تقرير رقم (94) لشهر نوفمبر 2022 : المواطنة الرقمية وانعكاساتها الأمنية

للاطلاع على التقرير وتحميله إضغط هنا

نوفمبر – 2022


المواطنة الرقمية وانعكاساتها الأمنية

 (27/11/ 2022 م)

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير لقضية مهمة تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر نوفمبر 2022م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة؛ حيث تناولت: المواطنة الرقمية وانعكاساتها الأمنية، وأعد ورقتها الرئيسة د. عادل بن عبد الرحمن العيد، وعقب عليها كلاً من د. فهد بن عبدالعزيز الغفيلي، د. فايزة بنت محسن الحربي، وأدار الحوار حولها د. رياض بن محمد الشهري.


المحتويات

  • تمهيد
  • فهرس المحتويات
  • الملخص التنفيذي.
  • الورقة الرئيسة: د. عادل بن عبد الرحمن العيد (ضيف الملتقى)[1]
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. فهد بن عبدالعزيز الغفيلي (ضيف الملتقى)[2]
  • التعقيب الثاني: د. فايزة بنت محسن الحربي
  • إدارة الحوار: د. رياض بن محمد الشهري
  • المداخلات حول القضية
  • مقاربة المواطنة من زاوية التقنية.
  • واقع جهود المملكة في مجال المواطنة الرقمية.
  • التحديات الأمنية للمواطنة الرقمية.
  • آليات التعامل مع التحديات الأمنية للمواطنة الرقمية.
  • التوعية الرقمية غير المنضبطة وتأثيراتها.
  • توظيف التقنية في تعزيز سمعة المملكة العربية السعودية.
  • التوصيات
  • المصادر والمراجع
  • المشاركون

  • الملخص التنفيذي.

تناولت هذه القضية المواطنة الرقمية وانعكاساتها الأمنية. وأشار د. عادل بن عبد الرحمن العيد في الورقة الرئيسة إلى أن أنظمة وإجراءات كل من حماية الحريات، وحماية البيانات والمعلومات وأنظمة حقوق الإنسان في البيئات المختلفة، تحتاج إلى تطوير مستمر تماشيا مع المستجدات الحديثة. ولتفعيل دور الأنظمة الحيوية في ترسيخ مفهوم المواطنة الرقمية وتحقيق الدقة المطلوبة والغرض المرجو منها لابد من مصاحبة التطور في التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية العاملة في هذا المجال الأمني تأهيلاً يتناسب مع أهمية الخدمة التي تقدمها هذه الأنظمة الحيوية. وكما أن المواطنة الرقمية تحتاج إلى التركيز على وعي المجتمعات فإن عملية تعليم المواطنة الرقمية تعمل على تشجيع الأفراد على تطوير كفاءاتهم على أنظمة التقنية المختلفة ومشاركتهم إبداعهم بالإضافة إلى الوعي بمراقبة نشاطهم عبر تلك الأنظمة ويجب علينا العمل على تعليم أفراد المجتمع على كيفية العمل والعيش والمشاركة في البيئات الرقمية بطريقة إيجابية والمشاركة الإيجابية والمختصة مع تفعيل التقنيات الرقمية بالطرق الصحيحة. والمشاركة بنشاط ومسؤولية لتفعيل تلك الأنظمة. والانخراط الجاد في عملية مزدوجة للتعلم والتدريب وإعداد الأفراد للعيش كمواطنين فاعلين ومساعدتهم على اكتساب المهارات والكفاءات اللازمة.

في حين تطرق د. فهد بن عبدالعزيز الغفيلي في التعقيب الثاني إلى أن التوعية حول المواطنة الرقمية تستمد أهميتها من طبيعة التعاملات الرقمية التي ربما جعلت كثير من الناس يتعاملون مع مواد رقمية في غاية الأهمية بشيء من اللامبالاة، وبطريقة قد تؤثر على حياتهم المستقبلية وتعرضهم للمساءلة النظامية. وحيث أوضحت الدراسات بأن طبيعة الوعي الرقمي ربما أثرت في قرارات فردية صغيرة، أو في قرارات فردية ذات حساسية عالية كالمشاركة السياسية. ولهذا فقد كتب عديد من الدراسات حول المجالات التي يجدر الاهتمام بها عند التوعية حول المواطنة الرقمية، وكان من أبرزها أهمية تسليط الضوء على التفكير الناقد، واحترام الحقوق الفكرية، وتفهم وجهات النظر. التركيز على هذه الأبعاد، وغيرها كثير، عند التوعية سيساعد في خلق بيئة مواطنة رقمية صحية، وكذلك ستوجد مواطن رقمي يتعامل مع التقنية بوعي ومهارة.

بينما أكَّدت د. فايزة بنت محسن الحربي في التعقيب الأول على أن المملكة العربية السعودية التزمت بتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، وتحقيق التحول الرقمي الفعال الذي يعد أحد الركائز الأساسية لتحقيق رؤية المملكة 2030، خصوصاً وأن برنامج التحول الرقمي يهدف إلى بناء مجتمع رقمي، وإنشاء منصات رقمية لإثراء التفاعل والمشاركة المجتمعية الفعالة بما يسهم في تحسين تطوير الصناعة، وتحسين التنافسية والتأثير الإيجابي على الوضع الاقتصادي، وتوليد الوظائف، وتقديم خدمات أفضل للمستفيدين، وخلق وطن رقمي من خلال استقطاب الاستثمارات والشراكات المحلية والعالمية في مجالات التقنية والابتكار.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • مقاربة المواطنة من زاوية التقنية.
  • واقع جهود المملكة في مجال المواطنة الرقمية.
  • التحديات الأمنية للمواطنة الرقمية.
  • آليات التعامل مع التحديات الأمنية للمواطنة الرقمية.
  • التوعية الرقمية غير المنضبطة وتأثيراتها.
  • توظيف التقنية في تعزيز سمعة المملكة العربية السعودية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • إجراء دراسات وصفية واستشرافية معمقة عن التأثيرات الايجابية والسلبية على المواطنية الرقمية.
  • أهمية إعادة تحرير مصطلح “المواطنة الرقمية” ومفهومه والمقصود منه بصورة دقيقة بعيداً عن الترجمة الحرفية له من اللغة الانجليزية مع ايجاد مصطلح عربي بديل يسهل تداوله وفهمه عند المواطن البسيط حتى يمكن له استيعابه والتفاعل معه.
  • إيجاد تعريفات للوجبات والحقوق في الفضاء الإلكتروني لتعزيز مفهوم المواطنة الرقمية وترابطها مع معرفات الهوية الرقمية والنفاذ الإلكتروني.
  • العمل على نشر الوعي فيما يتعلق بالهوية الرقمية.
  • دعم الاستثمار في الخدمات ومراكز البيانات السحابية. وتطوير ما يدعم ذلك من أنظمة وممارسات تشجع المستثمرين.

 

  • الورقة الرئيسة: د. عادل بن عبد الرحمن العيد

مقدمة

كفلت الدولة السعودية منذ توحيدها على يد الملك المؤسس الملك عبد العزيز يرحمه الله للإنسان مواطنًا كان أم مقيمًا، بالغًا كان أم طفلًا حماية حقوقه. ففي نظام الحكم المادة (8) “يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل، والشورى، والمساواة، وفق الشريعة الإسلامية “، وكذلك المادة (26) من نظام الحكم التي نصت على أن: “تحمي الدولة حقوق الإنسان، وفق الشريعة الإسلامية” وتضمن النظام الأساسي للحكم في المملكة كذلك مبادئ وأحكام أساسية، تهدف إلى حماية وتعزيز حقوق الإنسان، وتمثل تلك المبادئ والأحكام في مجملها الإطار النظامي لحقوق الإنسان، وقد أكد النظام على جملةٍ من الحقوق الأساسية ومنها: الحق في العدل والمساواة والأمن واحترام الملكيات الخاصة. كما تضمنت الأنظمة الأخرى كأنظمة العمل، والصحة، والتعليم، والتأمينات الاجتماعية وغيرها من الأنظمة واللوائح أحكاماً تفصيلية للمبادئ الواردة في النظام الأساسي للحكم المعتمد على أنظمة الدين الإسلامي الحنيف الذي يعرف مفهوم المواطنة بأنها هي أن يتساوى الناس في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الديانات والمعتقدات، لأنها تُعنى بحياة الناس في صلاح دنياهم، وحماية المجتمع والفرد، وأما دينهم فموكول إلى الله تعالى، فلا يكرهون على دين، ولا يؤذى صاحب دين في الوطن. والحقيقة أنه ليس هناك دين سماوي ولا وضعي اهتم بالمواطنة كما اهتم بها الإسلام، تشريعاً وتطبيقاً. إن المواطنة الشاملة هي روح صحيفة المدينة المنورة التي وضعها النبي عليه الصلاة والسلام عند هجرته إليها، وقد كان من بنودها الحمايةُ والنصرة والتكافل بين طوائف أهل المدينة المختلفة، ليكون الوطن هو الجامع لما فرقته الديانة أو الاتجاهات، فكل من يعيش فيها له حق العيش الكريم، والأمن على النفس والمال، وحرية العمل والكسب، وعليه واجب الذود عن الوطن وأهله وحمايته وعمارته وتحمُّل تبعات نصرته، ومن لم يقم بالحق لم يكن له واجب. وقد سارت الخلافات والممالك الإسلامية على هذا النحو، فتعايش أهل الملل المختلفة في الوطن الواحد يتقاسمون حلوه ومره، كل ذلك بفضل الإسلام، وتشريعه القويم، فهذه المواطنة تعد أيقونةً جميلة تسعى لها الدول قبل الشعوب.

وبعد مرور هذه السنوات، تظل أنظمة وإجراءات كل من  حماية الحريات، وحماية البيانات والمعلومات وأنظمة حقوق الإنسان في البيئات المختلفة، تحتاج إلى تطوير مستمر تماشيا مع المستجدات الحديثة حيث أن التقنيات الناشئة تقدمت كثيرا في مجال التطبيقات منذ كتابة تلك الأنظمة، لا سيما حالات الاستخدامات المتعددة للتقنيات الحديثة ومنها توسيع التعريف الضيق للقياسات الحيوية للأغراض الأمنية والمدنية ومنها تحديد أي كان نوعها ليشمل المستجدات والمبادئ الحديثة التي تستخدم فيها الأنظمة الحيوية المختلفة وعلى سبيل المثال أنظمة (بصمة الأصابع واليد والوجه والعين والتوقيع).

هناك العديد من التعريفات للمواطنة، وتعريفي للمواطنة: بأنها علاقة متبادلة بين الفرد والوطن الذي ينتمي إليه ويقيم فيه ويقدم له الولاء؛ ليحصل على جميع حقوقه المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية متى ما حقق الواجبات التي نصت عليها أنظمة الوطن التي تقع على عاتقه أيا كان هذا الفرد مواطن أو مقيما أو وافدا.  وأتذكر ذات يوم طلبت من والدي “حفيظة النفوس” الهوية الوطنية لأصدر جواز سفر لي وكان حريصا على ألا يعطيني إياه خوفا من فقدها، فذهب معي لإدارة الجوزات كل ذلك تخوفا منه أن أفقدها. ذلك الجيل كان محافظا وواعيا لقيمة المواطنة، لأن حفيظة النفوس هي الوثيقة الأساسية للسجل المدني وحفيظة الوالد لكل أسرة هي الوثيقة المعرفة لكل أفراد الاسرة.  واتذكر جيدا عندما بدأت وزارة الداخلية في تطبيق نظام الأحوال المدنية وإصدار بطاقة شخصيه بدل حفيظة النفوس كان الامر صعبا جدا في قبول سحب حفيظة النفوس واستبدالها بالبطاقة وخاصة مع كبار السن.

المواطنة الرقمية Digital Citizenship

هناك عدة تعاريف للمواطنة الرقمية وقد عرفتها بأنها هي مجموعة القواعد والضوابط والأعراف التي تنظم عملية الاستخدام الرشيد للتقنية والتي تحتاجها الإدارات والمؤسسات وكذلك أفراد المجتمع من اجل أمن ورقي الوطن من خلال الاهتمام بالتوجيه والإرشاد نحو منافع التقنيات الحديثة من أجل التعامل والمشاركة بفعالية في المجتمع الرقمي في شتى المجالات الاجتماعية والسياسية والدينية. وكذلك أساليب الحماية من اخطارها. فلا ينبغي أن نفهم من معنى المواطنة الرقمية أنها تهدف إلى نصب الحدود والعراقيل من أجل التحكم والمراقبة، بما يتنافى مع قيم الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. فالمواطنة الرقمية تهدف إلى إيجاد الطريق الصحيح لتوجيه وحماية جميع المستخدمين، وذلك بتشجيع السلوك الواعي والمرغوب فيه ومحاربة السلوك غير الواعي والمنبوذ في التعاملات الرقمية، من أجل مواطن رقمي يحب وطنه ويجتهد من أجل رقيه وتقدمه وأمنه.

المبادئ الأساسية للمواطنة الرقمية

هناك عدة طرق لتحديد المبادئ ومنها الإطار الثلاثي triliteral framework وهي:

  • الأمن: ويقصد به التركيز على أهمية منع المخاطر وحماية النفس وحماية الأجهزة والمعلومات.
  • الحكمة: تسليط الضوء على أهمية التعلم وتثقيف المجتمع لرفع قدراتهم المعرفية عند استخدام التقنية
  • التفاعل الاجتماعي: وهو التمحور حول أهمية احترام الذات والآخرين في الفضاء الرقمي لتعزيز العلاقات الإيجابية والتعاون بينهم.

الأمن الرقمي

هو مصطلح يصف الموارد المستخدمة لحماية هوية الفرد وبياناته وأصوله الأخرى على أنظمة التقنية المختلفة بمعنى آخر هو العملية الهادفة إلى حماية هوية الفرد على أنظمة الحاسب الآلي من الوصول غير القانوني إليها ويشمل:

  • حماية الأجهزة: مثل برامج الحماية من الفيروسات والحماية من التجسس والاختراق.
  • حماية أمن المعلومات: مثل الحماية القانونية والنظامية وفق التشريعات التي تحدد المسموح والممنوع والعقوبات.
  • حماية المستخدم: مثل الحماية الصحية للمستخدم من الاضرار البدنية والنفسية.

ولتطبيق الأمن الرقمي أصدر المركز الوطني في المملكة العربية السعودية الإصدارات الارشادية لأمن المعلومات وهي:

  • حماية البريد الإلكتروني
  • حماية الأطفال من مخاطر شبكة الإنترنت
  • نصائح لحماية الجهاز الشخصي من مخاطر شبكة الإنترنت
  • سبل حماية الخصوصية في العالم الرقمي
  • الرسائل المزعجة SPAM
  • التصيد الإلكتروني
  • أمن الشبكات اللاسلكية

وبفضل الثورة العلمية الهائلة في التطور التقني والمعلومات الرقمية، أصبحت التقنية جزءً هاماُ لا يستغنى عنها في نسيج حياتنا اليومية لما تقدمه من تسيير مهام ووظائف حياتنا اليومية وكذلك الوصول لمصادر المعلومات المختلفة. إن ثورة التقنية والمعلومات التي نعيشها تحمل معها الكثير من الايجابيات والسلبيات للفرد والمجتمع، ومن واجبنا كأفراد ومستخدمين للتقنية أن نسعى ونتعاون لتوظيف التقنية في الطرق الصحيحة وفقا لقواعد أخلاقية سليمة، مع مراعاة الضوابط الدينية والقانونية، والتي ستعمل على الحد من سلبيات التقنية على الفرد والمجتمع. إن جميع مجتمعات العالم تمر أو مرت بصعوبات وخاصة المجتمعات الناشئة ومن أهمها أن المجتمع المستخدم للتقنية تنقسم أفراده إلى فئتين:

  • أفراد ولدوا قبل العصر الرقمي فهم الذين يلاقون صعوبة في تطبيق المواطنة الرقمية.
  • أفراد ولدوا وتربوا في العصر الرقمي وأولئك الذين يتساهلون في تطبيق المواطنة الرقمية.

