أغسطس 2019

ʘ    تمهيد:

يعرض هذا التقرير لعدد من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحُها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر أغسطس 2019 م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • الاستثمار الجريء والشركات الناشئة.
  • نظرة إلى السماح للأنشطة التجارية بالعمل ٢٤ ساعة.
  • جهود المملكة العربية السعودية في تيسير أداء مناسك الحج والتحديات التي تواجه تلك الجهود “حج 1440هـ أنموذجًا”.

القضية الأولى

الاستثمار الجريء والشركات الناشئة

(4/8/2019م)

  • الورقة الرئيسة: د. محمد المشيقح.

التعقيبات:

  • التعقيب الأول: د. ناصر القعود.
  • التعقيب الثاني: أ. بسمة التويجري.
  • إدارة الحوار: أ. جمال ملائكة.

ʘ    الملخص التنفيذي:

تناول د. محمد المشيقح في الورقة الرئيسة الاستثمار الجريء والشركات الناشئة، وتأثيره على منظومة المال والأعمال عالميًّا ومحليًّا، واستعرض تسلسل الثورات الصناعية وأثرها على اتجاهات الأعمال والاستثمار، ولا سيما الثورة الصناعية الرابعة، ودور الشركات التي حصلت على استثمار جريء في الناتج المحلي الإجمالي وفي الوظائف. وأشار إلى نشأة صناديق رأس المال الجريء وقيامها بتمويل الشركات الناشئة ذات الابتكارات الجريئة، حيث تطرَّق إلى دورة حياة هذه الشركات ومراحل نموها ودور الاستثمار الجريء في ذلك. وعلى الصعيد المحلي، تمَّ تناوُل تطوُّر الأعمال والمال والاستثمار في المملكة خلال العقود الستة الماضية، ودور الدعم الحكومي في ذلك، سابقًا وحاضرًا. واختُتمت الورقة بإيجاز متطلبات أن تكون المملكة محورًا لريادة الأعمال والاستثمار الجريء، والمتمثلة في الاستثمار في التقنية، وبناء القدرات، والثقة برواد الأعمال بوصفهم قادة التغيير في مجالهم.

وأشار د. ناصر القعود في التعقيب الأول إلى أنه ومع التطورات الأخيرة في مجال التقنية وتنافس الاقتصادات العالمية، وفي ضوء توجُّهات رؤية المملكة ٢٠٣٠؛ حرصت المملكة – إلى جانب اهتمامها بالاستثمار بمختلف أنواعه – على إيجاد قنوات للاستثمار الجريء، وتشجيع ودعم الشركات الناشئة. فإضافةً إلى البرامج المُقدَّمة من الهيئات وصناديق التنمية المتعددة لتحفيز الاستثمار ورواد الأعمال، أنشأت الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت” الشركة السعودية للاستثمار الجريء برأس مال ٢,٨ مليار ريال، والتي تهدف إلى الاستثمار المباشر في الشركات الناشئة خلال مراحل نموها، كما تهدف إلى المشاركة في صناديق الاستثمار الجريء لتحفيز تأسيس هذه الصناديق، لتوفير التمويل اللازم للشركات الناشئة في مراحلها الأولى.

وأبرزت أ. بسمة التويجري في التعقيب الثاني بعض المقترحات التي من شأنها دعم الشركات الناشئة، ومنها: اتخاذ كافة الإجراءات وسنّ جميع التشريعات التي يستلزمها تيسير مزاولة الأعمال، وتعريف الشباب بمختلف آفاق التمويل لشركاتهم الناشئة، ومنها صناديق تمويل الاستثمار الجريء.

وقد اتفق المتحاورون على الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بموضوع الاستثمار الجريء والشركات الناشئة، في حين تباينت وجهات النظر حول معوقات إفادة الشركات الناشئة من الاستثمار الجريء، وكذلك مدى إمكانية الإفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا الصدد.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s        رأس المال الجري ما بين التمويل والاستثمار.

s        معوقات إفادة الشركات الناشئة من الاستثمار الجريء.

s        مدى إمكانية الإفادة من تجارب الشركات الناشئة الناجحة في دول أخرى.

s        آليات تعظيم مردود الاستثمار الجريء في المملكة.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “الاستثمار الجريء والشركات الناشئة” ما يلي:

1-  إيجاد خطة إستراتيجية للابتكار على مستوى الدولة، تشمل رؤية كاملة المعالم وشاملة للابتكار، وكذلك مبادرات نوعية لتعزيز الابتكار وتضمينه في كافة قطاعات الأنشطة الاقتصادية والأعمال والمال، ودَعْم مجمعات الابتكار وحاضنات الأفكار الناشئة ومختبرات التكنولوجيا ومختبرات الإبداع، والإسهام في نَشْر الوعي الابتكاري لدى أفراد المجتمع، وتسليط الضوء على المبدعين.

2-  توجيه صناديق الاستثمار الجريء التي تقودها بعض القطاعات الحكومية وبخاصة الجانب الاداري والاستثماري، بحيث تُحقِّق معايير العالمية في مفهوم الاستثمار الجريء، وتتمكن من إخراج برامج ومبادرات فاعلة.

3-    وَضْع برامج في مراحل التعليم لجعل الطلاب يواجهون الحياة بشكل مباشر؛ لمعرفة الواقع والتعامل معه.

ʘ    الورقة الرئيسة: د. محمد المشيقح:

ʘ    التعقيبات:

  • ·التعقيب الأول: د. ناصر القعود:

لا شك أن الاستثمار – جريئًا كان أم تقليديًا – مهمٌّ لنمو الاقتصاد، وتحقيق التنمية، بما يُحدِثه من زيادة في الناتج الإجمالي، وتوفير مزيد من فرص العمل، فبدون الاستثمار الحكومي والاستثمار الخاص يتراجع نمو الاقتصاد والدخل الكلي، ومن ثَمَّ يتراجع متوسط دخل الفرد، ولا سيما إذا فاق معدل نمو السكان معدل النمو الاقتصادي.

وقد ساهم الإنفاق الاستثماري الحكومي وتشجيع الحكومة للاستثمار الخاص في نمو الاقتصاد السعودي وتطوير البنية الأساسية خلال العقود الماضية.

ومع التطورات الأخيرة في مجال التقنية وتنافس الاقتصادات العالمية، وفي ضوء توجهات رؤية المملكة ٢٠٣٠، حرصت المملكة – إلى جانب اهتمامها بالاستثمار بمختلف أنواعه – على إيجاد قنوات للاستثمار الجريء، وتشجيع ودعم الشركات الناشئة. فإضافةً إلى البرامج المقدَّمة من الهيئات وصناديق التنمية المتعددة لتحفيز الاستثمار ورواد الأعمال؛ أنشأت الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت” الشركة السعودية للاستثمار الجريء برأس مال ٢,٨ مليار ريال، والتي تهدف إلى الاستثمار المباشر في الشركات الناشئة خلال مراحل نموها، كما تهدف إلى المشاركة في صناديق الاستثمار الجريء لتحفيز تأسيس هذه الصناديق؛ لتوفير التمويل اللازم للشركات الناشئة في مراحلها الأولى.

وقبل ذلك أولت إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة اهتمامًا خاصًّا بالاستثمار في مجالات التقنية والاستثمار في محاضن وصناديق الاستثمار الجريء التي تستثمر في منتجات وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة.

