أكتوبر 2018

ناقش أعضاء ملتقى أسبار خلال شهر أكتوبر 2018 م العديد من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحُها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • اليوم الوطني ذكرى توحيد الوطن
  • دور مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية لعلاقات المملكة العربية السعودية الإستراتيجية
  • التحديات التي تواجهها العلاقات الأمريكية مع حلفائها والعالم في ظل تصرُّفات ترامب
  • نعم! الهدف أبعد من جمال خاشقجي: الهدف مشروع “السعودية الجديدة”

القضية الأولى:

الورقة الرئيسة

اليوم الوطني ذكرى توحيد الوطن

¤    الملخص التنفيذي:

القضية: (اليوم الوطني ذكرى توحيد الوطن).

تحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني في تاريخ 23 سبتمبر من كل عام ميلادي، وذلك احتفالًا بتوحيد المملكة على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، وإصدار المرسوم الملكي بتحويل اسم الدولة من مملكة الحجاز ونجد إلى مسمَّاها الحالي المملكة العربية السعودية، وهو اليوم الذي تحرص فيه المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في المملكة بالإضافة إلى المواطنين السعوديين على المشاركة في الاحتفالات الوطنية، وهو ما يعكس قوة مشاعر الحب والانتماء والولاء لهذا الوطن الحبيب.

أوضحت الورقة الرئيسة أن قيام الملك عبد العزيز بتجميع قطع الوطن المتشرذمة في خريطة واحدة خلال ثلاثين سنة لم تكن بالمهمة السهلة. لكننا مع مرور الزمن، ألِفنا نعمةَ الوطن لدرجة أن أصبحنا لا نشعر بها. فلما جاءت حادثة اقتحام الحرم 1979م زال الإلف المخدِّر وأحسسنا بالخطر الذي يهدِّد نعمتنا من جديد. كما أن دماء وشتات الربيع العربي أحيت فينا من جديد القلقَ على وطنٍ آمنٍ، ننعم بالعيش فيه دون أن نشعر بحجم هذه النعمة العظمى.

كما أكدت الورقة أن هناك فروقات عديدة بين الوطنية والمواطنة؛ فالوطنية تعني المشاعر العاطفية والوجدانية التي تتكون عند الفرد تجاه الوطن أو الأرض التي يحبها. أما المواطنة فهي الممارسات والسلوكيات والأفعال التي يُنتظر من الفرد أداؤها بصورة منسجمة مع قوانين الوطن وأنظمته وأمنه وسلامته وحمايته، وهو ما يعني أنه ليس بالضرورة أن كلَّ وطني مُحِبٌّ لوطنه هو مواطن صالح إيجابي مفيد لوطنه.

وذهبت المداخلات التي جرت على هذه الورقة إلى أنه مما لا شك فيه أننا في وطن استثنائي، وأن أكثر مقومات التقدُّم متوفرة لنا. نحتاج فقط أن ندرك هذه النعمة ونتعامل معها بمسؤولية، وأن نمتلك من الطموح والثقة بالنفس ما يوازي المعطيات التي لدينا. وفي كثير من الجوانب نحن على يقين من أننا يجب أن نقارن أنفسنا بالدول المتقدمة وليس بدول المنطقة، لا ينقصنا سوى الثقة بالنفس، والنظر لمعالي الأمور في البناء الحضاري والمدني، والبُعد عن الشكليات والإعلاميات السطحية.

كما أكد المناقشون على أن الاحتفال باليوم الوطني لهذا العام مختلفٌ تمامًا، وأثبت أن الإنسان السعودي عندما يُعطَى الفرصة فإنه يُبدِع ويُقدِّم أفضلَ ما عنده.

وأشارت المداخلات إلى أن رؤية الملك سلمان جاءت ثاقبة في سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وكانت رؤية 2030 ترجمة لهذه الرؤية، وكان هو رجل الرؤية. فما بين ذكرى 87 والذكرى 88 قاد انقلابًا كبيرًا في مفهوم الدولة من أبعاد ديموغرافية وجيوسياسية وثقافية، كانت تحتاج عقودًا من الزمن لتصبح حقيقة، لكنه استطاع أن يجعلها أمرًا واقعًا، مختصرًا بذلك الزمن ورافضًا كل المسافات.

¤     مقدمة:

تحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني في تاريخ 23 سبتمبر من كل عام ميلادي، وذلك احتفالًا بتوحيد المملكة على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، وإصدار المرسوم الملكي بتحويل اسم الدولة من مملكة الحجاز ونجد إلى مسماها الحالي المملكة العربية السعودية، وهو اليوم الذي تحرص فيه المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في المملكة بالإضافة إلى المواطنين السعوديين على المشاركة في الاحتفالات الوطنية، وهو ما يعكس قوة مشاعر الحب والانتماء والولاء لهذا الوطن الحبيب. ومشاركةً من ملتقى أسبار في الاحتفال باليوم الوطني، حرص الملتقى على طرح موضوع: (اليوم الوطني ذكرى توحيد الوطن)، وذلك من خلال الورقة التي قدَّمها د. زياد الدريس، وجرت حولها مداخلات وتعليقات عديدة ناقشت (مفاهيم القومية الجديدة، ننتمي لهذا الوطن.. إذًا فنحن بخير، الذكرى 88 أم 86 نحتفل بالميلادي ونحسبها بالهجري، ماذا يعلمنا اليوم الوطني، المملكة وطن استثنائي، ما يحتاجه منَّا الوطن، المملكة ما بين الذكرى 87 و88، تهنئة وكيل وزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة باليوم الوطني، احتفالات اليوم الوطني والاستنفار الأمني، أسباب وحدة المملكة، فرحة اليوم الوطني، التحوُّل الاجتماعي وتحقيق الوطنية في المملكة، بين هوية عبد العزيز ورؤية سلمان، دور المؤسسات التعليمية في الاحتفال باليوم الوطني وتعزيز قيم المواطنة، الاحتفال باليوم الوطني وبعض السلوكيات الفردية غير المرغوبة، ممارسات الوطنية سلوك المواطن الصالح، الحفاظ على نظافة الأماكن مسؤولية الجميع، النظافة والنظام والمجتمعات المثالية، اليوم الوطني وضرورة تفعيل القانون، تعزيز قيم المواطنة لدى الأجيال). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديد من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها الدكتور زياد الدريس، وعلَّق عليها أعضاء الملتقى.

كتب د. زياد الدريس: إن العملية التي قام بها المؤسس عبد العزيز آل سعود من أجل تجميع قطع الوطن المتشرذمة في خريطة واحدة خلال ثلاثين سنة، على مساحة تفوق 2 مليون كيلو متر، في منطقة ليست نائية بل في وسط العالم، لم تكن بالمهمة السهلة.

لكننا مع مرور الزمن، ألِفنا نعمة الوطن لدرجة أن أصبحنا لا نشعر بها، مثلما يألف أحدُنا نعمةَ وجود والديه بجانبه. فلما جاءت حادثة اقتحام الحرم 1979م زال الإلف المخدِّر وأحسسنا بالخطر الذي يهدِّد نعمتنا من جديد. كان البعض قلقًا على الحرم فقط وليس على الوطن كله؛ إما لأنه لم يدرك نوايا ما بعد الحرم، أو لأنه لا يؤمن بحُرمة الوطن.

كما أن دماء وشتات (الربيع العربي) أحيت فينا من جديد القلق على وطنٍ آمنٍ، ننعم بالعيش فيه دون أن نشعر بحجم هذه النعمة العظمى.

لا نريد أن تخدعنا الشعارات (الإصلاحية) البراقة كما خدعت آخرين، ندموا الآن. الإصلاح الذي يدمِّر الوطن وأهله ليس إصلاحًا، بل هو فساد محض. نقول هذا ونحن ندرك أن وطننا مثل كل أوطان الأرض، ليس فردوسًا أرضيًا خاليًا من الأخطاء، لكننا لن ننجرّ لمَن يريد تضخيم الأخطاء وإظهارها كأنها أكثر من الصعوبات والإنجازات.

عزيزي الإنسانَ، إذا كنت ستظل تبحث عن وطن بلا خطيئة، فستقع يومًا في خطيئة أنك بلا وطن.

الحديث عن الوطن حديث منعش ورقيق ومُحبَّب للنفس التي تعي نعمة الوطن، وتدرك معنى أن يكون عندك وطنٌ آمن. لكن الحديث عن الوطنية للأسف ليس بنفس سلاسة الحديث عن الوطن، إذ هنا ستبرز الجدالات الحادة أحيانًا، عن المفاهيم والدلالات والحقوق والالتزامات (والمزايدات والمناقصات باسم الوطن).

الفارق بين الحديث عن الوطن والحديث عن الوطنية مشابه كثيرًا للفارق بين الحديث عن الدين والحديث عن التديّن، إذ يعلن (أو يدّعي) الإنسان انتماءه للدين أو للوطن لكنه ينشغل بإثبات أو نفي انتماء الآخرين أكثر من انشغاله بفحص انتمائه.

ومثلما يستخدم البعض الدين لتخويف الناس وتصنيفهم وإقصائهم، يستخدم آخرون الوطن للتخويف والتصنيف والإقصاء، أولئك يستخدمون أداة التكفير وهؤلاء يستخدمون أداة التخوين. يجب أن ننشر بيننا ثقافة الخوف على الوطن وليس التخويف بالوطن.

الوطنية والمواطنة:

هناك فروقات عديدة بين الوطنية والمواطنة، ولقد أوردتها في كتابي: (لا إكراه في الوطنية،2013م)، ذكرت فيها: “الوطنية تعني المشاعر العاطفية والوجدانية التي تتكون عند الفرد تجاه الوطن أو الأرض التي يحبها. أما المواطنة فهي الممارسات والسلوكيات والأفعال التي يُنتظر من الفرد أداؤها بصورة منسجمة مع قوانين الوطن وأنظمته وأمنه وسلامته وحمايته، ما يعني أنه ليس بالضرورة أن كلَّ وطني مُحِبٌّ لوطنه هو مواطن صالح إيجابي مفيد لوطنه.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوطنية من حيث هي نبتة وجدانية مشاعرية، لا يمكن استزراعها بالإكراه ولا قطف ثمارها بالقوة؛ بل هي تنبت عندما تتوفر لها التربة الخصبة والسقيا العذبة، وعندما يتم حمايتها من الآفات والتلوثات.

وإذا كان الله – عزَّ وجلَّ- لم يجعل الدين نفسه بالإكراه، كما في نهيه الصارم: ﴿لاَ إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾[البقرة: 256]، فإن من باب أولى أن لا يكون ما سواه بالإكراه. لكننا أيضا إذ نستحضر أن اللاإكراه في الدين هنا هو في العقيدة من حيث هي عمل وجداني، أما الشريعة من حيث هي عمل وسلوك فهي ملزِمة لكل مَن سكن في ديار الإسلام، فبالمثل يمكننا القول: إنه لا إكراه في الوطنية من حيث هي شعور وجداني، أما المواطنة من حيث هي سلوك وممارسة وعمل وإسهام وتنمية وفعالية فهي مُلِزمة لكل مَن سكن هذا الوطن.

وعليه، فقد يكون حقًّا: لا إكراه في الوطنية… لكن لا خيار في المواطنة. والسؤال: هل نحن الآن في حاجة إلى (الوطني المُحِب) أم إلى (المواطن المُنتِج) أكثر؟ المؤكد أننا نتمنى ونحلم بوجود الاثنين معًا في آن وإناء واحد.

¤     المداخلات:

توحيد المملكة والنجاة من الصراعات الأمنية:

ذهب أ. محمد الدندني إلى أن د. زياد ذكر حادثتين: الأولى، عشنا نتائجها سنين طويلة، ولسوء الطالع تزامنت مع ثورة ظلامية أحيت كلَّ ما هو مقيت في تاريخ المنطقة القديم والحديث، وهاهي تستثمر الحادثة الأحدث وهي الربيع العربي، كل هذا يشكِّل أربعة عقود هي نصف الزمن منذ توحيد وطننا المملكة العربية السعودية على يد ابنها البار المؤسس، رحمة الله عليه. وقبلها عشنا صراع الحرب الباردة بيننا وبين إسرائيل، وما تميزت به منطقتنا من صراعات بينية وإقليمية أثَّرت كثيرًا في عجلة التنمية والتحديث، وقد استمر هذا الصراع إلى اليوم.

مما سبق، نرى أننا- والحمد لله- نجونا أمنيًّا من هذه الصراعات، ولو أنها أثَّرت تنمويًّا وفكريًّا. وكما ذكر د. زياد؛ تلفت الناس ورأوا أن هذا الأمن وهذا الوطن يحتاجان إلى تفعيل أمور كثيرة لحمايتهما.

ما أودُّ أن أذكره أننا يجب أن نتعامل مع الوطن والوطنية بميزان النتائج والمكتسبات، وما هي الطرق الأسلم لتفعيل الوطنية والمواطنة، كُلٍّ بشروطها وواجباتها ومسؤولياتها.

مفاهيم القومية الجديدة:

أشار د. عبد العزيز الحرقان إلى أنه بدأت تظهر مفاهيم قومية وطنية جديدة، تشتمل على جوانب سلبية قد تؤدي إلى مشاكل اجتماعية واقتصادية؛ منها أن السعودي لا يخطئ، وإن أخطأ فيرجع السبب إلى أنه مخدوع بأجنبي.

من هذه المفاهيم أيضًا أن السعودي هو أفضل من الأجنبي في كل الأحوال في العمل، ويجب طرد كل الاجانب وإحلال السعوديين مكانهم، ومن أبرز تأثيرات هذا التوجُّه استعداء رجال الأعمال والمستثمرين في الصحافة واعتبارهم مصاصين لدماء الشعب؛ لأنهم لا يوظِّفون سعوديين، وكاد أن يصبح توظيف أجنبي هو خيانة للوطن.

ننتمي لهذا الوطن.. إذًا فنحن بخير:

ذكر د. خالد الرديعان؛ أننا نحمد الله على انتمائنا لهذا الوطن، هذا الكيان العظيم، وطن الحرمين الشريفين، وطن العرب والتاريخ والحضارة والمجد الزاهي في جبين التاريخ. ومثل غيري ينتابني خوف على هذا الوطن عندما التفت يمينًا ويسارًا، وأرى المآسي في بعض الأوطان العربية وشدة الأطماع فيها من قِبل الدول المتربصة، لكني ورغم كل شيء أعود فأقول: إننا بخير، وبحفظ الله ورعايته، حتى مع وجود هذه الرزايا التي تحيط بنا والمفتعلة أحيانًا. نحن بخير، وسنظل-إن شاء الله- كذلك، ليس لأننا مختلفون عن غيرنا، ولكن لأننا نخدم الحرمين الشريفين، ونُسهِّل وصول زائريهما، ونقدِّم الغالي والنفيس في سبيل ذلك.

نحن بخير لأننا قبلة مليار وثمانمائة مليون مسلم في العالم، تهوي أفئدتهم إلى هذه الأرض، ولديهم الاستعداد لحمايتها والذود عنها من كل معتدٍ وآثم. نحن بخير لأننا نقوم بما يمليه علينا الواجب والضمير الإنساني الحي تجاه الأخ والصديق والجار وكل مَن يمدُّ يدَه لنا بالخير أو مَن يسألنا. نحن بخير لأننا إن شاء الله أهل سلام ورحمة ومودة، وأهل خير وعطاء دون مِنّة. نحن بخير لأننا متحابون ومتآخون فيما بيننا، لا فرق بين فقير وأمير، وصغير وكبير. نحن بخير لأننا صبرنا على شظف العيش في هذه الصحراء يوم أن كانت اللقمة شحيحة، اقتسمناها فيما بيننا، وما شكونا عوزنا وحاجتنا إلا لله. نحن بخير، وسيزيد الخير إن شاء الله، بتوفيق الله، ثم بسواعد شبابنا وحزم قيادتنا.

علق على ذلك أ. محمد الدندني واصفًا ما كتبه د. خالد الرديعان بالمثالية والعاطفية. وذكر؛ لا أشكك أبدًا فيما ذكرتَ، وكلي إيمان به، وأحمد الله أنني سعودي عربي مسلم من هذه الأرض، ولكن ما أراه على الأرض من الخذلان والتنكُّر من العربي والمسلم والصديق إلا ما قلَّ. لا أدعو لوطنية تمسح شعور العربية والانتماء العقدي لمليار ونصف مسلم، ولكن يجب أن يكون هذا الوطن أولًا شامخًا بمقوماته، ولا يعتمد إلا على الله ثم أنفسنا، قيادةً وشعبًا ومواردَ.

ويعتقد د. خالد الرديعان أننا لا يجب أن نزرع الإحباط والسوداوية عند أبنائنا والجيل القادم، يجب أن نعطي هذا الجيل الأملَ بغدٍ مشرق وزاهٍ. إلا أن أ.محمد الدندني يرى أنه أراد أن يُطفئ الشعور الوطني الجميل بواقعية ربما كانت قاسية، فلا مجالَ للحالمين في هذا العالم المتوحش.

الذكرى 88 أم 86 نحتفل بالميلادي ونحسبها بالهجري!

أشار أ. عبد الله الضويحي إلى أن اليوم الوطني للمملكة يعود إلى المرسوم الملكي الذي أصدره الملك عبد العزيز، طيَّب الله ثراه، برقم 2716، وتاريخ 17/5/1351هـ عام 1351هـ، بتحويل اسم الدولة من (مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها) إلى المملكة العربية السعودية، ابتداءً من يوم الخميس 21/5/1351هـ الموافق 23/9/1932م الذي يصادف الأول من الميزان. ووفقًا لهذا التأريخ فنحن نعيش الذكرى 86 بالميلادي ونعلنها 88 (بالهجري 88 و8 أشهر)؛ أي أننا نحتفل به بالتأريخ الميلادي وبالرقم الهجري. أعتقد أن هذا قد يسبِّب إشكالية لدى المتعاملين بالميلادي عندما يلحظون هذا الاختلاف.

ماذا يعلمنا اليوم الوطني؟

ذهبت أ. علياء البازعي إلى أن الاحتفال باليوم الوطني لهذا العام مختلف تمامًا، وأثبت أن الإنسان السعودي عندما يُعطَى الفرصة يُبدع ويُقدِّم أفضلَ ما عنده.

من جانبه، نشر د. محمد الملحم تغريدة له على تويتر، تذكّر؛ “في اليوم الوطنينتعلم (ونراجع):نبذ الفرقة، دحر العنصرية، طمس الجاهلية، معاني الأمن والأمان، تأكيد الأخوة الوطنية، تأكيد الولاء الوطني الخالص، والأهمالتربية الوطنية: مسؤولية الجميع.

المملكة وطن استثنائي:

ذهب د. راشد العبد الكريم إلى أنه مما لا شك أننا في وطن استثنائي، وأن أكثر مقومات التقدُّم متوفرة لنا. وأتساءل: هل نحن ندرك هذه النعمة ونتعامل معها بمسؤولية، ونمتلك من الطموح والثقة بالنفس ما يوازي المعطيات التي لدينا؟

أنا على يقين أننا في كثير من الجوانب يجب أن نقارن أنفسنا بالدول المتقدمة وليس بدول المنطقة، لكنْ لديَّ شعورٌ بأنَّ ما ينقصنا هو الثقة بالنفس، والنظر لمعالي الأمور في البناء الحضاري والمدني، والبعد عن الشكليات والإعلاميات السطحية.

من جانبه ذكر أ. محمد الدندني أنهم يلومونني عندما نتناقش في موضوع المحتوى الوطني عملًا وأعمالًا، حيث إنَّني أزعم أنها موجودة وتأثيرها سلبي جدًّا على الأفراد والجماعات. وأرى أنها تحتاج نقاشًا عميقًا وعلاجًا؛ لأنها قديمة قدم ما نحتفل به، وقبله أيضًا.

أضاف د. راشد العبد الكريم أن جزءًا كبيرًا من نجاحات الدول حولنا هي الصورة الذهنية التي تُصنع لهم أو نصنعها نحن لهم، بينما يُصنع لنا صورة سلبية. لماذا لا يكون اليوم الوطني يوم جرد للمنجزات، وتأمل في الإخفاقات؟!

ما يحتاجه منا الوطن:

أورد م. خالد العثمان تغريدةعلى تويتر؛ تذكّر كل ما يريده منَّا الوطن هو التكاتف حوله، والإيمان به، والثقة ببعضنا البعض. الوطن يا إخوتي هو أنا وأنت وهو وهي، وبدون تكاتفنا والتفافنا حول قادتنا لن تقوم لنا قائمة.

كما أعاد م. خالد مقالًا للوطن منشور على مدونة عثمانيات (خواطر في التنمية نشرت ولم تنشر) بتاريخ الخميس 9 صفر 1432 هـ يعيد نشره في كل احتفال باليوم وطني. المقال بعنوان (أي شيء في العيد أهدي إليك). جاء في المقال: “عندما جلست لكتابة مقال هذا الأسبوع تذكرت أن موعد نشره سيصادف اليوم الذي يسبق عيد الأضحى المبارك. قررتُ حينها أن يكون مقال هذا الأسبوع مختلفًا عن مجمل الخط الذي انتهجته في الكتابة، وأن يكون منصبًّا على هذه المناسبة السعيدة. تبادرت إلى ذهني حينها قصيدة الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي، والتي مطلعها “أي شيء في العيد أهدي إليك”. ولمَن لا يعرف هذه القصيدة، فهي من أجمل عيون شعر الغزل التي نضحت بها قريحة هذا الشاعر المبدع. وحيث إنَّ مجمل كتاباتي هي لأجل الوطن، الذي هو محل العشق الأكبر، سألت نفسي، أي شيء في العيد أهدي إلى هذا الوطن، وجاءت هذه السطور محاولة الإجابة على هذا السؤال.

وُلدتُ ونشأتُ وترعرتُ في ربوع هذا الوطن، ونهلتُ من معينه وتعلمتُ في مدارسه، عشتُ كلَّ مشاكله وتناقضاته وصراعاته، وعايشت فيه لحظات الغضب والإحباط إلى جانب لحظات الفرح والفخر. كنت دومًا ومازلت أسأل نفسي، لماذا لا تكون بلادي أكثر الأمم تقدُّمًا، وهي التي رفعت رايةَ خدمة الإسلام ورعاية الحرمين الشريفين، وهي التي حباها الله بثروة نفطية تحسدها عليها الأمم، وهي التي قيَّض الله لها حكّامًا كلُّ همهم رفعة شأن هذا الوطن، وهي التي تنعم بثروة بشرية يمكن أن تكون أساسًا لتنمية ناجحة ومستدامة؟ لماذا تعاني بلادي من البطالة والغلاء، وقهر المرأة، وفقدان الثقة بين أفراد المجتمع وفئاته؟ لماذا نعيش معظم أوقات حياتنا نعالج آثارًا لمشاكل وعقبات وضعناها بأيدينا؟  لماذا نشهد كلَّ يوم وفي كل مكان مظاهر سلبية مخلة تكدِّر العيش وتنشئ الهمَّ والغم؟ هل هو قصور النية؟ أم قصور القدرة؟ أم قصور الإرادة؟ أجزم أنها ليست الأخيرة، فالإرادة موجودة وحاسمة وحازمة للنهوض بالأمة وتحقيق حلم التنمية. أنظرُ إلى الماضي فأجده زاخرًا بتاريخ مشرِّف وسيرة عطرة زاهرة، وأنظرُ إلى المستقبل فأجده واعدًا مليئًا بالأحلام والتطلعات، وأنظر إلى الواقع فأجده مليئًا بالإمكانات والفرص. إذًا أين الخلل؟ ولماذا أجد هذا التناقض بين هذه الإمكانات والفرص المدعومة بإرادة مخلصة وبين الواقع المليء بالمشاكل والعقبات والإحباطات؟

أوصلني تفكيري إلى أن السبب الرئيس هو نحن، أفراد المجتمع وبناة الوطن. لابد أنَّ العيب فينا، فنحن إما متخاذلون عن أداء دورنا المطلوب، وإما مصابون بمرض فقدان الثقة والأمل في المستقبل، وإما مفتقدون للإيمان والقناعة بأهمية تضافر جهودنا جميعًا لمصلحة الوطن. لا يوجد منَّا مَن هو أكثر وطنية أو إخلاصًا من الآخرين، ولا يوجد منَّا مَن هو أكثر حرصًا من الآخرين على مقدرات الوطن وماله العام. إذًا فالمشكلة هي في تلك الفرقة التي يعيشها أبناء الوطن. الفرقة التي تغذيها مظاهر القبلية والطبقية واختلاف الجنس واللون والعرق، الفرقة التي تؤدي بكثير مِنَّا إلى التشكيك المسبق في كل ما يبدر من أحدنا من رأي أو انتقاد أو مبادرة. ربما يبدو هذا الاستنتاج سطحيًّا وساذجًا لدى الكثير من القراء، ولكني أجده أساسًا لأية تنمية ناجحة، ولنا في بقية الأمم نماذج تُحتذى لتجارب تنموية ناجحة كان أساسها تضافُر وتكاتف أبناء المجتمع مهما اختلفت أشكالهم وأعراقهم وأجناسهم وحتى دياناتهم.

إذًا؛ ماذا نُهدي إلى الوطن في هذا العيد، وكل عيد؟ ليس المطلوب كثيرًا، وهو في ذات الوقت من الأهمية مكان الرأس. كل ما يريده منَّا الوطن هو التكاتف حوله، والإيمان به، والثقة ببعضنا البعض. الوطن يا إخوتي هو أنا وأنت وهو وهي، وبدون تكاتفنا والتفافنا حول قادتنا لن تقوم لنا قائمة. علينا أن ننبذ كلَّ أسباب الفرقة والشتات، وأن نضعَ المستقبل نُصبَ أعيننا، وأن نخلص العمل لتحقيق رفعة شأن هذا الوطن. أجزمُ أننا إن تمكنا من تحقيق ذلك فسنتمكن بالتالي من التعاطي مع كل مشاكلنا برؤية مختلفة. سيقوم كل وزير ومدير ومسؤول بأدوارهم بشكل متكامل ومتضافر، يحقق النجاح لكلٍّ منهم. وسيعمل كلٌّ منا في مصنعه ومزرعته وشركته ومدرسته ليبني لبنات متكاتفة في بناء الوطن، وليس في بنائه الخاص به دون سواه. وستنال المرأة مكانتَها كقطاع فاعل في المجتمع، وليس كفئة منبوذة مُحاطة بالشبهات والمحاذير. وسنعمل جميعًا لتحقيق آمالنا وتطلعاتنا عبر تبني رؤية طويلة المدى، عوضًا عن السعي اللاهث وراء الربح السريع مهما جرَّ هذا الربح على الآخرين من أضرار وويلات. وسنفكر مليًّا قبل أن نتخذ أيَّ قرار أو مبادرة أو موقف فيما سيكون له من آثار على مجمل مسيرة التنمية. صدقوني أنني لا أطلب الكثير، فنحن أهلٌ لهذا الاتحاد المجتمعي المحاط بالثقة، والروابط التي تجمعنا أكثر بكثير وأقوى من كل أسباب الفرقة والشتات. كل ما علينا أن نؤمن بهذا الوطن، ونؤمن بدور كلٍّ منَّا فيه، ويبذل كل منَّا كلَّ ما يمكنه أن يبذله بإخلاص، لنحقق جميعًا حلم المستقبل الزاهر لهذا الوطن.

لن أجدَ خاتمة لهذا المقال أفضل مما ختم به الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي قصيدته، حيث قال:

ليس عندي شيء أعز من الروح …. وروحي مرهونة بيديك

وقبله قال شاعر آخر:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة ….  وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرام

وقبله أيضًا قال شاعر آخر:

 تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا …  وإذا افترقن تكسرت آحادا

المملكة ما بين الذكرى 87 و88:

غرَّد أ. عبد الله الضويحي على تويتر، ذاكرًا؛ اليوم الوطني السعودي الـ 88 ما بين الذكرى 87 والذكرى 88، قاد سلمان بن عبد العزيز وبمتابعة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تغيرًا كبيرًا في مفهوم الدولة، كان يحتاج عقودًا من الزمن ليصبح حقيقةً لكنه استطاع أن يجعلها أمرًا واقعًا مختصرًا بذلك الزمن ورافضًا كل المسافات.

تهنئة وكيل وزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة باليوم الوطني:

أورد د. سعود كاتب خبرًا لوكالة الأنباء السعودية واس* بتاريخ الأحد 13 محرم 1440 هـ الموافق 23 سبتمبر 2018م، بعنوان: اليوم الوطني/وكيل وزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة: اليوم الوطني للمملكة ذكرى صورة مشرقة لتاريخنا العريق. جاء في الخبر (رفع وكيل وزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة السفير الدكتور سعود بن صالح كاتب، التهاني والتبريكات لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله – بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية الثامن والثمانين.

وقال:”إن الاحتفاء باليوم الوطني هو استعادة دائمة لسنوات المجد وللجهود التاريخية الكبيرة التي قام بها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- رحمه الله-من أجل توحيد هذا الوطن الذي نحرص دائمًا على أن يبقى في مكانته وعزته وهويته وثوابته الوطنية.

وأكَّد أن كل مواطن على تراب هذه البلاد يشعر بالفخر والاعتزاز بالذكرى الخالدة لليوم الوطني؛ لما تمثله من صورة مشرقة لتاريخنا العريق، ويتوقف فيها أبناء هذا الوطن لقراءة حاضرهم الزاهر للمضي قدمًا بعزيمة وإرادة لبناء المستقبل).

احتفالات اليوم الوطني والاستنفار الأمني:

ذكر د. مساعد المحيا في إحدى تغريداته على تويتر (في يوم الوطن جميل أن نبوح بحبه، وأن نحافظ على مقدراته، وأن نلتزم بأنظمته،حبُّ الوطن عمل دؤوب لخدمة الناس وإخلاص في الأداء وجودة في الإنتاج..  ربِّ اجْعَلْ هَذاَ البلدَ آمنًا). من جانبها أثنت د. وفاء الرشيد على ما جاء بهذه التغريدة.

بينما يرى د. حميد الشايجي أن هناك مشكلة تتمثل في حالة الاستنفار الأمني الرهيبة في مناسبة اليوم الوطني؛ مما يؤكِّد ما ذهب إليه د. زياد من إشكالية فَهْم المواطنة والوطنية لدى بعض ممَّن يحتفلون باليوم الوطني، فهؤلاء البعض لا يلتزمون بالأنظمة واللوائح بل يخالفونها؛ مما يسبب إزعاجًا للسلطات، بينما المفروض أن يسعد الجميع ويحتفلون باليوم الوطني بكل أريحية في ظل احترام النظام.

إلا أن د. حسين الحكمي يعتقد أنه ينظر إلى الصورة من زاوية مختلفة. فهي احتفالية جماهيرية كبيرة، وتواجد الأمن بالشكل المناسب للمحافظة على الأمن أولًا، ولتسهيل تنقلهم، وكذلك للاحتياط ولردع مَن قد تسوّل له نفسه استغلال المناسبة بشكل سيئ، سواء بعمد أو غير عمد. وأرى أنه في مثل هذه الاحتفالات وفي كل العالم نرى تواجدَ الأمن بشكل مكثف، بالتالي فهو إجراء مناسب وطبيعي. اتفقت أ. علياء البازعي مع ما ذكره د. حسين، وأضافت: إن احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي وحتى في المقاطعات الصغيرة بالإضافة إلى المدن الكبرى، تتم وسط تواجد أمني مكثف وإغلاق للشوارع.

علقت د. الجازي الشبيكي بأن التواجد الأمني كان مكثفًا هذه الليلة، لكن في المقابل كان الشباب والبنات أكثر انضباطًا من السنوات الماضية.

أسباب وحدة المملكة:

أشار د. مساعد المحيا إلى أن لديه شعورًا يزداد يومًا بعد يوم من أن آباءنا الذين أدركوا شظف العيش وقلة اليد والتعب في طلب الرزق، هم أكثر مَن يدرك نعمةَ الله عليهم بهذا المنجز الوحدوي الوطني؛ لذا تجدهم يلهجون بصدق وإخلاص بالدعاء للوطن ولقيادته. نحن نستشعر ذلك أيضًا لقربنا منهم، ونحتاج أن ننجح في نقل ذلك لأبنائنا. أما جيل اليوم فثمة شعورٌ بسلبية الكثير منهم تجاه مقدرات الوطن ومؤسساته وتاريخ نشأته.

ذكرت هنا سابقًا أنَّ من أهم أسباب الوحدة التي أتاحت للملك عبد العزيز ورجاله وكل الذين جاهدوا معهم قدرًا كبيرًا من النجاح، هو ذلك التناغم الكبير بين مكونات مناطق المملكة الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

ولذا كانت البداية في تأسيس الدولة السعودية الأولى باتفاق الدرعية عام 1157-1744م، بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، حيث دانت الجزيرة للدولة السعودية، وكان هذا بداية تحوُّل مهمة في تاريخ الجزيرة العربية دينيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

وقد حافظت الدولة على منهجها خلال عهد الدولة السعودية الأولى، وامتد نفوذها مما أغضب القوى الدولية وتكاتفت لوأدها. ثم نشأت الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبد الله ثم ابنه فيصل ثم عبد الله، الذين حافظوا على ذلك المنهج المتناغم مع طبيعة المجتمعات المحلية حتى سقوطها بسبب الفرقة والخلاف. ثم قامت الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز-رحمه الله-مستلهمة المنهج الذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى، حيث كان ذلك أحد أهم ركائز الوحدة، أتاح له ولرجاله ولهذه البلاد أن تتوحد بعد تضحيات كثيرة وعمل طويل ودؤوب.

لذا ستظلُّ عوامل الوحدة باقية بإذن الله، راسخة ما دامت هذه البلاد تقوم على كتاب الله وسنة رسوله-ﷺ-وتحتكم إليهما، وَتَشرُف بخدمة الحرمين، وتبذل كثيرًا لأجل خدمتهما ورعايتهما.

هذا المنجز الوحدوي حريّ بأن نتذكر دائمًا عمقه التاريخي وصلابته الدينية المرتكزة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهدي الإسلام وقيمه.

ويزعم د. خالد الرديعان أن فوضى “الربيع العربي” التي طوفت ببعض الدول العربية وتركتها أثرًا بعد عين، قد خلقت وعيًا جماهيريًا عند الكثيرين، ومنهم غالبية السعوديين حول أهمية حماية المنجز الوحدوي. وبديل الوحدة هو الفوضى العارمة؛ شيء يشبه النموذج الليبي.

فرحة اليوم الوطني:

ذهبت د. عبير برهمين إلى أننا في يومنا الوطني، يحق لكل فرد أن يفرح وأن يعبر عن فرحته بما شاء. قد نستنكر بعض التصرُّفات هنا وبعض المواقف هناك حتمًا، فنحن مختلفون في أذواقنا وميولنا وخلفياتنا الثقافية والأسرية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو سرُّ روعتنا وجمالنا الذي لا نقدره. لو قيل إن هناك حديقتي أزهار جميلتين؛ إحداها تحوي لونًا واحدًا من الأزهار، والأخرى تحوي مزيجًا كبيرًا من الأشكال والألوان والأحجام والعبير، كلتهما منسق بشكل بديع، تُرى أيَّ الحديقتين سترغب في أن تزور؟ لن أستغربَ لو اختارت الغالبية زيارة الحديقة الغناء الثانية. وهكذا نحن في وطننا، اختلافنا هو سر جمالنا، إلا أننا كلنا نحب وطننا، وإن كنَّا نختلف في طُرق إظهار هذا الحب والتعبير عنه.

ظللنا لعقود نرزح تحت كلمة “حرام” التي جردتنا من كلِّ مظاهر الفرح والتعبير عن العشق الحلال لوطن المجد والعلياء، وأتينا اليوم لنحتفل بعيد المملكة الـ88 بشكل لم نكن نتخيله سابقًا. فطِب يا وطني في يوم عيدك، وأنعم بحبِّ أبنائك وبناتك، واسمح لي أن أختزلَ كلَّ مشاعري في كلمة تجمع كلَّ عبارات التقدير والإجلال، فأقول: “أحبك يا وطني، وأهيم بثراك عشقًا، وأذوب في سماء عليائك وجدًا”.

التحوُّل الاجتماعي وتحقيق الوطنية في المملكة:

ذكر أ.محمد الدندني؛ بما أننا نناقش اليوم الوطني للبلاد، ويتلخص النقاش في الوطنية أكثر منه عن المواطنة؛ لذا وددتُ أن أطرحَ موضوعًا حول التحوُّل الاجتماعي وحرص القيادة السياسية على الوسطية كإحدى مدارس الفقه الإسلامي إن جاز التعبير، إلا أننا نرى قطبين على جانبي هذا التوجه الحميد: الجانب الليبرالي، وهو القطب الذي أرى أنه يغرِّد خارج السرب أحيانًا، أو يمشي بخُطى أسرع من الغالبية؛ والجانب التقليدي المحافظ الذي يرفض النقد الذاتي والتفكير بما آلت إليه أمور كثيرة، إجتماعية وسياسية واقتصادية، ولو أنه يوجد رموز مهمة من كلا القطبين بدأت تعيد النظر والتقييم ضمن النص وضمن الثوابت.

لا نريد انقسامًا شديدًا في المجتمع، بل نريد المحافظة على الجماعة، وهي محور مهم في ديننا الحنيف، فهي الوحدة الوطنية بمسمَّى حديث؛ لذا فإنني أتساءل: هل ما سبق مدعاة للقلق، ويجب علاجه بالحوار لتضييق المسافة بين القطبين ليقتربا للوسط، أم أنه أمر طبيعي ولا داعيَ للقلق، فالأمر سيأخذ وقتَه وستأخذ الحياة مجراها الطبيعي؟

أضاف أ. جمال ملائكة أنه سبق أن اقترح حوارًا مستمرًا، ويأخذ فترة بين عقلاء الجانبين، حتى يفهم كل طرف رؤية الآخر، وبعد ذلك لكل حادثٍ حديثٌ.

بين هوية عبد العزيز ورؤية سلمان:

أورد أ. عبد الله الضويحي مقالة نُشرت له في صحيفة أصداء وطني* بتاريخ 24 سبتمبر 2018م، الموافق 13 محرم 1440هـ، بعنوان: ” الذكرى 88 بين هوية (عبد العزيز) ورؤية (سلمان)”؛ جاء بها (لم يكن يلهو مع أقرانه من الأطفال عندما كان غضَّ العود رغم بساطة الألعاب وبدائيتها في ذلك الوقت وارتباطها بالبيئة.

وعندما يحنُّ للعب والترفيه شأنه شأن أي طفل كان يسعى لتكوين جماعة خاصة به يدعوهم للعب معه بدلًا من أن ينضم لجماعة قائمة. هكذا تقول كتب التأريخ، وهكذا كتب المؤرخون عن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود.

وتؤكد نظريات علم النفس والاجتماع أنَّ مثل هذه الروح تمثل الشخصية القيادية لدى صاحبها؛ ما يعني أن “عبد العزيز” وُلد قائدًا. هذه السمة انعكست على شخصيته، فكان يقضي كثيرًا من وقته متأملًا في ملكوت التاريخ متطلعًا للمستقبل.

كان يقرأ بحسه وتفكره تاريخ أجداده، وكان يتطلع ببصيرته لمستقبل هذا التاريخ. فترة المراهقة بالنسبة له لم تكن فترة طيش ولهو، والتمرد الذي يعيشه المراهق كان بالنسبة له تمرُّدًا إيجابيًّا. ويفترض بعض علماء النفس أن فشل المراهق في تحقيق الشعور بالهوية يمكن أن يؤدي إلى ارتباك دوره وعدم قدرته على اختيار مهنة له، لكن “عبد العزيز” كان غير ذلك، فالشعور بالهوية لديه لم يكن شعورًا ذاتيًّا بقدر ما كان البحث عن هوية عامة لأسرته، وبالتالي لمجتمعه وأمته؛ لهذا قاده هذا الشعور بعزم وثبات للبحث عن هذه الهوية وتحقيقها.

في ليلة رمضانية من عام 1319هـ/1902م اتخذ “عبد العزيز” قراره المصيري فغادر الكويت حيث كان يقيم مع أهله قاصدًا الرياض بعدد من رجاله، ليعلن منها في الخامس من شوال الموافق 15 يناير استعادة ملك آبائه وتأسيس دولته، ليبدأ معها رحلة جهاد معنوية وحسية على مدى نصف قرن، خاض فيها أكثرَ من 20 معركة على مدى ثلاثة عقود، مع شعوب وأمم وقبائل ذات ثقافات مختلفة، ليجعل منها شعبًا واحدًا وأمةً واحدةً ووطنًا واحدًا، فقاد ملحمة توحيد أسس بها دولة من العدم لم يكن لها وجود، ليدخل بها تأريخ الأمم، ويدخلها أطلس الجغرافيا، معلنًا بذلك أعظمَ وحدة في التاريخ الحديث.

قضى عقدين من الجهاد مع الذات لوضع أُسس هذه الدولة الحديثة، فكانت رقمًا مهمًّا على خارطة العالم، فأسهمت في قيام الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وكثير من المنظمات الإقليمية العالمية، لتسارع الدول العظمى خطبَ ودِّها، والاعتراف بها إيمانًا بها وبمستقبلها.

نصف قرن من الجهاد المعنوي والحسي، حتى إذا ما دانت له الرياض قائدًا، وآمن به الشعب ملكًا، سلَّم القيادة من بعده لأبناء بررة حافظوا على ملكه، وكانوا له امتدادًا، وأضافوا له ما يتوافق ومتطلبات العصر، ليزداد هذا الكيان ثباتًا ومكانةً. لكل منهم بصمته، ولكل منهم إضافته، لكنهم كانوا جميعًا ينطلقون من سياسة ثابتة تتخذ من القرآن دستورًا والدين منهجًا.

في هذه الأيام نعيش الذكرى الـ 88 ليومنا الوطني، وفي ثنايا العام الرابع لحكم “سلمان الحزم والعزم”. فترة قصيرة في عمر الشعوب لكنها كانت كبيرة في فكر “سلمان” وعطائه وجرأته في اتخاذ القرار، استطاع خلالها تغيير المفهوم التقليدي للدولة مع المحافظة على قيمها وتقاليدها؛ بإعداد الجيل الثالث للقيادة بما يتماشى ومفهوم العصر ولغته.

لم يكن ذلك غريبًا على الملك سلمان وهو الذي وصل للحكم متدرجًا، منطلقًا من رحم الشعب الذي عايشه أكثر من نصف قرن، كان الأقرب لهمومهم ومعرفة متطلباتهم، فكان “محمد بن سلمان” الأكثر تأهيلًا لهذا الدور؛ لهذا جاءت رؤية “سلمان” ثاقبة في “محمد”، وكانت رؤية 2030 ترجمة لهذه الرؤية، وكان هو رجل الرؤية.

ما بين ذكرى 87 والذكرى 88 قاد انقلابًا كبيرًا في مفهوم الدولة من أبعاد ديموغرافية وجيوسياسية وثقافية، كانت تحتاج عقودًا من الزمن لتصبح حقيقة، لكنه استطاع أن يجعلها أمرًا واقعًا، مختصرًا بذلك الزمن ورافضًا كلَّ المسافات.

دور المؤسسات التعليمية في الاحتفال باليوم الوطني وتعزيز قيم المواطنة:

أشارت د. الجازي الشبيكي إلى أنه نتج عن إحدى الدراسات العلمية المُطبَّقة على عدد من الجامعات السعودية (منير الفيفي – رسالة ماجستير -عام 1433هـ): ضعف الممارسة السلوكية لقيم المواطَنة لدى طلبة جامعات المملكة، مع الارتفاع المعرفي والوجداني العام. فهل يمكن أن نتفق أو نختلف مع هذه النتيجة؟ وما الحلول المقترحة لمعالجة هذه النتيجة؟

علق د. خالد الرديعان بأن الدراسة تعود لعام 1433 هـ، يعني قبل 7 سنوات، وقد أصبحت الآن قديمةً نوعًا ما. الأحداث الأخيرة التي جرت خلال السنوات الثلاث الماضية أوجدت فهمًا جديدًا في مفهوم الوطنية، وأرى أننا نحتاج إلى دراسة حديثة لعمل مقارنات كافية.

من جانبه يعتقد د. مسفر الموسى أن وسائل التواصل الاجتماعي وما تتضمنه من المشاركة والتعبير بالنصوص والصور والفيديو أتاحت فرصًا كبيرة للممارسة الوطنية السلوكية.

وفيما يخصُّ الجامعات، فقد لاحظتُ صمتًا عجيبًا لبعض الجامعات في اليوم الوطني، رغم ما تمتلكه هذه الجامعات من طاقات بشرية تتمثل في طلابها وأعضائها، بالإضافة إلى مقوماتها المادية من مسارح، وملاعب رياضية، وساحات وقاعات كبيرة للندوات الثقافية.

كتبتُ تغريدة عن هذا الموضوع، فهاتفني أحدهم بأن بعض الجامعات تنوي عمل ذلك بعد العودة من الإجازة، قلت له: اليوم الوطني مناسبة محددة بيوم معلوم، إنْ لم تحتفل في هذا اليوم فلا قيمة لأي احتفال في يوم آخر. كما أن تأجيل الاحتفال إلى يوم آخر فيه تشتيت وتمييع ليوم الذكرى الوطنية.

بينما ذكرت أ. علياء البازعي أنَّ وزير التعليم أعلن البدءَ باحتفالات اليوم الوطني منذ الأسبوع الماضي، حيث قامت أغلب المدارس والإدارات بتفعيله في يومي الأربعاء والخميس الماضيين. بعض الإدارات أقامت الفعالية في عطلة نهاية الأسبوع مع اليوم الوطني، مثل إدارة التربية الخاصة بالرياض، حيث نظَّمت زيارات وفعاليات مع طيران ناس ومطار الملك خالد والخطوط السعودية.

أضاف د. خالد الرديعان أن جامعة الملك سعود قامت بما تستطيع في الاحتفال باليوم الوطني. أمس-على سبيل المثال- كانت هناك ألعاب نارية داخل الجامعة حضرها عدد كبير من الأسر، تمَّ ذلك بالتنسيق مع هيئة الترفيه.

الاحتفال باليوم الوطني وبعض السلوكيات الفردية غير المرغوبة:

بعد أن قام أ. محمد الدندني بعرض أحد الفيديوهات، ونشر د. خالد الرديعان صورًا حول عدم تنظيف الحدائق بعد احتفالات السعوديين في الداخل والخارج، علَّق د. حسين الحكمي بأن هذا المنظر مزعج.

من جانبه نشر د. عبد الله محمد بن صالح صورًا لاحتفالات رأس السنة في الشانزليزيه والمنظر المزري بعد انتهاء الاحتفال. وذكر أننا لا نقارن أنفسنا بهؤلاء؛ لأن معظمهم لا يكونون بوعيهم في هذه الليلة.

في المقابل، فإن الحدائق بصفة عامة في أمريكا ومعظم دول أوروبا نظيفة، مُحافَظ على جمالها ونظافتها من المستخدمين لها، ونحن-المسلمين-أولى بالنظافة وعدم إيذاء الآخرين بالتلوث البصري والبيئي من الغير. الحل التوعية، في البيت، والمدرسة، والجامع، ووسائل الإعلام، ثم العقاب بفرض غرامات مالية.

ويعتقد أ. محمد الدندني أنه لو فُعِّل العقاب والغرامات لرأينا تحسُّنًا قد يصل إلى 70٪ في أسوأ الأحوال. أضاف د. عبد الله بن صالح أنه بعد استخدام ساهر، وغرامات ربط الحزام تحسَّن الأمر كثيرًا، حيث إنَّ الغالبية الآن تربط حزام الأمان في السيارات، وتلتزم بالسرعة المحددة.

من جانبها ترى د. الجازي الشبيكي أنه من المفترض أن تُلزِم أمانة المنطقة  الجهات التي تنفِّذ الفعاليات هناك بتنظيف المكان بعد الانتهاء من فعالياتها.

وأورد م. خالد العثمان تغريدة له على تويتر، تذكّر “برأيي هذا الرأي لا يخلو من تصيُّد ولو بحسن نية.. مثل هذه الاحتفالات الصاخبة لا تخلو من مثل هذه المشاهد بعد انقضائها في كل مكان في العالم.. ما أدرانا كيف هو الحال في بقية مواقع احتفالات اليوم الوطني السعودي، فلربما كانت مغايرة لهذا المشهد!

كما أضاف أ. محمد الدندني أننا لا يجب أن نكون حسَّاسين لأمورنا السلبية. هذه الظاهرة موجودة حتى في عطلات نهاية الأسبوع، مع جود حاويات صغيرة مجاورة لمكان الجلوس وكبيرة في مواقف السيارات، ولو أن كل أسرة أخذت معها كيس نُفايات كبيرًا لانتهى الأمر بسلام، أو أقلها لم تكن هذه المشاهد بهذه الصورة.

أحد الكتَّاب اليابانيين يُدعى”نوبواكي نوتوهارا” قال: إن بيوت العرب من أنظف البيوت، ولكن شوارعهم غير ذلك؛ لأنهم لا يشعرون بملكيتها، فهم لا ينتمون إلا لبيوتهم. هنا تأتي المواطنة وليس الوطنية.

علق أ. جمال ملائكة بأن السؤال هنا؛ لماذا لا يشعرون بملكية الشوارع؟ ما العلاقة أن تكون حكومة ما فيها سلبية معينة، فيقوم المواطن بعدم احترام الشارع والممتلكات العامة؟ أخشى أننا نعطي المواطن عذرًا لسلبياته. بينما يرى أ. محمد الدندني أنه لم يكن أبدًا عذرًا، فهو ملام، ويكفي أن الدولة هي من تمهِّد الشوارع وتنيرها، وتقوم البلدية بوضع حاويات للنفايات، وتجهيز إشارات وخطوط الأمان. إلا أنه في الوقت نفسه قد يكون مَن لا يشعر بملكية الشارع لمَّا يفهم بعدُ ما هو المجتمع المدني، وما له، وما عليه.  أضاف أ. جمال ملائكة إنه شخصيًّا لا يعفي أحدًا من مسؤولياته. واتفق معه في ذلك أ. محمد الدندني، إلا أنه يرى أن الوعي والإحساس بالمسؤولية ليس لدى كل الناس.

من جانبه نشر د. حميد الشايجي صورًا حول فعالية تنفيذ حديقة حي العريجاء بمشاركة 418 متطوعًا ومتطوعة، والتي نفذتها أمانة منطقة الرياض ضمن الاحتفاء باليوم الوطني 88.