بعض التحديات التي تتعلق بالتقنية والتي إذا طُبقت عليها قيم المواطنة الرقمية اختفت تماماً من حياتنا، ومنها:

  • عدم استخدام التقنية في مسارها الصحيح.
  • عدم وجود ثقافة عامة لاستخدام التقنية في الحياة.
  • انخفاض مستوى الأمان الإلكتروني.
  • تدني مهارات استخدام التقنية لدى الكثير من المتعلمين ولدى بعض المعلمين.
  • ارتباط استخدام التقنية بالعادات السلبية، مثل استخدام المحمول أثناء قيادة المركبة.
  • ظهور العديد من المشكلات الإلكترونية، مثل الجرائم المعلوماتية والاختراق والقرصنة الإلكترونية.
  • مناقشات إلكترونية على شبكات التواصل لا تمت للأخلاق المجتمعية بصلة.
  • التساهل في إفشاء الرقم السري للدخول على الأنظمة.
  • وجود كثير من الدعوات الهدامة والأخبار المضللة على الوسائل التقنية.
  • الإفراط في استخدام التقنية، مما يجعل البعض يصاب بأضرارها.

دور الأنظمة الحيوية في ترسيخ مفهوم المواطنة الرقمية:

إن من الأمور الصعبة جدا التفكير فقط في إمكانية تطبيق الأنظمة الحيوية من وجهة نظر الجهة المنفذة، من دون النظر للنتائج والآثار بعيدة المدى لهذا التطبيق على الفرد والمجتمع. فكانت بداية التطور في مجال التحقق والتعرف على الشخصية عندما اخترعت أجهزة الأنظمة الحيوية كبدائل للرموز المميزة الخاصة بتطبيقات التحكم في الوصول الفعلي، على أساس أن الشخص يملك كل تلك الأنظمة الحيوية ولن يخسر أو ينسى تلك الأنظمة الحيوية الخاصة به، فكانت أكثر أمناً من الرمز المميز، فعلى سبيل المثال، تعمل بصمة الاصبع وبصمة العين بشكل جيد في التحكم للوصول الفعلي في البيئات المسيطر عليها مثل دخول المنشآت ذات الطابع الأمني واستخدمت بعد التطور في الكثير من المجالات منها العسكري والمدني. كما تم استخدام التقنيات الأخرى مثل التحقق من بصمة الوجه وبصمة الصوت بنفس الطريقة. ربما لم يكن من المفاجئ أن قبول هذه التقنيات الجديدة للتحكم في الوصول والدخول الفعلي كان بطيئاً إلى حد ما، ففي السنوات الأولى، كانت بصمة الأصابع هي التقنية الوحيدة المستخدمة أمنياً وبعد النجاحات الكبيرة التي أحدثتها في حل الكثير من أسرار الجرائم الغامضة سارعت المؤسسات الحكومية في الدول المتقدمة بتنفيذ أعداد كبيرة من المشاريع المستخدمة لأغراض التحقق من الشخصية والتحكم في الوصول والدخول الفعلي وكذلك في عمليات التصويت ونتائج الانتخابات. ومع هذا التطور تم استخدام أنظمة الحاسب الآلي بشكل متوازي مع استخدام الأنظمة الحيوية في الدخول إلى أنظمة الحاسب الآلي واتسمت الطرق الأولى لهذه المشاركة بنقطتي ضعف أساسيتين هما:

  • الأولى: التكلفة المالية العالية.
  • الثانية: تمثلت في طبيعة التصديق وعدم قبول التقنية من بعض أفراد المجتمعات.

وسرعان ما تلاشت النقطة الأولى بسبب تقدم أنظمة الحسابات الآلية بسرعة مما أدى إلى تقليل تكلفة الأنظمة بما فيها الأنظمة الحيوية، وبقيت نقطة الضعف الأخرى حتى أتت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 لأن المجتمعات الدولية كانت ترفض التدخل والتحكم في التصرفات الشخصية وتعتبر ذلك تحكماً جبرياً، كما أنها لم تتأكد من سلبية المخاطر على مكونات الإنسان نفسه وكانت تعتبرها تحكماً قهرياً أو ما يطلق على ذلك التصرف الذي لم يكن مقبولا من قبل حيث سمى بالأخ الأكبر. (Big Brother)  مما سبق نستطيع أن نخلص إلى أن هناك علاقة قد نشأت بين الأنظمة الآلية وتطور الأنظمة الحيوية وتناسب اللوغاريتمات نفسها، فإن إدراك كيفية وسبب استخدام الأنظمة الحيوية في مواقف الحياة اليومية كان يبدو بطيئاً. ومن خلال وجود التوقعات الطموحة للاستخدام، قادت هذه الاستخدامات إلى ظهور العديد من التطبيقات في هذا المجال، وكانت صعوبة تطبيق تلك الأنظمة هي قبول تنفيذ هذه التقنيات بواسطة المستخدمين سواءً كانوا موظفين أو عملاء، ولم يزل هذا الموقف مستمراً حتى اليوم. لم نزل نرى صعوبة في استخدام تقنيات الأنظمة الحيوية. وبالرغم من ذلك بدأنا نرى أفكاراً تركز على التطبيق نفسه بدلاً من محاولة العثور على استخدام للتقنيات مما أدى إلى ظهور بعض التطبيقات غير الأمنية ومنها على سبيل المثال استخدامها في البنوك والجامعات والمدارس والمجالات الطبية، كما بدأت المؤسسات الحكومية تبدي اهتماماً متزايدا بالتقنيات التي تظهر في استخدام البطاقات الشخصية ورخص القيادة وفي سداد الرسوم والضرائب الحكومية والانتخابات والامور الأخرى. بدأ نجاح بعض هذه التطبيقات سريعا وتوقف ذلك على كيفية مراعاة هذه التطبيقات. علاوة على ذلك، شاهدنا استخدام إجباري في بعض أجزاء التطبيقات العامة.  مما يقودنا إلى نقطة مفيدة تدور حول الاستخدام الإجباري أو الطوعي ومستويات القبول لتلك التقنيات بواسطة المستخدمين. يكون هذا الجزء في بعض الأحيان محور الكثير من التشاور والاهتمام من قبل هؤلاء الذين يسعون لتنفيذ هذه النظم. فمن وجهة نظري يصادف هذا الجانب سوء فهم واضح. فلم تعد القضية قضية مستخدمين مهتمين أو حتى معارضين لاستخدام الأنظمة الحيوية في حد ذاتها. بل إن السؤال الذي يدور هو حول الثقة فيها وعن كيفية عملها وسبب تقديم هذه التقنيات.

ومن خلال تجربتي التي فاقت 30 عاما باحثا وكاتبا ومطبقا لمعظم أنظمة السمات الحيوية، أنه إذا أدرك المستخدمون كيفية عمل التقنيات، وأسباب تطبيقها وأدركوا مزايا هذه التقنيات، فإنهم نادراً ما يثيرون الاعتراضات، وعلى الجانب الآخر، إذا كانت لديهم شكوك تتعلق بكيفية عمل النظام، وكيفية استخدام بياناتهم الشخصية وحتى تأثير هذه الأنظمة على صحتهم وسبب تقديم هذا النظام في المقام الأول فإنهم في المعتاد سيتوجهون بالاعتراض. لذلك ينصب الاهتمام على التطبيق الخاص بالتقنيات، بدلاً من استخدام الأنظمة نفسها. وهذه نقطة مهمة ينبغي مراعاتها عند بناء هذه الأنظمة. واستشهد على ذلك بمقولة (من لا يعرف الحقائق لا يحسن التصرف). لذلك أقول أين نحن من تطبيقات الأنظمة الحيوية اليوم؟ وكيف يبدو المستقبل في ضوء ذلك؟ ولنبدأ بالوضع الحالي لقد رأينا أن تطبيقات الأنظمة الحيوية في الأماكن الحكومية والعسكرية وفي المطارات وفي الأماكن عالية الخطورة وكذلك في المؤسسات التجارية والمستشفيات وحتى الملاعب الرياضية، وفي مكاتب الشركات ومنها شركات التامين والعديد من الأماكن الأخرى التي تتطلب دخولا عاماً لتلك المرافق لأسباب أمنية ورقابية.

تعريف القياس الحيوي أو ما يسمى بالـ Biometrics

هو العلم الذي يستخدم التحليل الإحصائي للسمات والصفات الحيوية للكائن الحي، وأهم استخداماته تكمن في مجال صناعة الكمبيوتر التي جعلت مفهوم التحليل الإحصائي لدى معظم الناس بأنه الطريقة المثلى لإثبات هوية الأشخاص باستخدام صفاتهم الفريدة.

ما هي البيانات الحيوية؟  

هي معلومات يتم جمعها من السمات الجسدية أو السلوكية للشخص والتي تحفظ في قواعد المعلومات لاستخدامها في تحديد هوية ذلك الشخص بمفردها، أو عند دمجها مع بيانات شخصية أخرى ويتم تخزينها في قواعد المعلومات التابعة للدولة باعتبارها بيانات حساسة، وتكون جاهزة لنوعين من الاستفسار إما للمقارنة أو البحث عن مجهول. فبيانات الأنظمة الحيوية” تعني البيانات الشخصية الناتجة عن معالجة تقنية محددة تتعلق بالخصائص الجسدية أو السلوكية لشخص طبيعي، والتي تؤكد التحديد الفريد لهذا الشخص، مثل بصمة الأصابع. وبصمة الوجه والعين والصوت وغيرها.

أشهر الأنظمة الحيوية واستخداماتها في معظم دول العالم:

  • نظام بصمة الأصابع.
  • نظام بصمة الوجه.
  • نظام بصمة العين.
  • نظام بصمة الصوت.
  • نظام بصمة الكف.
  • نظام البصمة الوراثية الحمض النووي DNA.
  • الأنظمة الحيوية السلوكية.

لقد غيرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م نظرة العالم عن الأنظمة الحيوية وأخذت الحكومات على عاتقها تأمين أنظمة حيوية ووسائل فعالة للتحقق من الهوية، وفي هذا السياق استخدامها في السيطرة على الدخول والخروج من الدول عبر الحدود إن كانت جواً أو بحراً أو براً. مثل هذه التطبيقات الآلية تحافظ على الثقة والأمان وعلى الجانب الآخر، فإن تقديم مثل هذه التطبيقات يخفف الضغط على الموارد البشرية ويحرر العاملين في الأقسام الحكومية من الاحتيال والغش مثل الجوازات وتمكينهم من التركيز على الاستثناءات بينما يستطيع طالبو الخدمة المنتظمون الحصول على خدمة سريعة، علاوة على ذلك قد تكون هناك فرص للتأكد من هذه الهويات بشكل تلقائي في إطار قواعد البيانات وقوائم المراقبة، وهو ما يجعل النتيجة المقدمة للمسئول محل البحث للتعرف على النتيجة مباشرة. هناك بعد إضافي من أنه يمكن للفرد أن يسجل في مجموعة من النظم في دول مختلفة، ويكشف هذا التطبيق قضايا أخرى تحيط بمبدأ قابلية الاستخدام والعمل المشترك التي ستحظى بأهمية للإدراك مع العوامل البشرية الأخرى وقد طبقته مجموعة الدول الأوربية ودول مجلس التعاون الخليجي في تبادل المعلومات، وحديثا تم استخدامها في استخراج تأشيرات السماح بالدخول بين الدول إلكترونيا. ومن الواضح أن المجتمع لديه بالفعل مخاوف قوية بشأن استخدام هذه التقنيات. ومع كل ذلك، يبدو أن الحكومات تهيئ المجتمعات لقبول تقنيات الأنظمة الحيوية والمراقبة في جميع الأنشطة التي لا علاقة لها بالأمن القومي أو منع الجريمة والكشف عنها “. وهنا نستطيع أن ندرك لماذا تهتم الحكومات بفكرة بطاقة الهوية الوطنية الذكية ودمج تطبيقات عدد من الأنظمة الحيوية. وعلى سبيل المثال تقوم الإدارات الخاصة بوثائق السفر بدمج الأنظمة الحيوية ليتم تطبيقها على الجوازات. إن استخدام تطبيقات معينة للقياسات الحيوية في بيئة متعددة التطبيق سيؤدي من دون شك إلى التفاعل مع الخدمات الحكومية التي تتطلب تدقيق للهوية باستخدام الأنظمة الحيوية حتى يتم التحقق من أن الشخص مستحق للخدمة محل الاهتمام، إنه عالم جديد، قريباً سيتم استخدام الأنظمة الحيوية في جميع المجالات العملية تقريباً، مع كل شيء آلي حتى تقل متطلبات اليد العاملة وتحد من النفقات. وأخيرا يجب علينا الاحتفاظ بالبساطة. وهناك أسئلة مطروحة ينبغي مراعاتها بدقة في تنفيذ تطبيقات الأنظمة الحيوية والاجابة عليها قبل البدء في تطبيق تلك الأنظمة ومنها هل هذا أمر جيد؟ هل نحن في خطر يؤدي لهدر الثقة؟ وهل هذا التطور التقني سوف يساعد على عدم الاحتيال وعدم حدوث الجرائم الإلكترونية والاجتماعية الحضارية؟، إن القاعدة الذهبية لتطبيق الأنظمة الحيوية هي البساطة في التطبيق.

ومن الأمور الصعبة جدا التفكير فقط في إمكانية تطبيق الأنظمة الحيوية من وجهة نظر الجهة المنفذة، من دون النظر للنتائج والآثار بعيدة المدى لهذا التطبيق على الفرد والمجتمع.