والمأمول هو استمرار المملكة في تشجيع ودعم الاستثمار بمختلف أنواعه وفي مختلف المجالات، وتهيئة البيئة التشريعية المُحفِّزة له؛ لتحقق بذلك التنويع المطلوب للاقتصاد الوطني واستمرار نموه، والوصول للتنمية المستدامة المنشودة.

  • ·التعقيب الثاني: أ. بسمة التويجري:

مقدمة:

تعقيبي على هذه الورقة المهمة سيكون من خلال محورين:

s   الأول: التركيز على بعض المفاهيم التي وردت فيها، والتي قد لا تكون جليةً للبعض من غير المتخصصين في مجال ريادة الأعمال والاستثمار.

s        الثاني: إضافة بعض الأبعاد لما تمَّ طرحه في الورقة من أفكار.

أولًاً – مفاهيم عامة:

1-  رأس المال الجريء:

خلال العقود الثلاثة الماضية، أصبح رأس المال الجريء أحد أهم أقوى دعائم التمويل للمشاريع الابتكارية في مختلف أرجاء العالم، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: شركات جوجل، أنتل وفيدكس، والتي ما كانت لتقوم لولا دعم هذا التمويل. وبالرغم من حداثة عمر هذه الصناعة التمويلية إلا أن الشركات التي استخدمت هذا النوع من التمويل ساهمت – على سبيل المثال – في توظيف ما يزيد عن أربعة ملايين شخص، وحصلت على حصة تُقدَّر ب ٢٠٪ من رسملة السوق و٤٤٪ مما ينفق على الأبحاث والتطوير في الشركات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية حتى العام ٢٠١٤ (2015 ,Gornall & Strebulaev)

فماذا نقصد برأس المال الجريء؟

رأس المال الجريء هو: نوع من التمويل عالي المخاطر وعالي العوائد، يتم من خلاله تقديم الدعم المالي لشركات غالبًا ما تكون ناشئةً أو صغيرةَ الحجم في مقابل الحصول على حصة في تلك الشركة، والعمل على نموها والتخارج منها بعد فترة من النمو السريع، وتحقيق أرباح عالية من خلال هذا الاستثمار، والجهات التي تُقدِّم هذا النوع من التمويل تُسمَّى المستثمرين الجريئين، ويجدر بنا أن لا نخلط بينها وبين المستثمرين الملائكيين الذين يمتلكون عادةً ثرواتٍ كبيرةً يستثمرونها في شركات واعدة، على عكس المستثمرين الجريئين الذين يتكتلون بأعداد محدودة لتمويل الشركات من خلال تأسيس صناديق للاستثمار الجريء.

والسؤال الآن: كيف يعمل رأس المال الجريء؟

تقوم شركات رأس المال الجريء بتأسيس صندوق استثماري، وتدعو إليه عددًا محدودًا من المستثمرين الذين يمتلكون شهية عالية للمخاطر؛ وذلك للالتزام بالدخول في استثمارات معينة في شركة خاصة مقابل الحصول على حصة في تلك الشركة تُمثِّل ٥٠٪ أو أقل. ومع نمو الشركة يمرُّ المستثمرون الجريئون بعدة مراحل من التمويل:

  1. مرحلة البذرة: حيث يضخُّ المستثمرون مبالغَ صغيرةً تساعد في تطوير المنتجات، وإجراء بحوث التسويق، وإعداد خُطط العمل.
  2. المراحل المبكرة: وذلك من أجل البدء في مراحل الإنتاج أو تقديم الخدمات، ويتم فيها ضخُّ أموال أكثر من المرحلة السابقة.
  3. المراحل المتأخرة: وتتم في مراحل أعلى من النضج للشركات التي قد لا تكون قد حقَّقت أية أرباح، ولكنها أظهرت نموًا ملحوظًا وحقَّقت إيرادات.

هل هناك أنواع مختلفة للاستثمار الجريء؟

يمكن تصنيف أنواع الاستثمار الجريء إلى ثلاثة أنواع وفقاً للمرحلة التي يمرُّ بها المشروع:

w       التمويل في مراحل التأسيس المبكرة.

w       التمويل في مراحل النمو والتوسع.

w       التمويل في مراحل الاستحواذ والتخارج.

2-  الشركات الناشئة:

يُطلق مُسمَّى الشركات الناشئة على الشركات في مراحل تكونها الأولى، والتي تهدف إلى تقديم منتج أو توفير خدمة يؤمن أصحابها أن هناك طلبًا عليها. ونظراً لقلة إيرادات الشركات الناشئة وارتفاع تكاليفها عند التأسيس؛ فإن عددًا كبيرًا منها لا يستمر إلا إذا توافرت لها فرص التمويل سواء من المستثمرين الملائكيين أو المستثمرين الجريئين، أو من أي نوع آخر من التمويل. تحتاج هذه الشركات في الغالب إلى استثمار الوقت والمال في بحوث التسويق، والتي تُحدِّد مدى الطلب على السلع أو الخدمات التي تُقدِّمها، وكذلك تحتاج هذه الشركات إلى خُطط عمل مكثفة تُوضِّح رؤيتها المستقبلية، وأهدافها، وإستراتيجياتها الإدارية والتسويقية. كما أن على هذه الشركات تحديد موقع عملها، وهل سيكون موقعًا حقيقيًّا أم افتراضيًّا، وكذلك عليها تحديد الطبيعة القانونية لها؛ بمعنى أنها هل ستكون ذات ملكية فردية أم جماعية، هل هي ذات مسؤولية محدودة أم مساهمة أم غيرها من الصيغ القانونية المختلفة.

ثانيًا- أبعاد إضافية:

1-  آثار الثورة الصناعية الرابعة:

تحدَّثت الورقة الرئيسة عن عدة آثار للثورة الصناعية الرابعة التي نعايشها الآن، ومنها الآثار على منظومة الأعمال والاستثمار وزيادة معدلات شركات التقنية وتناقص متوسط أعمار الشركات في المؤشرات العالمية، وتحدثت الورقة كذلك عن أثر الثورة الصناعية الرابعة في إفلاس شركات التجزئة تحديدًا، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذا التأثير قد لا يعود إلى سوء الإدارة؛ وإنما إلى المنافسة القوية التي وجدتها شركات التجزئة من شركات الإنترنت، مثل أمازون على سبيل المثال، ويمكن القول إن كثيرًا من شركات التجزئة لم تستوعب أهمية التكنولوجيا في مساعدتها على زيادة الأرباح، وأن اعتمادها على الأساليب التقليدية في المنافسة سيُضعِفها حتمًا، ويحدُّ من قدرتها على البقاء في الأسواق لفترات طويلة. وهذا ما يبرر إفلاس بعض الشركات، مثل: ” ناين وست” للملابس النسائية، والتي بلغت ديونها مليارَ دولار، وشركة “ريمنجتون” لبيع الأسلحة التي أعلنت إفلاسها بعد تواجدها لمدة ٢٠٢ عام في الأسواق، حيث تراجعت مبيعاتها بنسبة ٣٠٪، وقُدِّرت خسائرها في عام ٢٠١٧ بنحو ٦٠٠ مليون دولار (الاقتصادية ٩/٩ / ٢٠١٨ م).

