الورقة الرئيسة: دور مراكز الفكر الوطنية في تعزيز مقومات الأمن الوطني وحمايتها من المهددات

كاتب الورقة: د. محمد الثقفي

المعقبون:

د. رياض نجم

د. عفاف الأنسي

اللواء فاضل القرني

يدير الحوار: د. عادل القصادي

 

مدخل.

ستتناول الورقة عددا من المحاور المرتبطة بالموضوع، من حيث أهمية تناول مراكز الفكر الوطنية، ومعلومات عن مراكز الفكر، تشمل مفهومها، وأنواع ونماذج لمراكز الفكر في المملكة العربية السعودية،  واخيرا واقع هذه المراكز .

ثم سيتم تناول الأمن الوطني، من حيث: مفهومه، ومقوماته، واليات تعزيز مقوماته، وحمايتها من المهددات والمخاطر، وأخيرا كيفية إبداع مراكز الفكر في تعزيز المقومات الوطنية وحمايتها من المهددات، ثم كيفية تحفيز مراكز الفكر الوطنية لتعزيز مقومات الأمن الوطني ومهدداته، وفي النهاية سيتم مناقشة ماذا لو تم تعزيز مراكز الفكر الوطنية لتعزيز وحماية مقومات الأمن الوطني، والخاتمة.

أولا: أهمية تناول مراكز الفكر الوطنية.

تكمن أهمية مراكز الفكر الوطنية في عدد من الخصائص، من أبرزها:

  1. تناولها الشامل للمشكلات والقضايا المرتبطة بصناعة السياسات العامة في المملكة.
  2. امتلاكها لخبرات ميدانية وتأهيل علمي عالي جدير بدراسة القضايا والمشكلات بمنظور شامل.
  3. لديها أفق واسع لدراسة القضايا والمشكلات بعمق تاريخي ومعاصر، وقدرة على التصورات المستقبلية.
  4. لديها إلمام بالبيئة الداخلية والجيوسياسية والاقليمية والدولية، وتصدير توصياتها من هذا المنطلق.
  5. لديها القدرة على المرونة في قراءة الأحداث وتطوراتها المستقبلية وإيصالها للقيادات بجرأة أكثر من الموظفين الحكوميين.
  6. المساهمة في صناعة القرار من خلال الدراسات والإحصاءات التي تمتلكها.
  7. لديها القدرة على توجيه الرأي العام بما يخدم سياسات الدولة ورؤاها وتطلعاتها.

ولعل هذه الأسباب تبرز أهمية اختيار الموضوع ومناقشة، وتؤسس للوصول لمقترحات إجرائية تسهم في تحقيق الاستفادة القصوى من هذه المراكز الموجودة، بل وتدعم إنشاء مراكز جديدة متخصصة.

 

 ثانيا: معلومات عن مراكز الفكر بصفة عامة، وفي المملكة .

وهنا سيتم عرض ونقاش مفهوم مراكز الفكر، وأنواعها وعرض بعض من نماذجها في المملكة، وتحليل واقعها، وفقا لما سيأتي.

1/2-مفهوم مراكز الفكر.

توصف بأنها منظمات متخصصة بتقديم حلول منهجية، وصفية، واستشرافية، لصناع القرار في الدولة، سواء للحكومة، أو للمنظمات الخاصة، أو غير الربحية، أو حتى للأفراد، وتشكل أهمية قصوى فيما تقدم من حلول لمشكلات آنية أو مستقبلية، وليس لها تنظيم واضح في كثير من الدول، ومن ضمنها المملكة.

وتصنف في الغرب، بحكم النظام الديمقراطي والاقتصاد الرأسمالي من منظمات المجتمع المدني، ويمكن أن تكون منظمات غير ربحية وبالذات في الدول الغربية، وتستفيد من دعم الشركات، من أبرز نقاط ضعفها في المملكة وفي كثير من الدول قضية التمويل، وتتطلب الاستقلالية، والحرية، والوصول الحر للمعلومات، تشبه خدماتها في المملكة والعالم: الاستشارت، والدراسات التي تقدمها الجهات المختصة، ولدى مراكز الدراسات ومراكز الفكر نقاط قوة، وأمامها فرص كبيرة جدا، ويمكن توظيفها لتطوير السياسات الوطنية، كما أن لديها فرص ثمينة جدا في المملكة، في إطار التحول الوطني، وبرامج الرؤية 2030.