أهمية الأنظمة الحيوية  

توفر أسماؤنا وأرقامنا الشخصية وسيلة فعالة نسبيا لتمثيل هويتنا، وقد أثبت الزمن كفاءتها أيضا، والأهم من ذلك أنه يمكن تفسيرها ليس من جانب الأشخاص فحسب، بل أيضا بواسطة أنظمة الحاسب الآلي لربط المعلومات الرقمية، وكسب الثقة أو عدم الثقة، وهذا أمر مفيد بشكل واضح للعديد من التطبيقات، على سبيل المثال تؤدي مؤشرات السجل المدني، وتاريخ انتهاء صلاحية البطاقة الشخصية، هذا الغرض لكن أسماءنا وأرقامنا لا تكون فعالة إلا إذا كانت أولًا: فريدة من نوعها، وثانـيا: دائمة، وثالثا: مرتبطة بنا جسديا بشكل لا لبس فيه”.  كلنا نعلم أن الأسماء لا تكون بالضرورة فريدة من نوعها “مثل محمد عبد الله “، أو دائمة “مثل محمد بن عبدالله بن سعودي “، أو مرتبطة بنا جسديا بشكل لا لبس فيه مثل “وسم أو وشم في الخد “. وهنا تظهر أهمية الأنظمة الحيوية الحديثة. فهي السمات الجسمانية والسلوكية التي تميزنا بشكل فريد، والتي يمكن أن تتعرف عليها الأنظمة الآلية وتفسرها بشكل عملي بحيث يمكن استخدامها كبديل لهيئاتنا الجسمانية في عالم العصر الرقمي. وبهذه الطريقة، يمكن ربط البيانات الرقمية بالهوية بشكل دائم ومتسق ودون لبس، كما يمكن استرجاع تلك البيانات باستخدام أنظمة الحاسب الآلي وبطريقة آلية وسريعة جدًا، فالأنظمة الحيوية عبارة عن تقنية يمكن تنفيذها في مختلف الأنشطة أينما تكون الهوية والتوثيق ضرورية، بغض النظر عن نوعها أو حجمها أو شكلها أو موقعها الجغرافي. فالمنظمات التي لا يشكل تحديد هوية العميل أو مصادقته جزءًا من الوظائف الأساسية؛ يمكن تطبيق هذه التقنية للأعمال الأخرى مثل الدخول إلى المنشئات وتحديد هوية الموظفين وحضورهم، وحينما يكون تحديد هوية العملاء هو جزء اساسي مثل الخدمات المصرفية والرعاية الصحية والاتصالات فهي تقلل بشكل كبير الوقت المستغرق في تحديد هوية العميل أيًا كان نوع العميل (مجرمًا، أو مريضًا، أو طالبًا، أو جنديا أو غيرهم) وهنا أقول أن أنظمة الحاسبات الآلية في هذا العصر الرقمي مكنت من ترسيخ تطبيق الأنظمة الحيوية من ناحية الدقة العالية والأمان والشفافية والسرعة الفائقة؛ للتعرف والتحقق من الشخصية. وهذا لم يكن متاحًا في السابق، عندما كانت الوسائل المستخدمة عبارة عن معلومات شخصية مثل “الاسم والعنوان وكذلك الطول والعلامة الفارقة ومعاينة الصورة الشخصية”، والتي في مجملها عرضة للأخطاء البشرية المعتادة. وبعد استخدام الحاسب الآلي تم استحداث الرقم المميز “PIN “، أو ما يسمي بالمفتاح، ومع كل ذلك وجدت بعض الاختراقات الأمنية، لقد وجد العالم ضالته في تطوير الأنظمة الحيوية لإنهاء كل التجاوزات الأمنية التي كانت موجودة حتى مع استخدام الحاسب الآلي، وتقديم خدمة أفضل على المستوى الأمني للوطن ومن يعيش على أرضه مواطنًا كان أو مقيمًا.

العوامل المؤثرة في تطبيقات الأنظمة الحيوية

هناك عدة عوامل تؤثر على تطبيقات الأنظمة الحيوية ومنها:

  • درجة التعاون” متعاون / غير متعاون”: نعني الكيفية التي يتعامل بها الشخص مع النظام، فعلى سبيل المثال في التعرف الإيجابي يكون الشخص في قمة التعاون مع النظام حتى يتم قبوله كمستخدم أصلي، ومثال على ذلك: ” إصدار بطاقة السجل المدن”، والبنوك الإلكترونية خير مثال لتطبيقات المتعاونين مقارنة مع غير المتعاونين، بينما في حالة التعريف السلبي يكون من صالح الشخص عدم التعامل مع الجهاز وبالتالي لا يتم التعرف عليه، ويمثل ذلك (أنظمة المتسللين) مثلًا لتطبيقات غير المتعاونين.
  • خبرة المستخدم ” متمرس أو غير متمرس”: ونعني بها عدد المرات التي يقوم فيها المستخدم باستخدام النظام، فمثلًا عملية “الدخول اليومي للموظفين” عبر نظام دخول يستخدم فيه نظام قياس حيوي يكون المستخدم مداومًا على الدخول، وبالتالي يكون متمرسًا على كيفية التعامل مع النظام، وبذلك يسهل على النظام التعرف عليه، وفي المقابل فإن نظام إصدار رخصة سير مثلًا: فإن الشخص لا يجدد رخصة السير إلا كل بضع سنوات، فهو غير متمرس على هذه التقنية لطول فترة التجديد.
  • المتابعة ” مراقبة أو بدون مراقبة”: ونعني بها أن عملية التطبيق تتم تحت المراقبة، والمتابعة والملاحظة، فعلى سبيل المثال تحتاج العمليات البنكية لإصدار بطاقة الصراف يقوم الموظف بإصدارها، ولكن بعد إصدار بطاقة الصراف ATM” ” للمستخدم فإن عملية سحب الأموال تتم بطريقة فردية يقوم بها المستخدم فقط، لذا فإن التطبيقات المرتبطة بالأفراد غير المتعاونين تحتاج عادة لمراقبة.
  • النمطية ” قياسي أو غير قياسي”: ونقصد بها هل تتم العمليات التطبيقية في جو محكوم من حيث “درجة الحرارة، الضغط، الرطوبة، حالة الإضاءة. إلخ، فهناك مثلًا عمليات داخلية مثل: الدخول في شبكة الحاسب الآلي التي عادة تتم داخل مكاتب وفي بيئة محكومة، أو بيئة داخلية، بينما نجد مثلًا تطبيقات مثل: السيارات التي تعمل بالريموت كنترول، أو الدخول في المواقف، فهذه تتم في بيئة غير قياسية. وهذا التصنيف يهم المصممين لمثل هذه التطبيقات؛ إذ إنها تحتاج لمجسات قوية تتحمل مثل هذه البيئات.
  • نوعية المستخدم ” عام أو خاص”: والمراد هو تحديد فيما إذا كان المستخدم من ضمن العاملين، أو عميل بالشركة أو الجهة المستخدمة للتطبيق فعلى سبيل المثال، فإن الطلبات المستخدمة من قبل العاملين التي تتم مراجعتها والتعامل معها من قبل مدير الحاسب الآلي بنفس الشركة يعتبر تطبيقًا خاصًا، أما استخدام بيانات الأنظمة الحيوية في مسألة تتعلق بتحديد بطاقات الهوية إلكترونيا، فهذا يعتبر تطبيقًا عامًا.
  • الإدراك “معلوم أو غير معلوم”: فمثلا أخذ بصمة الإصبع لشخص ما فيعلم هذا الشخص لماذا أخذت بصمته، أما أخذ بصمة الوجه في المطارات أو في المناطق الأخرى، فلا يعلم هذا الشخص لماذا أخذت.
  • تعدد الاستخدامات “مفتوح أو مغلق”: إن الأنظمة المفتوحة هي تلك الأنظمة التي تتعامل مع عدة تطبيقات، ولها عدة استخدامات، ومثال على ذلك بطاقة السجل المدني تستخدم في معظم الدوائر الحكومية، والقطاع الخاص للتعريف بحاملها أنه هو، وتتعامل مع عدة أنظمة أخرى، مثال على ذلك أنظمة الشرطة الدولية حيث تتعامل مع معظم أنظمة العالم لتبادل المعلومات الأمنية. وعليه فإن هذا النوع يحتاج إلى مقاييس يتم الاتفاق عليها بين المنظمات التي تعنى بذلك. أما الأنظمة المغلقة: فهي الأنظمة التي تخدم مصلحة واحدة فقط، ولها استخدام مخصص لذلك، مثال على ذلك “شبكة الحاسب في البنوك الإلكترونية أو بطاقة الصراف الآلي” فإن النظام لا يعمل إلا لتلك المصلحة ولعمليات مخصصة أيضًا.

وتتأثر الأنظمة الحيوية بواحد أو أكثر من الأمور التي جعلتها هامة في تطبيق تلك الأنظمة ومنها:

  • قدم وانتشار النظام.
  • أهمية النظام وتعدد استخداماته.
  • اكتمال البحوث واعتماد تطبيقاته.
  • سهولة استخدام النظام وكفاءته.
  • آفاق ومستقبل استخدام النظام.

وهناك أنظمة أخرى حيوية لا تطبق عليها هذه العوامل على الرغم من البدء في الاهتمام بها بصورة أو أخرى في الأوساط العلمية والأطراف المستفيدة.

قواعد تطبيقات الأنظمة الحيوية:

إن الذين يتركون المجال لحماسهم ينسون في المعتاد المتطلب الأصلي في الوقت الذين يصلون فيه لهذه المرحلة. وهي تعقيد آخر يتطلب المحافظة على القواعد الأساسية لتطبيق الأنظمة الحيوية؛ فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من خلايا وأنسجة تُكوِّن الأعضاء، وخلق معها السلوكيات التي تؤثر عليها ولذلك فإن أي خصلة بشرية فسيولوجية كانت أو سلوكية يمكن أن تستخدم في مقارنة الأنظمة الحيوية للدلالة على صاحبها، بشرط أن تستوفي النقاط التالية ولو بنسب متفاوتة:

  • أن تكون شاملة: يجب أن تكون هذه الأنظمة الحيوية متوفرة لدى جميع البشر، ويمكن أخذ عينة من هذه الصفات بأسرع وأسهل الطرق؛ ليتسنى حفظها في قواعد المعلومات، وقد أثبتت الدراسات أن هناك عددًا كبيرًا من هذه الأنظمة موجودة في كل البشر، مثل: بصمة الإصبع، وبصمة العين، وبصمة الوجه، وبصمة الأذن.
  • أن تكون حصرية: لا يوجد شخصان يحملان الخاصية نفسها، إذ أثبتت الدراسات العلمية بأنه يوجد تشابه بين بصمات الأصابع، ولكن لا يوجد تطابق، ولكن نظام بصمة العين لم يثبت إلى الآن وجود أدني تشابه بينهما ولو أن القواعد المخزن فيها بصمات العين قليلة مقارنة بقواعد بصمات الأصابع، والفترة الزمنية بين النظامين كبيرة جدًا.
  • أن تكون دائمة في الشخص: لا تتغير بعامل الزمن والعمليات الجراحية، أو الحوادث، فمثلًا أثبتت التجارب بأن الجروح غير الغائرة على أصابع الكف لا تؤثر على البصمة بعد شفائها، وكذلك فإن عمليات العين الجراحية مثل إزالة الماء الأبيض من العين لا يؤثر على بصمة العين.
  • أن تكون سهولة الحصول على العينة: ويعني سهولة الحصول على الخاصية من الجميع مع مراعاة أن الحصول عليها لا يؤثر على صحة الإنسان، وأن أخذ العينة يتم بسرعة وسهولة.

ويجب أخذ الاعتبارات التالية عند التطبيق لبعض الأنظمة الحيوية:

  • الأداء: هنا نشير إلى العوامل التي تدخل في التأثير على نتائج القياس، مثل السرعة في الأداء، الصلابة وقوة الجهاز، ودقة المعلومات المدخلة في الجهاز، وسرعتها، والتشغيل، والبيئة التي تحدد عملية التعرف.
  • القبول: ونعني بها الدرجة التي يتم بها قبول النظام المطبق، وبشكل يومي على المجتمع، مثل عملية تسجيل الحضور والانصراف في مصلحة ما.
  • الخداع: ونعني بها مدى سهولة أو صعوبة خداع الجهاز بواسطة وسائل الغش والتزوير المستخدمة لهذه الأغراض مثلا هل يمكن التحايل على جهاز الصراف الإلكتروني الخاص بالبنوك.

وهنا علينا أن نعلم أن لكل نظام من الأنظمة الحيوية نقاط قوة ونقاط ضعف، لذا يجب أن يقع الاختيار على النظام الحيوي عن طريق ماهية استخدامات هذا النظام أو ذاك، مع مراعاة أنه لا يوجد نظام واحد يعمل على جميع التطبيقات، وصالح لجميع المتطلبات. لذا فإن المطابقة بين الأنظمة الحيوية والتطبيقات المرغوبة فيها تعتمد على الصفات المطلوب البحث عنها، وعند اختيار أي نظام من أنظمة السمات الحيوية يجب مراعاة الاستفسارات التالية:

  • هل يحتاج التطبيق لعملية تحقق وتوثيق أو عملية تعريف أوهما معًا؟ فإذا كان النظام تعريفيًا، يتم البحث عادة في قواعد بيانات كبيرة جدًا فيحتاج هذا النظام لنظام حيوي ذي قدرة عالية، مثل: أنظمة بصمات الأصابع، وأنظمة بصمات الوجه، وأنظمة بصمات الحمض النووي.
  • هل الشخص معتاد أو غير معتاد على النظام الحيوي، فيما إذا كان التطبيق مكشوفًا أو سريًا وأخيرًا فيما إذا كان المستخدم متعاونًا أو غير متعاون.
  • ما هي سعة التخزين المطلوبة؟ فعلى سبيل المثال فإن البرنامج الذي يعمل بجهاز نقال قد لا يحتاج إلا للقليل من المساحة التخزينية، ومن ثم يوصل بالجهاز الرئيسي لعمل المقارنة الكلية إذا طلبت.
  • ما هي قوة المتطلبات لنظام الأنظمة الحيوية؟ مثال على ذلك نظام حيوي فائق المقارنة مثل “DNA” يحتاج إلى وقت ومجهود لا يمكن تطبيقه في أنظمة ميدانية، مثل: المطارات، وإصدار بطاقات الهوية مثلًا.

ما هي نوعية الأنظمة الحيوية التي تكون مقبولة من المجتمع؟ 

هناك عدد من الأنظمة الحيوية المستخدمة في تطبيقات مختلفة وفي بيئات مختلفة تعتمد على الخلفية الثقافية، والدينية، والاجتماعية، والعرقية، والصحية ومستوى قبول المجتمع، فمسألة قبول نظام الأنظمة الحيوية في التطبيق ما هي إلا مسألة تفاهم وتعاون بين حساسية تقبل المجتمع للقيم، والمفاهيم المقدمة التي يوفرها نظام الأنظمة الحيوية التي بالتأكيد ستساعد المجتمع على تقبل المواطنة الرقمية ولتوفير حياة أكثر أمانًا، فتغيرت بعض القناعات فمثلًا وبعد أحداث (11) سبتمبر، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء وزارة تُعنى بأمن الدولة الداخلي، فتم أخذ بصمة المسافر والزائر للولايات المتحدة، وتغيرت حتى بعض النظم السياسية، مثل: إلزام مواطني بعض الدول بضرورة إصدار تأشيرة دخول مسبقة كانت في السابق لا تحتاج لمثل هذا الأمر.

