتميًّا، ولكن ممكن توجيهه توجيهًا سليمًا لما نريده.

واتفق أ. لاحم الناصر مع القول بأن التغيُّر ليس حتميًّا كما هي التغيرات الكونية القدرية؛ بل التغيُّر هنا منه ما هو طبيعي نتيجة تغيُّر الثقافة والتحوُّل المادي ونمط الحياة مثل استقلالية الأبناء المتزوجين عن الآباء، حيث كان الجميع سابقًا يعيشون في منزل واحد حتى تجد الإخوةَ مع والدهم ومع أبنائهم وزوجاتهم في منزل والدهم، ومرجع ذلك في الغالب لضعف ذات اليد أو نمط الحياة الزراعية، وبعضها يوجد الآن في الأرياف، وبعض التغيُّرات ليست تحوُّلات طبيعية نتيجة تغيُّر نمط الحياة والثقافة وغيرها من العوامل؛ بل هي نتاج استهداف مباشر بموجب خُطط وإستراتيجيات محدَّدة تهدف إلى هدم الأسرة؛ لأنها الحاضنة الأولى للقيم والمبادئ والدين والحصن الحصين أمام أي استهداف للقيم والمبادئ المُشكِّلة لشخصية المجتمع وهويته، ويكون هذا الاستهداف في الغالب على مراحل؛ يبدأ باستهداف المبادئ والقيم عن طريق إحلال مبادئ وقيم أخرى في لاوعي المتلقي، وهذا يتم عبر الأفلام والمسلسلات والروايات، بالإضافة إلى برامج “السوشيال ميديا” وما تبثُّه من سموم عبر أشخاص مدربين على ذلك، ثم يأتي دور ما يُسمَّى بمنظمات حقوق الإنسان والحركات النسوية، وغيرها من قوى الضغط الناعمة والتي في وقتها استطاعت أن تَفرض على المجتمعات قبولَ المثلية والإجهاض والعلاقات خارج الزواج عبر سنِّ القوانين والتشريعات الدولية كاتفاقية سيداو، والمحلية كالقوانين في بعض ولايات أمريكا وأوروبا التي أباحت الزواج الشاذ وتبني الأزواج للأبناء، وغيرها مما كان يُعتبر إلى فترة قريبة جريمة، حيث كان الجيش الأمريكي لا يسمح بتجنيد المثليين، وكان الساسة لا يُفصحون عن ميولهم الشاذة إلى وقت قريب، ومن هنا يجب على الأنظمة والقوانين أن تحمي الأسرةَ وكيانها عبر التوازن بين حفظ حقوق الفرد من الظلم والاستغلال السيئ للسلطة الأبوية وبين فرض السلطة الأبوية وهيبتها لإبقاء عُرى الأسرة مترابطةً، فلا ضرر ولا ضرار. كما يجب تجريم محاولة إسقاط قيم الأسرة ومحاسبة كلِّ مَن يدعو إلى إسقاط هذه القيم في جميع وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المرئي والمسموع أو عبر الفن أو الرواية، مع التركيز على التوعية بأهمية الأسرة وقيمها في المناهج التعليمية والإعلام والفن بجميع أشكاله.

أما د. خالد الرديعان فيرى أنه فيما يخصُّ الأسرة والجدل المثار حول ضرورة حمايتها ومقولة د. زياد الدريس “أفقية السلطة في الأسرة” التي نراها بوضوح في الأسرة الغربية، هناك ظاهرة متنامية في المجتمع الأمريكي وربما في مجتمعات غربية أخرى، وكتبت عنها الكثير من البحوث، وهي ظاهرة زواج الرجل الغربي من امرأة شرقية أو لاتينية (فيتنام، تايلاند، إندونيسيا، ومن دول أمريكا الوسطى أو الجنوبية). كانت نسبة الزيجات المختلطة عام ١٩٦٧ في الولايات المتحدة لا تزيد عن ٣٪؜، لكنها وحسب إحصاءات موثوقة قفزت في عام ٢٠١٥ إلى زُهاء ١٨٪؜، وهي نسبة يصعب تجاهلها. هذه الظاهرة قد تعكس مسألة في غاية الأهمية؛ وهي بحث الرجل الغربي عن الدفء والحميمية، ونمط الأسرة التقليدية المتماسكة التي تُجذِّر سلطة الوالدين، وتُخفِّف من غلواء المساواة بين الجنسين التي يبدو أنها لم تجلب سعادةً كافية للأسرة الغربية مهما قيل غير ذلك؛ بدليل ارتفاع نِسب الطلاق والأطفال غير الشرعيين، وشيوع المثلية عند الجنسين بدرجة مقلقة بعد شرعنتها، والعلاقات العابرة خارج إطار الزواج، وهي ظواهر نسبها تتصاعد بدرجة ملحوظة. إنَّ الرجل الغربي قد يرى في الزواج أو الارتباط بسيدة غير غربية شيئًا مما يُعيد للأسرة مجدَها، أو لشدة ممانعته للمساواة بين الجنسين بالصورة التي نراها اليوم، وهي ممانعة لا يستطيع التعبير عنها أو البوح بها في ظل صرامة القوانين التي رسَّخت المساواة بين الجنسين. عمومًا، الأسرة كبنية اجتماعية ليست في وضع مثالي؛ فهي تعاني من الكثير من الهزات ربما بسبب العولمة والانفتاح، وربما بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى العامل الاقتصادي الذي يلعب دورًا مهمًّا في إحداث هزات على جميع الصُعُد، بما في ذلك الأسرة ودورها وسلطتها على أعضائها.

وتساءلت د. مها العيدان: هل من المعقول أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي تدريجيًّا بعد انتهاء الأزمة، ولا تستفيد الأسرة من تجربتها في البقاء في المنزل مدة طويلة؟ وفي اعتقاد أ. لاحم الناصر، فإن هذه طبيعة البشر أنَّ لهم سلوكًا في الأزمات، وبمجرد زوال الأزمة يعودون لطبيعتهم، مع عدم إغفال ما تمَّ ذِكره سلفًا بخصوص التغيرات النفسية التي قد تدوم أو تطول.

ومن جانبها أوضحت د. مجيدة الناجم أما فيما يتعلق بأثر التجربة على حياتنا فإن المؤكد أنها لن تمرَّ مرور الكرام، فتأثيرها سيستمر لفترة ليست بالقصيرة، وكلما طال أمدُها طالَ تأثيرها، وقد يكون هناك نواحٍ سلبية، وهناك أخرى إيجابية، والوقت كفيلٌ بأن يُساعدنا على تفهُّم هذه التغييرات وأثرها، ولكنها ستكون مادةً بحثية دسمة للمتخصصين في علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية وعلم النفس الاجتماعي، وستساعد على نمو هذه التخصصات واستحداث نظريات جديدة، وتغيير بعضٍ من معطياتها السائدة. وما زلنا نعيش هذه التجربة ونلحظ تأثيرها. بينما يرى د. زياد الدريس – كما ذكر في تعقيبه – فإن هناك نوعين من التحولات: طارئ سنتعايش معه حتى تزول الجائحة، ومستديم، أو هكذا يُتوقع؛ وبالتالي يُفترض أن نتكيف معه. ومن غير المستبعد أن تعود بعض الأسر بعد انجلاء الأزمة مثلما كانت قبلها من دون أي تغيير. فهناك دومًا، وفي كل مجتمع، أشخاص عصيّون على الاستجابة لأي تغيير أو تحوُّل! لكن الوضع الطبيعي المتوقع هو وجود تغيرات قد تتفاوت درجاتها من أسرة لأخرى حسب درجة الوعي والاستجابة للتطوير.

واتفقت د. عفاف الأنسي مع القول بأن بعض السلوكيات التي نتجت لمواجهة فيروس كورونا قد تكتسب صفة الديمومة سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع والدولة حتى بعد عودة الحياة إلى طبيعتها. والتصور أن أكبر مُحفِّز له “القلق الاجتماعي” الذي تفشى في أنحاء العالم، والشعور بضعف المجتمع في مواجهة المخاطر. وهو ما ذكره أولريش بيك، “مجتمع المخاطر هو جزء من الحياة اليومية للمجتمع الحديث، والذي يُولِّد منهجية للتعامل مع المخاطر تتمثل في عدم الثقة، وانعدام الأمن الناجم عن التحديث نفسه”، والاعتقاد أن بعض السلوكيات التي اتخذتها الأسر لمواجهة كورونا كوفيد 19 حرصًا على أفرادها سوف تستمر نتيجةً لهذا القلق خاصة في العلاقة مع العالم الخارجي والثقة المفرطة في المنتجات الخارجية، خاصة المطاعم والكافيهات، وأماكن التجمعات التي ستقل كثيرًا لدى الأُسر، وربما سيُولِّد ذلك ابتكارات ملائمة لاحتياجات الأسرة لممارستها حياتها خارج إطار المنزل. لكن الحقيقة أن أكثر ما يُقلق هو أمران:

  • الأمر الأول: هو وَضْع الأسر التي ليس لديها وصول سهل إلى التقنية والتواصل الافتراضي، والذي سيؤدي إلى المفارقة في الوصول إلى الخدمات والتي أهمها التعليم عن بعد، أو الوصول إلى الخدمات الصحية التي تمَّ توفيرها من إيصال أدوية وغيرها، والذي بدوره سيُعزِّز من الفروقات بين الأسر، ويزيد الأسر المحرومة حرمانًا.
  • الأمر الآخر: هو أزمة الرعاية في ظل تزايد الحاجة إلى الرعاية للأطفال وكبار السن وغيرهم من الفئات الأضعف في الأسرة، والتي في الأغلب تكون على عاتق المرأة وحدها، ورغم تفاوت الأسر في مواجهة هذه الأزمة باختلاف ثقافتها حيث وجدنا كثيرًا من أدوار المرأة قد تحوَّلت للرجل؛ إما بسبب أوقات الفراغ الكبيرة لديه، أو كنتيجة لشعوره بالمسؤولية.

لكن لا تزال المرأة في بعض الأسر هي المعوَّل عليها بشكل أكبر في مسألة الرعاية. وتأتي مرافقة لمسألة الرعاية أيضًا أدوار العمالة المنزلية، وهل ستسمر بنفس الشكل بعد الأزمة خاصة فيما يتعلق بمسألة الثقة في تلك العمالة في توليها رعاية الأطفال والمسنين؟ وقد تكون الأزمة مُحفِّزًا لأفراد الأسرة لاستيعاب مفهوم الرعاية المشتركة وإعادة توزيع المسؤوليات؛ لذلك فإن التغيير في وضع الأسرة سيكون كبيرًا.

بينما ذهب د. حميد الشايجي إلى أن الإنسان يتميز بقدرته الكبيرة على التكيُّف والتأقلم مع الظروف المحيطة به. وبالتالي، فإن هناك كثيرًا من الفوائد المستقاة من هذه الجائحة على الرغم من مساوئها. ومع أن هناك بالفعل مشكلات أسرية ناتجة عن بقاء الناس لفترات أطول بالمنازل في ظل أزمة كورونا، كالعنف والطلاق وغيرها؛ إلا أنها متوقعة من قبل الجائحة. أما الحالات التي حصلت في أثناء حظر الجائحة فهي محدودة. بينما الكثير من الأسر مستمرة في أداء أدوارها وإنْ اختلفت قليلاً، وأوضاعها مستقرة، بل جنت فوائد كثيرة من هذا الحظر. قد يخالف البعض هذا الرأي، ولكن لا نستطيع أن نحكم على ذلك بشكل صحيح في ظل عدم توفُّر الإحصاءات حول هذه القضية حاليًّا. وهنا من المهم التساؤل: ما الاستعدادات التي تمَّ اتخاذها للمحافظة على المكتسبات المتنوعة لجائحة كورونا المستجد (كوفيد-١٩) وتنميتها، فعلى سبيل المثال:

  • التعليم عن بُعد، وتعلُّم الأسرة متابعة أبنائها في التعلُّم عن بُعد.
  • الدورات الأسرية عن بُعد.
  • الاجتماعات العائلية عن بُعد باستخدام برامج الاجتماعات.
  • التقليل من النمط الاستهلاكي والتركيز على الضروريات.
  • التماسُك والتواصل الأسري.
  • التقليص من البذخ في المناسبات… وغيرها من الفوائد الملحوظة.

فكيف السبيل إلى تثبيتها في الأسر بعد انكشاف الغمة؟

وعقَّبت أ. فائزة العجروش بأنه لو بدأت كل عائلة بنفسها وثبتت هذه المكتسبات الإيجابية كقاعدة للتعامل بين أفرادها ومع الغير، وبعدها سينتقل الأثر من عائلة لأخرى وتنتشر تدريجيًّا في المجتمع.

وأيدت د. مجيدة الناجم القول بأن هناك إيجابيات عديدة لهذه الأزمة، ويجب العمل على تثبيتها خصوصًا فيما يتعلق بتغيير نمط الاستهلاك المُفرط الذي عانينا منه خلال السنوات الأخيرة، وفي الغالب كان التقليد وما تبثُّه وسائل التواصل من إعلانات رسَّخت ذلك السلوك عند الكثير من شرائح المجتمع، الآنَ ما كان مهمًّا لم يعُد كذلك، أيضًا ثقافة العمل عن بُعد هي مهمة، ويجب أن تستمر خصوصًا مجالات العمل التي لا تتطلب مواجهة مع الجمهور، ويمكن أن تُنجز في أي مكان، فهي وسيلة لرفع الإنتاجية وسرعتها.

  • الدور المأمول من الأسرة لتجاوز أزمة جائحة كورونا:

أكد م. فاضل القرني فيما يتعلق بالدور المأمول من الأسرة لتجاوز أزمة جائحة كورونا كنموذج للأزمات الطارئة على ما يلي:

  • أولًا: الأزمة الراهنة لا يمكن أن تكون مستديمةً. وإذا اتفقنا على ذلك، إذًا هي فرصة لإعادة ترتيب البيت داخليًّا: أخلاقًا ودينًا (الصلوات، وبقية العبادات بأسلوب الترغيب)، بجانب التعامل العادي ومعه شيء من اللُّطف الذي يُفهم منه أننا نعيش معًا أزمة، وكذلك توزيع الأدوار وحث المشاركة بدور عن كل فرد من الأسرة حسب قدرته، وتبجيل الجدين إنْ وُجدوا وإشعارهم دائمًا أنهم سبب وجود الأسرة، ولا بد للوالدين أيضًا من تلقاء أنفسهما أن يُبديا التعاون والمشاركة مع الاحتفاظ بحدود أنهما والدان، كما يجب أن يُمارسا دورَهما في متابعة التعليم عن بُعد، وخلق جو اقتصادي يُعزِّز أهمية المحافظة على النِّعم فيما يتعلق بالطعام، واستهلاك المياه والكهرباء، والطلبات الخارجية بمختلف أنواعها، والمناديل، والفواكه وجميع الموارد الأخرى التي اعتدنا عليها مع توفرها. وبالطبع ترتيب أهم مورد وهو الوقت.
  • ثانيًا: خلق روح الاهتمام والتعاون بين الأسر القريبة في النسب وكذلك الجيران للاطمئنان بأسلوب ومتابعة تُعطي معنى تفهُّم الأزمة، بسبب أن العوارض تزداد نسبتها. ومع الحجر يصبح التركيز على الذات أكثر، وهذا مُخِلٌّ بالتضامن المطلوب في مثل هذه الظروف.
  • ثالثًا: لا يمكن أن نتصور أن جميع الأسر لديهم الإمكانات المادية والتواصل الاجتماعي في الفضاء الإلكتروني. وهنا ربما يظهر دور المسؤولين عن الأحياء (العُمد)، ويطورون عملهم بما يتوافق مع العصر، لآلية متابعة ذلك، وتقديم الرعاية المطلوبة، ويكون نقطة اتصال وتنسيق بين جميع الجهات التي تُعنَى بذلك، ويقتصر على الذين لا يملكون القدرة على الإنترنت والتطبيقات الإلكترونية.
  • رابعًا: إذكاء الروح الوطنية في الأسر وجميع أفرادها، من خلال شرح ما يدور وأهمية الشعور بالانتماء الحقيقي وليس المعنوي الظاهري فقط، وهو ما اعتاد الناس عليه من جمل وشيلات ويافطات وطنية على أهميتها، بل تحويلها إلى سلوك وتصرفات تُعبِّر عن وحدة المصير.

ومن المهم الإشارة إلى أن الأبعاد وطُرق معالجة آثار جائحة كورونا متعددة، وتحتاج إلى صبر ومثابرة والتعاون ثم التعاون. فالدولة تدير الأزمة على مستوى المجتمع كله، والأسرة تدير الأزمة على مستوى أفرادها، وهنا حق وواجب. الأسرة تخرج من الأزمة بفهم وإدراك وسلوك جديد وسليم لتنضم إلى المجتمع، والدولة عليها تهيئة كل الظروف والبيئة لاستمرار التدريب والترويض الذي أعاد ترميم الأسرة؛ بتنظيف الشوائب الفكرية والسلوكية التي اعترت المجتمع لأسباب خارجيَّة وداخليَّة، وتعزيز الانتماء الديني والوطني، وإعادة هندسة السلوك مجتمعيًّا، واستثمار وتطوير التعليم عن بُعد، ووضع أنظمة وإجراءات اقتصادية واجتماعية ملائمة للمحافظة على الأسر بعد الجائحة. وغرس المحافظة على النِّعم. وتطوير التكافل في المجتمع.

وتساءلت د. مها العيدان: كيف نصل للأسرة والإعلام ووسائل الاتصال المختلفة معظم تركيزها على ما يدور حول كورونا من حقائق أو إشاعات كورونا، وليس هناك اهتمام بكيفية التعايش داخل جدران المنزل ومعايشتنا وتقبُّل التغيرات التي تحدث داخل الأسرة؟ وفي هذا الصدد أوضحت د. هناء المسلط أننا اليوم في أمس الحاجة للإرشاد الأسري وتفعيل دور المستشار الأسري، وإيجاد قنوات وحسابات موثَّقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تهتم بذلك.

وبدورها أكدت د. مجيدة الناجم على أننا بحاجة لوجود تدخل لمساعدة الأسر في التغلب على المشكلات الطارئة؛ فكل واقع مغاير يترتب عليه تغييرات في تحديد الأولويات وآليات التعامل، وهناك قصورٌ في هذه الناحية، فلا وجود فعلي لإرشاد الأسري؛ لأنه أصلاً هذه مشكلة قائمة لدينا وليست طارئة، فطالما تحدَّثنا عن قصور ونقص في الإرشاد الأسري وفي وجود المتخصصين في ذلك حتى ثقافيًّا. فمَن يلجؤون لطلب المساعدة والمساندة من مختصين للتعامل مع المشكلات الزوجية والأسرية قليلون. وهذه الأزمة زادت القناعة بأنه لا بد أن يكون هناك تحرُّك جادٌّ في تفعيل دور الإرشاد الأسري في المجتمع، فهو لا يقلُّ أهميةً عن التخصصات الأخرى ذات الصلة بحياة الإنسان وأمنه المجتمعي.

واهتمت أ. مها عقيل بتقديم المحتوى الإلكتروني الهادف والمفيد والجذاب في نفس الوقت، والذي يُعزِّز مشاركة أفراد الأسرة، ويتلاءم مع قيمنا وأخلاقنا.

وأشارت أ. فائزة العجروش إلى أن تجاوز الأسرة لأزمة جائحة كورونا يتطلب ما يلي:

  • أن يتشارك جميع أفراد الأسرة مع الأم، لتحويل هذه المحنة إلى مراجعة لذاتنا الأسرية في كل الجوانب: الروحية، والأخلاقية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية.
  • الفرصة الآنَ مُهيَّأة للأب لبناء علاقات أسرية جديدة، ولفتح صفحة جديدة مع الأبناء تستمر لما بعد كورونا، فالأبناء في أمسِّ الحاجة لمساندتهم في مواصلة مسيرتهم التعليمية المفروضة عليهم (التعليم عن بُعد)، ويحتاجون إلى مساعدة لا سيما مَن تعثرت مشاريعهم وقلَّت مداخليهم، بالإضافة لحاجتهم الكبيرة للدعم النفسي في ظل هذه الظروف؛ وإلا تأخروا عن الركب.
  • تعزيز الرقابة الذاتية والأخلاقية لدى الأبناء ومراقبة الله في كل تصرفاتهم، وتفعيل دور الأسرة بأهمية الإحساس والامتنان لمتعة الاجتماع الأسري، باحتضانها لأبنائها.
  • التفكير الجماعي في تصويب مسارات وتقوية جوانب فردية وجماعية، ومشاركة الأبناء في الألعاب الجماعية والتي تعتمد على إعمال الفكر وترتيب الأفكار، واكتشاف المواهب وإعادة إحياء بعض العادات والتقاليد الجميلة بين أبنائها بعيدًا عن الأجهزة الإلكترونية.
  • التوعية بضرورة الاهتمام بالجوانب الوقائية لجميع أفراد الأسرة عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتعريفهم بالمخاطر المحيطة بهم ومتابعتهم بشكل مستمر؛ لتحافظ الأسرة على عدم إفشاء الأسرار والخصوصيات الأسرية.
  • فهم آليات نمو المصروفات الاستهلاكية أثناء الأزمة وتحليلها؛ بهدف توفير قواعد بيانات اقتصادية واجتماعية تعكسُ واقع إنفاق واستهلاك ودخل الأسرة المعيشية، وفق نظام إلكتروني دقيق يُفضي بوصول هذه البيانات للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
  • مشاركة جميع أفراد الأسرة في التخطيط للميزانية؛ لأنها أحد أسرار النجاح، فمشاركتهم تزيد دافعيتهم للتطبيق وبالإحساس بالمسؤولية الأسرية، مع أهمية التخطيط الجيد والتنفيذ الأمين والمتابعة الشهرية للخُطة الموضوعة.
  • الاهتمام بالجوانب الدينية، بتقوية علاقتهم مع الله واللجوء للاستغفار والدعاء بأن يكشف الله عنَّا الغمة، ويرفع عنَّا الوباء.
  • الاهتمام بالجوانب النفسية لأبنائنا ووالدينا – سواء كنَّا نسكن معهم أو كانوا في منزل آخر- والحرص على حماية جهازهم المناعي، وطمأنتهم ودعمهم خاصة كبار السن؛ وأهمية مساواتهم بغيرهم من الأعمار الأخرى في الالتزام باتباع الخطوات الاحترازية للوقاية من هذا الفيروس، ونصحهم بمحاولة الاستمتاع بالوقت طالما أنه ليس أمامهم بديل آخر.
  • تفعيل الترابط الواسع بين أفراد الأسرة بأجيالها الثلاثة: الأجداد والأبناء والأحفاد، باستخدام التطبيقات التكنولوجية للتواصل المستمر؛ لمكافحة الشعور بالوحدة بين الأفراد الخاضعين للحجر الصحي الإجباري أو الذاتي، أو مَن اختاروا أن يبقوا في عزلة ذاتية وسط تفشي فيروس كورونا.
  • لفت النظر لأهمية وجود دور المرشد الأسري لمعاونة مَن يحتاج من أفراد الأسرة لمرحلة التعافي في مرحلة ما بعد كورونا.

وأوصت د. مها المنيف بأن تتضمن خُطط الاستجابة الوطنية لجائحة كورونا سلسلة من الإجراءات الوقائية للحدِّ من العنف المنزلي أثناء الحجر، مثل: زيادة عدد دور الإيواء، وزيادة الوعي. وتسهيل وصول الضحايا للخدمات.

وأكدت د. الجازي الشبيكي على أهمية دور الدولة من حيث دعمها وحمايتها لكيان الأسرة بالأنظمة والتشريعات والإجراءات المؤدية إلى تحقيق الأهداف المؤمَّلة؛ لأننا كلما سعينا للحفاظ على الأمان والاستقرار الأسري صحيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا وقيميًّا واقتصاديًّا، ضمنَّا – بعون الله – أمن واقتصاد وصحة المجتمع، وبالتالي المساهمة في تفعيل خطط الدولة وتقدُّمها وتمكينها. وبالنسبة لمجلس شؤون الأسرة بصفته الجهة العليا المُنوط بها من قِبل الدولة كل ما يتعلق بالأسرة، والذي كان الهدف من قيامه تمكين الأسرة وتعزيز دورها التنموي في جميع مناطق المملكة، يمكنه لعب دور مهم في هذا الشأن. مجلس شؤون الأسرة عليه أن يستثمر هذه الجائحة وانعكاساتها الإيجابية على الأسرة في إجراء العديد من الدراسات والأبحاث، والخروج بخُطط عمل إستراتيجية تُعزِّز من دور الأسرة التنموي لمجتمع حيوي في وطن طموح كما جاء في رؤية المملكة 2030؛ وذلك من خلال الإجراءات والقوانين المنظِّمة لذلك على مستوى الدولة، ومن خلال رفع مستوى الوعي المستمر بأهمية كيان وقِيم الأسرة دينيًّا واجتماعيًّا في حياة الأفراد والمجتمعات. والاقتراح في هذا الصدد أن يقوم المجلس بإنشاء قناة تلفزيونية عائلية متميزة وجاذبة وذات مضمون ومحتوى غير عادي، تدخل في كل بيت ويُنفق على إنشائها وتفعيلها بدون حدود، ما يمكن أن يُستثمر لاحقًا في عوائدها الاجتماعية والوطنية، تُقدَّم فيها البرامج والمسابقات والأنشطة العائلية بحوافز وجوائز تساعد على المشاركة وتُشجِّع عليها، وتُعين على تقوية الروابط الأسرية بالشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والتربوية والترفيهية والرياضية.

وأضافت د. وفاء طيبة فيما يتعلق بدور مجلس شؤون الأسرة، فإن ثمة ضرورة في هذه الفترة لأنْ يعمل المجلس على الوصول إلى جميع الشرائح المجتمعية، وتوجيه الرسائل التوعوية التي تُبَثُّ عن طريق التلفاز والراديو والإنترنت وللأطفال ولكبار السن والشباب وللآباء والأمهات، للتعامل مع المشكلات الناجمة عن أزمة كورونا، وفي مجالات توعوية مختلفة مرتبطة بالجائحة. أما فيما يتعلق بالإستراتيجية الوطنية للأسرة، فيمكن الإشارة إلى نقطتين أساسيتين:

  • أولاً: بما أن الإستراتيجية لمَّا تصدر أو لمَّا تنته بعدُ – وحتى لو صدرت- فلا بد من الاستفادة من هذه الظروف والتي تعَدُّ أكبر دراسة تجريبية في التاريخ على كل العالم، لا بد من الاستفادة منها في تطوير هذه الإستراتيجية وإدخال التعديلات عليها.
  • ثانيًا: هناك ضرورة لمراجعة أنظمتنا جميعها لحماية الأسرة والاستفادة من مرورنا بهذه الجائحة، والتصوُّر أن هذا الدور منوطٌ بمجلس الأسرة خاصة فيما يتصل بإمكانية التقدُّم لمجلس الشورى بحزمة من التعديلات على الأنظمة والتي ترتبط بالأسرة وتماسُكها، ليس في زمن كورونا فحسب؛ ولكن على نحو دائم وبما يناسب المجتمع السعودي، ويتم أيضًا عكسها في الإستراتيجية الوطنية للأسرة، وهذا الدور هو دور الدولة في المحافظة على بناء الأسرة وهي اللبنة الأولى والأساس للمجتمع. وقد رأينا كيف أن نظام الحماية من الإيذاء كان مقترحًا من مؤسسة الملك خالد- وهي ليست مؤسسة حكومية بالطبع- وأخذ مجراه في مجلس الشورى ومجلس الوزراء حتى أصبح واقعًا معمولاً به.

أيضًا، فمن المهم أن تصل الرسائل التوعوية المناسبة التي يعدها مجلس شؤون الأسرة لكل الشرائح؛ فقد لا يستطيع البعض التعامل مع التقنية ووسائل التواصل الحديثة، فيكون من المناسب إيصال الرسائل عن طريق الراديو والتلفزيون والجوال أيضًا؛ وبما يناسب طبيعة كل فئة عمرية؛ فمثلًا: طمأنة كبار السن قد يكون من الأنسب له أن يتم من خلال التلفاز، وهكذا بالنسبة لكل فئة من فئات المجتمع.