ويعد التنظيم الخاص ببعض مراكز الفكر في المملكة والتابعة والمدعومة من الديوان الملكي مصدرا لتمويل بعض مشاريع هذه المراكز، وتعد المنافسات الحكومية مصدرا لتمويل بعض مشاريع هذه المراكز، إضافة إلى ان نظام المسؤولية المجتمعية للشركات والمنظمات غير الربحية مصدرا محتملا لتمويل بعض مشاريع هذه المراكز، وفي ذات الإطار يمكنها الاستفادة من تنظيم هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار الصادر قرارها قريبا، ومع كل ما أشير حول التمويل فإن المصادر السابقة لا تعدّ مصدرا كافيا للتمويل وتحقيق التنافسية العالمية لمراكز الفكرالوطنية.

وما يجد الإشارة إليه أنه يمكن اضطلاعها بدور كبير في الدفاع عن المملكة خارجيا، ومواجهة العديد من الجهات المعادية، كما تفعل الدول الأخرى، إيران واسرائيل (نموذجا).

2/2-أنواع ونماذج لمراكز الفكر في المملكة.

هناك عدد من التصنيفات لمراكز الفكر عالميا، ومن أبرز ها:

  1. وفقا للتمويل: مراكز بحثية حكومية، مراكز أكاديمية، مراكز القطاع الخاص، مراكز القطاع الثالث.
  2. وفق للتخصص العلمي والتوجه الفلسفي: سياسي، عقدي، إعلامي، اجتماعي، اقتصادي، أمني، عسكري، بيئي، تقني، أكاديمي.
  3. وفق الاستقلالية: مستقلة، شبه مستقل، مرتبطة بجامعات، جماعات ضاغطة، شركات.

وتعد المراكز الحكومية، أو المدعومة حكوميا هي الأكثر تأثيرا، والأغزر إنتاجا، والأهم أن أبرز مراكز الفكر العالمية مدعومة من مؤسسات حكومية، مثل: معهد راند.

2/3- نماذج لأبرز مراكز الدراسات والاستشارات  في المملكة العربية السعودية.

من أجل التوصيف السريع، فإنه سيتم تناول بعض من أبرز مراكز الفكر في المملكة، بيد أنه توجد العديد مما يمكن توصيفه من مراكز الدراسات وأنه أيضا من مراكز الفكر في المملكة، ومنها:

1- مراكز البحث والتطوير بالشركات الكبرى:  مثل: مركز سابك للبحث والتطوير، مركز البحث والتطوير بشركة ارامكو، ومركمز سابرك المختص في الدراسات البترولة.

2- مراكز الدراسات والاستشارات  غير الربحية:  مثل:  معهد الدراسات الإيرانية (رصانة)، مركز الملك فيصل للدراسات الاسلامية، المركز الدولي للأبحاث والدراسات والاستشارات (مداد)، مركز رؤية للدراسات الاجتماعية، وكذلك مركز شركة رشد .

3-مراكز الدراسات والاستشارات  الخاصة، مثل: مركز وملتقى أسبار، مركز الخليج للبحوث، مركز الخبرة العالمية للدراسات والاستشارات، مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية، مركز الفكر العالمي عن السعودية (فكر) .

 

2/4 -مفهوم الأمن الوطني.

ويقصد به: توفير وتنمية المقومات الوطنية وحمايتها من المهددات والمخاطر،الداخلية والخارجية، ويراه آخرون جميع ما تتخذه الدولة من استراتيجيات وسياسات وبرامج لتسخير كافة الامكانات والمواردج المتاحة لتحقيق التنمية المستدامة، بما يحقق الرفاهية والأمن للوطن والمواطن، ويلاحظ أن جميع الأهداف الاستراتيجية والمبادرات لرؤية المملكة 2030، تعمل من أجل تحقيق مقومات الأمن الوطني وحمايتها من المهددات.

وتتسق مقومات الأمن الوطني مع الأهداف الرئيسة ال (16) للتنمسة المستدامة، والمعتمدة من الأمم المتحدة 2015، وتعمل على تحقيقها، إضافة إلى الأبعاد الرئيسة المتعارف عليها دوليا للأمن الوطني، وهي: الأبعاد: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية.

ويرتكز الأمن الوطني على قوى متميزة لحمايته، وهي في مفهومها الأولى عسكرية وأمنية، إلا أنه من الممكن أن تكون بأساليب أخرى ذات اثر عال وتكلفة أقل، وهي دبلوماسية أو اقتصادية أو إعلامية، كما أنه يختلف عن الأمن القومي، بأن الوطني يختص بحدود الدولة الوطنية، بينما القومي يشمل القوميات؛ كقولنا الأمن القومي العربي، والمهم أنه يجب أن تبنى آليات تعزيز مقومات الأمن الوطني وحمايته من المهددات على تخطيط محكم، لسياسات وأهداف، مع السعي الحثيث والاحترافي لتنفيذها.

