الورقة الرئيسة: تطوير المنظومة التشريعية في المملكة

 

كاتب الورقة الرئيسة: م. خالد عبدالرحمن العثمان

المعقبون:
₋ د. إحسان علي بوحليقة
₋ د. نجلاء عبدالرحمن الحقيل
مدير الحوار
₋ د.عبدالإله عثمان الصالح

تمثل التشريعات القاعدة التي تؤسس لممارسة مختلف المهام والأعمال ورسم العلاقات والتشابكات وتشكيل الاختصاصات والصلاحيات وتحديد الجزاءات والغرامات وفق منظومة تشريعية متكاملة متعددة المستويات والتأثيرات . ومن بداهة القول أن التطبيق الكفؤ للتشريعات الكفوءة ينتج تنمية كفؤة ، وتكون بذلك جودة التشريعات رافدا مهما لتحقيق مستهدفات التنمية وتلبية متطلبات الجهات التنفيذية لأداء مهامها واختصاصاتها بموجب هذه الأدوات التشريعية. كما أن من بداهة القول أنه كلما كانت التشريعات أقل وأوضح وأكثر سلاسة فإنها تؤدي إلى فعالية وكفاءة ومرونة في التنفيذ والتطبيق ، وتكون بذلك التشريعات وسيلة وليست غاية ، ويقاس نجاحها وفعاليتها بما تحدثه من أثر على المنظومة التنفيذية سواء بالتمكين والتفعيل أو بالتعطيل والتكبيل .

عند النظر إلى واقع المنظومة التشريعية في المملكة خصوصا في الآونة الأخيرة فإننا نرى حراكا كبيرا في صياغة وإصدار الأنظمة والتشريعات واللوائح والقرارات والتعاميم بشكل لم يسبق له مثيل ، وهو ما يعكس ديناميكة الحراك نحو تسريع خطوات التنمية ، وتفعيل تنفيذ برامج ومبادرات وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. كما أنه يبرز اهتماما كبيرا من أجهزة الدولة بسد الثغرات وتعويض البطء الذي شاب مسيرة التنمية عبر سنوات طويلة خلت ، وهو الواقع الذي واجه في بعض الأحيان بطبيعة الحال شيئا من تعارض القناعات ومقاومة التغيير وبعض البطء والجمود وتشتت الجهود والرؤى ، وهي بالطبع ملامح سلبية يمكن أن تكون سببا في تشويه المنجزات المأمولة وتعطيل تحقيق مكتسبات التنمية ، أو ربما زيادة ومفاقمة التبعات والآثار الواقعة على مستويات متعددة من شرائح وقطاعات المجتمع . تحاول هذه الورقة في النقاط التالية توصيف الوضع الراهن للمنظومة التشريعية في المملكة وتسليط الضوء على ما يشوبها من ملاحظات على سبيل التنبيه والتنويه الداعيان إلى التطوير والتجويد والارتقاء بمستويات العمل التنموي الشامل .