ويرى د. زياد الدريس أنه في نقاش السلوكيات الخاطئة التي تتم أثناء احتفالات اليوم الوطني، تمَّ الخلط بين الخطأ (الفوضوي) الناتج عن سلوك فردي، والخطأ الناتج عن تصرُّف فردي تحت تأثير السلوك الجمعي مع الحشود، أو ما سمَّاه غوستاف لوبون: سيكولوجية الجماهير. هذه لها تفسير وحلول غير تفسير وحلول تلك. كما يتم تجريم الوطنية بسبب أخطاء وخلل في المواطنة.

ممارسات الوطنية سلوك المواطن الصالح:

أشار د. محمد الملحم إلى أن ممارسات الوطنية التي هي سلوك المواطن الصالح يتكفل بها حسن تطبيق القانون؛ لأنه مهما آمنت الكثرة بأهمية ومصلحة المواطنة، فإن استمرار الفئة الأخرى في الإفساد غير الملاحَق- وقد تكون في كثرتها بنفس قدر الأولى- كفيلٌ بطمس إيمانها أو على الأقل إخمادها switch off عن عكس إيمانها إلى السلوك المنظم، وتشتد هذه الظاهرة في مجتمعات التنافس والمظاهر كمجتمعنا.

لذلك عندي يقين أن سلوكيات المواطنة كلها ليست أصلية في “مجموع” مواطني المملكة؛ وإنما هي ناتج outcome لظاهرة لم تعالج وظيفيًّا functionally، بمعنى تتصدى لها جهات القانون، وإنما جُلدت في مساحة التوعية فقط. ولذلك ربما يُلاحظ أن مناقشتها لا تسفر عن حلول أصيلة authentic، أي الحلول الناجعة، وإنما تشخيص ومقترحات.

القضية الأجدر بالمناقشة خاصة هنا وفي هذه المناسبة، هي الوطنية والولاء للوطن، وأكبر سؤال عندي هنا: لماذا يتخلى المواطن عن وطنيته؟ ما الدوافع؟ ما الأسباب التي أدت إليها؟ وكيف يمكن الوقاية؟

الحفاظ على نظافة الأماكن مسؤولية الجميع:

نشرت د. عبير برهمين أحد الفيديوهات حول قيام بعض الأشخاص في بلد غربي برمي القمامة من سيارتهم على الطريق العام، ويُظهر الفيديو شخصًا آخر يَخرج من سيارته وينهرهم ويعيد إليهم ما رموه مرة أخرى، مع اهتمام مَن معه بتسجيل رقم السيارة. وفي نهاية المشهد ينزل صاحب السيارة المخالف ويلتقط باقي ما قام برميه على الطريق. وعليه أتساءل: مَن مِنَّا يقوم بعمل مشابه؟

علقت د. نوف الغامدي بأنها أكثر من مرة استوقفت عائلات بسبب مشابه لذلك، رغم اعتقادي أن تصرفي هذا غريب، لكن لم أهتم لأني اعتبرته مبدأً ومسؤولية اجتماعية تجاه مدينتي ووطني. عندي مشكلة مع الأشخاص الذين يرمون بقاذوراتهم من السيارة، فهم لا يحترمون وطنهم. أثنت د. عبير برهمين على هذا التصرُّف، وذكرت أنه الصواب بعينه، بغض النظر عن مدى تقبُّل الآخر النصح بالمحافظة على النظافة. من جانبي أنا قمتُ بذلك، وأول من انتقدني كانوا أخواتي.

أنا عندي مشكلة كبيرة أيضًا مع مَن يسير في طريق سريع أو شارع عام نظيف، ويلقي بيده كيسًا أو منديلًا أو أيَّ شيء يعكر المشهد الحضاري النظيف. المفارقة أن السيارة تكون من الخارج منظرها سيئ.

يعتقد د.خالد الرديعان أن الغرامات الباهظة هي التي تردع الناس من رمي المخلفات، وقد طُبِّق هذا في سنغافورة ونجحت فيه، فهي من أنظف مدن العالم. أضاف د. حميد الشايجي: عندما كنت في بريطانيا، نظَّم المركز الإسلامي في مدينة كارديف رحلةً بمناسبة العيد إلى أحد المنتزهات، وكنَّا أكثر من مائتي شخص؛ رجل وامرأه وطفل، وكنتُ مسؤولًا عن حجز المكان، ودفعت التأمين، ولما انتهينا من الرحلة ذهبتُ لأَخْذ التأمين، قال لي المسؤول عن التأجير: عندما رأينا عددَكم خشينا من تنظيف المكان بعد مجموعة بهذا العدد؛ لأننا تعوَّدنا على عدم النظافة من مجموعات أصغر بكثير منكم خاصة إذا تعاطوا البيرة، بينما أنتم ومع كل هذا العدد وجدنا شيئًا راقيًا، فذكرتُ له بأننا مسلمون، وديننا يحثُّ على النظافة والتعامل مع البيئة بشكل إيجابي، فأُعجِب بذلك، وقال: في المرة القادمة تستطيعون أن تحجزوا بالهاتف وبدون تأمين.

ويقترح د. خالد الرديعان أن تستقطب البلدية مراقبين متطوعين، وتعطيهم دفتر مخالفات يعطونها لمَن يرمون المخلفات. في هذا السياق عرض د. حميد الشايجي أحدَ المقاطع الذي يشير إلى أن المخالفات مفعلة، حيث يعرض الفيديو تطبيق غرامة 600 ريال لمواطن رمى بعض الأشياء في إحدى الحدائق في الواجهة البحرية لجدة.

النظافة والنظام والمجتمعات المثالية:

 في اعتقاد د. عبد العزيز الحرقان، فإنه لا يوجد مجتمع مثالي. ومثاليات المجتمعات الغربية في النظافة والنظام قد نتجت من قوانين صارمة هي التي بنت العادات الاجتماعية (مثل قصة القردة الخمسة). ففي أمريكا تتراوح غرامة رمي المخلفات في الطرق من 500 إلى 1000 دولار، وفي بريطانيا يأتي الالتزام بنظافة الشوارع منذ الحرب العالمية الثانية التي شحت فيها الموارد الغذائية وكان البوليس ينظم ذلك.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى، ترتفع غرامة إلقاء المخلفات إلى 2500 دولار في ولاية أريزونا، وتعتبر جريمة في ولايات أخرى، وتشمل إلقاء المخلفات في أي مكان عام، وقد يُسجَن المُخالِف لقوانين إلقاء المهملات لمدة شهر. أما من ناحية النظافة الداخلية التي لا يحكمها نظام أو دين، فالمجتمع الغربي بشكل عام غير نظيف.

هذا ما ذهب إليه أ. محمد الدندني، حيث أضاف أنه ذُكر في الملتقى سابقًا أن الحضارة الغربية والتصرُّف الحضاري العام لم يأت طواعية من الناس، لم تأت بأن قرر الغرب غدًا صباحًا سنتغير ونتصرف كأمة متحضرة. سُنّت القوانين وفُعِّلَ العقاب للمخالِف، واستمرت لأجيال حتى تحوَّلت هذه القوانين لسلوك طبيعي، وكأنه يُولد مع الطفل.

الأمم التي تسمو للتحول والتغير يجب أن تنهج هذا النهج، ويجب أن نعترف أننا شعبٌ عشنا لعقود حياة أنانية، وعشنا بلا انضباط، ووصل الحال بِنَا بأن الالتزام بالقانون هو ضعفٌ، وربما إحساس بالمهانة. من أمِن العقابَ أساء الأدب إلا من رحم ربي، وهؤلاء قلة في أي مجتمع.

إلا أن د. فوزية البكر ترى أنه ينبغي أن نتحرى الدقة قبل إطلاق تعميمات تنقصها الدقة العلمية. وهو ما اتفقت معها فيه د. الجازي الشبيكي، ود. عبير برهمين، والتي ذكرت أنه لا يجب أن نصدر أحكامًا عامة بالمطلق. وعلى فرض أن الكلَّ (وهذا غير صحيح) قذر ولا يهتم بنظافته الشخصية وغيره، لا أستغربُ منهم ذلك، فليس بعد الكفر ذنب. والسؤال هو ما حجتنا نحن- المسلمين- وديننا يدعو للنظافة وجعلها شرطًا أساسيًّا لصحة كثير من العبادات، وأهمها الصلاة، وهي عماد الدين؟ ما حجتنا، والحبيب المصطفى– صلى الله عليه وسلم – قد علَّمنا أن لكل شيء حقًّا، ومن ضمن حق الطريق (الشارع العام) أن لا يختلي المارُّ في ظلِّ الأشجار أو وسط طريق المارة، ألسنا مسلمين؟ لماذا جلُّ ممارساتنا الحياتية هي عكس تعاليمنا الدينية؟

أضاف أ. محمد الدندني أن هذا الأمر وأمورًا كثيرة في حياتنا اليومية من معاملات وسلوك وكلام، وحتى الابتسامة والبشاشة، كلها من أخلاق المصطفى عليه الصلاة والسلام.

من جانبه ذكر د. عبد العزيز الحرقان؛ من وجهة نظري أننا نضع المجتمعات الغربية كمجتمعات مثالية، ولكن هذه المثالية تطورت نتيجة أنظمة وقوانين وقوى اجتماعية واقتصادية، على سبيل المثال، فإن سبب نظافة المنتزهات هي القوانين الصارمة؛ ففي إيطاليا- كمثال- تصل الغرامة إلى 900 يورو، والقانون الفرنسي يغرِّم السوبر ماركت الذي يلقي المواد الغذائية في المهملات بـ 3750 يورو، ويجرِّمه أيضًا إذا تَرَك المواد الغذائية تَفسد.

الوطنية-كما أشار الدكتور زياد-هي تعبير رومانسي عما تمثله الدولة، وهي نتاج عن علاقة الدولة بمواطنيها.

اليوم الوطني وضرورة تفعيل القانون:

حول أهمية تفعيل القانون ضد المخالفين، ذكر د. خالد الرديعان؛ ‪مما لفت انتباهي ولم أجد له تفسيرًا أن دوريات المرور مثلًا ونقاط التفتيش الأمني تمنع السيارات المظللة، وتمنع تظليل الزجاج بلون قاتم، ومع ذلك وبعد توقيف الشباب من قِبل رجال الشرطة وإعلامهم بضرورة إزالة التظليل، إلا أنك تجد الشاب يعاود فعل المخالفة نفسها في وقت آخر، فهو لا يرتدع من إيقافه، لكن لو طُبِّقت عليه مخالفة مالية، فإنه حتمًا سيرتدع. والسؤال الملح هو: لماذا لا يستجيب الأفراد للقانون؟ ولماذا يكسرونه في أول فرصة تسنح لهم؟

وأعتقدُ أنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم لم ينشؤوا على معرفة أهمية وقيمة القانون كمنظِّم للحياة. وسرعان ما يجدون فرصة للعودة، والسبب ليونة القانون أو ضعفه، أو أنه غير رادع بدرجة كافية. ‪‎‪

عندي فرضية ذكرتها هنا سابقًا، أطلقت عليها “نظرية الحمار الوحشي”، فهذا الحيوان الجميل يصعب ترويضه واستئناسه وركوبه حتى لو اقتنيته وهو جحش صغير، لا يستجيب للتربية والاستئناس كحمارنا المعروف، بعض البشر تسلك مسلك الحمار الوحشي ويصعب استئناسها بالقانون.

لذا يرى أ. جمال ملائكة أننا لا بد أن نُطَعِّم مناهج المرحلة ما قبل الابتدائية خاصة وما بعدها ببرامج عن:

-ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر.

-تنظيف الفصل الدراسي، وربما مرافق أخرى في المدرسة.

-ثقافة النظام والطوابير والمواعيد.

-زيارة المستشفيات ومراكز ذوي الاحتياجات ومناطق الفقراء.

وغيرها.. فيترسخ وعي كبير لدى الأجيال، ويأتي مع ذلك القانون الرادع.

وفي تصوُّر د. خالد الرديعان، ربما ذلك يتطلب إلغاء رياض الأطفال وجعلها نظامًا يشبه الكيبوتز اليهودي، حيث يعلمونهم مهارات الحياة البسيطة؛ كالنظافة، والنظام، والتعاون، وقبول الآخر، واحترام المهن والعمل وكبار السن. نفعل ذلك بالأطفال منذ نعومة أظفارهم ليأتي الطفل للمدرسة وهو يعرف كل شيء. بينما يرى أ. جمال ملائكة أن الأفضل هو تطعيم المناهج بدلًا من الإلغاء.

بينما يرى د. خالد الرديعان أن مرحلة رياض الأطفال فاشلة كنظام تربوي. كل ما يقومون به هو جَمْع الأطفال في مبنى وتعليمهم بعض الكلمات الإنجليزية والعربية، وعندما ينطق الطفل كلمة إنجليزية يعتقد ولي أمره أن هذه الروضة التي يذهب إليها طفله ممتازة، وأعتقدُ أنهم فقط يحجزون الأطفال هناك حتى يريحوا أسرهم منهم لبضع ساعات.

أضاف د. خالد بن دهيش أنه يُطبَّق في مرحلة رياض الأطفال منهج مونتيسوري وهو التعليم باللعب، وهو منهج عالمي معروف، ويعلمهم في الغالب خريجات جامعيات متخصصات في رياض الأطفال، ومن سبع سنوات (عندما كانت نسبة الالتحاق برياض الأطفال نسبة 12٪ وُضعت خطة للوصول إلى نسبة 50٪ خلال عشر سنوات)، بدأ في تطوير رياض الأطفال وانتشارها للوصول إلى نسبة تقترب من تلك النسبة.

من جانبه ذهب د. خالد الرديعان إلى أن ما يعنيه هو المنتج outcome  لرياض الأطفال؛ لأني لا أرى فارقًا بين من دخل الروضة ومَن لم يدخلها، وأن الصغار لا يتعلمون سلوكيات مفيدة. نعم، هم يلعبون وربما يتعلمون بعض المهارات لكنها لا تؤسِّس لجيل لديه مهارات حياتية كافية. الطفل وهو في المرحلة الابتدائية يسأل زميله: “وش ترجعون” لمعرفة أصله وفصله وقبيلته، وهذا شائع في كثير من مدارسنا.

علق د. خالد بن دهيش بأنه من الجميل أن نلاحظ وننتقد ونقارن ونكتب للوزارة بذلك، وكنَّا نستقبل تلك الملاحظات بالدراسة والتحليل والاستفادة من الجيد منها، وأتمنى أن لا نحكم بالفشل، لصعوبة ذلك بدون دراسات علمية.

تعزيز قيم المواطنة لدى الأجيال:

أشارت د. الجازي الشبيكي إلى أنه في ضوء ما تمَّ الحوار حوله في قضية هذا الأسبوع فيما يخصُّ الوطنية والمواطنة، وما دار الحديث حوله من أهمية البدء في تعلُّم سلوكيات المواطنة منذ مراحل التعليم الأولى في رياض الأطفال، فإنه من المهم جدًّا أن يتم ذلك بآلية ممنهجة، من خلال وضع مصفوفة لتوزيع قيم المواطنة على الصفوف والمناهج المختلفة، بحيث تحقِّق التكامل بين جميع المناهج في تربية المواطنة والاستمرار في تنمية قيمها؛ لضمان تثبيتها في نفوس الناشئة، كما توصلت لذلك نتائج توصيات إحدى الدراسات الميدانية العلمية في تربية المواطنة في غايات التعليم وأهدافه ومناهجه.

ويعني ذلك الحرص على الاتساق والتكامل في تحقيق ذلك الهدف بعيدًا عن الحلول التجزيئية المتناثرة أو ردود الفعل الوقتية.

والتكامل لا يجب أن يقتصر على الجانب التعليمي فقط؛ بل من المفترض أن يشمل كافة أبعاد العملية التربوية والقوى المؤثرة فيها، وأهمها إلى جانب المدرسة؛ الأسرة، والإعلام بكافة أشكاله.

وإن في استثمار مبادئ وتعاليم وقيم ديننا الإسلامي- كما أشار عدد من أعضاء الملتقى-في تعزيز السلوك السوي الصحيح في التعامل وفي النظافة وفي الحرص على الممتلكات العامة، لهو خير ما يجب علينا جميعًا الحرص عليه في أنفسنا وفي تربية أبنائنا وتلاميذنا. وهو الطريق الصحيح لغرس أسس المواطنة الصالحة في نفوس وتوجهات وسلوك النشء.

القضية الثانية

دور مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية لعلاقات المملكة العربية السعودية الإستراتيجية

¤     الملخص التنفيذي:

القضية: (دور مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية لعلاقات المملكة العربية السعودية الإستراتيجية).

تعدُّ العلاقات الإستراتيجية مع الدول الأخرى أحد محركات الاقتصاد العالمي، وفي إطار اهتمام المملكة العربية السعودية بشركائها الإستراتيجيين، وكذلك اقتصادها والعمل على تحسينه. وهي تُعدُّ من المهام الأساسية التي على أساسها أُنشئ مركز سعودي للشراكات الإستراتيجية الدولية، بالإضافة إلى القيام بدور إستراتيجي في المملكة، والعمل على إحداث نقلة في علاقاتها الإستراتيجية مع حلفائها الدوليين، وتعزيز هذه العلاقات وتنظيمها بالشكل الذي يضمن الاستفادة لجميع الأطراف. وهو ما يتوافق مع الأهمية الإستراتيجية لتحقيق “رؤية المملكة العربية السعودية 2030”.

أوضحت الورقة الرئيسة أن برنامج الشراكات الإستراتيجية يهدف في رؤية 2030 إلى توطيد التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي، ويهدف كذلك إلى تطوير العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الإقليميين والعالميين، كما يهدف إلى زيادة تأثير المملكة في العالم إقليميًّا وعالميًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.

وأشارت الورقة إلى أن المراقب يلاحظ تأثير برنامج الشراكات الدولية على النشاط السياسي والاقتصادي للحكومة السعودية ومسؤوليها وتركيزها على الدول المستهدفة، سواء كان هذا النشاط مرتبطًا بزيارات الوفود السعودية للخارج، أو استقبال الوفود الزائرة، أو لقاءات رجال وسيدات الأعمال، أو المنتديات الثنائية.

وذهبت التعقيبات إلى أن إنشاء مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية خطوة في الطريق الصحيح، ولكن لضمان نجاح سياساته لابد من أن تتوفر لديه إمكانيات إضافية ضمن الأعمال التي يقوم بها، مثل: أن يكون على دراية كاملة بالاحتياجات المحلية المطلوبة من تعليم وتطوير ونمو وتقنية، ولديه القدرة على جلب رؤوس الأموال وعمل الأبحاث والدراسات المختلفة؛ للتعرف على أفضل سُبل التعاون وتوجيهها مع الشريك المناسب، وإيجاد القدرات والكفاءات المطلوبة.

وأكدت التعقيبات أن برنامج الشراكات الإستراتيجية ربما هو البرنامج الوحيد بين كل برامج الرؤية الذي يتطلب حشدَ وتنسيقَ كلِّ الجهود في كل مستويات وشرائح المجتمع لتحقيق الأهداف المرسومة والإستراتيجيات المحددة، فلا غنى أبدًا لبناء مثل هذه العلاقات الإستراتيجية عن تفعيل دور القطاع الخاص، وبناء جسور التعاون الاستثماري والتبادل التجاري بين المملكة والدول المستهدفة بالبرنامج، ولا غنى عن تفعيل أدوات الدبلوماسية العامة والشعبية لبناء صورة نمطية إيجابية ومؤثرة عن المملكة لدى المجتمعات المستهدفة.

وأشارت المداخلات التي جرت على هذه الورقة إلى أن العلاقات الإستراتيجية تتأثر كثيرًا بقوة الدولة وضعفها، وحريتها في الاختيار وإبرام الاتفاقات التي تريدها ومع أي طرف تختار. كما أن الهيمنة تُعدُّ عائقًا أمام بناء شراكات إستراتيجية حقيقية خصوصًا مع دول لا تلتزم باتفاقياتها.

وذهب المناقشون إلى أن نظام الوكالات التجارية المعمول به حاليًّا لا يشجِّع المستثمر الأجنبي على الدخول كمستثمر شريك يتعهد بنقل وتوطين التقنية داخل المملكة، كذلك فإن نظام الوكالات يسهم في تعظيم أرباح الشركات الأجنبية خاصة بما يتصل بالالتفاف والتهرُّب من رسوم الاستثمار الأجنبي.

وأكدت المداخلات أن العوامل الثقافية لها دور كبير في تحقيق شراكات إستراتيجية فعَّالة.

كما أن مبدأ الشراكات الاقتصادية يركِّز على العلاقات السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى القضايا الأكاديمية والثقافية وليس الاقتصادية فقط.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: أن تتوافر لدى مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية إمكانيات إضافية ضمن الأعمال التي يقوم بها، مثل: أن يكون على دراية كاملة بالاحتياجات المحلية المطلوبة من تعليم وتطوير ونمو وتقنية، استغلال التقلبات الحاصلة في العالم اليوم لمصلحة المملكة وذلك بتنويع شراكاتنا الإستراتيجية، التأكيد على أهمية تفعيل التواصل المؤسسي والمجتمعي لبرنامج الشراكات الإستراتيجية الدولية مع مختلف فئات المجتمع الاستثماري والمدني في المملكة، تفعيل جهود الدبلوماسية العامة والشعبية للمساهمة في تحسين الصورة النمطية عن المملكة في الخارج، وكذلك أهمية العمل على تنظيم الاستثمارات السعودية في الخارج لتكون إحدى مهام وأدوات هذا المركز، بالإضافة إلى تفعيل الشراكات الإستراتيجية الداخلية أو الخارجية وتقويم منتجاتها وآثارها، والاهتمام بإنشاء شراكات إستراتيجية مع جامعات عالمية.

¤     مقدمة:

تعدُّ العلاقات الإستراتيجية مع الدول الأخرى أحد محركات الاقتصاد العالمي، وفي إطار اهتمام المملكة العربية السعودية بشركائها الإستراتيجيين، وكذلك اقتصادها والعمل على تحسينه، تُعدُّ من المهام الأساسية التي على أساسها أُنشئ مركز سعودي للشراكات الإستراتيجية الدولية، بالإضافة إلى القيام بدور إستراتيجي في المملكة، والعمل على إحداث نقلة في علاقاتها الإستراتيجية مع حلفائها الدوليين، وتعزيز هذه العلاقات وتنظيمها بالشكل الذي يضمن الاستفادة لجميع الأطراف. وهو ما يتوافق مع الأهمية الإستراتيجية لتحقيق “رؤية المملكة العربية السعودية 2030”.

لذا تُعدُّ قضية “دور مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية لعلاقات المملكة العربية السعودية الإستراتيجية” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمها م. أسامة الكردي، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة، وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (واقع العلاقات الإستراتيجية بين الدول في ظل الهيمنة الأمريكية، العوامل الثقافية ودورها في تحقيق شراكات إستراتيجية، تقييم الاستثمارات الناتجة عن شراكات إستراتيجية، نمو العلاقات الإقليمية والدولية للمملكة، الشراكات الإستراتيجية العلمية، اللجان المشتركة ودورها في العلاقات الإستراتيجية للمملكة، نظام الوكالات التجارية، مجالس التنسيق ومجالس الأعمال، لوائح وأنظمة تنظيم المركز السعودي للشراكات الإستراتيجية الدولية، عوامل التأثير السلبي والإيجابي على العلاقات الإستراتيجية، صناعة مكانة اقتصادية وتجارية للمملكة، تفعيل الشراكات العلمية بين الجامعات، مؤسسات التعليم وإنشاء شراكات إستراتيجية). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها المهندس أسامة الكردي، وعقَّب عليها المهندس حسام البحيري، والمهندس خالد العثمان.

كتب م. أسامة الكردي: لابد للمتتبع للسياسات والعلاقات الدولية للمملكة أن يلاحظ توجهًا واضحًا وحقيقيًّا خلال السنوات القليلة الماضية لتحويل علاقات المملكة الدولية من علاقات عابرة وموسمية إلى علاقات إستراتيجية تحدِّد بموجبها مصالحَ المملكة، وتحديد الدول التي ستخدم هذه المصالح.

ولهذا الغرض تضمنت رؤية المملكة 2030 برنامجًا خاصًّا لخدمة ومتابعة وتطوير هذه العلاقات.

ويمكن تعريف العلاقات الإستراتيجية بأنها: اتفاق بين طرفين من أجل تحقيق مصالح عليا متبادلة. ويُعتبر مفهوم الشراكة الإستراتيجية مفهومًا حديثًا، ظهر في أواخر الثمانينيات، واعتُمد من طرف مجلس الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في ذلك الوقت، ولا بد من الإشارة إلى أن المصطلح لا يتطلب الدخول في شراكة قانونية مُلزِمة.

ولا تكون مثل هذه الشراكات حصرية بين الدول، بل يمكن أن تكون بين مجموعات مختلفة، مثل: الجامعات، والجمعيات، والقطاع الخاص، والمنظمات.

ويهدف برنامج الشراكات الإستراتيجية في رؤية 2030 إلى توطيد التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي، ويهدف كذلك إلى تطوير العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الإقليميين والعالميين، كما يهدف إلى زيادة تأثير المملكة في العالم إقليميًّا وعالميًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.

ولهذا الغرض تم إنشاء “مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية” الذي يعمل على عقد صفقات كبرى ونوعية مع دول محددة ومختارة مسبقًا، كما يقوم بعقد اتفاقيات شراكة وعمل، منها ما تم توقيعه مع أمريكا واليابان والصين، ويرأسه وزير الطاقة معالي المهندس خالد الفالح وأمينه العام هو معالي الدكتور فيصل الصقير، وصدر بشأنه قرار مجلس الوزراء رقم 127 في 3/3/1439، ويتابع المركز موضوع تركيز الصادرات السعودية، كما ينظر في الاستثمار الخارجي لتحديد الدولة والقطاع المناسبين، كما يقوم بمتابعة مجموعة من المؤشرات لقياس تقدُّم أعماله ونجاح أهدافه، بما في ذلك مؤشر تمكين التجارة والوصول إلى الأسواق، والعديد من الأهداف المهمة والمكملة، ويعمل المركز بارتباط تنظيمي بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

ويُلاحظ أن ثمة توسُّعًا ونموًا متزايدًا واضحًا لعلاقات المملكة الإقليمية والدولية عبر مجموعة من النشاطات والتفاعلات التي تنفِّذها المملكة على المستوى الدولي، وقد شملت اهتمامات المركز دولًا محددة بعينها ضمن قائمة يتم تحديثها باستمرار، تحوي حاليًّا فرنسا، وروسيا، وأمريكا، واليابان، ومصر، وباكستان، والصين، والإمارات، والأردن، وإندونيسيا، وماليزيا.

ولابد للمراقب أن يلاحظ تأثير برنامج الشراكات الدولية على النشاط السياسي والاقتصادي للحكومة السعودية ومسؤوليتها وتركيزها على الدول المستهدفة؛ سواء كان هذا النشاط مرتبطًا بزيارات الوفود السعودية للخارج، أو استقبال الوفود الزائرة، أو لقاءات رجال وسيدات الأعمال، أو المنتديات الثنائية.

ولا بد من الإشارة إلى وجود برنامج موازٍ يُعنى بالشراكات الوطنية تحت مسمَّى “تطوير الصناعة المحلية والخدمات اللوجستية”.

وعقَّب م. حسام البحيري: التحالفات والشراكات كانت ومازالت جزءًا رئيسًا من تاريخ البشر في جميع مجالات حياتهم، سواء كانت بصفه خاصة للأفراد أو الشركات أو الدول، وفي مجالات عدة: اقتصادية، سياسية، اجتماعية، تعليمية، ثقافية… إلخ… ولأسباب مختلفة.

والذي يجعل البشر يسعون لبناء علاقة إستراتيجية هو الهدف لتحقيق إنجازات أكثر مما تستطيع الدول أو الأفراد أو المؤسسات تحقيقه بنفسها. على الرغم من أن هناك أنواعًا كثيرة من الشراكات، ولكن الشراكات الإستراتيجية الناجحة تنطوي عادة على تقاسم عادل لسلطة صنع القرار، ولاستمرار أي علاقة إستراتيجية ناجحة لابد من توفُّر عوامل رئيسة، مثل: أهداف محددة من العلاقة كارتباطات مشتركة سواء على الصعيد العملي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، والقدرة على المشاركة والتعلُّم والتطوير والإدارة الفعالة، ووجود أهداف ومصالح مشتركة.

هناك عوامل تحول دون تحقيق شراكات إستراتيجية فعَّالة، مثل: عدم وجود رؤية واضحة أو اتجاه في الشراكة، الاختلافات في الثقافة وأساليب ممارسة العمل، توازن غير متساوٍ بين الشركاء أو تنافس في السيطرة والهيمنة من جانب شريك واحد، كذلك عدم وجود دعم من سلطة اتخاذ القرار، بالإضافة عدم الالتزام من قبل الشركاء بالدعم المادي، ونقصان أو فقدان آليات الإدارة والمراقبة والمتابعة، ووجود أجندات خفية من قِبل أحد الشركاء مثل الهيمنة الاقتصادية أو السياسية كمثال.

إن إنشاء مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية خطوة في الطريق الصحيح، ولكن لضمان نجاح سياساته لابد من أن تتوفر لديه إمكانيات إضافية ضمن الأعمال التي يقوم بها، مثل أن يكون على دراية كاملة بالاحتياجات المحلية المطلوبة من تعليم وتطوير ونمو وتقنية، ولديه القدرة على جَلْب رؤوس الأموال وعمل الأبحاث والدراسات المختلفة للتعرُّف على أفضل سبل التعاون وتوجيهها مع الشريك المناسب، وإيجاد القدرات والكفاءات المطلوبة؛ للتمكن من تحديد الحاجة إلى شراكة تكون في صالح الدولة والمجتمع لضمان نجاحها.

تاريخيًّا؛ كثيرًا ما اعتمدنا في شراكاتنا الإستراتيجية مع دول معينة بسبب الوضع السياسي والاقتصادي العالمي، واليوم نحن نعيش في عالم متغير سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الفكري، ومرحلة الاعتماد على أنفسنا وتطوير بنيتنا الأساسية بدأت مع رؤية 2030، ولابد من استغلال التقلبات الحاصلة في عالمنا اليوم لمصلحتنا؛ وذلك بتنويع شراكاتنا الإستراتيجية، وعدم الاعتماد على شركاء استفادوا من تعاوننا معهم أكثر بكثير مما استفدنا.

كما عقَّب م. خالد العثمان: إن ما قام بعرضه م. أسامة الكردي في ورقته الرئيسة حول برنامج الشراكات الإستراتيجية يبرز أهمية ومضامين برنامج الشراكات الإستراتيجية كأحد برامج رؤية المملكة 2030، لكن هذا البرنامج ما زال بانتظار إعلان المنهج التفصيلي له، والسياسات والآليات التي تحكم عمله. ربما يكون أحد السُّبل لفهم ذلك هو معرفة الدور التفصيلي لمركز الشراكات الإستراتيجية الدولية الذي يشرف فيما يبدو على إدارة وتنفيذ هذا البرنامج بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، حيث أُعلنت اللوائح التنفيذية لهذا المركز رسميًّا في نهاية عام 2017م، وبدأ عمله في مقره الرسمي في مدينة الرياض. ومع ذلك؛ ما زلنا نرى غيابًا واضحًا لأي تواصل مؤسسي من قِبل ذلك المركز مع مستويات المجتمع الخاص والمدني ذات العلاقة، بما فيها مجلس الغرف السعودية، والجمعيات والهيئات المهنية، والمؤسسات الأكاديمية، وغير ذلك.

الكل يسمع عن برنامج الشراكات الإستراتيجية والمركز الذي يشرف عليه، لكن لا أحد يعلم في الحقيقة ما هي الخطط التفصيلية لهذا البرنامج، وما هو الدور المطلوب والمسار المحدد للمشاركة الفاعلة من قِبل مستويات المجتمع المختلفة لكي تخدم وتدعم ذلك المستوى الإستراتيجي السياسي، لبناء العلاقات مع الدول المختلفة وفق رؤية البرنامج. وفي الحقيقة، لا أدري ما إذا كان هذا الغياب عائدًا لعدم نضج تلك البرامج بعد، أم أنه مجرد تكرار لقصور قدرات العلاقات العامة والتواصل المؤسسي في الأجهزة الحكومية.

المؤكد أن برنامج الشراكات الإستراتيجية ربما هو البرنامج الوحيد بين كل برامج الرؤية الذي يتطلب حشد وتنسيق كل الجهود في كل مستويات وشرائح المجتمع لتحقيق الأهداف المرسومة والإستراتيجيات المحددة، فلا غنى أبدًا لبناء مثل هذه العلاقات الإستراتيجية عن تفعيل دور القطاع الخاص، وبناء جسور التعاون الاستثماري والتبادل التجاري بين المملكة والدول المستهدفة بالبرنامج، ولا غنى عن تفعيل أدوات الدبلوماسية العامة والشعبية لبناء صورة نمطية إيجابية ومؤثرة عن المملكة لدى المجتمعات المستهدفة. لذلك فإنه من الضروري أن تتضمن توصيات هذه القضية التأكيد على أهمية تفعيل التواصل المؤسسي والمجتمعي لهذا البرنامج مع مختلف فئات المجتمع الاستثماري والمدني في المملكة، وبناء شراكات إستراتيجية داخلية مع هذه المؤسسات لتكون أساسًا صلبًا لإنجاح الشراكات الإستراتيجية الدولية، وتفعيل جهود الدبلوماسية العامة والشعبية للمساهمة في تحسين الصورة النمطية عن المملكة في الخارج، والتي يمكن أن تكون سببًا في إفشال جهود بناء وتفعيل الشراكات الإستراتيجية الدولية وفق البرنامج.

الأمر الآخر الذي أودُّ التنبيه إليه هو أهمية العمل على تنظيم الاستثمارات السعودية في الخارج لتكون إحدى مهام وأدوات هذا المركز، حيث تمثِّل الاستثمارات السعودية في الخارج أحد أكبر الاستثمارات الأجنبية التي تجوب العالم، وتمثِّل في بعض الدول الكم الأكبر من الاستثمارات الأجنبية في تلك الدول. الحديث هنا بالطبع يتعلق بالاستثمارات السعودية الخاصة، وليس الحكومية والمؤسسية التي تشرف عليها مؤسسة النقد العربي السعودي ووزارة المالية، أو الاستثمارات المباشرة لصندوق الاستثمارات العامة. وعلى الرغم من الاستثمارات السعودية الخاصة تعدُّ ذات حجم كبير إلا أنه لا توجد أي إحصاءات فعلية تتناول تقدير حجم تلك الاستثمارات المؤسسية منها أو الفردية على حد سواء.

ويعدُّ المستثمرون السعوديون مستهدفين في مستويات متعددة بجهود التسويق والترويج والاستقطاب لشراء العقارات والدخول في شراكات وعلاقات استثمارية على المستوى الدولي؛ إما بغرض الدخول إلى السوق السعودية عبر هذه الشراكات، أو لاستقطاب رؤوس الأموال الاستثمارية السعودية لقنوات استثمارية في الدول الأجنبية. وبالرغم من هذا الحجم الكبير للاستثمارات السعودية في الخارج إلا أنها تتسم في العموم بالفردية والتشتت وقصور المؤسسية في الغالب الأعم. هذا الواقع يجعل كثيرًا من المستثمرين السعوديين عرضةً لصور متنوعة من المشاكل والتعثرات، بل وأحيانًا النصب والاحتيال.

كما أن هذا الشتات والتناثر وغياب المأسسة الاستثمارية يفقد الاستثمارات السعودية في الخارج التأثير النسبي والقوة التفاوضية الفاعلة للحصول على مكاسب متنوعة اقتصادية واستثمارية وحتى سياسية في العديد من الأحوال، ناهيك عن غياب التأثير الإيجابي في الصورة الذهنية والإعلامية للوجود السعودي في الخارج، وكثيرًا ما نرى الإعلام يتحدث بصورة سلبية عن السعودية في بعض الدول، في الوقت الذي تمثِّل الاستثمارات السعودية فيها كمًّا كبيرًا يصل إلى المراتب الأولى في بعض الحالات. وأودُّ الإشارة في هذا الصدد إلى أن اللجنة الوطنية للمكاتب الاستشارية في مجلس الغرف السعودية تعمل حاليًّا على تنظيم مبادرة بهذا الشأن، وتدعو إلى تأسيس وحدة مركزية لتنظيم وإدارة وتوجيه ودعم الاستثمارات السعودية في الخارج. ويمكن تلخيص الأهداف المرجوة من هذه المبادرة فيما يلي:

-رفع كفاءة الاستثمارات السعودية في الخارج وتحقيق عوائد أفضل.

-حماية المستثمرين السعوديين من المخاطر القانونية والضريبية والتشغيلية المختلفة.

-تعزيز الموقف التفاوضي للجانب السعودي للحصول على مزايا استثمارية تفضيلية.

-تعزيز الصورة النمطية الإيجابية عن السعودية في الخارج.

-تعزيز مصادر الدخل لخزينة الدولة عبر تعزيز الشفافية، والإفصاح عن حجم الأموال السعودية المتداولة في الخارج.

-تعزيز كفاءة الفرص الاستثمارية المتاحة للمستثمرين السعوديين، وتقليل المخاطر عبر الشراكات في قنوات استثمارية تخضع للحوكمة والرقابة والإدارة المحترفة.

-زيادة فرص العمل للكفاءات والمكاتب الاستشارية والمؤسسات المالية والبنوك الاستثمارية، بما يسهم في توليد فرص عمل جديدة.

-تعزيز فرص المساهمة في المحتوى المحلي والملكية الفكرية عبر تنويع الشراكات مع الشركات العالمية خصوصًا المولدة للابتكار والإبداع.

¤     المداخلات:

واقع العلاقات الإستراتيجية بين الدول في ظل الهيمنة الأمريكية:

في بداية مداخلته، تساءل د. خالد الرديعان: إلى أي حد تستطيع دولة في العالم الثالث أن تكون حرةً في إنشاء علاقات إستراتيجية مع دولة أخرى في ظلِّ هذا الاستقطاب المخيف والهيمنة الأمريكية؟ هل لدينا- مثلًا- القدرة على إنشاء علاقات إستراتيجية مع الصين أو الهند أو روسيا، بحيث يمكننا أن نستورد من تلك الدول ما نريد بعيدًا عن التأثير الأمريكي على هذا القرار؟

أرى أن الأزمة التي حدثت بين الكويت ولبنان قبل عدة أيام بعد زيارة أمير الكويت للولايات المتحدة، فسَّرها صحفي لبناني محسوب على حزب الله بقوله: إن الولايات المتحدة غضبت جدًّا من الكويت؛ بسبب عقد الأخيرة اتفاقات وصفقات تجارية مع الصين، وأن ترامب طلب من الكويتيين إلغاء هذه الصفقات واستبدالها بعقود مع شركات أمريكية. وبعيدًا عن مدى صحة رواية الصحفي، إلا أن قصته قابلة للتصديق عندما نسمع تصريحات ترامب المتكررة عن الكويت، وأنه يحمي دول الخليج العربية مقابل الحصول على أموالها بصورة صفقات تجارية وعقود تسليح.

وشيء مشابه لذلك حدث لتركيا بشرائها صواريخ روسية متقدمة؛ مما أغضب البيت الأبيض بحكم أن تركيا جزءٌ من منظومة حلف الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة، وأنها لا تريد من حلفائها وزبائنها شراء منتجات وخاصة الأسلحة من دول لا ترضى عنها الولايات المتحدة.

ما أردت قوله هو أن العلاقات الإستراتيجية ستتأثر كثيرًا بقوة الدولة وضعفها وحريتها في الاختيار، وإبرام الاتفاقات التي تريد ومع أي طرف تختار.

يعتقد م. حسام بحيري أن الهيمنة عائقٌ أمامَ بناء شراكات إستراتيجية حقيقية خصوصًا مع دول لا تلتزم باتفاقياتها، مثل ما حدث مع ترامب مؤخرًا سواء مع إيران أو المكسيك وكندا والاتحاد الأوروبي.

من جانبه يرى أ. محمد الدندني أن تساؤل د. خالد لا شك أنه في محله، وقد عانت المنطقة الكثير وليس مملكتنا الحبيبة فقط زمن القطبين، وبعدها القطب الواحد، والذي لا يخفى على المهتم الآن مقاومته من دول قوية ترفض سياسة القطب الواحد.

الفترة الحاليّة فترة رمادية في الصراع، ويغلب عليها الصراع الاقتصادي والأسواق. وأعتقدُ أنه لا خيارَ الآن إلا بتطبيق نظرية سلة عملات متعددة في التعاون مع كل الأطراف ولو بدرجات متفاوتة. ما يقلق الغرب هو سعي أي دولة للوصول إلى قوة إقليمية، أو تبني مشروع اقتصادي مستدام يقلل من الاعتماد عليه.

وإذا عُدنا إلى الوراء عدة عقود، نجد أن بعض الدول العربية فشلت في بناء مشروعها بسبب عدم فهم السياسة الأمريكية، وبنفس الأهمية دور إسرائيل وهو حرصها على أن تبقى القوة الوحيدة. لذا أرى أننا يجب أن نوازن بين القوى الدولية والمحلية، ومحاولة تفعيل الدور المدني والشعبي أكثر من الدور الحكومي الرسمي. هناك أمور تكتيكية وأمور إستراتيجية؛ لذلك لا يجب أن يسيطر التكتيك على الإستراتيجية.

النقطة المهمة في هذا الأمر هي حرص بعض الدول الإقليمية على خلق عداوات بيننا وبين الغرب وخاصة أمريكا، مع تشدُّقها بمعاداة أمريكا خاصة والغرب عمومًا، وإيران مثال كلاسيكي لهذا النهج، بالتالي علينا أن ننهج الطريق الخالي من أي حسابات عاطفية تتسم بالمزايدة، ومنها مشكلة إسرائيل وإيران.

وفي تصوُّري، فإن أيَّ شراكات إستراتيجية لا تكون انعكاسًا لمشروع محلي، ستكون معرضة لانتكاسات.

العوامل الثقافية ودورها في تحقيق شراكات إستراتيجية:

بناءً على ما ذكره م. حسام بحيري من أن هناك عوامل تحول دون تحقيق شراكات إستراتيجية فعَّالة، ترى د. فوزية البكر أنه من الواضح أن للعوامل الثقافية دورًا كبيرًا في إدارة شركات من هذا النوع، فكيف يمكن تذليل هذا النوع من العقبات؟

علَّق م. حسام بحيري بأن التناسج الثقافي مهم للشراكات، ولكن ليس في كل المجالات. نستطيع أن نستخدم الصين كمثال على الرغم من اختلاف الثقافات، لكنها لم تكن حاجزًا ضد إنشاء شراكات إستراتيجية قوية في إفريقيا.

الصين حاليًّا تسيطر على أكثر من 22 مادة خام نادرة تُستخرج من مناجمها، تحتاجها شركات التقنية العالمية في إنتاج صناعاتها. كما أن الشراكات الإستراتيجية التي كوَّنتها الصين منذ أكثر من 20 سنة أصبحت مهمة جدًّا لعدد كبير من الدول الإفريقية؛ وذلك بسبب الرؤية والمصالح الاقتصادية المشتركة المكملة لبعضها الآخر.

تقييم الاستثمارات الناتجة عن شراكات إستراتيجية:

تساءل د. خالد بن دهيش: هل هناك جهات محايدة تُقَيِّم الاستثمارات الناتجة عن اتفاقيات أو شراكات إستراتيجية، سواءً على المستوى الحكومي أو الخاص؟ كما أنني لم ألحظ ذلك ضمن الأهداف التي أشار لها م. خالد في مقترح اللجنة الوطنية.

من جانبه يرى م. خالد العثمان أن اللجنة ليست جهةً مستقلة ولا تنفيذية، ولا تملك أيَّ سلطة عدا أنها لجنة قطاعية تطوعية قدَّمت مبادرة رأينا فيها أنها تعود على الوطن بالنفع، وعلى القطاع الخاص بالفرص؛ لذلك دعت المبادرة إلى تأسيس وحدة مركزية لإدارة ملف الاستثمارات السعودية في الخارج، وربطها بتوجهات الشراكات الإستراتيجية التي تتبناها الدولة.

بينما يعتقد م. حسام بحيري أن التقييم جزءٌ أساسيٌّ من آليات الشراكات، ومن المؤكد أنَّ هناك مؤسسات مستقلة تقيّم الأعمال المشتركة، ولكن إذا كان هناك تعاون مشترك، لماذا اللجوء إلى مؤسسات مستقلة لتقييم هذه الأعمال ما لم يكن هناك خلاف أو تعارض بين الأطراف، أو اتفاقية على اللجوء لمؤسسة مستقلة لتقييم الأعمال منعًا للانحياز؟

أضاف م. خالد العثمان؛ ذكرت في تعقيبي أن المبادرة تتعلق فقط بالاستثمارات السعودية الخاصة في الخارج، وهي تختلف عن الاستثمارات الحكومية الموثقة لدى الجهات الرسمية. وبالطبع لا يمكن قياس وتقييم أثر تلك الاستثمارات إذا كنا لا نعرف حجمها أساسًا ولا القنوات التي تصبُّ فيها. توثيق الاستثمارات هو الخطوة الأولى لتنظيمها وتحفيزها وتفعيلها؛ ومن ثَمَّ تقييم أثرها وتطويرها وتعظيم أثرها في منظومة الشراكات الإستراتيجية للمملكة.

وحول تساؤل د. خالد بن دهيش، لماذا لا يكون من أهداف هذه الوحدة المقترحة القيام بعملية تقييم الاستثمار بصفتها جهة حيادية؟ أجاب م. خالد العثمان بأنه يراها مهمة من مهام الوحدة وليست هدفًا في حد ذاتها، بمعنى أن المهام تقود لتحقيق الأهداف، والتقييم مهمة من تلك المهام.

وذهب د. خالد بن دهيش إلى أن هناك شركات عالمية هدفها القيام بالتقييم للاستثمارات؛ لذا من المهم أن يجد المستثمر جهةً محلية تُقدِّم له المعلومة الدقيقة قبل أن يُقدِم على الاستثمار أو الشراكة الخارجية.

من جانبه يرى م. خالد العثمان أن مشكلة الاستثمارات الخاصة أنها خفية، ولا توجد وسيلة تضمن حصرَها بدقة. كثيرٌ منها في شكل استثمارات عقارية فردية وأسهم في شركات وأموال مودعة، وغير ذلك. كثيرٌ منها أيضًا مرتبط بعلاقات السعوديين الشخصية والعائلية في تلك الدول، وهناك أيضًا الاستثمارات الخاصة المؤسسية، وهذه أسهل في التوثيق.

نمو العلاقات الإقليمية والدولية للمملكة:

حول تساؤل د. وفاء الرشيد عن كون التوسُّع السريع والنمو المتزايد في علاقات المملكة الإقليمية والدولية في صالحنا أم لا؟ أجاب م. حسام بحيري بأنه من المؤكد أنه في صالحنا؛ لأنه سيعكس أهمية مركز المملكة بين دول العالم.

عامةً الدول الكبرى والإقليمية أو ذات الأهمية دائمًا يكون لديها مجالات تعاون مشتركة مع عدد كبير من دول العالم، والمملكة تُعدُّ دولةً لها ثقل كبير عالميًّا سواء من الناحية الاقتصادية أو الدينية أو السياسية، ومن الطبيعي أن يكون لدينا مجالات تعاون متعددة ومستجدة.

اتفقت معه في ذلك د. فوزية البكر، وأضافت: نحن الآن ننمو بشكل سريع يتماشى مع التطوُّرات غير المسبوقة التي نلمسها على كل الأصعدة؛ ولذا من الخير أن نبدأ التفكر في شراكاتنا الإستراتيجية الدولية، وكيف يمكن تضخيم عوائدها بما يخدم مصالحَنا السعودية.

الشراكات الإستراتيجية العلمية:  

أشار أ. محمد الدندني إلى أنه ذُكر خلال المناقشات أنه لا توجد إحصائيات عن حجم مشاركات القطاع الخاص، وعن مردودها المعنوي والمادي للمملكة. وأتساءل: هل بالإمكان أن تكون هذه الشراكات والاستثمارات أكثر شفافية وفاعلية أيضًا؟ بأن يكون للمستثمر السعودي موضعُ قدم  عالميًّا. على سبيل المثال، أي شركة تغذية كبرى في المملكة لِمَ لا يكون لها مواقع تجارية لسلسلة من المواقع؟ وبهذا تستطيع أن تجلب العملات الصعبة للبلد.. وهكذا مختلف الشركات.

أتساءل أيضًا: هل الشراكات الإستراتيجية فقط استثمار ومال؟ أليس مفيدًا أن تكون شراكات علمية مع المعاهد والجامعات، وتفعيل النشاط الأكاديمي والبحثي؟ أليس من المفيد تفعيل تبادل الأساتذة والطلبة بين جامعاتنا والجامعات خارج البلد، عربية كانت أو إسلامية أو أجنبية؟ وماذا عن دور مراكز البحث والتحليل كي تساعد هذه الشراكات في فهم الثقافات والوضع السياسي والأمني لبلدان أخرى.

اللجان المشتركة ودورها في العلاقات الإستراتيجية للمملكة:

تساءل أيضًا. محمد الدندني: ما هو دور اللجان المشتركة بين المملكة والدول الأخرى؟ أجاب م. خالد العثمان: إن اللجان الحكومية المشتركة أداة مهمة من أدوات إدارة العلاقات الإستراتيجية للمملكة مع الدول الأخرى. وأحيانًا يرتقي مستوى هذه اللجان لتصبح مجالس تنسيق دائمة في بعض الحالات، هذه اللجان والمجالس تتشكل من ممثلين عن المؤسسات الحكومية في البلدين، ويرأسها عادة وزير مختص من كل جانب، وجرت العادة في المملكة أن يُكلَّف كلُّ وزير برئاسة واحدة أو أكثر من تلك اللجان، بينما مجالس التنسيق تكون برئاسة الملك أو ولي العهد، أو بتفويض لمسؤول من درجة عليا في الدولة، ويشارك عادة ممثل عن القطاع الخاص في أعمال تلك اللجان، ويكون في العادة رئيس مجلس الأعمال السعودي الأجنبي، إن كان هناك مجلس أعمال مشكل مع تلك الدولة المقابلة.

لكن، ولأنها لجان متناثرة كما هو الحال في مجالس الأعمال، يظل مستوى التنسيق وقياس الأداء بعيدًا عن أي معايير أداء واضحة، وتفعيل جاد لمكتسبات تلك التنظيمات، وهي تتأثر كثيرًا بمستوى حماس وأداء واهتمام رؤسائها وأعضائها من الجانبين.

نظام الوكالات التجارية:

من جانبه ذهب د. حميد المزروع إلى أن نظام الوكالات التجارية المعمول به حاليًّا لا يشجِّع المستثمر الأجنبي على الدخول كمستثمر شريك، يتعهد بنقل وتوطين التقنية داخل المملكة، كما أن نظام الوكالات يسهم في تعظيم أرباح الشركات الأجنبية، خاصة فيما يتصل بالالتفاف والتهرُّب من رسوم الاستثمار الأجنبي؛ لذلك أقترحُ إلغاء نظام الوكيل لتشجيع الشركات العالمية على البحث عن عقد شراكات حقيقية مع  القطاع الصناعي المحلي.

أضاف م. خالد العثمان أن نظام الوكالات أحد مصائب الاقتصاد السعودي، وهو بالتأكيد أحدُ أسباب ترسيخ النزعة الاستهلاكية، وعقبة في سبيل توطين وتنمية الصناعات التحويلية والإنتاجية. الخبر الجيد أن النظام يخضع للمراجعة حاليًّا من وزارة التجارة، وأرجو أن تطاله تعديلات جذرية كافية لتقنين دوره في منظومة الاقتصاد الوطني.

وافقه في ذلك أ. محمد الدندني، وأضاف أنه من المؤسف أننا لا نرى كل المنتجات لشركة معينة، فالوكيل هو من يحدِّد ما يُجلب لنا وما لا يُجلب. ولم نر تصنيعًا لهذه المنتجات ولو النزر القليل. لنأخذ مثالًا: أكبر سلعة استهلاكية لدينا هي السيارات، لِمَ لا يوجد مصانع لبعض قطع الغيار، وربما يشارك فيها غير الوكيل أو صناديق سيادية أو تجارية بنكية؟

لا ننكر أننا بلدٌ مازال مغلقًا نسبيًّا بسبب إجراءات الفيزا والإقامة، ولنتخيل لو تمَّ تسهيل هذه العملية وَسُمح بفتح مصانع ومكاتب شركات مع تسهيلات ضريبية. وإذا كان أحدهم يرى أن الوضع الاجتماعي عندنا لا يسمح، إلا أنني أعتقدُ أن هذا كلام مطلق بلا دليل أو تجربة، أو أن القوانين والمحاكم ليست جاهزة للقانون التجاري الدولي وغيره، أي أن البيئة القانونية غير ملائمة، وهذا في رأيي في تطور سريع.

لذلك فإنني أتساءل: ما النواقص الاجتماعية التي يمكن أن تترتب على فتح الاستثمار للأجانب؟ ولنقارن موقع جبل علي في دبي وجازان، أيهما أقرب لإفريقيا وأوروبا. فدخل جبل علي من إعادة التصدير لعام 2015 بلغ 55 مليار في السنة، وبالتالي ألا نستطيع تفعيل جازان وموانئنا التجارية على البحر الأحمر لمثل هذا وغيره.

من جانبها ترى د. وفاء الرشيد أن مقارنة جبل علي بجازان ومدى قربها لإفريقيا نقطة مهمة وجديرة بالتفكير، ولكن باعتقادي أنَّ أكثر من 60٪ من صادرات الإمارات النفطية وغير النفطية تذهب للشرق وأستراليا.

وأضيفُ بعض المعلومات المهمة لجبل علي حول الشركاء التجاريين للإمارات؛ فقد أشارت البيانات إلى أن إقليم آسيا وأستراليا وجزر المحيط الهادي حافظ على صدارته في ترتيب شركاء التجارة غير النفطية للبلاد خلال تلك الفترة، بحصة بلغت 470.4 مليار درهم (128 مليار دولار) نسبتها 42% من الإجمالي، تلاه إقليم أوروبا بقيمة 244.3 مليار درهم (66.5 مليار دولار) تعادل نسبة 22%، ثم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحصة قيمتها 217 مليار درهم (59 مليار دولار) بنسبة 20%. ثم أمريكا والكاريبي بقيمة 105 مليارات درهم (28.5 مليار دولار) تمثل نسبة 9%، وشرق وجنوب إفريقيا 41 مليار درهم (11.1 مليار دولار) تعادل نسبة 4%، وأخيرًا غرب ووسط إفريقيا بحصة قيمتها 34.4 مليار درهم (9.3 مليار دولار) تعادل 3%.

أضاف أيضًا أ. محمد الدندني أن إفريقيا تنمو، وهناك اهتمام من الدول الكبرى بها باعتبارها (سلة غذاء، مواد خام، نمو سكاني)، فأين نحن منها؟

بينما تساءل د. رياض نجم: لماذا نتحدث عن جازان على البحر الأحمر وقربها من إفريقيا، وهناك ميناء مدينة الملك عبد الله الاقتصادية الذي من أحد أهدافه الرئيسة استقطاب جزء من التجارة الدولية بين الشرق والغرب، لاسيما أن موقعه أكثر توسُّطًا من جبل علي، وهو الأقرب إلى أوروبا؟ فهل نجح هذا الميناء في استقطاب الجزء المأمول منه من التجارة الدولية؟ علَّق م. خالد العثمان بأن بطء نجاح ميناء مدينة الملك عبد الله الاقتصادية مرتبط ببطء الإنجاز في تنمية المدينة ذاتها.

مجالس التنسيق ومجالس الأعمال:

يرى م. أسامة كردي أن ما ذكره م. خالد العثمان صحيح حول مجالس التنسيق الأعلى مستوى بالمقارنة مع مجالس الأعمال، بل إنَّ هناك (مجالس إستراتيجية) مستواها أعلى مثل مجلسنا مع أمريكا، و(الخلوة) Retreat مع الإمارات.

لا أعتقد أن نظام الوكالات يستحق كلَّ هذا النقد. إن قرار استثمار المصنع الأجنبي في المملكة يُتَّخذ بناءً على معطيات أخرى عديدة، منها: حجم السوق، وسهولة أداء الأعمال، ومميزات الاستثمار في الدول البديلة. نجاح جبل علي مثال مهم للدعم الموجَّه له، بالمقارنة مع ميناء مدينة الملك عبد الله الذي يُحارب!

في رأيي المتواضع أن (مبدأ المعاملة) بالمثل يجب أن ينتهي في اتجاه (السعي لمصالحنا)؛ لأنه في بعض الأحيان يطغى مبدأ المعاملة بالمثل على مصالحنا، مثال ذلك موضوع التأشيرات.

ولابد من التأكيد على أنَّ مبدأ الشراكات الاقتصادية يركِّز على العلاقات السياسية والاقتصادية وليس الاقتصادية فقط، وأرجو أن يلحق ذلك اهتمام المركز بالقضايا الأكاديمية والثقافية، ولكن من المسلم به أن العلاقات الاقتصادية أصبحت تتقدم على السياسية، بل وتقودها.

ليس من المتوقع أن يشمل مبدأ الشراكات الإستراتيجية تقاسم عادل لسلطة صنع القرار؛ لأن المصطلح أساسًا لا يتطلب الدخول في شراكات قانونية ملزِمة، بل إنَّ اختيار الشريك والقطاعات أمرٌ خاص – بدرجة عالية -بالشريك الجاذب.

وأضيفُ أنَّ تمكين التجارة هو عبارة عن مؤشر يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، وينظر في السياسات الاقتصادية والبنية التحتية والخدمات التي تسهِّل تدفق البضائع، كما ينظر بشكل فرعي في سهولة الوصول إلى الأسواق وإدارة الحدود وبيئة التشغيل.

كما أن حرية إنشاء العلاقات متوفرة بدرجة كبيرة ولكنها ليست كاملة، المثال على ذلك، تهديد أمريكا للهند إن هي اشترت أسلحة من روسيا، ولحق ذلك إعلان الهند بتوقفها عن شراء البترول الإيراني، وهذا دليل على تدخُّل السياسة في الاقتصاد.

من المهم جدًّا تفعيل الدور المدني والشعبي في علاقاتنا الدولية، ولكن في خبرتي لا يبدو أن المسؤولين الحكوميين مدركون لذلك تمامًا.

لوائح وأنظمة تنظيم المركز السعودي للشراكات الإستراتيجية الدولية:

قام م. خالد العثمان بوضع لوائح وأنظمة تنظيم المركز السعودي للشراكات الإستراتيجية الدولية*. المنشور بجريدة أم القرى، العدد 4702, الصفحة 5 – 26/3/1439.

علق د. محمد الملحم بأنه استشف من خلالها المقاصد الأساسية (وربما أسباب الإنشاء) لهذا المركز، فالمادتان 3 و4 تلمس منهما الرغبة في تنظيم الجهود، وتنسيقها وتقنينها بما يحقق ويعظِّم المصالح.

فالشراكات الإستراتيجية لدى المملكة موجودة ولكنها رهنُ اجتهادات الجهات القائمة عليها، كلّ في اختصاصه، في حين أنه مع وجود المركز الذي سيُعنى بجمع المعلومات وتطبيق أفضل الممارسات وإجراء الأبحاث (كما نصت عليه فقرات المادة 4)، وكذلك متابعة وتقييم الشراكات باستمرار؛ فإن كل ذلك من شأنه تحسين أداء الشراكات، بل الارتقاء النوعي بها وتعظيم منافعها.

وأهم نقطة في مهمات المركز هي التنسيق والتكامل، فهي ذروة أداء المركز في القفز بشراكات المملكة القادمة (والحالية) إلى منطقة التأثير الإستراتيجي الفعَّالة.

عوامل التأثير السلبي والإيجابي على العلاقات الإستراتيجية:

وحول تساؤل د. وفاء الرشيد عن كون هذا البرنامج هو الوحيد في برنامج الرؤية الذي يحتاج حشدًا من جميع الجهات. يرى م. خالد العثمان أنه يحتاج إلى ذلك؛ لأنه الوحيد الذي يمسُّ كلَّ القطاعات والمستويات والشرائح، ويتأثر بتباين مستوى الأداء والتفاعل والمساهمة سلبًا وإيجابًا بكل منها.

التأثير سلبًا وإيجابًا على العلاقة الإستراتيجية مع دولة ما يمكن أن يأتي من أكثر من طريق: (علاقة تجارية، تعاون أكاديمي، تبادل سياحي، قضايا العمالة، التأثير الإعلامي، الدعم المالي… إلخ).

صناعة مكانة اقتصادية وتجارية للمملكة:

تساءل أ. محمد الدندني: كيف نجعل للمملكة مكانة اقتصادية وتجارية لا غنى عنها indispensable center بتنوُّع اقتصادها وشراكاتها، ومميزاتها من الموقع والبيئة القانونية والاجتماعية الجاذبة للعالم، وأن تكون حلقة مهمة في عجلة التجارة العالمية؟

الشراكات المدروسة يجب أن يكون لها معاملة بالمثل، فعندما تستثمر جهة سيادية أو خاصة في دولة لديها أسواق جاذبة صناعيًّا أو تجاريًّا، وذات قوة شرائية، يجب أن يكون مع هذا الاستثمار تسهيلات للاستثمار المباشر في صورة تصدير منتج سعودي، أو فتح مصانع، أو حتى الدخول في تجارة التجزئة في ذلك البلد.

ونحن تاريخيًّا نعتبر أمة تُجَّار Traders؛ لذا يجب تفعيل هذه الميزة وهذا الإرث في الداخل والخارج. يجب أن ننظر للأسواق خارج المملكة ومن القطاع الخاص.

مصر، الهند، باكستان، بنغلاديش ودول أخرى، عمالتها لها مردود إيجابي لدولهم، من خلال تحويلات العملة الصعبة وإعالة أسر بالملايين. فما هو مردود هذه الأعداد أو ما يمكن أن نستفيده من وجودهم؟ يجب أن يكون هناك أفضلية للمنتج السعودي، وأيضًا تسهيلات لشركات السعودية في العمل بهذه الدول.

تفعيل الشراكات العلمية بين الجامعات:

أشار د. مساعد المحيا إلى أننا في حاجة لأن نُفَعِّل مفاهيم وقيم الشراكة بين المؤسسات المحلية الحكومية بعضها مع بعض، وكذلك بين بعض المؤسسات الخاصة وبعض المؤسسات الحكومية، وبخاصة أن لدينا- مثلًا- اهتمامًا نوعيًّا في بعض المؤسسات وكذلك الجامعات بجوانب مهمة، وحري بالجامعات الأخرى أن تفيد منها.

كما أن كثيرًا من الجامعات الناشئة تحتاج لمجموعة من الشراكات العلمية والمهنية مع الجامعات المحلية ذات التجربة الطويلة لصناعة خبرات علمية ومهنية مقبولة، ولتكون مخرجاتها ذات كفاءة جيدة. والأهم في الشراكات الإستراتيجية الداخلية أو الخارجية هو تفعيلها وتقويم منتجاتها وآثارها.

من جانبه ذكر م. خالد العثمان؛ في الحقيقة إنني أتفهم مخاوف د. مساعد فيما أشار إليه. فموضوع الشراكات الإستراتيجية يستند بالضرورة إلى شيوع ثقافة التشارك التي أظنُّ أن مجتمعاتنا العربية عمومًا، والمجتمع السعودي فيما يخصنا هنا غرباء عنها.

ثقافة الاستحواذ والفردية والاستقلال والعزلة- في رأيي- تمثل سمات مشهودة في الحياة اليومية على مستويات متعددة، وأنا شخصيًّا أراها شائعة حتى في قطاع الأعمال؛ بدليل الزيادة الهائلة لعدد السجلات التجارية الفردية على عدد الشركات، وبدليل تناثُر وتشتت الاستثمارات الفردية الخاصة في الخارج الذي أشرت إليه في تعقيبي على ورقة القضية، وربما الدليل الأكبر هو الغياب التام للشراكات البحثية بين الجامعات المحلية، إذ إنَّنا لم نسمع أبدًا عن أي مشروع بحثي أو برنامج أكاديمي مشترك بين اثنتين أو أكثر من الجامعات السعودية، بل إننا كثيرًا ما نشهد تكرارًا بلا أدنى تنسيق في المشروعات البحثية ورسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات المحلية.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن وجود جهة تنظِّم الشراكات المختلفة هو عبء بيروقراطي، ولا يساعد على إتمام الشراكات في رأيي المتواضع. المطلوب هو إعطاء الأجهزة المعنية- كالجامعات والوزارات والهيئات التي ترغب في شراكات خارجية- استقلالية في قراراتها لكي تتحرك.

اتفق معه في ذلك د. مساعد المحيا، وأضاف: إن الأقسام هي التي تُقدِّم برامج، وهي أقل كفاءة، إذ إنها لا تفكِّر أن تجعل القسم الأعرق الذي يملك الخبرة والكفاءات والتجربة هو القسم الذي توقِّع معه شراكة علميةً لإمداد القسم الجديد بكل ما لديها من خبرات.

بل إنَّ هناك أقسامًا علمية عديدة تقدِّم برامج ماجستير ودكتوراه، ولا يوجد بينها أدنى وسائل أو أساليب التنسيق، ناهيك عن إمكانية الشراكات الإستراتيجية. هناك للأسف قدر من الاعتداد بالنفس والرأي لدى البعض؛ مما يعطل إمكانية قيام مشروعات مشتركة.

في السياق نفسه، اتفق د. رياض نجم مع ما ذهب إليه م. خالد العثمان، وأضاف إليه: إن التنافس على الاختصاصات والصلاحيات لا ينحصر فقط في القطاع الخاص والجامعات والأفراد؛ بل في الجهات الحكومية أيضًا. وكم من جهاز حكومي أُنشئ ليقوم بمهام واختصاصات محددة، ولم يتمكن من القيام بها بسبب تنازع جهاز أو أجهزة أخرى على تلك الصلاحيات والاختصاصات.

كما أرى أن موضوع التفرُّد يعتبر إشكالية لا بدَّ من حلها على مستوى المجتمع ككل. وربما علينا أن نبدأ بغرس مفهوم العمل الجماعي في المراحل الأولى من التعليم الأساسي. وهو ما وافقته فيه د. فوزية البكر، وذكرت أنها قيم ثقافية لا بدَّ من تغليبها في كلِّ المؤسسات (أسرية، وتعليمية، ودينية)، ليمكن استيطانها.

وذهبت د. وفاء الرشيد إلى أن هناك نزعة للعمل الفردي في القطاع الخاص، ونزعة إلى الاعتداد بالنفس في المجال البحثي الأكاديمي، ومن الواضح أن المشكلة هي في البناء البشري للفرد السعودي والذهنية القائمة، ولكي يتغير حالنا يجب أن تتغير عقولنا. وأتساءل: ألا يمكن أن يكون غياب الحوافز ومعايير التقييم هما سبب في القطاع البحثي؟ علَّق د. مساعد المحيا بأنه ربما ذلك صحيح، لكن الأمر يفترض أن ينبع من الأقسام نفسها، فهي التي تحبُّ أن تخلد إلى الأرض، وما دام أن الأقسام- وحتى في إطار الجودة-لا تسعى إلى تحقيق هذه الشراكات الإستراتيجية، فهناك خللٌ في المستوى العلمي.

اليوم نتطلع لشراكات مع أقسام في جامعات عالمية، لتكون بعض أقسامنا المحلية فرعًا علميًّا يتشارك فيه الأساتذة مع أساتذة عالميين، ويعقدون بعض حلقات النقاش، وكذلك بعض الندوات المشتركة. الشراكات ينبغي أن يُنظر إليها على أنها فرصة لتطوير الكفاءات المحلية.

من جانبه تساءل م. خالد العثمان: كيف السبيل إلى معالجة ذلك؟ كيف نضمن ألا تتأثر جهود بناء الشراكات الإستراتيجية الدولية بثقافة العزلة والأحادية المستوطنة فينا؟

ترى د. فوزية البكر أن مفاتيح السر في ذلك هي الدين والمعلم والأم. وفي رأي د. زياد الدريس، فإن ذلك يتم من خلال السلطات الأبوية الأربع، وهي: الأب، الحاكم، رجل الدين، المعلم.

مؤسسات التعليم وإنشاء شراكات إستراتيجية:

ذهب م. حسام بحيري إلى أنه من الملاحظ أننا نتكلم كثيرًا عن المشاركات السياسية والاقتصادية، بينما نحن في أَمسِّ الحاجة للمشاركات العلمية والأكاديمية لإعداد أجيالنا، حيث إنَّني أعتقدُ أنه جزء مهم من المشاركات الإستراتيجية الدولية بين الدول والمؤسسات.

من جانبه علق م. أسامة كردي بأنه ذكر في ورقة العمل أن الشراكات الإستراتيجية ليست حصرًا على الحكومات، وبإمكان مؤسسات التعليم إنشاء شراكاتها الإستراتيجية الخاصة بها مع نظيراتها في الداخل والخارج.

أضاف د. مساعد المحيا أن مذكرات التفاهم في العديد من الجوانب الاقتصادية، والتي وُقِّعت خلال السنتين الأخيرتين مع عدد من الدول أمريكا وآسيا وروسيا، أليست تُعدُّ صورة من صور التمهيد لتلك الشراكات الإستراتيجية؟ كما ينبغي أن تُستثمر هذه المذكرات لبناء شراكات إستراتيجية مثمرة تنعكس علينا ونستفيد منها. والمؤسف هو أن كثيرًا من هذه الاتفاقيات تموت وتنتهي دون أن يتحقق منها الكثير.

وتعتقد د. فوزية البكر أن أفضل استثمار طويل المدى قامت به السعودية لعقود، والذي نراه اليوم في خريجي البعثات، وهم الذين يقودون عاصفة التحول، وليتها تعود بنفس الزخم الذي سمح لكثير من الفقراء ومتوسطي الدخل وساكني القرى والأرياف للدراسة في الخارج، والمعيشة في مجتمع وجامعات مختلفة، وهو ما غيَّر حياتهم إلى الأبد.

¤     التوصيات:

– لضمان نجاح سياسة مركز الشراكات الإستراتيجية الدولية، لا بد من أن تتوفر لديه إمكانيات إضافية ضمن الأعمال التي يقوم بها، مثل: أن يكون على دراية كاملة بالاحتياجات المحلية المطلوبة من تعليم وتطوير ونمو وتقنية، والقدرة على جلب رؤوس الأموال، وعمل الأبحاث والدراسات المختلفة للتعرف على أفضل سُبل التعاون وتوجيهها، وكذلك إيجاد القدرات والكفاءات المطلوبة.

– استغلال التقلبات الحاصلة في العالم اليوم لمصلحة المملكة؛ وذلك بتنويع شراكاتنا الإستراتيجية، وعدم الاعتماد على شركاء استفادوا من تعاوننا معهم أكثر بكثير مما استفدنا.

– التأكيد على أهمية تفعيل التواصل المؤسسي والمجتمعي لبرنامج الشراكات الإستراتيجية الدولية مع مختلف فئات المجتمع الاستثماري والمدني في المملكة.

– بناء شراكات إستراتيجية داخلية مع القطاع الخاص ومختلف المؤسسات في الداخل لتكون أساسًا صلبًا لإنجاح الشراكات الإستراتيجية الدولية.

– تفعيل جهود الدبلوماسية العامة والشعبية للمساهمة في تحسين الصورة النمطية عن المملكة في الخارج، والتي يمكن أن تكون سببًا في إفشال جهود بناء وتفعيل الشراكات الإستراتيجية الدولية وفق البرنامج.

– ضرورة أن تكون هناك جهات محايدة تُقَيِّم الاستثمارات الناتجة عن اتفاقيات أو شراكات إستراتيجية، سواءً على المستوى الحكومي أو الخاص.

– أهمية العمل على تنظيم الاستثمارات السعودية في الخارج لتكون إحدى مهام وأدوات هذا المركز.

– إقامة علاقات متوازنة بين القوى الدولية والمحلية، ومحاولة تفعيل الدور المدني والشعبي أكثر من الدور الحكومي الرسمي.

– إلغاء نظام الوكيل التجاري لتشجيع الشركات العالمية بالبحث عن عقد شراكات حقيقية مع القطاع الصناعي المحلي.

– تفعيل الشراكات الإستراتيجية الداخلية أو الخارجية، وتقويم منتجاتها وآثارها.

– تفعيل مفاهيم وقيم الشراكة بين المؤسسات المحلية الحكومية بعضها مع بعض، وكذلك بين بعض المؤسسات الخاصة وبعض المؤسسات الحكومية.

– الاهتمام بإنشاء شراكات إستراتيجية مع جامعات عالمية.

القضية الثالثة

التحديات التي تواجهها العلاقات الأمريكية مع حلفائها والعالم

¤     الملخص التنفيذي:

القضية: (التحديات التي تواجهها العلاقات الأمريكية مع حلفائها والعالم في ظل تصرفات ترامب).

أوضحت الورقة الرئيسة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اخترق أعراف وتقاليد العلاقات الدولية في القديم والحديث، وأن مواقفه وتصرفاته السياسية تذكِّرنا  نحن العرب على الأقل بـ ” المزاج القذافي.

وأضافت الورقة أن الولايات المتحدة عُرفت تاريخيًّا وإلى ما قبل ترامب في مشروع إمبراطوريتها وعلاقاتها مع العالم إما بالانعزالية أو بالانفتاح، وعلاقة أمريكا الانفتاحية على العالم تقوم على نوعين من الدبلوماسية؛ إما الناعمة المعتمدة على نشر القيم الأمريكية، أو الخشنة التي تعتمد على التهديد والوعيد، أما الحالة الترامبية فمزاج آخر من خارج ما عرف العالم عن تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، فهو أقرب إلى “البلطجة”.

وأشارت الورقة أن حديث سمو ولي العهد إلى بلومبيرغ رسائل واضحة في العقل والهدوء، والسعودية تدرك أن علاقتها التي بنتها مع الولايات المتحدة هي علاقة مع أمريكا الباقية وليست مع شخص ترامب، ونحن مع إنكارنا لما قاله ترامب لكن لن نجعل العلاقات التاريخية والإستراتيجية الطويلة والراسخة تتأثر بعقلية غريبة، وبلغة متطرفة.

وذهبت التعقيبات إلى أن الرئيس ترامب يتعامل في السياسة بلغة الاقتصاد، وبطريقة الصفقات التي عبَّر عنها في كتابه الصفقة، كما أن كلامه عن السعودية أضاءَ لنا طريق السياسة الأمريكية الجديدة ونهجها المستقبلي حتى وإن رحل، ومن مصلحة المملكة في ظل الأوضاع الراهنة الحفاظ على استمرارية العلاقات مع الولايات المتحدة، ولقد كان في ردِّ سمو ولي العهد الحكمة والحنكة السياسية اللازمة لمثل هذا الموقف.

وذكرت المداخلات التي جرت على هذه الورقة بأنه يبدو أن الرئيس ترامب يجهل ما تقتضيه الدبلوماسية في حالة الحديث عن العلاقات السعودية الأمريكية، وهي علاقات تاريخية وإستراتيجية معروفة؛ لذلك فقد تجاوز ترامب حدودَ الأدب والكياسة، وتعدى على متطلبات هذه الصداقة وأبعادها.

كما أكدت المداخلات على أن لغة الابتزاز هذه لا يقبلها السياسي الأمريكي المحترف، وهي ضد أعرافهم الدبلوماسية وقيمهم، واستخدامها بهذا الشكل العلني ينافي جميع الأعراف والتقاليد. ليس المطلوب أن نواجه ولكن لابد من تقليل الاعتماد على التعاون مع حليف مبتز، وهذه نقطة نستطيع استخدامها لصالحنا في التعامل مع الحكومات الأمريكية القادمة.

وأشار المناقشون إلى أن رد ولي العهد-حفظه الله- بمثابة التفهم الواضح والكامل لحقيقة ذلك الخطاب، وكان ردُّه أيضًا في حدود ما يحافظ على العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي نهاية النقاش، طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: أن نَعيَ ونؤمن بأن معايير الدبلوماسية العامة سيجري عليها تحوُّل جذري ينسجم مع المقايسات الجديدة. البدء في عمل إصلاحات داخلية تعطي شيئًا من الندية مع الدول الكبرى بخاصة، وَتُحول دون إقدام آخرين على ابتزازنا. إعادة توجيه استثماراتنا إلى العالم العربي والإسلامي وخاصة في الدول الإستراتيجية، مثل مصر وباكستان وحتى تركيا. تشكيل تحالف عسكري حقيقي بين الدول العربية والإسلامية الحليفة، وتشكيل نواة عسكرية من هذه الجيوش تكون لها جاهزية الرد على أي تحديات. البدء في الدخول في صناعات عسكرية بالعقول العربية والإسلامية بالتعاون مع من يرغب من الدول المتقدمة عسكريًّا. تطوير نظامنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وإعادة فهم النص الديني مع العلماء المختصين، والعمل على تطوير الخطاب الديني. الاهتمام ببناء العنصر البشري وتعليمه، وبناء الأمة من الداخل فكريًّا وثقافيًّا. التركيز على ضبط النفس وعدم الدخول في مهاترات مع ترامب وغيره، وقد مثلتها السياسة السعودية باقتدار على لسان سمو ولي العهد. أن نلتفت لمقدراتنا وبناء شعبنا على كافة الأصعدة، وأهمها التعليم والثقافة، كي نعتمد على أنفسنا وبيدنا سلاحنا أحيانًا، والتفاهم مع القوى الإقليمية لتقليل منافذ القوى الدولية لزعزعة منطقتنا.

¤     مقدمة:

 بالرغم من اتفاق معظم الخبراء والمحللين حول العالم من أن التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي مؤخرًا ضد المملكة وكررها خلال ثلاث جولات هي في الواقع تصريحات شعبوية بهدف الدعاية للحزب الجمهوري قُبيل انتخابات الكونجرس ومجلس الشيوخ، إلا أنها تؤكد أن ترامب معلوماته غير كاملة، ويحاول ممارسة نوع من الابتزاز السياسي، ولا يعرف قانون الفعل ورد الفعل عند المملكة العربية السعودية.

كما أن حديث صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، إلى وكالة بلومبرج حاز على اهتمام دولي وعربي واسع النطاق؛ كونه الحديث الأول الذي يتضمن ردود أفعال قوية على محاولات الرئيس الأمريكي ترامب ابتزاز المملكة ودول الخليج، وكونه أيضًا يمثل ردًّا قويًّا على مواقف ترامب الأخيرة. وتضمنه رسائل عديدة بعث بها الأمير محمد بن سلمان إلى صنَّاع القرار في الولايات المتحدة، وهي: أن المملكة قادرة على حماية مصالحها بصرف النظر عن أي مواقف تتخذها الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة عملت ضد أجندة بلاده لمدة ثماني سنوات في عهد الرئيس أوباما، ومع ذلك لم تستطع تغيير أجندة المملكة، ولم يكن لها أي دور في حماية مصالحها.

وفي الوقت نفسه لا يمثل ذلك تحديًّا أو خلافًا جذريًّا مع الولايات المتحدة بقدر ما يمثل دفاعًا عن المملكة وأمنها واستقرارها، ورفضها لنهج الابتزاز وفرض الوصاية، وأن المملكة تدفع ثمن الدفاع عن أمنها بتسليح جيشها والاعتماد عليه؛ ومن ثَمَّ فهي لا تحصل على هذا السلاح مجانًا من الولايات المتحدة أو غيرها”.

وعندما يقول “الأمير محمد بن سلمان أن المملكة موجودة قبل تأسيس أميركا بـ 30 عامًا، فهي رسالة لا تخلو من معنى في بُعدها التاريخي والسياسي والحضاري، تلك هي الرسائل الثلاث التي أراد ولي العهد السعودي أن يبعث بها إلى صنَّاع القرار في الولايات المتحدة”.

هذه الرسائل وهذا الردُّ هو الأول من نوعه الذي يمثِّل تحديًّا لمحاولات الابتزاز التي أراد ترامب أن يبعث بها إلى المملكة ودول الخليج، فبعد الحديث عن ضرورات تخفيض أسعار النفط، بدأ الحديث عن ضرورات دفع ثمن الحماية المزعومة؛ لذا تُعد قضية “التحديات التي تواجهها العلاقات الأمريكية مع حلفائها والعالم في ظل تصرُّفات ترامب” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمها د. فهد العرابي الحارثي، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة، وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (سمو ولي العهد وحسن قراءة للموقف، تصريحات ترامب وتغير مفردات الدبلوماسية العامة، تصريحات ترامب وتساقط الأقنعة، البرجر السياسي الأمريكي، ترامب وعقلية التاجر الجشع، حدود الاستقواء بالآخرين، معادلات القوة والتغلُّب بمنظور جديد، تحالفات إقليمية عسكرية واقتصادية، “هل تحمي أمريكا السعودية.. أكذوبة الكلام والتجارب”؟ قذائف “إيفو موراليس” الكلامية ضد ترامب، ما بين استحقاقات ترامب واستحقاقاتنا، سياسة المملكة والملاسنات الكلامية، كيف تحمي الدول نفسها من الابتزاز والهجوم الخارجي؟ ضبط النفس والمواجهة الإعلامية، المشهد السياسي الأمريكي الجديد). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة. وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها الدكتور فهد العرابي الحارثي، وعقّب عليها الدكتور عبد الله العساف، والأستاذ عبد الرحمن الطريري، والمهندس سالم المري، والمهندس حسام البحيري.

كتب د. فهد العرابي الحارثي: لستُ في موقع حكومي قد يخلق عندي إمكانية للتردد في قول ما أريد قوله تجاه الحالة التي خلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فضاء الدبلوماسية المعاصرة، مخترقًا أعراف وتقاليد العلاقات الدولية في القديم وفِي الحديث. هل نسمِّي هذه الحالة “الحالة الترامبية”؟! نعم، نستطيع أن نسمِّيها كذلك؛ لأننا لم نشهد مثلها في الممارسات السياسية من قبلُ قط، إلا أنه في الواقع يذكرنا نحن العرب على الأقل بـ “المزاج القذافي” في المواقف والتصرفات السياسة، وهو المزاج الذي عُرف بالغرابة والإثارة والرعونة في الغالب، فلا تستطيع أن تعرف من أين سينقض عليك؟! ولا بأي منطق إنساني أو شيطاني سيبرر ما يفعل.

والولايات المتحدة عُرِفت تاريخيًّا وإلى ما قبل ترامب في مشروع إمبراطوريتها، وفي علاقاتها مع العالم إما بالانعزالية أو بالانفتاح، وفِي حالة الانفتاح تأخذ بنوعين من الدبلوماسية:

-إما الدبلوماسية الناعمة المعتمدة على نشر القيم والثقافة الأمريكية، وهي هنا “رائدة” تقود العالم، وهي معشوقته وحلمه.

-وإما الدبلوماسية الخشنة التي تعتمد على التهديد والوعيد والتدخل العسكري مثلًا، وهي هنا “مستبدة” مستكبرة ومتعجرفة في فرض “هيمنتها” على البشرية، وهي هنا محل كراهية الجميع، وتضرُّ بمصالحها أكثر من أنها تخدمها.

– أما الحالة الترامبية فمزاج آخر، مزاج من خارج ما عَرف العالم عن تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، مزاج أقرب إلى “البلطجة”، فهو في السرِّ وفِي العلن ينزع إلى الابتزاز، وهو في السراء والضراء يريد أن يرسِّخ في هذا العالم مبدأ فرض الإتاوات. وهو هنا أقرب ما يكون إلى تعميق كراهية العالم للوجه الجديد للاستبداد الأمريكي أو(الدبلوماسية الخشنة الجديدة).

لقد استمعتُ إلى الخطاب الصادم لسيد البيت الأبيض الذي ألقاه قبل عدة أيام في الملأ الأمريكي، ذلك الخطاب الذي جعلته المنصات الإعلامية المؤثرة خطابًا موجهًا للعالم كله وليس للأمريكيين فقط، وليس للعرب فحسب، فقد ذكر ترامب، بكل استكبار وصفاقة، أنه قال للملك سلمان (الذي يحبه!) بأنه (أي الملك سلمان) من دون الحماية الأمريكية لا يستطيع البقاء على كرسيّه في الحكم مدة أسبوعين.

استمعتُ إلى ذلك الكلام من شخص يقدِّم نفسه رئيسًا لأكبر وأقوى دولة في العالم، شخص من المفروض أنه خير مَن يقدر ويدرك التزامات بلاده السياسية والأخلاقية تجاه حلفائها التاريخيين، وتجاه مصالحها خارج الولايات المتحدة، وتجاه السلام فوق هذا الكوكب برمته. فريادة العالم وقيادته شيءٌ مختلف عن الهيمنة والبلطجة والابتزاز.

لقد وقعت في حيرة ليس بعدها حيرة بعد سماعي لمجمل ما ذكر ترامب، وعما زعم أنه قاله للملك سلمان، فوجدتني أمامَ ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن دونالد ترامب “يكذب”، فليس من المعقول أن رئيس دولة مهما كانت قوتها وهيمنتها، سيقول لرئيس دولة أخرى مهما كان ضعفها في نظره: “ادفع” وإلَّا فإنك بدون الحماية الأمريكية لن تستطيع البقاء في مكانك هذا لأكثر من أسبوعين! إنها الدبلوماسية الذكية، وقبل ذلك التربية والأخلاق تمنع من التفوُّه بمثل ذلك. وإذا اضطر رئيس الدولة القوية أن يوصِّل مثل هذه الرسالة فهو يستطيع أن يوصِّلها بطرق أخرى غير الطريقة التي زعمها ترامب.

الاحتمال الثاني: أن دونالد ترامب إذا كان قد قال فعلًا للملك سلمان ما ذكره في خطابه، فيكون في هذه الحالة ليس كذَّابًا بل “وقحًا” وصفيقًا، ويفتقد لأقل قدر من الحكمة والحنكة والأخلاق والدبلوماسية، فضلًا عن الجهل التام بالتاريخ وبسيكولوجية الشعوب، فهل من الممكن أن يخاطب رئيس أمريكا رئيس دولة تتزعَّمُ أمةً بكاملها (الأمة الإسلامية) بهذه الطريقة الوقحة؟!

الاحتمال الثالث: لنفترض جدلًا أن مثل هذا الحوار الساخن-أقصد الابتزاز الصريح-دار في محادثات مغلقة، بغض النظر عن نتائجه، فإن إعلانه أو إشهارَه باللهجة وبالطريقة التي تمت من قِبل الرئيس الأمريكي هي الرعونة” التي ليس بعدها رعونة.

ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان كفانا مؤونة الردود الموضوعية في حديثه إلى بلومبيرغ، فهو ذكّر ترامب بأن الأسرة الحاكمة السعودية بدأت مشروعها في الحكم من قبل أن تُولد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وهي خلال القرون الأربعة المنصرمة عاشت وغابت وحضرت من دون الحاجة إلى الأمريكان. كما أن الولايات المتحدة لم تُنعِم على السعودية بأي شيء بالمجان، بل إننا نحن الذين ندعم الاقتصادَ الأمريكي بالودائع المليارية، ونحن الذين نشتري أسلحتنا بأموالنا للدفاع عن ترابنا الوطني، ونحن إنما نفعل ذلك لأننا نفهم ونقدر المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للطرفين: في الداخل الأمريكي (خلق الوظائف مثلًا)، وفِي الخارج على مستوى الحرب على الإرهاب مثلًا أيضًا، وهي الحرب التي عجزت أمريكا أن تحقِّق فيها الانتصار المنتظر وحدها. لقد أظهر ترامب أنه عاجز عن فهم هذه الأبعاد والنتائج.

وفي حالات أخرى غير حالتنا، عجز كبار رجال الإدارة الأمريكية عن إفهام ترامب بأن وجود الجنود الأمريكيين في كوريا- مثلًا-ليس للدفاع عن الكوريين بل دفاعًا عن المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى، وكذلك الحال فيما يتعلق باليابان. مع أن هذه أمور من أبسط ما يعرفه أهل السياسة الحقيقيون. والقواعد الأمريكية المنتشرة في أصقاع الأرض إنما وُجدت للدفاع عن الأمن القومي الأمريكي بالدرجة الأولى.

وفي حديث سمو ولي العهد رسائل واضحة في العقل والهدوء، فالسعودية تدرك أن علاقتها التي بنتها سنين طويلة مع الولايات المتحدة هي علاقة مع أمريكا الباقية وليست علاقة مع شخص ترامب الذي هو موجود اليوم وغير موجود غدًا، فنحن ننكر ما قاله ترامب لكن لن نجعل العلاقات التاريخية والإستراتيجية الطويلة والراسخة تتأثر بعقلية غريبة، وبلغة متطرفة مثل التي تصدر عن دونالد ترامب، الرجل الغارق في مشاكله في الداخل والخارج.

سؤال أخير للرئيس ترامب نفسه: أنتم تُعلنون منذ سنوات طويلة (أنتَ ومن سبقكَ من رؤساء أمريكا) بأن إيران تحت حكم الملالي خطر عليكم وعلى السلام في العالم، وإيران من جانبها لا تتوقف عن الإعلان بأنكم عدوُّها الأكبر. إذًا فإيران ليست فقط محرومة من حمايتكم بل إنها مهددة دائمًا من قِبلكم، وهي من جهتها تحاربكم وتعمل على الإضرار بمصالحكم في كل مكان حتى في أمريكا اللاتينية، ومع كل ذلك فهي تعيش دون أن يمسسها أي أَذى، ولم تهتز فيها ولا عمامة واحدة من عمائم الإرهاب والعداء للعالم الحر.

وختامًا، أودُّ أن أوجه شكرًا خاصًّا إلى الرئيس ترامب، فإن تصريحاته الرعناء ستعلمنا كيف نسرع أكثر في بناء قوتنا الذاتية، وكيف ننطلق بفاعلية أكبر في صناعة سلاحنا، وكيف نستعد بمسؤولية وثقة وإيمان لمواجهة الخطر، أيًا كان مصدر ذلك الخطر.

عقَّب د. عبد الله العساف: حتى لا يختطفنا الهاجس الدفاعي ونتشنج فيه وننخرط في معارك كلامية لا طائل منها، وحتى لا نغرق في هاجس المؤامرة -التي لا أنفي وجودها- لا أخفيكم أني ترددت كثيرًا ثم قررت الاعتذار لعدد من وسائل الإعلام التي تواصلت معي وطلبت مني التعليق على كلام ترامب، أما لماذا؟ فتجيب عنها الاحتمالات الثلاثة التي ذكرها الدكتور فهد، وكنتُ أتتبّع الموضوع بين مصدق ومكذب! لكن ما لبثتُ أن تبددت حيرتي بعد أن طارت بالأمر الركبان وأصبح حديث القاصي والداني، وما أتمناه في هذه المرحلة أن لا تعمل شركات العلاقات العامة في الجانبين بقدر ما تعمل لدينا مراكز الأبحاث والدراسات والعمل الدؤوب على جمع العقول وتلاقح الأفكار لاستشراف المستقبل في علاقتنا مع حليفنا الأقوى في العالم، إلى أين تتجه سفينتا؟ وفي أي البحار تبحر؟ وأي مرفأ تقصد؟ وماذا تحمل في داخلها؟ وماذا تريد وماذا يُراد لها؟ فبعد الحقبة الأوبامية تنفسنا الصعداء بوصول سيدٍ جديد للبيت الأبيض، التقت مصالحه بمصالحنا، ووافقت توجهاته توجهاتنا، وطوينا صفحة الماضي القريب سريعًا، ولم نقم بتقييم تلك الفترة كما يجب وماذا لو حمل المستقبل نسخة أخرى لأوباما؟

أتمنى ألا ننزعج من تصريحات الرئيس الأمريكي وإن كانت مزعجة وأليمة على كل مواطن سعودي وعربي غيور ومسلم محب، ولن ألتمسَ له العذر بأنه أتى من باب الأعمال ولم يصل عبر دهاليز السياسية ومعتركاتها التي تكسبه الحنكة واللباقة السياسية مع مَن يخاطبهم، وخصوصًا إذا كانت بلدًا بحجم السعودية؛ فضلًا عن تحالفهما الطويل ومصالحهما المشتركة، ومنافعهما المتبادلة، فالسعودية أحد العشرين الكبار صنَّاع السياسية الاقتصادية في العالم، وهي ذات ثقل روحي في العالم وموقع إستراتيجي حيوي، لكن قد أجدني مضطرًا أن أقول له شكرًا -وإن كان لا يستحق الشكر-  فقد أضاءَ لنا طريق السياسة الأمريكية الجديدة ونهجها المستقبلي حتى وإن رحل ترامب، وإن كنتُ لا أظنه راحل، وربما يكمل فترته الثانية، فقد أوفى بما وعد به الناخب الأمريكي، الذي يهمه وجود دخل ثابت ووظائف، وهو ما حققه ترامب لهذا الناخب، فكما ذكر سمو ولي العهد أننا نعرف اليومَ أن علاقتنا هي سبب وجود أكثر من أربعة ملايين وظيفة في الولايات المتحدة، بشكل مباشر وغير مباشر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فسيد البيت الأبيض يحرك العالم ويقيمه ولا يقعده وهو جالس على أريكته بتغريدة على تويتر تهزُّ العالم دون أن تتحرك أساطيل أمريكا وبوارجها، ودون عودة أبنائها في التوابيت، وتحقِّق نموًا في الاقتصاد الأمريكي، فماذا تريد الولايات المتحدة أكثر من هذا الرئيس المتهور الذي يخيف العالم، ولا يمكن التنبؤ إلى أي مدى يذهب جنونه.

لعلنا نضع نقطة فوق السطر، ونفتح صفحة جديدةً في علاقتنا مع أمريكا بعد المرحلة الترامبية، ليست صفحة بيضاء بل صفحة مختلفة وفق توجهاتنا المستقبلية، فكما حددت رؤيتنا 2030 تنويع سلتنا الاقتصادية، فعلينا تنويع سلة علاقاتنا السياسية وتقييم العلاقات الحالية ومساراتها المستقبلية، حيث شهدت المملكة تناميًا ملحوظًا في علاقاتها السياسية والاقتصادية مع مختلف دول العالم بفضل الزيارات الرسمية المتتالية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهد الأمير محمد بن سلمان لعدد من الدول، منها: روسيا، والصين، وفرنسا، واليابان، ومصر، وماليزيا، وإندونيسيا، وغيرها من الدول…، وأخصُّ هنا العملاقين القادمين بقوة روسيا والصين، وهما متمردان ورافضان للهيمنة الأمريكية ذات القطبية المتفردة في العالم، ولهذا التوجه الروسي الصيني مكاسب عديدة نستطيع تسخيرها لمصلحتنا، وكورقة ضغط على الجانب الأمريكي وغيره، فلا زالت روسيا- تحديدًا- تأمل في علاقات إستراتيجية مع السعودية، وليست علاقة مؤقتة مرتبطة ببعض ملفات المنطقة، وهو ما عكسه الاستقبال الخاص لخادم الحرمين الشريفين في موسكو قبل عام.

لقد أرسى الملك سلمان بزيارته التاريخية لموسكو قواعد لشراكات بين الرياض وموسكو في مختلف المجالات، فالرياض تنظر لموسكو بأنها قوة عظمى تعود إلى الساحتين الدولية والإقليمية، في مقابل إقرار موسكو بأن السعودية باتت الطرف الأساسي الذي يقود الوجهة العربية في ملفات ساخنة متعددة.

وأخلصُ إلى أن العلاقات “السعودية-الأمريكية” تحتاج إلى مراجعة كاملة، وأعودُ للتأكيد إلى أن علاقتنا بواشنطن أصبحت في الميزان أو هكذا يجب أن تكون، علينا تقرير وتقدير تداعيات هذا الخطاب الأهوج على المصالح الحالية والمستقبلية، وتقديرًا لما يجب أن تؤول إليه العلاقات حاضرًا ومستقبلًا، وأرى أن نعمل بهدوء ولا نستعجل النتائج، فهناك عقوبات أمريكية على طهران في الخامس من نوفمبر القادم، أرجو أن لا يهدم هذا الخطاب المتهور ما كنا نأمله من العقوبات الأمريكية على نظام الملالي والمنطقة.

وعقَّب أ. عبد الرحمن الطريري: بداية يجب أن نفهم تفكير ترامب للوصول لأسباب الحديث الوقح الذي صدر عنه؛ فالرئيس ترامب يتعامل في السياسة بلغة الاقتصاد، وبطريقة الصفقات التي عبَّر عنها في كتابه الصفقة.

إن دونالد ترامب يرغب في دفع إيران إلى حافة الهاوية حتى تأتيه صاغرة لتوقّع اتفاقًا نوويًّا أفضل على مستوى فرص الاقتصاد الأمريكي في السوق الإيراني، ملتهمًا حصص عدة دول هرولت نحو إيران بصفقات تجارية بعد الاتفاق النووي.

كذلك يرجو أن يحصل على صفقة جيدة مع كوريا الشمالية، تُعَظِّم منافع الاقتصاد الأمريكي في هذا البلد الخام، عوضًا عن اعتماد كوريا على الصين بِمَا يقارب 90%.

في المقابل يرى أن لديه حلفاء في أوروبا “الناتو”، وفِي الخليج العربي، وفِي شرق الكرة الأرضية “كوريا الجنوبية واليابان”، بحيث يمكن تعظيم منافع الاقتصاد الأمريكي من هؤلاء الحلفاء، وتقليل النفقات العسكرية في حالة الناتو ودول الشرق، وهو ما لا يتوفر في الحالة الخليجية، وخاصه السعودية الدولة الخليجية الوحيدة التي ليس بها تواجد عسكري أمريكي.

ولا ننسى أن دونالد ترامب يضيق بالتفاصيل، ولا يقرأ التقارير الطويلة، وربما هذا ما أوقعه في الخلط بين اليابان وكوريا اللتين تدعمهما أمريكا بميزانية دفاعية، وبين السعودية التي تشتري سلاحها بأموالها، وتخلق بسبب ذلك العديد من الوظائف.

من جانب آخر يعرف ترامب أن خطابه الشعبوي ونجاحه في خفض نسب البطالة هو ما زاد من شعبيته، وهو ما يمكنه أن يحافظ على الأغلبية الجمهورية في الانتخابات النصفية للكونغرس نوفمبر القادم.

كما أنه لا يدرك أن للسعودية قرارًا سياديًّا مستقلًا، هو الأجرأ بين خطابات حلفاء أمريكا، وهو ما تمَّ التعبير عنه بوضوح خاصة في الموضوع الفلسطيني، والرد على ما حدث من وضع كاميرات المراقبة على المسجد الأقصى، ثم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

ولقد كان من الذكاء بمكان تصريح سمو العهد، حين قال بأنك لا تستطيع الحصول على صديق يقول الأشياء الجيدة طول الوقت، ليقطع الطريق على مَن كانوا يمنون النفس بأزمة سياسية بين الرياض وواشنطن، لم تحدث وقت أوباما الذي فعل كل ما من شأنه تقويض أمن السعودية، ولا وقت بيل كلينتون الذي صمت عن الرد على مسؤولية قتل مواطنين أمريكيين في الخُبر، ولن يحدث ذلك في عهد ترامب؛ لأن السعوديين يسامحون خصومهم لكنهم لا ينسون أسماءهم.

كما عقَّب م. سالم المري: ما قام به ترامب يُعد اختراقًا لأعراف وتقاليد العلاقات الدولية المتعارف عليها، وتعديًا شنيعًا على اللياقة الدبلوماسية بين الدول، وسأحاول في تعقيبي التطرق لبعض السياسات التي أراها مهمة لمواجهة التحديات المستقبلية التي قد تواجهها العلاقات السعودية الأمريكية، مع استمرار هذه النبرة المتعالية والمتغطرسة للقادة الأمريكان ضد حلفائهم في العالم، كالمملكة العربية السعودية.

أمَّا ما قاله ترامب أخيرًا في حق دول حليفة وقريبة من السياسة الخارجية الأمريكية، كاليابان وكوريا الجنوبية والسعودية، وبطريقة تهكمية مهينة واستفزازية، فَيدلُّ- وبوضوح- على جهل وعنصرية الجمهور الأمريكي المتلقي لهذه الخطابات الترامبية، وهنا مكمن الخطورة، حيث يصعب أن تركن دول حريصة على أمنها واستقرارها إلى علاقات آمنة ومستديمة مع نظام كهذا (من سياسيين وناخبين) كنظام الولايات المتحدة الأمريكية ممكن أن يتسيده ويديره شخص كترامب، وقد كان في ردِّ سمو ولي العهد الحكمة والحنكة السياسية اللازمة لمثل هذا الموقف، حيث إنَّه من مصلحة المملكة في ظل الأوضاع الراهنة الحفاظ على استمرارية العلاقات مع الولايات المتحدة، وكان واضحًا أن ما أطلقه ترامب هو للاستهلاك الانتخابي المحلي وليس له مصداقية، فدول مثل اليابان وكوريا والسعودية تشتري الأسلحة الأمريكية بأموالها، ولها الفضل في ذلك، ويمكنها لو أرادت شراء الكثير من الأسلحة من مصادر أخرى، كما أن القواعد الأمريكية المنتشرة في دول، مثل اليابان وكوريا والشرق الأوسط، هي في الغالب بطلب من الولايات المتحدة، وتخدم إستراتيجية الدفاع القومي الأمريكي.

