التقرير الشهري رقم (89) لشهر (سبتمبر) 2022

للاطلاع على التقرير وتحميله إضغط هنا

سبتمبر – 2022

تمهيد:

يعرض هذا التقرير قضية مهمة تمَّ طرحهم للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر سبتمبر 2022م، وناقشهم نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة؛ حيث تناولت القضية القضية الثالثة موضوع: النظام العالمي الجديد، ودور المملكة والعرب فيه، وأعد ورقتها الرئيسة د. صدقة فاضل، وعقب عليها كلُّ من أ. سالم اليامي، د. عبدالله العساف، وأدار الحوار حولها د. عادل القصادي.

 


 القضية الثالثة 

النظام العالمي الجديد، ودور المملكة والعرب فيه

(26/9/2022م)

  • الملخص التنفيذي.

تناولت هذه القضية النظام العالمي الجديد، ودور المملكة والعرب فيه، وأشار د. صدقة فاضل في الورقة الرئيسة إلى أن تصريحات بعض الزعماء، والمراقبين السياسيين، عما سيكون عليه “النظام العالمي”، أو “المنتظم العالمي”، بعد انتهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، تدفع للحديث عن هذا النظام، وآلية تغييره، وأهم تداعياته المتوقعة. ويبدو من المهم التأكيد على أن النظام العالمي لا يمكن أن يكون ثابتاً، فهو في حركة تغيير حتمية متواصلة. وهو لا ينشأ بالاتفاق، أو إبداء الرغبة في التغيير، بل يفرض نفسه، كأمر واقع. وبصفة عامة، هناك من يستفيد، وهناك من يتضرر.

بينما أكَّد أ. سالم اليامي في التعقيب الأول أن السؤال الجوهري الذي يتعين طرحه: هل المملكة قادرة على لعب دور مؤثر وفاعل ومفيد للمملكة في المقام الأول في النظام العالمي الآخذ في التشكل؟ الإجابة المباشرة والتي تحتاج لكثير من التفصيل هي “نعم”.

في حين ذكر د. عبدالله العساف في التعقيب الثاني أن الموقف السعودي للمساهمة الفاعلة في ميلاد النظام العالمي الجديد يدعمه عدد من النقاط التي تُحسَب كعوامل قوة، منها السياسية السعودية الخارجية التي أصبحت أكثر ديناميكية ورشاقة، والقوة السياسية والاقتصادية، فهي إحدى العشرين الكبار، إضافة إلى سيادة جو المصالحة والتعاون بين دول المنطقة، بعد تجربتها التنافر والقطيعة السياسية، بالإضافة لتشكيل كيان سياسي واقتصادي جديد – كيان البحر الأحمر وخليج عدن، ولكن تبقى عوامل أخرى قد تحد من الانطلاقة السعودية، ومنها أن بعض الدول العربية أصبحت في حكم الدولة الفاشلة، وانتشار الميلشيات المحيطة بنا.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • ملامح تشكل النظام العالمي الجديد والسيناريوهات المستقبلية.
  • الموقف السعودي وسياسة التعامل بندية مع الأقطاب الكبرى.
  • البريكس والنظام الدولي ودور الحرب الأوكرانية والخيارات السعودية.
  • المملكة وصياغة موقف خليجي ملائم من النظام العالمي الجديد.
  • آليات إفادة المملكة العربية السعودية من النظام العالمي الجديد.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • التوسع في إقامة ودعم مراكز الأبحاث والدراسات التي تركز على القضايا المهمة للمملكة، والنظر في تأسيس مركز دراسات للدول العظمى والكبرى، وتمكين هذه المراكز لتقدم التقارير والتوصيات العلمية والعملية المناسبة للجهات المعنية.
  • تفعيل وتنشيط وتطوير مراكز الدراسات الخاصة بأمريكا والصين وروسيا، التابعة لمعهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، التابع لوزارة الخارجية بالرياض.
  • تعزيز جهود المملكة لتحقيق التكامل الاقتصادي بخاصة مع الدول القريبة لها، والاستمرار في تقييم المواقف، أخذاً بالاعتبار الآثار المنشودة لالتزام الحياد الإيجابي تجاه كل الأقطاب.
  • استمرار العمل على تطوير صناعة الأسلحة بالمملكة وتسريع وتيرتها ومحاولة الاكتفاء ذاتياً، ولو جزئياً، من الأسلحة الدفاعية الضرورية.
  • دعم وحدة المخاطر الوطنية والنظر في توسيع أعمالها، لتؤدي أدوار مركز سعودي لإدارة الأزمات crisis management لتتولى التنسيق بين مختلف الأجهزة الحكومية لمعالجة أي أمر طارئ.
  • الورقة الرئيسة: د. صدقة فاضل

تدفع تصريحات بعض الزعماء، والمراقبين السياسيين، عما سيكون عليه “النظام العالمي”، أو “المنتظم العالمي”، بعد انتهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، للحديث عن هذا النظام، وآلية تغييره، وأهم تداعياته المتوقعة. ومن التصريحات المتعلقة بهذا الموضوع: التصريح الذي أدلى به مؤخراً الرئيس الروسي “فلاديمير بوتن”. حيث قال: “إننا نسير في الطريق إلى عالم متعدد الأقطاب. وهذا سيعنى استبدال النظام أحادي القطبية، الذي عفا عليه الزمن، بنظام جديد متعدد الأقطاب، قائم على المبادئ الأساسية للعدالة والمساواة”.

وفي بداية طرح هذه القضية للنقاش، لا بد أن نتطرق لمسألة تغير النظام العالمي، التي بات يترقبها خبراء السياسة والعلاقات الدولية في العالم. وربما يفوت على البعض أن النظام العالمي لا يمكن أن يكون ثابتاً، فهو في حركة تغيير حتمية متواصلة. وهو لا ينشأ بالاتفاق، أو إبداء الرغبة في التغيير، بل يفرض نفسه، كأمر واقع، شاء من شاء، وأبى من أبى. وهناك، كما سوف نرى، خمسة أنظمة عالمية رئيسة ممكنة. وكل نظام يختلف عن الآخر، من حيث ماهيته، وما ينتج عالمياً، وإقليمياً، عن قيامه، بالنسبة لأطراف العلاقات الدولية المختلفين، المعاصرين له، من أصدقاء ومعادين. وبصفة عامة، هناك من يستفيد، وهناك من يتضرر، باعتبار أن كثيراً من الأحداث السياسية ينطبق عليها القول بأن: “مصائب قوم عند قوم فوائد، وفوائد قوم عند آخرين، مصائب”.

ويعرف “النظام العالمي” (World Order) بأنه: “وضع القوة العالمي، بحيث يفرض الأقوى نفسه وهيمنته عنوة، إنه علاقات القوى والسيطرة فيما بين دول العالم، في وقت معين، أي توزع وتركز القوة والنفوذ والسيطرة الدولية، وطبيعة ذلك التوزيع، وما ينجم عنه من هيمنة وآثار، على أطراف العلاقات الدولية، ومجرياتها”.

والحديث عنه كمنتظم (System) الغرض منه تسهيل فهم هذا الواقع الدولي، الذي يؤثر، بشكل أو آخر، إيجاباً وسلباً، على كل أطراف العلاقات الدولية، وعلى مجريات الأحداث الدولية اليومية. وأكاديمياً، يعتبر “أداة تحليلية” تشرح، وتوضح، ظاهرة دولية عالمية كبرى. وهو أيضاً “مفهوم” علمي له عناصره الراسخة.

****

إن حتمية “التغيير” تصيب “النظام العالمي”، مثلما تلحق بأي واقع سياسي واجتماعي واقتصادي آخر، فظهور وتبلور نظام عالمي معين، يعني أن ذلك النظام قد جاء نتيجة لقانون التغيير والتطور، ليعقب نظاماً عالمياً غابراً… ويحل محله. ثم لا بد أن يحين الوقت الذي يُخلي النظام العالمي فيه المكان لنظام عالمي آخر… تبعاً لتغير توزيع القوة الدولية، بين أطراف العلاقات الدولية… وهكذا. وفي الواقع، فإن الفترة التي يستمر خلالها نظام عالمي ما، تختلف من نظام عالمي لآخر، تبعاً لتغير العوامل…التي تلد الأنظمة الإقليمية والعالمية، بل والمحلية. فالتفاوت في الاستمرارية ينتج عن التفاوت (الديناميكي/الحركي) في القوة، واختلاف وتنوع ظروف الأطراف المعنية، وظروف منافسيهم.

ونذكر أن هناك خمسة أنظمة (أو منتظمات) عالمية رئيسة ممكنة، هي:

  • نظام القطبية الثنائية المحكمة: حيث يسود قطبان، قبضتهما على العالم محكمة، وفي هذا المنتظم، يصعب على الدول الأقل قوة اتخاذ موقف الحياد.
  • نظام القطبية الثنائية الهشة: حيث يسود العالم قطبان، قبضتهما على العالم هشة، الأمر الذي يسمح لقوى ثالثة بهامش (كبير، نسبياً) من حرية التحرك، بما في ذلك الوقوف على الحياد.
  • نظام توازن القوى: وهنا توجد عدة تحالفات، وتكتلات دولية، شبه متنافرة، متساوية، أو شبه متساوية القوة، مما يردع كلاً منها عن مهاجمة الآخر، خشية التعرض لأضرار فادحة، فيبقى “السلام” بين هذه الأطراف، طالما لم يختل التوازن.
  • نظام القطب الواحد: حيث يسود العالم، خلال فترة محددة، قطب (دولة عظمى) واحد هو الأقوى، يفرض، إلى حد كبير، قيمه، ومصالحه، وتوجهاته.
  • نظام الأقطاب المتعددة: وهنا نجد أكثر من دولتين عظميين، تتحكم (إلى حد كبير وملموس) بمقاليد السياسة والعلاقات الدولية، خلال فترة معينة.

****

ويبدو أن المدة التي مكث خلالها النظام العالمي الراهن (نظام القطب الواحد/الولايات المتحدة) قد انتهت…إذ إن النظام العالمي الحالي (2023م) أخذ في التحول (عنوة) إلى نظام عالمي آخـــر…أما النظام العالمي الجديد، فهو: نظام الأقطاب المتعددة. وقد يستغرق “استتباب” نظام الأقطاب المتعددة هذا بعض الوقت (ربما 1-3 سنوات).

إن النظام العالمي الراهن، تغير، لعدة أسباب، لعل أهمها:

  • التدهــــور الاقتصادي النسبي، الذي تعــاني منه الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، والذي بدأ ينهك قوى أمريكا… ويضعف من نفوذها العالمي، بشكل متزايد- خاصة بعد أزمة كورونا العالمية.
  • وجود دول كبرى بدأت قوتها الاقتصادية والتقنية والعسكرية في الصعود والتزايد…الأمر الذي يؤكد تطور هذه الدول، لتصبح دولاً عظمى… تتنافس مع الولايات المتحدة، للتربع على قمة العالم الاقتصادية والسياسية.

وقد تحددت هذه الدول ـ تقريباً ـ وأصبح المراقبون يشهدون صعودها، إلى مكانة الدول العظمى، وهذه الدول هي: الصين، روسيا، بالإضافة إلى استمرار الولايات المتحدة، كدولة عظمى، لتكون قطباً، من عدة أقطاب. وبذلك، سيصبح هناك 3 دول عظمى (3 أقطاب). ونظراً لتفاوت قوة كل من هذه الدول، ستظل أميركا الدولة العظمى الأولى، والصين الثانية، بينما روسيا الثالثة… وسيتأكد تحول النظام العالمي الراهن إلى نظام الأقطاب المتعددة. ولن تستطيع الصين الاستمرار طويلاً في قمة العالم، إلا إذا انفتح نظامها السياسي أكثر، وسمحت بالتعدد الحزبي، ولن تستمر روسيا كذلك، إلا بالقيام بالمزيد من التنمية السياسية والتقنية، والاقتصادية، فلن يكفي كونها ثاني أقوى دول العالم عسكرياً، للاستمرار في القمة.

****

والمرجح ألا يشهد مستقبل العالم المنظور غير منتظم الأقطاب المتعددة المذكور، والذي قد يستمر لعقود قادمة، لعدة أسباب، لعل أهمها:

  • استبعاد ظهور نظــام “توازن قوي” (رقم 3) على المستوى العالمي.
  • ضعف احتمال انفراد دولتين (عظميين) فقط، بالسيطرة على السياسة الدولية، سواء سيطــرة هشة أو محكمة×=؛ وذلك لتصاعد قوة عدة دول، وتوافر الندية في مستوى القوة بينها، وهذا يحول دون ظهور المنتظمين (1 و2).
  • انحسار منتظم القطب الواحد (رقم 4) الذي يسود العالم في الوقت الراهن، للأسباب التي ذكرت أعلاه.

لهذه الأسباب، وغيرها، فإن النظام العالمي الجديد (خلال 1-3 سنوات من الآن) لن يكون سوى نظام التعدد القطبي (منتظم رقم 5).

****

والمرجح أيضاً، أن يكون كل قطب قادراً على تدمير الآخر… بما لديه من أسلحة دمار شامل، كما يتوقع أن يكون أساس العلاقات فيما بين الأقطاب القادمين، هو الصراع… لا التعاون. وبالطبع، لا بد من الصراع والتنافس، فالعلاقات الدولية هي ـ بطبيعتهاـ علاقات تتأرجح بين التعـــاون والصراع… وما بينهما، كما هو معروف؛ ولكن عدم قدرة أي قطب على التخلص من الآخر، دون أن يهلك هو، تُرغِم كل الأقطاب على أن يكون التعاون فيما بينهم هو المطلوب… وأن يُهمَّش الصراع، إلى أدنى درجة ممكنة. ورغم ذلك، يتوقع بعض المراقبين أن يوجد تحالف استراتيجي بين روسيا والصين، لمواجهة خطر مشترك (الولايات المتحدة) سيما وأنه يسود التعاون الآن في العلاقات بين الصين وروسيا.

وقد يحاول الأقطاب الاتفاق على أسلوب التحرك دولياً… وربما الاتفاق على “توزيع” مناطق النفوذ، وعدم السماح لأي طرف أصغر، بجرهم إلى صراعات ساخنة مدمرة. كما يتوقع أن ينصب التنافس فيما بين الأقطاب القادمين، على عمليات التنمية الاقتصادية والعلمية والتقنية، ومحاولات السيطرة (السياسية) على مصادر الطاقة، والمواد الخام، خاصة في دول العالم النامي. وتلك من التفاصيل التي “تنبأ” بها هنري كيسنجر، وغيره من علماء العلاقات الدولية العالميين.

نعم، بدأ العالم يسود فيه نظام “التعدد القطبي”، رغم استمرار القطب الأمريكي (الوحيد سابقاً) في المركز الأول. هناك الآن ثلاث قوى عظمى: أمريكا، الصين، روسيا. إن العلاقات فيما بين الأقطاب كثيراً ما تحدد وضع السلام، أو الحروب، في العالم، وفي أقاليمه الهامة، والتحليل الموجز للعلاقات الآن فيما بين هؤلاء الأقطاب، يكشف أن الصراع يسود العلاقات الأمريكية – الروسية، وكذلك العلاقات الأمريكية – الصينية. أما العلاقات الصينية – الروسية، فيسود فيها التعاون على الصراع. وهذا ما يدفع بعض المراقبين لتوقع قيام تحالف صيني- روسي، ضد عدو عتيد مشترك، هو أمريكا/ ناتو، كما أشرنا آنفاً.

****

النظام العالمي الجديد والمنطقة العربية (الشرق الأوسط):

لو تساءلنا، لمجرد الجدل: ما هو أفضل “نظام عالمي”…؟! هنا، لا بد أن نسأل من يسألنا: بالنسبة لمن…؟! فلا بد من “تحديد” الطرف المعني، للإجابة السليمة على هذا التساؤل. وذلك أخذاً في الاعتبار قاعدة أن: “مصائب قوم، عند قوم فوائد، وفوائد قوم عند آخرين، مصائب”… فنظام عالمي معين قد يكون لصالح الطرف “أ”، ولكنه لطالح الطرف “ب “، في ذات الوقت. لذلك، وعند الإجابة المنطقية على هذا السؤال، يمكن أن نقول (مثلاً): أن أفضل نظام عالمي، بالنسبة لنا كعرب سعوديين، هو أن تكون بلادنا العزيزة (المملكة العربية السعودية) هي القطب الوحيد، لنعش عصرنا الذهبي، تماماً كما حصل للأمريكيين، في الفترة 1991- 2022م. فإن لم يكن، فدولة عربية إسلامية شقيقة، فإن لم يكن فدولة صديقة بحق، تحترم حقوق الآخرين، وحقوق الإنسان بالفعل، فإن لم يكن، فنظام عالمي متعدد الأقطاب… وهكذا. ونفس المنطق ينطبق في حالة التساؤل عن “أسوأ” نظام عالمي.

وحتى الآن، ما زالت أمريكا (وربيبتها إسرائيل) هي الأقوى نفوذاً وهيمنة بالمنطقة العربية، وعلى المنطقة أن تدرك الآن أن للولايات المتحدة، منافسين أنداداً، يريدون أن يشاركوا أمريكا في “كعكة” المنطقة. فالصين خاصة بحاجة ماسة لنفط وغاز المنطقة. وتهتم روسيا بالمنطقة، لعدة أسباب، أهمها: قربها من روسيا، وإمكانية الحصول فيها على موانئ دافئة، مثل ما حصلت عليه في طرطوس السورية، ولكون المنطقة مهمة لأمريكا، وبقية القوى الكبرى.

أصبحت الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً من النفط والغاز، وبالتالي لم تعد في حاجة مباشرة لهما. ولكنها تظل مصرة على التحكم في انسيابه لأصدقائها وأعدائها، والاستفادة من عوائده، قدر الإمكان. ولذلك، ستبقى أمريكا بالمنطقة، ولكن بزخم أقل، و”شروط” أشد. وستركز إمكاناتها العسكرية والدبلوماسية، من الآن وصاعداً، على المحيطين الهندي والهادي، الملاصقين للصين، بل وعلى “بحر الصين” نفسه. ثم أوروبا وشمال الأطلسي، ثم منطقة الشرق الأوسط. والأقطاب العمالقة الثلاثة باقون، كلاعبين أساسيين على الساحتين العالمية، والإقليمية. وسيشتد تنافسهم على هذه المنطقة، الهامة جداً لثلاثتهم، وربما بنفس القدر لكل منهم.

