ملتقى أسبار: التقرير الشهري رقم (83) لشهر إبريل 2022

للاطلاع على التقرير وتحميله إضغط هنا

 

إبريل – 2022

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير لقضيتين مهمتين تمَّ طرحهما للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر أبريل 2022م، وناقشهما نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة؛ حيث تناولت القضية الأولى: تحديات الأزمة الروسية-الأوكرانية على المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وأعد ورقتها الرئيسة د. محمد بن حميد الثقفي، وعقب عليها كلٌّ من أ. د. صدقة بن يحيى فاضل، اللواء فاضل القرني، وأدار الحوار حولها أ. جمال ملائكة. بينما تناولت القضية الثانية: إضاءات حول نظام الأحوال الشخصية الجديد في المملكة العربية السعودية، وأعد ورقتها الرئيسة أ. أحمد المحيميد، وعقب عليها كلُّ من د. خالد الرديعان، د.  الجازي الشبيكي، وأدار الحوار حولها د. هند الخليفة.

 

القضية الأولى

تحديات الأزمة الروسية-الأوكرانية على المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي

(3/4/2022م)

 

  • الملخص التنفيذي:

تناولت هذه القضية تحديات الأزمة الروسية-الأوكرانية على المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.

وأشار د. محمد بن حميد الثقفي في الورقة الرئيسة إلى أن الأزمة الحالية بين روسيا وأوكرانيا فرضت ذاتها فعلياً وبشكل مباشر، منذ أن دخلت القوات الروسية لأوكرانيا، بتاريخ 24 فبراير 2022م، رغم وضوح إرهاصاتها مبكراً؛ وذلك نتيجة الآثار التي ترتبت، والتي ستترتب عليها لاحقاً، سواء في الدول محور الصراع (روسيا وأوكرانيا، والدول المحيطة بهما) أو في عدد من دول العالم، وبالتالي في المملكة وفي دول مجلس التعاون الخليجي.

وأوضح كاتب الورقة الرئيسة أنه في ضوء ذلك فقد هدفت هذه الورقة إلى رصد وتحليل أبرز التحديات الحالية والمستقبلية للأزمة على المملكة، وعلى دول مجلس التعاون، ومن ثم استنباط الحلول المقترحة للتعامل المبكر مع الآثار المترتبة عليها، واستخدم هذا التحليل منهج الوصف التحليلي للعلاقات الدولية، استنباطاً مما تنشره مراكز الدراسات، ومراكز الفكر المحلية والدولية، المتخصصة في سياسات الأمن الوطني والإقليمي، والدولي، إضافة لما تنشره وسائل الإعلام الدولية والإقليمية بشكل متسارع، وإضافة لذلك استطلاع آراء عينة مختارة من الخبراء، وذوي الاهتمام المشترك، ومن ثم استخلاص وعرض نتائج الدراسة بأسلوب الاستقراء المبني على الاستشراف المستقبلي لسيناريوهات الأحداث.

بينما أشار أ. د. صدقة بن يحيى فاضل في التعقيب الأول إلى أن من مصلحة العرب أن يتحول المنتظم الدولي الحالي إلى نظام التعدد القطبي؛ إذ إنَّ ذلك سيُسهِّل التحلل من ربقة بعض الأقطاب عبر إمكانية الاستعانة (الحذرة) بالأقطاب الأخرى، في التصدي للمناورات المعروفة للأقطاب المؤذية للمصلحة العربية العليا. والمؤكد، أن تضامن واتحاد العرب – إنْ حدث- سيجعل منهم قوة هامة، في أي نظام عالمي… وبصرف النظر عن ماهية ذلك النظام، وطبيعة المسيطرين فيه.  فاتحادهم، سيجعل منهم كياناً له سطوة وثقل الدولة الكبرى، إن لم نقل العظمى.

في حين ذكر اللواء فاضل القرني في التعقيب الثاني أنه مما لا شك فيه أن الحروب على ما يصاحبها من خراب ودمار يتكوَّن في داخلها فرص ومخاطر، والدول البعيدة عن المسرح الجغرافي للحرب ومؤثرون فيه هم أولى بذلك. وبطبيعة الحال ستفضي الأمور إلى مكاسب وخسائر للطرفين سيكونان لهما ترجيح الفرص والمخاطر وفق سياقها.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • الانعكاسات العالمية والإقليمية للأزمة الروسية-الأوكرانية وتداعياتها على المستوى المحلي.
  • الفرص والتحديات المتوقعة للأزمة الأوكرانيّة على المملكة ودول مجلس التعاون.
  • المملكة ومدى ملاءمة سياسة الحياد في الأزمة الروسية -الأوكرانية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • تشكيل إدارة أزمة وطنية، وخليجية، للتعامل الجماعي مع الأزمة، بما يضمن تحاشي آثارها أو التقليل ‏منها.‏
  • الاستفادة من مراكز التفكير المحلية والإقليمية، ومراكز البحوث في وصف واستشراف ‏أعمق لمآلات الأزمة، وكيفية التعامل معها.‏
  • الدراسة المستمرة والحثيثة للتحديات الحالية والمتوقعة، وتطوير سجل المخاطر في كل دولة من دول المجلس، وتبعاً لذلك تحديد آليات تحاشي آثارها، أو على الأقل تخفيفها.
  • ‏الدراسة المستمرة للفرص التي يمكن اقتناصها من التحديات الحالية أو المستقبلية. ‏
  • توعية المجتمعات الخليجية بأدوارها المطلوبة منها في التعامل مع الآثار المترتبة على ‏الأزمة حسب خطورة الأزمات والتضحيات التي تحتاج الشعوب إلى بذلها مع الحكومة لمواجهه الأزمات.‏

 

  • الورقة الرئيسة: د. محمد بن حميد الثقفي

مدخل:

فرضت الأزمة الحالية بين روسيا وأوكرانيا ذاتها فعلياً وبشكل مباشر، منذ أن دخلت القوات الروسية لأوكرانيا، بتاريخ 24 فبراير 2022م، رغم وضوح إرهاصاتها مبكراً؛ وذلك نتيجة الآثار التي ترتبت، والتي ستترتب عليها لاحقاً، سواء في الدول محور الصراع (روسيا وأوكرانيا، والدول المحيطة بهما) أو في عدد من دول العالم، وبالتالي في المملكة وفي دول مجلس التعاون الخليجي.

ويهدف هذا التحليل إلى تحليل أبرز التحديات الحالية والمستقبلية للأزمة على المملكة، وعلى دول مجلس التعاون، ومن ثم استنباط الحلول المقترحة للتعامل المبكر مع الآثار المترتبة عليها، ويستخدم هذا التحليل منهج الوصف التحليلي للعلاقات الدولية، استنباطاً مما تنشره مراكز الدراسات، ومراكز الفكر المحلية والدولية، المتخصصة في سياسات الأمن الوطني والإقليمي، والدولي، إضافة لما تنشره وسائل الإعلام الدولية والإقليمية بشكل متسارع، وإضافة لذلك استطلاع آراء عينة مختارة من الخبراء، وذوي الاهتمام المشترك، ومن ثم استخلاص وعرض نتائج الدراسة بأسلوب الاستقراء المبني على الاستشراف المستقبلي لسيناريوهات الأحداث.

وفي هذا التقرير سيتم عرض أهمية دراسة تحديات الأزمة، ومن ثمّ وصف واستشراف التحديات الحالية والمستقبلية والمتوقع حدوثها في المستقبل القريب، وأخيراً سيتم طرح مقترحات لكيفية التعامل الأمثل مع هذه التحديات التي رصدها التحليل، سواء من قبل كل دولة من دول المنطقة، والأفضل التعامل الجماعي مع تحديات هذه الأزمة.

وسيكون إطار تحليل التحديات للمملكة ودول مجلس التعاون الخليجي، وانطلاقاً من مقومات ومصالح الأمن الوطني والإقليمي لدول المنطقة، سيما أن التحديات ستشمل جميع دول المنطقة، وأنها متسقة في غالبها، ولدى دول المجلس منظمة إقليمية تجمعها، ومقر أمانتها في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

وقد حدد النظام الأساسي لمجلس التعاون أهدافه (وفقاً لموقع الأمانة: www.gcc-sg.org) المتمثلة في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية، والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية، والاجتماعية والصحية، والإعلامية والسياسية، والتشريعية، والإدارية، ودفع عجلـة التقـدم العلمـي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وإنشاء مراكـز بحـوث علميـة إقامـة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص.

الجدير بالذكر أن دول المنطقة والعالم مرَّت ولا تزال بأزمة كورونا، كأكبر جائحة صحية، في العصر الحالي، وترتب على ذلك عدد من الآثار في جميع جوانب الحياة، وقد نجحت المملكة ودول الخليج وفقاً لتقارير أممية متخصصة في التعامل مع هذه الأزمة، نجاحاً يليق بمكانة ومقدرات المملكة ودول الخليج، ومن المتوقع تحقيق نجاحات أخرى في التعامل مع هذه الأزمة الحالية.

وتعد عناصر القوة الوطنية، المتعارف عليها دولياً بـ (DIME) والمتمثلة وفقاً للثقفي (2021) في العناصر التالية: (D) وتعني ((Diplomacy ويقصد بها ممارسة العمل الدبلوماسي للدولة في تحقيق أهدافها الوطنية مع الدول الأخرى والمنظمات الإقليمية والدولية، (I) وتعني (Information) ويقصد بها استخدام المعلومات في تحقيق مقومات الأمن الوطني للدولة وحمايتها من المهددات،M) ) وتعني (Military) ويقصد بها في هذه الأزمة استخدام روسيا للقوة العسكرية في تحقيق أهدافها في أوكرانيا، وأخيراً (E)  وتعني (Economy) ويقصد به في هذا التقرير الاقتصاد، والتهديد باستخدام حجب النفط والغاز الروسي عن أوروبا وأمريكا، بينما تستخدم الولايات المتحدة وأوروبا سيف العقوبات الاقتصادية في ردع روسيا، وإجبارها على التراجع عن تدخلها في أوكرانيا.

ووفقاً لـ (هنري فريدريك، 2005) و (جوزيف ناي 2007) و(الشامسي، 2020) في تصنيف القوى الوطنية إلى نوعين أساسيين، سمى النوع الأول بالقوة الصلبة، (Hard Bower) ويقصد بها: القوة العسكرية، والاقتصاد، اللتان يتحقق من خلالهما الأهداف الوطنية بالقوة العسكرية والإجبار الاقتصادي، أما النوع الثاني فقد سماه بالقوة الناعمة (Soft Bower)، وهو نقيض للنوع الأول ويقصد بها: الدبلوماسية والمعلومات، اللذان باتت جميع الدول تتجه إلى استخدامه، نظراً لقلة تكلفته وآثاره، وعظيم الآثار المترتبة على استخدامه.

 

أولاً: أهمية دراسة القضية:

تُشكِّل الأزمة الحالية وما قد يطرأ عليها مستقبلاً أهمية كبرى؛ سواء على المملكة وعلى كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك نظراً لتشابك المصالح الخارجية لدول المنطقة وكثير من دول العالم؛ سواء المرتبطة بالأزمة مباشرة، أو غيرها، ويعدّ النفط والغاز من أبرز عوامل التشابك والتأثير الجيوسياسي والجيواستراتيجي للمملكة ولدول المجلس؛ نظراً لأنهما شريان الحياة في كثير من دول العالم.

وتكمن الأهمية أيضاً في إبراز تعزيز وتنمية المقومات والمصالح الوطنية لكل دولة من دول مجلس التعاون، وحمايتها من المهددات والمخاطر، التي قد تتأثر مقوماتها الوطنية نتيجة الأزمة تأثيراً إيجابياً أو سلبياً أو كلاهما.

كما تبرز أهمية الدراسة من خلال الوصف المنهجي واستشراف المستقبل القريب والبعيد لأنواع التحديات التي ستواجه المملكة ودول الخليج، ومن ثمّ تقديم التصورات المقترحة للتعامل مع هذه التحديات، سواء بالتكيف معها، أو ابتكار أساليب إبداعية لتحويل هذه التحديات إلى فرص ممكنة، تزيد من قوة المملكة ودول الخليج في تحقيق أهدافها الوطنية، التي ستكون إطاراً ومنطلقاً استرشادياً للتطبيق على أرض الواقع.

وخلاصة أهمية هذه الدراسة تكمن في أن دراسة مقومات ومصالح الأمن الوطني للمملكة ولدول مجلس التعاون، وتحديد التحديات التي ترتبت والتي قد تترتب عن الأزمة الروسية الأوكرانية، سواء الحالية أو المتوقعة مستقبلياً، والحلول المقترحة ربما تساعد الجهات المختصة في المملكة ودول الخليج باستخدام الآليات التنفيذية في التخفيف من التحديات، وفي ذات الوقت الاستفادة من الفرص المتوقع حصولها أو اختلاقها نتيجة هذه الأزمة.

ثانياً: التحديات الحالية والمستقبلية المتوقع حدوثها:

ويقصد بها في هذا التحليل الأزمات والصعوبات الخارجية التي حدثت حالياً أو ستحدث مستقبلاً في المملكة ودول الخليج، نتيجة مباشرة أو غير مباشرة عن الأزمة الروسية الأوكرانية، باعتبار أن هناك عوامل ارتباط بين المملكة ودول الخليج من جهة ومصالح متبادلة مع تلك الدولتين بشكل مباشر، أو مع الدول المرتبطة بهما من جهة أخرى، وبشكل مباشر مع الولايات المتحدة ودول أوروبا، باعتبارها تقف ضد التدخل الروسي في أوكرانيا.

في هذا التحليل سيتم الانطلاق في رصد واستشراف التحديات الحالية للأزمة من خلال أبرز مقومات الأمن الوطني للمملكة، ولكل دولة من دول الخليج؛ بمعنى وصف واستشراف أبرز التحديات على مصالح ومقومات الأمن الإقليمي الخليجي، ومن ثم الانتقال لكيفية التعامل الأنسب مع كل مجال، سواء من قبل كل دولة أو من قبل دول مجلس التعاون مجتمعة.

ولأن التحديات ستكون متداخلة بطبيعة الحال في كثير من المجالات، وذلك لتغير وتأثر المصالح لدول مجلس التعاون والدول ذات العلاقة، غير أنه من المفيد جداً محاولة رصد واستشراف أبرز هذه التحديات المتعارف عليها كمهددات للأمن الوطني وفقاً لـ (محمد الثقفي، 2020) في المجالات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والأمنية، والغذائية، والإعلامية، والاجتماعية والبيئية، التي ستتضح فيما يلي:

  • أهم التحديات السياسية الحالية والمحتملة:

ويقصد بها الصعوبات والأزمات التي حدثت -وقد تحدث- نتيجة المواقف السياسية للمملكة ودول الخليج من الأزمة الحالية، والتي ربما تؤثر على نمط ومستوى التحالفات القائمة، والعلاقات الدولية المتجذرة بين كل دولة من دول الخليج والدول الغربية، ويعد الموقف الحازم للمملكة والإمارات من الالتزام باتفاقية أوبك بلس، وعدم زيادة إنتاج النفط، بالرغم من المحاولات الأمريكية، والزيارة البريطانية لرئيس الوزراء، إحدى المواقف التي سيترتب عليها عدد من التحديات؛ نظراً لارتباطها بالأزمة الحالية، وحتماً فهناك مواقف أخرى ستكلّف المملكة ودول المجلس، وقد تُشكِّل لها عدداً من التحديات، ومن أبرزها، ما يلي:

  1. التعرض للابتزاز مع أو ضد الدول المتصارعة.
  2. التعرض للدخول في الحروب، بشكل مباشر أو غير مباشر.
  3. التعرض للنبذ الدولي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة التي تنتجها وتتحكم فيها دول الخليج.
  4. استخدام الدول المتصارعة للأسلحة النووية.
  5. التعرض لعقوبات اقتصادية.
  6. إقحام المملكة ودول الخليج بشكل مباشر أو غير مباشر في حلبة الصراع الروسية الأوكرانية.
  7. تأزم العلاقات بين بعض الدول المؤثرة، واستدامة التأثير على مختلف الأنشطة الاقتصادية والسياسية.
  8. ظهور تكتلات سياسية جديدة تقترب من القطب الروسي.
  9. بروز أزمة سياسية مع حلفاء المنطقة وخصوصاً أمريكا ودول أوروبا الغربية.
  10. هرولة الغرب لرفع العقوبات عن إيران يعجل بتسييل الموانع المفروضة أمام امتلاكها لسلاح نووي.
  11. التأثير على مبدأ التوازن في سياسة المملكة ودول الخليج الخارجية.
  12. تأثر الملف السياسي الخاص بجهود التحالف في اليمن، وغياب دور بعض الدول الداعمة للمملكة فيه وانشغالها أو تشاغلها بتأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية.
  13. إعادة تشكيل المصالح والتحالفات الاستراتيجية في المنطقة.
  14. تحريك جماعات الإسلام السياسي لإحداث قلاقل في دول المنطقة.

 

  • أهم التحديات الاقتصادية الحالية والمحتملة:

ويقصد بها في هذا التقرير المشكلات، أو الصعوبات، أو العوائق ذات البعد الاقتصادي، التي حدثت أو قد تحدث مستقبلاً، وتكون نابعةً من البيئة الإقليمية أو الدولية، وقد تُشكِّل تهديداً أو خطراً على مستقبل النمو والتنمية الاقتصادية بدول المجلس.

وصحيح أن المملكة ودول مجلس التعاون ليست طرفاً في الأزمة؛ غير أن الآثار المترتبة على الحرب، ومنها النفط والغاز بشكل مباشر، وأن دول الخليج على علاقة مؤسسية مع أحد طرفي النزاع، وهي روسيا تحديداً، ومن خلال أوبك بلس (OPEC+)، في مجال النفط، وترتبط دولة قطر بالأزمة من خلال تصدير الغاز، الذي تصدره روسيا كذلك لأوروبا، ناهيك عن عدد من التحديات الأخرى، المرتبطة بالاقتصاد، والمتمثلة فيما يلي:

  1. الارتفاع الطارئ والمتصاعد لأسعار النفط.
  2. غلاء أسعار الواردات.
  3. خطورة انقطاع بعض الواردات من الأسواق.
  4. خطورة التعرض لعقوبات اقتصادية.
  5. التأثير السلبي لأسعار النفط، على الصناعات التحويلية، والغذاء والدواء.
  6. احتمال تعرض الاستثمارات الخارجية للمخاطر.
  7. ظهور أزمة في توريد القمح نتيجة ارتفاع أسعار النفط.
  8. توقف حركة التصدير من الموانئ على البحر الأسود.
  9. ضعف في الإمدادات النفطية للدول الأوروبية، والبضائع التجارية.
  10. انخفاض التبادل التجاري، والتعاون العسكري.
  11. تعثر أو خلل أو تأخير في سلاسل الإنتاج والتوريد.
  12. إمكانية حدوث انكماش اقتصادي عالمي قادم وزيادة حجم التضخم.
  13. التأثير السلبي على التبادل التجاري بين المملكة ودول الخليج وأطراف الأزمة.
  • أهم التحديات العسكرية الحالية والمحتملة:

ويقصد بها في هذا التقرير المشكلات، أو الصعوبات، أو العوائق ذات البعد العسكري، والمرتبطة بحماية الدولة من المهددات الخارجية، التي حدثت أو قد تحدث مستقبلاً، وتكون نابعة من البيئة الإقليمية أو الدولية، وقد تُشكِّل تهديداً أو خطراً على جاهزية قوات الدفاع الوطني بدول المجلس، ويمكن رصدها في التحديات التالية:

  1. خطورة تزايد التعرض للتهديدات والمخاطر والاستهدافات.
  2. خطورة نقص خدمات الصيانة والتشغيل.
  3. خطورة نقص الأسلحة والذخيرة.
  4. استخدام الدول المتصارعة للأسلحة النووية.
  5. توقف أو تأخر إمداد وصول قطع غيار السلاح والتجهيزات العسكرية.
  6. توسع نطاق الحرب، واستمراريته.
  7. قلة فرص التمارين والفرضيات المشتركة بين قوات دول الخليج والقوات الغربية.
  8. ضعف في إمدادات وأسرار التقنية العسكرية من قبل دول الصراع لدول الخليج.
  9. احتمال تزايد التعرض لتهديدات جديدة وهجمات من الميليشيات المعادية.
  10. احتمال تزويد الحوثي بأسلحة نوعية بسبب موقف المملكة وبعض دول الخليج.
  11. التأثير السلبي على جهود التحالف العربي في اليمن.
  12. حجب المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها الدول الكبرى في حال عدم التوافق على المتطلبات المستجدة.

 

  • أهم التحديات الأمنية الحالية والمحتملة:

وصحيح بأن المملكة ودول الخليج تتمتع باستقرار أمني ملحوظ، ومرصود في المؤشرات العالمية، غير أن الاستشراف السليم للأزمة يتطلب افتراض حدوث أزمات متوقعة، نتيجة الآثار المترتبة عليها، وما قد يحدث في الدول المحيطة بها، ومن أبرزها، ما يلي:

  1. خطورة حدوث جرائم إرهابية داخلية.
  2. حدوث قلاقل عرقية أو عقدية في بعض الدول المحيطة بدول الخليج.
  3. تأزم الحالة الأمنية بين بعض الدول المؤثرة على المملكة ودول الخليج.
  4. خطورة التواجد المليوني للمقيمين الموجودين في دول الخليج.
  5. خطورة ازدياد أنشطة الجماعات المتطرفة في دول الخليج.
  6. خطورة جمود العلاقات الأمنية مع الدول المرتبطة بالأزمة.
  7. التداعيات الأمنية المترتبة على استقطاب دول الصراع للمرتزقة من دول عربية وإسلامية.
  8. خطورة زيادة عمليات بيع وتهريب السلاح وغسل الأموال وتهريب المخدرات والهجرات العكسية عالمياً.
  9. زيادة عمليات القرصنة البحرية وتهريب البشر.