  • من الملاحظ أن هناك الكثير من الخلط بين الاختصاصات التشريعية والتنفيذية في مجمل أجهزة الدولة وحتى الشركات التابعة لها. ففي غالب الأحيان تصدر تشريعات وإجراءات ولوائح بمبادرات من أشخاص تنفيذيين كالوزراء على سبيل المثال ، وكثيرا ما نسمع عن قرارات وزارية وتعاميم إدارية ولوائح تنفيذية وغير ذلك من الأدوات التشريعية تصدر وفق رؤية الجهات التنفيذية حتى لو مرت بالقنوات التشريعية النظامية مثل هيئة الخبراء ومجلس الشورى وحتى المقام السامي . مشكلة هذا الواقع حالة التضارب وتعارض المصالح بين الاختصاصين التشريعي والتنفيذي ، والتي تؤدي إلى تغول الرؤية الفردية بدلا من المؤسسية ، والقطاعية بدلا من الشمولية. كما أنها تؤدي إلى الكثير من التعارض والتضاد بين التشريعات الصادرة أو المتبناة من قبل أجهزة مختلفة ، بل إننا أحيانا نرى تعارضات بين النظام واللوائح التنفيذية والتعاميم اللاحقة الصادرة من ذات الجهة وفي ذات الاختصاص ، وهو ما يفقد أو يضعف فعالية بعضها البعض ويؤدي إلى هدر الجهود والكثير من الآثار والعقبات على أرض الواقع . والأمثلة على هذا المشهد كثيرة خصوصا في ظل الحراك التشريعي المتسارع ، بما فيها الكثير من التشريعات الصادرة مؤخرا والمتعلقة بقطاعات مثل الموارد البشرية والكهرباء والمياه والتمويل والجمارك وغيرها ، وهي في الغالب الأعم تشريعات تعكس رؤية تنفيذية نابعة من داخل الجهاز الحكومي دون تنسيق كاف وتكامل فاعل مع مجمل منظومة التشريعات القائمة والقادمة في المنظومة التشريعية الوطنية الشاملة .
  • من الملاحظ أيضا واقع الاتكاء المفرط على الرؤية القانونية المحضة في صياغة وتكييف الأنظمة والتشريعات بشكل عام ، إلى الحد الذي يكبل أحيانا رؤية المشرعين والمنفذين الفنية والتخصصية ، ويعطل فعالية تلك الإجراءات بالقيود القانونية الاحترازية التي يفرضها مسئولوا الإدارات القانونية في الأجهزة الحكومية ، في الوقت الذي ينبغي أن تكون الرؤية القانونية داعما وممكنا لتحقيق الرؤية الفنية والتشغيلية المتخصصة المتعلقة بموضوع التشريع .وبرأيي فإن هذا المشهد يعكس شيئا من القصور في قدرات ومنهجية التأسيس الفني والتشغيلي المتخصص لصياغة التشريعات وليس بالضرورة رغبة في السيطرة من الجانب القانوني . هذا التفوق للرؤية القانونية على الرؤية الفنية ملحوظ في مختلف مستويات المنظومة التشريعية بشكل عام . وحتى في مستوىوبروحتى هيئة الخبراء التي تمثل أحد أهم المنصات التشريعية السيادية المساندة لمجلس الوزراء ، فإن معظم النقاش حول صياغة الأنظمة والتشريعات يتم برؤية قانونية بحتة ، حتى أن معظم ممثلي الأجهزة الحكومية الذين يحضرون جلسات نقاش مسودات ومشاريع الأنظمة هم ممثلو الإدارات القانونية في الأجهزة الحكومية بدلا من المتخصصين الفنيين والتنفيذيين في مجال اختصاص كل جهة . أحد أهم الأمثلة على ذلك أن نظاما مثل نظام المشتريات والمنافسات الحكومية خرج بصياغة فريق قانوني دون مشاركة أي فرق متخصصة في الشئون الهندسية والمشاريع بمن فيهم منسوبو الإدارات الهندسية والمشاريع في وزارة المالية ذاتها ، وهلم جرا.
  • لعله من المناسب الإشارة إلى غياب مسار محدد ملزم لرحلة إصدار التشريعات بدءا من تحديد الحاجة لها وحتى إصدارها من المستوى التشريعي المؤهل والمختص بذلك التشريع. وقد نرى أحيانا بعض المسئولين ذوي الاختصاصات التنفيذية وهم يضعون بعض التشريعات في صيغة محددة تقود إلى تسريع صدور التشريع وتجاوز بعض المراحل في مسيرة رحلة التشريع ، كأن يصدر التشريع في شكل “تنظيم” بدلا من “نظام” لتجاوز مرحلة النظر في التشريع من مجلس الشورى على سبيل المثال ، أو إصدار التشريع في شكل “قرار وزاري” لتجاوز مرجعية هيئة الخبراء في اعتماد صيغة التشريع . هذا الواقع يكرس ويرسخ مشكلة التعارضات والتصادمات بين التشريعات الصادرة دون مرجعية شمولية واحدة تضمن رفع فعالية وكفاءة تكامل الأنظمة والتشريعات لتحقيق المستهدفات المرجوة من إصدارها وتنفيذها .
  • إن أحد أهم المشاكل التي تشوب المنظومة التشريعية والحراك المتسارع فيها هو تجاوز الدراسات المسبقة لقياس وتلمس الآثار الاقتصادية والاجتماعية لتلك التشريعات بشكل شمولي استشرافي عميق وشامل ، بدلا من التركيز فقط على رفع كفاءة القطاع أو الموضوع المستهدف بالتشريع . ولعل أحد أسباب هذه المشكلة غياب التفاعل المؤثر الجاد والحوار الحقيقي مع أصحاب العلاقة بذلك التشريع والمؤثرين والمتأثرين به وبتبعات تفعيله وتنفيذه ، علاوة على أن المطبخ الحقيقي للكثير من تلك التشريعات يديره ويعمل فيه شركات استشارية أجنبية ومستشارون وافدون يفتقر كثير منهم إلى الفهم الحقيقي للخلفيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لطبيعة المجتمع السعودي وشرائحه وطبقاته ومكوناته ومستوياته . صحيح أن هناك تطويرا كبيرا لمساعي استقراء واستبيان آراء العموم لتقييم مسودات الأنظمة والتشريعات قبل اعتمادها ، لكن هذه الجهود ما زالت تفتقر إلى الشفافية والمشاركة الحقيقية في تقييم وتحليل نتائج تلك الاستبيانات والعمل على عكس نتائجها على مضامين تلك التشريعات بشكل موضوعي فعال .

تمثل هذه النقاط محاور عامة تضم بين طياتها الكثير من النقاط والتفاصيل الفرعية التي يمكن أن يدور حولها كثير من النقاش والتمحيص والدراسة والتحليل سعيا إلى الوصول إلى تطوير حقيقي وتغيير جذري فعال في هذه القضية . وبرأيي فإن أكثر ما يمكن أن يؤسس له هذا الحوار في هذا الملتقى العتيد هو ترسيخ القناعة بحتمية وآنية هذا التطوير ، إذ أنه من غير المنصف أن نرى كل هذه الجهود المخلصة والمبادرات الجادة وهي تصطدم بجدران البيروقراطية والعشوائية وتضارب الصلاحيات . ولعل التوصية الأهم في هذا المجال هي العمل على جمع وتوحيد الاختصاصات التشريعية في جهاز مركزي واحد يمارس مهامه بشكل مستقل عن الأدوار التنفيذية للأجهزة الحكومية الأخرى ، ولعل مجلس الشورى يكون هو المكان الأجدر بهذه المهمة بعد تعديل اختصاصاته وصلاحياته وتدعيمه بما يحتاج إليه من أدوات وصلاحيات للقيام بدور برلماني حقيقي يكرس فصل الاختصاصات في نموذج دولة المؤسسات التي تستحق أن تكون عليها المملكة العربية السعودية .

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات