ديسمبر 2018 م

ناقش أعضاء ملتقى أسبار خلال شهر ديسمبر 2018 م العديدَ من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحُها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

  • الإعلام السعودي… هل هناك فرصة لتحسين الأداء؟
  • عضوية المملكة في G20: الأبعاد الناجعة في استثمارها اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا.
  • التقنية ومستقبل الإنسان.
  • علاقة شبكات التواصل الاجتماعي بانتشار ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية، وكيف نحمي شبابنا منها.

القضية الأولى:

الإعلام السعودي…

هل هناك فرصة لتحسين الأداء؟

–    كاتب الورقة: د. رياض نجم.

  • المعقبان:

–    د. إبراهيم البعيز.

–    د. عبد الله بن ناصر الحمود.

–    إدارة الحوار: أ. عبد الله الضويحي.

¤      الملخص التنفيذي:

يشير أداء الإعلام السعودي في التعامل مع القضايا والأزمات الكبرى وإدارتها إعلاميًّا إلى وجود خلل في إستراتيجيات وأساليب عمل المؤسسات الإعلامية السعودية، وهو ما استلزم البحثَ والعمل على تطوير وتجديد حيوية هذه المؤسسات على اختلاف أنواعها وأنماط ملكيتها، والتوجُّه نحو مجموعة من الإستراتيجيات الحديثة وإدارة التغيير على نحو يحقق الكفاءة والفاعلية للإعلام السعودي مستقبلًا.

وقد أكدت الورقة الرئيسة أن الخلل في هيكلية الإعلام في المملكة وإدارته هو ما يؤدي إلى الإخفاق في التعامل مع الأزمات التي تمرُّ بها المملكة. فقد مرَّت البلاد بأزمات مختلفة لم تتمكن وسائل الإعلام السعودية الحكومية والخاصة من التعامل معها بما يخدم مصالحَها.

وذهبت التعقيبات إلى أننا فشلنا فشلًا ذريعًا في تطوير الهيكليات الإدارية والتنظيمية لخلق بنى تحتية لتطوير صناعة الإعلام المرئي والمسموع، ومعرفة السبب تتطلب وضعَ العمل الإعلامي في سياقه الثقافي بكل محاوره وأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كما لا يمكن تصوُّر وجود إرادة حقيقية للإعلام السعودي في ضوء ما يجري في هذا القطاع من تعاقب عجيب للضعف الإداري، إضافة لسلوكيات إدارية أعجب جرت على واقع العمل بكفاءاته التشغيلية، وإمكاناته الفنية، ولم تسلم منها المؤسسات الراسخة للخدمة الإعلامية المرئية المسموعة.

كذلك ترى التعقيبات أن إصلاح الإعلام المرئي والمسموع يتطلب عدم الاقتصار على المتغيرات المحلية فقط، نحن بحاجة إلى مستوى تحليل يأخذ في الاعتبار المتغيراتِ الخارجية وما تحمله من قيمٍ ومعايير ثقافية لا يمكن تجاوزها. إضافة إلى أن مستقبل الإعلام السعودي مرهون بقدرتنا على سرعة الاستجابة لتحديات الانفتاح والتواصل الثقافي وكَسْب منافسة الإعلام الخارجي. وأشارت المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة إلى أن الوضع الحالي للإعلام السعودي من الصعب إصلاحه إلا بتغييرات هيكلية، وتسليم قيادة الهيئات إلى ذوي الخبرة والاختصاص من الكفاءات الشابة. وأكد المناقشون أن عدم الاحترافية في الإنتاج والأداء راجع للإشكالات الهيكلية والتنفيذية.

واختلفت الآراء حول ما يتعلق بنقل الإعلام الخارجي إلى وزارة الخارجية. فبينما ذهب البعض إلى أن الإعلام الخارجي مهمة وزارة الخارجية على أن يتم استقطاب إعلاميين مميزين يستطيعون معرفة مواقف المملكة من كل حَدَث وتقديمه والدفاع عنه بطريقة تناسب المستقبل؛ فإنَّ هناك مَن لا يتفق مع الفكرة ويرى أن أداء السفارات السعودية لا يُعطي انطباعًا بقدرة الخارجية على هذه المهمة. وقد رأى البعض الآخر أنه يمكن اختيار أفضل الكفاءات الإعلامية، بحيث يتم تدريبهم في مجال الإعلام الخارجي (بغض النظر لمَن يتبعون)، وتأهيلهم وفقًا للاحتياج لهم لكل دولة (على أن يكونوا من خريجي أقسام الإعلام من تلك الدول قدر الإمكان) لمخاطبة تلك المجتمعات المستهدفه بلغتهم الأساسية، وبالأسلوب الذي يستطيعون به تغير الصور السلبية عن المملكة، وهو ما نعانيه حاليًّا كحل مؤقت وسريع.

وفي نهاية النقاش، طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: تحويل القطاع الإعلامي إلى منظومة تعمل وتُدار على أسس القطاعات الخاصة، العمل على تحويل الإعلام الرسمي من إعلام حكومة إلى إعلام دولة مما يعطيه قدرًا كبيرًا من الاستقلالية الإدارية والمالية التي تمنحه سقفًا أعلى في الشفافية لتناول الشأن العام ليكسب ثقة المواطن، العمل على بناء مدينة إعلامية متكاملة كجزء من مشروع نيوم وتوفير البيئة والتشريعات المناسبة لكي تتواجد أكبر مجموعة إعلامية على أراضي المملكة، نقل كل ما يتعلق بتنظيم الإعلام من الوزارة إلى جهاز تنظيمي موحَّد مستقل ينشأ لهذا الغرض “هيئة تنظيم الإعلام المرئي والمسموع”، نقل مسؤولية الإعلام الخارجي من وزارة الإعلام إلى وزارة الخارجية باعتبارها الجهة الأقدر على القيام بهذه المهمة والتنسيق مع مركز التواصل والاستشراف المعرفي في رسم وتنفيذ ما له ارتباط مباشر بالإعلام الخارجي للمملكة، إعادة هيكلة كليات وأقسام الإعلام في الجامعات والنظر في طريقة القبول بحيث تعتمد على أهلية الطالب وقدراته وفق اختبارات ومقابلات معدة لهذا الغرض مع تدريبهم أثناء الدراسة في أماكن متخصصة ومؤهلة، إنشاء كيان مستقل خاص بالإعلان يتولى قياسَ استهلاك وسائل الإعلام بشكل مهني وفق المعايير الدولية لدعم استقلاليتها ماديًّا، فتح المجال للاستثمارات السعودية في مجال الإعلام بكل جوانبه الإخبارية والترفيهية والثقافية، الاستعانة بشركات كبرى عالمية متخصصة لتحسين الصورة المغلوطة عن المملكة؛ وذلك بنقل الحقيقة إلى المجتمعات الغربية بالوسائل المسموعة والمرئية.

 

¤      مقدمة:

إن الأداء الهزيل للإعلام السعودي في التعامل مع القضايا والأزمات الكبرى وإدارتها إعلاميًّا خاصة في الفترة الأخيرة، والتي أثبتت وجودَ خلل في إستراتيجيات وأساليب عمل المؤسسات الإعلامية السعودية، وهو ما استلزم البحثَ والعملَ على تطوير وتجديد حيوية هذه المؤسسات على اختلاف أنواعها وأنماط ملكيتها، والتوجُّه نحو مجموعة من الإستراتيجيات الحديثة وإدارة التغيير على نحو يحقِّق الكفاءة والفاعلية للإعلام السعودي مستقبلًا، ومن بين هذه التوجُّهات: “التوجه المعلوماتي، والتوجُّه نحو ضبط الجودة والتوجُّه نحو إدارة الأداء الإعلامي”، باعتبار هذه التوجهات جزءًا من المتطلبات التي يفرضها واقع اليوم الذي يتميز بــ (اشتداد المنافسة على الأسواق الإعلامية، القدرة المالية للمؤسسات، التسارع التكنولوجي في مجال الإعلام والاتصال، زيادة الالتزامات والتحديات التي تواجهها الدولة داخليًّا وخارجيًّا).

لذا تعدُّ قضية “الإعلام السعودي… هل هناك فرصة لتحسين الأداء؟” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمها د. رياض نجم، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة، وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (مشكلات في الإنتاجية والأداء الإعلامي، خصخصة الإعلام وتحرُّره، نقل الإعلام الخارجي إلى وزارة الخارجية، الإعلام الخارجي: تطويره واختيار عناصره، مركز عالمي للدراسات السعودية، الإعلام السعودي يكسب المعركة بالقرار السياسي، أهمية قياس الجمهور في مجال الإعلام، واقع الإعلام السعودي، معايير القبول في تخصصات الإعلام، هيكلة إدارية وتنظيمية للإعلام، الإعلام السعودي أكاديميًّا ومهنيًّا.. بين التفاؤل والتشاؤم، حلول مقترحة للنهوض بالإعلام السعودي، المسؤولون عن الإعلام في المملكة). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها الدكتور/ رياض نجم، وعقّب عليها الدكتور/ إبراهيم البعيز، والدكتور/ عبد الله بن ناصر الحمود.

كتب د. رياض نجم: يعتبرُ الإعلامُ المحركَ الرئيسي لتوجهات الناس في وقتنا الحالي، فهم محاطون بوسائله من كلِّ الجهات وفي جميع الأوقات، من الوسائل المرئية والمسموعة كالإذاعة والتلفزيون، إلى المكتوبة كالصحف والمواقع الإلكترونيّة المختلفة، فضلًا عن أن الأخيرة أصبحت تشمل جميع أنواع المحتوى. كما يُنظر للإعلام على أنه السلطة الرابعة بعد السلطات الثلاث التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة؛ نظرًا لتأثيره الكبير على التوجُّهات الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة التي تشكِّل الرأي العام في المحصلة، ويمكنه تغيير توجهات الأفراد والتشكيك في قناعاتهم ومبادئهم. وبسبب الثورة التي شهدها العالم في مجال التقنية والاتصالات، أصبحت وسائل الإعلام عابرةً للحدود مهما حاولت الحكومات الحد من هذا التدفق الإعلامي. ولم يعد من السهل التفريق بين الإعلام الصادق والإعلام الكاذب والمُضلِّل.

سوف أحاول في هذه الورقة الحديثَ عن هيكلية الإعلام في المملكة وإدارته؛ لأن الخلل في ذلك هو ما يؤدي من وجهة نظري إلى الإخفاق في التعامل مع الأزمات التي تمرُّ بها المملكة، وآخرها قضية مقتل جمال خاشقجي، رحمه الله.

يمكن تصنيف وسائل الإعلام إلى أربعة أنواع:

– الإعلام العمومي: ومهمته خدمة المصالح الوطنية للدولة، ويموله المواطنون بشكل كلي أو جزئي، ومثال هذا النوع: BBCالبريطانية، ZDFالألمانية، CBCالكندية، NHKاليابانية.

– الإعلام الحكومي: ومهمته خدمة المصالح الوطنية للدولة وتوجهات الحكومة التي تموله بالكامل، ومثاله: شبكة CCTVالصينية، وشبكات الإعلام الحكومية في الدول العربية.

– الإعلام الخاص: وغرضه الأساسي ربحي، ويكون مملوكًا للقطاع الخاص.

– إعلام الأفراد: وهو الذي يملكه ويديره الأفراد لانخفاض تكلفته، ومنصات هذا الإعلام هي وسائل التواصل الاجتماعي، مثل: فيس بوك، وتوتر، ويوتيوب، وغيرها.

ونجد الأنواع الثلاثة الأخيرة متواجدة داخل المملكة، ما عدا الإعلام السعودي الخاص الذي يتواجد جلُّه خارج المملكة في الدول المجاورة؛ وهذا بسبب عدم توفير البيئة والتشريعات المناسبة له.

ويعدُّ الإعلامُ صناعةً، ابتداءً من الإنتاج والتسويق وانتهاء بالتوزيع والنشر؛ ومن ثَمَّ فإنه يلزم تنظيمه من خلال جهاز مستقل يمنح التراخيص وينظم أداء وسائل الإعلام بناء على شروط هذه التراخيص. وبسبب التداخل بين وسائل الإعلام والاتصالات، لجأت بعض الدول إلى أن يكون تنظيم هذين القطاعين من خلال جهاز تنظيمي واحد، مثل ما هو حاصل في الولايات المتحدة وبريطانيا. ورأت دولٌ أخرى أن يُنظَّم الإعلام من خلال جهاز مستقل، مثل ما يحصل في فرنسا وكثير من الدول الأوروبية والآسيوية.

ما يعنينا هنا هو الوضع الحاصل في المملكة. فقد ظلت وزارة الإعلام لسنين طويلة هي المشغل لقنوات الإذاعة والتلفزيون الحكومية، وتقوم بتنظيم الوسائل المكتوبة من صحف ومجلات من خلال نظام المطبوعات والنشر. وفي عام 1433هـ، صدرت قرارات مهمة لتنظيم قطاع الإعلام عندما أُنشئت هيئتان تشغيليتان هما: هيئة الإذاعة والتلفزيون، ووكالة الأنباء السعودية، وهيئة تنظيمية هي هيئة الإعلام المرئي والمسموع، وبقي تنظيم الإعلام المكتوب فيما يُسمَّى (الإعلام الداخلي) في وزارة الإعلام. وبسبب التداخل بين وسائل الإعلام المختلفة ومحتواها، وُجد أنه من الأجدى نقل كل ما يتعلق بتنظيم الإعلام من الوزارة إلى جهاز تنظيمي موحَّد تحت مُسمَّى (الهيئة العامة لتنظيم الإعلام)، إلا أن الوزارة جمَّدت هذا المشروع منذ أكثر من 3 سنوات، وبقي التداخل في تنظيم الوسائل والمحتوى بين الوزارة وهيئة الإعلام المرئي والمسموع.

أما بخصوص سوق الإعلان الذي تعتمد عليه وسائل الإعلام الخاصة، فإنه يحتاج لإنشاء كيان مستقل يتولى قياس استهلاك وسائل الإعلام بشكل مهني حسب المعايير الدولية. وقد أنشئت لهذا الغرض في عام 2013 الشركة السعودية لقياس وسائل الإعلام، وقد أسهمت فيها هيئة الإذاعة والتلفزيون ومجموعة من المؤسسات الإعلامية السعودية. وبدأت الشركة بإصدار بيانات المشاهدة للقنوات التلفزيونية في المملكة منذ عام 2016، إلا أنَّ عدم اهتمام شركاء الشركة بإدارتها أدَّى إلى إفلاسها، وتمَّت تصفيتها قبل أسبوعين.

وقد لاحظنا خلال العام الماضي أن هيئة الإذاعة والتلفزيون أوقفت 4 قنوات متخصصة، هي: القناة الثانية (باللغة الإنجليزية)، الثقافية، الاقتصادية، أجيال. وأنشأت قناة مسلسلات سمَّتها SBC. فهل تنسجم هذه القرارات مع الأهداف التي أنشئت من أجلها هيئة الإذاعة والتلفزيون؟ وهل الأجدى إغلاق قنوات وإطلاقها بعد عام أو أكثر عند تطويرها، أو الاستمرار في بثها أثناء التطوير؟ وبالرغم من أن القناة الثانية لم تكن بالمستوى المأمول، إلا أنها القناة السعودية الوحيدة باللغة الإنجليزية التي كانت تُبثَّ لجميع أنحاء العالم.

كما أن المملكة مرت المملكة بأزمات مختلفة لم تتمكن وسائل الإعلام السعودية الحكومية والخاصة من التعامل معها بما يخدم مصالح المملكة. وما ذكر أعلاه ما هو إلا جزء من الإخفاقات التي يعاني منها الإعلام السعودي.

أودُّ أن أضعَ مجموعة من التساؤلات التي أدعو الزملاء والزميلات في ملتقى أسبار إلى التعليق والإجابة عنها:

1. لماذا يتواجد الإعلام السعودي الخاص في معظمه خارج المملكة؟ ألا نستطيع أن نُعدِّل من بعض التنظيمات لكي تتواجد أكبر مجموعة إعلامية عربية على أراضي المملكة؟

2. ما هي أسباب تعطيل مشروع إنشاء جهاز موحَّد لتنظيم الإعلام في المملكة؟

3. هل تقوم مجالس إدارات الهيئات الإعلامية بالدور المنوط بها أم أنها أصبحت شكلية؟

4. هل هناك أكثر من جهاز حكومي يتدخل في توجيه قطاع الإعلام في المملكة؟

5. هل نجحت وزارة الإعلام في إدارة ملف الإعلام الخارجي، أم أنها فشلت فيه ومن الأفضل نقله لوزارة الخارجية لارتباطه بعملها؟

6. لماذا لا تحول هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى شركة حكومية تعمل على أساس غير ربحي، ويشرف عليها مجلس أمناء يشارك فيه أعضاء حكوميون ومستقلون؟

7. لماذا لم تسع هيئة الإعلام المرئي والمسموع إلى إنقاذ شركة القياس قبل إفلاسها، على الأقل باستقطاب مساهمين إضافيين؟

8. هل من المصلحة تعاقُب أكثر من رئيس على الهيئات الإعلامية كل عام؟ وهل يتم اختيارهم على أساس مهني؟

9. بعد الإجابة والتعليق على ما تقدَّم… هل لا تزال هناك حاجة لبقاء وزارة الإعلام بوضعها الحالي غير الفعال، بل والمتجمد؟ لا أريد الاجابة عن كل هذه التساؤلات، لكن دعوني أتحدث وأضع رؤى لبعض منها.

إنه من غير المنطقي أن تبقى شبكات الإعلام السعودية الخاصة مثل MBC، والتي لها جمهور كبير في الداخل والخارج، خارج المملكة. ولو افترضنا أنَّ هناك أسبابًا تاريخية لذلك فبالتأكيد أن هذه الاسباب لم تعد قائمة، ومن السهولة عودة هذه الشبكات إلى المملكة ولو بشكل تدريجي.

هناك رخصة ممنوحة منذ 5 سنوات لإحدى الشركات السعودية لإنشاء منصة إرسال تبثُّ القنوات التلفزيونية السعودية من داخل المملكة تمهيدًا لإنشاء مدينة إعلامية متكاملة. أنشئت المنصة وجُمِّدت الرخصة، والمدينة الإعلامية حبرٌ على ورق.

من ناحية التنظيم لا تزال مسؤولية الإعلام المكتوب والرقمي ومجموعة من الخدمات الإعلامية في الوزارة. وهيئة الإعلام المرئي والمسموع لم تمنح تراخيص رئيسية خلال السنوات الثلاث الماضية إلا في مجال السينما، بل إنَّ جزءًا من اختصاصها نُقل للوزارة، وكأنَّ هناك تنافسًا بين الجهازين.

لا يمكن الاستمرار في تشتت تنظيم وسائل الإعلام ومحتواها بين الوزارة والهيئة؛ نظرًا لتداخل أنواع المحتوى والوسائل، خصوصًا الوسائل الرقمية (الإنترنت، والهاتف المتنقل) التي أصبحت تشمل محتوىمرئيًّا ومسموعًا ومكتوبًا. مشروع الهيئة الموحَّدة لتنظيم الإعلام موجود في أدراج الهيئة والوزارة، ويجب أن يخرج إلى حيز التنفيذ. وإذا كانت وزارة الإعلام غير قادرة أو راغبة في ذلك، فلتنقل مسؤولية تنظيم الإعلام إلى هيئة الاتصالات، مثل ما هو معمول به في الولايات المتحدة وبريطانيا. أما مسؤولية الإعلام الخارجي فإنها مشتتة أو ضائعة بين وزارة الخارجية ووزارة الإعلام وأجهزة حكومية أخرى. وهذا النوع من الإعلام مرتبط بسياسة المملكة الخارجية وشرح مواقفها من كافة القضايا المحلية والدولية للعالم. والجهة الأقدر على القيام بهذه المهمة هي وزارة الخارجية. وقد علمنا مؤخرًا عن صدور الأمر الملكي بإنشاء “مركز التواصل والاستشراف المعرفي” الذي يرتبط إداريًّا بالديوان الملكي، ويُفهم أن من أهدافه القيام بهذه المسؤولية. وفي جميع الأحوال لم يعد من المجدي بقاء وكالة للإعلام الخارجي في وزارة الإعلام. هيئة الإذاعة والتلفزيون هي الجهاز الحكومي الذي يمتلك ويدير ويشغل قنوات الإذاعة والتلفزيون الحكومية. وقد نُقلت هذه القنوات من الوزارة إلى الهيئة عندما تم إنشاؤها في عام 1433هـ بأمل الرفع من كفاءة تشغيل هذه القنوات وتحسين أدائها وتقديم خدمات إعلامية تحقِّق تطلعات المواطنين، إلا أن استمرارها في العمل بالأنظمة الحكومية وترهُّلها بـ 7 آلاف موظف، وعدم التزام رؤسائها في السنوات الأخيرة بتنظيمها الذي أنشئت على أساسه- لم يُحقِّق الأهداف المتوخاة منها. علينا إعادة النظر في هيكلية هذه الهيئة ومرجعيتها وانفتاحها على التوجهات الوطنية المختلفة للمملكة. وهناك كثيرٌ من النماذج الدولية الناجحة لمؤسسات الإعلام العمومي، مثل الـ BBC وNHKوغيرهما. وأرى أن النموذج الأنسب هو تحويل هذه الهيئة إلى شركة حكومية غير ربحية تعمل على أساس مهني غير تجاري يلبي تطلعات المواطن الإعلامية، ويُشرف عليها مجلس أمناء مكوَّن من أعضاء حكوميين وأعضاء مستقلين من ذوي الخبرة والاختصاص، ونكون بهذا حوَّلنا هذه القنوات من جهاز إعلامي حكومي إلى جهاز إعلامي عمومي منفتح على التوجهات التي تصبُّ في المصالح الوطنية للمملكة، فإذا تمَّ إنشاء هيئة عامة لتنظيم الإعلام وشركة تدير القنوات الإذاعية والتلفزيونية العمومية، وخرج الإعلام الخارجي من عباءة الوزارة، فماذا يبقى في وزارة الإعلام؟ أترك لكم الإجابة.

عقَّب د. إبراهيم البعيز:أظنُّ أن موضوع القضية الإعلام المرئي والمسموع، خاصة وأن كاتب الورقة الرئيسة الدكتور رياض نجم ممَّن أسهموا في وضع اللبنات الأولى للهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، وتولى رئاستها لعدة سنوات. ويعزِّز ذلك ما انتهت إليه ورقته من أسئلة تتعلق في مجملها بالإعلام المرئي والمسموع، وهو ما سأركِّز عليه في هذه المداخلة التعقيبية.

قد يكون من الضروري أن لا ننظر للإعلام بتلك النظرة الشمولية التقليدية، بل علينا أن نُفرِّق بين وسائل الإعلام لأنها تتباين في كثير من جوانبها، خاصة من حيث العلاقة مع الحكومة. الإعلام المرئي (الإذاعة والتلفزيون) ظلَّ منذ بدايته في ملكية الحكومة وإشرافها المباشر، حتى وإن تحوَّل إلى هيئة عامة لم ينل استقلاليته الإدارية والمالية المأمولة، في حين أن الإعلام المكتوب ومنذ بداياته ظلَّ ملكيةً خاصة.

أتفقُ مع وجهة نظر الدكتور رياض في أنَّ سبب الخلل في أداء الإعلام السعودي وإخفاقه في التعامل مع الأزمات الإعلامية التي مرَّت بها المملكة يعود إلى إشكاليات هيكلية وتنظيمية. وقد أشار إلى بعضٍ من الأمثلة التي تتجلى فيها هذه الإشكالات، وهي من وجهة نظري لا تتجاوز الوصف للمشكلة، وعلى الرغم من أهمية وصف المشكلة إلا أننا سنظلُّ قاصرين عن حلها أو على الأقل المساهمة بتوصيات لحها، إن لم ندخل إلى عمق الإشكالية ومحاولة فهمها؛ لأننا في النهاية سنخفق في حل أي مشكلة لم نتمكن من فهمها أو على الأقل نحاول فهمها.

ولتتضح الصورة قد يكون من المناسب البدء بالإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية تملك المقومات الأساسية لقيام صناعة إعلامية تهيمن على السوق العربية، وهي المقومات ذاتها التي مكَّنت الولايات المتحدة من الهيمنة على صناعة الإعلام عالميًّا: حجم السكان مع قدرة شرائية (أهم متطلبين للاستثمارات الإعلامية). فالمملكة ضمن أكبر ست دول عربية من حيث حجم السكان، فضلًا عن أنها تتفوق عن الدول الخمس الأخرى بمستوى الدخل والقدرة الشرائية، والمملكة أيضًا ضمن أكبر ست دول عربية من حيث مستوى الدخل والقدرة الشرائية، وأيضًا تتفوق على الدول الخمس الأخرى بحجم السكان؛ لذا كانت ولا تزال السوق السعودية أكبر وأهم سوق واعدة للاستثمارات الإعلامية، وأي استثمار إعلامي لا يجد فرصة في السوق السعودية فهو غير ناجح تجاريًّا، وهذا الذي جعل القنوات الفضائية العربية والأجنبية تتسابق إلى استقطاب المشاهد السعودي. كنا نرى المذيع سعوديًّا والضيف سعوديًّا والقضية سعودية على قنوات غير سعودية. ولعله ليس من باب المبالغة القول إنَّ أحد أسباب ضعف صناعة السينما العربية عدم وجود الفرصة للوصول إلى السوق السعودية، لعدم وجود صالات العرض السينمائي.

لقد فشلنا فشلًا ذريعًا في تطوير الهيكليات الإدارية والتنظيمية لخلق بنى تحتية لتطوير صناعة الإعلام المرئي والمسموع، ومعرفة السبب تتطلب منَّا وضع العمل الإعلامي في سياقه الثقافي بكل محاوره وأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

نحن اليوم نحاول أن نتجاوز إشكاليات فرضها علينا هاجس الأمن الثقافي والفكري (وربما السياسي) لأكثر من ثلاثين عامًا، وبسببه كان صانعُ القرار (وليس بالضرورة متخَّذه) بطيئًا جدًّا في التعامل مع صناعة الإعلام، ولعل الأمثلة على ذلك تتجلى بشكل واضح في طول المدة التي أخذناها لتبني فكرة تحويل الإذاعة والتلفزيون لمؤسسة العامة، والتي تجاوزت الأربعين عامًا، وتنفيذ القرار الذي بقي حبيسَ الأدراج لأكثر من عشر سنوات، وعدم الجدية في تنفيذه، وانتهى بما آلت وانتهت إليه هيئة الإذاعة والتلفزيون، وأيضًا هيئة الإعلام المرئي والمسموع، من تخبطات، ليس في الأداء فقط بل أيضًا في التقاطعات والتداخلات في الأهداف والمهام المنوطة بها، فأصبحت تبحث عن مهامَّ سهلةٍ ترفع بها إحراجات الإخفاق والفشل.

الإشكالية الأخرى أننا نقدر أن نشتريَ آخر ما توصلت إليه تقنيات البث الإذاعي والتلفزيوني. كنَّا في ثمانينات القرن الماضي نملك أقوى مرسلة إذاعية في العالم (في طريف) موجَّهة إلى أوروبا، وحاليًّا كل قنواتنا التلفزيونية تُبثَّ على كثير من الأقمار الصناعية حول العالم؛ مما يجعلها متاحةً لكل مشاهد في أرجاء المعمورة، ومع ذلك لم نستطع استقطاب الجمهور الخارجي؛ لأننا فشلنا في صناعة المحتوى.

إصلاح الإعلام المرئي والمسموع يتطلب منَّا عدم الاقتصار على المتغيرات المحلية فقط، نحن بحاجة إلى مستوى تحليل يأخذ في الاعتبار المتغيرات الخارجية وما تحمله من قيمٍ ومعاييرَ ثقافية لا يمكن تجاوزها.

وأختم بالتأكيد على أنَّ مستقبل الإعلام السعودي مرهونٌ بقدرتنا على سرعة الاستجابة لتحديات الانفتاح والتواصل الثقافي وكسب منافسة الإعلام الخارجي، ومن هذه التحديات:

  • العمل على تحويل الإعلام الرسمي من إعلام حكومة إلى إعلام دولة، بحيث يكون في خدمة الدولة، ولا يُمنع من نقد الحكومة، وهذا من شأنه أن يعطيَ الإعلام قدرًا كبيرًا من الاستقلالية الإدارية والمالية التي تمنحه سقفًا أعلى في الشفافية لتناول الشأن العام، ليكسب ثقة المواطن، ويبعده من مصادر الأخبار المفبركة التي تعمل على زعزعة ثقته في وطنه وقيادته.
  • إبعاد الإعلام الرسمي من حلبة المنافسة مع الإعلام التجاري ليكون معيار تقييم الأداء مؤشرات تتعلق بنوعية البرامج ومدى الارتفاع بمضمونها الثقافي والذائقة الفنية بخلاف الإعلام التجاري القائم على معايير حجم الإيرادات الإعلانية، ولنا في تجارب الدول المتقدمة مع مفهوم الإذاعات العامة public broadcasting، مثل: بريطانيا BBC، واليابان NHK، وكندا CBC، وأمريكا PBC، وغيرها.
  • فتح مجال أكثر رحابة وترحيبًا للاستثمارات السعودية في مجال الإعلام بكل جوانبه الإخبارية والترفيهية والثقافية، وأن لا تقتصر التنظيمات ولوائحها التنفيذية على المسموح والممنوع، بل من المفترض أن تشتمل على موادَّ وبنودٍ تحمي الصناعة الإعلامية وتعزِّز من فرصِ نجاحها.
  • تبني سياسة إعلامية تجعل من العمل الإعلامي بكل فنونه وأنماطه فرصةً واعدة وظيفيًّا، فقد تجاوز عدد الطلاب الطلاب والطالبات في كليات وأقسام الإعلام في الجامعات السعودية 26 ألف طالب وطالبة.

كما عقَّب د. عبد الله بن ناصر الحمود:

أركِّز تعقيبي هذا على (الإعلام المرئي المسموع) لأسباب، أهمها:

– أن الإعلام المطبوع في مجتمعنا قد توفَّاه الله دماغيًّا، وهو الآن ينبض بأدوات الإنعاش من غير روح ولا سلطان مبين.

– أنَّ الإعلام الإلكتروني ومتعددَ الوسائط بكل أنماطه المؤسسية والفردية، وبكل أنواعه وولاءاته وبراءاته، لا يسوِّغ في نظري نقده هو والمرئي المسموع في سلة واحدة؛ لاختلافات جذرية بين الحالتين في كل شيء.

– أنني تشرفت بالعمل مدة من الزمن، نائبًا لرئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، معارًا من الجامعة، فخبرت ما تيسر من حال صناعة الإعلام المرئي والمسموع في مجتمعنا بشكل قريب.

بناء على ما سبق، أقولُ:

أولًا: نعم، هناك فرصٌ كثيرة لتحسين الأداء.

ثانيًا: لا يلوح في أفق إعلامنا المرئي والمسموع اقتناص أيٍّ من فرص تحسين الأداء حتى الآن.

ثالثًا: نعم، كنتُ نائبًا لرئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون حولًا كاملًا، ولم يتحسن الأداء.

رابعًا: ضاعت فرص التحسين لعقود من الزمن بين تناقضات (الإرادة) و(الإدارة)

فلديَّ شكوكٌ كثيرة حول مدى وجود إرادة حقيقية لتحسين أداء الإعلام المرئي المسموع عندنا.

فلا يمكن تصوُّر وجود إرادة حقيقية للتحسين في ضوء ما يجري في هذا القطاع من تعاقب عجيب للضعف الإداري المركب. وأعني بالمركب، تقلُّد كفاءات ليست ذات نصيب وافر في صناعة (إدارة) الإعلام المرئي والمسموع مفاصل مهمة في قيادة القطاع، إضافة لسلوكيات (إدارية) عجيبة جرت على واقع العمل بكفاءاته التشغيلية وإمكاناته الفنية، ولم تسلم منها المؤسسات الراسخة للخدمة الإعلامية المرئية المسموعة، فتقود القراءة الفاحصة لحال قطاع الإعلام المرئي والمسموع عندنا، أنه عانى في مراحل مختلفة ولا يزال من مشكلات جمة كفيلة بإعاقة قدرته على العمل الجيد، ناهيك عن قدرته على الإبداع.

لقد واجه هذا القطاع، منذ نشأته حتى اليوم، تحدياتٍ أبرزها ما يلي:

– كينونته الإدارية المربوطة بنظام الخدمة المدنية، في حين أنه مهنة إبداعية لا تتسق أبدًا مع هذا النظام من حيث الحوكمة، والرقابة، والجزاءات، والحوافز، والإحلال. وكان يحسن، ولا يزال يحسن، أن يستقل بنظام إداري إبداعي.

– سيطرة الارتجال، والسرعة غير المحسوبة في اتخاذ عدد من القرارات الكبرى بحجم إنشاء قناة أو مجموعة قنوات دون كفاية بشرية وفنية ومفاهيمية وبرامجية، ومن ثَمَّ اللجوء لنظام التعاون لمواجهة التحديات، وهو نظام بليد شرُّه أكثر من نفعه.

– الترهُّل الكبير في جسد القطاع من خلال منظومات ضخمة ومتعددة من المقرات والتجهيزات في مناطق عدة في المملكة، وما ترتب على ذلك من تقادُم بنيتها وتحديات المواكبة للمستجدات.

– تكاثُر الكوادر البشرية العاملة بما يزيد عن ستة آلاف موظف وموظفة، وتباين كوادرهم الوظيفية بين حكومي، وشركات، وتعاون، على الرغم من سعي الهيئة مؤخرًا للتخلص من سمة التعاون.

– سلوك إداري عجيب من بعض من تسنَّمُوا مراكز مهمة في القطاع في مراحل عديدة، حيث يتمُّ الاعتماد على كوادر تشغيل غير وطنية بإسراف تارة، ويُستبعد الرواد تارة ويُقصون، ويتم في حالات، التركيز على صغائر الأمور كالحضور والانصراف دون عوائد على الصناعة، وأحيانًا تُستبدل طواقم العمل بأخرى يؤتى بها لتقوم بأهم الأعمال، في حالة من ذهول وإحباط الموجودين، ونحو ذلك.

– طغيان الذاتية غالبًا في اتخاذ قرارات مهمة، وما يترتب عليها من تبعات مالية وفنية.

– إعطاء أهمية لقناة دون الأخريات، أو لمحتوى برامجي دون غيره، لاعتبارات غير مهنية.

– ضعف القدرة على الإفادة من القوة البشرية المتاحة للقطاع عند محاولة التطوير… وأمور أخرى غير ذلك.

خامسًا: يواجه القطاع كوابح (خمسة) أحدثت نقصًا في اشتراطات الجودة، وهذه الكوابح الخمسة هي:

-الارتهان بنسبة عالية لما يصدر عن وكالة الأنباء السعودية، في الأحداث الوطنية المهمة.

– حظوة قنوات أخرى غير الرسمية بأسبقية نشر الأخبار المهمة.

– ضرورة عدم الوقوع في خطأ، وفداحة ذلك لو حصل.

-الرسمية والجدية، كسمة مهنية يتم توصيفها وتبنيها بحسب الإدارات.

– خضوع القطاع، وعبر تاريخه، لقرارات إعلامية أحيانًا من خارج منظومة الإعلام، بزعم أنها من جهات ذات صلاحية، مع عدم مصداقية ذلك، وعجز القطاع عن المناورة.

سادسًا: السبيل نحو تحسين الأداء، إذ يمتلك قطاع الإعلام المرئي والمسموع عندنا ثراءً متنوعًا يمكن من خلال توظيفه بشكل محترف إبداعي، تحقيق تحسُّن كبير وملحوظ في الأداء المهني، وذلك على النحو التالي:

– الاحترام الكامل للكفاءات البشرية العاملة في القطاع، ومنحها كامل الفرصة للمشاركة في أي عمل تطويري، وفق منظور إبداعي محترف، وإعادة جدولة مهمات مَن يقصرون عن التميز ولكن بذكاء إداري وقيادي حصيف، دون النيل من حقوقهم وتاريخهم.

– تعميد مركز دراسات وطني محترف لإعداد إستراتيجية تطوير القطاع، وإيكال مهماتها القيادية والإدارية لقيادات وإدارات متخصصة في مجال الإذاعة والتلفزيون فقط، ممَّن لديهم مهارات قيادية وإدارية مثبتة، ويتمتعون بالذكاء المهني والاجتماعي.

– تحويل القطاع إلى منظومة تعمل وتُدار على أسس القطاعات الخاصة، ومنح إداراتها العليا الحقَّ في اتخاذ كافة القرارات المالية والإدارية والفنية، وفق نظام حوكمة متكامل.

– العمل وفق تقديم أولوية الحرفة والمهنة على ما عداهما.

 

¤      المداخلات:

  • ·مشكلات في الإنتاجية والأداء الإعلامي:

ذكرت د. منى أبو سليمان؛ بعيدًا عن دور الحكومة والمشاكل بتعدُّد الجهات وتكدُّس الموظفين. إذا نظرنا إلى مستوى الأعداد والمحتوى في الإعلام المكتوب والمرئي، نجد أنَّ هناك فرقًا كبيرًا في الجودة بين جميع القنوات التي ذُكرت وبين ما يورد من عندنا. هناك نقصٌ كبيرٌ في الاستثمار بتقديم وتدريب الكوادر بإدارة الإعلام وinvestigative journalism. لدينا نقص كبير في صناعة محتوى قوي وجذاب وعالي الجودة، ولكن أهم من ذلك صناعة الخبر والقصة (narrative). الجزيرة وAJ+ والجزيرة وثائقية أبدعت في ذلك (ومن ثَمَّ استخدمت الثقة التي اكتسبتها بأجندات أخرى.

وذهب د. رياض نجم إلى أنه يتفق مع د. منى في أن عدم الاحترافية في الإنتاج والأداء راجعٌ للإشكالات الهيكلية والتنفيذية التي أشرت لها وأشار إليها المعقبان. فلا زالت هيئة الإذاعة والتلفزيون محكومةً بنظامي الخدمة المدنية والمشتريات الحكومية. التدريب موجود لكن المهنية والحدية مفقودة. ولا توجد لائحة حوكمة داخلية في الهيئة لربط ترقية وميزات الموظف بأدائه.

الوضع الحالي من الصعب إصلاحه إلا بتغييرات هيكلية، وتسليم قيادة الهيئات إلى ذوي الخبرة والاختصاص من الكفاءات الشابة.

ويرى د. إبراهيم البعيز أن الإشكالية التي تفضلت بها د. منى تمثِّل أبرز التجليات الأساسية لضعف الإعلام الإذاعي broadcast media (المسموع والمرئي)، ويمكن إرجاعها إلى ضعف الكوادر.

أقسام الإعلام في الجامعات السعودية عاجزةً عن منافسة تخصصات إدارة الأعمال والقانون والمحاسبة والطب في استقطاب الطلاب المتميزين ممَّن يمكن تأهيلهم للعمل الإعلامي؛ لأن هذا المجال ليس واعدًا وظيفيًّا. من ناحية أخرى يُعاقب الإعلامي إن هو أخطأ، لكن لا يُكافأ إن هو أجاد، بمعنى آخر، هو في الغالب يعمل لتلافي العقاب أكثر من الأمل في الثواب.

أضاف أ. مطلق البقمي؛ مع إيماننا أنَّ هناك معوقات حكومية وتنظيمية أثرت في منتجات الإعلام، لكن أليست العلة أولًا تبدأ من البيئة التي تُخرِّج الإعلامي، وأعني هنا أقسام الإعلام في الجامعات، فهذه الأقسام تُخرِّج للسوق منتجًا ردئيًا لا يعرف من الإعلام أصلًا حتى نظرياته. فهي سلسلة تبدأ من المنبع (الرديء)، فالحاضنة (غير المؤهلة) ثم معترك الحياة (المهنية). والناجحون في الإعلام من خريجي هذه الأقسام مع كثرتهم يظلون محدودي العدد. ولا داعي لسوق امثلة هنا، فالأمثلة كثيرة خاصة لمَن درس في أقسام الإعلام، فهناك فجوة كبيرة جدًّا جدًّا بين ما يُقدم أكاديميًّا وما هو مطلوب عمليًّا في مؤسسات الإعلام.

  • ·خصخصة الإعلام وتحرُّره:

أشار د. خالد الرديعان إلى أننا عندما نجيب عن سؤال، مثل: لماذا الإعلام الخاص يُسجِّل نشاطه خارج المملكة وليس داخلها، ويُبثُّ للسعوديين؛ عندها نحل جزءًا من مشكلة إعلامنا.

بُحَّ صوت الجميع من القول إن ما يحتاجه إعلامنا هو جرعة كبيرة من الحرية، ولنقُل الحرية “المنضبطة”، ما يذكرنا بمقولة “حسب الضوابط الشرعية”. كما ينقصه الخصخصة والخروج من دائرة البيروقراطية الحكومية. ينقصه كذلك الحرفية والطواقم المؤهلة والتي يمكن كذلك استيرادها في حال عزَّ وجودها. لماذا مثلًا لا يكون جزءًا من مشروع نيوم بناءُ مدينةٍ إعلامية متكاملة على غرار مدينة دبي؟

علق د. رياض نجم بأن الخطة التي كانت لدى هيئة المرئي والمسموع هو إنشاء المدينة الإعلامية في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية. الآن بعد إنشاء نيوم سيكون هناك خيار آخر ربما أكثر جاذبية. ما أعلمه أن الإدارة الحالية في الهيئة ترغب في إنشاء المدينة الإعلامية في الرياض.

  • ·نَقْل الإعلام الخارجي إلى وزارة الخارجية:

ذكر د. خالد بن دهيش أن د. رياض تطرَّق إلى اقتراح بنقل الإعلام الخارجي لوزارة الخارجية، فهل هذا هو الحل لمشكلة غياب الصوت الإعلامي السعودي المؤثر دوليًّا؟

أنا لا أعتقد أن وزارة الخارجية التي دورها الأساسي سياسي بتمثيل قائد الوطن (خادم الحرمين الشريفين)، وبالتالي تمثيل الوطن بشكل رسمي أمام الدولة التي بها مقرُّ السفارة، فهي جهة رسمية لن تستطيع الخروجَ عن توجهات الدولة ولن يتغير الوضع عن الوضع الحالي.

وسؤال أطرحه على المتخصصين في مجال الإعلام والعلاقات العامة والدولية عن مدى إمكانية الاستعانة بشركات كبرى عالمية متخصصة في مجال الإعلام لتحسين الصورة المغلوطة؛ بنقل الحقيقة بالوسائل المسموعة والمرئية في تلك المجتمعات الأمريكية والأوروبية. ونعلم أن هناك دولًا في منطقتنا قامت بتطبيق هذا الأسلوب، قطر كمثال، ونعلم أن هذا الأسلوب أسهم في تغير النظرة نحو دعمها للإرهاب لدى تلك المجتمعات كحل مؤقت. على أن تكون النظرة المستقبلية بتدريب خريجي أقسام الإعلام والعلاقات العامة لدى تلك الشركات الإعلامية العالمية مع تكثيف تعليمهم لغات تلك الدول (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية… وغيرها).

علَّق على ذلك أ. عبد الله الضويحي بقوله: كأنما يشير د.خالد بن دهيش إلى “مركز التواصل والاستشراف المعرفي” الذي وافق عليه مجلس الوزراء مؤخرًا كبديل لوزارة الخارجية. وهل المركز- وهذا سؤال عام، وللمتخصصين- سيكون كذلك؟

من جانبه يرى د. رياض نجم أن تحسين وإبراز صورة المملكة في الخارج والدفاع عن مواقفها يمكن أن تقوم به وزارة الخارجية أفضل من الإعلام. أما الاستعانة بشركات العلاقات العامة الدولية فهذا يمكن أن تقوم به الجهة التي تدير هذا الملف أيًَّا كانت. المهم عدم تبعثُر المسؤولية.

أما بالنسبة لمركز التواصل والاستشراف المعرفي فقد أشرتُ في ورقتي إلى أنه ربما تُنقل مسؤولية هذا الملف له.

وذهب أ. محمد الدندني إلى أنه يرى إسناد الإعلام الخارجي لوزارة الخارجية، ليس فقط لأنها تُعنَى بعلاقات الدولة مع الدول المضيفة؛ ولكن لأنَّ الإعلامي يحتاجُ في بعض الأمور فهمًا ودراية في الدبلوماسية، وفهمًا لسياسة الدولة المضيفة أو المنطقة التي يُراد مخاطبتها. الإعلامي يجب أن يكون على درجه عالية من الثقافة والمعرفة، فبدونهما الصمت أفضل.

وتتفق د. وفاء طيبة مع الرأي القائل بأن يكون الإعلام الخارجي مهمة وزارة الخارجية، على أن يتم استقطاب إعلاميين مميزين يستطيعون معرفة مواقف المملكة من كل حَدَث وتقديمه والدفاع عنه بطريقة تناسب المستقبل، وهذا يستوجب التخصص في رأيي، ويكون المتخصص على علم ودراية بثقافة تلك الدول أو بالطريقة الأنسب لتقديم المعلومة لها أو للمجتمع الدولي، فكثيرًا ما أخطأنا في معاملة المستقبِل الخارجي معاملة المستقبِل السعودي، وجاءنا الردُّ قاسيًا وشديدًا.

بينما لا يتفق د. عبد الله العساف مع فكرة نقل الإعلام الخارجي إلى وزارة الخارجية، ويتمنى أن تكون هناك إدارة خاصة تتبع وزير الإعلام مباشرة تُرسم لها أهدفها ويُختار أشخاصها، ومجلس إدارتها يُشكَّل بطريقة خاصة يشمل الخارجية كعضو في هذا المجلس.

كذلك يعتقِد د. مشاري النعيم أنَّ أداء السفارات السعودية لا يعطي انطباعًا بقدرة الخارجية على هذه المهمة. وحتى تصنع لوبيًا وحقائق لا تحتاج إلى مؤسسة حكومية حتى تكون مقنعًا للآخرين.

ويعتقد د. خالد الرديعان أننا نُلقي أحيانًا باللائمة على سفاراتنا خارج المملكة، ونريدُ منها أن تكونَ نشطةً إعلاميًّا، في حين أن هذه المهمة قد لا تكون من صلب عملها. وحتى لو قررت السفارات أن تكون نشطة إعلاميًّا فهي تحتاج إلى مَن يغذيها بالأخبار والتقارير اليومية، وذلك بصورة مستمرة دون انقطاع.

لذلك أقترحُ أن تُزوَّد كلُّ سفارة وبصورة يومية بملف إعلامي يتضمن كلَّ ما يدور من أحداث، ويشتمل على موقف المملكة من تلك الأحداث.

لا بد كذلك أن يكون في كل سفارة مُتحدِّث إعلامي متمرس في العمل ومُلمٌّ بتقنيات التواصل مع الآخرين، على أن يجيد لغة الدولة التي تقع فيها السفارة، وأن لا يقتصر دوره على نَشْر ما يصله، بل لا بد أن يمارس دور العلاقات العامة وبكفاءة عالية. ولا بد من خلق “زوَّار لسفاراتنا” نستقطبهم ونزودهم بما يحتاجون إليه من معلومات خاصة من العاملين في الصحف ووسائل الإعلام، ودعوتهم للمملكة من وقت لآخر لكسبهم بكل الطرق.

من جانبه، يرى د. عبد الله بن ناصر الحمود أن جدلية الإعلام الخارجي ووزارة الخارجية جدلية عجيبة، فالإعلام الخارجي ووزارة الخارجية لا يلتقيان إلا (لغويًّا فقط) بحكم استخدام كلٍّ منهما لمفردة (خارج).

كما أن ربط الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية، سترتب عليه (بالضرورة) الإيمان العميق بربط الإعلام الصحي بوزارة الصحة، والإعلام الأمني بجهاز الأمن الوطني، والإعلام الاجتماعي بوزارة التنمية الاجتماعية، وهكذا.. دون فرق.

إنَّ لوزارة الخارجية وظائفَ سياسية دبلوماسية في إطار العلاقات الرسمية مع منظومة دول العالم، ولا شأن لها بالإعلام إطلاقًا، إلا ما يمكنها من خلاله تجسير وظائفها تلك إعلاميًّا على المستويين الوطني والدولي من خلال التنسيق وتمكين التوظيف الأمثل لوسائل الإعلام المختصة (بصناعة الإعلام)، كتنسيق وتمكين أي قطاع وطني يريد استخدام الإعلام.

بمعنى آخر؛ فإن مؤسسات الإعلام هي المسؤولة عن (الاتصال إعلاميًّا) بالجمهور الوطني وبالجمهور العالمي. ونقل شيء من وظائف الإعلام لجهات أخرى، هو كنقل الطفل لمرضعة غير أمه نتيجة لفَقْد الأم أو عجزها.

أما نقل اختصاصات تنظيم الإعلام المرئي والمسموع إلى هيئة الاتصالات، فلا يصح أبدًا في رأيي. فالإعلام والاتصال غير (الاتصالات)، لا يلتقيان أبدًا إلا في مفردة (اتصال)، ولا شأن لهذا بذاك. فالإعلام والاتصال هما (التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير واتجاهاتها وتطلعاتها وميولها) وَفْق واحد من أقدم المفاهيم العلمية. وهذا الشيء ليس من وظائف (هيئات الاتصالات) التي تعني أشياءَ نحو الإشارات والترددات، والحزم، والمجالات السلكية وغير السلكية. كذلك فإن الإشكال في تسمية هيئة الإعلام المرئي والمسموع فقط؛ لذا يمكن أن يُضاف لاسمها مفردة التنظيمية أو تنظيم مثلًا، وتصبح “هيئة تنظيم الإعلام المرئي والمسموع”.

  • ·الإعلام الخارجي: تطويره واختيار عناصره:

حول ما ذكره د. رياض نجم أن الأفضلية تكون لوزارة الخارجية لتولي مسؤولية الإعلام الخارجي لغير المتخصصين في الملتقى؛ يرى د. خالد بن دهيش أنه في معظم السفارات مكتب أو ملحق إعلامي، وهناك مُتحدِّث رسمي للسفارة، ومكتب يتبع لوكالة الأنباء، وجميعهم تحت إشراف السفير.

والذي أراه هو اختيار أفضل الكفاءات الإعلامية، ويتم تدريبهم في مجال الإعلام الخارجي (بغض النظر لمن يتبعون)، وتأهيلهم وفقًا للاحتياج لهم لكل دولة (على أن يكونوا من خريجي أقسام الإعلام من تلك الدول قدر الإمكان) لمخاطبة تلك المجتمعات المستهدفه بلغتهم الأساسية، وبالأسلوب الذي يستطيعون به تغير الصور السلبية عن المملكة، وهو ما نعانيه حاليًّا كحل مؤقت وسريع.

علَّق د. رياض نجم بأن الجزء الأساسي من الإعلام الخارجي هو الدفاع عن المملكة وتوضيح مواقفها من القضايا الإقليمية والدولية. فمَن أقدر على فهم هذه المواقف: الخارجية أم الإعلام؟

وبسبب عدم نجاح وزارة الإعلام في إدارة هذا الملف على مدى الأربعين عامًا الماضية، لجأت الدولة في فترات مختلفة إلى إسناد أجزاء من هذه المهمة للديوان الملكي ولوزارة الخارجية، وربما بعض القطاعات الأمنية.

من وجهة نظري، ليس الأهم مَن يدير هذا الملف بقدر أن تُركَّز الجهود ضمن خطة موحدة متفق عليها، وتنفذها جهة واحدة أو أكثر إن لزم الأمر.

وأضيفُ أن مكاتب وكالة الأنباء والسعودية والمراكز الإعلامية في الخارج لم تُضم لمقار السفارات إلا من سنين قليلة بعد أن حصلت عدة مواقف من هذه المكاتب أحرجت المملكة.

كما أنَّ الاستعانة بمراكز أبحاث أو إنشاءها، أو التعاون مع مراكز داخلية وخارجية يمكن أن تكون جزءًا من الخطة التي تشرف عليها جهة ما في الدولة، وأعتقدُ أنَّها وزارة الخارجية في نظري.

  • ·مركز عالمي للدراسات السعودية:

يرى د. مشاري النعيم أن سفاراتنا في الخارج ليس لها علاقات بالمجتمع الثقافي والإعلامي في البلد الذي توجد فيه، هذا إذا افترضنا أنَّ لها علاقات سياسية متينة.

كنتُ قد اقترحت سابقًا إنشاء مؤسسة للدراسات السعودية يكون مقرها نيويورك، تعمل ضمن منظومة الفكر العربي، مهمتها الأساسية صُنع المعلومات الموثوقة عن المملكة بأيدى كتَّاب وباحثين من العرب، وبأهداف سعودية خالصة.

وأوردُ مقالًا نُشِر لي في صحيفة الرياض بتاريخ 20 أكتوبر 2018 *، بعنوان: “لماذا نحتاج مركزًا عالميًّا للدراسات السعودية؟”، ذكرتُ فيه: كَسْب الرأي العام العالمي يجب أن لا يكون مبنيًا على ردود الأفعال، بل يجب أن يكون عميقًا وطويل المدى، من خلال تطوير علاقات معرفية وأكاديمية مع المؤثرين في العالم، وهذا لا يتحقق بين يوم وليلة، بل يجب أن نعمل على إيجاده ودعمه بالإمكانات اللازمة.

أنا على يقين أن جميع السعوديين تابعوا الحملة الشرسة للصحافة العالمية على المملكة، ومحاولتها إلصاق تهمة اختفاء المواطن السعودي جمال خاشقجي ببلادنا بصورة قذرة ومقززة. وبصرف النظر عما حدث لخاشقجي أو ما ستؤول له التحقيقات في ملابسات هذا الحادث لا بد أنَ أقول: إن هناك دروسًا عظيمة مُستفادة من كُلِّ ما حدث. يقولون: “الضربة التي ما تموتك تقويك”، والمملكة تعودت على مواجهة المخاطر، وتاريخها مليءٌ بالنضال ومواجهة التحديات، ولكنْ شكلُ هذه التحديات قد يغيِّر الأمرَ الذي يتطلب تغيرًا نوعيًّا في المواجهة. ما أقصده هو أن مواجهة الإعلام الكاذب يجب أن تكون ببناء المعلومات الصادقة التي تظهر حقيقتنا أمام العالم، وهذا ما ينقصنا فعلًا. لقد أعجبتني كثير من التعليقات التي ردت على التسريبات التركية في قضية “خاشقجي”، وأعجبني أكثر المواطن السعودي البطل الذي تصدَّى لكل وسائل الإعلام بكل اللغات العالمية، وهو الأمر الذي لاحظه العالم أجمع، وبين الإمكانات البشرية الهائلة التي نملكها ولم نعرف استغلالها. البعض يرى أن إعلامنا “رَسب” في الامتحان، “وهذا دون شك فيه تحامل” لكن المواطن السعودي بولائه وحبه لبلاده هو الذي نجح، ومع ذلك أعودُ وأقول: إن هذا لا يكفي، نحن بحاجة إلى شيء أكبر وأكثر تنظيمًا.

قبل حادثة خاشقجي، وفي هذه الصحيفة طرحتُ عدة مرَّات تأسيس مؤسسة أو مركز عالمي للدراسات السعودية يكون مقرها “نيويورك”Foundation For Saudi Studies، هدفها بالدرجة الأولى بناء الحقائق التي تُساعد متخذ القرار في المملكة على المستوى العالمي. هذه المؤسسة يجب أن تعمل على إبراز الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفنية والتاريخية للمملكة، ونشر دراسات رصينة بالتعاون مع كبريات المؤسسات العلمية والأكاديمية العالمية؛ لأن المعلومة التي يصدقها العالم هي “ما يشهد به الأعداء”، وليست تلك التي ندعيها لأنفسنا. ما سمعته وقرأته من تلفيق عن المملكة خلال الأسبوعين الأخيرين جعلني أكثر إيمانًا بأهمية هذه المؤسسة التي يجب أن تُؤسس عاجلًا ودون تردد.

كسب الرأي العام العالمي يجب أن لا يكون مبنيًا على ردود الأفعال، بل يجب أن يكون عميقًا وطويل المدى من خلال تطوير علاقات معرفية وأكاديمية مع المؤثرين في العالم، وهذا لا يتحقق بين يوم وليلة، بل يجب أن نعمل على إيجاده ودعمه بالإمكانات اللازمة، والتخطيط للدور الذي يجب أن يقوم به والأهداف التي يحققها، حتى إذا ما مررنا بأزمة مثل هذه الأزمة التي نمرُّ بها الآنَ تكون هذه المؤسسة بمخزونها المعرفي وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية هي المحرك للرأي العام العالمي، والداعم لمتخذ القرار في بلادنا. هذه الإستراتيجية باتت ضرورية في الوقت الراهن، ومن الأحسن أن لا نتأخر في إطلاقها، والعمل على تحقيقها بهدوء.

يُفترض من هذه المؤسسة، لو وجدت، أن تكون الرافدَ الأهم للإعلام العالمي وحتى المحلي في كل خطوة تحتاجها المملكة في قراراتها القادمة؛ لأنَّ دورها هو التهيئة غير المباشرة، وإبراز نقاط القوة التي تملكها بلادنا. لقد لاحظت في كثير من المناسبات أننا نفتقر إلى المعلومة الرصينة التي يمكن أن يصدقها الآخرون، وما لم تخرج هذه المعلومة من مؤسسات احترافية علمية تملك شراكات متجذرة مع مؤسسات علمية معروفة لن تكون المعلومة ذات قيمة. الهدف هنا أن تكون لدينا مؤسسة عالمية للدراسات السعودية تسهم في بناء صورة المملكة المستقبلية وتدعمها في خطواتها التنموية، وتساندها في قراراتها السياسية، وتُشكِّل درعًا معرفيًا وقت الأزمات تدعمنا في مواجهة الرأي العالم العالمي.

ما يُثار هذه الأيام حول جمال خاشقجي يجب أن يُعلّمنا أن نعتمد على أنفسنا، وأن تكونَ لنا مؤسساتنا التي تصنع الرأي العام، وتكون قادرةً على توجيه الإعلام في العالم. هذا هدف إستراتيجي يجب أن يقترن بإستراتيجيتنا التنموية. هناك مؤسسات إعلامية، وهناك مؤسسات تصنع المعلومات الموثوق بها التي تدعم المؤسسات الإعلامية، وفي اعتقادي أن مؤسسة عالمية للدراسات السعودية يمكن أن تقوم بهذا الدور إذا ما أُحسِن إدارتها، وقامت ببناء شبكة من العلاقات من المؤثرين في المجالات كافة، وأقنعتهم بالعمل على صناعة المعلومة الرصينة عن المملكة.

وتساءل أ. عبد الله الضويحي: هل يمكن لـ”مركز التواصل والاستشراف المعرفي” أن يقوم بهذا الدور؟ يرى د. مشاري النعيم أنه لا يعتقد ذلك؛ لأن الهدف هو خلق لوبي معرفي داخل أهم دولة في العالم. وهذا أمر يتطلب بناءَ علاقات عميقة مع المؤثرين على المستويين الثقافي والسياسي وكذلك العلمي والإعلامي في الغرب، وإقناعهم بعمل دراسات عن المملكة. إيران- مثلًا- نجحت في ذلك من خلال مؤسسة الدراسات الفارسية، وهي مؤسسة قديمة متغلغلة في الغرب، وتنتج سنويًّا عشرات الكتب باللغة الإنجليزية، وتعتبر مصدرًا مهمًّا لخلق حقائق عن إيران، وتشكِّل مصدرًا مهمًا للوبي الإيراني في الغرب، ولو تم تأسيس مثل هذه المؤسسة عندنا على أساس غير حكومي، أعتقد أنه سيكون أفضل.

  • الإعلام السعودي يكسب المعركة بالقرار السياسي:

ذكر د. عبد الله العساف؛ خلال الأسبوع الماضي كنتُ مُتحدِّثًا في نادي الأحساء الأدبي، وفي الجمعية السعودية للإعلام والاتصال، عن واقعنا الإعلامي في هذه المرحلة الحرجة، والتي يرى فيها البعض أنها أطلقت رصاصة الرحمة على إعلامنا بجناحيه العام والخاص، وكان التفوق من نصيب المغرد السعودي الأقل إمكانيات والأقوى دفاعًا واهتمامًا.

وحتى نكون منصفين – من وجهة نظري على الأقل-  وبالرغم من أن سقف تطلعاتي لما يجب أن يكون عليه إعلامنا بجناحيه، مرتفعٌ جدًّا، فالإعلام اليوم سلاحٌ فعَّالٌ ولا يقل عن أسلحة الدولة وقواتها البرية والبحرية والجوية، فهو رابعها كما أنه رابع السلطات الثلاث؛ ولذا أقولُ أن إعلامنا في هذه القضية تحديدًا، قضية خاشقجي أعني، (نجح في إدارة المعركة الإعلامية)، بالرغم من أنَّ الإعلام الآخر وظَّف خبرته، وإمكانياته، ونظريات التأثير الإعلامي، وتفوقه على إعلامنا بسنوات ضوئية من حيث البرامج والتغطيات ومهنية المعد والمقدِّم، وقبلها تشبعهما معًا بفلسفة الوسيلة والأيديولوجيا التي تصدر عنها، والحضور اللافت في عدة دول في التوقيت ذاته، بل إنه في إسطنبول مثلًا ينقل من عدة مناطق في مدينة واحدة، حيث نصَّب أجهزته أمام القنصلية، وأمام منزل القنصل، ومن أستديو القناة في إسطنبول وغيرها، وجنَّد جيشًا من المحللين والصحفيين والخبراء في القانون الدولي والطب الشرعي، كل هذا لاحتلال عقل المتلقي وتوجيهه إلى حيث يريد القائم بالاتصال، فلم تُقدم الحادثة مثلًا على أنها حدث منفصل واستثنائي؛ بل سعت لتقديمها كحدث طبيعي وسياسي، لاستثمارها سياسيًّا واقتصاديًّا.

كيف نجح إعلامنا في إدارة المشهد الإعلامي في هذه الحادثة تحديدًا؟ حاول الإعلام الآخر جرَّ إعلامنا الرسمي وشبه الرسمي إلى مستنقع لا يجيدان السباحة فيه، وهنا كانت الإستراتيجية السياسية وليست الإعلامية – في ظني- حاضرةً، وأعطت الضوءَ الأحمرَ لإعلامنا بالتوقف وعدم الانجرار إلى ما يريدُه الخصم المتمكن من أدوات اللعب في هذا المستنقع الرديء، والذي سوف تكون تبعاته كارثية لو نجح في سحبنا إليه، حيث لا نجيد السباحة في جدول صغير، ولا نملك من أدوات الخصم سوى الوسيلة بأبسط صورها. إذًا النجاح كان سياسيًّا وليس إعلاميًّا.

وهنا أعود لما ذكره الزميل مطلق البقمي، وأقول إن المسؤولية مشتركة بين كليات وأقسام الإعلام وبين المؤسسات الإعلامية، أمَّا الكليات والأقسام فبحسب علمي جدَّدت وكيَّفت خططها وبرامجها ومازالت تقوم وتراجع هذه البرامج، وتسعى لعقد شراكات إستراتيجية مع المؤسسات الإعلامية العامة والخاصة؛ لأنها المستفيد الأول من مخرجاتها، ولكن الأمر لا يخرج عن مذكرات تفاهم في أحسن الأحوال، ثم إنَّ الجامعات تعلم الأسس والنظريات، أما المهارات فتكتشفها وتطورها المؤسسات الإعلامية بحكم امتلاكها للخبرة العملية.

وهنا أتساءل: هل ما قدَّمه إعلامنا هو كل ما يمتلكه؟ هل من الممكن أن يكون أفضل؟ وأين الخلل؟ ماذا استفدنا من هذه التجربة؟ هل سنشهد عاصفة حزم إعلامية؟

تعليقًا على ذلك تساءل أ. عبد الله الضويحي: كيف يمكن أن نقول إن إعلامنا نجح في إدارة المعركة الإعلامية في قضية خاشقجي؟ في حين أن كثيرين أجمعوا على عكس ذلك، والفروقات التي وضعها د. عبد العساف بين إعلامنا والآخر تصبُّ في مصلحته، وهي التي صنعت تفوقه. كيف يمكن لنا فهم ذلك؟ وما هي ملامح تفوقنا في إدارتها؟

يرى د. عبد الله العساف أننا إذا نظرنا من زاوية الإمكانيات بمعناها الواسع، فالفارق يصبُّ في مصلحة الإعلام الآخر، وأشرتُ في مداخلتي إلى أن هذا الإعلام فشل في سحب إعلامنا بجناحيه إلى منطقته التي يجيد اللعب فيها، فالقوة ليست دائمًا فيما نقوله ونفعله، بل تكون القوة أحيانًا فيما نصمت عنه ونتركه ونتجاهله بإرادتنا، وقد أشرتُ إلى أننا كسبنا المنازلة الإعلامية من وجهة نظري بقرار سياسي وليس إعلاميًّا.

  • أهمية قياس الجمهور في مجال الإعلام:

حول أداء هيئة الإذاعة والتلفزيون وإمكانية إعطائها مزيدًا من الحرية والمرونة وتحويلها إلى مؤسسة/شركة إعلام عمومي، ذكر د. إبراهيم البعيز أن قياس الجمهور يمثل عمودًا فقريًّا لصناعة الإعلام الإذاعي broadcast media، لكن للأسف تسيطر على هذه السوق في المنطقة العربية شركتان أجنبيتان، هما: شركة نيلسون Nelson (أمريكية) وشركة إبسوس Ipson (فرنسية). حاولت هيئة الإعلام المرئي والمسموع كسر هذا الاحتكار بتأسيس الشركة السعودية لقياس وسائل الإعلام، لكن هذه الشركة كانت تمشي على عكاز إلى أن -كما قال د. رياض في ورقته- تمت تصفيتها لفشلها في أداء المهمة.

أنا أُدَرِسّ مقررًا عن بحوث الإعلام، يتناول في أحد محاوره قياس الجمهور. وتواصلتُ مع مكتب شركة إبسوس في الرياض أطلبُ منهم تقديمَ محاضرة في الجامعة عن صناعة قياس الجمهور في المنطقة العربية، وافق مسؤول الشركة في الرياض على ذلك من حيث المبدأ لكن شرط الموافقة النهائية بأن يستأذن الشركة الأم في فرنسا، لكنهم لم يوافقوا له. هذه الشركات تعمل على محاربة كل جهود محلية تحاول اقتحام هذا المجال، وهو مجال يُشاع أنه غارق في الفساد.

تضمَّن برنامج التحوُّل أربعة أهداف إستراتيجية لوزارة الإعلام، ومنها تنمية الصناعة الإعلامية والصناعات ذات العلاقة وتعزيز تنافسيتها عالميًّا، ومن مؤشرات الأداء لهذا الهدف رفع قيمة الناتج المحلي للصناعة الإعلامية والصناعات ذات العلاقة إلى 6.64 مليارات، لتصل نسبة عائدها في الاقتصاد الوطني إلى 42%. تخيلوا نحلم بأن نرفع نسبة عائد الصناعات الإعلامية إلى 42% مرة واحدة، ونحن عاجزون عن تأسيس شركة تساعدنا في معرفة عدد المشاهدين والمستمعين. المشكلة أننا نرى التنظيمات ولوائحها فقط من نافذة المسموح والممنوع، ولا نعطي أهمية لقوانين وتنظيمات تحمي الصناعة الإعلامية وتعزِّز من فرص نجاحها.

من جانبه قام د. رياض نجم بعرض أسباب فشل شركة قياس وسائل الإعلام:

– عدم اهتمام الشركاء الرئيسين في الشركة، وأولهم هيئة الإذاعة والتلفزيون بإدارتها الجديدة، بمتابعة الإدارة التنفيذية للشركة. لقد بقيت الشركة لمدة تزيد عن 18 شهرًا بدون رئيس تنفيذي، وكُلِّف بإدارتها خلال تلك الفترة أشخاصٌ محدودو الخبرة في المجال.

-عدم دعم معظم الشركاء للشركة بشراء البيانات التي تصدرها الشركة ولا بالترويج لها. فكيف لغير الشركاء الاقتناع بالاشتراك في هذه البيانات إذا لم يستخدمها مؤسسو الشركة؟

– تقاعس هيئة المرئي والمسموع خلال العامين الماضيين في تأكيد مصداقية ونظامية الشركة، وأنه لا يجب الاعتداد بأي بيانات تصدرها شركات مشبوهة تدعي أنها تقيس نسب المشاهدة والاستماع.

– تقاعس شركاء الشركة في مقاضاة الشركة الألمانية المتعاقد معها للقيام بعمليات القياس، حيث إنَّ الأخيرة انسحبت من المشروع قبل تسليم عمليات القياس لمشغل جديد حسب ما نصَّ عليه العقد الموقع معها.

-فشل الشركة في تسويق بيع البيانات على الجهات صاحبة المصلحة، ومنها القنوات وشركات الإعلان ووكلاء الإعلان.

-عدم دعم أكبر مجموعة إعلامية سعودية للشركة، على الأقل بالاشتراك بشراء البيانات الصادرة عنها.

  • واقع الإعلام السعودي:

ذكر د. مساعد المحيا؛ برغم أني من أنصار التفاؤل في مستقبل إعلامنا مهما أصبح الواقعُ مخيبًا للآمال، إلا إنني فيما يبدو قد استنزفت كلَّ منشطات التفاؤل لاستصلاح الإعلام، وبات لديَّ قناعة بأنه من الممكن أن المسؤول يرى أن قناة العربية قناة سعودية إخبارية تقوم بواجباتها على نحو مرضٍ، وأن إم بي سي وأخواتها تعدُّ محطات سعودية تهتم بالترفيه بكل أنماطه ولها حضورها المحلي والعربي؛ وبالتالي فإن القنوات المحلية يمكن أن تبقى وسائل علاقات عامة.

الواقع يقول اليوم إن كل ما يجري في هذه القنوات المحلية لا يقودها بأن تنافس وأن تكسب الجمهور، سواء من حيث اختيار الكفاءات التي تديرها والتي لا تمتلك الكفاءة المهنية أو الإدارية، أو من حيث السياسات والتعليمات التي لا تمنحها فرصة الإنتاج المهني الإبداعي الذي ينتظم في سياق المصلحة الوطنية العليا، وفي الوقت نفسه ينعم باجتهاد واسع في إطار العمل المهني.

ذات يوم تخيلت لو أن شخصية ما تولت زمام الإعلام في المملكة، وهذه الشخصية أعطيت صلاحيات مالية كبيرة جدًّا، فأراد أن يطبق منهجًا يقوم على استقطاب كفاءات أوروبية وأمريكية لتعمل في مختلف مجالات الإعلام المرئي والمسموع، على طريقة الأندية الرياضية التي حظيت بدعم كبير، فاستقطب كل ناد ثمانية من الأجانب. تُرى هل يمكن أن نلحظ تطورًا كبيرًا في إعلامنا المحلي؟ شخصيًّا أرى أن ذلك سيتعذر؛ لأن هؤلاء في نهاية المطاف سيعملون بطريقة شركة علاقات عامة. إذًا المشكلة ليست في قصور أو تقصير إعلامنا المرئي والمسموع فقط، مع الإيمان بوجود ذلك؛ وإنما في السياسات التي ينتظم بها العمل.

الأزمة الأخيرة شاهد كبير على أن كلَّ ما أُنفِق على الإعلام تبخَّر. المنطق في مفهوم الربح والخسارة عند الشركات العالمية حين تواجه أزمة فتخفق أجهزتها عن إدارة الأزمة بكفاءة عالية، أن تعيد النظر في بناء وهيكلة هذه الأجهزة، أما حين لا تصنع ذلك فذلك شكل من الرضا عن هذا الواقع الذي أنتج هذه السلبية.

ما أشار له الزملاء، وبخاصة د. عبد الله بن ناصر الحمود، أجده خارطة طريق ممكنة، ويمكن تطويرها. فقط إن كان هناك إرادة تستصحب إمكانية قبول كلِّ ما يتطلبه العمل التلفزيوني المهني.

  • معايير القبول في تخصصات الإعلام:

أشارت د. وفاء طيبة إلى أننا لو حاولنا العودةَ بالإعلام إلى نقطة البداية في نظري، وهي اختيار الإعلامي للدراسة في الكلية، كيف يتم اختيار الإعلامي في كليات الإعلام؟ ما هي المعايير؟ وهل توجد معايير أصلًا؟  وعادة تكونُ معاييرنا في كل التخصصات الدرجات المدرسية وغيرها من الاختبارات التي لا تدخل في خصائص الشخصية المهمة لكل مهنة. وهل كل الإعلاميين خريجو إعلام، والإعلامي في نظري غير الكاتب، ألا يجب أن يكون كذلك على الأقل بعد أن عانينا من مخرجات الإعلام وتقاعسه عن الوقوف مع وطننا( المملكة) في كثير من الأحيان؟ فالإعلام لا يقلُّ أهميةً عن الطبيب أو المهندس، فهو يعمل على العقل والفكر، بل إن الإعلام في المجالات الاجتماعية الداخلية- مثلًا- أخطأ في كثير من الأحيان في الجري وراء الخبطة الصحفية دون قياس أثر عرض بعض الموضوعات، وطريقة عرضها، على المجتمع. وفي مجال حقوق الإنسان عانينا في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان من تداول الإعلام غير الناضج وغير المسؤول لبعض الحوادث فكانت العواقب وخيمة. ثم هل يتم الابتعاث في مجال الإعلام؟ وهل من المفيد الابتعاث في الإعلام؟

  • هيكلة إدارية وتنظيمية للإعلام:

أكدت د. مها العيدان أن الإعلام يُعدُّ أهم معلم ترتكز عليه صورتنا في مختلف مجالات الحياة أمام العالم، سواء في قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وهو وسيلة فعَّالة لتغيير اتجاهات الأفراد، بل أبعد من ذلك فقد يخلْق توجهات جديدة أو مختلفة بصورة كلية عن فكر الأفراد، وقد تصل إلى التشكيك في قناعاتهم ومبادئهم.

وفِي اعتقادي أن القضية ليست في وجود وزارة الإعلام أو عدمها؛ لأننا إذا قيَّمنا كثيرًا من الجهات الحكومية نجدها تعاني من المشكلات نفسها التي تعاني منها وزاره الإعلام.

لذا ينبغي التركيز على كيف تُدار وكيف تتطور من خلال تجديد وتنظيم العمل من هيكلة إدارية، مع وضع سقف من الحرية ووضع حوافز تشجيعية للمبدعين، حيث أتفقُ مع الرأي القائل إن المملكة تملك من الإمكانيات البشرية والاقتصادية لقيام صناعة إعلامية متميزة.

من جانبه أشار د. خالد الرديعان إلى أنه يذكر أن الصحافة الكويتية في السبعينيات وحتى الثمانينيات كانت رائدة بسبب استقطابها لعدد كبير من الكتاب اللبنانيين والفلسطينيين بعد حرب لبنان. الآنَ تقريبًا خفت وهج الصحافة الكويتية وظهر لها منافسون.

لذا أعتقدُ أن استقطاب بعض الكتاب والإعلاميين من هنا وهناك ممَّن لهم وزن في العالم العربي سيكون عملًا مفيدًا للغاية، على الأقل لأن لهؤلاء الكتاب قاعدة جماهيرية في دولهم، ومن ثَمَّ قدرتهم على التأثير والإقناع.

  • الإعلام السعودي أكاديميًّا ومهنيًّا.. بين التفاؤل والتشاؤم:

ذهب أ. عبد الله الضويحي إلى أنه يُلاحظ في المداخلات وفي أوراق القضية خاصة من المتخصصين والقريبين من الوضع، نظرة تشاؤمية لإصلاح الوضع الإعلامي رغم تراكم العقود والخبرات، وتعاقب القياديين على وزارة الإعلام وقطاعاته المختلفة. وإذا كان البعض تطرق لسُبل الإصلاح، فالسؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن أن نتفاءل؟ وهل هناك مدة معينة يمكن وضعها لهذا الإصلاح؟

علَّق د. خالد الرديعان، لننظر- مثلًا- للمتحدث باسم النيابة العامة في قضية خاشقجي، فهل كان مقنعًا؟ وهل كان أداؤه مناسبًا، وهو يتوجه للإعلامين الداخلي والخارجي؟ هل كان هو الشخص المناسب لعرض القضية بهذه السطحية المتناهية؟ وهل حذاقته اللغوية كانت مفيدة؟

أيضًا فقد أصدر هذا المتحدِّث بيانًا واحدًا ولم يعقبه “تسريبات” أخرى تشعل إعلامنا. لماذا لم يطبق نفس القاعدة التي لجأت إليها الجهات الأخرى في تركيا وقطر؟ ولماذا لم يهتم الإعلام بقضية المدانين في القضية ولم يعقب عليها ولم يناقشها؟ عن أي إعلام نتحدث؟ من أجل ذلك يعتقد أ. عبد الله الضويحي أنه لا بد من اختيار المتحدث الرسمي لأي قطاع وفق مواصفات معينة، وأن يتم إعدادهم لمثل هذه الأدوار من خلال دورات متخصصة.

وتساءل د. خالد الرديعان، إن بعض أقسام الإعلام في جامعاتنا عمرها يزيد عن أربعين سنة، فماذا فعلت هذه الأقسام في تخريج موظفين وكتبة؟ بينما يرى أ. عبد الله الضويحي أن المشكلة ليست في أقسام الإعلام في نظري، ولكن في أسلوب القبول في الجامعات والأقسام التي تخضع للنسب فقط وليس للكفاءة ومواصفات الطالب ومدى مناسبة القسم له. علق د. عبد الله بن ناصر الحمود بأن الجامعات بريئة من رداءة مهنة الإعلام.

أضاف د. إبراهيم البعيز أنَّ العمل الإعلامي ليس واعدًا وظيفيًّا. الأرقام تتزايد من خريجي أقسام الإعلام المتميزين في العمل الإعلامي ممَّن تركوا العملَ في المؤسسات الإعلامية خوفًا من مستقبل وظيفي في مهبِّ الريح، وذهبوا للعمل في قطاعات حكومية أو شركات ليس لها علاقة بالإعلام. أكثر من %80 ممَّن يعملون في الصحافة السعودية متعاونون، وهذا ما تريده الصحافة لأنه الأوفر لهم. ما أثر ذلك على نوعية من يتقدم إلى الإعلام؟ وأضيفُ أنَّ معظم مَن يدرس الإعلام في السعودية لم يكن الإعلام رغبتهم الأولى.

أضافَ أيضًا د. خالد الرديعان، أريدُ من المتخصصين إذاعة وتلفزيون في أقسام الإعلام أن يتدربوا على العمل في قناة تلفزيونية تتبع جامعتهم، وفي إذاعة خاصة بالجامعة. وأريدُ من المتخصص صحافة أن يعمل ويتدرب في صحيفة الجامعة أو في جريدة كبيرة، كالرياض والجزيرة. وأريدُ من المتخصص علاقات عامة أن يمارس العمل والتدريب في شركة كبيرة، كالاتصالات أو سابك أو أرامكو، حتى يكتسب خبرة كافية.

وأريد هامش من الحرية واسعًا لكل الإعلاميين، وأن لا يتم إيقافهم عن الكتابة أو العمل بسبب مسؤول متنفذ يزجُّ بهم أحيانًا في غياهب النسيان إن لم يكن أبعد من ذلك. إذا أخطؤوا يتم محاكمتهم طبقًا للنظام وليس للمزاج. ولا أريد أيَّ مسؤول خارج وزارة الإعلام والثقافة أن يتحكم فيما يُبثّ، وأن يُفصِّل الموضوع على مزاجه.

علق أ. عبد الله الضويحي بأنه في بدايات قسم الإعلام بجامعة الملك سعود في النصف الثاني من السبعينيات، كان طلبة قسم الصحافة يتدربون في جريدة الرياض، والطلبة في تخصص الإذاعة والتلفزيون يتدربون في إذاعة الرياض، وهناك أيضًا رسالة الجامعة، ولا أعلم الآنَ عن الوضع الحالي.

  • حلول مقترحة للنهوض بالإعلام السعودي:

تحدَّث د. عبد الله بن صالح الحمود عن قضية هذا الأسبوع والتي بعنوان “الإعلام السعودي.. هل هناك فرصة لتحسين الأداء”، وذكر؛ حقيقة أتت كلمة – فرصة- موجعة بما تعنيه هنا، وهو كأننا ننتظر آخر مرحلة عمرية للإعلام السعودي بكافة أطيافه، أو أننا نستعد لإطلاق رصاصة الرحمة عليه، وذلك لأسباب ثلاثة؛ إما بسبب حضوره المتدني، أو غيابه المنقطع، أو بين الاثنين فيصبح ذكرًا كاختفائه. وبالمقابل لم يكن إعلام يعالج قضايانا التي باتت تنتظر مَن يعالجها ويدافع عنها بالسبل والإمكانات التي تكمل بناء أي دولة، الدولة التي جاهدت ولا تزال تجاهد لتكونَ منافسًا أكبر، وهي الآنَ أضحت إحدى دول العشرين.

أحزنُ كثيرًا حينما لا أزال أقرأ من إعلاميين أكاديميين وممارسين، عن المطالبة بتطوير إعلامنا، ومقارنته على الدوام مع إعلام خارجي أو حتى شبه محلي على غرار القنوات المحسوبة على بلادنا شكليًّا.

أعتقدُ أن التكرار المستمر والتذمُّر والذي طالت به الأزمنة، حول السلبيات والمعوقات والنقد الذاتي، في نظري يُفترض أن نعتقد أن هذه الأمور لا يجوز على الإطلاق تكرارها، لِمَ؟ لأنها تعود بنا دومًا إلى المربع الأول، وهو الإشارة إلى سلبية الأداء، والظنون بدخول غير المهنيين في قطاع الإعلام، وهذا- في ظني- مضيعة للوقت، لِمَ؟ لأن هذه الأطروحات والتي من شأنها المناداة حول مأسسة وهيكلة الإعلام، ألاحظ أنها على الدوام تُطرح بل ظلَّ الإعلام- في ظني- هو الجهة الحكومية الوحيدة التي لا تزال شبه منسية أو إن شئت فقُلْ بعيدةً في تطويرها وإعادة هيكلتها، قد يقول قائل بل إن هناك مأسسةً وهيكلةً، متسلحًا بتأسيس هيئتي الإذاعة والتليفزيون والإعلام المرئي والمسموع، نقول له: ثم ماذا؟ ماذا نتج لنا مع كل هذه التنظيمات؟ لو أنها أتت أُكلها الحقيقي وبنتيجة على الأقل مرضية لما أتى الانتقاد على الدوام من المختصين وغيرهم تجاه قلة العطاء الإعلامي القائم.

وهنا أطرحُ نقاطًا مباشرةً أرى مناسبتها كحلول للنهوض بإعلامنا، والذي أرجو أن يكون موفقًا وناقلًا لجهودنا ونجاحاتنا المستمرة في بلادنا الواعدة، وذلك على النحو التالي:

1-أقترحُ دمج هيئتي الإذاعة والتليفزيون والإعلام المرئي والمسموع في هيئة واحدة تحت اسم (هيئة الإعلام المرئي والمسموع والحديث) بحيث تكون مشرفةً على التلفزيون والإذاعة والإعلام المرئي والمسموع والإعلام الجديد.

2-أقترحُ إنشاء هيئة للإعلام الداخلي والخارجي، تحت اسم (هيئة الإعلام الداخلي والخارجي)، يُناط بها مهام نقل الأخبار داخليًّا وخارجيًّا، وتستمد الأخبار ونقل صورة البلاد من جهات عليا واحدة، تفاديًا من تشتت إعلامي مُضرٍّ، ووصولًا إلى كفاءة الإخراج وسرعة النقل الإعلامي.

3-إلزام الجامعات بإعادة هيكلة الأقسام الإعلامية فيها، وأن تُنشِئ كليات إعلام متعددة التخصصات ومستقلة على غرار ما قامت به جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حين أُفرِدت فيها كلية للإعلام والاتصال، وليس كباقي الجامعات التي جمعت تخصصات مغايرةً ومتعددة في كلية واحدة، مثل كلية الآداب بجامعة الملك سعود.

4-أن يكوم هناك دورٌ ومشاركة كبيرة بين مركز التواصل والاستشراف المعرفي ووزارة الإعلام، وصولًا إلى رسائل إعلامية مبنية على أسس متينة وقادرة على نقل الصور الحقيقة لبلادنا.

5-إنشاء اتحاد للكتَّاب السعوديين.

6-أن يكون لوزارة الإعلام مشاركة نوعية في منصة تويتر، وأن تحشد لهذا أفرادًا من الشباب والشابات المتخصصين في الإعلام الجديد، وأن تتسم أطروحاتهم بالجدية والنوعية في تقديم المواد الإعلامية التي تظهر الوطن بكل عطاءاته ومقدراته.

علَّق د. رياض نجم بأنه يبدو أن هناك خلطًا بين مهمتي هيئة الإذاعة والتلفزيون وهيئة الإعلام المرئي والمسموع؛ فالهيئة الأولى هي مؤسسة تشغيلية للقنوات الحكومية، والهيئة الثانية هي جهاز تنظيمي لكامل مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع الحكومية والخاصة، وتشبه في دورها هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، والمناداة بدمج الهيئتين مثل المناداة بدمج شركة الاتصالات السعودية وهيئة الاتصالات.

بينما يعتقد د. عبد الله بن صالح الحمود أن الأولى أن نقول دمج هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات بوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات.

أمَّا الدمج بين هيئة الإذاعة والتلفزيون وهيئة الإعلام المرئي والمسموع، فهو في ظني أمرٌ أرجو أن يتحقق، ولا يمنع أن نضع شيئًا من المواءمة لنجاح ذلك، فضلًا عن أنَّ كثرةَ الهيئات والمنظمات أشغلت العملَ الرقابي وأضعفت الإنتاجية، وكذا أحدثت غيابًا واضحًا في التنسيق الإستراتيجي بين الجهات ذات العلاقة الواحدة، كحال هاتين الهيئتين.

إلا أن د. رياض نجم ذهب إلى أن من أساسيات التنظيم الإداري الصحيح أن يتم فصل الأجهزة التشغيلية عن الأجهزة التنظيمية والتشريعية، وهذا حاصل في جميع القطاعات دون استثناء: الاتصالات، الكهرباء، الطيران…إلخ.

لذا فإنَّ دمج هذين الجهازين (هيئة الإذاعة والتلفزيون وهيئة المرئي والمسموع) خطأٌ إداريٌّ فادح يعيدنا إلى نقطة الصفر بعدم الاختصاص. ما أُخِذَ به في المملكة من الناحية التنظيمية هو النموذج الفرنسي بفصل تنظيم الإعلام عن الاتصالات (المجلس الأعلى السمعي البصري في فرنسا). هذا النموذج مُطبَّق في المغرب وتونس وبعض الدول الأخرى في أوروبا وآسيا.

الخطأ في الواقع هو في تسمية هيئة الإذاعة والتلفزيون، ويُفترض تسميتها (مؤسسة)؛ لأنها تشغيلبة operator وليست تنظيمية regulator. وهو ما اتفق معه فيه د. عبد الله بن ناصر الحمود، حيث يعتقد أن مشكلة هيئة الإعلام المرئي والمسموع في اسمها وليس مهماتها، فاسمها (غير دالٍ) لوظائفها التشريعية.

  • المسؤولون عن الإعلام في المملكة:

ذكرت د. الجازي الشبيكي أن ضعف تواجدنا الإعلامي على المستوى الدولي على الرغم من إمكانياتنا الكبيرة، أمرٌ مؤسفٌ!

فالدكتور عواد العواد، على الرغم من تخصصه الاقتصادي، إلًا أن اهتمامه بالجانب الإعلامي في أثناء عمله سفيرًا للمملكة في ألمانيا، كان مثارًا لإعجاب الوفد الطلابي الحقوقي الذي كنتُ مشرفة عليه في زيارته لألمانيا. حيث ذكر لنا د. العواد أنهم يركزون كثيرًا على التواصل الإعلامي مع كافة القوى المؤثرة في ألمانيا لأهمية دور الإعلام في العصر الحاضر.

ليس ذلك فحسب، بل كان يؤكِّد على أن منهجيتهم ترتكز على أن ذلك التواصل وتلك المُخاطبة تتمُّ بناءً على معرفة دقيقة باهتمامات المجتمع الألماني كي تجني ثمارها الصحيحة.

كنتُ أتوقع أن يستخدم الوزير نفس الأسلوب بشكل أوسع على المستوى الدولي، بحيث يبني مراكز إعلامية سعودية في الدول العظمى المؤثرة عالميًّا على الأقل، مؤهَّلة بشباب درسوا الإعلام في تلك الدول وعرفوا مكامن اهتمام شعوبها ومراكز القوى السياسية لديها، ومدعمة بخبرات وقامات إعلامية سعودية مخضرمة، بحيث نضمن لنا تواصلًا وتواجدًا إعلاميًّا دائمًا ومستمرًا في كل الأوقات لتغطية كافة الأحداث العالمية، والتواجد فيها بوجه عام، وما يتعلق ببلادنا على وجه الخصوص.

علق أ. عبد الله الضويحي بأن هذا يؤكد أن الكفاءات يكبلها الروتين والبيروقراطية.

كثيرٌ من المسؤولين قبل أن يأتيَ للمنصب يضع الحلول والتنظيرات، وعندما يجلس على الكرسي يتغير كل شيء.

أضاف أ. إبراهيم سنان؛ سبق وذكرتُ أننا الآن إعلاميًّا وثقافيًّا يوجد أفراد ومؤسسات صغيرة قد لا يتعدى إنتاجها وبثُّها يوتيوب وتويتر أصبحوا أكثر أثرًا من المؤسسات الكبرى. وأضربُ مثالًا آخر، وهو أن صناعة السينما- مثلًا- عندما كانت تعتمد على مؤسسات وأفراد مهتمين بالسينما كان هناك إنتاج أكبر ونشاط أكثر، إلى أن تمَّ تكوين مجلس السينما، وجُمعت كل تلك المواهب تحت هذه المظلة، لم نعد نسمع عن مهرجانات أو أفلام تشارك أو تنافس.

وأذكرُ أنَّ “المغلوث” كان أكثرَ أثرًا ونشاطًا كشخص قبل أن يُصبح مسؤولًا. وكذلك “مدخلي” كان مذيعًا ناجحًا في العربية عاد للإخبارية ولم يكمل.. وغيرهم الكثير، بل إنه كان هناك مشاهير مؤثرون تمَّ استقطابهم لمؤسسات وهيئات حكومية وخسرناهم.

هيئة الترفيه كانت الأذكى، فكل ما فعلته أنها خلقت حوافز المنافسة لكل المؤسسات والشركات الربحية في مجال الترفيه، وجعلت دعمها يأتي في إطار تجاري وهو (الرعاية)، فهي ترعى بنسبة 30 في المئة من تكلفة النشاط أو الفعالية.

 

¤      التوصيات:

  1. تحويل القطاع الإعلامي إلى منظومة تعمل وتُدار على أسس القطاعات الخاصة، ومنح إداراتها العليا الحق في اتخاذ كافة القرارات المالية والإدارية والفنية، وَفْق نظام حوكمة متكامل.
  2. العمل على تحويل الإعلام الرسمي من إعلام حكومة إلى إعلام دولة؛ مما يعطيه قدرًا كبيرًا من الاستقلالية الإدارية والمالية التي تمنحه سقفًا أعلى في الشفافية لتناول الشأن العام، ليكسب ثقة المواطن، ويبعده من مصادر الأخبار التي تعمل على زعزعة ثقته في وطنه وقيادته.
  3. إبعاد الإعلام الرسمي من حلبة المنافسة مع الإعلام التجاري، ليكون معيارُ تقييم الأداء مؤشراتٍ تتعلق بنوعية البرامج، ومدى الارتفاع بمضمونها الثقافي والذائقة الفنية؛ بخلاف الإعلام التجاري القائم على معايير حجم الإيرادات الإعلانية.
  4. العمل على بناء مدينة إعلامية متكاملة كجزء من مشروع نيوم، وتوفير البيئة والتشريعات المناسبة لكي تتواجد أكبر مجموعة إعلامية على أراضي المملكة، بما يسهم في رفع قيمة الناتج المحلي للصناعة الإعلامية والصناعات ذات العلاقة تحقيقًا لبرنامج التحوُّل الوطني.
  5. نَقْل كل ما يتعلق بتنظيم الإعلام من الوزارة إلى جهاز تنظيمي مُوحَّد مستقل ينشأ لهذا الغرض “هيئة تنظيم الإعلام المرئي والمسموع”؛ لوقف التداخل والتشتت في تنظيم الوسائل والمحتوى بين الوزارة وهيئة المرئي والمسموع.
  6. نَقْل مسؤولية الإعلام الخارجي من وزارة الإعلام إلى وزارة الخارجية باعتبارها الجهة الأقدر على القيام بهذه المهمة، والتنسيق مع مركز التواصل والاستشراف المعرفي في رسم وتنفيذ ما له ارتباط مباشر بالإعلام الخارجي للمملكة، أو عمل دراسة شاملة عن واقع الإعلام الخارجي مع تحديد الجهة المسؤولة عنه.
  7. إعادة النظر في هيكلية هيئة الإذاعة والتلفزيون ومرجعيتها وانفتاحها على التوجهات الوطنية المختلفة للمملكة؛ بتحويلها إلى شركة حكومية غير ربحية تعمل على أساس مهني، ويشرف عليها مجلس أمناء مكوَّن من أعضاء حكوميين وأعضاء مستقلين من ذوي الخبرة والاختصاص.
  8. إنشاء محطات إذاعية في المناطق FM، معنية بالشؤون المحليه لكل منطقة، ذات صورة وطنية حقة بعيدة عن القبلية والمناطقية، وَفْق حوكمة وأنظمة تحافظ على مستوى المحتوى، وبجانب فوائدها قد تخرج مواهب جديرة بالاحتضان لتطويرها لخدمة  الوطن.
  9. الاحترام الكامل للكفاءات البشرية العاملة في قطاع الإعلام ومنحها الفرصة للمشاركة في تطويره وفق منظور إبداعي محترف، وإعادة جدولة مهمات مَن يقصرون عن التميز دون النيل من حقوقهم وتاريخهم.
  10. تعميد مركز دراسات وطني محترف لإعداد إستراتيجية تطوير قطاع الإعلام، وإيكال مهماته القيادية والإدارية لكفاءات وإدارات متخصصة في مجال الإذاعة والتلفزيون فقط ممَّن لديهم مهارات قيادية وإدارية مثبتة، ويتمتعون بالذكاء المهني والاجتماعي.
  11. إعادة هيكلة كليات وأقسام الإعلام في الجامعات، والنظر في طريقة القبول بحيث تعتمد على أهلية الطالب وقدراته وفق اختبارات ومقابلات مُعدَّة لهذا الغرض، مع تدريبهم أثناء الدراسة في أماكن متخصصة ومؤهلة.
  12. تبني سياسة إعلامية تجعل من العمل الإعلامي بكل فنونه وأنماطه فرصةً واعدة وظيفيًّا لاستيعاب خريجي وخريجات كليات وأقسام الإعلام في الجامعات السعودية، وبما يُعزِّز تقديم أولوية الحرفة والمهنة على ما عداهما.
  13. توثيق الصلة بين مركز التواصل والاستشراف المعرفي ووزارة الإعلام فيما يخصُّ التوجهات الإعلامية داخل المملكة من خلال عمل تكاملي وتنسيقي، للوصول إلى رسائل إعلامية قادرة على توثيق الصلة بين المواطن والمؤسسات الحكومية.
  14. إنشاء كيان مستقل خاص بالإعلان يتولى قياس استهلاك وسائل الإعلام بشكل مهني وفق المعايير الدولية لدعم استقلاليتها ماديًّا لتؤدي رسالتها على الوجه الأكمل.
  15. عدم الاقتصار على المتغيرات المحلية فقط، نحن بحاجة إلى مستوى تحليل يأخذ في الاعتبار المتغيرات الخارجية وما تحمله من قيم ومعاييرَ ثقافية لا يمكن تجاوزها.
  16. فتح المجال للاستثمارات السعودية في مجال الإعلام بكل جوانبه الإخبارية والترفيهية والثقافية، وأن تشتمل على موادَّ وبنودٍ تحمي الصناعة الإعلامية وتُعزِّز من فرص نجاحها.
  17. الاستعانة بشركات كبرى عالمية متخصصة لتحسين الصورة المغلوطة عن المملكة؛ وذلك بنقل الحقيقة إلى المجتمعات الغربية بالوسائل المسموعة والمرئية، على أن تُلزَم بتدريب خريجي أقسام الإعلام والعلاقات العامة في هذا المجال، وبمختلف اللغات الحية.
  18. تزويد السفارات السعودية في الخارج بصورة يومية بملف إعلامي يتضمن كلَّ ما يدور من أحداث وموقف المملكة منها، للاستفادة منه وإمداد الصحافة الأجنبية به عند الحاجة، ودعوتهم لزيارة المملكة من وقت لآخر للوقوف على الحقائق.
  19. تعيين مُتحدِّث إعلامي في كل سفارة سعودية في الخارج متمرس في العمل ومُلم بتقنيات التواصل مع الآخرين، على أن يجيد لغةَ الدولة التي تقع فيها السفارة، ومُلِمّ بدور العلاقات العامة وبكفاءة عالية، وتأهيله بدورات متخصصة أو معهد عالٍ متخصص ينشأ لهذا الغرض.
  20. عمل شراكات علمية مع مراكز الـ “think tank” في العالم، خاصة المعنية بصناعة القرار في الدول المؤثرة، وفتح فروع لها في المملكة إن أمكن ذلك.
  21. إنشاء مؤسسة للدراسات السعودية مقرها نيويورك تعمل ضمن منظومة الفكر العربي، مهمتها الأساسية صنع المعلومات الموثوقة عن المملكة بأيدى كتَّاب وباحثين من العرب، وبأهداف سعودية خالصة.
  22. خلق لوبي معرفي داخل أهم دولة في العالم (الولايات المتحدة) من خلال بناء علاقات عميقة مع المؤثرين على المستويين الثقافي والسياسي وكذلك العلمي والإعلامي في الغرب، وإقناعهم بعمل دراسات عن المملكة.

القضية الثانية:

عضوية المملكة في G20: الأبعاد الناجعة في استثمارها اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا

–    كاتب الورقة: د. عبد الله العساف.

  • المعقبان:

–     م. أسامة كردي.

–     د. نبيل المبارك.

–     إدارة الحوار: أ. عبد الرحمن الطريري.

¤      الملخص التنفيذي:

سجَّل دخول المملكة كعضو في أكبر مجموعة اقتصادية في العالم اعترافًا بأهمية المملكة الاقتصادية، ليس في الوقت الحاضر فقط, إنما في المستقبل أيضًا، وتعطي العضوية في هذه المجموعة للمملكة قوةً ونفوذًا سياسيًّا واقتصاديًّا ومعنويًّا كبيرًا يجعلها طرفًا مؤثرًا في صنع السياسات الاقتصادية العالمية التي تؤثر في اقتصاد المملكة واقتصادات دول المنطقة.

أشارت الورقة الرئيسة إلى أن مشاركة المملكة في قمة العشرين 2018 يؤكد على أنها تُعدُّ إحدى الدول العشرين الكبار، ولها دور مؤثر على الساحة الدولية على مختلف الأوجه الاقتصادية والسياسية والأمنية والدينية.

وذهبت التعقيبات إلى أنَّ المملكة تحتاج إلى رفع مستوى استفادتها من هذه العضوية بما يعود بالفائدة إلى اقتصادها ومواطنيها عن طريق جذب الاستثمارات العالمية المخصصة، لنقل التقنية وإحداث الوظائف ذات النوعية المرتفعة، وفتح الأسواق العالمية أمام منتجاتنا وخدماتنا، ويتحقق ذلك بالتنفيذ الدقيق والعاجل لرؤية 2030 وكافة برامجها ومبادراتها. كما أنَّ تنويع الشركاء الاقتصاديين أمرٌ يجب أن يكون على الأولويات الاقتصادية للمملكة، وفي هذا الإطار لا بد من النظر في تطوير العلاقة الاقتصادية والسياسية مع إفريقيا ومع مجموعة دول الميركسور في أمريكا الجنوبية.

وطرحت التعقيبات عشر نقاط كأبعاد للنجاح في توظيف المجموعة لتعظيم مصالح المملكة، وتحقيق العديد من الفوائد سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا من خلال وجود المملكة في مجموعة العشرين، ومنها التأكيد على أهمية تفعيل العلاقات الدولية مع كل دولة من دول مجموعة العشرين، ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة معها، واستغلالها لتكوين مصالح اقتصادية مهمة من خلال لجان وأعمال المجموعة.

وأشارت المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة أن وجود المملكة في نادي العشرين سياسيًّا وإعلاميًّا يُعدُّ إنجازًا ضخمًا يعطي للملكة زخمًا كبيرًا على واجهة الاهتمام والتقدير الكبيرين في العالم كله.

كما ذهب المناقشون إلى أن أهم عنصر يجب التركيز عليه من الآنَ وحتى موعد انعقاد قمة 2020 في الرياض هو تهيئة مجموعة من الاقتصاديين من الآنَ للبدء في إجراء الدراسات الاقتصادية الإعلامية عن الجوانب التنموية في المملكة بأكثر من لغة أو أن تُترجم لأكثر من لغة، يفهمها الوفود الإعلامية لأعضاء مجموعة العشرين، الذين سوف يحضرون القمة. وكذلك تشكيل هيئة لها مجلس إدارة برئاسة ولي العهد وعضوية وزراء المالية والاقتصاد والعمل، إضافة إلى آخرين من القطاع الخاص، ويكون محافظُها عضوًا في مجلس الاقتصاد والتنمية، وتهدف لوضع برامج محددة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، تسعى إلى تعزيز مكانة المملكة داخل المجموعة.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: تفعيل العلاقات الدولية مع كل دولة من دول مجموعة العشرين، رفع مستوى استفادة المملكة من هذه العضوية بما يعود بالفائدة إلى اقتصادها ومواطنيها عن طريق جَذْب الاستثمارات العالمية المخصصة لنقل التقنية وإحداث الوظائف ذات النوعية المرتفعة، وفَتْح الأسواق العالمية أمام منتجاتنا وخدماتنا، تنويع الشركاء الاقتصاديين، تسويق بعض المشاريع في الداخل والتي قد تواجه بعض الصعوبات في قبولها من خلال أعمال المجموعة، تكوين مجموعات ضغط سعودية لحماية مصالح المملكة من خلال استغلال لجان ومؤسسات تلك المجموعة، تفعيل دورنا في القطاعات واللجان والتخصصات الأخرى في اجتماعات مجموعة العشرين وعدم التركيز على القطاعين السياسي والاقتصادي فقط، استضافة الإعلاميين الذين نختلف معهم قبل مَن نتفق معهم لمدة شهر، والسماح لهم بالتجول في السعودية، زيادة التعاون مع دول أمريكا الجنوبية الأقل حساسية وتحفُّظًا على نَقْل التقنيات وغيرها مقارنة بالدول الغربية الصناعية التي تضعُ قيودًا شديدة على نقل التقنية والمعرفة المصاحبة لها.

¤      مقدمة:

استطاعت المملكة العربية السعودية القيامَ بدور مهم في ضبط إيقاع الاقتصاد العالمي, واستحوذت من خلال مشاركاتها في قمة مجموعة العشرين على أهمية استثنائية, ودائمًا ما يُعوّل المراقبون على المملكة الإسهام الفاعل في دعم الاقتصاد العالمي والمضي به إلى الاستقرار الذي تنشدُه الدول والمواطنون بها، فلدى المملكة ثاني أكبر صندوق استثمارات سيادية في العالم، والأكبر عربيًّا، وواحدة من أكبر الاحتياطات النقدية في العالم. وشكَّل دخولُ المملكة العربية السعودية إلى مجموعة العشرين الدولية التي تضمُّ أقوى 20 اقتصادًا حول العالم زيادةً في الدور المؤثِّر الذي تقوم به في الاقتصاد العالمي؛ كونها قائمةً على قاعدة اقتصادية– صناعية صلبة.

وكان لنجاح قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- في توجيه سياسة المملكة الاقتصادية ودعم الاقتصاد وقطاع الأعمال الوطني، أبلغُ الأثر في جعل المملكة دولةً فاعلة في رسم سياسة الاقتصاد العالمي وقبلةً آمنة للاستثمارات من مختلف دول العالم.

وتأكيدًا لمكانة المملكة وثقلها المؤثر على الاقتصاد العالمي ولمواقفها المعتدلة وقراراتها الاقتصادية الرشيدة التي تبنتها خلال سنوات التنمية الشاملة، إضافة إلى النمو المتوازن للنظام المصرفي السعودي, تشارك المملكة في اجتماعات قمة مجموعة العشرين الاقتصادية منذ دورتها الأولى في واشنطن بتاريخ 15 نوفمبر 2008م.

وسجَّل دخول المملكة كعضو في أكبر مجموعة اقتصادية في العالم اعترافًا بأهمية المملكة الاقتصادية، ليس في الوقت الحاضر فقط, إنما في المستقبل أيضًا، وتعطي العضوية في هذه المجموعة للمملكة قوةً ونفوذًا سياسيًّا واقتصاديًّا ومعنويًّا كبيرًا يجعلها طرفًا مؤثرًا في صُنع السياسات الاقتصادية العالمية التي تؤثر في اقتصاد المملكة واقتصادات دول المنطقة. لذا تعدُّ قضية “عضوية المملكة في G20: الأبعاد الناجعة في استثمارها اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمها د. عبد الله العساف، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة، وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (الاستفادة من قمة G20 وتحويل خارطة الطريق، الإستراتيجية الإعلامية لصورة المملكة حتى تاريخ استضافة القمة في 2020، أوجه الاختلاف بين مجموعة العشرين والمنظمات الدولية الأخرى، استثمار المملكة لقمة مجموعة العشرين، الاستعداد لقمة مجموعة العشرين 2020، ماذا تعني مشاركة المملكة في قمة العشرين؟ قمة العشرين 2018، قمة العشرين ونَقْل التقنية وتوطينها، مشاركة المملكة في قمة العشرين وانعكاساتها الإيجابية على صورتها لدى الآخر، قراءات حول مشاركة المملكة في قمة العشرين). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها الدكتور/ عبد الله العساف، وعقَّب عليها المهندس/ أسامة كردي، والدكتور/ نبيل المبارك.

كتب د. عبد الله العسافتُعدُّ المملكة العربية السعودية إحدى الدول العشرين الكبار، ولها دورٌ مؤثر على الساحة الدولية على مختلف الأوجه الاقتصادية وسياسية والأمنية والدينية، ما يهمنا هنا أن نتكلم عن دورها الاقتصادي حيث إنَّها في 2018 تُمثِّل الاقتصاد الرقم الـ19 “التاسع عشر” في العالم بناتج محلي يقارب الـ 700,000,000,000 “سبع مئة مليار” دولار.

الاقتصاد السعودي بلمحة سريعة، في عام 1970 كان يحتل  المرتبة 43 “الثالثة والأربعين” بناتج محلي 5,000,000,000 “خمسة مليارات”، وفي عام 1995 كانت تحتل المرتبة 30 “الثلاثين” بناتج محلي 43,000,000,000 قيمته “ثلاثة وأربعون مليارًا”، وفي عام 2000 احتلت المرتبة 23 (الثالثة والعشرين) بناتج محلي 188,000.0000.000 مليارًا، طبعًا المملكة العربية السعودية تهدف من خلال برنامج الرؤية 2030 الذي انطلق منذ سنتين، ويهدف إلى: تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل، حيث يُطلق على هذا النوع اقتصاد أحادي الدخل لاعتماده على مصدر وحيد للدخل، ونظرًا لصعوبة التنبؤ بأسعار النفط لعوامل جيوسياسية مثل الحروب، واقتصادية تخضع لعوامل العرض والطلب وعوامل كثيرة متداخلة؛ فإنه من الصعب الاعتماد عليه للتخطيط للمستقبل، وخصوصًا على المديين المتوسط والبعيد، فمثلًا في الثمانينيات من القرن الماضي وصلت أسعار النفط إلى قُرابة الـ 7 دولارات أمريكية، وفي عام 2008 م وصلت إلى 143 دولارًا أمريكيًّا. الآنَ السعودية تسعى بالرؤية 2030 إلى تنويع مصادر الدخل والتقليل من الاعتماد على النفط، وجعله أحد مصادر الدخل وليس أهمها؛ من أجل أن تستطيع التخطيط للمستقبل.

حيث يُتوقَّع أن يصل دخل النفط إلى حوالي 35٪ من دخل الحكومة في عام 2020 م، وهذا أمرٌ جيد، حيث في السابق كان يتراوح بين 70 %_  90% من إيرادات الدولة هي من النفط،  الأمر الآخر أن السعودية تسعى لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إذ إنَّها تمثل1,600,000مُنشأة تقريبًا، والتي تُشكِّل ما نسبته حوالي  (90٪) من العدد الكلي للمنشآت، ولكن لا يمثل تأثيرها إلا 20٪ من حجم  الناتج المحلي، ويُتوقَع حسب رؤية 2030 أن تصل حصتها في الناتج المحلي إلى 35٪ في عام 2030، ومن ثَمَّ العمل على زيادة مشاركة المنشآت المتوسطة والصغيرة تدريجيًّا للوصول إلى المعدل العالمي، علمًا أن المعدل العالمي يقارب 70٪ من الناتج المحلي يأتي من المنشآت الصغيرة والمتوسطة في بعض الدول، ويرتفع في دول شرق آسيا إلى حوالي 90٪.

الأمر الآخر المهم في الرؤية أن السعودية تسعى أن يكون القطاع الخاص هو المُحرِّك الرئيس للاقتصاد على المدى البعيد، قديمًا كان القطاعُ الخاص يعتمد على الدولة، فإذا تحسَّنت أسعار النفط فإنه يكون في حال جيدة، أمَّا إذا ساءت أسعار النفط فإنه يتدهور. ونظرًا لاعتماده واتكاله على الإنفاق الحكومي، فإنَّ الدولةَ تريد أن تجعل القطاع الخاص قطاعًا منافسًا، قطاعًا عمليًّا، قطاعًا منتجًا وخالقًا للوظائف، يكون القائدَ والمحركَ الرئيس للاقتصاد في المستقبل دون الاعتماد على الدولة، الأمر الآخر فإنه على الرغم أن المملكة تحتل المركز (19) في سُلّم الاقتصاديات العالمية، إلا أنَّ السعودية في مجال المساعدات الإنسانية والمالية تحتل المركز الثاني عالميًّا في المساعدات الدولية، التي تمثِّل 2٪ من ناتجها المحلي، والتي شملت ما يزيد على 83 دولة.

كذلك بالنسبة للتعليم، فالسعودية تسعى إلى تحسين جودة التعليم وجذب الخبرات الدولية من أجل الاستفادة من الخبرات العالمية، فقد قامت بإرسال مئات الآلاف من الطلبة إلى الخارج  من أجل أن يكتسبوا المعارف والعلوم العالمية. الدولة تسعى كذلك لأن تُطوِّر جودة التعليم ونوعيته كي يتوافق مع المعايير الدولية، ويصبح ملبيًا لمتطلبات سوق العمل المستقبلية.

وفي مجال الصحة، هناك توجُّه لإعادة هيكلة النظام الصحي بكامل تفاصيله؛ مما يحقِّق مرتكزات الرؤية: مجتمع حيوي، ووطن طموح، واقتصاد مزدهر.

بالنسبة للغذاء، فالدولة عملت برنامج الأمن الغذائي من أجل توفير الاحتياجات الأساسية في حوالي 8 منتجات أساسية، من ضمنها- مثلًا- القمح والزيوت واللحوم والشعير، من أجل أن تكون متوفرة ولا تتأثر بالاضطرابات العالمية أو الاقتصادية كما حصل في عام 2008م. بالنسبة كذلك للبنية التحتية، الدولة السعودية تعمل أيضًا على إنشاء مطارات جديدة وتجديد بعض الموجود، وتطوير بنية تحتية ضخمة من ناحية القطارات كما نراها، وقد انتشرت من الشمال حتى الجنوب، كما أنها سوف تربط الخليج ببحر العرب، هناك تقريبًا حوالي 500,000,000,000  ريال الآنَ مشاريع قائمة في مختلف المناطق السعودية، في مختلف أنواع البنية التحتية سواء المطارات أو الطرق أو في وسائل النقل، وهذا- إن شاء الله- سوف يؤدي إلى تحسين جودة الاقتصاد، ويدعم ويكون معاونًا ومساعدًا لرؤية 2030.

وفي يوم الأمس تم اختتام قمة العشرين وسط تطلعات الكبار وآمال الاقتصاديات الناشئة؛ حيث أكَّد البيان الختامي على ضرورة إصلاح منظمة التجارة من أجل ضمان احترام الحقوق المشتركة، مع الإشارة إلى قضية اللاجئين والهجرة، والالتزام باتفاقية باريس للمناخ باستثناء أمريكا التي أعلنت الانسحاب منها، بالإضافة إلى تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين. علمًا أن ما توصلت إليه القمة بحاجة إلى موافقة نهائية من قِبل دول العشرين.

وعلى الجانب الآخر لا بد من التوقُّف عند حضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث أطلق رواد التواصل الاجتماعي اسمَ  قمة الأمير محمد بن سلمان على هذه القمة؛ نظرًا لما مثَّله حضوره وقبل حضوره أيضًا من أمانٍ وأحلامٍ لخصوم المملكة، ولمَن يقود حملةَ الضخ الإعلامي ضد السعودية بشكل عام، واستهداف سموه بشكل خاص؛ حيث كانت الأفعالُ أبلغَ ردٍّ على كلِّ مَن تمنَّى ومنَّى النفس أن تُمثِّل هذه القمة حرجًا للأمير؛ فكان اللقاء مع كِبار الكبار تحطيمًا لما بنوه وتمنوه خلال الأسابيع الستة الماضية. فمصافحة الرئيس بوتن بطريقة تجاوزت البرتوكول وتعبِّرُ عن الود بين الرجلين، ولقاء ترامب والرئيس الصيني ورؤساء حكومات بريطانيا وفرنسا والهند، ولقاء الأمين العام للأمم المتحدة، والفرص الاستثمارية التي تحدث عنها الرئيس الأرجنتيني في السعودية وعدم فتح قضية خاشقجي أو إثارتها بمثابة الصاعقة التي أصابتهم بمقتل وجعلتهم يعيدون حساباتهم من تكون السعودية؟ وكيف يجب التعامل معها؟ وماذا يحضرون لها؟ والأهم ماذا ينتظرون من السعودية خلال الفترة القادمة؟ وكيف ستعاملهم وتتعامل معهم؟

عقَّب م. أسامة كرديتحتفل مجموعة العشرين في الأرجنتين هذه الأيام بمرور 10 سنوات على إنشائها في عام 1999 في برلين، وبعد عقد أول اجتماعاتها في واشنطن في 2008، ويأتي إنشاء هذا التجمُّع امتدادًا لمجموعة من التجمعات العسكرية والأمنية والسياسية للدول الكبرى، وعلى رأسها مجموعة السبع التي رأت ضرورة إشراك بعض الدول النامية الأمامية في مناقشات السياسة والاقتصاد العالميين. وعلى هذا الأساس دخلت المملكة والبرازيل والأرجنتين وجنوب إفريقيا في مجموعة العشرين. من المعروف أن شروط العضوية في هذا التجمُّع الاقتصادي المهم هي بشكل رئيسي حجم الناتج المحلي للدول الأعضاء، حيث يمثل إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول 85٪ من إجمالي الناتج المحلي لدول العالم. وتشمل العضوية 19 دولة يُضاف إليها الاتحاد الأوروبي وإسبانيا الضيف الدائم. ولعل من أهم مزايا هذا التجمُّع أنه يجمع العديدَ من الدول المتقدمة مع العديد من الدول النامية، ومن المتوقع أن تتوسع المواضيع المطروحة أمام المجموعة هذه السنة لتضمّ الهجرة غير الشرعية، والحروب التجارية بين أمريكا والصين، والعقوبات الأوروبية والأمريكية على روسيا.

ولا بد من الإشارة إلى أن هناك مجموعات واجتماعات فرعية لمجموعة العشرين تُمثِّل قطاع الأعمال، وقطاع الثقافة، وقطاع المرأة، وقطاع الشباب، وقطاع العلوم، والقطاعين المالي والنقدي ذوي الأهمية العالية جدًّا، وتُقدِّم هذه المجموعات توصياتٍ واقتراحات إلى قمة مجموعة العشرين.

وتحتل المملكة مركزًا متقدمًا بين هذه الدول بما تتميز به من خصائص لا تتوفر في أيٍّ من الدول، فحجم إنتاجها النفطي والطاقة الإنتاجية المتوفرة لديها بالإضافة إلى احتياطياتها من النفط والغاز كلها خصائص مهمة، ولكن أهم من كل هذا هو تعاملها مع هذه الحقائق، وعلاقاتها السياسية والاقتصادية العالمية المتوازنة مع دول العالم كافةً، إذا استثنينا دولة الاحتلال الإسرائيلي.

كما تتميز المملكة بموضوع مهم له تأثير كبير على اقتصادها وثبات عملتها وهو انخفاض نسبة الدين العام للناتج القومي الذي يبلغ 17٪ فقط، ولا يقل عنه إلا روسيا بـ 13٪ وذلك بالمقارنة مع اليابان التي يصل فيها الدين العام إلى 253٪ من الناتج القومي.

ومن هذه الخصائص ارتفاع الأصول الاحتياطية للدولة بالمقارنة مع الدول الأخرى إلى مستوى يقترب من 2 تريليون ريال بنهاية شهر أكتوبر الماضي.

من الخصائص أيضًا؛ أن المملكة تقدِّم دعمًا مباشرًا بنسبة 5٪ (تقريبًا) من دخلها القومي للدول الفقيرة، وغير مباشر للعديد من الدول عن طريق مَنْح مواطنيها فرصًا للعمل، وعن طريق تحويلات العمالة التي وصلت إلى مليار ريال حسب آخر الإحصائيات المتوفرة.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه تقديرًا من مجموعة العشرين لأهمية المملكة، فقد تمَّت الموافقة على عقد قمتها القادمة لعام 2020 في المملكة بعد عقدها في عام 2019 في اليابان.

وتحتاج المملكة إلى رفع مستوى استفادتها من هذه العضوية بما يعود بالفائدة إلى اقتصادها ومواطنيها عن طريق جَذْب الاستثمارات العالمية المخصصة لنقل التقنية وإحداث الوظائف ذات النوعية المرتفعة، وفتح الأسواق العالمية أمام منتجاتنا وخدماتنا (خاصةً في ضوء الضعف الملاحظ في منظمة التجارة العالمية، والحاجة إلى إصلاحها)، ويتحقق ذلك بالتنفيذ الدقيق والعاجل لرؤية 2030 وكافة برامجها ومبادراتها، وأخصُّ بالذكر البرامج المتعلقة برفع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني وبرنامج تحفيز القطاع الخاص. كما أنَّ تنويع الشركاء الاقتصاديين أمرٌ يجب أن يكون على الأولويات الاقتصادية للمملكة، وفي هذا الإطار لا بد من النظر في تطوير العلاقة الاقتصادية والسياسية مع إفريقيا ومع مجموعة دول الميركسور في أمريكا الجنوبية.

أما فيما يتعلق بنتائج قمة الأرجنتين فإنه قد ظهر على السطح الخلاف الحاد الذي أثارته أمريكا حول التجارة والرسوم التي وضعتها على وارداتها من كندا والمكسيك  والصين وروسيا واليابان وأوروبا. وعلى الرغم من الاتفاق الأمريكي مع كندا والمكسيك، فإن القمة لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق شامل بشأن هذا الموضوع، بل يبدو أن مستوى الانقسام قد ارتفع بغض النظر عما ذُكر في البيان الختامي. كما أن ما ورد في البيان الختامي حول المناخ ينخفض كثيرًا جدًّا عن ما تأمله الدول الكبرى.

كما عقَّب د. نبيل المباركبشكل عام أؤيد ما ذهب إليه د.عبد الله العساف في ورقته واستحقاق المملكة لهذه العضوية، إلا أني أرى مع الأخذ في الاعتبار عنوان الورقة، وهي “عضوية المملكة في مجموعة العشرين، الأبعاد الناجعة في استثمارها اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا” والتأكيد على عدد من النقاط التالية كأبعاد للنجاح في توظيف المجموعة لتعظيم مصالح المملكة:

أولًا: ما هو دور مجموعة العشرين، وما يتوقع منها في إدارة الاقتصاد العالمي؟ وبمعرفته نستطيع في المملكة استغلال هذا الدور لرفع مستوى الاستفادة من المجموعة لتعظيم مصالحنا على المستويين المحلي والدولي. البعد الأول.

ثانيًا: ما الذي تحقق من فوائدَ سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا من خلال وجودنا في مجموعة العشرين؟ وهل أجرينا أيَّ دراسات أو أبحاث خلال السنوات العشر منذ انضمام المملكة لها داخليًّا، لمعرفة حساب البيدر كما يُقال؟ وهل كان في الإمكان أحسن مما كان؟ صحيح ما ذكره الدكتور عبد الله في ورقته حول حجم نمو الاقتصاد السعودي، واستحقاق المملكة لتكون ضمن العشرين الكبار في العالم، وأن تشارك في إدارته، ولكن علينا تحديد المكاسب والخسائر (إن كان هناك خسائر) من هذا التواجد. البعد الثاني.

ثالثًا: مجموعة العشرين ليست اجتماعات للقادة السياسيين فقط، وإنما هي منظمة اقتصادية متكاملة لديها أجندات في كل نواحي الحياة، وعلى كافة المستويات، وانبثق عنها مؤسسات ولجان دولية في شتى الأعمال، فهل استغلت المملكة من خلال الوزارات والهيئات هذه الفرص لتعظيم الفائدة، كل وزارة فيما يعنيها، سواء لكسب الخبرات أو فرض الأجندات، أو معرفة التوجُّهات، أو تعريض الشباب للاستفادة من الاحتكاك مع خبرات متعددة ومتقدمة؟ وتحديدًا تلك النقطة أؤكد عليها من خلال تجربة شخصية، عندما أُعطيت الفرصة منذ العام 2014م كعضو مجلس إدارة في إحدى المؤسسات الدولية التي ولدت بعد الأزمة المالية في العام 2008م بمباركة مجموعة العشرين، وجدتُ أن حجم الفائدة شخصيًّا، بكسب خبرات تعادل عن كل سنة، عشر سنوات في غيرها على المستوى المحلي، وكذلك فرض وجهات نظر تمثِّل وطني، في كل اجتماع أو مشاركة، تعتبر من أكبر الفوائد. البعد الثالث.

رابعًا: تفعيل العلاقات الدولية مع كل دولة من دول مجموعة العشرين، ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة معها، يعتبر من الذكاء السياسي والاستثماري، واستغلالها لتكوين مصالح اقتصادية مهمة من خلال لجان وأعمال المجموعة، ومنها وجود مجلس الاستقرار المالي (FSB)، وهو مؤسسة لديها أجندة مالية طويلة على مدار العام، لكن استغلالها لا يرقى إلى مستوى الطموحات. البعد الرابع.

خامسًا: المملكة سوف تستضيف في العام 2020م اجتماعات مجموعة العشرين لمدة عام كامل، وهناك فريق متخصص بقيادة معالي الدكتور فهد المبارك (المحافظ السابق لمؤسسة النقد)، وهي فرصة عظيمة للمملكة لتعظيم الاستفادة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا على المستويين الداخلي والخارجي، وتحتاج أيضًا إلى فريق إعلامي محلي ودولي للوصول على الأقل إلى الداخل في كل دول المجموعة. فهل تجهَّزنا لقطف مثل تلك الفرصة بشكل ممتاز، حيث لن تتكرر تلك الفرصة إلا بعد مرور عشرين سنة. البعد الخامس.

سادسًا: هل أجرينا أيَّ نوع من المقارنات بيننا وبين دول مجموعة العشرين، أولًا لمعرفة ترتيبنا بينها، وكذلك لوضع خطط لنكون في مقدمتها، من خلال برامج عمل واضحة تتوافق مع برامج رؤية 2030م؟ البعد السادس.

سابعًا: هل تم تكوين مجموعات ضغط سعودية لحماية مصالح المملكة من خلال استغلال لجان ومؤسسات تلك المجموعة؟ حيث يجب أن يكون لدينا فريقٌ بحجم وزارة كاملة متفرغ طوال العام لتلك المهمة. البعد السابع.

ثامنًا: مستوى التمثيل في اللجان والمؤسسات، فعلى الرغم من وجوده، لكن أتمنى أن يكون أقوى، وأن يكون هناك معايير للكفاءات التي تمثل المملكة. البعد الثامن.

تاسعًا: تسويق بعض المشاريع في الداخل، والتي قد تواجه بعضَ الصعوبات في قبولها من خلال أعمال المجموعة، بحيث يتم شرحها وتمريرها بشكل علمي ومنهجي. البعد السادس.

عاشرًا: نعلم أن في مجموعة العشرين لم يتم تفعيل الدور السياسي لها إلا بعد الأزمة المالية في العام 2008م، وقبلها كان لوزراء المالية والمحافظين للبنوك المركزية، وكان التمثيل السياسي فيها أقلَّ من المستوى، حتى حضر الملك حفظه الله العام في العام 2015م في تركيا، وسمو ولي العهد حفظه الله في العام 2016 في الصين، والآن في الأرجنتين، نتمنى أن يكون دائمًا مستوى التمثيل في هذه المجموعة في هذا المستوى. وأن يكون لدينا دعمٌ سياسي قوي للأجندات الاقتصادية في المجموعة. البعد العاشر.

¤      المداخلات:

  • الاستفاده من قمة G20 وتحويل خارطة الطريق:

ذكر د. حميد الشايجي أنَّ موضوع القضية مهمٌّ جدًّا وحيوي، كما أنه أُعجِبَ كثيرًا بتعقيب د. نبيل، والنقاط العشر الواردة فيه، والتي تعتبر خارطة طريق للعمل الفعال للاستفادة من قمة العظماء العشرين.

وأضيف؛ ومن الأمور المساعدة على الاستفادة من قمة G20، وتحويل خارطة الطريق التي أشار إليها د.نبيل إلى واقع عملي هو:

1) الاستفادة من تجارب الأعضاء الآخرين في كيفية الاستفادة من عضوية المجموعة، خصوصًا الدول الشبيهة بوضع المملكة من الدول النامية. كما تجدر الإشارة إلى أن هناك دولًا أعضاء لديها رؤية 2030 مثلها مثل المملكة، فدراسة واقعها وكيف استفادت من العضوية يعدُّ أمرًا مهمًا للاستفادة منه في تخطيطنا لكيفية استفادة المملكة من عضويتها في G20، وذلك لكي نبدأ من حيث انتهى الآخرون والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم؛ كإندونيسيا، وتركيا، والهند، وجنوب إفريقيا، والبرازيل.

2) تفعيل دورنا في القطاعات واللجان والتخصصات الأخرى في اجتماعات مجموعة العشرين، وعدم التركيز على القطاعين السياسي والاقتصادي فقط؛ كقطاع الأعمال، وقطاع الثقافة، وقطاع المرأة، وقطاع الشباب، وقطاع العلوم، والقطاع الخيري، بحيث تكون هناك فِرقٌ متخصصة وعلى درجة عالية من الكفاءة لتسد هذه الخانة.

وفي لقاء سابق بمعالي وزير العمل والتنمية الاجتماعية تمَّت إثارة ضرورة مشاركة القطاع الثالث السعودي في اجتماعات القطاع الخيري في قمة العشرين؛ وذلك لاكتساب الخبرة والدراية، وعقد الشراكات مع القطاعات المماثلة.

3) أن الموافقة على استضافة المملكة للقمة بعد القادمة (2020) يضع على عاتق المملكة عبئًا كبيرًا يحتاج إلى عمل دؤوب من هذه اللحظة، وإشراك كافة القطاعات والهيئات ذات العلاقة.

  • الإستراتيجية الإعلامية لصورة المملكة حتى تاريخ استضافة القمة في 2020:

حول تساؤل د. عبد الرحمن الطريري عن العناصر الإستراتيجية الإعلامية لصورة المملكة حتى تاريخ استضافة القمة في 2020، يرى د. عبد الله العساف أنَّ هذا السؤال سهل في مبناه، عميق في معناه، والإجابة عنه تحتاج فريق عمل وعصفًا ذهنيًّا، لكن حسبك من السوار ما أحاط بالمعصم، قبل ثلاثة أعوام أو تزيد احتضنت الرياض قممًا عالمية، لم نستفد منها إعلاميًّا كما يجب، كيف؟

تمنح الجهة المختصة لوكالات الأنباء والمراسلين ووسائل الإعلام فيزة زيارة لمدة أسبوع على أحسن الأحوال، وكل ما يعرفه هؤلاء الإعلاميون هو: (المطار، مكان الاجتماع، البجيري أو سوق الزل، ثم المطار).

لذا يجب علينا استغلال هذه التظاهرة الاقتصادية العالمية، واستضافة الإعلاميين الذين نختلف معهم قبل مَن نتفق معهم لمدة شهر، والسماح لهم بالتجوُّل في السعودية، وعلى المسؤول في التعليم والصحة والأمن والاقتصاد استقبالهم والتجاوب معهم، فالأمير محمد ذكر في أكثر من مناسبة إعلامية أنه ليس لدينا شيء نخفيه أو نخاف منه، كما يُسمح لهم بمقابلة رجل الشارع بجميع فئاته، والتجوُّل في مناطق المملكة من الحرمين إلى حزم الجلاميد، فهي فرصة أن تكون بعض المشروعات قد انتهت أو قاربت على الانتهاء؛ لمشاهدة التنوع المناخي والزراعي والثقافي.

إن من أهم العناصر: الإسلام وقيم المجتمع، ووجود 11 مليون عامل أجنبي دون أن تُسجَّل قضية عنصرية واحدة. إضافة إلى أن الحياة اليومية في المملكة سوف تكون منجمًا لقصص إخبارية صادرة من طرف ثالث، تسهم في تحسين وتجميل وإيضاح صورتنا كما هي.

كما علق د. نبيل المبارك بأن أهم عنصر يجب التركيز عليه من الآن وحتى موعد انعقاد القمة في الرياض هو تهيئة مجموعة من الاقتصاديين وليس المتطفلين على المهنة من الآنَ للبدء في إجراء الدراسات الاقتصادية الإعلامية عن المملكة بأكثر من لغة، أو أن تُترجم لأكثر من لغة، يفهمها الوفود الإعلامية لأعضاء مجموعة العشرين الذين سوف يحضرون القمة، أي التركيز على المحتوى الاقتصادي بمنهج علمي وليس بمنهج بعض إعلامنا المحلي. اقتصاد المملكة لا يحتاج إلى مطبلين، ولكن يحتاج إلى مهنيين يستطيعون الشرحَ للآخر ما هو اقتصاد المملكة، وحجم الفرص الموجودة فيه، وما يتم على أرض الواقع من تحويل لرؤية المملكة إلى واقع حتى العام 2030 م. أستطيعُ أن أقولَ بكل ثقة، ومن واقع معايشتي له، إن ما تحقق من إنجازات في نواحٍ اقتصادية كثيرة وما سوف يتحقق بإذن الله، يعتبر مقامَ فخر، ولكن لا يوجد لدينا مَن يوضح ذلك محليًّا ودوليًّا مع الأسف.

  • أوجه الاختلاف بين مجموعة العشرين والمنظمات الدولية الأخرى:

أشار م. أسامة كردي إلى أننا يجب أن نُفرِّق بين (مجموعة العشرين وأي منظمة دولية أخرى. ليس هناك إلزام للدول بنتائج قمم المجموعة، ولكن عدم اتباع ما يتم الاتفاق عليه يضع الدولة في (إحراج) مع الدول الأخرى فقط، وكأن قمة هذه المجموعة هي لتبادل الآراء والتحفيز، وتسعى الدول للحصول على رضا بقية الدول لا غير؛ وهذا يعني اهتمام الناخبين في بلادهم واهتمام المستثمرين الخارجيين وعوامل إيجابية أخرى، ويُستثني من ذلك أمريكا التي يتبع رئيسها سياسةً غير مفهومة للعالم (وإن كنتُ أرى أنها موجَّهة بشكل أساسي نحو إضعاف الصين اقتصاديًّا وسياسيًّا)، كما أنه يتبع سياسة غير تقليدية لم يتعود عليها لا العالم ولا مواطنوه.

ولا بد من الإشارة إلى أن الحرب التجارية بين أمريكا وبقية الدول أظهرت الحاجة المهمة لإعادة النظر في أساس منظمة التجارة العالمية وأسلوب أدائها لأعمالها.

ويعتقد د. عبد الرحمن الطريري أن مجموعة العشرين إحدى المجموعات التي أربكتها مواقف الرئيس ترامب خاصة فيما يتعلق بالتغير المناخي. ولعلنا نسأل: مع ظهور الخلاف الروسي الأمريكي حول أوكرانيا، والخلاف السعودي التركي، وغيرهما.. إلى أي مدى طغى السياسي على الاقتصادي في القمة؟

  • استثمار المملكة لقمة مجموعة العشرين:

أكَّد د. مساعد المحيا على أنه ينبغي ونحن نناقش مثلَ هذه القمة ألا ننساق لما يريدنا الآخر أن نقع فيه، بحيث نبتلع طعمه ونظل في فلك ردود الأفعال لاتهامات. نحن على المستويين الرسمي والشعبي ندرك أنها جزء من أجندات إقليمية ودولية تستهدف المملكة كيانًا وقيادةً وشعبًا وهويةً.

أشار د. نبيل لموضوع تهيئة عدد من الاقتصاديين وليس المتطفلين لإعداد دراسات تركِّز على المحتوى الاقتصادي بلغات تشمل كلَّ دول العشرين حول مختلف الجوانب التنموية في المملكة، وأن نمارس الأمرَ نفسه في الجانب الإعلامي بصناعة إعلامية مهنية احترافية تتجاوز الخطابَ المحلي لاستثمار هذه المناسبة بعيدًا عن التقليدية التي أشار لجوانب منها د. عبد الله، بشأن الزيارات الإعلامية للوفود الرسمية والإعلامية التي لا تتجاوز سوق الزل والمطاعم الشعبية.

قمة العشرين اتفاقاتها ليست ملزمة، لكن المهم فيها تبادل الآراء والتحفيز. من المؤكد أن المملكة منذ قمة تركيا شهدت حضورَ الملك ثم ولي العهد في الصين ثم في الأرجنتين؛ مما يشير لتحوُّل في استثمار هذه القمة بدلًا من التمثيل المنخفض الذي كانت قمته في وزير المالية أو ممثل للمملكة. هذا التحوُّل يعني أن المملكة لا تريد أن تكتفيَ بالحضور، وإنما بصناعة مستقبل يتسق والخطط التي ترسمها المملكة سواء عبر الرؤية أم عبر مشروعاتها الضخمة التي اتجهت إليها. لذا كنتُ آملُ من إعلامنا أن يكون بمستوى هذا الأمل وبمقدار هذا الطموح وبمستوى هذه الرغبة ليملأ سماء الفضاء التلفزيوني والإذاعي والإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي، بما يمثل الحقيقة الجميلة والناصعة، بدلًا من الانكفاء على ما ينشط به الآخر، حيث يريد من إعلامنا والمهتمين بشبكات التواصل الاجتماعي أن ينشغلوا به وينجروا إليه.

  •  الاستعداد لقمة مجموعة العشرين 2020:

يرى أ. عبد الله الضويحي أنه لا بد أن نبدأ من الآنَ على المستوى الرسمي الإعداد لقمة 2020 خاصة من الناحية الإعلامية.

تجاربنا السابقة في كل المناسبات التي استضفناها تجارب غير مشجعة، وهذه القمة فرصةٌ لنا قد لا تُعوَّض لنستفيد منها في تقديم المملكة إلى العالم بصورتها الحقيقة ورؤيتها 2030.

لا نريد إعلامًا تقليديًّا يقدِّم برامج ضيوفها، ولا مجرد مستهلكين موجهين للداخل وصحفيين لا يُجيدون الحوارَ وطرحَ الأسئلة مكتفين بـ (النسخ واللصق)، وإنما نريد إعلامًا يدرك مسؤوليته وحقيقة دوره، فهو جزء من الصورة التي ستُنقل عن المملكة.

ما المانع أن نبدأ من الآنَ بإعداد هذا الفريق في كل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي عبر دورات تأهيلية متخصصة وممن يجيدون أكثر من لغة؟

قمة 2020 لمجموعة الـ 20 فرصةٌ لنا، آمل أن لا تضيع كما ضاعت العديدُ من الفرص.

كما ذكر أ. جمال ملائكة؛ كنت عضوًا في فريق ال بي 20 أي رجال الأعمال 20 المنضوي تحت مجموعة العشرين، ممثلًا للشركة التي أرأسها، بل حضرتُ اجتماعًا لبعض القادة مع مجموعة قطاع الأعمال في أستراليا، ووضعنا اقتراحاتنا أمامهم مباشرة، وسبق ذلك عام كامل من الاجتماعات المباشرة وبالهاتف. الملاحظة هي أننا عقدنا اجتماعًا في مجلس الغرف قبل عدة سنوات بحضور الكثير من رجال الأعمال، وللأسف لم نجد تجاوبًا أو متابعة لما يهمُّ المملكة من أمور، مثل مكافحة عوائق التجارة، ووقف الممارسات الحمائية غير المتوافقة مع قوانين منظمة التجارة والتحايل عليها… إلخ.

وحسب مشاركاتي السابقة لمدة 3 سنوات تقريبًا، فإنني أخشى ألا نكون مستعدين لتنظيم اجتماعات اللجان، مثل لجان الأعمال، الشباب، المرأة… إلخ.

لذلك فإنني أقترحُ أن تقوم الجهة المكلفة بتنظيم اجتماعات قمة 2020 بتأليف مجموعة متخصصة ومحترفة لكل لجنة من اللجان، والبناء على ما سبق من إنجازات وتوجهات سابقة لهذه اللجان.

 علَّق د. عبد الرحمن الطريري على ذلك متسائلًا: هل المشكلة في القطاع الخاص أم في الجهات الحكومية ذات العلاقة؟ أجاب أ. جمال ملائكة: أعتقد كليهما. وللأمانة اشتركت في قمم أستراليا وتركيا وألمانيا، والعامين الماضيين في الصين والأرجنتين لم أشتركْ ولا أستطيع الجزمَ، هل اشتركنا بصورة أكبر وأكثر فاعلية أم لا؟

وذكر أ. مطلق البقمي، فيما يتعلق بالسعودية؛ أعتقد أنها لم تفعّل مشاركتها في المجموعة حتى الآن بالشكل الذي يوازي حجمها، أو على الأقل تكون له انعكاسات على الوضع الداخلي في المقام الأول، وهنا أتفقُ مع النقاط التي طرحها د. نبيل، وأعتقد أنه من المهم:

– تشكيل هيئة مستقلة (وليس إدارة) لها مجلس إدارة برئاسة ولي العهد وعضوية وزراء المالية، والاقتصاد، والعمل، إضافة إلى آخرين من القطاع الخاص، ويكون محافظُها عضوًا في مجلس الاقتصاد والتنمية، وتهدف لوضع برامج محددة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، تسعى إلى تعزيز مكانة المملكة داخل المجموعة.

– من مهام هذه الهيئة استقطاب كوادر سعودية مؤهلة في تخصصات متعددة، ويتم العمل على تطوير قدراتهم. هذه الكوادر تعمل على مسارين: الأول خارجي مع G20 نفسها، وورش العمل التحضيرية التي تُقام على هامشها، والثاني داخلي مع الجهة المعنية (وزارة مثلًا) ليكون أشبهَ بمنسق، وفي الوقت نفسه مراقبًا لتنفيذ ما يُتخذ من قرارات.

– تقترح هذه الهيئة على صانع القرار برامج تطويرية وأهدافًا يمكن أن تتبناها المملكة داخل G20.

واقترح د. خالد الرديعان دعوة أكبر عدد ممكن من الصحفيين والإعلاميين المؤثرين في العالم، سواء كانوا متخصصين في الاقتصاد أو السياسة أو مجالات أخرى، وأن نمكنهم من البقاء في المملكة لفترة كافية لينقلوا صورًا حقيقية عن التقدُّم الذي يجري في المملكة، وأن يغطوا موضوعاتٍ خارج نطاق قضايا المؤتمر، وليكن من ضمن المدعوين القنوات التي لا نحب مشاهدتها؛ فهذا قد يجعلهم يرون الأمور من كثب، ويغيرون توجهاتهم أو على الأقل يصبحون محايدين.

دول شمال إفريقيا العربية إعلامها وإعلاميوها على الأغلب ليسوا معنا، بل حتى مثقفوها وكتَّابها، ويبدو أنَّ جمهور تلك الدول مدمنٌ على مشاهدة قنوات التشويه، كالجزيرة التي دأبت على تشويه صورتنا ليلَ نهارَ؛ لذا فإنَّ دعوة إعلاميي تلك الدول وقنواتهم هو أفضل ما يُمكن القيام به لكسبهم، ولكي تتسع رؤيتهم للأمور، ولا بأس من الإغداق عليهم قليلًا.

  •  ماذا تعني مشاركة المملكة في قمة العشرين؟

أكد د. فهد الحارثي أنَّ وجودَ المملكة في نادي العشرين سياسيًّا وإعلاميًّا يُعدُّ إنجازًا ضخمًا يعطي للمملكة زخمًا كبيرًا على واجهة الاهتمام والتقدير الكبيرين في العالم كله. وقد راقني التساؤل الذي ردده الاقتصادي الكبير د. نبيل المبارك: هل خططنا واستطعنا أن نُوفي بالاستحقاقات المترتبة على الموقع الذي تبوأناه، والوهج الذي تلقيناه جراء وجودنا في نادي العشرين؟ وهل كان الزخم ألذي تلقفناه دافعًا كافيًا لاستثماره في جعل عضوية العشرين مفتاحًا لآفاق جديدة في السياسة السعودية، والخبرة السعودية، وبالتالي في الإعلام عن السعودية المتوثبة الجديدة؟

كل ما نخشاه هو أن تبقى عضوية العشرين مجرد احتفالية لا تنتهي إلى مخرجات واضحة واثقة ترسِّخ ” موقع ” المملكة في العالم بالطريقة التي نطمح إليها جميعًا.

لم أكن مغتبطًا بانخفاض درجة تمثيل المملكة في هذا النادي المهم أحيانًا إلى درجة وزير، وكنتُ دائمًا سعيدًا أن يكون تمثيلنا فيه على مستوى الملك أو ولي العهد، فنحن نلاحظ أنه لأهمية هذه اللقاءات لا يقل تمثيل الدول العظمى دائمًا عن مستوى رؤسائها. فعدا الجانب الاقتصادي، هناك دائمًا الجانب الإعلامي والجانب السياسي. وكل دولة في حاجة إلى  أن تتلقف نصيبَها من الزخم والإثراء.

أؤكد كذلك على ما ذكر د. نبيل المبارك من أن نادي العشرين ولجانه ومبادراته وبرامجه فرصةٌ كبيرة لتنمية ودعم خبرات الشباب السعودي، فلا حدودَ للمكتسبات التي نجنيها من وجودنا الحي الفعّال في تلك اللجان والمبادرات والخبرات.

يجب أن لا نجعل من نادي العشرين احتفالية عابرة، بل لابد أن يكون مصدرًا للخبرة، والتعاون، والشراكات المفيدة.

وتساءلت د. عبير برهمين، هل وصول المملكة لدول العشرين هو مطلب أو هدف في حد ذاته؟ أم أن هناك قائمة طويلة من الأهداف الإستراتيجية التي تسعى المملكة لتحقيقها من خلال وصولها؟ يعني أن نكونَ ضمن الدول العشرين هل هو هدف أم وسيلة؟ فإن كان هدفًا فقد تحقق وينبغي أن نصنع المزيدَ من الأهداف ونعمل على تحقيقها الواحد تلو الآخر، وإن كان وسيلة فيجب أن نعرف ما هي قائمة أهدافنا التي نسعى لتحقيقها من خلال وصولنا لمجموعة العشرين إن كان هناك قائمة، وإن لم يكن فيجب أن نطرح السؤال، وماذا بعدُ؟

تطرَّق الزملاء بقولهم إن قمة العشرين هي اقتصادية بحتة ويجب أن لا تسيس. وأقول إنه من الصعب جدًّا فصل السياسة عن الاقتصاد، فنجاح أي سياسي على سُدة الحكم في أي دولة هو منوط بمدى الاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي لدولته، وليست أحداث أصحاب الستر الصفراء في فرنسا مؤخرًا إلا دليلًا واقعيًّا حيًّا على ما أقول.

إنَّ ما يهمني هنا هو تسليط الضوء على الاتفاقيات الاقتصادية الدولية بين المملكة والهند في مجال الطاقة، والعلاقات السعودية الروسية والسعودية الصينية والسعودية ودول أمريكا الجنوبية. فهي في رأيي المتواضع خطوات موفقة جدًّا لسمو ولي العهد، وتنمُّ عن رؤية مستقبلية جيدة في ظروف يسودها التوتر وأجواء ليست مثالية تمامًا. توسيع التعاون مع أطراف متعددة دولية وذات اختصاصات معينة هي خطوة مباركة تقلِّل من مخاطر الاعتماد على مصدر واحد أو دولة واحدة فقط، كالولايات المتحدة الأمريكية التي قد تكون إحدى أهم الدول إلا أنها حتمًا ليست الوحيدة المهمة. وكما أن تنوُّع مصادر الدخل غير النفط هو مطلب إستراتيجي، فإن تنوُّع مصادر التقنية وتعدُّد الأسواق هو أيضًا مطلب إستراتيجي لا يقلُّ أهميةً عن تعدُّد مصادر الدخل، وهناك دولٌ متقدمة جدًّا في مجال التقنية بمجالاتها المتعددة، وترحب بالتعاون لتوطين التقنية مع اشتراطات أقل من اشتراطات أمريكا أو دول الاتحاد الأوروبي؛ كروسيا، والصين، وسنغافورة، وكوريا، واليابان، والهند، والنمور الآسيوية الأخرى، إضافة إلى دول أمريكا الجنوبية التي لا نكاد نعرف عنها إلا النذر اليسير. مثل هذه القمة يجب أن تكون مناسبة لاقتناص الفُرص بعقد اتفاقيات اقتصادية نوعية، وهي فرصة للحد من محاولات الاحتكار وتقليل مخاطر المساومات التي عادة ما تنجم عن الاعتماد على مصدر واحد أو جهة بعينها. وهذا أيضًا من شأنه أن يلقي بظلاله السياسية على مستوى العلاقات الثنائية بين الدول. ولِمَ لا طالما هنالك هدفٌ أو أهداف إستراتيجية قريبة وبعيدة المدى تصبُّ في الصالح العام للمملكة.

أمرٌ آخر كنتُ أودُّ لو  كان هناك لرجال الأعمال وممثلي الغرف التجارية في المملكة تمثيلٌ وحضورٌ في الوفد الرسمي للمملكة لقمة العشرين، فمن شأن ذلك تعزيز مساهمة القطاع الخاص في المشاركة في التنمية الاقتصادية للبلد.

  • قمة العشرين 2018:

ذهب د. خالد بن دهيش إلى أن قمة العشرين لهذا العام 2018 اكتسبت أهمية خاصة بسبب ما أبداه أعداء الوطن نحو القيادة الشابة والطموحة التي تحمل رؤيةً مبنية على خطط وإستراتيجيات تنموية لتحقيق أهداف وعوائد سوف تحقق نقلةً اقتصادية واجتماعية ليس للوطن بل للمنطقة، والتي أبهرت العالم وخاصة دول قمة العشرين. فالحمد لله أن مشاركة سمو ولي العهد قضت بل حطَّمت ما كان يسعى له أعداء النجاح والتفوق لوطننا الغالي، وحقَّقت قيادتنا ما سعت إليه من خلال مشاركتها المميزة هذا العام في هذه القمة العالمية.

وشبَّه أ. مطلق البقمي المجموعة بمجلس أمن لكن على نطاق أوسع، وتطغى الأحداث السياسية على أجندتها، رغم أنها يُفترض تكون مجموعة اقتصادية فقط.

وأعتقدُ أنها ستكون أقوى في المستقبل حتى من منظمة الأمم المتحدة ككيان وليس كتشعُّب مؤسسات، فقد تقود العالم المجموعة بحكم ثقلها الاقتصادي والسياسي.

  • قمة العشرين ونقل التقنية وتوطينها:

أشار د. حامد الشراري إلى أن لقاء سمو الأمير محمد مع الرئيس الأرجنتيني وحديثه عن الفرص الاستثمارية أعادني إلى قمة الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية الرابعة التي عُقدت بالرياض عام 2016، حيث اتضح فيها حِرْص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في كلمته الضافية في القمة على نقل التقنية وتوطينها، وتأكيد منه لأهميتها في تنمية الاقتصاد.

بالرغم من القيود الشديدة من قِبل الدول الصناعية المتقدمة لتوطين التقنية فإن دول أمريكا الجنوبية برزت في الآونة الأخيرة كقوة اقتصادية منافسة ومؤثرة في الصناعة المتقدمة والثقيلة؛ كالبرازيل والأرجنتين، وبدأت منتجاتها تغزو أسواق العالم.

ولكون دول أمريكا الجنوبية أقلَّ حساسيةً وتحفُّظًا على نقل التقنيات وغيرها مقارنة بالدول الغربية الصناعية، التي تضع قيودًا شديدة لنقل التقنية والمعرفة المصاحبة لها، ولما في هذه الدول من جالية عربية كبيرة ومؤثرة سياسيًّا واقتصاديًّا، ولها ارتباط ثقافي وتاريخي بالوطن العربي، والتشابه في ظروف التنمية، ولما بدا من كلمات مشجعة أُلقيت من قِبل قادة تلك الدول في قمة الرياض آنذاك للتقارب والتعاون مع الدول العربية في جميع المجالات، وتحقيق رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان التي هي نابعة من إرادة سياسة عربية شاملة، ولكون المملكة ذات ثقل اقتصادي وسياسي وريادي مؤثر على مستوى الوطن العربي وعلى المستوى العالمي تجلى ذلك في عضويتها ضمن مجموعة العشرين، وفيها ميزات نسبية تؤهلها لتكون حاضنة للتقنية وتوليدها، ولكون التقنية أصبحت المحركَ الرئيسي للاقتصاد العالمي والدول في سباق حميم لامتلاكها؛ لكل هذا فإنَّ المنطق يفرض أن تكون المملكة مرتكزًا (Hub) للعلاقة بين الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية في مجال نقل التقنية وتوطينها من خلال تفعيل التفاهمات والاتفاقيات التي سبق أن اتفق عليها في قمة الرياض.

وحيث إنَّ قمة العشرين ستُعقد في المملكة عام 2020، فإنني أقترحُ أن يكون هناك تفعيل للاتقافيات السابقة أو عمل إطار تعاون أو إجراءات تنفيذية بما يضمن توطين فعلي للتقنية قد يكون _مثلًا_ تدشين مصانع مشتركة أو شركات مشتركة في مجال التقنية والصناعة مع رؤساء دولتي البرازيل والأرجنتين في نهاية القمة.

  • مشاركة المملكة في قمة العشرين وانعكاساتها الإيجابية على صورتها لدى الآخرين:

أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أنه وتعقيبًا على كل ما دار من مناقشات ومداخلات حول هذه القضية، وبعد أن فهم الجميع أن هذه القمة لا تعدو في الأصل عن تسويق وطن، تسويقًا سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا من الدرجة الأولى، واتضح لنا أن اللقاءات الثنائية خلال انعقاد هذه القمة هي المحور الذي ينتج عنه النتائج الحقيقية نحو عقد صفقات آنية أو لوعود مستقبلية. أيضًا عضوية المملكة هنا تثبت للعالم مدى الاستقرار السياسي والحضور الاقتصادي المشهودين في الأصل، إنما التمثيل في حد ذاته يعدُّ مكسبًا لا يُستهان به، وبالتالي تأتي المكاسب الاقتصادية تباعًا واستنادًا إلى توافر البيئة الاقتصادية التي يُفترض أن تكون خِصبة لجذب استثمارات وافدة تدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك الإسهام في الدخل القومي للبلاد.