 

  • أهم التحديات المعلوماتية (التقنية) الحالية والمحتملة:

باتت التقنية اليوم عصب الحياة، ومرتبطة بجميع مناحي الحياة، على المستوى المحلي والإقليمي، وليس هذا فحسب، بل حتى على المستوى الدولي؛ ومع ذلك فإنها تظل عرضة للتهديدات، سواء في السلم، ناهيك عن أوقات الحروب والأزمات، وفي هذا الإطار فقد رصدت الدراسة عدداً من المهددات التي يمكن وقوعها في المملكة ودول المجلس، وبسبب الأزمة، ومن أبرزها، ما يلي:

  1. ضعف أو انقطاع أو تخريب كوابل الاتصالات البحرية والأقمار الصناعية أو تقييد المعلومات والإشارات الفنية.
  2. الحذر من الجيوش الإلكترونية التي استقطبتها أوكرانيا لمهاجمة الأهداف الروسية، بعد توقف الحرب.
  3. خطورة تأثر التقنيات وظهور المشكلات التقنية لارتباطها بالأقمار الاصطناعية التي قد تتأثر وتواجه العديد من التحديات والتخريبات الممكنة.
  4. زيادة أنشطة القرصنة المعلوماتية، والهجمات السيبرانية، وأعمال التجسس الإلكتروني.
  5. التأثير على شبكة المعلومات العالمية، واعتماد سياسات جديدة مع الدول في التعاطي الرقمي.
  6. زيادة خطورة التشويش والقرصنة الإلكترونية والتهكير والاختراقات الإلكترونية.
  7. ظهور إصدارات جديدة محسنة لمقاومة التهكير وزيادة القيود الأمنية الإلكترونية عالمياً.

 

  • أهم التحديات العقدية الحالية والمحتملة:

يبرز كثيراً استخدام الأيدولوجيات الدينية في الكوارث والأزمات والحروب، وفي هذه الأزمة اتضح ذلك جلياً؛ حيث استدعى الروس جهاد المسلمين للوقوف معهم ضد أوكرانيا، واستدعى الأوكرانيون المسلمين لجهاد الروس، وتظل الدعوات من الجانين دون أثر لو كان المقصود بمسلمي الدولتين، لكن استنهاض قضية الجهاد الإسلامي في حد ذاتها كانت رائجة في تنظيم القاعدة وداعش والتنظيمات المرتبطة بهما.

ومن هنا يبرز التحدي كبيراً في الخوف من استدراج بعض السذج من منطقتنا للانخراط في حروب وصراعات غير مشروعة، وربما تنجح التنظيمات الإرهابية والمتطرفة ذاتها في المبادرة بالمشاركة، مثلما يبادر كثير من دول العالم للمشاركة في هذه الأزمة، وعلى هذا الأساس فإن الدراسة تستشرف التحديات العقدية التالية:

  1. خطورة زيادة التأثير السلبي العقدي لبعض الجماعات المناهضة، والمخابرات المعادية.
  2. خطورة بروز ظاهرة التطرف والتعصب وفقاً للمعتقد الديني والمذهبي.
  3. رجوع ما يسمى بالجهاد الديني المدعوم بشكل فاضح من دول الصراع، وذلك من قبل أطراف الأزمة الرئيسيين (روسيا وأوكرانيا) ومن يسير في فلكيهما واتجاهيهما.

 

  • أهم التحديات الصحية والدوائية الحالية والمحتملة:

تعد التحديات الصحية والدوائية من أبرز التحديات التي أفرزتها وستفرزها هذه الأزمة، سيما أن للدولتين نشاطاً كبيراً في الاستثمار في هذا الجانب، ناهيك عن الآثار الاقتصادية المؤثرة في صناعة الدواء على مستوى العالم، وبشكل مركز، فإن الدراسة رصدت وتستشرف التحديات التالية:

  1. نقص أو حجب بعض الأدوية، والتجهيزات الطبية، وقطع الغيار للمعدات الطبية المستوردة.
  2. الخوف من تداعيات الحرب وانتشار الفيروسات والجراثيم الناتجة عن الأسلحة البيولوجية.
  3. الخوف من الآثار الناجمة عن استعمال الأسلحة النووية.
  4. نقص أو هجرة بعض الكوادر البشرية الأجنبية وخصوصاً ذات التخصصات الهامة.

 

  • أهم التحديات الغذائية والمائية الحالية والمحتملة:

بات تأثيرات الأزمة على الأمن الغذائي واضحة في عدد من دول العالم؛ حيث تعد روسيا المصدر الأول لتصدير القمح عالمياً، تليها أوكرانيا في المرتبة الرابعة، وبالتالي فإن توقف سلاسل الإمداد سيُحدِث تحديات كبرى ليس على المملكة ودول الخليج فحسب، بل على مستوى عدد من الدول العربية والعالم.

وفي تقرير تحليلي لبوعلام غبشي بتاريخ 2 مارس 2022، بعنوان: كيف تهدد الحرب الروسية على أوكرانيا الأمن الغذائي في عدة دول عربية؟، (موقع: www.france24.com/ar) أشار إلى أنه إذا استمرت الحرب فإنه قد تؤدي هذه الأزمة إلى مظاهرات جديدة وعدم استقرار في دول عربية عدة.

وصحيح أن المملكة ودول الخليج لديها خططها الاستراتيجية التي تضمن توفر الغذاء، واستمرار سلاسل الإمداد، ولديها الملاءة المالية لشراء هذه المنتجات حتى لو غلي ثمنها، غير أن هذه الأزمة أدت -وقد تؤدي- إلى مزيد من التحديات التالية:

  1. غلاء المنتجات الغذائية المستوردة.
  2. انقطاع بعض المنتجات الغذائية المستوردة.
  3. تعرض مصادر المياه الخليجية للاستهداف.
  4. نقص أو غلاء المعدات الصناعية للشركات الوطنية المنتجة للمياه والغذاء.
  5. نقص الغذاء أو انعدامه نتيجة توقف التصدير من الدول المنتجة، أو تعذر سلاسل الإمداد.
  6. خطورة التأثير على مصادر الغذاء وخاصة القمح، في الدولتين محل الصراع، باعتبارهما أكبر الدول المصدرة.
  7. خطورة حدوث ندرة وشح في معطيات توفير المياه الصالحة للشرب، والتقنيات المرتبطة بها.
  8. خطورة تأثر المياه البحرية الإقليمية، في حال استعمال المواد الكيمائية والبيولوجية.

 

  • أهم التحديات الجيوسياسية الحالية والمستقبلية:

يتعرض المقوم الجيوسياسي لأي دولة لعدد من التحديات في أوقات السلم، وتزداد بطبيعة الحال في وقت الأزمات والحروب، وفي هذه الأزمة فقد رصدت الدراسة واستشرفت عدداً من التحديات، ومن أبرزها:

  1. خطورة التغيّر والتغيير في النطاق الجيوساسي في حدود منطقة الحرب وتأثيرها على المملكة ودول الخليج.
  2. خطورة تحولات جيوسياسية متوقعة وتداعيات مستقبلية.
  3. التهديدات الارهابية للمضائق البحرية من بعض الجهات المعادية في إيران والعراق واليمن.
  4. خطورة استفادة إيران جيوسياسياً من تداعيات هذه الأزمة.

 

  • أهم التحديات الاجتماعية الحالية والمستقبلية:

بالرغم من الاستقرار الاجتماعي للمملكة ودول مجلس التعاون، ومع ذلك فمن المتوقع حدوث تحديات على النسق الاجتماعي الخليجي، يمكن رصده فيما يلي:

  1. خطورة التأثيرات المتوقعة على المورد البشري، والحياة الاجتماعية نتيجة استمرار الحرب.
  2. ضعف في العلاقات الأسرية، وضعف في العلاقات بين الأصدقاء خوفاً من تداعيات الأزمة.
  3. الخطورة من محاولة بعض الجهات التأثير وحدة الصف الداخلي والإقليمي.
  4. الارتباك اللا معياري الذي يلف العالم من الخوف من استخدام الأسلحة النووية.
  5. زيادة الحالات النفسية والاكتئاب وزيادة المصروفات المالية لارتفاع الأسعار، مما يؤدي لمزيد من التضخم وزيادة معدلات الفقر لدى عدد من شرائح المجتمع.

 

  • أهم التحديات الإعلامية الحالية والمستقبلية:

ازدادت أهمية الإعلام كقوة وطنية بعد تسعينيات القرن الماضي، وفقاً لما أشار إليه جوزيف ناي؛ حيث أكد على أن الإعلام أحد القوى الناعمة، التي يمكن استخدامه لتحقيق أهداف الدول، وقد نجحت الدول الكبرى في استخدامه كقوة فاعلة في تحقيق أهداف كانت القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة لتحقيقها.

وفي إطار الأزمة، ولأن المملكة ودول مجلس التعاون تحاول أن تنأى بنفسها عن الدخول في الصراع الحال، فإنها تتعرض لعدد من التحديات، ومن أبرزها:

  1. انصراف الجانب الإعلامي إلى تداعيات الحرب دون الاهتمام بالجوانب الأخرى.
  2. تلقي كمية كبيرة من الضخ التضليلي الدعاية السوداء التي تمارس لشيطنة دول المنطقة.
  3. زيادة بروز الإعلام المفبرك والمنحاز، لصالح مصالح الدول الكبرى.
  4. إقحام دول الخليج إعلاميًا في هذه الأزمة بالترهيب والترغيب لإجبارها على اتخاذ مواقف معينة.
  5. انشغال الإعلام الدولي بالحرب الروسية الأوكرانية، وإهمال تسليط الضوء على الاعتداءات الحوثية على المملكة وبعض دول الخليج، وبعض قضايا المنطقة.

 

  • التحديات البيئية الحالية والمستقبلية:
  1. مخاطر التأثير البيئي لنواتج الحرب المختلفة.
  2. مخاطر التلوث النووي واستغلال الدولتين المتصارعتين أو الجماعات الإرهابية تلويث المحيطات والبيئات البحرية.
  3. تأثر بعض برامج مبادرات الشرق الأوسط الأخضر والسعودية الخضراء.

 

ثالثاً: كيفية التعامل مع هذه التحديات:

أدى وصف واستشراف تحديات الأزمة الروسية – الأوكرانية في العديد من مقومات ومصالح الأمن الوطني للمملكة وكل دولة من دول الخليج إلى القدرة على تصور آليات تعامل تتناسب مع الآثار المترتبة عن الأزمة، ومن أجل ذلك فقد رصدت الدراسة عدداً من الأساليب التي تراها كفيلة بالتخفيف من تداعيات هذه التحديات، وفي ذات الوقت الدعوة لاقتناص الفرص الممكنة، وتحويل التحديات إلى فرص، وتقترح الدراسة أساليب التعامل وفقاً لما يلي:

  1. تشكيل إدارة أزمة خليجية، للتعامل الجماعي معها، بما يضمن تحاشي آثارها أو التقليل منها.
  2. الاستفادة من مراكز التفكير المحلية والإقليمية، ومراكز البحوث في وصف واستشراف أعمق لمآلات الأزمة، وكيفية التعامل معها.
  3. الدراسة المستمرة والحثيثة للتحديات الحالية والمتوقعة، وتطوير سجل المخاطر في كل دولة من دول المجلس، وتبعاً لذلك تحديد آليات تحاشي آثارها، أو على الأقل تخفيفها.
  4. الدراسة المستمرة للفرص التي يمكن اقتناصها من التحديات الحالية أو المستقبلية.
  5. توعية المجتمعات الخليجية بأدوارها المطلوبة منها في التعامل مع الآثار المترتبة على الأزمة.

 

رابعاً: الخاتمة

خلصت دراسة تحديات الأزمة الروسية الأوكرانية على المملكة ودول مجلس التعاون إلى وصف واستشراف التحديات الناجمة في عدد من المجالات، وإلى الأساليب التي يمكن استخدامها من أجل التعامل الأمثل معها، وربما يتضح للجهات المختصة أن القراءة العلمية من قبل الباحثين المختصين، والعاملين في مراكز الفكر لديها إطار أوسع في تصور أطر وحدود التحديات، والأساليب المحكمة في التعامل المحكم معها.

الجدير بالذكر أنه برز في هذه الأزمة استخدام القوات الروسية للقوة العسكرية في الهجوم على أوكرانيا، وفي ذات الوقت تستخدم الدول الكبرى الحليفة لأوكرانيا بعضاً من القوة العسكرية المحدودة لدعمها في المواجهة، وفي ذات الوقت تستخدم الاقتصاد كقوة ضاربة في التأثير على روسيا، مع استخدامها المستمر للدبلوماسية والمعلومات بأساليبها المتعددة، كإحدى عناصر القوة الناعمة في التأثير على روسيا.

وصحيح أنه من المبكر الحكم على نتائج استخدامات الطرفين لأنواع القوة في هذه الأزمة، بيْد أن أمام المملكة ودول الخليج استخدام القوة الذكية (الاقتصاد، والدبلوماسية، والمعلومات) في التعامل المحكم مع تحديات هذه الأزمة على دول المنطقة، وفقاً لما عرضه التقرير في كيفية التعامل الأمثل مع هذه التحديات، سواء في التعامل معها، أو باختلاق فرص ثمينة نتيجة هذه الأزمة.

المراجع

 

التعقيبات:

  • التعقيب الأول: أ. د. صدقة بن يحيى فاضل

مبدئياً، أقول: صحيح، أن هذه الأزمة فَرَضت على العالم كله، عدة تحديات شائكة. والواقع، أن الباحث يرى أن هناك تحديات: سياسية، اقتصادية، عسكرية وأمنية، تقنية، عقدية، صحية، غذائية، جيوسياسية، اجتماعية، إعلامية، بيئية. أي تداعيات، أو تحديات (أخطار) في كل جوانب الحياة العامة، تقريباً.

ومن حسن الحظ، أن هذه التحديات، أو معظمها، ما زالت “محتملة” (متوقعة) وليست حالة، ومتواجدة فعلاً. وأنا أتفق مع كاتب الورقة الرئيسة بشأن هذه التحديات، وأقول: إنها شبه واقعة. وإنْ تفاقمت الحرب، ستتفاقم هذه التداعيات. وإنني من الذين يعتقدون أن هذه الحرب قد طالت، بأكثر مما كنا نتوقع. وأنها ستضع أوزارها قريباً، ما لم يتدخل حلف الناتو. وهو أمر مستبعد، حتى الآن.

وفي الواقع، إنني كتبت في هذا الموضوع عدة مقالات. إذ تضمنت مقالاتي الصحفية الأخيرة البسيطة، الحديث عن الأبعاد السياسية لهذه الأزمة الكبرى. وتطرقتُ لما أثاره الدكتور الثقفي في ورقته المذكورة، من نقاط. ولا بأس من “تحديث” تلك التعليقات، أو بعضها، طالما أن الأوضاع المعنية لم تتغير، تغيراً جذرياً بعد. ويمكن أن نحصر النقاط الأهم التي أثارها في عدة أمور، أهمها: حقيقة ما يجري، تغير النظام العالمي، تأثير هذا التغير على منطقتنا العربية وعلى بلادنا العزيزة، المملكة العربية السعودية، أهم تداعيات هذه الحرب (المحلية والإقليمية والعامية). وبما أن الباحث قد غطى أهم التداعيات، وسبل التعامل معها، فإنني سألقي بعض الضوء على كل من: حقيقة ما يجري وتغير النظام العالمي، وتأثير هذا التغير على منطقتنا العربية.  وليكن ذلك من قبيل إبداء الرأي والتعقيب.

بالنسبة لما يجري، معروف أن أوكرانيا (عدد سكانها حوالي 43 مليون نسمة، ومساحتها 603550كم2) تقع في خاصرة روسيا، الجنوبية الغربية. ويعرف الجميع أن هذه الدولة استقلت عام 1991م، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، التي كانت إحدى أبرز جمهورياته، بسبب كونها دولة صناعية، ومن أكبر منتجي القمح في العالم. ومعروف أن الاتحاد السوفييتي كان بقيادة روسية. وفي عام 2014م، أرسلت روسيا جيشاً مدججاً بالأسلحة إلى شرق أوكرانيا. وسيطرت على مواقع استراتيجية عدة فيها. وهناك صلات وروابط وثيقة بين روسيا وأوكرانيا. فالدولة الروسية الأولى تأسست في كييف، ثم انتقلت لداخل روسيا، ثم إلى موسكو في شمال غرب روسيا. ونسبة كبيرة من الأوكرانيين هي من أصل روسي، وبعضهم يتحدث الروسية، كلغة أم. وتوجت روسيا بوتين حملة 2014م العسكرية بضم شبه جزيرة “القرم” إلى الاتحاد الروسي، اذ فرضت إقامة استفتاء شعبي، أسفر عن تصويت سكان القرم- ونسبة كبيرة منهم من الروس- لصالح الانضمام إلى روسيا الاتحادية. وهذا ما تم بالفعل.

ومعروف، أن نهر الدانوب يقسم أوكرانيا إلى شرق وغرب، قبل أن يصب في البحر الأسود، وهناك إقليم “دونباس” شرق أوكرانيا، وتقطنه أغلبية روسية، تدعو لانضمام الإقليم للاتحاد الروسي. ويدعى الغرب أن غالبية الشعب الأوكراني تميل نحوه، وتؤيد انضمام أوكرانيا لحلف “الناتو”، والاتحاد الأوروبي. وتعارض روسيا تمدد حلف “الناتو” شرقاً، تجاه حدودها الغربية، وترفض بشدة انضمام أوكرانيا لهذا الحلف المعادي لروسيا. فانضمام أوكرانيا للحلف يعني اقتراب الحلف، بأسلحته وصواريخه، من روسيا. وهذا لا يمكن أن تقبله موسكو. وفي الواقع، هناك اتفاقية بين روسيا وحلف الناتو، تتضمن عدم نشر صواريخ المديين القصير والمتوسط، في وسط أوروبا وشرقها. ولكن أمريكا جمدت هذه الاتفاقية.

****

حدد الروس مطالبهم “الأمنية” الحالية، تجاه أمريكا والناتو وأوكرانيا، وملخصها: الالتزام بعدم نشر الصواريخ في وسط وشرق أوروبا، وعدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، إضافة إلى رفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن روسيا، والاعتراف بروسية شبه جزيرة القرم، وتمكين سكان شرق أوكرانيا من الاستقلال، أو الحكم الذاتي. ولم يستجب الغرب لأي من هذه المطالب، حتى الآن. فكان الاكتساح الروسي لأوكرانيا. ويبدو أن الغرب لن يغامر بالدخول في حرب مع روسيا، تفضي لحرب عالمية شاملة. لذا، فالمتوقع أن تنتهي هذه الأزمة بتفعيل اتفاقية عدم نشر الصواريخ في وسط وشرق أوروبا، وعدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، مع تعهد روسيا باحترام سيادة واستقلال أوكرانيا.

وتقتضي الموضوعية أن نقول إن: روسيا معها الحق، سياسياً واستراتيجياً، فهي تدفع خطراً فادحاً محتملاً. أما أوكرانيا، هذه الدولة الكبيرة الجميلة والمتقدمة، فقد سقطت للأسف، ضحية خبث (أو تآمر وغدر) الغرب المتنفذ، وحماقة إدارتها (حكومتها) وسوء سياساتها.

****

ولا شك بأن العالم بدأ يسود فيه نظام “التعدد القطبي”، رغم استمرار القطب الأمريكي (الوحيد سابقاً) في المركز الأول. هناك الآن ثلاث قوى عظمى (أقطاب): أمريكا، الصين، روسيا. ومعروف بأن العلاقات فيما بين الأقطاب كثيراً ما تُحدِّد وضع السلام، أو الحروب، في العالم، وفي أقاليمه الهامة. والتحليل الموجز للعلاقات الآن فيما بين هؤلاء الأقطاب يكشف أن الصراع يسود العلاقات الأمريكية – الروسية، وكذلك العلاقات الأمريكية – الصينية. أما العلاقات الصينية – الروسية، فيسود فيها التعاون على الصراع. وهذا ما دفع بعض المراقبين لتوقع قيام تحالف صيني- روسي، ضد عدو عتيد مشترك، هو أمريكا/ ناتو.

****

وبالنسبة للمنطقة العربية (الشرق الأوسط) فإن عليها أن تدرك الآن أن للولايات المتحدة، منافسين أنداداً، يريدون أن يشاركوا أمريكا في “كعكة” المنطقة. فالصين خاصة بحاجة ماسة لنفط وغاز المنطقة. وتهتم روسيا بالمنطقة، لعدة أسباب، أهمها: قربها من روسيا، وإمكانية الحصول فيها على موانئ دافئة، مثل ما حصلت عليه في طرطوس السورية، ولكون المنطقة مهمة لأمريكا، وبقية القوى الكبرى. أصبحت الولايات المتحدة مكتفيةً ذاتياً من النفط والغاز، وبالتالي لم تعد في حاجة مباشرة لهما. ولكنها تظل مصرة على التحكم في انسيابه لأصدقائها وأعدائها، والاستفادة من عوائده، قدر الإمكان. ولذلك، ستبقى أمريكا بالمنطقة، ولكن بزخم أقل، و”شروط” أشد. وستركز إمكاناتها العسكرية والدبلوماسية، من الآن وصاعداً، على المحيطين الهندي والهادي، الملاصقين للصين، بل وعلى “بحر الصين” نفسه. وهؤلاء العمالقة الثلاثة باقون، كلاعبين أساسيين على الساحتين العالمية، والإقليمية. وسيشتد تنافسهم على هذه المنطقة، الهامة جداً لثلاثتهم، وربما بنفس القدر لكل منهم.