وأشارت د. مجيدة الناجم إلى أنه فيما يتعلق بدور الدولة في حفظ الأسرة، فالسنوات الأخيرة شهدت العديدَ من الإجراءات والتشريعات المتعلقة بالحفاظ عليها، ومنها إنشاء مجلس شؤون الأسرة، وإقرار نظام الحماية من الإيذاء وحماية الطفل، إضافةً إلى حزمة كبيرة من الإصلاحات والتشريعات التي تصبُّ في صالح حماية الأسرة وأفرادها التي أقرتها وزارة العدل، وفي هذه الجائحة الدولة مستمرة في الحفاظ على الأسرة من خلال الكمِّ الكبير من القرارات والإجراءات في جميع المناحي، والتي تهدف إلى تخفيف ضغط هذه الجائحة على الفرد وعلى الأسرة؛ فهناك إعفاءات ومساعدات وتسهيلات، ومن أبرزها قرار إيقاف أحكام الزيارة لأطفال المطلقين للحفاظ عليهم من التنقُّل والتعرُّض للمرض، لا سمح الله. وما تقوم به الدولة اليومَ هو إدارة المخاطر الاجتماعية، وهي سياسية اجتماعية، ونتمنى أن تكون جزءًا من تصميم السياسات الاجتماعية؛ فهي الوسيلة لتخطي الأزمات ووضع السيناريوهات المناسبة على جميع المستويات المجتمعية عند التعرُّض لكل خطر من المخاطر، وتتضمن إستراتيجية تخفيف ووقاية وإعادة تكييف.

وترى د. عفاف الأنسي أن ثمة حاجة لدراسة الوضع الحالي للأسر، وتصميم سياسات تتبع من الحاجات المتفاوتة لتلك الأسر حتى تضمن الإنصاف في مراعاة الفروقات بين الأسر للوصول إلى الخدمات.

في حين يرى أ. عبد الرحمن باسلم إمكانية التوصية بعد انتهاء جائحة كورونا الحالية بإغلاق الأسواق مبكرًا في الثامنة مساء، ويمكن كذلك إغلاق كافة الأنشطة الأخرى من مطاعم ومقاهٍ ودور سينما وغيرها الساعة العاشرة كحد أقصي حتى يأخذ الطلاب قسطًا وافرًا من النوم، وتزيد إنتاجية موظفي القطاع العام.. إلخ، وكذلك لتسهيل تنظيف المدن وتعقيم الأماكن الحساسة، وعودة الحياة الطبيعية حيث إنَّ البركة في الرزق في البكور.

وذكرت د. نورة الصويان أنه وكما يقال إن في كل محنةٍ منحةً، فإن من حسنات هذه الأزمة إعادة الدفء والحميمية بين أفراد الأسرة بعد التباعد العاطفي في السنوات الأخيرة، والذي فرضته الضغوط الحياتية. هذا الظرف الاستثنائي الذي تمرُّ به الأسر نطمح أن يكون مناسبة لاستثماره في تجويد علاقات الأسرة ونمط حياتها اليومي، كأن يتم عقد اجتماع أسري، أسبوعي أو حسب الحاجة يُعبِّر فيه كل فرد بحرية وتلقائية عن مشاعره ومخاوفه وهواجسه. وهذه الجائحة ربما تكون فرصةً لتعديل هندسة وبناء الحياة الأسرية، فمثل هذه الاجتماعات الأسرية تُوضِّح وتُحدِّد دور ومسؤولية كل فرد، وتُعزِّز قيم الاحترام وتقبُّل اختلاف الرأي، وتُرسِّخ مبدأ التعايش بين أفراد الأسرة الواحدة، والتي تعَدُّ نموذجًا لمجتمع مصغر. ومن المهم التأكيد على دور المؤسسات المجتمعية لمساعدة الأسر على التعامل مع مثل هذه الحالات الطارئة:

  • لا بد لهذه المؤسسات من اتخاذ تدابير وقائية للتأكد من حصول الأفراد الذين يعانون من الاضطرابات بأنواعها لتسهيل وصولهم وحصولهم على الخدمات المناسبة لهم.
  • تحتاج لتكييف الخدمات المقدَّمة لكافة الأفراد والأسر مع الأوضاع المستجدة، وتغيير نمط طلب الخدمات، وتعريف أفراد المجتمع بها.
  • من الضروري توفير التدريب وبناء القدرات للعاملين في هذا المجال (حالات الطوارئ والأزمات).
  • الحاجة للتركيز في حالات الطوارئ على حماية الفئات والشرائح الأشد هشاشة؛ كالأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمسنين، والنساء المعرَّضات للعنف.
  • الحاجة لتفعيل الخطوط الهاتفية الساخنة في مثل هذه الظروف لتقديم الدعم والإرشاد النفسي والاجتماعي.
  • تعزيز الشراكة والتنسيق بين كافة المؤسسات والقطاعات ذات العلاقة (كالصحة، والحماية، والرعاية، والتعليم).
  • أن يتم إجراء تقييم سريع للسياق بالقضايا الأسرية والاحتياجات التدريبية (الثغرات في التدخلات) والموارد المتوفرة.
  • الاستفادة من نتائج التقييم في رسم سياسات ووضع آليات مستقبلية، لتحديد وتقييم الخدمات والرعاية المقدَّمة للأسر والأفراد.

وترى د. هند الخليفة أهمية العمل على ما يلي:

  • استثمار إيجابيات التقارب الأسري في إعادة تشكيل العلاقات والأدوار بين أفراد الأسرة، وذلك من خلال تقديم الدعم المؤسسي الموجه للأسرة؛ من خلال مشاركة مؤسسات التعليم والثقافة والتجارة، ومجلس الأسرة، ومؤسسات المجتمع المدني.
  • وضع خطط اللاعودة إلى السلوك الاستهلاكي الفوضوي.
  • تفعيل دور التعليم في كافة مراحله؛ من خلال تعزيز صورة الأسرة الإيجابية، والعلاقات بين الجنسين، والعودة إلى أصالة الأسرة وأهميتها للفرد والمجتمع.
  • تفعيل دور الإعلام في غرس القيم والصور والسلوك الإيجابي، الذي يعمل على بناء الروابط وتأصيلها، لا هدمها.

وقد تعرَّض الملتقى لمناقشة الأفكار التالية:

  • تقديم الدعم المؤسسي الموجه للأسرة، من خلال مشاركة مؤسسات التعليم والثقافة والتجارة، ومجلس الأسرة، ومؤسسات المجتمع المدني.
  • إعادة توزيع المهام والأدوار داخل الأسرة وتدريب أفرادها على تحمُّل المسؤولية، وذلك من خلال استثمار إيجابيات التقارب الأسري في إعادة تشكيل العلاقات والأدوار بين أفراد الأسرة.
  • تهيئة الأب والأم لبناء علاقات أسرية جديدة تستمر لما بعد كورونا.
  • تعزيز الرقابة الذاتية والأخلاقية لدى الأبناء من خلال تفعيل دور الأسرة في ترسيخ ذلك لديهم.
  • تنشيط التفكير الجماعي من خلال مشاركة الأبناء في الألعاب الجماعية التي تعتمد على المشاركة الجماعية.
  • الاهتمام بالجوانب الوقائية لجميع أفراد الأسرة ومتابعتهم بشكل مستمر، مع المحافظة على الخصوصية الأسرية.
  • توفير قاعدة بيانات عن مستوى الأسر اقتصاديًّا واجتماعيًّا؛ لمعرفة واقع الإنفاق الاستهلاكي للأسرة.
  • خلق روح المسؤولية بين أفراد الأسرة بمشاركة جميع أفراد الأسرة في التخطيط لميزانية الأسرة، ووضع خطط اللاعودة إلى السلوك الاستهلاكي.
  • تمكين مجلس شؤون الأسرة وتعزيز دوره التنموي في جميع مناطق المملكة.
  • الحذر من محاولات داخلية وخارجية لتفكيك بناء الأسرة التقليدي أو تهميش دورها في المجتمع تحت عناوين براقة؛ كالحرية الفردية والاستقلالية، وأثر هذه المحاولات في تغرير بعض الشباب والفتيات وإغرائهم بالتمرد على (سلطة) الأسرة.
  • التوصيات:
  • مراجعة جميع الأنظمة ذات العلاقة بالأسرة لتطويرها وتعديلها بما يكون ذا مردود إيجابي على الأسرة عمومًا، وفي وقت الأزمات.
  • وصول الإعلام من مجلس الأسرة إلى جميع الشرائح وجميع القرى في المملكة، بأن لا تقتصر رسائله على وسائل التواصل الحديثة؛ وإنما أيضًا في التلفاز والراديو والجوال.
  • وضع مجموعة من الخطط والإجراءات الوقائية للحد من العنف المنزلي أثناء الحجر المنزلي، مثل: زيادة الوعي، وتسهيل وصول الضحايا للخدمات، وتفعيل الخطوط الهاتفية الساخنة في مثل هذه الظروف، وتقديم الدعم والإرشاد النفسي والاجتماعي، والحماية للمعنَّفين.
  • تفعيل دور التعليم في كافة مراحله في تعزيز صورة الأسرة الإيجابية، والعلاقات بين الجنسين، والعودة إلى أصالة الأسرة وأهميتها للفرد والمجتمع.
  • تدريب وبناء القدرات للعاملين في مجال حالات الطوارئ والأزمات مع الحاجة للتركيز في حالات الطوارئ على حماية الفئات والشرائح الأشد هشاشة؛ كالأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمسنين، والنساء المعرَّضات للعنف.
  • سن سياسات اجتماعية وأنظمة خاصة للتعامل مع الأزمات والكوارث لحماية الأسر الأقل دخلًا، والفئات الهشة في المجتمع، بشراكة بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني بحيث يكون هناك جاهزية للتدخل عند حدوث الأزمات بدون أن يكون هناك حمل كبير على الدولة في مواجهة الأزمات أثناء حدوثها.
  • بما أنه يبدو أن العمل عن بُعد سيستمر ولو جزئيًّا بعد الجائحة، فلا بد من تنظيمه في مواد وقوانين معروفة للعامل وصاحب العمل حفاظًا على وقت الأسرة.
  • تغيير بعض أنظمة العمل لتكون مرنة تشمل العمل بنظام أوقات العمل المرنة أو العمل عن بُعد، خاصة بالنسبة للمرأة العاملة التي أصبح لها دورٌ رئيسي في الإسهام في دخل الأسرة، وفي الوقت نفسه يقع على عاتقها المسؤوليات الأسرية والاجتماعية؛ ما يضطرها في بعض الأحيان إلى التخلي عن وظيفتها في سبيل تلبية متطلبات أسرتها.
  • دراسة زيادة التحوُّل في بعض الأعمال إلى النطاق الافتراضي، خصوصًا الفصول الافتراضية للجامعات والدورات والاجتماعات وغيرها بما يناسب بعض الأعمال، حيث توفِّر ميزانيات ضخمة وتُخفِّف من الازدحام والتلوث البيئي.

 القضية الثالثة

التعليم عن بُعد

(19/4/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. محمد الملحم
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. حمد البريثن
  • التعقيب الثاني: د. سعيد العمودي
  • إدارة الحوار: د. هند الخليفة

 

  • الملخص التنفيذي:

ناقش د. محمد الملحم في الورقة الرئيسة مفهوم التعليم عن بُعد، والمتطلبات التي يحتاجها هذا النوع من التعليم والتحديات التي تواجهه، وبدأت الورقة بمقدمة تعريفية حول التعليم عن بعد، والتطور الذي حدث في استخداماته، وصولاً إلى ثورة الإنترنت وظهور منصات التعلم عن بُعد التي قدَّمت حلولاً شاملة تحاكي البيئة المدرسية، ووفَّرت تفاعلاً اجتماعيًّا بين المستخدمين. وعرَّج د. الملحم بعد ذلك على نظام إدارة التعلم LMS ووصفه بأنه القلب النابض للتعلم عن بُعد، وشرح وظائف هذا النظام. ثم أشار إلى الحلول التي يمكن أن يُقدِّمها التعليم عن بُعد، من ذلك حل مشكلة المدارس النائية التي تواجه صعوبات في توفُّر المعلمين والمواد والبيئة التعليمية المناسبة. كذلك أوضح فوائد استخدام التعليم عن بُعد على الدولة والمعلمين والطلبة من خلال بث الخدمة للفصول الضخمة Mega Classrooms. أيضًا، فقد استعرض د. الملحم المتطلبات والتحديات، والتي من أهمها نقص الدراسات لقياس أثر القضايا المتعلقة بالتعليم عن بعد. طرح بعد ذلك تساؤلاً: كيف يمكن أن يُغيِّر التعليم عن بعد وجه العالم؟ وفِي ذلك، قدَّم أمثلةً من تجارب بعض الدول، منها أمريكا وأستراليا. وعلى المستوى المحلي، أشار إلى أن التعليم عن بُعد يمكن أن يُحدِث ثورةً اقتصادية إذا تمَّ التخطيط له بشكل جيد؛ من ذلك مدارس الهجر، وتوفير النفقات التي تُصرف عليها.

وتناول د. حمد البريثن في التعقيب الأول التطور التاريخي للتعلم عن بعد من القرن ١٣-١٥ قبل الميلاد، إلى العهد الحديث واستخدام الطباعة والتصوير الفوتوغرافي، ثم استخدامات الكمبيوتر في التعليم. كما ركَّز على المشاكل التي يواجهها التعليم عن بُعد، وأهمها انخفاض مستوى الاختلاط الاجتماعي والتواجد مع العناصر البشرية. واختتم تعقيبه بالتأكيد على أهمية التعليم عن بعد بالتوازي مع التعليم المباشر الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

أما د. سعيد العمودي فتناول في التعقيب الثاني المصطلحات المختلفة للتعليم عن بُعد، مؤكدًا على أنه أصبح حاجة ملحة في كل الظروف، كما استعرض التطور التاريخي للاستخدامات المختلفة وتطبيق التعليم عن بعد في جامعات العالم. كما أوضح المبادئ الأساسية للتعليم عن بُعد ومقومات نجاحه على المستويين الفردي والمؤسسي. وأخيرًا، كان له وقفة مع تجربة المملكة التي رأى أنها بدأت مع التعليم عن طريق الشبكات التلفزيونية والانتساب، ثم تأسيس الجامعة السعودية الإلكترونية التي يبلغ عدد طلابها عشرة آلاف طالب وطالبة.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحاورَ التالية:

  • إيجابيات وسلبيات التعليم عن بُعد في الواقع العملي.
  • التعليم عن بُعد في ضوء التجربة الأسترالية كنموذج.
  • تقييم تجربة التعليم عن بُعد في المؤسسات التعليمية بالمملكة.
  • رؤية لمستقبل التعليم عن بعد.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  1. دراسة تبني نمط التعليم المدمج؛ الذي يدمج بين الحضور الفعلي والحضور الافتراضي المتزامن بنِسَب معينة، وإعداد إستراتيجية متكاملة للتعليم عن بعد، ودمجه في مراحل التعليم المختلفة والتعليم الخاص، وذلك بالتنسيق بين وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات؛ وذلك لضبط السياسات والإجراءات وضمان أمن المعلومات، وبناء نظام متكامل لإدارة التعليم عن بُعد، مع منح مؤسسات التعليم المرونة في وضع الخطط التنفيذية وفقًا للإمكانات المتاحة لكل مؤسسة.
  2. الاعتراف بشكل رسمي بشهادات الحاصلين على شهادات التعليم عن بُعد كليًّا أو جزئيًّا دون أي عوائق، والتأكيد على الأحقية في الحصول على فرص وظيفية مناسبة في سوق العمل. والاعتناء بتجربة (الجامعة السعودية الإلكترونية) وتقويم تجربتها، وترقية الاعتراف الأكاديمي بشهادتها، واعتبارها بيت خبرة مرجعيًّا في التعليم الإلكتروني.
  3. توظيف وبناء برامج التعليم المتفرد في التعليم عن بُعد؛ لترسيخ مهارات الطلبة الخاصة، بالتوازي مع التعليم مع جملة الطلاب.
  • الورقة الرئيسة: د. محمد الملحم

تقدمة تعريفية حول التعليم عن بعد:

التعليم عن بُعد بدأ قبل عهد الإنترنت، مثل الراديو والتلفزيون التعليمي، كذلك البريد التقليدي كوسيلة للحصول على المواد التعليمية، ومع ثورة الإنترنت ظهرت ثورة في منصات التعلُّم عن بُعد، ووصلنا إلى حلول شاملة اليوم تحاكي البيئة المدرسية بكل تفاصيلها؛ فهناك على الشاشة فصول، ومكتبة، وقاعة أنشطة، وسجلات حضور وغياب، وسجلات درجات، وأوراق عمل وواجبات، كلها تعمل معًا بنظام مبرمج على نحو متكامل integrated يجعل من المنصة أداة طيعة في أيدي المستخدمين ليعيشوا من خلالها الجوَّ المدرسي بكل تفاصيله، كما تُوفِّر هذه المنصات تفاعلاً “اجتماعيًّا” بين الطالب والطالب، وبين الطالب والمعلم، فالطلاب يمكنهم أن يعقدوا اجتماعات فيما بينهم في غرف مناقشة خاصة بهم ويتحاوروا ويتعاونوا في فهم الموضوعات أو حل الواجبات، كما يمكن أن يزور الطالب معلمه في مساحته الخاصة ويتحاور معه في دردشة لا تختلف عما يحدث بينهما في المدرسة على أرض الواقع، وربما يختلف الطرفان أو يتفاهمان (طالب / معلم، أو طالب/طالب)، وربما حدث بينهما شجارٌ أو خلاف أو لجؤوا إلى إدارة المدرسة لفض النزاع.

نظم إدارة التعلم Management of Learning Systems  (LMS) هي القلب النابض للتعليم عن بعد، فهي تحتوي على كل السجلات والوظائف وقواعد البيانات، وتدير المعلومات، ومن خلالها يتم تشغيل التدريس بكل أدواته وبرامجه المتكاملة مع هذا النظام. هناك أيضًا البرامج أو التطبيقات التي توفر أدوات للتدريس والتواصل، مثل: سكايب Skype وزووم Zoom  ويب أكس Webex وكثير غيرها، وهذه التطبيقات أغلبها مجاني خاصة عندما يكون عدد المستخدمين محدودًا، مثلاً بين 20 إلى 50 مستخدمًا.

كنت قد دعوت 2016 في مقالتي التالية http://www.al-jazirah.com/2016/20160623/ln44.htm  إلى ضرورة تفعيل التعليم عن بُعد كحلٍّ لمشكلة المدارس النائية في الهجر، واقترحت إيجاد نوع جديد من المعلمين أسميتُه “المعلم عن بُعد” له مهاراته الخاصة، وهو يُختار من المعلمين المتميزين؛ لأن دروسه ستُبثُّ لقطاع كبير جدًّا من المدارس والطلاب بمفهوم الفصل الضخم (Mega Classroom)، وألمحت إلى أن ذلك كله قابل للتنفيذ بسهولة؛ بل إنه يُوفِّر على الدولة الكثيرَ خاصة رواتب معلمي الهجر، كما يُمثِّل وسيلة للحصول على محتوى تدريسي مميز، والذي يمكن أن يُعاد بثُّه لبقية الطلاب الذين يدرسون في مدارس المدن ليَفيدوا منه كإثراء لهم، ولتجاوز ضعف بعض المعلمين هنا وهناك خاصة في المواد العلمية واللغات.

متطلبات وتحديات:

أشار خبراء هذا المجال إلى أن هناك نقصًا في إجراء دراسات معمَّقة حول التعليم عن بُعد وآثاره وقضاياه على الرغم من أن الاهتمام به بدأ منذ طفرة الإنترنت في التسعينيات ولا يزال يتصاعد حتى اليوم سواء تقنيًّا أو كميًّا، وقد تحدثت الأبحاث حول نقص واضح في إعداد المعلم لهذا الشأن، حيث وجد أحدها عام 2007 أن المعلمين الذين قاموا بالتدريس عن بُعد (أون لاين)، فإن مَن تمَّ إعدادهم لهذه المهمة لم يتجاوزوا 40% منهم، وفي دراسة عام 2012 وجدت أن الجامعات التي لديها أي شكل من أشكال إعداد المعلم للتدريس عن بُعد أون لاين لم تتجاوز 1.3% فقط من الجامعات.

ولا شك أن التعليم عن بُعد تسهل مهمته ويؤتي ثماره واضحة كلما كان المتعلم أكبر سنًّا؛ فهو اليوم منتشر في الجامعات، ويرى الخبراء أنه في التعليم العام يُطبَّق في المرحلة الثانوية بسهولة أكثر منه في الابتدائية خاصة الصفوف الأولية أو المبكرة، حيث يتطلب التدريس فيها عن بُعد مهاراتٍ خاصة وفنيات تدريس متقدمة لا تتوفر لدى أي معلم بسهولة.

كيف يمكن أن يُغيِّر التعليم عن بُعد وجه العالم؟

التعليم عن بعد عليه إقبال عالمي؛ فمثلاً تذكر وزارة التعليم الأمريكية أن طلاب مدارسها الحكومية الثانوية الذين اتجهوا إلى كورسات التعلُّم عن بُعد ارتفع من 30% في 2002 إلى 53% في 2010، وأشارت مقالة في الوول ستريت جورنال 2011 إلى أن كثيرًا من الطلاب يضطر إلى حضور كورسات أون لاين ليستعد لاختبارات الدخول للكلية، وهو أوفر لهم ماديًّا من الكورسات العادية، وتم الإشارة إلى أن هذه الحلول وفَّرت لكثير من طلاب الدول الأخرى النامية فُرص التعلم التي لم تكن متوفرة لهم من قبلُ نتيجة لانخفاض التكلفة المادية… وأشارت المقالة إلى مشكلة هذا الخيار أنه مفيدٌ فقط للطلاب الذين يملكون مهارات إدارة الوقت أو الذين توفَّر لديهم في المنزل قواعد والدية نحو الانضباط وهم متناغمون معها، وذلك أنه في ظل غياب المعلم وجو المدرسة فقد يتسبب ذلك في تهاون الطالب نحو مسؤولية التعلم الذاتي.

التعليم عن بُعد يمكن أن يُحدِث ثورةً اقتصادية إذا ما أقبل عليه المستفيدون وفهموا متطلباته، وإذا ما تعودت عليه النظُم الحكومية مما يمكِّنها من إغلاق بعض المدارس المكلِّفة ماديًّا (مدارس الهجر كمثال)، وهو ما سيُحقِّق وفورات اقتصادية تستثمرها في مجالات أخرى خاصة للبلدان التي تُمثِّل هذه النفقات لها قيمةً ذات تأثير على موازناتها، وربما لا ينطبق على الدول الغنية جدًّا. وهو في الوقت نفسه إذا ما تعوَّد عليه طالب المرحلة الثانوية (والابتدائية) سيُهيِّئه بشكل أفضل لجو الدراسة الجامعية ليتكيف معها بسرعة؛ ذلك أنها غدت اليوم تعتمد بشكل مكثَّف على نظُم التعلُّم عن بُعد.

وفي أستراليا مثلاً، وقفتُ شخصيًّا على هذه التجربة من خلال زيارة دولية رسمية، أوضحت لي أن وزارات التعليم هناك والمدارس الحكومية قد وصلت إلى مستوى متقدم، التعلم عن بُعد إجراء عملي فعَّال ويحقِّق على الأقل 70% من أهداف التعلم، ولا نقول أهداف التربية، ولنتذكر أن دور الوالدين له الأثر الأكبر في التنشئة الاجتماعية الأخلاقية، ويمكن أن يُحقِّق التوازن الاجتماعي للطالب من خلال هذا الدور، بالإضافة إلى جماعة الرفاق في الحي أو من خلال الأقارب وذلك في الحالة التي يتعذر فيها ذهاب الطفل إلى المدرسة، وحينما يُوفِّر له التعلُّم عن بُعد خيارًا أفضل من المدرسة أو بديلاً عنها، ولنتذكر أن حركة المدارس من المنزل home schooling  في الولايات الأمريكية المتحدة هي أيضًا رافد آخر لتعزيز دور التعلم عن بُعد؛ مما يوحي بإمكانية نمو هذا المجال على مستوى التعليم الأساسي.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. حمد البريثن

استعرض د. محمد الملحم في بداية الورقة الرئيسة أصل العملية، وأنها ممارسة موجودة من قبل وجود الإنترنت حيث كانت وسائل التواصل التفاعلية مثل الهاتف، وغير التفاعلية مثل المذياع والتلفزيون، تقوم بعمل يهدف إلى إيصال المعلومة بطريقة لا تلزم الشخص المتلقي بأن يكون متواجدًا بالقرب ممَّن يُعطي تلك المعلومة.  في اعتقادي، مع قناعتي بما ورد في الورقة الرئيسة، أن التعليم عن بعد بدأ منذ بدأ الإنسان بنقل المعلومة من مكان أو زمان لآخر مستخدمًا الذاكرة، ومن ثَمَّ تطورت فكرة تدوين المعلومة بالحروف المنطوقة والتي نشأت بمنطقة أجورات بالشام، والمستخدمة بين القرنين 15 و13 قبل الميلاد، أو الحروف ذات الدلائل والتي اكتُشفت في الصين، وتعود بداياتها للقرن الرابع عشر قبل الميلاد.

وتشكَّلت مفاهيم نقل المعلومة بعد ذلك حينما استُبدلت الكتابة على الأحجار والصخور إلى الكتابة على الورق والجلود مما سهَّل عملية الاستنساخ والنقل. بقي الجزء الآخر والمعتمد على الذاكرة كنوع من النقل للمعلومة، وهذا ما نقل لنا أدبيات وأشعار العصر الجاهلي وكذلك القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. تبيَّن بعد ذلك أهمية التدوين بالكتابة مما أعطى لعمل النُّسَّاخ دورًا كبيرًا للمساهمة في عملية حفظ المعلومة ونقلها. كان للرسم والنحت للمجسمات كذلك مساهمة في الثقافات الأخرى، ولكن لصعوبة الاستنساخ لم تتطور بنفس نسق الكتابة بالحروف الأبجدية والحروف الصينية.

في القرن الخامس عشر الميلادي قام المخترع الألماني يوهانس غوتنبرغ (Johannes Gutenberg) باختراع آلة الطباعة الحديثة والمعتمدة على رصِّ قوالب الحروف ورشها بأحبار وضغطها على الأوراق أو الجلود مما سرَّع وتيرة الاستنساخ والقدرة على نَشْر الكتب ونقل المعلومة بشكل متسارع. تطوَّرت تلك التقنية بعد ذلك حتى إنها أصبحت تشمل الرسومات البسيطة، وبناءً عليه انتشرت المعلومة زمانيًّا ومكانيًّا بشكل كبير، وأصبح عمل النسَّاخ مرتبطًا بالرسومات التفصيلية بدلاً من الكتابة.  في القرن التاسع عشر، طوَّر عالم الكيمياء الفرنسي لويس داجير (Louis Daguerre) بالشراكة مع عالم الفيزياء جوزيف نييبس (Joseph Niepce) التصوير الفوتوغرافي بشكل يماثل ما هو متعارف عليه الآن، ولكن بشكل مبسط.  مكَّنت تلك التقنية مفهوم نقل المعلومة أو التعلم عن بُعد بشكل أفضل، وخصوصًا بعد التطوُّر الكبير في التصوير من ناحية الدقة أو سهولة الاستخدام أو إظهار الألوان. تطوَّرت بناءً على ذلك عملية الطباعة بشكل أكبر شاملةً أنواعًا أكثر تقدُّمًا من الأنماط، بحيث أصبح من اليسير الحصول على الكتب بأسعار متداولة.