وكما يُقال: ربَّ ضارة نافعة، فتصريحات ترامب تذكرنا بضرورة الاعتماد على النفس في تأمين الأمن والاستقرار الداخلي، والاعتماد على النفس في ردع أي عدوان خارجي إقليمي. وهذان الأمران يتطلبان تطوير النظام السياسي الداخلي ليتواكب مع متطلبات المرحلتين الداخلية والخارجية، وتطوير الاقتصاد والصناعات الإستراتيجية وخاصة العسكرية منها، وهذا ما يبدو أن الأمور تسير إليه في المملكة العربية السعودية في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمين، حفظهما الله. وفي مجال التصنيع، يمكن إذا لزم الأمر الاعتماد على بعض الشراكات المحلية مع دول يربطنا بها مصالح وروابط إستراتيجية وثيقة، مثل الإمارات ومصر والأردن، وذلك في بعض الصناعات التي لها متطلبات تتعدى قدرات الدول الإقليمية، مثل صناعة الطيران والفضاء والطاقة النووية، مع أخذ الاحتياطات بحيث لا يؤثر تقلب العلاقات السياسية في مثل هذه الصناعات الإستراتيجية ذات الأبعاد الأمنية والاقتصادية.

والمتتبع للعلاقات السياسية السعودية الأمريكية لابد أن يرى أنه بقدر ما هناك تقاطع إيجابي في المصالح مع سياسات الإدارات الأمريكية المختلفة، فهناك أيضًا تضاربٌ شديد وحاد أحيانًا في المصالح الإستراتيجية العليا، ينطلق من حقيقة مهمة؛ هي: أن محور السياسة الأمريكية في المنطقة يعتمد على خدمة مصالح إسرائيل التي توجِّه الكثير من السياسات الأمريكية، بينما محور السياسة السعودية يبقى تحت تأثير قوي ودائم من كونها قلب العالم العربي والإسلامي، وما يمثله هذا العمق من تضارب في التوجّه والمصلحة مع النزعة التوسعية الاستعمارية الإسرائيلية، والرغبة الرأسمالية الأمريكية في الهيمنة على المنطقة والعالم.

وقد اتسمت السياسة الأمريكية في المنطقة وفي العالم بعدم احترام الضعيف حتى من الحلفاء، فالسياسة الأمريكية والغربية بشكل عامٍ لا تراعي إلا مصالح الحلفاء الأقوياء.

فمن سياسات بوش في أفغانستان والعراق وتجاهله للمصالح السعودية وتسليمه البلدين للنفوذ الإيراني، إلى سياسات أوباما التي هدفت إلى شرذمة البلاد العربية وفتحها كمناطق نفوذ للاستعمار الفارسي والتركي والروسي، إضافة إلى أمريكا وإسرائيل.

ثم سياسات إدارة ترامب الحالية المستفزة والمبتزة؛ ولذلك فإنه من الضروري توثيق العلاقات السعودية مع دول محورية أخرى في أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا، وخصوصًا مع القطبين القويين حاليًّا، وهما الصين وروسيا، والارتباط معهما بشراكات إستراتيجية يمكن أن تكون بديلًا للعلاقات الإستراتيجية الأمريكية في المستقبل إذا لزم الأمر.

وأخيرًا عقَّب م. حسام البحيري: الصراع السياسي الداخلي الحاصل بين التيار الليبرالي والتيار المحافظ الذي أصبح تحت سيطرة متطرفين يمثلون اتجاهات مختلفة داخل الحزب الجمهوري- بدأ ينعكس على سياسة أمريكا الخارجية بشكل سلبي واضح.

في خطاب ترامب في الأمم المتحدة، أعلن للعالم أجمع أن أمريكا ترفض أيديولوجية العولمة، وتساند أيديولوجية الوطنية. أمريكا التي صنعت وفرضت العولمة على العالم، الآن ترفضها! والرسالة كانت واضحة أن أمريكا لن تكون شرطيّ العالم، ولا يمكن الاعتماد عليها للتدخل في النزاعات بين الدول، ولن تحميَ أيَّ مصالح عالمية، بل ستسعى خلف مصالحها فقط، وستستخدم قوتها لحماية وفرض مصالحها على العالم. اللغة التصادمية لا يمكن تجاهلها، والعالم بدأ لأول مرة التيقن من أنه على عتبة حقبة جديدة في السياسة العالمية.

فعليًّا نحن نعيش اليومَ في عالم متغير، لا نعلم إلى أين يتجه. هناك صعود واضح لليمين المتشدد والمتطرف في الغرب خصوصًا بين البيض؛ لأنهم يشعرون مع ازدياد الهجرة ودخول إثنيات وديانات جديدة في مجتمعاتهم تولَّد لديهم شعور أن طريقة ممارسة حياتهم التقليدية أصبحت في خطر، والاتجاه نحو اليمين أصبح هو الحل.

في أمريكا نرى أن اتحاد اليمين المتطرف واليمين المسيحي المتشدد والمحافظين التقليديين هو الذي وَلَّد ظاهرة ترامب. الاتجاه السياسي الأمريكي تحت هذا الاتحاد يعني الحماية والانعزالية، والمواجهة ستكون سمة رئيسة في السياسة الخارجية الترامبية، وخضوعه المخزي لبوتين (اليمين المتشدد في الغرب يعتبر بوتين حليفًا مهمًّا؛ لأنه وقف ضد العولمة الاقتصادية، وحارب التشدد الإسلامي، وحافظ على هوية روسيا التقليدية بوقوفه ضد المهاجرين)، وتصريحاته المتكررة ضد حلفائه التقليديين، آخرها تصريحاته الكاذبة ضد السعودية، والتي فضحت مدى سطحيته في التعامل مع حلفاء هو بحاجة إليهم أكثر مما هم بحاجة إليه. الحقيقة هي أن ترامب له أكثر من ٦ أشهر يطالب السعودية بمبلغ أربعة بلايين دولار لاستمرار العمليات الأمريكية في سوريا، والسعودية رفضت أن تدفع، واعتبرت مطالب البيت الأبيض ابتزازًا مرفوضًا، وتصريحاته الأخيرة كانت رسالة فاشلة.

الذي لا يدركه ترامب أن السعودية “اختارت” أن تُكَوِّن تحالفًا إستراتيجيًّا مع أمريكا لم يُفرض عليها، ولأنها دولة لديها ثقل دولي دائمًا سيكون لديها اختيارات للتحالف مع أي دولة تختارها. ترامب اختار الدولة الخطأ لابتزازها، وهذه حقيقة يدركها أي سياسي محترف، ومن المؤكد أنه سيدفع ثمن تصريحاته المتهورة مستقبلًا.

العالم اليوم يتعامل مع ترامب كديموغاجي متهور لا يمكن التعامل معه بجدية ولكن بحذر. وعندما يكون العالم ضدك لا يمكن أن تكون قائدًا لهذا العالم، وهذا يعني أننا مقدمون على فراغ مقبل في القيادة العالمية تحت إدارته.

وفي تصوري، فإن ترامب لن يبقى طويلًا في البيت الأبيض، ومن الصعب جدًّا فوزه بانتخابات الرئاسة القادمة؛ لأنه من المرجح أن يُدان في تقرير تحقيقات المحقق الخاص روبرت ميلر المتعلقة بتدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية، والذي حتى الآن أدان خمسة أشخاص مقربين جدًّا من ترامب، أحدهم مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، ومدير حملته الانتخابية مانفورد، ومحاميه الخاص كوهين. وسيزول من المشهد السياسي الأمريكي، ولكنه سيغرق في مشاكله القانونية المقبلة والتي ستكلفه ثمنًا غاليًا، ولكن السؤال المهم: بزوال ترامب من البيت الأبيض، هل ستزول ظاهرته السياسية أم ستنتشر في الغرب؟

¤     المداخلات:

سمو ولي العهد وحسن قراءة للموقف:

في بداية مداخلته، تساءل أ. إبراهيم سنان: لماذا نأخذ هذه التهديدات والابتزاز والخطابات الرئاسية من رؤساء الدول العظمى، ومنهم ترامب على خلاف ما كنا نسمعه، وإن كان بلهجة أقل حدة ونبرة أقل صراحة ووضوحًا؟ فقد سبق ترامب في ذلك جورج بوش حين أعلن عن حملة صليبية ضد الإرهاب أمام ناخبيه الجمهوريين، وكذلك أوباما الذي كان أكثرهم نعومةً وكياسة في خطاباته، والذي أعلنها في أكثر من مرة خلال فترة الربيع العربي من أنه يجب على الحكومات العربية أن تتجاوب مع مطالبات شعوبها، وإلا لن تضمن البقاء في الحكم.

أعتقد أننا لا نحتاج إلى معاملة خاصة تجاه هذه الخطابات؛ كوننا سبق وتعاملنا مع غيرها من حيث قياس جديتها والتفريق بين ما هو تسويق سياسي داخلي لأمريكا، كمثال يستخدمه الرؤساء لجذب اهتمام ناخبيهم، وسبق أن قالها الوزير عادل الجبير إن دونالد ترامب مهما تحدث يظل بعيدًا عن قراءة الأوراق واطلاعه على تقارير مؤسساته السياسية الأخرى.

وأستشهدُ هنا بتشبيه الدكتور فهد عن كون ترامب قذافيًا جديدًا. فلو اعتبرنا أن ترامب يتشابه خطابه مع النبرة العربية الفجة والوقحة لبعض الرؤساء العرب، والذين استطاعت المملكة العربية السعودية بداية من ثورة الضباط في مصر حتى اليوم على احتوائها، والتعامل معها بمعزل عن شكلياتها التسويقية التي يريد بها أصحابها التسويق لأنفسهم وأفكارهم بعيدًا عن الواقع السياسي داخليًّا وخارجيًّا.

ولقد كان رد ولي العهد حفظه الله _بمثابة التفهم الواضح والكامل لحقيقة ذلك الخطاب، وكان ردُّه أيضًا في حدود ما يحافظ على العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولطالما كانت السياسة الأمريكية الخارجية براغماتية، ولطالما سعت حتى في تحركاتها العسكرية لحماية مصالحها ودعم اقتصادها؛ كالاستحواذ على مصادر ثروات أو خطوط إمداد، وهي سياسة ثابتة على مرِّ كل الرؤساء، وكل ما تُبرر فيه تلك البراغماتية هي وسائل ترويج واكتساب مصداقية لدى الناخب الأمريكي والمجتمع الدولي؛ كتعاملها مع قضايا أسلحة الدمار الشامل، والسلام العالمي، وحماية الديمقراطية، ومبادئ الحرية العالمية… إلخ. في كل هذه نجد الولايات المتحدة الأمريكية دائمًا ما يكون لها مصالح مادية ملموسة ذات جدوى تعود عليها اقتصاديًّا في المقام الأكبر. وما يفعله دونالد أنه خرج من النسق الدائم للولايات المتحدة الأمريكية، وكشف أهداف السياسة الأمريكية بوضوح، بعيدًا عن عناوين السلام والديمقراطية والحرية العالمية التي كان يستخدمها الرؤساء السابقون.

ويرى م. حسام بحيري أن الأعراف الدبلوماسية وتقاليدها ليس لها أي دخل في خطاب الرئيس الأمريكي، هو كما ذكر الدكتور فهد، شكل ظاهرة سياسية جديدة، تعتمد على الهجوم والكذب باستمرار. فطبقًا لجريدة الواشنطن بوست (صوت المحافظين الأمريكيين التقليدية)، ترامب ارتكب 4229 كذبة من تاريخ انتخابه وحتى أول يوم في شهر أغسطس لعام 2018، وذلك حسب مركز بيانات تدقيق الحقائق الذي شكلته الجريدة لمتابعة تصريحات ترامب. كما أن جون داود محامي البيت الأبيض السابق اتهم ترامب أنه مصاب بمرض الكذب لدرجة أنه يكذب بدون الإدراك أنه يكذب. إذًا لا يمكن الأخذ بكلام ترامب بجدية؛ لأنه فاقد للمصداقية، إضافة إلى أنه أصبح مشكلةً أمريكية تشكل عائقًا أمام أي تعاون دولي أو دبلوماسي، ولا بد من التعامل معه على هذا الأساس.

تصريحات ترامب وتغير مفردات الدبلوماسية العامة:

ذكر د. زياد الدريس أننا يجب أن نعترف ونعي بأننا أصبحنا في زمنٍ مختلف عن الماضي القريب. ترامب ليس نسيجًا وحده، بل هو فقط التعبير الأنصع عن أدبيات وسمات الزمن الجديد: الخِفّة، البذاءة، الانتهازية الفجة.

وفي ظل هذه التحولات العالمية يجب أن نؤمن بأن معايير الدبلوماسية العامة سيجري عليها تحوُّل جذري ينسجم مع المقايسات الجديدة. وعندما يصطف دبلوماسيو العالم، قد يكون عادل الجبير هو (آخر الدبلوماسيين المحترمين)!

تصريحات ترامب وتساقط الأقنعة:

أشار أ. فهد القاسم إلى أننا طوال عقود ونحن نتعامل مع الأمريكان، وهم أمامنا بوجهين ولسانين، الذي حدث أن الأقنعة أزيلت، فترامب اليوم يمثل العقلية الأمريكية السياسية الشفافة بدون أقنعة إلى حد كبير. وما يخيفنا أننا لم نعتد على ذلك، ولكن هذا الخطاب هو منطق الغابة (القوي يفترس الضعيف)، وهو الذي كان سائدًا بين القبائل في عصور كثيرة.

ونحن نتحدث عن ترامب، حضرتني المقولة الشهيرة “عدو عاقل خير من صديق جاهل”، وإن كنت حقيقة ارتبكت في تصنيفه! فهل هو عدونا أم صديقنا؟

علقت د. وفاء الرشيد على ذلك بأن الاستكبار والابتزاز في السرِّ والعلن بالسياسة لا يأتي عبثًا، ولا أظن أن ترامب يتحدث بشخصه، وإنما هناك دولة خلفه تستطيع بسهولة ترويضه إن أرادت. ولكن واقع الحال السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه اليوم هو ما أوصل العالم إلى أن يستهينوا بثقلنا وأهميتنا كدول عربية بين دول متقدمة وناضجة فكريًّا.

البرجر السياسي الأمريكي:

من جانبه ذكر د. محمد الملحم: لم أتعود على المشاركة في قضايا السياسة؛ لأني أؤمن أنها غدت اليوم “فنَّ غيرَ الممكن” بعد أن كانت “فنَّ الممكن”، ولا يمكن تحقيق فنِّ غيرِ الممكن” بأدوات أفضل من الكذب، أو قُل إن شئتَ الكذب المركب والابتزاز، وربما الصفقات القذرة. ومع ذلك أجد نفسي متشجعًا للخوض في المسألة الترامبية، لأتساءل: هل هو حالة ثقافية أم مرحلة انتقالية لمخاض سياسة من نوع جديد؟

أنا لا أرى أن ترامب يمثل ثقافة أمريكية شاملة، وإن كان يمكن الحكم عليه كذلك من وجهة النظر العنصرية خاصة للعنصر الأبيض المتطرف، بيد أن ذلك لا يمكن أن يكون ممثلًا شاملًا للثقافة الأمريكية بمجموعها، وسيظل عارًا على هذه الثقافة في صورتها المحترمة، ومن ثَمَّ يمكن أن نستشرف من خلال الحالة الترامبية مخاضًا لمرحلة سياسة من نوع جديد، تلك التي تقوم على همجية رجال الأعمال وساديتهم المادية بعيدًا عن أنغام الأعراف والقيم.

البروتوكولات والإتيكيت بمفاهيمها الاجتماعية الأوروبية في الملبس والمأكل والمشرب حطمتها ثقافة العولمة الأمريكية بالجينز والبرجر، واستغرقت بعض الوقت، فهل استعجلت العربة الأمريكية لِتُلقي بحمولتها الثقيلة في ساحة السياسة والاجتماع معًا، وتحدث تغييرًا مربكًا disruptive change في اللُّعبة السياسية لتتقبل الدول هذا الإصدار الجديد، وتتعامل معه كواقع؟

 لقد دفع الإنسان عبر العالم قيمة “البرجر” العالية لرغبته فيه، وربما تريد اللعبة الأمريكية الجديدة للدول أن تدفع قيمة “البرجر السياسي” الجديد لا لرغبتها فيه هذه المرة، ولكن لحاجتها إليه. هل هذا هو حلم ترامب؟ ليست هذه مشكلة إن كان الأمر كذلك، ولكن هل يشاركه في ذلك أحد؟ وأين نضع الحالة الأمريكية في هذا السياق؟

ترامب وعقلية التاجر الجشع:

ذكر د. خالد الرديعان؛ إن خطاب ترامب الأخير لم يكن مفاجأة كبرى بالنسبة لي؛ فسلوكه السياسي والشخصي يعكسان طريقة التاجر الجشع في التعامل مع أنداده من التجار الجشعين.

كما أن الرجل لم يأتِ من المؤسسة السياسية العريقة في الولايات المتحدة كالرؤساء الذين سبقوه، ولكنه جاء من السوق وبازار المزايدات. لغته بالتأكيد أكثر من وقحة، ونهجه ابتزازي، لكني تذكرتُ أن خطابه لم يكن ليقصد به المملكة ولا كوريا الجنوبية ولا اليابان كذلك، خطابه كان موجهًا بالدرجة الأولى للأمريكان لزيادة شعبيته، ولا سيما أنه يخطط لفترة رئاسية ثانية.

ويُذكر أن “جو بايدن” نائب أوباما برصانته المعروفة، قال: هذا لا يمثلنا، ولا يمثل القيم الأمريكية التي عشنا وقاتلنا من أجلها.

أضيفُ أن ترامب بخطابه يمثِّل عقلية تاجر نيويورك الجشع، وخطابه لا يعدو أن يكون كلامًا فارغًا قُصِد منه دغدغة مشاعر ناخبيه لبقاء جذوة انتصاره مشتعلة، وليضمن أصواتهم مرة أخرى. هو يريد القول لهم: إنني أجلبُ لكم المالَ بكل الطرق لضمان رفاهيتكم، وهو أسلوب استخدمه غيره من رؤساء أمريكا السابقين ولكن بلغة أكثر تهذيبًا؛ لذا فإن خطابه لا يقلقني، فهو يذكرني بقصة الرسوم الكرتونية التي قُصد منها الإساءة لنبينا الكريم، لكنها في النهاية زادت من شعبية رسالته، عليه الصلاة والسلام.

وأشار د. حمد البريثن إلى أن حديث ترامب ليس إلا انفلاتًا لحظيًّا في وقت هيجان بسبب وجود الجماهير أمامه. الحالة نفسها حدثت مع كوريا واليابان ودول أخرى. يبدو أن هذه الدول لم تُعِر التصرف الشخصي لترامب أهمية بقدر النتاج النهائي لقراراته.

حدود الاستقواء بالآخرين:

أشار د. صدقة فاضل إلى أن العلاقات السعودية–الأمريكية علاقات تاريخية وإستراتيجية معروفة، ويبدو أن الرئيس ترامب يجهل ما تقتضيه الدبلوماسية في حالة الحديث عن هذه العلاقات؛ لذلك فقد تجاوز ترامب حدود الأدب والكياسة، وتعدى على متطلبات هذه الصداقة وأبعادها.

وأعتقد أن رد سمو الأمير محمد بن سلمان هو ردٌّ مفحم ومناسب، وجاء في الوقت المناسب، فقد وضَّح سموه أن أمن المملكة تحميه سواعد أبنائها، وإنه لا عيب في الاستعانة بما يمكن من أصدقاء، فكثير من دول العالم تستقوي بأصدقائها، وتستعين بغيرها فيما لا يجرح كبرياءها، ولكن يظلُّ اعتمادها الأساسي على ذاتها وعلى شعبها.

إضافة إلى أن تصحيح مسار العلاقات السعودية مع غيرها من الدول بما في ذلك أمريكا، يبدأ بإصلاحات داخلية تعطي شيئًا من الندية مع الدول الكبرى بخاصة، وَتُحول دون إقدام آخرين على ابتزازنا، فالضعيف أو المستضعف غالبًا ما يصبح ضحيةً للمبتزين أو البلطجية. قوة بلادنا تكمن في ذاتها، ولله الحمد، نحتاج فقط إلى تفعيل هذه القوة بمنطق علمي سليم، وأسلوب حديث، وسلوك مؤدب.

معادلات القوة والتغلب بمنظور جديد:

يعتقد د. محمد الملحم أن الحديث عن الدفاع الذاتي عسكريًّا وكذلك البناء الاقتصادي الذاتي لم يعد هو الأسلوب القادم للتفاعلات الدولية، بل هي لعبة التحالفات (عسكريًّا واقتصاديًّا)؛ لأن القوة العسكرية أصبحت أقلَّ جدوى مما كانت عليه من قبل في معادلات القوة والتغلب. وأرى أن حكومتنا وعت ذلك مبكرًا (خلافًا لتوقعات غربية استغلالية) فأصبحت طرفًا صعبًا.

وأمام هذا الغباء السياسي الجديد تظهر لغة التلويح بالقوة التقليدية بنبرة عالية مكشوفة مؤشرًا لتوجس ومحاولة سامجة، ولكن تظلُّ أمامنا مهمة الترقب الإستراتيجي لمثل هذه التصرفات، وعدم التقليل من شأنها وما وراءها.

تحالفات إقليمية عسكرية واقتصادية:

ذكر أ. جمال ملائكة إلى أنه يتفق بشدة مع ذهب إليه د فهد الحارثي، من أنه يتوجب علينا أن نشكر ترامب على صفاقته الواضحة، والأهم أنه قد تكشّف لنا (ولو أن بعضنا كان يعرف) أن أمريكا لا يمكن أن يُعتمد عليها، وخاصة ما رأيناه من سياسة سلفه وإدارته، والآن بإدارة الجمهوريين. كما أن الأيام والسنين أثبتت أن الاعتماد على الخارج رهان فاشل مهما طال الزمن.

وألفت الانتباه إلى أن أمريكا وبريطانيا ومعهما الصهيونية العالمية يحاربون الإسلام والعالم العربي بلا هوادة (بالأساليب المفضوحة وبالأساليب المبطنة)؛ لذا يتوجب علينا أن “نعيد” حساباتنا بما يلي:

1-إعادة توجيه استثماراتنا إلى العالم العربي والإسلامي، وخاصة في الدول الإستراتيجية، مثل مصر وباكستان وحتى تركيا (علينا التفاوض والتفاهم، فهذه دولة مركزية وخطيرة وقوية، ونأمل أنه بالمفاوضات نستطيع حل الإشكاليات).

2- تشكيل تحالف عسكري حقيقي بين الدول أعلاه بالإضافة إلى دولة الإمارات، وتشكيل نواة عسكرية من هذه الجيوش تكون لها جاهزية الرد على التحديات.

3- البدء في الدخول في صناعات عسكرية بالعقول العربية والإسلامية، وبمن “يرغب” في التعاون من الدول المتقدمة عسكريًّا، وكل شيء قابل للتفاوض من استثمارات مشتركة، وتنسيق نفطي… إلخ.

4- تكثيف الجهود لحل المشكلة الفلسطينية (مع اعترافي أن هذا صعب جدًّا بعد الثورات الكارثية).

5- أتفقُ مع المهندس سالم المري بشدة في أنه علينا تطوير نظامنا السياسي وطبعًا الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة فهم النص الديني مع العلماء “العارفين” وتطوير الخطاب الديني البائس، وكلتا المشكلتين سببت إرهابًا يستغله الأعداء، ولن ننجح في التعامل معه دون ما قلته بشأنهما.

بينما ترى د. وفاء الرشيد أن مَن يراهن على تحالفات عسكرية وسياسية بالمنطقه ضد أمريكا هو كمن يلعب بالنار، ولا أظنُّ هذا المنطق واقعيًّا، وإنما ما زلنا نكابر ولا نعترف بحجمنا الحقيقي وتراكمات تاريخنا السياسي، والأجيال القادمة لا تحتاج منا بطولات غير قابلة للتطبيق.

أضاف أ. جمال ملائكة؛ أؤكد أن الأمر ليس موضوعَ بطولات، وإنما خارطة طريق للخروج من مآسينا، ولو أن كلَّ نبي أو قائد اتبع هذه النظرية لظل العالم في الظلمات والظلم، ولنذكرْ أنه عندما تطلَّب الأمر قطع الملك فيصل البترول.

من جانبها ترى د. وفاء الرشيد أن الأجدر العمل على بناء البشر وتعليمهم، وبناء الأمة من الداخل فكريًّا وثقافيًّا، فنحن لا نملك القدرة لمواجهة دول عظمى عسكريًّا ولا اقتصاديًّا لأسباب عديدة.

“هل تحمي أمريكا السعودية..أكذوبة الكلام والتجارب”؟

أورد م. محمد الشهري مقالًا للدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث، بعنوان: “هل تحمي أمريكا السعودية.. أكذوبة الكلام والتجارب؟!” جاء في المقال: قبل خمسة وأربعين عامًا بالتمام والكمال، وفي أكتوبر عام 1973م، اكتشفت القيادة السعودية سرًّا مهمًّا كان مخفيًا أو مموهًا يخصُّ الاهتمام الأمريكي الفائق بالمملكة العربية السعودية. ففي ذلك العام، قرر الملك فيصل بن عبد العزيز- يرحمه الله – إيقاف تصدير النفط السعودي كرد فعل للدعم والتأييد الدولي، وبالخصوص الأمريكي – الغربي، للعدوان الإسرائيلي على العالم العربي في أعقاب حرب أكتوبر المجيدة، وكان وَقْع هذا القرار كالصاعقة على الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الذي حاول عدم التصديق في أول الأمر، وعندما شعر أن المعلومة صحيحة انتفض لإصدار رد فعل عبر عقد سلسلة اجتماعات عاجلة مع القيادات الأمريكية السياسية والعسكرية، تمخض عنها قرار تاريخي أزال الستار عن جميع الغش والرياء الأمريكي الذي كان سائدًا عبر الادعاء بحرص الولايات المتحدة على حماية المملكة.

القرار كان-وببساطة- هو إرسال الرئيس الأمريكي نيكسون رسالة تهديد مباشر، صريح، وواضح إلى الملك فيصل بن عبد العزيز، يقول فيها: إن لم تنهوا المقاطعة النفطية فورًا، فإن الولايات المتحدة تفكر جديًّا في إرسال قواتها إلى المملكة للسيطرة على منابع النفط. ما قاله الرئيس الأمريكي وببساطة هو “أن اهتمامنا بالنفط السعودي وليس بالدولة السعودية”، وأنهم مستعدون لغزو المملكة من أجل ضمان استمرار إمداداتها النفطية. حمل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر آنذاك رسالة الرئيس نيكسون إلى الملك فيصل، وقرأ الملك فيصل مضمونَ الرسالة التي لم تحمل تهديدًا مبطنًا بلغة دبلوماسية، بل تهديدًا صريحًا بالغزو العسكري، في تلك الليلة ذهب الملك فيصل إلى النوم مرددًا “خير إن شاء الله”.

قرار الملك فيصل كان له تأثير فوري، حيث رفعَ سعر برميل النفط في السوق الدولي من ثلاثة دولارات للبرميل إلى اثني عشر دولارًا للبرميل خلال أيام، بل خلال ساعات. واستمرت المقاطعة النفطية لمدة ستة أشهر رغم التهديد والوعيد الأمريكي بوجوب رفعها الفوري. وبغض النظر عن النقاش بصحة أو خطأ قرار المقاطعة النفطية، فلكل قرار تاريخي ظروفه الخاصة وزمانه ودوافعه ومبرراته في وقته، وكان أحد أهم إفرازات أزمة النفط عام 1973م، أنها أزالت الغشاء عن الأهداف الحقيقية للسياسة الأمريكية تجاه المملكة. وهو درس لم يُنس، ولن يُنسى، مفاده أن الحماية الأمريكية-إن وجدت- فهي ليست للدولة السعودية أو لمَن يحكمها، بل هي للثروة النفطية.

اليوم التاريخ يعيد نفسه، رئيس أمريكا ترامب نسى أو تناسى أن زميلًا سابقًا له في البيت الأبيض قد أسقط القناع، وكشف المستور قبل أكثر من أربعة عقود زمنية، وأعلمنا أن الولايات المتحدة همها الحقيقي والأساسي هو حماية الثروة النفطية للسعودية، وما حماية المملكة التي يدعون بها زورًا إلا ناتج عرضي للهدف الأساسي، وورقة التوت التي تستر العورة. وأنهم كانوا مستعدين لغزو المملكة عسكريًّا وربما تدميرها من أجل حماية مصالحهم التي تكمن في ثروتها النفطية. فهل حقيقة أن الولايات المتحدة تحمي المملكة؟!

الرئيس الأمريكي ترامب يهدِّد اليوم ويتوعد كسلفه، والسبب أو الدافع لم يتغير جوهره، وهو النفط. تهديدات الرئيس نيكسون كان هدفها رفع المقاطعة النفطية، وتهديدات الرئيس ترامب هدفها إجبار المملكة على التدخل لتخفيض أسعار النفط ووجوب المحافظة على أسعار نفط متدنية، ويحاول الرئيس ترامب أن يربط بين هذا الأمر  و”حماية” المملكة الافتراضية من قِبل القوة العسكرية الأمريكية.

نود أن نُذكِّر الرئيس ترامب أن المملكة وباقي دول الخليج العربي تعاني تهديدًا واحدًا وخطيرًا مصدره أخطاء السياسية الأمريكية القاتلة التي قادت إلى الفوضى. فالتعامل مع نتائج أخطاء السياسية الأمريكية هو همنا اليومي الأول والأخير. فأمن المملكة واستقرارها، كباقي دول الخليج العربية الأخرى، كان “ضحية” مباشرة من ضحايا أخطاء السياسية الأمريكية القاتلة.  فالولايات المتحدة هي التي توّجت شاه إيران وسلّحته ومنحته صفة “شرطي المنطقة” ليهدِّد أمنَ دول الخليج العربي، وأيضًا تخاذُل وتخبُّط السياسية الأمريكية هو الذي خلقَ من إيران آيات الله بعد إيران الشاهنشاهية قوةً توسعية وتدخلية كبيرة وخطيرة، تزعزع الأمن والاستقرار الإقليمي من لبنان إلى اليمن، وعدم القدرة على حسم الموقف في أفغانستان بعد سبعة عشر عامًا من الغزو الأمريكي يجعل من أفغانستان مصدرَ تهديد إقليمي مستمر، وخطيئة الغزو الأمريكي للعراق هي التي فككت الكيان العراقي ونشرت الفساد والإرهاب، ومهدت وسلمت العراق للاحتلال الإيراني، والتردد الأمريكي في مواجهة الأزمة السورية هو الذي قاد إلى تعقيدات الموقف، وتحويل سوريا لساحة إرهابية، والسماح بالتدخل الإيراني والروسي والإسرائيلي، والهروب الأمريكي المخزي من الصومال هو الذي حوَّل الصومال إلى ساحة عصابات، العشرات بل المئات من هذه الأمثلة التي تعكس حقيقة أساسية، مفادها أن التهديد الفعلي لأمن واستقرار دول المنطقة هو السلوك الأمريكي والقرارات والمواقف غير الحكيمة.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي، تحوَّل النظام الدولي إلى أحادي القوى، وبرزت الولايات المتحدة كدولة عظمى وحيدة في العالم. والدولة العظمى لها مسؤوليات وميزات فريدة لا يمكن أن تُقارن بمسؤوليات الدول الكبرى أو المتوسطة أو الصغرى. فكون الدولة تتربع على موضع قيادة العالم عليها القبول بالمسؤوليات الفريدة التي تلازم هذا الموقع، والمنافع تأتي دومًا متلازمة مع المسؤوليات. وللدولة العظمى، السيد الرئيس، صفات أخلاقية ومسؤوليات عظمى، أهمها حماية وحفظ الأمن والاستقرار الدولي. وهذه المهمة أو المسؤولية هي جزء أساسي من كونها دولة عظمى، أي لا يمكن اعتبار هذه المهمة تفضُّلُا أو تبرعًا مجانيًّا، بل هي من صلب المسؤولية، وحماية الأمن والاستقرار الدولي ودعم القانون الدولي هو ما يجعل دولة ما دولة “عظمى”.

سيادة الرئيس، للمملكة ربٌّ يحميها، وشعب وقيادة تقوم بالمهمة على أكمل وجه، فهل استطاعت قواتكم أن تحميَ نفسها في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها من ساحات المواجهات الدولية؟ احمونا من أخطائكم وخطاياكم، فنحن سنكون بسلام.

علق أ. جمال ملائكة بأنه مقال موفق من د. عبد العزيز؛ وأضيف، لنتذكر:

– أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل تآمرت لضرب مصر.

– جونسون تآمر مع إسرائيل لضرب مصر.

– نيكسون أغرق إسرائيل بالسلاح والدعم المادي السياسي، كما أنقذها من هزيمة نكراء.

– غزا بوش الابن مع بلير العراق، وبمعاونة أركان إدارتهما الصهاينة (تشيني، رامسفيلد، ريتشارد بيرل، ولفوويتز، إبراهام إليوت… إلخ)، ومُنظِّرهم الأكبر كاره العرب والمسلمين برنارد لويس، بدعاوى كاذبة يعرفها الصغير قبل الكبير.

– أوباما أكمل مؤامرة ضرب المنطقة وتقسيمها (ليبيا، سوريا، مصر).

– ترامب نقل السفارة، ومنع كل المساعدات عن الفلسطينيين، ووقف “سفيره” مع اليهود في إسرائيل وصورة الهيكل مكان المسجد الأقصي.

لذا فإن المراهنة على أمريكا و”الانبطاح” أمامها، والخوف منها لن يوقف المخطط.

قذائف “إيفو موراليس” الكلامية ضد ترامب:

أورد د. صدقة فاضل أحد الفيديوهات للرئيس البوليفي “إيفو موراليس”، وهو يتحدث عن ترامب بكلام غير مناسب في عقر داره. وأضاف أن هذا دليل على أن الدول مهما صغرت تظلُّ قادرةً على تحدى الخارجين على القوانين والأعراف.

أضافت أيضًا د. وفاء الرشيد أننا عندما نتحدث عن “إيفو موراليس”، فهو رئيس شعبوي جاء من طبقة الفقراء، وحكم البلاد بشعبويته واهتمامه بالفقراء والتعليم. ويعتبر “مورالس” أبا الفقراء ببوليفيا، ولا سبيل هنا للمقارنة كتاريخ وكسياسة بين دول أمريكا الجنوبية ودولة كالمملكة، فتحليل التاريخ السياسي والجغرافي كما درسنا في علوم السياسة مهمٌّ لاستطلاع المستقبل. كذلك فإن هذا الرجل يُعدُّ أحدَ ذيول إيران وأبواقها، وهو في هذا الفيديو لا يتحدى أمريكا، بل يدافع عن إيران ومفاعلاتها حسب أجندته.

علق على ذلك د. صدقة فاضل بأنه أورد فيديو “مورالس” هنا للتدليل فقط بأن الدول الصغيرة -كبوليفيا- قادرة متى أرادت على الرد المفحم على الدول الكبرى التي تتجاوز المألوف والعدل. وأنا لا أتفقُ مع أغلب ما طرحه موراليس، ولكنَّ كثيرًا مما قاله بحق أمريكا الرسمية صحيحٌ، سواء ورد منه أو من غيره. وَيُحمد لموراليس أنه أبو الفقراء، أو غالبية شعبه، وهذا أمر يُحسب له.

بينما ترى د. وفاء الرشيد أن هذا الطرح العروبي الناصري الشعبوي بات عليه الدهر وأثبت فشله، ولا يبيع في أرض الساسة. اليوم تحتل المملكة العربية السعودية المرتبةَ الأولى في شراء وصفقات الأسلحة الأمريكية بنسبة 18% من صادرات السلاح الأمريكي بين الأعوام 2013-2018، وحلت ثانيًا دولة الإمارات العربية المتحدة بشراء 7.4%، وهو ‏ما يعادل ربع صادرات سلاح أمريكا بين الأعوام 2013-2017. هم لا يحموننا بل يحمون مصالحهم بالمنطقة. والسؤال الملح هنا، هو أن أمريكا تحمي إسرائيل، فلماذا لا تطلب من إسرائيل أن تدفع مقابل الحماية؟ هذا لو فرضنا أن أمريكا تحمي السعودية!

من جانبه تساءل د. مساعد المحيا، كيف يُعاب مَن يحبُّ بلده ويدافع عن وحدتها وينتصر لإهانتها؟

لقد سقطت الأقنعة، وفشلت الأيديولوجيا، وعادت الأمور إلى طبيعتها، فهذا الاستعمار القديم رجع بوضوح في المشرق العربي (الفارسي، والتركي، والروسي)، والغرب الصليبي متمثلًا في أمريكا وإسرائيل، وأثبتت الأيام أن شبه الجزيرة العربية ممثلة في المملكة العربية السعودية هي العمق الحقيقي والملاذ للحضارة العربية الإسلامية.

كما أن الطرح العروبي لا عيبَ فيه، فنحن عربٌ ومَن ينصح بسياسة تطلبُ منَّا أن نكرَه أنفسنا ونحاربَ ثقافتَنا ونرضى بالمهانة ليس بواقعي ولا بمنصح. ولو لم تكن الأسرة المالكة السعودية الكريمة خيرَ ممثل للعرب وثقافتهم ودينهم لما حكمت شبه الجزيرة العربية ووحدت قبائلها؛ لذلك نجحت وفشل الآخرون.

ولقد وضح لي أنَّ هناك شبه إجماع من معظم الطروحات أنه علينا ألا ندخل في نزاعات مع دولة كبرى مثل الولايات المتحدة، ولكن يجب أن نرتب البيت الداخلي ونبني اقتصادًا قويًّا، وصناعة مستقلة للسلاح والسلع الإستراتيجية، وهذا هو الطريق الصحيح لتخطي المخاطر، وعندها ستسعى الدول الأخرى لكسب ودِّنا.

اتفق معه في ذلك د. صدقة فاضل، وأضاف أنه يجب أن نعتز بقوميتنا كما تفعل بقية الأمم. ولعل هذا الاعتزاز يحفزنا على النهوض بأمتنا من السفح الذي هي فيه. مَن يحارب القومية العربية الصحيحة؟ إنهم الأعداء الذين دفعونا لتصديق اتهاماتهم الباطلة. إن سوء تطبيق أي مبدأ لا يعني فساد ذلك المبدأ.

أضاف أ. محمد الدندني أن القومية شعورٌ، وهي تفسد إذا استُعملت كأيديولوجية كأي أيديولوجية أخرى؛ لأنها تصبح شرعية للحكم، وهنا انحبسَ من تبناها في نطاق ضيق ودمرته؛ لأن الأيديولوجيات ثابتة ولو لويتَ عنقَها لخسرتَ الشرعية.

يتعامى البعض عن حقيقة محاربة المشروع العربي ولو بدولة واحدة. الأمة العربية ليست كباقي الأمم، ومنها بعض القوميات المسلمة. فهي ذات رسالة ويعرفها الغرب أكثر من بعض أهلها، فهي منطقة متجانسة لغةً ودينًا وموقعًا ومصيرًا. لست عاطفيًّا ألبتة، ولكن هويتنا مكونة من مسلم، عربي، سعودي. العمل من هذه الثوابت بلغة العصر وتفعيل الواقع.

وأضيفُ أن سياسة التعامل مع الواقع ليست جديدة؛ لذا أنصح بالاطلاع على فقه السياسة الشرعية في الإسلام، فهي في منتهى البراغماتية.

وذكر د. صدقة فاضل أن قوميتنا العربية هي هويتنا. فنحن مسلمون عرب سعوديون. القومية تلعب أدوارًا إيجابية، ليتنا نستغلها بشكل علمي ومدروس، وقد عرف أعداؤنا ذلك فَحرَّموا علينا الاعتزاز بعروبتنا، وانقسمنا إلى شيعٍ شتى، وذلك يسعد الأعداء أَيَّمَا سعادة. وللسخرية من عروبتنا يصفون مَن يعتز بها بالقومجي، علمًا أن القومية تختلف جذريًّا عن الأيديولوجية.

ما بين استحقاقات ترامب واستحقاقاتنا:

في اعتقاد د. عبد الله بن ناصر الحمود، فإن الرئيس ترامب استطاع أن يقول قولته، معتقدًا بالتأكيد أن ذلك استحقاق عظيم للحضارة وللدولة الأمريكية. وهو حين يقول ذلك، يتكئ على تاريخ كبير لدولته، وعلى واقع مهيب لاستحقاقها السياسي والاقتصادي والعسكري، فهي أقوى وأهم دولة في العالم، وهو رئيس هذه الدولة الأقوى والأهم.

وهو حين يقول شيئًا من شوارد القول، ينام، ويسهر الناس حول قوله ويختصمون، تمامًا كما كانت حال المتنبي يومَ استحقاقه تلك الحالة بين شعراء العرب، وبالتالي هذه هي الولايات المتحدة، وعندما تجنح فهي ليست كندا ولا ألمانيا ولا الدانمارك، وبالتأكيد هي ليست اليمن، ولا إيران، ولا قطر. عندما تجنح  أمريكا فلجنوحها طعم خاص ليس لغيرها، ومن هنا.. أفهم فرضية الـ 1٪ التي أشار إليها حكيم منازلة خصومنا سمو ولي العهد في حواره الواضح والمتوازن، وهو صاحب استحقاق أيضًا عندنا.. ونعقد عليه بعد الله الكثير من آمالنا وآمال أبنائنا. فلئن كان ترامب قد حظي باستحقاق القول متكئًا على تاريخٍ بناه غيرُه من بناة الحضارة الأمريكية، فإن أميرنا قد ردَّ على القول المُرسَل بقول خير منه متكئًا على تاريخ أعمق في الزمن، وعلى حضارة يضع اليومَ هو بنيانها لمستقبل ننشدُه جميعًا، وهذا المستقبل يطلب منَّا كلنا الكثيرَ من الحكمة والتروي، فلن يكون الطريق إليه حريرًا أبدًا، فما فعلناه خلال عامين مَضَيَا تقريبًا من حراك وطني وإقليمي ودولي لصالحنا أمرٌ غير مسبوق في التاريخ الإنساني. لقد ظهرنا للعالم بمنظومة استحقاقات تنموية واقتصادية وثقافية وفكرية بل وعسكرية هائلة، وهذا يغيظ خصومنا المتربصين بنا سوءًا.

ولذا علينا أن نقطع الخطوطَ في طريقهم من خلال الإيمان العميق بأن علاقاتنا الإستراتيجية مع أمريكا أقوى وأمتن من أن تضرها جنحة قول شاردة. وفي الجانب الآخر نمضي بثبات في مسيرة استحقاقاتنا، لنبلغ المراد في يوم قريب، نكونُ فيه أعصى وأمنعَ على خلف ترامب من أن يجنح جنحةً أخرى في حقنا. إنه استحقاقُنا المنظور، وسنبلغه بحول الله. سنبلغه لأننا عقدنا العزمَ في عهد العزم، وبدأنا المشوار في عهد الحزمِ، للوصول إلى التمكين والحسم.

سياسة المملكة والملاسنات الكلامية:

أشار د. راشد العبد الكريم إلى أنه من المعروف أنه ليس من سياسة المملكة الانجرار وراء الملاسنات الكلامية، لكن يتم بيان ما يجب بيانه. وأنا أعتقدُ أنه في “الحالة الترامبية” يجب أن لا ننشغل بما يقوله بقدر ما ننشغل بما يفعله. فكما لا يخفى أن السياسة لا صداقات فيها، بل مصالح.

جيد أن نوضِّح للخارج ملابسات ما يُقال عنَّا، لكن ضروري أن نفعل للداخل وللخارج ما يمنع أن يتحول ما يُقال إلى فعل. كلام ولي العهد -سدَّده الله-إذا أُخذ في سياقه الترامبي فهو عقلاني ومتوازن، أرضى الداخل وأسكت الخارج، وَفَرَّغ كلام ترامب من مضمونه، وبقي المطلب الأصعب أن يُوجَّه “فعل ترامب” إلى ما فيه مصلحة المملكة والمنطقة.

كما أرى أنه يجب ألا نحمِّل نحن كلام سمو ولي العهد أكثر مما يحتمل، بإخراجه من سياقه.

وذكر د. خالد الرديعان؛ يُفترض أن لا نتحسس مما يُقال عنا سلبًا؛ حتى لو كان كلامًا قاسيًا. فلنتخلص من العقدة العربية الخاصة بوقع الكلمة والبلاغة وتأثيرها وشخصنة الأمور. العمل الدؤوب والإصلاحات المستمرة هي الأساس، وهي الكفيلة بعلاج الثغرات إن كان هناك ثغرات تستحق المراجعة والعلاج.

سبق أن كتبتُ هنا عن “الحالة الكندية”، وقلت إننا انشغلنا بالإهانة التي وجهتها لنا وزيرة الخارجية الكندية، ولم نلتفت إلى الأسباب التي دفعتها لقول ما قالت. ننشغل بالكبرياء المجروحة والإهانات اللفظية ووقعها أكثر مما ننشغل بما يجب القيام به وإصلاحه.

الغرب لديه صورة عن العرب يصعب محوها بسبب هذا التشرذُم العربي والضعف الظاهر؛ فنصف الدول العربية تعاني من مشكلات وتوترات سياسية تفرض نفسها على السياسة العالمية، في حين أن دولًا كثيرة وبعضها هامشية وأقل إمكانات من الدول العربية نجدها مستقرةً ومتقدمة اقتصاديًّا وسياسيًّا.

كيف تحمي الدول نفسها من الابتزاز والهجوم الخارجي؟

من جانبه يرى أ. سمير الزهراني أن ما ذُكر في المداخلات السابقة معناه أن إصلاح الدول لأنظمتها والتغلب على مشاكلها الداخلية يحمي الدول من الهجوم والابتزاز الخارجي.

علق أ. إبراهيم سنان بأن هذه الرؤية غير صحيحة، فكوريا الجنوبية واليابان والدول الأوروبية وحلف الناتو، كلها دول تعرضت لنفس الابتزازات من دونالد ترامب، وكان له مبرراته التي ليس لها علاقة بأنظمة تلك الدول والإصلاحات داخلها، وكان أكثر وضوحًا بذرائعه، وأهمها مصلحة أمريكا الاقتصادية وليس السياسية.

وأرى أن المبررات التي يستخدمها الغرب في قضاياه تجاه الشرق الأوسط هي للدعاية الداخلية؛ كون قررات تلك الدول ترتبط بناخبين وأحزاب. الإنسانية والديمقراطية والحرية بدأت تتكشف حقائقها مؤخرًا. وألمانيا كمثال، فإن قبولها للاجئين السوريين وهم تقريبًا 800 ألف لاجئ، كان له سبب اقتصادي وهو الأيدي العاملة بأجرة منخفضة كدعم لإنتاجها المحلي. كما أن اليونان تستفيد من مبالغ الدعم التي يقدِّمها الاتحاد الأوروبي للدول التي تستقبل المهاجرين، وهي تقريبًا أربعة آلاف يورور عن كل شخص سنويًّا.

وقد بدأ المواطنون في الغرب يتحدثون عن العرب والمسلمين بصيغ مختلفة، أراها أقلَّ حدة من قبل فيما يخص موضوعات الإرهاب، واتجهوا إلى التحدُّث عن أنهم يستهلكون مقدراتهم ويسرقون فرصهم الوظيفية وإعاناتهم الاجتماعية كما في بريطانيا.

وردًّا أيضًا على رؤية أ. سمير خميس، أضاف د. خالد الرديعان أن مصر استقلت عن الإنجليز وإن اسميًّا في العام 1922، واستقلال تام عام 1953م، أي منذ ما يزيد عن ٦٥عامًا، فماذا فعلت حتى تتقدم، وهي التي أرضها تكتنز ثروات معدنية ومائية وطبيعية، ونهر يشقها من الجنوب للشمال، إضافة إلى قوتها البشرية؟ ونراها اليومَ منشغلة أكثر من ذي قبل بمشكلاتها الاقتصادية والسكانية وفساد أنظمتها المتعاقبة، وبيروقراطيتها العتيدة، وهي التي يُفترض أن تقود دفة التقدُّم في العالم العربي.

ولا ينبغي أن نتذرع بأن حروب 48 و67 و73 هي التي منعت مصر من التقدُّم؛ فالحرب الأخيرة (73) مرَّ عليها الآن نحو 45 عامًا، ولا تزال مصر في “عنق الزجاجة” العبارة التي يهزأ منها المصريون في كل مناسباتهم.

ولنأخذْ المثال المقابل، وهو اليابان، فقد هُزمت هزيمةً ساحقة ومذلة في الحرب العالمية الثانية، ومات الآلاف من شعبها وجنودها بسبب القنابل الذرية وأسلحة الحلفاء الفتاكة، ومع ذلك لم تمت اليابان ولم تستسلم، وهي التي لا تمتلك ثروات طبيعية ولا نفطًا ولا عُشر ما يملكه العرب من ثروات. اليابان وبعد 23 عامًا من هزيمتها، وتحديدًا منذ عام 1968 أصبحت ثاني اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة. اليابان لم تنشغل بالخطابة والمعارك الكلامية، وعوضًا عن كل هذا الهراء، فقد توجهت نحو المستقبل بكل قوة دون أن تلتفت للخلف أو تتباكى على ماضيها الاستعماري والتوسُّعي.

المقارنة بين مصر واليابان يُفترض أن تكون جادة جدًّا؛ فالعقل العربي والعقل الياباني كلاهما متشابهان فسيولوجيًّا وبيولوجيًّا، إلا إذا كان هناك جينات خاصة باليابانيين وأخرى خاصة بالمصريين، فعندها يلزم أن ننتظر كعرب ألف سنة أخرى لنتطور داروينيًّا للحصول على جينات التقدُّم!

ضبط النفس والمواجهة الإعلامية:

ذهب م. حسام بحيري إلى أن لغة الابتزاز لا يقبلها السياسي الأمريكي المحترف، وهي ضد أعرافهم الدبلوماسية وقيمهم، واستخدامها بهذا الشكل العلني ينافي جميع الأعراف والتقاليد. ليس المطلوب أن نواجه ولكن لابد من تقليل الاعتماد على التعاون مع حليف مبتز، وهذه نقطة نستطيع استخدامها لصالحنا في التعامل مع الحكومات الأمريكية القادمة.