5/2-مقومات الأمن الوطني.

هناك عدد من التصنيفات لمجالات أو مقومات الأمن الوطني، وفي هذا العرض سيتم تناولها وفقا لما في الجدول التالي:

مسلسل المقوم مسلسل المقوم
1 المقوم السياسي 8 المقوم الصحي والدوائي
2 المقوم الأمني 9 المقوم المقوم الغذائي والمائي
3 المقوم الاقتصادي 10 المقوم الجيوسياسي
4 المقوم الدفاعي والعسكري 11 المقوم الاجتماعي
5  المقوم المعلوماتي والتقني 12 المقوم الحقوقي
6 المقوم الديني والعقدي 13 المقوم الإعلامي
7 المقوم الثقافي والتربوي 14 المقوم البيئي

6/2- اليات تعزيز مقومات الأمن الوطني وحمايتها من المهددات والمخاطر.

يتطلب تحقيق تعزيز مقومات الأمن الوطني في المملكة العربية السعودية عدد من الآليات، ومن أبرزها:

  • إعداد الخطط الاستراتيجية المحكمة والخطط التشغيلية الكفيلة بتحقيق الأهداف الاستراتيجية المخططة.
  • تحديد المبادرات التنفيذية والمشاريع المرتبطة بتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
  • إعداد مؤشرا الأداء التي ترصد حجم واتجاه الإنجازات.
  • تحديد اليات التنسيق والمتابعة بين كافة مؤسسات الدولة، والمؤسسات الخاصة والاقليمية والدولية التي تتكامل معها.
  • تفعيل نقاط القوة، واقتناص الفرص لتعزيز مقومات الأمن الوطني.
  • الرصد المستمر للمهددات والمخاطر، والتعامل المبكر معها.
  • توفير الموازنات المالية اللازمة لتنفيذ البرامج
  • استصدار الأنظمة القانونية التي تضمن صحة الإجراءات الأمنية التي سيتم اتخاذها.
  • توفير وتأهيل الكوادر البشرية القادرة والراغبة على تنفيذ المهام المختصة بتوفير وحماية مقومات الأمن الوطني.
  1. توفير أحدث التقنيات التي تساهم في تيسير المهام الميدانية والإدارية.
  2. الابداع في استخدام القوى الذكية في توفير وحماية مقومات الأمن الوطني.

وهنا يلاحظ أن مراكز الفكر الوطنية جديرة بتصميم واستشراف عدد من اليات تعزيز مقومات الأمن الوطني وحمايتها من المهددات والمخاطر، كما يمكنها مساعدة المؤسسات المختصة بتقديم التقييم الرشيد لمخرجات السياسات العامة والبرامج والمبادرات التنفيذية، وربما بما يفوق مراكز الدراسات والاستشارات الدولية، ذات السمعة، لعدد من الأسباب، ومن أبرزها: الفهم الحقيقي للبيئة الداخلية، وارتقاء المفكرين السعوديين، وكثرة اطلاعهم على العديد من التجارب الدولية في هذه المجالات.

ويتضح جليا أن التحليل الوصفي للواقع البيئي الداخلي أو الخارجي لكل مقوم من مقومات الأمن الوطني واستشراف مستقبلها يتطلب بيوت خبرة مؤهلة وصانعة للأفكار والاليات الحكيمة لتعزيز فرص نجاح المقومات وحمايتها المهددات والمخاطر المحتملة، لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة.

ثالثا: كيف يمكن مساهمة مراكز الفكر الوطني في تعزيز  مقومات الأمن الوطني وحمايتها من المهددات.