تمَّ استخدام المطبوعات بالعملية التعليمية المعهودة والتي تحوي المدارس والفصول والسبورات وما شابهها، بالإضافة إلى الكتاب المدرسي والذي يحوي المعلومة المراد توصيلها.  خلال تطوُّر العملية التعليمية الاعتيادية واعتمادها بشكل كبير على المطبوعات سواء للحروف أو الصور، لم يكن لمسجلات الصوت دورٌ كبيرٌ في تلك العملية إلا في حالات محدودة، منها دراسة اللُّغات وبعض الدراسات الأخرى مثل القرآن الكريم. كان لمسجلات الفيديو دورٌ أوسع بسبب أنها تُعطي الصوت والصورة.

لا يتوقف التعليم الحالي الاعتيادي على إيصال المعلومة بل يمتد لأكثر من ذلك، حيث يُغطي الجوانب الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية، بالإضافة إلى عملية التقييم للمحصلة العلمية، وكذلك الجوانب الشخصية. يُبنى على هذا التقييم الكثير من القرارات كالقبول في المراحل الأعلى للدراسة، وكذلك الحصول على وظيفة أو ترقية بالعمل أو تصريح للممارسة. لذلك، انحصر التعليم عن بُعد في بداياته بعملية إيصال المعلومة. تطوَّرت أساليب التقييم العلمي للتعليم عن بُعد وأصبحت شريكًا ملازمًا في الكثير من الجامعات لمرحلة البكالوريوس في عملية تقييم أداء الطلاب للواجبات. في عام 1992م قامت مجموعة بقسم الفيزياء بجامعة ميشيغان الحكومية (Michigan State University) بعمل دراسة أولية لوسيلة تعليمية للتعلُّم الفردي بمساندة الكمبيوتر (A Computer Assisted Personalized Approach) تُعنى بإعطاء الطلاب واجبات وامتحانات تُعطي تقييمًا مباشرًا للطالب. تمَّ تطوير هذه الوسيلة لتُوضع على الإنترنت في العام 1997م، واتسعت دائرة الاستخدام لتشمل أكثر من 170 مؤسسة تعليمية سواء جامعية أو ضمن التعليم العام لمواد دراسية مختلفة.  بدأت بعد ذلك الاستثمارات في التعليم عن بُعد كشركات تتخذ الجانب الاقتصادي إحدى ركائز عملها.  تواجه عملية التعليم عن بُعد عدة مشاكل، أهمها انخفاض مستوى الاختلاط الاجتماعي والتدريب على التواجد مع العناصر البشرية والإمكانات بشكل مباشر؛ ولكن هذا لا يقلِّل من أهمية دمجها مع الفصول الاعتيادية وفي حالات طارئة، كما ورد في الورقة الرئيسة، فإن التعليم عن بعد يعَدُّ الوسيلة الوحيدة القادرة على استمرار العملية التعليمية، ولنا في جائحة كورونا مثالٌ واضح على ذلك.

بقي الجانب العملي والمرتبط بالعملية التعليمية، فبعض المجالات العلمية ترتبط بتجارب علمية ولا يمكن عملها عن بُعد.  في الوقت الحالي يتم تطوير فصول افتراضية ذات أبعاد ثلاثية تُمكِّن الطالب من عمل التجربة في الواقع الافتراضي، ومع جودة العمل الفني لها إلا إنها ليست مثل الممارسة اليدوية الفعلية. هنالك استشراف لاستخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد، حيث يستطيع الطالب طباعة التجربة والتي يحصل عليها إلكترونيًّا، ولكن يبقى جزء الإشراف من قِبل المعلم.  في النهاية، أرى أن التعليم عن بُعد موجود ضمنًا في الدراسة الاعتيادية، وله أهمية كبيرة بالتوازي مع التعليم الاعتيادي؛ ولكن لا يمكن الاستغناء عن التعليم المباشر.

  • التعقيب الثاني: د. سعيد العمودي

أعتقد أن العالم الآنَ في حالة جزم بأن التعليم عن بُعد بمختلف مصطلحاته مثل: التعليم بالمراسلة، والتعليم المفتوح، والتعليم الموازي، وهناك تعبيرات أخرى؛ كالدراسة المنزلية، والدراسة المستقلة، والدراسة من الخارج. وأيضًا، تنوعت المصطلحات في اللُّغة الإنجليزية للتعليم عن بُعد، ومنها:
Distance Learning, Distributed Learning, Remote Learning, Distance Education.

أصبح هذا النوع من التعليم حاجةً مُلحة بعد أن كان يعتبر أحد الخيارات التي يلجأ إليها الطلاب عند عدم توفُّر القدرة بكافة أشكالها للسفر للجامعات المرموقة حول العالم، أو عند الحاجة للتدريب على مهارة جديدة.

ذكر مؤلف كتاب The Evolution, Principles and Practices of Distance Education بأن أول محاولة للتعليم عن بعد كانت عام 1728 عن طريق صحيفة Boston Gazette، وذلك بالإعلان عن طريقة للتعليم من خلال الدروس الأسبوعية بالبريد. وبالنسبة للجامعات كانت جامعة لندن أول جامعة تُقدِّم درجات التعلُّم عن بُعد، حيث أنشأت برنامجها الخارجي في عام 1858.

ترتكز مؤسسات التعليم عن بعد على عدة مبادئ:

  • مبدأ تفريد التعليم: أي أن العملية التعليمية يجب أن تُصمَّم بطريقة توافق استعدادات الفرد وقدراته وميوله واتجاهاته وسرعته في التعلُّم.
  • مبدأ ضبط المتعلم لعملية تعلُّمه: أي أن المتعلم يُقبل على عملية التعليم بدافع ذاتي وبرغبة حقيقية في التعلُّم.
  • مبدأ التعليم المستمر:أي أن التعليم عملية مستمرة مدى الحياة؛ فقد يرغب الإنسان في تنمية نفسه مهنيًّا أو علميًّا أو ثقافيًّا، ولا بد من إعطائه الفرصة لكي يُحقِّق ذلك، في أي وقت وأي مكان.
  • مبدأ التعلم الذاتي: أي أن يتعلم المتعلم بمفرده معتمدًا على ذاته في أغلب الأحيان.
  • مبدأ ديمقراطية التعليم:بمعنى أن التعليم حقٌّ لكل فرد من أفراد المجتمع، بغض النظر عن لونه وجنسه وعرقه ودينه وظروفه وعمره.

ومع تطور وسائل الاتصال وبالتحديد خدمات الإنترنت المدمجة بالصوت والفيديو، والتي تُتيح التفاعلَ اللحظي بين الطالب والمعلم؛ فتح شهية الجامعات العالمية للتفكير في شرائح جديدة من الطلاب حول العالم. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة، ينال أكثر من 270.000 طالب جامعي شهاداتهم الأولى من خلال التعلُّم عن بُعد، بالإضافة إلى حوالي 108.000 طالب دراسات عليا. وهذا النوع من التعليم عزَّز جوانب إيجابية في المجتمعات المختلفة، منها: زيادة المستوى الثقافي والتعليمي في المجتمع، التغلُّب على الفروق الفردية بين الطلبة، توفير فرص التعليم لأولئك الذين لا تسمح لهم ظروفهم بالالتزام والتقيُّد بدوام يومي أو شبه يومي.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فتجربة التعليم عن بُعد كانت مبكرة نسبيًّا، حيث بدأت بالشبكات التلفزيونية لتعليم الطالبات في الجامعات السعودية في حالة عدم توفُّر الإناث في بعض التخصصات. والتعليم بالانتساب وأيضًا بإنشاء العديد من عمادات التعليم عن بعد في غالب الجامعات السعودية. وتُوِّجت التجربة بتأسيس الجامعة السعودية الإلكترونية والتي يتجاوز عدد طلابها ٢٣ ألف طالب وطالبة.

  • المداخلات حول القضية:
  • إيجابيات وسلبيات التعليم عن بُعد في الواقع العملي:

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن التعليم عن بعد فكرة قديمة وليست حديثة في انتشارها، حين وصل التعليم خصوصًا العالي إلى درجة عالية من التقدُّم والإتقان المعرفي، وكان ذلك تحديدًا في سبعينيات القرن الحالي من خلال جامعات أوروبية وأمريكية؛ نظرًا لما تمتلكه وقتها من تقنيات وإنْ كانت بالكفاءة الحالية تعَدُّ تقليدية، الأمر الذي مكَّن تلك الجامعات من نهج وتطبيق مشاريع تعليمية مختلفة الأداء والإنتاج، حيث كانت آلية التعلُّم تتمثَّل في إرسال البرامج التعليمية للطلبة بواسطة البريد، وكانت عبارة عن كُتُب وشرائط التسجيل وشرائط مرئية (الفيديوهات)، لتُقدِّم شرحًا وافيًا حول المناهج التعليمية، والطلاب بطبيعة الحال تأقلموا مع هذا النمط التعليمي، ملتزمين بما يُوكل إليهم من فروض وواجبات، بينما كان من اشتراطات الجامعات على طلابها لإضفاء رسمية التعليم وقتها، هو وجوب قدوم الطلاب إلى الحرم الجامعي في موعد الاختبارات النهائية. أما بخصوص مدى منفعة التعليم عن بُعد من عدمها لهذا النهج التعليمي، بمعنى أدق، السلبيات والإيجابيات من هذه السياسة التعليمية التي تعَدُّ قديمة وحديثة في الوقت نفسه؛ فتتمثل فيما يلي:

  • أولًاً – إيجابيات التعليم عن بُعد:
  • الإسهام في رفع المستويات الثقافية والعلمية والاجتماعية بين الأفراد.
  • يُسهِم في سد النقص الكبير في الهيئات التدريسية والأيدي المدربة المؤهلة في مختلف المجالات.
  • يُخفِّف من ضعف الإمكانيات التي تُعاني منها بعض مؤسسات التعليم العام والعالي على حد سواء.
  • يُقلل من الفروقات الفردية بين الطلاب، عند وضع المصادر التعليمية المتنوعة بين يدي كل مُتعلم، فضلاً عن تقديم الدعم الكامل للمؤسسات التعليمية بكل ما تحتاجه لتُنتج تعليمًا فعَّالًا من وسائط وتقنيات تعليم.
  • فتح الآفاق في الارتقاء الوظيفي لمن فاته قطار التعليم المنتظم من الموظفين، حيث يُمكِّنه ذلك من الدراسة والعمل في آن واحد.
  • يوفر الوقت والجهد، كما يُحفِّز المتعلم على اكتساب أكبر قدر من المهارات والتحصيل العلمي؛ نظرًا لتركيز العملية التعليمية فقط على الفحوى الدراسية دون التطلع إلى أي جوانب أخرى.
  • يساعد الفرد على الاعتماد على نفسه كليًّا، وذلك من خلال اختيار المصادر التي يستوحي منها معلوماته بذاته دون تأثير من الغير، وهذا هو الهدف الأساس للتحوُّل من سياسة التعليم إلى سياسة التعلُّم.
  • ملاءمة التعليم عن بُعد لكافة الأفراد سواء كان محاضرًا أو طالبًا، فتتأتى هنا المرونة المتمثِّلة في إتاحة المجال والخيارات أمام المتعلم وفقًا لرغبته في المشاركة بأريحية مطلقة كونه في بيته وبين أهله.
  • يمتاز التعليم عن بُعد بتركه تأثيرًا وفاعلية أكثر من نظام التعليم التقليدي لدى المتعلم، وذلك بما يستخدمه من تقنيات تجعل منه مُنطلِقًا نحو آفاق أوسع، ومطلعًا على ثقافات أوسع أيضًا عند تواصله الفضائي مع العالم أجمع.
  • ثانيًا – سلبيات التعليم عن بعد:
  • ارتفاع التكلفة المادية للانضمام لهذا النوع من التعليم.
  • عدم تقبُّل بعض المجتمعات لهذا النوع من التعليم، اعتقادًا أن هذا النمط التعليمي لا يساعد على توفير فرص عمل، لمقارنته بالتعليم النظامي الذي يتطلب الحضورَ في القاعات الدراسية.
  • شعور الطلاب من أن حصولهم على التعليم كمثل تعليم أولياء أمورهم في المنازل، وأن القيمة التعليمية لم تصل إلى الطموح.
  • عدم توفُّر وإتاحة التقنية الحديثة على أجزاء من المساحة الجغرافية للبلاد، مما يحرم البعض من التواصل العملي بين الطلاب وأساتذتهم، فضلاً عن الظروف الاقتصادية لدى بعض الأسر التي لا تُمكِّنهم من الحصول على الأجهزة الحاسوبية المطوَّرة، وإنترنت الأشياء.

وذكر د. خالد الرديعان أنه قد برزت وبقوة أهمية التعليم عن بُعد في ظل هذه الجائحة التي لا نزال نعيش تفاصيلها يومًا بيوم، ونحن في شهر إبريل للعام ٢٠٢٠م. ونحمد الله أننا في المملكة العربية السعودية من الدول السبَّاقة في توفير التقنية التي تساعد على ذلك بما حبانا الله من مدخول اقتصادي ممتاز وقدرة على توفير الأجهزة والبنية التحتية لهذا التعليم من خلال شبكة اتصالات ممتازة. وفي الواقع، ثمة فوائد لهذا النوع من التعليم، وذلك على عدة مستويات: اقتصادية واجتماعية ولوجستية، يمكن توضيحها فيما يلي:

  • على الصعيد الاقتصادي: فإننا طالما عانينا من عدم توفُّر المباني المناسبة للمدارس، وقضية المدارس المستأجرة التي قد تكون معوقًا للعملية التربوية والتعليمية؛ وذلك بسبب نقص المرافق أو تواضعها. كما أن بناء مدارس حديثة مُكلِّف للغاية، ووجود تعليم عن بعد سيحل هذه المشكلة؛ إذ يمكن إدارة العملية التعليمية من خلال مبانٍ صغيرة تضمُّ مكاتبَ مجهزة بتقنية حديثة. هذا التوجه سيخلق وفرًا ماليًّا بحيث يتم توجيهه إلى قطاعات أخرى أكثر إلحاحًا؛ كالصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية والتصنيع والبحوث العلمية.
  • على المستوى اللوجستي: فإن التعليم عن بُعد سيُخفِّف من الحراك السكاني، والهجرة من الريف إلى المدن، والضغط على الطرق بسبب التنقل والحركة المرورية المعتادة. لن نرى الكثيرَ من السيارات في طُرقنا لنقل الطلبة، مما سينعكس على تحسُّن البيئة ونقاء الهواء وانخفاض مستويات التلوث. كما أن التعليم عن بُعد سيحدُّ من انتشار الأمراض والأوبئة بين الطلبة وخاصة في فصل الشتاء بسبب تلاصقهم في فصول مكتظة.
  • على المستوى الاجتماعي: فإن التعليم عن بُعد سيساعد كثيرًا في حلِّ إشكالية الاختلاط coeducation التي طالما حتَّمت بناء مدارس لكل جنس مما يدخل ضمن التكلفة الاقتصادية، كما أنه يساعد في حل إشكالية الحساسية الاجتماعية من مفهوم الاختلاط الذي يُثير لغطًا اجتماعيًّا عند الكثيرين. كما أن التعليم عن بُعد يُنهي مشكلات مثل التنمر وما يعنيه وجود أعداد كبيرة من التلاميذ في مكان واحد يصعب السيطرة عليهم من قِبل معلمين لا يتوفرون على صلاحيات كافية في إيقاع العقاب على المخطئين. أيضًا، فالتعليم عن بُعد سيساعد في عملية دمج بعض الفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة مع أقرانهم من الطلبة دون تكلفة باهظة.

وأوضحت د. نوال الضبيبان أن التعليم عن بُعد هو عبارة عن برنامج سهل ومُيسَّر للاستخدام، ويشرح نفسه لكل مُستخدِم ويمدُّه بالإرشادات طوال مدة الاستخدام، وبالرغم من وجود دورات تدريبية، ولكن التعليمات متوفرة فيها، ومعظم أبنائنا لم يأخذوا دورات وتعاملوا بكل سلاسة وتميُّز، وهذا سيساعدهم مستقبلاً على فتح آفاق جديدة للالتحاق بالجامعات العالمية المرموقة ولو من خلال حضور محاضرات عامة أو المشاركة في دورات قصيرة.

أما د. علي الطخيس فيرى أنه بفرض أن يتم توحيد ما سيُتاح للطلاب والطالبات عن طريق التعلُّم عن بعد؛ بمعنى يتم اختيار النخبة من المعلمين والمعلمات لشرح الدروس عن بُعد، وهذا سيترتب عليه الاستغناء عن آلاف المعلمين والمعلمات، بمعنى آخر تقليص العدد بشكل سيزيد من البطالة، وهل التعليم عن بُعد سيُقلص عدد المدارس الخاصة؟ وهل التعليم عن بُعد سيحدُّ من المدرسين الخصوصيين؟

وفي تصوُّر د. منصور المطيري، فإن الأصل في التعليم أن يكون مباشرًا وفي بيئة خاصة ومُجهَّزة له؛ حيث تخلق المباشَرة مناخًا خاصًّا نفسيًّا واجتماعيًّا وتربويًّا ومعرفيًّا هو المناخ التعليمي حيث يتكون فيه جزءٌ مهمٌّ من عقلية وشخصية وذاكرة الإنسان (المبنى والأستاذ والزميل والموضوع والبيئة بأكملها)، وهذا لا يُمكن أن يُحدِثه التعليم عن بُعد (غير المباشر)، ولا يمكن أن يُحدِث مناخًا قريبًا منه. ولذلك، فإن الجهد في تطوير العملية التعليمية يجب أن ينصبَّ على هذا الشكل من التعليم، ولا يجب أن نتراخى أبدًا في دعمه والحفاظ عليه وتجويده. وأما التعليم عن بُعد فهو مهمٌّ جدًّا أيضًا، ولكنه ليس بديلًا ولا يمكن أن يكون بديلًا، وإنما هو داعم ومكمل وموازٍ فقط؛ هو لسدِّ النقص، ولإكمال العجز، ولتعميم التعليم إلى أقصى درجة ممكنة. وإذا نظرنا إلى فلسفة التعليم بهذا الشكل، فالاعتقاد أن التعليم عندنا سيرتقي إلى مستويات متقدمة جدًّا بين دول العالم. خصوصًا إذا استطعنا معالجة الإشكالات السلبية المؤثرة على كفاءة التعليم، وهي إشكالات ذات صلة بالثقافة والاجتماع والإدارة، فهناك إشكالات حقيقية تؤثر على كفاءة التعليم، وستزداد الحالة مع التعليم عن بُعد؛ وعلى رأسها الفاعلية في العملية التعليمية، والجدية من المعلم والطالب، والتقييم السليم، وغيرها. والتعليم عن بُعد يمكن أن يسهم في حل مشكلات كثيرة، منها ما ذكره د. محمد الملحم، وهو التعليم في المناطق البعيدة، وكذلك في مثل الأزمة الحالية، وكذلك في إتاحة دراسة التخصصات المختلفة لمَن يرغب.. ومنها أيضًا المشاركة في تعليم اللُّغة العربية والعلوم الإسلامية لكلِّ المسلمين في أنحاء العالم، وغيرها الكثير من المهام التي قد يؤديها هذا النوع من التعليم. لكن بالنسبة لإشكالية التقييم في التعليم عن بعد، فيبدو أنها مشكلة عالمية حقيقية.

  • التعليم عن بعد في ضوء التجربة الأسترالية كنموذج:

رصد د. محمد الملحم ملاحظاته عن تجربة أستراليا في التعليم من واقع زياراته لبعض المدارس المطبِّقة لهذا الأسلوب من خلال مشاركته ضمن زيارة دولية رسمية، وذكر أن التعليم عن بُعد في أستراليا وُجِد لخدمة السكان الأصليين الذين يعيشون في مناطق نائية، وكذلك لخدمة الموظفين الذين ينتقلون لمناطق بعيدة أو خارج أستراليا مع أسرهم ويرغبون في مواصلة التعلم في نفس النظام، وقد أخذ الأنماط الثلاثة التالية:

  • الدعم التعليمي الفردي عبر الإنترنت Educational Support through Internet:

وهو تعليم جزئي أون لاين، يتمم التعليم العادي، إذ يتم تفريغ معلمة ثلاثة أيام مخصَّصة لغرض الإشراف على ما يعادل 300 طالب من خلال صفحة إنترنت مخصَّصة لذلك، يتم من خلالها وضع أسئلة لهم والتواصل معهم، والطلاب يتفاعلون مع هذا الموقع ويجيبون إجابات جيدة ويتناقشون، ونجاح هذا البرنامج واستمراريته عائدٌ إلى أمرين؛ الأول: أن هناك بنية تحتية إلكترونية جيدة، فجهاز لكل 3 إلى 4 طلاب، وجهاز نقَّال لكل معلم مع وقت مخصص للطالب ضمن الجدول الدراسي للاتصال بهذا الموقع (75 دقيقة أسبوعيًّا) توزعها المدارس النائية بطرق مختلفة. وهناك قوائم انتظار للتسجيل في البرنامج.

  • التدريس الفردي من خلال الاتصال الهاتفي مدعمًا بالتواصل عبر النت Online Internet Communication:

هناك العديد من الطلاب الأستراليين يدرسون من (الصين، ماليزيا، بنجلاديش… إلخ)، بالإضافة إلى الطلاب الذين يدرسون من المدارس الأسترالية في الجهات النائية، وفكرة هذا البرنامج تتمحور حول توفير ما يلي:

  • تقوم المدرسة بتزويد الطالب بالمواد التعليمية اللازمة بالبريد، وتحديد المعلمين للمتابعة.
  • يُخيَّر الطالب أو ولي أمره بالاستفادة من إحدى وسائل الاتصال (الهاتف، أو البريد الإلكتروني، أو البريد العادي).
  • وتتميز هذه الطريقة بأنها تعليم فردي يتم بين الطالب والمعلم فقط.

تم الاطلاع على تجربة اتصال بين معلم وأحد الطلاب، حيث قام المعلم بتسجيل حضور الطالب لأن للطالب جدولاً ينبغي عليه الالتزام به، كما قام المعلم بسحب ملف من مجموعة ملفات في رفوف مجاورة له، وهو ملف خاص بالطالب المتصل، يحوي جميعَ أعماله وتقارير سابقة عنه، يتضح للمعلم من خلال الملف حالة الطالب وما كلَّفه به سابقًا من واجبات وما قدَّمه الطالب من أعمال… إلخ.

بعد ذلك بدأ المعلم بالحوار مع الطالب كما سأله عما قام به من أنشطة تعــلُّم خلال الأسبوع الماضي، وهل نفَّذ ما كلَّفه به سابقًا، أيضًا طرح الطالب بعضَ الأسئلة أو الإشكالات لديه، وأجاب عنه المعلم، كما لجأ المعلم في أثناء الحديث إلى استخدام الشاشة، وطلب من الطالب أن ينظر إلى ما يقوم به من رسومات على الشاشة تُوضِّح أمورًا يريد أن يسأل الطالب عنها، ثم دار بينهما حوار حول تلك الرسومات، كذلك كان يطلب من الطالب أحيانًا أن يكتب أو يُعلِّق أو يؤشر على أشياء يُظهِرها له المعلم على الشاشة، وتتضمن مهامَّ تعلم؛ ليقف على مدى استيعاب الطالب لتلك الجوانب.

وفي مثال آخر، شاهدنا استخدام الاتصال الهاتفي صوتيًّا مع الاتصال بالإنترنت Online لمشاركة الشاشة باستخدام السبورة البيضاء Whiteboard للتواصل المرئي بين المعلم والمتعلم في نفس الوقت، فكلاهما يكتب عليها آنيًّا، وكانت المعلمة تُشجِّع أثناء التواصل اللفظي مع الطالب وتُحفِّزه نحو إجابات أكثر جودةً، كما تُعزِّز إجاباته أو أطروحاته بعبارات تشجيعية أو تنويرية؛ ليتمكن من استيعاب المفهوم المطروح أو تذكُّر الحقيقة التي هي محل بحث.

  • التدريس الجماعي بالاتصال المباشر بالصوت والصورة (الفيديو كونفرنس) Videoconferencing:

يُقدَّم لمجموعات في أماكن بعيدة عن الولاية، إما في المناطق النائيـة أو التجمعات السكانية العمالية، والتي يكون لديهم فيها مدارس لكنها إما تشكو من نقص المعلمين أو من عدم وجود المعلم المتمكِّن.

في المدرسة الثانوية التي تدرس عن بعد SIDE، تمَّ مشاهدة حصة في اللغة الإيطالية لمجموعة طلاب في فصل بمدرسة نائية وذلك عن طريق دائرة تلفزيونية (فيديو كونفرنس) Videoconferencing، وتميزت الحصة بتفاعل صفي مميز ومُحقِّق لأغلب الأهداف التربوية المرجوة من عملية التدريس، فالمعلمة تشاهد الطلاب بوضوح، وبينهم تواصل مرئي على المستوى الشخصي يُضيف كثيرًا إلى البعد الاجتماعي للفصل، حيث لُوحظ أنها تضبط الصف من خلال ملاحظتها للطلاب وحركتهم وتأمرهم  بالانضباط عند الحاجة، كما تُشجِّع وتُنبِّه وتُقوِّم، كما أنها تعرف أسماء الطلاب جميعًا ولديها خلفية كافية عن كلٍّ منهم وقدراته.

المعلمة تُقدِّم الدرسَ من خلال غرفة تدريس تحتوي على جهاز حاسوبي مزوَّد بكاميرا لنقل صورة المعلمة إلى الفصل الدراسي البعيد مع شاشتين؛ إحداهما تُظهر صورتها، والأخرى تُظهِر صورة الطلبة في الفصل البعيد، ولديها أكثر من كاميرا: الأولى لنقل صورتها هي إلى الطلبة، والثانية كاميرا وثائقية لنقل صورة أي ورقة تريد عرضها أو كتابة تكتبها بيدها على ورقة بيضاء، تُمثِّل بالنسبة للطلاب السبورة التي تُظهِر رسومات وعبارات التدريس، أما الثالثة فهي لنقل صورة شاشة الحاسب الآلي الذي أمامها لكي يظهر للطلاب أي عرض إيضاحي Presentation أو فيلم ترغب المعلمة في التعليق عليه أو الشرح بواسطته.

أما الفصل البعيد فهو يحتوي على كاميرتين؛ إحداهما لنقل صورة الطلبة في الفصل، والثانية كاميرا وثائقية يضع عليها الطلاب أية ورقة يريدون عرضها للمعلمة قد تتضمَّن مثلاً واجبًا أو مسألةً قام الطالب بحلها ويريد عرضها على المعلم أو المعلمة، وهي بدورها لديها مفتاح خاص بجهاز الحاسب يُمكِّنها من نقل الصورة من الكاميرا الأولى التي تُظهِر صورة الطلاب إلى الثانية التي تُظهِر صورة تلك الورقة، ويتواجد في الفصل البعيد موظف (أو موظفة) للإشراف على الطلاب وانضباطهم وتقيُّدهم بالأنظمة خاصة الطلاب الصغار.

وبصفة عامة، يمكن القول إن التعليم عن بعد في أستراليا والمُطبَّق بالمدارس الحكومية يعَدُّ إجراءً عمليًّا فعالاً، ويُحقِّق على الأقل 70% من أهداف التعلم.

