قضية الأسبوع: الاقتصاد الرقمي

الورقة الرئيسة: الاقتصاد الرقمي

الورقة الرئيسة: د.رجا المرزوقي.
المعقبان:
د.احسان ابو حليقة
م.عبدالله الرخيص

مدير الحوار:
ا. علاء براده

 

مقدمة

يعيش العالم في عصر التحول الرقمي، فالتقنيات الرقمية والبيانات التي تنتجها و الروابط (Connections) التي تمكن الافراد من التواصل,غيرت بشكل جوهري الطريقة التي نعيش بها ونتعلم ونعمل ونخطط ونفكر ونلعب مما أثر في اتخاذ القرارات.

إن التغيرات المتسارعة في عالم التكنولوجيا لا تزيد فقط من المخاطر وتهدد نماذج الأعمال القائمة ولكن أيضًا تخلق فرصًا جديدة في جميع المستويات سواء في الحكومة، والأعمال التجارية والتنمية الاجتماعية. هذه التغيرات المتسارعة وأثارها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية تحتم على صانعي السياسات في الدول والمنظمات الدولية تصميم السياسات المناسبة للاستفادة من التحول الرقمي وتفادي اثاره السلبية على الاقتصاد والمجتمع. حيث أدت هذه التحولات المتسارعة للتقنيات الرقمية للتأثير على معطيات الاقتصاد مما شكل عوامل أثرت على متغيرات الاقتصاد التقليدي وبروز مصطلح الاقتصاد الجديد أو الاقتصاد الرقمي.

حيث يعرف الاسكوا الاقتصاد الرقمي او الاقتصاد الجديد بالاقتصاد القائم على التقنيات الرقمية وتحولاتها المتسارعة ويرتكز على عدة مكونات، منها البنية التحتية التقنية، والأجهزة، والبرمجيات، والشبكات، بالإضافة إلى الآليات الرقمية التي تتم من خلالها الأعمال التجارية والاقتصادية، ومنها التجارة الإلكترونية، والمعاملات الإلكترونية التي تتم بالكامل على شبكة الإنترنت (الاسكوا، 2017). كما عرفها صندوق النقد الدولي (IMF, 2018) بأن الرقمة تشمل مجموعة واسعة من التطبيقات الجديدة للمعلومات والتكنولوجيا في نماذج الأعمال والمنتجات التي تغير العلاقات التفاعلية في الاقتصاد والمجتمع. والرقمنة هي عامل تمكين وكذلك عامل معطل (disruptor)للنماذج التقليدية.

تشير المعلومات الأولية المتاحة إلى أن القطاع الرقمي عالميا لا يزال أقل من 10 في المائة في معظم الاقتصادات إذا تم قياسها من خلال القيمة المضافة أو الدخل أو العمالة (IMF, 2018). لقد تغلغلت الرقمنة واستخدام التقنية الرقمية في العديد من الأنشطة الاقتصادية ان لم تكن جميعا بنسب متفاوتة وأصبحت جزء من بيئة الاعمال تقريبا في  كل القطاعات.  ولذا من الأهمية أن نفرق بين الاقتصاد الرقمي  (digital economy) والذي يعني استخدام التقنية الرقمية والتي أساسها الانترنت في جميع قطاعات الاقتصاد، وهذا ما سيتم التركيز عليه في هذه الورقة، وفي المقابل فان القطاع الرقمي (digital sector) يشير لقطاع اقتصادي محدد من ضمن القطاعات الاقتصادية. ولازال قياس الاقتصاد الرقمي يعاني من بعض

المشاكل وعدم الاتفاق على ألية واضحة لقياسه والبيانات المطلوبة والية قياسها ولازالت الجهود من المنظمات الدولية مستمرة للاتفاق على المتغيرات ذات العلاقة للقياس.

ولقد سرعت أزمة كورونا19 من رقمنة الاقتصاد حيث اضطرت العديد من الشركات إلى إعادة تنظيم قنوات الإنتاج والتوزيع الخاصة بها استجابة للقيود المتعلقة بـ كورونا (حظر التجول والإغلاق…الخ)، كما زادت الشركات من استثماراتها في تكنولوجيا المعلومات لتسهيل مكالمات الفيديو أو العمل عن بُعد أو الطلبات والمدفوعات عبر الإنترنت. وازدهرت الشركات الرقمية الجديدة مثل Zoom مع الوباء. كما ساهمت الازمة من سرعة التعلم لاستخدام بعض أدوات الاقتصاد الرقمي مثل العمل عن بعد والاجتماعات عن بعد مما قلل الحاجة للمكاتب كما زاد الطلب على التجهيزات ذات العلاقة بالعمل من المنزل. ان التحولات الرقمية أصبحت جزء من الواقع ولا رجعة فيها.