ويتطلب تحليل ومناقشة كيفية إبداع مراكز الفكر في تعزيز المقومات الوطنية وحمايتها من المهددات، إضافة إلى كيفية تحفيز مراكز الفكر الوطنية لتعزيز مقومات الأمن الوطني ومهدداته، وفقا لما يلي:

3/1-كيفية إبداع مراكز الفكر في تعزيز المقومات الوطنية وحمايتها من المهددات.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال القيام بالمهام الاحترافية المتعارف عليها عالميا، ومنها ما يلي:

  1. إعداد وعرض تقارير مركزة ومختصرة لصناع القرار والقيادات العليا حول قضايا معينة.
  2. مراجعة وتنقيح التقارير الخاصة أو الداخلية التي يتم إعدادها للقيادات العليا، تتعلق بالدول التي سيقومون بزيارتها والقضايا موضع البحث والنقاش.
  3. استشراف مسار التهديدات والمخاطر قبل استفحالها.
  4. تقييم قضايا حساسة أو موضع جدل ونقاش، والتحليل المبكر لدرجة التهديدات والمخاطر.
  5. ممارسة الدبلوماسية الأكاديمية، بالمشاركة مع وزارة الخارجية أو المؤسسات أمنية أو غيرها، إما لمعرفة آفاق تسوية، أو المشاركة في وساطة أو مفاوضات حول أزمة معينة.
  6. اختيار وتكليف بعض الخبراء للعمل في مناصب حكومية عليا مثل وزراء أو مستشارين للقيادة السياسية أو سفراء ودبلوماسيين وغير ذلك. وكذلك العكس.
  7. الظهور الإعلامي بدلا عن الحكومة لإرسال أو التعبير عن رسائل سياسية، أو إشارات دبلوماسية غير مباشرة، أو التعبير عن مواقف استباقية معينة حول قضايا جدلية أو أزمات سياسية.
  8. متابعة أحدث الدراسات وترجمة المنشورات والمؤلفات التي تصدر عن المؤسسات والمراكز البحثية في الدول الأخرى خاصة الدول التي تكون موضع اهتمام خاص.
  9. إجراء الدراسات المستقبلية لاستشراف الأحداث قبل وقوعها.
  10. النشر العلمي سواء في قضايا ساخنة أو قضايا موضع اهتمام الرأي العام العربي.

وبتحليل هذه المهام وتطبيقها على أرض الواقع يمكن القول بفاعليتها في الإبداع المنشود، في تعزيز مقومات الأمن الوطني في المملكة، والحماية الفاعلة من المهددات والمخاطر المحتملة.

3/2-كيفية تحفيز مراكز الفكر الوطنية لتعزيز مقومات الأمن الوطن ومهدداته:

ويمكن تحقيق ذلك من خلال القيام بالإجراءات التالية:

  1. الدعم الحكومي المالي والمعلوماتي للمراكز الحكومية والخاصة.
  2. استحواذ الجهات الحكومية لمراكز دراسات خاصة، ودفعها للحصول على التميز والتنافسية العالمية.
  3. تيسير الحصول على دعم من المؤسسات الكبرى.
  4. بناء الشراكات مع المنظمات الاقليمية والدولية المقيمة في المملكة وخارجها.
  5. تسويق المراكز لخبراتها اقليميا وعالميا.
  6. استثمار ودعم طلاب الدراسات العليا.
  7. عمل تحالفات بين مراكز الدراسات والاستشارات الحكومية والخاصة.
  8. توعية القيادات العليا بأهمية الاستعانة بالخبراء الوطنيين في صناعة القرارات المصيرية.
  9. تحفيز القطاع الخاص والخيري على دعم الدراسات، كجزء من مسؤولياتها الاجتماعية، وتنمية استثماراتها.

وهنا يتضح كيف يمكن مساهمة مراكز الفكر الوطني في تعزيز  مقومات الأمن الوطني وحمايتها من المهددات، سواء من حيث كيفية إبداع مراكز الفكر في تعزيز المقومات الوطنية وحمايتها من المهددات، أو كيفية تحفيز مراكز الفكر الوطنية.

رابعا: ماذا لو تم تعزيز مراكز الفكر الوطنية لتعزيز وحماية مقومات الأمن الوطني في المملكة؟!

في هذا الجانب، يكمن السؤال الأهم في: (ماذا لو) تم الاستثمار في هذه المراكز ودعمها، وماهي القيمة المضافة التي يمكن تحقيقها، لكل مقوم من مقومات الأمن الوطني في المملكة العربية السعودية!!

الخاتمة.

نظرا لأهمية مراكز الفكر على مستوى العالم وفي المملكة العربية السعودية، وماذا يمكن أن تضطلع به من مسؤوليات جسيمة في مجال تعزيز مقومات الأمن الوطني وحمايتها من المهددات، ولأنه من الممكن تطوير مهامها، ودعمها، فما المتوقع من مخرجاتها وأثرها المستدام على كافة المقومات، سيما أن كثيرا من الدول، سواء الدول الكبرى أو دول إقليمية تهتم بهذه الصناعة، وتعمل على الاستفادة من جميع جوانب رأس المال الفكري لهذه المنظومة.

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com