إن مجرد تواجد الصين بالمنطقة، بهذا الزخم الاقتصادي، يثير التوتر مع بعض القوى الدولية، وبخاصة الولايات المتحدة. ويبدو أن اللعبة الصينية – الأمريكية بمنطقة الخليج نتيجتها غالباً “صفرية”. فما تكسبه الصين بالمنطقة، تخسره أميركا، والعكس صحيح. ويتوقع أن يتفاقم هذا التوتر كلما توثقت علاقات الصين بدول المنطقة، واستتب نفوذها، الأمر الذي قد يدفع لحصول بعض الاحتمالات الصراعية الجذرية، في مسار السياسة الدولية بالمنطقة العربية، ومن ذلك قيام تحالف صيني- روسي، يقلب توازن القوى بالمنطقة، والعالم، رأساً على عقب.

****

ومهما كانت العلاقات فيما بين هذه الأقطاب، أو علاقة كل منها بدول المنطقة، فإن أهل المنطقة، شعوباً وحكومات، هم المسؤولون الأساسيون عن حماية أمن واستقرار واستقلال وتطور بلادهم، إذ عليهم، دائماً ومهما كان وضع النظام العالمي السائد، أن يعملوا بجد وإخلاص وصدق لتقوية الذات، خاصة عبر “تطبيع” أوضاعهم السياسية، والتضامن (التكامل/ الاتحاد) البيني، لأقصى حد ممكن، ليضمنوا بقاءهم واقفين… دون الحاجة الملحة لإسناد من هذه الدولة العظمى، أو تلك. وإن من أهم وسائل حماية المصالح الوطنية، هي التنمية الإيجابية في كل المجالات، والتعاون والتكامل الإقليمي، خاصة إنْ تأكد وجود مصالح، وأخطار، مشتركة، كما هو الحال بالنسبة للعرب.

إنَّ من مصلحة المملكة، بل والعرب (كأمة) أن يتحول المنتظم الدولي الحالي إلى نظام التعدد القطبي.. إذ إن ذلك سيسهل التحلل قليلاً من ربقة بعض الأقطاب، ومن سياساتها السلبية…عبر إمكانية الاستعانة (الحذرة) بالأقطاب الأخرى، في التصدي للمناورات المعروفة للأقطاب المؤذية للمصلحة الوطنية والعربية العليا. وإن من المؤكد، أن تضامن واتحاد العرب – إن حدث- سيجعل منهم قوة هامة، في أي نظام عالمي… وبصرف النظر عن ماهية ذلك النظام، وطبيعة وسياسات المسيطرين فيه. فاتحادهم (أو التكامل الحقيقي فيما بينهم)، سيجعل منهم كياناً له سطوة وثقل الدولة الكبرى، إن لم نقل العظمى.

والمعروف أن “الدولة الكبرى”، تكون أقرب لمنزلة ونفوذ “الدولة العظمى”، من غيرها، كما أن “الدولة الكبرى”، أقدرـ في أي نظام عالمي ـ على حماية مصالحها، وتحقيق أهدافها العليا، من الدولة المتوسطة والصغرى والدويلات. تلك هي إحدى حقائق وثوابت العلاقات الدولية على مر العصور، وفي ظل الأحوال والمتغيرات والأنظمة العالمية المختلفة.

****

السعودية وأميركا: علاقات متجددة تخدم المصالح المشتركة:

أُسست المملكة العربية السعودية، وأعلنت كدولة حديثة، يوم 23 سبتمبر 1932م. وتأسست الولايات المتحدة الأمريكية يوم 4 يوليو 1776م. ومع مرور الوقت، وتفجر النفط بالسعودية، أصبح بين الدولتين علاقات وطيدة، ومتشعبة، ووثيقة، رغم التباعد الجغرافي الكبير بينهما، وصلت لدرجة التحالف الاستراتيجي الضمني. ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية، اعترفت بها الدول الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا والاتحاد السوفييتي. ثم اعترفت بها الولايات المتحدة رسمياً عام 1933م. وفي نفس العام، تم إبرام اتفاقية امتياز التنقيب عن النفط واستخراجه، والتي بموجبها منحت شركة “ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا” (Standard Oil of California) حق التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية من المملكة، مقابل إعطاء الحكومة السعودية مبلغ 53000 دولار، وتحمل تكاليف ورسوم الامتياز. وتم التوقيع، عام 1933م أيضاً، على اتفاقية بين البلدين، لعلاقة الدولة المفضلة.

كانت العلاقة بين البلدين، في البدء، محدودة. حتى إن أميركا كانت تدير هذه العلاقات عبر سفارتها في مصر. ففي عام 1930م، أرسلت وزارة الخارجية الأمريكية معاون الملحق التجاري بالإسكندرية (رالف تشيزبروف) إلى جدة لاستطلاع الأوضاع، والنظر في إمكانية دعم هذه العلاقات؛ ولكن منذ عام 1933م، بدأت هذه العلاقات تنطلق نحو آفاق أوسع. وبدأت شركات النفط الأمريكية العاملة بالسعودية (الشركة الأولى، وما انضم إليها من شركات أخرى) تطالب الحكومة الأمريكية بدعم العلاقات مع السعودية، لحماية مصالحها، عبر تعزيز الوجود الأمريكي، وضمان تدفق النفط السعودي للولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1943م، بدأ استخراج النفط يتزايد، وبكميات تجارية غير مسبوقة، وتولت “أرامكو” (شركة الزيت العربية الأمريكية) التي تأسست عام 1933م، من شركة “ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا”، وشركاؤها، تصدير النفط السعودي، ومشتقاته، الذي وصلت كمية المنتج منه، في عام 1943م، خمسة ملايين برميل سنوياً.

****

وفي عام 1943م أيضاً، عينت أمريكا أول قائم بالأعمال لها في جدة. وبدأت المملكة تصبح ذات أهمية كبيرة لأميركا، ابتداءً من أربعينيات القرن الماضي. وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، تأكد أن النفط السعودي قد أضحى ذا أهمية بالغة للولايات المتحدة الأمريكية، وللعالم ككل. وهذا دفع أميركا لتوثيق علاقاتها بالسعودية. وعبَّر عن هذا الاهتمام المتصاعد، وهذه الأهمية المتنامية، الرئيس الأمريكي “فرانكلين دي روزفلت”، يوم 16 فبراير 1943م، إذ قال: “إن الدفاع عن السعودية أمر أساسي للدفاع عن الولايات المتحدة”.

وحصلت النقلة النوعية الأكبر في العلاقات السعودية-الأمريكية، صباح يوم 14 فبراير 1945م، عندما التقى “فرانكلين روزفلت” بالملك عبد العزيز آل سعود، يرحمه الله، على متن حاملة الطائرات الأمريكية “يو اس كوينسي”، في البحيرات المرة، لمدة خمس ساعات، واتفقا على دعم العلاقات الثنائية، بين البلدين، واتخاذ مواقف موحدة تجاه بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك.

لقد تأسست هذه العلاقات رسمياً سنة 1933م. وفي عام 1944م، فتحت السفارة الأمريكية لدى السعودية، لأول مرة، في مدينة جدة. ثم انتقلت إلى الرياض عام 1984م، مع ثلاث قنصليات أمريكية في كل من جدة والرياض والظهران. وبلغت هذه العلاقات إحدى ذرواتها، عندما زار الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترمب” السعودية، في مايو 2017م. وكانت أول رحلة خارجية له، بعد أن أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. كما زار الرئيس الأمريكي الحالي “جوزيف بايدن” السعودية، في شهر يوليو 2022م، وناقش مع قيادتها العلاقات الثنائية وسبل دعمها أكثر، وبعض القضايا ذات الاهتمام المشترك. وحضر مؤتمراً ضم أمريكا، ودول مجلس التعاون الخليجي، إضافة لكل من مصر والأردن والعراق. وقد وصف وزير الخارجية الأمريكي الحالي “أنتوني بلينكن” هذه العلاقات بأنها: “علاقة وشراكة مهمة جداً، تربط الولايات المتحدة بالسعودية”. إنها، بالفعل، علاقات وطيدة، ووثيقة بين حكومتي البلدين، وفي كل المجالات، وخاصة: السياسية والاستراتيجية والأمنية، والعسكرية والاقتصادية، والاجتماعية، بما فيها التعليمية والثقافية.

****

لقد استفادت المملكة العربية السعودية من علم وتقنية ومساعدة أميركا، وغيرها، وتمكنت من الشروع في تنمية كبرى شاملة لشعبها وبلدها، تمولها عائدات النفط، نقلت هذا البلد إلى مصافي الدول المزدهرة، التي تتقدم يوماً بعد يوم. كما استعانت السعودية بأميركا في الدفاع عن نفسها، وتقوية وتحديث جيشها، وتزويده بأحدث الأسلحة. إضافة إلى العمل المشترك لضمان أمن واستقرار المنطقة، وفي المقابل، ساهمت السعودية في تحقيق معظم أهداف السياسة الأمريكية تجاه المنطقة والعالم، مع الحرص على الالتزام باستقلالها، وبمبادئها وقيمها، وثوابت سياساتها، وانتمائها العربي، والإسلامي. ومن ذلك، إصرار المملكة على دعم الشعب العربي الفلسطيني، وضمان حقوقه في أرضه، ومطالبتها المتواصلة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967م، بعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.  ومعروف، أن السعودية هي مصدر ما يسمى بـ “مبادرة السلام العربية”، التي أصبحت مبادرة عربية، وإسلامية، مطروحة من قبل العرب، بعد إقرارها في مؤتمر القمة العربي المنعقد في بيروت عام 2002م. وهي تشبه تماماً مبدأ “حل الدولتين” الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة، وأيدته معظم دول العالم.

