الورقة الرئيسة: مستقبل علاقات دول الخليج مع الصين في ضوء الاتفاق الصيني الإيراني

      أ. فهد عريشي: كاتب الورقة

      د. أحمد السديري: معقب على الورقة

      د. عائض آل ربيع: معقب على الورقة

      د. سعود كاتب: مدير الحوار

الأمير بندر بن سلطان عندما أرسله الملك فهد إلى الصين، للمفاوضة على شراء الصواريخ أرض – أرض “رياح الشرق”،  استقبلوه في سيارات ستائرها مغلقة، واستضافوه والوفد المرافق له في فلل صغيرة، وطلبوا منهم عدم فتح الستائر، ولكن عندما تطفل مدير مكتبه عبدالعزيز ناظر، ونظر للخارج، طلب منه القدوم للنافذة، ووجد وفداً ايرانياً بالفيلا المجاورة، قدموا أيضاً  لشراء الأسلحة، وهذا الموقف يثبت بأنه لا مانع لدى الصين بأن تبيع الأسلحة لطرفين يحتمل بينها الحرب، طالما ذلك في مصلحتها الاقتصادية. الصين التي كانت تبيع الأسلحة لإيران، والعراق رغم وجود حرب وجودية قائمة بينهما عام 1984م، والصين  التي كانت تستضيف في فيلتين متجاورتين وفدين سعودي، وأيراني تبيع لهما السلاح، رغم التوتر السياسي، واحتمال وجود حرب مستقبلية بينهما, هي نفسها الصين التي تسعى الآن في نفس الوقت، لضخ مشاريع تنموية بمليارات الدولارات في دول الخليج، وفي إيران, وهي نفسها الصين، التي عندما قام رئيسها بجولة في الشرق الأوسط  عام 2016م،  زارالسعودية أولاً,  وافتتح مع الملك سلمان حفظه الله, مصفاة ياسرف, المشروع المشترك بين شركتي أرامكو السعودية, وسينوبك الصينية, وبعدها بثلاثة أيام فقط كان في العاصمة الإيرانية طهران, يناقش مع رئيس حكومتها الشراكة الصينية الإيرانية, الشراكة المترجمة لأتفاقية محتملة، التي نتابع مجرياتها مؤخرا, والذي حفز من العمل على تجهيز هذه الاتفاقية الضخمة بقيمة 400  مليار دولار، رغم أن بداية الفكرة  كانت عام 2016م، هو الضغط الكبير الذي  تواجهه إيران، بعد تولي الرئيس الأمريكي ترمب للرئاسة الأمريكية،مما دفع إيران للبحث عن حليف يعزز موقفها الضعيف دوليا، وهو ما حث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد  ظريف، لزيارة  الصين العام الماضي، وطرح مسودة الاتفاق الذي يتضمن منح إيران للصين فرص لاستثمار 400  مليار دولار، في محاولة من إيران لكسر العزلة الدولية التي تعاني منها حاليا، وكسب حليف قوي، يتمتع بجاذبية اقتصادية قوية كالتي تملكها جمهورية الصين الشعبية، ورغم تحفظ الحكومة الصينية بالإعلان عن مجريات الاتفاقية مع إيران في وسائل الإعلام، إلا أن إيران سارعت بنشر الخبر، لإيصال رسالة للغرب، بأنه محاولات عزلها لن تنجح، ونشر الخبر من قبل إيران، يبدو أنه سبب إزعاج للحكومة الصينية، التي تقوم بعض مراكز الدراسات بها حاليا ببحث تأثير اتفاقيتها مع إيران على علاقتها بدول الخليج, وحسب تسريبات المسودة فأنه لن يكون هناك تواجد عسكري للصين في إيران، بل شراكة عسكرية،  كالتدريب المتبادل، والدعم في صناعة الاسلحة، ومسودة الاتفاق هذه ما زالت تخضع للتعديل من الجانب  الصيني، وبعد ذلك سيعرض على مجلس الشورى في إيران، الذي يوجد بعض المعارضين بداخله لهذه الاتفاقية، ولذلك ربما لن يتم انهاء اجراءات الاتفاق في حالة رفض الأغلبية من مجلس  الشورى الإيراني لرأي بعض اعضائها أن هذه الاتفاقية ستمنح الصين قوة وسيطرة على إيران مستقبلا.