ولأنَّ قمة العشرين كما هي طبيعتها تُعدُّ تجمُّعًا دوليًّا اقتصاديًّا من الدرجة الأولى؛ فإن مسألة الاهتمام بحضور متميز يعدُّ ذلك قيمة عالية للدولة.

وأمام هذا كله فإنني أشاطرُ د. نبيل المبارك الرأي في أن يكون لنا استعداد نوعي ومتميز وقت استضافة المملكة للقمة في العام 2020، وليس لديَّ أدنى شك في أن الاستعداد لانطلاقة قمة العشرين في المملكة ستكون متميزة وذات إخراج نوعي ومنافس، وهذا يؤكد لنا ما اعتادت عليه بلادنا خصوصًا في الآونة الأخيرة، فقد أصبحنا نمتلك خبرةً في إقامة الندوات والمؤتمرات الدولية منها والمحلية.

وللعلم فإن ملف مشاركة المملكة في قمة العشرين قد وضع لها أمانة خاصة بها، وأمينها هو معالي الدكتور فهد المبارك، محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي السابق؛ ولهذا يطمئن الجميعُ أن الإعداد والاستعداد لقمة 2020 وبإشراف مباشر من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، سيكون محفلًا متميزًا في انعقاده بإذن الله تعالى.

يبقى القول كما أكد عليه الزملاء من أن المكاسب التي يُفترض أن تكون مباشرة، هي التأكيد على أن يكون هناك دور للوزارات والهيئات ذات العلاقة بطبيعة أعمال قمة العشرين، من حيث أن يكون لوزرائها ورؤسائها حضورٌ فاعل في القمة، وأن تسعى هذه الوزارات والهيئات إلى أن يُستفاد من مخرجات القمة وتوظيف هذه المخرجات نحو ما يحقق المنفعة الاقتصادية والاجتماعية المبتغاة.

  • قراءات حول مشاركة المملكة في قمة العشرين:

ذكر أ. محمد الدندني أن المنظمات والمحافل الدولية كَثُرت وتعددت، من منظمة التجارة العالمية، إلى مجموعة السبع الكبار، إلى مجموعة العشرين، وغيرها من المنظمات الإقليمية، بالإضافة إلى نشاط المملكة في البنك الدول، وكون المملكة من الدول الخمس الأولى في التبرعات للدول الضعيفة والمنظمات الدولية، مع هذا كله هناك اتفاقيات بينية، ويهمنا هنا اتفاقيات المملكة مع العديد من الدول في مجموعة العشرين وخارجها. ما أردتُ قوله إن التنسيق بين كل هذه المنظمات مهم جدًّا، والاستفادة من قيمة كل مشاركة، أي زيادة القيمة المضافة لتصبّ في تقوية الاقتصاد الوطني. لنأخذ- مثلًا- دولتي الهند ومصر. الهند عضو في مجموعة العشرين ومصر خارجها. ما مقدار الاستفادة من علاقتنا الاقتصادية بهاتين الدولتين مع العلم أن مصر والهند تتصدران العمالة الوافدة لدينا.

لنأت إلى الاقتصاد السعودي وكونه مازال يعتمد على سلعة واحدة ومتقلبة كما هو معروف، نعم الرؤية 2030 تسعى لتعدُّد مصادر الدخل، فهو ليس خيارًا وإنما مطلب، خاصة مع توجُّه العالم لمصادر الطاقة المتجددة، وتحديات نشطاء البيئة وفِي غالبيته مُسيّس بامتياز. تتجه أرامكو وشركاتها لزيادة القيمة المضافة من الغاز والنفط الآنَ لتقليل تصدير النفط الخام، وهذا في رأيي إحدى ركائز التصنيع لما للمملكة من خبرة، وأيضًا لتوفُّر المادة الخام، مع أنه يتطلب استثمارات عالية، وقد صرح قبل أيام رئيس أرامكو بأن المملكة ستستثمر 500 بليون دولار في السنوات العشر القادمة.

لنعد للصناعات الأخرى وكثرة الحديث عن دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني. لستُ اقتصاديًّا، ولكن ما دور هذه الشريحة مع علمنا بالضعف الواضح في الموارد البشرية؟ وما هي الصناعات التي من الممكن أن تقوم بها بصورة تنافسية محليًّا وعالميًّا؟ لست ضدها أبدًا، فهي أحد المصادر المهمة للقضاء على البطالة، وبنفس الأهمية خلق المهنية والابتكار وتحويل المجتمع ذاتيًّا إلى مجتمع منتج. السؤال: كيف تنجح؟ وما هي الصناعات والأنشطة التي يجب التركيز عليها؟ كيف نستفيد من كل هذه المنظمات لتعزيز دورها؟

نأتي إلى الشركات الكبرى القائمة والتي ستنشأ. ما هو البزنس موديل الناجح، والذي يتواءم مع مقدراتنا البشرية والعلمية؟ بناء على ما سبق، أرى أنه يجب الضغط على الدول التي يميل الميزان التجاري لصالحها في الاستثمار والشراكات محليًّا مع القطاع الخاص والقطاع شبه الحكومي، وأقصدُ هنا أرامكو وسابك والتحلية وسكيكو… وغيرها، سواء أكانت هذه الدول ضمن مجموعة العشرين أو خارجها. علينا تفعيل العلاقات الاقتصادية مع دول خارج هذه المنظومة في أوروبا (الدول الإسكندنافية) وآسيا وأمريكا اللاتينية، فهي دولٌ لا تحملُ أجندة سياسية، ولديها الرغبة في إيجاد أسواق جديدة تكون المملكة مقرًا لصناعاتها، وهنا تتنوع مصادر الدخل.

أخيرًا؛ أتساءل: هل لدينا الأنظمة والقوانين لحماية الجودة في الصناعات المحلية كي ننافسَ بقوة وجدارة، بالإضافة إلى التشريعات القانونية كي تحمي المستثمر الأجنبيَّ، وإرسال تطمينات كي نجلبَ الشراكات المالية والمعرفية.

ختامًا، فإنني أجدُ أن عضوية المملكة في مجموعة العشرين عمليًّا وسيلة لتثبيت موقع المملكة اقتصاديًّا والبناء عليه وليس هدفًا، فالهدف هو اقتصاد وطني قوي ومستدام. وهنا أعيد ما أردده دائمًا في أن القوة تأتي من الداخل، وبناء مشروع وطني اقتصادي وسياسي مستدام يحافظ على ما تستحقه مملكتنا العزيزة دائمًا- بإذن الله- وبسواعد أبنائها المخلصين.

 

¤      التوصيات:

  1. تفعيل العلاقات الدولية مع كل دولة من دول مجموعة العشرين، ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة معها، يعتبر من الذكاء السياسي والاستثماري، واستغلاله لتكوين مصالح اقتصادية مهمة من خلال لجان وأعمال المجموعة، منها وجود مجلس الاستقرار المالي (FSB)، وهو مؤسسة لديها أجندة مالية طويلة على مدار العام.
  2. رَفْع مستوى استفادة المملكة من هذه العضوية بما يعود بالفائدة إلى اقتصادها ومواطنيها عن طريق جذب الاستثمارات العالمية المخصصة لنقل التقنية وإحداث الوظائف ذات النوعية المرتفعة، وفتح الأسواق العالمية أمام منتجاتنا وخدماتنا (خاصةً في ضوء الضعف الملاحظ في منظمة التجارة العالمية، والحاجة إلى إصلاحها )، ويتحقق ذلك بالتنفيذ الدقيق والعاجل لرؤية 2030 وكافة برامجها ومبادراتها، خاصة البرامج المتعلقة برفع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، وبرنامج تحفيز القطاع الخاص.
  3. تنويع الشركاء الاقتصاديين، وهو أمر يجب أن يكون على الأولويات الاقتصادية للمملكة، وفي هذا الإطار لا بد من النظر في تطوير العلاقة الاقتصادية والسياسية مع إفريقيا ومع مجموعة دول الميركسور في أمريكا الجنوبية.
  4. تسويق بعض المشاريع في الداخل والتي قد تواجه بعض الصعوبات في قبولها من خلال أعمال المجموعة، بحيث يتم شرحها وتمريرها بشكل علمي ومنهجي.
  5. مستوى التمثيل في اللجان والمؤسسات، ومن خلال معرفة أن تكون هناك معايير للكفاءات التي تمثل المملكة.
  6. تكوين مجموعات ضغط سعودية لحماية مصالح المملكة من خلال استغلال لجان ومؤسسات تلك المجموعة، حيث يجب أن يكون لدينا فريق بحجم وزارة كاملة متفرغ طوال العام لتلك المهمة.
  7. إجراء مقارنات بيننا وبين دول مجموعة العشرين، أولًا لمعرفة ترتيبنا بينها، وكذلك لوضع خطط لنكون في مقدمتها؛ من خلال برامج عمل واضحة تتوافق مع برامج رؤية 2030م.
  8. تفعيل دورنا في القطاعات واللجان والتخصصات الأخرى في اجتماعات مجموعة العشرين، وعدم التركيز على القطاعين السياسي والاقتصادي فقط؛ كقطاع الأعمال وقطاع الثقافة، وقطاع المرأه، وقطاع الشباب، وقطاع العلوم، والقطاع الخيري، بحيث تكون هناك فِرقٌ متخصصة وعلى درجه عالية من الكفاءه لتسد هذه الخانة. وفي لقاء سابق بمعالي وزير العمل والتنمية الاجتماعية تمت إثارة ضرورة مشاركة القطاع الثالث السعودي في اجتماعات القطاع الخيري في قمة العشرين؛ وذلك لاكتساب الخبره والدراية، وعقد الشراكات مع القطاعات المماثلة.
  9. استضافة الإعلاميين الذين نختلف معهم قبل مَن نتفق معهم لمدة شهر، والسماح لهم بالتجوُّل في السعودية، وعلى المسؤول في التعليم والصحة والأمن والاقتصاد استقبالهم والتجاوب معهم، فالأمير محمد ذكَرَ في أكثر من مناسبة إعلامية أنه ليس لدينا شيء نخفيه أو نخاف منه، كما يُسمح لهم بمقابلة رجل الشارع بجميع فئاته، والتجوُّل في مناطق المملكة من الحرمين إلى حزم الجلاميد، فهي فرصة أن تكون بعض المشروعات قد انتهت أو قاربت على الانتهاء، ومشاهدة التنوُّع المناخي والزراعي والثقافي.
  10. زيادة التعاون مع دول أمريكا الجنوبية الأقل حساسية وتحفُّظًا على نقل التقنيات وغيرها مقارنة بالدول الغربية الصناعية التي تضع قيودًا شديدة لنقل التقنية والمعرفة المصاحبة لها، ولما في هذه الدول من جالية عربية كبيرة ومؤثرة سياسيًّا واقتصاديًّا، ولها ارتباط ثقافي وتاريخي بالوطن العربي، والتشابه في ظروف التنمية، ولما بدا من كلمات مشجعة أُلقيت من قِبل قادة تلك الدول في قمة الرياض آنذاك، للتقارُب والتعاون مع الدول العربية في جميع المجالات.
  11. تفعيل ووَضْع الأنظمة والقوانين لحماية الجودة في الصناعات المحلية كي ننافسَ بقوة وجدارة، بالإضافة إلى التشريعات القانونية كي تحمي المستثمر الأجنبي، وإرسال تطمينات كي نجلبَ الشراكات المالية والمعرفية.

القضية الثالثة:

التقنية ومستقبل الإنسان

–    كاتبة الورقة: د. نورة الصويان.

  • المعقبون:

–    م.  سامي الحصين.

–    د. وفاء طيبة.

–    د. عبد السلام الوايل.

–    إدارة الحوار: د. عبد الله بن صالح الحمود.

 

¤      الملخص التنفيذي:

أشارت الورقة الرئيسة إلى أنه بدخول مرحلة الثورة الصناعية الرابعة بدأ العالم يشهد ظهورَ ابتكارات لها دور جذري في تقليص دور الإنسان لمصلحة الآلة، وذلك من خلال ما يُعرف حاليًّا “بالذكاء الاصطناعي”. وأن المخاوف المشروعة من توسُّع رقعة البطالة، والموقف العالمي من مخرجات الذكاء الاصطناعي وطبيعة دوره في المستقبل، ولايزال الجدل حوله لمَّا يُحسم بعدُ، ما بين مؤيد ومتخوف أو مشكك.

وأضافت الورقة أن المتخوفين من طفرة التكنولوجيا من خلال “الذكاء الاصطناعي” يتجه نحو تأثيرها على البطالة والتفاوت الاجتماعي بين الشعوب وتفكك العلاقات الاجتماعية نتيجة لتردي الوضع الاقتصادي. أما المؤيدون فينظرون “للذكاء الاصطناعي” على أنه طفرة في العلوم والتقنية. لذا ترى الورقة أنه لا بد من إصدار قوانين وتشريعات ناظمة لمسيرة تطوُّر “الذكاء الاصطناعي”، ووَضْع برامج كفيلة بالحفاظ على سيادة العنصر البشري وأمن الكوكب الأرضي، وأن يُضبط مسار البحث العلمي، وتحديد أولويات الاستثمار في هذا القطاع لصالح الارتقاء بجودة حياة البشر.

كذلك أشارت التعقيبات إلى أن وجود التقنية الحديثة وتطوُّرها السريع ذو أثر كبير على حياة الإنسان، سلبًا وإيجابًا، في جميع الجوانب وخاصة النفسية، مثل أثرها على التعلُّم، والتواصل بين الناس وسرعته، كما أنها سهَّلت بعض العمليات العقلية، وجعلتها في متناول الجميع خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة، واستبدال ملاحظة الإنسان بملاحظة الآلة، إضافة إلى إسهاماتها في تطوُّر البحث العلمي في علم النفس. أما السلبيات فأول الخسائر تتلخص في فقدان الصبر، فالتقنية الحديثة تلبي مطالبنا بسرعة، وتخلق من ذلك متعةً نعتادها، وهو ما يجعلنا نطالب بها لا شعوريًّا باستمرار، فنتوقع  استجابةَ مطالبنا وإشباع رغباتنا بنفس السرعة دومًا، ولا نتحمل تأجيل الإشباع، بل يسبب لنا ذلك الضيقَ والإحباط. كذلك فإن التقدُّم الكبير للتقنية نتج عنه تمكين للفرد بشكل يصعب تخيله، فمع تقدُّم التمكين تزايدت إمكانات الأفراد وتزايد استقلالهم، بما جعلهم أكثر قدرةً على إنجاز كثير من الأمور بمفردهم، وحتى دون أن يتحركوا من أماكنهم، بالإضافة إلى تعرُّض الجيل الجديد بشكل خاص للتشتت وعدم الانتباه.

أخيرًا؛ ذكرت التعقيبات أن لدينا الخيارَ في أن نقاوم التغييرَ الآتي لا محالة، أو نكونَ جزءًا منه فنوجهه بما يعظِّم فائدة الإنسانية، ويقلل مخاطر سوء استخدامه.

وأشارت المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة إلى أن الإنسان قادرٌ على استيعاب كل التطورات في حياته والتأقلم معها وإيجاد الحلول، ولا يمكن تحميل تلك التقنيات كل المسؤولية.

كما أكدت المناقشات أن الثورات التقنية والتغيير السريع في مجالات التقنية والابتكار أمرٌ لا يمكن تجنُّبه، إضافة إلى أن هذه التغييرات تشمل تبعاتٍ إيجابية متعددة للبشرية، إلا أننا نحتاج لضوابط أخلاقية وقانونية تهذِّب وتوجّه هذا التغيير، بحيث يكون لصالح الإنسانية، وتواكب التطوُّر والتغيير الذي يحصل وسيحصل في المجتمع بسبب التقنية.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: أن التحول الرقمي هو التحدي الحالي والقادم الذي يجب أن نتحول فيه من مستقبلين ومستخدمين إلى صانعين ومبادرين، ومن المتفرجين إلى لاعبين أساسيين، إدخال التقنية ومهاراتها وتقنياتها في مناهج التعليم في جميع التخصصات، أهمية إحياء الأنشطة التقنية والرقمنة من سنِّ الطفولة، الترويج للرقمنة وصناعها وإبرازهم في وسائل الإعلام والشخصيات المكرمة رسميًّا، ليكونوا أنموذجًا لغيرهم، أنسنة مسار التقنية لتكون منتجات إنسانية من خلال توافق الحكومات لتكون الآلة في خدمة الإنسان وليس العكس، إصدار التشريعات والقوانين المنظمة لمسار تطوُّر الذكاء الاصطناعي تفاديًا لانعكاسات سلبية تجاه الإنسان الذي هو محور الحياة، السعي نحو تسخير قدرات وكفاءة معطيات الذكاء الاصطناعي لخير البشرية، والحذر من حدوث أي سلبية تؤثِّر على التنمية البشرية، أن يكون لحوكمة التقنية مجال واسع، بما يخدم حسن عطاء الذكاء الاصطناعي، وتحييد ما قد ينجم من سلبيات عند الإفراط في الاستخدامات التقنية لإنجاز الأعمال، تعزيز وتشجيع مسار التعلُّم التقني بمجالاته الحديثة ووضع إستراتيجية خاصة به، تعزيز الابتكار في البيئة التعليمية، واعتماد ذلك كمنهجية أساسية في التربية والتعليم؛ مما يعزز الإنتاج المحلي الرقمي ويقلل التبعية للمنتج المستورد، تحديد الأهداف المرجوة من تقنيات الذكاء الاصطناعي أمام التحديات الاجتماعية والثقافية والسياسية.

 

¤      مقدمة:

بالرغم من أنَّ الدول المتقدمة تدعو إلى التوسع في استخدام التقنية الحديثة وخاصة تقنية الذكاء الاصطناعي، إلا أن ذلك سيؤدي بلا شك إلى تفاقم معدلات البطالة في بعض الدول التي تشهد نموًا سكانيًّا مرتفعًا، وتعتمد على كثافة الأيدي العاملة في أنشطتها الاقتصادية، خاصة أن أي دولة لن تستطيع أن تبقى بمنأى من تأثير دخول التقنية الحديثة إن عاجلًا أو آجلًا. ولكن يتبارد سؤال مهم حول مدى وجود خطط مستقبلية لمرحلة اقتحام هذه التقنية حياة الإنسان، والحيلولة دون زيادة معدلات البطالة أو بروز سلبيات للتقنية الحديثة؛ لذا لا بد من اتخاذ خطوات سريعة إذا أرادت المجتمعات أن تبقى في دائرة المنافسة وتحافظ على مستويات معيشة سكانها، ودراسة الدور المستقبلي للتقنية الحديثة، بالإضافة إلى دراسة أثر التفاعل بين الإنسان والروبوت من النواحي النفسية والاجتماعية من أجل الحد من النتائج السلبية التي قد تنجم عن هذه العلاقة.

لذا تعدُّ قضية “التقنية ومستقبل الإنسان” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمتها د. نورة الصويان، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (مخاطر التقنية وإمكانية التعامل معها، مخاوف من التقنية الحديثة، العلاقة بين التقنية وانتشار البطالة أو الحد منها، الأثر النفسي في انتشار وتوسُّع الاستخدامات التقنية، عدم التخوف الاجتماعي من التقنية الحديثة، التحوُّل في تأثيرات التقنية في العصر الحديث، التقنية.. نعمة أم نقمة، أنسنة التقنية، التقنية والاعتماد على الإنسان، تفعيل الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبتها الدكتورة/ نورة الصويان، وعقّب عليها المهندس/ سامي الحصين، والدكتورة/ وفاء طيبة، والدكتور/ عبد السلام الوايل.

كتبت د. نورة الصويان: منذ منتصف القرن الثامن عشر توالت على عالمنا ثورات صناعية تسببت في تغيرات جذرية في تاريخ البشرية. وبدخول العالم في عصرنا الحالي، مرحلة الثورة الصناعية الرابعة، بدأنا نشهد ظهورَ ابتكارات لها دورٌ جذري في تقليص دور الإنسان لمصلحة الآلة، وذلك من خلال ما يُعرف حاليًّا “بالذكاء الاصطناعي”.

والقضية المطروحة هنا “أنسنة التقنية” وذلك بناء على أن ما ينتجه البشر سيحمل صفاتهم، وعليه من الضروري أنسنة مسار التكنولوجيا لتكونَ نتائجها إنسانية.

فمنذ عدة شهور خلال هذا العام، أعلنت شركة مايكروسوفت أنها بدأت نقل بيانات جهاز المناعة البشري إلى منظومة ذكاء اصطناعي بهدف تعزيز قدرة العلماء والأطباء على توفير العلاجات والوقاية من الأمراض المستعصية عبر تحفيز الجسم على إفراز البروتين المسؤول عن المناعة، وهنا يبرز التساؤل حول إمكانات “الذكاء الاصطناعي”.

وأيضًا المخاوف المشروعة من توسُّع رقعة البطالة، والموقف العالمي من مخرجات الذكاء الاصطناعي وطبيعة دوره في المستقبل، ولا يزال الجدل حوله لمَّا يُحسم بعدُ، ما بين مؤيد ومتخوف أو مشكك.

المتخوفون من طفرة التكنولوجيا من خلال “الذكاء الاصطناعي” يتجه نحوَ تأثيرها على البطالة والتفاوت الاجتماعي بين الشعوب وتفكك العلاقات الاجتماعية نتيجة لتردي الوضع الاقتصادي.

أما المؤيدون فينظرون “للذكاء الاصطناعي” على أنه طفرة في العلوم والتقنية؛ ولذا فإنه قادرٌ على حل مشكلات عديدة، كالبطالة والفقر، واكتشاف علاجات جديدة للأمراض المستعصية. ما نطمح إليه هو حسم هذا الجدل بين الفريقين على أساس أن تكون التقنية في “خدمة الإنسان” وليس العكس.

وعليه لا بد من إصدار قوانين وتشريعات ناظمة لمسيرة تطوُّر “الذكاء الاصطناعي”، ووضع برامج كفيلة بالحفاظ على سيادة العنصر البشري وأمن الكوكب الأرضي، وأن يُضبط مسار البحث العلمي وتحديد أولويات الاستثمار في هذا القطاع لصالح الارتقاء بجودة حياة البشر، صحيحٌ أن “الذكاء الاصطناعي” أهم مخرجات الثورة الصناعية الرابعة وسيكون له تأثيره الإيجابي في تحقيق الأهداف التنموية المستقبلية للدول، ولكن لا بد أن نعيَ أنه يتضمن تحدياتٍ كثيرةً محورها علاقة الإنسان والآلة.

من حقنا أن نحلم بغدٍ أجملَ نكون فيه سخرنا “الذكاء الاصطناعي” لخير وأمان ورفاة البشرية، فكثيرًا ما يتردد على مسامعنا أن الإنسان في وقتنا الراهن يعيش صدمةً ثقافيةً اغترابية نتيجة للابتكارات والاختراعات التي تفوق اليومَ حدودَ التصوُّر والتخيل, فنحنُ نعيشُ اليومَ ثوراتٍ علمية غير مسبوقة في مجالات مختلفة؛ ثورة الميديا، وثورة الاتصال، وثورة الجينات، والثورة الرقمية، وثورة المعرفة…إلخ, من الثورات التي تصيبُ البشر بحالة من الذهول والمخاوف وشعورٍ ربما بعدم الأمان، حيث أصبح متداولًا في بعض الخطابات “نهاية التاريخ, نهاية الأسرة، نهاية الحداثة….إلخ.

وهذا الوضع، وَضَع المتخصصين والمفكرين المعاصرين أمامَ تحدياتٍ كبيرة تتعلق بمصير الإنسان، في ظل هذه التحوُّلات المتسارعة والجذرية والتي أفقدت الإنسان توازنه الأخلاقي، ومن جديد بدؤوا يطرحون سؤالَ الاغتراب الإنساني، الذي كان محورَ اهتمام كِبار المفكرين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أمثال: روسو، ماركس، إنجلز، ماركوز، هايدغر، وجون بول سارتر.

وأبرز ما يُطرح من الأسئلة الاغترابية:

– أين هي الغايات الإنسانية والأخلاقية للتقدُّم المادي الهائل في طبيعة الحضارة الإنسانية القائمة؟

– وأين هو الإنسان في دائرة هذه التحوُّلات الإنسانية الكبرى؟

في بداية التسعينيات تنبَّأ “فرانسيس فوكو ياما” بنهاية التاريخ، حيث لفت الانتباه إلى أننا سنصل لعالم روبوتي تكاد الألسنة تنعدم فيه.

ويشير العثامنة إلى ” أننا فعلًا بدأنا نلاحظ هذا الواقع، فماذا تبقى من مُتعة إنسانية في عالم مشتبك بشدة مع الأسلاك واللاسلكيات، وخاضع بكل تفاصيله لمراقبة على مدار الساعة ويخضع لحقائق الأتمتة، ويتخلى عن تشويق الجدل الإنساني وثنائية الخطأ والصواب.. عالم يحسم الحقائق دون شك، وبيقين الأتمتة والتقنية، فلا يعود هناك محل بالمطلق للدهشة أو الأسئلة، وهي ذاتها الدهشة والأسئلة التي جعلتنا نصل إلى كل تلك التقنيات الباردة والخالية من المشاعر والأحاسيس” (مقال بصحيفة الرأي، عالم بلا أنسنة، مالك العثامنة ,2008).

نحتاج إلى توحيد الجهود من أجل مواجهة الإحباطات والمخاوف  بشأن المستقبل، والعمل على وَضْع رؤية جديدة للمستقبل  تستجيبُ لتطلعات المجتمعات، فالمسؤولية تقع على الدول والقطاع الخاص والمؤسسات والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني، والجامعات للعملِ من أجل مستقبل أكثر عدلًا واستدامة؛ وذلك لمواجهة تصاعُد موجات النزوح الجماعي والإحباط السياسي في أوروبا وأمريكا وفي دول الجنوب، وخصوصًا بعض الدول العربية والإفريقية، والناجمة عن الثورة الصناعية الرابعة والتحولات المناخية والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وبحسب وجهة نظر “السيد ولد أباه”: أنه لا نهوض ولا تحديث دون أفق فكري وقيم إنسانية دافعة، ومن شأن الأديب والفيلسوف والمفكر الاجتماعي صياغة ونشر هذه القيم وليس العالم الطبيعي أو التقني الحالي.

إن الوعي المتزايد بتبعات نتائج العلم والتقنية وانعكاساتها المؤثرة في مختلف جوانب الحياة يجعل من الواجب على العلماء والمفكرين أن يحملوا مسؤولية التوعية والتبصير برسالة البحث العلمي وتصحيح مسارها، بل ربما عليهم أن يمتنعوا عن مواصلة البحث في مجال معين إذا تأكدوا أن نتائج هذه الأبحاث لن تؤديَ إلا إلى بؤس الإنسانية.

عقَّب م. سامي الحصين: المستقبل للإنسان، فمنذ خلق الله- سبحانه وتعالى- الأرض والسماوات، وخلق آدم وحواء عليهما السلام، شهدت الإنسانية نموًا واضمحلالًا، تقدُّمًا وعصورًا مظلمة، شابها عصور سلام وازدهار وعصور حروب وإبادة، لكن بعد كل هذه التحديات والصعود والهبوط، الناتج النهائي هو أن الإنسان موجود والإنسانية في نمو.

كل نهضة تكون أسرع من سابقتها في الانتشار والتأثير. صحيحٌ أن هذه النهضة تسارعها غير مسبوق ولا يضاهيه تسارع سابق، لكن مقارنة التغيرات تظهر التماثل وربما التطابق مع سابقاتها ما عدا في سرعة التغيير. صحيح أن هناك نوعًا من غموض المستقبل ولكنه واقع كل نهضة سابقة.

– تحليل الماضي:

من المناسب أن نسأل أنفسَنا، هل حياتنا الآنَ بوسائل السفر الحديثة أفضل أم العودة إلى السفر بالدواب؟ هل حياتنا في سُبل التواصل الحديثة من الاتصال المرئي والاجتماعات الافتراضية أنسب أم العودة لعصر الحمام الزاجل؟ هل فعلًا افتقدنا الهواتف المنزلية لأن الهواتف الجوالة حققت لنا الراحة والرفاهية؟ ويمكن قياس ذلك على بقية شؤون الحياة من تعليم، وصحة، وتجارة، وغيرها.

–  تأثُّر الإنسان:

يقال إن الحدَّادين الذين كانوا يصنعون حدوات الخيل حاربوا السيارات خوفًا على وظائفهم، وأظهر البعض شائعات بأنها نوع من السحر. فنيّو الهواتف الثابتة فقدوا وظائفهم لمصلحة مصنعي الهواتف الجوالة ومبرمجيها. أصحاب المتاجر التقليدية فقدوا وظائفهم لمصلحة أصحاب المتاجر الإلكترونية.

لكن المحصلة النهائية أن الوظائف الجديدة التي تتوفر أكثر وأفضل وأكثر دخلًا. تتوقع إحدى الدراسات أنه في عام 2025 ستختفي 1,8 مليون وظيفة لكن ستتوفر 2,3 مليون وظيفة بديلة. نحتاجُ فقط أن نتعلم المهارات المناسبة لها.

–  البعد الإنساني:

في السابق اختُرع الديناميت ليُستخدم في التفجير وشق الطُّرق في الجبال ولكنه أيضًا استُخدم في الحروب والقتل. والتقنية النووية يمكنها أن توفِّر الطاقة البديلة أو تُستخدم كقنابل نووية تبيد البشرَ. كذلك الأمرُ بالنسبة لتقنيات الذكاء الصناعي يمكن استخدامُها في خدمة الإنسانية أو تعديل الجينات واستعباد البشر من قِبل بعضهم البعض. العبودية والاضطهاد موجودة من عهد فرعون وقبله، تغيرت الإمكانيات المستخدمة للاستعباد والإبادة، والحل ليس محاربة التقنيات بل وَضْع مواثيق أخلاقية لاستخدامها.

لدينا الخيار في أن نقاوم التغيير الآتي لا محالة أو نكون جزءًا منه، فنوجهه بما يعظِّم فائدة الإنسانية، ويقلل مخاطر سوء استخدامه.

وعقَّبت د. وفاء طيبة: سأركِّز في تعقيبي على الورقة الرئيسة على أثر التقنية على الجانب النفسي. وأشير إلى أن كلمة نفسي تشتمل على الجوانب العقلية والانفعالية وليس الانفعالية فقط كما يظنُّ بعض الناس.

من نعم الله تعالى على الإنسان: قدرته على التفكير، والتأمل، والمنطق والاستنتاج والاستنباط، والتحليل، وكل ذلك يمكننا من التواصل والإبداع والتطوُّر والتقدُّم.

ومما لا شك فيه أنَّ وجودَ التقنية وتطوُّرَها السريع ذو أثر كبير على حياة الإنسان، سلبًا وإيجابًا، في جميع الجوانب الاجتماعية والفيزيائية والنفسية، ومن المؤكد أنه غيَّر في شكل هذه الحياة وخصائصها.

ومن الإيجابيات ما نجده من أثر على التعلُّم، فبالطبع كان للتكنولوجيا أثرٌ كبيرٌ في تسهيل وتسريع التعلُّم، فنحن نصلُ إلى معظم ما نحتاجه من معلومات حول موضوع ما بضغطة زر. وساهمت التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية في تطوير وسائل التعليم التي تزخر بها التطبيقات التقنية، والتعلُّم عن بعد داخل المدرسة والصف والبيت وفي كل مكان.

كما تتيح التقنية التواصلَ بين الناس وسرعته لدرجة اختفاء كتابة الرسائل تقريبًا في حياة مَن يستطيعون ممارسة التقنية. ومن المؤكد أن التقنية سهَّلت بعض العمليات العقلية، وجعلتها في متناول الجميع خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة، واستبدال ملاحظة الإنسان بملاحظة الآلة، مثلًا: في فَحْص التصاميم الصناعية، والمراقبة الأمنية، وغير ذلك، إلا أنه وحتى الآن لم يتمكن من قدرات الإبداع، والحب والاهتمام ( على حد علمي).

وقد أسهمت الآلات التقنية الحديثة في تطوُّر البحث العلمي في علم النفس، فدرس العلماء تعلُّم الإنسان وانفعالاته ومشاعره باستخدام أجهزة، مثل: EEG  التخطيط الدماغي الكهربائي، والرنين المغناطيسي الوظيفي FMRI، والذي يصوِّر تدفق الدم في مناطق معينة من الدماغ كدلالة على حدوث انفعالات معينة أو أفكار معينة يفكر فيها الإنسان. وأمكن استخدام ذلك أيضًا في العلاج النفسي في تشخيص الأمراض بطريقة أكثر مصداقية، وفي التواصل عن بعد بين المعالج والمريض، بل أسهمت التقنية في بناء تطبيقات للهواتف الذكية تُستخدم بموافقة المريض النفسي، لمراقبة هاتفه وإعطاء ملخص نفسي عن تحركات المريض وخروجه من غرفته أو البيت، وتواصله مع الآخرين، وتحليل نبرة الصوت المستخدمة في التواصل والكلمات المفتاحية في فترة معينة، ويستطيع التطبيق اقتراح تشخيص معين، وتقديم تقرير عن فترة معينة، وتبليغ الطبيب بأهمية التدخل والتواصل مع المريض في حال وُجدت أهمية لذلك بناء على معايير محددة مسبقًا.

هذه بعض الإيجابيات، أما عن السلبيات فأول الخسائر والتي لا يختلف فيها اثنان هي مسألة الصبر، أو فقدان الصبر، فالتقنية الحديثة تلبي مطالبَنا بسرعة، وتخلق من ذلك متعة نعتادها؛ وهو ما يجعلنا نطالب بها لا شعوريًّا باستمرار، فنتوقع  استجابةَ مطالبنا وإشباع رغباتنا بنفس السرعة دومًا، ولا نتحمل تأجيلَ الإشباع؛ بل يُسبِّب لنا ذلك الضيقَ والإحباطَ.

وتوصلت بعض الدراسات إلى ازدياد ظهور بعض الخواص المرتبطة بذيوع استخدام التقنية، مثل: التمركز حول الذات، والاستعراض، ونجد كثيرًا في استعراض أحوال الإنسان باستمرار في تطبيقات الفيس بوك والسناب تشات والانستجرام لدرجة مملة أحيانًا.

ومن أهم السلبيات تعرُّض الجيل الجديد بشكل خاص للتشتت وعدم الانتباه، ومن المعروف أن الإنسان يستطيع في المتوسط أن يركِّز مدة 15 دقيقة بدون الحاجة إلى تغيير وجهة انتباهه، وتجد الدراسات الحديثة أن الطالب المراهق الأمريكي يستطيع التركيز في المتوسط 3 دقائق فقط. وتظهر خطورة ذلك إذا عرفنا أن الانتباه هو المدخل الأساسي لكل العمليات العقلية، فما لا ننتبه له لا نسجله لا في الذاكرة قصيرة المدى ولا في الذاكرة طويلة المدى، وما ليس في ذاكرتنا لا يمكن استخدامه في أي عمليات عقلية عليا، مثل التحليل والتفكير وحل المشكلات، ويرتبط ذلك بالطبع بالأداء الأكاديمي والتعلُّم بشكل عام.

ويورد البروفسور Larry Rosen – California State University   في كتاباته مصطلحًا خاصًّا، وهو( I Disorder ) ويعرفه أنه (عندما يظهر على الإنسان أعراضٌ، مثل ADD  وهو تشتت الانتباه، أو OCD  وهو الوسواس القهري أو التمركز حول الذات أو الإدمان ( وهو في هذه الحالة إدمان على التقنية، وله نفس سمات المدمنين، والتي تظهر جميعها من خلال الاستعمال أو زيادة الاستعمال للأجهزة الذكية).

إنَّ علاقة الإنسان بالعالم الافتراضي تختلف عن علاقته بالعالم الحقيقي، وتعوُّد الإنسان في العالم الافتراضي على سرعة الحصول على الإشباع كما ذكرت، والتعزيز المستمر للأحلام والآمال والرغبات والعالم الجميل الذي يجده الشخص في العالم الافتراضي لا يتوفر في الواقع، والفارق بين العالمين ( الافتراضي والواقعي) قد يُشعِر الإنسان بالإحباط والاكتئاب وعدم الثقة بالنفس في العالم الواقعي، واسمحو لي أن أشبِّه ذلك بأثر الأفلام المصرية القديمة على جيل معين في فهم الرومانسية!  كما أننا جميعًا قرأنا دراسات عن أثر التقنية والألعاب الإلكترونية على العنف وتنميته. ومن جانب آخر يؤثر التواصل من خلال هذا العالم الافتراضي على جودة هذا التواصل بين إنسان وإنسان، حتى أن الجيل الجديد قد يشعر بصعوبة في فهم لغة الجسد وتعبيرات الوجه، والتلميحات الكلامية في نبرة الصوت، في حين يرتبط بالإيموجي ويفهمه بطريقة أفضل.

وقد تكون التقنية حاجزًا يحتمي وراءه الأشخاص، فتظهر ظواهر، مثل:  الإساءة الإلكترونية cyber bulling & cyber sexual abuse، وسوء الأخلاق، واستعمال الكلمات النابية وغير اللائقة.

ومن الظواهر الطريفة ظاهرة الخوف من فوات الأخبار أو المعلومات fear of missing out أو FOMO كما يسمونها اليوم، وخاصة الأخبار الاجتماعية، وهي ظاهرة يعاني منها المراهقون والشباب بشكل أكبر مما يدفعهم لمراجعة جوالاتهم كل 3 دقائق كما جاء في الدراسة الأمريكية، ويبدو واضحًا كيف يرتبط ذلك بالإدمان وتشتت الانتباه والأداء الأكاديمي.

الإدمان: وهو أكبر المشكلات اليوم مع الأجهزة الذكية سهلة الحمل، ففي أمريكا يمضي الشخص العادي في المتوسط 4 ساعات يوميًّا على الهواتف الذكية، أي 1460 ساعة سنويًّا، أي 61 يومًا. والسعوديون من أكبر مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم، خاصة فئة 18–30 سنة، وهم الأكثر استخدامًا لمنصة تويتر ومراجعة الفيديو في منصة يوتيوب (ASDA’A Burson – Mersteller, 2016 )، وفي 2014 كان عدد مستخدمي منصة تويتر من السعوديين 3 ملايين شخص و4 ملايين يستخدمون الفيس بوك (Al – Saggaf& Simmons, 2014)،  وبالطبع العدد في ازدياد، وفي دراسة محلية غير منشورة على عينة كبيرة من الشباب، ذكر 22% أنهم يستخدمون الإنترنت (تويتر، فيس بوك، سناب تشات، إنستجرام، وغير ذلك) 6 ساعات فأكثر يوميًّا، وذكر 17% أنهم يستخدمون الإنترنت 4 – 6 ساعات يوميًّا، 20% يستخدمونه 2 – 4 ساعات يوميًّا.

الخلاصة أنه لا شك في تأثر التقنية على طريقة عمل المخ حديثًا، وبما نعرف الآن عن مرونة المخ neuroplasticity ، فإنه لا بد أن عمليات التوصيل العصبي في أدمغة أطفال وشباب اليوم تتم بطريقة تختلف عن الأكبر سنًا، وقد قرأت  منذ عدة سنوات كتابَ The Shallows – What Internet is doing to our brains  للمؤلف Nicholas Carr، وهو كتاب جميل جدًّا أنصح بقراءته، يتحدث عن أثر التقنية على الإنسان، وذكر الكاتب أن ظهور القراءة كتقنية أدى إلى تطوُّر القدرة على التركيز والتفكير المجرد والخيال لدى الإنسان، أما ظهور التقنية الحديثة وعلى رأسها الإنترنت_  فقد أدى إلى تقوية قدرتنا على المسح السريع والدقيق للمعلومات، إلا أنه أثَّر تأثيرًا سلبيًا على بعض قدرات الإنسان، ومنها الانتباه.

هذا بالإضافة إلى ما أشارت إليه الدكتورة نورة من آثار اجتماعية، مثل: البطالة، والشعور بالغبن وعدم المساواة، وتفكك العلاقات الاجتماعية وخاصة داخل الأسرة الواحدة، ولكل ذلك آثار نفسية عميقة على الإنسان.

ومن وجهة نظري، فقد أغفلنا الجانبَ النفسيَّ في التنمية وهو ما يميز الإنسان، في حين تنبهت الدول الغربية حديثًا لأهمية وارتباط المشاعر بالعقل والتفكير واتخاذ القرار، وأن الإنسان كلٌّ لا يتجزأ، وأخشى أن يكونَ تأثيرُ التقنية والذكاء الاصطناعي علينا أشدَّ من غيرنا لهذا السبب.

وأتساءل: هل سيتغلب الذكاء الاصطناعي على ذكاء الإنسان وتفكيره؟

هل سيتمكن من الإبداع؟ هل سيغلب الذكاء الاصطناعي مشاعر الإنسان ويلغيها، وهي ما يميز الإنسان، الحب والعطف والرحمة والاهتمام بالآخر؟ ما أثر ذلك كله على القيم والثقافة؟

هل سنقف مكتوفي الأيدي أمام البطالة مثلًا كنتيجة لهذه الثورة الصناعية الرابعة وتطوُّر الذكاء الاصطناعي؟ أم سنتمكن من خلق مهنٍ جديدة تقوم على حاجات المجتمع الحديث بالذكاء الاصطناعي، وكذلك المهن التي تعتمد على ما يميز الإنسان، مثل المهن القائمة على الحب والاهتمام، مثل الخدمة الاجتماعية والنفسية والعلوم الإنسانية، وكذلك الإبداع والتطوير؟

أين موقع وزارة التعليم ونظام التعليم من كل ذلك؟ وتخلفنا في التعليم التقني يفوق تخلفنا في التعليم الأكاديمي.

كيف نستطيع أن نتحكم في أن يظلَّ الإنسانُ إنسانًا يحتاج للحب والاهتمام بالآخرين؟ وهل يشعر الجيل الجديد الذي نشأ على التقنية بأهمية ذلك؟

في رأيي، للمحافظة على إنسانية الإنسان لا بد أن تعمل الدول مجتمعةً بمؤسساتها المختلفة على حوكمة التقنية، وقد سمعنا هذا الأسبوع عن المطالبة بوضع قوانين للتعديل الوراثي، وعلى غرار ذلك نحتاج لقوانين وأنظمة تعمل عليها الدول مشتركة بمؤسساتها تُضاف لوثائق دولية موجودة بالفعل، مثل: وثيقة حقوق الإنسان وغيرها، أو تخرج كوثيقة منفصلة حديثة، استجابةً للظروف الجديدة في حياة الإنسان، وحفاظًا على هذه الحياة وإنسانيتها، تنظم هذا التطور الذي قد يسلب الإنسان إنسانيته، على غرار ما هو كائن الآنَ في الأمم المتحدة من مناقشة وثيقة الهجرة والنزوح المستجدة بسبب الظروف المستجدة، وملايين النازحين واللاجئين حديثًا.

أما داخليًّا فأتمنى أن تقومَ الجهات الحقوقية مثل هيئة حقوق الإنسان أو أي جهة بتنظيم اجتماعات وورش عمل لكل الجهات المسؤولة؛ التعليمية، والحقوقية، والعلمية، وغيرها… لوضع إستراتيجية سعودية للذكاء الاصطناعي، وأنظمة وقوانين للتعامل معه وضبطه، فالمسألة أكبر من أن تتحملها أي جهة منفردة، ومن الجميل أن تبادر هيئة حقوق الإنسان برفع طلب للأمم المتحدة ببناء وثيقة خاصة بذلك.

كما عقَّب د. عبد السلام الوايل: بدايةً أودُّ أنَ أطرحَ تفاؤلي عن تأثير التقنية على مستقبل الإنسان منطلقًا من بعض الطروحات في العلوم الاجتماعية. وبالعودة للخلاف القديم بين منظري العقد الاجتماعي، هوبز ولوك وروسو، نجد أن هوبز مالَ للطبع الشرير للذات الإنسانية التي أتت السلطة لردعها، مقابل ميل لوك وروسو للطبيعة الخيرة للإنسان، التي شوهها تطوُّر الإنسان لتنظيم حياته عن الحالة الطبيعية.

التقدُّم الكبير للتقنية نتج عنه تمكينٌ للفرد بشكل يصعب تخيله قبل عقود قليلة. هذا التمكين – وبالمفارقة- قد يقرِّب الأفراد أكثر لـ “الحالة الطبيعية”، فمع تقدُّم التمكين تتزايد إمكانات الأفراد ويتزايد استقلالهم بما يجعلهم أكثرَ قدرة لإنجاز كثير من الأمور بمفردهم وحتى دون أن يتحركوا من أماكنهم؛ كما في تقدُّم الأجهزة المنزلية، وإجراء التواصل والحصول على المعلومة، وحجوزات السفر، وتسديد الفواتير، واستخراج الوثائق وتجديدها…وغير ذلك. هذا التمكين المتزايد للفرد قد يقرِّبه من “إنسانيته”؛ لأنه يجعله أقلَّ غرقًا في عوالم غامضة، ومطالبًا بخوض غمار العديد من التجارب من أجل إنجاز أموره. لجعل الصورة أقرب، لنقارن تبدلات مفهوم “الواسطة” بين وقتنا الحاضر والوضع قبل 3 عقود. لقد مكنت التقنية من تمكيننا من الاستغناء عن الواسطة في العديد من أمور الحياة اليومية. ما علاقة ذلك بـ”طبيعة الإنسان” وجدل هوبز وهيوم وروسو؟ ما أراه أن التمكين يقلل من “التورط” في اليومي والمعاش. والتورط في هذه المتطلبات هو ما يبعد البشر عن “طبيعتهم” ويدفعهم لتطوير “مهارات” التزلُّف، وأخذ حقوق الغير والغش والخداع. وكون إنجاز المعاشي يقل في اعتماده على بشر لا نعرفهم ونقف أمامهم، فإن هذا يعدُّ تحريرًا للأخلاق من عامل ضاغط. لذا، فإن التقنية قد تقلل من التأثيرات السلبية لتنظيم وتطوُّر حياة البشر على جبلتهم، كما رأى هيوم وروسو الأمرَ من قبلُ. يُذكر أنَّ ماركس في القرن التاسع عشر ومع ظهور التصنيع تنبأ بمستقبل يُحرِّر فيه التصنيع القدرات والطبيعة البشريين. وإن كان ماركس أخفق في تنبؤه لمآلات الهيكل الطبقي للمجتمع، فقد يكون الحظ حالفه في النبوءة أعلاه.

وقد يكون تجاوز بعض الأمم للنزوع للحروب والعنف، كحساسية الشعوب الأوروبية للحروب بعد التجارب القاسية والمؤلمة للحربين الكونيتين وتخلي المجتمع الياباني عن نزوعاته الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأخيرة، مظاهر لبشرية تتجه شيئًا فشيئًا للعيش بسلام. كما أنَّ اختفاء المجاعات في العقدين الأخيرين والقلة المتزايدة للفقر المدقع في العالم، والتمكين المتزايد للمرأة، وميل النظام الأخلاقي الكوني لنبذ العنصرية والتمييز، والمترافقة جميعهًا مع تطور التقنية، جميعها مؤشرات على تحقق النبوءات أعلاه لجهة مساعدة الإنسان للعودة لطبيعته  الخيرة.

 

¤   المداخلات:

مخاطر التقنية وإمكانية التعامل معها:

أشار أ. إبراهيم آل سنان إلى أن إقرار نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية  استغرق 13 سنة منذ دخول الإنترنت للدولة تقريبًا عام 1994 إلى صدور القرار عام 2007. ونتذكر حجمَ الرعب الذي تمَّ بثُّه عند بداية انتشار استخدام الإنترنت، وكيف أننا مع الوقت بدأنا في استيعابه. كما أنني لا أحيل كلَّ المشاكل النفسية والاجتماعية إلى التقنيات الحديثة بقدر ما هي وسيلة ساعدت على ظهور سلوكيات ومشاكل أخرى بشكل أوسع، كمثال أن أولئك الذين لديهم ميول سلوكية غير سوية وجدوا فرصتهم في بيئة أكثر سهولة لممارسة تلك السلوكيات، وبشكل خفي، وبعيدًا عن رقابة المجتمع والدولة. وأيضًا كلُّ الممارسات الأخرى التي هي موجودة ولكن لعدم وجود وسائل انتشار الخبر ومعرفة كل الحوادث بدأنا نعتقد أنها تتزايد وأنها انتشرت، والأمر كله أننا لو قلنا إن نسبة الجرائم السلوكية في المجتمع هي 10% فهذه النسبة كانت غير مشاهدة أو معروفة، ومحصورة في حدود حدوثها الجغرافية والاجتماعية، ولكنها في الإنترنت أصبحت نفس النسبة تنتشر أخبارها لتبدو لنا وكأنها ظاهرة.

أميلُ للقول إن الإنسان قادرٌ على استيعاب كل التطورات في حياته والتأقلم معها وإيجاد الحلول، ولا يمكن تحميل تلك التقنيات كلّ المسؤولية. صناعة السلاح لم تخلق في الإنسان سلوك العنف والقتل.

وأمَّا بالنسبة للذكاء الاصطناعي فخطورتها تكمن في قدرة الآلة على الخروج من سيطرة الإنسان والتفكير باستقلالية، وهذا ما يجعل الجميع متخوفًا منها، ولكنه رغم ذلك موجود بنماذج جزئية وصغيرة في كثير من التقنيات الحالية، ويتم محاصرته وتقنينه في حدود احتياجات الإنسان له.

التقنيات الحديثة كل ما تحتاجه هو سرعة التعامل معها من الدولة والمجتمع، ووضع قوانينها وملاحظة التغيرات السريعة وتأثيراتها على كل مجالات الحياة. التأخر في استيعابها واحتوائها داخل المنظومة الاجتماعية وفي حدود المنفعة المرادة منها. القوانين هي دائمًا الحل، والرقابة المختصة على بعض أوجه تلك التقنيات تحتاجُ الكثيرَ من العمل وسرعة التجاوب مع مشاكلها وحصرها. مثال ذلك، تطبيقات النقل العام وفتح المجال للجميع في أن يكون قادرًا على تقديم هذه الخدمة، في البداية كانت الشركات تطلب من المتقدم صحيفة السوابق الجنائية، وأن يكون الشخص ليس عليه أي سابقة، ثم لاحظت أن هذا الطلب تم إلغاؤه في تطبيقات أخرى، وأصبح التسجيل مباشرةً عن طريق المواقع.

  • مخاوف من التقنية الحديثة:

ذكر م. أسامة كردي؛ أتخوف كثيرًا من الحديث حول تقنين وتنظيم أي موضوع؛ لأنه- في نظري- يضعُ العديدَ من العوائق أمام التطور والتقدم، وبالذات أمام البحث العلمي والباحثين. وأرى أنه ليس هناك داعٍ لهذا ما لم نصل إلى مراحل متقدمة جدًّا، كمثال التعامل مع الجينات في القطاع الطبي.

وذهب د. عبد العزيز الحرقان إلى أن أعظم وأخطر وأول ابتكار “تقني” كان الفأس. تخيل القوة والقدرة التي كان يمتلكها أول مَن حمل الفأس، استخدمه للقتل والصيد والدفاع عن النفس والزراعة بكفاءة تجاوزت كلَّ مَن في الدنيا آنذاك، وكذلك من اخترع العجلة فيما بعدُ.

التطوُّر التقني صفة بشرية انطلقت واستمرت معهم منذ أيامهم الأولى. الجدل حول التقنية الإنسان والمستقبل يوحي بأن هذا النشاط بدأ الآن، ولكنه نشاطٌ إنساني تاريخي استطاع التأقلم معه على مدى التاريخ.

أضاف د. مشاري النعيم؛ شخصيًّا لديَّ مخاوف من التقنية؛ لأنها حضارة ضوئية وستقلص الحضارة المادية تدريجيًّا، كما أنها ستقلل من اعتماد الإنسان على مهاراته الذاتية، وهذا له نتائج وخيمة على الوجود الإنساني.

علق  د. عبد الله بن صالح الحمود بأن هذا حدث وقد حدث، ولا يمكن الفرار منه، وبحكم أن الأمر أصبح حكمًا، بل ولزامًا توظيفه في معظم أمورنا الحياتية من أعمال وتواصل اجتماعي، يتبقى أن نكون ذوي جاهزية في التعامل مع هذا التقني القادم. لذا فإنني أتساءل: ما الحلول التي يمكن أن تكون سببًا في الازدهار المجتمعي، مع الإيمان بالضرر المتوقع حدوثه اجتماعيًّا واقتصاديًّا؟

أضاف أيضًا د. خالد الرديعان؛ أنا ممن يعتريهم خوف ويساورهم قلق من مستقبل الإنسانية بسبب التقدُّم التقني الهائل، وخاصة في تقنية الاتصالات والذكاء الصناعي.

وفي الوقت ذاته، أنا أمام حقيقة لا أستطيع ولا يستطيع غيري إنكارها أو الوقوف في وجهها، وهي أن التقدُّم سائر في طريقه مهما ازداد تشاؤمنا بمستقبل الإنسانية وهيمنة الأتمتة والروبوتات والذكاء الصناعي.

أجادلُ في أنَّ هذا التقدُّم الذي نراه ونلمسه يوميًّا ليس بريئًا تمامًا، وليس صحيحًا أن هدفه خدمة الإنسان رغم أنه يرفع لافتة “الإنسان أولًا وأخيرًا”؛ فهذا التقدم نتاج رأسمالية متغولة هدفها زيادة الأرباح، والحصول على المزيد من الأموال، وتحويلها إلى جيوب الأغنياء وبنوك الدول المتنفذة في العالم، بما في ذلك دول الشرق التي سارت في هذا الاتجاه.

هذا التقدُّم يختزل الإنسان إلى كائن هامشي ومستهلك بعد تحويله إلى أداة رقمية هلامية فاقدة للمشاعر والأحاسيس، في ظلِّ طغيان الاستهلاك والإعلان التجاري وملاحقة الجديد، وقناعة الفرد بأهميته ومن ثَمَّ اقتناؤه.

العالم يتقدم بسرعة ولكن دون ضوابط أخلاقية وقانونية تهذِّب تقدُّمه وتوجهه بطريقة صحيحة لخدمة الإنسانية، يقابل ذلك جشعٌ دوليٌّ وتسلُّط من الدول المتقدمة على الدول الأقل تقدُّمًا.

العالم الصناعي لا يعدو كونه “مافيات” تسخِّر كلَّ جهودها لسرقة الإنسان والتسلُّط عليه وسلب إنسانيته في نهاية المطاف. ولعل ما نراه اليوم من احتجاجات لذوي السترات الصفر في فرنسا وبلجيكا وهولندا مؤشرٌ للتململ ليس من الرفاهية والتقدم في دولة متقدمة كفرنسا؛ ولكن لأن هذا التقدُّم أصبح عبئًا على الإنسان وباعثًا على شقائه.

لن ينتهي العالم بحرب كونية مدمرة بالطبع، وإن كان ذلك واردًا في لحظة ما، لكنه سينتهي بعدة حروب وقلاقل هنا وهناك ظاهرها اقتصادي؛ وذلك بسبب غياب الضابط الأخلاقي والقانوني، وتآكل القيم الأخلاقية أمام تغوُّل الرأسمالية، وطمع المنتجين، واختلال النظام المالي العالمي بعد زيادة الفجوة التقنية والمالية بين الشعوب.

العالم يكتنز ثروات طبيعية ومالية هائلة تكفي لعيش جميع شعوبه بسلام وأمن فيما لو توافقت دول العالم على منظومة أخلاقية تعيدُ للعالم توازنَه وللعلم رزانته، وتجسِّر من الفجوة بين مَن يملك ومَنْ لا يملك، ولكن هيهات يحدث ذلك في ظل هذا اللهاث الذي نراه بين الدول والشعوب.

وأتساءل: ما هي الأداة أو الوسيلة التي تعيد للعالم توازنَه وأخلاقياته المفقودة، والتي تهذِّب من تقدُّمه التقني والعلمي؟ هذا ما يجب التفكيرُ فيه مليًا قبل أن تقع الكارثة.

علَّق على ذلك د. عبد الله بن صالح الحمود؛ يلاحظ تخوُّف د. خالد الرديعان من قدوم التقنيات الحديثة العالية، في الوقت الذي لا مناصَ من استقطاب ذلك، إنما بحكم تخصصكم د. خالد في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ما هي الخطوات أو التدابير التي يمكن أن تعالج ما قد يحدث لمتلقي هذه التقنية؟

أجاب د. خالد الرديعان بأنه لا توجد وصفة يمكن الأخذ بها لضبط مسار التقدُّم والتقنية عندما تكون ضد الإنسان، عدا العودة للتعاليم الدينية والمُثل العليا، ففي النهاية هي الملاذ الآمن عندما يدرك البشر أنه ليس بالخبز وحدَه يحيا الإنسان.

سأكون متحيزًا لديني لو قلت العودة فقط لتعاليم الإسلام، ولذلك قلتُ التعاليم الدينية بشكل عام، إضافة للمُثل العليا وقيم الحق والخير والجمال.

البشر ليسوا آلاتٍ، وليسوا أشياءَ، وسيظلون دائمًا بحاجة إلى الإيمان واليقين والطمأنينة، والعلم الذي نراه اليوم لا يقدِّم هذه الأشياء.

في هذا السياق، تساءل أ. محمد الدندني: أليس هذا انسحابًا؟ الإيمان والمثل مطلوبة في كل مرحلة من مراحل التطوُّر. أليس دينُنا صالحًا لكل زمان ومكان؟ لا أريد الخروجَ عن الموضوع، ولكن هل الأديان توقفت عن التأثير مع الثورة الصناعية وتطوُّر العلوم وثورة الإنترنت التي ستحدث؟ إنَّ المجتمعات ستتموضع  مع المعرفة، ومَن سبق سيجد نفسه بين الأمم. ستستمر العملية في منتجين ومستهلكين ومَن يعيش على هامش الحياة.

بينما يرى د. خالد الرديعان أن الذين يقودون العالمَ وتقنيته لا يشغلهم الإيمان واليقين والمُثل العليا. أضاف أ. محمد الدندني بأنه إذا كان الأمر يحدث بدرجة اليقين فيجب التعامل معه والمشاركة. الإنسان في أي حال مبدعًا كان أو متلقيًا يستطيع التأقلم مع الحفاظ على المُثل العليا والإيمان إنْ أرادَ.

  • العلاقة بين التقنية وانتشار البطالة أو الحد منها:

وذكر د. عبد الله بن صالح الحمود؛ لفت نظري مسألة البطالة التي أشارت إليها د.نورة الصويان من أن الذكاء الاصطناعي سيكون سببًا آخر في نمو البطالة، كمعيار عالمي يضرب بأطنابه المجتمعات، إنما قد يقول قائل إن ظهور تقنية الذكاء الاصطناعي، وقبله فورة الثورة المعلوماتية بكافة أفرعها، يظلُّ ذلك مسلكًا جديدًا لإحداث وظائف للمجتمعات، ووظائف بالتأكيد أنها حديثة عهد للبشرية، إنما يظل حال المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية تفرض نفسها لمواجهة ذلك التغير.

وأتساءل: ألا تعدُّ ثورات التقنيات الحديثة داعمة للمتغيرات الحياتية، وأن الأمر في النهاية شيء مُسلَّم به؟

أجابت د. نورة الصويان مؤكد أن الثورات التقنية والتغيير السريع في مجالات التقنية والابتكار أمرٌ لا يمكن تجنُّبه، إضافة إلى أن هذه التغيرات تشمل تبعات إيجابية متعددة للبشرية.

ولكن أتفقُ أيضًا مع ما أشار له د. خالد الرديعان من أننا نحتاج لضوابط أخلاقية وقانونية تهذِّب وتوجِّه هذا التغير، بحيث يكون لصالح الإنسانية.

كما أشار م. سامي الحصين إلى أنَّ الوظائف الجديدة التي ستتوفر أكثر وأفضل ولكن تحتاج لمهارات وقدرات، وهذه في رأيي المتواضع تحدياتٌ ليست بسيطة.

  • الأثر النفسي في انتشار وتوسع الاستخدامات التقنية:

حول ما أشارت إليه د. وفاء طيبة في تعقيبها على الأثر النفسي في انتشار وتوسُّع الاستخدامات التقنية، ومن أن الأمر زاد حين حلَّ الذكاء الاصطناعي الذي لا شك من أنه سيكون متمًا للتخوف السابق والذي قد بدأ بالحاسوب وتطوُّر مدخلاته. علق د. عبد الله بن صالح الحمود أنه معجبٌ برأيها حول وجوب حوكمة التقنية، حفاظًا على إنسانية الإنسان، وتساءل برأي د. وفاء، هل ما ذُكِر عن وجوب إيجاد قوانين للتعديل الوراثي، وكذا تعزيز الدور القانوني لتنظيم أعمال هذه التقنية العالية الحديثة، كمثل الذكاء الاصطناعي، يعدُّ أمرًا كافيًا نحو هذا التوجه القادم، أم أن هناك أشياء أخرى تخدم وتعالج هذه المسائل؟

من جانبها وردًا على هذا التساؤل، أكدت د. وفاء طيبة أنها لم تقترح قوانين ومعايير للتعديل الوراثي، وإنما في الواقع- وحسب علمي- يجري العمل عليها؛ وهذا يدل على أن الغرب بدأ يشعر بأنهم تجاوزوا الحد، وأقصد الحد الذي يكون مهمًّا لخدمة الإنسان بدون العبث بإنسانيته.

ما اقترحته هو أن ندرس الجوانب المختلفة للتقنية ومنها الذكاء الصناعي، ونعمل على وضع المعايير والقوانين والأنظمة محليًّا ودوليًّا، وأرى أن وضع القوانين للاستفادة من التقنية بقدر الإمكان إلى الحد الذي يحافظ على إنسانية الإنسان ضروريٌّ قبل أن تصبح العودةُ في بعض الجوانب صعبة.

بالنسبة للقدرات العقلية وبعض الجوانب النفسية قد يكون في التوعية بالضرر، والتنمية لهذه القدرات أثرٌ إيجابيٌّ، وأنتظرُ من الآخرين رأيَهم حول كيفية المحافظة على قدرات الإنسان العقلية، واحترام إنسانيته ومشاعره؟

لكن يرى د. عبد السلام الوايل أن هيمنة التقنية لا تعني حتمية التبعية، بل إنها شيء مختلف. التطور المتسارع للتقنية جعل إمكانية اللحاق بالتقدُّم للأمم أسهلَ. الصناعة لم تعد الحديد والسيارات والطائرات فقط، بل دخلت معها صناعاتٌ بسيطة وسهلة يمكن لأي أمة اللحاق بالركب من خلالها، كما حدث مع الهند وتركيا وإندونيسيا وبنجلاديش.

أضافت د. وفاء طيبة، وضعنا- مثلًا- نظام الجرائم المعلوماتية بعد أن عانينا كثيرًا من هذه الجرائم في الإعلام الحديث وغيره، وقد جاء متأخرًا، ودائمًا نقول: أن يجيء القانون متأخرًا أفضل من أن لا يأتي، فلمَ لا نكون سباقين؟

المشكلة أنه كما ذكر بعض المشاركين، أننا لا نملك تلك التقنية ولكننا تابعون فيها؛ لذا أتمنى أن يكون هناك عملٌ دولي بالنسبة لذلك.

  • ·    عدم التخوُّف الاجتماعي من التقنية الحديثة:

ذكر د. عبد الله بن صالح الحمود أنه أعجبه ما ذهب إليه د. عبد السلام من عدم التخوُّف الاجتماعي من التقنية القادمة، بمعنى، كأنه يرى أن ذلك يخدم الظروف والإمكانات المجتمعية، بل إن حصول الفرد على أي تقنية حديثة يعدُّ شيئًا من الاستقلالية وداعمًا لإنجازاته، ولكن أليس د. عبد السلام متخوفًا كغيره من أن التقنية القادمة قد تضرُّ الإنسان صحيًّا واقتصاديًّا، وفي أحايين أخرى قد تسهم في اتساع الفجوة الاجتماعية؟

أجاب عن ذلك د. عبد السلام الوايل بأن للتقنية تأثيراتٍ متباينة كما هو ملاحظ. وفيما “مكَّنت” ثقافات من التلذذ بممارسة الكسل، فإنها أيضًا وفي الوقت نفسه، الأدوات مكنت ثقافات أخرى من زيادة النشاط البدني.

لقد أتى بنتش وبجكر بنظريتهما عن الإنشاء الاجتماعي للتقنية Social Construction of Technology، والتي قالا فيها: إن التقنية تبنى اجتماعيًّا، بمعنى أن ثقافة المجتمع تصوّغ استخدامات التقنية في الحياة اليومية، وبالتالي تسهم بشكل كبير في تحديد آثارها.

كما أنني أرى أن التقييم الكلي لأثر التقنية يجعلها متغيرًا أكثر حسمًا من الثقافة كمؤثر، أي أن التقنية عامل أكثر وزنًا كعامل مستقل من الثقافة في الأثر على مناحي حياتنا، وهذا يعني أنها – أي التقنية- ستؤدي في النهاية لإحداث تغييرات متشابهة في كل الثقافات.  لذا، أتبنى النظرةَ التفاؤلية التي ترى بأن التقنية عامل مساعد على زيادة إظهار الخيرية في البشر.

  • ·    التحوُّل في تأثيرات التقنية في العصر الحديث:

أشار د. راشد العبد الكريم إلى أن التقنية كانت على مرِّ العصور مصدرَ توجُّس، وربما قلق لكثير من أفراد المجتمع. وكانت تفرض دائما تغيرات على المجتمع التي تظهر فيه. الجديد في هذا العصر هو أن تأثير التقنية صار عميقًا، وربما جذريًّا، وانقلابيًّا بدلًا من أن يكون تطوريًّا، وصار يؤثر على مجالات مختلفة (اجتماعية، واقتصادية، وقيمية). فيما مضى كانت التقنية تظهر استجابة لحاجة، أما في هذا العصر فغالبًا التقنية تخلق الحاجة لها عند الناس، وهذا قد يكون مصدرًا من مصادر خطورتها.

أعتقدُ أن الجانب الاقتصادي المرتبط بالوظائف هو أقل أخطار التقنية؛ لأن التقنية، كما تفضَّل المهندس، في الغالب تجلب وظائفَ أكثر عددًا مما تبيد. بالتأكيد إن نوعية هذه الوظائف ستختلف، لكن المهم أنها ستوجد وظائف، ولا تؤثر كثيرًا على (عدد) الوظائف.

الإشكال في نظري من الآثار الاجتماعية: العلاقات بين الناس والتأثيرات التي تجلبها التقنية للناس. فالتقنية لا شك أنها تعيد تشكيل هذه العلاقات، بما تفرضه هي من حاجات، لا يبرز من حاجات المجتمع. وقد يرتبط بهذا أيضًا الإشكال النفسي المتعلق بأثر تقنية الاتصال خاصة على نمو المخ وطريقة التفكير.  الإشكال الثاني، وهو مرتبط بالذي قبله (الاجتماعي) هو الإشكال القيمي. فالتقنية الآن تتيح إمكانات غير مسبوقة، يمكن أن تُوظَّف بشكل يتعارض مع القيم الإنسانية، وذلك في مثل الاستنساخ والتعديل الجيني، وبعض تطبيقات الذكاء الصناعي. وأعتقد أن هذا التهديد الأخير هو الأخطر.

لا شك أن التقنية تحل إشكالات، لكنها في المقابل توجد معها إشكالاتها الخاصة، فكيف إذًا كان هدفها هو خلق الإشكالات بذاتها؟

  • التقنية.. نعمة أم نقمة:

يقول د. عبد الله بن ناصر الحمود: عندما كنتُ في دراسة الدكتوراه بكندا عام 1994 طلبت منَّا أستاذتنا كتابة رؤية عنوانها “التقنية.. نعمة أم نقمة”، كان ذلك قبل 25 عامًا، وأسبار اليوم تسألنا السؤال ذاته. ليس لهذه الحالة تفسير غير قول الحق تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾[ سورة الكهف: آية 54] لم يكن سؤال أستاذتنا الأول في سياقه، ولن تكون أسبار الأخيرة بالتأكيد، سيظلُّ هذا السؤال يُطرح كلَّ حين، وبخاصة مع كل تقنية جديدة تظهر بيننا، وستبقى الإجابة مراوحة بين “أتمتة” الحياة و”أنسنة” التقنية من حولنا. ففي الوقت الذي تعمل فيه قوى الأعمال على أتمتة السوق والمرافق والخدمات، تعمل قوى المبادئ والقيم على أنسنة السوق والمرافق والخدمات، وهو صراع بين “المصلحة” و”المفسدة”، أو بين “المنفعة” و”الضرر”.

غاية القول؛ إن التحولات التقنية تطوُّرٌ طبيعي فائقُ السرعة في الحياة المعاصرة، وسيبقى الإنسان نحوَها أكثر شيء جدلًا، فلا هي بالشيطان المريد، ولا الإنسان من دونها بالحمل الوديع، وستبقى تعمل فينا كلنا ما “فعلته بالطبيب”، فقد كان الطبيب أعلمَ العلماء وأحكمَ الحكماء، حتى جعلت منه التقنية مسخًا عاجزًا فاقدًا للحيلة، فتقنية الفحوصات الطبية أصبحت تعري جسد كل مريض لتصف علته وصفًا كاملًا، ويبقى الطبيب أمام نتائج تقنيته يقلب يديه حائرًا لا يدري كيف هو العلاج. وهكذا هي حالنا كلنا مع التقنية، ستفعل بنا مثلما فعلته بالطبيب.

علق د. عبد الله بن صالح الحمود على ذلك بأنه يعني القبول والاستسلام. بلا شك أن التقنية قادمة؛ ولذا انتهى التساؤل: متى؟ وكيف؟ ومَا ستقدم لنا؟ والسؤال الآنَ، هل التقنية بكافة شجونها ستحتوي كافة الاحتياجات الحالية والمستقبلية؟

من جانبه يعتقد د. مشاري النعيم أن المشكلة تكمن في أن هيمنة التقنية ليست في صالحنا بل ستُكرّس تبعيتنا للآخر المنتج لها، وهذه إشكالية أخرى يجبُ أن نضعَها في الاعتبار.

أضاف د. عبد السلام الوايل أنه حين برز مفهوم العولمة تعاملنا معه كعرب بروح مختلفة عن نظرائنا الصينيين. كنا حذرين منه، باعتبار أنه سيؤدي إلى هيمنة الثقافة الغربية علينا. فيما كان الصينيون تَوّاقين لمعرفة ماهية العولمة، واكتشاف إمكاناتها. رأيناها تهديدًا ورأوها فرصةً.  بعد 3 عقود من بروز المفهوم، لست بحاجة لإظهار مَن استفاد أكثر من العولمة، نحن أم الصينيون، بل إن الغرب كله يرى أن العولمة تحوَّلت أداة لتفوق الصين عليهم، رغم أن المفهوم غربي خالص.

بينما يرى د. مشاري النعيم أنه لا يوجد وجه للمقارنة. ليس تخوُّفًا بل هي معطيات وواقع، وإذا كنا نستطيع أن نتغير فلا بد أن نبين كيف يمكن أن نتغير.

أجاب أ. محمد الدندني أنه يمكن ذلك إذا أحسنا خطابنا وتفكيرنا، ورفعنا درجة أن نكون جزءًا من هذا العالم، نستطيع أن نُقلِّل من الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم.

أضاف أ. إبراهيم آل سنان أن الإنترنت دخل للدولة عام 1994 تقريبًا، وأُصدِر نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية عام 2007، يعني تقريبًا 13 سنة.

أعتقدُ أن ما نحتاجه هو ليس التخوُّف والتوجُّس من التقنيات الحديثة، كل ما نحتاجه هو سرعة التجاوب معها، وتمييز فوائدها ومضارها بالاستخدام، وقراءة المخرجات سريعًا وليس بالتنبؤ فقط.

  • أنسنة التقنية:

ذهبت أ. مها عقيل إلى أنه في الوقت الذي نتحدث فيه عن أنسنة التقنية، أرى أن هناك توجُّهًا لأتمتة الإنسان، حيث نرى دمج التقنية في الإنسان لتصبح جزءًا منه. وكما أن لكل شيء إيجابياته فله أيضًا سلبيات. التقنية تُستخدم الآنَ بشكل كبير في الطبِّ وعلم الفضاء والصناعة والاتصال وغيرها من المجالات، فجعلتها أدقَّ وأسرعَ وأكثر تطوُّرًا، ولكنها جعلتنا معتمدين عليها حتى في حياتنا اليومية، وجعلت عملية اتخاذ القرار بعيدةً عن المشاعر الإنسانية، مثل الحروب التي تتم عن بُعد بضغطة زر، أو حتى العمليات الجراحية، والتواصل المباشر مع الآخرين أصبح عبرَ التقنية والآلة.

التقنية قادمة لا محالة، وكما أن كل اختراع أو أداة سبقتها يعتمد تأثيرها على كيفية استخدامها. الهواتف الذكية جعلت المعلومة عند طرف إصبعنا، ولكنها- كما يقال- جعلتنا أغبياء؛ لأننا أصبحنا نعتمد عليها بشكل كبير، كما أنها تسمح باختراق خصوصيتنا والتجسُّس علينا.

أتوقع أن جرائم المعلوماتية ستزداد بل ربما ستقوم حروب بسببها. كما أتوقع أن المشاكل النفسية والاجتماعية ستزداد مع انغلاق الفرد على نفسه، ويعيش حياته في عالمه الافتراضي المفصول عن الواقع بمشاعره وفكره ولكنه موجود فيه بجسده فقط، ولكن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، وسيسعى دائمًا أن يكون جزءًا من مجتمع أو مجموعة، وهنا يأتي تأثير الانتماء للمجموعة التي يختارها والتي قد يتعرف عليها عبر الفضاء الإلكتروني.

لا أريد أن أكونَ متشائمةً، بالعكس أعتقد أن الفوائد من التقنية وعلى مستقبل الإنسان كبيرة، ولكن نحتاج إلى سنِّ القوانين لتواكب التطوُّر والتغيير الذي يحصل وسيحصل في المجتمع بسبب التقنية.

تعليقًا على ذلك تساءل د. عبد الله بن صالح الحمود: كيف ترين الإتيان ببعضٍ من القوانين المنظمة أو حتى تلك الرادعة من التجاوزات التي تنشأ بين وقت وآخر؟

علقت أ. مها عقيل أنها تعتقد أن كل جهة أو قطاع تدخل فيه التقنية عليه أن يجدِّد أو يحدِّث قوانينه لتشمل وتواكب استخدامه للتقنية، بالإضافة إلى القوانين الدولية التي تتولى التجاوزات والأخطاء والمخالفات العابرة للحدود.

ويرى د. خالد الرديعان أن التقنية عبارة عن مارد وخرج، وبالتالي يصعب السيطرة عليه. اتفقت معه د. وفاء طيبة، وذكرت أن هذا ما اقترحته في تعقيبي ومداخلتها، وهو وضع القوانين قبل أن يصعب التحكم في التقنية.

ولكن أشعرُ بوجود فجوة، فلسنا مَن نصنع التقنية في معظم الأحيان؛ ولذا أقترحُ ورش عمل في كل مجال من مجالات التقنية لوضع القوانين اللازمة لنا الآنَ، وأيضًا القوانين والمواثيق الدولية ضرورية، ولا أستبعد وجود لجان تعمل على ذلك الآنَ.

 بينما د. عبد الله بن صالح الحمود يعتقد أنه يمكن احتواء التقنية بشتى الطرق، ومنها التضافر قدر المستطاع.  إلا أن أ. منى أبو سليمان ترى أنه لا يمكن احتواء التقنية؛ لأن هناك دولًا وأشخاصًا وعلماء لن يتبعوا القوانين. أول تغيير جيني  حصل في الصين، وتم الإعلان عنه بعد ولادة التوأم، وهارفارد أعلنت العمل على التدخل الجيني عن طريق الكرسبر crisper رغم التخوُّف من عبور الحدود الأخلاقية moral ethics.