ومن المتوقع، استمرار هذه العلاقات الوثيقة، وتطورها، وازدهارها، في ظل النظام العالمي الجديد، طالما بقيت المصالح المشتركة بين الجانبين، قائمة ومتنامية. ويبدو أن النظام العالمي الجديد يتيح للمملكة فرصة “تعظيم” إيجابيات هذه العلاقة، بالنسبة لها، و”تقليص” ما لها من سلبيات معروفة. فهامش المناورة، في النظام الجديد، أصبح أوسع… أمام الدول الأقل قوة.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. سالم اليامي

يغلب في الفترة الأخيرة وبعد التطورات الدراماتيكية التي شهدها الكوكب وفي طليعتها جائحة كورونا ثم نشوب الحرب الروسية في أوكرانيا وإضافة نتائج هذا الصراع السلبية إلى النتائج التي لم يتعافَ منها العالم وأعني بها مشاكل التراجع في النمو الاقتصادي بسبب جائحة كورونا، كل ذلك أحدث اختلالاً كبيراً في النظرة الدولية لعناصر القوة وتوزيعها واستخدامها بين القوى التقليدية.

مهم في الورقة المقدمة للنقاش التطرق للأمور الأساسية التالية:

  • الأول: أن التغير طبيعة كونية، وهو حادث لا محالة في كل شيء تقريباً في حياة البشر، ومن ضمن التغيرات في النظام الدولي الذي يعني في أحد أوجهه الإشارة إلى تركز القوة والتأثير في دولة ما والتأثير بها على تعظيم مصالحها في مواجهة مصالح الآخرين.
  • الثاني: ضرورة التأكيد على أن صيرورة العلاقات الدولية تقوم على التعاون والصراع، وهذه هي النواة الأولى للعمل الدولي، والمهم إدراك أنها ستستمر وباقية في كل أشكال وتحولات الشكل العام للنظام وماهيته.
  • الثالث: تلمس حالة شبه الإجماع في الرأي على أن التحولات المحتملة في شكل وماهية النظام الدولي تحوله إلى التعددية القطبية، بمعنى بقاء طرف قديم في المقدمة “الولايات المتحدة الأمريكية” وبروز قطبين جديدين “الصين” و”روسيا”، وستعتمد درجة القطبية في هذا النظام أكانت مُحكَمة أم هشة على الأدوار المتوقعة لهذه الأطراف، والمتوقع أن يشكل التعاون وربما التحالف الصيني الروسي درجة واضحة من الاستقطاب بناءً على تعاون الطرفين.

دور المملكة العربية السعودية في النظام العالمي الجديد

من الأمور المهمة لمناقشة هذه الفكرة معالجتها من زاويتين:

  • الزاوية الأولى: محاولة تجسيد أو تلمس طبيعة الدور السعودي من خلال انبثاقه في إطار المنظومة العربية. وهذا الموضوع في تقديرنا يحتاج إلى بنية عربية سياسية واقتصادية وربما تنموية سياسية واقتصادية شاملة تكون فيه القيادة للمملكة العربية السعودية تبعاً للمعطيات التاريخية والاقتصادية والروحية الثقافية، هنا سيكون هناك أمل في بروز ما يمكن أن نسميه بالقوة العربية أو بروز العرب كقوة إقليمية قادرة على التأثير في آلية وعمل النظام العالمي الموجود أياً كانت هويته وسماته. وهذا التصور يمكن تجسده من خلال خطوات صعبة في إطار منظومة خليجية تتطور لتشمل المنظومة العربية. وهذا التصور في رأينا غير متاح عملياً نظراً لعقبات وعراقيل يعرفها الجميع.
  • الزاوية الثانية: محاولة بروز الدور السعودي الفاعل بالاعتماد على قوى الدفع الذاتية السعودية ومن خلال تطوير الذات وتحديث منظومات البنى السياسية والاقتصادية والإدارية واختيار نسق من العلاقات يكون على المستويات التالية:
  • أولاً: الإبقاء على علاقات جيدة مع الجانب الأمريكي كل ما أمكن ذلك، رغم التأكد من أن تفضيلاته السياسية والاستراتيجية تبدلت في المنطقة، ومع تعزيز مفهوم الاستقلالية والخصوصية للنظام والسياسة والمجتمع في المملكة.
  • ثانياً: تطوير العلاقات مع الأقطاب الجديدة في مختلف المجالات بما يعني الاستعانة الحذرة والحاذقة؛ أي المحافظة على حالة توازن مع الأقطاب الممثلة لجوهر النظام الدولي دون الوقوع في حالة استقطاب شديدة ودون التأثير بلعب دور مع كل طرف.

ويمكن ملاحظة أن هذا الدور يمكن أن يعزز مواقف المملكة في أي تطورات على مستوى العلاقات العربية البينية، إذا ما باتت الظروف مواتية لتكوين قوة عربية إقليمية متوازنة مع القوى الإقليمية الأخرى.

السؤال الجوهري بعد كل هذا العرض في رأينا هو: هل المملكة قادرة على لعب دور مؤثر وفاعل ومفيد للمملكة في المقام الأول في النظام العالمي الآخذ في التشكل؟ الإجابة المباشرة والتي تحتاج لكثير من التفصيل هي “نعم”.

 

 

  • التعقيب الثاني: د. عبدالله العساف

التغيير إحدى النواميس والسنن الكونية، التي لا يمكن منعها، لكن يمكن الاستعداد لها والتكيف معها، وتقليل الخسائر وتعظيم المكاسب، وهذا لن يتحقق إلا بالتخطيط والاستعداد والرؤية الاستشرافية الواقعية الواعية لدروس التاريخ، وتحولاته، فبعد المعارك المتعددة مع كورونا استطاع العالم إلى حد كبير التغلب عليها وتحييدها، ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى أطلت أزمة أوكرانيا برأسها، وهنا يصدق القول ما بعد أوكرانيا وليس كورونا لن يصبح كما كان قبلها.

فالولايات المتحدة التي سعت لمحاصرة ميلاد النظام العالمي الجديد أصبحت هي القابلة التي عجلت بالمخاض السياسي العسير، والعالم يترقب ميلاد نظامه السياسي القادم برأسين أو بثلاثة رؤوس والذي سيهيمن على القرار السياسي والاقتصادي والأمني والغذائي والصحي والتقني في العالم، بعد أن مر العالم خلال القرن الماضي بثلاثة أنظمة أحدها استمر لمدة أربعة عقود وكان ثنائي الأقطاب، وما لبث أن عاد أحادي الأقطاب بتفرد واشنطن في التحكم بمصير العالم لمدة ثلاثة عقود، ثم عاد ثنائي الأقطاب اقتصادياً بعد صعود الصين وازدهار اقتصادها، وها هو يترقب ساعة ميلاد النظام العالمي الرابع بشكله الجديد.

كل ما سبق يقودنا للتساؤل:

  • ماذا أعددنا لهذا النظام العالمي الجديد؟
  • هل سنصبح متفرجين، أم مشاركين؟
  • هل لدينا تصور لمكانتنا في النظام العالمي المرتقب؟
  • ما أبرز التحديات التي تعوق السعودية تحديداً عن المضي سريعاً في المشاركة برسم مكانها ومكانتها على الخارطة الدولية الجديدة؟
  • أيهم أفضل لنا، وللعالم خصوصاً بعد تجربة نظام القطب الواحد، والقطبين، بقاء الحال بتفرد البيت الأبيض بقيادة العالم، أم بمشاركات أخرى من قبل الدول الكبرى؟

هذه الورقة لن تجيب عن هذه التساؤلات بشكل مباشر، ولكنها تسعى من خلالها لفتح مسارب للنقاش حولها والإضافة لها، فأصبحنا في السنوات العشر الأخيرة نلمس ونعايش تحطم الولاءات القديمة، وتشكل أحلاف جديدة، وصار البحث عن أوراق تناسب المرحلة القادمة ضرورة لا خياراً، ولا يمكن الهرب منه، ولأدلل على ذلك سوف أستشهد بما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق ترامب الحليف القوي لنا كما كان ينعته البعض، والذي بسببه رمانا البعض عن قوس وحدة وتهم معلبة مصنوعة، أثبتت الأحداث عدم مصداقيتها، أقول هذا الحليف تحدث إلى ناخبيه قائلاً إنه من يحمي الأنظمة الحاكمة في الخليج ولو رفع يده عنها لسقطت!!