لماذا الأنظمة الحيوية بدلًا من الأنظمة العادية في تعزيز المواطنة الرقمية؟

إن الأنظمة العادية التي تتمثل في إعطاء بعض المعلومات، مثل: الرقم المميز “PIN “، أو البطاقة الممغنطة، أو المعلومات الوصفية، عادة تكون عرضة للسرقة والتزوير والتعديل، مما يقلل نسبة الأمان ويزيد نسبة التخوف من الاختراقات الأمنية على كافة الأصعدة سواءً كانت مالية، حدودية، عسكرية، مدنية، معلوماتية مدنية كانت أو استخباراتية. وباستخدام الأنظمة الحيوية سوف تختفي المخاوف وتزيد فعالية كل من التالي:

  • الأمـان: وهو مطلب رئيسي لكل عمل يتطلب الأمان في استخدام النظام والصيانة، أي أن المستخدم يكون متأكدًا من عدم استطاعة أحد الدخول على معلوماته والعبث بها، أما من ناحية صيانة النظام يكون من السهل معرفة من قام بالدخول على النظام وهذا مهم جدًا.
  • السهولة: تكثر التواقيع والبطاقات الائتمانية، ويكثر معها حفظ الأرقام السرية، وتصعب العملية عند الكثير من الناس. فاستخدام نظام قياس حيوي يسهل كل هذه العمليات، بل يستغنى عنها وخاصة في الأمور المالية، أو دخول المنشآت الأمنية، والتعرف على المستخدم.
  • المسئولية: باستخدام الأنظمة الحيوية يكون المسئول قد ترك المسئولية لهذا النظام، فمثلًا عندما تريد دائرة حكومية ضبط الدوام اليومي للموظفين باستخدام نظام قياسي حيوي فسوف تصبح مسئولية هذا النظام ضبط الحضور والانصراف وضبط عملية الدخول في المناطق المحظورة.
  • كشف الغش والخداع: يمكن تزوير البطاقة الشخصية، والرقم السري، والمعلومات الشخصية، وقد زادت نسبة التزوير لكثرة المعاملات اليومية والمصالح المشتركة، وتقدم التقنية، وباستخدام تقنية الأنظمة الحيوية جعل ذلك أكثر صعوبة ومستحيلًا في بعض الأنظمة الحيوية.

ويرى بعض المهتمين أن هذه التقنيات ما تزال في مراحلها الأولى، وأنها مازالت تمثل تقنية حديثة يطلق عليها المولود الجديد (New Born Baby)، ولكن حقيقة الأمر هناك نسبة كبيرة من النجاح فلقد تم استخدامها في قضايا مصيرية في أنحاء متفرقة من العالم وأدت إلى نتائج مبهرة وتم تسجيلها من ضمن النجاحات العالمية. حيث قامت حكومة المملكة العربية السعودية ممثلة بوزارة الداخلية في تسجيل بصمات أصابع جميع المواطنين والمقيمين وصورهم الشخصية وتم حفظها في قواعد البيانات المركزية وتم اصدار البطاقات الشخصية وكما استخدمت بصمات العين في المطارات وفي عملية الحج والعمرة للحجاج والمعتمرين كما يتم استخدامها في معظم الخدمات الحياتية.

مقترحات الحلول لمواجهة تحديات المواطنة الرقمية في تطبيقات الأنظمة الحيوية.

ولتفعيل دور الأنظمة الحيوية في ترسيخ مفهوم المواطنة الرقمية وتحقيق الدقة المطلوبة والغرض المرجو منها لابد من مصاحبة التطور في التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية العاملة في هذا المجال الأمني تأهيلاً يتناسب مع أهمية الخدمة التي تقدمها هذه الأنظمة الحيوية. وفيما يلي بعض الإجراءات التي يجب السعي لتحقيقها في المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية والدينية وفيما يلي بعض المقترحات والحلول:

مقترحات تعليمية.

  • وضع مقررات في مراحل الدراسية المختلفة لتدريس المواطنة الرقمية.
  • وضع خطط تربوية لتنمية ثقافة المواطنة الرقمية تشمل المعلمين والطلاب.
  • وضع برامج تدريبية في الكليات العسكرية والجامعات لتدريب طلاب تلك الكليات والجامعات على الأنظمة الحيوية.
  • وضع خطط تدريبية لمنسوبي كافة القطاعات الأمنية والمدنية والتجارية على كيفية التعامل مع الأنظمة الحيوية.

 مقترحات تثقيفية.

  • إعداد برامج ارشاديه لتعظيم دور الأسرة في ارشاد وتوجيه النشء للاستخدام الأمن والسوي للتقنيات الحديثة
  • تفعيل دور المؤسسات الإعلامية والتربوية والدينية في تقديم نماذج للاستخدام السليم للتقنيات.
  • بث البرامج التحذيرية من مخاطر الاستخدام السلبي للتقنيات الحديثة
  • تفعيل أنظمة الحماية للأجهزة الإلكترونية والمحتوى وتطبيق العقوبات النظامية ونشرها
  • اعداد دورات تدريبية وورش عمل ومحاضرات لنشر ثقافة المواطنة الرقمية وبمشاركة الجهات ذات العلاقة
  • التركيز على ترسيخ مفهوم التعليم الذاتي لفئة الإباء والامهات.

الخاتمة.

إن المواطنة الرقمية تحتاج إلى التركيز على وعي المجتمعات، كما أن عملية تعليم المواطنة الرقمية تعمل على تشجيع الأفراد على تطوير كفاءاتهم على أنظمة التقنية المختلفة ومشاركتهم إبداعهم بالإضافة إلى الوعي بمراقبة نشاطهم عبر تلك الأنظمة ويجب علينا العمل على تعليم أفراد المجتمع على كيفية العمل والعيش والمشاركة في البيئات الرقمية بطريقة إيجابية والمشاركة الإيجابية والمختصة مع تفعيل التقنيات الرقمية بالطرق الصحيحة. والمشاركة بنشاط ومسؤولية لتفعيل تلك الأنظمة. والانخراط الجاد في عملية مزدوجة للتعلم والتدريب وإعداد الأفراد للعيش كمواطنين فاعلين ومساعدتهم على اكتساب المهارات والكفاءات اللازمة. ويقال “كثرة التعليم ودقة التدريب تقلل الدماء في المعارك”.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. فهد بن عبدالعزيز الغفيلي

مقدمة.

حيث ركزت الورقة الرئيسة على مجموعة من الأبعاد خاصة التقنية واستفاضت في التأكيد على أهميتها، وكذلك ركزت المقالة على مسألة التوعية وعدتها ضمن ثلاثة مبادئ أساسية للمواطنة الرقمية، بالإضافة إلى الأمن الرقمي والتفاعل الاجتماعي.

ولهذا فقد رغبت في هذه المقالة أن أؤكد على مسألة التوعية وأهميتها بالنسبة للمواطنة الرقمية. حيث تكمن هذه الأهمية في طبيعة العلاقة التناقضية بين العوالم الرقمية وبين التوعية، فبينما يمكن ملاحظة التأثيرات السلبية للعوالم الرقمية بكافة أشكالها على الفرد والمجتمع، وخلق شيء من اللامبالاة بالمادة غير المحسوسة المتداولة رقمياً، لدى كثير من الناس سواء كانت أموال أو وثائق أو حتى محتوى محظور التداول أو التخزين.

ولا أدل على ذلك من زيادة حجم الإنفاق لدى كثير من المتسوقين باستخدام بطاقات الائتمان أو وسائل الدفع الرقمية، والتعامل مع المال بطريقة وكأنها مجرد أرقام تزيد وتنقص، وليس بنفس القدر من المسؤولية التي يتعاملون بها مع النقد. وحين يستشهد الباحث “العيد” بمدى حرص والده على حفيظ النفوس، ورفضه إعطائه إيها؛ خوفاً من فقدها. وتفسير ذلك ليس كما يظن الباحث الذي يعزوه إلى حرص كبار السن فحسب، بل أظن بأنه يمكن تفسيره أيضاً بميل النفس البشرية بشكل عام إلى الاحتفاظ بالوثائق والأشياء المحسوسة، وتساهلها مع المستجدات الرقمية.

وكدليل على تساهل كثير من الأشخاص بالمسائل الرقمية ومنها الحسابات المختلفة، أن مجموعة من الباحثين تمكنوا من التعرف على كلمات مرور أكثر من 200,000 حساب مختلفة على الإنترنت، خلال أول عشر ساعات فقط من إجراء التجربة، أغلبها تم الوصول إليهم عن طريق التخمين البدائي جداً، والآخر عن طريق تكرار عدد نمطي من الأرقام عادة ما ينتهجه الأشخاص في اختيار كلمات المرور بطرق متشابهة، ظناً منهم أنهم الوحيدون الذين ينتهجون هذه الطريقة، وهذا عائد إلى قلة الوعي. بل إن من أغرب الأخبار التي اطلعت عليها في هذا الجانب، أنه تمت قرصنة أحد المواقع الرقمية التابعة لمركز شرطة في إحدى المدن الأوربية، وعلى الرغم من أساليب الحراسة المشددة والمعايير العالية التي ينتهجها هذا المركز على أرض الواقع، إلا أنه في العالم الافتراضي أو الرقمي، اختار رئيس المركز كلمة مرور سهلة يدخل بها على قاعدة بيانات المركز، ظناً منه أنه لا أحد يمكنه تخمين هذه الكلمة والتي كانت عبارة عن أرقام متسلسلة من واحد إلى تسعة.

ولهذا كان لابد لي من هذه المقدمة لبيان مدى تساهل كثير من الناس مع العوالم الرقمية، وعدم النظر إليها والتعامل معها بنفس الحرص الذي يولونه لعالم الواقع، وهو ما يؤكد أهمية التوعية المستدامة حول المواطنة الرقمية.

أهمية التوعية بمفهوم المواطنة الرقمية:

بحسب بيك (1997)[3] وباكاردجيفا (2009)[4]، فإن الطريقة التي يفهم بها الشباب معنى المواطنة مهم لأن ما يتخيله الأفراد ويتوقعونه من المؤسسات المدنية يؤثر على السلوك المدني والسياسي. حيث يرى الشباب أن التصورات المدنية عبارة عن موارد تخدم كجسور بين الحياة الخاصة والعالم العام، وهذا يمكن أن يعين على معرفة كيفية اتخاذ القرارات بالنسبة لهؤلاء الشباب، حتى خارج نطاق المشاركة السياسية التقليدية؛ كشراء فنجان قهوة، واختيار ركوب الحافلة بدلاً من القيادة، وقرار تبديل البنوك، كل هذه القرارات الخاصة يمكن أن يكون لها تأثير في الوعي لقرارات أكبر، ومنها المشاركة السياسية.

هذه المشاركة السياسية، بحسب سميث وآخرون (2005)[5]، ستتأثر في حال كان هناك سوء توافق بين ما هو منتظر من المواطنة في جوانبها الاجتماعية، وبين طموحات الشباب. وأن هذه الفجوة ستقود إلى الانطوائية السياسية والعزوف عن المشاركة في صنع القرار السياسي أو المشاركة الديمقراطية.

ما أقصده هنا أن أهمية الوعي والفهم الصحيح للمواطنة الرقمية يؤدي دوراً لا يستهان به في حياة الفرد الخاصة والعامة، بدءاً من شراء كوب القهوة إلى المشاركة في صناعة القرار السياسي.

الأبعاد التوعوية:

هناك من يعرف المواطن الرقمي “بأنه من يستخدم الإنترنت بشكل منتظم وفعال” (Mossberger, 2011)[6]، وحيث أن تقارير هيئة الاتصالات تشير إلى أن نسبة مستخدمي الإنترنت في المملكة تجاوزت 82% هذا العام 1444هـ (2022)[7]، وهو ما يترتب عليه مجموعة من الاعتبارات المهمة:

  • وجود ضرورة لتوعية أكثر من ثلاثين مليون مستخدم أو مواطن رقمي.
  • هذه التوعية مستدامة ولا تنقطع بمرور الوقت، تسلط الضوء على المستجدات وتؤكد على المحاذير السابقة.
  • والأهم وجود مجالات حيوية من المهم أن تشملها البرامج التوعوية.

ولهذا فاستناداً لريبل وبالي (2008)[8]، فإن المواطنة الرقمية تتطلب فهم جوانب لها علاقة بالإنسان والثقافة والمجتمع وكيفية التعاطي معها حين التعامل مع التقنية بشكل يكفل مراعاة الجوانب الأخلاقية. أما جونز وميتشل (2016)[9]، فيؤكدان على أهمية قيام المؤسسة التعليمية والتربوية بدورها في مجالات التوعية ويشددان على أن البرامج التوعوية من المهم أنتركز على بعدين أساسيين، وهما:

  • التركيز على السلوكيات المحترمة أثناء التعاملات الرقمية.
  • التدرب على المشاركة المدنية عبر الإنترنت.

ويوصي جونز وميتشل[10] بأهمية التفريق بين التوعية بالمواطنة الرقمية، والتوعية بمحو الأمية الرقمية (الإنترنت والمهارات التقنية للحواسيب). فبينما الأخيرة تركز على مهارات مثل: معرفة استراتيجيات البحث الجيدة، وفهم واستخدام إعدادات الخصوصية، وممارسة سلوكيات الحماية من سرقة الهوية، وإنشاء كلمات مرور آمنة، فإن المواطنة الرقمية تركيز على مساعدة الشباب على بناء وممارسة مهارات اجتماعية محددة عبر الإنترنت، والتحذير من سلوكيات غير مرغوبة مثل التنمر عبر الإنترنت، وتداول المحتوى الإباحي وغيرها من سلوكيات غير مقبولة.

ويشير أوزتوك (2021)[11]، إلى أن المواطنة في العصر الرقمي لابد أن تغطي ما يلي:

  • التركيز على فهم جميع وجهات النظر.
  • احترام الخصوصية الرقمية والملكية الفكرية على الإنترنت.
  • التواصل مع الآخرين من خلال القنوات الرقمية، ومعاملتهم بلطف.
  • استخدام التفكير النقدي لجميع الموارد عبر الإنترنت.
  • تجنب النقل عن المصادر غير الموثوق بها سواء إخبارية أو إعلانية مزيفة.
  • التدريب على تسخير التقنية لتحقيق الأهداف الاجتماعية.
  • إعطاء الأهمية للصحة الجسدية والعاطفية والعقلية أثناء استخدام الأدوات الرقمية.
  • المحافظة على الهوية الرقمية واتخاذ التدابير اللازمة التي تكفل ذلك.

خاتمة:

تأتي أهمية التوعية حول المواطنة الرقمية من طبيعة التعاملات الرقمية التي ربما جعلت كثير من الناس يتعاملون مع مواد رقمية في غاية الأهمية بشيء من اللامبالاة، وبطريقة ربما تؤثر على حياتهم المستقبلية وتعرضهم للمساءلة النظامية. وحيث أوضحت الدراسات بأن طبيعة الوعي الرقمي ربما أثرت في قرارات فردية صغيرة كشراء فنجان قهوة، أو في قرارات فردية ذات حساسية عالية كالمشاركة السياسية. ولهذا فقد كتب عديد من الدراسات حول المجالات التي يجدر الاهتمام بها عند التوعية حول المواطنة الرقمية، وكان من أبرزها أهمية تسليط الضوء على التفكير الناقد، واحترام الحقوق الفكرية، وتفهم وجهات النظر. التركيز على هذه الأبعاد، وغيرها كثير، عند التوعية سيساعد في خلق بيئة مواطنة رقمية صحية، وكذلك ستوجد مواطن رقمي يتعامل مع التقنية بوعي ومهارة.

 

  • التعقيب الثاني: د. فايزة بنت محسن الحربي

المقدمة

ندرك جميعا اتساع تعايشنا اليومي مع التحول الرقمي في كثير من أمور حياتنا البسيطة منها والمعقدة، المهمة وغير المهمة، ومع هذا التحول المجتمعي للعوالم الافتراضية نواجه كثير من التحديات لمواكبتها والتصدي لمخاطرها فقد أطلت علينا بواقع ضافي في الايجابيات خطير في الجرائم الإلكترونية، ما يتطلب منا وعي ناضج للتعامل معها.

وفي تعقيب على الورقة المقدمة لخبير الأنظمة الأمنية د عادل عبد الرحمن العيد بعنوان: (دور الأنظمة الحيوية في ترسيخ مفهوم المواطنة الرقمية في السعودية) التي ناقشت جوانب متعددة حول مبادئ المواطنة الرقمية وتاريخ تطورها في السعودية وأبرز التحديات التقنية ذات الصلة بها، وطرح كيف ساهمت الأنظمة الحيوية في تعزيز المواطنة الرقمية، إضافة إلى تعقيب الباحث في الفكر د. فهد بن عبد العزيز الغفيلي حيث ركز على التوعية وأهميتها بالنسبة للمواطنة الرقمية واستشهد بالكثير من الاحصائيات المهمة التي أوضحت مدى تساهل كثير من الأفراد وأحياناً بعض المسئولين في القطاعات المختلفة الأمنية من التعامل مع الفضاء الرقمي والحسابات المهمة عليه في افتراضية حول تساهل بعض الناس بالواقع اللا محسوس لهذا العالم الافتراضي، وخطورة ذلك من ما قد يعرض هؤلاء الأفراد لاختراقات لحسابتهم الخاصة في البنوك والعمل.. وغيرها، وفي متابعة لأهمية التوعية المجتمعية ودورها في كبح الشائعات والتصدي للغوغائية ودور الفرد كمواطن رقمي ومسئوليته في هذه العوالم الافتراضية تجاه دينه ووطنه ومجتمعه ستدور فضاءات التعقيب، إضافة إلى بعض جوانب المواطنة الرقمية في بلادنا.

المواطنة الرقمية مع رؤية 2030

تخطت المملكة العربية السعودية مسافات كبيرة في التعامل ومواكبة العوالم الافتراضية وتسخير التقنية لكثير من الخدمات على مستوى الأفراد والجهات الحكومية وغير الحكومية، هنا نذكر بعض التحولات والمنجزات في عالم التقنية السعودية وكيف ربطت لتحقيق رؤية 2030 رؤية الوطن، فمن نجاح تجربة الحكومة الإلكترونية والربط بين الدوائر الحكومية والمعاملات في البنوك والوزارات، ومن أبرزها على سبيل المثال نجاح تجربة (وزارة الداخلية، وزارة التعليم، وزارة التجارة…)، إضافة إلى اتساع نجاحات التجارة الإلكترونية والأنشطة التجارية على مستوى الأفراد والشركات السعودية، حتى تكاد كثير من المؤسسات والشركات تتحول من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي بسبب قلة التكاليف مقابل زيادة في نسبة المبيعات الرقمية، ما يعزونا إلى التنبؤ بالاتجاه المستقبلي في خلق عوالم إلكترونية أوسع تجارية وخدماتية.

التحول الرقمي

كما أكدت المملكة التزامها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، وتحقيق التحول الرقمي الفعال الذي يعد أحد الركائز الأساسية لتحقيق رؤية المملكة 2030، خصوصاً وأن برنامج التحول الرقمي يهدف إلى بناء مجتمع رقمي، وإنشاء منصات رقمية لإثراء التفاعل والمشاركة المجتمعية الفعالة بما يسهم في تحسين تطوير الصناعة، وتحسين التنافسية والتأثير الإيجابي على الوضع الاقتصادي، وتوليد الوظائف، وتقديم خدمات أفضل للمستفيدين، وخلق وطن رقمي من خلال استقطاب الاستثمارات والشراكات المحلية والعالمية في مجالات التقنية والابتكار.

وحري بنا التعريج على بعض الجهود المبذولة في  قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بالمملكة على مدى السنوات الماضية، (من قفزات نوعية على مستوى البنية الرقمية، وتنمية القدرات الرقمية، والمشاريع الرقمية الضخمة، خصوصا وأن العالم اليوم يمر بتحولات نوعية في مجالات الثورة الرقمية، لذا أسهمت الجهات المعنية في المملكة ومنها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بالعمل على مشاريع مختلفة لنشر المعرفة الرقمية، وتعزيز المحتوى التقني، وتنشيط دور المجتمعات التقنية المتخصصة في كل ما يستجد في مجال التقنية لتحقيق التنمية المستدامة، حيث أطلقت الوزارة العديد من المشاريع، ومنها مبادرة العطاء الرقمي التي تهدف إلى نشر الوعي الرقمي ومحو الأمية الرقمية عبر بناء مجتمع تطوعي من مدربين ومتطوعين لصناعة المعرفة الرقمية، ومشاركتها مع مختلف فئات المجتمع عبر فعاليات وبرامج تدريبية، ومبادرة التفكير الفني التي تهدف إلى نشر الوعي بتقنيات الثورة الصناعية الرابعة لتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع حيوي رقمي فعال.

كما سعت المملكة لتكون من ضمن أفضل 100 مدينة بالعالم، وذلك من خلال تزويد 5 مدن حالية بالبنى التحتية الذكية. فيما يلي أبرز المشاريع الضخمة التي تشكل التكنولوجيا الحديثة فيها دوراً فعالاً وتتمثل هذه المدن في مدينة: (نيوم، مشروع البحر الأحمر، مشروع القدية، مدينة وعد الشمال، مدينة الملك سلمان للطاقة سبارك)، وانطلاقاً من هذا الاهتمام فإن السعودية تعد من أكثر الدول في منطقة الشرق الأوسط التي يكثر فيها أعداد مستخدمي شبكة الإنترنت، كما يحصل 100% من السكان على اتصال بشبكة الجيلين الثاني والثالث، بينما 88% منهم يحصلون على اتصال بشبكة الجيل الرابع).[12]

تقنية المعلومات

كما تهتم المملكة بشكل كبير بتطوير البنية التكنولوجية للمساعدة في نشر تقنية المعلومات، وفي هذا السياق تحتل المملكة المركز الرابع عالمياً في الجيل الخامس وإنترنت الأشياء، وذلك عبر آلاف الأبراج الموزعة في مختلف مناطق ومدن المملكة. وتعمل المملكة بشكل مستمر على تدريب وتأهيل الكوادر البشرية بآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة، حيث عملت على تدريب أكثر من 18 ألف كادر وطني في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات.

 الوعي بالمواطنة الرقمية وابعادها

ولا تنحصر خدمات العالم الرقمي على الجهات الحكومية والتجارية بل امتددت إلى الترفيه للأفراد ونشر الاخبار الإعلامية الهامة والغير هامة ما يجعلها تحتاج لفلترة من قبل الأفراد قبل تصديقها وإعادة نشرها حيث لعب الفرد دوراً حيوياً في إعادة نشر هذه الأخبار والمساهمة في انتشارها على نطاقات واسعة من باب الاهتمام بنشر كل جديد أو النشر من باب التسلية والمتعة والشعور النفسي بالأهمية والمشاركة الفاعلة في تحقيق دوره المجتمعي.

هنا يأتي دور الفرد كمواطن رقمي في الوعي لما يستقبل ويرسل من رسائل رقمية قد تكون بسيطة كما يتوقع وربما تكون ذات ابعاد ايدلوجيا فكرية وسياسية أعمق من ظاهرها فلذلك لابد أن يتعامل معها الجميع بوعي وحرص كبير قبل النشر أو التداول، من خلال طريقة تلقي المعلومات والأخبار وفلترتها بوعي عقلي واجتماعي وديني وتقبل المتوافق مع هذه المعايير ورفض ما يخالفها وفي هذا الصدد اعرض لكم جزء من بحث علمي قدمته سابقاً في جامعة الملك سعود، حيث ناقش رؤيتي حول نظرية رقمية جديدة تم إثباتها علمياً تناقش ظاهرة مجتمعية تستحق البحث فيها لاستخلاص واستنتاج أبرز الحلول لمواجهتها.

اطرح لكم مستله من الورقة البحثية التي قدمتها في المؤتمر الدولي الثاني (البيئة الجديدة للإعلام التفاعلي في العالم العربي) الواقع والمأمول، بقسم الإعلام، كلية الآداب، جامعة الملك سعود عام 1438هـ _ 2017م، حمل البحث عنوان: (الغوغاء الرقمية الاجتماعية) وهي دراسة وصفية مسحية تناولت انتشار فكر الغوغائية في وسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبحت هذه الوسائل أحد أهم شبكات الأحاديث الاجتماعية، ومنافسة في الفضاء العام للحوارات المجتمعية بعيداً عن مؤسسات الاتصال العام التقليدية. كما اسُتغلت هذه الوسائل من قبل البعض لنشر الأحاديث المفبركة والإشاعات اضرت هذه الظاهرة كثيراً بالسلم المجتمعي العام، وأصبحت تشكل عبئاً على الأمن وعلى المشرعين.

إن هذه الفوضى الاجتماعية شرحتها أو فسرتها بعض النظريات العلمية كـنظرية “الغوغاء الذكية”[13]. ففي العصر الحاضر بالمقابل هناك غوغاء مختلفة يمكننا تسميتها “الغوغاء الرقمية الاجتماعية – أو غير الذكية” يتناول فيها أفراد من المجتمعات المتعددة وسائل التواصل الاجتماعي، فيساعدون في نشر مواد ونصوص بطريقة عشوائية غير مقصودة عبر المنصات الاجتماعية بدون وعي بالهدف من هذه الرسائل وبدون معرفة مصدرها الرئيس، فيساهمون في نشر الأفكار المضللة والرسائل غير الهادفة، ما يدعم انتشار الإشاعات بسرعة دون إدراك للمخاطر والتأثيرات المترتبة على ذلك من زعزعة أمن الأوطان ونشر الفتن في المجتمعات، وهؤلاء أفراد المجتمع يقومون بنشرها في الغالب إما بحسن نية، أو لكسب شهره السبق على أقرانهم، أو يعتبرونها من ممارسات الترفيه الإلكتروني البريء.

هذه الظاهرة التي ناقشت دور مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في سرعة تدوير الرسائل بين المجموعات المتعددة دون التحقق من مصداقيتها وبشكل عشوائي هي موضوع هذه الدراسة الأساسي.

مصطلح الغوغاء هي: الصوت والجلبة[14]، وهي الرعاع من الناس سُموا كذلك لكثرة لغطهم وصياحهم[15]، وهو الجراد حين يخفُّ للطيران، أو بعد ما ينبتُ جناحه. ويطلق على الكثير المختلط من الناس، وعلى السفلة من الناس، والمتسرعين إلى الشَّر، والعامة تستعمل الغوغاء للجلبة واللغظ[16].

صفات مروجي الغوغاء الاجتماعية:

ويوكد الحزيمي[17] في مقاله المعنون: (الغوغاء والدهماء) واصفاً الغوغائين أنهم وصفوا بالدهماء والسوقة والرعاع والهمج والغثراء ورجرجة الناس ويستطرد بأنه لم يجد لهذه الفئة دوراً مشرفاً يستحق الإشادة أو الثناء، بالرغم من قرأته الطويلة في أحداث التاريخ العربي، بل على العكس لديهم الاستعداد القيمي لممارسة الفوضى والتحفز لها عند كل مناسبة مواتية، ويضيف الحزيمي هنالك من وعى لأهمية هذه الفئة فاحتوى مسلكها من خلال خطاب مؤدلج…، واستعملوا كمطايا لأهداف فئة معينة أو فئات ما كانت لتصل لأهدافها فهم الوقود المحرك للفوضى الاجتماعية وللنعرة القبلية والتعصب الإقليمي. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، ورعاع همج يميلون مع كل ريح. صدق سيدنا علي رضي الله عنه فما بالنا بالرعاع ينتشرون في ترويج الرسائل الرقمية المغرضة مع ما تتميز به شبكات التواصل الاجتماعي من نشر مجاني سهل الاستخدام وسريع الانتشار عالمي لا يتقيد بحدود زمان ولا مكان ولا نظام.

كما شبهت الخميس[18] (العامة والغوغاء) أنهم دائماً يبدون بصورة جسد هائل يموج بالانفعالات ويحتدم بالعاطفة، ولكنه بلا رأس، أي بلا قدرة على التفكير والاستبصار وقياس الظروف بحكمة وتروٍّ وقدرةٍ على وضع الأمور في نصابها وظرفها التاريخي. وطالبت القنيعير[19] بتعرية فكر الغوغاء وتجريده من حمولاته الكاذبة والمضللة فهو وإن تكشّف زيفه لبعض النخب لكنه لا يزال غير واضح لباقي الناس الذين ينقادون لتحريضه دون وعي، ينبغي أن يعرف هؤلاء أن ما تقوم به الغوغاء لا يخدم الإسلام وشددت على خطورة الغوغاء ونتائجه المدمرة.

آراء عدد من المختصين حول الظاهرة

عند عرض البحث لنشره ككتاب على عدد من المختصين الأكاديميين ومسئولي الأمن الفكري الذين أبدو بدورهم آراء حول هذه الظاهرة وتناولوا أهمية مناقشتها علمياً لتسليط الضوء على أنجح السبل لمكافحتها ومواجهتها للحد من آثارها السلبية على المجتمعات حيث يقول أستاذ الإعلام  أ.د. علي بن شويل القرني عضو مجلس الشورى: “نحن – أكاديميين ومسئولين – ندرك خطورة هذه الممارسة المفتوحة غير المقننة التي تتداخل مع قضايا وموضوعات وطنية وقومية تؤدي حتما إلى التشويش على هذه القضايا والتأثير عليها وتوجيهها إلى مسارات سلبية ترتد إلى مصالح ضد الوطن والمواطن.

ولن أزيد على ما ذكرته الباحثة في توصياتها بأن هذا المصطلح يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل ومزيد من التطبيقات والمقارنات حتى نستطيع أن نفهم ونفسر ونشرح ظاهرة التفاعلية العشوائية من قبل الجمهور في شبكاتنا الاجتماعية.

اما أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الإمام د. عبد الله بن ناصر الحمود وهو عضو ملتقى اسبار الثقافي يثير عدد من التساؤلات حول الظاهرة هل يمكن أن يكون للغوغائية فكر؟ وهل يفكر الغوغائيون أصلا؟ وهل تقتات وسائل التواصل الاجتماعي من فكر الغوغائيين؟ أم من غوغائية الأفكار؟ وما الذي يمكن فهمه بشكل دقيق أثناء الضجيج الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

ما الذي يريده المستخدمون المرسلون من الجماهير المستقبلة لرسائلهم؟ وهل كل ما تضج به تلك الوسائل من المعاني والأفكار صحيح ودقيق؟ أم أن الأمر على خلاف ذلك؟ وإلى أي مدى يمكن معرفة الحد الفاصل بين الحقيقة والغوغاء في محتوى الوسائل هذا؟

المدخل النظري الذي تحاول الباحثة مناقشته بل وإثباته مدخل خطير جداً لو نجحت فيه؟ أتمنى لها النجاح بالفعل وأن تتمكن من إثبات غوغائية شبكات التواصل على أساس نظري علمي وليس كما هو متداول كوصف اجتماعي عابر.

