الورقة الرئيسة: السعودية وافريقيا: مقومات الشراكة ومكاسبها

 

₋     د. السيد ولد أباه: كاتب الورقة

₋     د. صدقة فاضل: معقب على الورقة

₋     د. عبدالرحمن الهدلق: معقب على الورقة

₋     م. أسامة الكردي: مدير الحوار

يمكن أن نجمل مرتكزات الأمن الاستراتيجي السعودي في ثلاث محاور هي : مجال البحر الأحمر في امتداداته الواسعة على القرن الإفريقي وخليج عدن وإقليم واد النيل، والمجال الخليجي بإطلالته على إيران و المحيط الهندي ،والمجال الشرق أوسطي عبر البوابة الأردنية وارتباطاتها ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي .

فالسعودية من هذه المنظور هي من ” البلدان – المحاور ” pivot state التي لا يمكن أن تؤمن مصالحها الحيوية وأمنها القومي في حدود مجالها الوطني الضيق ،بل لا بد لها من بناء سياسات وإقامة تحالفات إقليمية ضمن منظومة استراتيجية موسعة تحمي مصالحها الحيوية .

في هذا السياق، تبرز الأهمية الجيوسياسية لأفريقيا لارتباط أمن ومصالح السعودية الأساسية بثلاث أقاليم حيوية متداخلة هي البحر الأحمر والقرن الإفريقي والمجال النيلي.

واذا كان مجال البحر الأحمر يتجاوز الإطار الإفريقي ( لانتماء بلدين عربيين غير افريقيين لهذا الفضاء هما اليمن والأردن ) الا ان مفاتيحه ومداخله الأساسية توجد في القرن الافريقي الذي هو المنفذ الحيوي لأمن شبه الجزيرة العربية وغرب المملكة .كما أن هذا المجال مفتوح عبر البوابتين المصرية السودانية على منظومة الدول المطلة على النيل التي تضم عددا من أهم بلدان شرق افريقيا والبحيرات الكبرى .

ومن هنا تتحدد مقومات الشراكة الاستراتيجية المطلوبة مع البلدان الأفريقية المنتمية لهذه الدوائر المتداخلة من خلال أربع محددات أساسية هي :

– وضع قواعد ثابتة لضبط الشراكة السعودية مع البلدان المطلة على البحر الأحمر، بتعزيز وتفعيل ائتلاف الدول الثمان المشاطئة للبحر الأحمر الذي كان مبادرة سعودية هامة . يقتضي هذا التفعيل دمج إثيوبيا في هذا الائتلاف باعتبارها وان كانت غير مطلة على البحر الأحمر إلا أنها القلب المركزي لهذا الإقليم، وكل إقصاء لها سيؤدي إلى فشل المشروع .

– توطيد الحضور العسكري والأمني السعودي في محاور التشابك الاستراتيجي بين افريقيا وشبه الجزيرة العربية ،بما يعني تدعيم الدور السعودي في خليج عدن وباب المندب عن طريق الاستثمار الاقتصادي والحضور العسكري الدائم في جيبوتي وجزر المحيط الهندي في شرق افريقيا.

– العمل على إعادة تأهيل السودان اقتصاديا واستراتيجيا لأداء دور الجسر الحيوي بين السعودية وبلدان وسط وشرق افريقيا وصولا إلى الساحل الإفريقي باعتبار حدود السودان المفتوحة على خمس دول افريقية غير عربية وهي دول رئيسية ولها تأثير كبير في القارة .

– انضمام السعودية ولو كمراقب للاتحاد الإفريقي باعتبار ارتباطاتها المحورية بافريقيا وباعتبار اهمية العنصر الإفريقي في تركيبتها البشرية ( بصفة خاصة في الحجاز ) .ان هذا الانضمام سيسمح للسعودية بأداء دورها الاستراتيجي الكامل من داخل المؤسسات الإقليمية الإفريقية والاستفادة من مكاسب السوق الإفريقية المشتركة في مرحلة اشتد صراع الاستقطاب الدولي على افريقيا بين القوى الدولية القديمة والصاعدة( الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند وتركيا ).