من هنا كان يجب علينا أو هي السبب بجعل السعودية تأخذ خطوات مهمة جداً بعيداً عن الحليف التقليدي، منها إنشاء تحالف أوبك بلس، ذو الصبغة الاقتصادية، لكنه لا يخلو من أبعاد سياسية مهمة، وهنا تجدر الإشارة المهمة التي لم يلتقطها إلا القليل، ولم يعرف معناها، وأسرارها إلا الراسخون في العلم، فالكثير من المحللين السياسيين والاقتصاديين فسر كلام سمو الأمير محمد بن سلمان” التخلص من إدمان النفط، وتقليل الاعتماد على النفط”، بأنها استراتيجية اقتصادية خالصة، بينما قرأتها مراكز الأبحاث المتخصصة بأنه الانسحاب التدريجي من الاعتماد على واشنطن، والارتباط بها، بعدما رسخت الأحداث المتتالية أن المتغطي بأمريكا عريان، وهي عبارة منسوبة للرئيس المصري الراحل، حسني مبارك -رحمه الله- لخصت السياسة الأمريكية تجاه الحلفاء!!

ومن الإرهاصات الأخرى هو الموقف السعودي من الحرب في أوكرانيا، والتزامها الحياد الإيجابي، والدعوة للالتزام بالقوانين الدولية، والأهم في نظري هو عدم الانحياز إلا لمصالحها، وعدم الميل شرقاً أو غرباً، كما أن زيارة بايدن لجدة وعدم الاستجابة لطلبه في ضخ المزيد من النفط، بالإضافة لموقف دولة الإمارات من عدم التصويت ضد روسيا، في الأمم المتحدة، كل هذا ما كان ليحدث لولا وجود مؤشرات قوية على تهاوي القطب الأحادي وبروز قطب أو أقطاب جديدة، نحن شركاء فيها حتى وإن كان باليسير.

الحرب الأمريكية / الروسية على الأرض الأوكرانية أفرزت عدداً من المتغيرات المهمة جداً، حتى وإن بقيت واشنطن سيدة الموقف العالمي، لكن سعيها لتفكيك دول الاتحاد الأوربي وجعلها تحت مظلة الناتو فقط، لم تنجح فيه، رغم انسحاب نصفها الآخر بريطانيا من هذا التجمع الأوربي، مما أعطى فرنسا وألمانيا المقيدة بتبعات الحرب العالمية الثانية الفرصة لقيادة أوروبا وتنصيب نفسها الشرطي الجديد لأوروبا، خصوصاً بعد تحالف اوكوس، وإلغاء صفقة الغواصات الفرنسية، كما أفرزت هذه الحرب الموقف الخليجي الذي أثار الكثير من التساؤلات، والذي نظر إليه المراقبون بأنه المرة الأولى التي تغرد فيها دول الخليج العربي خارج السرب الأمريكي، هذا من ناحية، والانفتاح غير المسبوق على روسيا والصين من ناحية أخرى، والثالثة البيان الصيني الروسي المشترك، والذي يعبر عن رغبة صادقة وقراءة واعية لتحالف اوكوس الموجه ضد الصين بالدرجة الأولى وتوسيع حلف الناتو الموجه ضد روسيا، مما دفعهما لاتخاذ خطوات جادة معلنة، وربما سرية لاستكمال مشروع الانقلاب على القطبية الأحادية وإعلان البيان رقم واحد.

هذه المتغيرات، إضافة لمواقف سلبية من الإدارات الأمريكية الحديثة منذ عهد أوباما، ومنها إنشاء ودعم ثورات  ما سُمي بالربيع العربي، والاستدارة عن المنطقة، وسحب بطاريات الصواريخ دون التشاور مع دولها، وعدم الالتزام باتفاقية فيصل/ نيكسون، والتماهي مع الحوثي، وغض الطرف عن ممارساته العدائية ضد الأعيان المدنية والاقتصادية، والمسارعة لتوقيع اتفاقيات نووية مع العدو الأول للمنطقة، وعدم السماح لدولها بالمشاركة فيها، وعدم مراعاة مخاوفها، كل هذا يقودنا للتقرير بعدم صلاحية القطب الواحد لقيادة العالم، وأن فترة صلاحيته قد انتهت بعد ثلاثة عقود من قيامه، واليوم أصبحت منطقتنا والعالم أجمع بحاجة لنظام متعدد الأقطاب، خصوصاً بعد بروز قوى دولية قادرة على منافسة أمريكا، والأهم أن هذه القوى لديها الطموح والرغبة لاستعادة مكانتها الدولية، وبالنسبة لنا، إن هذه القوى العالمية لديها مصالح كبيرة معنا، ولا تتدخل بشؤوننا، وليس لديها يسار محتقن ويمن متطرف.

يدعم الموقف السعودي للمساهمة الفاعلة في ميلاد النظام العالمي الجديد عدداً من النقاط التي تحسب كعوامل قوة، منها السياسية السعودية الخارجية التي أصبحت أكثر ديناميكية ورشاقة، والقوة السياسية والاقتصادية، فهي إحدى العشرين الكبار، إضافة إلى سيادة جو المصالحة والتعاون بين دول المنطقة، بعد تجربتها التنافر والقطيعة السياسية، ولعل زيارة سمو ولي العهد الأخيرة، لمصر والأردن وتركيا،  كانت تصب في هذا الاتجاه، بالإضافة لتشكيل كيان سياسي واقتصادي جديد – كيان البحر الأحمر وخليج عدن- فالسعودية تقع في قلب العالم، ومن يسيطر على القلب، يتحكم بباقي الأعضاء،  بالإضافة لسيادة كلمة النفط والطاقة  في هذه المرحلة، وفي المستقبل المنظور، والتي ترجح الصوت السعودي/ الخليجي، ولكن تبقى عوامل أخرى قد تحد من الانطلاقة السعودية، ومنها أن بعض الدول العربية أصبحت في حكم الدولة الفاشلة، وانتشار الميلشيات المحيطة بنا.

الخلاصة: العالم بصدد ميلاد نظام عالمي سياسي واقتصادي وتقني وصحي جديد، وعلى من يشكك في ذلك أن يقرأ التاريخ القريب جيداً، فكورونا وأوكرانيا سببتا هزة عظيمة للنظام العالمي ظهرت آثار تصدعه سريعاً بصياغة نظام عالمي يمنع واشنطن من إعادة صياغة النظام العالمي الجديد كما تريد.

 

  • المداخلات حول القضية
  • ملامح تشكل النظام العالمي الجديد والسيناريوهات المستقبلية.

إن التغير القطبي في النظام العالمي قادم لا محالة بسبب سنة رب العالمين وخلخلة الهيمنة الاقتصادية والعلمية والتقنية في الدول الكبرى.

ومن التاريخ القريب أن إعادة تشكيل النظام العالمي يحدث بعد صراع وانكماش التعاون. بعد الحرب الأولى انهارت الدولة العثمانية وقُسِّمت أراضٍ من ألمانيا وبقية دول المركز. ومن جانب آخر بدأ عهد للدول العربية (وإن كانت وفق خطة المنتصر).

وبعد الحرب الثانية تبلورت القطبية الثنائية والنظام العالمي من خلال الأمم المتحدة والاصطفاف من بقية دول العالم بين القطبين (بالرغم من وجود منظمة عدم الانحياز).

فضلاً عن الحروب التي تعتبر في مقياس أصغر مثل الصراع العربي الإسرائيلي، فيتنام وغيرها حتى حرب الخليج الأولى والتي كانت الرمق الأخير لأحد القطبين (الاتحاد السوفيتي والذي تخلى عن العراق بأربعة مليار دولار) وبعده بعام خرج من التنافس القطبي.

والآن الحرب الروسية الأوكرانية محصورة عسكرياً وجغرافياً وقابلة للتمدد بسرعة تفوق ما حدث في الحربين العالميتين بأسباب تقنية، سياسية ولعل الأهم إعلامياً.

هل التاريخ سيعيد نفسه لإعادة تشكيل القطبية بوسيلته شبه الأحادية وهي حرب ذات مقياس أعلى؟ ويثبت أن البناء لا بد أن يكون بالضرورة من رفات؟

إذا كان الجواب نعم (وهو الأسوأ) سيكون أكثر تعقيداً، والتحضير له لا بد أن يكون غير تقليدي (خارج الصندوق) – كما ورد في الورقة الرئيسة والتعقيب عليها – بالوحدة العربية والتعاون الإسلامي وفرصة سانحة لقيادة المملكة لذلك.

الثلاث الدول الكبرى (العظمى) المرشحة للقطبية لن تتفرد بمفهوم وهيكلة القطبية بنفس طريقة الاقتراب الماضي لذلك، فهناك دول صاعدة في الصف الثاني الداعم لإحدى القوى الثلاث أو ربما وهو الأرجح داعم للثلاثية القطبية المتوقعة (إعادة النظر في الفيتو المستبد). مثل الهند، البرازيل، إندونيسيا، سنغافورة، تركيا ودول الخليج. إذا كان ذلك منطقياً ومعقولاً. هل ممكن قيام كيان سياسي بيني يخلق التوازن والوسط حيث البناء والنماء والاستقرار؟ وكيف؟ ومتى؟ مع الإقرار بصعوبة ذلك لأسباب مختلفة إلا أنها بتصور البعض – أكثر يسراً من الوحدة العربية بدءاً.