تلعب رقمنة الاقتصاد الوطني دورًا مهمًا في اندماج الاقتصاد الوطني بالاقتصاد العالمي وتعظيم الفائدة من التغيرات الجديدة لصالح الاقتصاد الوطني، بل ان الاقتصاد الذي لا يوفر متطلبات الاقتصاد الرقمي سينمو بمعدل أقل عن امكانياته مما يؤثر سلبا على الرفاه الاقتصادي للمواطنين. في الاقتصاد الرقمي فان الشبكات الرقمية والبنية التحتية للاتصالات تمثل شروط ضرورية للتحول الرقمي . وفي تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021 الصادر من  UNCTAD أشار للتداعيات التنموية وتأثيرها على السياسات الحكومية من  تدفقات البيانات الرقمية عبر الحدود. حيث تعتبر هذه البيانات أساسية لجميع التقنيات الرقمية سريعة التطور ، مثل تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي (AI) و سلسلة الكتل ( blockchain ) وإنترنت الأشياء (IoT) والحوسبة السحابية وغيرها من الخدمات المعتمدة على الإنترنت، حيث أن توسيع تدفقات البيانات مهم لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة تقريبًا. ولكن تعاني الحكومات من كيفية التعامل مع هذه التغيرات المتسارعة وماهي أفضل السياسات التي يجب تبنيها مما شكل تحدي حقيقي لواضعي السياسات الحكومية. ان الخيارات التي سيتم تبنيها على المستوى الدولي أو المحلي سيتجاوز تأثيرها التجارة والابتكار والتقدم الاقتصادي، ولكن أيضًا عليها أن تأخذ بالاعتبار مجموعة من القضايا المتعلقة بتوزيع المكاسب الاقتصادية من الرقمنة وحقوق الإنسان والامن الوطني.

 

واقع الاقتصاد الرقمي عالميا

غالب التقارير الصادرة من المنظمات الدولية أشارت لصعوبة قياس حركة البيانات والاتفاق على منهجية واحدة عالميا.  ولكن بغض النظر عن الطريقة المستخدمة والمعلومات المتوفرة فتقريبا يتفقون أن اتجاه  نمو الاقتصاد الرقمي مرتفع بشكل حاد. تشير توقعات الينكتاد (UNCTAD, 2021) إلى أن حركة بروتوكول الإنترنت العالمية (IP) في عام 2022 – محليًا ودوليًا تجاوزت كل حركة المرور على الإنترنت حتى عام 2016. وتقدر المنظمة في تقريرها ان لوباء كورونا COVID-19 تأثير كبير على حركة المرور على الإنترنت، نظرًا للاحترازات التي اتبعتها الدول للحد من انتشار الوباء مما حول كثير من الأنشطة للاعتماد على الإنترنت. أدى ذلك لارتفع عرض النطاق الترددي العالمي للإنترنت بنسبة 35 في المائة في عام 2020 ، وهي أكبر زيادة لمدة عام واحد منذ عام 2013. وتشير التقديرات إلى حوالي 80 في المائة من إجمالي حركة المرور على الإنترنت تتعلق بمقاطع الفيديو والشبكات الاجتماعية والألعاب. بينما الحركة الشهرية للبيانات من المتوقع أن ترتفع من 230 إكسابايت (exabytes) عام 2020 إلى 780 إكسابايت بحلول عام 2026، بنمو متوسط سنوي 23%.

ولصعوبة قياس تدفقات البيانات عبر الحدود، فأن المقياس الأكثر استخداما هو إجمالي السعة المستخدمة لعرض نطاق الإنترنت الدولي. ولكن تكمن المشكلة في ان قياس تدفقات البيانات لا تُظهر اتجاه البيانات ولا عن جودة البيانات. تشير المعلومات المتوفرة أيضًا إلى تسارع استخدام النطاق الترددي الدولي خلال الجائحة وتتركز جغرافيًا في طريقين رئيسيين الأول بين أمريكا الشمالية وأوروبا ، والثاني بين أمريكا الشمالية وآسيا.

