الورقة الرئيسة: الطلاق في المجتمع السعودي

كاتبة الورقة: د. هناء المسلط

المعقبان: د. عبدالسلام الوايل ، د. مها العيدان

وتدير الحوار: د. عبير برهمين

 

الطلاق ليس موضوع جديد، فقد تم تناوله في دراسات وبحوث وأوراق علمية سابقة, وتم تسليط الضوء عليه كثيراً من قبل وسائل الإعلام ووسائل التواصل. ولكنه من المواضيع التي يتجدد الحوار والنقاش فيه بتجدد الحاجة إلى معرفة الحلول التي يمكن أن تخفف أو تحد منه, خاصة مع تزايد حالاته في ظل التغيرات  الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السريعة التي يشهدها المجتمع السعودي, والتي أثرت على نمط العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة.

سيتم من خلال هذه الورقة تسليط الضوء على آخر إحصائيات الطلاق في المجتمع السعودي, والعوامل التقليدية, والعوامل الحديثة المؤدية لحدوثه, وأبرز آثاره على أفراد الأسرة ( الزوجين والأبناء) وعلى المجتمع, ومن ثم أهم التوصيات التي قد تسهم في الحد منه.

مقدمة:

كما نعلم أن الطلاق من أخطر المشكلات الاجتماعية تهديداً للأسرة، وللبناء الاجتماعي وللمجتمع بأسره، فعلى الرغم من أن مشكلة الطلاق اجتماعية في المقام الأول إلا أنها تصبح الأساس المفجر للعديد من المشكلات النفسية ورغم فردية القرار فيها إلا أنها تعد مشكلة مجتمعية من حيث الآثار والانعكاسات.  وقد يتعرض الفرد إلى بعض المتغيرات، وقد تكون هذه المتغيرات اجتماعية، أو اقتصادية، أو نفسية أو غير ذلك من المتغيرات، وتختلف درجة الاستجابة ورد الفعل، وتؤثر هذه الاستجابات على العلاقات الزوجية، ومشاكلها المختلفة. غير أنه في ظل التطورات الحديثة لم تعد الأسباب التقليدية وحدها هي المسئولة عن الطلاق، حيث أثرت التقنية الحديثة من مشاهدة فضائيات، ومتابعة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفترات طويلة، وقد سهلت هذه الوسائل إقامة علاقات – افتراضية، أو حقيقية – خارج إطار الحياة الزوجية، وأدت إلى تراجع أدوار ووظائف الزوج/ الزوجة تجاه الأسرة. وتنشئة جيل يجهل البعض منه ماهية أدواره الاجتماعية ومهامه داخل الأسرة , وتراجع قدراته وعدم استطاعته تحمل المسؤولية كزوج او زوجة مما ينتج عنه مشكلات وخلافات لم يتم تشخيصها وعلاجها وقد تتراكم لتنفجر في لحظة ويكون نهايتها الطلاق. ورغم ذلك فقد يكون الطلاق  في بعض الأحيان حل لكثير من المشاكل التي يعاني الزوجان والأبناء منها, والتي يصعب التعايش معها أو حلها.

ارتفاع حالات الطلاق:

وفقا لبيانات السجلات الإدارية لوزارة العدل فقد بلغ إجمالي عقود الزواج لعام (2019م) 137.918 عقدا. وبلغ إجمالي صكوك الطلاق 51.125 صك.

بينما بلغ إجمالي عقود الزواج وفقا لنفس المصدر لعام (2020م)  150.117  عقدا وبذلك يكون مرتفعاً عن عام 2019 بنسبة 8.9 % وبلغ إجمالي صكوك الطلاق  57.59 صك, مرتفعاً عن عام 2019م بنسبة 12.7 %  إن تزايد حالات الطلاق يبعث على القلق، ولاسيما أنَّ للطلاق عواقب غير محمودة على المستويين الفردي والاجتماعي، إنَّ مبعث القلق نابع من حقيقة إنَّ تماسك المجتمع، وسلامته، وإمداده بأعضاء جدد يبدأ من عتبة الأسرة؛ فهي حجر الزاوية في البنية الاجتماعية، وهي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الكبير، وأنَّ الطلاق ومشكلات أخرى تعصف بأسرة اليوم تعد معاول هدم في جدار المجتمع، خاصة عندما يتعلق الأمر بضحايا الطلاق مثل: الأطفال.