****

ومهما كانت العلاقات فيما بين هذه الأقطاب، أو علاقة كل منها بدول المنطقة، فان أهل المنطقة، شعوباً ودولاً، هم المسؤولون عن حماية أمن واستقرار واستقلال وتطور بلادهم. إذ عليهم، دائماً ومهما كان وضع النظام العالمي السائد، أن يعملوا بجد وإخلاص وصدق لتقوية الذات، خاصة عبر “تطبيع” أوضاعهم السياسية، والتضامن البيني، لأقصى حد ممكن، ليضمنوا بقاءهم واقفين… دون الحاجة الملحة لإسناد من هذه الدولة العظمى، أو تلك.

إن من مصلحة العرب (كأمة) أن يتحول المنتظم الدولي الحالي إلى نظام التعدد القطبي.. إذ إن ذلك سيُسهِّل التحلل من ربقة بعض الأقطاب.. عبر إمكانية الاستعانة (الحذرة) بالأقطاب الأخرى، في التصدي للمناورات المعروفة للأقطاب المؤذية للمصلحة العربية العليا. والمؤكد، أن تضامن واتحاد العرب – إنْ حدث- سيجعل منهم قوة هامة، في أي نظام عالمي… وبصرف النظر عن ماهية ذلك النظام، وطبيعة المسيطرين فيه.  فاتحادهم، سيجعل منهم كياناً له سطوة وثقل الدولة الكبرى، إن لم نقل العظمى.

  • التعقيب الثاني: اللواء فاضل القرني

تبرز أهمية تناول هذا الموضوع القائم والمحوري والذي بدأت وتستمر انعكاساته على العالم بصور مختلفة سياسية بمجملها وإنْ كانت تحولات جيوستراتيجية على جغرافية السياسة الدولية (القطبية، التحالفات، وبزوغ المعسكرات والتكتلات المحتملة. الخ)، وكذلك الاقتصادية، التقنية، العسكرية والاجتماعية.

وإنْ كانت الحرب (العملية الخاصة كما يسميها الروس)، مرشحة للإطالة بطبيعتها، بالإضافة إلى سعي الولايات المتحدة وبريطانيا على ضمان ذلك من خلال النغمة في الإعلام والتصريحات السياسية، والأسلوب التصعيدي من دعم يتنامى للأوكرانيين والزيارات الميدانية من بعض الزعماء الغربيين، إضافةً إلى التمارين العسكرية التي تحمل رسائل متعددة لروسيا ودول العالم المعنية وأيضاً للشعوب الغربية. كل ذلك جدير بأن يأخذ حيز الاهتمام المصيري لمعظم دول العالم. إن منطقة الشرق الأوسط معنية ومدعوة بذلك الصراع لأسباب عدة وأهمهما أولاً أنها منبع متدفق ومنظم للطاقة العالمية بطريقة آمنة وتمتلك القدر المناسب والأمن لوصولها إلى الأسواق، ودورها في تحريك الاقتصاد الدولي. وثانياً وبسبب التصدعات السياسية في المنطقة التي حدثت لأكثر من عقد (الخلافات التي حدثت بين بعض دول مجلس التعاون، والموارد البشرية المحفزة للبحث عن موارد مالية وسبل عيش بسبب الإحباط والقلاقل في سوريا، العراق، اليمن بالإضافة للدول التي نالها من ذلك في شمال إفريقيا).

وفي تصوري أن الخطوة الأولى لتحديد الفرص والتحديات التي تهم دول مجلس التعاون هو قراءة المشهد واستشراف ما ستؤول إليه الحرب في منتصف طريقها أو نهايتها. إن سياسة الحياد الممتنع والمتمثل في التوازن من التنديد بالحرب والدعوة إلى الحلول السلمية وكذلك عدم تأجيج الموقف وخاصةً مع الجانب الروسي من خلال عدم زيادة الإنتاج لن يكون عمره طويلاً، هو حياد مؤقت. وذلك أن إطالة الحرب ستعيد وترتب المواقف في الدول المحايدة بحكم الأمر الواقع (status quo). وسيتمزق النسيج الحيادي بسبب النقص المتوقع للطاقة وزيادة مفرطة في أسعارها. وهذا بالتالي سيكون إضافة في مراحل الحرب ومستوياتها. وربما تنتقل من مسرح روسي أوكراني إلى أوروبي، ومناطق تأثير للجانبين خارج أوروبا.

كمحاولة لفهم واستشراف مدة الحرب، وجدتُ أن الذي يساعد في ذلك هو كيف صُنعت الحرب الروسية من خلال سياقها التاريخي غير البعيد، إذ بدأت منذ تفكك الاتحاد السوفيتي بشكل شبه مفاجئ، وما صاحبها من اتفاقيات عدة أهمهما هنا (أن روسيا الوريث للقدرات النووية، وضمان عدم انضمام الدول المستقلة لحلف NATO). وتخوف روسيا مقنع، ولكن الذي حدث هو الجانب العكسي. وواجهت ذلك روسيا واكتفت لفترة من الزمن بإملاء وتأثير على الدول المحيطة بها والتي يُدعَم أنها تريد حزاماً أمنياً وليس توسعياً. وهذا ما حدث في جورجيا وبعدها أوكرانيا (شبه جزيرة القرم) والتي كانت خطاً أحمر مصيرياً لروسيا.

استعرضتُ أهم خطابات الرئيس الروسي لقراءة فهمه للموقف الأمني لروسيا كدولة كبرى تواجه تهديداً متدرجاً، ووجدت أهم نقاط معنية بذلك مختصرة في النقاط التالية:

  • السرد التاريخي لروسيا وما مرت به من محطات نجاح وتراخٍ، في الحقبة القيصرية وبعدها الشيوعية. والانتقادات لإخفاقات الاتحاد السوفيتي والحكم الشيوعي وخاصةً في التعامل مع أوكرانيا.
  • مفهومه لأوكرانيا ليست دولة جارة، بل هي جزء من روسيا وفق التاريخ وديمغرافيتها.
  • الروح الممزوجة بالقيصرية والنظام السياسي والاقتصادي العالمي ومقوماته العصرية لدى الرئيس (بوتين).
  • شرحه المبني على التفاصيل في جيوستراتيجية روسيا وأهمية أن تكون دولة عظمى ولا يجب أن تكون إلا كذلك.
  • أمن روسيا يعتبر هشاً بسبب جغرافيتها الغربية، ولا يمكن أن تكون بمأمن. وأن الغرب ممثلاً بحلفه يريد إزاحة روسيا من ذلك حتى ولو تكن هناك حرب. (والخارطتان أدناه توضح توسع الأطلسي والتدخل الروسي في أوكرانيا).
  • خداع روسيا من قبل الغرب والدول المستقلة بأن تتحمل ديون الاتحاد السوفيتي المنهار، وبالتالي تحملتها روسيا.
  • مخالفة الاتفاقيات إبان الانهيار السوفيتي بأن لا تنضم بعض الدول (وربما جميعها) لحلف شمال الأطلسي، بل حتى كان هناك رأي حول عدم استمرار الجدوى من الحلف.
  • روسيا اللاعب والرئيس في نمو الاقتصاد الأوربي والذي بلغ التبادل التجاري (50 مليار دولار) مقارنةً بالولايات المتحدة والذي لا يتجاوز الربع لهذا الرقم (وفق ما ورد من الرئيس بوتين).
  • اتهاماته لأوكرانيا بنهب الغاز الروسي والسعي على بناء قدرات وأسلحة نووية (والبنية التحتية من الموروث السوفيتي السابق ستساعدها في ذلك).
  • توسع الحلف هو إنهاء الحضارة الروسية.
  • الإشادة بأن القدرة النووية الروسية هي من أفضل الأسلحة في العالم، وكذلك الصناعات العسكرية (مثل الصاروخية فرط سرعة الصوت Hypersonic).
  • يرى الحلف هو أداة أمريكية، والأوربيون فاقدو القدرة، وأوكرانيا تحديداً هي دمية أمريكية.
  • تمدد الحلف هو ضرر كبير لروسيا وحلفائها (في إشارة إلى الصين، باكستان وغيرهم).
  • الإجراء ببدء العمليات هو للدفاع عن النفس وليس الاعتداء واحتلال أوكرانيا. ومن ما ورد أنه ذكر بأن العمليات حول العاصمة (كييف) فقط. ولعل ذلك نية بأن يكون هناك حزام أمني لروسيا من جهة الغرب في حال إن لم يتم التمكن من الاحتلال الكامل وتغيير نظام الحكم.
  • توهينه للعقوبات الاقتصادية وفق ما يتوقعه الغرب لتركيع روسيا، وتوجيهات واضحة لحكومته للتغلب عليها. وفي سياق تلك الخطابات التهديد باستبدال الدولار بالروبل.
  • والكثير من التفاصيل الاقتصادية، والقطاع الخاص والمصرفي الحكومي وضمان الأمن الغذائي لروسيا ودول العالم المعنية بعقود معها. والروابط التالية احتوت أهم خطابات الرئيس الروسي لمن يريد الاطلاع

https://www.youtube.com/watch?v=Ju0gWdT1sGw

https://www.youtube.com/watch?v=MxiNmb0H-k8

https://www.youtube.com/watch?v=Sk-UobeabgE

https://www.youtube.com/watch?v=u0b8h8TKAp0&t=163s

وما يُستنتج من تلك الخطابات والسياق من الأحداث حتى اللحظة، هو الإصرار الروسي على تحقيق أهداف العملية الخاصة. وإذا ما أُخِذ بالاعتبار على الطرف الآخر من النزاع وهو الغرب (أمريكا وبريطانيا أكثر تحمساً)، من لغة التصادم وكسر تلك الأهداف بالعقوبات الاقتصادية والدعم اللوجستي والسلاح لأوكرانيا والتحفيز المعنوي لدول الجوار الروسي لمحو مخاوفهم، سيجعل الموقف في تعقيد تصاعدي مقصود ” أكدت وزارة الدفاع الأميركية أن الوضع الأمني في أوروبا تغير بصرف النظر عن نتيجة الحرب في أوكرانيا. وتعهد الرئيس (بايدن) بأن المزيد من المساعدات سيكون في الطريق، وأن الولايات المتحدة تعمل على مساعدة أوكرانيا في الحصول على أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى التي تحتاجها، لكنه لم يقدم مزيداً” (بتصرف https://www.alarabiya.net/arab-and-world/2022/03/22/).

بتوضيح أكثر، أوروبا وأمنها في خطر لم تعهده من الحرب العالمية الثانية، يسيطر على زيادة ذلك التصعيد الدعم السياسي البريطاني بطريقة أكثر حدة (بالرغم خروجها من الاتحاد الأوروبي حديثاً) والإجراءات العقابية الأمريكية، المتنامية وأسلوب التهييج تارة والاستعطاف تارةً أخرى من أوكرانيا. فضلاً عن التهديدات باستخدام أسلحة الدمار الشامل (وإن خفت حدتها من النووي إلى الكيميائي والجرثومي). كل ذلك قرائن على أن الحرب الروسية-الأوكرانية ستتحول إلى أوربية وربما شاملة (حرب إرادات)، إذا لم يتم تطوير الموقف إيجابياً.

لا شك أن الحروب على ما يصاحبها من خراب ودمار يتكون في داخلها فرص ومخاطر، والدول البعيدة عن المسرح الجغرافي للحرب ومؤثرون فيه هم أولى بذلك. وبطبيعة الحال ستفضي الأمور إلى مكاسب وخسائر للطرفين سيكونان لهما ترجيح الفرص والمخاطر وفق سياقها. وفي تصوري السيناريوهات المحتملة من هذه الأزمة هي محصورة في التالي، علماً أن الغرب مؤكد يعمل مخابراتياً على تغيير (نظام بوتين) كما ذكر الرئيس الأمريكي وفق وكالة CNN السبت 26 مارس:

  • تحقيق الجانب الروسي أهدافه من العملية الخاصة، وهذا السيناريو هو الأبسط والأقل توقعاً. وبذلك ستكون روسيا دخلت القطبية المناظرة للولايات المتحدة بجدارة ولحقب قادمة؛ لأنه ببساطة كسرت هيبة الغرب وحلفه وأحادية الإملاء الأمريكي. وبذلك ستعيد روسيا إعادة تنظيم العلاقات السياسية، وإعداد مفهوم جيوستراتيجي مبني على الاقتصاد والتحالف السياسي والعسكري مع دول عدة وليست محددة بالصين وهي الأهم، بل ستتعدى ذلك في مناطق عدة في العالم وعلى رأسها دول الخليج العربي (المرهون بحيادتيه أثناء العمليات الخاصة) بالإضافة إلى عضويتها في أوبك+. وكذلك بالمقابل العالم سيعيد النظر في العلاقات الدبلوماسية، الاقتصادية، الثقافية والعملية وأيضاً السياحية للاطلاع على الدب الروسي المنتصر عن كثب. وبالتأكيد يوازيها التحديات في الصديق القديم والعمق الدبلوماسي والتقني في مجالات الاتصالات والدفاع والأمن والطبية والتبادل التجاري وغيرها.
  • تحقيق الغرب أهدافه (بكسر أهداف الروس)، وهنا مكمن خطر (مرهون بتمسك حيادية الدول المعنية من العالم وأهمها دول مجلس التعاون وغيرها من الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط). لن يرى الغرب ذلك حياداً، وهو الذي تدخل في أمن واستقرار دول المنطقة وغيرها في العالم من خلال محاربة الإرهاب، حقوق الإنسان، وتشكيل القيم الإنسانية وفق معاييره. سيزداد ذلك التدخل والعمل على تعظيم تأثيره بسبب غياب دولة عظمى منافسة كانت تساعد في تحديد المنطقة الوسط (الحياد). وهذه الفرضية ستكون أكثر احتمالية في التحقيق عند احتواء الغرب للصين من عدم التدخل أو مساعدة روسيا في النزاع على ضمانات بعدم (الشوشرة) على طموحاتها الاقتصادية (الحزام والطريق) وعدم إثارة ما يقلق النظام السياسي بما يتعلق بحقوق الإنسان (الإيغور) وتقديم تسهيلات لاستثماراتها المستقرة في أوروبا وأمريكا، وحتى إفريقيا.
  • التسوية السياسية والأمنية بين الروس والغرب، وهذا لن يكون إلا بسبب رئيس وهو عدم قدرة دول إنتاج الطاقة الاحفورية (الزيت والغاز) من تعويض أوروبا عن الطاقة الروسية. وهنا المنطقة الأمنة للمحافظة على الحياد وضمان استقرار أسواق الطاقة نسبياً، وستكون هناك فرص اقتصادية من خلال عوائد الطاقة أثناء فترة الحرب وإعادة البناء، لاستغلالها في الاستثمارات المتعددة، البنية التحتية، دعم المبادرات الوطنية والإقليمية، تعزيز الدفاع والأمن وبدائل الطاقة.
  • دخول العالم في أتُون الحرب الشاملة (لا سمح الله) ولو بأسباب بسيطة تهيئ للمواجهة الروسية الغربية (مثل حظر الطيران فوق أوكرانيا)، فضلاً عن التلويح باستخدام أسلحة الدمار الشامل من الطرفين (كما أشار إلى ذلك ضمناً الرئيس بايدن بأنه سيكون لها رد في حال استخدامها) وبطبيعة الحال لن يكون هناك حياد من الدول. سينقسم العالم (حتى ولو ليس بالتساوي) إلى إحدى الطرفين، وربما أكبر الفرص هو متى حتى تكون المخاطر في أقل صورها. والمتوقع وفق الإيقاع السياسي الحالي أن دول مجلس التعاون وربما معظم الدول العربية هو الانضمام بالضرورة إلى الغرب، لأسباب عديدة عليا ومتوسطة حتى تتدرج إلى قاع الاعتبارات الفنية والتكامل العملياتي والاستراتيجي والتسليح الغربي الغائر في المنظومة العربية والخليجية بالأخص.
  • وبالابتعاد عن احتمالية أي السيناريوهات، إن أهم الفرص والتحديات التي تتبلور مع تسلسل الحرب، تمخض التحديات كخام سلبي على أمن المملكة ودول الخليج، غير أن بمعالجتها ستكون فرص لتحويلها لصالح التنمية السياسية والاقتصادية والتي ستنتج عوائد أمنية، اجتماعية، بيئية. إلخ. بالرغم من الصورة النمطية والتي دعم تأسيسها ما حدث من خلافات بين بعض دول المجلس بأن الوحدة أو الكونفدرالية الخليجية غاية في الصعوبة وتشارف المستحيل، إلا أن هذه الأزمة لا يمكن التعامل معها إلا بشكل أو آخر من التعاضد واقترابها بتكتل سياسي واقتصادي وتعاون تقني ودفاعي وأمني حتى يكون التأثير والتوقع ذا فعالية يعود على الجميع. ولعل ما ذهب إليه كاتب الورقة الرئيسة (تشكيل إدارة أزمة خليجية) هي بداية لا يمكن تقسيمها أو توهينها إلى فريق تنسيق، بل يجب أن تكون نواة تأسيس للارتقاء بدول مجلس التعاون على مستوى الأحداث العالمية والإقليمية. والأوراق عديدة في المنطقة لتسويتها (اليمن، إيران، العراق، سوريا، ليبيا وأمن الطاقة وغيرها). ولعلي أضيف أهمية إثراء هذه القضية الحية والمتوقع لها عمر ليس بالقصير، إثراؤها بالنقاش والتوصيات وأن تكون قضية استثنائية بالدراسة وسرعة تقديمها لصناع القرار ليس بما قدم من أوراق، بل بما ينبثق من النقاش من نقاط وأفكار بجميع أبعادها.

هناك من يتابع الخرائط وهناك من يصنعها

الخارطة هي الأرض في راحة اليد. علماً بأن القراءة الروسية لذلك نالها كثير من التأخير

 

دول حلف شمال الأطلسي (NATO) توضح التهديد جيوستراتيجي لروسيا

 

  • المداخلات حول القضية
  • الانعكاسات العالمية والإقليمية للأزمة الروسية-الأوكرانية وتداعياتها على المستوى المحلي.

هذه الأزمة فيها دروس قيّمة ولها ما بعدها وستكون البلدان العربيّة من المناطق التي ستتأثّر بشدّه من جرّاء هذه الأزمة، كما أن تأثيرها سيستمر لفترة طويلة وعلى المدى المنظور.

الموقف الغربي القاسي من روسيا وقرارات مصادرة الأموال الروسيّة وحصار الدولة الروسية وطردهم حتى من الملتقيات الرياضيّة وازدواجيّة المقاييس الغربيّة مقارنة بمواقفهم من الأزمات الأخرى أوضّحت بجلاء أن الدول الغربيّة لا تحترم إلا مصالحها ولا يمكن الوثوق بها، ممّا أثار مخاوف الكثير من الدول ووضع علامة استفهام كبيرة على عدالة النظام العالمي الذي تتحكّم فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها.

وطلبهم من الصين إدانة الروس كان فيه إهانة للصينيين وتدخل في شؤونهم الداخليّة، ممّا دفعهم لزيادة ارتباطاهم وتقاربهم مع الروس، إضافة إلى أن الصين تدرك أن مصيرها مرتبط بمصير الروس بعد هذه الأزمة وقد لا يكون من المستبعد وجود تنسيق بين الدولتين قبل بداية الاجتياح الروسي لأوكرانيا.

والنتيجة أن السياسات الغربيّة في هذه الأزمة ستدفع الكثير من الأمم غير الغربيّة إلى الاصطفاف خلف التكتّل الروسي والصيني والهندي، فالهند -وبالرغم من العداء المستحكم بينها وبين الصين- وجدت أن استمراريّة هيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي أسوأ عليها من انضمامها لمحور تكون الصين فيه لاعباً أساسياً، وهذه المخاوف بلا شك تنطبق على الدول العربيّة وخصوصاً الدول الخليجيّة، والأزمة الأوكرانيّة ليست وليدة اللحظة؛ بل كان يُخطَّط لها منذ زمن من قبل الأمريكان والإنجليز من أجل استدراج الروس وتحييدهم عن طريق أوكرانيا، فالولايات المتحدة وبريطانيا يستخدمان حلف الناتو لنشر الديموقراطية الليبراليّة الجديدة والدفاع عنها، وإذا أمكنهم إخضاع روسيا ثمّ الصين فإنّهم سيبدؤون بإجبار دول العالم الأخرى على تطبيق الديمقراطيّة الليبراليّة الجديدة التي يرون أنّها نهاية تطوّر النظام السياسي للدّولة الحديثة، بل وقد لا ينتظرون سقوط الصين فقد يبدؤون بإجبار الدول على تطبيق هذا النظام عن طريق سلاح العقوبات والطرد من الأدوات الفاعلة في النظام العالمي، كما فعلوا مع روسيا، إذا استطاعوا إخضاع روسيا.

والكثير من الدول وخصوصاً دول العالم الثالث والدول المتوسّطة لن تستطيع مقاومة الضغوط الغربيّة وستنهار أو تستجيب لمطالبهم، وصمود دول مثل إيران وكوريا الشماليّة مثلاً يعتمد على عوامل من أهمها الدعم الروسي وهذا لن يكون متوفّراً للكثير من الدول، فيما لو انهارت روسيا أمام الحصار الغربي.

ويتضح من الورقة الرئيسة والتعقيب عليها وكذلك من خلال التحليل المتأني والعميق لما يحدث أن هذه الحرب هي العلامة (أو إحدى العلامات) والأعراض التي تدل على تغير أو تحول (تكتونيك) أساسي في العالم على كل المستويات .. هذا أمر عليه إجماع.. ولكن ما ليس عليه إجماع هو شكل العالم المقبل وتفاصيله.. وقت يشبه إلى حد ما العالم ما قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية ولكن باختلاف الفرقاء.. كما أن هيكلة وعمل الأمم المتحدة سينالها نصيب من ذلك؛ إن لم تحول في فكرتها.