يتضح من الشكل البياني (1) أن استخدامات الانترنت في الدول المتقدمة اقتصاديا تتجاوز الضعف مقارنة بالدول الأخرى. كما يتباين استخدامات الافراد للانترنت، فبينما 80 % من مستخدمي الإنترنت في بعض البلدان الأوروبية يتسوقون عبر الإنترنت بالمقابل لا تكاد تتجاوز هذه النسبة في الدول الأقل نموا 10 %. تعتمد تطورات التجارة الإلكترونية بشكل كبير على قدرة الدول فنيا من حيث البنية التحتية ذات العلاقة ومستوى التعليم ووسائل النقل والتشريعات لتأو استعداده للانخراط في الاقتصاد الرقمي والاستفادة منه.

Figure 1: Internet use, global, by level of development and by region, selected years

كان لوباء كورونا تأثير كبير على استخدام الإنترنت والتحول الرقمي فمعظم الأنشطة حولت جزء من عملها ان لم يكن غالبه على الإنترنت. حيث ارتفع استخدام النطاق الترددي للإنترنت على الصعيد العالمي بنسبة 35 % في عام 2020 هذايمثل أكبر زيادة لمدة عام واحد منذ عام 2013. على الرغم من هذه الزيادات والتوسع السريع الا ان الانترنت أثبت مرونة ملحوظة في التعامل مع التغييرات المرتبطة بالوباء. وقد أدى الطلب المتسارع الى أن العديد من مشغلي الشبكات سرعوا من خطط التوسع لديهم للتعامل مع الطلب. فالواقع الذي خلقته الازمة من التحول السريع للاقتصاد الرقمي سوف يستمر وبشكل متسارع ولا رجعة فيه

 

التغيرات الهيكلية في العلاقات الاقتصادية

أدى نمو الاقتصاد الرقمي الى تحولات هيكلية في جانبي العرض والطلب في الاقتصاد وكفاءة  الإنتاج للمنشأت بالإضافة لاضعاف قدرات الحكومات للسيطرة على الحدود وتدفق الخدمات والمعلومات والسلع. هذه التغيرات أثرت على الإنتاجية الكلية للاقتصاد وتنافسيته مقارنة ببقية دول العالم. ويعتمد حجم الاثار الاقتصادية على نسبة نمو قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات  (ICT) وممكناته في الاقتصاد مما يسهل على القطاعات الاقتصادية وكذلك المستهلكين استخدامها في جميع جوانب الحياة.

ففي جانب الاستهلاك ) الطلب) سواء لقطاع الاعمال، الحكومات، القطاع العائلي ساعد الاقتصاد الرقمي وتوفر البيانات وسهولة الوصول لها لتقليل احتكار المعلومات من قبل المنتجين (Asymmetric information)  عن منتجاتهم وجودتها مقارنة بالمنافسين بالإضافة لسهولة مقارنة الأسعار في مصادر البيع المختلفة سواء على المستوى المحلي أو العالمي بدون تكاليف تذكر سواء ماديا أو وقتيا. حيث أن عدم تناسق المعلومات سبب رئيسي لإخفاقات السوق لأنه يؤثر على كيفية تقييم الأفراد لجودة السلع والخدمات المتاحة في السوق (Akerlof 1970) بالاضافة لتوقعات نوايا الافراد ووكلائهم (Spence 1976). عندما يكون الأفراد غير قادرين على تقييم جودة السلع والخدمات فإن السوق يفشل في الوصول لأسعار توازنية ويؤثر على كفاءة المعاملات (Stiglitz 2000). وفي عصر الرقمنة فأن إمكانية الافراد للوصول للمعلومات عن السلعة  والخدمة متوفر بكثرة , فتجارب المستهلكين للسلعة أو الخدمة وتوفرها وسهولة الحصول عليها أدى لرفع مستوى الوعي للمستهلك تجاهها وقدرته على مقارنة الأسعار والجودة. انعكس ذلك على تنافسية المنتجين ومقدمي الخدمة لرفع جودة المنتج وتخفيض الأسعار.