العوامل التقليدية للطلاق في المجتمع السعودي:

أظهرت نتائج دراسة حديثة بعنوان: (واقع الطلاق في المجتمع السعودي ) عدة عوامل أدت لحدوث الطلاق لدى مفردات عينة الدراسة والتي بلغ حجمها (618مفردة) من كلا الجنسين في المجتمع السعودي,  من هذه النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن  تدخل أهل الزوج أو الزوجة كان سببا لحدوث الطلاق بين الزوجين, إضافة إلى  العوامل التقليدية: كالمشكلات المستمرة بين الزوجين, وإهمال أحد الزوجين لحقوق الاخر- سوء العشرة –  البرود العاطفي- ممارسة العنف ضد الزوجة – الخيانة الزوجية- عدم التكافؤ الثقافي أو الاجتماعي بين الزوجين – غياب الزوج لفترات طويلة – قلة دخل الزوج- محاولة سيطرة الزوج على أموال الزوجة- الفارق الكبير في العمر بين الزوجين- وجود زوجات أخريات في العصمة –  الغيرة الزائدة –  عدم الانجاب – الرغبة في إنجاب الذكور – بخل الزوج –  منع الزوجة من إكمال تعليمها تدخلات الأصدقاء – إدمان الزوج للمخدرات –  معاناة أحد الطرفين من أمراض نفسية أو اضطرابات سلوكية.

العوامل التقنية المؤدية للطلاق في المجتمع السعودي:

لعبت العوامل التقنية دوراً في حدوث مشكلات بين الزوجين نتيجة:

استخدام الانترنت لساعات طويلة والدخول في عالم افتراضي مما أدى لتقصير في الواجبات والحقوق الزوجية, والفتور العاطفي بين أفراد الأسرة الواحدة وانعدام الحوار المباشر بينهم, كما نتج عنه الهروب من تحمل المسؤولية في بعض الأحيان وإهمال تربية الأبناء والواجبات المنزلية, واكتساب سلوكيات تتنافى مع العادات والتقاليد- وزيادة متطلبات الزوجة نتيجة الإعلانات والعروض المغرية , والتأثير السلبي لمشاهير وسائل التواصل على أفراد الأسرة والدخول في مقارنة بين الواقع المعاش, والافتراضي, وتكوين علاقات عاطفية خارج الحياة الزوجية وهذا مما يؤثر على الحياة الاسرية وفتور العلاقات الزوجية وبالتالي يضعفها.

جائحة كورونا وارتفاع حالات الطلاق:

يرجع بعض الباحثين والمختصين ارتفاع حالات الطلاق في المجتمع السعودي لعام 2020م إلى المشكلات الأسرية التي ظهرت خلال حظر التجول بسبب جائحة كورونا, وتعددت هذه المشكلات بين خلافات أسرية, عنف اسري والتي أدت  إلى الطلاق بعد انتهاء فترة الحظر. كذلك التغير الاقتصادي الذي عانت منه بعض الأسر خلال الجائحة, وفقدان رب الاسرة لعمله مما نتج عنه البعض من حالات طلاق.