كذلك فمن إفرازات هذه الحرب وحسب ما ذكرته NBC الأمريكية ‏أن الرئيس الأمريكي بايدن اطَّلع على خيارات منها شن حرب سيبرانية لتعطيل قدرة روسيا على مواصلة هجومها على أوكرانيا بشكل غير مسبوق لتشمل تعطيل الإنترنت والكهرباء والقطارات … إلخ. إن عصر الحرب السيبرانية بدأ بشكل علني! وهذه الحرب قد لا تقل ضراوة عن ما نشاهده على شاشات التلفاز. فالتقنية أصبحت عنصراً أساسياً في حياتنا اليومية بشكل مباشر ولا نستغني عنها، خاصة أننا أصبحنا رقميين في تعاملاتنا اليومية. هذه النوع من الحروب الذي برز تأثيره ويزداد بشكل مضطرد يجب أن نعد لها العدة من خلال تطوير القدرات الوطنية والبحث عن مصادر تقنية أخرى غير الغربية مع أهمية الاعتماد على البرمجيات مفتوحة المصادر…. إلخ.

وبالطبع فإنه من التسطيح القول إننا لم نتأثر من هذه الحرب حتى على المستوى الفردي، رغم أنه لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وعلى ذكر الجمل فهو يقتات على الشعير كمصدر أساسي للكربوهيدرات، وهو المحصول الذي يصل معظمه من أوكرانيا وروسيا، الأمر الذي انعكس في ارتفاع أسعار الأعلاف ليتبعه ارتفاع في أسعار اللحوم. بكلمة أخرى فإن أول آثار هذه الحرب انعكس على الحيوانات ومربي الماشية وللاثنين علاقة مباشرة بمستهلكي اللحوم، مع التذكير أن بعض الدول العربية بدأت تعاني من ارتفاع سعر رغيف الخبز؛ لأن مخزونها من القمح يكفيها فقط لشهور قليلة (مصر ولبنان ودول شمال إفريقيا) مجرد نماذج عالمية. هذا الكلام يقودنا إلى مسألة “الأمن الغذائي” في المملكة وماذا نحن فاعلون في قادم الأيام فيما لو حدث شح في مخزوناتنا من القمح والأعلاف والإجراءات التي يمكن الأخذ بها.

وكثير من المحللين يرون أن روسيا قضت على العولمة ومن خلفها الصين كهدف من حربها في أوكرانيا، والتصور أننا سنرى نظاماً عالمياً موازياً، وسنرى قطبين أو ثلاثة. سنرى دولاً عليها أن تختار وهي الدول المهمة. لنأخذ الهند ذات العلاقة التاريخية مع روسيا فهي على خلاف مع الصين؛ ولكن روسيا ستعمل جهدها للتقريب بين الهند والصين، وربما نرى استقراراً في كشمير، إن لم يكن احتمال الوصول لحل من جهة الصين ومن جهة باكستان. سنرى حلاً لبعض المشاكل الإقليمية نتيجة مشكلة عالمية. والعالم سيصبح أكثر استقراراً مع تعدد القطبية. وربما يساعد هذا السعودية في حلحلة بعض المشاكل مع إيران بدعم من روسيا والصين كي يقطعا الطريق على أمريكا في الاستفادة من مشاكل المنطقة.

وبالرغم من الأزمة الحاليّة بين الغرب وروسيا فإنه يبدو أن أوروبا ليس لديها خيار إلا أن تُطبّع علاقاتها مع روسيا، وإلا فإنه لن يكون هناك سلام في أوروبا، وهذا متفهّم من قبل الألمان والفرنسيين والإيطاليين وتؤيّده العديد من الدول مثل هنغاريا وصربيا ورومانيا وبلغاريا بالرغم من معارضة الإنجليز والأمريكان. ونتيجة لذلك سيخضع النظام الدولي إلى تحول وإعادة تنظيم استراتيجي، وسيكون لذلك ارتدادات مؤثّرة على الاقتصاد والسياسة في جميع المناطق الخاضعة لهيمنة (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) القائمة منذ القرن الثامن عشر، والتي يبدو أنها اقتربت من نهايتها نتيجة للسياسات الأنانيّة والخاطئة في الكثير من الأزمات العالميّة، إضافة إلى رغبتهم في استمرار احتكارهم لاقتصاد السوق الذي يدَّعون أنّه حر ويشتكي العالم من ظلمه، والذي زاد عدم المساواة في الدخل بمعدل غير مسبوق ضاعف الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

وستُعَنوِن القوى الجديدة كالصين وروسيا والهند نضالها ضد الغرب بالمطالبة بعالم أكثر عدالة وتطبيق مواثيق الأمم المتحدة، ومن ثمّ ستفرض مصالحها على النظام العالمي كقوى اقتصادية، وسياسيّة وعسكريّة، وستلحقها أمم أخرى لاحقاً من خارج المنظومة الغربيّة وأخرى من المنظومة الغربيّة ستخرج على الهيمنة الثلاثيّة وستفرض مصالحها الوطنيّة ومنها ألمانيا واليابان وكوريا، وسيتبع ذلك التغيّر تعدد الثقافات وستنقلب سياسات هذه الأمم على الثقافة الغربيّة، وستعتمد على ثقافاتها.

وثمة تسريبات عن وجود تفاهمات بين الغرب وروسيا، ويتم بموجبها السماح بالسيطرة الروسية على أوكرانيا في مقابل موافقة روسيا على الانسحاب من سوريا. هذا الأمر قد يضع الخليج معنياً بالأحداث في كييف لكونهم معنيين بالقضية السورية. في حين واصلت مسقط علاقتها بدمشق طوال سنوات الحرب، نجد الإمارات توجهت إليها مع وجود حديث حول السعودية في نفس الأمر ومنها احتمال كبير بعودة سوريا للجامعة العربية. كما أن الجانب الآخر لتأثير الأزمة على الخليج هو إمكانية الاستثمار الخليجي في أوكرانيا بعد هدوء العاصفة ووضوح الرؤية لاستقرار البلد الأمني.

وبالإشارة إلى قيام الرئيس الأمريكي بإعادة تفعيل سلطات الحرب الباردة لتشجيع الصناعة المحلية للمواد الحساسة للسيارات الكهربائية والبطاريات لهذه السيارات و”مواد أخرى”. وفي ضوء ذلك علينا في المملكة اتخاذ إجراءات مشابهة وقوية لدعم صناعات محددة بعد دراسة وافية، وذلك من منطلق أن العالم سيصبح أقل عولمة شيئاً فشيئاً، وبالتالي يحق لنا اتخاذ الإجراءات المناسبة لرفع و تنويع الصناعة المحلية.

ولا شك أن المملكة العربية السعودية تقوم كدولة بدراسة ارتدادات الأزمة الأوكرانية، ومن الواضح أنه علينا اتخاذ إجراءات وسياسات اقتصادية مختلفة تماماً في عدة مجالات خاصة في ضوء العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، ومن الممكن أن يقوموا بذلك ضد أي بلد مستخدمين أعذاراً مختلفة و مختلقة.

وثمة وجهات نظر تؤكد على أنه في الأزمات دائماً فرص جاهرة تتطلب الالتقاط، وفرص أخرى عديدة تتطلب الخلق والابتكار، وهنا دور الحنكة في صناعة القرارات اللازمة للجهات السيادية في الدولة، وصحيح أن التصنيع عموماً يرتبط شكلياً بالاقتصاد، غير أنه يرتبط بعدد من المقومات الأخرى الوطني، ومن أبرزها المقوم السياسي في الدولة.

وفي سياق متصل، وبالرغم من أن اللجوء للاكتفاء الذاتي أمر واضح الأهمية ومفضل دائماً، ولكنه أمر يكاد يكون مستحيلاً في شموله، والركون لافتراضه هدر للتفكير الواقعي البراغماتي المنتج. ومن ثم يكون التوجه الواقعي المناسب بنظر الكثيرين، وكما أشار إليه كاتب الورقة الرئيسة وأيده فيها المعقبون هو بناء التحالفات على أسس واقعية وموضوعية ومصلحية وعدم الاستسلام للفكر العاطفي الساذج في الأمور المتعلقة بالأوطان ومصالحها وأمنها وسلامتها.

ومن المهم العمل على وضع خطة استراتيجية من متخصصين في الاقتصاد الزراعي والمياه، ومعرفة ما إذا كان يمكن استخدام المياه المحلاة في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والأعلاف ومعرفة مقدار تكلفتها والعائد منها بحيث تُحسَب العملية اقتصادياً وذلك لتنويع المنتجات الزراعية في المملكة، بحيث لا نكون رهينة للدول الأخرى في مسائل أساسية كالماء والغذاء.

كما أن امتلاك أدوات الصناعة وبالذات التقنية، وضمان وجود بدائل يعد عامل قوة داخلية تحفظ الدولة من الخضوع والابتزاز من الدول مالكة التقنية، ويعد حرمان روسيا من نظام سويفت دليلاً على ذلك!!

ومن المقترحات الملائمة (وغالباً هذا قد حدث) تشكيل “فريق أزمة” يقوم بتشكيل فرق أزمة متخصصة في مجالات عدة منها الأمن المالي والغذائي والسيبراني والصناعي إلخ… ووضع “خطوات عملية” للحصول على بدائل فعالة سواءً داخلياً فقط أو/بالتعاون مع دول أخرى. ويجب أن يشمل فريق إدارة الأزمة جميع الجهات المختصة في التحديات الممكن حدوثها، من أجل إيجاد حل لها، أو التكيف معها، والأهم ابتداع إجراءات من هذه التحديات وتحويلها إلى فرص، ومثل هذه الإجراءات تتم في حال الدراسة الجماعية ومن جهات اختصاص عدة!!

وبالنسبة للنفط يجب أن ننطلق من مصلحتنا الاقتصاديّة ونبني عليها؛ حيث إننا لسنا المُسبِّبين للأزمة، وبالنسبة للحليف التقليدي علينا أن نعيد تقييم مواقفه من التحديات التي تواجهنا الآن ومدى مصداقيّته في مواجهة التحديات المستقبليّة، ونستشرف نتائج الأزمة ونتخذ ما نراه سيخدمنا بعد الأزمة.

بينما في تصور بعض وجهات النظر، فإنه مهما عملت الدول بناء تحالفات وخصوصاً في المجال العسكري الصناعي، لن تحقق هدف الوصول للاكتفاء الذاتي؛ لأنه في غاية الصعوبة إذا كنا نتحدث عن نقل تقنية عسكرية ذات تعقيد وحساسية عالية، وذلك لاعتبارها ضمن متطلبات الأمن الوطني لتلك الدولة. لذا من المهم دعم وتشجيع الصناعات العسكرية المحلية وخصوصًا التي تحتاج للبحث والتطوير والذي بطبيعته يستغرق وقتاً طويلاً لامتلاك تلك الصناعات والتي تقود للوصول إلى الاكتفاء الذاتي في العتاد العسكري. وعموماً فإن الظروف والأحوال والمصالح تتغير وحلفاء اليوم ليس هم حلفاء الغد، فيجب أخذ العبرة والدروس من هذه الحرب.

فضلاً عما تقدم فإن التحديات المائية وتحقيق استدامته تعد من أبرز التحديات التي تواجه المملكة العربية السعودية؛ وذلك سبب محدودية مواردها المائية الطبيعية وتدهورها المستمر من ناحية، وتسارع معدلات الطلب على المياه نتيجة المعدلات العالية نسبيًا للأنشطة التنموية والنمو السكاني من ناحية أخرى. ولا يخفى على الجميع أن المملكة من أكثر الدول ندرة في المياه في العالم، حيث تقع في منطقة صحراوية ذات بيئة قاسية، باستثناء بعض الأشرطة الساحلية والسلاسل الجبلية ذات المناخ المعتدل، كما أن معدلات الأمطار فيها منخفضة وغير منتظمة وترتفع فيها درجة الحرارة، مما يجعل معدلات التبخر أضعاف معدلات الأمطار. كما تنعدم فيها المسطحات المائية الطبيعية الدائمة. وأما الطموحات التي يمكن إضافتها لمعالجة هذا التحدي تكمن في قدرتنا على الاستفادة من الفرص التي نملكها في الاعتماد على تحلية المياه، فموارد الطاقة لدينا والقدرة المالية ممكنة، فلماذا لا ندعم هذه الطموحات بالعمل والعزيمة حتى نحول هذه الصحاري مروجًا خضراء؟ ويكمن الحل في إيجاد مجارٍ ومسطحات مائية دائمة من خلال الاستفادة من التضاريس الطبيعية لأرضنا كالأودية ومجاري المياه التي تغطي جميع المناطق كوادي الرمة والذي يمتد من غرب المملكة إلى شرقها ويعتبر شريانًا تقع على ضفافه وفي أحواضه واحات زراعية اشتهر أهلها بالزارعة، وهذا قد يساعد على اتساع المساحات الخضراء وتوفير الغذاء وتغير المناخ.

لا شك أن عمليات التحلية تصاحبها تكاليف مالية واقتصادية عالية بسبب كثافة استهلاك الطاقة في عملية التحلية، وهذا التحدي الحقيقي يتطلب زيادة في دعم الأبحاث والاكتشافات الجديدة وتقنيات ترفع كفاءة الإنتاج وتقلل استهلاك الطاقة، كما يمكن تطوير استخدام الموارد المتجددة لهذا الغرض.

التحدي الآخر والذي يمثل تحدياً استراتيجياً وتهديدًا لأمننا المائي هو أنه، ما زالت تقنية وصناعة تحلية المياه مستوردة، وتظل قيمتها المضافة للاقتصاد محدودة فيما يتعلق بالتشغيل والصيانة وتأهيل المحطات والتصنيع وصناعة قطع الغيار الرئيسية وتأهيل العمالة الوطنية للعمل في هذه الصناعات. ولعل الحلول لهذا التحدي معروفة وخير نموذج يمكن أن يحتذى به أرامكو.

 

  • الفرص والتحديات المتوقعة للازمة الأوكرانيّة على المملكة ودول مجلس التعاون.

ستواجه المملكة والمنطقة العربيّة بصفة عامّة العديد من التحديات نتيجةً لهذه الأزمة، كما ستتاح لها بعض الفرص المهمّة ممّا يجعل من الضروري محاولة الاستفادة من الفرص وتلافي التحديات على النحو التالي؛

1-الموقف السياسي والإعلامي.

كيف نتصرّف هل نعلن الانحياز لجانب ما وخصوصاً أن الجانبين (الروسي والغربي) هيمنا على السياسات العربيّة منذ عقود؟ فهل ننحاز للجانب الروسي والصيني الواعد والذي لا يثقل حلفاءه بالمطالب ولا يبتزهم؟ أم ننحاز للغرب الذي يريدنا أن نذعن لطاعته ويخفي في أدراجه العقوبات والمقاطعة والابتزاز لكل من يتمرّد عليه؟ قد يكون من الأفضل للمملكة أن تُبقِي مسافة متساوية من الطرفين في المواقف السياسيّة الرسميّة وأن تذكر وجهة الطرفين بإنصاف في الوسائل الإعلاميّة دون ابتذال أو التشهير بأي منهما.

2- النفط والغاز.

من الواضح أن ارتفاع أسعار الطاقة الاحفوريّة يصب في صالحنا، وقد دفعتنا الولايات المتحدة إلى لعب ما يسمى بالمنتج المرجّح لعقود طويلة لإبقاء سعر النفط في الحدود المعقولة لهم، وكان ذلك على حساب مخزون الطاقة عندنا وعلى حساب العوائد، وحيث إن الغرب في العقود الأخيرة لم يكن حليفاً موثوقاً لنا وحارب بشراسة الطاقة الاحفوريّة، وتسبب في انخفاض الاستثمارات في هذا المجال، وحيث إن ارتفاع سعر الطاقة كان لأسباب سياسيّة والغرب طرف فيها، فعليهم حل المشكلة السياسيّة حتّى تعود الأسعار لطبيعتها، أمّا نحن فيجب أن نتبع سياسات السوق الحرّة. وإذا احتدم الصراع وأصرّ الغرب على البحث عن بديل للطاقة الروسيّة فيمكننا تبادل المستوردين للنفط مع الروس بأسعار السوق دون الحاجة لاستثمارات إضافيّة أو زيادة في الإنتاج تؤدّي إلى خفض الأسعار تحت السعر المناسب لنا الذي يحدده خبراؤنا الاقتصاديّون.

3- سياسات العملة.

في ظل الظروف الدوليّة الحاليّة، من الواضح أنه من مصلحة السعوديّة قبول استخدام عملات كبار المورّدين للسوق السعوديّة من الدول الآسيوية والأوربيّة الذين يصرّون على الدفع بعملتهم مثل اليوان الصيني واليورو الأوروبّي حتّى نستطيع تسديد وارداتنا من تلك الدول بعملاتها، دون الإعلان أو الترويج لذلك، والاستمرار في تسعير النفط بالدولار، مع أن الولايات المتحدة تكرّرت محاولاتها التدخّل في الشئون الداخليّة السعوديّة والحياد أو الوقوف أحيانا مع أعدائنا السياسيين.

4- العقوبات الغربيّة.

الاستفادة من الاحتياطات التي ستتخذها الصين وروسيا للحد من تأثير العقوبات الغربيّة عليها والعمل من الآن على التخطيط لكيفيّة تلافي أي عقوبات غربيّة مستقبليّة والحد من آثارها بما في ذلك الاستخدام المحدود للأنظمة الموازية للأنظمة الغربيّة مثل بدائل نظام سويفت وغيره للتدرّب عليها واستخدامها عند الحاجة أو عمل نظام شبيه موازٍ خاص بالدول العربيّة ودول أوبك.

5- الودائع والأصول في الخارج

تثير العقوبات على روسيا القلق لدى العديد من الدول التي تمتلك ودائع وأصولاً في الغرب، فمن الواضح أنه بالإمكان مصادرة تلك الأموال بتعسّف عند نشوء أي خلاف؛ ولذلك فإنّه من الضروري العمل على خطّة لكيفيّة التعامل مع الأموال في الخارج بحكمة ورويّة لتلافي فقدانها عند حدوث أي أزمة مستقبليّة مع الدول الحاضنة، ومن ذلك استخدام تلك الأموال في مشاريع كبرى مشتركة معهم في البنية التحتيّة والصناعيّة في المملكة، كما يجب ربط أي استثمارات مستقبليّة في الدول الأجنبيّة بما لتلك الدول من استثمارات وأصول في المملكة، بحيث تكون الخسائر متبادلة في حال قررت الدولة الأجنبيّة مصادرة أموالنا المستثمرة فيها.

6- الإنترنت وأنظمة التواصل الاجتماعي.

من الضروري إيجاد بدائل محلّيّة أو عالميّة للإنترنت وأنظمة التواصل الاجتماعي التي تتحكّم فيها الدول الأجنبيّة خصوصاً تلك التي تعتمد عليها الأعمال والجهات الحكوميّة وتجمع المعلومات المهمّة مثل نظام أبشر وتوكّلنا والبريد الإلكتروني والسحابة الإلكترونيّة وغيرها أو إيجاد طرق لمنع التحكّم الخارجي فيها.

7- التحديات العسكرية

يمكن الاستفادة من الأزمة الحاليّة في بناء صناعات محلّيّة تحقق الاكتفاء الذاتي في مجالين مهمين أصبحا متاحين حالياً:

  • صناعة صواريخ ردع استراتيجيّة بالاعتماد على الصينيين أو الروس وتحقيق مخزون يعادل أو يفوق مخزون الدول الإقليميّة المعادية لتحقيق الردع.
  • تحقيق الاكتفاء الذاتي وتخزين ما يكفي لتسليح الحلفاء عن طريق صناعة الأسلحة المتوسّطة الضروريّة للحروب بالوكالة والشائعة حالياً في المنطقة العربيّة، ومن ذلك المدافع والرشاشات المتوسّطة والمركبات العسكريّة والطائرات المسيّرة ومضادات الدروع وأسلحة الدفاع الجوّي المحمولة على الكتف والثابتة الصالحة ضد الطيران والهيلوكوبترات والمسيّرات.

8- الأمن الغذائي

من ضمن التحديات التي برزت على السطح نتيجة الأزمة الروسية الأوكرانية قضية الأمن الغذائي، لكون الدولتين من أكبر الدول التي تصدر القمح للعديد من الدول ومن ضمنها المملكة.

الأمن الغذائي والأمن المائي وجهان لعملة واحدة، فلا يوجد غذاء بدون ماء، وهو مصطلح قد يساء تفسيره ويمكن توجيهه لخدمة فئة معينة دون مراعات لاشتراط وجود توازن واستمرارية للمصادر المائية الطبيعية.

الأمن الغذائي لا يمكن تحقيقه في المناطق الصحراوية بصفة مستدامة. فالغذاء ليس زراعة قمح محلي فقط؛ الغذاء يشمل منتجات أخرى لا تُزرع بالمملكة مثل الأرز وبعض الفواكه المتواجدة بالأسواق. أما اللحوم كالأسماك والدواجن واللحوم الحمراء، فيتوفر بعضها محلياً بنسب متفاوتة؛ لكنها نسب أقل من احتياج السوق المحلي. في ظل الأزمات الطويلة يجب التنازل عن زراعة بعض المنتجات ذات الاحتياجات المائية العالية والتركيز على تلك التي تعتمد على الري بأنظمة ري مرشدة مثل البيوت المحمية. يوجد توسع في الزراعة حالياً بالتركيز على محاصيل ليست ذات أولوية؛ فهناك تفاخر وتنافس على زراعة الزيتون حيث يوجد ملايين الأشجار التي تُروَى وهل نحن سننافس إيطاليا وإسبانيا التي تعتمد زراعة الزيتون فيها على الأمطار. كذلك هناك توسع كبير في غرس النخيل الذي يُوزَع جزء منه على فقراء العالم عن طريق برنامج الغذاء العالمي.

لقد مرت المملكة خلال السنوات الماضية بظروف مشابهة إلى حد ما بالظروف الحالية، وتمكنت -ولله الحمد- من تخطي تلك الأزمات ذات العلاقة بالأمن الغذائي.