نحن لا نستطيع مواجهتهم اقتصاديًّا وعسكريًّا، ولكن نستطيع مواجهتهم إعلاميًّا لزيادة الضغط الشعبوي ضد سياساتهم الابتزازية، والتأثير على مبيعات منتجاتهم في أسواقنا، وهذا أكثر ما يرعبهم. نستطيع تقليل اعتمادنا المتنامي عليهم، والتعامل سياسيًّا واقتصاديًّا مع قوى عالمية مختلفة مستعدة للتعاون المشترك، وتحترم قيمنا ولا تمارس الابتزاز ضدنا. السياسيون الأمريكيون يدركون أن ترامب ارتكبَ غلطةً فادحة في حديثه عنا، وأنه خالفَ الأعراف والمواثيق، ووضع دولتهم في موقف سيئ، إذًا فليتعاملوا مع تبعات سقطاتهم، فهذه مشكلتهم ليست مشكلتنا.

أضاف أ. محمد الدندني أنه بجانب ما ذُكر، لابد من التركيز على ضبط النفس، وعدم الدخول في مهاترات مع ترامب وغيره، وقد مثلتها السياسة السعودية باقتدار على لسان سمو ولي العهد، والسبب ليس فقط أن هذا هو التصرُّف الأمثل بل لضبابية السياسة العالمية، والتي يمكن وصفها بالمتوحشة بتبرير أي وسيلة لغايات الدول الكبرى، فأهل الإعلام أو الإعلام السياسي خاصة يعرفون ما هو الأغلب في كثرة الدعاية والكذب؛ لذا يجب الحذر.

ما يجب أن نفعله مع ترامب وغيره هو أن نلتفت لمقدراتنا، وبناء شعبنا على كافة الأصعدة، وأهمها التعليم والثقافة، كي نعتمد على أنفسنا وبيدنا شيء آخر وهو سلاحنا أحيانًا، والتفاهم مع القوى الإقليمية لتقليل منافذ القوى الدولية لزعزعة منطقتنا.

المشهد السياسي الأمريكي الجديد:

في تصوُّر د. مساعد المحيا، فإن ما يجري اليومَ في المشهد السياسي الأمريكي هو مشروع اقتصادي جديد يقوم على إلزام كل الأطراف في العالم دفع فواتير قديمة ومستقبلية تتعلق بما يسميه ترامب “ادفعوا فنحن نحميكم”، هذا الكلام قاله لألمانيا ولفرنسا ولليابان ولكوريا ولغيرها. نحن أمام خيارات يظل أحلاها مُرًّا وعلقمًا. أمريكا اليوم تواجه معضلة تزايد حجم الدين العام إلى 20 تريليون دولار، فكيف ستسدد ذلك؟ لا شيءَ يلوحُ في الأفق سوى أن تختلق الكثير من الأزمات في العالم لتجعل هذا العالم يشاركها مسؤولية هذا الدين.

ترامب حين فاز بأصوات الجمهوريين ليمثِّل الحزب، ثم فاز بأصوات الأمريكيين يظل هو خيار الناخب الأمريكي، ويظل هو الوجه الحقيقي لسياسة أمريكية غير مباشرة، امتطت هذه الشخصية للوصول لأهداف إستراتيجية بعيدة.

والمهم، ماذا يترتب على ذلك؟ هل ظاهرة ترامب حققت وتحقق لنا ما أفقدنا إياه أوباما؟ من الناس مَن يكون دبلوماسيًّا فتحصل منه على ما تريد، ومنهم من لا يكون دبلوماسيًا فتحتاج لنمط جديد مِن التعامل معه لتحصل منه على ما تريد، المهم ما الذي يجري بعيدًا عن وسائل الإعلام؟ وهل تتحقق مصالحنا الإستراتيجية؟ إن كان كذلك، فليقل ترامب ما يقوله، فكل مقولاته تظل شأنًا انتخابيًا، أو جزءًا من صراع داخلي يحاول فيه تشتيت سهام التحقيق معه بشأن اعترافات العاملين معه في حملة الانتخابات السابقة.

وما ينبغي العناية به هو أن نتعامل مع واقع يقول بأن أمريكا هي شرطي العالم، وهي ضابطة إيقاعه الأمني، وأن أيَّ توجه لخلق توازن مع مصادر أخرى هو شكل من العبث، إذ كل أولئك يعتمدون على المحافظة مع الأمريكيين على توازن يحقق مصالحهم. ولا يوجد اليوم مَن يتصادم مع الأمريكيين برغم تفرُّد الأمريكيين في الحصول على كعكات كثيرة من العالم.

بقي أن أشير إلى أن تصريحات سمو ولي العهد في مقابلته مع بلومبيرغ استطاع من خلالها الرد على تصريحات ترامب المثيرة بقدر من الاتزان والعقلانية، دون أن يقلل من أهمية العلاقات السياسية والاقتصادية، ومن التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، ودون أن نفتعل أزمة سياسية معها بسبب ذلك.

¤     التوصيات:

– يجب أن نَعيَ ونؤمن بأن معايير الدبلوماسية العامة سيجري عليها تحوُّل جذري ينسجم مع المقايسات الجديدة.

– إن تصحيح مسار العلاقات السعودية مع غيرها من الدول بما في ذلك أمريكا، يبدأ بإصلاحات داخلية تعطي شيئًا من الندية مع الدول الكبرى بخاصة، وَتُحول دون إقدام آخرين على ابتزازنا.

– أمام تصرفات ترامب التي تدلُّ على غباء سياسي جديد، حيث تظهر لغة التلويح بالقوة التقليدية بنبرة عالية مكشوفة؛ علينا الترقب الإستراتيجي لمثل هذه التصرفات، وعدم التقليل من شأنها وما وراءها.

– إعادة توجيه استثماراتنا إلى العالم العربي والإسلامي، وخاصة في الدول الإستراتيجية، مثل مصر وباكستان وحتى تركيا، من خلال التفاوض والتفاهم معها.

– تشكيل تحالف عسكري حقيقي بين الدول العربية والإسلامية الحليفة، وتشكيل نواة عسكرية من هذه الجيوش تكون لها جاهزية الرد على أي تحديات.

– البدء في الدخول في صناعات عسكرية بالعقول العربية والإسلامية بالتعاون مع مَنْ يرغب من الدول المتقدمة عسكريًا.

– تطوير نظامنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وإعادة فهم النص الديني مع العلماء المختصين، والعمل على تطوير الخطاب الديني.

– الاهتمام ببناء العنصر البشري وتعليمه، وبناء الأمة من الداخل فكريًّا وثقافيًّا.

– الإيمان العميق بأن علاقاتنا الإستراتيجية مع أمريكا أقوى وأمتن من أن تضرها جنحة قول شاردة. وفي المقابل نمضي بثبات في مسيرة استحقاقاتنا لنصل إلى أن نكون أعصى وأمنعَ على خلف ترامب من أن يجنحَ جنحة أخرى في حقنا.

– التركيز على ضبط النفس، وعدم الدخول في مهاترات مع ترامب وغيره، وقد مثلتها السياسة السعودية باقتدار على لسان سمو ولي العهد.

– أن نلتفت لمقدراتنا، وبناء شعبنا على كافة الأصعدة، وأهمها التعليم والثقافة، كي نعتمد على أنفسنا وبيدنا سلاحنا أحيانًا، والتفاهم مع القوى الإقليمية لتقليل منافذ القوى الدولية لزعزعة منطقتنا.

القضية الرابعة

نعم! الهدف أبعد من جمال خاشقجي: الهدف مشروع “السعودية الجديدة”

¤     الملخص التنفيذي:

القضية: (نعم! الهدف أبعد من جمال خاشقجي: الهدف مشروع “السعودية الجديدة”).

إن قضية تصعيد وسائل الإعلام وفي مقدمتها قناة الجزيرة لحادثة مقتل جمال خاشقجي، والضجة غير المعقولة التي رافقت مقتله، ليس هدفها خاشقجي نفسه، ولم يكن المقصود منها الانتصار له، أو أنها ضد قتله أو اعتقاله كما يزعمون، ولكنه كان مجرد وسيلة تهدف مباشرة إلى تقويض المملكة، ومشروعها الحداثي التنموي للأمير محمد بن سلمان.

أكدت الورقة الرئيسة أنه لا غرابةَ من أن يكون موضوع مقتل صحفي بحجم جمال خاشقجي في ظروف ما زالت غامضة موضوعًا للإعلام القريب منَّا والبعيد عنا، الموالي لنا والمناقض لمشروعنا في محيطنا وفِي العالم. ولا عجبَ من أن خصوم المملكة العربية السعودية وجدوا في قصة مقتل جمال خاشقجي مرتعًا خصبًا لفرص الإيذاء والتأليب والتشفي. فالموضوع هو مقتل خاشقجي، ولكن الهدف هو مشروع السعودية الجديدة بمختلف جوانبه وأبعاده، والهدف أيضًا هو قيادة هذه البلاد التي هندست المشروع ورسمت مستقبله، وتحديدًا سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وذهبت التعقيبات التي جرت على هذه الورقة من أنه لا شك أن إعلان الرؤية وما صاحبها من مشاريع التحوُّل اجتماعيًّا واقتصاديًّا ومن ثَمَّ سياسيًّا أحدثَ هزةً في المنطقة والعالم، وبدون مبالغة فإن كثيرًا من الدول الإقليمية والعالمية، ومنها الدول الكبرى بالذات، بدأت في إعادة حساباتها ليس فقط لما ستحدثه هذه المتغيرات في المملكة، ولكن لما لها من نتائج أقلها عربيًّا وإسلاميًّا.

 كما أشارت التعقيبات إلى أن الأمر يتجاوز خاشقجي، فهو محاولة للنيل من “السعودية” الجديدة، وهو أمر جلل، أعدَّ له الخصوم بشكل كبير ومكثف. وستبقى له آثارٌ ممتدة مهما كانت نهايته. فالسعودية بعد قضية خاشقجي، لن تكون كالسعودية قبلَ هذه الحادثة؛ لذا فإنه من المفيد لنا جيدًا أن نعيد ترتيب أولوياتنا وفرز الأصدقاء والمصالح بشكل أدق ما دامت النتيجة في انتظار انكشافها. ما نحتاج إليه هو التركيز في كل خطاباتنا الفردية والجماعية على ذكر النقاط الثابتة والركائز الأساسية في سياسة المملكة العربية السعودية.

ذهب المناقشون إلى أن المملكة العربية السعودية تتعرض لهجمات إعلامية شرسة، هذه الهجمات ليست جديدة ولكنها تعتبر ربما الأشد والأشنع خلال هذه الفترة، ولا شك أن هذا كله يصبُّ في اغتيال المشروع السعودي، في محاولة تعطيل السعودية الجديدة.

وأشارت المداخلات التي جرت على هذه الورقة إلى أن إعلامنا وأدواتنا الإعلامية ضعيفة جدًا حين تخاطب المواطن، وهي في حالة أضعف بكثير تقارب الهزال حين تخاطب الخارج. حيث أفادت هذه القضية أن إعلامنا يعاني قصورًا وظيفيًّا، على مستوى الكفاءات وعلى مستوى الأداء؛ لذا فإنه من الضروري إيجاد إستراتيجية إعلامية حديثة وفاعلة، تقوم على وضع غايات بعيدة المدى، وخطط متدرجة محكمة، وإعداد إعلاميين أكفاء ومؤهلين فكريًّا ومهاريًّا، يسندهم مراكز بحث ومعلومات توفِّر المعلومة اللازمة في الوقت المناسب، وتضع الإستراتيجيات لمواجهة الأزمات الإعلامية.

كما أوضحت المناقشات أننا لا ندين لأحد ولا لأحد حق علينا، هكذا يجب أن نتعامل مع هذه الضغوط مدفوعة الثمن التي تدعي أنها من أجل الإنسانية ومن أجل الحرية تسأل عن مصير أحد الصحافيين.

وأَضاف المناقشون أن المملكة تعودت على مواجهة المخاطر، وتاريخها مليء بالنضال ومواجهة التحديات، ولكن قد يكون شكل هذه التحديات قد يغير الأمر الذي يتطلب تغيراً نوعياً في المواجهة، كما يجب إستحداث خلية أزمة علي مستويٍ عالٍ من الكفاءة والمهنية والمصداقية والأمانة ليس فقط لتقييم ما حصل ولكن لتقييم كثيرٍ من الأمور لمعاونة صاحب القرار لإعادة النظر فيما يمكن أن يؤثر علي البلاد سلباً وتدعيم الإيجابيات في نفس الوقت.

وأخيراً أشار المناقشون أن الضغط الذي تعرضت له المملكة أثناء هذه الأزمة (مقتل خاشقجي) شديد للغاية، ويفترض بعد أن تهدأ الامور مراجعة كل شيء واستخلاص العِبَر. كذلك فإن هذه الأزمة كشفت عن مواطن خلل يفترض أن لا تمر هكذا دون علاج، ومن ذلك انكشاف إعلامنا وعدم قدرته على الحراك كما ينبغي وفي الوقت المناسب.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: أن الإعلام المحلي يحتاج لثقة الجهات الرسمية وتفاعلها العلني مع كل ما ينشره؛ وبهذا يساهم في صنع إعلاميين بمستوى احترافي. تفعيل دور الملحقيات الإعلامية ضمن إستراتيجية وطنية، وبناء قدرات وطنية في المجال الإعلامي. العمل على تطوير وسائل إعلام احترافية في إيصال المضمون بشكل وأسلوب يحترم عقل المتلقي، ويستطيع منافسة مواقع شبكات الإعلام العالمية. رفع سقف الحرية في الطرح الإعلامي، وضبط المادة الإعلامية المنشورة بقواعد أخلاقية ومهنية واضحة حتى لا يصبح الإعلام فوضى. انتقاء لغة حضارية في التخاطب مع العالم بلغات مختلفة، تبتعد عن الأسلوب الدفاعي وتقترب من الأسلوب البنائي، القائم على الحقائق والوضوح والشفافية. توفير حماية قانونية للكتَّاب والصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي. تطوير أداء المتحدثين الإعلاميين في المصالح الحكومية بين وقت وآخر، وألا يُكلَّف بمهمة التحدث الإعلامي إلا أشخاص من ذوي التخصص الإعلامي الدقيق. إنشاء مراكز إعلامية نوعية في السفارات السعودية، وأن تكون ذات كفاءة إعلامية متميزة، وأن تعقد شبه شراكات إعلامية مع المؤسسات الإعلامية في البلدان التي تقع فيها دائرة السفارات. إنشاء مركز بحثي متقدم يختص بدراسات ثقافات الشعوب الأكثر تأثيرًا على المستوى العالمي، بناء إعلام قوي بتخصصات متعددة ، لإظهار الصورة الحقيقية للمملكة، إستكتاب كتاب إقليميين ودوليين في أكثر الدول تأثيراً لنقل المطالب والآراء التي تخدم المصالح السعودية، وضع خطة طويلة المدى في  تدريب كفاءات إعلامية متميزة من الشباب على آليات صناعة الأخبار والتأثير القوي في المتلقي، إنشاء مراكز إعلامية على مستوى عالٍ من المهنية، إنشاء مركز معلومات للدولة يُحدًث بالبيانات كل ثانية، إلى جانب قنوات تواصل قوية بوسائل الإعلام العالمية المؤثرة بكافة  أشكالها، إلغاء كل ما يتعلق بتنظيم الإعلام من الوزارة ونقله إلى الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، تغيير مسمى الهيئة العامة للإعلام واختصاصها لتكون “الهيئة العامة لتنظيم الإعلام”، ونقل الإعلام الخارجي من وزارة الإعلام إلى وزارة الخارجية، تحويل هيئة الإذاعة والتلفزيون من مؤسسة حكومية إلى مؤسسة عامة وتعديل توجهها بحيث تخدم المصلحة الوطنية للمملكة، مع ضرورة إشراك بعض أصحاب الرأي المستقلين في إدارتها، عقد ورشة موسعة تضم عدد كبير من المتخصصين لمعرفة مواطن الضعف والقوة والفرص والمهددات والخروج بتوصيات قوية قابلة للتنفيذ، وأن يكون هناك إستعداد تام لمثل هذه الأزمة غير المسبوقة، وضرورة الإنفتاح على جميع مصادر المعلومات وتقييمها بدقة وعدم الإنحياز لتلك المعلومات التي تعزز قناعاتنا السابقة.

¤     مقدمة:

إنَّ قضية تصعيد وسائل الإعلام وفي مقدمتها قناة الجزيرة لحادثة مقتل جمال خاشقجي، والضجة غير المعقولة التي رافقت اختفاءه، ليس هدفها خاشقجي نفسه، ولم يكن المقصود منها الانتصار له، أو أنها ضد قتله أو اعتقاله كما يزعمون، ولكنه كان مجرد وسيلة تهدف مباشرة إلى تقويض المملكة، ومشروعها الحداثي التنموي للأمير محمد بن سلمان.

لذا تُعدُّ قضية “نعم! الهدف أبعد من جمال خاشقجي: الهدف مشروع السعودية الجديدة” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمها د. فهد العرابي الحارثي، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة، وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (الموقف السعودي المتأني والحكيم في مواجهة الأزمة، نعم الهدف هو “السعودية الجديدة”، الجنون الإعلامي ومَن وراءَه، ضعف خطابنا الموجه للخارج، إستراتيجية حديثة وفعالة للإعلام السعودي، إعلامنا وإعلام الخصوم، محاولة للنيل من المملكة حسدًا، الأزمة وإعلام الإثارة والكذب، أبناء الوطن وصناعة التغيير في المشهدين الاقتصادي والإعلامي، بعض أسباب تفاقم أزمة خاشقجي، الإعلام المعاصر وتوظيف الكذب، غياب الإعلام الرسمي عن قلب الأحداث، (إعلامنا) والمقصود منه، تسريبات وسائل الإعلام ومَن وراءَها، ما أخاف العالم من السعودية، قضية خاشقجي معركة إعلامية، قضية خاشقجي لن تنتهيَ بحلِّها ونتوقع المزيد، الفشل في إدارة الأزمة إعلاميًّا، قضية خاشقجي وصناعة الصورة الذهنية عن المملكة، المملكة وثورتها البيضاء، أصناف المغردين حول قضية خاشقجي، حقيقة الموقف الأمريكي من القضية، حسن تقدير حجم أعدائنا وقوة أموالنا، مواقف أمريكية ودولية ضد المملكة، استهداف هوية المملكة ودورها الحضاري، التوحش الإعلامي وجمهور الإعلام الجديد، الموضوعية في الإعلام الغربي، نظامنا وعدم الاندفاعية عند ترويج الشائعات والاتهامات، المملكة محط اهتمام وسائل الإعلام العالمية، بعض الأسئلة والملاحظات حول قضية خاشقجي، تجديد الخطاب الإعلامي والعربي وتطويره لمواجهة الأزمات، الجانب الإنساني في قضية خاشقجي، الابتعاد عن تجييش الناس والاكتفاء برواية واحدة متماسكة، هجوم إعلامي شرس على المملكة، إعلامنا والبحث عن التميز، بعض الرؤى لمواجهة أخطائنا، إنشاء مركز عالمي للدراسات الإعلامية، مواطن الخلل التي كشفت عنها الأزمة وسبل علاجها، ما يفترض أن نكون عليه مستقبلاً، دعمنا الكامل لأميرنا، واجب التصحيح بعد الأزمة، موقف منظمات حقوق الإنسان السعودية، تباين الآراء حول تصريحات الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، المملكة تواجه أزمة في علاقاتها الخارجية، دافوس وتحسين صورة المملكة). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها الدكتور فهد العرابي الحارثي، وعقَّب عليها الدكتور عبد الله بن ناصر الحمود، والأستاذ محمد الدندني، والأستاذ إبراهيم آل سنان.

كتب د.فهد العرابي الحارثي: أي قصة شبيهة بقصة مقتل الأستاذ جمال خاشقجي هي دائمًا قصة مثيرة لشهوة الإعلام صديقًا كان أو معاديًا، ذلك من حيث المبدأ، فالإعلام منجذب دائمًا إلى القصص غير الاعتيادية، ولا سيما القصص العاصفة ذات الهزات، والتناقضات المحتشدة بالغموض، والأسئلة التي لم تعثر على إجاباتها، فلا غرابةَ أن يكون موضوع مقتل صحفي بحجم جمال خاشقجي موضوعًا للإعلام القريب منَّا والبعيد عنا، الموالي لنا والمناقض لمشروعنا في محيطنا وفِي العالم.

أن تكون موضوعًا للإعلام (صديقه وعدوه) بهذه الكثافة في قصةٍ مثل قصة مقتل جمال خاشقجي أمرٌ مزعجٌ بلا أدنى شك، ويكون الوضع أكثر إزعاجًا وأبلغ إيذاءً عندما تكون دوافع المعالجات من قِبل الأعداء والخصوم دنيئة ولا أخلاقية، إذ يُصار عمدًا إلى تحويل القصة إلى مجال لتصفية الحسابات والتأليب والتشويه والانتقام، فلا يعود مهمًّا في هذه الحالات قصة المقتل بقدر ما هو مهم الانتقام والتشفي من الخصوم الذين شاء القدر أن يكونوا في بداية الطريق الذي سيقود إلى الحقيقة. وفِي الحالة التي أمامنا الآنَ تتلقى السعودية نصالَ ورماح الخصوم من كل اتجاه وصوب، فالموضوع هو مقتل خاشقجي ولكن الهدف هو مشروع السعودية الجديدة بمختلف جوانبه وأبعاده، والهدف أيضًا هو قيادة هذه البلاد التي هندست المشروع ورسمت مستقبله، وتحديدًا سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

إن قضيتنا هي مع هؤلاء الأعداء وليست مع وسائل الإعلام الأخرى التي كثفت تغطيتها للحدث بشكل ملفت، ولكنها تكتفي بطرح التساؤلات حول قصة القتل، وتحاول معالجة الفرضيات والنظر إليها بموضوعية.

وحياد إلى حدِّ كبير، فالقتل بالنسبة إليها أمر غير مقبول، وهذا أمر طبيعي، ولكنها لم تُحَمِّل ضميرها الأخلاقي والمهني أي إدانة أو إساءة لأي أحد كان، على الأقل لأن الحادثة برمتها قيدَ التحقيق. نحن قضيتنا مع الخصوم والأعداء الذين بدعوى الانتصار لحرية الصحافة وحرية التعبير حوّلوا جمال خاشقجي إلى عصا غليظة يَهوُون بها على رؤوسنا، ويجعلون بالتالي مشروعنا الجديد نفسه موضعَ شك وغموض.

إنَّ من حق أي وسيلة إعلامية أن تناقش قصةَ مقتل خاشقجي، ولكن ليس من الأخلاق ولا من قيم المهنة التشفي، والتشويه الذي يحكمه الغرض الدنيء، والهوى الذي يسيّره الحقد والكراهية. ليس من الأخلاق أن تودع هذه القصة سمومك وأمراضك معتقدًا أنك قادرٌ على إخفاء حجم الضغائن والثارات التي تدفعكَ إلى التهويل والمبالغات والافتعالات وحياكة الإشاعات. إن مجرد الانخراط في مثل هذه الأساليب لمعالجة قضايا ما زالت غامضة على الجميع هو الذي يفقد هذا النوع من الإعلام المصداقية والتأثير المطلوب أو المتوخى، فالناس أو الجمهور قد يستمعون إليك ويتابعونك ولكن لا تظن أنهم يصدقونك، فهم ينجذبون إلى فضاءات الصراع والشد والجذب، ولكن نسبة التصديق لن تكون بالضرورة عالية؛ لأنهم يعرفون أنك تكره خصمك، وأنك تكيد له، وبالتالي فأنت ليستَ في مأمن، بالنسبة لسامعيكَ أو قارئيكَ أو مشاهديكَ، من أن تتحكم في أقوالك وتصرفاتك الرغبة الشديدة في النكاية بخصمك، والمبالغة في تشويهه، بل إنك مسوق إلى صناعة الأكاذيب من أجل تحقيق أهدافك.

خصوم المملكة العربية السعودية وجدوا في قصة مقتل جمال خاشقجي مرتعًا خصبًا لفرص الإيذاء والتأليب والتشفي، ولا نلومهم على ذلك، فالقصة تتيح لهم هامشًا واسعًا للعب على الحبال، ومن تحت الحبال، فهذه فرصتهم، وماذا تنتظر من أعدائك والناقمين عليك والمتربصين بك إذا ما سنحت لهم الفرصة للانقضاض عليك حقًا أو باطلًا؟

أنا لم يعجبني كيف تعاملنا مع الانقضاض الإعلامي علينا (أعداءً ومحايدين)، ففي لعبة الإعلام، وفي مثل حالة خاشقجي المتشنجة المتورّمة، أفضل طريقة للمواجهة هي منح الخصوم المزيدَ من الفرص للكشف عن عمق عداواتهم، والهدف هو أن يفجروا في الخصومة كما حدث حاليًّا ليفقدوا مصداقيتهم، ويعزو الناس الكثيرَ مما يقولون إلى الأحقاد التي تحتشد بها صدورهم وأفئدتهم، ولتظهر للقاصي والداني أنها هي الدافع الأساسي لكل ما يقولون وما يفعلون. لا تشغل نفسك بالرد عليهم فهم لن يسمعوك، وليكن التركيز على المحايدين، الذين وإن تضمنت أسئلتهم بعض الحدّة فهم لا يضمرون لك العداء والبغضاء والكراهية، وليس لك معهم أي ثارات قديمة أو جديدة. إن استمالة هؤلاء وإقناعهم بالحقيقة أسهل وأقرب إلى النجاح.

أظهرْ للناس في كلِّ مكان حقيقتك التاريخية والمعاصرة، تلك الحقيقة المهمة التي ينبغي أن يعرفها عنَّا البشر في كل مكان، فلن يستقيم معها ما يُلصق بالسعودية اليومَ من اتهامات ترتقي إلى درجة التصفيات الجسدية لخصوم النظام ومن يكيدون له، ولا أعتقدُ أن جمال خاشقجي أحدهم.

ففي الوقت التي كانت فيه أنظمة إقليمية تشنق معارضيها وتسحقهم وتسحلهم وتخفيهم عن الوجود، هم وأسرهم في كثير من الحالات، لم يعرف عن السعودية أنها كانت تفعل مثل ذلك مع معارضيها والخارجين عليها، وهي تستطيع لو أرادت أن تلصق بهم تهم “الخيانة العظمى” تمهيدًا لتعزيرهم وقتلهم، ولكنها لم تفعل، هي فعلت ذلك مع إرهابيين حملوا السلاح وقتّلوا الناس وروّعوا المؤمنين، واستباحوا حرمة المقدسات كما حدث مع جهيمان ورهطه ومن جاء بعدهم.

المملكة سجنت وحاكمت مِن معارضيها مَن تعتقد أنهم يشكلون خطرًا على أمن البلاد، ولكنها لم تقتلهم. والنظام قد يزعجه بعض مَن يختلفون معه من الكتَّاب والمثقفين، وأقصى ما يمكن أن يُتخذ معهم هو التحقيق معهم، أو إيقافهم عن الكتابة لفترة معينة لما يراه ولي الأمر أو المسؤول من مصلحة ظاهرة في ذلك، ولكنه لا يسجنهم ولا يقتلهم، وأولهم الأستاذ جمال خاشقجي نفسه، فلا نعرف، نحن زملاءه، أنه دخل السجنَ يومًا واحدًا، وهو كان داخل البلاد وتحت يد النظام. إن التوجه إلى أصدقائنا أو المحايدين المنصفين في هذا العالم، هو ما يجب القيام به من خلال التأكيد على “قيم السياسة السعودية” التي عُرفت عنها على مرِّ التاريخ، وفِي تاريخها المعاصر أيضًا.

ولننس “الجزيرةَ” ومن سلك نهجها في الإقليم وفِي العالم، فماذا تطمع من قناة لا تخفي عداءها الصارخ الفادح لك، بل هي تفخر وتباهي به، وتعتبره جهادًا في سبيل إبليس، وقد سخَّرت كلَّ ما لديها من عدة وعتاد للانتقام منك وتشويهك (البث24 ساعة ولا شيء آخر غير قصة جمال خاشقجي)، وقسْ على “الجزيرة” وباقي القائمة من الأعداء والخصوم.

ينبغي بناء الإستراتيجة بالعمل على مَن يتواجدون حاليًّا في المنطقة الرمادية، فالمنطقة السوداء ميؤوس منها، وفي الارتهان لها تشتيت للجهود. والمنطقة البيضاء منجزة سلفًا ومضمونة بإذن الله. أما المنطقة الرمادية فينبغي أن تكون هي الهدف الأساسي في الوقت الراهن، وينبغي كذلك التعامل معها بعقل وحكمة واحترام. لماذا قلت احترام؟ لأنني لاحظت أن البعض يفترض أحيانًا أن المتابع بلا عقل، فيغرف ويهرف بأمور تسيء للموضوع أكثر مما تخدمه مع أننا لسنا في حاجة لمثل ذلك الغرف والهرف.

ما ذكرتُ أعلاه من أفكار هي في الواقع أفكار أوليّة، ولا بد لها من أن تخضع لمزيد من الحوار والنقاش والتأصيل، لعلنا نخرج في القريب بخارطة طريقة ذات جدوى وذات أثر.

عقَّب د. عبد الله بن ناصر الحمود: عندما انتهيت من قراءة مداخلة الدكتور فهد العرابي الحارثي حول قضية جمال خاشقجي، تملكتني مشاعر عاطفية جمَّة. فالقضية عاطفية بامتياز، وكل خيارات حسمها ضروب من ضروب العاطفة، ولغة الطرح التي اختارها د. فهد مزدحمة بالمشاعر.

إنها مشاعر الغموض الذي يلتف على مصير جمال خاشقجي، ومشاعر الأسى من إعلام عربي وغربي جائر، فاجر في الخصومة، ومشاعر الحب والخوف والاحتضان لبلد قدره أن يكون محطَّ أنظار المحبين تارة، ومرمى الحاقدين والحاسدين تارات أخرى.

ولذلك، ففي تعليقي هذا، أجد أنني بين مطرقة العاطفة ذاتها، وسندان مهنة الإعلام الغائبة في هذه القضية. غير أنني، أستجمعُ قواي ما أمكنني ذلك، وأقول بعد موافقتي لكل ما قاله د. فهد في مداخلته، وذهابي مع ما ذهب إليه من تشخيص، وبعد أن أزفر مثل زفراته، أقول ما يلي:

أولًا: نحن وخاشقجي بين الإعلام والأمن:

على الرغم من ضخامة التناول الإعلامي لقضية خاشقجي عربيًّا ودوليًّا، إلا أننا في المملكة، وفي إطار تقاليدنا الجماهيرية الرصينة، نظرنا إلى القضية في إطارها الأمني أكثر من الإعلامي.

فقد غابت بشكل شبه كامل المؤسسة الإعلامية السعودية الرسمية على مستوى القيادات، وظهر التعليق الرسمي الأكثر تفصيلًا قبل يومين على لسان سمو وزير الداخلية. وهو التعليق الذي ركَّز على منطلقات محددة وواضحة، تقول بكل وضوح، إننا لا نملك من القصص التي تتناولها الإعلامات المأجورة شيئًا. وإننا نملك شيئًا واحدًا فقط، هو الحقيقة. والحقيقة باختصار، هي أن كل القصص المزعومة من إعلامات المأجورين الكاذبين قصص كاذبة، وأن الحقيقة هي ما سوف تكشفه التحقيقات الأمنية الكبرى التي تجري الآن.

يقود ذلك للقناعة الكاملة بأنه لا مؤشرات دقيقة الآن لمعرفة ما جرى، فالغموض يسيطر على مفاصله كافة. وتصديق أيٍّ من روايات الخصوم شيء مؤسف، وجري خلف الأفَّاكين دون برهان.

من جانب آخر، أتفقُ بشكل عام، مع تغليب البعد الأمني لقضية خاشقجي، فمهمٌّ أن يتم تناولها إعلاميًّا في إطارها الأمني، غير أنني كنت ولا أزال أتطلع لتداخل وزارة الإعلام أيضًا، وبشكل رئيس، فمن شأن ذلك أن يطرح خيارات مهمة لأنماط التناول الإعلامي لهذه القضية، ترشد الغيورين والمهتمين بتبني مواقف دفاعية واجبة في حق الوطن والناس والرأي العام الوطني والدولي.

ثانيا: الإعلام الأمني وقضية خاشقجي:

شرفُت لسنوات عديدة بعقد دورات متقدمة في الإعلام الأمني، وسعدت بالعمل مشرفًا على إدارة العلاقات والتوجيه بوزارة الداخلية، وتعاملت، عن قرب، مع عدد من قضايا وموضوعات الإعلام الأمني، وأدركتُ عمليًّا ومهنيًّا أنه في حال الأزمات الأمنية، لا بد من تناغم الآلة الأمنية مع الآلة الإعلامية من أجل إمداد الرأي العام بالحقائق. ولكن هيهات والخصم اليوم لا ينشد الحقيقةَ أبدًا، بل يمحوها ويطمسها، وينسج مكانها قصصًا مختلقة تتعارض فيما بينها، وتضلل الجماهير. لذا فإنه:

– في الإعلام الأمني الرشيد، لا تنشر وسائل الإعلام إلا حقائقَ مؤكدة، والحال أن إعلام الخصوم الجائر ينسج القصص المكذوبة ويروجها.

– في الإعلام الأمني الرشيد، يتفق الإعلاميون والأمنيون على الغرض من العملية الإعلامية، وعلى آليات التناول، والحال أن إعلام الخصوم الجائر لا يعبأ أصلًا بمصدر الأخبار الأمنية محل النشر.

-في الإعلام الأمني الرشيد، تتقدم (الحقيقة المؤكدة) على السبق الإعلامي، والحال أن إعلام الخصوم الجائر يكذِّب ويتلقف الكذب ويبادر إلى نشره.

-في الإعلام الأمني الرشيد، تكون الغاية الإمداد بالمعلومات المؤكدة لطمأنة الرأي العام، والحال أن إعلام الخصوم الجائر يسعى جاهدًا للبلبلة وتضليل الرأي العام.

ثالثًا: “الصمت” و”الحراك” في هذه القضية:

مريح جدًّا للبعض منا أن يلتزم الصمت، في مثل هذه الحالات، ولكن كثيرين منا لا يسعهم الصمت. فنداء الوطن حاسم في تحريك السلوك، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته وأدواته. ونحن-معاشرَ المثقفين والإعلاميين-أدواتنا الحرف والكلمة. وما أحوجَ مجتمعنا اليوم لهاتين الأداتين، حيث تتم منازلتنا بهما. وأي منازلة؛ فقد اجتمع علينا القوم، وأرادوا بنا سوءًا، وتظاهروا علينا بعضهم ببعض، في تناغم مأجور عجيب.

واليوم نحتاج منازلتهم، ونفعل، وسنفعل، لكننا سوف نكون بين منازلتين: منازلة متكافئة، وأخرى دون ذلك. وخطر المنازلة غير المتكافئة أشدُّ وطأةً من الصمت. إذ يجب أن يتصدى للمنازلة الأكفاء الأفذاذ من خبراء الإعلام والفكر العالمي، ودارسي الحركات السياسية والعلاقات الدولية، وضليعي الخبرة بالأبعاد الأمنية والدبلوماسية. فأين هم من الساحة اليوم؟

كم مَرَّت علينا سنوات عِجاف مع خصوم لنا، في أكثر من حادثة، وفي أكثر من قضية! وكم تنادينا من أجل بناء بيوت خبرة عظيمة بحجم عظمتنا وعظمة مجتمعنا، وعظمة استحقاقنا! لكننا نكتشف في كل نازلة أننا لم نستعد كما يجب الاستعداد على المستوى الشعبي، أو أنه ليس لدينا محركات فاعلة ومحاضن عملاقة لتكوين (خلايا) شعبية قادرة على الفعل عندما تعنُّ الحاجة، وتبدو المصلحة، وبكل اللغات المهمة، وبكل الأدوات اللازمة. فنحن كبار. وقدرنا أن نفعل كما يفعل الكبار. والكبار يعدون لخصومهم ما استطاعوا من قوة. إن معظم ما نراه اليوم من تداخلنا في واحدة من أعقد قضايانا مع الرأي العام الوطني والدولي هو بين حالين: الصمت، أو التداخل غير الممنهج وغير المخطط له. وكلاهما عمل غير رشيد.

رابعًا: نحن “نهمس” وغيرنا يثير “الضجيج”:

بالرغم من كل شيء، نحن فقط نهمس في مداخلاتنا الإعلامية الاتصالية اليوم خلال الدفاع عن قضيتنا. والعالم من حولنا يعجُّ بالضجيج. ومرد ذلك، إضافة للضعف الظاهر في عدد وتنوُّع الكفاءات المتداخلة، هو أننا لا نملك كثيرًا مما يُقال، فنحن نملك فقط شيئًا واحدًا، هو (الحقيقة)؛ في حين أن الخصوم الجائرين ينسجون في كلِّ ليلة عشرات الأكاذيب ويروجونها، فتعج وسائلهم بالضجيج، لنبق نحن نقول الشيءَ نفسه: أنتم تكذبون.

خامسًا: “تعزيز” اتجاهات الجماهير و”تغيير” اتجاهاتها:

من أكثر المسائل التي تواجهنا تعقيدًا في قضية خاشقجي، أننا في الوقت الذي نسعى فيه لـ “تغيير” اتجاهات الجماهير المصغية للخصوم، ربما نفشل. في حين ينجح الخصم الجائر في “تعزيز” اتجاهات الجماهير ذاتها التي لديها آراء مسبقة ضدنا بأي مستوى كانت آراؤها المضادة. ففي علم الإعلام والاتصال، يسهل “تعزيز” الاتجاهات والسلوك لدى الجماهير، ويصعب كثيرًا “تغييرها”.

وتذهب فرضية “التعزيز” إلى أن ثمة إستراتيجيات دفاعية تلجأ إليها الجماهير تلقائيًّا تحد من تأثير الوسيلة الإعلامية الراغبة في التغيير. من بينها مثلًا، التعرض الانتقائي selective exposure الذي يشير إلى أن الجمهور يبحث عن المضامين الإعلامية التي تتسق فقط مع اتجاهاته وسلوكياته المسبقة. ومنها كذلك الإدراك الانتقائي selective perception، الذي يعمد الجمهور في إطاره إلى إعادة فهم وتفسير المضامين الإعلامية التي يتعرض لها، بحيث تتسق مع اتجاهاته وسلوكياته المسبقة نحو القضايا والموضوعات المثارة ولا تتعارض معها. ومن هنا، يمكن فقط فهم السعار الجماهيري الحاصل على شبكات التواصل الاجتماعي، جراء تغذيتها بآراء ومواقف تحاكي ما هو متشكل سلفًا لدى شرائح من الجماهير، ليجد فريق الدفاع نفسه في هذه الورطة الاتصالية.

سادسًا: “قوة الحقيقة” ولكن…

مع الإيمان العميق بأننا نملك “الحقيقة” وقلناها، وأن خصومنا “يكذبون”، ففي هذه المرحلة الاتصالية المعقدة اليوم، نؤمن بـ “نشاط الجمهور” the active audience، وهذا يعني أن كثيرًا مما يحدث اليوم من ترويج للأكاذيب والقصص المختلقة، وما يتشكل من آراء ضدنا بسببها، سوف يتهاوى شيئًا فشيئًا أمام قوة “الحقيقة”. فالأيام والوسائل والمضامين الإعلامية والاتصالية تجلي بعضها بعضًا، وسوف يذهب كثير من الزبد، وتمكث الحقيقة راسخةً قويةً.

ولكن هذا بالتأكيد، على المنظور العام، وليس قطعيًّا ولا في كل الحالات، إذ سوف تبقى حالات ما في حيز التيه الحاصل ضدنا، مستعصية على الحقيقة؛ لأنها لا تريدها أصلًا، أو أنها لم تهتد إليها؛ إما لضعف أدواتنا في إيصالها، أو فقط لمجرد صم الآذان وإقفال الأعين عن الحقائق. وبالتالي، سوف تبقى آثار هذه المرحلة التاريخية لسنوات قادمة، وفي تشكلات متعددة.

سابعًا: مرحلة ما بعد خاشقجي:

نعم، كما ذكر د. فهد، يتجاوز الأمر خاشقجي ليحاول النيل من “السعودية” الجديدة. وهو أمر جلل، أعدَّ له الخصوم بشكل كبير ومكثف. وستبقى له آثار ممتدة مهما كانت نهايته. فالسعودية بعد قضية خاشقجي، لن تكون كالسعودية قبل هذه الحادثة. سوف تتغير حسابات كثيرة، وسوف تُعاد جدولة مهمات كبرى، وسوف تتجلى قوائم الأصدقاء والخصوم ويُعاد ترتيبها من جديد. ولكن أيضًا، سوف تخرج “السعودية” أقوى وأمضى في رحلتها نحو المستقبل، لسبب مباشر، وهو أن الواقعة سوف تصقل العديد من التجارب الوطنية في مواجهة التحديات والقفز عليها. نتذكر جميعًا، أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما كان يُراد بنا. وندرك جيدًا، كم نجحنا- بحمد الله- في تجاوز ذلك الامتحان الصعب.

ولكن على الرغم من كل ذلك، لن تكون السنوات القادمات بردًا وسلامًا علينا أبدًا، كما يبدو. وسوف تتطلب منا الكثير من اليقظة، والحسابات الدقيقة، والعمل المتفاني لتجاوز آثار هذا الاعتداء الجائر علينا. إن اعتداءً ظهر بهذا الحجم، له ما وراءه من سيناريوهات الهيمنة والابتزاز والتهديد ومحاولات الاختراق للكيان الداخلي، وأيضًا لمَن يبقون معنا في فضائنا من الأشقاء والأصدقاء، فالتكتلات الجديدة ضدنا سوف تكشف عن أنيابها. وبالتالي، يستدعي الأمر منا جهودًا محترفة من أجل العبور الأكثر أمانًا للمستقبل.

ثامنًا: خيارات العبور الأكثر أمانًا:

من المؤسف القول إنه لم يعد من بين خياراتنا اليوم “العبور الآمن” جماهيريًّا في قضية خاشقجي. فقد أثخنت عناصر كثيرة من الإعلام المأجور عربيًّا ودوليًّا في القضية حتى بات من المؤكد أن يبقى لها آثار سالبة بشكل أو بآخر، ينال من مستوى علاقاتنا الدولية الرسمية والشعبية، ولو إلى حين. غير أن ذلك لا يمنع أبدًا من إمكانية تحقيق عبور جيد لهذه الأزمة، يكون أكثر أمانًا من لو أننا لم نجتهد في خيارات عبورنا المأمول.

وحتى نكون أكثر فاعلية في تحقيقنا للعبور الأكثر أمانًا، ينبغي الإيمان العميق بأن الوقت كلما طال (قليلًا) فهو في صالحنا؛ وذلك لاعتبارات مهمة أبرزها:

-أنه من غير الملائم اليوم التعجُّل في مزاحمة الإعلام الهائج ضدنا، فلا أحد مستعد أن ينصت لنا. فكلما هدأت الأصوات أمكننا الدفع أكثر بحججنا ورؤانا. وهذا لا يعني الغياب عن الساحة، ولكنها معادلة صعبة يحسن قياسها وتنفيذها بوعي وحذر شديدين. تمامًا كما هي نظرية “الشعرة”.

-أن الوقت كفيل بأن يعري حجج الخصوم الواهية، ويكشف زيفها، وبالتالي، نتشارك مع الجماهير في مناطق الشك لديها عندما تتشكل، وندفع بحججنا ورؤانا، وهكذا نكون أكثر فاعلية وأبلغ أثرًا.

وفي ضوء هذين المحددين، أقترحُ اتخاذَ الإجراءات التالية:

(1) ضخ المزيد من المعلومات الرسمية حول القضية تدريجيًا، وبشكل منتظم، وتحديد وإعلان مصادر تلك المعلومات على مستويين: رسمي، وشعبي. وتيسير وصول منصات الإعلام، والجماهير إلى تلك المصادر. وبالتالي، عوضًا عن (عدم الإفصاح إلا عما يجب الإفصاح عنه)، يحسن تبني سياسة (عدم حجب إلا ما يجب حجبه من المعلومات). وهنا، نجعل الجمهور على تواصل تام مع مصادرنا كلما كان ذلك ممكنًا. فبدون ضخ المعلومات سوف تنشغل الجماهير بالكثير من الأكاذيب. وتتنوع هذه المعلومات بين البيانات المكتوبة، والرسوم والأشكال، والإحصاءات، وتُقدَّم بكل ما أمكن من وسائل التعبير والإيضاح.

(2) تشجيع الأكفاء من الإعلاميين والمثقفين (فورًا) للتداخل التدريجي اتصاليًّا وإعلاميًّا، وفق منظور ممنهج، ومنحهم مزيدًا من الثقة في التحليل والتفسير والمناقشة والمجادلة والحجاج. ويقتضي ذلك ضمان شعورهم بالارتياح فيما لو وقعوا في أخطاء اتصالية، حيث من المتوقع الوقوع في أخطاء غير متوقعة حين مناقشة هذه القضية.

(3) منح وسائل الإعلام الرسمية عندنا الحق والثقة في المبادرة في العمل الإعلامي المحترف “تغطيةً” و”معالجةً”، وفك ارتباط تلك الوسائل بوكالة الأنباء (فورًا)، وبخاصة الإذاعة والتلفزيون، فارتهانهما للوكالة أورثهما عملًا رتيبًا، لا فاعليةَ فيه ولا أثرًا إعلاميًّا معتبرًا. وسيقتضي ذلك أيضًا منحهما الحقَّ في الوقوع في أخطاء مهنية تعدُّ من ضرورات التعلُّم، وضرورات الفعل والحراك المستمر، دون هاجس الشعور بالخطيئة والذنب.

(4) إقامة منظومة فورية من منصات التدريب والتأهيل للكفاءات الوطنية في كافة المجالات المهمة في رحلتنا الدفاعية عن الوطن، وفي هذه القضية بشكل خاص. وهي منصات تدريب تتيح للمنخرطين فيها التعرُّف على كيفية بناء وتكوين رؤية وطنية صلبة، تقود مشاركاتهم الإعلامية والاتصالية، لتتم بشكل مستنير ومفيد وفعَّال وآمن. كما تتيح فرصًا مهنية لتعميق الفهم بأدوات الإعلام والاتصال ومدارسهما، وإستراتيجيات الإقناع والمجادلة، وسياسات الحجاج والنقاش. ويمكن (فورًا) دعوة أقسام الإعلام في الجامعات للقيام بذلك، وكذا الهيئات والمراكز الوطنية ذات التخصص والأهلية. وتقدِّم ميزات فورية معنوية للتسجيل في هذه الدورات. وتكون الدورات على مستويات، بحيث تتناسب وفئات المتداخلين؛ بين دورات ابتدائية، ودورات متوسطة، ودورات متقدمة. وفي كل الحالات تكون دورات احترافية وقصيرة.

(5) تكليف فريق عمل محترف لإجراء عمليات تحليل وتقييم فوري ومستمر لكافة وسائل الإعلام والاتصال المهاجمة، وكذا المواقع والحسابات الشخصية وتصنيفها وتبويبها، وإصدار قوائم بأسمائها وانتماءاتها، مع بيان نماذج من أكاذيبها، وكشف ذلك، ونشر القوائم بشكل منتظم عبر منصات مصادر المعلومات الرسمية أو الشعبية الواردة في الفقرة (1) أعلاه.

(6) اتخاذ تدابير إستراتيجية لتفعيل الأطر القانونية التشريعية في مجالات الإعلام والاتصال ضد كافة مَن اقترفَ في حقنا-في هذه المرحلة-جنحة إعلاميةً أو جريمةَ نشر اتصالية، ومقاضاتهم.

إن قَدَرنا في المملكة أن نكون هكذا، دولة محورية، نغيظُ كثيرين، فيرومون النيل منا. فلو أننا دولة هامشية لما انشغل الناس بنا، لكننا كبار، ومن شأن الكبار أن يرتقوا الصعاب. وها نحن نرتقي في كل عام شيئًا منها، وسنبقى نرتقيها بحول الله، وعين الله تحمينا وتحرسنا.

وعقَّب أ. إبراهيم آل سنان: منذ 11/11/2001 وتفجير مركز التجارة العالمية وتورُّط عدد من المواطنين السعوديين، ظلت المملكة العربية السعودية صامدةً تحت وطأة الاتهام بالإرهاب، وتم تجييش كل العالم ضدها، وكانت بكل حكمة وروية تتعامل مع المواقف بثبات، وتجتهد في كل ما يمسُّ سيادتها، وتحافظ على مكانتها الدولية والإقليمية. ظلَّ وطننا طيلة ما يزيد عن 15 عامًا صامتًا عن الحقائق التي كان بإمكانه استخدامها لتبرئة نفسه، والتي تفاجأنا بها في 19 مايو 2017 عند زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتُفتح الملفات كاملة، وفي يوم واحد تمَّ تحييد كل تلك السنوات من الاتهام، وتمَّ تفنيد كل الادعاءات والتهم الموجهة لنا، حين كُشفت الملفات التي أكدت أن دولًا أخرى استخدمت وتواطأت واستغلت شبابًا سعوديًا مُغرَّرًا بهم لتنفيذ كلِّ العمليات الإرهابية وكلِّ الحركات الجهادية التي انتشرت في مناطق الثورات العربية، مثل سوريا.

الإعلام في العقود الثلاثة الأخيرة، ومنذ أن توسعت نطاقات البث للقنوات التلفزيونية ودخول الإنترنت، لم يعد موضوعيًّا ولا محايدًا، ولا يحمل أيَّ صفة إعلامية أخلاقية يمكن الاعتماد عليها، حتى تلك القنوات التي تبث الحقيقة أو تعمل بنزاهة ستكون منحازةً بشكل أو آخر لموضوع دون آخر، إما ستكون حقائق سياسية لا إنسانية أو إنسانية منتقاة حسب الرغبة، وهي عملية تسويقية كبيرة، أصبح الإعلام بكل بساطة وسيلة تسويقية للأجندات السياسية والاقتصادية وللمبادئ والقيم والأيديولوجيات، ومن النادر جدًّا أن يبرأ أيُّ إعلام من أي توجُّه حتى لو كان تجاريًّا. وبغض النظر عن سلامة ما يُسوِّق له الإعلام وحقيقته وصحته. نفهم بكل بساطة أننا أمام حملات إعلامية مدفوعة بالعاجل أو الآجل، ويجب احتواؤها بنفس الوسائل التنافسية التي يتم استخدامها في مجالات الدعاية والإعلان في التجارة.

أتفقُ مع الدكتور فهد بأن من الأفضل التروي ومنح الجميع فرصة استنفاذ كل طاقته وكشف كل أجنداته وتوجهاته، بل من المفيد لنا جيدًا أن نعيدَ ترتيب أولوياتنا وفرز الأصدقاء والمصالح بشكل أدق ما دامت النتيجة في انتظار انكشافها. ما نحتاج إليه هو التركيز في كل خطاباتنا الفردية والجماعية على ذكر النقاط الثابتة والركائز الأساسية في سياسة المملكة العربية السعودية، وهي:

-السعودية احتوت وتقبلت حتى أبناءَها الإرهابيين العائدين إليها، وأدخلتهم برامج المناصحة، وأعادتهم للحياة الطبيعية.