2-  الشركات المحلية التي تمَّ تمويلها بطريقة الاستثمار الجريء:

ذكرت الورقة الرئيسة شركة كريم كمثال على الشركات المحلية التي تمَّ تمويلها بطريقة الاستثمار الجريء، ومن الجدير بالذكر أن طريقة التمويل هذه آخذة في الانتشار بشكل مُوسَّع، وأن الأمثلة كثيرة، ومنها:

  1. 1)‏ Lucidya
  2. ‏ Nana direct
  3. Telfaz II
  4. ‏ Vibes

3-  صناديق الاستثمار الجريء في المملكة العربية السعودية:

هدفت رؤية المملكة ٢٠٣٠ إلى رفع مساهمة الشركات الناشئة في الناتج المحلي الإجمالي من ٢٠٪ في الوقت الحاضر إلى ٣٥٪ بحلول عام ٢٠٣٠م، وهذا لن يتأتى إلا بتقديم الدعم الكافي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة القائمة، وتشجيع تأسيس المزيد منها؛ لذا نجد أنه تمَّ تأسيس العديد من صناديق الاستثمار الجريء التي تهدف إلى تحقيق هذا الهدف. هذا، وقد تطرقت ورقة د. المشيقح لأقدم هذه الصناديق، وهو صندوق إس تي سي للاستثمار الجريء (STC VENTURE)، وسنستعرض فيما يلي عددًا آخر من الصناديق التي تمَّ تأسيسها بهدف دعم الشركات الناشئة:

  • مركز أرامكو السعودية لريادة الأعمال (واعد) wa’ed Aramco entrepreneurship arm: ويسهم في تقديم حصص استثمار مباشرة للمنشآت الباحثة عن شريك تجاري، ويهدف هذا البرنامج إلى تطوير المنشآت الصغيرة والمتوسطة من أجل دعم النمو الاقتصادي للمملكة.
  • ‏شركة وادي الرياض للاستثمار Riyadh vally co: وتقوم بتقييم المشاريع الناشئة بناءً على معايير واضحة ومحددة، منها: الملكية الفكرية، والتقارير المالية الدقيقة، وحجم السوق ونسبة نموه وتوافقه مع أولويات المملكة الإستراتيجية على المستوى الوطني.
  • • أرامكو للاستثمار الجريء في الطاقة Aramco Energy venture: ويستهدف هذا الصندوق الاستثمار في الشركات ذات النمو المبكر وذات النمو المرتفع في تقنيات ذات أهمية إستراتيجية لشركة أرامكو، وذلك في مجالات الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة وقطاعات المياه.
  • ‏صندوق سابك للاستثمار الجريء SABIC ventures: ويُقدِّم هذا الصندوق الدعم للشركات المبتكرة، ويقوم باستكشاف فرص التطوير معها بهدف تسريع نموها؛ وذلك في مجالات الطاقة البديلة، تكنولوجيا المواد الأولية والمواد المتقدمة، بالإضافة إلى عمليات المعالجة وكفاءة الطاقة.
  • الشركة السعودية للاستثمار الجريء Saudi ventures capital company: والتي تأسست من قِبل هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) في عام ٢٠١٨ م، وبرأس مال يُقدَّر ب ٢,٨ مليار ريال سعودي، وقد قامت بعَقْد عدة اتفاقيات مع صناديق للاستثمار الجريء مع عدد من الجهات، مثل:

‌أ.       صندوق رائد Raed venture

‌ب.  صندوق نما Nama venture

‌ج.  صندوق رأس المال الجريء التابع لشركة تأثير المالية، والذي قامت منشآت بالتعاقد معه مؤخرًًا (29/7/2019).

  • •‏بنك التنمية الاجتماعية: ويعتبر الذراع الداعمة للشباب والفتيات الذين لديهم رغبة في تأسيس مشاريعهم الخاصة، وذلك من خلال برنامج مسارات، والذي يشمل مجموعة كبيرة من الأنشطة التجارية.
  • ‏صندوق سكوبير: ويعتبر منصة تمويل جماعي تتيح لرواد الأعمال فرصة الحصول على تمويل عن طريق طرح نسبة من أسهم المشروع للاكتتاب العام والخاص.
  • ‏صندوق شركة علم للاستثمار الجريء: وتُشجِّع على الاستثمار في قطاعات عديدة، مثل: النقل، والصحة، وأمن المعلومات والقطاع المالي.

4-  مقترحات لدعم الشركات الناشئة:

أشارت الورقة إلى بعض التحديات التي تواجه الشركات الناشئة، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى بعض المقترحات التي من شأنها دَعْم هذه الشركات، ومنها:

  • اتخاذ كافة الإجراءات وسنُّ جميع التشريعات التي يستلزمها تيسير مزاولة الأعمال.
  • تعريف الشباب بمختلف آفاق التمويل لشركاتهم الناشئة، ومنها صناديق تمويل الاستثمار الجريء.
  • تطوير القدرات الموجودة وإيجاد قدرات جديدة تسهم في تيسير عمل الشركات الناشئة.
  • الاستمرار في خلق ثقافة ريادة الأعمال وتشجيع الشباب على تبنيها، وتبيان أهميتها في نمو الاقتصاد وتطوره.

5-  بعض الدراسات الأكاديمية فيما يخصُّ الآثار المترتبة على الاستثمار الجريء:

  • أثر الاستثمار الجريء على رَفْع كفاءة الشركات الخاصة.

أشار عددٌ من الباحثين إلى أن كفاءة الشركات التي مُوِّلت بالاستثمار الجريء أعلى من غيرها من الشركات التي لم تُموَّل بتلك الطريقة، وعزا بعض الباحثين السبب إلى وجود رقابة عالية من الممولين على تلك الشركات، في حين عزا آخرون السبب إلى أن صناديق الاستثمار الجريء عادةً تنتقي الشركات ذات النمو العالي المتوقع، ومن ثَمَّ فإن كفاءة هذه الشركات تكون أعلى من غيرها (Lerner , 1995 & Puri and Zarutski, 2009)

  • أثر الاستثمار الجريء على خَفْض معدلات البطالة وخَلْق الوظائف.

أظهرت بعض الأبحاث العلاقة الإيجابية بين التمويل بالاستثمار الجريء وخفض معدلات البطالة وخلق الوظائف، وذلك على مستوى الاقتصاد الكلي (2003 ,.Belk et al)

  • ‏أثر الاستثمار الجريء على زيادة عدد الشركات الناشئة.

من المتوقع أن يُسهِم وجود صناديق الاستثمار الجريء في زيادة عدد الشركات الناشئة الراغبة في الحصول على هذا النوع من التمويل، وهذا ما أكدته بعض الأبحاث التي ربطت بين توفر الاستثمار الجريء وازدياد عدد الشركات الناشئة في بعض الاقتصادات (2000 ,.Davila et al).

  • ‏أثر الاستثمار الجريء على الابتكار.

ربطت بعض الدراسات الأكاديمية بين التمويل بالاستثمار الجريء ومستوى الابتكار في الشركات الناشئة المُموَّلة بهذا النوع من التمويل، وخلصت إلى نتيجة وجود مستويات أعلى من الابتكار في هذه الشركات عن غيرها؛ نتيجة استهداف صناديق التمويل بالاستثمار الجريء للشركات الابتكارية (2010 ,Pender)

المراجع:

1-  Belke, A., Fehn, R. And Foster, N. (2003). Does Venture Capital Investment Spur Employment growth?. CESIFO working paper No. 930.