  • تقييم تجربة التعليم عن بُعد في المؤسسات التعليمية بالمملكة:

أشارت أ. فائزة العجروش إلى أن ثمة بعض الملاحظات التي يمكن رصدها من واقع تجربة التعليم عن بعد في المؤسسات التعليمية في المملكة، كما يلي:

  • أولًا: التهاون من بعض الطلبة، حيث يقوم بفتح البث المباشر، ويذهب بعدها إما للنوم أو للأكل أو للعب؛ مما جعل الأستاذ يشكك في مصداقية مدى متابعة الطالب، وأصبح يقوم بتحضير الطلاب أكثر من مرة، ويسأل أسئلة مفاجئة، ومع ذلك كانت قدرة الطلاب عالية على التحايل والخروج من هذا المأزق بمساعدتهم لبعض للتنبيه بنداء الأستاذ، أو بكل بساطة يكون الرد الجاهز للأستاذ “انقطاع البث أو توقُّف الجهاز”..!! ويُعلن هنا الأستاذ استسلامه، فماذا يفعل وكيف يتأكد؟! لذلك، هنا تكمن أهمية التوعية المستمرة والحثيثة لجميع طلابنا ومنذ مراحل الطفولة المبكرة بحُبِّ العلم والتعلُّم، وبطلب العلم لأجل العلم وليس من أجل الحصول على الشهادة فقط.
  • ثانيًا: بحكم أن التجربة جديدة على الكل، لا بد من ضمان تحقيق العدالة لجميع الطلاب في حصولهم على الأجهزة المتطورة في جميع المناطق، وسرعة الإنترنت التي تساعدهم على استقبال الدروس والمحاضرات، وأسرة متفهمة تُعين وتعاون، وأستاذ متعاون وضميره حي، يشرح ويُساعد ويُهوِّن ويُسهِّل المهمة الجديدة على الطالب، وبعدم الضغط المستمر عليهم مثل اختيار وقت مفاجئ للمحاضرة وقبلها بدقائق فقط، وهو ما سينتج عنه نتائج لا تُحقِّق الهدف المرجو.
  • ثالثًا: بسبب قيام الجامعة بتمديد فترة الحذف لآخر يوم دراسي (٣٠ شعبان)، على أن تنتهي جميع الاختبارات وتسليم كافة علامات الطالب قبل موعد الحذف بيومين؛ الأمر الذي سبَّب ضغطًا على الطلبة، ووجود أكثر من اختبار في نفس اليوم، ما يُسبِّب ضغطًا نفسيًّا كبيرًا خاصة للمتفوقين منهم.
  • رابعًا: بعض الاختبارات – على سبيل المثال كما في كليات كالهندسة – تعتمد على الجزئية النظرية بشكل أقل من المسائل الحسابية التي تتطلب عند تصحيحها العدالة في وضع النتيجة لها بعد رؤية خطوات الحل، التي قد تكون صحيحة ولكن يكمن الخطأ في النتيجة النهائية. كما تتطلب بعض الرسومات البيانية؛ لذلك ستكون بعض الاختبارات النهائية مطبوعة وحلها سيكون يدويًّا من قِبل الطلاب، وبعد ذلك يتم تصويرها بالمسح الضوئي وإرسالها بالبريد الإلكتروني.
  • خامسًا: إن جهود المعلمين والأساتذة الذين اضطروا لخوض تجربة لم يكونوا مستعدين لها هي جهود تستحق التقدير بلا شك، وفي نفس الوقت لا نُريد لمجهوداتهم أن تذهب هباءً منثورًا بسبب طالب غير مجتهد، وإدارة غير مهنية؛ نُريد أن تكون هذه الدروس والمحاضرات موثَّقة على الإنترنت على شكل سلسلة تعليمية في الموقع الخاص بالمدرسة أو بالجامعة وتحت تخصص معين، ويستطيع الطلبة الرجوع لها في أي وقت وأي مكان.

ومن ناحيته، يرى د. عبد الإله الصالح أن التعليم عمومًا والتعليم العام خصوصا يتناقض مع العملية التعليمية الربحية التجارية، وعلى هذا الأساس يكون التساؤل المطروح: هل توجد إمكانية هنا لإقصاء الطابع التجاري في التعليم العام الحكومي بتطوير التعليم عن بُعد؟

وفي اعتقاد د. محمد الملحم، فإن التعليم الحكومي لن يؤثِّر على التعليم الأهلي بسبب لجوئه إلى نمط جديد من وسيلة التدريس، في حين أن مستوى التدريس هو نفسه والمحتوى به ضعف والممارسات التربوية متواضعة، فالتعليم الأهلي الذي تفوَّق “نوعيًّا” على الحكومي هو ذلك الذي ملك هذه الجوانب، والتي عجز عنها الحكومي سواء قدَّمها كلٌّ منهما في مبنى مدرسي أو أونلاين، فالمعلم مختلف وثقافة العمل والأداء مختلفة.

وفي تصوُّر د. علي الحارثي، فإننا الآنَ أمام بحث تجربة عملية عن التعليم عن بُعد، لا نستطيع الجزم بنتائجها إلا بعد إجراء دراسات عنها لنرى أين التوجهات الإيجابية والسلبية حول كل العناصر؛ وبالذات مهارة المعلم ورغبته، ومهارة الطالب ورغبته، وقدرة الأسرة على انضباط أبنائها في العملية التعليمية الجديدة، وقدرة ومعرفة ومهارة الإدارة واستيعابها لذلك. السؤال المطروح هنا: هل هذا النوع من التعليم إذا ما توافرت له العناصر والاحتياجات والرؤية التخطيطية الثاقبة سيُعزِّز من نجاح العملية التعليمية ويقضى على السلبيات التي زامنت العملية التعليمية التقليدية المباشرة؟ وماذا عن التربية التي ستفقد لقاء الأستاذ المباشر، وحزم الإدارة، وتأثير اللقاء الجمعي بين الطلاب والمعلمين، والتواصل مع الأسرة، وغيرها من أسس التربية السليمة؟

بينما ذهبت د. هناء المسلط إلى أنه وبالنسبة للتعليم الجامعي الحكومي عن بُعد، ومن خلال تجربتها مع الطالبات كانت التجربة جديدة بالنسبة لهن. والكثير من الطالبات وجدن صعوبةً في التعامل مع الموقف، وبعضهن لم يتمكنَّ من الانضمام للفصول الافتراضية لعدم وجود إنترنت بسبب منع الأسرة ذلك. كما أن الحالة الاقتصادية للبعض منعت توفر أجهزة خاصة للدخول لبرامج معينة. وبشكل عام، حقق التعليم عن بعد في هذه الأزمة الأهداف المطلوبة، مثل: إنهاء المنهج المقرر، إجراء الاختبارات، وتقديم حلقات النقاش وغيرها من متطلبات تعليمية. وفي المقابل، فإن التعليم الأهلي تفوَّق بسبب تمكُّن الطلاب والطالبات واعتمادهم التعليم عن بعد منذ فترة طويلة من خلال تقديم الواجبات والامتحانات، مما أهلَّهم التدريب عليه. لذلك، من المتوقع أن يكون التركيز مستقبلًا على هذا النوع من التعليم وتهيئة سُبُل التدريب عليه، وتأمين متطلباته بالنسبة لطلاب وطالبات التعليم الحكومي.

وتساءل أ. محمد الدندني: هل تمَّ التأكد من مستوى الطلبة عن بُعد في مستواهم مقارنةً بالتعليم عن قرب؛ من ناحية مستواهم في التحصيل، وقبول الجامعات،… إلخ؟ وما مدى إمكانية عقد فصول دراسية بالتعاون مع دول أخرى متقدمة في هذا المجال وبنفس الأهمية في مستوى التعليم؟ وفي هذا السياق، يرى د. حمد البريثن أنه من الطبيعي أن التعليم عن قرب أفضل، ولكن مع المساندة عن بُعد فإن الوضع يتحسَّن، أما حول إمكانية عقد فصول دراسية في دول أخرى؛ فهو معمول به عالميًّا، ولا يوجد أي حائل باستثناء عامل اللغة. ومن جهة أخرى، وفيما يخصُّ صعوبات التعليم عن بُعد، فإنه بالتدريب يتم أي شيء؛ فوسائل التعليم عن بُعد أو الإلكتروني لا تتطلب عمقًا أو فهمًا في التقنية، بل الاستخدام فقط، ومع الوقت يتطور الفهم والعمق كما هو حاصل مع قيادة السيارة.

في حين ذكرت د. نوال الضبيبان أنه وبالرغم من التسهيلات العجيبة والمتقدمة التي يُوفِّرها نظام التعليم عن بُعد وحرص القائمين عليه على تذليل ومعالجة كل الصعوبات، إلا أن الغالبية من العاملين في مجال الأكاديمي واجهوا عزوفًا وهروبًا وتبريرات لا نهاية لها من قِبل الطلبة بصعوبات وحجج مختلقة، بالرغم من الحرص على احتوائهم ودعمهم وتشجيعهم. وباختصار، فإن كثيرًا من أبنائنا لا يُقدِّرون العلم ولا يُحبون الدراسة، ويستخدمون إمكاناتهم وذكاءاتهم في الهروب والتحجج، وأبدعوا في ابتكار أساليب للغش خلال وقت الاختبار، وأبدعوا بالتعاون مع بعضهم البعض ليس في التعليم بل في التحايل على المعلم وعلى الاختبار؛ لذا يجب أن يكون الجهد المستقبلي في غرس قيم وحب التعليم ونبذ الغش وما شابهه من أخلاقيات؛ لأن هذا يعَدُّ مؤشرَ خطرٍ، وهناك مقولة شهيرة للمفكر مصطفى محمود (إذا أردت أن تفهم حقيقة إنسان، فانظر ماذا يفعل في لحظة اختيار حر، وفي ظل غياب الرقابة)، وهذا ما وجدناه، هروب من العلم واستخدام الغش والتلاعب لعدد ليس بالهين. حتى عندما يتم استخدام أسلوب الاختبار البحثي والأسئلة المفتوحة والاختبار المنزلي المعتمد على عدة مصادر للإجابة عليه؛ نجد الطالب يتعاون مع بعض المكاتب المتخصصة للإجابة عن مثل تلك الاختبارات، الموضوع يحتاج إلى سنِّ قوانين وأنظمه لمعاقبة مثل تلك المكاتب… إلخ، وهذه من معضلات التعليم عن بُعد، والتي بحاجة لمعالجة. أما نظام التعليم عن بُعد في حد ذاته فهو نظام مُذهل ومتميز لما فيه من تسهيلات وخدمات لأداء كلٍّ من المعلم أو الطالب، وتقديم المادة العلمية بأرقى وسيلة ممكنة.

وأشار م. فاضل القرني إلى أن التعليم عن بعد بدأ عمليًّا، تقريبًا في عام ٢٠٠١ وعلى المستوى الجامعي – وفق ممارسات لبعض منسوبي الوحدة التي كان مسؤولًا عنها- من خلال دراسة ماستر إدارة أعمال.  وكثير من الدعوات الدعايات والتي كانت تعرض عروضًا تجارية عن مؤسسات تعليمية لمنح درجات ماستر ودكتوراه؛ منها ما هو صحيح ومشروط، ومنها ما هو غير صحيح. ولكن كان التوجس من ذلك من جانبين: الاحتيال، وهذا واضح ومبرر. والآخر هو هل هناك تقبُّل فعلي لهذا النوع من التعليم والارتقاء فيه لدى المؤسسات التعليمية والجهات التي يطمح الدارس للحصول على الوظيفة فيها؟ لم يكن هناك مَن يفيد في التعلُّم عن بُعد ومخرجاته سواءً في وزارة التعليم أو القطاعين العام والخاص. وخاصةً أن معادلة الشهادات فيها من الصعوبة بمكان، لأسباب واضحة بسبب الصرح الجامعي اعترافًا من عدمه، ومنها لا يوجد سبب عدا بيروقراطية. ولا شك أن التعليم عن بُعد آنذاك لا يحظى بالقبول والمصداقية لدى الأطراف جميعها (الصرح التعليمي، المدرس، الطالب، الوالدين، البيئة التعليمية والعملية فيما بعد). إلا أن جائحة كورونا وضعت تلك الأطراف في لُبِّ حقيقة وواقع ذلك. بل وامتد التأثير إلى معظم فروع العمل الحكومي والقطاع الخاص والمؤسسات التطوعية، وبالتالي رسَّخت قبولًا عن إمكانية أن يكون التعليم عن بُعد رافدًا موازيًا أو يتفوق عن التعليم التقليدي.  وبالمناسبة، دائمًا الحاجة هي الموجه الحقيقي لكل تطوُّر. وهذا ما يحدث الآنَ مع التعلم عن بعد، إلا أنه شأنه مثل شؤون احتياجاتنا ومتطلباتنا، هناك الجوانب الإيجابية والسلبية، والتي إنْ ظهرت بجلاء سيكون البحث عن حلول لها أكثر سهولةً ومرونةً.

وأشارت د. وفاء طيبة إلى أنه إذا كنا نُريد معالجة ضعف المباني المدرسية والمباني المستأجرة بالتعليم عن بعد، فإننا حتمًا سنقع في فخ آخر في استخدام هذا النوع من التعليم! المقصد أن النظام التعليمي الذي لم يستطع حل مشكلة مبنى قد يصعب عليه تقديم تعليم سليم من خلال التعليم عن بعد، وأول فخ هو انتشار وسهولة الوصول إلى الإنترنت في جميع مناطق المملكة، والفخ الثاني أن نحو ٥٠٪؜ من المعلمين عالميًّا (وليس في السعودية) أثبتوا فشلهم في التعليم عن بعد واستخدام آلياته حسب مسؤولة في اليونسكو. ولذا، سوف نحتاج حتمًا لتطوير نظام التعليم ككل، والبنية التحتية الخاصة بهذا النوع من التعليم، ولا بد من بناء المعلم من جديد أو تدريبه بجدية على التعليم عن بُعد، وتغير بعض المفاهيم لديه ولدى الطلاب.

وتطرقت د. فوزية البكر إلى تجربتها المباشرة في التعليم عن بعد، حيث ذكرت أنه بعد الاضطرار بسبب فيروس كورونا إلى إغلاق الجامعات وإكمال الفصل عبر التدريس عن بُعد، لم يكن الأمر سهلاً؛ إذ رغم توفير جامعة الملك سعود لمنصات التعليم عن بُعد منذ سنوات طويلة (بلاك بورد وغيرها) وتوفير الكثير من ورش التدريب، إلا أن الكثيرين لم يشعروا بالحاجة الماسة لاستخدام معظم إمكانيات هذا العالم الافتراضي؛ من تعليم عن بعد، أو منصة  للمناقشات، أو المشاريع الجماعية بين طلاب الشعبة الواحدة، أو الاختبارات الإلكترونية، وغيرها من الإمكانات التي تحفل بها الكثير من البرامج المعتمدة من الجامعات، لكن وكما يقال: رُبَّ ضارَّةٍ نافعة، فقد أرغمتنا هذه الجائحة على التعلُّم وأخذ الدورات التدريبية التي نشطت الجامعة قاطبةً على تقديمها لأعضائها، وأرغمتهم على الاستخدام لمعظم إمكانات برامج التعلم عن بعد، فاستطعنا إتمام المحاضرات في أوقاتها، والإشراف وإقامة مناقشات رسائل الدراسات العليا، وإتمام عمل اللجان في كافة المستويات كما لو كنَّا في الجامعة، فلا ينقصنا إلا التواجد المادي، لكن هل هذا كان كافيًا بدرجة تُعوِّض التعليم المباشر؟ بالطبع لا، فتوقعات الأساتذة والطلاب من مخرجات التعليم عن بُعد محدودة لمحدودية إمكانات هذا النوع من التعليم الذي لا يمكن الاعتماد عليه كليةً، بل كمساند للتعليم المباشر إلا في ظروف استثنائية مثل التي يمرُّ بها العالم اليوم. وما تم ذكره حول إمكانية أن يكون التعليم عن بعد حلًّا لكثير من المشاكل الاقتصادية (غلاء المباني المدرسية، والتهام مرتبات المعلمين معظم ميزانيات المؤسسات التعليمية، أو المشكلات اللوجستية أو الاجتماعية) يمكن أن يكون حقيقيًّا في وقته لمعالجة الأزمة الحالية أو غيرها من الأزمات، لكن لا يمكن أن يكون التعليم عن بُعد عوضًا كاملاً عن التعليم الكلاسيكي داخل المدارس، ومن ثَمَّ سنظل بحاجة للمباني المدرسية والمعلمين. الطلاب بحاجة ليس فقط للتعلم؛ بل للوجود الإنساني والتفاعل وعمل أنشطة إنسانية مشتركة، والشعور أنهم مخلوقات آدمية وليست إلكترونية. وهناك الكثير من الأسئلة يمكن أن تُطرح في سياق تجربة المملكة للتعليم عن بعد، مثل:

  • كيف يمكن قياس مخرجات التعليم عن بُعد الآنَ بعد القرارات الجديدة بإلغاء الامتحانات ونقل الطلاب جميعًا إلى المرحلة التالية؟
  • ما طبيعة تجربة المدارس السعودية داخل المدن الكبرى للتعليم عن بُعد مقارنةً بالمناطق الريفية والنائية؟
  • ما طبيعة تجربة المدارس السعودية للتعليم عن بعد مقارنةً بالمدارس الأجنبية والمدارس العالمية في المدن الكبرى داخل السعودية؟
  • ما تجربة مدارس العالم في التعليم عن بعد، وكيف يمكن مقارنتها بالتجربة السعودية؟
  • ما الدروس المستفادة من كل ذلك، لتوظيفها لاحقًا في تعزيز منصات التعليم عن بعد واستخدامه لدعم التعليم المباشر؟

وفي اعتقاد أ. عبد الرحمن باسلم، فإن تجربة التعليم عن بعد تعَدُّ مبتورةً؛ والسبب صدور قرار وزير التعليم في وقت مبكر لم يسمح بإكمالها، وأداء الاختبارات حتى تكتمل الصورة، ومن ثَمَّ يكتمل تقييمها بشكل كامل؛ فقرار نقل الطلاب بدون اختبارات إكرامية من الوزارة وليست نتيجة حقيقية حتى وإنْ كان هناك إشكالية في أداء الاختبارات كان لا بد من خوضها.

ومن جانبه، ذكر د. مساعد المحيا أن من الأشياء الغريبة أيضًا أن الأزمة الناتجة عن فيروس كورونا قد غيَّرت قناعة المسؤولين؛ فالوزارة كانت تنظر لساعات التعليم عن بُعد لدى حملة الشهادات العليا ممَّن يتطلب الأمر معادلة شهاداتهم بنظرة سلبية، وأنه لا يمكن قبولها عندما تزيد عن عدد محدود من الساعات.

ويميل د. حميد الشايجي إلى أن التعليم عن بعد لا يصلح لكل التخصصات، وكذلك فإن بعض المقررات لا يتناسب معها الاختبار الإلكتروني عن بُعد. أيضًا، فإن المخرجات مهمة جدًّا؛ من حيث مستوى إنتاجية الطالب في الواجبات والتقارير والأبحاث، ونتائج الاختبارات، وضوابط عدم الغش، وغيرها.

بينما ذهب د. خالد الرديعان إلى أن معظم إنْ لم يكن جميع العلوم النظرية يمكن تعلُّمها عن بعد. في حين ترى د. فوزية البكر في المقابل أن العلوم الإنسانية ليست فقط محتوى يدرسه الطالب عن بُعد، وإنما تنطوي كذلك على تفاعل ونظرية أو بحث يثير نقاشات مباشرة في المحاضرة، ويثير الأسئلة البحثية التي تخلق الفكر المنطقي المحلل. والواقع أن تجارب الدول المعيارية متوفرة، وعلينا فقط أن نتفحصها ونأخذ منها ما يتناسب وبنيتنا التحتية وطبيعة الثقافة السائدة من أنظمة وإدارة… إلخ.

وذكرت د. وفاء طيبة أن ثمة سؤالًا يظل مطروحًا وموضعَ نقاش من علماء التربية، ومفاده: هل يمكن التعليم عن بعد بجودة للمجالات التقنية؟ المعروف أن كل ما نتعلمه بأيدينا يحتاج إلى وجود ضروري بالصورة والصوت والحس، هل يستطيع الفرد أن يُبدع في النجارة أو لعب التنس مثلاً اعتمادًا على فيديو فقط أو تعليم عن بعد؟ سؤال يظلُّ مفتوحًا للاختبار ودراسة من سبقنا في هذا المجال. ففي معظم العلوم والتقنية بوجه خاص (التي نفتقر لها ونجلب العمالة من الخارج لها) يحتاج المتعلم إلى مُعلم أو كوتش يُتابع عمله ويُصحِّحه له لحظة بلحظة، هل هذا ممكنًا عن بُعد؟ ربما، نحتاج أن ندرس ذلك. يضاف إلى هذا أن العلوم الإنسانية مهمة جدًّا لو فُعِّلت بطريقة صحيحة، أما معاملتها على أنها لملء الحواشي فقط؛ فهذا مؤلم لمقدار الخسارة التي نخسرها، ومن سبقونا استغلوها في كل شيء، كل منحى من نواحي الحياة، ونتمنى أن نصل لذلك.

ومن جهته، يرى د. عبد العزيز الحرقان أن التعليم عن بُعد نجح بشكل أساسي في التعليم الذي لا يتطلب تقويمًا لمستوى تحصيل الطالب، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن التعليم عن بعد هو الآن ليس “تعليمًا”؛ وإنما عبارة عن مجموعة من الأنظمة والأدوات لإيصال المحتوى التعليمي الذي يُقدِّمه المعلم وبديلاً لوسائل التواصل التقليدية، هو الآن أداة فقط. ويجب أن يكون مستقبل التعليم عن بعد خاضعًا لنتائج نشاطات الابتكار، حيث تشمل متطلبات التعليم التقليدية نفسها وتستفيد من الدراسات النفسية والعلمية في كيفية التعلُّم وفهم المعلومات، وبناءً على الفروقات الفردية بين الطلاب.

بينما أكد د. حامد الشراري على أن التعليم عن بُعد أداة للتعليم، ويُحقِّق أغراض التعليم كما في التعليم التقليدي في أمور كثيرة. وضرب مثالًا بالجامعة السعودية الإلكترونية، والتي تعمل منذ بداية إنشائها ١٤٣٢هـ (٢٠١١) على نمط التعليم المدمج (نسبة حضوري ونسبة افتراضي)، وعندما حدثت الجائحة لم تجد صعوبة في التحوُّل إلى الافتراضي بشكل كامل، واستمرت العملية التعليمية دون تأثُّر واضح؛ فالممارسة غير التنظير! والجامعة السعودية الإلكترونية مثال واقعي على ذلك وتجربة حية.

  • رؤية لمستقبل التعليم عن بُعد:

ذكر م. فاضل القرني أنه يمكن القول إن الإنموذج التعليمي أن يكون مركبًا مشتركًا من المفهومين (عن بُعد والتقليدي) ليس فقط في التخصصات، والتي تفرض نفسها بالممارسة في التجارب من خلال المختبرات، والتطبيقات الميدانية؛ بل أيضًا في التخصصات النظرية والتي يمكن تخطيها بالتعليم عن بعد. هناك مهارات وقدرات تُبنى من خلال العملية التعليمية التقليدية (ربما معظمها غير منهجي)، إدراك تفاعلي بين المدرس والطلبة وبين الطلبة أنفسهم، التغلب على الرهاب الاجتماعي، بناء الصداقات والتعارف (وفي الغالب، الأجيال تتزامن في مختلف المناصب والوظائف الحكومية والخاصة)، وأيضًا بناء خامات القدرات القيادية في شخصية الطالب (وهذا ملموس، ويوضح في الولايات المتحدة وخاصةً مَن حصل أبنائه على فرصة الدراسة في Public School من تكليف طلاب لقيادة مجموعة لعمل منهجي أو لامنهجي، وبجداول تتنقل بين الطلبة). أيضًا، الإحساس بتحديات تواجه النشء بسبب التقلبات الاجتماعية وآثارها مثل: التفكك الأسري، والمخدرات، والانحراف، والإرهاب وتبني الأفكار الضالة. المعلومة الآنَ أسهل في الحصول عليها واستدعائها والتعامل معها ومعالجتها بسبب تنوُّع وتطوُّر وسائل التقنية والإنترنت؛ إلا أنها ترسخ في وجدان الطالب بسبب التفاعل في فصول المدرسة، والتي يرافق تحصيلها كلمة ونظرة من المدرس و/أو تسابق زملائه في منافسته، تصفيق وتشجيع. نعم، هي ردة فعل وإدارة ومعالجة أزمة لاستمرار التعليم في وسط كورونا، إلا أن الفرص تأتي لاقتناصها، ولقد تأسست كيانات ودول بسبب فرصة أو قضية عابرة. (ثورة الشاي أسست الولايات المتحدة). والتعليم عن بعد ضروري وحتمي، ومن المهم أن يتم زيادة اعتمادية وتنظيم التعليم عن بعد مع التعليم التقليدي، ليشمل جميع التخصصات العملية والأدبية، ومستويات التعليم الأساسي والجامعي وما بعد الجامعي، وتذليل الصعوبات التي تواجهه (فنية، قانونية، تنظيمية، مصداقية credential، اجتماعية، وتهيئة المنشآت بما يسهل ذلك). وكذلك من الضروري مشاركة القطاع الخاص بعروض مغرية في الحصول على التقنية اللازمة، والعمل على تحسين الاتصالات وتقنية المعلومات، وبرمجيات تُعنى بالتعليم بأسعار خاصة… إلخ). ولكن لن يكون ذلك فعَّالًا أكثر بدون دراسة لما مرَّت به العملية التعليمية من التجربة الحالية ودمجها مع التجارب السابقة لها، ودراستها من خلال ورش عمل مكونة من جامعاتنا المختلفة (الإلكترونية، وكاوست، وبقية الجامعات الرئيسية) آخذين في الاعتبار الأبعاد الجغرافية والاقتصادية، والمكونات الديموغرافية للمجتمع، فلا يزال هناك أحياء عشوائية ويغلب عليها التقارب النسبي أو العرقي وسوء الوضع الاقتصادي.

من جانبها أكدت أ. فائزة العجروش على ما يلي:

  • إعداد إستراتيجية للتعليم الإلكتروني في كل مؤسسة تعليمية وفقًا لفلسفة المقررات الدراسية بها، على أن تُحدَّد الأدوار فيها بشكل دقيق، وتُعَدُّ وفقًا للإمكانات المتاحة لكل مؤسسة.
  • التأكيد على أهمية تكامل جميع أنظمة التعليم الإلكتروني كخيار إستراتيجي قادم وبقوة، يحتوي على نظام متكامل لإدارة التعلم عن بُعد، ونظام الفصول الافتراضية، ونظام المستودع الرقمي، وأنظمة إدارة المحتويات الرقمية مع الأنظمة الحالية والقائمة؛ كنظام القبول والتسجيل، ونظام أعضاء هيئة التدريس، ونظام البريد الإلكتروني، ونظام إدارة الرسائل النصية، وغيرها من الأنظمة الأخرى.
  • الاستفادة من التجارب العالمية للوصول إلى منظومة متكاملة للتعليم عن بُعد.
  • الاعتراف بشكل رسمي بشهادات الحاصلين على شهادات التعليم عن بعد دون أي عوائق، والتأكيد على الأحقية في الحصول على فُرص وظيفية مناسبة في سوق العمل.
  • مناسبة المناهج الدراسية والبرامج التدريبية الإلكترونية للعرض في تقنيات التعليم عن بعد، وتصميمها وفق معايير المقررات الإلكترونية المعتمدة عالميًّا بإشراف مجموعة من الكفاءات العلمية المتخصصة.
  • حث الجهات ذات العلاقة في الجامعات على إقامة مزيد من الدورات التدريبية لأساتذة الجامعات لتنمية مهاراتهم في تصميم المقررات الإلكترونية.
  • التقييم المستمر للمناهج والبرامج التدريبية الإلكترونية الرامية إلى تجويد المناهج والحصول على نتائج تُحقِّق الهدف للمخرجات التعليمية.
  • تحديد موضوع التعليم عن بعد من ضمن الأولويات والمنح البحثية.
  • العمل على توفير البيئة التعليمية المناسبة للطلبة في المنازل من خلال جاهزية المكان المناسبة والمظهر العام للطلبة.
  • وجود تصميم محكم وإدارة على مستوى عالٍ لبرامج التعلُّم عن بُعد حتى تؤتي ثمارها المرجوة.
  • تنفيذ برامج توعوية لكل الفئات (الطلبة، وأولياء أمورهم، والمعلمين، والإداريين)؛ لإنجاح نظام التعليم عن بعد.
  • التأكد من الأجهزة الإلكترونية ومدى جاهزيتها، وضرورة توفير الدعم الفني للطلاب، ومن خلال متخصصين يمكن التواصل معهم من خلال وسائط التقنية الحديثة أثناء أوقات البث الافتراضي.