– السعودية لم يسبق لها أن تعاملت بعنف تجاه أيِّ مُعارِض سعودي على كثرتهم في الخارج، ومع القدرة على الوصول إليهم.

-السعودية تعتقل علنًا وتحاكم علنًا كلَّ الذين يشكلون تهديدًا على أمنها الوطني أو يخلّون بأنظمة الدولة السياسية.

-السعودية حافظت على علاقاتها الدبلوماسية والسياسية حتى مع الدول التي احتضنت معارضين لها ودعمتهم، وفتحت لهم مساحات من استخدام الوسائل الإعلامية داخلها.

-السعودية لطالما تجاوبت صراحة وبكل شفافية مع كلِّ الانتقادات الموجَّهة لها على المستوى الداخلي، بدايةً من اتهامات الإرهاب والتي تعاملت معها من خلال إعادة النظر في كل مناهجها التعليمية والدينية.

-السعودية حتى في خطواتها السياسية تحصل على الدعم الدولي والعالمي وبقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، ولم يحدث أن تصرفت بشكل فردي.

– السعودية تجاوبت مع كل التشكلات السياسية والاقتصادية بطريقة مرنة، بما يضمن مصالحَها ومصالح الآخرين، وأقربها أنها أعادت التنسيق مع الجانب الروسي لدعم النقص المتوقع في سوق الوقود.

وهناك الكثير من النقاط التي يمكن لكل الإعلاميين والمؤثرين السعوديين التركيز عليها في البث والترويج مع وجود الأمثلة والشواهد على كل نقطة.

وفي هذه الأثناء أعيد التركيز والتأكيد على ما ذكره الدكتور فهد من حاجتنا للاستفادة من كل هذه الحملة تجاهنا، وفهمها وتحليلها وكشف كل الخلفيات وراءها بما يتناسب ويتوافق مع سياسة دولتنا.

كما عقَّب أ. محمد الدندني: إن القضيةَ التي طرحها د. فهد في ورقته هي قضية ساخنة ومتشعبة، وأيضًا حساسة لما لها من تداعيات مرحلية، ومع زخمها إلا أنها آنية؛ لذا فهي الأقل خطورة كونها ستنتهي بحكم أنها ليست القضية الأساسية، وإنما شماعة لهدف وأهداف تمسُّ كيانَ وطننا كما تفضَّل الكاتب. الخشية من النهج والهدف، وهو في نظري ليس جديدًا، الجديد فيه هو الأسلوب حيث نَصَّب الأعداء أنفسَهم قضاةً ومحامين ومدعي عام لقضية لم تكتمل أركانها، ولم يحضر المدعى عليه أو حتى يعطى فرصة ليتحدث عن نفسه، فلقد أعلن أفراد ومنظمات أو مؤسسات غير سيادية مقاطعة مؤتمر الاستثمار في نوفمبر قبلَ أن يتضح التحقيق، فقط على قاعدة الإعلام المسيس والموجه والمتضارب في بنائيته وتحليله. لعلي أوفق بالنظر إلى الهدف من عدة زوايا، هي موجودة تاريخيًا وحاضرًا وستستمر في المستقبل، فالهدف كبير ومهم ولن يتركنا الأعداء والأصدعاء (الأصدقاء الأعداء) نرسم حياتنا، وأن نجد مكاننا تحت الشمس، مكانًا يعكس قيمة المملكة العربية السعودية ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.

لا شك أن إعلان الرؤية وما صاحبها من مشاريع التحوُّل اجتماعيًّا واقتصاديًّا ومن ثم سياسيًّا أحدث هزة في المنطقة والعالم، لا أبالغ في أن كثيرًا من الدول الإقليمية والعالمية، ومنها الدول الكبرى بالذات، بدأت في إعادة حساباتها ليس فقط لما ستحدثه هذه المتغيرات في المملكة، ولكن لما لها من نتائج أقلها عربيًّا وإسلاميًّا.

الرؤية 2030 هي مشروع وطني سيغيّر من قواعد العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية لصالح المملكة، وهذا ما يراه البعض خسارةً لهم؛ لما به من الاعتماد على النفس، وتحفيز الإنتاج والمحتوى المحلي، ومن ثَمَّ تقليل خروج العملات الصعبة خارج المملكة، ومن ثَمَّ إيجاد اقتصاد قوي وفائض يعجِّل في التنمية وإبراز المملكة كقوة إقليمية أقوى بكثير مما هي عليه الآن. كل هذا سيزيد من ثقة المواطن السعودي والمواطنة السعودية بأنفسهم، ومن ثَمَّ الثقة بالوطن والقيادة.

ما أربك الأعداء أن مشروع المملكة الجديد ليس عاطفيًّا أو ثوريًّا انعزاليًا كما حدث في المنطقة وبعض مناطق من العالم من قبلُ، فهو مشروع يتماشى مع النظام العالمي فضلًا عن كونه خاليًا من الاستعداء لأي دولة، مثلًا باب التصنيع العسكري الإستراتيجي؛ لذا ستكون وسائل محاربته ليست بالوسائل التقليدية. أما من ناحية التصحيح الاجتماعي فأهم ما به هو التصحيح للمرجعية الدينية والعودة للوسطية، فهذا مقلق إقليميًّا ودوليًّا. إقليميًّا لأنه سيسحب البساط من تحت أرجل الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني، وهنا تختفي خفافيش الدين السياسي الرسمي كما في إيران، وكذلك المبطن بالعلمانية كما في تركيا، وكذلك الأحزاب الدينية التي تسعى للحكم قبل أن تسعى لرفعة الدين، وكما قال الشيخ متولي الشعراوي-رحمه الله- في الإخوان: (ليت أهل الدين يبتعدون عن السياسة، ويقترب أهل السياسة من الدين).

أما دوليًّا فلن يكون هناك منفذ للفكر المتطرف وتغذيته واستعماله لزرع الفتن والحروب بالوكالة. لإثبات صحة الوسطية لنعدْ أربعةَ عقود حيث الثورة الخمينية والتي أتت تحت أعين الغرب لأهداف بعضها انتفى وبعضها مستمر، استُغل أيما استغلال في زرع الفتن والترويج لفكر ظلامي أوقف التنمية، وأدخل المنطقة في صراع لن تستفيد منه إيران، بل هي مطية سيحين الوقت لتخلص منها حيث ستكون قد أنهت مهمتها. لو تخيلنا أن هذه الثورة قُوبلت بوسطية وحداثة وتمكين المرأة، فهل كانت الخمينية ستنجح، أو للدقة نجحت في دمار بعض الدول العربية؟ لا أعتقد هذا؛ لذا فتبني بلاد مهبط الوحي وقبلة المسلمين للوسطية سيقفل باب استغلال الدين، وسيكون له أثر عظيم في العالمين العربي والإسلامي، وأيضًا سيجعل للمسلمين دورًا عالميًا ضمن ثوابت الدين، وقبولًا عالميًا من حيث استيعاب غير المسلمين في ديار المسلمين، وكذلك التعايش مع غيرهم كما في أوروبا وأمريكا. التغير الاجتماعي الآخر والمهم هو تمكين المرأة ودخولها معترك الحياة في بناء الوطن. الموضوع ليس حرية المرأة وحقوق المرأة، وهذا ليس موضوع نقاش، ولكن الموضوع هو أثر تمكين المرأة هو تطور المجتمع فكريًّا وعمليًّا، حيث التكامل الطبيعي للمجتمع وإنتاجيته.

الحرب اقتصادية، وكل هذه الأمور توحي بمشروع وطني يتحدى دولًا منافسة إقليميًّا، ويسمو بالمملكة لأخذ دور متمكن وقوي في الساحة الدولية. شئنا أم أبينا فنحن أهل رسالة، وعلينا المحافظه عليها بالعودة إلى أخلاق الدين وقوانين معاملاته في مناحي الحياة. رسالتنا هي  القدوة الحسنة، وهذا ما نشر الدين وليست الأساليب الأخرى، والتي أدت إلى ما أدت إليه.

كيف ندافع ونحمي مشروعنا الوطني وهو يمثِّل وطنًا ودولةً، يتمثل في القيادة والشعب والأرض والمقدسات؟

ذكرت أننا أمة تحمل رسالة، فهذه ركيزة مهمة مع ما ذكرت من آليتها، وهي الوسطية؛ لذا هي آلية لمقصد الرسالة، وبنفس الأهمية كسب الشعوب لجانبنا بغض النظر عن القيادات، وبما أننا نملك مشروع الرؤية بما يحوي من تحوُّل اقتصادي واجتماعي، فلقد حان الوقت للتدرُّج في التحوُّل السياسي الشعبي من خلال تفعيل المجالس البلدية والمحلية وربطها بآلية مع مجلس الشورى كي يتم استيعاب آراء الناس، والمساعدة في تحسين الأوضاع الخدمية، وعلى رأسها التعليم إلى الأفضل بما يتناسب مع طموحات الرؤية في الإنتاجية وتعدد مصادر الدخل، هنا تقوية الجبهة الداخلية، وعالميًّا بتفعيل النشاط الدبلوماسي أكثر من خلال السفارات؛ بنقل ما يجري في وطننا من تجديد وتعريف العالم بأهمية المملكة في الاستقرار الاقتصادي عالميًّا والأمني في مكافحة الإرهاب.

مع كل هذا فلا مناص من الاعتماد على أنفسنا وبناء قوتنا الذاتية، ولا ينتقص هذا من تقوية علاقاتنا الدولية التقليدية المعروفة، والانفتاح على دول لها تأثيرها في الساحة الدولية. إقليميًّا يجب العمل على تصفير أو تقليل الخلافات والصراع ما أمكن إلى ذلك سبيلًا، فنحن في مرحلة بناء دولة حديثة. الحقيقة أن مع القوة الكل سيخطب وِدَّك، وَسَتَقِلّ الخلافات تلقائيًّا.

¤     المداخلات:

الموقف السعودي المتأني والحكيم في مواجهة الأزمة:

يرى م. محمد الشهري أن جميع ما ذُكر في الورقة الرئيسة وفي التعقيب عليها يعكس تشخيصًا واقعيًا، وسردًا لأحداث حصلت ومواقف تمت، وهذه جميعها من الأهمية بمكان لوضع تصوُّر لما يجب اتخاذه للخروج من هذه الحالة التي تكررت عدة مرات، وما يجب علينا البدء في تأسيسه لتجنُّب حدوث هذا الوضع الإعلامي.

لا شك أن الموقف السعودي الصلب والمتأني والحكيم لمواجهة هذه المآزق والمواقف الصعبة والمعقدة أثمر بالخروج منها- ولله الحمد-بسلام وقوة، ولكن هذه المواقف السياسية الإيجابية يجب أن يوازيها نهج وقوة إعلامية تظهر الكيان (السعودية) وقيادته ومجتمعه بالصورة التي فعلًا يستحقها، ويعكسها على كافة الأصعدة.

نعم، الهدف هو (السعودية الجديدة):

ذكر م. أسامة الكردي أن No More Mr. Nice Guy !! هذا هو عنوان مملكتنا الحبيبة حاليًّا، نعم، الهدف هو (السعودية الجديدة) التي أبهرت العالم بلعب دورها الحقيقي في العالم. الدور السياسي والاقتصادي والعسكري (التحالف الإسلامي والتحالف العربي)، وحتى الرياضي في موسكو، وفوق ذلك أصدرت رؤيةً مبهرة تدعم هذا التوجه، وتتابع تنفيذها بدقة منقطعة النظير، وبطبيعة الحال هذا لم يرق لأعدائها والمستفيدين من سياساتها السابقة، فقاموا بتخطيط جهنمي لوضعها موضع السؤال، ولم تصدق معظم وسائل الإعلام والدول العدوة ظهور هذه الفرصة حتى استغلوها أبشع الاستغلال، حتى أنهم خالفوا كافة أخلاقياتهم (إن وُجدت فعلًا) بالهجوم على المتهم قبل أن تثبت إدانته، ولكن هكذا هو الإعلام الموجه والمغرض، ولكن جزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي، وهناك عدة دروس تُستفاد من هذه الأحداث:

أولًا: المقدرة السعودية الفائقة في التعامل مع أزمات العلاقات الخارجية، والابتعاد عن الإثارة إلى اتخاذ القرارات الصحيحة الهادئة، والتي من مظاهرها مكالمة الملك سلمان مع أردوغان، وموافقة المملكة على دخول الفريق المشترك إلى القنصلية ومنزل القنصل.

ثانيًا: ضرورة إعداد قائمة سوداء بالوسائل الإعلامية والشركات ورجال الأعمال بل والحكومات، على أساس موقفها من هذه الأحداث.

ثالثًا: الحاجة إلى تطوير إعلامنا لرفع مقدرته بشكل عام، وللتعامل مع الأحداث الطارئة بشكل خاص، بما في ذلك القناة الثانية الموقوفة حاليًّا، بل وإنشاء قنوات بلغات متعددة.

 رابعًا: كان النقد الدولي شديدًا علينا لغياب المتحدثين دوليًّا عن المملكة ومواقفها، وقد كان من اللازم أن يتم الاعتماد على مؤسسات المجتمع المدني السعودي لهذا الغرض، بحيث تنقل الأفكار بدون التزام الحكومة بها، ومثال ذلك مقالة تركي الدخيل، وإن حاولت بعض الجهات وصفه بأنه الناطق غير الرسمي، ووصف قناة العربية بأنها القناة (الرسمية) للمملكة.

تذكرني هذه الهجمة علينا بمقالة لعبد الرحمن الراشد، يقول فيها: إن كل ما يقوم به ترامب حاليًّا مع الصين واليابان وأوروبا وحلف الناتو وكندا والمكسيك، المقصود به هو الصين فقط، التي ارتفع إنتاجها الوطني من 2٪ في عام 1992 إلى 15٪ حاليًّا من إجمالي الناتج القومي العالمي في المرتبة الثانية، (أمريكا إنتاجها يمثل 26٪ في المرتبة الأولى)، وأن مشروعها لطريق الحرير (البري والبحري) سيؤدي إلى سيطرتها الاقتصادية على العالم، خاصة في إطار استثماراتها الواسعة في الكثير من القطاعات بما في ذلك البنية التحتية، وفي مناطق متعددة من العالم بما في ذلك آسيا وجنوب شرق آسيا وإفريقيا. ويبدو أن السعودية الجديدة أثارت نفس المشاعر.

الجنون الإعلامي ومَنْ وراءَه:

أوردت د. الجازي الشبيكي مقالةً للكاتب خلف أحمد الحبتور* بعنوان: “مَن أو ما الذي يُحرِّك هذا الجنون الإعلامي؟” جاء بها (لا تزال التحقيقات جارية لكشف ملابسات مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، لكن وسائل الإعلام الدولية تتصرف وكأنها المدّعي العام والقاضي وهيئة المحلّفين منذ اليوم الأول، موجِّهةً أصابع الاتهام إلى المملكة العربية السعودية. يُطلق أشخاصٌ يدّعون أنهم محللون وكتّاب آراء، افتراءات مستندين إلى ما يزعمون أنها حقائق “لا لبس فيها” تُروّجها صحف تركية موالية للنظام.

بعض الروايات التي تَرِد على ألسنتهم غريبة جدًّا وكأنها خارجة مباشرة من فيلم تجسّس هوليوودي. عام 2016، اتهم رئيس تحرير الصحيفة التركية الكبرى “يني صفق” الولايات المتحدة بأنها تقف خلف المحاولة الانقلابية، وكتب أنها تُخطِّط لقتل الرئيس رجب طيب أردوغان. قلةٌ أخذت كلامه هذا على محمل الجد؛ لذلك إنه لأمرٌ غريب حقًا أنه يجري التعامل مع تقارير صحافية صادمة عن مصير خاشقجي وكأنها كلامٌ منزَّل ومنزَّه.

ما زلنا نتساءل: لماذا تتهافت وكالات الأنباء والمشترعون الأمريكيون وكبريات الشركات الدولية على إصدار الأحكام؟ يصدمني أن الكونغرس الأمريكي يمارس ضغوطًا على الرئيس دونالد ترامب لفرض عقوبات على الحليفة الأقرب لأمريكا في الشرق الأوسط.

يتردد الرئيس في فرض هذه العقوبات لاعتبارات محض مالية خوفًا من أن تعمد المملكة إلى تحويل استثماراتها ومشترياتها من الأسلحة، وقيمتها مليارات الدولارات، إلى روسيا أو الصين. لكن هذا لم يمنعه من إطلاق تلميحات سلبية وتهديدات.

لماذا تُبدي الولايات المتحدة كلَّ هذا الاهتمام بمقتل مواطن سعودي على أراضٍ غير أمريكية، في حين أنه جرى تطهير وسائل الإعلام التركية من الصحافيين ورؤساء التحرير المعارِضين، من دون أن يُثير الأمر كل هذه الضجة؟ لقد زُجَّ المئات في السجون، وفي أغسطس الماضي، فُقِد ما لا يقل عن عنصرَين سابقين في قوات الكوماندوس التركية بعد فرارهما إلى اليونان، وقد صنّفتهما الحكومة التركية في خانة أعداء الشعب، ويُعتقَد أن تركيا أقدمت على خطفهما.

لم نسمع استنكارًا عالميًّا قويًّا عندما اغتيل عبد الغني بدوي، السكرتير الثاني في السفارة السعودية في أنقرة، عام 1988، أو عندما تعرّضت السفارة الأمريكية في العاصمة التركية لهجوم شنّه انتحاري تركي عام 2013. هل يتذكّر أحدٌ اغتيال السفير الروسي أندريه كارلوف في تركيا على يد مسلّح تركي عام 2016؟ وللتذكير فقط، أعتُقِد أن رئيس الإنتربول سابقًا مينغ هونغ وي قد لقي حتفه، إلى أن أقرّت الصين أخيرًا بأنه معتقل في تهمة فساد.

على مرِّ العقود، تحدّثت روايات عدة عن أشخاص ادّعوا موتهم، أو ظهروا بعد سنوات من الإعلان عن اختفائهم، وإبداء الخشية من أن يكونوا قد أصبحوا في عداد الأموات. في وقت سابق هذا العام، اعترفت السلطات الأوكرانية بأنها دبّرت مقتل الصحفي أركادي بابشينكو الذي كان معروفًا بانتقاده للكرملين، لكنه ظهر من جديد، ما سبّب إحراجًا شديدًا للمعلقين عبر وسائل الإعلام الذين جزموا بما لا يدع مجالًا للشك بأنه قُتِل بناءً على أوامر من بوتين. وسومِحت أوكرانيا على تلفيقها أخبارًا كاذبة.

من المخزي أن يُلطَّخ اسم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن غير وجه حق، في حين أنه يقود تغييرات اقتصادية واجتماعية شجاعة لتحسين حياة الشباب والنساء في السعودية. وهو يستحق بالفعل الإشادة والثناء لأجل ذلك. من المؤسف أن تتبدّد آماله بعقد قمة استثمارية ناجحة والتي كانت مقررة في 23 أكتوبر. فقد أعلن رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم عزوفه عن المشاركة في القمة، وسحبت كل من “سي إن إن” و”سي إن بي سي” و”فايننشال تايمز” و”بلومبيرغ” رعايتها الإعلامية للقمة.

وأقلقني أيضًا ردود الفعل التي صدرت عن رجال أعمال مرموقين، منهم ريتشارد برانسون، مالك شركة “فرجين“، ودارا خوسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبر“، فقد أدار هؤلاء ظهرهم لبيئة حاضنة ومربحة للأعمال عبر إقدامهم على وقف العلاقات مع الرياض مستندين إلى تسريبات ملفّقة، الهدف منها تشويه سمعة الحكومة السعودية.

ينبغي على حلفاء السعودية في مجلس التعاون الخليجي، وكذلك مصر والأردن، أن يتكاتفوا مع الرياض كي يُظهروا لتلك الشركات أنه ليس مرحَّبًا بها للعمل داخل أراضيهم. يجب مقاطعتها. ويجب أن نثبت معًا أننا لا نقبل بأن يتم الاستقواء علينا، وإلا، سجِّلوا كلامي جيدًا، عندما ينتهون من الهجوم على المملكة، سيأتي دورنا. إنه الوقت المناسب كي نُبرهن عن ولائنا وشفافيتنا تجاه بعضنا البعض.

أصبح وجه خاشقجي الأشهر على وجه الكرة الأرضية بين ليلة وضحاها. لقد صوّرته وسائل الإعلام بأنه ناشط عظيم من نشطاء حقوق الإنسان، وبطل من أبطال الديمقراطية، وباحثٌ عن الحقيقة؛ ويصفه زملاؤه في المهنة بأنه صاحب قلب طيّب.

ويتناسى هؤلاء، عن قصد، عضويته في جماعة الإخوان المسلمين التي انضم إليها في السبعينيات، فحتى صحيفة “الواشنطن بوست” أقرّت بأنه كان شغوفًا بالإخوان فيما مضى. ويتغاضون أيضًا عن مناصرته لجماعات إرهابية في سوريا، ولتيارات تسعى إلى تثبيت دعائم الإسلام السياسي، وعن صداقته مع أسامة بن لادن.

كشف الأردني سلامة نعمات الذي كان زميلًا سابقًا لخاشقجي وصديقًا مقرّبًا له، أن سلطات عدّة اشتبهت بامتلاكه صلات مع جماعات متطرفة، منها القاعدة. ينقل لورنس رايت، في كتابه The Looming Tower، عن خاشقجي قوله عن الإخوان: “كنا نأمل بإقامة دولة إسلامية في مكان ما. كنّا نعتبر أن الأولى ستقود إلى الثانية وهكذا دواليك، وأنه سيكون للأمر مفعول الدومينو الذي يمكن أن يُغيّر تاريخ البشرية”. وقد حملت إحدى مقالاته التي نشرتها صحيفة “الواشنطن بوست” مؤخرًا العنوان الآتي: “الولايات المتحدة مخطئة بشأن الإخوان…”.

علاوةً على ذلك، التركية خديجة جنكيز التي تقول عن نفسها إنها خطيبة خاشقجي، هي من أشد المنتقدين للسعودية، كما أن حساباتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر دعمها لقطر و”الإخوان المسلمين” وعرّاب الإخوان التركي، رجب طيب أردوغان. وقد نشرت على صفحتها على موقع “تويتر” صورة لخاشقجي مبتسمًا وهو يصافح الرئيس التركي. إشارة إلى أن أسرة خاشقجي أنكرت أي معرفة بها.

أناشد بقوة الرئيس ترامب والآخرين في إدارته التروّي قبل استقبالها بحفاوة في البيت الأبيض. فمصداقيتها معدومة بانتظار التحقق من صدق مزاعمها. غير أن صحيفة “الواشنطن بوست” أفردت لها مساحات عبر صفحاتها لتناشد ترامب، في مقالات بقلمها، كي “يسلّط الضوء” على مقتل خاشقجي.

الحادثة الغريبة، وعلى وجه الخصوص ردود الفعل العنيفة التي شهدناها من الولايات المتحدة والعديد من حلفائها الغربيين، ضربٌ من ضروب المكائد السياسية. لقد شُرِّعت الأبواب أمام كارهي المملكة المعروفي الهوية كي ينشروا نصف الحقائق والأكاذيب المؤذية فيما يتزلّفون لواشنطن.

ماذا وراء الأكمّة في كل ما يجري؟ لست من أنصار نظريات المؤامرة، إنما من الواضح تمامًا أننا أمام مؤامرة لإضعاف السعودية وحلفائها الخليجيين في محاولة لإخضاعهم. أشتبه في أن هناك مخططًا وُضع منذ وقت بعيد، ويجري العمل على تنفيذه الآن بهدف تدمير اقتصاداتنا أملًا في أن نرضخ ونتحوّل دولًا تابعة ومذعِنة. مَن هي الجهة التي تمارس تأثيرًا على قطر كي لا تستأنف دورها المُحق كدولة خليجية شقيقة مثلًا؟ ثمة مَن يلجؤون إلى حيَل قذرة وشائنة لدفعنا نحو أسفل السلّم، وكلما أسرعنا في التنبّه للخطر المحدق بنا والدفاع عن أنفسنا، كان هذا أفضل.

بالأمس كانت السعودية تتنعّم بصداقة الولايات المتحدة. اختفى شخصٌ واحد، فباتت الرياض هدفًا للتحذيرات والتهديدات من قطاعات السياسة والمال والأعمال في أمريكا. أليس في الأمر قدرٌ كبير من الغلو والمبالغة؟!

ثمة حلٌّ واحد لا غير. لم يعد بإمكاننا التعويل على المصافحات الغربية التي سرعان ما تتحول إلى صفعات على الوجه. يجب أن ننهض بمسؤولية الدفاع عن أنفسنا، ما يستدعي إنشاء جبهة قوية وموحّدة. والخطوة الأولى هي أن تبادر السعودية والإمارات العربية المتحدة وشقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي، من أجل إنشاء لجنة تنفيذية للشؤون السياسية والاقتصادية، مهمتها أن تعمل على تعزيز مصالحنا في الخارج، وأن تراقب من كثب ليس أعداءَنا وحسب بل أيضًا أصدقاءنا المنافقين.

 ضعف خطابنا الموجَّه للخارج:

يرى أ. فهد القاسم أن إعلامنا وأدواتنا الإعلامية ضعيفة جدًّا حين تخاطب المواطن، وهي في حالة أضعف بكثير تقارب الهزال حين تخاطب الخارج؛ لذلك نقع في إحراج في كثير من قضايانا الخارجية، خاصة تلك التي يجب أن تظهر بشكل مهني ومستقل وعادل. وأبسط مثال على ذلك خطابنا للغرب في المقال الأخير للأستاذ تركي الدخيل، والذي هو من هو في منصبه كمسؤول عن أكبر منظومة إعلامية تساند السعودية.

عند استعراض أسماء المسؤولين الذين يجيدون التحدث للغرب، نجد عددًا قليلًا جدًّا، ولا أجد فيهم مَن يجاري وزير خارجيتنا المبدع عادل الجبير، والذي لم أسمع له شيئًا في هذه الأزمة.

خارطة الطريق التي نحتاجها يجب أن تصبُّ في هذا الطريق، ولنتذكر أن أصدقاء الدراهم سيتبعون مَن يدفع أكثر، والأصدقاء الحقيقيون نحتاج وقت لبناء صداقات وولاءات معهم. وفي كل أزمة سنجد أن هناك مكاسب يمكن تحقيقها.

إستراتيجية حديثة وفعالة للإعلام السعودي:

أشار د. راشد العبد الكريم إلى أنه قد بان الصبح حتى “لغير” ذي عينين، واستبان أن القضية ليست الخوف على حياة خاشقجي– أحسن الله عاقبته -بقدر ما هي الحرص على موت السعودية، وليس الرغبة في حياته بقدر ما هي الرغبة في موت الحلم العربي السعودي.

كشفت هذه الأزمة عوارًا كثيرًا، وأنبأت عن خلل كبير، يجب أن لا نحسبه شرًا، بل هو خير، فقد ظهر عيانًا مَن هو الصديق ومَن هو العدو، وصار ملموسًا ما كان متوجسًا ومظنونًا، ولم يبق إلا العزم والتوكل والعمل.

أفادت هذه القضية أن إعلامنا يعاني قصورًا وظيفيًّا، على مستوى الكفاءات وعلى مستوى الأداء. فلولا لُطف الله بتوفير بعض اجتهادات الآلة الإعلامية للتواصل الاجتماعي، لكان الأمر مريعًا. فالهجوم على السعودية كان ضخمًا، وسبق ورُصّت له الصفوف، ودُبِّر بليل أسود بهيم، كسواد وجوه وتأريخ أصحاب تلك الأجندات. وكان يسير ضمن إستراتيجية إعلامية ودعائية دقيقة ومنسقة، وينبئ –وهو الأخطر– أن هناك ما هو أشد يُحاك في الخفاء، أو ممكن أن يحاك. هذا يستلزم أمورًا: أولها وأهمها تمتين الجبهة الداخلية، و”العودة للأسس” والالتفاف حولها، فالصراع صراع وجودي.

كما يقتضي إيجاد إستراتيجية إعلامية حديثة وفاعلة، تقوم على وضع غايات بعيدة المدى، وخطط متدرجة محكمة، وإعداد إعلاميين أكفاء ومؤهلين فكريًّا ومهاريًّا، يسندهم مراكز بحث ومعلومات توفِّر المعلومة اللازمة في الوقت المناسب، وتضع الإستراتيجيات لمواجهة الأزمات الإعلامية.

يجب أن تركز هذه الإستراتيجية على الخروج من “الحديث مع النفس” الغارق في اللغة التمجيدية، التي لا يستفيد منها في النهاية أحدٌ، إلى الحديث مع الآخر القائم على الطرح الواقعي والإقناع العقلي، والحديث مع الذات القائم على التأمل والنقد والرغبة في التصحيح.

يجب أن يُستقطب الأكاديميون والمتخصصون، ويُفرَّغ من يوجد فيه كفاءة منهم، ولا يُكتفى بالفارغين من ذوي العلاقات بالدوائر الإعلامية. السعودية لا تمتلك الآلة الإعلامية اللائقة بها، وإن امتلكت بعض أدواتها فهي لا تتحكم فيها بفعالية.

علقت على ذلك د. ريم الفريان بأنها تتفق مع د. راشد حول أهمية وجود إستراتيجية إعلامية موجَّهة بلغات مختلفة ليس فقط العربية. ملاحظاتي البسيطة على تويتر فقط أن التفاعل بالعربي أكبر من المغردين، والساحة متروكة للمضللين باللغة الإنجليزية.

بينما تساءل د. مساعد المحيا: كيف يمكن إقناع وسائل الإعلام بعدم الإفراط فيما أسماه د. راشد بذوي العلاقات بالدوائر الإعلامية لينشطوا في البحث عن الكفاءات المهنية المتخصصة؟ علمًا بأن معلوماتي ترحيب وسائل الإعلام بكثير من المشاركين لمناقشة هذه القضايا، لكنها تجد الكثير من العنت منهم؛ ولذا يحبون القريبين منهم لسرعة استجابتهم؛ أحدهم من ذوي الوجوه المكررة في المحطات ذات مرة كان في السوق هو وزوجته فهاتفته المحطة فخرج وترك زوجته في السوق ليلتحق بالمحطة ويشارك في البرنامج.

إعلامنا، وإعلام الخصوم:

ذكر د. خالد الرديعان؛ ما أفهمه من المناقشات هو إلقاء اللوم على الإعلام سواء المناوئ لسياسة المملكة وذلك على فجوره وتَجَنّيه، والإعلام المحلي على تقصيره وعدم قدرته على المواجهة وتبيان مواقف المملكة.

الإعلام الأول (الخصوم) لا يمكننا إيقافه أو التحكم في مادته وما يبثه ولاسيما أن بعضه إعلام عُرف بالخبرة الطويلة والقدم، ومن ذلك مثلًا BBC  وبعض المحطات والقنوات الأوروبية. وفي العالم العربي هناك قناة الجزيرة التي يعدُّها كثير من العرب قناة موثوقة وموضوعية، حيث استطاعت أن تَنْفُذ إلى وجدانهم رغم كل الأكاذيب والتلفيقات التي تقوم بها ليل نهار. روسيا اليوم RT بتقديري المتواضع كانت هي أقل القنوات تحيزًا في هذه المسألة، وحاولت قدر المستطاع أن تكون موضوعية، وأن تعتمد على مصادر رسمية للخبر، بحيث نحّت جانبًا التحليلات الاستباقية والسيناريوهات المرعبة التي رسمتها قناة الجزيرة، وتلقفتها عنها بقية القنوات.

هذا الإعلام لا نستطيع أن نفعل حياله شيئًا إلا إذا جاز لنا دعمه ماليًّا إن كان ذلك مقبولًا وممكنًا، وذلك بصورة مبلغ سنوي؛ فالغاية هنا تبرر الوسيلة، فكما نشتري الأسلحة فإننا نستطيع شراء سلاح الإعلام كذلك. المعركة قذرة ولا يجوز توفير أي سلاح ممكن لخوضها وكسبها.

وفيما يخص الإعلام الآخر وأقصد بذلك إعلامنا الذي لم يقم بدوره، فإن هذا الإعلام حالة ميؤوس منها؛ فهو بحاجة إلى تغيير هيكليته جذريًّا، كأن تتم خصخصته لإخراجه من بيروقراطية الحكومة، مع إعطائه مساحة أكبر للتعبير والحركة، وتخصيص دعم سنوي له (حتى مع خصخصته) لكي يقوم بدور فاعل ونشط في مثل هذه الأزمة وغيرها.

أيضًا لابد من وجود وكالة أنباء موازية لوكالة الأنباء السعودية (واس) تكون متحررة من بيروقراطية الإعلام القديم. ويمكن بهذا الصدد تطوير صحيفة “سبق” الإلكترونية لتكون وكالة أنباء موازية.

ولأن هذا المقترح بعيد المنال كما يبدو، فإنه يمكن الإفادة مما هو قائم ومتاح، وأقصد بذلك “قناة العربية” ومجموعة mbc عمومًا، وكذلك قنوات روتانا وهما مجموعتان سعوديتان، بشرط التخلي عن التصنيف السلبي لقناة العربية أو الاعتقاد أنها ليست في صف الحق العربي.

هذه القنوات موجودة وقائمة، ويتوفر بها طواقم احترافية إلى حد كبير، وبالتالي يمكن دعمها والإفادة منها بصورة تمكنها من مقارعة القنوات والمحطات الأخرى.

من جانبه يرى د. مساعد المحيا، يبدو أن الإعلام اليوم لا ينفك عن المصالح العليا لمَن يمتلكه، وما أشير إليه بشأن روسيا اليوم هو فيما يظهر جزء من طبيعة المواقف الروسية الرسمية تجاه القضايا التي ترتبط بالمملكة، إذ ثمة تأنّ روسي في إبداء الرأي أو اتخاذ أي موقف، وهو ما يختلف عن بعض المواقف الأوروبية.

محاولة للنيل من المملكة “حسدًا”:

ذهب د. مساعد المحيا إلى أنه يفهم أن هناك قوى إقليمية تحاول أن تنال من المملكة حسدًا مِن عند أنفسهم، ولكني لم أفهم لماذا ينزعج الغربيون من مشروع المملكة الجديد.

يعتقد أ. محمد الدندني أنهم ينزعجون لأمرين، الأول: لا يعجب الغرب عمومًا أن نكون منتجين، وأن نكتفي ذاتيًّا، وبالذات في المنتجات المهمة والإستراتيجية، فيهمهم أن نكون شعبًا مستهلكًا.

والثاني مرتبط بالأول، فنجاحنا في التصنيع وبالذات في الصناعات المهمة، وأن نكون مجتمعًا منتجًا سيقوي دورنا الإقليمي والدولي، وهذا مقلق، فالمملكة ليست دولة ترتكز سيادتها في نطاق حدودها السياسية، بل تتعداها لما لها من أهمية لدى العالم الإسلامي وأيضًا العربي، بغض النظر عما يمر به العالم العربي الآن. المملكة تملك مقومات مشروع إقليمي وقيادي من الممكن أن ينتج عنه تكتل اقتصادي وسياسي له دوره وقيمته.

الأزمة وإعلام الإثارة والكذب:

أشارت د. الجازي الشبيكي إلى أن المضحك المبكي على حال إعلام الإثارة والكذب والتدليس وافتقاد المهنية، تدل عليه الصورة التي ظهرت على الجزيرة مباشر، والتي  ثبتت كاميراتها على مقر القنصلية السعودية في تركيا، إلى الدرجة التي جعلتها تكون في وضعية موازية لما يجري من أحداث في غزة في فلسطين!

وقد ظهر مرة خبر عن غزة حقيقي وماثل أمامهم، ومرة خبر افتراضي عن  أحداث مقتل جمال خاشقجي، فالخبران كلاهما متوازنان حسب وجهة نظرهم. وأتساءل: هل هذه مهنية إعلامية؟

أبناء الوطن وصناعة التغيير في المشهدين الاقتصادي والإعلامي:

ذكر م. أسامة الكردي أنه منذ ما يزيد عن 20 عامًا كان لمجتمع الأعمال (رجال وسيدات) صوت واضح ومنظم في القضايا السياسية الدولية وبتشجيع من الحكومة، بل وبتمويل مالي جزئي منها، باعتبار أنهم جزء من المجتمع المدني. وتمَّ تشكيل مجموعة لهذا الغرض تتابع القضايا السياسية الدولية المؤثرة على المملكة، وتنظِّم وتستقبل الوفود، وتنظِّم الندوات والمؤمرات الدولية، وتعد الدراسات لدعم مواقف المملكة خاصة في الغرب. ومع مرور الوقت وتغير المسؤولين انخفض هذا الدور انخفاضًا شديدًا منذ 10 سنوات؛ لعدم إدراك بعض المسؤولين الدور المهم الذي يلعبه المجتمع المدني.

بعض أسباب تفاقم أزمة خاشقجي:

في تصوُّر د. رياض نجم، يبدو أن تفاقم أزمة جمال خاشقجي يرجع إلى سببين رئيسين:

– بطء الرد الرسمي على اتهامات الإعلام الكاذب للمملكة، وإعطاء ولو قدر محدود من البيانات والحقائق. وكم كنتُ أتمنى أن تصريح المصدر المسؤول القوي الذي صدر أمس، صدر هو أو ما يشبهه في بداية الأزمة.

– الشلل الذي أصاب وسائل الإعلام السعودية التقليدية وعدم قدرتها على التعامل مع الأزمة. وهذا موضوع ذو شجون يحتاج إلى أن يكون قضية أسبوع، ليس بسبب قصوره في التعامل مع هذه الأزمة فقط، ولكن لأسباب أخرى كثيرة.

كما أنني أتفق مع د. عبد الله الحمود حول أهمية عدم اقتصار وسائل الإعلام الرسمية على الحصول على الأخبار من وكالة الأنباء السعودية وإعطائها قدرًا من الحرية.

الإعلام المعاصر وتوظيف الكذب:

أوردت د. الجازي الشبيكي تغريدةً حول فيديو الكويتي “الشليمي” الذي يتساءل عن الإعلام المقدم من خلال قناة الجزيرة، هل يمثل أبناء قطر، وهو الذي يديره مجموعة من مختلف الجنسيات الأجنبية لشتمنا وتزوير الحقائق؟! وذكرت أنها تتفق معه في غياب المواطن القطري عن قناة الجزيرة، وتختلف معه في تخصيص مناشدة القبائل، وليته اكتفى باستغرابه افتقاد المواطن القطري فقط.

من جانبه أكد د. مشاري النعيم أن الإعلام المعاصر مبني على توظيف الكذب لصنع التاريخ، وهذا ليس بجديد، بل إن المتخصصين في النقد التاريخي تحدثوا عن كيف يمكن تحويل الأكاذيب إلى حقائق تاريخية.

وأضيف؛ إن نقد قناة الجزيرة غير مجدٍ؛ لأنها لن تتورع عن الكذب، لكن وبصراحة شديدة يُفترض أن نصنع قناة أكثر كذبًا من الجزيرة طالما أن العالم لا يؤمن إلا بفبركة الحقائق لا الحقائق نفسها.

علق د. مساعد المحيا: في تقديري الشخصي، إن قناة الجزيرة اليوم وهي تبحث عن الأنباء أو تختلقها (كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث). هي تسعى للوصول لأهداف معينة، وفي سبيل ذلك تمارس إستراتيجية الضخ الإعلامي، التي تقود لتضليل الكثير من الرأي العام، مستفيدةً من تاريخ طويل من الأداء الإعلامي الإخباري. وأتساءل: هل تستطيع أي قناة جديدة أن تواجه هذا الضخ الإعلامي؟ وكيف؟ لا سيما ونحن نجد إعلامنا الرسمي والخاص لم يكن بحجم الآمال والطموحات.

ذكر د. رياض نجم أنه لا يظن أن الكذب يُعالج بكذب أكبر، بل بتبيان الحقيقة. وأضاف د. مشاري النعيم أنه في عالم اليوم لا يعتقد ذلك، فالمهارة في كيف تجعل الكذب يبدو حقيقة. مفهوم الأخلاق المهنية في الإعلام سائلة وتتشكل حسب الحاجة. وحسب ما أراه في وسائل الإعلام ومنذ فترة طويلة أن مسألة ترويج الحقيقية هي مسألة نسبية، وكلٌّ ينظر من زاويته، وبالتالي فإن الحقيقة المجردة غير موجودة. إلا أن أ. فهد القاسم لا يتفق مع ذلك، حيث إنَّ المهارة المقبولة إعلاميًّا هي أن تنتقي الجزء الذي تريد ترويجه من الحقيقة. لكن الكذب لا يليق بالشرفاء.

كما أكد د. راشد العبد الكريم أننا لسنا بحاجة للكذب، فالمعلومة الصحيحة في وقتها، والطرح الواضح المنطقي كفيلان بدحض إعلام الأكاذيب.

غياب الإعلام الرسمي عن قلب الأحداث:

تساءلت د. الجازي الشبيكي: مَن يتفق مع الإعلامية ناهد باشطح، التي غردت: (أين مراسلو قنواتنا الفضائية والرسمية؟ أين مراسلو صحفنا؟ مراسلو قناة الجزيرة في إسطنبول لا يفارقون مبنى القنصلية السعودية هناك… الناس تريد أن تعرف الأخبار، وإعلامنا بعيد عن قلب الحديث؛ مما يترك للناس فرصة اللجوء للإعلام الآخر المعادي، لمعرفة الأخبار وإن كانت مزيفة).

علق أ. محمد الدندني بأنه يرى أنها على صواب. أما د. خالد الرديعان فإنه ذهب إلى أن دور تركيا ملتبس في هذه القضية. ما يجب التركيز عليه إعلاميًّا هو ضرورة الضغط على الأتراك لتقديم الأدلة المزعومة التي بحوزتهم حول مقتل خاشقجي، وهي مزاعم روجوها مع قناة الجزيرة منذ بداية الأزمة، فالبينة على مَنْ ادعى.

ذكر د. عبد الله بن صالح الحمود، أنه عند ظهور الحقائق سيكون الرد أكثر مما يتوقع البعض. وليس بالضرورة أن نفعل ما فعلت الجزيرة، نحن شركاء في القضية؛ لذا لا أعتقد أن يكون إعلامنا حاضرًا بذات الشكل والطريقة. بينما يرى د. مشاري النعيم أنه إذا لم تظهر النتائج، أو كانت النتائج لا تصبُّ في مصلحتنا، فالإعلام أداة لتشكيل الصورة الذهنية، ومن له حيلة فليحتلْ. نحن أمام أزمة حقيقية، وفي الحرب تُستخدم كل الأسلحة الممكنة بذكاء. ويعتقد د. عبد الله بن صالح الحمود أن المحادثة الهاتفية التي جرت بين خادم الحرمين الشريفين والرئيس الأمريكي، قد أزالت الشكوك.

من جانبها ترى د. وفاء طيبة أنه من المهم أن تكون لدينا إستراتيجية إعلامية مرتبطة بسياسة وأهداف الدولة، وتعبِّر عنها أولًا. ومن ضمن ذلك التعبير باللغات الأخرى، وأيضًا من ضمنها خطة للطوارئ في هذا الحجم (وإن كان كثيرًا من الإعلام يعتمد على الطوارئ)، لكني دائمًا أشعر أن الإعلام بدون إستراتيجية أو سياسة موحدة وهدف واضح، وكثيرًا ما يخطئ الإعلام في الجري وراء الحدث في أحداث أقل أهمية من حدث خاشقجي، ولكنه لا يقيس أثر هذا الفعل على المجتمع كما يحدث في كثير من القضايا الاجتماعية. وفي الوقت نفسه يختفي-كما ذكرت الإعلامية ناهد-في أحداث مهمة مثل هذه.

المغردون باللغة العربية-في رأيي- يكسبون جزءًا كبيرًا ممَّن أُطلق عليهم في هذا الحوار (المنطقة الرمادية)، ونعم، نحتاج لإعلام تقليدي وحديث باللغات الممكنة، كما يجب تطبيق النظريات الإعلامية التي قرأنا عن بعضها في هذا الحوار والمرتبطة ارتباطًا قويًّا بعلم النفس الاجتماعي، فما تقوم به القنوات التلفزيونية المؤثرة هو التأثير على فكر وعواطف المتلقي، وهذه صناعة نفسية أعتقد أننا لا نتقنها. ونحن لا نريد أن نكذب كما يفعلون، ولكن أن نؤثر بالحقيقة.

(إعلامنا) والمقصود منه:

فيما يتعلق بأهمية استصحاب مجموعة من الركائز الأساسية في سياسة المملكة، تساءل د. مساعد المحيا: لماذا لا يعمل إعلامنا على صناعة مواد مرئية تتضمن ذلك وتبرزه؟ ماذا نحتاج؟ وماذا ينقصنا؟

علق أ. إبراهيم سنان: أظنُّ أننا يجب أن نفهم كلمة (إعلامنا)، هل نقصد الجهات الحكومية الإعلامية، أو كل مَن يمارس مهنة الإعلام سواء بشكل مستقل كفرد أو مؤسسة؟ فالأخيرة لديها برامج ومبادرات وإمكانيات تُشكر عليها، كل ما تحتاجه هو توجيهها وتغذيتها بالمواضيع والنقاط التي تتناسب مع كل وضع سياسي جديد. من تابع معرف سين @seeon على تويتر سيجد أنه يقوم بكل ما نقترحه هنا، ومن تابع برامج جسور في الولايات المتحدة الأمريكية وجولاتها التعريفية بالمملكة، وهي مبادرة عن مركز إثراء التابع لأرامكو، سيجد أيضًا الكثير مما نطمح له وننتظره من إعلامنا. القنوات الرسمية يجب أن لا ننتظرها، فهي مقيدة ولها واجبات إعلامية محددة، وهامش الخطأ فيها ضيق بعكس الإعلام الفردي والمؤسساتي الخاص.

دائمًا أحبُّ في كل نقاش أن نفكك المصطلحات ونتفق على معناها، فما هو (إعلامنا)، هل قناة العربية تدخل في إعلامنا؟ هل الصحفيون السعوديون في المنصات الإعلامية غير الحكومية يدخلون في كلمة (إعلامنا)؟

ترى د. فوزية البكر أن مؤسساتنا الإعلامية الرسمية لا يمكن لومها في هامش المساحة الضيق جدًّا الذي تتحرك فيه؛ لذا يجب التوقف عن لومها. ويعتقد أ. جمال ملائكة أن قناة العربية هي مِن إعلامنا. كما أنني أرى أن أي وسيلة إعلامية ولو كانت خارج المملكة ولكنها تتابع قضايانا وتدافع عنا وعنها، فهي وسيلة إعلامية تابعةٌ لنا.

ويرى د. مساعد المحيا أنه في مفهوم الملكية، نتحدث عن الإعلام الرسمي  والإعلام الخاص والإعلام المختلط، أو نتحدث عن التمويل، فيكون هناك إعلام حكومي وإعلام سعودي. وذهب أ. فهد القاسم أن قناة العربية اختارها سمو ولي العهد حين أراد مخاطبة الشعب السعودي حول الرؤية، دون القنوات الرسمية التي نقلت المقابلة على الهواء. وكان الذي أجرى المقابلة تركي الدخيل؛ لذا في رأيي أن قناة العربية رسمية مثل الإخبارية. بينما أ. إبراهيم سنان لا يعتقد أن سموه كان يريد مخاطبة الشعب السعودي فقط، بل بالعكس كان يريد إخبار العالم عن السعودية الطموحة التي نعيشها اليوم.

ما أخاف العالم من السعودية:

ذكر م. أسامة الكردي؛ أنه يرغب في أن يعيد الحوار إلى موضوعه الأساسي، وهو (السعودية الجديدة)، وكيف أن مواقفنا وأعمالنا ورؤيتنا أخافت العالم من (صين جديدة)، حتى لو بالغت. وأستعرض هنا الخطوات التي اتخذتها المملكة للتحوُّل إلى (السعودية الجديدة)، لعل يكون فيها بعض الفائدة في تعرفنا على أعدائنا المتخفين: (التنسيق البترولي مع روسيا- الصواريخ الدفاعية الروسية- رؤية 2030 وقوة خطوات التنفيذ – تطوير هيئة الصناعات العسكرية-إنشاء شركة التصنيع العسكري “سامي”- رفع نسبة مشتريات القطاعات العسكرية من السوق المحلي إلى 50٪ -مشروع نيوم عالي التقنية- مشروع البحر الأحمر السياحي-مشروع القذية الترفيهي- أقوى سلاح جوي في المنطقة- تطوير العلاقات مع الصين-صندوق سوفت بانك الاستثماري- تطوير صندوق الاستثمارات العامة-إنشاء وزارة وهيئة الثقافة- إنشاء هيئة الترفيه-المجالس والانتخابات البلدية)، وغيرها كثير… ولهذه الأسباب يخافون منا خوفًا شديدًا. ما نحتاج إلى إضافته إلى هذه القائمة هو تطوير جمعيات المجتمع المدني، وتطوير الإعلام.

مع اتفاق د. مساعد المحيا مع هذا الطرح، إلا أنه يرى أن مشروع السعودية الجديدة يقوم في غالبه على مشاركة أمريكية في كثير من برامجه، فلماذا يقف عدد من الأمريكيين ضد ذلك؟

علق م. أسامة الكردي بأنه التخوف من استغنائنا عن الكثير من مشترياتنا منهم، واعتمادنا على أنفسنا مما يقوي مواقفنا السياسية. ولا ننسى أن معظم مواقف الإعلام الأمريكي موجَّه نحو ترامب أكثر مما هو موجَّه لنا، خاصة مع قرب انتخابات الكونجرس النصفية التي يرى الكثير في أمريكا أنها فرصة للتخلص من ترامب إذا تحكم الديموقراطيون بالكونجرس أو أحد مجلسيه. وهذا واضح بشكل كبير في قناة سي إن إن.

في هذا السياق، تساءلت د. مها العيدان: لماذا كثرة ترديد كلمة السعودية الجديده تخيفهم؟ وكيف؟ أخشى أن نعود في تفكيرنا إلى نظرية المؤامرة. لابد أن ندرك أن قوتنا تنطلق من سيطرتنا على مصادر الطاقة، وهي الجانب المهم بالنسبة للغرب؛ لذا لا بد من التركيز على هذا الجانب، وكيفية استغلاله سياسيًّا واقتصاديًّا.

من جانبه يرى م. أسامة الكردي أن المملكة تجنبت طوال العقود الماضية استخدام النفط كسلاح ما عدا في حرب 73 ويرى بعض الساسة في الغرب أن البيان الأخير للمملكة فيه تنبيه إلى إمكانية استخدامنا له لو وقعت علينا عقوبات، وقد كان بيانًا موفقًا كثيرًا. وأنا أرى أن هناك محاذير متعددة من استخدام النفط كسلاح إلا في أقصى الظروف.