2-  Davila, A., Foster, G., Gupta, M. (2003). Venture capital financing and the growth of startup firms. Journal of Business venturing, 18(6), 689-708.

3-  Girnall, W. And Llya A. strebulaev. (2015). The Economic Impact of Venture Capital: Evidence from public companies.

4-  Lerner, J. (1995). Venture Capitalist and the oversight of private firms. Journal of finance. 50, p. 301-318.

5-  Peneder, M.(2010). The Impact of Venture Capital on Innovation Behavior and Firm Growth. WIFO Working Paper No. 363.

6-  Puri, M., Zarutskie, R. (2009). On the life dynamics of Venture- capital and non- Venture capital financed firms. Working paper, Duke University.

ʘ    المداخلات حول القضية:

ʘ    التعريف بصناديق الاستثمار الجريء:

طرحت د. وفاء طيبة تساؤلين:

s   الأول: كيف تتكون صناديق الاستثمار الجريء؟ وهل هناك معايير لإنشاء صندوق الاستثمار الجريء؟ وما هو حجم المشروعات التي يُموِّلها؟

s   الثاني: هل لدينا خارطة طريق للشباب الذين لديهم أفكار مشروعات ابتداءً من إنضاج الفكرة لديهم، والتأكد من صلاحيتها للتطبيق حتى الحصول على التمويل؟ وما هي جهات التمويل المناسبة؟ وما هي الخطوات بعد التمويل؟ ومتى يحتاج أن يتوقف عن المشروع عند استشراف فشله؟ ومتى يتخذ خطوات أكبر؟ فكثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة لم تمتلك مقومات النجاح أصلاً، أو امتلكتها ثم ضلَّت الطريق، هل يمكن أن نُساعد أصحابَ المشاريع بقائمة متسلسلة (check list) تُرشدهم للخطوات؟

ومن جانبها أشارت أ. بسمة التويجري إلى أن صناديق الاستثمار الجريء هي شركات تمويلية تخضع في تأسيسها لكل الأنظمة التي تحكم الشركات التمويلية العاملة في المملكة، وكذلك تخضع للأنظمة الرقابية في عملها ولقواعد الحوكمة في أنشطتها، والتمويل الذي تُقدِّمه للشركات الناشئة يكون تدريجيًّا وعلى مراحل؛ لتضمن نجاح هذه الشركات ونموها، ووفقًا لمعايير صارمة ودراسات جدوى معمَّقة، وهي بالإضافة إلى التمويل تُقدِّم للشركات الناشئة المشورة في مجال وضع الإستراتيجيات وخُطط العمل وجذب الكفاءات البشرية، وحتى تحسين مستوى التقارير المالية فيها.

وبدوره ذكر د. محمد المشيقح بخصوص التساؤل الأول أن إنشاء صناديق رأس المال الجريء هي عملية قانونية ومالية تخضع لأنظمة البلد والقوانين التي تنشأ فيها. وفيما يتعلق بالتشريع في المملكة فلا يزال غير موجود فيها نموذج GP/LP السائد عالميًّا في جميع صناديق الاستثمار الجريء؛ لذا تلجأ الغالبية العظمى من الصناديق إلى أن يتم تأسيسها خارج المملكة في جزر الكايمان أو ديلاوير في أمريكا. أما فيما يتعلق بالتساؤل الثاني وما يتصل بتعظيم دور الشباب، فهناك جهود متفرقة في هذا الشأن، لكن التحدي أنه ليست هناك إجابة واحدة تنطبق على جميع الحالات. رائد الأعمال المميز يحرص على أن يُشكِّل لنفسه مجلسًا استشاريًّا، ويحيط نفسه بمجموعة من أصحاب الخبرة ليُقدِّموا له خلاصةَ خبراتهم وتجاربهم.

وركَّز أ. جمال ملائكة على جانب مهم يتعلق بكيفية تعريف أو إعلام الشركات الناشئة ورواد الأعمال بوجود شركات وصناديق الاستثمار الجريء. وحول هذه النقطة أوضحت أ. بسمة التويجري أن روَّاد أعمال اليوم وأصحاب الشركات الناشئة أصبحوا على قدرٍ عالٍ من الوعي بما هو متاح من أدوات وحلول تمويلية، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، تقوم هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة – والتي أنشأت الشركة السعودية للاستثمار الجريء وتعاقدت مع عدد من صناديق الاستثمار الجريء – بدور الوسيط الفعَّال بين الشركات الناشئة وتلك الصناديق. إضافةً إلى سعي صناديق الاستثمار للوصول إلى رواد الأعمال ذوي الأفكار الريادية المبتكرة، وهذه جميعها قنوات تؤدي إلى شيوع هذا النوع من التمويل في مجتمع رواد الأعمال.

ʘ    رأس المال الجري ما بين التمويل والاستثمار:

أكَّد د. نبيل المبارك على ضرورة عدم الخلط بين رأس المال الجريء كنوع من أنواع التمويل من وجهة نظر أصحاب المبادرات، وبين رأس المال الجريء كنوع من الاستثمار من قِبل أصحاب الأموال، فلدينا عملة من وجهين؛ الأولى والأهم، هي للمستثمرين أصحاب رأس المال الجريء، والثانية لأصحاب المبادرات الذين يبحثون عن تمويل لأفكارهم، لتوسيع أعمالهم والأمل في تحقيق نجاح كبير.

الورقة الرئيسة تحدَّثت عن الفكرة من جانب “رأس المال الجريء”، والذي يقوده أشخاص لديهم المال، ويبحثون عن الفرص. وهنا ملمحٌ مهم، “لا مجال للمجاملة من قِبل أصحاب رأس المال الجريء”؛ لذا فهناك خلطٌ بين فكرة “رأس المال الجريء” والمبادرات التي ذُكرت، سواء من صندوق الاستثمارات العامة أو واعد أو سابك. وقد لا يمكن اعتبارهم نماذج لرأس المال الجريء بالمفهوم العالمي له، بقدر ما هم مهتمون بدعم الشباب والمنشآت الصغيرة والمتوسطة كأحد أهدافهم الوطنية، وهم يعلنونها صراحةً، أن هدفنا الدعم، وبدليل تحمُّلهم لفشل عدد كبير من المشاريع. الإحصائيات العالمية تقول إن المبادرين لا يتعدَّون ٥٪؜ من المجتمع فقط. إن لدينا معضلة تتمثل في “قلة الابتكار المحلي للمشاكل المحلية”، ولا نزال نحاول أن نستورد الحلول العالمية لمشاكل محلية؛ لقلة الابتكار المحلي. وبالتالي فإن الفرص لأصحاب رأس المال الجريء في السوق المحلية محدودة إنْ لم نقُل إنها معدومة، بدليل أنها في الإمارات ومصر والأردن أعلى منها لدينا؛ والسبب أن الكثير من المبادرين الأجانب والمحليين في تلك الدول يعيشون المشكلة ويبادرون لإيجاد الحلول لها، والحاجة أم الاختراع.