 

عوامل متعلقة بالتغير الاجتماعي والاقتصادي:

حاول الباحثون الربط بين التفكك الاجتماعي وبين عمليات التغير أو التحول أو التطور داخل المجتمع, على أساس أن التغير سيتبعه شيء من الاهتزاز في بعض ما هو موجود في المجتمع, مالم يكن هذه التغير محكوما ومضبوطاً, على اعتبار أن المجتمع مبني على أسس منظمة و متضمناً أدوات ووسائل الضبط الاجتماعي من أجال تماسكه وبقاء تنظيمه, وأي تغير في بنائه أو أحد مكونات بنائه سيؤدي إلى التفكك, ويتضمن التفكك الاجتماعي عدم كفاءة النسق الاجتماعي أو فشله في تحديد مراكز  الأفراد  وأدوارهم الاجتماعية المترابطة بشكل يؤدي إلى بلوغهم أهدافهم بصورة مرضية, إن عدم تحديد الأدوار الاجتماعية بكفاءة يؤدي إلى صراعات داخل الأسرة بين الزوجين وبالتالي يتفاقم الصراع لينتهي بالطلاق.

بالرجوع إلى بعض الحالات ومن خلال نتائج مقابلتهن اتضح أن نسبة منهن فضلن الطلاق, بعد تمكنهن من الحصول على عمل والاستقلال مادياً عن الزوج, ولم تعد الزوجة معتمدة على زوجها في أمور كثيرة خاصة مع وجود خلافات  سابقة بينهما بشكل متكرر يصعب حلها.

وكان من ضمن النتائج كذلك عدم تحمل المسؤولية من كلا الجنسين حديثي الزواج نتيجة جهل بطبيعة الدور الاجتماعي لكل منهما. ولعدم  الرغبة بالاستمرار بعلاقة   تحد من حريتهم وتعطي الحق للآخر بالتدخل بأدق التفاصيل اليومية والخاصة, وعدم الاعتراف بهذه  المشكلات ومواجهتها من قبل حديثي الزواج.

 

 

آثار الطلاق:

الطلاق مشكلة مركبة متعددة الجوانب، تقوّض الأسرة، وتؤدي إلى انهيارها بالكامل، ولا يمكن لأي إنسان أن يحمّل آثار الطلاق على الزوجة فحسب، بل كذلك على الزوج، وعلى الأبناء، وعلى أهل كل منهما، بل على المجتمع بأكمله, وفيما يلي بعض من تلك الآثار:

 

آثار الطلاق على المطلق- المطلقة
1- نظرة المجتمع غير المنصفة  ( الوصمة الاجتماعية عند البعض للمطلق أو المطلقة)
2- الخوف من تكرار تجربة الزواج مرة أخرى
3-الارتباك نتيجة عدم الاستقرار
4- عدم اليقين بشأن المستقبل
5- فقدان الدعم العائلي
6-فقدان بعض الصديقات/الأصدقاء, والتأثير السلبي على الوضع الاجتماعي
7- الهروب من الواقع و اللجوء إلى إدمان المخدرات أو المسكرات
8-فقدان الثقة بالجنس الآخر
9-الشعور بالاكتئاب
10-زيادة الضغوط الاجتماعية (في حال وجود الأبناء)
11- كثرة تبعات الطلاق المالية مثل: المؤخر والنفقة والحضانة
12- تدهور الوضع الاقتصادي   للمطلقة في حال اعتمادها ماديا على الزوج سابقا
13- صعوبة تربية الأبناء من طرف واحد
14- عدم القدرة على مواجهة مشكلات الأبناء من الأم بمفردها
15- ظهور مشكلات اسرية جديدة مع أهل المطلق, أو المطلقة

 

آثار الطلاق على الأبناء:
1- يصاب الأطفال بأمراض نفسية مثل: (الحزن- الاكتئاب- العزلة)
2- فقدان الحياة الأبوية مما يؤدي للحرمان الاجتماعي والعاطفي
3- فقدان الجو الأسري
4- فقدان الثقة بالذات والشعور بالنقص أمام الآخرين
5-عدم رؤية أحد الزوجين لأبنائهم لفترات طويلة
6-يعاني الأبناء من الغموض بشأن المستقبل
7-تعرض الطفل للانحراف نتيجة ضعف المتابعة من الوالدين.
8-استخدام أحد الزوجين الأبناء لإيذاء الطرف الآخر.
9-عدم الإنفاق على الأبناء
10-تعرض الأبناء للتعنيف
12-ضعف مستوى التحصيل الدراسي للأبناء
13- الشعور بالكراهية للوالدين أو أحدهما وانعدام الثقة بهما
14- عدم الرغبة في الزواج مستقبلا
15- فقدان القدوة الحسنة وظهور مشكلات تتعلق بالتوجيه والرعاية