ومن وجهة نظر البعض فإن الأمن المائي مقدم على الأمن الغذائي، وأن الأمر يتطلب سياسة لا إفراط ولا تفريط. لدينا مصادر مياه متنوعة وصُنفت إلى:

  • المياه السطحية وهي مياه متجددة، يكثر تواجدها في ما يُسمى منطقة الدرع العربي، وتضم مناطق جازان وعسير ونجران والباحة ومكة المكرمة والمدينة المنورة. هذه المياه لو استُخدمت بكفاءة عالية لوفرت جزءًا كبيراً من الغذاء. ولكن مع شديد الأسف هجر كثير من أصحاب المزارع في هذه المناطق مزارعهم لأسباب عديدة.
  • المياه الجوفية، وهي نوعان مياه جوفية ضحلة وتتجاوب مع هطول الأمطار وجريان الأودية وهذه لا يمكن الاعتماد عليها في إقامة مشاريع زراعية عليها بصفة مستدامة، ومياه جوفية غير متجددة وهي تلك المياه المختزنة في الطبقات المائية منذ آلاف السنين ومعدلات تجددها السنوي أقل بكثير من معدلات السحب السنوية وتعاني من هبوط في مناسيب المياه.
  • مياه البحر المحلاة وهذه توفر مياه الشرب للمدن الكبيرة والمتوسطة ولا تُستخدَم في الوقت الحاضر للزراعة لارتفاع تكاليفها وبعدها عن المناطق الزراعية.
  • مياه الصرف الصحي المُعالَجة، وهي مصدر مائي متجدد يزداد حجمه بازدياد محطات المُعالَجة، وهو مصدر مائي نموذجي للزراعة؛ إلا أن استخدامه أقل من الطموحات لارتفاع تكاليف توصيل هذه المياه للمناطق الزراعية، ويوجد نماذج ناجحة حيث توفر هذه المياه أكثر من 60٪ من احتياجات هيئة الري والصرف بالأحساء من مياه الري.
  • مياه البحر ويمكن استخدامها رغم ارتفاع ملوحتها في زراعة محاصيل محددة تتحمل الملوحة المرتفعة. ولعل من الأنسب عدم التعويل على مياه البحر المحلاة في حل مشكلة الأمن الغذائي في المملكة.

9- أخرى:

  • الاستعداد للحروب السيبرانيّة بتطوير الخبرات المعرفيّة والتقنيّة المحلّيّة وتدريب وتجنيد العدد اللازم من الخبراء في هذا المجال.
  • إقرار نظام تجنيد مناسب لخدمة العلم لرفع عدد الجيش العربي السعودي بما يتناسب مع التحديات الاقليميّة والعالميّة ويضمن توفّر عدد كافٍ من المجنّدين الشباب والاحتياطي القادر على حمل السلاح والمدرّب تدريباً جيداً على صنوف الأسلحة المتوفّرة في المملكة.
  • البدء ببناء المفاعلات النوويّة واستقطاب الخبرات العربيّة والإسلاميّة المتوفرة في هذا المجال، من أجل إنشاء بنية تحتيّة وتقنيّة ومعرفيّة محلّيّة في هذا المجال.
  • البدء في بناء مختبرات متقدّمة تُعنى باللقاحات ضد الأوبئة والفيروسات والأخطار البيولوجية، واستقطاب الخبرات العربيّة والإسلاميّة في هذا المجال.
  • ضخ استثمارات معتبرة في مجال تصنيع الأدوية الأساسية بما يحقق الاكتفاء الذاتي والتصدير للخارج.
  • الاستمرار في بناء احتياطي كافٍ من الغذاء المخزّن محلياً لتخطّي الأزمات العالميّة الطارئة، مع تقرير نسب معيّنة من المنتجات الغذائيّة يتم إنتاجها محلياً بمشاركة الدولة وبتقنية متقدّمة تأخذ في الاعتبار الشح المائي.
  • استئجار مناطق زراعيّة في دول عربيّة وإسلاميّة لفترات زمنيّة طويلة واستثمارها زراعياً بشروط يُتَّفق عليها في اتفاقيات بين المملكة وتلك الدول بحيث تكون المصالح مشتركة.
  • بناء المزيد من المعامل وتصدير الطاقة الكهربائيّة للدول العربيّة والإفريقيّة المجاورة كمصر والسودان والأردن وسوريا وفلسطين لربط مصالح تلك الدول بالمملكة والتأثير على سياساتها وخصوصاً تلك التي سيكون للمملكة فيها استثمارات زراعيّة مثل مصر والسودان، وتصدير الفائض من الطاقة الكهربيّة في الشتاء عن طريق مصر وسوريا إلى أوروبا وتركيا.
  • مشاركة الدولة في الاستثمار في الصناعات الأساسية الضروريّة لتطوّر الصناعات العسكريّة والمدنيّة كالمعادن والصناعات الثقيلة والمحركات ووحدات التحكّم وأشباه الموصلات وورش الصيانة المتخصصة وغيرها التي يحددها خبراء التصنيع.
  • المملكة ومدى ملاءمة سياسة الحياد في الأزمة الروسية -الأوكرانية.

تتعدد الآراء فيما يخص الأسلوب الذي يجب أن تنتهجه المملكة العربية السعودية في تعاملها مع الأزمة الروسية- الأوكرانية، ففي تصور البعض فإنه ليس من صالحنا الانحياز لأي من الطرفين. ما يعنينا في الأمر هو البترول والذي يجب أن نحافظ عليه ونتحكّم فيه لصالحنا ونبقى شريكاً موثوقاً به لجميع الأطراف. وموقف الولايات المتحدة والغرب من المملكة معروف، فنحن لا ننتمي لعالم الديموقراطيّة الليبرالية ولن نفعل في القريب المنظور، ولذلك فإنهم لا يعدوننا من الدول الصديقة أو التي تستحق دفاعهم عنها. بينما هناك دول لا تنظر للأيدولوجيات مثل الصين وروسيا وغيرها من دول الصف الثاني. وإذا تجاوزنا الإساءات الأمريكيّة والغربيّة بسهولة وانصعنا لأوامرهم وسيّرونا لمصالحهم، فسنصبح رقماً سهلاً ويمكنهم في يوم ما تطبيق العقوبات التي فرضوها على روسيا وغيرها علينا لأي سبب قد لا يخطر على البال. ومنها مثلاً حقوق الإنسان أو تهمة ما بالإرهاب وتشجيع الكراهية وغيرها. ولذلك فإن الحياد والاعتماد على النفس ومحاولة بناء قوّة دفاع رادعة وتكوين حلفاء من العالم العربي والإسلامي ودول العالم الثالث والعمل بإيجابية مع جميع القوى العظمى دون تهديد لمصالح أحد إلا عندما تتعارض مع مصالحنا هو النهج المناسب.

بينما ثمة من يختلف مع التوجه القائل بأن على دول الخليج أن تشكل تكتلاً قوياً لمواجهة هذه المشكلة وغيرها من القضايا المستقبلية، إضافة إلى الدعوة إلى بقاء المملكة على سياسية الحياد دون الميل لطرف دون الآخر، وذلك للأسباب التالية:

  • الوقوف على الحياد يعني أن المملكة تؤيد ما قامت به روسيا من هجوم واحتلال لبلد مجاور بقوة السلاح، وهذا ضد جميع الأعراف والقوانين الدولية وقد أحسنت المملكة بأن صوتت ضد الغزو في مجلس الأمن.
  • لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة قوة روسيا السياسية والعسكرية الاقتصادية مع الجانب الغربي، ولا يمكن أن تكون حليفاً موثوقاً وأميناً يمكننا الاعتماد عليه والتعاون معه بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية.
  • العلاقات السعودية الأمريكية والأوربية والتعاون تجاوزت ستة عقود بما فيها الأمنية العسكرية والتعليمية والاقتصادية، ولا يمكن أن نستغني عنها مهما كانت المغريات البراقة من الجانب الروسي، حيث لا يمكن لفاقد الشيء لا يعطيه.
  • لا يمكن أن يسمح الجانب الغربي بأن تتحول السعودية، بثقلها الاقتصادي والمالي والديني إلى روسيا، وبالتالي قد نرى الكثير من المؤامرات والأعمال الإرهابية والحملات الإعلامية والمماحكات الموجهة ضد المصالح السعودية لثني المملكة عن أي عمل في هذا الاتجاه، ولعل الهجوم الكبير الأخير على المنشآت الحيوية في المملكة يفسر لنا ذلك؛ إذ لا يمكن أن يحدث لولا ضوء أخضر لإيران، بعد عدم موافقة المملكة على زيادة النفط والتزامها بمقررات أوبك.
  • العلاقات الخليجية الخليجية غير مستقرة وغير موثوقة، وعلى الرغم مما نراه من توافق في بعض الملفات؛ إلا أنه لا يمكن الاعتماد على تلك العلاقات البينية لتشكيل تكتل قوي لمواجهة أي أخطار قادمة من خارج المنطقة. فكما نعرف أنه تم رفض فكرة الاتحاد الخليجي التي نادى بها الملك عبد الله بن عبد العزيز -رحمه الله- عام 1432هـــ، وقد يكون لدى بعض دول الخليج هاجس قديم وخوف من سيطرة السعودية عليها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، كما لا يمكن استثناء التأثيرات الدولية الخارجية على بعض الدول الرافضة لذلك الاتحاد.
  • كذلك فإن العلاقات السعودية القطرية تحتاج إلى وقت أكبر للتعافي، كما أن التواجد العسكري التركي والإيراني فيها قد يطيل عودتها الحقيقية إلى الصف الخليجي. أما علاقاتنا بالكويت فهي ليست بالحجم أو القدرة لتشكل ضامناً للاستقرار. ونرى أن عُمان تغرد دائماً وأبداً خارج السرب الخليجي، والإمارات والبحرين اتخذتا طريقاً آخر بعيداً عن المنطقة وهو العلاقات مع إسرائيل، والتي ربما تكون موجهة للمملكة أكثر من كونها موجهة لإيران أو لتركيا. وبذلك لا يمكن أن يكون هناك كيان خليجي قوي بعيد عن التأثيرات الدولية خاصة من الجانب الأمريكي.
  • وكما نشاهد فإن الوضع العربي العسكري والسياسي والاجتماعي الراهن يعاني بشكل كبير، بل إن جميع الدول العربية تعاني من التدخلات الدولية التي لن تسمح لها بأدوار فاعلة على المستوى العالمي أو بتشكيل تحالفات بعيدة عن النفوذ الغربي الطاغي. وقد تابعنا قبل أيام اجتماع وزراء خارجية (مصر، الإمارات، البحرين، المغرب، الولايات المتحدة، وإسرائيل) في منتجع “سديه بوكر” في النقب (في فلسطين المحتلة). وعلى الرغم من ذلك فإن الدعم الذي تقدمه المملكة لجمهورية مصر العربية يعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو التعاون معها ويربطنا بشكل أكبر بمصر، الدولة العربية القوية، ولكن ذلك يبقى تعاوناً ثنائياً بين دولتين.
  • وأخيراً يرى المتابع للوضع العسكري في أوكرانيا أن الأمور تسير نحو النهاية المحتومة، وهي أن تبقى دولة محايدة لن تُضم للاتحاد الأوربي أو لحلف شمال الأطلسي، على أن تبقى شبه جزيرة القرم والمنطقتين الانفصاليتين دونيتسك ولوغانسك، والتي أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعتراف روسيا بهما طالباً من مجلس الدوما الاعتراف الفوري بهذا القرار ودعم الجمهوريتين. بعد أن تخلت الدول الغربية (خوفاً وطمعاً) عن مساندة أوكرانيا في هذه الكارثة وتركتها تواجه الدب الروسي الشرس المتعطش للدماء.

وفي ضوء ذلك يعزز أصحاب هذه الوجهة من النظر بأن على المملكة العربية السعودية أن تبتعد عن الحياد في هذه الأزمة، وأن تعمل على تعميق علاقاتها مع الجانب الأمريكي والغربي في هذا الصراع للأسباب السابقة، وما تم ذكره عن تشكل محاور جديدة ممثلة في الصين وروسيا، ما هي إلا افتراضات لم تتشكل بعد، حيث يتضح أن الوجود الأمريكي العسكري والسياسي والاقتصادي هو المسيطر على الساحة الدولية، ولا زلنا نعيش عصر المحور الأمريكي الأوحد بمساندة من دول أوروبا الغربية، التي ترى فيه واقعاً ومستقبل حياة.

  • التوصيات
  • تشكيل إدارة أزمة وطنية، وخليجية، للتعامل الجماعي مع ِالأزمة، بما يضمن تحاشي آثارها أو التقليل ‏منها.‏
  • الاستفادة من مراكز التفكير المحلية والإقليمية، ومراكز البحوث في وصف واستشراف ‏أعمق لمآلات الأزمة، وكيفية التعامل معها.‏
  • الدراسة المستمرة والحثيثة للتحديات الحالية والمتوقعة، وتطوير سجل المخاطر في كل دولة من دول المجلس، وتبعاً لذلك تحديد آليات تحاشي آثارها، أو على الأقل تخفيفها.
  • ‏الدراسة المستمرة للفرص التي يمكن اقتناصها من التحديات الحالية أو المستقبلية. ‏
  • توعية المجتمعات الخليجية بأدوارها المطلوبة منها في التعامل مع الآثار المترتبة على ‏الأزمة حسب خطورة الأزمات والتضحيات التي تحتاج الشعوب إلى بذلها مع الحكومة لمواجهه الأزمات.‏
  • العمل على “تقوية الذات” بكل الطرق العلمية والعملية الممكنة، ومن ذلك تكثيف الجهود نحو تسريع حركة تصنيع حديثة ومكثفة.
  • تحفيز ودعم صناعه التطبيقات والبرامج وأنظمة التواصل الاجتماعي وإدارة البنية الأساسية للإنترنت تحل محل الأنظمة والبرامج الغربية تدريجياً، مع العمل على دراسة إمكانية استخدام الأنظمة التقنية الصينية وغيرها من الأنظمة الموازية للأنظمة الغربية كبديل.
  • توفير مخزون استراتيجي دائم من المياه والأغذية والوقود والأدوية الأساسية.
  • الاهتمام بزراعة المواد الغذائية الأساسية، داخل المملكة بالمناطق التي تتوفر فيها مصادر للمياه المتجددة. على أن تتولّى شركة أو شركات حكوميّة زراعة الحد الأدنى من الأمن الغذائي الذي يقرره الخبراء، بحيث تحرص على الاستخدام الأفضل للثروة المائيّة وتحافظ على استدامتها من خلال التقنيات المناسبة الموفّرة للمياه، وفى بعض المناطق خارجها.
  • تقوية الجبهة الوطنية الداخلية.
  • اتخاذ موقف الحياد الإيجابي تجاه القوى العظمى في المملكة وكمنظومه خليجية وجبهة عربية -ما أمكن-
  • عمل شركات قوية اقتصاديه وعسكرية متعددة مع كافة القوى العظمي.
  • العمل الدؤوب على تصفير المشاكل مع الدول الأخرى -ما أمكن- وخاصة المجاورة.
  • دعوة صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص السعودي إلى التوسع في الاستثمار الآمن في مختلف الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، بالتوازي مع ما يقوم به في أوروبا وأمريكا. على أن يتم ربط قرار وضع احتياطيات البنك المركزي فيها بما تقوم به هذه الدول من استثمار أجنبي داخل المملكة لتحقيق الأمن المتبادل في مختلف المجالات.
  • بناء استراتيجية إعلامية سعودية دولية لمخاطبة والتواصل مع المجتمعات الأخرى.
  • المصادر والمراجع
  • مايكل كوفمان وآخرون: عِبر من عمليات روسيا في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، مؤسسة RAND، سانتا مونيكا، كاليفورنيا، 2017م.
  • فؤاد حسن: الأزمة الأوكرانية: أين تقف الدول العربية في التوتر بين روسيا والغرب؟، متاح على الموقع الإلكتروني: https://www.france24.com
  • خالد شنيكات: الأزمة بين روسيا وأوكرانيا: قراءة في الأسباب وسياقات التطور المستقبلية، متاح على الموقع الإلكتروني: https://alghad.com
  • صندوق النقد الدولي: الحرب في أوكرانيا وأصداؤها عبر مختلف مناطق العالم، متاح على الموقع الإلكتروني: https://www.imf.org
  • أولجبك كازانوف: الأبعاد التاريخية والاستراتيجية للأزمة الروسية – الأوكرانية، متاح على الموقع الإلكتروني: https://futureuae.com/media/_9291ed40-1b12-4cc7-b615-51e0a21dd33d.pdf
  • معاذ العمر: آثار محتملة للحرب الأوكرانية على الشرق الأوسط، متاح على الموقع الإلكتروني: https://aawsat.com/home/article/3503571
  • سام حسن: الحرب الروسية الأوكرانية.. أهداف بوتين والسيناريوهات المتوقعة، متاح على الموقع الإلكتروني: https://al-ain.com/article/russia-war-ukraine-scenarios
  • نوار محمد ربيع الخيري: الأزمة السياسية في أوكرانيا وتجاذبات الشرق والغرب، متاح على الموقع الإلكتروني: https://www.iasj.net/iasj/download/f886fc124d995977

 

  • المشاركون.
  • الورقة الرئيسة: د. محمد بن حميد الثقفي
  • التعقيب الأول: أ. د. صدقة بن يحيى فاضل
  • التعقيب الثاني: اللواء فاضل القرني
  • إدارة الحوار: أ. جمال ملائكة
  • المشاركون بالحوار والمناقشة:
  • د. عبدالاله الصالح
  • أ. محمد الدندني
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حامد الشراري
  • د. خالد الرديعان
  • م. سالم المري
  • د. حمد البريثن
  • د. سلطان المورقي
  • د. خالد المنصور
  • د. فائزة الحربي
  • أ. فهد الاحمري
  • د. علي الطخيس
  • أ. مها عقيل
  • د. سعيد الغامدي
  • د. مساعد المحيا
  • د. رياض نجم
  • د. حميد الشايجي
  • أ. عاصم العيسى
  • د. زهير رضوان
  • د. فهد اليحيا
  • د. عبدالعزيز الحرقان
  • د. فوزية البكر
  • د. وفاء طيبة

القضية الثانية

إضاءات حول نظام الأحوال الشخصية الجديد في المملكة العربية السعودية

(20/4/2022م)

  • الملخص التنفيذي.

تناولت هذه القضية نظام الأحوال الشخصية الجديد في المملكة العربية السعودية، واستعرض أ. أحمد المحيميد في الورقة الرئيسة التطور الزمني لحقوق الأسرة في المملكة، كما أورد التطورات التي حدثت تباعاً على نظام الأحوال الشخصية، وجاءت في قرارات وتعاميم من وزارة العدل فيما يخص منح المرأة صلاحيات حضانة الأطفال، واستحداث إدارات جديدة لدعم المرأة والأحكام الصادرة بالنفقة وتنفيذها، كذلك مشروع صندوق النفقة لضمان صرف النفقة للمحضونين دون تأخير. كما استعرض الكاتب التطور التاريخي النوعي للحقوق المتعلقة بإثبات الحضانة ومنح المرأة الحاضنة حق الولاية على المحضون واستكمال الإجراءات مع جميع الدوائر والجهات الحكومية والأهلية. كما عرّج في ورقته على نظام الأحوال الشخصية لدى دول مجلس التعاون الخليجي وهو أحد المشروعات الأساسية لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية في الأمور المتعلقة بالأسرة والولاية والوصية والمواريث. وتناول بشيء من التفصيل إنشاء محكمة الأحوال الشخصية، والمسائل التي تُنظَر فيها. بعد ذلك استعرض نظام الأحوال الشخصية الذي صدر بموجب أمر ملكي بتاريخ 6/8/1443هـ، موضحاً أهميته كأول نظام سعودي للأحوال الشخصية يهدف للحفاظ على كيان الأسرة وضمان حماية وحقوق أفرادها، ويعالج جميع مشكلاتها وينظم بشكل دقيق مسائل الأحوال الشخصية، ويسهم في تطوير وإصلاح المنظومة التشريعية وصون حقوق الإنسان واستقرار الأسرة. وفي ختام الورقة استعرض الحقوق الزوجية العدلية للمرأة في الزواج والحضانة والنفقة والميراث.

بينما قدم د. خالد الرديعان في التعقيب الأول وجهة نظر اجتماعية حول النظام الجديد، وأشار في هذا الإطار إلى ارتفاع معدلات الطلاق، وإلى أن معظم ما ورد في النظام الجديد يركز على حماية المرأة وأبنائها خاصة بعد وقوع الطلاق، وبالرغم من أهميته إلا أنه لم يتناول الزوج أو الرجل عموماً، وبالتالي فإن دور الأب ومسؤولياته لم تعد واضحة في ظل الحرية التي مُنِحت للمرأة. وأورد د. خالد ثلاث قضايا جديرة بالنقاش في هذا الموضوع، هي: الخطاب النسوي، وحملات تجييش الجنسين ضد بعضهما في الإعلام وفي الخطاب السائد، وقضية إضعاف سلطة الأب.