واقترحت د. نوال الضبيبان أن يكون هناك إدارة في وزارة التعليم وفي الجامعات معنية بمحاربة الغش على غرار الإدارات المعنية في وزارة التجارة لمحاربة الغش التجاري وتشجيعه بمكافآت عينية لمن يدل أو يكشف أي غش؛ للتصدي للمكاتب أو المواقع الإلكترونية التي تقوم بمهام الطلبة للاختبارات أو الأبحاث.

وأكدت د. هند الخليفة على أهمية التخطيط المتكامل للتعليم عن بعد، وضبط جودته وتهيئة المستفيدين منه، والمقدمين للخدمة. وتأسيس البنية التحتية بالشكل المناسب. كما اهتمت د. نورة الصويان بأن تكون هناك إستراتيجية موحَّدة للتعليم، ويترك المجال في تنفيذ الخطة التنفيذية.

وترى د. وفاء طيبة أنه لا يمكن أو يجب الاعتماد الكامل على التعليم عن بعد حتى لو كان متكاملاً وممتازًا؛ لأننا سوف نفقد جوانب تعليمية تعتمد على الحياة الاجتماعية في المدارس والجامعات. كما أن الاستفادة من التعليم عن بعد تختلف حسب المرحلة العمرية، ويمكن للدراسات والأبحاث السابقة والمستقبلية أن تبحث هذه النقطة باستفاضة. وقد جاء ذكر التوقُّع بتقليل التعرض للتنمر عن طريق التعلم عن بعد، ويمكن الإشارة هنا إلى ما هو معروف باسم التنمر الإلكتروني cyber bullying. وتشير الدراسات إلى تعرُّض الأطفال للتنمر الإلكتروني والإساءات الإلكترونية المختلفة cyber abuse بنسب مرتفعة، وتتراوح حسب بعض الدراسات بين ١٠٪؜ و٤٠٪؜ حسب العمر وتعريف الإساءة، ومتوقع أن تزيد هذه النسب بزيادة دخول الأطفال على الإنترنت.

وتساءلت د. هند الخليفة: ما أهم العوامل المساعدة في نجاح التعليم عن بعد؟ ومن جانبه يرى د. خالد الرديعان أن أهم عوامل نجاح التعليم عن بعد قد يكمن في توفُّر بنية تحتية متكاملة لهذا النوع من التعليم، وتأهيل جيد للمعلمين والطلاب كذلك. أيضًا، توفُّر حماية تقنية لنظام الاتصال حتى لا يحدث مشكلات تعيق العملية التعليمية. والمقصود بالبنية التحتية: نظام اتصالات فعَّال من الناحية التقنية. واتفقت د. هند الخليفة مع أهمية كلٍّ من عامل البنية التحتية المتعلقة بنظام إدارة التعلم LMS، وكذلك العامل المتعلق بأمن المعلومات.

وأضاف د. حامد الشراري فيما يخص البنية التحتية التقنية في المملكة أنها تتضمن وفق ما صرح به وكيل وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات للبنية التحتية:

  • حوالي ٤٠ ألف برج اتصالات، ٧ آلاف برج اتصالات تقنية 5G.
  • تقنية 3G تصل إلى ٩٩٪؜ من المملكة.
  • تقنية 4G تصل إلى ٩٥٪؜ من المملكة.
  • تقنية 5G تصل إلى ٣٥٪؜ من المدن الرئيسيّة.
  • شبكة الألياف البصرية تصل إلى ما يقارب 3.5 ملايين منزل.

ومثل هذه البنية التقنية الجيدة تُعزِّز الأعمال والتعاملات والخدمات الإلكترونية عن بعد.

وأكد د. خالد بن دهيش على أهمية أن يُعطى موضوع التعليم عن بُعد الاهتمام اللازم من حيث الدراسة والبحث في التجارب الناجحة حول العالم، ومحاولة الاستفادة منها، وتوفير الميزانيات اللازمة، وأن نبدأ في تطوير واقعنا التعليمي التقني من حيث وصل العالم المتقدم تقنيًّا، وكذلك تطوير الأنظمة واللوائح المنظِّمة للعملية التعليمية كلوائح الاختبارات لكي نبتعد عن الاجتهادات في التطبيق، التي قد تؤدي إلى الشعور بالفشل. وكذلك أهمية التنسيق مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات لتوفير شبكة الإنترنت في جميع المنشآت التعليمية أينما كانت، إضافةً إلى تسهيل توصيل الشبكة لمنازل ذوي الدخل المحدود، وتوطين أفضل التقنيات المتطورة بحيث نُكيِّفها بما يتناسب مع واقعنا، فنحن – ولله الحمد –  لدينا العقول والمال.

ويرى م. فاضل القرني أنه لا بد من استغلال الفرصة الحالية لإنماء تجربة التعليم عن بعد واستثمارها، من حيث الالتزام.  غير أنه من الناحية العملية، لا يمكن للتجربة أن تُعطي معطيات متكاملة للقرار حالًا. وفي تطوير التعليم والتدريب يُؤخذ بسياسة فترة التمحيص (verification phase)، وبعدها فترة الإقرار (certification phase). وتكون في صروح تعليمية مُحدَّدة لغرض التركيز، كما تتضمن تخصصات مختلفة.

ولفتت د. وفاء طيبة النظرَ إلى أهمية الفصل بين التعليم العام والتعليم الجامعي، حيث إنَّ لكلٍّ منهما إستراتيجية مختلفة وإدارة مختلفة نوعًا ما، فكيف سنستخدم التعليم عن بُعد مع المرحلتين الابتدائية والمتوسطة؟ لا بد أن يختلف نوعًا ما عن المرحلة الثانوية أو الجامعية والدراسات العليا، أو حتى التعليم الذاتي المستمر فيما بعد، فما هي الأساسيات التي نحتاجها تفصيلاً لتعليم المرحلة الابتدائية تعليمًا عن بعد؟ حقيقةً، لم نسمع بتعليم عن بعد كامل في أي بلد حتى في إستونيا المتطورة جدًّا تقنيًّا؟

وأوضح د. محمد الملحم بخصوص التساؤل: هل هناك دول تستخدم التعليم عن بُعد بنسبة مئة في المئة؟ الجواب: بالطبع هو لا، بل إن الدراسات حول التعليم عن بعد لم ترتق إلى الطموح المنشود؛ فلا يزال بالنسبة لخبراء التربية منطقة ضبابية علميًّا، ولا يُتوقَّع أن تُقدِم عليه الحكومات بشكل كلي. وبخصوص كيفية تطبيق الدول التي سبقتنا في هذا المجال خاصة في التعليم العام”. الواقع أن ما تمَّ توضيحه حول تطبيق الأستراليين ربما يجيب جزئيًّا على ذلك، لكن إنْ كان التساؤل مُوجَّهًا نحو التقييم عن بعد، فالتصوُّر أن “قيم الوالدين” هي الأساس، فإن الطالب عندما يتم اختباره بحضور أحد والديه سيكون ذلك ضمانًا كافيًا لعدم الغش، لنتذكر أن الوالدين محل ثقة المدرسة، فهما هناك يعملان فيها متطوعينِ كمساعدينِ للمعلمين في الفسح، وتنظيم العمل في المدرسة، وما إلى ذلك، فهناك أساس لهذه الثقة يمكن أن يُستثمَر في التقييم. كما أن انتقال طالب المرحلة الابتدائية من صف إلى آخر في النظام التعليمي ليس مرهونًا بـ”النجاح”؛ وإنما استكمال الحضور، وما يكون فيه ضعف عنده يُستكمل السنة القادمة. هذه الأنظمة تساعد التعلم عن بُعد ليزدهر ويُفعَّل. نظام التقييم لدينا بحاجة إلى مراجعة.

وأوضحت د. فوزية البكر أن اليونسكو الآنَ تتابع تجارب التعليم عن بعد في كثير من الدول، وسنتوقع أن التجربة ستُسجَّل وتُقارن عبر الدراسات حينما تُتاح البيانات. أيضًا، أشار د. زياد الدريس أن اليونسكو تحثُّ الدول الأعضاء منذ زمن على تطوير أدوات التعليم عن بعد، والتعليم الإلكتروني تحديدًا. وكانت اليونسكو على الدوام تحثُّ الدول العربية، المتأخرة عن ركب الدول الأخرى، في تطوير نصوص وأحكام التعليم عن بعد، الذي سيكون تعليم المستقبل. الغريب أننا لم نتقدم ليس هذا فحسب، بل تأخرنا خطوةً العام الماضي حين أصدرت وزارة التعليم قرارًا مفاجئًا بتخفيض مستوى شهادة الجامعة السعودية الإلكترونية، التي أصبحت الآنَ في زمن كورونا هي الجامعة التي تتقدم ركب المؤسسات التعليمية الأخرى في حلول التعليم الإلكتروني!

وفي السياق ذاته، يرى د. محمد الملحم بالنسبة لمتابعة اليونسكو للتعليم عن بعد أنه مرتبط بفعاليته الاقتصادية للدول النامية كبديل عن التعليم التقليدي لحل المشكلات التي تعالجها اليونسكو، مثل الفقر والوصول والإيدز والاعتداء الجنسي على الفتيات، وليس من المتوقع أن تُضيف الكثيرَ للتطبيق الذي نتحدث عنه في الدول المتقدمة.

وأضافت د. وفاء طيبة أن أحد السيناريوهات الواردة أن يكون التعليم عن بُعد ولكن الطلبة في مدارسهم، في التعليم العام، والمعلم هو البعيد، بمعنى الاستفادة من الكوادر الممتازة في التعليم للجميع، ويكون معلم الصف هو معلم مساعد (مثل المعيد في الجامعة)، وقد يكون المعلم الذي عن بُعد معلمًا أول أو معلمًا من بلد أخرى ممتازًا في مادته، ولا بد من الاستفادة من التعليم عن بعد بطريقة لا تحرمنا إنسانيتنا، فعلى الرغم من أننا نتحادث بالهاتف في هذه الفترة من الحظر ونجتمع عائليًّا عن طريق الزووم وغيره وكذا بالأصدقاء؛ لكن من المدهش حقًّا شعور الإنسان الداخلي بالحاجة للتواصل وجهًا لوجه. التعليم عن بعد له مزاياه، والتعليم عن قرب التقليدي له مزاياه التي لا يمكن التخلي عنها سواء للعلوم التطبيقية أو النظرية، وما يسميه البعض منَّا علومًا نظرية تحتوي على أجزاء تطبيقية عملية في أغلب الأحيان إنْ أردنا تعليمها بطريقة صحيحة.

وأكد د. حمد البريثن على أهمية تطوير مفهوم التقييم سواء المستمر مثل الواجبات أو الاختبارات القصيرة (quizes) أو الشهرية، والتقييم النهائي؛ فإن التقييم عن بعد سيجد بيئة خِصبة للتطور. في هذه الحالة، سيتطور فن التقييم إلى درجة شمولية ترتبط بفحص العلم أو الفن المراد قياسه.

وذهب د. علي الطخيس إلى إمكانية أن يتم وضع خطة زمنية محددة بعشر سنوات مثلًا، للتحوُّل الكلي للتعليم عن بعد، على أن يتم التثبت والاطمئنان للنجاح، وبعد التعرف على الإيجابيات والسلبيات من الدول التي سبقتنا في ذلك.

وذهب أ. فهد القاسم إلى أن التعليم عن بعد سيكون مثاليًّا لبعض التخصصات وليس الكل، وبعض المواد وليس الكل، وبعض الأعمار وليس الكل. ولن يكون صالحًا لبعض العلوم التجريبية مثل الطب وفروعه، وليكون هناك تعليم عن بعد يحتاج إلى معلم تفاعلي يستطيع التعامل مع الطلاب عن بُعد، وإدارتهم وضبط سلوكهم. ونجاح التعلُّم عن بعد ثبت عند كبار السن والناضجين أكثر من صغارهم، وقد يكون ذلك بسبب ارتفاع درجة المسؤولية لديهم. وثبت نجاحه في حالات التعلم التطوعي أكثر من التعليم الإلزامي نتيجة الحرص الذاتي من المتعلم. ومن المهم دراسة بعض التجارب المحلية الناجحة، مثل تجربة الجامعة الإلكترونية وبعض الممارسات لمراكز تدريبية وجامعات افتراضية (تخصَّصت في العلوم الشرعية) منذ سنوات وليست وليدة اليوم. وهي تجارب ناجحة شملت جميعَ مقومات آلة التعلم عن بعد المذكورة في الورقة الرئيسة.

ومن وجهة نظر د. مساعد المحيا، فإننا بحاجة إلى تقويم فعلي حقيقي للجودة في مستوى التعليم عن بعد، وأن لا تأخذنا العاطفة أو البحث عن توفير ميزانيات اقتصادية كي ندعوَ ونبتهل فرحًا بواقع التعليم عن بعد. ومن الممكن فعلاً وجود مواد وبحدود قليلة جدًّا في إطار التعليم عن بعد، لكن إنْ تمَّ التوسُّع في ذلك؛ فالخشية أننا سنحصل على مخرجات هشَّة جدًّا لم تتعلم فعلاً. واقع المعلمين اليوم والمعلمات ينوء بالكثير من المشكلات التي أفرزها التعليم عن بعد، ويمكن سؤالهم عنها وحصرها، وسيدرك المسؤول حينها أن الذين تعاطوا بروح إيجابية مع نمط التعليم عن بعد هم فئات قليلة جادة، كانوا في بيئة اجتماعية تحثُّهم وتُهيِّئ لهم عملية التعلم؛ لذا من المهم أن لا تكون تجربة التعليم عن بعد الاضطرارية اليوم أنموذجًا يُتخَذ في ضوئه قرارات إستراتيجية.

أما د. مها العيدان فترى أن التعليم عن بُعد يحتاج إلى ممارسة مستمرة، أما بخصوص استخدامه في الجامعة فما زال هناك الحرص على التقيُّد بالمحاضرات التقليدية، ويظهر ذلك من خلال إدارة المتابعة التي تُباشر حضور الجميع. وقد يكون التعليم عن بعد منصةً كاملة لحل مشكلة المدارس النائية، كما هو حلٌّ للمدارس في المدينة في الفصول المكتظة بعدد كبير من الطلاب، كذلك فإن هذا النظام الجديد يحتاج إلى أخلاقيات جديدة تتناسب مع الوضع الجديد تنبع من الطالب نفسه، أيضًا من المهم أن يتوافق التعليم عن بُعد مع ظروف وميول الطلاب، ولكي يتحقق ذلك:

  • لا بد أن يكون عدد المجموعات محدودًا.
  • أن يكون هناك تقاربٌ في المستوى بين طلاب المجموعة.
  • تدريب المعلمين على كيفية التعامل مع البرنامج.

وذهبت د. الجازي الشبيكي إلى أن التعليم عن بُعد آلية متقدمة ومهمة ورائعة في هذا العصر، لكن بالطبع ليست بشكل دائم للمراحل التعليمية في التعليم العام، إلا وقت الحاجة مثل ظرفنا الحالي مع أزمة كورونا. أما في التعليم الجامعي، فالجمع بين الأسلوبين المباشر والافتراضي أمرٌ مطلوب بشكل دائم بحسب طبيعة المادة أو المنهج ومتطلباته، لكن الأمر يحتاج إلى استعدادات وتجهيزات وأنظمة وقوانين تساعد جميعها على تطبيق التعليم عن بُعد باحترافية وتميُّز وفاعلية.

وقد ناقش الملتقى مزيدًا من الأفكار، منها:

  • العمل على بناء نظام متكامل لإدارة التعليم عن بعد: (التخطيط للعمل وتحديد الهدف منه، قيادة العمل وحوكمته، تصميم المحتوى، تحديد مخرجات التعلم، تصميم أدوات التقويم وضبطها).
  • وضع آليات لدمج التعليم عن بُعد ليكون جزءًا من مراحل التعليم المختلفة، وفقًا لطبيعة كل مرحلة دراسية، على أن يتم ذلك بشكل تدريجي ويتوافق مع الجدول الزمني للعام الدراسي.
  • تأسيس بنية تحتية متكاملة تضمن نجاح تطبيق سياسة التعليم عن بعد، على أن يشمل ذلك توفير وزارة التعليم لخدمات إنترنت الأشياء للطلاب غير القادرين على تأمينها.
  • التأكيد على أهمية تكامل جميع أنظمة التعليم الإلكتروني كخيار إستراتيجي قادم وبقوة؛ يحتوي على نظام متكامل لإدارة التعلم عن بعد، نظام الفصول الافتراضية، نظام المستودع الرقمي، أنظمة إدارة المحتويات الرقمية مع الأنظمة الحالية والقائمة؛ كنظام القبول والتسجيل، ونظام أعضاء هيئة التدريس، ونظام البريد الإلكتروني، ونظام إدارة الرسائل النصية، وغيرها من الأنظمة الأخرى.
  • ‎الاستفادة من التجارب العالمية للوصول إلى منظومة متكاملة للتعليم عن بعد.
  • العمل على بناء المناهج الدراسية والبرامج التدريبية الإلكترونية، لتشمل جميع الفئات بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة.
  • العمل على بناء المناهج الدراسية والبرامج التدريبية الإلكترونية بما يتوافق مع مواصفات تقنيات التعليم عن بعد، وتصميمها وفق معايير المقررات الإلكترونية المعتمدة عالميًّا بإشراف مجموعة من الكفاءات العلمية المتخصصة.
  • العمل على توفير البيئة التعليمية المناسبة للطلبة في المنازل من خلال جاهزية المكان المناسبة والمظهر العام للطلبة.
  • تنفيذ برامج توعوية لكل الفئات (الطلبة، وأولياء أمورهم، والمعلمين، والإداريين)؛ لإنجاح نظام التعليم عن بعد.
  • تفعيل التعاون مع الدول المتقدِّمة في التعليم عن بعد وخاصة في العلوم والرياضيات من خلال المنصة الإلكترونية؛ لردم الهوَّة في مستوى التعليم في هذين العلمين.
  • العمل على ضمان توفير مواد وخطط دراسية، وبرامج تدريبية بصيغ متاحة لجميع الطلاب والشرائح، بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة.
  • إعادة صياغة محتوى الكتب الدراسية لتتناسب مع برامج ومحتوى التعلُّم عن بعد، خاصة في المراحل الأولية التي تعَدُّ مرحلة تأسيس وبناء للقدرات.
  • رفع كفاءة سياسة التعليم عن بُعد، للتطبيق فعليًّا نحو اتباع سياسة التعلُّم للاستغناء عن التعليم التقليدي وذلك على مراحل.
  • اعتماد معايير الاعتماد الأكاديمي للتعليم عن بعد، والعمل بالتنسيق مع وزارة التعليم على الاستناد لهذه المعايير في بناء البرامج وتطبيقها وتقويمها في مؤسسات التعليم بمختلف المراحل.
  • التوصيات:
  • فيما يتعلق بوزارة التعليم:
  1. ‎‎دراسة تبني نمط التعليم المدمج؛ الذي يدمج بين الحضور الفعلي والحضور الافتراضي المتزامن بنِسَب معينة، وإعداد إستراتيجية متكاملة للتعليم عن بعد، ودمجه في مراحل التعليم المختلفة والتعليم الخاص، وذلك بالتنسيق بين وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات؛ وذلك لضبط السياسات والإجراءات وضمان أمن المعلومات، وبناء نظام متكامل لإدارة التعليم عن بعد، مع منح مؤسسات التعليم المرونة في وضع الخطط التنفيذية وفقًا للإمكانات المتاحة لكل مؤسسة.
  2. الاعتراف بشكل رسمي بشهادات الحاصلين على شهادات التعليم عن بُعد كليًّا أو جزئيًّا دون أي عوائق، والتأكيد على الأحقية في الحصول على فُرص وظيفية مناسبة في سوق العمل. والاعتناء بتجربة (الجامعة السعودية الإلكترونية) وتقويم تجربتها، وترقية الاعتراف الأكاديمي بشهادتها، واعتبارها بيت خبرة مرجعيًّا في التعليم الإلكتروني.
  3. تأسيس بنية تحتية متكاملة تضمن نجاح تطبيق سياسة التعليم عن بُعد، على أن يشمل ذلك توفير وزارة التعليم لخدمات إنترنت الأشياء للطلاب غير القادرين على تأمينها. وتوفير الدعم الفني المتخصص لضمان استفادتهم من الخدمات في جميع الأوقات.
  4. تأهيل وتمكين أعضاء هيئة التدريس والمعلمين لمواكبة متطلبات التعليم عن بعد، وذلك بالتنسيق مع الجامعات وهيئات التدريب لتقديم البرامج التدريبية المتقدمة للأساتذة لتنمية مهاراتهم في تصميم المقررات الإلكترونية، وأدوات القياس والتقويم.
  5. التقييم المستمر للمناهج والبرامج التدريبية الإلكترونية الرامي إلى تجويد المناهج والحصول على نتائج تُحقِّق الهدف للمخرجات التعليمية، وتحديد موضوع التعليم عن بُعد من ضمن الأولويات والمنح البحثية.
  6. توظيف وبناء برامج التعليم المتفرد في التعليم عن بعد؛ لترسيخ مهارات الطلبة الخاصة، بالتوازي مع التعليم مع جملة الطلاب.
  • فيما يتعلق بهيئة تقويم التعليم:
  1. ‎‎عند تطبيق سياسة التعلم عن بعد، يُفترض أن تكون آليات التقييم مختلفة نوعيًّا عن تطبيق سياسة التعليم التقليدي.
  2. دراسة قدرات التعليم عن بُعد والعمل على جعلها جزءًا من معايير التقييم والمصادقة للمناهج والمعلم والتلميذ والمؤسسة التعليمية (وولي الأمر أو المساندة المنزلية)… كلٌّ بحسبه.
  • فيما يتعلق بهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات:
  1. ‎أن تسعى هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات بالتعاون مع وزارة التعليم وشركة علم، في إعداد برامج حاسوبية عالية الكفاءة تتفق ومنهجية سياسة التعليم عن بُعد، وطرح آليات وطُرق مرنة لتسهيل التواصل الإلكتروني بين الطالب والمعلم والأستاذ الجامعي والمؤسسة التعليمية.
  2. ‎إعداد بنية تحتية متقدمة للاتصالات؛ لضمان وصول الخدمات لجميع المناطق والشرائح في المجتمع.

القضية الرابعة

أوبك بلس بلس

(26/4/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. إحسان بو حليقة
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: م. سالم المري
  • التعقيب الثاني: أ. جمال ملائكة
  • إدارة الحوار: أ. محمد الدندني

 

  • الملخص التنفيذي:

تطرَّق د. إحسان بو حليقة في الورقة الرئيسة إلى أن المشهد الحالي يعكس انهيارَ أسواق النفط، ليس لسبب سوى أن المنتجين لم يتلقفوا “صراخ” السوق بأن الطلب يُنازع من أجل البقاء بعد أن فتكت به “كورونا” ووضعت الاقتصاد العالمي في دوامة ليس واضحًا متى يخرج منها. وكأي سلعةٍ ذات شأن، تتأثر السوق النفطية العالمية بالمستجدات الجيوسياسية، ويتفاوت مدى التأثير قوةً وضعفًا طبقًا لتبعاته على مُنحنيي العرض والطلب أو الروابط بينهما؛ بمعنى أن لا صلة تُذكر للمستجدات الجيوسياسية في بلدٍ مثل أيسلندا، لا نفط لديها. لكن الصلة واضحة إنْ كان الأمر يتصل بالنرويج فهي دولة مُنتِجة للنفط، وتصبح الصلة أكثر وضوحًا وتأثيرًا إنْ كانت الدولة المنتجة ذات إنتاج مؤثر. والعكس بالعكس، ففي حال تأثرت دولة مستهلكة، فإن ذلك يؤثر على الطلب، وبالتالي يؤثر على السوق، ومن هذا المنطلق يتابع المحللون النفطيون أوضاع الاقتصاد العالمي ونموه أو انكماشه، ليتعرفوا على تبعات التغييرات على الطلب على النفط. ثم يبرز السؤال الأزلي: هل بوسع العرض مجاراة الطلب؟ والإجابة هي عبارة عن سلسلة من الإجابات للفترة الحاضرة ولفترات مستقبلية، فما قد لا يُستشعر أثره الآن في السوق قد يتضح ويظهر في المستقبل.

أما م. سالم المري فأشار في التعقيب الأول إلى أن السياسة الإنتاجية التي اتبعتها المملكة في العقود الماضية ساعدت في تحقيق عدة أهداف للسياسة الاقتصادية المحلية، ومن أبرزها الحفاظ على أسعار البترول في مستوى معقول وعدم السماح بدخول مصادر جديدة للطاقة منافسة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حصة المملكة في السوق. كما حافظت تلك السياسة على هدف مهم في السياسة الخارجية وهو دور المنتج المرجح المتحكم في سعر البترول، ممَّا أعطى أهميةً لسياسات الدولة السعودية في الاقتصاد العالمي. والمبارزة الأخيرة بين السعودية وروسيا تصبُّ إلى حد ما في هذا السياق.

ولكن مع التقدُّم التقني الحاصل في الإنتاج ودخول البترول والغاز الصخريين في المنافسة، وكون الاستثمارات الرأسمالية في شمال أوروبا والبرازيل وغيرها قد حصلت وموجودة ممَّا يسمح لها بالإنتاج بالكلفة التشغيلية فقط إذا اضطرت، إضافةً إلى الركود في الطلب الذي تسبَّب فيه فيروس كورونا، والذي قد يمتد على الأقل لعدة شهور؛ كل ذلك قد ينقل سوق البترول من تحكُّم المُنتِج إلى تحكم المستهلك، وعندها فإن أوبك لم يعُد لها فاعلية، وهي التي لم يلتزم معظم أعضائها في العقود الأخيرة بسياساتها، بل كانت المملكة هي الوحيدة تقريبًا التي تُغيِّر وتؤثر في سير الأسعار.