إن التغيير الحاصل في النظام العالمي ليس تغييراً عددياً فقط، بل إن فيه تغييراً نوعياً سيتبلور قريباً. حتى أوروبا يحتمل أن تصبح أكثر استقلالاً عن أمريكا. والأخيرة لن تفرط في مناطق نفوذها، وقد تصبح أكثر هجومية، وإن أفضل رهان لأي دولة تسعى نحو الاستقلال، والكرامة، والنمو، وحماية مقدراتها، هو أن تقوى ذاتها، خاصة عبر تقوية وإصلاح إدارتها أولاً، ثم تسعي للتكامل مع الدول الأقرب إليها، جغرافياً ومصلحياً. مثل هذه الدول ستكون بخير في النظام العالمي القادم الآن، وفي غيره.

وتذهب بعض وجهات النظر إلى أن تعدد الأقطاب لن يغير كثيراً من المعادلة فهو مجرد “تعدد” وليس “تغير”، فالأقطاب التي نتحدث عنها ليست طازجة fresh أو ناشئة، بل هي ذاتها التي خبرناها خلال العقود الخمسة أو الستة الماضية أمريكا، روسيا وآسيا.

الصين ليست لاعب تحديات سياسية كما هو حال اللاعبين الآخرين واللذين يتوجس منهما التهديد والعلاقات السرية بدول الشغب كإيران وإسرائيل وما في حكمهما.

ومن هنا فإن التحديث update الذي سيحدث لقطبية القوى العالمية هو ناعم بدرجة تُبقي موقف المملكة كما هو، وبالمضي أبعد من ذلك يمكن توقع نفس الموقف من المملكة بالمحافظة على العلاقة الأمريكية حتى لو تراجع دورها ولم يضعف لدرجة التضعضع، طالما أنه دولة قوية ستحافظ المملكة على علاقتها بها لتستثمر في تاريخ العلاقة وتبني عليها. وفي ذات الوقت تستمر في حيادها السياسي ودبلوماسيتها الدولية لتحصد علاقات عامة تؤهلها للإفادة من بقية القوى، وهذا ديدنها السياسي الذي نعرفه جميعاً وهو تصرف حكيم وفعال، وأرى أنه سيستمر كما هو. الجديد في الموضوع هو أيضاً تحديث update لطبيعة العلاقات بما يتواءم مع تطورات القطبية العالمية.

  • الموقف السعودي وسياسة التعامل بندية مع الأقطاب الكبرى.

على وجه العموم نجد المملكة العربية السعودية في الفترة الأخيرة قد حققت وبامتياز سياسي يُنبئ عن الندية للكبار انتصاراً سياسياً عظيمًا خلال معالجتها للوضع الدولي المرتبط بإنتاج النفط، وبلادنا العظيمة كما يصفها الإعلام العالمي هي «البنك المركزي للنفط في العالم»، وهذا ما يجعلها تفكر بشكل عالمي عندما يرتبط الأمر بالنفط وإمدادات الطاقة، وقد أثبت ذلك الأمر الإيجابي جدًا أن المملكة العربية السعودية لديها تصور كامل حول ماذا تريد منظمة أوبك من العالم وماذا يريد منها العالم، لذلك هي دائماً ناجحة في قيادة هذه المنظمة نحو المسارات السياسية السهلة التي لا تكلف أي ثمن سياسي عالي الخطورة. فعند بداية الأزمة الروسية – الأوكرانية بدا للعالم أن هناك ضرورة دولية لإعادة تقسيم العالم بين شرق وغرب، وتحدث الجميع عن أتباع لأمريكا وأتباع لروسيا، وآخرين للصين، ولكن هذه الفكرة لم تصمد كثيراً، فالصورة التي تمخض عنها الصراع كانت أكبر من أن تقبل الانقسام بهذا التصور، وظهرت الكثير من الدول كلاعب رئيس في تحديد اتجاهات هذه الأزمة وخاصة أن الغرب استخدم سياسات اقتصادية ضد روسيا، مما يعني أن الأزمة ستترك آثارها الاقتصادية قبل العسكرية، لهذا نلاحظ بكل وضوح أن منتجات الأزمة التي يعيشها العالم اليوم منتجات اقتصادية بالدرجة الأولى، ساهمت في نقص شديد وحاد في سلاسل الإمدادات الغذائية بين دول العالم، وفي جانب القوة للسياسة السعودية في هذه الأزمة العالمية ثبت لنا وللعالم وبكل ثقة وندية أن السياسة السعودية تملك الخبرة الدولية الأكثر في توظيف مساراتها الكبرى، من حيث مكانتها العربية، ومكانتها الإسلامية، ومكانتها الاقتصادية، ومكانتها الجغرافية، فمنذ تأسيس بلادنا في بدايات القرن العشرين وهي تكتسب الخبرة التراكمية في كيفية إدارة ملفات دولية وإقليمية ومحلية مستندة إلى قيمها السياسية وإلى الأسس التاريخية التي تقف عليها المملكة بكل ثقة واقتدار، وازداد ذلك التوجه السياسي حيوية في السنوات الأخيرة وأثبتت السياسة السعودية أنه يصعب تجاوزها في الشأن الدولي، فهي دولة محور وقرار وليست من شظايا الدول، كما أنه يصعب تجاوزها في الشأن العربي والإسلامي.

وعلينا توقع الأخطار من الجميع، فمنطقتها يتنازعها ثلاثة مشاريع إقليمية غير عربية، فارسي تركي يهودي.

وهذا ما قرأته السعودية جيداً، ومنه انطلقت في تحركاتها في عدة فضاءات منها:

  • السعي لإصلاح مجلس التعاون.
  • المبادرة لتكوين كيان سياسي اقتصادي على البحر الأحمر.
  • المزاج السياسي المتقارب مع الصين وروسيا، والابتعاد التدريجي عن الحليف التقليدي، فالطلاق العاطفي بدأت تظهر نتائجه للعلن.
  • أصبحت الدول العربية عبئاً ثقيلاً على السعودية، وبعضها دخل فعلياً فيما يُعرف بالدولة الفاشلة.

ومنذ وقت قصير، كان هناك دعوة سعودية وأخرى أمريكية لإصلاح الأمم المتحدة، وبقراءة هاتين الدعوتين نجد اختلافاً في منطلقاتهما وأهدافهما، فالسعودية تريد إصلاح المنظمة وجعلها أكثر فعالية، بإشراك الدول بتقرير مصيرها، الذي لا يجب أن يترك للأقلية، خمس دول تتحكم في مصير العالم. أمريكا لا يعنيها صلاح وفساد المنظمة الأممية، طالما أنها خارج القانون والمحاسبة؛ لكنها هدفت لعزل روسيا وتجريدها من قوتها في مجلس الأمن.

إن المملكة العربية السعودية استطاعت في العهد الحالي إدارة علاقاتها الدولية وخاصةً مع الدول القطبية باقتدار وحصافة تُحسَد عليها.

لقد واجهت المملكة منذ الخريف العربي موجةً من شبه العداء من اليسار الأمريكي متمثلاً بالحزب الديمقراطي والرئيس الأمريكي الحالي وأركان إدارته وكثير من إعلاميي الولايات المتحدة الذين تأثروا بالإعلام الصهيوني واليساري منذ سنوات طويلة.

كما أن كثيراً من الدوائر السياسية والإعلامية في أوروبا لديها خصام مع المملكة لأسباب عديدة لا مجال لها الآن.

ويمكن القول دون مجاملة أن أي دولة أُخرى تعرضت لهذا العداء والكيد السياسي والإعلامي لخارت قواها وأصابها القلق وربما الهلع الذي يؤثر على قراراتها سلباً في عالم أصبح الحليف الرئيس فيه يظهر العداء والتصريح بجعلها “دولة منبوذة “.

كلنا قد شهدنا الضغط الغربي لإجبار المملكة لزيادة ضخ النفط لأسبابهم الجيو استراتيجية الواضحة. كما شهدنا تهاون الغرب لاستمرار الحرب اليمنية والشواهد أكثر من أن تُحصَى. أما الرغبة المحمومة للتوقيع على الاتفاق النووي فهي ظاهرة للعيان ولولا اللوبي الصهيوني لربما تم التوقيع عليه خلال الفترة الماضية (لا يعني ذلك عدم التوقيع مستقبلاً مع ما يحمله ذلك من تهديد للمصالح العربية والخليجية والسعودية تحديداً).

وبما أننا ندير علاقاتنا الدولية في عالم يتجاذبه أربعة أقطاب وبقدرات متفاوتة لكل منهم وهم:

  • الولايات المتحدة
  • الصين
  • روسيا
  • الاتحاد الأوروبي

وحيث إن إدارة هذه العلاقات يحتاج إلى دهاء سياسي وقوة شكيمة وحذاقة سياسية وهو ما أثبتته المملكة كما هو واضح.

  • البريكس والنظام الدولي ودور الحرب الأوكرانية والخيارات السعودية.
  • من المهم التطرق لتأثير مجموعة البريكس التي تمتلك التطلع التاريخي للزعامة العالمية، حيث تأثير تحالف روسيا والصين الشعبية مع الدول الأخرى التي تحاول أن يكون لها مكانة في هرم القوى الدولية لا سيما البرازيل والهند وجنوب إفريقيا، إذ عملت على توحيد جهودها، من أجل تحقيق التكامل في الفعل الاستراتيجي، وتفعيل دورها في الشؤون الدولية، وتقليص التفرد الأمريكي، وإعادة هيكلة نظام دولي يكون دوره فاعلاً في تفاعلاته.