أما في جانب العرض، فقد أدت التغيرات التقنية المتاحة وسهولة استخدامها لتقديم الخدمات والسلع من قبل القطاع العائلي والذي كان سابقا جزء من الطلب فقط ليشارك المنتجين تقديم الخدمة بما يسمى الاقتصاد التشاركي (Sharing economy) . والاقتصاد التشاركي (من مستهلك لمستهلك ) ليس بجديد حيث كانت تتم بعض العمليات الاقتصادية بهذا النموذج، ولكن الجديد هو الان استخدام التقنية كوسيط بينهما مما ساعد في توسيع المشاركة بشكل كبير. انعكس ذلك على زيادة التنافسية والتأثير على الهامش الربحي للمنتجين وتحسن الدخل المتاح للافراد من خلال الاستفادة من الأصول التي يملكونها بإتاحتها للاستخدام وتحقيق عوائد مالية متاحة للاستهلاك أو الاستثمار. في الغالب  فان أسعار مقدمي الخدمة في الاقتصاد التشاركي أقل لنفس الخدمة من مقدمي الخدمات التقليديين. كما يمكن لمقدمي الخدمة في الاقتصاد التشاركي الاختيار من بين مجموعة متنوعة من الطلبات أو ما يعرف بآليات التخصيص. في دراسة جودا وسوبرامانيان (H. Guda and U. Subramanian, 2017) ذكر دور وفعالية نوعين من الاستراتيجيات تستخدمهما المنصات حسب الطلب في إدارة العرض والطلب المتغيرين بسبب ظروف العرض أو تقلبات الطلب، وهي الاولى مشاركة معلومات السوق مع الموردين والثانية التسعير المفاجئ لحل المشكلة الأساسية لـموازنة العرض والطلب بشكل ديناميكي. والمشاركة تشمل المشاركة في الاقتصاد التشاركي مدفوعًا بمجموعة متنوعة من الدوافع ، بما في ذلك الاهتمام بـالاحتياجات الطبيعية للآخرين ، والتوجه الثقافي ، والسلوك الاجتماعي الإيجابي ، والإيثار ، والمعاملة بالمثل ، والانتماء ، والمتعة ، والإنجاز ، والاتساق الاجتماعي ، والجماعية ، والتطبيق العملي وربط الأشياء. كل هذه المتغيرات ساهمت في نمو وتصاعد الاقتصاد التشاركي وقدرته على أخذ جزء من سوق مقدمي الخدمة التقليديين والذي تتوقع (PWC,2015)  لبعض القطاعات الاقتصادية مثل الإقامة و السيارات وغيرها أن تصل في عام 2025 لحدود 50% من الخدمات في هذه القطاعات يتم تقديمها من خلال المشاركة .

تقلل رقمنة الاقتصاد من تكاليف الإنتاج والخدمات للنشاط الاقتصادي.  فعلى سبيل المثال، فان تكاليف البحث وتكاليف النقل وتكاليف التتبع وتكاليف التحقق باستخدام التقنيات الرقمية أقل بكثير من الطرق التقليدية (Goldfarb and Tucker 2019). هذه المكاسب المتحققة من رقمنة الاقتصاد لا يتم توزيعها بكفاءة وعدالة بين الشركات والمستهلكين. حيث أصبحت شركات مثل Google و Apple و Facebook و Amazon (ما يسمى GAFA) مستحوذة على غالب الفوائد المتحصلة من التحول الرقمي للأسواق من خلال الاستفادة من اقتصاديات الحجم. فهذه الشركات تفوقت في أدائها على الشركات الصغيرة والكبيرة على حد سواء مما أثر على تنافسية الأسواق سواء على المستوى المحلي أو الدولي. وللأسف فان الأدوات الاقتصادية التي تستخدمها هيئات المنافسة ومنع الاحتكار في الدول المتقدمة غير كافية  سياسة المنافسة الرقمية. وبالتالي فإن هيمنة GAFA على السوق تتحدى سلطات مكافحة الاحتكار من حيث كيفية التعامل مع عمليات الاستحواذ للشركات الرقمية  سواء المنافسة أو المكملة  لها والممارسات الغير عادلة للبائعين المستضافين في مواقعهم ، وكذلك الاتفاقيات الحصرية والبنود الملزمة التي تفرضها شركات مثل Google ، Apple و Booking.com على شركائها.