وفي الواقع فإن هناك مجالاً كبيرًا لو أن المبادرات الحكومية والشركات الكبيرة مثل سابك والاتصالات وصندوق الاستثمارات العامة ركَّزت على الابتكار، وزَرْع ثقافة ابتكار الحلول من خلال إبراز المشاكل للشباب والمبادرين والطلب منهم إيجاد حلول لها، وعندما تكون الحلول مميزة سوف نجد صقورَ رأس المال الجريء يتساقطون عليها لاقتناصها من كلِّ مكان. في مرحلة ما بعد الولادة وما بعد الحضانة، وليس قبلها كما يحدث من خلط.

بينما في تصوُّر د. سليمان الطفيل، فإن الفترة الحالية من مرحلة الاقتصاد والتحول ليس من المناسب هدر الأموال على مشروعات المبادرون فيها قِلة وغير قادرين على المجازفة أو مجازفون لكنَّهم واقعون لا محالةَ في فخ الخسائر والتعثُّر. المقترح أن تتوجه أموال رأس المال الجريء إلى الشركات الصغيرة أو المتوسطة التي تجاوز عمرها السبع سنوات على الأقل، ولديها الإدارة الجيدة والفرص الجاهزة والاستعداد القوي للانطلاق، لكن ينقصها التمويل المناسب لتوسعة أعمالها أو مشاريع جديدة لديها، وبخاصة تلك الشركات التي لديها عقود من جهات حكومية أو جهات خارجية متميزة يمكن أن تضيف للاقتصاد الوطني الكثيرَ؛ لكن المشكلة أن هذه الشركات لن تستطيعَ أن تستفيد من المبلغ المخصَّص من الدولة وقدره 200 مليار ريال لمثل هذه الشركات؛ لأن شرط التمويل أن تكون المنشأة تأسست بعد إطلاق الرؤية عام 2016م فقط.

ʘ    معوقات إفادة الشركات الناشئة من الاستثمار الجريء:

تساءل أ. جمال ملائكة: ما أسباب قلة عدد الشركات السعودية الناشئة المستفيدة من الاستثمار الجريء؟ وكيف نستطيع معالجة هذه الأسباب؟ ومن جانبه أوضح د. محمد المشيقح أن هذه الصناعة ما زالت في بداياتها، وعدد الشركات أصلًا ما زال قليلًا. وإلى وقت قريب لم نكن نسمع أن شابًّا أو فتاة مميزة في عملها تفرغت لشركتها الناشئة، لكن مع توفر الصناديق اليوم وبروز قصص نجاح مثل كريم وغيرها، بدأ يتزايد عدد هذه الشركات والصناديق.

وذكر د. خالد الرديعان أنه وبعيدًا عن مسميات المبادرات والأعمال التجارية والصناديق الاستثمارية، فإن واحدًا من أهم العوائق التي تواجه أصحاب المشاريع التجارية هو قضية الإجراءات البيروقراطية التي تسبق التأسيس، وتعدُّد الجهات الحكومية التي تمنح هذه التصاريح أو تطلب شروطًا معينة؛ الأمر الذي يستغرق وقتًا أطول من المعتاد. لو كان هناك مرونة في ذلك، لرأينا الكثيرَ من الإبداعات، فهناك الكثير ممَّن لديهم رؤوس أموال يودون تشغيلها؛ ومن ثَمَّ يصطدمون ببعض الشروط والإجراءات التي تعيقهم عن العمل، كاستقدام العمالة الفنية المدرَّبة. وعقَّب د. محمد المشيقح بأن التشريعات ما زالت تُشكِّل تحديًًّا كبيرًا في نمو هذا القطاع، فنظام الشركات الحالي لا يدعم آليات الاستثمار الجريء وهيكلتها القانونية.

وتطرَّق أ. محمد الدندني إلى مسألة المقارنة بين الشركات أو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من جهة، وشركات رأس المال الجريء في الشركات الناشئة من جهة أخرى. حيث أوضح أنهما ربما سواء، حيث من الوارد أن تكون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تحمل ابتكاراتٍ جديدةً تحتاج إلى رأس مال جريء. ومن الوارد أيضًا أن تكون هذه المؤسسات مهتمة بأعمال تقليدية ولكن بطرق مختلفة في إدارتها، كأن تستخدم التقنية في الوصول للمستهلك، وأمور أخرى تحتاج إلى أفكار جديدة كي تستطيع أن تنافس الأعمال التقليدية القائمة، والتي لها نسبة من السوق.

وفي السياق ذاته، طرح د. حسين الجحدلي عددًا من الملاحظات والتساؤلات المهمة، وذلك على النحو التالي:

1-عند الحديث عن ريادة الأعمال والاستثمار الجريء في السعودية، ينتهي المطاف بالحديث عن تطبيقات الجوال وكأنما لا ريادة إلا بتطبيق جوال! كيف وصلت هذه الصورة النمطية للمفهوم بهذا الشكل، وما آثار ذلك على ريادة الأعمال الحقيقية؟

2-كذلك لا يكاد ينفك الحديث بريادة الأعمال عن وادي السيليكون، فهل يوجد نماذج ناجحة كوادي السيليكون سواء في أمريكا أو دول غيرها؟

3-ارتبط مفهوم ريادة الأعمال بالحاضنات ومسرعات الأعمال، وتم إدراج تصاريح خاصة بها تحت مظلة منشآت، ولكن أغلب ممارسات الحاضنات والمسرعات السعودية هو توفير أماكن عمل مشتركة، كيف انتهى المطاف بالمفهوم ليُختزَل بهذا الشكل؟!

وفي هذا الصدد، أشار د. محمد المشيقح إلى ما يلي:

1-إن المبالغة المشهودة حاليًّا بتطبيقات الجوال (من غير نموذج عمل متكامل) ما هي إلا طفرة وستختفي. وهذا يرجع إلى أن الكثير – للأسف – يبدأ بالحلِّ قبل المشكلة.

2-رأس المال الجريء يستهدف شركات تستطيع تحقيق النمو المتسارع، ولها القدرة على التوسُّع بشكل كبير. ويتحدد هدف المستثمر في الحصول على نسبة في هذه الشركات ومساعدتها على النمو وتعظيم قيمتها بأكبر قدر ممكن، ومن ثَمَّ التخارج منها إما بالطرح في سوق الأسهم أو الاستحواذ من قِبل شركة أخرى.

3-المشرعات المميزة في العالم تُدار من قِبل القطاع الخاص، وفي الأغلب تكون مرتبطةً بصندوق وليست أسلوب دعم حكومي لريادة الأعمال. أهم عنصر في أية مسرعة هو تسريع نمو هذه الشركات (ومن هنا الاسم)، وذلك بتقديم النصح والتوجيه لها.

4-  طبيعة الدعم الحكومي في قطاع الشركات الناشئة تأتي بطريق غير مباشر، على سبيل المثال:

‌أ.       تسهيل الحصول على الرُّخص من خلال منصة واحدة؛ ليُركِّز رائد الأعمال على هدفه.

‌ب.  تسهيل الوصول إلى الكوادر المميزة واستقطابها من أي مكان في العالم.

‌ج.  دَعْم البحث والتطوير المحلي وتمكين هذه الشركات من بناء نماذج عمل ترتكز على الميزات التنافسية التي تمَّ استحداثها.