 

آثار الطلاق على المجتمع:
1-  زيادة المشكلات الاجتماعية في المجتمع
2-  زيادة الانحرافات بين الأبناء وجرائم الأحداث
3- ضعف أداء الزوجين في العمل نتيجة الانشغال بمشكلات الطلاق وتبعاته.
4- قلة الإقبال على الزواج مرة أخرى نتيجة الخبرات السابقة
5- حدوث شرخ في بناء الأسرة ونمطها.

 

التوصيات:  

فيما يلي مجموعة من التوصيات المختصرة التي من الممكن أن تسهم في الحد من مشكلة الطلاق:

  • تنفيذ برامج الإرشاد الأسري للمقبلين على الزواج, والمتزوجين حديثاً, والأزواج الذين يواجهون مشكلات أسرية.

ويتم تنفيذه في المناطق المختلفة في المملكة العربية السعودية من خلال ( مراكز التنمية ومراكز إرشاد أسري – جمعيات أهلية).

  • إنشاء وتفعيل مراكز ووحدات التوجيه والاستشارات الأسرية على مستوى الأحياء, والتركيز على بناء قدرات كافة الكوادر العاملين فيها.
  • إنشاء عيادات أسرية تضم متخصصين في علم النفس، والاجتماع، والتربية؛ للتعامل مع المشكلات الأسرية.
  • التوعية المكثفة من خلال وسائل الإعلام بأهمية الأسرة كيان أساسي في المجتمع والدور الاجتماعي ومهامه لكل فرد فيها. وضرورة الاهتمام بالإرشاد الزواجي، واللجوء إلى المتخصصين في حال مواجهة مشكلات تتعلق بسوء التواصل بين الأزواج.
  • التوعية بأسباب الطلاق، وطبيعة العلاقات الزوجية، والحقوق والواجبات الزوجية، ومخاطر الطلاق على الفرد والمجتمع، وخاصة على الأبناء. وذلك من خلال: مؤسسات التعليم والمناهج الدراسية لكافة المراحل التعليمية- المؤتمرات والندوات- وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي- المؤسسات الدينية.
  • إنشاء صندوق خاص للمطلقات من أسر الدخل المحدود, والعمل على وضع خطط لتدريبهن وتحويلهن لعنصر منتج في المجتمع.

 

 

المراجع:

سارة فواز ماجد الحربيHYPERLINK “%AF%22الحربي”  (2017) إدمان الإنترنت ودوره في حدوث الطلاق لدى الأسر السعودية بمدينة الرياض، مجلة عالم التربية، المؤسسة العربية للاستشارات العلمية وتنمية الموارد البشرية.

سلمان محمد العامري(2009) ظاهرة الطلاق في المجتمع السعودي. دراسة تشخيصية. طبيعة الظاهرة- حجمها- اتجاهاتها- عواملها – آثارها وعلاجها.

سلوى عبد الحميد الخطيب (2009) التغيرات الاجتماعية وأثرها على ارتفاع معدلات الطلاق، مجلة كلية الآداب، جامعة الملك عبد العزيز.

عبد الرحمن السيف(1433ﻫ) الطلاق في المجتمع السعودي، دار أشبيليا، الرياض، السعودية.

محمد بن ناصر السويد, وآخرون (2015) قضايا ومشكلات اجتماعية معاصرة, دار الزهراء- الرياض.

نوره  بنت إبراهيم الصويان, هناء  بنت عبد العزيز المسلط (2020) واقع الطلاق في المجتمع السعودي, مجلة البحوث والدراسات الاجتماعية, المركز الوطني للدراسات والبحوث الاجتماعية.

 

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com