وتناول أ. جمال ملائكة في التعقيب الثاني عدة محاور ناقشت: السياسة النفطية السعودية بصفة عامة، وقوة الخطوة السعودية الحاسمة بعد فشل مفاوضات أوبك + في مارس ٢٠٢٠، فقد أظهرت هذه الخطوة بوضوحٍ لا لبس فيه قوة السياسة النفطية السعودية عندما يتطلب الأمر، وردة فعل المنتجين الآخرين وخاصة خارج منظمة أوبك، والمُلاحظ بوضوح أن قوة الخطوة السعودية الحاسمة والموازية لانخفاض الطلب بسبب جائحة الكورونا قد أجبرت منتجين كبارًا آخرين للتعاون مع المملكة وأوبك +، والتغيرات المتوقعة نتيجة لكل ما سبق.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • المشهد العالمي الراهن وانعكاساته على صناعة النفط.
  • مستقبل صناعة النفط في المملكة.
  • التحديات في مجال الصناعات التحويلية المعتمدة على النفط.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • الشروع في عمل سياسة “متكاملة” لتحويل النفط إلى بتروكيماويات، ومن ضمنها الاستحواذ على مراكز أبحاث متمرسة في هذا النوع من الأبحاث، وتشجيع استثمار “هائل” في الصناعات التحويلية المعتمدة على صناعة البتروكيماويات الرئيسة (المستخدمة للغاز حاليًّا والنفط في المستقبل)، ومن ضمن هذه السياسة سياسة تسعيرية ملائمة.
  • السعي الحثيث للوصول إلى اتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي تحديدًا (نظرًا لحجم سوقه وقُربه منا)، وتركيا (مستقبلًا) وبعض دول أمريكا اللاتينية.
  • الورقة الرئيسة: د. إحسان بو حليقة

المشهد: انهيار أسواق النفط، ليس لسبب سوى أن المنتجين لم يتلقفوا “صراخ” السوق بأن الطلب ينازع من أجل البقاء بعد أن فتكت به “كورونا”، ووضعت الاقتصاد العالمي في دوامة ليس واضحًا متى يخرج منها. حتى الروس لم يتلقفوا تلك الإشارات المزلزلة، وأخذوا يفاوضون من جديد، لدرجة تلاشي دوي التصفيق في مارس بمرور عام على اتفاق ما يُعرف بـ “أوبك زائد”، والكتابة على الجدار تلحُّ بطرح سؤال: هل آن الأوان لروسيا للخروج من اتفاق “أوبك زائد”؟ في ظني، لم يأتِ ذلك الطرح من فراغ، بل من أن روسيا كانت تتطلع للاتفاق تكتيكيًّا، في حين أن تحدي سوق النفط إستراتيجي، وكان ذلك التباين هو الفارق بين موقف روسيا وموقف السعودية، أي الفارق بين نظرة تكتيكية لتحقيق مكاسب ظرفية، وموقف طويل المدى لتحقيق الاستقرار والاستدامة من الإمدادات للأسواق والمال للدول المنتجة. وكذلك الركون للواقعية، بأن “أوبك” لم تعُد بمفردها قادرةً على تحقيق التوازن بين العرض والطلب، والسبب أن أوبك أصبحت تمثل “الأقلية”، فقوتها التصويتية في السوق لا تتجاوز الثلث. لكن يبدو أن هناك مَن كان لا يستطيع إدراك تلك الحقيقة على الرغم من وضوحها. ووضوح الإشارة ليس تخمينًا، بل إن الطلب على النفط أخذ يتلاشى، حيث تقول التقديرات إنه انحسر هذا الشهر بين 16% و35% تبعًا لتقديرات متعددة من جهات متخصصة. ولعل من المفيد التذكير بأن الطلب على النفط في العام 2019 بلغ 101.1 مليون برميل يوميًّا، وكان متوقعًا – قبل قدوم كورونا – أن ينمو الطلب بنحو 800 ألف برميل يوميًّا في العام 2020، ولكن يبدو أن متوسط ما سيفقده هو حوالي 800 ألف – مليون برميل يوميًّا في العام 2020 مقارنة بمستوياته في العام 2019، وسيأخذ وقتًا ليعاود النمو، اعتمادًا على قدرة الاقتصاد العالمي في الخروج من الكساد الذي أوقعته فيه “كورونا”. يكفينا القول إن انكماش الاقتصاد العالمي بنحو 3 في المئة سيعني خسائر في الوظائف، والتجارة الدولية، والإنتاج في قطاعات الصناعة والخدمات؛ وكل هذا سينعكس سلبًا – بطبيعة الحال – على الطلب على النفط في نهاية المطاف.

وكأي سلعةٍ ذات شأن، تتأثر السوق النفطية العالمية بالمستجدات الجيوسياسية، ويتفاوت مدى التأثير قوةً وضعفًا طبقًا لتبعاته على مُنحنيي العرض والطلب أو الروابط بينهما، بمعنى أن لا صلة تُذكر للمستجدات الجيوسياسية في بلدٍ مثل أيسلندا، لا نفط لديها. لكن الصلة واضحة إنْ كان الأمر يتصل بالنرويج فهي دولة منتجة للنفط، وتصبح الصلة أكثر وضوحًا وتأثيرًا إنْ كانت الدولة المنتجة ذات إنتاج مؤثر. والعكس بالعكس، ففي حال تأثرت دولة مستهلكة، فإن ذلك يؤثر على الطلب؛ وبالتالي يؤثر على السوق، ومن هذا المنطلق يتابع المحللون النفطيون أوضاع الاقتصاد العالمي ونموه أو انكماشه؛ ليتعرفوا على تبعات التغييرات على الطلب على النفط. ثم يبرز السؤال الأزلي: هل بوسع العرض مجاراة الطلب؟ والإجابة هي عبارة عن سلسلة من الإجابات للفترة الحاضرة ولفترات مستقبلية، فما قد لا يُستشعر أثره الآن في السوق قد يتضح ويظهر في المستقبل. ولطالما كان “تجاذب” السوق في حقيقتهِ تجاذبًا بين “أهل العرض” و”أهل الطلب”؛ فدور أوبك في صلبهِ هو إدارة للمعروض من النفط؛ وفي المقابل، فإن دور وكالة الطاقة الدولية هو إدارة الطلب. وهما دوران متعارضان في الأساس، وللتخفيف من ذلك التعارُض المنُهِك سعى منتدى حوار الطاقة للتخفيف منه.

وفي السياق ذاته، وعندما انهارت أسعار النفط في الربع الرابع من العام 2014، نتيجةً لزيادة المعروض وتضخم مخزونات الدول المستهلكة الرئيسية ممثَّلة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وجدت السعودية حلًّا غير تقليدي، دونه جَبَلٌ من “صخورٍ” كأداء. الحل كان “توازن السوق النفطية”، أما أكبر تلك الصخور الكأداء فكانت تحقيق التفاف المنتجين من داخل وخارج أوبك حول ذلك الحل (توازن السوق)، وتوقيعهم اتفاقًا ينصُّ على ذلك، والتزامهم بما يوقعون عليه.

ونُحِّيت جميع الصخور، ونجح الحل على مستويين، كآلية وكنتيجة؛ (1) كآلية: التفت حول الحل المقترح 24 دولة مُنتِجة من داخل وخارج أوبك، ووقَّعت اتفاقًا بخفض الإنتاج، والتزمت بما وقَّعت عليه بنسبة التزام فاقت 100%. (2) كنتيجة: باعتبار بأن الهدف الذي لا يُقاس يتعذر تنفيذه، فقد وضعت الدول، وبقيادة السعودية، هدفًا لقياس النجاح وهو رصد تأثير اتفاقية “توازن السوق” على مخزونات الدول المستهلكة الرئيسية ولا سيما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي أخذت بالفعل يتقلص متوسطها المتحرك لخمس سنوات بتؤدةٍ واتساقٍ. السؤال: تقلصت مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فهل توازن السوق؟

منذ تراجع أسعار النفط في النصف الثاني من العام 2014، كان الموقف السعودية عمليًّا بوَضْع جميع الخيارات على الطاولة والكفة مع الخيار الذي يحقق الاستقرار، فضلًا عن أن الاستقرار لن يُحقِّقه طرفٌ واحدٌ، سواء أكان السعودية كمصدر رئيس، أو أوبك باعتبارها منظمة تجمع بعض المُصدِّرين الرئيسيين. ومنذ توقيع اتفاق تخفيض الإنتاج (أوبك بلس) نهاية العام 2017، كانت أوبك تعقد الاجتماعات لكن القرار كان موسعًا وكان له ديناميكية ودوائر متداخلة: فهل كان مَن يُقرِّر “أوبك” أو “أوبك2+” أو الدول التي تملك “سعة مُتاحة” لإنتاج المزيد من النفط؟  وفي خلفية طرح هذه الأسئلة سيف مسلط يحمله سؤال: هل تعطيل أو تعديل اتفاقية “أوبك+” سيعني نكوصًا على نهج تحقيق “توازن السوق”؟

وعندما طُرحت فكرة “توازن السوق” كان هناك مَن يريد أن يفهمها على أنها تنطوي على لَيّ عُنق المفاهيم والتخريجات، لكن “توازن السوق” ليست فكرة هلامية، بل حالة محدَّدة من حالات السوق التي يساوي فيه العرض الطلب، هذه الحالة هي التي تُفرز سعر التعادل. لكن هل السوق النفطية حاليًّا في حالة تعادل؟ لا، وما برحت تعيش تقلبات لجُل سنوات العقد الثاني من القرن الأول للألفية، فما أن تخرج من “مطب” حتى تقع في آخر. وتحريًا للتحديد، عاشت السوق فترة من الاستقرار النسبي بعد التوصل لاتفاق “أوبك زائد”، انطلاقًا من أن المعيار الذي أقرته الدول الموقَّعة على اتفاقية “أوبك+” هو المتوسط المتحرك لخمس سنوات لمخزون دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأنه قد تراجع – في وقتٍ ما- إلى ما دون قيمة متوسطة المتحرك لخمس سنوات، فهل تحقق التوازن؟ الإجابة لا، والسبب أن من سمات الوصول لسعر التعادل، أن ينتج فعلاً عن “توازن السوق”، حتى يُحقِّق استقرار السعر، باعتباره – إنْ جاز التعبير- نقطة تراضٍ. لكن ما تعايشه السوق النفطية تقليديًّا هو حالة ممتدة من تأرجح السعر ناتج عن قلق، فهي سوق يسيطر عليها نسق الصفقات (transactional) قصير النفس! وهكذا، يمكن القول إن ما يدفعَ السعر للأعلى، ويجعل السوق صاعدةً (bullish) ليس الوصول “لتوازن السوق” موضوعيًّا، بل لتعرض جانب العرض لضغوط جيوسياسية جوهرية، وهي ضغوط قد تتفاقم وقد تتضاءل. فمثلًا، للعامين 2018 و2019 كانت سوق العرض فيها تتصدع (وبالأخص فنزويلا وإيران) والطلب فيها يتنامى، وبالنتيجة تصاعدت الأسعار، وهو وضع معاكس لما أدَّى لانهيار الأسعار في العام 2014، وهما وضعان مغايران لما تمرُّ به السوق الآن مع جائحة كورونا من انكماش الطلب وفائض من المعروض.

ولسنوات عاشت السوق النفطية حالةً يمكن التعبير عنها بــ “قصور عرض أوبك”، مما يعني إما تلبيته أو أنه سيذهب – وبأسعار مغرية – للمنتجين الجُدد ولا سيما في أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا)، وبذلك تقلصت حصة أوبك، وبعدها حصة “أوبك+”. بل قد يؤدي هذا القصور في عرض أوبك إلى الإخلال بالتزام توفير إمدادات كافية للسوق. وهكذا، فدول “أوبك+” بحاجة لاتفاق طويل المدى للتعامل مع أوضاع السوق خفضًا ورفعًا؛ وهو ما يعني وجاهة صياغة آلية (mechanism) ضمن اتفاقية “أوبك+” للتعامل مع قصور العرض، تكون مقابلةً لآلية مجابهة “انتفاخ الطلب” (المتوسط المتحرك)، والعكس بالعكس، وبذلك تتوفر آليتان: إحداهما لجانب الطلب، والثانية لجانب العرض تمكنان “أوبك+” من التعامل تعاملًا رياضيًّا باردًا مع الجانبين، وبذلك نُحصِّن اتفاقية “أوبك+” بأن نمنحها المرونة. لكن كيف الوضع وقد أزف الوقت لاحتواء لاعبين جُدد، كان كبيرهم يُعارض ليل نهار أيَّ تخفيض تُقدم عليه أوبك، وهاجم اتفاق أوبك زائد منذ انطلاقته، وعارضه عند تجديده!

اجتمع وزراء طاقة مجموعة العشرين يوم الجمعة للتداول في أوضاع سوق الطاقة العالمية، التي فقدت استقرارها بسبب تراجع الطلب بنحو الربع تأثُّرًا بتكاسل الاقتصاد العالمي إثر تفشي فيروس كورونا، إضافةً لفائض في المعروض، فعدم استقرار قطاع الطاقة يُهدِّد اقتصادًا عالميًّا تتعاظم هشاشته، ولا سيما أن قطاع الطاقة مدخل للقطاعات الأخرى، فضلًا عن أن مساهمته تقارب 4 في المئة، ويُشغِّل نحو 4 ملايين شخص.

لكن ما علاقة مجموعة العشرين بالطاقة؟ تضمُّ هذه المجموعة كبارَ مُنتجي النفط وكبار مستهلكيه. فأكبر خمسة منتجين للنفط هم: الولايات المتحدة (تنتج 18% من الإنتاج العالمي للنفط)، السعودية (12%)، روسيا (11%)، كندا (5%)، والصين (5)، وجميعهم أعضاء في مجموعة العشرين، إضافةً للآخرين مثل إندونيسيا، بما يدفع للقول إن كمية ما يُنتج من نفط ضمن دول مجموعة العشرين هو أكبر مما يُنتج خارجها، وكذلك الأمر فيما يتصل باستهلاك النفط، فأعلى خمس دول استهلاكًا للنفط هي على التوالي: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، والهند واليابان.

وهكذا، فاجتماع يوم الجمعة الذي دعت له السعودية بصفتها رئيسًا لمجموعة العشرين، مَثَّلَ علامةً فارقة بما يسهم في التوصل لآلية تُحقِّق استقرار السوق، لاعتبارات منها: (1) أنه يشمل المنتجين الرئيسيين، والمستهلكين الرئيسيين، والدول التي تُنتج وتستهلك في آن معًا مثل الولايات المتحدة؛ (2) أن موقف الولايات المتحدة التقليدي انقلب رأسًا على عقب بعد ازدهار إنتاجها من النفط، فبعد أن كانت تُحارب أيةً تقييدات لسعر النفط، أصبح رئيسها يبذل جهودًا حثيثة للحد من الإنتاج، فقد اتصل قبل أيام بسمو ولي العهد  طالبًا دعمه للتوصل لاتفاق مع روسيا لخفض الإنتاج.  وما يتطلع له الرئيس الأمريكي هو خفض لا يقل عن عشرة ملايين برميل يوميًّا.

الآن، وبعد أن انفضَّ جَمْع اجتماعين مهمّين عُقِدا بدعوة من السعودية؛ الأول كان اجتماعًا غير اعتيادي لدول مجموعة أوبك زائدًا الدول المنضمة لاتفاق التخفيضات، المعروف شُهرة بـ “أوبك بلاس”، وانتهى بالاتفاق على تخفيضات قدرها 10 ملايين برميل يوميًّا، وأعاد الاتفاق التزام روسيا باتفاق “أوبك بلاس”.  والثاني كان اجتماعًا لوزراء الطاقة في مجموعة العشرين، عُقِد بدعوة من دولة الرئاسة (السعودية)، وكذلك انتهى باتفاق تاريخي يدعمه بيان غير مسبوق من مجموعة العشرين تُطالب فيه الدول القائدة فعل كل ما تستطيع لاستقرار صناعة الطاقة التي تُكابد الانهيار نتيجة لتداعيات جائحة كورونا. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي تعميم الأوضاع المتماسكة لقطاع الطاقة السعودي لبقية الدول، فصناعة النفط في العديد من بلدان العالم في يد شركات خاصة مثقلة بالالتزامات، تعتمد على شبكات واسعة من الشركات الصغيرة والمتوسطة، ليس بوسعها الانتظار طويلًا قبل أن يبدأ مسلسل التسريح وخفض ساعات العمل والرواتب، فقد تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو الثلث خلال الربع الأول من العام 2020، وبالنتيجة تراجعت المبيعات والأرباح. وصاحَب ذلك تراجع رأسي لسعر برميل النفط، لم تشهده الأسواق منذ نحو عقدين. وعلى صلة بذلك، فعلى الرغم من أن حكومة الولايات المتحدة لم تلتزم بالتخفيضات، إلا أن حجم التأثر الحالي، حيث تراجع الإنتاج بنحو 2 مليون برميل، وكذلك التخفيضات في الاستثمارات الرأسمالية ستحدُّ من زيادة الإنتاج مستقبلًا، ونفس التوجه ينطبق على كندا.

في نهاية المطاف، لنتذكر أن للنجاح ألفَ أب، ولكن لهذا النجاح – في تقديري – أبٌ واحد، هو الموقف السعودي المبني على فَهْم واقعي لسوق النفط العالمية. حيث أرسلت السعودية رسالتها مبكرًا، بأن استقرار السوق مُهدَّد بعد أن تكالبت عليه عوامل ضعف الاقتصاد العالمي، وتداعيات كورونا التي تجره نحو التباطؤ وربما الكساد. وتعاملت السعودية مع الموقف تعاملًا ضاغطًا جعل الرسالة بارزة تُبيِّن بجلاء أن ليس بإمكان أي دولة منتجة تحمُّل تبعات تجاهل الاستجابة لحقائق السوق حتى لو كانت الولايات المتحدة وليس فقط روسيا. وهكذا، فقبل خمسة أسابيع بدا للبعض وكأن إصرار السعودية الالتزام باتفاق “أوبك بلاس” هو “ضغط” منفرد لمصلحة خاصة، أما بعد أن “حَبَرَّت” السعودية الرسالة، فتبيَّن للعالم وجاهتها، وخَرَجَ ما يوازي تظاهرة عالمية تُطالب بخفض الإنتاج.  لنتذكر أن التخفيض الذي طلبته أوبك من “أوبك بلاس” قبل خمسة أسابيع كان فقط 500 ألف برميل. وهنا ينطبق المثل الخليجي “اللي ما يرضى بجزة، يرضى بجزة وخروف”.

يبقى السؤال: لِمَ لا تنضم الولايات المتحدة للاتفاق وتساهم بنصيبها من التخفيضات، ويكون العام 2020 هو عام اتفاق “أوبك ++”، عوضًا عن التلويح بفرض رسوم جمركية؟!

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: م. سالم المري

للتعقيب على ما جاء في الورقة الرئيسة لا بد من التعريج على السياسة الإنتاجية التي اتبعتها المملكة في العقود الماضية، والتي ساعدت في تحقيق عدة أهداف للسياسة الاقتصادية المحلية؛ من أبرزها الحفاظ على أسعار البترول في مستوى معقول، وعدم السماح بدخول مصادر جديدة للطاقة منافسة، وفي نفس الوقت الحفاظ على حصة المملكة في السوق. كما حافظت تلك السياسة على هدف مهم في السياسة الخارجية وهو دور المنتج المرجِّح المتحكِّم في سعر البترول ممَّا أعطى أهميةً لسياسات الدولة السعودية في الاقتصاد العالمي. والمبارزة الأخيرة بين السعودية وروسيا تصبُّ إلى حد ما في هذا السياق.

ولكن مع التقدُّم التقني الحاصل في الإنتاج ودخول البترول والغاز الصخريين في المنافسة، وكون الاستثمارات الرأسمالية في شمال أوروبا والبرازيل وغيرها قد حصلت وموجودة ممَّا يسمح لها بالإنتاج بالكلفة التشغيلية فقط إذا اضطرت، إضافةً إلى الركود في الطلب الذي تسبَّب فيه الفيروس والذي قد يمتد على الأقل لعدة شهور؛ كل ذلك قد ينقل سوق البترول من تحكُّم المُنتِج إلى تحكُّم المستهلك، وعندها فإن أوبك لم يعُد لها فاعلية، وهي التي لم يلتزم معظم أعضائها في العقود الأخيرة بسياساتها، بل كانت المملكة هي الوحيدة تقريبًا التي تُغيِّر وتؤثِّر في سير الأسعار.

ولذلك، فإن اللاعبين في المستقبل في السوق البترولية سيكونون خليطًا من المنتجين والمستهلكين، وهذا واضح من اجتماع وزراء الطاقة لمجموعة العشرين، وهي حركة سريعة وذكية تنمُّ عن حنكة وخبرة راعي السياسة البترولية السعودي، خلطت الأوراق على الذين يريدون فرض إراداتهم بالقوة والعنجهية، فكما ذكر د. إحسان؛ دول العشرين هم اللاعبون الأساسيون حاليًّا من حيث الطلب والإنتاج.

فهل هناك توجُّه جديد ما بعد أزمة كورونا للسوق البترولية يستوجب تغيير السياسات الإنتاجية؟ في ظني أنه لا بد من إعادة التفكير مليًّا واستنباط سياسات جديدة تتلاءم مع الوضع الجديد. فالكثير من الدول ستتقوقع على نفسها وتُرجِّح مصالحها المحلية، وقد تحاول الاعتماد على مصادر الطاقة التي تخدم سياساتها بغض النظر عن الكلفة، أي أن المستهلك سيكون له دورٌ أكبر في التحكم بالسوق وليس المُنتِج. ولا بد أيضًا من الوقوف بحزم من المواقف الانتهازية لبعض الدول مثل الولايات المتحدة، فليس من المعقول أن تستمر هذه الدول بالنظر بعين عوراء لا ترى إلا مصالحها؟ فهي مع زيادة الإنتاج لخفض السعر عندما كانت مُستهلِكة، واليوم ضد زيادة الإنتاج عندما أصبحت مُنتِجة، لكي تضمن حصة من السوق لشركاتها، هذه الغطرسة والمنطق الاستعماري لم يعُد مقبولاً، وعليها أن تتفاعل مع الآخرين فإما أن تدخل ويكون عليها التزامات مثل الآخرين، وإلا فلن يُلتفت لمطالبها حتى ولو فرضت رسومًا، فلن يُغيِّر ذلك من واقع الأمر شيئًا.

ومع ذلك، ليس من المستبعد أن يؤدي التقدم المطرد في التكنولوجيا إلى ظهور مصادر طاقة كثيرة مثل البترول الصخري مثلاً، الذي لم يكن ممكنًا من قبلُ، وأصبح ممكنًا الآن، أو ظهور مصادر طاقة أكثر جاذبيةً وأنفع اقتصاديًّا من البترول، ويصبح الإقبال عليه كمصدر للطاقة محدودًا بالرغم من توفُّره كما هو الحال بالنسبة للفحم. وعندها ينحصر الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للطاقة في الدول المُنتِجة له، فما هو الحل في مثل هذا الوضع للدول التي تعتمد في دخلها على النفط؟ في رأيي أنه على هذه الدول (كالمملكة) أن تنتهج من السياسات ما يُحقِّق مصالحها الوطنية البحتة، فتحقيق التوازن في سعر البترول لم يعُد ممكنًا، نعم قد يكون من الممكن تحقيق بعض الاستقرار لفترات مؤقتة، ولكن ذلك لا يكفي. ولذلك، من الأفضل التوجُّه من الآنَ وبسرعة للتوسُّع في سياسة تنويع الدخل وعدم الاعتماد على البترول، والتوسُّع في تصنيع منتجات النفط بدلاً من تصديره خامًا، ما دام لدينا السبق والإمكانيات قبل ما يكثر المنافسون بل وقد يكون هذا هو الخيار الوحيد المتاح. ومع وجود البنية التحتية والخبرات المناسبة سيكون هناك ميزة تنافسية جيدة، وستوفر هذه الصناعات كمًّا معقولاً من الوظائف ودخلاً للخزينة العامة. إضافةً إلى دخول السباق في مجال مصادر الطاقة المتجددة وتطوير التقنية، والاعتماد على الذات في الصناعات المهمة، وبالذات التي تعتمد على الطاقة.

  • التعقيب الثاني: أ. جمال ملائكة

ما أودُّ التعليق عليه في تعقيبي يمسُّ عدة محاور:

  • السياسة النفطية السعودية بصفة عامة.
  • قوة الخطوة السعودية الحاسمة بعد فشل مفاوضات أوبك + في مارس ٢٠٢٠.
  • ردة فعل المنتجين الآخرين وخاصة خارج منظمة أوبك.
  • التغيرات المتوقعة نتيجة لرقم ٢ و٣ أعلاه.

 

  • بالنسبة للسياسة النفطية السعودية كانت ولا تزال هي الحفاظ على توازن سوق النفط العالمي بما لا يضرُّ المنتجين أو المستهلكين. وقد لعبت المملكة على مرِّ تاريخها دورًا محوريًّا وأحيانًا على حساب مصالحها الوطنية لمصلحة السوق والمستهلكين والمنتجين أنفسهم، وذلك بلعب دور المُنتِج المُرَجِّح لفترة طويلة، ثم قامت لاحقًا بإجبار / إقناع باقي دول أوبك للعب هذا الدور كمنظمة جماعية.

وبعد دخول الولايات المتحدة كلاعب رئيس في أسواق النفط، برزت الحاجة للتعاون بين منظمة أوبك وبين المنتجين خارجها حيث ترأست المملكة الجهود لضمان دخول روسيا كمنتج ومُصَدِّر رئيس للنفط ضمن أي اتفاق، مما يؤدي إلى تعظيم السياسة النفطية لأوبك.

  • وبالنسبة للخطوة السعودية الحاسمة بعد انهيار مباحثات أوبك + في مارس ٢٠٢٠، فقد أظهرت هذه الخطوة بوضوحٍ لا لبس فيه قوةَ السياسة النفطية السعودية عندما يتطلب الأمر؛ بسبب أربعة عوامل:
  • انخفاض تكلفة الإنتاج، وهي قد تكون أقل تكلفة عالميًّا.
  • الطاقة القصوى التي تستطيع المملكة ضخها وهي تتجاوز ١٢ مليون برميل يوميًّا.
  • الخطوة لرفع الطاقة بمليون برميل إضافية.
  • خفض السعر لمستويات منخفضة اعتمادًا على الاحتياطي المالي والقدرة على إصدار صكوك حكومية، والسياسة المالية الناجحة لتنويع مصادر دخل الميزانية.
  • الذي يُلاحظ بوضوح هو أن قوة الخطوة السعودية الحاسمة والموازية لانخفاض الطلب بسبب جائحة الكورونا قد أجبرت منتجين كبارًا آخرين للتعاون مع المملكة وأوبك +. وللمرة الأولى في التاريخ، تُبدي الولايات المتحدة رغبتها للتعاون مع أوبك +، لدرجة أن الرئيس الأمريكي طلب خفضًا بـ ١٠ ملايين برميل يوميًّا، وبالفعل اتفقت أوبك + على خفض ٩,٧ ملايين برميل يوميًّا، وتعهدت السعودية والإمارات والكويت بتخفيض إضافي يبلغ ٢,٨ مليون برميل، وهناك شبه اتفاق مع الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك وكندا مما يرفع الخفض إلى حوالي ١٩,٧ مليون برميل. وقد تنضم النرويج بخفض إضافي لاحقًا.
  • وبالنسبة للتغيرات المتوقعة على مسرح السياسة النفطية العالمية نتيجةً لـ ٢ و٣، فيمكن إيجازها في التالي:
  • لا يمكن تغاضي اضطرار المنتجين خارج أوبك + للتعاون مع أوبك أو أوبك + المستقبلي بعد الخطوة السعودية الحاسمة.
  • وضوح هشاشة وضع النفط الصخري إذا ارتفع إنتاج أوبك أو أوبك + متوازيًا مع تخفيض الأسعار (هناك شركات أفلست بالفعل، وهناك تقارير بخروج ما يوازي ٢ مليون برميل من النفط الصخري بصورة دائمة).
  • سيضطر جميع المنتجين في العالم لأخذ السياسة النفطية السعودية تحديدًا في الاعتبار وبميزانٍ دقيق والتحرك بحساب، خاصةً إذا تعاونت الإمارات والكويت كما حدث بالفعل.

لقد حدث تغيُّرٌ هائل في سوق النفط العالمية نتيجةً للخطوة السعودية الحاسمة، والتي ستنعكس بلا شك على السياسات المستقبلية لكل اللاعبين في هذا السوق الإستراتيجي.