ويبدو أن نسبة تأثيرها السياسي – بوصفها كتلة – أكبر من نسبة تأثيرها الاقتصادي في إعادة هيكلة النظام الدولي الجديد.

تمتلك مجموعة بريكس القدرات التي تؤهلها لإعادة تشكيل النظام الدولي، ولكن الخلافات بين بعض أعضائها (الهند مع الصين) تمثل تحدياً لعملها المستقبلي. ولن يتم تحقيق أهدافها دون العمل الجماعي، وتمثل دول العالم الثالث أحد الركائز الداعمة للتعددية القطبية، بهدف منحها حرية الحركة في العلاقات الدولية، وإن الغاية النهائية من مجموعة البريكس ذات طبيعة سياسية، إذ تستخدم الآليات الاقتصادية لتحقيق الأهداف السياسية.

والمملكة مدعوة أو مرشحة للانضمام في عضوية البريكس، بعد أن انضمت مؤخراً للتكتل كشريك حوار. وروسيا رحبت مؤخراً في انضمام المملكة للمجموعة كعضو كامل العضوية، ربما لإضفاء توازن مع عضوية إيران (التي انضمت مؤخراً) أو لاستثمار القوة السعودية في فاعلية هذا التكتل أو كليهما.

  • يظهر من المواقف السعودية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا أنها ليست حذرة بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي متمايزة عن السياسة الأمريكية. فالرياض رفضت زيادة إنتاج النفط، وهي أيضاً تمترست بالحياد الذي فهم منه البعض التقرب من موسكو. وعززت حيادها بوساطة للإفراج عن أسرى غربيين لتثبت أن الحياد مفيد للسلام العالمي.

ويستخلص من هذه التجربة السياسية الجديدة أن موقف المملكة أصبح أكثر قوة وأن واشنطن حرصت على ترضية الرياض بزيارة الرئيس بايدن لجدة وعقده عدة اتفاقيات مشتركة أنهت المقاطعة الأمريكية للرياض.

والسؤال المطروح اليوم في دوائر التفكير السياسي؛ هل المواقف السعودية تكتيك يندرج في إطار المناورة السياسية لتحقيق أهداف محددة (وهو ما يعتقده بعض الأمريكيين). أم أنها بوادر استراتيجية سعودية جديدة ترمي لعدم الاعتماد على قوة دولية واحدة ثبت فشل مصداقيتها عندما ضُربت مصافي ارامكو في 14 سبتمبر 2019 وكذا ضُربت خطوط نقل النفط الخام السعودي وعدة ناقلات نفط بخليج عُمان. وجاءت هذه المواقف الأمريكية المستجدة بعد تغيير استراتيجيتها تجاه الخليج وتملصها من رعاية النظام الأمني الإقليمي الذي كانت واشنطن ملتزمة به منذ عقود. وهذا الرأي يميل له كثير من المحللين السعوديين.

لكن السؤال الأكثر أهمية ليس في قدرة المملكة على خلق توازن دقيق في علاقاتها الدولية؛ بل في طبيعة الخيارات المطروحة، إذا وصلت العلاقات الدولية إلى حالة الانسداد وبرز استقطاب سياسي دولي حاد، أصبح معه الحياد خياراً مكلفاً، لأن الصراع الدولي تحكمه المعادلة الصفرية.

إن العقول السياسية في واشنطن – وكما ثبت تاريخياً – تديرها فكرة الحرب الباردة. وهي الحالة التي يبدو أنها على الأبواب إذا لم تخفق روسيا في حربها الأوكرانية.

  • يُخشى أن يكون التبشير بالنظام الدولي الجديد متعجلاً وفي غير محله. صحيح أن الاقتصاد الأمريكي يواجه أزمات متعددة أثرت على التواجد الأمريكي في بعض المناطق بالعالم. وصحيح أن هناك بعض التحولات في الاستراتيجية الأمريكية. لكن الصحيح أيضاً أن واشنطن لا زالت متواجدة في أكثر من 60 موقعاً حول العالم وأن تغير استراتيجيتها انحصر في الخليج لصالح شرق آسيا. وهي لا زالت ملتزمة بأمن أوروبا وبأمن حلفائها الآسيويين وبالدور المتطور للناتو وبمحاصرة نفوذ بكين ودورها الجيوسياسي.

وفي تصور البعض فإن انبثاق نظام دولي جديد أمر حتمي؛ لكن سرعة تبلوره ووقت بروزه يعتمد إلى حد ما على نتائج الحرب في أوكرانيا.

وفيما يظهر أن الولايات المتحدة مصرة على هزيمة روسيا في حرب أوكرانيا وتريد إطالتها لتحطيم القدرات الروسية، فإن بوتين مصر على كسب الحرب باعتبارها تحدياً وطنياً وشخصياً وتتعلق بكرامة الأمة الروسية.

إن الحرب مهلكة لموارد وقدرات جميع الأطراف؛ لكن ما يميز الجانب الأمريكي أنه لا يحارب بجيشه ويتمتع بحلفاء أقوياء وأثرياء يساهمون بدفع الأموال وتقديم العدة والعتاد للأوكرانيين الوكلاء، فيما تبقى موسكو تكابد وحيدة الأهوال وتبدو مجهدة منذ العام الأول للحرب فكيف بالعام الثاني أو الثالث.

الأمر نفسه مع الصين إذا تحالفت عسكرياً مع روسيا ضد الغرب فبإمكان واشنطن شن حرب تجارية شاملة ضدها (وبوادرها تلوح في الأفق الآن) ومن نتائج ذلك رحيل الشركات الأمريكية الضخمة من الصين وإغلاق الأسواق الأمريكية بوجه وارداتها. وليس هناك من يعوض الصين عن أمريكا سوى أمريكا.

لقد أثبت التاريخ أن النظام الدولي يتبلور ويظهر بعد الحروب الشرسة مثلما هو الأمر بعد الحرب العالمية الأولى (عصبة الأمم والانتداب الفرنسي الإنكليزي) وبعد الحرب العالمية الثانية (الأمم المتحدة والنظام الثنائي القطبية) والنظام الأحادي القطب (بعد حرب أفغانستان وإنهاك وتفكك الاتحاد السوفيتي والحرب الكونية ضد الإرهاب). ونحن بمواجهة حرب أوروبية جديدة حطمت آمال الاتحاد الأوربي بالاستقلال ووضعته أمام أزمات خطيرة في الطاقة والأمن واللجوء والركود الاقتصادي. والمنتصر أو المنقذ للقارة العجوز من أزماتها هو الذي سيحدد شروط لعبة الأمم وفق موازين القوة الجديدة.

  • المملكة وصياغة موقف خليجي ملائم من النظام العالمي الجديد.

برز في الآونة الأخيرة موقف خليجي مستقل يراعي مصالح دوله بحنكة سياسية وهدوء، من خلال تقديم دلائل عقلانية ومنطقية لموقفها فقد تبنت المملكة العربية السعودية موقف “الحياد الإيجابي” وعدم الميل منذ بداية الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا. وهذا يعني أن لها رأياً محدداً وواضحاً في شكل النظام الدولي المرغوب، وأنها بالرغم من تعقد الأزمة الحالية لم تكتف بالمتابعة السلبية، وإنما ترجمت رؤيتها إلى مواقف عملية ودور فاعل ومؤثر استطاعت فيه أن تُظهر للعالم أن الدول الخليجية ليست هامشية التأثير في المشهد، فهي في قلب التغيير الدولي وشريكة في الحراك بعد أن أكدت مكانتها في العالم وصارت لديها استراتيجية أساسها الدفاع عن أمنها ومصالحها الوطنية.

الأمر الآخر إعلان الصين وروسيا ترحيبهما بالمملكة العربية السعودية للانضمام إلى مجموعة بريكس BRICS التي تهدف إلى تأسيس نظام موازٍ للنظام المالي العالمي حالياً، والانضمام إلى تحالفات بهذا الحجم من دون المساس بتوجهاتك السياسية، والإضرار بمصالحك مع كافة الأطراف سينعكس إيجابًا على اقتصاد المملكة، التي تبحث دائمًا عن توسيع دائرة الشراكة وتوسيع المصالح المشتركة، وعدم الاعتماد على أحادية الشريك الاستراتيجي في ظل الظروف السياسية والاقتصادية المتغيرة بقوة.

  • آليات إفادة المملكة العربية السعودية من النظام العالمي الجديد.

إن المملكة تستطيع حفظ توازنها والبقاء على الحياد الإيجابي في ظل تشكل الأقطاب الجديدة وذلك بفضل أهميتها الاقتصادية كمنتج رئيسي للنفط وعضو فاعل في منظمة أوبك، وكذلك أوبك + ومجموعة العشرين، وهو ما يسمح للمملكة بالحياد.