5-  جميع المحاولات في العالم لاستنساخ وادي السيلكون باءت بالفشل. هذا مقال يناقش هذا الموضوع بالتفصيل:

https://www.technologyreview.com/s/516506/silicon-valley-cant-be-copied/

6-سر نجاح ريادة الأعمال هو الأشخاص، وهذا هو المرتكز الأساسي. للنجاح في هذا المجال لا بد أن نخلقَ تجمُّعًا (critical mass) في منطقة واحدة من رواد أعمال؛ مستثمرين، ومرشدين.. إلخ، بحيث تتناقل هذه التجارب بسرعة وبكثرة؛ لخلق قصص نجاح الجميع يكون فيها كاسبًا.

7-  التمتُّع بعقلية الوفرة مهم لنجاح هذه البيئة. تبني مفهوم (pay it forward) أساسي لبناء هذه الصناعة والبيئة.

8-إننا أمام فرصة نوعية؛ شباب طموح، معرفة تقنية، وفرة مالية في ظل تغيُّر اقتصادي كبير. من الممكن أن نكون فاعلين في هيكلة اقتصادنا ليتبنى الاقتصاد الرقمي، ولا نعيد اختراع العجلة فيما سبقنا فيه العالم منذ عقود بالاقتصاد الصناعي. كل ما نحتاجه هو بيئة قادرة على استقطاب أفضل الكوادر العالمية في تشريع واضح وداعم.

وعقَّب م. إبراهيم ناظر بأنه بالفعل، فإن الأشخاص (صُنَّاع الفرص) هم محور النجاح، ولكن هؤلاء لن يُوجَدُوا من عدم، لا بد من الإعداد والتأهيل والتدريب والتحفيز؛ من خلال جامعات متميزة أو تجمُّعات صناعية اقتصادية مُهيَّأة، وبيئة جاذبة، وتشريعات مُشجِّعة، وتسهيلات مالية. وبدوره أكد د. محمد المشيقح أن الأشخاص (صُنَّاع الفُرص) هم موجودون في القطاع الحكومي والخاص، لكنهم للتوِّ بدؤوا يرون أن بناء شركتهم الناشئة فرصة قد تصنع المستقبل الذي يطمحون إليه. قصة كريم المحلية (وغيرها من القصص الأقل انتشارًا) ألهمت الكثيرَ وغيَّرت الثقافة، وجعلت من صناعة رأس المال الجريء وبناء الشركات الناشئة خيارًا لامعًا لتحقيق مستقبل زاهر. التحدي يكمن حاليًّا في الاستمرار. الخشية أن يطغى على هذا القطاع مستغلو الفرص الذين يبحثون عن النتائج على الأمد القصير؛ وبالتالي التأثير السلبي على هذه الثقافة وصناعة ردة فعل سلبية. صناعة الاستثمار الجريء والشركات الناشئة تتطلب طول نفس، وبُعد نظر، وعقلية الوفرة. النتيجة الواحدة تحتاج من ٧ إلى١٠ سنوات، ومنحنى التعلُّم يحتاج وقتًا؛ لذا فإن دمج التجارب المحلية بالعالمية في المنظومة هو السبيل لتحقيق نجاح نوعي، والدفع بالبيئة والاقتصاد لمستقبل زاهر بحول الله.

أما د. عبير برهمين فتساءلت: لماذا لا تُشجِّع الحاضنات القليلة الموجودة بالمملكة المشاريع المبنية على مخرجات الأبحاث العلمية؟ وهل لنا كأفراد دور في الاستثمار في رأس المال الجريء؟ وأوضح د. محمد المشيقح أنه ببساطة وبحسرة، لا يوجد لدينا مخرجات أبحاث محلية تطبيقية من الممكن أن تُبنَى عليها نماذج أعمال. وهذا الدور الحقيقي للتعليم العالي في هذه المنظومة، الذي نأمل دعمه من قِبل القطاع الحكومي بشكل صحيح وبحوكمة سليمة. وفي إطار مكمل حول دور الأفراد في الاستثمار في رأس المال الجريء، يمكن ملاحظة أن هناك نوعين من الأفراد:

1-  أصحاب رؤوس الأموال الذين يمكن أن يكونوا مستثمرين في عدد من الصناديق.

2-الأفراد العاديين الذين يمكن أن ينضموا مع (syndicate) يقودها شخص معين، بحيث يشاركون في الفُرص التي يشاركها معهم بعد فحصها وتدقيقها.

ومن ناحيته يرى د. عبد العزيز الحرقان أن منظومة البحث العلمي في السعودية لا تؤدي إلى ظهور منتجات وخدمات مبتكرة تتناسب مع الشركات الناشئة التي تستهدفها صناديق رأس المال الجريء، ومن ثَمَّ تحوَّلت هذه الصناديق في المملكة إلى مؤسسات استثمارية تقليدية. إضافةً إلى عدم وجود تشريعات مناسبة لصناديق الاستثمار الجريء. ومن ثَمَّ، فنحن بحاجة لخلق البيئة المناسبة للابتكار، وتعزيز قدرة منظومة الابتكار الوطنية لإنتاج مؤسسات مبتكرة ناشئة. ولعلَّ أحدَ أبرز الدروس العالمية لتحقيق ذلك هو قانون “بايه دول” الأمريكي، الذي أتاح لرجال الأعمال الاستثمار في منتجات البحث العلمي للجامعات المدعومة من الحكومة. نحن بحاجة لمثل هذا القانون؛ لأنَّ الملكية الفكرية لمنتجات الأبحاث تبقى ملكًا للحكومة، كما أن الباحث لا يحقُّ له المشاركة في ربحية المنتج، ولو بنسبة ضئيلة. الدرس الآخر هو جامعه كامبردج مهد العلوم والاكتشافات العلمية الكبرى، ومنها كان أكبر عدد من الفائزين في جائزة نوبل، ومع ذلك بقيت الجامعة خاليةً من الابتكارات إلى فترة السبعينيات حينما سمحت للرياديين الاستثمار في نتائج البحوث والاختراعات، فظهرت ونمت مؤسسات مبتكرة حول حرم الجامعة. الخلاصة أنه يجب تغيير أهداف البحث العلمي وإستراتيجياته ليكون نحو الابتكار، ووضع أنظمة وتشريعات مناسبة لرأس المال الجريء وللاستثمار في المنتجات المبتكرة ذات درجة مخاطرة استثمارية عالية.