  • المداخلات حول القضية:
  • المشهد العالمي الراهن وانعكاساته على صناعة النفط:

أشار م. فاضل القرني إلى أن سوق النفط يتعرض لتحوُّلات راديكالية حاليًّا، وفي المستقبل المنظور، وقد يكون على الأمد البعيد إذا لم يتم تبنِّي إستراتيجيات معينة. وبالطبع إذا ما قارنا ذلك مع العرض والطلب من بعد حظر البترول عام ٧٣، وهو أنه كان شبه مستقر حتى في صعوده وهبوطه لأسباب معتادة عليها المملكة ودول أوبك، والتي في الأخير تحت ميزان العرض والطلب، والذي يسبقه توجهات سياسية مثل رفع الإنتاج بعد غزو الكويت وحرب الخليج الأولى وغزو العراق، وما ترتب على ذلك من آثار اقتصادية يتم إدارتها، ويعود الاقتصاد بالانفتاح من جديد.  القراءة حاليًّا مختلفة بكل المقاييس في سياق الإدارة الحالية للأزمة (الإغراق وكورونا علاقة متنافرة)، وربما العامان القادمان بسبب أن الذي سيترتب على ذلك سيكون غير تقليدي على الاقتصاد. لذلك، لا بد أن تستمر السياسة النفطية الحكيمة والمعهودة للمملكة في السوق النفطية العالمية، والمحافظة على أسواقها في اليابان والهند والصين وأوروبا؛ نظرًا لأنها التي تتمتع بالاستقرار السياسي والتنموي مع التوازن فيما يخصُّ روسيا والولايات المتحدة. وبالتوازي لا بد في إعادة تقييم السياسة الداخلية في تطوير الإنتاج وعجلة الاقتصاد والنظر للداخل أنه سوق أيضًا إذا ما توفرت بدائل، مثل: (الاستمرار في إنجاز النقل العام والذي سيساعد في ترشيد استخدام الطاقة، والمساعدة في تقليص البطالة وازدهار الأعمال الصغيرة، وعند ذلك بالإمكان رفع أسعار البنزين مع الضرائب الحالية ليُشكِّلا رافدين جيدين للدخل الحكومي، بالإضافة إلى السياحة بكل جوانبها، وتقييم الترفيه والاستفادة منه بكل أنواعه) وبمجمل القول: كورونا وسوق النفط والتقلبات في أوبك وأوبك زائد ورؤية ٢٠٣٠، وقلة الاعتماد على النفط تستدعي الخطوة للخلف كنقطة فحص ولترتيب الصفوف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياحية… إلخ؛ للاطلاع على الإحصاءات والحقائق والأرقام التي تمَّت إيجابًا وسلبًا، والتقدم من جديد، وستكون المملكة بخبرتها ومكانتها تقود سوق الطاقة النفطية من جديد، والبحث الدؤوب عن الطاقة البديلة. كما حدث في الماضي، فقد ساعدت القدرة الإنتاجية الفائضة على استمرار استقرار السوق البترولية، وذلك بضخ المزيد من البترول في حالات نقص الإمدادات، أو ارتفاع الطلب بصورة غير متوقعة. وتتسق السياسة البترولية للمملكة مع سياستها المعتدلة والمتوازنة التي تُراعي مصالح جميع الأطراف والقوى، وتُوازن بين الحاضر والمستقبل.

بينما يرى أ. محمد الدندني أن ما شهدته أسعار النفط على المستوى العالمي من انخفاض ينطوي على عدد من السلبيات، وإنْ كان ثمة بعض الأمور الإيجابية التي يمكن الإشارة إليها، وذلك على النحو التالي:

أولًاً – السلبيات:

  • من المعروف اعتماد السعودية وخُطط التنمية على النفط، وهبوط الأسعار سيؤثر على الميزانية وخطط التنمية.
  • تؤثر القطاعات الأخرى في عجلة الاقتصاد وركودها.
  • أعطى انخفاض أسعار النفط رسائل سلبية إلى المستثمرين الأجانب وتحاشي الاستثمار في السوق السعودي.

ثانيًا – الإيجابيات:

  • خروج النفط المكلف في الإنتاج.
  • انعدام أو قلة رأس المال الموجَّه إلى تطوير الحقول والاستكشاف، وهذا تأثيره متوسط إلى طويل المدى.
  • تأخير الاستثمارات في الطاقات البديلة، ولو أن هذا الأمر تكتيكي حيث لا مناص من تطور البدائل.
  • الاستحواذ على احتياطيات الشركات الصغيرة والمتوسطة.

في حين يعتقد أ. جمال ملائكة أن ما تشهده أسعار النفط حاليًّا من انخفاض ستؤثر على الاستثمارات الداخلية أو الخارجية، الاستثمارات ستُكبَح عالميًّا مؤقتًا حتى تنتهي أزمة الكورونا وتعود الحركة الاقتصادية كما كانت. الأهم هو استيعاب اللاعبين خارج أوبك وأوبك + أن عليهم التعاون مستقبلًا.

وأشار د. عبد العزيز الحرقان إلى أن الصين والروس يقودون استثمارات دولهم من خلال قيادة منظومة من مُقدِّمي الخدمات والمنتجات. فحينما يتعاقد صندوق الاستثمارات الروسي مثلاً لتنفيذ مشروع ما، فإنه يُشكِّل فريقًا من مُقدِّمي خدمات تمويل المشروع وتنفيذه، وتقديم الدعم القانوني والسياسي من شركات روسية محلية ليست بالضرورة مملوكة للصندوق.

وذهب أ. عبد الرحمن باسلم إلى أن النفط سيبقى موردًا مهمًّا للطاقة، لكن لعبة الأسعار والكميات ليست بأيدي دولة بعينها، ويجب أن نكون عقلانيين، دول الأوبك بلس أو غيرها ليست على خط واحد، وكلٌّ له أهدافه وتحالفاته. وعقَّب أ. محمد الدندني بأنه لا مفرَّ من التنسيق مع أوبك وأوبك + وأوبك ++. كذلك فإن تحديد الأولويات هو البداية والاقتصاد المركزي الذي تقوده الدولة كمظلة مهمٌّ جدًّا على الأقل خلال السنوات العشر القادمة.

ولفت د. صدقة فاضل النظر إلى أن عملية تسعير برميل النفط العادي بدأت ترتبط بسعر برميل النفط الصخري. وهذا ما تريده أمريكا؛ حتى لا تخسر الشركات الأمريكية المنتِجة للنفط الصخري. لذلك، نجد أمريكا تضغط دائمًا في هذا الاتجاه.

ومن ناحيته يرى أ. محمد الدندني أن هذا غير صحيح، فتسعير النفط في أمريكا مرتبط بـ WTI. West Texas intermediate، وهو نفط تقليدي يختلف عن الـ oil shale الخفيف جدًّا، وغير المناسب لأغلب مصافي أمريكا. مشكلة أمريكا أن الدولة ليست صاحبة القرار في التخفيض كما في كندا؛ ولذا قال البيت الأبيض بطريقة غير مباشرة إن خروج المنتجين وقفل الآبار يعتبر تخفيضًا وتجاوبًا مع الدعوة العالمية للتخفيض. وهنا من الصعب معرفة ودقة كم خرج من السوق.

وأضاف م. سالم المري أنه في الوقت الحاضر يعتبر خام غرب تكساس الوسيط المعيارَ القياسي لأسعار النفط في الولايات المتحدة فقط، وهو مزيجٌ من الزيوت من ضمنها الصخري؛ في حين أن باقي دول العالم – ومعظم عقود النفط المتداولة تقريبًا – يتم تسعيرها وفق خام برنت، وهو كذلك مزيج من زيوت بحر الشمال مما يجعل خام برنت هو المعيار القياسي على الصعيد العالمي.

وفي اعتقاد أ. جمال ملائكة، فإن الخطوات السعودية النفطية تضع في حساباتها المصلحة الوطنية في المقام الأول، وبينما قد يضغط الأمريكيون في اتجاه معين إلا إنهم وقد أصبحوا مُصدِّرين للنفط وأيضًا مستوردين (نفط ثقيل لمعامل التكرير)، فإنهم وبالرغم من قوة دولتهم لا يستطيعون التأثير بشكل كبير على سياسة أوبك وأوبك +. أمريكا الآنَ مستفيدة من السعر المرتفع للنفط. الدليل أن أوبك + تحركت عدة مرات في السابق لخفض الإنتاج، وتحركت السعودية والإمارات في مارس لرفع الإنتاج.

وركز د. رياض نجم في تناوله لأبعاد القضية الحالية على النقاط التالية:

  • يُشكِّل إنتاج دول أوبك ٣٠٪؜ تقريبًا من الاستهلاك العالمي قبل أزمة كورونا، وبالتالي لم يعُد للمنظمة ذلك الوزن الذي كانت تتمتع به في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ولهذا، أُوجد تجمع أوبك + وقريبا أوبك++. وبطبيعة الحال، فالمنضمون الجدد لهذين التجمعين ليسوا على قلب رجل واحد، وبالتالي يمكن أن ينفرط أي منهما بسهولة.
  • الكل كان يتحدث، حتى قبل كورونا، أن اعتماد العالم على النفط سوف يتناقص تدريجيًّا في المستقبل؛ وبالتالي فإن الاحتياطات الضخمة منه لا تعتبر وثيقة تأمين لمتغيرات المستقبل. وربما يأتي وقت يكون فيه وضع النفط كوضع الفحم الحجري حاليًّا؛ احتياطيات ضخمة وطلب محدود عليه. ربما جاءت جائحة كورونا لكي تُسرع من وتيرة تقليل اعتماد العالم على النفط. ومعظم التوقعات تقول إننا لن نعود إلى استهلاك ١٠٠ مليون برميل يوميًّا في المستقبل القريب أو ربما حتى البعيد. رؤية المملكة ٢٠٣٠ أخذت هذا الموضوع بجدية، وكان أحد أهدافها هو تقليل الاعتماد على النفط. فهل تجعلنا هذه الأزمة نُسرع من تقليل هذا الاعتماد عما خطط له في الرؤية؟
  • يقول لنا الاقتصاديون إن سعر السلع في الاقتصاد الحر تُحدِّده مستويات العرض والطلب. لكن إذا علمنا أن ما يُتداول في الأسواق المستقبلية futures markets يبلغ ١٥-٥٠ ضعف النفط المستهلك عالميًّا، فمَن هو المحدد الفعلي لأسعار النفط؟ هل هم المضاربون في أسواق العقود المستقبلية أم المنتجون والمستهلكون؟
  • تكلفة إنتاج النفط في المملكة هي الأقل عالميًّا، في نفس الوقت تمتلك المملكة أكبر احتياطي في العالم. فهل من المصلحة إذًا أن نسعى إلى الحصول على أكبر نسبة من السوق بسعر متدنٍ يجبر النفط مرتفع التكلفة (بشكل أساسي النفط الصخري الأمريكي) إلى الخروج من السوق؟ وهو ما تسعى له روسيا أيضًا.

ومن جانبه عقَّب م. سالم المري على ما تضمنته النقاط السابقة على النحو التالي:

  • أن تجمُّع أوبك + وأوبك++ بالفعل ليسوا على قلب رجل واحد؛ ومن ثَمَّ سياسة الحفاظ على توازن السوق القديمة لم تعُد مجديةً، نعم يمكن الحفاظ على استقرار مؤقت للسوق باتفاقيات، ولكن سرعان ما تتغير.
  • أثبتت جائحة كورونا أهمية الإسراع في إيجاد بدائل عن بيع النفط الخام كمورد للدخل لخزينة الدولة؛ وهذا يعني التسريع برؤية ٢٠٣٠.
  • الظن أن بقدرة المضاربين تحديد أسعار النفط على المدى البعيد، فلدى الدول القدرة على لَجْم ذلك، ولكن من المحتمل أن يتنامى دور المستهلك في تحديد السعر بعد وفرة موارد الطاقة (النفطية وغيرها)، وهبوط الثقة بالعولمة، وتجلي أكذوبة التجارة الحرة، والتوجه مجددًا إلى الدولة الوطنية والاتفاقيات الثنائية بين الأمم.
  • المملكة باحتياطيها النفطي الضخم وتكلفة الإنتاج المتدنية تمتلك ثلاث ميزات تنافسية إذا تم استغلالها بذكاء يمكن إعادة تصدير الطاقة المعتمدة على النفط للخارج بقيمة مضافة، والابتعاد عن الاعتماد على بيع الزيت الخام كمورد رئيس للخزينة عن طريق:
  • التوسُّع في تصنيع مكررات النفط والمنتجات والسلع المعتمدة عليه، وتضخيم القيمة المضافة وتصديرها.
  • التوسُّع في الصناعات المعتمدة على الطاقة وتصديرها.
  • بناء نظام مواصلات داخلي وخارجي ضخم للوصول والنقل بين دول الإقليم والعالم، بحيث تصبح سفننا وطائراتنا وشاحناتنا الأقل كُلفةً عالميًّا لمن أراد نقل بضائعه أو ركابه في الإقليم أو العالم؛ مما يعطي الصناعة والتجارة والزراعة المحلية ميزةً تنافسية باستخدام هذه المواصلات.

وتطرق أ. جمال ملائكة إلى أن هدف المملكة ليس إخراج النفط الصخري، فهذا مستحيل سياسيًّا وعمليًّا، ولكن الهدف الضغط على منتجيه للتعاون مع أوبك +، ويبدو أن هذا تحقَّق. تمَّ أيضًا “جذب” لاعبين آخرين مثل كندا والبرازيل والمكسيك والنرويج للتعاون، وهذه لها تبعات مستقبلية حيث فَهم الجميع أن بإمكان السعودية بالتعاون مع الإمارات والكويت وربما مستقبلًا روسيا من إجبار اللاعبين خارج أوبك بالتعاون. وعلينا التنبه إلى أن الخطوة السعودية هي قصيرة المدى لإجبار الجميع للتعاون وليست سياسة طويلة المدى، وبالتالي فقد تحقَّق هذا الهدف وإنْ كان ببعض الخسائر المالية حاليًّا إلا أنه سيعود بمكاسب مستقبلًاً.

وأشار أ. عبد الرحمن باسلم إلى أنه إذا كانت تكلفة إنتاج النفط في المملكة هي الأقل عالميًّا، فالسؤال المطروح: كم تكلفة إنتاج النفط تمامًا؟ وكم تكلفة نقله حتى يصل إلى الدول المستهلكة؟ ولنفرض الصين أو اليابان. وكم تكلفة انتظار الناقلات في البحار حتى وصول طلب للتحرك؟

وفي هذا السياق ذكر أ. محمد الدندني أن النقل يعتمد على اتفاقية التصدير، هل هي Fob أم CIF؟ غالبًا الأولى هي الأغلب. وتكلفة البرميل للإنتاج تبدأ من حفر البئر مرورًا بمعامل الفصل ونقله إما إلى رأس تنورة أو الجعيمة أو عن طريق الأنابيب على الساحل الغربي بحدود ٥ دولارات، وربما تصل إلى ٧ دولارات؛ أي بين ٥ إلى ٧ دولارات. عمومًا، أغلب نفط المنطقة بهذه الحدود. وهناك تكلفة رأس المال، وفي الغالب لا تُعرف أو لا تُوضع ضمن التكلفة، بل تُوضع محاسبيًّا في مواقع أخرى. ويُقصد بالـ FOB استلام المشتري من منصات أرامكو؛ حيث يكون المشتري من أحضر سفينته. أما الـ CIF فيعني إيصال المُنتَج للمشتري، ويكون عبارة عن سعر الـ FOB بالإضافة إلى cost insurance and freight.

وتساءل د. عبد الله بن صالح الحمود فيما يتعلق باتفاق أوبك بلس، ألم يجرِ التوصل لاتفاق في نوفمبر 2016 بهدف خفض إنتاج البترول لتحسين أسعار النفط في الأسواق، منذ ذلك التاريخ وحتى ما قبل جائحة كورونا، فهل كان هذا الاتفاقُ قائمًا والكلُّ ملتزمًا به، أو أن السياسة طغت على أركان هذا الاتفاق؟ وفي الإطار ذاته، وبالإشارة إلى اللقاء الذي عقدته مجموعة أوبك بلس في الاجتماع الوزاري الاستثنائي للدول الأعضاء في منظمة أوبك والدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة، فقد قامت الدول المشاركة بإعلان التعاون وإعادة التأكيد على التزامها المستمر بتحقيق الاستقرار في أسواق النفط، والمحافظة عليه وبالمصالح المشتركة للدول المنتجة، وبتوفير إمدادات آمنة واقتصادية وذات كفاءة عالية للمستهلكين، وبعوائد عادلة لرؤوس الأموال المستثمرة، وانتهى اللقاء باتفاق الدول المشاركة في الاجتماع على سبع نقاط، كان من أهمها:

  • إعادة التأكيد على إطار العمل الخاص بإعلان التعاون، والذي تمَّ التوقيع عليه بتاريخ 10 ديسمبر 2016، وأُعيد التصديق عليه في الاجتماعات اللاحقة، بالإضافة إلى ميثاق التعاون الذي تمَّ التوقيع عليه بتاريخ 2 يوليو 2019.
  • إجراء تخفيضات على إنتاجها الإجمالي من خام النفط بمقدار 10.0 ملايين برميل يوميًّا، بدءًا من 1 مايو 2020، ولمدة تبلغ شهرين تنتهي في 30 يونيو 2020.

وخلال مدة الأشهر الستة التالية بداية من 1 يوليو 2020 إلى 31 ديسمبر 2020، سيكون مقدار التخفيض الإجمالي المتفق عليه هو 8.0 ملايين برميل يوميًّا، ويتبع ذلك تخفيض قدره 6.0 ملايين برميل يوميًّا لمدة ستة عشر شهرًا تبدأ من 1 يناير 2021 وحتى 30 إبريل 2022، وأن  الأساس المرجعي لحساب التعديلات هو إنتاج النفط لشهر أكتوبر 2018، فيما عدا بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية والاتحاد الروسي، والأساس المرجعي لكل منهما هو 11.0 مليون برميل يوميًّا، وأنه أيضًا سيكون القرار الذي تمَّ التوقيع عليه ساريَ المفعول حتى 30 إبريل 2022، ومع ذلك سوف يتم النظر في إمكانية تمديد القرار في شهر ديسمبر 2021.

وهنا يكون التساؤل المطروح: كيف لنا أن نثق أو على الأقل نتأكد أن اتفاقات كهذه ستسير وفق ما جرى الاتفاق عليه؟ فهناك خُطط ومصالح اقتصادية محلية وإقليمية ودولية لدول وقطاعات اقتصادية مرتبطة أنشطتها وأعمالها من خلال ما تقرأ عن اتفاقات كهذه، فهل نعيش حرب الاختلاف أم حرب المصالح، ويدفع الثمن أولاً وأخيرًا منتجو الصناعات التحويلية؟

وتساءل م. فاضل القرني: هل بإمكان المملكة (أرامكو) الاستثمار في النفط الصخري قانونيًّا مع أمريكا، وهل من جدوى اقتصادية؟ ومن جانبه ذكر أ. جمال ملائكة أنه من ناحية المبدأ، فإن أمريكا بلدٌ مفتوح، ولكن الأفضل أن يكون الشراء بواسطة شركة غير نفطية.

ومن وجهة نظر د. رياض نجم، فإن إحدى ضحايا كورونا ستكون صناعة النفط الصخري، ليس لشيء وإنما لارتفاع تكلفة الإنتاج عن السعر الذي سيسود ربما لعدة سنوات في حدود ٣٠-٤٠ دولارًا للبرميل.

وأضاف أ. محمد الدندني أن هناك نقطة مهمة وهي إحجام الدول أو الشركات الوطنية والشركات العالمية عن الاستثمار إما لاكتشافات جديدة أو أقلها المحافظة على تعويض النقص في الاحتياطيات بتطوير سُبل الإنتاج من الحقول المنتجة ولو أن هذا نسبته قليلة، كون معظم الحقول وصلت مرحلة النضوج. هناك دولٌ لم تستنفد هذا مثل العراق وليبيا تستطيع زيادة الإنتاج بكميات طيّبة. هذا مع تحسُّن الطلب والنمو الاقتصادي، ربما يساعد على ارتفاع الأسعار إلى ما بين ٦٠ و٧٠ دولارًا. السؤال: كم من الوقت تحتاج صناعة النفط لترى هذه الظروف؟

وأوضح د. إحسان بوحليقة أن سوق النفط كانت تعاني حتى قبل أن تُصاب أول حالة بكورونا في الصين. وكان دور كورونا أنها زادت الطين بِلةً، عندما ضربت الاقتصاد العالمي في مقتل، ظهر تقريبًا تبخُّر الطلب. كورونا مرحلة وتنقضي، ونبقى نحن مع سوق نفط به مشاكل. ما تفتق عنه اجتماع وزراء الطاقة في مجموعة العشرين أمرٌ لا بد من توظيفه لاستجلاب إرادة اقتصادية عالمية، ليس لإنقاذ النفط وصناعاته ووظائف الملايين فيه؛ بل للسعي لاستقرار سوق هذه السلع المتذبذبة، وفي الاستقرار مصلحة عالمية، وليس مطلوبًا استثمار الأموال من أجل ذلك، بل الالتزام بمحاذاة العرض للطلب، وبعد ذلك أمور كثيرة ستنتظم. وبصفة عامة، أمام النفط أيام حالكة في الاثني عشر شهرًا القادمة. دول العالم وكأنها وقعت في حفرة كورونا وتسعى كل منها للخروج، مستخدمةً كل وسيلة. لن تُقدِّم أيُّ دولة أيَّ ميزة للعالم إلا بما يخدم مصالحها، بما في ذلك الدول المنتِجة وما اتفقت عليه من تخفيضات. سيتواصل الضغط على الطلب فيما يأتي من أشهر. هذا واقع، أما ما ينبغي فذلك أمر لن يلتزم به أحدٌ إلا اضطرارًا أو لمنع تفويت مصلحة. النفط في سياق مختلف مع كورونا. يخرج كورونا، ويعود الطلب للتعافي، ولكن ذلك يعتمد على ماهية الاقتصادات التي ستخرج وسيتعافى الطلب فيها. أما ما حدث قبلًا من مماحكات أزلية لدفع السوق للاستقرار، فقد تمَّ بيانه بأن السياق الآنَ يتطلب مساهمةَ كبار المنتجين في الولايات المتحدة وكندا. وأن تتجرع أمريكا نظير التطوير المتهور لصناعة النفط الصخري، والتي مارست أسلوبًا انتهازيًّا مقيتًا يستوجب أن نفعل كلَّ ما يمكن للتعامل معها كمنافس متربص لا يمكن التنازل عن براميل لإنقائه من رزاياه!

بينما توقَّع د. حمد البريثن أن العالم بعد الخروج من أزمة كورونا سيكون شرهًا جدًّا للنفط، وسيستمر النمو الاقتصادي بشكل كبير لمدة زمنية طويلة نوعًا ما؛ لأن الفترة الحالية هي فترة ركود قوية. لكن في اعتقاد د. إحسان بوحليقة، فإن السعر سيبقى ضعيفًا. كما ندرك التعافي من كورونا سيكون بالتدريج. كان يُفترض أن يزيد الطلب للعام 2020 ما يزيد عن 101 مليون برميل يوميًّا، في غضون شهر مضى تبخَّر نحو خُمسَينِ! ولذلك، فالخروج من الوضع سيكون متدرجًا.

وتساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: كيف لنا معرفة درجة منافسة النفط الصخري للنفط التقليدي خلال حدوث وباء كورونا وبعد زواله، سعرًا وإنتاجًا؟ وفي هذا الإطار ذهب د. إحسان بوحليقة إلى أن ما تمرُّ به صناعة النفط الأمريكية كارثي، فالهبوط الهائل للسعر لن تتحمله معظم الشركات المنتجة للنفط الصخري، الغارقة في الديون. ومن باب رُبَّ ضارَّةٍ نافعة، فلعل ذلك من مصلحتنا.

  • مستقبل صناعة النفط في المملكة:

في تصوُّر د. عائشة الأحمدي، فإن المملكة اليومَ أمامها خيارات موجعة. فالطلب على النفط قد لا ينمو في العقد الجاري كثيرًا، وقد يصل إلى الذروة خلال 10 سنوات. في الوقت ذاته، فإن الإنتاج من خارج «أوبك» يتفاقم، ولا أحد يريد التعاون مع السعودية التي تحمَّلت معظم التخفيض في آخر اتفاق في ديسمبر 2019، والبالغ 2.1 مليون برميل يوميًّا. وبعد سنوات معدودة، قد يسعى العراق لزيادة إنتاجه وليبيا كذلك، وقد تعود فنزويلا وغيرها، وقد نصل إلى 2025 والمعروض العالمي في زيادة بعد استمرار الدول خارج «أوبك» في الإنتاج بكامل طاقتها القصوى؛ لذا غيَّرت السعودية إستراتيجيتها واتجهت إلى الحصة السوقية وزيادة طاقة «أرامكو» الإنتاجية مليون برميل إضافية، والاعتقاد أن التركيز على الصناعات التحويلة للنفط خيار إستراتيجي، قد يُشكِّل حائطَ صدٍّ للصدمات العنيفة لحدة تقلبات أسعار النفط على الاقتصاد السعودي.

من ناحيته ذكر أ. جمال ملائكة أن أمامنا بعض المشاكل بالنسبة للصناعات التحويلية المعتمدة على النفط:

  • التقنية لا تزال في بداياتها ولم تُجَرَّب على طاقة إنتاجية عالية.
  • هناك منتجات بترولية غير النافثا الصالحة لإنتاج مواد بتروكيماوية، لكن أرامكو ترفض بيعها بسعر يُشجِّع على إنشاء صناعات تحويلية تعتمد عليها.
  • لا نزال كدولة لم نستطع تشجيع الصناعات التحويلية المستخدمة للغاز بمعادلات تجعلها منافسة.

وأضافت د. عائشة الأحمدي أننا قد نُوقف الاستثمارات بانهيار الأسعار سواء في الاستكشاف أو في الاستثمار في النفط الصخري، لكن هذا مسكن مؤقت، والحلول الجذرية تتمحور في استثمار ثروتنا بطريقة لا يكتنفها مهددات في جانب، وفي آخر لا نضطر أن نعقد مشاريعنا التنموية على اتفاقات قد تكلفنا ثمنًا باهظًا، أو نخضع لاستنزاف غالي الثمن لمواردنا، ما دام لنا خبرة ليست بجديدة في الصناعات التحويلية.

ويرى أ. محمد الدندني اتفاقًا مع هذا الطرح، أنه ليس مبكرًا القول إن النفط مُحاصَر بالنفط الجديد، ولو توقَّف الآن فسيعود مع دورة أسعار عالية قادمة، وأيضًا زيادة الإنتاج من خارج أوبك بالإضافة للطاقة البديلة؛ كل هذه العوامل تؤكد أن لا يكون النفط مصدرًا أساسًا للدخل. وحتى لو بدأنا في الصناعات التحويلية فلن نكون الوحيدين في العالم. ولا ننسى اتفاقية التغيُّر المناخي، فستجد زخمًا أكبر بعد الجائحة، ولو أن أمريكا تعارضها الآن، فليس بعيدًا قبولُها لنمو التأييد الشعبي لها فضلاً عن أن الديمقراطيين ليسوا ضدها ١٠٠٪؜. ومن ناحية أخرى، فإننا نحتاج إلى شراكات قوية، وبالذات مع الصين وكوريا والهند مع التحفُّظ على الهند لمواقفها السيئة. ومن المهم أن تكون الاستثمارات في قطاعات أخرى؛ مثلاً: ما هو الأجدى الاستثمار بقوة في الصناعات التحويلية أو الالتفات بجدية للتصنيع ولو التجميع والتعدين والسياحة؟ وماذا عن الطاقة البديلة؟

وأكد د. إحسان بوحليقة على أهمية أن يكون هناك سياسة جديدة لما بعد كورونا بالتأكيد، ويبدو أن هناك درسًا مستفادًا، وعلى الولايات المتحدة وكندا تعلُّمه، مفاده أن مسؤولية استقرار السوق تقع على جميع المنتجين. وفي السياق ذاته، فإنه في حقيقة الأمر ليس بوسع السعودية أن تقوم بمسؤولية استقرار السوق، بوسعها أن تقود لكن ليس بوسعها أن تُضحي، ولعل من الاستنتاجات المهمة أن تأخُّر الروس في استيعاب خطورة الموقف، وإصرار السعودية وَضْع الجميع أمام مسؤولياته أحدثَ الفرقَ. الروس كانوا دائمًا مثل الشريك المشاكس، ونظرتهم للتخفيضات لم تكن إستراتيجية قط. لعلهم يستوعبون الآن. لعل السوق بحاجة إلى منظمة أو تحالف أو تفاهم اسمه “أوبك بلاس بلاس” يهدف للحفاظ على توازن السوق. يحتاج العالم ١٠٠ مليون برميل يوميًّا، ينتج العالم ذلك القدر، لكن التأرجحات الحالية منهكة ماليًّا واقتصاديًّا.