حاولت المفوضية الأوروبية مؤخرًا اقتراح إطارًا تنظيميًا جديدًا يستهدف المنصات أو “حراس البوابة”. بموجب هذا الإطار ، يمكن أن يخضع حراس البوابة لمزيد من الالتزامات الصارمة والتعديلات السلوكية والهيكلية. ولكن تكمن المشكلة في ان تحقيق تنظيم للاقتصاد الرقمي بشكل دقيق يحقق شروط المنافسة ويحمي خصوصية المستهلك من دون إعاقة الابتكار يعد أمرًا صعبًا إن لم يكن مستحيلًا. الشرط الأساسي لأي تنظيم هو نظرة شاملة لتأثيرات الرقمنة على هيكل السوق ، وشدة المنافسة ، ورفاهية المستهلك. يمكن أن يكون تحقيق مثل هذا التقييم الشامل معقدًا ويمكن أن يكون له نتائج غامضة. قد تحفز التقنيات الرقمية الابتكار وتزيد الإنتاجية وكذلك تحسن كفاءة السوق ولكن في المقابل قد تؤدي إلى زيادة تركيز السوق وزيادة الحواجز أمام الدخول والتي قد تكون ضارة بالمستهلكين بالذات في الاجل الطويل. كما أن للانتشار الواسع للإنترنت نتائج اجتماعية وسياسية.

فالسمة الرئيسية للرقمنة هي انخفاض تكاليف جمع البيانات وتخزينها، والقدرة على تحليلات الأعمال التي تسمح باسترجاع وتحليل كميات غير مسبوقة من البيانات (Acquisti et al., 2016). تبحث مجموعة كبيرة من الدراسات التسويقية والتنظيمية الصناعية في كيف يمكن لاستغلال البيانات الضخمة والشخصية أن يقود لنماذج أعمال جديدة وخدمات مبتكرة. ولمكافحة الاحتكار وتشجيع التنافسية، فمن المهم التركيز على اقتصاديات الخصوصية وتوفر البيانات. ففي العديد من الأسواق، يتم تقديم الخدمات مقابل البيانات مع عدم وجود مدفوعات بين المستهلكين والشركات وهذا يشكل تحديًا كبيرًا لسياسة المنافسة التي تستخدم الأسعار لتحديد الأسواق ذات الصلة. بالإضافة إلى ذلك، أكدت بعض عمليات الاندماج الأخيرة أن مشاركة البيانات وتحقيق الدخل منها يمكن أن يكون دافعًا قويًا لعمليات الاندماج والاستحواذ.

كما أن الاقتصاد الرقمي يتميز بالاستخدام المتزايد للخوارزميات لمعالجة الكميات الضخمة من البيانات. يتم تعريف الخوارزميات على أنها تقنية للأغراض العامة يمكن تطبيقها على أي قطاع وأي مجال ويمكن أن تولد عوائد قياسية متزايدة (Agarwal et al., 2016 ). تُستخدم خوارزميات التعلم الآلي للحصول على رؤى من تحليل البيانات الضخمة لتقديم المشورة الإدارية والاستراتيجية للشركات، وتوصيات السياسة للمنظمين وصانعي السياسات (فاريان 2014). تسمح الخوارزميات للشركات باستغلال كميات كبيرة جدًا من البيانات في الوقت الفعلي، ويمكن استخدامها لتعيين التسعير المتغير مثل حالة أوبر، وتقديم توصيات المنتج كما هو في أمازون وتقديم إعلانات مخصصة مثل سناب شات وفيس بوك. حيث تساعد الشركات على توقع طلب المستهلك من أجل تخصيص المنتجات والأنشطة بشكل أفضل ودقيق في سوق أكثر دقة وتجزئة. زيادة استخدام الخوارزميات في الاقتصاد بلا شك تنامى بشكل كبير في الآونة الأخيرة وساهم في استهداف الفئات ذات العلاقة للمنتجين ومقدمي الخدمة.

 

قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية

  1. مؤشر جاهزية الشبكة

حسب مؤشر جاهزية الشبكة 2021م (Network Readiness Index, 2021) فقد حصلت المملكة على المرتبة 40 من بين 130 دولة،علما بان ترتيب المملكة كان 32  في عام 2014 في نفس المؤشر (WEF, 2014). ويقيس هذا المؤشر أربع متغيرات ذات علاقة بتقنية المعلومات والبنية التحتية، وهذه المتغيرات هي: التقنية، الافراد، الحوكمة والتنظيم، والأثر. وبمقارنة المملكة مع مجموعة الدول المتقدمة حصلت المملكة على المرتبة 38، فان وضع المملكة يأتي أقل من متوسط المجموعة في المتغيرات الأربع. وبمقارنة المؤشر مع الدخل الفردي حسب القوة الشرائية التعادلية يأتي وضع المملكة تحت خط الانحدار

رسم بياني مؤشر جاهزية الشبكة والدخل الفردي بمقياس القوة الشرائية التعادلية

المصدر: Network Readiness Index, 2021

 