الخوارزميات بالتداول المالي أصبحت معقدةً وفوق طاقة الإنسان لفهمها، لا نستطيع حتى تخيل خلال 20 سنة كمية التحول الـ exponential  للتقنية.

من المؤكد سيستفيد الإنسان من التقنية، لكن هناك نقطة تحوُّل من الاستفادة من التقنية  إلى السيطرة على التقنية. ومن يملك الكود يملك الإنسان، من يصنع التقنية يصنع الـ backdoor control  إمكانية الدخول من البرامج بطريقة لا تُكشف. قبل عدة شهور تم اكتشاف وضع أجهزة تنصت تقني من جواسيس مندسين (أو ذلك ما يُقال) بالمصانع الصينية التي تصنع apple.

أضافت د. وفاء طيبة؛ الحقيقة أنَّ المشكلة في شهوة البحث العلمي، ورائع جميل ما قاله أحد أعضاء الملتقى أننا كنا نخترع الاختراع لحاجة الإنسان، أما الآنَ فإننا نخترع الاختراع ونربي الإنسان على اعتياده ليصبح حاجة.

  • التقنية والاعتماد على الإنسان:

يعتقد د. رياض نجم أن في كل مجال دخلت التقنية قلَّ الاعتماد على الإنسان، وكلما استطاعت التقنية أن تقوم بوظائف ومهامَّ أكبر وأكثر،  قلت الوظائف المتاحة للبشر. أتفق مع القول إن التقنية تولِّد أنواعًا جديدة من الوظائف، لكنها لا تكون في المحصلة أكثرَ من الوظائف التي ألغتها. هذا النمط لا يزال مستمرًا، وليس هناك ما يقنع أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات ستخلق وظائفَ أكثر ولكن من نوع جديد.

فهل نتوقع حروبًا في المستقبل للسيطرة على التقنية ومصادرها بدلًا من السيطرة على الموارد الطبيعية والمواقع الإستراتيجية في العالم؟

  • تفعيل الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه:

ذهب  د. خالد بن دهيش إلى أنه من خلال اطلاعه حول موضوع القضية خرج بالآتي: لم يحسم الإنسان موقفه بعد من مخرجات الذكاء الصناعي ودوره في المستقبل، والجدل قائم بين مؤيد ومتحفظ ومشكك.

ولقد عُقدت في مدينة دبي القمة العالمية للحكومات قبل عدة شهور، وخرجت القمة بفلسفة أن ما ينتجه البشر سيحمل صفاتهم؛ لذا فإنه من الضروري أنسنة مسار التقنية لتكون منتجات إنسانية من خلال التوافق بين الحكومات على أن تكون الاَلات في خدمة الإنسان وليس العكس. وبالتالي على الحكومات إصدار القوانين والتشريعات المنظمة لمسار تطوُّر الذكاء الصناعي، ووضع برامج كفيلة بالحفاظ على سيادة الإنسان وأمن كوكب الأرض، وتحديد الأولويات في الاستثمار  في هذا المجال لصالح الإنسان.

فالإنسان قادرٌ على حل مشكلات عديدة، مثل الفقر والبطالة نتيجة ظهور قطاعات ومجالات جديدة للعمل، واكتشاف علاجات للأمراض المستعصية. ولقد أكدت القمة على تأسيس الحوار الدولي والتعاون المشترك بين الحكومات لبحث سُبل تسخير الذكاء الصناعي لخير البشرية.

كما أنَّ دولة الإمارات المتحدة عينت وزيرَ دولة للذكاء الاصطناعي، وذلك للسعي للاستفادة من الذكاء الصناعي، واستباق التحديات التي قد تنجم عنه، وتوجيه الاستثمار  فيه لتحقيق أهداف التنمية المستقبلية.

أضافت أ. منى أبو سليمان أنَّ هناك جزءًا آخر طُرِح، وهو  أن معظم مَن يصنع التقنيات هم الشباب البيض white young men، ويتم تمويلهم وتمويل أفكارهم خمس مرات أكثر من السيدات (أيضا معظمهن من البيض). المستقبل هو  نوعية التقنية التي تُصنع، الخدمات التي تتيحها وإدارة المخاطر بها. مهمٌّ إيجاد أصوات أخرى لخلق نوع من التوازن.

أضافت أيضًا د. وفاء طيبة أن الإمارات وضعت أيضًا آليات لتفعيل الذكاء الاصطناعي، وكذلك إستراتيجية تستهدف عدة قطاعات.

 

¤      التوصيات:

  1. التحول الرقمي هو التحدي الحالي والقادم الذي يجب أن نتحول فيه من مستقبلين ومستخدمين إلى صانعين ومبادرين، ومن متفرجين إلى لاعبين أساسيين.
  2. إدخال التقنية ومهاراتها وتقنياتها في مناهج التعليم في جميع التخصصات، وليس بالضرورة للمتخصصين في التقنية فقط.
  3. أهمية إحياء الأنشطة التقنية والرقمنة من سنِّ الطفولة، ووضع المناشط والمحاضن والمسابقات المحلية والمشاركة في المسابقات الدولية، لصناعة جيل متفوق فيها.
  4. الترويج للرقمنة وصنَّاعها وإبرازهم في وسائل الإعلام والشخصيات المكرمة رسميًّا، ليكونوا أنموذجًا للصغار والشباب، ومنافسين للاعبين والفنانين وغيرهم.
  5. من المهم أنسنة مسار التقنية لتكون منتجات إنسانية من خلال توافق الحكومات لتكون الآلة في خدمة الإنسان، وليس العكس.
  6. إصدار التشريعات والقوانين المنظمة لمسار تطوُّر الذكاء الاصطناعي، تفاديًا لانعكاسات سلبية تجاه الإنسان الذي هو محور الحياة.
  7. السعي نحو تسخير قدرات وكفاءة معطيات الذكاء الاصطناعي لخير البشرية، والحذر من حدوث أي سلبية تؤثر على التنمية البشرية.
  8. تسخير الجهود البشرية والاعتمادات المالية لاقتصاد المعرفة، بأن تكون أولويات الاستثمار في القطاع التقني وخصوصًا في الذكاء الاصطناعي لصالح الارتقاء بجودة الحياة البشرية.
  9. يُقترح أن يكون لحوكمة التقنية مجالٌ واسع، بما يخدم حسن عطاء الذكاء الاصطناعي، وتحييد ما قد ينجم من سلبيات عند الإفراط في الاستخدامات التقنية لإنجاز الأعمال.
  10. أن يكون للعلوم الاجتماعية دورٌ أكبر في شراكة استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي، فالضوابط الأخلاقية والقانونية أمرٌ مهم في المنظومة التقنية.
  11. ضرورة تبني مبادرات محلية يُروَّج لها عالميًّا من خلال منظمات الأمم المتحدة؛ لوضع قوانين أخلاقية تضبط مسار التقدُّم الرقمي والذكاء الصناعي.
  12. تعزيز وتشجيع مسار التعلُّم التقني بمجالاته الحديثة، ووضع إستراتيجية خاصة به.
  13. استقطاب كفاءات علمية على المستوى الفردي أو من خلال الشركات المتخصصة في التقنية العالية، مع الجامعات المهتمة بالتقنيات والذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، لبناء مستقبل واعد للتقنيات الحديثة.
  14. العمل على مواءمة المحتوى الرقمي مع القيم الوجدانية، والموازنة في التخطيط، للتغيير من خلال تضمين الجانب القيمي في منهجية التعلم والتعليم.
  15. تعزيز الابتكار في البيئة التعليمية، واعتماد ذلك كمنهجية أساسية في التربية والتعليم؛ مما يعزِّز الإنتاج المحلي الرقمي، ويقلل التبعية للمنتج المستورد.
  16. تطوير منهج مادة الحاسب الآلي في التعليم عامة، لتكون أكثر انفتاحًا أمام التطورات التقنية المذهلة، ومواكبة للتطور التقني المتسارع، وأن يتضمن ذلك صناعة وصيانة أجهزة اتصالات الجوال والآيباد.
  17. تحديد الأهداف المرجوة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، أمام التحديات الاجتماعية والثقافية والسياسية.
  18. أن يكون للتعليم والتدريب التقني ولكل من يعمل في مجال الاختراعات والابتكارات أن يدرك أن الأولوية هي لأخلاقيات المهنة ضمانًا لأن تكون التقنية لصالح  البشرية وليس للتقنية وحدها.
  19. أن يتوافر تحضير مسبق لاحتواء التقنيات المتوقع حدوثها مستقبلًا، من خلال زيادة الوعي بها، وحجم المسؤوليات والالتزامات المرتبطة بها، مع الإعداد للتشريعات الافتراضية القابلة للتعديل مع التجربة العملية.
  20. قياس الرأي الاجتماعي وخصوصا فيما يتعلق بالرأي المعتمد على الدين والعادات والتقاليد، وتوقع المواجهات التي قد تطرأ، والرفض الذي قد تُقابل به بعض تلك التقنيات، مع إيجاد أرضية مناسبة من التأسيس الديني القادر على استيعاب وتقليل المخاوف.
  21. تكثيف العرض الإعلامي لمنافع التقنيات المتعددة الأوجه وطرق الاستفادة منها، والنتائج الإيجابية والسلبية المتوقعة من استخدامها لتجهيز صورة ذهنية أكثر مرونة وتقبُّلًا لكل المتغيرات.

القضية الرابعة:

علاقة شبكات التواصل الاجتماعي بانتشار

ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية،

وكيف نحمي شبابنا منها.

–    كاتبة الورقة: أ.  هناء الفريح.

  • المعقبون:

–    د. طلحة فدعق.

–    د. خالد الرديعان.

–    د. منصور المطيري.

–    د. عبد الرحمن الهدلق.

–    إدارة الحوار: د. مها العيدان.

¤      الملخص التنفيذي:

ذهبت الورقة الرئيسة إلى أنه مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة التي تجاوزت الحدودَ، أصبحت المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي بانفتاحها غير المقيد هي الوسيلة الأكثر استخدامًا في تجارة المخدرات والترويج لها. وأن هناك تقارير تؤكد أن مواقع التواصل الاجتماعي بدأت تُستخدم لتحقيق إستراتيجيات دعائية لبيع المخدرات والتبغ والسجائر الإلكترونية والكحوليات.

كما أشارت الورقة إلى أن هناك القليل من الإجراءات الاحترازية لحماية المراهقين خلال عملية تفاعلهم عبر أثير الإنترنت، فالآباء لا يمتلكون مهارات متقدمة لحماية أبنائهم، إلا أن هناك دولًا تحظر تمامًا استخدام الإنترنت للصغار الذين تقل أعمارهم عن 13 سنة بدون إذن والديهم، وتُصمَّم لهم مواقع للتصفُّح تساعدهم في تحقيق رقابة جيدة على الأبناء.

وأضافت التعقيبات التي جرت على الورقة الرئيسة أن أهمية هذه القضية تزداد بحكم أنها ذات بعد تقني أسهم في زيادة استهلاك المخدرات وارتفاع أعداد متعاطيها من خلال استخدام الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعية كوسيلة لترويج المخدرات من قِبل المروجين. فبالرغم من أهمية شبكات التواصل الاجتماعي إلا أنها وسيلة ذات حدين؛ فهي لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الراهن، لكن في الوقت نفسه لا بد من وجود رقابة على الأبناء لا سيما صغار السن والمراهقين ممن ينجرفون بسهولة نحو تلك الوسائل، وتحت وطأة ظروف معينة لتحقيق أغراض معينة، ربما يكون الحصول على المخدرات إحداها.

وترى التعقيبات أن المشكلة المؤرقة أنه يصعب تتبُّع ومراقبة ترويج وبيع المخدرات وبعض العقاقير الممنوعة على شبكات التواصل الاجتماعي، بل إنه يتم إيصال الممنوعات إلى المنازل من خلال خدمات التوصيل المجاني باستخدام تقنية تحديد الموقع؛ مما يضفي على العملية السرية وسرعة الوصول. ورغم أن حجم الإتجار بالمخدرات عبر الإنترنت لا يزال محدودًا، إلا إنه  ظهرت دلائل تشير إلى أنه يشهد نموًا سريعًا؛ لذا تبقى الحاجة ماسة إلى تفعيل العقوبة لكلِّ من يستخدم الفضاء السيبراني للقيام بسلوكيات منحرفة مضرة بالمجتمع، كترويج المخدرات أو الدعارة والسلوكيات الشاذة، مع التركيز على الجانب الوقائي باستخدام وسائل التواصل ذاتها في التوعية العامة، وفي الحرب على مروجي المخدرات.

وأشارت المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة إلى أن عالمية شبكة الإنترنت وسهولة استخدامها شجَّع البعض على توظيفها لنشر المخدرات. ونظرًا لانتشار وكثافة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في المملكة وخاصة من فئة الشباب، إضافة إلى أن المملكة تعتبر دولةَ مقصد للمخدرات، وأن هناك استهدافًا واضحًا للمملكة من قِبل المنظمات المعنية بتهريب وبيع المخدرات، ويُعد ذلك سببًا رئيسًا لانتشار المخدرات في المجتمع السعودي.

كما أكدت المناقشات على دور العقوبة للمروجين أو غيرهم من مستخدمي وسائل الاتصال في نشر مختلف أوجه الفساد، واقترحت أن يتم عمل كمائن لمروجي المخدرات على الإنترنت أو الذين يروجون لها في وسائل التواصل الاجتماعي والإيقاع بهم من قِبل رجال الأمن، بالإضافة إلى توفير المزيد من التعاون بين المواطن والمسؤول من خلال الإبلاغ عن مثل هذه المناشط المخالفة للنظام، حيث إنَّ النظام يعتبر ذلك إحدى الجرائم التي يُعاقب عليها نظام الجرائم المعلوماتية، أما الترويج للمخدرات وبيعها بأي وسيلة فعقوبتها تصل للإعدام.

بينما رأى بعض المناقشين أنَّ هناك أسبابًا وعلاقات اجتماعية وأسرية وفردية وعوامل اقتصادية، والتوزيع السكاني للأحياء والمناطقي للمدن وقربها من الحدود أو وجودها في المركز، وحجم المدن وسكانها؛ تعتبر هذه أسباب إضافية لانتشار المخدرات بجانب شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: استثمار شبكات التواصل في إنتاج وتوزيع رسائل هادفة لتوعية المجتمع بأضرار المخدرات، إنشاء مركز بحوث يخدم قضايا المجتمع المتعلقة بالجريمة، تفعيل مراكز الإحصاء بطريقة علمية تخدم مراكز البحوث وقضايا المجتمع، مراقبة المراصد الإلكترونية التي تتخفى وراء الاستشارات الطبية والألعاب الإلكترونية وتعمل من خلالها في ترويج المخدرات، تنويع الرسائل التوعوية الإلكترونية لمختلف الفئات سواء المدمن أو المروج أو أسرهما، تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي في توجيه وتوعية الشباب بمخاطر المخدرات، إشراك الشباب من الجنسين وتأهيلهم ليكونوا سفراء لمجتمعهم في توعية الشباب بأضرار المخدرات، إعلان العقوبات على مروجي المخدرات، ونشر أخبارها في المجتمعات الشبابية، تفعيل مراكز الإرشاد النفسي والاجتماعي بكوادر وطنية متخصصة، وإشراك الأسر وإكسابهم المعارف والمهارات في هذا الشأن، مراجعة فاعلية نظام الجرائم المعلوماتية وغيره من الأنظمة ذات العلاقة بالمخدرات بناء على دراسة أثرها على جريمة المخدرات عامة وعن طريق الإنترنت، وطلب تعديل أي مادة في حال بدت الحاجة إلى ذلك.

 

¤      مقدمة:

يُعد موضوع العلاقة بين انتشار المخدرات وشبكات التواصل الاجتماعي من أهم الموضوعات التي تُعنى بمصير أبنائنا في ظل انتشار وسائل الاتصال التي أصبحت جزءًا من حياة أبنائنا، وفِي ظل هذه الوسيلة يمكن التغلغل لأبنائنا في جوانب متعددة، وتعتبر المخدرات من أخطر الآفات على مجتمعنا وخاصة فئه المراهقين والشباب؛ لذا تعدُّ قضية “علاقة شبكات التواصل الاجتماعي بانتشار ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية، وكيف نحمي شبابنا منها” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدمتها أ. هناء الفريح، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (أسباب وعلاقات اجتماعية وأسرية وفردية للتعاطي، حلول وآليات لمواجهة ظاهرة انتشار المخدرات، كيف، ومن أين تصل إلينا المخدرات؟ استهداف المملكة في ترويج المخدرات، تحمُّل المسؤولية في مواجهة التحديات، عالمية الإنترنت وتوظيفها لنشر المخدرات، الإحصاءات المحلية حول انتشار ظاهرة ترويج المخدرات عبر الإنترنت، الربط بين انتشار المخدرات وشبكات التواصل الاجتماعي، ملاحظات حول مناقشات القضية). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبتها الأستاذة/ هناء الفريح، وعقّب عليها الدكتور/ طلحة فدعق، والدكتور/ خالد الرديعان، والدكتور/ منصور المطيري، والدكتور/ عبد الرحمن الهدلق.

كتبت أ. هناء الفريح: تعدُّ المخدرات بكافة أنواعها آفة العصر ومشكلة حقيقية تستهدف الشبابَ وتستنزف الاقتصاد الوطني وتدمر صحة المجتمع، حيث يتفق الجميع على ضررها البالغ على الحياة الاجتماعية والصحية والاقتصادية، وشكَّلت المخدرات خطرًا داهمًا على كافة المستويات؛ لما لها من آثار مدمرة على الفرد والمجتمع.

ومع تسارُع التغيرات والتطوُّر في عصرنا الحالي، ومع انتشار وسائل التواصل الحديثة التي تجاوزت الحدود أصبحت المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي بانفتاحها غير المقيد هي الوسيلة الأكثر استخدامًا في تجارة المخدرات والترويج لها، ووفق الإحصاءات فإنه في عام  2015م كانت هناك نسبة 29% من الذين تتراوح أعمارهم بين 13- 14 سنة تمَّ تسجيل دخولهم عبر الإنترنت، و24% كانوا يستخدمون الإنترنت بشكل دائم، وتبين أن 71% يستخدمون أكثر من شبكة للتواصل الاجتماعي.

وهذا يتطلب من المتخصصين معرفة مدى تعرُّض المراهقين لعرض تعاطي المخدرات وتشجيعهم على استخدامها عبر هذه المواقع، من أجل صياغة توصيات مناسبة لمراقبة الأبناء خلال استخدامهم شبكات التواصل الاجتماعي.

الفئة العمرية في التعاطي:

15% نسبة تجربة المخدرات والمؤثرات العقلية بين فئة الشباب (15 – 24) سنة.

60% من المتعاطين بدؤوا تجربة التعاطي في الفئة العمرية (10 -16) سنة.

رأي المبحوثين عن المجالات المؤثرة في إقدامهم على التعاطي:

دوافع تجربة التعاطي:

وسائل التواصل وتعاطي المخدرات:

يرتبط تعاطي المخدرات بالمغامرات التي يمارسها الصغار والمراهقون وخاصة في مواسم الاحتفالات، حيث يقومون بتبادل الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تتضمن وقوعهم في سلوكيات تعاطي المخدرات.

وهناك تقارير تؤكد أن مواقع التواصل الاجتماعي بدأت تُستخدم لتحقيق إستراتيجيات دعائية لبيع المخدرات والتبغ والسجائر الإلكترونية والكحوليات، كما باتت تلك المواقع تستخدم صورَ هذه المواد كخلفيات في صور المتفاعلين كنوع من إستراتيجيات التسويق الإغرائية للمراهقين، وبهذه الطريقة فإن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت كالباب الخلفي للغرف المؤصدة  الذي تفتحه خلسة، لتسوّق من خلاله هذه المنتجات على المراهقين.

ومن المواد الأكثر شيوعًا لإيقاع المراهقين لتعاطيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي( الحشيش)، وتشير  الدراسات والبحوث المحلية إلى أن الشباب والطلاب في المرحلة المتوسطة تعرضوا لعروض تعاطي المخدرات والمسكرات بنسبة 6.4%.

ووجد المركز الوطني لأبحاث الإدمان من جامعة كولومبيا أنَّ مستخدمي التواصل الاجتماعي المراهقين أكثر تورُّطًا في تعاطي المخدرات والتبغ والمسكرات من المراهقين الذين لا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك القليل من الإجراءات الاحترازية لحماية المراهقين خلال عملية تفاعلهم عبر أثير الإنترنت، فالآباء لا يمتلكون مهارات متقدمة لحماية أبنائهم.

وهناك دول تحظِّر تمامًا استخدام الإنترنت للصغار الذين تقل أعمارهم عن 13 سنة بدون إذن والديهم، وتُصمَّم لهم مواقع للتصفُّح تساعدهم في تحقيق رقابة جيدة على الأبناء.

التوصيات المقترحة:

1 – تطوير القدرات التقنية، وأن يكون هناك رقابة أكثر على الإنترنت وشبكات التواصل.

2 – استثمار وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة (تويتر، سناب شات، فيسبوك، تليغرام ) للتحذير من مخاطر المخدرات وتحذيرهم من إغراءات مروِّج المخدرات، عن طريق (رسائل توعوية- أفلام)، وتكون أكثر حداثةً، وتناسب التفكير العصري للنشء.

3 – تعزيز دور الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية في تغيير اتجاهات الأطفال والشباب والفتيات السلبية نحو المخدرات، وإكسابهم المعرفة الحقيقية من خلال الأساليب التقنية.

4- أن يكون هناك مراكز توعية إلكترونية لدى الجهات المعنية تهدف إلى:

– رصد وتحليل تأثير المخدرات على المجتمع واستشرافه للتصدي.

– رَصْد الحسابات المشبوهة ومتابعة ما تنشر.

– إحباط عمليات ترويج المخدرات عبر الإنترنت.

– تعزيز القيم والوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية بصناعة ونشر محتوى توعوي حديث ومؤثر.

عقب د. طلحة فدعق: إنَّ الأمر مؤسف ومُقلِق في الوقت ذاته، فشبكات التواصل الاجتماعي وسيلة ذات حدين، فهي لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الراهن، لكن في الوقت نفسه لابد من وجود رقابة على الأبناء لا سيما صغار السن والمراهقين ممَّن دلت الدراسات على انجرافهم بسهولة نحو تلك الوسائل، وتحت وطأة ظروف معينة لتحقيق أغراض معينة، ربما يكون الحصول على المخدرات إحداها.

الملفت في الإحصاءات المذكورة في الورقة ارتفاع نسبة المتأثرين بمتغير “الصحبة والرفاق”؛ مما يلقي الضوء أيضًا على أهمية هذا العامل وضرورة التدخل في وقت ما لانتشال الأبناء من علاقات صداقة قد تودي بهم إلى التهلكة، لكن السؤال هو: كيف نبني جسورَ علاقة ثقة مع الأبناء، نستطيع من خلالها الإلمام ببعض خصوصياتهم، لا سيما علاقاتهم مع الأصدقاء، أو حتى كيف نستطيع أن نحتل مكانة “الأصدقاء” في حياة أولئك الأبناء؟ هناك أيضًا الصداقات عبر العالم الافتراضي مع أشخاص معينين، مبهمين غالبًا، يتم من خلالها استدراج الشباب والمراهقين لعوالم مجهولة، وهنا مكمن لخطورة أكبر وأشد.

أيضًا هناك الإعلام المرئي عبر شبكات التواصل الاجتماعي وما يبثه من مقاطع وإعلانات وتسويق لبرامج فيها الكثير من الإشارة لتلك الأمور بطريقة تجعل الشباب يندفع للبحث عنها من باب التجربة وربما حبّ الاستطلاع، ناهيك عن بث “الأفلام والدراما” التي تناقش قضايا الإدمان والمخدرات، والتي شكلت موجة لافتة للنظر في السنوات الأخيرة، والإشكالية هنا ليست في القضية ذاتها وإنما أيضًا في طريقة تناولها، فتفاصيل الدراما وما تتضمنه من لقطات للمدمنين وأساليب تعاطيهم بالتفصيل الممل يجعل المشاهدَ الناضجَ يتساءل أحيانًا عن هدف إقحام تلك التفاصيل، بل ويرى الكثير أنَّ تأثيرَها سلبي ومدمرٌ، لا سيما أن المتفرج غالبًا هم أفراد الأسرة بكافة الأطياف العمرية. من جهة أخرى، أطفالنا وشبابنا في المدارس والجامعات يعانون إشكالية أخرى، وهي قضية “المواد المنشطة” والترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تبادل المسجات عبر الواتساب أو السناب لترويجها داخل أروقة المؤسسات التربوية بشكل أصبح يشكِّل معضلة خطيرة.

الإعلام التربوي والتوعوي مهمٌّ ولا يمكن إغفاله، لكن الأهم منه هو دور الأسرة والمدرسة. الأسرة من خلال وعي الوالدين بمتطلبات مراحل النمو، ومتابعة الأبناء، وخلق جو من الثقة بينهم وبين الأبناء، بل ومحاولة الدخول لعوالم الأبناء وفَهْم “الثقافة الشبابية” السائدة، وهي إشكالية أخرى حيث للشباب ثقافة Youth Culture يمكننا تصنيفها كثقافة فرعية تختصُّ بفئة عمرية، لهم مفاهيمهم الخاصة وأساليب حياتهم وطريقة رؤيتهم للكون والحياة. الأسرة الواعية هي التي تحاول الإلمام بتلك الأمور، وفي حالة اكتشاف قضية ما أو “مأزق أخلاقي أو سلوكي”، فينبغي التعامل معه بحكمة حتى لا يكون هناك ردود فعل سلبية، فكثير من الأبناء قد يكونون معرضين للوقوع في الخطأ لكن ذلك لا يعتبر نهاية العالم، بل الأسلوب الصحيح هو استيعابهم والأخذ بيدهم لعبور “جسر المعضلة” ليعيدوا بناء الثقة بأنفسهم أولًا، ويتابعوا مسيرة حياتهم ثانيًا.

المؤسسات التربوية وخصوصًا المدارس تحتاج لتحديث أجندة ما يُعرف بالإرشاد الطلابي وتعيين متخصصين من “الأخصائيين الاجتماعيين” وليس مدرسًا عاديًا برتبة “مرشد طلابي”، فالأخصائي الاجتماعي هو المؤهل للتعامل مع مشكلات الطلاب بكافة أبعادها الاجتماعية والنفسية والتربوية، بشكل أكثر مهنية.

السياسات والأنظمة العقابية- ناهيك عن المؤسسات العقابية، وهي موضوع جدلي كبير- تحتاج لتفعيل بل وإعادة نظر وتحديث بما يتوافق مع الظروف والمتغيرات الراهنة، فاستدراج الشباب والتغرير بهم عبر تلك الشبكات يعتبر من الجرائم الإلكترونية التي يعاقب عليها نظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودي في مادته السادسة (صدر هذا النظام بقرار مجلس الوزراء رقم 79 وتاريخ 7/3/1428هـ، والذي تمت المصادقة عليه بموجب المرسوم الملكي الكريم  رقم م/17 وتاريخ 8/3/1428هـ)، تنص المادة السادسة من هذا النظام على ما يلي:

يُعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى العقوبتين كلٌّ مِن الجرائم المعلوماتية الآتية:

1- إنشاء ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة أو إعداده أو إرساله أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب.

2- إنشاء موقع على الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب أو نشره للإتجار بالجنس البشري، وتسهيل التعامل معه.

3- إنشاء المواد والبيانات المتعلقة بالشبكات الإباحية أو الشبكات المخلة بالآداب العامة أو نشرها أو ترويجها.

4- إنشاء موقع على الشبكة العنكبوتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره للإتجار بالمخدرات أو المؤثرات العقلية أو ترويجها، أو طرق تعاطيها، أو تشجيع التعامل معها.

أخيرًا؛ أضعُ بعضَ التوصيات المتعلقة بموضوع القضية، منها:

1- ضرورة اهتمام مراكز البحوث بأبحاث الجريمة، وخاصة الجرائم المعلوماتية وما يندرج تحتها من مهددات للأمن القومي أو الحياة العامة.

2- تحديث الأنظمة واللوائح المتعلقة بمكافحة هذا النوع من الجرائم.

3- الاهتمام بالشباب وقضاياهم من خلال دعم المتخصصين والباحثين في سيسيولوجيا الشباب، لبحث إشكاليات الثقافة والشباب والهوية، وبحث كل ما من شأنه حماية هذه الفئة المهمة من السكان، وتقليص الفجوة الفكرية والثقافية بينهم وبين باقي أطياف المجتمع.

4- استيعاب الشباب وفهم متطلباتهم، خصوصًا فيما يتعلق بالتحولات الانتقالية في حياتهم Youth Transitions: من الأسرة، إلى التعليم، إلى الوظيفة، إلى تكوين أسرة جديدة، وهي محطات مهمة في حياتهم لا بد من إيلائها اهتمامًا من صنَّاع القرار والسياسات الاجتماعية.

5- التعاون المؤسساتي بين جميع الجهات المعنية بهذه القضية، سواء المؤسسات الأمنية أو التربوية أو الإعلامية، وأن يكون التعاون على مستوى تبادل المعلومات والخبرات وعقد المؤتمرات وورش العمل وغيرها.

6- إعادة النظر في فلسفة ومفهوم المؤسسات العقابية الخاصة بما يتعلق بجرائم المخدرات وإدمانها والتعامل معها، وهذا موضوع كبير وذو جدل، ويحتاج لقضية أخرى لمناقشته.

وعقَّب د. خالد الرديعان: لفت انتباهي في الورقة كذلك التصاعد في نسبة الترويج من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كانت في مستوى متدنٍ، فهي في عام 2015 كانت بحدود (1٪) لكنها تتصاعد حسب الكاتبة لتبلغ 50٪ سنويًا؛ وهو ما يعني أن نسبة استخدام وسائل التواصل في الترويج للمخدرات قد وصلت إلى نحو 3٪ هذه السنة (2018)، وأن النسبة مُرشَّحة للزيادة في السنوات القادمة. ويزداد القلق بسبب التوسُّع المتنامي في استخدام وسائل التواصل، والاعتماد عليها في توفير وشراء الكثير من السلع والخدمات، سواء ما كان شرعيًّا أو غير ذلك كالمخدرات.

المشكلة المؤرقة أنه يصعب تتبُّع ومراقبة كل شيء في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فكل شيء يمكن الترويج له وبيعه ومنه المخدرات وبعض العقاقير الممنوعة، وخدمات منافية للأخلاق، بل إنه يتم إيصال الممنوعات إلى المنازل من خلال خدمات التوصيل المجاني باستخدام تقنية تحديد الموقع؛ مما يضفي على العملية السرية وسرعة الوصول.

وقد يتم كذلك استخدام أرقام جوالات مجهولة المالك لعمل المكالمات، وذلك لوجود عدد كبير من الشرائح التي تُباع بطرق غير شرعية، ومن خلال عمالة وافدة.

وقد لا يستقر المروِّج على رقم جوال معين، فهو يغيره باستمرار، ويتم إيكال الترويج لطرف آخر من قِبل المروِّج الأول، وهكذا حتى لا يتم كشفهم وتتبُّعهم كعصابات محترفة.

وتتحمل شركات الاتصالات جزءًا من المسؤولية، كما أن إدارات الإنستغرام وتويتر والفيسبوك وهذه الوسائط تتحمل مسؤوليات في ذلك، لكن تبقى مشكلة أنَّ ما قد نراه عملًا إجراميًا أو سلوكًا منحرفًا كسعوديين قد لا تراه إدارة هذه الحسابات كذلك، فالأمر نسبي ويتعلق بثقافة المجتمعات.

وتبقى الحاجة ماسة إلى تفعيل العقوبة لكلِّ مَن يستخدم الفضاء السيبراني للقيام بسلوكيات منحرفة مضرة بالمجتمع؛ كترويج المخدرات، أو الدعارة والسلوكيات الشاذة.

وعقَّب د. منصور المطيري: قضية الأسبوع هذه تستكشف العلاقة  بين متغيرين؛  شبكات التواصل الاجتماعي وانتشار المخدرات والمؤثرات العقلية. وهذا في الحقيقة موضوع متخصص جدًّا لا يمكن الخوض فيه بعيدًا عن أرقام الدراسات المسحية؛ أي تلك الأرقام التي تبين أعداد المستخدمين لشبكات التواصل الاجتماعي حصرًا لغرض ترويج المخدرات. وللأسف الشديد، فإن هذه الدراسات غير متوافرة عندي لاعتمادي فقط على المصادر المفتوحة.

هيئة الإحصاء العامة تناولت استخدام الأسرة السعودية للتقنية، وخرجت بأرقام يمكن مراجعتها على موقع الهيئة، ومؤدَّاها أن الأسرة السعودية تستخدم هذه الوسائل بنسبة عالية (أقل المناطق: الجوف، المدينة المنورة، نسبة الأسر التي لديها نفاذ إلى الإنترنت فيها 76٪ و77٪)، كما حددت دراسات الهيئة الأغراض التي استُخدمت لأجلها الإنترنت عند الأسرة السعودية، إلا أنها لا تشتمل على إحصاءات حول الاستخدامات غير المشروعة.

ومن ناحية أخرى تناولت هيئة الإحصاءات العامة في تقريرها المنشور موضوع (صحة الأسرة السعودية)، فتناولت قضايا  كثيرة، منها ما يتعلق بالتدخين، وبالإيدز، وبغيره، إلا إنها لم تتناول إدمان المخدرات وحجمه. كما أنني لم أجد أي دراسات إحصائية في مواقع مديرية مكافحة المخدرات، أو اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات أو حتى في مواقع مستشفيات الأمل، تقدِّم وصفًا وتحليلًا كاملًا لهذه المشكلة على مستوى المملكة. أغلب ما نراه هو نشر لعمليات الضبط التي تجري وأرقام المضبوطات.

فإذا كان الأمر لا يعود لأسلوب بحثي القاصر والمتعجل، فإنه بكل تأكيد  يعطي انطباعًا أن موضوع المخدرات له جانب أمني سري، أو أنه لا توجد لدينا دراسات مسحية وتحليلية حقيقية وجادة، وأن ما يُكتب يتراوح بين الانطباعات أو الدراسات الأكاديمية المحدودة بمكان معين وموضوع معين، من مثل دراسة بعنوان (الأسباب والعوامل المؤدية إلى انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية بين الشباب) د. مانع الدعجاني، وهي خاصة بمنطقة الحدود الشمالية، ومع فائدة هذه الدراسات التي لا تُنكر إلا أنها لا تفحص حجم مشكلة المخدرات في المملكة عمومًا، فضلًا عن وصف العلاقة بينها وبين بعض مسببات انتشارها، كاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

ما أقصدُ قولَه أن لدينا نقصًا كبيرًا جدًّا في فحص ظاهرة المخدرات فحصًا دقيقًا واقعيًا (إمبيريقيًا).

تقارير الأمم المتحدة التي ينشرها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) تقدِّم معلومات وتحليلات مفيدة ولكنها كلية تتعلق بالعالم أجمع، ولا تتناول كل بلد على حدة.

في موضوع المخدرات تتناول تقارير المكتب هذه المشكلة عن طريق تتبُّع طريق نقل مادة المخدرات، فتقسم هذه الرحلة  إلى ثلاث محطات: دول منشأ، ودول عبور، ودول مقصد. والأخيرة هي المقصودة بالتسويق، وهي الدول الغنية التي لديها قوة شرائية، وتقع المملكة ضمن الدول الأخيرة، في حين تقع الإمارات ضمن دول العبور حيث إنها محطة رئيسية لعبور الأفيون القادم من أفغانستان، ومحطة رئيسية لعبور الكوكايين القادم من كولومبيا. وأذكرُ الإمارات هنا؛ لأن المملكة في هذا الموضوع تقع في المدى الذي تصله وتستهدفه هذه التجارة بحكم القرب.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى تزايد التجارة بالمخدرات عالميًّا، وإلى ضلوع جماعات الجريمة المنظمة فيها، وأن ما نسبته 35٪ من جميع هذه الجماعات يعمل في الإتجار بالمخدرات.

كما تذكر تقارير الأمم المتحدة لعام 2018 وعام 2017م أرقامًا تبين حجم هذا التزايد، فتقول:

– بلغت مستويات إنتاج المخدرات النباتية مستوى قياسيًّا، فقد قفز الإنتاج العالمي من الأفيون بنسبة 65٪ ما بين عامي 2016-2017 م ليصل إلى 10500 طن، وهو أعلى تقدير يسجله مكتب الأمم المتحدة منذ أن بدأ في رَصْد الإنتاج العالمي من الأفيون.

– وبلغ صنع الكوكايين على الصعيد العالمي في عام 2016 م أعلى مستوى له على الإطلاق، إذ قُدِّر بنحو 1410 أطنان. فبعد تراجع على الصعيد العالمي خلال الفترة من 2005-2013 م، زاد بنسبة 56٪ خلال الفترة 2013-2016م، وكانت الزيادة ما بين عامي 2015 و2016 بنسبة 25٪.

– تزايدت وتنوعت المخدرات الاصطناعية، وقد أُبلِغ عما مجموعه 803 من المؤثرات النفسانية والعقلية الجديدة في الفترة من 2009-2017م، وبعض هذه التوليفات تم إضافتها إلى السوق الراسخة للمخدرات الاصطناعية.

وفيما يتعلق بالإنترنت، ذكرت التقارير أن التجارة عبرها في تزايد، وأن ثورة الاتصالات تلعب دورًا متعاظمًا يومًا بعد يوم، فالمنتجون والموزعون والمتعاطون لم يعودوا بحاجة إلى الاتصال الشخصي، فالاتفاق على نوع البضاعة، وكيفية استلامها والتقاطها، وكيفية قبض ثمنها أصبح ميسرًا باستخدام وسائل التواصل، وتشير الدلائل إلى أن عمليات شراء المخدرات بدأت في استعمال العملة المشفرة (البتكوين) عن طريق الشبكات الخفية، لكن هذه الشبكات الخفية (العميقة) – أي الشبكات التي تتضمن معلومات لا يمكن الوصول إليها إلا باستخدام متصفحات شبكية خاصة- واجهت حربًا من عدة دول متعاونة للقضاء عليها في يوليو 2017م، مثل منصة “ألفا باي” التي كانت تضمُّ قبل إغلاقها أكثرَ من ٢٥٠ ألف نوع من المخدرات والمواد الكيميائية الممنوعة، وأكثر من 200 ألف مستعمل، و٤٠ ألف مورد خلال فترة وجودها. كما نجحت هذه الحرب في إغلاق منصة (هانسا) للإتجار التي تُوصف بأنها ثالث أكبر سوق إجرامية على الشبكة الخفية.