وعقَّب أ. جمال ملائكة بأن السعودية استطاعت باتخاذها الخطوات التي اتخذتها إجبار الجميع بما فيهم المنتجون خارج أوبك + للجلوس والتفاهم؛ وبالتالي حقَّقت هدفها. أما بالنسبة لموضوع الأسعار التي تمنحها الدولة لشركة سابك ولجميع الصناعات البتروكيماوية الرئيسة فهناك اعتقاد أن هذه الأسعار هي “مدعومة”، وهذا خطأ فادح. كما أن هناك أيضًا تصوُّرًا آخر أن هذه الأسعار هي ما تمكِّن هذه الصناعات من الربح، وكلا الزعمين أبعد ما يكونان عن الحقيقة:

  • لا يوجد شيء اسمه دعم، فأسعار الغاز تختلف من دولة إلى أخرى، فأسعار الغاز في أمريكا غير أسعار أوروبا، وغير أسعار اليابان… إلخ. الأسعار هي انعكاس لتكلفة الإنتاج، وتكلفة النقل، وهامش الربح، والعرض والطلب؛ لذلك تتفاوت الأسعار من منطقة إلى أخرى، والدول الحصيفة تتبع سياسة تسعير تُمكِّن المنتِج للغاز من الربح، وفي الوقت نفسه تؤدي لنشوء صناعات تحويلية منافسة؛ وهو ما يزيد من توظيف العمالة، وتنويع مصادر الدخل، ورفع القيمة المضافة،… إلخ.
  • تكلفة إنتاج طن واحد من البتروكيماويات السعودية عالية جدًّا؛ نظرًا للتالي:
  • التكلفة الرأسمالية أعلى من نظيراتها الأمريكية والأوروبية.
  • تكلفة العمالة والتشغيل عالية وليست منخفضة بصورة كبيرة عن مثيلاتها العالمية.
  • تكلفة النقل للأسواق العالمية وخاصةً لأمريكا وأوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا عالية جدًّا.
  • الضريبة الجمركية في معظم الأسواق الدولية تصل إلى ٦،٥٪؜، وهي نسبة كبيرة.
  • تكلفة التسويق.
  • للأسف، ومعظم الناس لا تعرف أن معظم مصانع البتروكيماويات يكون اللقيم لها غاز الإيثان وهو الأرخص، وغاز البروبان وهو أعلى سعرًا؛ مما يزيد من تكلفة الإنتاج بشكل كبير جدًّا.

والواقع أن سياسة سابك التسعيرية وبالتالي الشركات الأخرى للسوق المحلي غير مُشجِّعة إطلاقًا لنشوء صناعات تحويلية تستطيع المنافسة.

وعقَّب أ. محمد الدندني بأنه ليس من العيب أو الخطأ أن يتم دعم أسعار اللقيم بشرط تعويض الدولة ممثلة في أرامكو بكل التخفيض أو جزء كبير منه؛ بسبب أن الدولة ليست المالكة بنسبة 100% لمصانع سابك، حيث يوجد مساهمون إما من الداخل أو شراكات أجنبية.

بينما اختلف أ. جمال ملائكة مع ذلك، وذهب إلى أن هذا خطأ فادح جدًّا، فهناك دول عديدة يمكن أن تُقيم دعاوى علينا بداعي “الدعم”، ومن عواقب الدعم الخطيرة أن المنافسين العالميين سيحاولون تحجيم الصناعات البتروكيماوية السعودية بداعي “الدعم”. علينا الدفاع عن مصالحنا، وتبيان أن السعر السعودي للصناعات البتروكيماوية ليس دعمًا.

في حين ذهب د. حمد البريثن إلى أن هنالك طرقًا كثيرة غير مباشرة للدعم. كما ترى د. عائشة الأحمدي أن ازدهار الصناعات في بداياتها تتطلب الدعم، حتى تستغني عن هذا الدعم بتخفيض كلفتها التشغيلية، وهذا ما هو قائم في كثير من الصناعات، وكمثال الدعم الذي قُدِّم للصناعات الغذائية، وهو ما ساعد في نهوضها، لترفع الدولة عنها يدَ الرعاية والدعم.

أما م. سالم المري فيرى أن المطلوب هو شركة وطنية منفصلة عن أرامكو مثل سابك، تستلم الخام وتقوم بتصنيعه وتتولى بيع المنتجات في الأسواق العالمية، في حين تبقى أرامكو كما هي تُنتج الخام. وهذا التحوُّل كفيلٌ بفتح عدد مهول من الوظائف، وتوطين التكنولوجيا المتقدمة، وضمان سعر مُجزٍ للنفط، أما بيع البرميل بأقل من سعر حذاء صيني أو ماليزي فخسارة واستنزاف للثروة الوطنية.

وأضافت د. عائشة الأحمدي أنه لا أحد يُنكر دور أرامكو في الصناعة النفطية، وهي ما يُسند إليها جزءٌ كبير من نشر ثقافة المجتمعات المتحضرة في البنية الثقافية للمجتمع السعودي، ومع ذلك فاليوم هناك حاجة حقيقية لرفع يدها عن الصناعة الأخرى التي يكون النفط جزءًا أساسيًّا فيها، ويكاد هذا المطلب أن يكون مُلِحًّا في هذه المرحلة.

ومن وجهة نظر م. إبراهيم ناظر، فإنه وبجانب ما تتمتع به المملكة من ميزات نسبية واقتصادية في إنتاج النفط، وحنكة سياسية خلال الستين عامًا الماضية؛ فقد اعتمدت شركة أرامكو إستراتيجية تسويقية فعَّالة منذ السبعينيات الميلادية في تحقيق التكامل بين قطاعي التنقيب والإنتاج، والتكرير والمعالجة والتسويق، الذي يتيح التكامل الإستراتيجي بين قطاعي التنقيب والإنتاج، والتكرير والمعالجة والتسويق في أرامكو؛ لضمان الطلب على النفط الخام من خلال شبكة المنافذ المخصصة والمكوَّنة من المصافي المحلية والدولية المملوكة بالكامل للشركة والمصافي المنتسبة لها، وتشمل زيوت التشحيم، وأعمال البيع بالتجزئة. ويعَدُّ قطاع التكرير والمعالجة والتسويق العميلَ الوحيد والأكبر للنفط الخام الناتج عن قطاع التنقيب والإنتاج في أرامكو، إذ يستهلك هذا القطاع 38% من إجمالي إنتاج النفط الخام خلال عام 2019. وتتولى أرامكو السعودية – من خلال قطاع التنقيب والإنتاج – إنتاج كامل النفط الخام الذي يُنقَلُ إلى المصافي المحلية التابعة لأرامكو السعودية والمملوكة لها بالكامل، والتي تتولى بدورها معالجته وتكريره داخل المملكة، كما تُوِّرد الشركة معظم النفط الخام للمصافي الدولية التابعة لها والمملوكة لها بالكامل. وثمة فرصة فريدة لأرامكو السعودية تجعلها المورد الحصري للمنتجات المكررة إلى السوق المحلية الكبيرة. وإلى جانب تركيز أرامكو السعودية على السوق المحلية، ينصبُّ تركيزها كذلك على تنفيذ مشاريع استثمارية في مجال التكرير والمعالجة والتسويق في الأسواق سريعة النمو، بما في ذلك الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا، والأسواق ذات الطلب الكبير مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والدول التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على استيراد النفط الخام، مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وتملك أرامكو كذلك أعمالًا متكاملةً للبتروكيميائيات ضمن قطاع التكرير والمعالجة والتسويق، ضمن سلسلة القيمة الهيدروكربونية. ويمتد نطاق أعمال الشركة في مجال الكيميائيات من إنتاج المواد الكيميائية الأساس، مثل المركبات العطرية والأوليفينات والبولي أوليفينات، وصولاً إلى المنتجات الأكثر تطوُّرًا، مثل: مركبات البوليول، والإيزوسيانات، والمطاط الصناعي. وبموجب عملية الاستحواذ المقترحة على حصة حقوق ملكية صندوق الاستثمارات العامة البالغة 70 % في شركة سابك، حصلت أرامكو السعودية على ترخيص غير مشروط في جميع البلدان التي تشترط إصدار تصاريح مكافحة احتكار مسبقة. ومن المتوقع إتمامها خلال النصف الأول من عام 2020. وبعد عملية الاستحواذ، ستوسِّع أرامكو نطاق أعمالها في قطاع الكيميائيات ليشمل أكثر من 50 دولة حول العالم، وستُنتج مجموعة واسعة من المواد الكيميائية؛ تشمل الإثيلين، وغلايكول الإثيلين، وأُكسيد الإثيلين، والميثانول، وغاز الميثيل ثلاثي البيوتيل الأثيري، والبولي إثيلين، والمواد البلاستيكية المستخدمة في التطبيقات الهندسية ومشتقاتها، إلى جانب غيرها من المنتجات. وترى أرامكو السعودية أنه من خلال الاستحواذ على حصة أغلبية في سابك، فإنها ستُعزِّز إستراتيجيتها التي تهدف إلى زيادة حصة إنتاج البتروكيميائيات ضمن مجموعة أعمالها في قطاع التكرير والمعالجة والتسويق، وستدعم طموحاتها التوسعية في هذا القطاع، مما يُؤمِّن للمملكة قنوات تسويق لخام النفط، ويُنوِّع الدخل.

في حين أوضح د. رياض نجم أن خطة أرامكو لتزويد مصافي التكرير على مستوى العالم تُقلل من الاعتماد على بيع النفط الخام، لكن إذا انخفض الطلب على هذه المنتجات في وسائل النقل مثلاً، وبشكل متسارع (وهو الحاصل مع زيادة استخدام السيارات الكهربائية)؛ فإن الطلب على هذه المنتجات سيقلُّ أيضًا. والحل هو في التوسُّع في الصناعات التحويلية والبتروكيماويات من النفط، حتى لو تطلب ذلك استثمارات رأسمالية إضافية.

أما أ. عاصم العيسى فركَّز في تحليله على النقاط التالية:

  • أولًا: الدرس عبر التاريخ أن البقاء للأقوى، والمملكة لديها هذه السلعة الثمينة، سلاحًا واستثمارًا ودخلًا، ومن المهم تعزيز قوته، ومن ذلك أن يكون لدينا النفط وبدائله، فنستثمر هذا وذاك؛ فنستفيد في ارتفاع الأسعار، ولا نتضرر في حال الهبوط. ولعل أهم البدائل المناسبة لاقتصاد المملكة، هو ما ارتبط من صناعات بالنفط، للميزة التنافسية التي نملكها، وقد نجحت سابك، ونحتاج لمثلها عشرات، هنا نكون قوة مستمرة متوازنة.
  • ثانيًا: استخدام هذه السلعة كقوة تفاوضية عالية مع الدول، فنحن دولة مُصدِّرة للنفط مُستورِدة للعديد من السلع؛ لذا من المهم التفاوض في تحالفات تجارية، مع دول نستورد منهم سلعًا مقابل بيعهم النفط.
  • ثالثًا: ثمة تساؤلان مهمان؛ الأول: هل لدى المملكة عقود طويلة الأجل مُلزمة مع بعض الدول والشركات لبيع النفط لهم؟ بحيث نحافظ على الاستمرارية في عقود طويلة لا تتأثر بتغيرات المراحل؟ أما التساؤل الثاني فينطلق من أن السعودية ساهمت في زيادة العرض فانخفض السعر، والسؤال: ما هي الوسائل التي نستطيع بها زيادة السعر؟

ومن ناحيته، يرى م. سالم المري أن أحد الطرق لزيادة السعر هو التوجُّه لتصنيع البترول وتعظيم القيمة المضافة بدلاً من تصديره خامًا. وبدوره أكد أ. عاصم العيسى على أن التحدي كبيرٌ، والتصوُّر أن موضوع النفط مرتبط بالسياسة والعلاقات الدولية وثقل الدول الكبرى ارتباطًا لا ينفك.

  • التحديات في مجال الصناعات التحويلية المعتمدة على النفط:

تناول أ. جمال ملائكة التحديات في مجال الصناعات التحويلية المعتمدة على النفط، حيث ذكر أن هناك تحدياتٍ كبيرة تواجه السعودية في هذا الأمر، وتحتاج إلى جهود كبيرة وتخصيص موارد معتبرة، ووضع خطة مُحكَمة للوصول إلى هذا الهدف. حاليًّا، هناك مشكلتان تواجهان السعودية في هذا المجال:

  • حتى اليوم لا توجد تقنية “مبرهنة / ناجحة” لإنتاج مواد بتروكيماوية مُستخدِمةً النفط كلقيم. هناك جهود هنا وهناك ولكن لم يثبت نجاعتها فنيًّا، والأهم اقتصاديًّا. والتوصية هي أنه لا بد، بل هو واجب علينا النجاح في التوصل إلى تقنية ناجحة لتحويل النفط إلى بتروكيماويات إمَّا من خلال:
  • الاستحواذ على مراكز أبحاث “عالمية” متخصصة في تحويل النفط إلى بتروكيماويات أو متخصصة في أبحاث مشابهة ودعمها بالخطط الإستراتيجية والدعم المالي والإداري.
  • تطوير مراكز الأبحاث المحلية ودعمها بالكوادر العالمية والمحلية ودعمها بالكامل.
  • الوصول إلى “معادلة سعرية” للنفط المستخدم كلقيم، مما يُمكِّن المصنِّعين من تحقيق أرباح “دون” التعرُّض لمعارضة عالمية لاعتبار ذلك نوعًا من أنواع “الدعم”.

إن مستقبل النفط واستخدامه في الطاقة وسعره يكتنفه الكثير من الغموض والنظريات المتضاربة؛ لذلك علينا اعتبار نجاحنا في تحويل النفط إلى مواد بتروكيماوية أولوية وطنية وهدفًا إستراتيجيًّا لا يمكن الحياد عنه. والواقع أن تحويل النفط إلى بتروكيماويات يُحقِّق أهدافًا إستراتيجية، منها:

  • ضمان إيجاد استخدامات بديلة للنفط في حال تواصلت الجهود العالمية لتقليل استخدامه في الطاقة.
  • دخول استثمارات عالمية ومحلية في صناعات تحويلية ضخمة ومتعددة مُستخدِمةً النفط كلقيم.
  • خلق وظائف للمواطنين.
  • نقل التقنية وتوطينها وتطويرها.
  • زيادة القيمة المضافة بشكل كبير.
  • تحويل المملكة إلى منصة (Hub) للصناعات التحويلية المعتمدة على النفط.

وأكد أ. محمد الدندني أنه لا مجال للشك بأن النفط أمامه تحديات كبيرة؛ زيادة الإنتاج وقلة الطلب مع الطاقة البديلة بغض النظر عن نسبة ما ستأخذ الطاقة البديلة. تحديات البيئة والتغيُّر المناخي وهذه أقل تأثيرًا، وبصفة عامة، فإن الاعتماد على سلعة واحدة بغض النظر عن أهميتها. السؤال المحوري: هل الصناعات التحويلية هي أحد الحلول الرئيسية للمحافظة على مستوى البلاد الاقتصادي، وإنْ كان هذا هو الاتجاه، فما هو البزنس موديل الذي يُقلل من ضخامة الاستثمارات وتقليل المخاطر؟ فالاستثمارات عالية في هذا المجال، كيف نُوازن بينها وبين مصادر أخرى للدخل كالتعدين، والتي أيضًا تحوي صناعات تحويلية ضخمة؟

وبدوره أشار أ. جمال ملائكة إلى أنه لو نظرنا إلى الصين كمثال، نجدها تأخذ منتجاتنا ومنتجات غيرنا من البتروكيماويات، ثم تقوم بتحويلها لمنتجات نهائية بأسعار عالية. كما أن عملية تحويل النفط والغاز إلى منتجات صناعية هي البديل المتاح في حال تدهور الطلب على النفط. ولا شك أن الصناعة هي العمود الفقري لأي دولة بجانب مواردها وخدماتها الأخرى.

وتساءل د. حميد الشايجي: بما أن الصينيين قادرون على تحويل المنتجات البتروكيماوية إلى منتجات نهائية عالية الثمن، فلماذا لا تحذو حذوهم الدول المنتجة للبترول فتُحقِّق أرباحًا مضاعفة بدلاً من بيع البترول خامًا؟ هل هناك معوقات تحول دون إنشاء مثل هذه الصناعات التحويلية؟

وأوضح أ. جمال ملائكة أن الصين لديها إستراتيجية متكاملة للتصنيع، وللأسف غيرها لا يوجد لديه ذلك. كما أن الصين تتمتع بـ”كثافة” إنتاج لكل مصنع تقلل من التكلفة الثابتة لكل طن/مُنتَج نهائي، وهذا ينطبق على سلسلة المواد، كذلك مما يقلل التكاليف لأقل حد ممكن. كما أن لديها قدرات تطويرية وبحثية ضخمة وعمالة منخفضة التكاليف. لذلك، نحن نستخدم ” الميزة النسبية” لدينا، وهي توفُّر المواد الخام، وسياسة التسعير (المشار إليها في موضع سابق)، كما أن علينا التوصل لاتفاقيات تجارة حرة مع أوروبا وغيرها؛ وباختصار، فإنه لا بد من إستراتيجية متكاملة.

وأضاف أ. جمال ملائكة أن هناك موضوعًا مرتبطًا بتحويل النفط إلى بتروكيماويات، وبالتالي نشوء صناعات تحويلية تقوم على منتجات البتروكيماويات. فحاليًّا تستخدم الشركات البتروكيماوية الرئيسة على غرار سابك الغاز كلقيم أساس لهذه الصناعات. وللأسف الشديد، فإن السياسة التسعيرية التي تتبعها هذه الشركات لبيع منتجاتها في السوق السعودي هي سياسة لن تؤديَ للوصول للأهداف التي تعول عليها الحكومة لتشجيع الاستثمارات في الصناعات التحويلية، وزيادة نسب التوطين، وتنويع مصادر الدخل، ورفع القيمة المضافة، ونقل التقنية للمملكة. وهناك إحجام من المستثمرين لتوطين صناعات تحويلية ضخمة، وخاصةً ذات التقنيات المتقدمة لعدة أسباب:

  • عدم وجود أسواق في المملكة لامتصاص جزء كبير على الأقل من هذه المنتجات التحويلية، لصغر حجم السوق المحلي والإقليمي؛ وبالتالي يصبح التصدير للأسواق العالمية أمرًا حتميًّا.
  • تكاليف التصدير عالية جدًّا بسبب تكاليف الشحن والضرائب الجمركية والتخزين في الدول المستوردة، وتكاليف التسويق… إلخ.
  • نتيجة للعاملين (1، 2) ليس هناك أي حافز للمستثمر الأجنبي (وطبعًا المحلي) ليجلب أمواله وينقل تقنيته في ظل هذه التحديات القاتلة للاستثمار.

وعليه، لا بد – وهذا ليس ترفًا – أن تعدل الصناعات البتروكيماوية السعودية السياسة التسعيرية التي تتبعها لجعل الصناعات التحويلية جاذبة للاستثمار. وهناك سُبُل وطُرق لتجنُّب وصف ذلك بأنه دعم. المهم أنه حتى ننجح في تحويل المملكة إلى منصة لتصدير كميات هائلة من الصناعات التحويلية المعتمدة على النفط والغاز كخام بدلًا من تصدير النفط (أو جزء كبير منه) أو تصدير المنتجات البتروكيماوية الرئيسة كخام للمصانع التحويلية العالمية؛ فلا بد وبصورة رئيسة من وضع إستراتيجية متكاملة من ضمنها سياسة التسعير.

واتفق م. سالم المري مع ذلك، وأكد أيضًا على الحاجة إلى وضع إستراتيجية متكاملة قابلة للتطبيق والنجاح إذا كنَّا نُريد تحويل المملكة إلى منصة لتصدير منتجات الصناعة التحويلية المعتمدة على النفط والغاز بدلاً من تصديرهما خامًا، وبدلاً من تصدير المنتجات البتروكيماوية الرئيسية لمصانع الدول الأخرى كما تفعل سابك حاليًّا. وهذا أحد الحلول الممكنة والمنطقية لتعظيم القيمة المضافة، ولخلق الوظائف، وتوطين التكنولوجيا، والابتعاد عن تقلبات أسعار النفط الخام التي تُمليها متغيرات سوق الطاقة العالمي.

وفي تصُّور أ. محمد الدندني، فإنه لو تمَّ ربط الصناعة التحويلية من البتروكيماويات بالمنتج النهائي، أي وضع حلقة كاملة كلٌّ منفصلة كمركز ربحي مستقل لتفادي النقل والتعرفة الجمركية والمنافسة في المواد الأولية؛ تكون المنافسة في المنتج النهائي، وهنا يتم بناء شراكات في كل حلقة من السلسلة.

في حين يعتقد د. مساعد المحيا أن هناك الكثيرَ من التخوُّف بشأن مستقبل النفط، وبالتالي فإن الاستثمار في هذه الصناعات التحويلية وفي معامل التكرير المتعلقة بها لم يعُد خيارًا أوليًّا لدى الصناديق الاستثمارية الكبرى في العالم؛ إذ إن هذه الصناعات التحويلية النفطية مُكلِّفة ويُخشَى عند وجود بدائل غير نفطية أو ضعف الطلب على منتجاته أو نضوبه أن تُصبح هذه الاستثمارات غير مجدية.

وعقَّب د. رياض نجم على ذلك بأن الخوف من تقليل العالم الاعتماد على النفط في المستقبل هو كونه أحد مصادر الطاقة، وهناك مصادر أخرى بديلة. وبالتالي هذا التخوف ينطبق على مصافي تكرير المنتجات النفطية المختلفة. أما الصناعات التحويلية من النفط فهي مفيدة ومطلوبة في مجالات متعددة كمنتجات نهائية، لكن أمامها الصعوبات المشار إليها ضمن في بداية هذا المحور.

وفي ظن م. سالم المري، فإن المشكلة الأساسية التي تواجهها المملكة هو الحصول على سعر مُجدٍ ومستقر لبرميل النفط؛ لأن بيع النفط بأسعار متدنية هدر للثروة الوطنية، وفي الوقت نفسه يُسبِّب عجزًا للميزانية؛ ولذلك سيكون تصنيعه وبيعه كمنتجات نهائية أفضل بكثير من حيث العائد، وتوفير الأعمال، والتقدم التكنولوجي في مختلف المجالات.

وقد ناقش الأعضاء بعض الأفكار الأخرى:

  • العمل على تفعيل امتيازات الدول ذات العلاقات التجارية مع المملكة على تقديم نفس الامتيازات فيما يخصُّ منتجات المملكة سواء أكانت نفطية أو بتروكيميائية أو تحويلية أو غيرها.
  • العمل مع دول الخليج على توحيد الجهود في الصناعات النفطية تلافيًا للمنافسة غير المجدية، والاستفادة من مميزات كل دولة في علاقاتها البينية مع الدول الأخرى.
  • تقييم الجدوى الاستثمارية بين الاستثمار في النفط والغاز التقليدي داخل المملكة مقارنةً بالاستحواذ على احتياطيات تقليدية تكون مناسبةً جغرافيًّا لنقلها للمملكة.
  • الاستحواذ على الأسواق الواعدة في الدول الإفريقية.
  • مراجعة الاتفاقيات المعنية بالأمن البحري والتأمين وتسليم الشحنات النفطية وفق الأحداث الأمنية التي حدثت في بحر العرب. وكذلك تأخر الاستلام من العملاء بسبب جائحة كورونا.

 

  • التوصيات:
  • الشروع في عمل سياسة “متكاملة” لتحويل النفط إلى بتروكيماويات، ومن ضمنها الاستحواذ على مراكز أبحاث متمرسة في هذا النوع من الأبحاث، وتشجيع استثمار “هائل” في الصناعات التحويلية المعتمدة على صناعة البتروكيماويات الرئيسة (المُستخدِمة للغاز حاليًّا، والنفط في المستقبل)، ومن ضمن هذه السياسة سياسة تسعيرية ملائمة.
  • السعي الحثيث للوصول إلى اتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي تحديدًا (نظرًا لحجم سوقه وقُربه منَّا)، وتركيا (مستقبلًا) وبعض دول أمريكا اللاتينية.
  • تقييم آليات وأدوات السوق النفطية المعمول بها حاليًّا، وهي الطرق التقليدية لبيع النفط Wet Barrel، والنظر بجدية للعمل بأدوات السوق المستقبلية بأنواعها، كإحدى الطرق لتقليل المخاطر.
  • تطوير النقل (البحري والجوي والسكك الحديدية والشاحنات)، والاستحواذ على حصة أكبر في السوق العالمية والإقليمية؛ بالاستفادة من موقع المملكة الجغرافي وموانئها الجوية.
  • تطوير الصناعة المعتمدة على الطاقة، وتعظيم القيمة المضافة بالاستفادة من الكُلفة المنخفضة لإنتاج الطاقة.
  • العمل مع هيئات التنظيم المالي الدولية على الحد من حجم المضاربات في الأسواق المستقبلية وغيرها، لتقنين عمليات البيع الورقية للنفط paper barrel، والتي تتسبب في الارتفاعات والانخفاضات المفاجئة والكبيرة في الأسعار.
  • التوصل لاتفاقات عالمية لاستقرار السوق بتعاون كبار المنتجين بما في ذلك المنتجون في أمريكا الشمالية والدول المنضوية في اتفاق “أوبك بلاس”.
  • عقد اجتماع ثانٍ لوزراء الطاقة في مجموعة العشرين لمتابعة تفعيل مطالبتهم باستقرار سوق النفط، بما يساعد على التزام الأطراف كافة.
  • اشتراط تنمية المحتوى المحلي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة كشرط لمنح مخصصات لقيم وطاقة لشركات البتروكيماويات السلعية والشركات كثيفة استخدام الطاقة.
  • إيجاد حزمة من الحوافز لدخول الرياديين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة قطاع التصنيع القائم على الإبداع، وليس فقط على وفرة اللقيم؛ وعليه نقترح على الجهات المشرفة على القطاع الصناعي تأسيس “صندوق تجارب صناعي” manufacturing sand box.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

  • قضية “إعلاء المسؤولية الوطنية أثناء الأزمات”:
  • أ. فائزة العجروش
  • م. إبراهيم ناظر
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. خالد الرديعان
  • أ. عبد الله الضويحي
  • د. زياد الدريس
  • د. راشد العبد الكريم
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. فهد الحارثي
  • د. عبير برهمين
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. هند الخليفة
  • د. وفاء طيبة
  • أ. علياء البازعي
  • أ. فهد الأحمري
  • م. خالد العثمان
  • م. فاضل القرني
  • د. هناء المسلط
  • د. خالد بن دهيش
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • أ. محمد الدندني
  • أ. جمال ملائكة
  • د. نورة الصويان
  • أ. وليد الحارثي
  • أ. نبيل المبارك
  • أ. لاحم الناصر
  • أ. عاصم العيسى
  • قضية “التحديات التي تواجه الأسرة في ظل التغيُّرات المتسارعة (جائحة كورونا):
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. هناء المسلط
  • أ. لاحم الناصر
  • أ. فائزة العجروش
  • د. خالد الرديعان
  • د. رياض نجم
  • د. مها المنيف
  • م. فاضل القرني
  • د. هند الخليفة
  • د. عفاف الأنسي
  • د. وفاء طيبة
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. حميد الشايجي
  • د. نورة الصويان
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • أ. علياء البازعي
  • أ. مها عقيل
  • د. عبير برهمين
  • أ. محمد الدندني
  • قضية “التعليم عن بعد”:
  • د. مساعد المحيا
  • أ. فهد القاسم
  • أ. فائزة العجروش
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. خالد الرديعان
  • د. علي الحارثي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. نوال الضبيبان
  • د. هناء المسلط
  • أ. محمد الدندني
  • م. فاضل القرني
  • د. حميد الشايجي
  • د. وفاء طيبة
  • د. فوزية البكر
  • د. حامد الشراري
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. زياد الدريس
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • د. مها العيدان
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • د. الجازي الشبيكي
  • د. منصور المطيري
  • د. نورة الصويان
  • د. علي الطخيس
  • قضية “أوبك بلس بلس”:
  • د. عائشة الأحمدي
  • م. فاضل القرني
  • د. حمد البريثن
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • د. صدقة فاضل
  • د. رياض نجم
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • م. إبراهيم ناظر
  • د. حميد الشايجي
  • أ. عاصم العيسى
  • أ. محمد الدندني
  • د. مساعد المحيا

تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-62-لشهر-إبريل-2020-1.pdf