بينما ذكرت د. الجازي الشبيكي في التعقيب الثاني أن نظام الأحوال الشخصية الجديد ينسجم مع توجه الدولة نحو التطبيق الفعلي المؤسسي للقوانين في المملكة العربية السعودية. وأكدت على أهميته في ضبط متطلبات الأحكام في القضايا الاجتماعية وفي إيجاد قوانين دقيقة وتفصيلية تستند على الأحكام الشرعية الدينية، مما يعزز من القدرة على توحيد الأحكام ويخفف من الرؤى الشخصية للقضاة ويضبط سلطتهم التقديرية، مما يجعل من هذا النظام مكسباً نوعياً اضافياً من بين المكتسبات التي حصلت عليها المرأة في السعودية خلال السنوات الأخيرة. وأوضحت د. الجازي أن من الملاحظات على النظام الجديد أنه لم يتناول موضوع العقوبات في حال عدم تطبيق أي بند من البنود الواردة فيه، كذلك أنه لم يشر إلى تنظيم تعدد الزوجات، أو يتضمن نصاً صريحاً لمدى تطبيق الأحكام على غير السعوديين المقيمين في المملكة. وأكدت على أهمية التنسيق والتكامل في العمل بين الجهات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية لإنفاذ النظام الجديد.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحورين التاليين:

  • أهمية نظام الأحوال الشخصية الجديد وقراءة تحليلية لأبرز مواده.
  • مقترحات لتحقيق المستهدف من نظام الأحوال الشخصية الجديد.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • أن يشارك في وضع اللائحة التنفيذية لنظام الأحوال الشخصية الجديد، فريق من المتخصصين في القانون والشريعة وعلم الاجتماع وعلم النفس. وذلك بهدف الشمولية والتكامل في مواد اللائحة وبما يخدم احتياجات الأطراف المختلفة؛ الرجل والمرأة والطفل.
  • أن تعمل وزارة العدل على وضع نماذج ومعايير حوكمة فعالة لأقسام الصلح، وذلك بهدف تحقيق المصالحة وتقريب وجهات النظر بأسلوب فعال بعيداً عن العمل الروتيني.
  • التنسيق والتكامل مع وزارة الإعلام في العمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي بالنظام الجديد ولائحته التنفيذية، من خلال نشر المعرفة والتدريب بين أفراد المجتمع، من قضاة وقانونيين وأرباب الأسر والأخصائيين الاجتماعيين وغيرهم.
  • اتخاذ التدابير اللازمة ووضع معايير فعالة لتحصين الأسرة والعمل على تماسكها واستقرار العلاقات بين أفرادها في ظل التغيرات المتوقعة بعد تطبيق النظام الجديد.
  • العمل على ضمان حق الزوج والزوجة والأبناء واستقرار حياتهم بعد الطلاق، من خلال تفعيل التوثيق لممتلكات الأسرة بالعدل بينهم.

 

  • الورقة الرئيسة: أ. أحمد المحيميد

أولاً: التطور الزمني لحقوق الأسرة في الأنظمة السعودية:

  • نظام الحكم الأساسي في المملكة العربية السعودية الصادر بالأمر الملكي رقم أ/90 بتاريخ 27 / 8 / 1412 هـ الباب الثالث: مقومات المجتمع السعودي:

المادة التاسعة:

الأسرة، هي نواة المجتمع السعودي، ويربى أفرادها على أساس العقيدة الإسلامية، وما تقتضيه من الولاء والطاعة لله، ولرسوله، ولأولي الأمر، واحترام النظام وتنفيذه، وحب الوطن، والاعتزاز به وبتاريخه المجيد.

المادة العاشرة: تحرص الدولة على توثيق أواصر الأسرة، والحفاظ على قيمها العربية والإسلامية، ورعاية جميع أفرادها، وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم.

  • تعميم معالي وزير العدل عام 1439هـ بمنح الأم كافة الصلاحيات في حضانة أطفالها، كما أعلنت وزارة العدل عن استحداث إدارات جديدة لدعم المرأة من خلال القطاعات الأخرى مثل القطاع غير الربحي، ودعمت التعديلات في الإجمال حق الحضانة للأم بشكل غير مسبوق، إذ نصت على أن يكون تنفيذ قضايا الحضانة أو الزيارة، في بلد الحضانة أو الزيارة المنصوص عليه في السند التنفيذي، وأن يكون تنفيذ الأحكام الصادرة بالنفقة مباشرةً من دون إجراءات المادة رقم 34 من نظام التنفيذ، وهذا في ما يتعلّق بأحكام التنفيذ فقط، إضافةً إلى تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة وفقاً لأحكام القضاء المستعجل، برؤية صغير أو تسليمه لحاضنته مباشرةً من دون إجراء مقتضى المادة الرابعة والثلاثين.
  • مشروع صندوق النفقة: من بين القرارات أيضاً مشروع صندوق النفقة، الهادف إلى ضمان صرف النفقة لـ «المحضونين» من دون تأخير، إلى أن يتم صدور الحكم لهم بها، إلى جانب صرف النفقة لمن صدر لهم حكم قضائي باستحقاقها ولم ينفّذ لغير عذر الإعسار.
  • وحسم المجلس الأعلى للقضاء أحقية الأم بإثبات حضانة أبنائها من دون حاجتها إلى رفع دعوى قضائية في محاكم الأحوال الشخصية، في الحالات التي يثبت عدم وجود خصومة أو نزاع بينها وبين والد المحضونين، فغدت بذلك الحضانة تلقائية للمرأة إلا في حالات استثنائية، ما وفر على المحضون الكثير من المتاعب الاجتماعية.
  • وكان المجلس الأعلى للقضاء قد توج القرارات التي تدعم الأسرة والمحضونين بقرار وصفته أطراف عدة بالتاريخي، منح فيه المرأة الحاضنة حق الولاية على المحضون، ما يهيئ لها مراجعة الأحوال المدنية والجوازات والسفارات وإدارات التعليم والمدارس، وإنهاء ما يخص المحضون من إجراءات لدى جميع الدوائر والجهات الحكومية والأهلية، ما عدا السفر بالمحضون خارج المملكة، فلا يكون إلا بإذن من القاضي في بلد المحضون، وذلك فيما إذا كان الحاضن غير الولي وأن يُعامَل طلب الإذن بالسفر بالمحضون خارج المملكة معاملة المسائل المستعجلة وفقاً للمادتين (205 ـ 206) من نظام المرافعات الشرعية.
  • نظام الأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجي: يعتبر هذا النظام (القانون) أحد المشروعات الأساسية لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية، ويتناول الأمور المتعلقة بالأسرة والولايـة والوصية والمواريث في (282) مادة. وقد أقر أصحاب المعالي وزراء العدل في اجتماعهم السابع الذي عُقد في مسقط 1996م هذا النظام بصفة استرشادية لمدة أربع سنوات.

 

ثانياً: إنشاء محكمة الأحوال الشخصية:

تختص محاكم الأحوال الشخصية بالنظر في جميع مسائل الأحوال الشخصية، ومنها: إثبات الزواج، والطلاق، والخلع، وفسخ النكاح، والرجعة، والحضانة، والنفقة، والزيارة. إثبات الوقف، والوصية، والنسب، والغيبة، والوفاة، وحصر الورثة. الإرث، وقسمة التركة بما فيها العقار إذا كان فيها نزاع، أو حصة وقف أو وصية، أو قاصر، أو غائب. إثبات تعيين الأوصياء، وإقامة الأولياء والنظار، والإذن لهم في التصرفات التي تستوجب إذن المحكمة، وعزلهم عند الاقتضاء، والحجر على السفهاء، ورفعه عنهم، وتحدد لوائح هذا النظام الإجراءات اللازمة لذلك.  إثبات توكيل الأخرس الذي لا يعرف القراءة والكتابة.  تزويج من لا ولي لها، أو من عضلها أولياؤها،  الدعاوي الناشئة عن مسائل الأحوال الشخصية.  الدعاوي المرفوعة لإيقاع العقوبات المنصوص عليها في نظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم.

 

ثالثاً: نظام الأحوال الشخصية:

صدر بموجب الأمر الملكي الكريم رقم م/73 وتاريخ 6/8/1443هـ كأول نظام سعودي للأحوال الشخصية يهدف للحفاظ على كيان الأسرة وضمان حماية وحقوق أفرادها، حيث جاء شاملاً في معالجة جميع المشكلات التي كانت تعاني منها الأسرة والمرأة ومُنظِّما لمسائل الأحوال الشخصية تنظيماً دقيقاً بكافة تفاصيلها، حيث إن نظام الأحوال الشخصية يسهم في تطوير وإصلاح المنظومة التشريعية، وصون حقوق الإنسان واستقرار الأسرة وحماية حقوقها، ورفع كفاءة الأنظمة وتعزيز الشفافية، وتحسين جودة الحياة والارتقاء بالخدمات.

والنظام سيسهم في الحفاظ على الأسرة واستقرارها باعتبارها المكون الأساسي للمجتمع، كما سيعمل على تحسين وضع الأسرة والطفل وضبط السلطة التقديرية للقاضي للحد من تباين الأحكام القضائية في هذا الشأن.

 

 رابعاً: أبرز تحديثات نظام الأحوال الشخصية:

  • تحديد السن الأدنى للزواج 18عاماً للذكر والأنثى.
  • انتقال ولاية التزويج إلى المحكمة مباشرة إذا غاب الولي أو عند عضل المرأة.
  • التأكيد على حق المرأة في نفقة زوجها عليها بغض النظر عن ماديتها خلال سنتين.
  • حفظ نسب الطفل وتضييق نفيه.
  • إعمال طرق حديثة فيما يتعلق بإثبات النسب.
  • إثبات حق المرأة في فسخ عقد الزواج بإرادة منفردة في العديد من الحالات.
  • مراعاة مصلحة المحضون في المقام الأول أثناء تقرير أحكام المحضون.
  • إلزام الزوج بتعويض الزوجة تعويضاً عادلاً عند عدم توثيق وقائع الأحوال الشخصية في حالات محددة.
  • مراعاة مصلحة الحفاظ على كيان الأسرة في احتساب عدد التطليقات.
  • الإلزام بتوثيق الوقائع المتعلقة بالأحوال الشخصية كالطلاق والرجعة حتى مع عدم موافقة الزوج.
  • حفظ حقوق الأولاد كالحضانة ومنع المساومة بشيء منها بين الزوجين عند الفراق.
  • ضمان حق المرأة في الميراث.
  • حفظ وحماية حقوق أفراد الأسرة من ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم.

 

خامساً: أبرز مواد وفصول نظام الأحوال الشخصية:

(الباب الأول) الزواج

  • (الفصل الأول) الخطبة
  • (الفصل الثاني) أحكام عامة للزواج
  • (الفصل الثالث) أركان عقد الزواج وشروطه
  • (الفصل الرابع) حقوق الزوجين

(الباب الثاني) آثار عقد الزواج

  • (الفصل الأول) النفقة
  • (الفصل الثاني) النسب

(الباب الثالث) الفرقة بين الزوجين

  • (الفصل الأول) أحكام عامة للفرقة
  • (الفصل الثاني) الطلاق
  • (الفصل الثالث) الخلع
  • (الفصل الرابع) فسخ عقد الزواج

(الباب الرابع) آثار الفرقة بين الزوجين

  • (الفصل الأول) العدة
  • (الفصل الثاني) الحضانة

(الباب الخامس) الوصاية والولاية

  • (الفصل الأول) أحكام عامة للوصاية والولاية
  • (الفصل الثاني) الوصي
  • (الفصل الثالث) الولي المعين من المحكمة
  • (الفصل الرابع) تصرفات الوصي والولي المعين من المحكمة
  • (الفصل الخامس) الغائب والمفقود
  • (الباب السادس) الوصية
  • (الفصل الأول) أحكام عامة للوصية
  • (الفصل الثاني) أركان الوصية وشروطها
  • (الفصل الثالث) مبطلات الوصية

(الباب السابع) التركة والإرث

  • (الفصل الأول) أحكام عامة للتركة والإرث
  • (الفصل الثاني) ميراث أصحاب الفروض
  • (الفصل الثالث) الحجب والتعصيب والعول والرد
  • (الفصل الرابع) ميراث ذوي الأرحام
  • (الفصل الخامس) ميراث المفقود والحمل ومنفي النسب
  • (الفصل السادس) التخارج في التركة(الباب الثامن) أحكام ختامية

 

سادساً: الحقوق الزوجية العدلية للمرأة:

في الزواج: – رفع ظلمها بالعضل أو الإجبار على زواج بتجريم الفعلين وتزويجها من المحكمة في حال العضل.

– سماع موافقتها لفظياً من المأذون وتسليمها نسخة من عقد الزواج.

– عدم تنفيذ الحكم الذي يجبرها على العودة لبيت زوجها.

– بدء عدتها من تاريخ الحكم وليس من تاريخ التصديق في حالات فسخ النكاح.

– اعتبار كره الزوجة لزوجها وعدم إطاقتها للعيش معه سبباً شرعياً لفسخ النكاح، إذا خشيت عدم إقامة حدود الله وأداء الحقوق الزوجية.

– إذا راجع الزوج زوجته المطلقة ولم يعلمها ولا وليها فلا تصح تلك الرجعة.

في الحضانة: – حضانة أبنائها دون دعوى قضائية.

-التنفيذ الفوري لأحكام النفقة أو رؤية الصغير أو تسليمها لها.

– اختيارها عند مَنْ تقيم مِنْ أبويها إذا كانت ابنة بالغة ما لم تكثر ما يخل بالآداب والصيانة، الأم أحق بكفالة القاصر سواء كان ذكراً أو أنثى.

في النفقة: – الولاية على أبنائها في حالات الطلاق أو تغيب الأب واشتراط موافقتها.

– أولوية النفقة على ديون الرجل المديون لضمان حياتها وحياة أبنائها.

– الحصول على معاش الضمان الاجتماعي إذا تغيب الأب عنها وعن أبنائها.

في الميراث: – منحها نصيبها من الميراث والتركة وخصوصاً العقارات.

– عدم سقوط حقها من الميراث إذا لم تطالب به.

– إذا كانت وارثة فإنها تُعتبَر من أهل القتيل وإخراجها يحتاج لنص صحيح صريح من الشارع ولا وجود لذلك قطعاً.

 

التعقيبات:

  • التعقيب الأول: د. خالد الرديعان

تناولت الورقة الرئيسة نظام الأحوال الشخصية الجديد وما ورد فيه من مواد تتوافق مع أنظمة سابقة، وكذلك مع “النظام الأساسي للحكم” في مواده 9 و 10 من “الباب الثالث” وهما المادتان اللتان ركزتا على الأسرة وما يحافظ على بقائها وتماسكها.

سأنظر للنظام الجديد من وجهة نظر اجتماعية وذلك بحكم اهتمامي بالأسرة، وما يساعد على حمايتها من التصدع.

لا أتوفر على إحصاءات كافية عن معدلات الطلاق والخلع والفسخ والعضل، وهروب الأبناء من الأسرة، لكن الأرقام المعلنة والمتداولة في الصحف عن الطلاق تحديداً تقول إنه من كل عشر زيجات هناك ثلاث منها تنتهي بالطلاق وذلك للعام 2022 حسب وزارة العدل السعودية، وإن حالات الطلاق في ارتفاع. هذا وقد بلغت حالات الخلع وفسخ النكاح في عام 2021 نحواً من 43 ألف حالة، وهو عدد كبير وربما غير مسبوق وقد يعود ذلك إلى سهولة طلب الخلع وتقنية التقاضي عن بعد إلكترونياً. (المصدر: صحيفة الوطن، 23 يناير 2022).

ويشير ذلك إلى تصاعد حالات الطلاق؛ لكن يلزم أخذ الأرقام بحذر، فزيادة عدد السكان وعدد الزيجات لا بد من أخذهما في الاعتبار.

وتعليقاً على ما سبق فإنه لا شك أن معظم ما ورد في النظام الجديد مفيد، لكنه ركز على ما يحمي المرأة وأبناءها وخاصة بعد وقوع الطلاق بين الزوجين وهذا لا غبار عليه، لكنه لم يتناول الزوج أو الرجل عموماً؛ فدور الأب مثلاً ليس واضحاً في ظل التعديلات التي منحت الفتاة حرية أوسع في خيارات السكن والزواج والخلع وفسخ النكاح.

وأود هنا وكمدخل للمناقشة الإشارة إلى ثلاث قضايا لا بد من التفكير فيها ملياً فيما يتعلق بنظام الأحوال الشخصية أطرحها على النحو التالي:

 

أولاً: الخطاب النسوي

هذا الخطاب ليس في أفضل أحواله، فقسم كبير منه يميل نحو التطرف في معالجة قضايا المرأة ويلقي كثيراً باللائمة على “المجتمع الذكوري”، بل ويتنمر في نقد الصحوة التي سادت في العقود الماضية، دون الأخذ في الاعتبار أسباب بروزها، والسياق السياسي الذي ظهرت فيه. وعموماً فتيار الصحوة الآن -وكما يبدو- في أفول بسبب التغيرات التي لمست جوانب كثيرة في حياتنا منذ العام 2015م، وبالتالي فالخطاب النسوي يفترض أن يكون رشيداً في تناوله لقضايا المرأة وأن لا يكون سبباً في التشرذم الاجتماعي؛ فنحن أحوج ما نكون لبناء مجتمع إسلامي معتدل ووسطي في ظل التغيرات التي تعصف بالعالم من حولنا. لا نريد الانسلاخ من هويتنا الاجتماعية والدينية ولا سيما أنه يمكننا التقدم دون التضحية بهذه العناصر الأساسية. لسنا كذلك بحاجة إلى مناكفات وتراشق إعلامي وأطروحات متطرفة يميناً ويساراً وتصفية حسابات، وهي الممارسات التي لن تساعد في تحقيق رؤية 2030 بل يلزم العمل يداً واحدةً دون هزات اجتماعية قد تفقدنا التوازن. وفي ذات الوقت يلزم توفير جميع الفرص للمرأة في التعليم والعمل وحرية الحركة واختيار الشريك، وحماية حقوقها الزوجية، ومنع كل ما يؤذيها أو يسيء إليها.

ثانياً: لا بد من وقف الحملات التي تجيش الجنسين ضد بعضهما بعضاً في وسائل الإعلام وفي الخطاب السائد، وهذا يرتبط بما سبق حول بعض الخطابات النسوية والليبرالية المتطرفة. وقد انعكس هذا التجييش في بروز نظرة سلبية للزواج وتكوين الأسرة، وهو أمر لا يخدم استقرار المجتمع؛ بل إن له انعكاسات مستقبلية قد تكون خطيرة.

 

ثالثاً: إضعاف سلطة الأب

ليس من المفيد أسرياً واجتماعياً إضعاف سلطة الأب أو المسّ بها؛ فبعض التنظيمات الأخيرة بخصوص العضل -وإنْ كان العضل مرفوضاً ويُعالج في المحاكم عند وجوده- إلا أن بعض التعديلات التي أُدخلت لاحقاً قد تضعف من سلطة الأب عماد الأسرة وتجعل دوره هامشياً، رغم أنه يظل ولي الفتاة والزواج لا يتم دون ولي كما هو معمول به في عقود النكاح. وقد يُستخدم نظام منع الإيذاء كحجة لوجود عنف أسري تجاه الأبناء والمرأة، ومن هنا يلزم أن يكون هناك تفصيل في اللوائح للتفريق بين العنف الأسري والإيذاء بعد تعريفهما بدقة وحدود سلطة الأب ومن أين تبدأ وأين تنتهي.

 

  • التعقيب الثاني: د. الجازي الشبيكي

يأتي نظام الأحوال الشخصية الذي صدر في المملكة العربية السعودية في السادس من شهر شعبان لعام 1443هـ ، منسجماً مع توجّه الدولة نحو التطبيق الفعلي المؤسّسي للقوانين التي تحكم علاقات الناس ببعضهم بعضاً ومنها  العلاقات والأحوال الأسرية والشخصية، فلا يمكن لأي دولة عصرية متحضٍرة أن تغفل عن ضبط متطلبات الأحكام في القضايا الاجتماعية وتتركها للتقديرات الشخصية للقضاة والمعنيين بالفصل فيها دون وجود قوانين دقيقة وتفصيلية تستند في مجملها على الأحكام الشرعية الدينية التي ترتكز عليها الدولة، آخذة في الاعتبار التطورات القانونية المعاصرة على المستوى العالمي وتطورات المجتمعات التي تستدعي تطور النصوص القانونية المسيّرة لها. وممّا لاشك فيه، بأنّ هذا النظام الذي يعتبر منعطفاً هامّاً في تاريخ التشريع القضائي في المملكة، سيعزّز من القدرة على توحيد الأحكام ويرفع من مستوى جودتها تحت طائلة القانون وسيخفّف إلى حد كبير من الاختلافات بين الرؤى الشخصية للقضاة ويضبط سلطتهم التقديرية، حيث تناول النظام  الجديد بالتفصيل كافة الجوانب التي تهم المجتمع والأسرة بدءاً بالخطبة والزواج وما يتعلق بهما من أحكام تفصيلية، وعالج بعض القضايا الإشكالية في سن الزواج وتكافؤ النسب والعضل وغيرها، كما تناول النظام الجديد الحقوق الزوجية وحقوق الأطفال والنفقة  والطلاق والخلع وفسخ عقد الزواج وغيرها، بالإضافة إلى الأحكام المتعلقة بالوصية والميراث وما إلى ذلك، كل ذلك وفق رؤية وسطية سمحة، أخذت من المذاهب الإسلامية المتعدّدة أيسرها، تحقيقاً لمصالح الناس التي هي الغاية من تلك القوانين والأنظمة والأحكام.

إنّ مسألة اطمئنان المواطنين على حقوقهم وعدالة البتّ القانوني الموحّد في قضاياهم، يعدّ ركيزة أساسية لتطوير ذواتهم وإيجابية مشاركتهم الاجتماعية في تنمية وتقدّم بلادهم، ومما لا شك فيه أن المرأة هي أكثر فئات المجتمع استفادةً من النظام الجديد للأحوال الشخصية في المملكة، حيث كانت معظم المشكلات الاجتماعية الأسرية في السابق تعود في الغالب للتداخل بين الأحكام الشرعية والعادات والتقاليد فيما يخص قضايا المرأة وحقوقها، وبالتالي تكون هي الضحية. ممّا جعل هذا النظام يأتي مكتسباً إضافياً نوعياً هامّاً، يُضاف إلى المكتسبات التي حصلت عليها المرأة في السنوات الأخيرة في المملكة العربية السعودية في إطار السعي نحو تمكينها الذي لم يكن ليكتمل الاكتمال الجوهري من دون مثل هذه التشريعات والقوانين والأحكام التي تضمن لها الحقوق الكاملة كفرد من أفراد المجتمع وكمواطنة بالأصل وليس بالوكالة. وقد فصّلت آخر ورقة الأستاذ المحيميد ما يخص الأحكام التي جاء بها النظام لصالح المرأة.