ولا يعرف حتى الآن آثار هذه الحرب إلا إنه في دراسة استقصائية على الإنترنت في يناير 2018، أفاد ما نسبته 15٪ ممَّن استخدموا المواقع الموجودة على الشبكة الخفية لشراء المخدرات بأنهم استخدموا تلك الأسواق على نحو أقل تواترًا منذ عمليات الإغلاق، وأفاد ما نسبته 9٪ بأنهم توقفوا عن استخدامها تمامًا، بيد أن أكثر من نصفهم اعتبروا أنهم لم يتأثروا بعمليات الإغلاق.

ورغم أن حجم الإتجار بالمخدرات عبر الإنترنت لا يزال محدودًا، إلا إنه  ظهرت دلائل تشير إلى أنه يشهد نموًا سريعًا، فقد قدرت إحدى الدراسات أن مبيعات المخدرات عن طريق الشبكة في الاتحاد الأوروبي في أوائل عام 2016 تراوحت بين 14 مليونًا و25 مليونا في الشهر، أي ما يعادل ما بين 170 مليون دولار و300 مليون دولار.

فعلى كل حال، فالواضح أن وسائل التواصل تلعب دورًا مهمًا في بيع المخدرات وترويجها وتهريبها، وخاصة في التنسيق بين التسليم والاستلام.

أشيرُ هنا إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات ستقيم مؤتمرًا دوليًّا قريبًا يناقش هذه المشكلة من جميع جوانبها، ومن المحاور: التعرف على الصعوبات والثغرات في أنظمة الرصد والإحصاء، والدراسات والأبحاث ذات العلاقة. وسيتكرر المؤتمر كل خمس سنوات.

وأنا هنا أؤيد المقترحات التي ذكرتها الأستاذة هناء في ورقتها، وأقترحُ التركيزَ على الجانب الوقائي باستخدام وسائل التواصل ذاتها في التوعية العامة وفي الحرب على مروجي المخدرات، فالدراسات تذكر أن هناك خصائص لوسائل التواصل الاجتماعي تجعلها مؤثرة في كل الأحوال وفي كل الاستخدامات، من هذه الخصائص:

– التشارك في الاستخدام.

– الانفتاح، حيث تتقلص حواجز وعوائق المشاركة، أو الاطلاع على مختلف المعلومات.

– إتاحة الحوار والنقاش، فهي مجال للبوح والتعبير.

– إتاحة الفرصة لتكوين الجماعات ذات الاهتمام المشترك، أي أن وسائل التواصل لها قدرة فائقة على التقريب بين أصحاب الذوق الواحد والاهتمامات المشتركة.

– تعدُّد وتنوُّع مصادر المعلومات، حيث تسمح بنشر مضامين ومحتويات متنوعة تربط بمصادر مختلفة.

بناءً على هذه الخصائص فيمكن أن نقترح استخدامها على النحو التالي:

1. تكوين فرق متخصصة ضمن منظومة الأمن السيبراني، تكون مهمتها متابعة الأنشطة التي تتم في مجال تجارة المخدرات، بحيث تكون هذه الفرق على دراية تامة بالأساليب والمصطلحات والمفردات التي تدور في المجال الثقافي الخاص لأصحاب العلاقة بالمخدرات.

2.  جذب الشباب وغيرهم وخصوصًا المشاهير في المشاركة في تنفيذ رسائل مُعدَّة بإحكام سلفًا.

3.  استخدام وسائل التواصل في خلق ثقافة جادة تصبُّ في مجالين: المجال الهوياتي المتعلق بنشر التدين الحقيقي العميق والوعي بالهدف والمعنى، ومجال تنمية المهارات وتفريغ الطاقات وزيادة الثقافة.

ومن ناحية أخرى، يجب أن يتجه واضع الخطط إلى إدراك أن الانفتاح الذي يتم الدفع به حاليًّا إلى مستويات تشبه مستويات بعض الدول الخليجية المجاورة (الإمارات) سيخلق نفس المشاكل التي واجهتها هذه الدول في مجالين من مجالات الجريمة، وهما تجارة البغاء وتجارة المخدرات. ومن هنا فلابد من وضع إستراتيجية خاصة لتجنُّب هذا المزلق.

كما عقَّب د. عبد الرحمن الهدلق: إن الموضوع الذي تطرحه أ. هناء الفريح في ورقتها الرئيسة قد لا يقدِّر أهميته إلا من عايش تفاصيله، واطَّلع على مآسيه، ورصد مخاطره، وعرف آثاره التدميرية على المجتمع من الناحية ‏الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بل والسياسية. وقد تزداد أهمية الموضوع بحكم أنه ذو بُعد تقني أسهم في زيادة استهلاك المخدرات وارتفاع أعداد متعاطيها من خلال استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعية كوسيلة لترويج المخدرات من قِبل المروجين. ويعزو البعض هذه الزيادة في الإقبال على الإنترنت من قِبل المروجين والمتعاطين إلى الانتشار الواسع للإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي خاصة بين الشباب، وسهولة استخدامها، وقلة التكاليف المالية المترتبة على هذا الاستخدام، وسرعة وصول المعلومة، والقدرة على التخفي عبر تقنيات وبرامج حديثة أُعدت لذلك، بحيث يصعب رصدها، إضافة إلى الضعف التقني الأمني في الكثير من الأجهزة الأمنية في العالم، خاصة دول العالم الثالث.

‏ونظرًا لكبر حجم الموضوع المطروح وتعدُّد محاوره وشح المعلومات “الدقيقة” حوله وافتقاده للبيانات والإحصاءات “الحديثة”، فلعليّ أركز في هذا التعقيب على أحد هذه المحاور ذات الصلة بترويج المخدرات على الإنترنت، خاصة أن الأسرة الدولية تشهد نموًا مطردًا في استعمال المخدرات بعد تزايد انتشار مواقع الإنترنت وتعدُّد وسائل ومنصات الاتصال الاجتماعي دوليًّا وإقليميًّا ومحليًّا خاصة بين الشباب الذين يقبلون على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل: الواتساب، والإنستجرام، والفيس بوك، وتويتر، والسناب شات… إلخ. هذا الإقبال ‏المنقطع النظير على هذه الوسائل دفع بعصابات المخدرات إلى الدخول في عالم الإنترنت ومنصات التواصل واستخدامها بفاعلية كمراكز ومصادر للترويج لاستدراج الشباب وصغار السن بكل بساطة، من خلال استخدام أسماء جذابة للمواد المخدرة تكون مغرية للشباب في مسماها، كالبرتقالة والفراولة، أو وصفها كمواد جالبة للسعادة والوناسة، أو ربطها بمفاهيم القوة والنشاط تحت مسميات الأكشن والبطولة…إلخ.

هذه الأطروحات المستخدمة من قِبل المروجين تهدف في النهاية إلى تجنيد المزيد من المروجين الراغبين في المساهمة في تصريف هذه المواد للمتعاطين الذين هم في النهاية الشريحة المستهدفة لاستهلاك هذه المخدرات. وقد يتمُّ طرح هذه الإغراءات لاستدراج الشباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال الترويج للبيع في مواقع مكشوفة، لكن بطريقة ذكية، أو من خلال ما يُسمَّى بالمواقع المظلمة (دارك ويب) والتي تعتبر ملاذًا آمنًا لعمليات التسويق والبيع، ‏خاصة أن هذه المواقع يصعب الولوج إليها إلا من خلال برامج احترافية وبأذونات خاصة، حيث إنَّها لا تفهرس في محركات البحث، وتسمح بنشر وتبادل المعلومات دون الكشف عن مكان الموقع الجغرافي أو هوية المستخدم.

كما يستخدم المروجون لهذه الآفة غُرفَ الحوار الخاصة المحمية والمشفرة، والتي يستخدمون فيها من خلال الدردشة رموزًا قد لا يفهم أي مخترق لتلك الغرف المقصود منها. إن مثل هذه المواقع والغرف المشبوهة في الغالب تكون ‏محطة لآليات وكيفية البيع النهائي للمنتجات والمواد المخدرة بعد استدراج الضحية إليها من أماكن ومنصات عامة، حيث إن لدى هؤلاء المروجين القدرة على اكتشاف من لديه الرغبة والقابلية على التعاطي ثم استدراجه.

ومن خلال الرصد والبحث في هذا المحور، لفت نظري أن طرق وآليات استدراج المتعاطين للمخدرات من خلال الإنترنت التي تمَّ ذكرها أعلاه تتشابه بشكل كبير مع آليات ووسائل التجنيد لدى الجماعات الإرهابية؛ مما يشير إلى وجود تبادل للمصالح والمنافع، بل والتعاون بين عصابات المخدرات والتنظيمات الإرهابية؛ وهذا لا شك أنه يزيد من خطورة وتعقيدات هذه الإشكالية.

وكردة فعل على تزايد شرور ومخاطر الترويج للمخدرات عبر الإنترنت وتزايد عدد مواقعها، فقد قامت السلطات التشريعية بالمملكة باستصدار تشريعات وعقوبات متعلقة بالترويح للمخدرات من خلال نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، والذي يُجرِّم مَن يُنشئ مواقع إِلِكْتُرُونِيّة، أو حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بِغَرض الترويج للمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، واعتبر أنَّ ذلك يندرج تحت إطار الجرائم المعلوماتية، التي تصل عقوبتها للسجن إلى جانب الغرامة المالية، كما ينص النظام في مادته السادسة على أن النظام يعاقب مَن ينشئ مواقعَ على الشبكة المعلوماتية للإتجار بالمخدرات أو المؤثرات العقلية بالسجن خمس سنوات، وغرامة لا تزيد عن ثلاثة ملايين ريال.

ورغم أن العقوبات في المملكة تجاه المهربين والمروجين والمتعاطين تعتبر شديدةً مقارنة بالدول الأخرى، إلا أن البعض قد يتساءل: ما هي الجهود الأخرى المبذولة لمكافحة المخدرات على كافة المستويات الدولية والإقليمية والمحلية ومدى جدواها خاصة في مجال المكافحة عبر الإنترنت؟ لا شك أن هناك جهودًا مبذولة تقوم بها الجهات المختصة، مثل: المديرية العامة لمكافحة المخدرات، أو اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، أو الجمارك، وغيرها من الجهات ذات العلاقة من خلال التعاون الدولي والإقليمي مع الجهات الدولية المقابلة ذات الاختصاص، أو من خلال البرامج والمناشط التوعوية المحلية، إلا أنَّ هناك الكثيرَ من الصعوبات والعوائق والتحديات تكتنف عملية المكافحة للمخدرات عبر الإنترنت رغم تزايد حالات الاعتقال للمروجين المحليين عبر الإنترنت. ومن أهم هذه العوائق ما يلي:

1- التطوُّر التقني المستمر لعصابات المخدرات وضعف مواكبته، كما أنَّ وسائل متابعته ومكافحته تقنيًّا وتشريعيًّا من الجهات المختصة غالبًا ما يأتي متأخرًا.

2- استخدام الإنترنت من قِبل عصابات المخدرات ليس في الترويج فقط، بل في نَشْر ثقافة وأسرار تخليق مواد جديدة مصنعة من خلال خلطات ومقادير معينة قد تباع موادها المسموح بتداولها في الأسواق المحلية، بالإضافة لنشر ثقافة التهريب وطرقه ووسائله وكيفية تجاوز الجهات الرقابية.

3- غياب الرقابة وضعف التشريعات الدولية التي تجرِّم المواقع التي تبيع عقاقير مخدرة تحت مسميات طبية تتطلب أحيانًا وصفات طبية ولو كانت زائفة.

هذه المعوقات والتحديات التي ذكرتُها هي قليل من كثير وغيضٌ من فيض، ولعلَّ تناول المتداخلين في هذه القضية لهذه التحديات والعوائق وغيرها بتوسُّع قد يوصلنا إلى توصيات فعَّالة وواقعية تستفيد منها الجهات ذات العلاقة.

 

¤      المداخلات:

  • ·    أسباب وعلاقات اجتماعية وأسرية وفردية للتعاطي:

أكد أ. إبراهيم آل سنان على ما ذكره د. منصور المطيري في تعقيبه بأنه لا يوجد فعلًا إحصائيات دقيقة، كما أن الربط بين نسبة التعاطي والترويج مع التعرض لدعايتها في التواصل الاجتماعي يعتبر سببًا أحاديًّا لا يمكن الاتكال عليه في دراسة الظاهرة.

هناك أسباب وعلاقات اجتماعية وأسرية وفردية؛ كوضع المتعاطين الأسري، وحالاتهم الاجتماعية، وقدراتهم الذهنية ومستوى ذكائهم، ومستوى تعليمهم وتحصيلهم الدراسي. بالإضافة للعوامل الاقتصادية؛ كالمستوى المادي للأسر التي أحد أفرادها متعاطٍ، وسهولة الحصول على المال اللازم للشراء، فتلك المواد المخدرة تكلفتها ليست بالسهلة والبسيطة. بالإضافة إلى التوزيع السكاني للأحياء والمناطقي للمدن وقربها من الحدود، أو وجودها في المركز، وحجم المدن وسكانها. أسبابٌ كثيرة يجب دراستها وتحليلها للخروج بصورة أوضح لطريقة التعامل؛ لأن في الأخير وسائل التواصل الاجتماعي ليست سوى وسيلة بين عنصرين: منتج (مروج)، ومستهلك (متعاطي). يجب تحليل ودراسة كل العلاقات الإحصائية حول هذين العنصرين ثم الانتقال إلى الوسيلة بينهما.

  • ·    حلول وآليات لمواجهة ظاهرة انتشار المخدرات:

ذكرت د. مها العيدان أن من أهم التساؤلات التي طرحتها أ. هناء الفريح: أولًا، أسباب انتشار هذه الظاهرة من خلال تحديدها: تسارع التغيرات، وانتشار وسائل التواصل الحديثة. فهل يمكن أن نختزلها في هذين السببين فقط؟

ثانيًا، حددت أ. هناء أن الأصدقاء هم أعلى نسبة في مجال التأثير؛ مما يعني أهمية التركيز على هذا الجانب.

ثالثًا، تساءلت عن الإجراءات الاحترازية لحماية المراهقين من خلال الرقابة على الإنترنت؛ مما يطرح لنا سؤالًا: كيف يتم ذلك في خضم التطور الهائل لوسائل الاتصال وانتشار المواقع المختلفة؟ وكيف يتم تفعيل دور الأسرة والمدرسة الذي أكد عليهما د. طلحة فدعق؟

كما أكد د. خالد الرديعان على تصاعد دور وسائل الاتصال في الترويج للمخدرات، كما أكد د. خالد ود. عبد الرحمن الهدلق على أهمية دور العقوبة للمروجين أو غيرهم من مستخدمي وسائل الاتصال في نشر مختلف أوجه الفساد، التي تدفعنا إلى التساؤل حول آلية وضع العقوبات في خضم الانتشار العالمي، واختلاف الثقافات، وما هي الصعوبات التي تواجهنا في مكافحة انتشار وترويج المخدرات عبر وسائل الاتصال المختلفة.

كما رسم لنا د. منصور المطيري بعض الوسائل التي يمكن الاستعانة بها في حل هذه المشكلة. فهل يكفي هذا الطرح للحد أو تخفيف المشكلة؟

في السياق نفسه، تساءل د. خالد الرديعان: لماذا لا يتم عمل كمائن لمروجي المخدرات على الإنترنت أو الذين يروجون لها في وسائل التواصل الاجتماعي والإيقاع بهم من قِبل رجال الأمن؟

لو تمَّ عمل شيء كهذا، فقد يرتدع مَن تسوّل له نفسه القيام بالتغرير بالشباب والصغار؛ ومِن ثَمَّ تقلُّ هذه الظاهرة.

علَّق على ذلك أ. إبراهيم آل سنان بأنه موجود، ويمكن متابعة السناب الأمني لمعرفة حجم ما يتم ضبطه على مواقع التواصل من مروجين، حيث إنَّه لا يمرُّ شهر دون عدد من الضبطيات، ومنها غير المعلن في حال ارتباطه بعمليات أكبر.

وأضاف د. عبد الرحمن الهدلق؛ إن كلَّ هذا معمول به، وآخر موجة اعتقالات كانت من عدة أشهر لمجموعة من الشباب تروِّج للمخدرات على السناب شات، لكن- في ظني- أن المطلوب هو المزيد من التعاون بين المواطن والمسؤول من خلال الإبلاغ عن مثل هذه المناشط المخالفة للنظام عبر الهواتف المجانية المتاحة، حيث إنَّ النظام يعتبر ذلك إحدى الجرائم التي يعاقب عليها نظام الجرائم المعلوماتية.

من جانبه ذكر أ. محمد الدندني؛ أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي. ما يقلق هو الهجمة في التهريب مع أن حكمها القصاص. كميات مخيفة لحجمها نسمع عن اكتشافها في الحدود البرية والبحرية تأتي من دول مجاورة. وفي رأيي أن حماية الحدود بفعالية والقضاء على المصدر هو الأهم للقضاء على هذه الآفة. إنها حرب لتدمير المجتمع.

بينما ترى د. وفاء طيبة أن المُبلِّغ قد يخاف رغم أن النظام يحميه. علق د. عبد الرحمن الهدلق بأن هناك 5 طرق للإبلاغ عن المتورطين. فقد أطلقت وزارة الداخلية ممثلة في المديرية العامة لمكافحة المخدرات خدمة الإبلاغ عن المشتبه فيهم في أنشطة المخدرات، متعهدةً بالسرية التامة للمبلغين، وكذلك منحهم مكافآت مادية مجزية عند صحة المعلومات والإيقاع بالمتورطين بتلك الأنشطة الممنوعة، حيث وضعت المديرية العامة لمكافحة المخدرات 5 طرق لتقديم المعلومات حولهم، تتضمن: حضورَ المبلِّغ شخصيًّا إلى أيٍّ من إدارات وفروع المديرية العامة لمكافحة المخدرات بالمملكة، أو الاتصال على رقم الطوارئ (995) أو (4629393-011) أو إرسال بريد إلكتروني إلى (995@gdnc.gov.sa)، أو بالإرسال على فاكس رقم (4626273-011)، أو إرسال رسالة بريدية إلى صندوق بريد الإدارة العامة لمكافحة المخدرات رقم 2843 الرياض – الرمز البريدي 11461.

ووضعت المديرية العامة لمكافحة المخدرات بعضَ المعلومات التي يجب على المبلِّغ الإدلاء بها، تتضمن (اسم المُبلَّغ عنه، وعمره، وعمله، ورقم هاتفه، وعنوانه مع وصف مكان سكنه). بالإضافة إلى أوصاف المُبلَّغ عنه الشخصية من حيث الطول والهيئة واللون والعلامة الفارقة، وكذلك السيارات التي يستعملها المُبلَّغ عنه وألوانها وأرقامها وموديلاتها، وسلوك المُبلَّغ عنه في تعامله مع الناس، وحالته الاجتماعية (أعزب أم متزوج)، كما تركت مكافحة المخدرات للمُبلِّغ حرية تقديم معلومات شخصية عنه أو يمتنع عن ذلك، فيصبح البلاغ من مجهول. حيث يتم التعامل مع هذه البلاغات بسرية تامة، من خلال إجراء التحريات اللازمة والدقيقة عن المُبلَّغ عنه، ومتى ما ظهر صحتها يتم تقديم مكافآت مادية مجزية للمُبلِّغين.

السؤال الذي يدور في ذهني منذ قرأت نظام الجرائم المعلوماتية وغيره من الأنظمة، هل 5 سنوات سجن (كحد أقصى) و3 ملايين ريال( كحد أقصى) كافية كعقوبة، وبعض الصفقات قد تتجاوز ذلك المبلغ؟ ألا نحتاج إلى وقفة نراجع فيها عقوباتنا في هذا النظام وغيره؟ ما كنا نلاحظه في المجلس أن العقوبات دائمًا غير رادعة أو يُترك للمسؤول تحديدها.

من جانبه أكد د. رياض نجم أن العقوبات التي ينص عليها نظام الجرائم المعلوماتية هي واحدة من العقوبات التي يمكن تطبيقها على مروج المخدرات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

أما الترويج للمخدرات وبيعها بأي وسيلة فعقوبتها تصل للإعدام، وبالتالي ليس هناك ما يدعو إلى التوصية بمراجعة العقوبات في ذلك النظام؛ لأنها ليست محصورة بالترويج للمخدرات.

  • ·    كيف، ومِن أين تصل إلينا المخدرات؟

ذكرت د. وفاء طيبة؛ أزعجني ما ذكره أحد المعقبين من أن الإمارات تعتبر دولةَ عبور، وتصلنا منها المخدرات! وأتساءل: كيف ذلك؟ ألا يوجد قوانين، ألسنا حلفاء؟

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن ما يتم كشفه غالبًا أن المخدرات تصل من لبنان بسيارات نقل الخضار والفواكه، وقد يكون لحزب الله دورٌ في ذلك، فهم يسيطرون على زراعة الحشيش في سهل البقاع، ويستخدمون الأموال لتمويل عملياتهم الحربية.

ويرى أ. جمال ملائكة أن إيران تغرق بلادنا بالمخدرات وبأسعار منخفضة لأهدافهم الخبيثة، صُرِّح بذلك لنا قبل عدة سنوات في جلسة خاصة مع مسؤول كبير جدًّا.

من جانبها ترى د. وفاء طيبة أنه يُفترض أن نعين جيشًا كاملًا لحماية الحدود من المخدرات مثلما نحارب في اليمن، الموضوع خطيرٌ جدًّا، ونحن نعلم ذلك.

  • ·    استهداف المملكة في ترويج المخدرات:

أكد د. عبد الرحمن الهدلق أن المملكة تعتبر دولة مقصد للمخدرات، وهو ما ذكره لي المدير العام لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في لقاء شخصي معه في فيينا. حيث قال: إنَّ هناك استهدافًا واضحًا للمملكة من قِبل المنظمات المعنية بتهريب وبيع المخدرات، وأضاف أن المُطَّلع على خارطة خطوط تهريب المخدرات يجد أن السعودية في مقدمة تلك الدول المستهدفة، حيث إنَّ تلك الخطوط تتجه للمملكة من جميع الجهات بشكل مكثف خاصة من الجهات الشمالية.

طبعًا مدير المكتب لم يتحدث عمَن يقف خلف هذه العمليات التي تديرها منظمات دولية، ولم يشر إلى أي دور للمخابرات الإقليمية أو الدولية، والتي أعتقد أن لها دورًا كبيرًا في استهداف المجتمع السعودي.

وذكر د. خالد الرديعان أنه إضافة إلى المخدرات التي يتم الترويج لها في وسائل التواصل الاجتماعي، فإنَّ هناك عقار السايتوتك، وهي حبوب تستخدمها بعض النساء للإجهاض المنزلي.

يتم الإعلان عن هذه الحبوب وتُوزَّع عن طريق مروجين يجنون من ورائها مبالغَ طائلة بحكم أنها غير متوفرة في الصيدليات.

تقول إحدى المشاركات في قروب واتساب: إن إحدى صديقاتها دفعت مبلغ 1200 ريال للحصول على سبع حبات من موزِّع من خلال تويتر أو إنستغرام (لست متأكدة) للتخلص من حمل لا ترغب فيه. تجارة هذا العقار رائجة مع ما يكتنف الحمل من أمور لا تخفى على اللبيب؛ فبعضه ربما كان غير شرعي، وهكذا.. ويتم كل ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وبطرق أقرب إلى بيع المخدرات.

وقد عملتُ قبل قليل بحث على النت، ووجدت مَن يوزعها، بل ويضع اسمه كطبيب ورقم تليفونه رغم أن الإجهاض ممنوع، وأنه لا يتم إلا داخل المستشفيات الحكومية وبإشراف طبي.

في السياق نفسه، تساءلت د. مها العيدان: هل هذه الحبوب تدخل ضمن المخدرات أو أنها علاج للخروج من أزمة أسرية أو أخلاقية؟ أجاب د. خالد الرديعان أن المثال الذي أوردته على حبوب الإجهاض للتدليل على التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للممنوعات.

أما بالنسبة للعوامل البيئية والنفسية في محاربة ظاهرة انتشار المخدرات، فقد ذكرت د. نورة الصويان أنها تتفق مع الطرح الذي يرى أهمية وضرورة التركيز على العوامل البيئية والنفسية، والتعرف عن قرب على طبيعة العلاقات الأسرية، وكافة الظروف التي تعاني منها.

وأضافت أن التقرير السنوي للهيئة الدولية لمراقبة المخدرات لعام 2016 ركَّز على محور المرأة والمخدرات، وأشار إلى أن ثلث متعاطي المخدرات في العالم من النساء والفتيات، في حين أن نسبة النساء من متلقي العلاج من تعاطي المخدرات هي 1-5، وأن عدد النساء اللاتي يُلْقَى القبض عليهن بتُهم تتعلق بالمخدرات في تزايد.

علَّق على ذلك د. خالد الرديعان بأن النسبة التي ذكرتها د.نورة هي النسبة العالمية ولا تخصُّ السعودية، وهنا يلزم الحذر في ترجمة الأرقام والنسب. ما أعرفه أن 7٪ من المساجين في السعودية هم نساء، وهي نسبة منخفضة مقارنة ببقية دول العالم.

  • ·    تحمُّل المسؤولية في مواجهة التحديات:

في مداخلته أكد د. راشد العبد الكريم أن الموضوع المطروح للنقاش مهمٌّ جدًّا، ويستحق البحث، خاصة مع هذا الانفتاح الإعلامي والثقافي، والتسارع في انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتدني الحد العمري لمستخدميها.

وأعتقدُ أن أ. هناء قد وضعت في ورقتها توصيات وافية، يمكن  _وربما ينبغي _ التوسُّع فيها وتحويلها لمشروعات أو مبادرات تتبناها الجهات ذات العلاقة. فمع أن التقنية أبرزت لنا بعضَ التحديات إلا أنها أيضًا جلبت معها القدرةَ على التعامل مع تلك التحديات، فليس صعبًا مراقبةُ هذا النوع من الجرائم على الجهات ذات العلاقة إذا اقتنعت بخطورتها، وجعلت التحرُّك لمعالجتها من أولوياتها.

دَعونا لسنوات لانفتاح ثقافي واجتماعي (على تفاوت في هذه الدعوات)، وأعتقدُ أننا يجب أن نتحمل مسؤولياتنا لمواجهة هذه التحديات (والأمراض) التي تقترن بمثل هذا الانفتاح. وأعتقدُ أنَّ هذا من الفروق الأساسية بين المثقف والشخص العادي.

  • ·    عالمية الإنترنت وتوظيفها لنشر المخدرات:

أشار د. عبد الله العساف إلى أننا إذا كنا نتداول الطرائف التي ترسم الصورة الذهنية الجيدة للمحشش، فنحن بدون وعي نروِّج للمخدرات عبر شبكات التواصل الاجتماعي؛ لأن واقع المدمن على النقيض من ذلك تمامًا، وهذه الآفة الخطيرة مشكلاتها وأضرارها متعدية ومتعددة، وذات أبعاد اجتماعية ونفسية وصحية واقتصادية، فهي لا تستهدف الأفراد فقط بل إنها تستهدف المجتمعات والدول.

فعالمية الإنترنت وسهولة استخدامها شجَّع البعض على توظيفها لنشر المخدرات، (67520) عدد المتاجر التي تمَّ رصدها في 2016 لبيع المخدرات على النت من خلال تداول استمارات شراء المخدرات تحت نموذج استشارة طبية، كما أوضح هذا المرصد الأوروبي لمراقبة المخدرات والإدمان، فالاستخدام السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي حفَّز على التعاطي من خلال:

– الألعاب الإلكترونية.

– المخدرات الرقمية.

– الرسائل المحفزة لتناول أنواع من المخدرات، خصوصًا في مثل هذه الأيام (الاختبارات).

وأوصي بأن يتم إنشاء عيادة طبية إلكترونية مُحفِّزة على تقديم العلاج والاستشارة الطبية للمدمن وذويه، وتنويع الرسائل الإعلامية وعدم جعل المجتمع كله في سلة واحدة؛ فهناك رسالة للمدمن وأخرى للمهرب، وللمستهدف، وللوالدين، إضافة إلى أن تكون لدينا إستراتيجية وطنية لمكافحة المخدرات، وأن يصبح الإعلام شريكًا فيها، وألا تكون حملاتنا الإعلامية ردة فعل فقط، مع ضرورة مشاركة القطاع الخاص وتفعيل مسؤوليته الاجتماعية، تشجيع كراسي البحث العلمي التابعة للجامعات في تخصيص مشاريع بحثية لمكافحة المخدرات، وكذلك استثمار شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج رسائل هادفة وجاذبة للتوعية بأضرار المخدرات، وأخيرًا إشراك الشباب من الجنسين وتأهليهم ليكونوا سفراء للتوعية بأضرار المخدرات.

  • ·    الإحصاءات المحلية حول انتشار ظاهرة ترويج المخدرات عبر الإنترنت:

ذكرت د. وفاء طيبة أنه في الحقيقة عُرضت في هذه القضية معلومات مهمة جدًّا وتوصيات مهمة أيضًا، ولكن للأسف برز بوضوح شُح الإحصاءات المحلية، وقلة الدراسات الجادة المتعمقة غير السطحية، وقد لا تكون قليلة ولكنها مبعثرة ولا تصل إلى (مصبّ) مركز واحد يحللها ويدرسها، وهذا مهم جدًّا، وكم أتمنى إنشاء مركز خاص بالجرائم، ومن ضمنها شعبة للمخدرات خاصة تشتمل على دراسة كل أصحاب العلاقة والبيئة وكل ما يتعلق بها، وحبذا لو اعتمدنا منهجية معينة للتحليل ولبناء الدراسات المطلوبة، كمنهجية الأمم المتحدة مثلًا.

وأعتقد أنَّ هناك نقصًا كبيرًا في المعلومات المحلية حول الموضوع؛ ولذا ما سوف يُعرض هنا هو مقترحات لحلول، أما الحلول المفيدة فتكون بعد معرفة هذه المعلومات بالدراسات.

  • ·    الربط بين انتشار المخدرات وشبكات التواصل الاجتماعي:

يقول د. مساعد المحيا: في الحقيقة، كنتُ أتطلع لمعرفة نتائج  الدراسات التي انتهت لمثل هذه العلاقة بين انتشار المخدرات وشبكات التواصل الاجتماعي، وكنتُ ممن يشك في وجود مثل هذه النتائج في دراسات علمية منضبطة، باستثناء ما أشار إليه د. عبد الرحمن الهدلق حول وجود ترويج لها عبر المواقع المظلمة، مثل “دارك ويب” أو استخدام للـ”سناب شات” في الترويج من خلال القبض على عدد من الأشخاص؛ لذا لا أجدُ اليوم دراسات علمية منهجية تقول بهذا الربط.

وكل ما أشير إليه هي محاولة للربط بين وسائل التواصل وانتشار المخدرات من خلال تصوُّر وجود علاقة، وأظنُّ أن المتاح من البيانات والدراسات قدَّمت تعسفًا في هذا الربط، بمعنى أن الدراسات مالت للقول بأن الذين يستخدمون من مستخدمي الإنترنت أكثر تورُّطًا، وهذا لا يدل على وجود علاقة.

  • ·    ملاحظات حول مناقشات القضية:

قدَّم د. حميد الشايجي بعض الملاحظات تتعلق بأن: موضوع المخدرات موضوع واسع جدًّا، وله عدة جوانب ومحاور سواء من ناحية التشريعات والقوانين، أو الأنواع وآثار كل منها، أو طرق زراعتها وتصنيعها وأماكن ذلك، وطرق ووسائل وخطوط التهريب والترويج، والعوامل السياسية والاقتصادية المرتبطة بذلك، أو دوافع تعاطي كل نوع، وأجواء التعاطي، والوقاية والعلاج والتأهيل وواقعه، والآثار الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن التعاطي، وإستراتيجيات الوقاية… إلخ.

أي أن الموضوع متنوّع ومتشعب بشكل كبير، ولمعالجته نحتاج إلى التخصص في التناول لجزئية محددة.

وحسنًا فعل فريق القضية عندما ركزوا على جانب واحد من جوانب ظاهرة المخدرات، وهو الترويج، وداخل الترويج تمَّ التركيز على الترويج الإلكتروني من خلال طرح موضوع (علاقة شبكات التواصل الاجتماعي بانتشار ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية، وكيف نحمي شبابنا منها). إلا أن من خلال استعراضي لما طُرح حول القضية لاحظت أن هناك خلطًا بين المخدرات والمؤثرات العقلية وبين إساءة تعاطي العقاقير الطبية، خصوصًا ما أشار إليه د.خالد الرديعان عن عقار إسقاط الحمل.

كذلك ورد ما يُسمَّى بالمخدرات الرقمية أو الإلكترونية. وهذا مصطلح انتشر تداوله خصوصًا بين غير المتخصصين، بينما المؤتمر الذي عُقد في جامعة نايف حول هذه القضية، والذي حضره عدد من المتخصصين انتهوا إلى نفي وجود هذا النمط من المخدرات.

http://www.alriyadh.com/1711954

¤      التوصيات:

  1. استثمار شبكات التواصل في إنتاج وتوزيع رسائل هادفة لتوعية المجتمع بأضرار المخدرات.
  2. إنشاء مركز بحوث يخدم قضايا المجتمع  المتعلقة بالجريمة.
  3. تفعيل مراكز الإحصاء بطريقة علمية تخدم مراكز البحوث وقضايا المجتمع.
  4. مراقبة المراصد الإلكترونية التي تتخفى وراء الاستشارات الطبية والألعاب إلكترونية، وتعمل من خلالها في ترويج المخدرات.
  5. تنويع الرسائل التوعوية الإلكترونية لمختلف الفئات، سواء المدمن أو المروِّج أو أسرهما.
  6. تخصيص كراسي للأبحاث في جامعات المملكة تختص بدراسة المخدرات في مختلف أوجهها.
  7. تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي في توجيه وتوعية الشباب بمخاطر المخدرات.
  8. إشراك الشباب من الجنسين وتأهيلهم ليكونوا سفراء لمجتمعهم في توعية الشباب بأضرار المخدرات.
  9. تفعيل دور حرس الحدود في مختلف مناطق المملكة، وخاصة المناطق الحدودية التي يُشتبه في عبور المخدرات عن طريقها.
  10. التوعية المستمرة بالمخدرات ومسبباتها وأضرارها، في المراحل التعليمية المختلفة، وبأساليب وطرق جاذبة (أفلام، معارض، لقاءات مع تائبين…إلخ).
  11. إعلان العقوبات على مروِّجي المخدرات، ونشر أخبارها في المجتمعات الشبابية.
  12. التشبيك بين كافة القطاعات الحكومية ذات العلاقة وبينها وبين مؤسسات المجتمع المدني التي لها  نفس الاهتمام، في التعامل مع قضية إدمان وتعاطي المخدرات.
  13. تفعيل مراكز الإرشاد النفسي والاجتماعي بكوادر وطنية متخصصة، وإشراك الأسر وإكسابها المعارف والمهارات في هذا الشأن.
  14. التركيز على  الإستراتيجيات الوقائية، من خلال: ورش عمل وقائية يُناقش فيها مواضيع ومهارات حول المخدرات، ضغط الأقران، مهارات حياتية عامة، التعامل مع الضغوط، ومهارات التحكم في الغضب.
  15. توفير بدائل وخيارات للشباب لقضاء وقت الفراغ بشكل إيجابي.
  16. تحديد إجراءات وآليات إحالة واضحة وملزمة في المدارس والجامعات لمَن يتعاطى.
  17. تفعيل دور وزارة العمل والتنمية الاجتماعية  مع الأسر المعرضة للخطر، مثل مَن يتعاطى أحد أفرادها، وذلك من خلال: التوسُّع في السماح بإنشاء جمعيات صديقة للأسرة، تفعيل مراكز الأحياء، تفعيل وحدات ومراكز الإرشاد الأسري.
  18. مراجعة فاعلية نظام الجرائم المعلوماتية وغيره من الأنظمة ذات العلاقة  بالمخدرات بناء على دراسة أثرها على جريمة المخدرات عامة وعن طريق الإنترنت، وطلب تعديل أي مادة في حال بدت الحاجة إلى ذلك

http://www.alriyadh.com/1711954

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

  • د. إبراهيم البعيز.
  • م. أسامة الكردي.
  • د. الجازي الشبيكي (رئيس الهيئة الإشرافية لملتقى أسبار).
  • أ. جمال ملائكة.
  • د. حامد الشراري.
  • م. حسام بحيري.
  • د. حميد الشايجي.
  • د. خالد الرديعان.
  • د. خالد بن دهيش.
  • د. راشد العبد الكريم.
  • د. رياض نجم.
  • د. زياد الدريس.
  • م. سامي الحصين.
  • د. طلحة فدعق.
  • د. عبد السلام الوايل.
  • أ. عبد الله الضويحي.
  • د. عبد الله العساف.
  • د. عبد الله بن صالح الحمود.
  • د. عبد الله بن ناصر الحمود.
  • د. عبد العزيز الحرقان.
  • د. عبد الرحمن الطريري.
  • د. عبد الرحمن الهدلق.
  • د. عبير برهمين.
  • د. فهد الحارثي.
  • أ. محمد الدندني.
  • د. مساعد المحيا.
  • د. مشاري النعيم.
  • أ. مطلق البقمي.
  • د. منى أبو سليمان.
  • د. منصور المطيري.
  • د. مها العيدان.
  • أ. مها عقيل.
  • د. نورة الصويان.
  • د. نبيل المبارك.
  • د. هناء الفريح (ضيفة ملتقى أسبار).
  • د. وفاء طيبة.

http://www.alriyadh.com/1711954


تحميل المرفقات: 45.pdf