الولايات المتحدة بحاجة للمملكة وكذلك الصين وروسيا، وهذه نقطة قوة تحسب للمملكة ستمكنها من العمل مع الجميع دون تناقض؛ فهي تشتري السلاح والتقنية من الولايات المتحدة، وتسعّر نفطها بالدولار، ما يجعل المملكة دولة مهمة في حسابات الولايات المتحدة كشريك تجاري من الصعب الاستغناء عنه. فبيع النفط بالدولار مهم للاقتصاد الأمريكي وهو أمر سيدفع بالولايات المتحدة للإبقاء على علاقات ممتازة مع المملكة حتى لو حدثت بعض الخلافات.

ومع روسيا فالمملكة شريك في أوبك + ما يعني قدرة المملكة في تحديد سعر النفط والمحافظة على سعر مقبول ومجزٍ لبرميل النفط لدولة مثل روسيا التي تتضرر من انخفاض سعر النفط. بكلمة أخرى هناك مصالح مشتركة بين المملكة وروسيا ومن المؤكد أن الأخيرة لن تكون في حال عداء مع المملكة حتى لو كانت علاقات المملكة مع الولايات المتحدة قوية. فروسيا لن تعادينا بسبب علاقتنا القوية مع الغرب، لأن النفط كسلعة يجمعنا مع روسيا.

أما الصين فهي شريك تجاري كبير يحتاج المملكة وبشدة؛ فهي تزوده بالنفط والبتروكيماويات، وفي المقابل تستورد المملكة من الصين سلعاً كثيرة ما يعني صعوبة فصم العلاقة التجارية مع الصين حتى لو بدا للصينيين أننا حلفاء تقليديين للولايات المتحدة عدوها المحتمل في السنوات القادمة.

بقول آخر الكل سيخطب ود السعودية، وبالتالي قد لا يكون هناك مبرر للقلق من بروز أقطاب جديدة. مركزنا الاقتصادي هو مصدر قوتنا والجميع بحاجة لنا. وبتقدير البعض فإن الأخطار المحتملة على المملكة تأتي من دول إقليمية على رأسها إيران وهي التي لا نعرف كيف سيكون وضعها وموقفها من المملكة بعد تشكل الأقطاب الجديدة. رغم ذلك تميل عدد من وجهات النظر إلى أن إيران ستخفف من نفوذها السياسي وتدخلاتها في الدول العربية مستقبلاً، وستتجه نحو العمل الاقتصادي والتنموي، مما سيكون عامل استقرار في المنطقة؛ فإيران اليوم منهكة اقتصادياً وتواجه صعوبات حقيقية بسبب العقوبات عليها.

وبرأي البعض الآخر فإنه وإذا كان النظام العالمي المرتقب هو نظام مختلف عما عهده العالم، أو هكذا يجب أن يكون، فالسعودية والهند وربما غيرهما مرشحون كشريكين في هذه القطبية على غرار العضوية في مجموعة العشرين؛ من هنا كان انحياز السعودية بقوة ودون مواربة شرقاً وهو انحياز لمصلحتها، وتشكيلها لكيان البحر الأحمر، مع إصلاح مجلس التعاون مع قوتها الاقتصادية والروحية التي يجب العودة إليها وتفعيلها وتقويتها، فالسعودية شريك محتمل في النظام الجديد.

إن مقدرة المملكة للاستمرار في إدارة العلاقات الدولية المعقدة والمتنافرة في ظل النظام العالمي الجديد يتطلب الآتي:

  • الاستمرار في إتباع النهج الحالي لتغيير المشهد السعودي المحلي اقتصادياً واجتماعياً وما يتطلبه ذلك من تغييرات هيكلية في مفاصل الاقتصاد والتعليم والجوانب الاجتماعية.. إلخ.
  • الاهتمام الشديد بقضايا ما يسمى بحقوق الإنسان وتجريد الأعداء من استخدام هذه الحجج ضد المملكة، وفي الوقت ذاته عدم السماح بعرقلة ما تتطلبه هذه المرحلة من تغييرات تتطلب إجراءات قاسية أحياناً.
  • الاستمرار في تعضيد العلاقات الخليجية وهو الأمر الحادث بالفعل.
  • تصفير المشاكل الإقليمية مع دول رئيسة ومركزية في المنطقة، وهذا واضح أنه قد بدأ بالفعل وبكل حصافة وقوة واقتدار من جانب صانع القرار السعودي، بالرغم من أنّ من افتعل هذه المشاكل هو حتماً ليس السعودية.
  • دعم الدول المركزية في العالم العربي والضغط عليهم لقبول المشورة الاقتصادية والسياسية التي أثبتت المملكة أن لديها رصيد يُشهد له في ذلك.
  • التحسب لانتصار اليمين في أوروبا ومد العلاقات مع هذه الأحزاب.
  • محاولة اختراق بعض الإعلاميين في الغرب بوسائل سياسية مقبولة لتوضيح مواقف المملكة الإقليمية والمحلية.
  • محاولة تشكيل تعاون اقتصادي قوي بين السعودية ودول إقليمية.
  • الاستمرار في النهج الحالي الناجح جداً في توازن العلاقات مع الغرب والصين وروسيا.

 

 

 

  • التوصيات
  • التوسع في إقامة ودعم مراكز الأبحاث والدراسات التي تركز على القضايا المهمة للمملكة، والنظر في تأسيس مركز دراسات للدول العظمى والكبرى، وتمكين هذه المراكز لتقدم التقارير والتوصيات العلمية والعملية المناسبة للجهات المعنية.
  • تفعيل وتنشيط وتطوير مراكز الدراسات الخاصة بأمريكا والصين وروسيا، التابعة لمعهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، التابع لوزارة الخارجية بالرياض.
  • تعزيز جهود المملكة لتحقيق التكامل الاقتصادي بخاصة مع الدول القريبة لها، والاستمرار في تقييم المواقف أخذاً بالاعتبار الآثار المنشودة لالتزام الحياد الإيجابي تجاه كل الأقطاب.
  • استمرار العمل على تطوير صناعة الأسلحة بالمملكة وتسريع وتيرتها ومحاولة الاكتفاء ذاتياً، ولو جزئياً، من الأسلحة الدفاعية الضرورية.
  • دعم وحدة المخاطر الوطنية والنظر في توسيع أعمالها لتؤدي أدوار مركز سعودي لإدارة الأزمات crisis management لتتولى التنسيق بين مختلف الأجهزة الحكومية لمعالجة أي أمر طارئ.
  • النظر في وضع خطة لإدارة الملفات الحساسة – مثل ملف حقوق الإنسان – بما يضمن حسن معالجتها وتحييد الأطراف غير الملائمة من التأثير بها.
  • فتح خطوط اتصال بكافة الأحزاب الأوروبية وخاصةً الأحزاب اليمينية.

 

  • المصادر والمراجع
  • بكري، جميل أبو العباس زكير. (2021). النظام العالمي الجديد ما بعد جائحة كورونا كوفيد- 19 وتأثير السياسة الغربية على البلدان العربية. مجلة كلية الآداب، مج 13، ع 1، 2737-2685.
  • الريسوني، علي بن أحمد بن الأمين، والشاعر، نجوى. (2021). النظام الدولي بين المصالح والمخاوف. مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، ع 36، 94 – 74.
  • مخوخ، حميد. (2021). تطور التجارة الدولية والنظام الاقتصادية العالمي الجديد. مجلة الحكمة للدراسات الفلسفية، ع 1، 1 – 14.
  • علي، صفاء حسين. (2021). النظام السياسي الدولي في ظل التحالفات الدولية: التحالف الاستراتيجي الروسي الصيني أنموذجاً. مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية، مج 10، ع 36، 145-202.
  • ناصف، مصطفى. (1978). الأحلاف والتكتلات في السياسة العالمية. عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 7.
  • عبيدو، تالا جمال مناع. (2021). الصين والنظام الاقتصادي العالمي: الواقع وآفاق المستقبل. مجلة ابن خلدون للدراسات والأبحاث، مج 1، ع 2، 258 – 276.
  • تشومسكي، نعوم. (1996). النظام العالمي القديم والجديد. نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة.
  • كامل، علاء فاهم. (2019). النظام العالمي الجديد: احتمالات المستقبل: رؤية استشرافية. مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية، ع 66، 295 – 316.
  • عمرو، أحمد. (2022). الحلم الروسي والنظام العالمي الجديد. البيان، ع 421، 78 – 79.
  • المجالي، غيث طلال فايز. (2021). التداعيات السياسية والاقتصادية لجائحة فيروس كورونا المستجد على النظام السياسي والاقتصادي الدولي. دفاتر السياسة والقانون، مج 13، ع 1، 1 – 17.
  • المشاركون.
  • الورقة الرئيسة: د. صدقة فاضل
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. سالم اليامي
  • التعقيب الثاني: د. عبدالله العساف
  • إدارة الحوار: د. عادل القصادي
  • المشاركون بالحوار والمناقشة:
  • د. خالد الرديعان
  • اللواء فاضل القرني
  • م. أسامة الكردي
  • د. خالد المنصور
  • د. محمد المقصودي
  • د. محمد الملحم
  • أ. جمال ملائكة
  • أ. مها عقيل
  • د. الجازي الشبيكي
  • الفريق عبدالإله الصالح
  • أ. سليمان العقيلي
  • م. عبدالله الرخيص
  • أ. ماهر الشويعر
  • د. عبدالرحمن العريني
  • د. زياد الدريس
  • د. عبدالعزيز الحرقان
  • د. حمد البريثن

 


 

تحميل المرفقات