قضية خاشقجي معركة إعلامية:

أشار د. زياد الدريس إلى أننا تعرّفنا (في الوطن العربي) على نمط الحرب الإعلامية عن طريق (بشائر) أحمد سعيد في حرب 67، ثم مع (تهاويل) سعيد الصحّاف أثناء الحرب على العراق. ومع الثورة الرقمية الجديدة اكتشفنا أنَّ ما فعله سعيد والصحاف حينذاك أقل بكثير من أن يُسمَّى (حربًا) أمام حجم الحروب الإعلامية الراهنة. ليس هذا فحسب، بل حتى أخبار سعيد والصحاف لا تستحق الآن أن تُسمَّى (أكاذيب) أمام حجم الأكاذيب التي يصنعها الإعلام الجديد.

ليست قضية جمال خاشقجي أول معركة إعلامية ولن تكون الأخيرة التي تخوضها المملكة ضد أعداء شرسين مدجّجين بأسلحة ميكروفونية: متقدمة، ودقيقة، وتصل ذخيرتها لمسافات بعيدة.

تحولت الحروب العسكرية من استخدام الأسلحة التقليدية إلى الأسلحة المتطورة، وتحولت بالمثل الحروب الإعلامية من استخدام الأسلحة التقليدية إلى الأسلحة المتطورة. ومَن لا يزال يستخدم الأسلحة التقليدية، أيًّا كانت معركته، فإنه سيكون غيرَ قادر على حسم المعركة لصالحه.

يُصاب الإعلام عادةً بوباءين، هما: الكذب، والبذاءة. ومن المفارقة الطريفة، أن الكذب لا يُفقِد الوسيلة الإعلامية مصداقيتها إلا في حال تمَّ كشف الكذبة، أما البذاءة فتُفقد الوسيلة الإعلامية مصداقيتها على الفور! أي أن الحرب الإعلامية بين وسيلتين؛ كاذبة وبذيئة، ستنتهي لصالح الكذب لا البذاءة.

ابتُليت بلادي الحبيبة بأن بعض الذين يدافعون عنها (خصوصًا في تويتر) هم على مستوى من البذاءة والسوقيّة لا تليق ببلاد الحرمين الشريفين ومهبط صاحب الخلق العظيم، صلى الله عليه وسلم. والحق الذي معنا لا يحوجنا لانتحال الكذب منهجًا ولا لاتخاذ البذاءة قاموسًا، بل لإعادة رسم المنهجية الإعلامية وبناء الكوادر وفق أحدث التقنيات والمهارات للحروب الإعلامية الجديدة البالغة الشراسة.

علَّق م. أسامة الكردي بأن د. زياد أصاب عين الصواب بالحديث عن (إعادة رسم المنهجية الإعلامية وبناء الكوادر)، فهذا جزء من المطلوب لتطوير إعلامنا. ما زلتُ لا أصدق أن القناة الثانية موقوفة.

أضافت د. وفاء طيبة أن الحروب الآن لم تعد أحصنة ولا طيارات ودبابات فقط، وإنما بالفعل الأخطر منها هي الحروب الإلكترونية والإعلامية، وعادة مادتها الكذب.

وعلَّق أيضًا د. مساعد المحيا؛ الواقع أن الكذب نفسه مفعم بالبذاءة، وهنا نجد أن ممارسات عدد من الحسابات والوسائل التي تتهجم على المملكة أو تضمر لها شرًّا تغصُّ بالكذب البذيء؛ لذا هل تُرى أن ما يصنعه جيش تويتر من السعوديين هو رد فعل؟ أم أنه يتجاوز رد الفعل؟ وماذا يُقترح لضبط هذا المسار؟ ألا ينبغي في هذه المرحلة أن نطبق نظرية تدفق المعلومات على مرحلتين عبر إيصال رسائل مهمة لعدد من المؤثرين في الشبكات الاجتماعية يمكنهم نقلها للآخرين.

قضية خاشقجي لن تنتهي بحلها، ونتوقع المزيد:

ذكر أ. عبد الله الضويحي أن أزمة أو قضية جمال خاشقجي لم تكن الأولى التي تمر بها المملكة طوال تاريخها، وحتى في السنوات القريبة مؤخرًا، وإن كانت الأخطر، ولن تكون الأخيرة، وربما أيضًا جاء ما هو أخطر. من هنا علينا أن نتوقع كلَّ شيء طالما أننا وضعنا لأنفسنا طريقًا (لا عوج فيه ولا أمتا)، وشخصية مستقلة بذاتها ورأيها. لكننا، وهذه حقيقة، خرجنا من كل الأزمات الماضية بنتيجتين:

الأولى: النجاح في تجاوز الأزمة، والعودة أكثر قوةً وتماسكًا.

الثانية: الفشل، ولنقلْ عدم القدرة على التعاطي معها إعلاميًّا. لقد أثبتت قضية جمال خاشقجي أن إعادة النظر في إعلامنا خيارٌ لا بد منه.

لم يعد الإعلام-كما قال د. زياد الدريس في مداخلته- إعلام أحمد سعيد ولا إعلام محمد سعيد الصحاف، وأضيفُ: ولا إعلام جوزيف جوبلز، وإن كانت مقولته الشهيرة (اكذب اكذب حتى يصدقك الناس) لا زالت سارية المفعول.

إعلامنا الحقيقي غاب عن المشهد بما يتطلبه، وكالعادة توجه للداخل الذي يعرفها ويقف مع وطنه، واضطر للبحث ومتابعة إعلام الخارج. وتبنى القضية والدفاع إعلام أفراد (تويتريون) انقسموا لثلاث فئات: فئة تدرك دورها وتعاطت مع الحدث بإيجابية وهي أقلية، وثانية تدعو وتناقش دون تأثير أو أهمية، وثالثة خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ودخل معهم فئة مردوا على النفاق لإثارة الفتنة والبلبلة.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في سياستنا الإعلامية، وهذا قلناه مرارًا وتكرارًا. ولم ألحظ في رؤية 2030 ما يشير لذلك بهذا العمق والأهمية، وإن وجد فعلينا التسريع به كأولوية، وهي بناء آلة إعلامية ضخمة ذات منظومة متكاملة، ولست بحاجة للتفصيل، فهذا مفهوم ومدرك للجميع.

نحن لا نريد إعلام (اكذب اكذب..)، لكننا يجب أن ندرك مقولة مشهورة (الحرب تُحسم إعلاميًّا قبل أن تُحسم ميدانيًّا)، وأيًا كانت نهاية قضية خاشقجي فما هي إلا بداية، وعلينا أن نتوقع المزيدَ من المواقف التي تتطلب منا التعامل معها برؤية واضحة ورسالة يفهمها العالم.

وعودة لقضية جمال خاشقجي؛ فنحن متفقون أن جمال “ضحية” وليس هدفًا بذاته، وأن الهدف هو المملكة العربية السعودية؛ لذلك فالسؤال المطروح: لماذا جمال؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟

جمال ليس أول صحفي يختفي (مقتولًا أو غير ذلك)، وكم من الاغتيالات على الأرض التركية حدثت وسُجِّلت ضد مجهول، لكن (جمال) صحفي سعودي وسيرته الذاتية تشجِّع المجرم لتنفيذ جريمته، كون المتهم موجودًا أو أن أصابع اتهام ما ستتجه نحوه، ويمكن تغذيتها.

أما التوقيت، فقد فوجئوا في السنة الأخيرة بسعودية جديدة ذات رؤية واضحة ومحددة. فوجئوا بدولة جديدة وفكر جديد، أسميناها الدولة السعودية الرابعة، واعتبروها “السعودية الجديدة”، وقلنا عنها مملكة الحزم والعزم بقيادة “سلمان”، وقالوا عنها سعودية “محمد بن سلمان”. نحن لا يهمنا، فنحن- السعوديين- ولاؤنا لقيادتنا ولدولتنا.

اعتادوا على سياسة صمت اعتبروها ضعفًا، وعلى حلمٍ اعتبروه خنوعًا، وعلى بقرة حلوب، عزفوا على كل أوتار الفتنة وتفتيت البنية الداخلية، فتم تمكين المرأة في وظائف عليا وانتخابات وقيادة السيارة ودخول الملاعب، وافتُتحت دور سينما، وأُنشئت هيئة للترفيه ووزارة للثقافة، وأصبحت الفعاليات بمختلف مناشطها من ثقافة وفنون ورياضة جزءًا من ثقافة المجتمع. بالتالي صار لحنهم نشازًا، فبحثوا عن أساليب أخرى فكان (جمال) الطعم الجاهز. وهذا واضح من تعاملهم مع الحدث من بدايته، وتخبطهم وتضارب مصادرهم، وحذف التغريدات بعد إطلاقها، والاستشهاد بأموات.

قضية خاشقجي ستنتهي، والحقيقة ستنجلي، لكن الحرب علينا وعلى المملكة العربية السعودية لن تنتهيَ، بل إنني أعتقد أنها قد بدأت، وعلينا أن نستعد لذلك.

علقت د. فوزية البكر؛ أتفقُ مع أ. عبد الضويحي في طرحه، فمن ينظر لآليات الهجوم واقتصار النظر للسعودية حاليًّا إلا من خلال ثقب مقتل الخاشقجي، يعجب لتجاهل هذه القنوات التغيرات الهائلة التي تحققها الرؤية على الأرض وتهم العالم جدًّا، مثل: مكافحة بؤر الإرهاب والتطرف، وإغلاق كافة منافذ التمويل أينما كانت، وإصلاح مفاصل الاقتصاد، وتغيير سلوك الناس فيما يخصُّ استخدام الطاقة بِما يخدم النظام البيئي في العالم كله، وتمكين المرأة، وإتاحة المواقع الأثرية والتاريخية للعالم بِما يخدم الثقافة العالمية… إلخ من الإنجازات الكبيرة التي نلمسها كسعوديين على الأرض كلَّ يوم، بِما يعني أننا أمام مؤامرة خطيرة يحيكها ظلاميون كارهون للسعودية الجديدة.

الفشل في إدارة الأزمة إعلاميًّا:

في تصوُّر م. خالد العثمان، فإننا فشلنا في موضوع الإعلام، وهو نفسه سبب فشلنا في مجالات أخرى من مجالات التنمية. سيطرة الرؤية الفردية، وغياب العمل المؤسسي الممنهج. لا إستراتيجية مرسومة ولا منهج واضح، ولا أهداف محددة، وفي كل مرة يتغير المسؤول تتبدل معه الرؤى والطواقم والهويات، وحتى أثاث المكاتب.

في هذا الجانب، تساءلت د. فوزية البكر: ألم تحل الرؤية بعض أجزاء هذه المشكلة؟ لأنه وفي أي نظام يأتي الرئيس أو المدير بطواقمه الجديدة تمامًا كما حدث مع ترامب مثلًا، وغيره كثير، رغم أن أمريكا تعتبر دولة مؤسسات أولًا وأخيرًا. ولكنني أرى أن الرؤية قدمت إستراتيجيات محددة يجب أن يتبعها كل من يأتي كجزء من سياسة التحوُّل، حتى لو غيَّر طواقمه البشرية أو أثاث مكتبه. أضاف م. خالد العثمان أن آليات تنفيذ الرؤية ما زالت في مرحلة الإعداد، والمشكلة أن مرحلة الإعداد في حد ذاتها بحاجة لمأسسة. بينما يرى أ. إبراهيم سنان من وجهة نظره عكس ذلك، فهناك أشياء كثيرة بدأت تظهر نتائجها وما زالت ضمن خطة التحوُّل 2020 والرؤية 2030.

وتساءل م. خالد العثمان: ماذا تضمنت الرؤية حول الإعلام. أجاب د. رياض نجم بأنه للأسف حتى ما ورد في الرؤية بخصوص الإعلام، بالرغم من تواضعه لم يُنفذ. أضف إلى ذلك أن كثيرًا من المشاريع والمبادرات في مجال الإعلام قبل رؤية 2030 تمَّ تعطيلها أو تجميدها خلال السنوات الثلاث الماضية.

قضية خاشقجي وصناعة الصورة الذهنية عن المملكة:

يرى د. منصور المطيري أن التحدي القادم لنا في موضوع الأستاذ خاشقجي هو مع الشهية المفتوحة للإعلام الأوروبي والأمريكي وجزء من الإعلام العربي في متابعة الموضوع إلى منتهاه وإلى آخر نقطة، وإذا أضفنا إلى ذلك شهية المنظمات الحقوقية غير الحكومية، فإن المشكلة التي تواجهنا كبيرة جدًّا جدًّا، لا يمكن مواجهتها بالنحيب والصراخ والمراوغة، وإنما تُواجه بخطة محكمة وعاقلة وطويلة، تتجاوز الإعلام إلى ملفات أخرى، حتى يمكن مسح هذا الحدث.

الصورة النمطية التي سيخلقها الإعلام الغربي وبعض الإعلام العربي عن المملكة بسبب قضية خاشقجي ستكون مبنية على ما سبق بناؤه بعد 11 سبتمبر، وقد تتحول إلى وصمة دائمة، أو نظرة عنصرية راسخة تتمحور حول انتهاكات حقوق الإنسان، يعاني منها كل مسؤول سعودي أينما ذهب.. ولذلك فنحن بحاجة إلى قرارات تخصُّ هذا الجانب، تشغل الإعلام وتكون مادة يبرزها المتحدثون السعوديون على كل منبر.

ومن هنا، فأنا أرى أن قضية خاشقجي تتجاوز كونها قضية إعلامية، إنها أكبر من ذلك بكثير، وهي قضية خطرة جدًّا جدًّا من وجهة نظري، والإعلام كما أفهمه له ارتباط بالهوية، وكيف نرى أنفسنا وقيمنا، وكيف ننظر للأشياء والأحداث والأفكار والمصالح. وسواء كان خاصًّا أو حكوميًّا يجب لكي يكون خادمًا لنا أن يكون عاكسًا لهويتنا وقيمنا ومصالحنا وأفكارنا.

لذلك فإن مشكلة بعض الإعلام السعودي الخاص أنه مؤدلج بأيديولوجية ليبرالية ولا يخدم مصالحنا، وإنما يعكس رؤى وأفكار هذه الفئة؛ ولذلك هو فاشل لحيرته بين المثال الذي يؤمن به مالكوه أو مشغلوه والواقع القيمي الذي يؤمن به المجتمع الذي يتلقاه؛ ولذلك تحولت مهمته إلى أداة تحاول تغيير المجتمع نحو المثال الذي تؤمن به هذه الفئة، وهو بهذا يسهم في خلق توتر داخل المجتمع، فالناس ترفض هذا المثال، وقد حصل هذا التوتر في كل البلاد العربية والإسلامية التي سبقتنا إلى توظيف الإعلام لأجل التغيير الليبرالي.

والبعض الآخر من الإعلام ليس محترفًا وعاجزًا عن أن يكون محترفًا. وأما إعلام الوسائط الاجتماعية فلم يُستغل بالشكل الكافي، وتنقصه مساحة من الحرية كافية للانطلاق بعيدًا عن الخوف من المساءلة.

وأما مواجهة الإعلام العالمي الذي يتابع قضية خاشقجي بحكم أنه إعلام وبعيدًا عن مسألة التوظيف، فلسنا بحاجة إلى أن نقدِّم له مادة دسمة أخرى نعتذر عنها كلما زادت حدة الفعل ضدنا كتلك العنتريات التي كتبها تركي الدخيل، ثم اعتذرنا عنها واستنكرناها.

المملكة وثورتها البيضاء:

يعتقد أ. جمال ملائكة أن موضوع مقتل جمال خاشقجي يكتنفه غموض وتساؤلات وشكوك وخوف. المسألة ليست في مقتل الرجل، ولو أن هذا مهم في حد ذاته، ولكن كما أشار د. فهد والمناقشون فقد وجد فيها المتربصون فرصةً ذهبية للهجوم على المملكة وقيمها وقادتها.

كلنا يعرف حجم المؤامرات المحيطة بنا من كل جانب، وكلنا قد خَبرَ نتائج الثورات الكارثية/الفوضى الخلاقة التي عصفت بعالمنا العربي، فرجعنا من جرائها سنوات وسنوات إلى الوراء اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا وسياسيًا. ولم يتبق من الدول المركزية في العالم العربي إلا المملكة التي تم استنزافها في حربٍ اضطرت إلى خوضها منعًا من وثوب العدو الإيراني إلى حدودنا مباشرة، والذي أعلن عن أطماعه بوضوح في بلادنا.

نضيف إلى كل هذا الثورة البيضاء التي قام بها العهد الجديد، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، والأهم العمل على إعادة الإسلام الوسطي، الإسلام الصحيح.

في خضم هذا كله كانت وسيكون هناك عثرات وأخطاء، وهذا بشري وإنساني وطبيعي ولا يمكن تجنبه. المسألة هي أنه واجبنا كلنا الوقوف سدًا منيعًا ضد كل المؤامرات والهجمات والتدخلات والتصيد الذي وضحت الجهات التي تقف وراء ذلك كله، متسترة برداء البراءة، والحرية، وحرية الصحافة… إلخ.

لقد تم الفرز، وهذه إحدى إيجابيات ما حدث إلا أنه علينا الوقوف سدًا منيعًا مع بلدنا وقيادتنا، وعلى الجميع تقييم المرحلة السابقة والتعلُّم من تجاربها الإيجابي منها والسلبي.

أصناف المغردين حول قضية خاشقجي:

ذكرت د. ريم الفريان أنه بالإضافة لما جاء سابقًا في الحوار حول القضية، ومن متابعة صفحة تويتر فقط، لاحظت أنه مهما خرج من تصريحات رسمية سعودية منطقية حول مقتل خاشقجي إلا أن القنوات مثل سي إن إن تختار أن لا تسمعها حتى حين يأتي الرأي من رئيس أمريكا.

هذا يؤكد أن الموضوع ليس موضوع حقوق الإعلاميين، هو موضوع النيل من السعودية. لاحظتُ أيضًا أن هناك بيانًا من عائلة خاشقجي، وعلى الأغلب أنه غير حقيقي؛ لأنه من حساب باسم ابنه عبد الله، والحساب جديد في 15 أكتوبر 2018، البيان يطالب بتشكيل لجنة للتحقيق. الغريب أن هذا ما طلبته المملكة في أول تصريح لها.

قررت بعدها أن أصنف أنواع المغردين حول الموضوع، وقد وجدت أن المغردين انقسموا إلى الأنماط التالية:

– نمط ضد المملكة، ويغرد بكل ما يمكنه للإساءة لها، منهم: (قنوات معادية للمملكة، أشخاص حاقدون، ذباب إلكتروني من حسابات حديثة الإنشاء ومتابعين قلائل، أشخاص تربطها قرابة بأعضاء بالكونجرس الأمريكي مثل نيك رحال،…)

– نمط مدافع عن المملكة، ويتألف من سعوديين وغير سعوديين مسؤولين وأشخاص من أصحاب الرأي من مسؤولين ومواطنين. اجتهد المغردون من ذوي اللغات من الطلاب في الدفاع، وشكلوا مجموعات على الواتساب-على سبيل المثال، طلاب أمريكا من تخصص الإعلام-لكي يتفقوا على موقف موحد بإستراتيجية احترافية لمَن يتحدث معهم، وكل منهم اجتهد بترجمة المحتوى وإظهار الأكاذيب بالصور والأدلة، والأهم التركيز على الرد على الحسابات للشخصيات المؤثرة من المهاجمين للمملكة.

– أشخاص يغردون فقط لجمع المتابعين، وهؤلاء ينطبق عليهم مثل مع الخيل يا شقراء، ساعة معك وساعة عليك، ومحتواهم لا يحمل موقفًا معينًا.

حقيقة الموقف الأمريكي من القضية:

ذهب د. منصور المطيري إلى أننا نحن بحاجة ماسة جدًّا لنفهم حقيقة الموقف الأمريكي ودوافعه ومآلاته.

كل من يتابع الشأن العالمي يعرف تمامًا أن الموضوع ليس موضوع حقوق إنسان (استخدامها ذرائعي فقط، ولكنه مؤثر)، وإنما هو لغاية سياسية. وليتنا نستطيع تحديدها بدقة، آخذين في الاعتبار طبيعة مطبخ القرار الأمريكي الذي يتم توزيعه بين الرئاسة والكونجرس والأمن الوطني والخارجية.

استمتعت إلى مقطع وقح للسيناتور غراهام في حديث مع فوكس نيوز. أضاف أ. جمال ملائكة أن ليندسي غراهام من الذين عملوا على ضرب العالم العربي. وتساءل د. منصور المطيري: ما دوره كعضو كونجرس في تشكيل سياسة أمريكا تجاهنا.. وفي صنع القرار تحديدًا؟ يرى أ. جمال ملائكة في كل الأحوال، عرفنا أعداءنا، وعلينا إعادة حساباتنا.

أضاف أيضًا د. منصور المطيري أن كمية الوقاحة والغطرسة في هذا المقطع غير طبيعية، وألاحظ أن الأمريكان يزدادون إمعانًا في إهانتنا، بدءًا بالرئيس ومرورًا بغراهام، فضلًا عن الإعلام، ولا شك أنهم يحاولون الحصول على تنازل منا في قضية ما، لم أستطع تحديدها جيدًا.

ويعتقد م. حسام بحيري أن هناك احتمالية أن يتحرك الكونجرس ضد السعودية بغض النظر عن موقف البيت الأبيض، وذلك بإصدار تشريعات تستهدف المملكة، فمواقف الحزبين متوافقة تمامًا في العمل ضد المملكة، هذه التشريعات ستستهدف أفرادًا ومؤسساتٍ، وهناك خيارات كثيرة لديهم حاليًّا لاستخدامها ضدنا. أضاف م. أسامة الكردي أن ذلك قد يحدث خاصةً قبل الانتخابات النصفية خوفًا من تحكم الديموقراطيين في الكونجرس. كما أن لديهم اقتناعًا كاملًا بما يقوله الأتراك. يرى د. منصور المطيري أنه ليس جزعًا على مصير جمال، وإنما في ظني أنه له علاقة بقضايا إستراتيجية. بينما يعتقد م. حسام بحيري أنه ليس هناك قضايا إستراتيجية معينة، بل له علاقة بالحدث، ولكن يمكن أن يتطور للابتزاز.

 

حسن تقدير حجم أعدائنا وقوة أموالنا:

في ظن د. وفاء الرشيد، أن ما يُحاك اليوم على الواجهة الإعلامية هو مقدمة لما سيأتي من فصول، وما نحن إلا في المشهد الأول.

تصريحنا بأننا اشترينا السلاح ولا نحتاج حماية أحد كان قبل حادثة خاشقجي بيوم أو يومين، وظهور أي قوة بالمنطقة هو آخر ما يريد أن يراه الأمريكان، فتقليم أظافرنا شيء مطلوب في ظل هذه المعطيات، فالكثير من الدول تتمنى قربنا، ولكن أمريكا من مصلحتها أن تركعنا لنبقى تحت تأثيرها.

كان هناك تقصير كبير منا في التعامل مع الموقف، وأن العبور للأمان أصبح صعبًا، وباعتقادي، فإن هناك مراقبين لكل ما يحدث وقبل حدوثه، وهناك آخرين بالمقابل يسهلون حدوثه، ونحن اليوم قد نكون في أسوأ الاحتمالات ندفع ثمن سوء تقدير لحجم عداواتنا، وسوء تقدير كذلك لمدى قوة المال مقابل التخطيط وسياسات الدول الناضجة.

الإعلام مأمور بأن يجهز الأرضية للإجهاز على المتهم، ومن ثَمَّ إملاء الطلبات والمساومة، ولكن السؤال مَن أدخلَ المتهم القفص؟

مواقف أمريكية ودولية ضد المملكة:

يرى د. حميد المزروع؛ إستراتيجيًّا، على أمريكا أن تختار بين السعودية أو  إيران.

وفي تصوُّر د. وفاء الرشيد، فإنها تستعمل واحدًا ضد الثاني، وتساوم، وتتأرجح بين بين، تتعاون لتستثمر الموقف ليس حبًّا فينا، ونحن نتعاون لننقذ الموقف.

من وجهة نظر م. حسام بحيري، الموضوع الآن اتخذ منحنى مختلفًا تمامًا، وهناك اتفاقيات تُعد حاليًّا بين الأطراف المعنية، والأيام القادمة مهمة جدًا. فالمملكة لم تواجه موقفًا مماثلًا في تاريخها، ولن يكون هناك حلٌّ سهل. ترى د. وفاء الرشيد أن التحركات تمت فعلًا، وهناك نقل ثانٍ لسفارة في تل أبيب، ودعم جديد لبرنامج إيران النووي. بينما لا يعتقد م. حسام بحيري أن هذه الأمور لها أي علاقة بما يحدث حاليًّا، هذا الموضوع مستقل تمامًا. ولكن هناك احتمالية كبيرة أن يرى الأمريكان فرصةً في ابتزاز المملكة.

أيضًا هناك الدول الأوروبية التي لها مواقف متحدة ضد المملكة، خصوصًا الثلاث دول الكبار بريطانيا فرنسا وألمانيا، وهذا يعني أن بقية الدول الأوروبية مواقفها ستكون متشابهة. القضية الآن قضية رأي عام عالمي، وليس مشكلة تركية سعودية أمريكية.

استهداف هوية المملكة ودورها الحضاري:

ذكر د. مساعد المحيا، ونحن نتحدث عن أن المستهدف في هذه القضية السعودية الجديدة ومشروعها وليس جمال خاشقجي، فإنني أتساءل: أليس المستهدف هو المملكة وهويتها ودورها الحضاري ومكانتها وجهودها ومقدراتها… إلخ، بما في ذلك مشروعها الجديد؟ أليس الغاية من ذلك هو ابتزاز المملكة والحصول على مكاسب اقتصادية، والتدخل في قراراتها وسيادتها عبر مزيد من الضغوط عليها؟!

تساءل أ. محمد الدندني: كيف يكون ذلك، ونحن دولة صديقة لهم، وتنعم أمريكا بحصة الأسد من التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، ونتلاقى في أغلب القضايا بالمنطقة؟ الخلاف الوحيد هي قضية فلسطين، وهي قضية تاريخية لسنا الطرفَ الوحيد فيها عربيًّا.

ويرى أ. جمال ملائكة أن الدولة العميقة في أمريكا وبريطانيا صهاينة ويتعاونون مع الصهاينة، وعندهم عداء ضد العرب والمسلمين، والصهاينة لهم دور كبير في ذلك، ويعتبر دور الرؤساء ورؤساء الوزارات محدودًا.

التوحش الإعلامي وجمهور الإعلام الجديد:

تعليقًا على التوحش الإعلامي، ذكر د. محمد الملحم أنه فيما قبل ثورة الاتصال كان الإعلام التقليدي يؤثر في انعكاس نتائج الأحداث بسرعة نشر الخبر أو إذاعته، أما حاليًّا فالإعلام يسابق الثواني، ويستنطق كلَّ ما يقع بيده من موادَّ (نصوص، صور) ليشارك في “صناعة” الأحداث، وأصبح السياسيون يتأثرون بما تنشره وسائل الإعلام خاصة في دول التأثير الأدنى، بل إن جمهور شبكات التواصل الاجتماعي المشارك في التعليق غدا له سهمٌ في هذا الدور، وربما تتطور هذه المشاركة غدًا بطريقة أو بأخرى لنرى إعلامًا جديدًا ذا صيغ مركبة صعبة التعقيد. المعادلة الإعلامية صعبة جدًّا

الموضوعية في الإعلام الغربي:

أورد د. إبراهيم البعيز مقالةً له نُشرت بموقع التجديد العربي بتاريخ 28 أغسطس 2018، بعنوان:” هل الإعلام الغربي موضوعي؟”*، ذكر فيها: (كتب الأستاذ جعفر الشايب الأسبوع الماضي “25 أغسطس 2018” مقالةً بعنوان: “بين الصحافة العربية والصحافة الغربية”، وأتفقُ معه فيما أورده، ومقالتي هذه تأتي من باب الشيء بالشيء يُذكر.

سبق أن شاركتُ في مؤتمر علمي بجامعة الملك خالد في ديسمبر 2016، عن الإعلام والإرهاب، وقدمت ورقة بعنوان: “الإرهاب وانعكاساته على صورة السعودية في الصحافة الغربية”. حرصت في تلك الورقة أن أشير إلى مدى موضوعية الإعلام الغربي، وهذا ما كتبته في الورقة.

تتمتع وسائل الإعلام الغربية – وبخاصة الصحافة – بقدر كبير من الاستقلالية المالية والتنظيمية؛ مما منحها مساحةً واسعة من الحرية في مناقشة الشأن العام على المستويين المحلي والعالمي، وساهم في تحقيقها لمراتب متقدمة على مؤشرات التنصيف لحرية الصحافة، ومكَّنها من أن تكون سلطةً رابعة، تمثلت في قدرتها على فضح الكثير من حالات الفساد المالي والسياسي. لكن هذه الاستقلالية والفضاء الرحب من الحرية لا يعني بالضرورة غياب الأخطاء والتحيزات السياسية والثقافية فيما تنشره الصحافة الغربية من أخبارٍ وتقاريرَ ومقالاتٍ. ومن الشواهد الحديثة لتلك الأخطاء، اعتذار صحيفة جارديان البريطانية لنشرها سبعًا وثلاثين مادة صحفية مفبركة خلال عامي 2015 –2016.

اللافت للنظر أن المراسل الذي فبرك هذه الأخبار كان مراسل الصحيفة في منطقة الشرق الأوسط، ولكم أن تتخيلوا كم من المواد المفبركة والمغلوطة التي نشرها عن المنطقة العربية وثقافتها دون أن يكشفه أحد!

تزخر أدبيات الإعلام بعدد من الدراسات التي تناولت الأخطاء في الصحافة الأمريكية، وتعود بداية هذه الدراسات إلى عام 1936م. وأشارت هذه الدراسات إلى أن 52% من المواد الصحفية (أخبار، وتقارير، وتحقيقات) بها أخطاء تتجاوز مجرد الأخطاء اللغوية والمطبعية، لتشمل اقتباساتٍ خاطئةً أو تحريفًا متعمدًا لها، أو نشرَ أرقامٍ غير دقيقة، أو وضعَ عناوينَ مثيرةٍ خاطئةٍ؛ بهدف التضليل والإثارة. وقد أشارت إحدى هذه الدراسات إلى جملة من الأسباب لهذه الأخطاء، ومن أبرزها: القصور في فهم الموضوع، وضغوط الوقت للحاق بموعد الطباعة والفوز بالسبق الصحفي، أو الاعتماد على مصادر مضللة.

يشير نقاد ومراقبون لأداء الإعلام الغربي إلى الكثير من الحالات والأمثلة التي تؤكد عدم دقته، خاصة في الأخبار المتعلقة بالقضايا السياسية الدولية، ويعود ذلك إلى عدة أسباب تتعلق بنقصٍ في المهنية والموضوعية، حيث تُؤخذ تلك الأحداث خارج سياقاتها التاريخية أو السياسية، أو هيمنة المصالح السياسية والأيديولوجية عند تناول تلك القضايا، حيث تشير تقارير صحفية إلى أمثلة من أشكال الرقابة الذاتية في الإعلام الأمريكي التي تحدُّ من التناول بالشفافية والموضوعية فضائح السياسات الخارجية للحكومة الأمريكية في تورطها العسكري في الانقلابات التي شهدتها دول في أمريكا الجنوبية.

سبق أن أجرت الجمعية الأمريكية لمحرري الصحف American Society of Newspaper Editors  سلسلة من الدراسات الاستطلاعية التي تناولت فيها مرئيات الجمهور عن مدى دقة الأخبار في الصحافة الأمريكية، ومن نتائج إحدى هذه الدراسات أن 49% ممَّن عايشوا الأحداث المنشورة أخبارها، وجدوا عدم دقة في هذه الأخبار، متمثلة في مغالطات أو استنتاجات خاطئة.

وفي دراسة استطلاعية أخرى أجرتها دورية Columbia Journalism Review شملت كبار الصحفيين في أمريكا، نادت الغالبية العظمى منهم (91%) بأن على الصحافة الأمريكية أن تناقش بكل شفافية ووضوح الأخطاء التي تقع فيها، وأن تنظر بجدية فيما يجب عمله لتلافيها.

نظامنا وعدم الاندفاعية عند ترويج الشائعات والاتهامات:

ذكر د. عبد الله بن صالح الحمود، لا أدري لماذا نحن بهذا التحفظ تارة والتخوف تارة أخرى ممَّا حدث من حادثة قد حدثت، سواء كنَّا المخطئين فيها أم لا، فنحن لسنا أول من أخطأ، وإن كنَّا المتهمين فيها دون خطأ ارتكبناه، فحق لنا أن نقتص ممن أخطأ في حقِّنا (كذبًا وبهتانًا).

وهنا لدي أسئلة أطرحها على أنفسنا:

– لِمَ كل هذا التوجس والتخوُّف وطرح العديد من التصورات فضلًا عن التوقعات، ونفعل ذلك وكأننا نعتقد أننا فعلًا مخطئون؟ أليست الكرة حاليًّا في ملعب التحقيقات المشتركة؟ ألسنا نحن شركاء في هذه التحقيقات؟ إذًا هذا يعني أننا أمام وبين أعين الحقيقة التي عندما تنجلي سنقول ما نقول، إن كان اعترافًا بالخطأ أو تبرئة تلجم العدو والحاقد معًا.

قضية الصحفي الأستاذ جمال خاشقجي لا شك أنها قضية وطنية، لا بد أن تتجه الأنظار إليها، إنما أعتقد أننا بالغنا كثيرًا حولها، حينما ذهبنا نكتب ونقولُ ونفسِّر ونعتقدُ ونتصور لأمور ربما لم تكن في صالحنا؛ بينما الجهاز الرسمي كان هادئًا وتاركًا للجميع ليقول ما يقول، المحلي منه والخارجي، أعتقد أن ذلك ينمُّ عن سياسة نظام اعتاد على عدم الاندفاعية عند ترويج الشائعات والاتهامات، وحتى تنضج القضية وتتضح الأمور أكثر فأكثر، حينها سيقول النظام قولَه الذي لا شك أنه سيكون القول الفصل، قول فصل يزيل كل التكهنات والأقاويل الكاذب منها وشبه الصادق، أقول شبه الصادق بسبب أن البعض كان يقارب لمصداقية ما حدث فعلًا.

وبالنسبة للدور الإعلامي، لا شك أن الإعلام السعودي لا يزال يحتاج إلى تطوير، بل إلى إعادة هيكلة متكاملة، وقد قلنا مرارًا إن هذه المرحلة هي مرحلة بناء إعلام ذي صوت خارجي متمكن ومتميز، اليوم بلادنا تفتقر لقنوات إعلامية بلغات متعددة، لا يوجد لدينا على الأقل قناة إخبارية باللغة الإنجليزية أو اللغة الفرنسية، وهذه مسألة خطيرة، فكيف لنا أن نبرر أو ندافع أو حتى نشرح للعالم الخارجي عن أحوالنا أو قضايانا دون أن يكون لنا قناة تتحدث بلغة الأجنبي؟! أعتقد من الآن فصاعدًا، لا بد أن نمتاز بما هو آتٍ:

– دور إعلامي متميز متمكن في صنعه للأحداث وآلية تقديمها.

– إنشاء اتحاد للكتاب السعوديين.

– تأسيس قناة إعلامية ثقافية بأعلى قدر من المهنية والكفاءة.

– يُقترح أن يكون لوزارة الإعلام مشاركة نوعية في تويتر، وأن تحشد لهذا أفرادًا من الشباب والشابات المتخصصين في الإعلام الجديد، وأن تتسم أطروحاتهم بالجدية والنوعية في تقديم المواد الإعلامية التي تظهر الوطن بكل عطاءاته ومقدراته.

المملكة محطُّ اهتمام وسائل الإعلام العالمية:

أشار د. إبراهيم البعيز إلى أن صحيفة جارديان البريطانية سبق أن نشرت اعتذارًا لنشرها سبعًا وثلاثين مادة صحفية مفبركة خلال عامي 2015-2016. اللافت للنظر أن المراسل الذي فبرك هذه الأخبار كان مراسل الصحيفة في منطقة الشرق الأوسط، ولكم أن تتخيلوا كم من المواد المفبركة والمغلوطة التي نشرها عن المنطقة العربية وثقافتها دون أن يكشفه أحد!.

للمملكة العربية السعودية مكانة سياسية واقتصادية على المستويين الإقليمي والعالمي؛ مما جعلها محطَّ اهتمام وسائل الإعلام العالمية في مختلف المضامين والأشكال الصحفية، بدايةً من الأخبار والتقارير مرورًا بالمقالات الصحفية وانتهاء برسوم الكاريكاتير. ويلاحظ المتابعون أن الكثير مما يُنشر يرسم صورة سلبية عن المملكة في كل الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية.

نبالغ كثيرًا في الاعتقاد بأن اللوبي الصهيوني وغيره من القوى المعادية للمملكة يتحكم في الإعلام الغربي، ومن هنا يجب علينا الاعتراف بضعفنا وتواضع حضورنا الإعلامي، بعمل مؤسسي قادر على المشاركة الفاعلة والتواصل مع القنوات والشبكات الإعلامية.

فإسرائيل ذاتها تعاني من تزايد المقالات التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية (خاصة بريطانيا وأمريكا)، لكنها لم تقف مكتوفةَ الأيدي، حيث قامت منذ عام 1982 بإنشاء مؤسسة تُسمَّى “لجنة الدقة فيما يُنشر عن الشرق الأوسط في الإعلام الأمريكي”، وتعرف في الأوساط الإعلامية الأمريكية بـ”كاميرا  “CAMERA، وهو مختصر بالأحرف الأولى من اسمها باللغة الإنجليزيةCommittee for Accuracy in Middle East Reporting in America.

تعمل هذه المؤسسة على متابعة كل ما يُنشر ويُذاع في وسائل الإعلام الأمريكية؛ بهدف رصد ما يكون سلبيًّا عن إسرائيل، ليتم بعد ذلك التواصل مع المعنيين (المراسلين، والمحررين، والمنتجين والناشرين) “لتصحيح” ما يرون أنه أخبارٌ محرفة أو معلومات مغلوطة. كما تستعين هذه المؤسسة بمَن تمَّ تدريبهم  للكتابة إلى وسائل الإعلام برسائل تطالبها بـ “التصحيح”، ولا يصل حجم الإنفاق السنوي على هذا المشروع 5 ملايين دولار.

بعض الأسئلة والملاحظات حول قضية خاشقجي:

في مداخلاتها ذكرت أ. مها عقيل بعض الملاحظات والأسئلة، وهي:

-القضية ليست جمال خاشقجي، وإنما السعودية والأمير محمد بن سلمان والعلاقات السعودية الأمريكية. يتعرض ترامب لانتقادات بسبب موقفه وتصريحاته “اللامبالية لحياة إنسان وحقوق الإنسان، وارتكاب جريمة مقابل الصفقات المالية والعلاقات الشخصية” بحسب وصف الإعلام الأمريكي، ونحن نعرف العداء بين ترامب والإعلام الأمريكي، ولكن المشكلة أن حتى الكونجرس بحزبيه الاثنين أصبح يضغط عليه؛ ومن ثَمَّ هذا التناقض في تصريحات ترامب وبعض المسؤولين. المفترض أن هناك تواصلًا بين السفارة السعودية في واشنطن وشركة العلاقات العامة التي تتعامل معها مع الجهات الحكومية الأمريكية والإعلامية  المختلفة، ولكن لم نسمع عن ذلك.

-الانتقادات للسعودية أنها لم تبالِ لمقتل مواطن سعودي في قنصليتها ولم تتفاعل مع الأخبار حول شبهة مقتله. أعتقد أنه كان من الأفضل لو بعد يومين من المقتل أن يقوم متحدث رسمي من وزارة الإعلام بالإدلاء بتصريح أمام الإعلام أو حتى بيان مكتوب يكون فيه لمسة إنسانية معبرة عن قلق السعودية حول هذه الأخبار ومصير خاشقجي، وأنها تقوم بالتحقيقات اللازمة، ورسالة للإعلام باحترام مشاعر أهل خاشقجي في هذا الوقت، وعدم بث الإشاعات والأخبار غير المؤكدة ومن مصادر موثوقة. أعلم أن بيانًا صدر من وزارة الداخلية ولكنه كان متأخرًا بعضَ الشيء وموجهًا للداخل. وكان المفروض أيضًا أن توجه وزارة الإعلام رسالةً للإعلام التركي بأن يتحرى الدقة ولا يركض وراء ما تبثه مصادر غير معروفة وتسريبات تضعهم في حرج وعدم مهنية؛ مما يضر مصداقيتهم. وبعد ذلك تلتزم الصمت، وتكرر فقط أن السعودية الموقف تتابع باهتمام وتتعاون مع السلطات التركية. كما كان يجب أن يتم إرسال صحفيين سعوديين لتركيا لتغطية الحدث لإظهار الاهتمام به، وليس فقط الاعتماد على مراسلين أو ما تنقله الصحف والوكالات أو كتابة الأخبار الإنشائية من خلف المكاتب. نحن تصرفنا كمتهمين انكشف أمرهم. كما أننا اتبعنا سياسة ” انحنِ للعاصفة حتى تمر وينتهي الأمر”، وهي ستمر حتى بعد ظهرت الحقائق ولكن سيكون الضرر لسمعة السعودية وعلاقاتها الخارجية قد وقع، وهذا هو الهدف.

-القضية كبرت؛ لأن عدة جهات استغلتها للضغط على السعودية للحصول على أشياء أو إيقاف أشياء، منها ما له علاقة بتطورات في المنطقة، ومنها ما له دخل بعقود وصفقات. وكان المفترض من إعلامنا الإشارة إلى ذلك في تصريحات مع الإعلام الغربي عبر شخصيات إعلانية أو باحثين أو محللين سياسيين “أصدقاء للسعودية”.

-كنتُ في نيويورك عندما ظهرت قضية خاشقجي، ولاحظت في ساحة تايمز سكوير على إحدى الشاشات عبارةً تطالب بالإفراج عن الناشطين الحقوقيين في السعودية بصورهم وأسمائهم، وعبارةً أخرى تطالب بمحاسبة بجرائم حرب التحالف بقيادة السعودية في اليمن، وصورًا لأطفال يموتون من الجوع والمرض. هناك حملة ضد السعودية موجهة للرأي العام الغربي؛ ولذلك أي أخبار تتهم السعودية قابلة للتصديق، وخاصة مع ذُكر مما حصل في فندق الريتز. كل هذا ونحن لم نقدِّم رواية مقنعة counter narrative للرد على هذه الحملة.

-ما زال وجودنا وتفاعلنا مع الخارج بلغات أجنبية ضعيفًا جدًّا، سواء في الإعلام التقليدي أو الحديث. كنت أتوقع نشاطًا أكثر لمركز التواصل الدولي الذي أنشأته وزارة الإعلام.

– وأتفق مع الملاحظة حول طريقة صياغة بيانات وكالة الأنباء. فهي بائسة جدًّا، ولكن البيروقراطية والخوف من الخروج عن المتبع والمألوف.

– عدو اليوم قد يصبح صديقَ الغد، وصديق اليوم قد يصبح عدوَّ الغد. السياسة توازن في التصريحات، وما يُقال في العلن يختلف عما يقال خلف الأبواب.

علق  د. رياض نجم، أتفق مع ما ذهبت إليه أ. مها عقيل من أن التقصير كان من وزارتي الخارجية والإعلام، ومع علمنا لكل ما يُحاك ضد المملكة من جهات معروفة، لم ننجح في إدارة الأزمة.

تجديد الخطاب الإعلامي والعربي وتطويره لمواجهة الأزمات:

في تصوُّر د. هند الخليفة، فإن استغلال حادثة مقتل ‏جمال خاشقجي، هو جزء من سيناريو طويل سبق التمهيد له منذ فترة زمنية بعيدة، وتم تهيئة الرأي العام الغربي لاستخدام هذه الحادثة ضد المملكة العربية السعودية. إنه من اللافت للنظر الدور الهزيل للإعلام ‏العربي والسعودي في تناول هذه القضية، وكما أشار الجميع أنه لم يقم بالدور المطلوب تجاهها، وأيضًا دوره في توضيح الجرائم والاعتداءات المستمرة التي تُنتهك ضد الإنسانية في الدول الغربية، وأيضًا داخل الدول العربية ‏من قِبل إسرائيل مع حلفائها. من اللافت للنظر أن خبر مقتل الكاتب جمال، تزامن مع اعتداء المستوطنين على سيارة تستقلها أسرة  فلسطينية وإلقاء  الحجارة عليها حتى قتلت الزوجة التي كانت مع أسرتها في طريق عودتها من زيارة ابنتها.

وقف العالم صامتًا أمام هذه الحادثة، وكذلك الإعلام العربي والغربي؛ بينما تأججت القنوات الغربية بالادعاءات وإشعال الحرب الإعلامية ضد السعودية التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار في وطننا الحبيب. وبقدر ما نحمِّل الإعلام الغربي وحلفاءه المسؤوليةَ تجاه هذا الأمر، فإن الجانب الآخر للمشكلة هو الأسلوب المتبع في الإعلام المحلي والعربي ودوره في التأثير على الرأي ‏العام داخل العالم العربي وخارجه.  ولا يجب أن يقتصر هذا الدور في مواقف الدفاع على الهجمات الخارجية، بل يتعداه إلى العمل المستمر في جميع الظروف والأوقات. هناك حاجة ملحة للذكاء والعلم والمعرفة والعناية بالمضمون والشكل، وتجديد الخطاب الإعلامي ليتوافق مع معطيات العصر.

فالقضية ليست قضية إعلام دفاع، بل إعلام تحليل وتفسير، وتقديم للواقع، وطرح للقضايا الإنسانية والحقائق الغائبة أو المغيبة… وغيره من مسؤوليات قبل حدوث مواقف يلبس فيها الإعلام عباءةَ الدفاع، ويبدأ التفكير في الأسلوب الذي يستخدمه، كردة فعل لما حدث.

الجانب الإنساني في قضية خاشقجي:

ذكر د. خالد الرديعان أنه لاحظ في قضية خاشقجي، أن أغلبنا مسكونٌ بنظرية المؤامرة، وأن العالم يتقصد الإساءة لنا وَتَحيُّن الفرص للقيام بذلك. نسينا أن قضية خاشقجي فيها جانب إنساني يُفترض عدم إغفاله، وأن لها بُعدًا تشويقيًّا جاذبًا للإعلام بصورة تدفع الجمهور لمتابعة الحدث. أرى أننا قزَّمنا الحدث وجعلناه هامشيًا، وأن تركيزنا هو على أننا مستهدفون.

ما أردت قوله إننا طفقنا في إعلامنا ومقالات صحفنا نحو البحث عن مثالب خاشقجي، ولم نبدِ تعاطفًا إنسانيًا كافيًا مع الحدث كحالة إنسانية تستحق المتابعةَ.

لم نسلِّط الضوءَ على الحدث عينهِ، وذهبنا للبحث عن أسباب تسلط الإعلام الدولي علينا.

قضية خاشقجي ترتبط بحرية التعبير وحياة الصحفيين وسلامتهم، وهي قيم عليا لم تُطرح في إعلامنا، وانهمكنا بتفنيد ما يُقال عنَّا هنا وهناك.

اتفقت معه أ. مها عقيل، وأضافت: لقد أشرتُ إلى ذلك في مداخلتي أننا لم نتفاعل مع الحدث من الجانب الإنساني، وكان من الممكن أن نسحبَ البساط من الإعلام الذي ركَّز على اتهام السعودية دون أدلة، بأن نقولَ إنَّ ما يهمنا الآن هو مقتل مواطن سعودي، وما يمرُّ به أهله، والأكاذيب التي تُطلق حول اختفائه. لا ننسى أيضًا أن فترة ما قبل مقتل خاشقجي كان يتعرض لهجوم لاذع وتخوين عبر بعض المقالات والآراء في شبكات التواصل الاجتماعي؛ مما يعزِّز موقف المتربصين بأن هناك عداءً له. فكان المفروض في أي تصريح لشخصيات صديقة للسعودية يظهر في الإعلام الغربي بأن الحكومة السعودية تحترم رأي خاشقجي حتى وإن اختلفت معه، وأنها لم تتعرض له من قبل. هناك الكثير من الأمور التي كان بالإمكان الرد عليها في حينها عبر شخصيات تُقدَّم للإعلام الغربي على أنها محايدة ومهنية تنتقد السعودية، وفي الوقت نفسه تدافع عنها.

الابتعاد عن تجييش الناس والاكتفاء برواية واحدة متماسكة:

يعتقد د. منصور المطيري أن ما قالته الأستاذة مها عقيل من أننا تصرفنا وكأننا مذنبون أصابَ كبد الحقيقة، وفي الوقت نفسه فإن ما ذكره د. خالد الرديعان من أن التفاعل مع الجانب الإنساني الخاص بمأساة خاشقجي كان ولا يزال مفقودًا في خطابنا، والأدهى من ذلك أنه أثناء حُمى التداعي للدفاع عن الوطن، قام البعض بتوعد بعض المعارضين في تغريدات علنية (استُغِلَّت بعد ذلك من المعارضين وغير المعارضين) بأن مصيرهم كمصير خاشقجي، وأن عليهم زيارة السفارات فقط، وأرى الآن بعض المعرفات المجهولة التي تتوشح بالوطنية تتهم شيئًا تسميه “الدولة العميقة في السعودية”، وأنها هي التي تقف خلف قضية خاشقجي.

لأجل ما سبق، أرى أن نبتعد عن تجييش الناس ونكتفي برواية متماسكة تقوم بنشرها وترويجها الحكومة نفسها عبر أدواتها المتاحة، ويمكن من ناحية أخرى التركيز على التناقضات في الرواية التي تُروَّج من خصوم السعودية وكشفها، ويتم التركيز بشكل أعمق على المصطلحات التي تستخدمها الرواية المعادية، فمثلًا هم يستخدمون الآن (فريق الاغتيال)، ويقصدون به أسماء الأشخاص الخمسة عشر التي يروجونها. هذا المصطلح يزرع في ذهن المتلقي معنى الدولة المتوحشة التي تطارد وتقتل الأبرياء المعارضين، تفنيد هذه المصطلحات معدوم في خطابنا بشكل عام، للأسف.

ومن ناحية أخرى، عندما يقوم أحد الصحفيين السعوديين الكبار بنشر ما يزعم أنه الموقف الإسرائيلي المتعاطف مع موقف المملكة في موقعه وفي حسابه، هل يتوقع أنه يخدم المملكة في هذا الظرف الحرج، الذي ظهرت حاجتها فيه إلى دول العالم الإسلامي ومنظماته وأحراره أكثر من أي وقت آخر، ويدل على ذلك امتلاء حساب وكالة الأنباء السعودية بنشر مواقف الدول والمنظمات والجماعات الإسلامية الداعمة والمؤيدة للمملكة؟ (بالطبع لا، بدليل أن قناة الجزيرة تكرره في كل نشرات أخبارها من الأمس لترسل عبره رسالة سلبية لكل أحد).