اما د. عبد الله بن عبد المحسن العساف أستاذ الإعلام بجامعة الإمام، وعضو ملتقى اسبار الثقافي يؤكد على تفشي الظاهرة في مختلف المجتمعات لكن بدرجات متفاوتة عادات جديدة في التعامل المعلوماتي والخبري والتفاعل معهما، والسبب يعود لشبكات التواصل الاجتماعي بسعة انتشارها ورواج مضمونها في زمن قياسي غير معهود، حتى أصبحت فضاء مفتوحا للحوار. وكان المأمول أن ينحصر حوار  ومناقشة القضايا المهمة والمصيرية على أهل الخبرة والاختصاص والتأثير، مدعماً بالأدلة والبراهين المنطقية، لكن هذه الثورة الاتصالية اتسمت بالعدالة الاجتماعية؛ وأعطت للجميع دون استثناء حق استخدمها، والانتفاع بها،  مما أربك المشهد الاتصالي بدخول الغوغائيين لهذا الفضاء الاتصالي والتعامل معه دون سابق وعي، أو معرفة، فتم استخدامهم  دون شعور منهم لتمرير رسائل لمجموعات متعددة في مجتمعات افتراضية إلكترونية هذه الرسائل تكون ملغمة بدعوات فكرية أو تحريضية، أو نقل شائعة أو إرسال معلومة أو صورة بعد التقاطها مباشرة دون إدراك بمخاطرها وتأثيراتها.

ويضيف د. العساف هنا يأتي واجب النخب في كبح جماح الغوغائية وتسيدها المشهد، والحد من تأثيرها وقبولها لدى شرائح المجتمع المختلفة، من خلال الارتقاء بالوعي، ومستوى الطرح، ومضمونه، وتوقيته.

اما د. فهد بن عبد العزيز الغفيلي الباحث في الفكر، المعقب الأول على قضيتنا الحالية يقول: “مع انتشار وسائل التواصل، وسهولة تمرير المعلومة بين الناس، صار الفرد يتلقى عشرات الرسائل على مدار الساعة. هذه الرسائل تحمل في طياتها الغث والسمين، ما هو حقيقي وما هو زائف. كل شخص يبعث برسالة له مقصد يسعى إلى تحقيقه، بغض النظر عن حجم هذا الهدف وقيمته. بعض الأفراد يبعث بالرسائل التي تدهشه وتشده، ويريد أن يدهش غيره. يبعثها دون تفكير بحقيقتها ولا بصحتها ولا بالهدف من نشرها. وفوق ذلك لا يدري أن كان لها تأثيرات سلبية عليه وعلى محيطه الأسري والاجتماعي. هذا الصنف من الناس يتلقى الكلمة ثم يعيد نشرها دون تفكير، (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم). ويضيف د. الغفيلي تأتي د. فايزة الحربي لتسمي هؤلاء بالغوغاء؛ لكثرة ما ينشرون من رسائل الإرجاف والتهويل، التي تفزع كثير من متلقيها، كما تفعل الجلبة والضوضاء. وتسعى د. الحربي إلى معالجة الموضوع بطريقة علمية؛ من خلال تفسير سلوك هؤلاء الغوغاء، مستخدمة نظريات الاتصال والإعلام التي سعت إلى وضع أطر نظرية تمكن الباحثين من إسقاطها على ظاهرة بعينها لتبسيطها وشرحها للمتلقي.

مناقشة النتائج

جاءت نتائج الدراسة مؤكدة على فرضية البحث الأساسية حول انتشار الغوغاء الاجتماعية بين أفراد المجتمع السعودي والعربي من وجهة نظر النخب في الجامعات السعودية والعربية، وتدل النتائج على أن أفراد المجتمع يتناقلون الرسائل الرقمية ويقومون بإعادة تدويرها دون وعي منهم بخطورة ذلك أو حتى الإحساس بأن هناك منظمات وأعداء يخططون في الخفاء ويمررون رسائلهم عبر عامة الناس لتنتشر بين الناس فتخدم أهداف هذه المنظمات سواء كانت أهداف (فكرية أو سياسية أو دينية)، كما يزداد نشاط هذه الرسائل المغرضة وقت الأزمات التي قد تمر بها الأوطان.

لذا تأمل الباحثة من الجهات المسئولة بذل جهود أكبر في التوجه لزيادة رفع الوعي والإحساس بالمسئولية الاجتماعية لدى أفراد المجتمع وعدم تمرير أي رسائل رقمية من قبلهم حتى لو كان الأمر من باب المزاح أو الترفيه البريء أو رغبة في الظهور أو الشهرة.

وقد خطت بلادنا الحبيبة لعلاج هذه الظاهرة بحكمة خطوات جيدة منذ طرح الظاهرة بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال الكثير من البحوث العلمية وذلك في عدة مؤتمرات علمية وملتقيات ثقافية، حيث ناقشت الظاهرة وسلطت الضوء على آثارها السلبية على المجتمعات كانتشار الشائعات وبث الفتن وزعزعة الأمن والأمان، كما تم طرح توصيات بطرق التصدي لهذه الظاهرة الغوغائية الرقمية.

التوصيات

  • أهمية إجراء مزيد من الدراسات العلمية التي تناقش العلاقات والفروق في فرضية الغوغاء الاجتماعية وتطبيقها على عينات مختلفة، إذ تمثل هذه الفرضية حال إثباتها علمياً انطلاقة نظرية من أوائل النظريات العربية الإسلامية في مجال علم الإعلام الرقمي وعلم الاجتماع وعلم شبكات التواصل الاجتماعية الحديث.
  • زيادة رفع الوعي لدى أفراد المجتمع نحو المسئولية الاجتماعية التي تقع عليهم بأهمية عدم تمرير الرسائل الرقمية إلا بعد التأكد من مصداقيتها ومصادرها والأهم سلامة أهدافها بما لا يمس الدين والوطن وأمن المجتمعات وقيمه.
  • تكثيف الحملات التوعوية من قبل الجهات المسئولة لدى منسوبيها للتشديد على منع تمرير الرسائل الرقمية التي تمس الدين أو الوطن أو قيم المجتمع العامة.
  • سن قوانين صارمة لكل شخص يمرر أو يعيد تدوير رسائل رقمية على شبكات التواصل الاجتماعي ذات أبعاد تمس الدين أو الأمن في البلاد أو تنشر الفتن والشائعات بمستويات متفاوتة في درجة العقوبة بحسب الضرر المترتب من نشر الرسالة.

الخاتمة

وبعد طرح نبذه تعريفية حول ظاهرة الفكر الغوغائي وطرح عدد من الأفكار لذوي الاختصاص حول هذه الظاهرة خرج البحث بالعديد من النتائج والتوصيات التي لا يسع المقال لطرحها، أوجزها لكم في خروج البحث بنظرية علمية معنونة بالغوغاء الرقمية الاجتماعية وهي الأولى عربياً (لأول امرأة سعودية) وتأتي التوصيات لطرح الظاهرة في المحافل العلمية وتداولها ومناقشتها في البحوث العلمية والرسائل الجامعية لتناول الظاهرة من جميع جوانبها والعمق في أبعادها المختلفة: (الاجتماعية والإعلامية والدينية والأمنية والاقتصادية والسياسية)، مع توضيح وسرد لآثار انتشارها الخطير على المجتمعات كإثارة الفتن والشائعات والنشر الغير مقنن البعيد عن الوعي الإنساني.

 

  • المداخلات حول القضية
  • مقاربة المواطنة من زاوية التقنية.

مفهوم المواطنة من المفاهيم الحديثة نسبياً؛ إلا أن معانيه متجذرة منذ القدم (1). والمواطنة حسب التعريفات الشائعة تشير إلى الحقوق والواجبات؛ أي حقوق المواطن التي تضمنها له دولته وواجباته تجاهها.  وبإضافة “الرقمية” “للمواطنة” فهي تشير إلى: “مجموعة من قواعد السلوك والمعارف والمهارات والقيم التي ينبغي أن تتوفر لدى الأفراد في المجتمع الرقمي، لتجعله متمكناً من استخدام التقنية قادراً على التعامل مع متطلبات ومهارات الوصول الرقمي” (2).

أيضاً يشير مفهوم المواطنة الرقمية إلى “شكل من أشكال الهوية الاجتماعية يشترك فيها كافة أفراد المجتمع.. وتنطوي على عدد من الحقوق والواجبات والقواعد والمعايير والأفكار والمبادئ المتبعة في الاستخدام الأمثل للتقنية التي يحتاج إليها المواطن (3).

ومع التقدم الواضح للتكنولوجيا وسهولة الحصول عليها حول العالم، أدى ذلك إلى ظهور مفاهيم جديدة منها المواطنة الرقمية (4). ومقاربة المواطنة من زاوية التقنية أمر رشيد وذكي، في الوقت ذاته فإن مقاربة التقنية من زاوية المواطنة أمر ضروري وضروري جدا إن لم نفرضه على أنفسنا فرض نفسه.. المواطنة أساس رئيس في التنمية والاستقرار ومرجع الانتماء وأساس للمشاركة في البناء والاندماج وكسب الرزق في سياق حياة الوطن والمجتمع.. والتقنية سوف ترسخ هذا المبدأ الاساس بل وتستخدمه من حيث لم يعلم العالم في تاريخية ولم يجرب.

هذا الامر وهو مهم بل ضروري سوف يفرض اندماج المفاهيم الشرعية والاجتماعية والنفسية والقانونية والسياسية والتربوية والتعليمية في المعادلة واخذها في الاعتبار في التطوير. وهذا شان يفرض العمل المشترك وتبادل الخبرات والمعارف افقيا وعمودياُ.

  • واقع جهود المملكة في مجال المواطنة الرقمية.

العالم يتجه إلى رفع وإلغاء الحدود السياسية المادي، حيث هذا التغير الواقعي يأتي من خلال التغيير المتوقع والذي يعيشه العالم من خلال هذه الطفرة الرقمية في عالم تقنية المعلومات ليس هنا فقط، ولكن هناك معلومات توضح بان معدل التغيير الذي يعيشه العالم في التراكم المعرفي في تقنية المعلومات يتضاعف خلال سنتين، وهذه الدراسات قبل عقد من الان؛ إذا هناك تغيير مخيف في هذا المجال. والتصور أن الدولة التي لا تستطيع الاستفادة من هذا الفضاء سوف تكون في هامش الأطلس.

ومن خلال ما نشاهده على المستوى المحلي بأن ولله الحمد المملكة لديها الشيء الكثير في هذا المجال وكانت ازمة كورونا كوفيد 19 المحك الحقيقي حيث ساهمت هذه الثقافة على المستوي الحكومي والفردي تجاوز الازمة في اهم المجالات (الصحة والتعليم والأمن).

إن أجمل ما في الرقمنة هو حجم الخدمات التي تحملها وتقلل فيها الجهد والوقت والمال للحصول والوصول لتحقيق مصالح استراتيجية واقتصادية وامنية فردية ومؤسساتية، والمنجز كبير وبخاصة في الداخلية والبنوك والعدل ثم المؤسسات التعليمية والصحية وعامة الخدمات. هذا المنجز الكبير اسهمت في تحقيقه ونجاحه لدينا الدعم الكبير من الدولة لتوظيف ذلك واستثماره ووجود اجهزة والواح ذكية جعلت الافادة من هذه الخدمات متاحة. لذا فان هذه المنجزات ينبغي أن تمتد وتستمر وتتطور لتحقيق الكثير من الاعمال الإلكترونية؛ إذ ذلك سيسهم في المزيد من الضبط المالي ومحاربة الفساد والسرعة في الحصول على الخدمات.

وفي بحث قام به مجموعة من الباحثين ونشر في مجلة Procedia Computer Science 194 (2021) 190–201، أشاد خلاله الباحثون بقدرة الحكومة السعودية على تسخير التقنية لمواجهة جائحة كورونا، حيث يذكر البحث بأن الحكومة السعودية بالتعاون مع القطاع الخاص تمكنت من تطوير تسعة عشر تطبيقاً ومنصة رقمية أثمرت عن تأثيرات إيجابية كبيرة على الحكومة والمواطنين وأدت إلى مجموعة من النتائج الإيجابية (ذكرها البحث) كان من أبرزها ارتفاع المستوى الاقتصادي بشكل مذهل، وهذا بسبب القدرة على تحويل حياة الناس من العالم الواقعي إلى العالم الرقمي أو الافتراضي. وهذا الكم من التطبيقات يقود إلى بحث آخر نشرته Int. J. Environ. Res. Public Health 2021, 18, 783  يفسر الفروقات في تأثيرات فايروس كورونا ويقارن بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث يشير هذا البحث إلى الإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية، (وهي كثيرة ومتنوعة ومن أبرزها تفعيل المواطنة الرقمية)، والتي يشير البحث بأنها حدت من تأثيرات الجائحة على المملكة مقارنة بدول تفوقها خبرة وبنية تحتية في المجال الصحي كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة. حيث يشير البحث إلى أنه بينما كانت حالات الوفيات القصوى في المملكة العربية السعودية تصل إلى 60 حالة في اليوم فإنها كانت في المملكة المتحدة تصل إلى مئات الحالات، وفي الولايات المتحدة تصل إلى آلاف الحالات.

  • التحديات الأمنية للمواطنة الرقمية.

في ظل الثورة الرقمية المتسارعة الخطي، والاستخدام المتزايد للتطبيقات التكنولوجية، ظهرت الكثير من الممارسات السلبية (5).

ويتمثل التحدي الأهم الذي يواجه المواطنة الرقمية وربما يشكل تهديداً للأمن الوطني في المملكة وكثير من الدول في أن الحكومة السعودية على سبيل المثال تملك التطبيقات ولكنها لا تملك المتاجر ولا الأجهزة، بمعنى أن هناك تهديدا حتميا من قبل الولايات المتحدة لكل الدول إن لم تقدم تنازلات في بعض المسائل فإنها ربما اتهمت بانتهاك سياسات معينة وأزالت التطبيق من المتجر (غوغل وأبل) وأوقفت دعمه في الأجهزة الذكية، وهذا سيكون له تأثير سلبي على الأمن الوطني لما له من انعكاسات سلبية على الحياة الاجتماعية والأمنية والاقتصادية وغيرها في المملكة.

وكدليل على إمكانية إقدام الولايات المتحدة على هذه الخطوة ما فعلته في أجهزة هواوي حين أوقفت عنها دعم متجر أندرويد وتطبيقاته.

ونظراً لتطوّر التكنولوجيا باستمرار، فإن مفهوم المواطنة الرقمية لن يكون ثابتًا، بل يجب أن يتغيّر ويتطوّر باستمرار. خاصة مع دخول أدوات رقمية جديدة مثل الواقع المعزز والافتراضي وتعلم الآلات والذكاء الاصطناعي.

وفيما يخص أهمية الأنظمة الحيوية التي تؤكد إمكانية التحديد الفريد لأي شخص، فبقدر دقتها وأمانها وسرعتها الفائقة في التعرف على الشخصية المطلوبة، بقدر ما قد تعرض حياة بعض الأشخاص المهمين للخطر وليس فقط للابتزاز أو الاحتيال الإلكتروني فقط، كاختطاف مسؤول أو مليونير لاستخدام بصمة عينه..!

وقبل سنوات ومع تفشي ظاهرة ما يسمى عالمياً “بالاحتيال النيجيري”، والذي تطور وتنوع كثيرا مع تزايد استخدام التقنية، حيث كانت الإحصائيات تشير إلى أن نسبة قليلة من هذا النوع من الاحتيال يتم الإبلاغ عنها، بسبب خوف الضحية من أن يتهم بالمشاركة في الجريمة، وأحياناً تفادياً للإحراج الذي ربما يواجه الضحية أو يظن أنه سيواجهه، بسبب سذاجة التصرف.