أما د. سليمان الطفيل فأشار إلى أن رأس المال الجريء أو المغامر أو المخاطر مرَّ – كما ورد في الورقة الرئيسة – بمراحل عديدة من التجارب حتى أصبح علمًا يُدرَّس وفنًّا يُطبَّق؛ ولهذا فإن تطبيقه ليس بالأمر السهل الذي يعتقده البعض؛ فكثير من الشباب الذين انبهروا بمصطلح “ريادي الأعمال” في الآونة الأخيرة، وكأنها بريستيج يمكن من خلاله أن يخوضوا في الاستثمار الجريء؛ وهو ما سبَّب للكثير منهم – إنْ لم يكنْ أغلبهم – الوقوع في فخ الخسائر والإحباطات؛ وهذا بسبب المدربين أو المرشدين غير الممارسين أو الجهات التي طرحت مبادرات هنا وهناك، وفتحت الأبواب دون تروٍّ ومعرفة وتأهيل وتمكين للشباب قبل العمل على تلك المشروعات. لقد رأينا منهم الكثيرَ ممَّن يجهل أساسيات الاستثمار، فضلاً عن الدخول في مغامرات الاستثمار، حيث يعرض فكرة ويعتقد أنها ناجحة بكل المقاييس ثم بالمناقشة والتمحيص لا يستطيع مواصلة الاسترسال في شرح الفكرة وأهدافها ورؤيتها وآلية عملها. مئات المشاريع خسرتها صناديق ومبادرات رأس المال الجريء في المملكة بسبب العشوائية السابقة في التمويل للأفكار غير المدروسة، وأكبر دليل على ذلك بنك التسليف سابقًا، والذي تحوَّل إلى بنك التنمية الاجتماعية مؤخرًا، مازال يستنزف مبالغه المالية في مشاريع غير متقنة أو محكمة. الدولة قدَّمت مبادرات وبرامج لرأس المال الجريء، ومن ذلك على سبيل المثال: مبادرة (استثمر في السعودية) التي أطلقتها الهيئة العامة للاستثمار، والتي استقبلت 20 صندوقًا لرأس المال الجريء؛ محليًّا وأجنبيًّا، ورخَّصت الهيئة 142 رخصة لرياديي الأعمال من 42 دولة من جميع أنحاء العالم، ركَّزت من خلالها على قطاعات معينة، مثل: التقنية المالية، وصناعة الغاز والكهرباء، والنقل، والتعليم، والتخزين، وتقنية المعلومات. كذلك أطلقت الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مبادرة رأس المال الجريء، وأسَّست من خلالها الشركةَ السعودية للاستثمار الجريء؛ بهدف المشاركة في دعم وتحفيز وانتشار صناديق الملكية الخاصة ورأس المال الجريء، وتحفيز بيئة التمويل لروَّاد الأعمال في المملكة. كما أشرفت الهيئة على تأسيس جمعية رأس المال الجريء الهادفة لتطوير هذا المجال الاستثماري الخصب في قطاع التنمية والتمويل والبحوث المتخصصة. كذلك برنامج كفالة، وهو أحد برامج الاستثمار في رأس المال الجريء، الذي أطلقته وزارة المالية بالتعاون مع البنوك السعودية عام 2006م، والذي قدَّم أكثر من 5000 كفالة تجاوزت قيمتها 5, 5 مليارات ريال، والمبادرات العديدة التي تطلقها الجهات الحكومية والهيئات العامة، والتي هي جزء من 12 برنامجًا حكوميًّا مدعومة برأس مال 200 مليار ريال، كلها جاءت بهدف دعم فكرة رأس المال الجريء؛ لكن للأسف نلاحظ عدم المهنية فيما يُطرَح من أفكار ومبادرات تستنزف المليارات، وتحتاج عملية سريعة للتقييم قبل استهلاك كامل رأس المال.

ʘ    مدى إمكانية الإفادة من تجارب الشركات الناشئة الناجحة في دول أخرى:

طرح أ. جمال ملائكة تساؤلاً مفاده: هل من الممكن عمل دراسات عن الشركات الناشئة في دول الغرب والصين والهند كمثال، ومن ثَمَّ دراسة إمكانية تشجيع الشباب على إقامة مثلها عندنا إنْ كانت تطبيقاتها تصلح في بلادنا؟ وفي هذا الصدد، ذكر د. محمد المشيقح أن الشركات التي حقَّقت نجاحات هي التي دومًا تبدأ بـ “المشكلة”، ومن ثَمَّ تبحث عن الحلول لها، والتي من الممكن تقديمها للسوق. ويُعَدُّ من أهم عناصر المشاكل التي يستهدف رأس المال الجريء الاستثمار في الشركات التي تقدِّم حلولاً لها:

1-    شائعة الانتشار (popular)

2-    تلك التي تنمو بشكل مستمر (growing)

3-    المُلِّحة (urgent)

4-    المُكلِّفة (expensive)

5-    الضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها (mandatory)

6-    المتكررة (frequent)

وبناءً عليه؛ فإن من المهم طرح سؤال أساسي على روَّاد الأعمال في مجال الشركات الناشئة مضمونه: ما هي المشكلة التي تقومون بحلها؟ أما “النسخ واللصق” لأفكار جميلة خارجية (في دول أخرى) فليس بالضرورة أن تنجح، ولن تخلقَ الأثر المتوقع منها.

ʘ    آليات تعظيم مردود الاستثمار الجريء في المملكة:

أكَّد د. عبد الله بن صالح الحمود أنه في هذا العصر التقني المتسارع في التغيُّر، أصبح الجميع أمام خيار واحد وهو عدم الاستغناء عن الاستخدامات التقنية لقضاء كل الاحتياجات أيًا كان نوعها أو طبيعة الاحتياج لها. أمام هذا كله، فإن مسألة الاستفادة من الاستثمار الجريء في هذه المرحلة لم تعُد خيارًا يُقبَل أو لا يُقبَل، بل هو بمثابة قرار مُلزم الإتيان به، فهو بوابة تمويل لتأسيس صناعة وتطويرها ومسايرة المجتمعات الصناعية؛ للنيل من مكتسبات ينجم عنها منافع اقتصادية وحلول اجتماعية تحدُّ من بطالة تنمو بسبب الإبقاء على أفكار ومناشط تقليدية.

ومن وجهة نظر م. إبراهيم ناظر، فإن الاستثمار الجريء حتى يشتد عوده ويأتي بالنتائج المرجوة لا بد من إيجاد وتحسين البيئة الصانعة والمُحفِّزة والقاعدة الأم التي يُبنَى عليها، وهي ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. ومن هذه القاعدة ينطلق الاستثمار الجريء والشركات الناشئة، وإلا أصبحنا كمَن يريد أن يجري قبل أن يمشي؛ فالاستثمار الجريء في الشركات الناشئة هو نتيجة طبيعية لتطوير ودعم ومساندة الـ SMEs، فهي الأساس في تطوير الاقتصاد لأي دولة، وهي الأساس في زيادة القاعدة الإنتاجية وتنويعها، ونواة الشركات العملاقة، وحل مشكلة البطالة والتقنية والابتكار متى ما تمَّ تسهيل الإجراء في منح التراخيص والتمويل والتدريب، وإيجاد الحاضنات ومسرعات الأعمال ومراكز التميُّز والابتكار، وتخريج الشباب من الجامعات ليكونوا صُنَّاع أعمال وليسوا باحثين عن أعمال وذلك ضمن المنهج المقرر عليهم، ويمكن في هذا الشأن اقتراح ما يلي:

1-وَضْع خطة عامة تشمل إنشاء حاضنات ومسرعات للأعمال على مستوى المملكة؛ لمساعدة خريجي الجامعات وروَّاد الأعمال، مثال حاضنات بادر.

2- وضع خطة إستراتيجية لتشجيع الابتكار والتميُّز، وإنشاء مراكز للتميُّز والابتكار لمساندة رواد الأعمال وأصحاب الـSMEs .

3-  أن تتولى الهيئة العامة للمنشآت المتوسطة والصغيرة (منشآت) تنسيق برامج ومبادرة لدعم ال SMEsالتي تقوم بها عدة جهات، مثل: واعد، ونساند، والغرف التجارية وغيرها، فهي جهود جيدة وتحتاج إلي تنسيق.

4-  استثناء ال SMEs من بعض الرسوم لمدة محددة، وقد بدأت بعض الجهات الحكومية تُطبِّق ذلك.

5-  تسهيل التمويل ال SMEs.