من ملاحظاتي على النظام الجديد أنه لم يتناول موضوع العقوبات في حال عدم تطبيق أي بند من بنود الأحكام الواردة فيه، لأن العديد من القوانين والأحكام المتفرقة السابقة كانت تتسّم بالخلل في إجراءات وآليات التطبيق من حيث البطء والضبابية وضعف الالزامية.

كما لم ألاحظ في النظام الجديد أية إشارة لتنظيم موضوع التعدّد (تعدّد الزوجات) الذي في الغالب تصاحبه عدة إشكالات أُسرية في المجتمع السعودي، إلى جانب أن النظام لم يُشِر بنص صريح إلى ما يتعلق بغير السعوديين المقيمين على أرض المملكة ومدى تطبيق كل الأحكام عليهم في حال كونهم غير مسلمين من ذوي الديانات الأخرى.

ومن أهمّ مقومات نجاح تطبيق نظام الأحوال الشخصية الجديد في مجتمعنا السعودي المحافظ والجديد على موضوع القوانين التي تحكم العلاقات الأسرية، هو الأخذ في الاعتبار مسألة التنسيق والتكامل بين الجهات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية ذات العلاقة، بدءاً بالبرامج التوعوية للنظام بكامل تفاصيله ومتطلباته، مروراً بإقراره في المناهج التعليمية للجنسين، إلى جانب التأكيد على أهمية المعرفة الكاملة بجميع أحكامه ومتطلبات تنفيذها لدى جميع من تشمله آليات هذا النظام.

 

المداخلات حول القضية

  • أهمية نظام الأحوال الشخصية الجديد وقراءة تحليلية لأبرز مواده.

وافق مجلس الوزراء السعودي على نظام الأحوال الشخصية الجديد، يوم 8 مارس 2022، وبالتأكيد فإنه متى ما وُجِد نص قانوني واضح وصريح فإنه يبعدنا عن الآراء والأهواء الشخصية للحكم في القضايا – هذا ما أوجده قانون الأحوال الشخصية الجديد بعد أن كانت هناك قضايا لا تسندها أي نصوص شرعية بل إنها تحاربها، كان معمولًا بها مجاراة للعادات والتقاليد فقط-، والتي تختلف باختلاف القاضي وتعتمد على خلفيته الدينية والثقافية والتعليمية.. إلخ كان في مصلحة الكل.. وكذلك متى ما كانت الإجراءات إلكترونية يقل فيها التزوير والإهمال ويسهل متابعة المخالفين قانونيًا وخاصة عند تحديد النفقة المستحقة للأطفال بعد الطلاق حيث يتم استحقاقها من حساب الأب وإيداعها شهريًا للأم حال كانت هي الحاضنة. “وبموجب النظام أصبحت الأم المطلقة التي تحتضن أولادها لها صلاحية إدارة بعض أمورهم الخاصة في الأحوال الشخصية، والتي كانت ممنوعة.”

وصدور هذا النظام يؤكد حرص واهتمام السعودية وقيادتها على صون حقوق الإنسان، واستقرار الأسرة كمكوّن ونواةٍ أولى للمجتمع، بما يعزّزُ كيانها ويحمي حقوق أفرادها. وهذا القانون بلا شك، يعكس دور مؤسسات الدولة بترسيخ أو تغيير ثقافة المجتمع. كما “أن النظام سيسهم في سرعة إنجاز القضايا المتعلقة بالأسرة، وسيعزز من القدرة على التنبؤ بالأحكام القضائية واستقرارها، ويحد من تباينها، كما سيرفع جودة وكفاءة الأحكام”.

فلا يكفي أن نعوّل على الأفراد بالتغيّر إن لم يواكبه/يسبقه قوانين وتشريعات تعكس التغيير المطلوب؛ لكن قد نحتاج إلى بعض الوقت ريثما تهدأ عاصفة التطبيق، وتترسخ حقوق كل الأطراف، وبالأخص المرأة المعنفة والمظلومة والمهجورة.. إلخ. “ونظام الأحوال الشخصية استُمِد من أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، وروعي في إعداده أحدث التوجهات القانونية والممارسات القضائية الدولية الحديثة ومواكبة مستجدات الواقع ومتغيراته”.. كما “يتناول نظام الأحوال الشخصية السعودي الجديد، الأحكام المنظمة للعلاقة الأسرية من بينها الخطبة، الزواج، المهر، حقوق الزوجين، الطلاق، النفقات، حضانة الأولاد، النسب، الوصية، الإرث، الولاية والوصاية. ويسعى النظام الجديد إلى المحافظة على استقرار الأسرة باعتبارها المكون الأساسي للمجتمع”.

 

والواقع أن ظهور قانون الأحوال الشخصية الجديد سبقه نشاط مجتمعي من مؤسسات وأشخاص كثيرين وكان يواجه مقاومة كبيرة تحت شعارات بعضها شرعية والبعض الآخر مجاراة للعادات والتقاليد، وهناك من النساء مَنْ تم ظلمهن في مسائل الطلاق والزواج والعضل والنسب.. إلخ، وقد أن الأوان لأخذ الحقوق كامله لكل أفراد العائلة وخاصة النساء والأطفال لذلك أتى هذا النظام كنقلة نوعية في تمكين الأسرة.

ونظام الأحوال الشخصيّة الجديد يعتبر إنجازاً كبيراً يستحق الثناء وهو مكسب للمرأة السعوديّة يعزز مكاسبها السابقة بغض النظر عن الملاحظات عليه، وبالرغم من ميوله إلى حدٍّ ما مع المرأة في بعض موادّه على حساب الدور التقليدي للرجل. ومن الطبيعي أن يتعرّض كل نظام جديد للتعديل والتطوير لاحقاً من قبل الجهات المعنيّة التنفيذيّة والتشريعيّة حتى يصل إلى المتن والصياغة المناسبتين.

ومن الملاحظات التي يمكن التطرق إليها في هذا الصدد ما يلي:

  • بينما يُعرّف النظام في المادة الثالثة بأن ما يُقدَّم في الخطبة يعد هديّة يأتي في المادة الرابعة ليعطي الطرف الآخر الحق في استرداد هديّته، وهذا فيه شيء من التناقض وقد يجبر الخطيبين ذلك على بعضهما حتّى ولو تبيّن لأحدهما عدم مناسبة الزواج، كما أن إقراراً مثل ذلك سيزيد من كلفة الزواج. وربما كان من الأفضل عدم اعتبار أي هديّة واستبعادها من أحكام النظام.
  • انتقص النظام من سلطة ولي الأمر في الزواج، فالمادة الثانية عشره لم تجعل موافقة الوالد أو الولي من أركان عقد الزواج وفي المادة العشرين يجوز للمحكمة تزويج المرأة دون موافقة والدها.
  • نجد إسهاباً وتركيزاً من النظام على كفاءة الرجل للمرأة إلى درجة أن المادة 14 أعطت الحق لكل ذي مصلحة من الأقارب -حتى الدرجة الثالثة- يتأثر بانعدام الكفاءة؛ الحق في الاعتراض على عقد الزواج، وهذا سيعزز الطبقيّة والعنصريّة والتفرقة بين أفراد المجتمع.
  • أغفل النظام ذكر أي شيء عن تعدد الزوجات ولم يقرّه بالرغم من وجوده في المجتمع وتأثيره الكبير، ومع ذلك جاء في البند ٥ من المادة 42 ذكر العدل بين الزوجات!
  • ذكر في البند الأول من المادّة الرابعة والأربعين أن نفقة الزوجة على الزوج حتّى لو كانت موسرة، بل وذهبت المادة السابعة بعد المائة إلى فسخ الزواج بطلب الزوجة إذا تعذر استيفاء النفقة من الزوج المعسر بغض النظر عن حالة الزوجة الماديّة حتّى ولو كانت الزوجة تعلم حالة الزوج الماديّة قبل الزواج.

وهذا مخالف للتوجّه الحديث في المجتمع، فبعد إعطاء المرأة حق العمل لم تعد تقصر وقتها كاملاً لخدمة الرجل والمنزل، بل شاركت الرجل في العمل، فمن المفترض أن ينظر الشارع في مقدرة الطرفين وحاجتهما وقدرتهما على الإعالة؛ لأنه من الممكن أن تكون المرأة موظفة والرجل عاطلاً عن العمل.

وكذلك ينطبق بالنسبة لنفقة الرجل على بنته غير المتزوجة؛ بل قد يكون من المنطق أن تنفق المرأة العاملة على الرجل في بعض الحالات التي تقدرها المحكمة.

  • قدمت المادة الخامسة والستين نفقة الزوجة على الوالدين والأبناء إذا تعدد المستحقون للنفقة، ولم يستطع من وجبت عليه الإنفاق عليهم جميعاً، فماذا لو كانت الزوجة موظفة أو موسرة والوالدان والأبناء غير موسرين؟ كيف تتقدم نفقة الزوجة على الوالدين والأبناء في هذه الحالة؟
  • المادتان 73 و 74 ضيقت على الرجل في تقديم الدعوى في نفي نسب الولد إليه وقدمتا اللعان على نتيجة الحمض النووي في إثبات نسب الولد، وأجازت للمرأة رفض كشف الحمض النووي، واللعان أصلاً فيه خلاف، بينما إثبات النسب له أهميّة قصوى في مجتمعنا بالنسبة للطفل، ولذلك فإن التأكّد من الحمض النووي قد يكون هو الأصح؛ فمصلحة الطفل في إثبات الحقيقة تقتضي ذلك حتّى لو رفضت المرأة، علماً أن الطفل يستطيع فحص حمضه النووي عندما يكبر ويعرف أن نسبه غير صحيح.
  • لا يترك النظام مجالاً لافتراق الزوجين بالتراضي بينهما، فإما طلاق من قبل الرجل أو خلع بمقابل تدفعه المرأة أو فسخ بحكم قضائي، وهذا قد ينطوي على قصور؛ لأنّه من الممكن أن يتفق الطرفان على الافتراق بالحسنى فلماذا يرفض النظام ذلك؟
  • لم يجز النظام للمرأة حق التخلّي عن الحضانة حتّى ولو كانت برغبتها فقد جاء في (المادة المائة: كلُّ ما صحَّ اعتباره مالاً صحَّ أن يكون عوضاً في الخلع، ولا يجوز أن يكون العوض إسقاط أي حق من حقوق الأولاد أو حضانتهم)، بينما هناك حالات قد يكون الخلع في مصلحة الطرفين وتكون الحضانة للرجل برضا المرأة.
  • أجاز النظام فسخ عقد زواج الزوجة التي لم يدخل بها الزوج بطلب المرأة إذا لم يدفع الرجل المهر الحال (البند (1) من المادة السادسة بعد المائة)، بينما منع فسخ العقد إذا كان الرجل قد دخل بالمرأة حتّى وإن لم يدفع المهر (البند (1) من المادة السادسة بعد المائة) وهذا فيه ربط بين المهر وممارسة الجنس بينهما وهذا أمر غريب؛ لأن الرجل لم يدفع المهر ومع ذلك دخل بها؟ وهي تطلب الفسخ في الحالتين والضرر الواقع عليها في المرّة الثانية قد يكون أكبر.
  • أجاز النظام في المادة الثالثة عشرة بعد المائة فسخ العقد إذا امتنع الرجل عن جماع المرأة لمدّة أربعة أشهر، ولم يذكر النظام شيئاً عن امتناع المرأة عن الجماع؛ وهذا فيه تفرقة لأن هناك حالات تمتنع فيها المرأة عن زوجها عقاباً له!
  • في المادة التاسعة والعشرين بعد المائة: أخل النظام بحقوق الأب أو الأم السعوديين إذا كان الحاضن غير سعودي، حيث أجازت المادة سفر الحاضن بالمحضون إلى خارج المملكة بدون موافقة الطرف الثاني إذا كانت مدة السفر أقل من 90 يوماً إذا كان الحاضن أحد الوالدين أو أقل من 30 يوماً إذا كان الحاضن غير الوالدين. وهذه المادة ستفتح الباب لهرب الحاضن غير السعودي بالمحضون وربما منع الطرف السعودي من زيارته أو التواصل معه كما هو حاصل حالياً في بعض الحالات.
  • بالرغم من أن النظام يعطي المرأة حق الحضانة في المادة السابعة والعشرين بعد المائة إلى بلوغ المحضون سن الـ15 (المادة الخامسة والثلاثون بعد المائة)، نجد أنه في البند الثاني من المادة الحادية والثلاثين بعد المائة يلزم بها الأب إذا تجاوز المحضون سن العامين ولم يطلب الحضانة أحد مستحقيها، وهذا فيه تناقض فلماذا لم يُلِزم الأم التي لها حق الحضانة إلى سن الـ15؟
  • تسهب الفصول؛ الثالث والرابع والخامس من الباب الخامس في أحكام لها علاقة بتصرفات وواجبات الولي والوصي المعيّن من قبل المحكمة، وكذلك بالنسبة للغائب والمفقود وقد أعطى النظام المحكمة صلاحيات واسعة قد يصعب إتقانها من قبل المحاكم، وبدلاً من ذلك يفترض في النظام أن ينص على إنشاء هيئة لإدارة شؤون القصّر والغائب والمفقود تناط بها هذه الأعمال أو النص على إيكال هذه المهام لها إن كانت موجودة، فهناك تجربة قائمة حالياً ومعاناة لدى عدد كبير من العوائل بخصوص المفقودين والغائبين من المواطنين الذين خرجوا للقتال في أفغانستان وسوريا والعراق ولم تستطع المحاكم إيجاد الحلول المناسبة لذوي وورثة الغائبين والمفقودين في هذه الحروب.

ويضاف إلى ما تقدم، أن نظام الأحوال الشخصية الجديد لم يتطرق لجانب هام من جوانب الأحوال الشخصية وله علاقة بمجتمعنا بالذات وتترتب عليه بعض الإشكالات الأسرية، وهو المتعلق بقضية تعدد الزوجات، والتي يصاحبها عدة إشكالات في المجتمع السعودي، ومن ثم هناك ضرورة لتنظيمها بصورة ما، وذلك بوضع أحكام وقوانين تنظّمها، على سبيل المثال، ضرورة إخطار الزوجة الأولى بالزواج الثاني للرجل، واعتبار ذلك متطلّباً أساسياً في إجراءات الزواج الثاني، أيضاً تنظيم عملية العدل في المبيت والإنفاق وغيرها قانونياً، بجانب الكفاءة المالية للزوج ضمن التنظيم.

إلا أنه على الجانب الآخر فثمة وجهات نظر ترى أن المنع التام لتعدد الزوجات قد يتصادم مع الشريعة الإسلامية هذا على الجانب الفقهي الذي لا يخفى على الجميع، ومن جانب اجتماعي فقد يكون التعدد حلاً لبعض المشكلات إن نظرنا إليه بموضوعية فيما يتعلق بتماسك المجتمع، وذلك عندما ترتفع فيه نسب الطلاق والخُلع والترمل وفشل الزيجات. ومع إدراك حساسية الموضوع للكثير من السيدات وموقفهن من التعدد بسبب إساءة بعض الرجال لاستخدامه، لكن لا بد من توفر دراسات وإحصاءات حول سلبياته (إن وجدت) وذلك لمن يطالب بالحد منه أو تقنينه أو حتى منعه كما فعلت تونس (1956).

وقد يكون التعدد في اعتقاد البعض مخرجاً شرعياً مناسباً للطرفين (الرجل والمرأة) عند توفر العدل والإنصاف وكذلك القدرة على قبوله وإدارته عند الطرفين. وهناك بعد اجتماعي آخر وهو أن الشاب المقبل على الزواج للمرة الأولى في مجتمعنا لا يرتبط عادة بمطلقة أو أرملة حتى لو قلنا بوجود حالات من ذلك ما يعني تقلص فرص المطلقات والأرامل في الزواج مرة أخرى.

وفي ذات الوقت هناك رجال مطلقون يصعب عليهم الزواج من فتيات لم يسبق لهن الزواج (يتردد البعض في قبولهم كأزواج لبناتهم) ومن ثم يصبح اقتران المطلق بمطلقة هو الخيار المتاح أمامهم حتى لو ترتب على ذلك تعدد من قبل الزوج في بعض الحالات. وتبقى القضية في النهاية اختياراً للمرأة لقبول أن تكون زوجة ثانية أم لا؛ فالزواج لا يتم إلا بشرط القبول كركن أساسي في عقد النكاح. وربما وقف الكثيرون على حالات ناجحة للتعدد ولذلك علينا أن لا نصادم نصوص أقرها الشرع لحل المشكلات الاجتماعية التي تترتب على الطلاق والترمل.

ومن ناحية أخرى، وإذا كان النظام الأساسي للمملكة ربما تميّز عن غيره بأن جعل الأسرة هي نواة المجتمع كما أشار كاتب الورقة الرئيسة، وليس الفرد، وهذا فيه إشارة واضحة لنظرته لأهميتها في تكوين واستقرار المجتمع. فثمة تساؤل مهم حول حدود تربية الأطفال انطلاقاً من مسؤولية الأسرة في النظم الغربية عن ذلك، وأخذ الأطفال من أسرهم -كعقوبة في حال عدم تربيتهم تربية صحيحة أو التقصير معهم!!

وفي تصور البعض وفيما يخص التوسع في تسهيل فسخ النكاح والخلع؛ فإن الفكر النسوي قد استغل هذه الجزئية من تحريض النساء على التحرر من بيوت الزوجية (تحت بند فسخ النكاح بحجة الكراهية) بدعوى أنكِ أيتها المرأة خُلِقت حرة طليقة ولا ينبغي لكِ أن تبقي تحت سلطة الذكر، وفي حال طلاقك تحصلين على مزايا عديدة منها بيت من الدولة ودعم الضمان وفرصة الوظيفة دون تسلط زوجك وحرية التنقل والسهر والسفر.. إلخ، خطاب النسويات المغري لكثير من السطحيات، وقد ساند النظام الجديد هذا في جزئية (اعتبار كره الزوجة لزوجها سببًا شرعياً لفسخ النكاح) وليس الخلع.. لأن الخلع يجعلها تعيد حساباتها.

أيضاً فثمة عدم وضوح بشأن حقوق الأب تجاه أبنائه عند طلاق أمهم؛ فالأم الحاضنة تحظى بالعيش مع الأطفال طوال السنة -على نفقة أبيهم- وينشؤون على التعلق بأمهم متناسين حق الأب الذي يمنح فقط أيامًا وجيزة لرؤية أبنائه فلماذا لا يعاد النظر في هذا الأمر؟

كما أنه من الملاحظات المرتبطة بنظام الأحوال الشخصية الجديد برأي البعض أنه قد ينطوي على إضعاف دور الأب في الموافقة أو رفض الخطيب لأنه يخشى من رفع قضية عضل ضده لا سيما في حال انفصال الأبوين.

 

  • مقترحات لتحقيق المستهدف من نظام الأحوال الشخصية الجديد.

ينطوي تطبيق نظام الأحوال الشخصية الجديد في المملكة العربية السعودية على تغير نوعي يمس حياة كل فرد وكل أسرة في المجتمع السعودي؛ بالنظر إلى أنه من المتوقع أن يترتب عليه تغير في العلاقات والحرية الفردية والحقوق، ويتطلب تعديل كثير من القيم والمفاهيم والسلوكيات التي شكلت جزءاً هاماً من الموروث الثقافي والاجتماعي للمجتمع السعودي.

وفي هذا الإطار فثمة عدد من القضايا المهمة التي يجدر الإشارة إليها:

  • أولاً: موضوع الأسرة وجميع ما يخصها، على بساطته، إلا أنه يمس الحياة، والنفس، والمجتمع، ولذا فإن استقرت الأسرة والزواج، فهما حتماً سر من أسرار السعادة، والتوفيق في الدارين، وعلى ذلك فهو يرتبط بشتى وسائل التعامل وخُلقياته، من الحلم والإيثار والعطاء ومحبة الآخر والتواضع وغير ذلك، في سبيل بناء الأسرة واستقرارها.

والملاحظ عبر مقابلات حقوقية عامة، أنه ثمة من ينادي (وهم في الغالب من صغار السن وقليلي التجربة) إلى أن تعرف المرأة حقوقها، ومن ذلك مثلاً: إمكانية إقامة الدعوى على أبيها إن منعها من خروج أو أراد تأديبها ونحو ذلك. ومن ذلك أيضاً: إمكانية إقامة الدعوى من الزوجة على الزوج إنْ منعها من الخروج أو عدم شراء السيارة، ونحو ذلك الكثير. الأمر الذي نظر فيه من ينادي بذلك – لعلمه القاصر – بادعائه معرفته بالحقوق، في حين أن التعامل قبل أن يكون حقوقاً، هو فن وأدب وحياة وتسامح، لا حقوقاً واشتراطات وحسب.

  • ثانياً: أهمية التوازن بين حقوق الأم والأب، والزوج والزوجة، في سبيل توازن عادل رحيم يؤسس لحياة سعيدة. ومن الأمثلة على ذلك أن امرأة مطلقة حاضنة لأولادها، قد تمنع أولادها من زيارة الأب (طليقها)، والذي قد يبكي حرقة لظلمه وشوقاً وحناناً لهم. وعليه، فإن كان المُشرِّع يُحرِّم ظلم الزوجة والأم، ويرغب حمايتها، ومنحها الحقوق في الحضانة والرعاية والزيارة، فكذلك الأب والزوج يحتاج إلى العدل والرعاية والإنصاف، فإن جار أحدهما على الآخر، فلكل حماية ورعاية.
  • ثالثاً: الدعوة لتنظيم اشتراطات الزيجات الشرعية، في ظل الحاجة لاشتراطات زوجية تُنظم احتياجات الرجل والمرأة، في ظل التطورات المُصاحبة للمجتمع. ويأتي التطرق لهذه النقطة تعقيباً على المادة (السادسة) من النظام، والتي تنص على: “الزواج عقد بأركان وشروط، يُرتب حقوقاً وواجبات بين الزوجين، غايته الإحصان وإنشاء أسرة مُستقرة يرعاها الزوجان بمودة ورحمة”. واستناداً لهذه المادة وبقراءة النظام، نجد أن الزواج الذي ينظمه النظام، هو الزواج الأصل، ونعني به الزواج الذي يرمي لإنشاء أسرة، ومن ذلك الإنجاب، وجميع ما يحيط بتعريف الأسرة، وذلك لا شك هو الأساس والذي يرمي له الشرع الحكيم، ويُنظم الاستقرار والحقوق والواجبات المُتبادلة.