الحقيقة أن الأمثلة كثيرة على هذا النوع من الاحتيال الرقمي، ورغم قدرة تلك العصابات على تطوير أساليب رقمية تمكنهم من اختراق المواقع والمنصات، إلا أن الجهات المعنية بمكافحة الاحتيال الرقمي والتصدي له أكثر قدرة على صد تلك الاختراقات.

وللتوضيح، فأغلب الظن أن عملية التصدي للاحتيال الرقمي وحماية المواطنة الرقمية بشكل عام ترتكز على ستة أركان: مقدمي الخدمة، وشركات التقنية، والجهات التشريعية، والجهات التنفيذية، والجهات التوعوية، بالإضافة إلى المستفيد النهائي وهو نقطة الضعف الأساسية.. ولكن لماذا؟

السبب ربما يتمثل في أنه عندما تنجح البنوك وشركات التقنية والجهات التشريعية والجهات التنفيذية في الحد “كثيراً” من الاحتيال الرقمي، فإن كثيراً من تلك العصابات تلجأ إلى استخدام الهندسة الاجتماعية بأساليبها المختلفة بغرض التأثير على المستخدم النهائي، ومن خلاله يمكن النفاذ إلى حسابه الرقمي والوصول إلى البيانات المطلوبة والتي غالباً ما تكون مالية.

والملاحظ أن هناك إجراءات كثيرة جداً تقوم بها الجهات مقدمة الخدمة ربما تؤثر على المستخدم، ولكنها تتفق مع المعايير الدولية للحماية، بالإضافة إلى قيام تلك الجهات بتوعية المستفيدين بشكل مستمر بعدم تزويد أي شخص بالبيانات السرية.

ولكن تبقى المعضلة الرئيسة في الركن الخامس المتمثل في التوعية، وما يتم بثه في هذه الرسائل التوعوية التي تغفل أمرين ربما يمكن تفسيره بسبب ندرة المختص في صناعة المحتوى التوعوي المناسب القادر على التأثير.  وعموماً تتطلب الحياة في عصر ثورة الاتصالات الرقمية مزيداً من الوعي متعدد المحاور لاستخدام التقنيات الرقمية بطريقة آمنة، وهو ما يطلق عليه المواطنة الرقمية (6).

 

 

  • آليات التعامل مع التحديات الأمنية للمواطنة الرقمية.

يجب أن يكون ثمة اهتمام متزايد بالوعي الأمني في استخدام تقنية المعلومات تحت شعار الحذر قبل الثقة، وبالأخص من جانب العاملين في الأجهزة الحكومية؛ فالجميع مدرك بان هناك حرب عالمية ثالثة مسارحها الفضاء الإلكتروني والذي يظهر من خلال التهديدات اليومية من أجل التخريب أو سرقة المعلومات، بل إن الدول العظمي لم تسلم من هذه الحرب.

وفي ضوء ذلك فإننا بحاجة لتفعيل الجانب التوعوي ولتحصين المستخدم النهائي من خلال:

  • توعية المستفيدين بمفهوم الهندسة الاجتماعية، وكيفية التعاطي معها، فهي أداة الاحتيال الرئيسة لتلك العصابات.
  • الحاجة إلى تعزيز التفكير الناقد أو النقدي في الأوساط الاجتماعية؛ لأنها الثغرة الأبرز التي تنفذ منها تلك العصابات.

والعالم يتجه إلى أعمق من ذلك ويأتي من خلال مجال مهم وحيوي وهو الاستثمار الرقمي حيث دفعت الرياض بهذا البعد خلال ترأسها لمجموعة g20 وهذا مؤشر كبير لما تملك القيادة من فكر عميق في هذا المجال. ولكن يبدو بان هذا ماضي ولكن يحتاج إلى تعزيز من الإجراءات السياسية الأمنية وكذلك الاقتصادية.

كما نحتاج إلى تدريب كوادر فنية بجانب تثقيف المجتمع وخاصة في الأمور المالية والإعلامية؛ فمثلا البنوك هناك تساهل واضح في استخدام التقنية في إصدار البطاقات الائتمانية وجعل المستفيد يقبل “سند للأمر” بنفس المبلغ المسموح به في البطاقة، وكل هذا يحدث آلياً وعبر التقنية وهذا فيه خطر جسيم على المستخدم في حال فقدان الجوال في ذلك الوقت.

ولعل هناك ضرورة لتضمين بعض قيم المواطنة خاصة القيم العلمية للمواطنة الرقمية والسلوكيات الخاصة بها ضمن المقررات والبرامج المقدمة للطلبة. جنباً إلى جنب مع ضرورة التركيز على تنفيذ أنشطة تدور حول القيم العلمية للمواطنة الرقمية ويكون هناك قسم خاص بالنشاط الطلابي يتولى هذا الشأن. بالإضافة إلى الاهتمام بتوفير مصادر مختلفة تتناول معاني لها تأثير إيجابي في المجتمع المدرسي وتكون بأسلوب شيق ومناسب.

ويمكن أن تتبنى الجامعات طرح هذه الموضوعات على الدارسين والباحثين في ميادين العلوم الاجتماعية وإجراء بحوث تربوية مناسبة في هذا الشأن، انطلاقا من الحاجة الضرورية والملحة لإعداد الناشئة وتربيتهم على المواطنة الرقمية ليتمكنوا من الحياة بأمان في العصر الرقمي والذي تغلب فيه العالم الافتراضي على الواقع.  بل أنه وبما أن التقنية أصحبت أيقونة مهمة في حياة الشعوب فلا بد من وضعها من أولويات التعليم في جميع مراحله. وقد أوصت نتائج بعض الدراسات بتطوير كتاب المهارات الرقمية لما لذلك من أثر إيجابي فيما يخص المواطنة الرقمية (7). كما أوصت دراسات أخرى منها دراسة العتيبي والربيع (2022) بأهمية استمرار الجامعات السعودية في تنمية المواطنة الرقمية (8).

في حين تذهب بعض وجهات النظر إلى أن المواطنة الرقمية ليست مجرد منهجًا يدرس، أو وحدة تدرج ضمن كتاب، وإنّما يجب أن تكون أسلوب حياة قائم ومسؤولية فردية وأخلاقية في عالم تقني متسارع يعتمد على بناء مجتمع يمارس السلوكيات الإيجابية وفقًا لما يقتضه الواقع المعاش.

وفي اتجاه تعزيز مواطنة رقمية إيجابية سعودية مشاركة بمسؤولية ووعي في العالم الرقمي المتسارع وتضمن جودة الحياة الرقمية، لا ينبغي إغفال مجموعة من الأطر التي يجب أن يتحلّى بها المواطن الرقمي ويجب أن يضعها المشرع مه الحرص على تطوريها باستمرار، من أجل حماية الجميع من التعرض للجانب المظلم من هذه التقنية، وتعمل على تكامل الجهود في بناء الوعي الحقيقي لخصائص المواطن الرقمي القادر على التعايش مع هذا العالم الافتراضي ويمتلك الحصانة الذاتية التي تمكنه من مواجهة التحديات والصراعات والاعتداءات في هذا العالم، من خلال الاستفادة القصوى من كافة الإمكانيات الرقمية المتاحة،  مع الحرص التام على التقليل من أضرارها السلبية، ومن أهم هذه الأطر ما يلي :

  • ‏المحافظة على الإرث السعودي، والمحافظة على الهوية الوطنية.
  • ‏أمان البيئة الرقمية في الدولة وتعزيزها وفق رؤىً وأفكار إبداعية وابتكارية ترسخ قيم ومبادئ المواطنة الإيجابية في العالم الرقمي.
  • ‏الخصوصية الرقمية، والتوعية المستمرة بحماية المعلومات الشخصية وتعليم الآخرين وتوجيهم نحو السلوكيات الإيجابية في التعامل الرقمي.
  • ‏التواصل الإيجابي، واحترام التعددية والاختلاف.
  • ‏الأخلاقيات الرقمية، والتبليغ الفوري عن الابتزاز والتنمر والتحرش عند رصد أي منهم.
  • ‏السمعة الرقميةً، ومسؤولية النشر، واحترام حقوق الطبع والملكية الفكرية.
  • ‏الاستخدام المتوازن، وضرورة امتلاك مهارة الوقت والتحكم في الفترة الزمنية التي يقضيها في التفاعل الإلكتروني بما لا يضر بصحته أو بأدواره الوظيفية والمجتمعيّة.
  • ‏تطوير المعرفة الرقمية، والتي تتطلب من المواطن أن يكون على معرفة تامة بالقوانين والأنظمة الرقمية الأمنة بشكل مستمر لحماية نفسه من الاحتيال الرقمي أو الابتزاز الإلكتروني.
  • ‏حماية الصحة الجسدية والنفسية، فهناك العديد من السلوكيات غير الصحية قد تؤدي بحياة الإنسان أو تضر كثيرًا بحالته الصحية والنفسية خاصة مع انتشار ظاهرة الانتحار بسبب بعض الألعاب الإلكترونية.
  • كما تظهر الحاجة لتعزيز قيم المواطنة، ليس بشكلها التقليدي فحسب، بل باستخدام منصات التواصل الاجتماعي الحديثة (9).

ومن المهم العمل على تسريع محو الأمية الرقمية، فهناك شريحة لا يستهان بها في المجتمع لازالت تعاني من الأمية الرقمية، مما ‏يسهل اختراق هويتها الرقمية واستغلالها في أمور إجرامية كانتحال الشخصية والاحتيال الإلكتروني. فمثلاً يلاحظ أن عدد لا يستهان به يصطفون عند مكتب التصوير والخدمات القريب من الجهات الحكومية لتسجيل موعد أو تقديم طلب لخدمه إلكترونية ويقومون بتزويد العامل بمعلوماتهم الخاصة ككلمة السر ورقم الهوية ورمز التأكد دون أن يعلمون ماذا يفعل العامل وكيف يستخدم المعلومات، وهذا أمر يسهل سرقة المعلومات. وهناك امر آخر يتعلق بحماية المنصات الإلكترونية المستخدمة للهوية الرقمية، حيث يتم اختراقها وسرقة البيانات واستغلالها. كما أنه في حالات أخرى يتم انتحال شخصية المنصة (كأبشر أو مساند أو غيرها) ويتم الاحتيال على المواطن لأخذ بياناته البنكية ثم سرقة حسابه، كما حصل مؤخراً بجريمة توفير خادمات بأسعار منخفضة، وبعدها يتضح أنها منصة وهمية وليست حكومية، ولكن بعد فوات الأوان. ويمكن في هذا الصدد أن تقوم اللجان التطوعية بتقديم دورات تثقيفية لهذه الشريحة من المجتمع لتظهر فوائد التقنيات وخطر استخدمها بطريقه غير صحيحة.

وثمة أمور من شأنها تسريع محو الأمية الرقمية بوصفها أحد الأولويات الهامة:

  • أولًا: فيما يتعلق بالجانب التعليمي لأبنائنا الذين يعدون من الأجيال ‏الرقمية الأصلية أو الرقميّون الأصليّون “‏Digital Natives‏ –كونهم ولدوا في العصر الرقمي ويتحدثون ‏لغته، وبالتالي فإن اللغة الرقمية هي ((لغتهم الأم)) -؛ فمن ناحية: كيف يستطيع الوالدان اللذان يعانيان من الأمية الرقمية من مساعدة أبنائها في التعليم الإلكتروني!! ومن جهة أخرى كيف يستطيع المعلمون تدريس جيل يتحدث لغةً رقمية مختلفة تمامًا؛ فغالبية المعلمين هم بطبيعة ‏الحال مهاجرين رقميين.
  • ثانيًا: فيما يخص تقليص الفجوة الرقمية لدى كبار السن؛ فهناك نسبة غير قليلة منهم تعيش بمعزل عن التحول الرقمي الذي يمضي دون توقف في عصرنا هذا، وهذا الأمر يهدد بتعميق الفجوة الرقمية بين الأجيال، فيتواصل كل منهم بأساليبه الخاصة، ويتحدث كل منهم بلغة مختلفة، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الاهتمام بهذه الفئة العمرية وابتكار أساليب جديدة لتعريفهم بالتقنيات الحديثة.

فاستخدام كبار السن للتقنيات الحديثة وتوظيفها في حياتهم، لا يعد أمرًا ضرورياً لإنجاز معاملاتهم اليومية أو للتواصل مع عائلاتهم فقط، وإنما مفيد لصحتهم أيضًا. حيث تشير الأبحاث إلى أن محو أمية كبار السن، وتدريبهم على استخدام الشبكات الاجتماعية يحسن من قدراتهم المعرفية، ويعزز شعورهم بالثقة الذاتية، كما قد يكون له أثره النافع عمومًا في صحتهم النفسية ورفاهيتهم الجسدية‪.

ولعل أهم ما تحتاجه المملكة في مجالات التوعية والقوة الناعمة بشكل أعم هو استراتيجية إعلامية شاملة، تغطي هذه الجانب وغيره، ولكن الملاحظ أن الجانب الإعلامي لايزال متأخر جداً وغير قادر على مواكبة المواطنة الرقمية بشكل خاص ولا رؤية 2030 وما يليها بشكل عام.

كما تبرز أهمية إيجاد شبكة “إنترنت” محلية، يمكن استخدامها كبديل في حال تم اتخاذ أي إجراءات كعقوبات ضد المملكة، وهذا غير مستبعد، وليكن لنا عبرة فيما حدث لروسيا حين تم منعها من استخدام نظام سويفت، وغيره من العقوبات إلا إنها كانت مستعدة لمواجهة تلك العقوبات.

ومع الإشادة بتمكين الدخول الموحد عبر نظام نفاذ لكن من المهم أن تعم هذه الخدمة كافة التطبيقات الرسمية كالبنوك وغيرها لتسهيل الدخول بمعلومات أبشر سيما وأن كثرة الأرقام السرية واسم المستخدم يصعب حفظها وتكثر الأخطاء فيها ودوامة تغييرها كثيرًا لا تنتهي.، ويزداد الأمر سوءً عند كبار السن.

وفي جانب كبار السن يحسن احتوائهم تقنيًا من جهة جمعيات خدمة المجتمع لتعليمهم وتقديم الخدمة لهم بدلًا من مكاتب الخدمات التجارية التي قد تسرب معلوماتهم أو تحتال عليهم وهذا قد يكون أفضل لهم حتى من بعض الأقارب الذين يضعون فيهم الثقة ويحدث خلاف ذلك وتنشأ المشاكل الأسرية بهذا الشأن.

  • التوعية الرقمية غير المنضبطة وتأثيراتها.