وبالإضافة إلى هذا المجال الحيوي في شرق افريقيا والقرن الإفريقي، يمكن للمصالح السعودية الحيوية أن تمتد إلى إقليمين محوريين في القارة هما : الحزام النفطي الإفريقي، والساحل الإفريقي.

أما الحزام النفطي فيتشكل أساسا من بلدان خليج غينيا جنوب غرب القارة واهم بلدانه هي نيجريا والكاميرون والغابون وغينيا الاستوائية وساحل العاج والكونغو والكونغو الديمقراطية وأنغولا . يتعلق الأمر هنا بأهم الدول الإفريقية المصدرة للنفط ،وهي بلدان ذات موارد واسعة وإمكانات مالية ضخمة ،ولا يزال عدد منها في طور البناء المؤسسي والتوسع التنموي ،ويمكن أن توفر فرصا مربحة لاستراتيجية الاستثمار السعودي في ديناميكيتها التوسعية الجديدة .

أما بلدان الساحل الإفريقي فهي عموما دول غرب افريقيا المسلمة التي هي مجال حيوي ثقافي وحضاري وديني للمملكة ،وهي اليوم إحدى الجبهات الرئيسية لمحاربة الإرهاب والتطرف الديني .يمكن للسعودية أن تمارس دورها الاستراتيجي القوي في هذه المنطقة الحيوية من خلال الشراكة مع بلدان المغرب العربي المتداخلة مع هذا المجال وبصفة خاصة موريتانيا وليبيا و الجزائر والمغرب ،مع دعم مجموعة دول الخمس الساحلية في استراتيجياتها لمحاربة الإرهاب و الراديكالية العنيفة.

يتعين التنبيه هنا أن الساحة الإفريقية تشكل بالنسبة للسعودية وشركائها في محور الاعتدال العربي مسرحا رئيسيا للصراع الإقليمي المحتدم مع ايران وتركيا .

أما ايران فقد عززت اختراقها للبلدان الإفريقية من خلال ثلاث آليات أساسية هي : سياسة التشييع المأدلج عن طريق الجاليات اللبنانية ذات الحضور القديم الكثيف في كثير في من البلدان الأفريقية يبدو هذا الدور جليا في نيجريا والسنغال وغينيا، الدعم العسكري للانظمة من خلال صفقات السلاح السرية والتكوين المليشياتي عير المعلن ( كينيا ،اوغندا،جنوب السودان. …) ، الشراكة التجارية والنفطية( جنوب افريقيا ونيجيريا وغينيا ..). أن أخطر التحديات المطروحة على المصالح السعودية في هذا المجال هو الحرص الواضح على تطويق المؤسسات الدينية السعودية ومحاصرتها ونشر الإسلام الثوري المأدلج في البلدان الأفريقية المسلمة .

أما تركيا فقد تحولت في السنوات العشر الأخيرة الى شريك أساسي للدول الإفريقية من خلال استثماراتها الاقتصادية والتجارية الواسعة مع الاغلبية المطلقة من الدول الافريقية بالتركيز على الموانئ والمطارات ومشاريع البنية التحتية ،كما أنها عززت حضورها الديبلوماسي في القارة ( 42 سفارة في العواصم الإفريقية و28 زيارة رسمية للرئيس اوردغان منذ وصوله للسلطة )، وأصبح لها أهم شبكة تعليمية اجنبية في افريقيا ،كما ان الاستراتيجية التركية نفذت إلى الحقل الديني من خلال رعاية تركيا لمؤسسة جديدة لعلماء افريقيا .

ومن هنا يتعين على السعودية أن تعتمد استراتيجية طموحة وفاعلة لمواجهة الاختراق التركي والإيراني لأفريقيا الذي من أهم توجهاته محاصرة الدور السعودي في افريقيا وتقويض القوة الناعمة السعودية في القارة .

 

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com