  1. مؤشر الابتكار العالمي

الابتكار يعتبر من العوامل المؤثرة للتحول للاقتصاد الرقمي للعلاقة الطردية بينهما  وذلك  من خلال تأثير الابتكار على القطاعات الاقتصادية للتحول للاقتصاد الرقمي والذي يشكل الابتكار حجر الزاوية لها. وبالنظر لمؤشر الابتكار العالمي الصادر 2021 (Global Innovation Index, 2021)  والذي يهدف إلى دراسة الجوانب متعددة الأبعاد للابتكار، فقد احتلت المملكة المرتبة 66 بين 132 دولة. يصنف مؤشر الابتكار العالمي (GII) اقتصادات العالم وفقًا لقدراتها الابتكارية حيث يتألف مؤشر الابتكار العالمي من 80 مؤشرًا ذات علاقة لمدخلات ومخرجات الابتكار. ومن بين مجموعة الدول مرتفعة الدخل 51 حصلت المملكة على المرتبة 44. تعتبر هذه المراتب منخفضة مقارنة بإمكانيات المملكة والتي قد تستدعي أهمية دراسة الأسباب التي أدت لهذه النتائج المنخفضة وتحسينها لما لها من ارتباط وثيق بالاقتصاد الرقمي، والذي كما أسلفنا سيؤثر على تنافسية الدول وقدرتها على النمو.

  1. التنافسية الرقمية

وفي تقرير التنافسية الرقمية الصادر عن IMD  فقد حصلت المملكة على المرتبة 36 بين تقريبا 64 دولة. وأشار تقرير IMD, 2021 الى ان الدول التي حققت نتائج متقدمة في مؤشر التنافسية الرقمية وأداء أفضل ولديها الجاهزية للمستقبل هي الدول التي تتسم بالمرونة على مستوى الافراد و الشركات لدمج تقنيات تكنولوجيا المعلومات في ممارساتها اليومية. بالإضافة إلى ذلك ، تتميز الاقتصادات الرائدة بأداء قوي في التدريب والتعليم. كما تتمتع تلك الاقتصادات التي تقود الطريق بالقدرة على تخصيص رأس المال للتطوير والتدريب للتقنيات الجديدة.

  1. الاقتصاد الرقمي السعودي

لصعوبة قياس الاقتصاد الرقمي للاقتصاد السعودي خاصة والاقتصادات الأخرى بصورة عامة كما اسلفت، فاننا سنعتمد على قياس قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات علما بأن البيانات لهذا القطاع مدمجة في حسابات الناتج المحلي الإجمالي مع قطاع النقل والتخزين. ولكن في أفضل التقديرات فان تقريبا 50% من القطاع يعود لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات. وبتحليل بيانات القطاع نلاحظ انها تتراوح بين 4 الى 7% من اجمالي الناتج المحلي الإجمالي والذي تقريبا نصفها هو ما يخص قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات مما يجعل مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لايتجاوز تقريبا 3.5% في أفضل احواله. ونظرا لأهمية هذا القطاع لتمكين الاقتصاد الرقمي وتحول الاقتصاد، فان مساهمته في الاقتصاد المحلي لازالت منخفضة حيث تمثل هذه النسبة في دول مثل كوريا الجنوبية وبعض الدول المتقدمة اقتصاديا في حدود 10%.  فالبنية التحتية الرقمية والصناعة الرقمية والتكامل الرقمي جميعها لها تأثيرات إيجابية كبيرة على الإنتاجية الكلية (Zahong, et al. 2021) وتحول الاقتصاد للاقتصاد الرقمي لتحقيق التنمية المستدامة في عالم متغير.

وعلى الرغم من ارتفاع الانفاق الحكومي على القطاع خلال العشر سنوات الماضية وكذلك الاستثمارات كما أشارت لها دراسة منتدى الرياض 2015 الا أن أدى المؤشرات الدولية المشار لها أعلاه تبين ضعف تنافسية قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات مقارنة بالدول المتقدمة اقتصاديا والدول الصاعدة. وتبرز الحاجة لوضع استراتيجية شاملة للاقتصاد الرقمي بكل متغيراته التنظيمية والفنية وممكناته تأخذ في الاعتبار المتغيرات الدولية والانفتاح الاقتصادي الناتج عن تصاعد نمو الاقتصاد الرقمي بشكل غير متوازن عالميا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.