ومن هنا، فإني أرى أنه لا بد من خطة متكاملة تبدأ برؤية واثقة حول الحدث، وتمتد لتفتح ملفات أخرى مهمة تصبُّ في الصورة الإيجابية للمملكة.

هجوم إعلامي شرس على المملكة:

ترى د. لمياء العنزي أن المملكة العربية السعودية تتعرض لهجمات إعلامية شرسة، هذه الهجمات ليست جديدة ولكنها تعتبر ربما الأشد والأشنع خلال هذه الفترة، ولا شك أن هذا كله يصبُّ في اغتيال المشروع السعودي، في محاولة تعطيل السعودية الجديدة.

السعودية الجديدة اليوم لديها استحقاقات عالمية كبيرة جدًّا، في الاقتصاد وفي السياسة؛ ففي الاقتصاد: لديها رؤية طموحة تجعلها في مصاف الدول الكبرى التي لا تعتمد على إنتاج النفط فقط، ولكن تجعلها لديها مصادر دخل أخرى غير المصادر النفطية. وعلى الجانب السياسي: لديها اليوم قوة كبيرة جدًّا من خلال المصالحة، مثلًا: ما بين إريتريا وإثيوبيا، المصالحة الأفغانية، وغيرها في الاستحقاق الدبلوماسي، وفي الاستحقاق العسكري، أيضًا استطاعت أن تشكل تحالفًا عربيًّا كبيرًا جدًّا لإنقاذ الشرعية في اليمن، وكذلك استطاعت أن تشكِّل تحالفًا إسلاميًّا كبيرًا جدًا لمواجهة الإرهاب.

إذًا فهي قد فرضت نفسها على الخارطة الدولية بقوة، ولا شك أن هذا يغيظ الأعداء القريبين والبعيدين، لكن اليوم التقت مصالح الأعداء البعيدين مع الأعداء القريبين، وأضحوا كلهم يرمون السعودية عن قوس واحدة، من خلال وسائل الإعلام، ومستبقين وقافزين على ظهور النتائج الرسمية.

إعلامنا والبحث عن التميز:

أشارت د. وفاء طيبة إلى أنه من الملاحظ أن القنوات الإخبارية الغربية المتخصصة لا تُقَدَّم بوجه واحد للجميع، وإنما نجد قناة CNN مختلفة، الموجهة لنا غير الموجهة لجهات أخرى، وذلك بناء على معرفة عميقة بثقافة الشعوب التي تسمعها وتُقدِّم لهم المعلومة بطريقة مدروسة وفي تسلسل مدروس، وحتى المذيعين والمذيعات يتم اختيارهم بطريقة مدروسة.

لابد أن نرقى في الإعلام لمستوى التميز، ودراسة المتلقي ونفسيته وحاجاته وثقافته، خاصة في حال إنشاء أي قنوات موجهة للغرب كما هو مقترح.

أضاف د. مساعد المحيا، ما يلفت نظري أيضًا أن مذيعي ومحرري الجزيرة تمثل حساباتهم صوتًا داعمًا لأداء الجزيرة ولمعلوماتها وأخبارها وفيديوهاتها؛ بينما العربية غالب مذيعيها ومحرريها كأنهم غير مقتنعين بمحتوى العربية ولا بأدائها، وأشعرُ بعدم انتماء غالبهم لمحطتهم وقضاياها.

أضاف أيضًا د. خالد الرديعان أنه فيما يخص قناة الجزيرة، فمن المعلوم أن لها امتيازات خاصة في تركيا على وجه التحديد؛ فقد كانت أجهزة الشرطة التركية تزودها بمعلومات لا تزود بها جهة أخرى. لا ننسى أن الدعم الذي قدمته قطر لتركيا (١٥ مليار دولار) مكَّنت الجزيرة أن تكون الابن المدلل لتحظى بتغطية غير مسبوقة للحدث.

وأتفقُ مع الأستاذة مها عقيل في أن تغطيتنا للحدث كانت فقيرة بكل المعايير، فنحن لم نرسل أيَّ صحفي أو معلق لتغطية الحدث الذي كان العالم يغطيه بصورة مكثفة. أيضًا كما قالت الأستاذة مها، لم يكن هناك تصريحٌ يومي من وزارة إعلامنا حول الحدث، لم يكن لإعلامنا أيُّ دور في القضية وكأنها لا تعنينا. هذا خلل كبير لن يتسامح معه المتلقي السعودي.

وذكر م. حسام بحيري أن قناة العربية مثالٌ جيد لفشلها الذريع في إدارة الأزمات الإعلامية، واليوم ليس لها أي مصداقية عند المشاهد، ولم تستطع مجاراة الجزيرة، الذي أصلًا كان الهدف من تأسيسها. بعد كل هذه السنين من الدعم المالي عندما احتجناها وجدنا أن جهودنا ضاعت هباء منثورًا.

أضاف د. مساعد المحيا أن الجزيرة بثت ساعات من أمام القنصلية لعدة أيام، وبثت ساعات من أمام منزل القنصل. بينما كان يمكن أن تقوم العربية بأداءٍ أفضلَ لو كانت تنقل صورةً أكثر شموليةً وتركيزًا وعمقًا من الصورة السيئة التي تنقلها الجزيرة.

ويعتقد د. حميد المزروع أن الإعلام الرقمي سيكون أكثر تأثيرًا من الإعلام المرئي خلال العقد القادم، وهذا ما نحتاج أن نؤسِّس له من الآن.

وذكر د. خالد الرديعان أنه لاحظ أن هناك عشرة أشخاص يَتبَعون طاقم قناة الجزيرة في الميدان (إسطنبول) يغطون الحدث أولًا بأول، ناهيك عن الضيوف الذين تتم استضافتهم من قِبل مذيعي الجزيرة وذلك في الميدان، في حين أن قنواتنا نائمة تمامًا. وإن كان أ. سمير الزهراني يعتقد أنه من الممكن أن العربية ربما لم يُؤذن لها بالتواجد.

أضاف أ. إبراهيم سنان أن الجزيرة منذ نشأة قناة العربية عملت وسعت جاهدة على تشويهها وصهينتها حتى تمَّ لها ذلك، ونجحت في تحقيقه في غالبية انطباعات الجمهور، سواء بشكل صريح أو شكل مبطن في النفوس.

ويُذكر أن الجزيرة في أول نشأتها بعد أزمة الخليج كانت غالبية برامجها من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية، وكذلك كان مذيعوها والعاملون فيها كوادر مستقطبة من البي بي سي في الأغلب.

وهي تأسست على مبدأ أنها في منطقة إعلامية حرة ليست خاضعة لقوانين البلد التي تصدر منها، وليس لها علاقة بسياساتها (وهذا غير صحيح).

وأرى أن أي إعلام كي ينجح يجب أن يصدر من منطقة إعلامية حرة بمعنى (حرة) لا تخضع لقوانين البلد الذي تصدر عنه على الأغلب، كالمناطق الاقتصادية الحرة. نحتاج منطقة أو مدينة إعلامية حرة.

بعض الرؤى لمواجهة أخطائنا

ذكرت د. الجازي الشبيكي أن إحدى التغريدات التي أراها على سبيل المثال إحدى سبل الرؤى لمواجهة ومعالجة الأخطاء بعون الله مستقبلاً وبالأخص في مجال الإعلام. حيث تحدثت التغريدة أن خطابنا الإعلامي للخارج يحتاج إلى: قناة تلفزيونية قوية تبث بالإنجليزية، تتمتع بميزانية ضخمة، ويجلب لها أفضل الكفاءات في مختلف حقول العمل التليفزيوني، ولديها مكاتب ومراسلون في عواصم القرار في العالم. بالإضافة إلى ضرورة إقامة علاقات ممتازة مع الصحف العالمية ذات التأثير القوي، والتعاون مع كتابها.

وأضيف إلى ما جاء بالتغريدة، أهمية أن نعمل على خطة طويلة المدى في  تدريب كفاءات إعلامية متميزة من الشباب على آليات صناعة الأخبار، والتأثير القوي في المتلقي بناء على المعلومات الوافية والصحيحة، هذا بدوره سيتطلب إنشاء مراكز إعلامية على مستوى عالٍ من المهنية، كما يتطلب مركز معلومات للدولة يُحدًث بالبيانات كل ثانية وليس كل دقيقة، إلى جانب قنوات تواصل قوية بوسائل الإعلام العالمية المؤثّرة بكافة  أشكالها.

إنشاء مركز عالمي للدراسات الإعلامية

كذلك أورد د. مشاري النعيم مقالاً له نشر بجريدة الرياض بتاريخ 21 أكتوبر 2018*، بعنوان “لماذا نحتاج مركزاً عالمياً للدراسات السعودية؟”، ذكر د. مشاري بالمقال (كسب الرأي العام العالمي يجب أن لا يكون مبنياً على ردود الأفعال بل يجب أن يكون عميقاً، وطويل المدى من خلال تطوير علاقات معرفية وأكاديمية مع المؤثرين في العالم، وهذا لا يتحقق بين يوم وليلة بل يجب أن نعمل على إيجاده ودعمه بالإمكانات اللازمة.

أنا على يقين أن جميع السعوديين تابعوا الحملة الشرسة للصحافة العالمية على المملكة، ومحاولتها إلصاق تهمة مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي ببلادنا بصورة قذرة ومقززة. وبصرف النظر عما حدث لخاشقجي أو ما ستؤول له التحقيقات في ملابسات هذا الحادث لابد أن أقول: إن هناك دروساً عظيمة مستفادة من كل ما حدث. يقولون: “الضربة التي ما تموتك تقويك”، والمملكة تعودت على مواجهة المخاطر، وتاريخها مليء بالنضال ومواجهة التحديات، ولكن قد يكون شكل هذه التحديات قد يغير الأمر الذي يتطلب تغيراً نوعياً في المواجهة. ما أقصده هو أن مواجهة الإعلام الكاذب يجب أن تكون ببناء المعلومات الصادقة التي تظهر حقيقتنا أمام العالم، وهذا ما ينقصنا فعلاً. لقد أعجبتني كثير من التعليقات التي ردت على التسريبات التركية في قضية “خاشقجي”، وأعجبني أكثر المواطن السعودي البطل الذي تصدى لكل وسائل الإعلام بكل اللغات العالمية، وهو الأمر الذي لاحظه العالم أجمع، وبين الإمكانات البشرية الهائلة التي نملكها ولم نعرف استغلالها. البعض يرى أن إعلامنا “رسب” في الامتحان “وهذا دون شك فيه تحامل” لكن المواطن السعودي بولائه وحبه لبلاده هو الذي نجح، ومع ذلك أعود وأقول: إن هذا لا يكفي، نحن بحاجة إلى شيء أكبر وأكثر تنظيماً.

قبل حادثة خاشقجي وفي هذه الصحيفة طرحت عدة مرات تأسيس مؤسسة أو مركز عالمي للدراسات السعودية يكون مقرها “نيويورك”Foundation For Saudi Studies، هدفها بالدرجة الأولى بناء الحقائق التي تساعد متخذ القرار في المملكة على المستوى العالمي. هذه المؤسسة يجب أن تعمل على إبراز الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفنية والتاريخية للمملكة، ونشر دراسات رصينة بالتعاون مع كبريات المؤسسات العلمية والأكاديمية العالمية؛ لأن المعلومة التي يصدقها العالم هي “ما يشهد به الأعداء”، وليست تلك التي ندعيها لأنفسنا. ما سمعته وقرأته من تلفيق عن المملكة خلال الأسبوعين الأخيرين جعلني أكثر إيماناً بأهمية هذه المؤسسة التي يجب أن تؤسس عاجلاً ودون تردد.

كسب الرأي العام العالمي يجب أن لا يكون مبنياً على ردود الأفعال بل يجب أن يكون عميقاً، وطويل المدى من خلال تطوير علاقات معرفية وأكاديمية مع المؤثرين في العالم، وهذا لا يتحقق بين يوم وليلة بل يجب أن نعمل على إيجاده ودعمه بالإمكانات اللازمة، والتخطيط للدور الذي يجب أن يقوم به والأهداف التي يحققها حتى إذا ما مررنا بأزمة مثل هذه الأزمة التي نمر بها الآن تكون هذه المؤسسة بمخزونها المعرفي وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية هي المحرك للرأي العام العالمي، والداعم لمتخذ القرار في بلادنا. هذه الاستراتيجية باتت ضرورية في الوقت الراهن، ومن الأحسن أن لا نتأخر في إطلاقها، والعمل على تحقيقها بهدوء.

يفترض من هذه المؤسسة، لو وجدت، أن تكون الرافد الأهم للإعلام العالمي وحتى المحلي في كل خطوة تحتاجها المملكة في قراراتها القادمة؛ لأن دورها هو التهيئة غير المباشرة، وإبراز نقاط القوة التي تملكها بلادنا. لقد لاحظت في كثير من المناسبات أننا نفتقر إلى المعلومة الرصينة التي يمكن أن يصدقها الآخرون، وما لم تخرج هذه المعلومة من مؤسسات إحترافية علمية تملك شراكات متجذرة مع مؤسسات علمية معروفة لن تكون المعلومة ذات قيمة. الهدف هنا أن تكون لدينا مؤسسة عالمية للدراسات السعودية تساهم في بناء صورة المملكة المستقبلية وتدعمها في خطواتها التنموية، وتساندها في قراراتها السياسية، وتشكل درعاً معرفياً وقت الأزمات تدعمنا في مواجهة الرأي العالم العالمي.

ما يثار هذه الأيام حول جمال خاشقجي يجب أن يعلمنا أن نعتمد على أنفسنا، وأن تكون لنا مؤسساتنا التي تصنع الرأي العام، وتكون قادرة على توجيه الإعلام في العالم. هذا هدف استراتيجي يجب أن يقترن باستراتيجيتنا التنموية. هناك مؤسسات إعلامية، وهناك مؤسسات تصنع المعلومات الموثوق بها التي تدعم المؤسسات الإعلامية، وفي اعتقادي أن مؤسسة عالمية للدراسات السعودية يمكن أن تقوم بهذا الدور إذا ما أحسن إدارتها، وقامت ببناء شبكة من العلاقات من المؤثرين في المجالات كافة، وأقنعتهم بالعمل على صناعة المعلومة الرصينة عن المملكة.

علقت د. الجازي الشبيكي على المقال بأن هذا هو التوجه الذي تحتاجه بلادنا في الوقت الحاضر، وهذا ما أردنا التركيز عليه في الفترة الحالية؛ الإيجابية في طرح الرؤى المستقبلية لمعالجة الأخطاء.

أضاف د. رياض نجم أن وسائل الاعلام المؤثرة ليست مجرد تخصيص كم هائل من الأموال والأفراد الذين يعملون فيها، بل بمهنيتها ومصداقيتها ومتابعتها للأحداث، وتمكنها من إستقاء المعلومة من عدة مصادر وليس مصدراً واحداً. وهذا ينطبق أيضاً على مراكز الدراسات والأبحاث.

مواطن الخلل التي كشفت عنها الأزمة وسبل علاجها

في تصور أ. جمال ملائكة فإن قضية خاشقجي تعتبر أزمة خطيرة هزت سمعة المملكة (وإن أظهرت لنا العدو من الصديق)، فيجب إستحداث خلية أزمة علي مستويٍ عالٍ من الكفاءة والمهنية والمصداقية والأمانة ليس فقط لتقييم ما حصل ولكن لتقييم كثيرٍ من الأمور لمعاونة صاحب القرار لإعادة النظر فيما يمكن أن يؤثر علي البلاد سلباً وتدعيم الإيجابيات في نفس الوقت. وربما تكون فرصة لتوسيع صلاحيات مجلس الشوري و اختيار قامات وكفاءات بجانب ما هو موجود.

كما يرى د. خالد الرديعان أن الضغط الذي تعرضت له المملكة أثناء هذه الأزمة (مقتل خاشقجي) شديد للغاية، ويفترض بعد أن تهدأ الامور مراجعة كل شيء واستخلاص العِبَر.

يفترض والحال كذلك عقد ورشة عمل موسعة تضم عدد كبير من المتخصصين لمعرفة مواطن الضعف والقوة والفرص والمهددات حسب اختبار swot والخروج بتوصيات قوية قابلة للتنفيذ، على أن يتسم مجمل العمل بالشفافية المطلقة حتى لو كانت مؤذية، وذلك لعلاج الأوضاع جذرياً لكي لا يتكرر ما جرى، وأن يكون هناك إستعداد تام لمثل هذه الأزمة غير المسبوقة.

وأرى أن هذه الأزمة كشفت عن مواطن خلل يفترض أن لا تمر هكذا دون علاج، ومن ذلك انكشاف إعلامنا وعدم قدرته على الحراك كما ينبغي وفي الوقت المناسب.

كما يفترض إتباع أساليب مختلفة مع الأصوات المناوئة في الخارج غير الأساليب المتبعة حتى لا تتورط أجهزتنا الحكومية بأخطاء فادحة تفتح عليها أبواب جهنم من كل الاتجاهات.

كما يفترض تقليص بؤر التوتر في المنطقة بقدر المستطاع وعدم زيادة عدد الاعداء إن كان الى ذلك من سبيل.

أضافت د. فوزية البكر أن المطلوب الآن هو أن نتريث ونعيد الحسابات وأساليب العمل خاصة فيما يتعلق بالسياسات الخارجية، فالمبالغة في ردود أفعالنا أحياناً على سوء التفاهم -مثل ما حصل مثلاً مع ألمانيا أو كندا- أوغر صدورهم ضدنا، وجرح كبرياءهم، ولم نكن بحاجة لذلك أصلاً، فنحن في معركة حضارية نحاول فيها بناء السعودية الجديدة من الداخل، ونحتاج لكل الموارد، ونحتاج لكل الدعم من الداخل والخارج. لذا فإعادة النظر فيما يقدم من إقتراحات للتعامل مع الخارج ضروري لفهم اللعبة الدولية.

ولا ننسي أننا محسودون وسنظل محسودون دائماً علي تمتعنا بما منحه الله لنا  من هبات دون العالمين وهو في رأيي: (رعاية الحرمين، مصادر البترول الوفيرة، حكم سعودي مستقر لمئات السنين).

والآن بوجود الرؤية، وبقيادة ولي العهد الشابة لدينا فرص ذهبية لتغيير بلادنا  ولقيادة واثقة للعالم العربي والإسلامي، وفي هذا ما فيه من أحقاد ومنازعات لبقية القادة من حولنا كما نرى، والذين يطرحون أنفسهم كقادة لعالمنا الإسلامي.

وبقدر ما حصل في حادثة خاشقجي من أخطاء قاتلة يخطر لي أننا أحياناً أمام مؤامرة خطيرة لإرباك دولتنا المستقرة، لكني لا أريد لشعور الضحية أو حس المؤامرة أن يصرفني عن النظر والمراجعة لما تم من أخطاء. علينا إعادة المراجعة، والتماسك ببلدنا وقيادتنا، وإظهار الدعم المطلق مهما كانت الأخطاء. لكن أيضاً الشفافية مطلوبة الآن.

اتفقت معها د. الجازي الشبيكي وأكدت أن هذا ما يجب علينا فعله من عمل، وما يجب أن لا ننساه من مقومات حبانا الله بها، علينا دائماً تذكرها للبدء من جديد بقوة ومحاولة نسيان ماجرى واعتباره درساً نتعلم منه رغم قساوته.

ما يفترض أن نكون عليه مستقبلاً

من جانبه يتصور د. عبد الله بن ناصر الحمود أن ما يفترض نكون عليه مستقبلاً هو كالآتي:

– بناء إعلام قوي بتخصصات متعددة، لإظهار الصورة الحقيقية للمملكة .

– إستكتاب كتاب إقليميين ودوليين في اكثر الدول تأثيراً لنقل المطالب والآراء التي تخدم المصالح السعودية.

– التركيز على بناء الإنسان من جديد، تعليمياً وثقافياً عبر خطط مدروسة تتفق ومستقبل المملكة في رؤيتها 2030.

– رفع درجة الاستراتيجية التنسيقية بين القطاعات الحكومية المسؤولة عن تأهيل المواطن.

– نشر المعلومات الداعمة لخدمة الوطن عامة وبشفافية مطلقة، حتى يكون المجتمع شريكا في الرأي ولو عبر الوسائل الإعلامية المتاحة.

– إعادة هيكلة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وأن يكون مركزاً للبناء الحضاري.

– التركيز على بناء حاضنات إجتماعية تسهم في تقديم الدورات والدراسات في العلوم الإجتماعية كافة.

دعمنا الكامل لأميرنا

أشارت د. فوزية البكر إلى أنه مهما كان الأمر فنحن نقبل الأخطاء ولكننا مع أميرنا قلباً وقالباً وهذا ما يجب أن يعرفه الغرب. يجب ان يعرفوا أنه حتي لو أخطأ البعض وحاولوا يلصقونها في القيادة فهذا لن يؤثر علينا كسعوديين، فنحن مع القيادة.

وفي هذا الوقت الصعب فإن الدعم للأمير محمد بن سلمان مطلوب لأنه عراب التغيير، وولادة سعودية جديدة، ومن حولنا لا يريدون ذلك. قد تحدث أخطاء فردية لكنها يحب أن لا تؤثر في مسارنا، نحن ماضون في خطط التغيير والرؤية مهما حاول العالم إيقافنا. ووقوف المواطن مع قيادته أمر مشروع في السراء والضراء، نحن في رقابنا بيعة لميلكنا وولي عهده الأمين.

لذا فإننا ومهما حدث فلن نهتز أو نسمع كلمات الغادرين أو الحاقدين، منذ تأسيس هذه البلاد ونحن يد واحدة، فلن تؤثر علينا كلمة حاسد أبداً.

علقت د. الجازي الشبيكي بأن هذه حقيقة؛ الكمال لله وحده  ونحن بشر ولسنا ملائكة، لكن حينما نقارن بين خطأٍ قد يكون ارتُكِب من شخصية ما أو نظام  ما وبين الإيجابيات العديدة لتلك الشخصية أو ذلك النظام لصالح الوطن والمواطن، هنا علينا أن نتخذ موقفا قوياً مسانداً  لصالح وحدة وطننا وأمنه وتقدمه.

أضافت د. فوزية البكر؛ هنا يجب التمييز والقبول بِما قدَّر الله لنا، لكن نوضح مواقفنا لأن الأمر خطير حقاً، ودعم القيادة الآن مطلب وطني.

الحادثة أوقفت العالم على قدميه، وأوقف أمتنا المكونة من ٣٢ مليون شخص على قدميها للأسبوع الثالث على التوالي.

وأرى أنه يجب أن يتوقف هذا الإبتزاز حين نعلن للعالم وقوفنا مع القيادة والمضي في محاسبة المتسببين المتسترين. ويكفي من قادتنا  بارك الله فيهم أنهم تحدثو على الملأ  بكل شفافية وثقة.

واجب التصحيح بعد الأزمة

أورد أ. عبد الله الضويحي مقالاً للدكتور. جاسر الحربش، منشور بصحيفة الجزيرة الالكتروني* بعنوان “العقاب على قدر الجريمة.. وواجب التصحيح بعد الأزمة” بتاريخ  22 أكتوبر 2018 جاء بالمقال: (أقدم إعتذاري المصحوب بالتعليل عن مقال كتبته أثناء إحتدام الحملة الإعلامية الشرسة ضد وطني المملكة العربية السعودية. افترضت حينها بناءً على المتوفر من الإعلام والإعلام المضاد أن المرحوم جمال خاشقجي افترسته الضباع التي اختار إدخال نفسه معها في صداقة. الصحفي جمال خاشقجي -رحمه الله- صادق بالفعل ضباعاً أجنبية متعددة معروفة بعدائها لوطنه، تحاول تعطيل أي سبق حضاري علمي في المنطقة قبل تحقيقه من قبل تلك الدول المعادية. الذي اتضح فيما بعد أنه قتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.

على كل الأحوال مهما كانت، كمواطن سعودي جل اهتمامه هو بقاء وطنه سليماً معافى لأبنائه وأحفاده وأجياله القادمة، أعتبر أنني كنت تائهاً ومتوهاً بين إعلام خارجي أخطبوطي متعدد الأذرعة ومدلس شرس، وإعلام داخلي هزيل لا يسر الناظر ولا السامع. أتحدث عن نفسي، لم أكن قبل ظهور البيان الرسمي لأصدق أن يقتل مواطن (أو أي إنسان) في إحدى ممثليات المملكة العربية السعودية المكلفة أساساً بحماية الحياة والمصالح. غزارة التسريبات وتتابعها على مدار الساعة قبل انتهاء التحقيق في تركيا، وتوفير تسريبات لإعلام أجنداته الأساسية من قبل هي معاداة السعودية وتخريب الأمن العربي، بالإضافة إلى غض الطرف عن جرائم أعدائها المعدودة بالملايين من القتلى والمغتصبين والمشردين، ذلك كان السبب المنطقي لعدم تصديق ما تبين لاحقاً أنه الحقيقة المفجعة التي لم يسجل مثلها من قبل على السعودية.

الذي أعرفه عن دولتي مقارنة بأغلب دول العالم أنها توقف وتحقق وتسجن المعارضين المجاهرين بالمعارضة، لكنها لا تغتال ولا تقتل، وما زلت متأكداً من هذه الحقيقة. قتل المعارض المعادي يحدث في السعودية عندما يرفع السلاح في ميدان قتال صريح وفي مجالات الدفاع عن النفس والوطن. الذي أعرفه أيضاً ومتأكد منه أن السلطات الأمنية السعودية لا تعتدي على محارم المعارضين مثلما تفعل دول إقليمية وعربية وشرقية وغربية، وربما هي من الدول الأقل أو الوحيدة في ذلك.

لكنني للأسف أعرف أن إعلامنا السعودي رسمي أكثر من اللازم بما يشمل الإعلام الخاص والعام. كنت أعلل النفس باعتبار ذلك من لوازم المراحل والظروف إلى أن ينتهي تحييد الإرهاب وعملاء الأجندات الخارجية. من المؤسف أن محدودية سقف الإعلام السعودي أوصلت أصحاب الولاء الكاذب والمنتفعين إلى مراكز حساسة وضارة للحاكم والمحكوم والمستقبل، ليس لأنهم من أصحاب الكفاءات المهمة وإنما لإجادتهم التملق والتمصلح والتسلق على أكتاف الدولة والوطن.

اليوم نمر جميعاً بمرحلة حساسة اهتزت فيها مصداقيتنا (مؤقتاً فقط بعون الله) أمام دول وأنظمة صريحة العداء لنا، ولها حساباتها القومية والتوسعية في منطقة لم يبق منها مستقراً سوى بعض دول مجلس التعاون الخليجي. المرحلة تتطلب على كل المستويات حسن اختيار العقول والضمائر الحية المناسبة ورفع ما لا لزوم له من التحكم بها، لكي تستطيع خدمة الوطن والمواطن والدولة بإخلاص وشفافية. سمعة الوطن تتطلب تقديم كل من تسبب في هذه الأزمة إلى المحاكمة العادلة في أسرع وقت ممكن وقد قالت المملكة أنها ملتزمة بتقديم جميع المتورطين إلى العدالة.

علقت د. الجازي الشبيكي بأن هذا المقال واقعي وموضوعي، ويعبر عن صدمتنا بما حصل، كما أنه طرح لمقترحات حلول مستقبلية وخاصة في مجال الإعلام. أضاف د. زياد الدريس أن وطننا المستهدف بحاجة الآن إلى مثل مقال د. جاسر الحربش الذي يجمع بين المحبة والصراحة.

بالرغم من إتفاق د. زهير رضوان مع ما ذهب إليه د. زياد إلا أنه يرى أن مقال د.جاسر كان ينقصه توجيه النقد لتقصير جهاز الاستخبارات في أداء عمله والخطأ الجسيم الذي وقع منهم. وأرى أن تقوم الجهات الإعلامية لدينا بتوجيه الدفة نحو جهاز الإستخبارات مثلها مثل أي جهاز حكومي يقوم بمثل هذا الخطأ، وذلك لإغلاق الباب أمام الإعلام المعادي بتسييس القضية ضد ولي العهد حفظه الله.

وعلق د. زهير رضوان بأن الكلام الغير مباشر لا يفيد في هذه القضية العالمية، لابد من التطرق إلى قضايا مثل: لماذا ترسل الاستخبارات ١٥ شخصاً لإقناع خاشقجي بالعودة للوطن؟، والجواب لهذا السؤال هو الفساد الإداري للإنتفاع من الإنتداب والبدلات المالية، وذلك للرد على الإعلام المعادي الذي يقوم بتأليف قصص لمهام دقيقة لكل شخص، وكذلك قولهم إن هذا العدد الكبير لأداء المهمة لا يمكن أن يكون إلا من صلاحية ولي العهد، ونحن نعلم جميعاً أن أقل مسؤول يمكن أن ينتدب أكثر من 50 موظف إذا أراد ذلك.

إلا أن أ. عبد الله الضويحي لا يعتقد أن الهدف كان الإنتداب والميزات السفرية، فلديهم من البدلات ما يكفي. كما أن العدد لسبب لا نعلمه لكنه سوء تقدير. من جانبه ذكر د. زهير رضوان؛ نحن لا نبحث عن سبب، وإنما نبحث عن رد على الإعلام المعادي بسرد رواية وتحليل للواقع من الفساد الإداري في بعض الأجهزة الحكومية ومنها الإستخبارات العامة. أضاف أ. عبد الله الضويحي أن البيان الرسمي أشار إلى ذلك، عندما تحدث عن إعادة هيكلة الجهاز وطريقة تعامله مع الأحداث.

موقف منظمات حقوق الإنسان السعودية

أشار د. خالد الرديعان أن صمت منظمات حقوق الإنسان السعودية عما جرى للكاتب جمال خاشقجي رحمه الله غير مفهوم. وكان الأولى أن تكون هذه المنظمات في مقدمة المتحدثين والمعلقين على الحدث -على الأقل-لإعطاء صورة للرأي العام العالمي أنها موجودة وتعمل حتى لو كان نطاق عملها محدوداً.

صمت المنظمتان السعوديتان (إحداهما حكومية والأخرى أهلية) غير مبرر، ويظهرهما بصورة سلبية للغاية، إلا إذا كانتا معنيتان فقط بقضية المواطن في الداخل، وأن جهات أخرى معنية بالمواطن في الخارج وهذا مفارقة مضحكة. يفترض والحال كذلك إعادة النظر بهاتين المنظمتين وعملهما، والصلاحيات المتاحة لهما، ونطاق حراكهما وقوة تأثيرهما.

صورتنا في الخارج تشوهت كثيراً ونحتاج سنوات لبناء صورة جديدة خالية من النتوءات، ولعل تنشيط المنظمتين وإعطاءهما مساحة حراك أوسع مما يعيد لنا الصورة الناصعة والإيجابية ضمن جهود أخرى تبذلها الجهات الحكومية الأخرى كل في مجاله.

بينما ترى د. منى أبو سليمان أن هذا الصمت ربما يرجع لأن المعلومات كانت غير متوفرة وخط الرد غير معروف، أو خشية أن يستخدم كلامهما ضد السعودية.

تباين الآراء حول تصريحات الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان

وذكرت د. وفاء طيبة؛ باعتباري عضو في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أورد هنا تصريحات الجمعية الخاصة بقضية جمال خاشقجي رحمه الله:

– الأول: (تصريح رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان حول قضية الكاتب خاشقجي).

تابعت الجمعية الوطنية لحقوق الانسان بقلق بالغ قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، والجمعية إذ تؤكد على أهمية التسريع بكشف ملابسات هذه القضية من خلال جهد مشترك بين الحكومتين السعودية والتركية، وبما يحقق العدالة ويكشف الحقيقة كاملة، إلا أنها لاحظت وبأسف بالغ، سعي بعض الجهات الإقليمية والدولية والحقوقية لتوظيف هذه القضية توظيفًا سياسيًا، بهدف خدمة بعض الأجندات والتوجهات والمواقف المناهضة لسياسة المملكة وبدون أي اعتبار لمقتضيات العدالة او مراعاة مشاعر أسرة الاستاذ خاشقجي وأقاربه.

وبين رئيس الجمعية د. مفلح بن ربيعان القحطاني أنه ينبغي ترك الأمر لفريق التحقيق المشترك السعودي التركي، وانتظار ما يتم التوصل اليه.

وأضاف أن محاولة بعض وسائل الاعلام النيل من سمعة المملكة سياسياً واقتصادياً بسبب هذه القضية، يتعارض مع التزام وسائل الإعلام بنقل الحقائق وعدم التأثير على مسارات التحقيق والإجراءات القانونية التي تقوم بها الجهات المعنية.

وأكد أن موقف المملكة بخصوص هذه القضية كان واضحاً منذ البداية حينما طالبت بضرورة كشف الحقيقة.

– الثاني: (الجمعية تشيد بالإعلان السعودي عن النتائج الأولية في قضية خاشقجي وتؤكد على أهمية تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة).

أشادت الجمعية الوطنية لحقوق الانسان بالإعلان السعودي عن النتائج الأولية للتحقيق في قضية المواطن جمال خاشقجي، وما انتهى اليه التحقيق من ايقاف وإنهاء خدمات مجموعة من الاشخاص ممن لهم علاقة بهذه القضية.

وأكدت الجمعية على أهمية تقديم المسؤولين عن إرتكاب هذه الجريمة إلى العدالة لينالوا عقابهم.

وبين رئيس الجمعية د. مفلح ربيعان القحطاني بأن هذه التحقيقات وهذه النتائج تؤكد أن المملكة لا تتسامح مع الخارجين على القانون أو من يعتقد أنهم مسؤولين عنهم أو متسترين على أفعالهم.

وأضاف بأنه ينبغي بعد ظهور هذه النتائج أن تتوقف تلك الحملة المنظمة والتي استهدفت الدولة السعودية ككيان بهدف النيل من سمعتها سياسياً واقتصادياً وحقوقياً.

علق د. زهير رضوان بأن الجمعية أحسنت في كلا التصريحين في البداية حتى وصل إلا أنني أرى أن معظم ما جاء بالتصريحين ليس من اختصاص هيئة حقوق الإنسان وإنما من اختصاص وزارة الإعلام.

تعتقد د. وفاء طيبة أن الجمعية إعتبرت من واجبها متابعة موضوع حقوقي مثل هذا. وأضيف هنا تعليق هيئة حقوق الإنسان: (رئيس هيئة حقوق الانسان في تعليقه على ما صدر بخصوص المواطن جمال خاشقجي رحمه الله: هذه الأوامر والتدابير تؤكد بشكل لا لبس فيه أن حماية حقوق الإنسان من أهم أولويات الدولة.

أكد معالي رئيس هيئة حقوق الإنسان الدكتور بندر بن محمد العيبان أن التوجيهات التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله- على إثر الحدث المؤسف والأليم الذي أودى بحياة المواطن جمال خاشقجي -رحمه الله- ومنها توجيه النائب العام بالقيام بالتحقيق لكشف ملابسات مقتل المواطن جمال خاشقجي، الذي أدى إلى كشف مصير الفقيد -رحمه الله-، وما تبع ذلك من التحفظ على المشتبه بهم لاستكمال التحقيقات، وما صدر من إعفاءات لعدد من المسؤولين، تهدف إلى تحقيق العدالة، ومحاسبة المتورطين في هذه القضية والمقصرين، وتطبيق العدالة بكل حزم وشفافية.

وقال: كما أن تشكيل لجنة وزارية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، لإعادة هيكلة رئاسة الاستخبارات العامة التي تهدف إلى تحديث نظام الاستخبارات العامة السعودية ولوائحها وتحديد صلاحيتها بشكل دقيق، تؤكد حرص القيادة -حفظها الله -على ترسيخ أسس العدل وفق الشريعة الإسلامية وحماية أمن وسلامة جميع المواطنين والمقيمين في هذا الوطن، والحرص على سلامة مواطنيها في الداخل والخارج.

وأوضح معالي رئيس هيئة حقوق الانسان أن هذه الأوامر والتدابير تؤكد بشكل لا لبس فيه أن حماية حقوق الإنسان وفق أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة، تعد من أهم أولويات الدولة، وأن القضاء سيكون له الكلمة الفصل في تحقيق العدالة وتقديم المتورطين للمحاكمة العادلة.

وقدم معاليه أحر التعازي لأسرة الفقيد-رحمه الله- سائلاً المولى أن يلهم أهله جميل الصبر والسلوان).

علقت د. وفاء الرشيد بأن هذا التعليق يمكن أن يكون لأي جهة رسمية أخرى غير هيئة حقوق الانسان، وأرى أن إلتزام الصمت كان أفضل.  اتفقت معها د. وفاء طيبة، حيث ذكرت أنه كان يمكن أن يصدر هذا التعليق من أي جهة رسمية، كما أني لا أرى أن يتم التعليق من جهة حقوقية بطريقة تميل للدولة، فقد شعرت أنه تعليق منحازاً نوعاً ما.

بينما يعتقد أ. عبد الله الضويحي أن هيئة حقوق الإنسان هي هيئة حكومية لذلك من الطبيعي أن ينسجم تعليقها مع توجه الحكومة. أما: جمعية حقوق الإنسان فهي وطنية ومؤسسة مجتمع مدني وهي التي يفترض أن تستقل برأيها.

المملكة تواجه أزمة في علاقاتها الخارجية

أشار د. منصور المطيري إلى أن أحد الزملاء كتب الآتي: تواجه المملكة اليوم أزمة حقيقية في علاقاتها الخارجية، وحسب أدبيات الأزمات الدولية فهناك مظاهر لعملية صناعة القرار أثناء الأزمة من أبرزها:

– الضغط النفسي الكبير الذي يعيشه صانع القرار والذي يؤثر على قدرته على اتخاذ قرار رشيد قائم على حساب للأرباح والخسائر.

– الكم الكبير من المعلومات المتضاربة ونزعة صاحب القرار إلى إنتقاء المعلومات التي تؤكد ظنونه حتى لو كانت خاطئة وهو ما يزيد من إحتمالات إتخاذ قرار غير رشيد.

وبسبب الثورة المعلوماتية فقد زادت حدة هذه المظاهر؛ حيث زاد الضغط الشعبي على صانع القرار لاتخاذ موقف حاسم وسريع واتسعت دائرة التضليل الإعلامي الذي يجعل النسبة الأكبر من المعلومات مختلق بهدف التشويش على عملية صناعة القرار.

ولذلك أتوجه بهذه النصائح لصانع القرار:

– تجنب الهلع من خروج الأحداث عن سيطرتك مهما شعرت بالضغط لأن الهلع يضاعف إحتمالات إتخاذ القرار الخاطئ.

– الإنفتاح على جميع مصادر المعلومات وتقييمها بدقة وعدم الإنحياز لتلك المعلومات التي تعزز قناعاتك السابقة. (مثال؛ أنا مستهدف) فهذه تضعك في زاوية ضيقة جداً وتقلل خياراتك.

– تذكر أن المملكة مرت بأزمات أخطر (تداعيات الثورة الإيرانية وهجمات سبتمبر)، ونجحت المملكة بهدوئها التقليدي من امتصاصها وخرجت منهما أكثر قوة.

ما يقلقني هو مبالغة صانع القرار في متابعة ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي وتحديداً (تويتر)، واعتماده مصدراً لمعلوماته، وموجهاً لقراراته، وهذا يظهر بوضوح فيما يصدر من قرارات من عدة جهات حكومية إستجابة لما ينشر في تويتر. هذه الوسائل تجمع بين خاصيتين سلبيتين: (الغوغائية والتضليل المعلوماتي strategic disinformation campaign)، وهذه أخطر وصفة يمكن أن يعتمد عليها صانع القرار في التعاطي مع أزمة بهذا الحجم.

دافوس وتحسين صورة المملكة

أورد د. حميد الشايجي تغريدة “دافوس الصحراء: غداً يبدأ المستقبل المشرق. غداً ثورة الاستثمار العالمي. غداً الجميع ضيوف المملكة. الرأس مرفوع والرايات مرفوعة”.

وأضاف؛ نتمنى التوفيق لدافوس الصحراء في ظل الظروف الراهنة، وأن يكون محفزاً قوياً للنمو الاقتصادي في المملكة، وفرصة لإيجاد أجواء إيجابية بديلة عن أجواء الأيام الماضية. في هذا الإطار تساءل أ. عبد الله الضويحي، هل يمكن استثمار هذا المنتدى العالمي لتصحيح صورة المملكة واستعادة الثقة!؟، وكيف؟.

¤     التوصيات:

– يحتاج الإعلام المحلي لثقة الجهات الرسمية وتفاعلها العلني مع كل ما ينشره؛ وبهذا يسهم في صُنع إعلاميين بمستوى احترافي.

– تفعيل دور الملحقيات الإعلامية ضمن إستراتيجية وطنية، وبناء قدرات وطنية في المجال الإعلامي.

– العمل على تطوير وسائل إعلام احترافية في إيصال المضمون بشكل وأسلوب يحترم عقل المتلقي، ويستطيع منافسة مواقع شبكات الإعلام العالمية.

– استمالة القنوات والمحطات القوية والعريقة في الغرب، وذلك بأي صورة مقبولة من صور الاستمالة.

– وضع إطار تنظيمي لوسائل الإعلام، بحيث يكون للقنوات الرسمية أهداف وطنية محددة ليست تجارية وإنما المصالح العليا للدولة، مع منحها قدرًا من الاستقلالية وحرية التعبير بما يخدم الوطن.

– خصخصة قطاع الإعلام بجميع وسائله للخروج من عبء البيروقراطية، وللتخفيف من الإنفاق الحكومي على قطاع الإعلام، بحيث يموِّل نفسه بالطرق التجارية المعروفة.

– إضافة برنامج جديد لبرامج الرؤية الاثني عشر، يتعلق بقطاع الإعلام بكل أركانه ومكوناته، ووضع خطة عاجلة لمأسسة هذا القطاع وخصخصته بعيدًا عن سلطة الدولة التنفيذية، مع إبقاء السلطة الرقابية.

– دعم القنوات الخاصة القائمة كمجموعة mbc وغيرها، وتوفير الجهد والوقت، بحيث يوكل لهذه المحطات إنشاء قناة إخبارية ناطقة باللغة الإنجليزية لمقارعة القنوات الغربية.

– رفع سقف الحرية في الطرح الإعلامي، وضبط المادة الإعلامية المنشورة بقواعد أخلاقية ومهنية واضحة، حتى لا يصبح الإعلام فوضى.

– انتقاء لغة حضارية في التخاطب مع العالم بلغات مختلفة، تبتعد عن الأسلوب الدفاعي، وتقترب من الأسلوب البنائي، القائم على الحقائق والوضوح والشفافية، والذي تكون فيه المؤسسات الرسمية وغير الرسمية المحلية والدولية فاعلًا أساسيًا وليس الأفراد.

– توفير حماية قانونية للكتَّاب والصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي، والتفكير مليًّا في قضية إيقاف الكتَّاب أو منعهم من الكتابة أو النشر.

– توفير مزيد من الحريات لكافة المؤسسات الحكومية والمدنية، وهو ما سينشر مناخًا إيجابيًا يتوازى مع طموحات الرؤية في مجتمع مختلف، ويساعد على إبعاد الحس الأمني المقلق عن أذهان المدافعين عن برامج الرؤية.

– العودة إلى سياسة عدم التجاوز إعلاميًّا ضد الدول والشخصيات كما كنَّا سابقًا.

– إنشاء صحف إلكترونية ترقى للعالمية وبإدارة وطنية مؤهلة، وتكون ضمن منظومة مرئية، وأيضًا وبنفس الأهمية، التركيز على منصات التواصل الاجتماعي مرتبطة وتستقي أخبارها من هذه المنظومة، وتكون باللغات الحية، وأيضًا بلغات أخرى لمخاطبة الشعوب الإسلامية الغير ناطقة بالعربية بجانب اللغة العربية.

– تدريب الإعلاميين تدريبًا جيدًا في معهد عالٍ للصحافة والإعلام، ويكون هذا المعهد مرتبطًا بمركز أبحاث سياسي واجتماعي واقتصادي، يحلل نفسية وثقافات الشعوب واهتماماتها، كلّ حسب ثقافته ومقوماته.

– إنشاء مركز بحثي متقدم يختص بدراسات ثقافات الشعوب الأكثر تأثيرًا على المستوى العالمي.

– تطوير أداء المتحدثين الإعلاميين في المصالح الحكومية بين وقت وآخر، وألا يُكلف بمهمة التحدُّث الإعلامي إلا أشخاص من ذوي التخصص الإعلامي الدقيق.

– إنشاء مراكز إعلامية نوعية في السفارات السعودية، وأن تكون ذات كفاءة إعلامية متميزة، وأن تُعقد شبه شراكات إعلامية مع المؤسسات الإعلامية في البلدان التي تقع فيها دائرة السفارات، خصوصًا في الدول الغربية.

– الاهتمام بتحليل مضامين عينة من وسائل الإعلام في عينة من دول العالم بشكل دوري وبالأخص المواد التحريرية؛ للتعرف على طبيعة سمعة وصورة المملكة ووسمها (Brand) في هذه الدول؛ لأن بناء الاسترتجيات من غير معرفة الموقف هو نوع من توجيه الجهود لغير المستهدفين بالرسالة، أو بالرسالة الخطأ.

– وقف الدعم المالي عن الأجهزة الإعلامية غير الحكومية، لجعل مصداقيتها الإعلامية تحدد وجودها من عدمه.

– ضرورة إثراء المحتوى الرقمي حول مثل هذه المواضيع باللغات الأخرى من قِبل طلبة الجامعات، بالشراكة مع المؤسسات الإعلامية الرسمية في المملكة.

– بناء إعلام قوي بتخصصات متعددة ، لإظهار الصورة الحقيقية للمملكة.

– إستكتاب كتاب إقليميين ودوليين في أكثر الدول تأثيراً لنقل المطالب والآراء التي تخدم المصالح السعودية.

– نشر المعلومات الداعمة لخدمة الوطن عامة وبشفافية مطلقة، حتى يكون المجتمع شريكا في الرأي ولو عبر الوسائل الإعلامية المتاحة .

– إعادة هيكلة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وأن يكون مركزاً للبناء الحضاري.

– رفع درجة الإستراتيجية التنسيقية بين القطاعات الحكومية المسؤولة عن تأهيل المواطن.

– التركيز على بناء الإنسان السعودي من جديد، تعليمياً وثقافياً عبر خطط مدروسة تتفق ومستقبل المملكة في رؤيتها 2030.

– التركيز على بناء حاضنات إجتماعية، تسهم في تقديم الدورات والدراسات في العلوم الإجتماعية كافة .

– وضع خطة طويلة المدى في  تدريب كفاءات إعلامية متميزة من الشباب على آليات صناعة الأخبار والتأثير القوي في المتلقي.

– إنشاء مراكز إعلامية على مستوى عالٍ من المهنية.

– إنشاء مركز معلومات للدولة يُحدًث بالبيانات كل ثانية، إلى جانب قنوات تواصل قوية بوسائل الإعلام العالمية المؤثرة بكافة  أشكالها.

– إلغاء كل ما يتعلق بتنظيم الإعلام من الوزارة ونقله إلى الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع.

– تغيير مسمى الهيئة العامة للإعلام واختصاصها لتكون “الهيئة العامة لتنظيم الإعلام”، ونقل الإعلام الخارجي من وزارة الإعلام إلى وزارة الخارجية.

– تحويل هيئة الإذاعة والتلفزيون من مؤسسة حكومية إلى مؤسسة عامة وتعديل توجهها بحيث تخدم المصلحة الوطنية للمملكة، مع ضرورة إشراك بعض أصحاب الرأي المستقلين في إدارتها.

– عقد ورشة موسعة تضم عدد كبير من المتخصصين لمعرفة مواطن الضعف والقوة والفرص والمهددات والخروج بتوصيات قوية قابلة للتنفيذ، وأن يكون هناك إستعداد تام لمثل هذه الأزمة غير المسبوقة.

– ضرورة الإنفتاح على جميع مصادر المعلومات وتقييمها بدقة وعدم الإنحياز لتلك المعلومات التي تعزز قناعاتنا السابقة.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير

(حسب الحروف الأبجدية)

  • د. إبراهيم البعيز.
  • أ. إبراهيم سنان.
  • م. أسامة الكردي.
  • د. الجازي الشبيكي (رئيس الهيئة الإشرافية لملتقى أسبار).
  • أ. جمال ملائكة.
  • م. حسام بحيري.
  • د. حسين الحكمي.
  • د. حمد البريثن.
  • د. حميد الشايجي.
  • د. حميد المزروع.
  • د. خالد الرديعان.
  • م. خالد العثمان.
  • د. خالد بن دهيش.
  • د. راشد العبد الكريم.
  • د. رياض نجم.
  • د. ريم الفريان
  • د. زهير رضوان.
  • د. زياد الدريس.
  • م. سالم المري.
  • د. سعود كاتب.
  • أ. سمير خميس.
  • د. صدقة فاضل.
  • د. عبد الرحمن الطريري.
  • أ. عبد الله الضويحي.
  • د. عبد الله العساف.
  • د. عبد الله بن صالح الحمود.
  • د. عبد الله بن ناصر الحمود.
  • د. عبد الله محمد بن صالح.
  • د. عبد العزيز الحرقان.
  • د. عبير برهمين.
  • أ. علياء البازعي.
  • د. فهد الحارثي.
  • أ. فهد القاسم.
  • د. فوزية البكر.
  • د. لمياء العنزي.
  • أ. محمد الدندني.
  • م. محمد الشهري.
  • د. محمد الملحم.
  • د. مساعد المحيا.
  • د. مسفر الموسى.
  • د. مشاري النعيم.
  • د. منصور المطيري.
  • د. منى أبو سليمان
  • د. مها العيدان.
  • أ. مها عقيل.
  • د. نورة الصويان.
  • د. نوف الغامدي (رئيس لجنة التقارير).
  • د. هند الخليفة.
  • د. وفاء الرشيد.
  • د. وفاء طيبة

http://khothman.blogspot.com/2011/01/blog-post_6568.html?m=1

https://www.spa.gov.sa/viewfullstory.php?lang=ar&newsid=1817706#1817706

http://www.watanye.com/?p=86309

https://www.uqn.gov.sa/articles/1513280152406015100/

https://t.co/1xYKIVjQPG?ssr=true

https://albeayeyz.me/2018/08/29/%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%9F/

http://www.alriyadh.com/1711954

http://www.al-jazirah.com/2018/20181022/lp6.htm


تحميل المرفقات: 43.pdf