عندما نتحدث عن تأثير الاتفاق الصيني الإيراني على مستقبل علاقات دول الخليج  بالصين، يجب ألا نغفل سياسة الصين في المنطقة، التي تحاول أن تكون الدولة القريبة من الجميع، ولها علاقات مع الجميع، ولا تنحاز لدولة دون أخرى، كما تفعل الولايات المتحدة في المنطقة، التي وقفت مع أيران ضد دول الخليج، اثناء فترة حكم أوباما، أو تقف مع دول الخليج ضد إيران، كما هي سياسية ترمب الحالية، ودول الخليج تعي تماما محاولات الصين الجادة بأن تكون على مسافة واحدة من الطرفين دول الخليج وإيران، وتعي تماما سياسة المناكفة التي تنتهجها الصين مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر التقرب لإيران، وكذلك خطتها لتنفيذ مبادرتها” حزام واحد طريق واحد”، وتتفهم بأن الصين المستورد الأكبر للبترول في العالم، تنتهج سياسة عدم الاعتماد في مصادر الطاقة التي تحتاج إليها من طرف واحد، بل تبحث دائما عن تنويع مصادرها من الطاقة، لتقليل المخاطر المحتملة في حالة وجود اي عائق مستقبلا، ولذلك هي تحرص بشدة أن تحتفظ بنفس المسافة في علاقاتها مع الدول النفطية، صحيح أن الدعم الذي ستحصل عليه إيران من اتفاقيتها مع الصين قد يساهم في محاولات إيران لزعزعة استقرار المنطقة، ولكن ذلك لن يؤثر على علاقة دول الخليج المستقبلية بالصين إلا في حالة دعم الأخيرة السياسي والعسكري لإيران ضد دول الخليج، وهذا الاحتمال غير وارد لمصالح الصين الكبيرة مع دول الخليج، التي تحاول الصين دعم أمنها قدر الإمكان للحفاظ على مصالحها المشتركة معه، بل قد تكون استثماراتها الاقتصادية في إيران مستقبلا أداة ضغط تستخدمها الصين ضد إيران لمنعها من أي محاولات قد تؤثر على استثمارات الصين في دول الخليج، ولذلك  الخطر الحقيقي ليس في الاتفاقية الصينية الإيرانية، بل في مدى توسع الصين باستثماراتها “القوة الناعمة” في دول الخليج، التي ربما ستسخدمها مستقبلا كأداة ضغط لتنفيذ سياستها ومصالحها، كما فعلتها الاستثمارات الصينية التي تزايدت في أوروبا نظرا لتراجع الاقتصاد الأميركي، يقول رئيس وزارء الدنمارك السابق بين عامي   2009-2001 “أندرس فوج راسمسون” في مقالة نشرها بصحيفة “الفاينشيال تايمز” البريطانية، بأن الاستثمارات الصينية الكبيرة في أوروبا، قد أثرت بالفعل على قرارات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي حيث نجحت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والتي تتمتع باستثمارات صينية كبيرة، في أن تسقط بيانا عقب حُكم ادعى فيه أن حقوق بكين البحرية، والموارد البحرية في بحر الصين الجنوبي لا تتفق مع القانون الدولي. وإعاقة اليونان لبيان ينتقد سجل حقوق الإنسان في الصين. إذا كانت الاستثمارات الصينية  قد نجحت في كسب قوة سياسية في أوروبا، فكيف سيكون الوضع في دول الخليج، التي استثمرت فيها الصين بمليارات الدولارات خلال الأعوام الماضية, أخرها العام 2019م  بلغت قيمة عقود  الشركات الصينية 5.5 مليار دولار في السعودية, و4.32 مليار في الإمارات، و 970 مليون دولار في سلطنة عمان,  ومن يناير حتى ديسمبر 2019م  وصل الاستثمار المباشر للشركات الصينية في السعودية 180 مليون دولار.  هذه الاستثمارت المتزايدة عاما بعد عام خطرها سيكون أكبر على دول الخليج من اتفاقية الصين الإيرانية، وستكون قوة تملكها الصين، وتستخدمها كأداة ضغط سياسي واقتصادي عند تعارض مصالحها مع مصالح دول الخليج. اعتقد أنه يجب علينا الموازنة في السماح بالاستثمارات الصينية في دول الخليج، ونجعلها في حدود الاستثمار الذي لا يمكنه التأثيرعلى أي قرار نتخذه مستقبلا.

اضف تعليق

عدد الأحرف المسموحة للتعليق: (1650)

التعليقات