إلا أنه في المقابل، وفي ظل عزوف الكثير عن الزواج، والرغبة في تأخيره لسن مُتأخرة، وعزوف الكثير أيضاً عن الإنجاب، وعن واجبات الزواج ومسؤولياته، وربما توفر الصاحب (وإنْ كان غير شرعي) لإشباع الرغبات، على حساب مشروع الزواج وحلاله والتزاماته وبناء الأسرة، الأمر الذي قد يُعالجه “زواج باشتراطات”، أو (زواج الأصحاب)، وهو الأمر الذي قد يكرهه الكثير، وقد لا يرغب به المجتمع وتقاليده، ولا يرغب به الكثير لبناته، إلا أنه واقع له ما يُبرره، وبالأخص أن الزواج باشتراطات، خير ألف مرة من صحبة مُحرّمة، الأمر الذي قد يُبرر زواجاً ليس هدفه الأبناء والإنجاب، وقد يُحقق أهداف الطرفين واشتراطاتهما، في ظل الشرع الحكيم. ​ومن ذلك اشتراط: عدم الإنجاب، وعدم النفقة (في حال كانت الزوجة ميسورة، والرجل ضعيفاً)، وعدم المبيت (في حال توافق الطرفان على ذلك، لمصالح يرونها)، واستقلال المرأة ببيتها (في حال اشتراط المرأة لذلك)، وغير ذلك من الاشتراطات التي لا تتعارض مع عقد الزواج، وقد تَحقق رغبة ومصالح أطرافه، في سبيل الإحصان، بزواج شرعي، وإن لم يكن المثالي.

​الأمر الذي يجب لدراسته، في سبيل تحقيق الحلال، لا الحرام في العلاقات، ومن ذلك دراسة الرأي الفقهي بشأن (الولاية في التزويج)، ومتى يحق للمرأة تزويج نفسها، ووضع الاشتراطات الشرعية لذلك، استناداً لآراء الفقهاء.

وأكدت بعض وجهات النظر على أن الزواج عقد قائم على التراضي، ومن ثم فكل ما تراضى عليه الطرفان من إسقاط بعض الحقوق أو اشتراط بعض الشروط فلا بأس به، فالمؤمنون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، وكل إنسان له ظروفه التي تحكمه وتملي عليه اشتراط بعض الشروط أو التخلي عن بعض الحقوق في سبيل تحصيل مصلحة عليا يراها، ويكشف الواقع العملي عن حالات كثيرة المرأة هي من يشترط عدم الاستقلال في بيت وعدم المبيت وعدم النفقة رغبةً منها في عدم وجود أي عامل يمكن أن يؤثر على علاقتها بأطفالها أو يشغلها عنهم مع تمتعها بحقها الشرعي في وجود شريك عاطفي يمنحها الحب واحتياجاتها النفسية والجسدية، كما أن هناك من الرجال من يرفض ذلك ويتمسك بحقوقه فلا يحصل الاتفاق بين الطرفين ومن ثم، فعدم التضييق على أطراف العلاقات الزوجية بكثرة الشروط أمر مطلوب وهو من الحرية التي احترمها الشارع سبحانه وعلى المشرع احترامها، فمن شرعها هو أعلم بعبادة واحتياجاتهم، والفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان وعدم وجود صور بعض الزواج الذي يتم في عصرنا هذا في عهده ﷺ لا يعني حرمتها أو نكرانها ما دامت مكتملة أركان العقد الشرعي.

كما أنه وإذا كانت المادة (السادسة) من النظام، تنص بالفعل على أن : “الزواج عقد بأركان وشروط، يُرتب ‏حقوقاً وواجبات بين الزوجين، غايته الإحصان وإنشاء أسرة مُستقرة يرعاها الزوجان بمودة ‏ورحمة”؛ فإن الحاجة في تصور البعض سبق أن أبرزت صوراً أخرى من أشكال الزواج؛ كالمسيار، وزواج الابتعاث، وما ‏يسمى بالمسفار، وصور أخرى قد تبرز لاحقاً، وهي شرعية في إطارها العام، وفيها بعض ‏التنازلات عن بعض الحقوق باتفاق الطرفين، وتحقق بل تلبي احتياجات الطرفين؛ لكن هل هو ‏الزواج المقصود اجتماعياً وشرعياً ونفسياً، بالرغم من كونه يحول دون الوقوع في إشباع ‏رغبات محرمة.‏ ومع ذلك فهناك من لا يعتبره زواجاً (كاملاً) مقارنة بالزواج التقليدي، الذي لا يربط بين رجل ‏وامرأة فحسب، بل يشمل عائلاتهما وأقاربهما، وله  طقوسه الخاصة، وتأثيراته على الزوجين ‏وعائلاتهم.‏

وصحيح أنه يتوقع أن يؤدي دخول المرأة لسوق العمل في المجتمع السعودي، وفي ظل الانفتاح ‏الذي نعيشه إلى تطور العلاقات بين الجنسين، والجميل أن تكون أو تتطور إلى علاقات ‏مشروعة، في إطار القيم والأعراف الاجتماعية، وفي إطار قواعد الشريعة الإسلامية، والنظام ‏الذي يؤطر لهذه العلاقة، ومع ذلك فسيكون نمطاً جديداً من صور الزواجات في المجتمع ‏السعودي، يتحدد قرار الاختيار للزوج والزوجة مباشرة أكثر من السابق الذي كانت الأسرة هي ‏من تحدد وربما تقرر بدلاً عن طرفي الزواج الحقيقيين، ومع ذلك فإن الأمر يتطلب ‏استشرافاً من مركز الدراسات المتخصصة في العلوم الاجتماعية لمآلاته.

وقد أنصف النظام الطفل وخاصة في تحديد سن الزواج إلى 18سنة، وذكر النظام أن أي قرار يجب أن يراعي “مصلحة الطفل الفضلى” وقد تم ذكر هذا المبدأ الحقوقي في نظام حماية الطفل؛ ولكن للأسف من الصعب تطبيقه في ظل قوانين سابقة مجحفة وعادات وتقاليد، وبالنهاية يطبِق العاملون مع الأطفال إجراءات وقوانين أخرى لحل الإشكالات، ولذلك يرى البعض أن الكثير من بنود نظام الأحوال الشخصية التي ذكر بها المصلحة الفضلى للمحضون أو للمرأة سينتهي به الأمر لتقييم القاضي أو اللجوء إلى قوانين وإجراءات سابقة لحل الإشكالية.

ومن المقترحات المهمة الأخرى التي تم التأكيد عليها لمراعاتها عند إعداد اللائحة التنفيذيّة لنظام الأحوال الشخصية الجديد، ما يلي:

النفقة

  • تماشياً مع التوجّه الحديث في المجتمع، وبعد إعطاء المرأة حق العمل، وحيث أصبحت شريكة للرجل في العمل وتوفير دخل الأسرة، فإنّه ينظر في مقدرة الطرفين وحاجتهما وقدرتهما على الإعالة وحالتهما الوظيفيّة عند تقرير النفقة وعند النظر في طلب فسخ الزواج بسبب تعذر استيفاء النفقة.
  • إذا تعدد المستحقون للنفقة، ولم يستطع مَنْ وجب عليه الإنفاق عليهم جميعاً، فإنه ينظر في الحالة الوظيفيّة والمادية للمستحقّين (الزوجة والوالدين والأبناء) وتُقدّم النفقة على حسب الأشدّ حاجة.
  • إثبات النسب: عند تقدم أي من الطرفين بدعوى لإثبات أو نفي نسب الولد، فإن كشف الحمض النووي يعتبر مطلباً أساسياً للإثبات أو النفي ولا يجوز لأي من الطرفين رفض ذلك.
  • افتراق الزوجين بالتراضي: يمكن للزوجين الاتفاق على الافتراق وفي هذه الحالة تلبّي المحكمة رغبتهما.
  • جواز التنازل عن حق الحضانة: لكل من الطرفين حق التخلّي عن حقّه في الحضانة برغبته في جميع حالات الافتراق (الخلع والطلاق والفسخ) وعلى المحكمة إنفاذ ذلك إذا قبل الطرف الآخر.
  • جواز فسخ الزواج بطلب المرأة إذا لم يدفع الرجل المهر: يجوز فسخ الزواج بطلب المرأة إذا لم يدفع الرجل المهر إذا كان لم يدخل بها وإذا كان قد دخل بها ولم تحمل، جاز فسخ العقد ويبقى المهر ديْناً عليه.
  • يجوز فسخ العقد بطلب أي من الطرفين، إذا امتنع الطرف الآخر عن الجماع لمدّة أربعة أشهر بدون عذر شرعي.
  • إذا كان الحاضن غير سعودي، فلا يجوز السفر بالمحضون خارج المملكة إلا بموافقة الطرف الآخر.
  • يقترح انشاء هيئة مختصّة لإدارة شئون القصّر والغائب والمفقود.

ويجب أن تكون هناك دراسة لأثر النظام في الواقع؛ بحيث ترصد النتائج التي أفرزها إقرار نظام الأحوال الشخصية، ومراجعة دورية وتنقيح لمواده لضمان عدم استغلال أحد الأطراف تطبيق القانون لصالحه دون مراعاة لما سيحدث من تفكك وتشتت أُسَري. فالهدف من القانون حفظ حق الأسر وهي المكون الرئيس للمجتمع إذا كانت النتيجة ليست مرضية ولا تخدم الهدف الأساسي؛ فهنا يستوجب التغيير.

أيضاً وإذا كانت معايير الزواج قد اختلفت تماماً في عصر التمكين وعصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فإنه يصبح من المهم التعايش مع هذه التغييرات بالتوصل لحلول تتناسب مع الواقع والمتوقع بدلًا من الإصرار على أن تمكين المرأة زاد من حالات الطلاق، وأن الزوجة سابقًا تتحمل أكثر من الزوجة الحالية؛ فكما أن المرأة تغيرت، تغير الرجل كذلك، وتغيرت الحياة بأكملها ومفاهيمها السائدة. وما يهمنا هنا هو أن يدرك كل طرف، أن الأسرة تقوم على مشاركة الجنسين في بنائها واستقرارها. وأن كلاً منهما له دوره المهم في أن تبقى الأسرة هي الملاذ الأخير الذي يوفر للجميع الاطمئنان والاستقرار.

ومع الإيمان بضرورة وجود هذه التشريعات والقوانين الجديدة التي تحفظ الحقوق؛ فكثيرون يحتاجون إلى هذه القوانين، لأن هناك من سُلبت حقوقهم، وكثيرون يحتاجون لمن يردعهم لأنهم تخلوا عن واجباتهم ولجئوا لاستخدام الأطفال كسلاح. فإنه في الوقت ذاته، وحين يتعلق الأمر بالزواج كمؤسسة مقدسة وبالزوجة والزوج والأبناء، يكون من المهم التأكيد على أن العلاقة يجب أن تكون فطرية سليمة لا يضبطها إلا قانون المودة والرحمة، وهي علاقة مقدسة وشفافة وحقيقية، وفيها تضحيات متبادلة.

القانون وُضِع لخدمة الإنسان، وليس الإنسان وُضِع لخدمة القانون، وهنا الفارق الكبير في واقع تطبيق القوانين، والتغير الحقيقي يجب أن يكون الفهم لمعاني الزواج والذي هو مربط الفرس ونجده للأسف مفقوداً بين الطرفين في الجيل الحالي، لا نريد للعلاقة بين الزوجين أن تحكمها الدساتير المكتوبة، وتغدو بلا معنى إن كانت لا تسير بتلقائية وتقبل، وتصبح مجرد بحث عن الواجبات والحقوق داخل مواد القوانين. فالقانون وسيلة تنظيم والزواج قرار شخصي مبني على قناعة ورغبة لا عن إلزام قانوني. وما نراه من تزايد في حالات الطلاق لأسباب تافهة وغيرها، لأسباب تدل على عدم الاستعداد الجيد وقلة المعرفة بالزواج وأسبابه وأهدافه..!

ومن المهم التأكيد في هذا السياق على:

  • رفع الوعي المجتمعي بأن الزواج هو أهم قرار وأكبر مشروع يمر به الشخص، لتأسيس مؤسسة مقدسة من المفروض أن تستمر مدى الحياة وتنتقل لحياة آخرين (الأبناء).
  • ضرورة أن يتطرق القانون لعدم الحديث عن الزوج أو الزوجة بشكل سلبي بعد الطلاق أو أثناء الزواج من خلال حسابات التواصل الاجتماعي، سواء بذكر الاسم صراحة أو بالتوصيف. فقد أغفل النظام مسألة الحفاظ على سرية العلاقات الزوجيّة بعد الافتراق، أو لم يتطرق لها بشكل واضح ولذلك من المهم جداً أن يتم النص عليها في اللائحة التنفيذيّة.
  • الدعوة للاهتمام بقسم الصلح لدى محكمة الأحوال الشخصية، بحيث يكون من مختصين مؤهلين مدربين، من نساء ورجال. في سبيل الحرص على المحافظة على الأسرة والأبناء، والتصدي للأسباب الطارئة إنْ وُجدت، من تخبيب، ومن طوارئ مالية قابلة للحل، ومن دعم بأفلام وثائقية تعين الزوجين في معالجة خلافاتهم، والتعامل مع الأبناء، وشتى المشاكل، مثل تدخل الوالدين وغيرها. فالواجب ألا يكون عمل قسم الصلح هو عمل شكلي، أو أن يكون بعض القائمين عليه لا يهمهم الصلح بين الأطراف إنما همهم الأكبر هو إنهاء الحالة التي بين أيديهم وإحالتها سريعًا للمحكمة دون أدنى جهد في محاولة تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين. وفكرة الصلح قبل وصولها المحاكم رائعة ينبغي تطويرها لتصبح برنامجًا معتبرًا ويُكافئ العامل عليها منهم بحسب نجاحه في عقد الصلح ويُستبعد من لا يحقق نسبة مصالحة معينة طوال السنة.

 

أيضاً فإن التغيرات التي تنتاب الفرد والأسرة وما ينتج عنها من تأثيرات اجتماعية نتيجة للتقنيات الحديثة بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين فيه سلباً وإيجاباً يحتم علينا الاعتناء بالدراسات الرصينة التي ترصد هذه الظواهر وتقترح الحلول وتساهم في نشر الوعي واستشراف المستقبل للمحافظة على قوام الأسرة وتهذيب سلوك الأفراد والذي يعتبر لبنة وركيزة تنموية لا غنى عنها. وأي اختلال فيها سيدفع المجتمع تكاليفه والتي قد يكون أحد مظاهرها انخفاض معدلات النمو الاقتصادية نتيجة للاضطرابات الأسرية وتأثير ذلك على الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي. ولذا فثمة حاجة لدعم وإنشاء مراكز غير ربحية (مراكز فكر) للدراسات الاجتماعية.

وإجمالاً، لا شك أن التعديلات الجديدة على نظام الأحوال الشخصية حاولت أن تعالج حقوق الأسرة ككل. وخاصة المرأة والطفل اللذان كانا لعقود ضحية لأحكام واجتهادات شخصية وغالباً كانت تتجنى على المرأة ولا تراعي الطفل.

لكن تظل العلاقة بين زوج وزوجة رهن بسماتهم الشخصية وما نشأوا عليه من قيم وتعاليم دينية، ومجتمعنا يظل متراحماً وفيه خير رغم كل شيء، فكثير من القضايا الزوجية بما فيها الطلاق والحضانة يتم حلها خارج المحاكم وتنتهي الأمور بسلام وكل ما في الأمر أنه يتم توثيق ذلك رسمياً بصكوك وذلك حفظاً لحقوق الطرفين. وليس القوانين ولا النظم هي ما يجعل العلاقة بين طرفين- كالزوج والزوجة- متينة، ولكنها الحاجة الإنسانية التي أودعها الله في البشر للألفة والحب والمودة، فكل شخص يود أن يُحِب وأن يُحَب كذلك، وأن يعيش ويتفاعل مع الآخرين، فالإنسان في النهاية كائن اجتماعي وبحاجة دائمة إلى غيره من بني جنسه. وبالتالي يفترض استمرار التوعية بقدسية الأسرة وأهميتها القصوى، وأنها لبنة المجتمع الأولى، وأن زوالها وتضعضعها يعني إيذاناً بتحلل المجتمع وخرابه. فلا يوجد بديل للزواج كنظام اجتماعي تعترف به كافة المجتمعات، وجميع بدائله من علاقات غير شرعية ومحرّمة تظل عابرة ولا تؤسس لمجتمع صحي.

 

  • التوصيات
  • أن يشارك في وضع اللائحة التنفيذية لنظام الأحوال الشخصية الجديد، فريق من المتخصصين في القانون والشريعة وعلم الاجتماع وعلم النفس. وذلك بهدف الشمولية والتكامل في مواد اللائحة وبما يخدم احتياجات الأطراف المختلفة؛ الرجل والمرأة والطفل.
  • أن تعمل وزارة العدل على وضع نماذج ومعايير حوكمة فعالة لأقسام الصلح، وذلك بهدف تحقيق المصالحة وتقريب وجهات النظر بأسلوب فعال بعيدا عن العمل الروتيني.
  • التنسيق والتكامل مع وزارة الإعلام في العمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي بالنظام الجديد ولائحته التنفيذية، من خلال نشر المعرفة والتدريب بين أفراد المجتمع، من قضاة وقانونيين وأرباب الأسر وأخصائيين اجتماعيين وغيرهم.
  • اتخاذ التدابير اللازمة ووضع معايير فعالة لتحصين الأسرة والعمل على تماسكها واستقرار العلاقات بين أفرادها في ظل التغيرات المتوقعة بعد تطبيق النظام الجديد.
  • العمل على ضمان حق الزوج والزوجة والأبناء واستقرار حياتهم بعد الطلاق، من خلال تفعيل التوثيق لممتلكات الأسرة بالعدل بينهم.
  • إعداد الدراسات التربوية والاجتماعية والقانونية التي تضمن اضطلاع الأسرة بدورها المجتمعي المنشود، واقتراح الحلول الكفيلة بتخفيف المشكلات التي تواجهها.
  • تكريس وتعزيز القيم السامية للزواج، وأنه مشروع الحياة للرجل والمرأة.
  • تفعيل الحماية والحقوق الأسرية وفق نظام الأحوال الشخصية للحد من تعدد القضايا في محاكم الأحوال الشخصية.

 

  • المصادر والمراجع
  • نظام الأحوال الشخصية، أم القرى، 18 مارس 2022م، متاح على الرابط الإلكتروني: https://uqn.gov.sa/?p=11442
  • مروج محرق: نظام الأحوال الشخصية يضبط السلطة التقديرية للقضاء، 17 مارس 2022م، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.alwatan.com.sa/article/1102952
  • نظام الأحوال الشخصية، 18 مارس 2022م، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/1544386
  • نظام “الأحوال الشخصية” الجديد في السعودية… ما أهم المكاسب التي يحملها للمرأة؟، 25 يناير 2021م، متاح على الموقع الإلكتروني: https://arabic.sputniknews.com
  • نجود سجدي: أي حقوق تضمن أول نظام للأحوال الشخصية في السعودية؟، 12 مارس 2022م، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.independentarabia.com/node/310851
  • أبرز مضامين نظام الأحوال الشخصية الجديد في السعودية في ما يتعلق بالمرأة والأسرة، متاح على الموقع الإلكتروني: https://jamalouki.net
  • عبدالله العنزي: إطلاق “الأحوال الشخصية” تزامنًا مع اليوم العالمي جسَّد عناية السعودية وقيادتها بالمرأة وشؤونها،9 مارس 2022م، متاح على الموقع الإلكتروني: https://sabq.org/saudia
  • أحمد ياسين: تفاصيل قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي يمنح حقوق جديدة للمرأة السعودية، 9 مارس 2022م، متاح على الموقع الإلكتروني: https://www.ngmisr.com
  • تفاصيل نظام الأحوال الشخصية السعودي الجديد، 10 مارس 2022م، متاح على الموقع الإلكتروني: https://www.marefaah.com
  • نوران بديع: السعودية تقر نظاماً جديداً للأحوال الشخصية.. هذه أبرز مضامينه، 9 مارس 2022م، متاح على الموقع الإلكتروني: https://www.hafryat.com

 

 

  • المشاركون.
  • الورقة الرئيسة: أ. أحمد المحيميد
  • التعقيب الأول: د. خالد الرديعان
  • التعقيب الثاني: د. الجازي الشبيكي
  • إدارة الحوار: د. هند الخليفة
  • المشاركون بالحوار والمناقشة:
  • د. زياد الدريس
  • د. فوزية البكر
  • د. وفاء طيبة
  • أ. محمد الدندني
  • م. سالم المري
  • د. محمد الثقفي
  • أ. فهد الأحمري
  • أ. عاصم العيسى
  • أ. لاحم الناصر
  • أ. منى أبو سليمان
  • د. عبدالإله الصالح
  • د. عبدالرحمن العريني
  • م. إبراهيم ناظر
  • أ. فائزة العجروش
  • د. حميد الشايجي
  • د. مها العيدان
  • أ.د. مها المنيف
  • د. فهد اليحيا
  • د. عفاف الأنسي
  • د. فايزة الحربي
  • د. ناصر القعود
  • د. صالحة آل شويل

* محامٍ ومستشار قانوني.

تحميل المرفقات

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com الحلول الواقعية شركة برمجة في الرياض www.rs4it.sa