من ناحية أخرى فإن ذيوع بعض أشكال التوعية الرقمية غير المنضبطة التي يقوم بها الدهماء حين يترك لهم الحبل على الغارب، لها تأثيرات سلبية اقتصادية واجتماعية ونفسية على كثير من أفراد المجتمع ومؤسساته وحتى المستثمر الأجنبي. ولابد من التأكيد في هذا السياق على نقطتين:

  • أولاً: أن هذا الأسلوب يخالف النهج الرباني فالله يقول في سورة النساء الآية (83) (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، ولهذا يجب ضبط هذه المسألة وأهمية تقنين التوعية فلا تكون بهذه الطريقة الغوغائية، والمشكلة أن البعض يفهم أحياناً من سياق الرسائل مجهولة المصدر التي يبثها بعض الأشخاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها بناء على معلومات تتوافر لديهم كونهم منتمين للبنك المركزي أو لإحدى الجهات المالية، وهذه بحد ذاتها مشكلة أخرى تدل على غياب الوعي في بيئة العمل فيما يتعلق بكيفية المحافظة على ما يطلع عليه الموظف من أسرار تخص المؤسسة ولا يحق له البوح بها، وهذا يحتاج إلى ضبط، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ربما كان هذا الشخص الذي يقدم التوعية الرقمية لا ينتمي لأي جهة مالية ويريد إثارة الهلع وزعزعة الثقة في البيئة الرقمية بشكل عام.
  • ثانياً: أن هناك عمل استخباراتي دولي ممنهج موجه ضد كثير من الدول ومنها المملكة، ومن أدواته بث الشائعات بكافة أشكالها ونشرها بين الناس من خلال شبكات التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الثقة، وكما يقول باراك أوباما: السعي لإرباك المواطن وجعله يصل لدرجة لا يدري ما يصدق ومعها يفقد الثقة بالحكومة ووسائل الإعلام وغيرها، وحينها ننتصر. ولهذا فمسألة التساهل مع تلك الرسائل الصوتية مجهولة المصدر وغيرها ربما يكون له تبعات سلبية لا تستشعر عواقبها بشكل آن. وقد تسعى بعض الجهات الاستخباراتية الدولية إلى استغلال البيئات الرقمية في خلق صورة نمطية سلبية عن المجتمع السعودي، وجعل المجتمع يرى نفسه وحكومته بشكل سلبي، كما فعلت بريطانيا مع مجتمعات الصعيد في مصر. وكذلك استغلالها في رسم صورة نمطية إيجابية عن أعداء المملكة، يتبناها كل مواطن سعودي ويعتنقها كحقيقة لا مراء فيها بسبب تكرارها.

وسواء احتوت الرسائل التوعوية غير المنضبطة على توعية حقيقية أو تداول لشائعات، إلا أنها مع ذلك تمثل خروجاً عما يراد عالميا ومحليا للمواطنة الرقمية التي برزت وأفرزت نتيجة تغول التقنية منذ بداية القرن الواحد والعشرين وبزوغ مفهوم العولمة أنماطًا عالمية مختلفة من السلوك، ومنها ما يسمى بالجرائم المستجدة والتي منها ما لم يكن معروفا في السابق كالجرائم السيبرانية، أو الجرائم التقليدية لكنها وظفت التقنية أو الرقمنة أو الأتمتة في تنفيذها، وبالتالي ظهرت الحاجة عالميا لدى الباحثين والحكومات ومنظمات المجتمع المدني للبحث عن حلول.

  • توظيف التقنية في تعزيز سمعة المملكة العربية السعودية.

ثمة أهمية للتساؤل حول كيفية توظيف الرقمنة فيما يعزز “سمعة المملكة”، وكيفية تجنب كذلك ما يسيء إلى المملكة فهذا من واجبات المواطن الصالح، ولا سيما أن المملكة تتعرض في كثير من الأحيان لهجوم من بعض الدول القريبة والبعيدة بسبب مواقفها السياسية والأدوار الكبيرة التي تضطلع بها بعد أن عجز عن أداءها الآخرون.

ما نلاحظه جميعاً هو الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي من قبل شرائح واسعة من السعوديين من الجنسين، لكن بعضه استخدام غير رشيد يعكس هوة بين نمط الممارسة والتقدم السريع في هذه الوسائل؛ فأحداث صغيرة وفردية ومعزولة من قبل مغرد أو “يوتيوبر” في دولة ما ضد المملكة يتم تضخيمها في وسائل التواصل بغرض الدفاع عن المملكة، ليصار في النهاية إلى معاداة شعب بأكمله وزرع بذور فتنة وشقاق بين دولتين. ومن ذلك وهو يتكرر كثيراً على سبيل المثال ظهور مغرد عربي يشتم أو ينتقد المملكة، ومن ثم تنصب ردود السعوديين على بلد المذكور وحكومته وشعبه بسبب حالة فردية لا تمثل الجميع بالطبع. تكرار مثل هذه الحادثة يخلق مناوشات إعلامية تتسبب غالباً في تباعد وجفوة بين الشعوب العربية، وكل ذلك يتم باسم الدفاع عن المملكة في حين أن من هم في سدة الحكم في المملكة ودولة المغرد قد لا يقبلون بذلك، ولكن لأن الفضاء الافتراضي مفتوح فإنه يصعب السيطرة عليه ولاسيما أن هناك نسبة عالية من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي لا يستخدمون اسماءهم الصريحة بل بمعرفات مجهولة بعضها لغير سعوديين يتظاهرون بأنهم سعوديين ومن ثم يستخدمون هذه الوسائل لشرذمة الشعوب العربية وخلق الشقاق فيما بينها.

المواطن الصالح هو الذي يجنب بلده الأزمات مع دول أخرى؛ فنحن نطلب من السائح السعودي خارج المملكة أن يقدم صورة مشرفة لبلده، ما يعني ضرورة أن نطلب من المواطن الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كذلك أن تكون كلمته ومقطعه وتغريداته متوافقة مع سياسة المملكة وأن تكون بلغة راقية ومؤدبة دون تجريح أو اساءة للآخرين مهما اختلفنا معهم.

ومن ناحية أخرى، ومع أن الجهات التشريعية في المملكة العربية السعودية لم تترك شاردة ولا واردة إلا وأخذتها بعين الاعتبار، ولهذا تلاحظ خاصة في السنوات الأخيرة صدور حزمة من الأنظمة التي تنظم البيئة الرقمية وما يتصل بها في البيئة الواقعية، وتشدد في العقوبات، ولكن تبقى المشكلة أن كثير من مستخدمي وسائل التقنية ليس لديهم الوعي بوجود تشريعات تضبط البيئة الرقمية التي يمضون في فلكها جزءا لا يستهان به من حياتهم. ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى نقطتين:

  • أولاً: أن من يستخدم تطبيقات VPN ويشتري من أحد المتاجر الرقمية يتهرب من دفع الضريبة المستحقة لهيئة الزكاة وربما يعاقب بموجب المادة 40 و48 من نظام ضريبة القيمة المضافة.
  • ثانياً: كثير من مستخدمي شبكات التواصل ربما لا يعون بأن كل تجاوزاتهم أو مخالفاتهم تعاقب عليها الأنظمة المعمول بها في المملكة.

أما بالنسبة لموقف الجهات التشريعية من استخدام تطبيقات VPN فالظن أنها غير نظامية ومن ثم فقد تكون مشمولة بما تنص عليه الفقرة 2 من المادة 5 من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.

  • التوصيات
  • إجراء دراسات وصفية واستشرافية معمقة عن التأثيرات الايجابية والسلبية على المواطنية الرقمية.
  • أهمية إعادة تحرير مصطلح “المواطنة الرقمية” ومفهومه والمقصود منه بصورة دقيقة بعيداً عن الترجمة الحرفية له من اللغة الانجليزية مع ايجاد مصطلح عربي بديل يسهل تداوله وفهمه عند المواطن البسيط حتى يمكن له استيعابه والتفاعل معه.
  • إيجاد تعريفات للوجبات والحقوق في الفضاء الإلكتروني لتعزيز مفهوم المواطنة الرقمية وترابطها مع معرفات الهوية الرقمية والنفاذ الإلكتروني.
  • العمل على نشر الوعي فيما يتعلق بالهوية الرقمية.
  • المكانة التي وصلت إليها المملكة العربية السعودية في مجال المواطنة الرقمية، تتطلب التأكيد على زيادة تفعيل دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في مجالات التوعية الاستراتيجية بما يتواكب مع هذه المكانة ويتناسب مع حجم التفاعل المجتمعي.
  • بحث مسألة توطين جميع أدوات المواطنة الرقمية (تطبيقات، أجهزة، حماية، كوادر، منصات، سحابيات) بما بكفل حماية الأمن الوطني في الحاضر والمستقبل، وهذا يتطلب مراجعة كافة جوانب البيئة الرقمية من قبل مختصين في مناحي علمية مختلفة.
  • دعم الاستثمار في الخدمات ومراكز البيانات السحابية. وتطوير ما يدعم ذلك من أنظمة وممارسات تشجع المستثمرين.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتعاضد أفراد المجتمع في التعرف السريع على من يسيء استخدام العالم الافتراضي وتصنيفه بما يقلل من قدرته على اختراق الآخرين.
  • تفعيل خاصية الدخول عن طريق نفاذ في كافة المواقع والتطبيقات الرسمية.
  • إدراج اللغة غير المهذبة والتي تتعارض مع التسامح والتعايش في وسائل التواصل الاجتماعي ضمن المخالفات الإلكترونية التي تستوجب العقوبة.
  • ضرورة عدم التعرض للكيانات من دول وحكومات وشعوب وأديان وشخصيات بالازدراء أو التهكم مما يعكس صورة سيئة عن المواطن السعودي مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي.
  • إدماج مفاهيم المواطنة الرقمية في مناهج التعليم القائمة، ليس فقط في مواد تقنية المعلومات والاتصالات، بل في المواد الأخرى ذات العلاقة مثل: العلوم الاجتماعية واللغة العربية والتربية الفنية.

 

  • المصادر والمراجع
  • أمين، رضا عبدالواجد. (2022). المواطنة والمواطنة الرقمية: حقوق وواجبات. مجلة البحوث الإعلامية، ع 61، ج 1، 9 – 34.
  • الفيفي، موسى بن سليمان، العصيمي، سارة ذعار، والخالدي، فوزية بنت حمدان. (2022). درجة توافر معايير المواطنة الرقمية في محتوى مقرر الحاسب وتقنية المعلومات في مدارس تعليم الكبار الابتدائية. مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع، ع 81، 65 – 88.
  • بدوي، علا محمد علي. (2022). ثقافة المواطنة الرقمية في ضوء التحول الرقمي. مجلة مستقبل العلوم الاجتماعية، مج 10، ع 1، 39 – 58.
  • زوين، عمار، وأبو طبيخ، نور الدين. (2022). المواطنة الرقمية ودورها في الحد من التسكع الإلكتروني: الدور التفاعلي للعمل عن بعد. مجلة الدراسات المستدامة، مج 4، ملحق، 866 – 900.
  • البلبيسى، اعتماد عواد سلامة. (2022). الوعي بقيم المواطنة الرقمية لدى طالبات المرحلة الثانوية بغزة في ظل جائحة كورونا. دراسات عربية في التربية وعلم النفس، ع 142، 125 – 166.
  • الصعيدى، طارق محمد. (2022). الثقافة الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلاقتها بتنمية المواطنة الرقمية: دراسة ميدانية على طلاب المدارس الثانوية المصرية. مجلة اتحاد الجامعات العربية لبحوث الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، ع 9، 257 – 310.
  • البقعاوي، لمياء بنت احمد بن حمود، وسعودي، علاء الدين بن حسن بن إبراهيم. (2022). مستوى توافر أبعاد المواطنة الرقمية في كتاب المهارات الرقمية في المملكة العربية السعودية وكتاب عالم التقنية في الكويت: دراسة مقارنة. دراسات عربية في التربية وعلم النفس، ع 144. 380 – 35
  • العتيبى، منصور بن نايف، والربيع، علي بن أحمد. (2022). دور الجامعات السعودية في تنمية المواطنة الرقمية. مجلة جامعة بيشة للعلوم الإنسانية والتربوية، ع 10، 628 – 649.
  • محمد، عز الدين علي عبدالمنعم. (2022). فاعلية برنامج مقترح قائم على النظرية التواصلية في تدريس الدراسات الاجتماعية لتنمية قيم المواطنة الرقمية لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية. المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية، ع 30 – 87، 116.
  • المشاركون.
  • الورقة الرئيسة: د. عادل بن عبد الرحمن العيد
  • التعقيب الأول: د. فهد بن عبدالعزيز الغفيلي
  • التعقيب الثاني: د. فايزة بنت محسن الحربي
  • إدارة الحوار: د. رياض بن محمد الشهري
  • المشاركون بالحوار والمناقشة:
  • أ. فهد القاسم
  • أ. أحمد المحيميد
  • د. محمد الثقفي
  • د. فواز كاسب العنزي
  • د. مساعد المحيا
  • الفريق د. عبد الإله الصالح
  • د. خالد المنصور
  • د. حميد الشايجي
  • أ. فائزة العجروش
  • د. محمد المقصودي
  • د. وفاء طيبة
  • د. ماهر الشويعر
  • د. عبدالعزيز العثمان
  • أ. فهد الأحمري
  • د. خالد الرديعان
  • د. عبدالرحمن الهدلق
  • د. زياد ادريس
  • د. عبدالرحمن العريني
  • د. زياد الحقيل
  • د. نياف الجابري

[1] – خبير ومستشار أنظمة أمنية.

[2] – باحث في مجال الفكر.

[3] Beck, Ulrich. 1997. The reinvention of politics. Cambridge: Polity.

[4] Bakardjieva, Maria. 2009. Subactivism: Lifeworld and politics in the age of the Internet. The Information Society 25 (2): 91-104

[5] Smith, N., R. Lister, S. Middleton, and L. Cox. 2005. Young people as real citizens: Towards an inclusionary understanding of citizenship. Journal of Youth Studies 8 (4): 425-43.

[6] Mossberger, K., Tolbert, C.J. & McNeal, R.S. (2011). Digital Citizenship: The Internet, Society, and Participation. The MIT Press, Cambridge, Massachusetts, London, England.

[7] الرميح، رحاب “ارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة إلى 30 مليوناً في 2022″، صحيفة الرياض، يمكن الوصول إليه عبر الرابط التالي: https://www.alriyadh.com/1827469

[8] Ribble M and Bailey G (2011) Digital Citizenship in Schools. Washington, DC: International Society for Technology in Education (ISTE).

[9] Jones, L. and Mitchell, K., Defining and measuring youth digital citizenship, new media & society, 2016, Vol. 18(9)

[10] المرجع السابق

[11] Öztürk, G. (2021). Digital citizenship and its teaching: A literature review. Journal of Educational Technology & Online Learning, 4(1), 31-45.

[12] مقتبس من مقال التقنية في خدمة أهداف الرؤية، 2030م، صحيفة البلاد، 24 شوال 1442هـ، 4 يونيو 2021م.

[13] من النظريات الإعلامية الحديثة في البيئة الرقمية للناقد والكاتب السياسي الأمريكي (هوارد رينجولد).

[14] المعجم الوسيط

[15] المعجم: عربي عامة

[16] المعجم الوسيط، مادة (غوغ).

[17] جريدة الرياض، مقال ناصر الحزيمي بعنوان: (الغوغاء والدهماء) العدد 15865 1/ ديسمبر/2011م http://www.alriyadh.com/687632

[18] جريدة الرياض، أميمة الخميس، مقال الاستقواء. .بالغوغاء، الاثنين23 شوال 1433 هـ – 10 سبتمبر 2012م – العدد 16149

[19] د. حسناء القنيعير، مقال سيطرة الغوغاء على الأرض والفضاء، الأحد 13 محرم 1427هـ -12 فيبراير، 2006م، العدد 13747

تحميل المرفقات