6-  إلزام الشركات الكبيرة بتحديد نسبة في العقود الحكومية.

7-  إعطاء الأفضلية الـ SMEs في العقود الحكومية.

8-الاستفادة من التجارب الناجحة للدول، مثل: كوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها، وتطبيقها مع الأخذ في الاعتبار خصوصية الظروف الاجتماعية للمملكة.

في حين أكَّد د. محمد المشيقح على أهمية التمييز بين الشركات التي يستهدفها الاستثمار الجريء والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. فعلى الرغم من أنهما قد يشتركان في الحجم، لكن الدعم المطلوب لنجاحهما يختلف بشكل كبير. والنجاح الحقيقي لشركات الاستثمار الجريء يأتي من خلال أربعة جوانب أساسية، هي:

1-  البحث والتطوير ودعمه بشكل كبير.

2-  السوق الكبير والواعد والمفتوح بعيدًا عن التدخل الحكومي والمنافسة فيه.

3-  الكوادر البشرية المميزة.

4-  رأس المال الجريء الذي يُقدِّم ميزةً إضافية لهذه الشركات والدعم والتوجيه في مجالس إدارتها.

أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فأكبر ما تحتاجه في عملها يتمثل فيما يلي:

1-  التشريعات بشكل كبير.

2-  دَعْم وتخفيف الرسوم عنها.

3-  دَعْم المحتوى المحلي الذي تُقدِّمه.

وفيما يتعلق بما تطرَّق إليه م. إبراهيم ناظر حول دور الجامعات في تحفيز الشباب ليصبحوا رواد أعمال وإنشاء مراكز “ابتكار” و”تميُّز”، يرى د. محمد المشيقح أن الشباب لا يحتاج إلى تحفيز، بل يحتاج إلى قصة ناجحة “حقيقية” يراها أمامه. على سبيل المثال، أربعة شركاء من شركة ماكنزي تركوا أعمالهم بعد أكثر من ١٥ سنة كفاح؛ لأنهم رأوا كيف استطاع أحد موظفيهم (مدثر) – والذي كان أحدهم رئيسه المباشر- أن يصنع قصة نجاح وثروة بمئات الملايين. وما نحتاجه من الجامعات أمران:

1-  كوادر بشرية مميزة في تخصصاتها في البكالوريوس.

2-  طلاب دراسات عليا في البحث والتطوير المتقدم.

في حين يرى أ. محمد الدندني أن التركيز على الجامعات ومراكز البحث وربطها في العملية الاقتصادية بوجود حواضن مفتوحة للاستثمار بمال جريء أو بمال محافظ، أي توسيع قاعدة المساهمين – هي مسألة (عمليًّا) ستأخذ وقتًا طويلاً مع الإيمان العميق بأهميتها، ولكن الرأي أن تكون بالتوازي، مع ضرورة أن تكون هناك صناديق مشتركة بين الحكومة مُمثَّلة في صندوق الاستثمارات العامة أو أحد أذرعته والقطاع الخاص، أو القطاع الخاص وحده، وتقوم هذه الصناديق في الاستثمار في حاضنات عالمية بعد دراسة معمَّقة لكل فكرة. ولعل من المناسب أن تدرج هذه المساهمات وهي شركات متفردة لكل فكرة في سوق المال بشكل موازٍ له حوكمته المختلفة. هنا تكون الأسهم معروضة في السوق، منها جلب رأس المال لتطوير هذه الأفكار، ومنها فائدة للجمهور للاستفادة حين تنتقل نتائج الأفكار والأبحاث إلى المستوى التجاري. أيضًا الحاضنات الوطنية لها نفس القدرة في إدراجها بسوق المال.

وفي اعتقاد أ. بسمة التويجري، فإن أفضل المنتجات والخدمات التي تُقدِّمها المشاريع الريادية هي تلك التي تتلمس احتياجًا معينًا لدى الناس أو تلك التي تجعل ممارستهم لأنشطتهم اليومية أكثر يُسرًا وسهولةً، والأمثلة كثيرة على ذلك منها: تطبيق “جاهز ” و”هنقر ستيشن”، وخدمات” أوبر “و “كريم “، ومشاريع الخدمات المتنقلة مثل “إبرة وخيط”، الذي يُقدِّم خدمات إصلاح الملابس من خلال سيارة truck تأتي إلى المنزل، وخدمات العناية بالحيوانات الأليفة من خلال سيارة تُقدِّم الخدمة في المنازل أيضًا، ومثلها العديد من المشاريع المبتكرة التي ربما تحمل أفكارًا بسيطة ولكنها تُقدِّم حلولاً لبعض المشاكل أو تُلبِي بعض الاحتياجات، وهذا ما نحتاجه من روَّاد الأعمال أن تكون أفكارهم جديدة ومبتكرة وتقدِّم حلولاً عملية؛ وبالتالي تستحق أن تُموَّل بالطرق التقليدية أو الجريئة.

ʘ    التوصيات:

  1. إيجاد خطة إستراتيجية للابتكار على مستوى الدولة، تشمل رؤية كاملة المعالم وشاملة للابتكار، وكذلك على مبادرات نوعية لتعزيز الابتكار وتضمينه في كافة قطاعات الأنشطة الاقتصادية والأعمال والمال، ودعم مجمّعات الابتكار وحاضنات الأفكار الناشئة ومختبرات التكنولوجيا ومختبرات الإبداع، والإسهام في نَشْر الوعي الابتكاري لدى أفراد المجتمع، وتسليط الضوء على المُبدعين.
  2. توجيه صناديق الاستثمار الجريء التي تقودها بعض القطاعات الحكومية وبخاصة الجانب الاداري والاستثماري، بحيث تُحقِّق معايير العالمية في مفهوم الاستثمار الجريء، وتتمكن من إخراج برامج ومبادرات فاعلة.
  3. وَضْع برامج في مراحل التعليم لجَعْل الطلاب يواجهون الحياة بشكل مباشر؛ لمعرفة الواقع والتعامل معه.
  4. تشجيع وتكثيف دراسات محددة (Case Studies) وproblem based solving في الجامعات وربما في المدارس؛ لتشجيع التفكير والابتكار فيما يحتاجه المجتمع والشركات من حلول.
  5. تأسيس أكاديمية نوعية مُتخصِّصة في تقديم مخرجات تعليمية في الأعمال الحرة، تكون من أولوياتها التعريف بالمفهوم الحقيقي للاستثمار الجريء.
  6. تشجيع مراكز الابتكار للتركيز على المشاكل المحلية؛ مثل: التلوث، والاستفادة من النخيل، ومعالجة النفايات، واستخدام مواد محلية للبناء… إلخ.
  7. بناء حاضنات متقدِّمة في القطاع الخاص؛ لبناء جيل يمتلك الثقة والعزيمة نحو الشروع في استثمارات ذات جُرأة تقودهم نحو تراكُم خبرات عملية.
  8. العمل مع جميع المسرعات العالمية لفتح فروع لها في المملكة، ونقل خبراتها في احتضان الشركات السعودية والاستثمار فيها.
  9. تأسيس “Sand Road” السعودي، والذي يكون مركز استثمارات رأس المال الجريء السعودي، بحيث تجتمع فيها جميع صناديق رأس المال الجريء، وقد يكون مناسبًا وَضْعه في مركز الملك عبد الله المالي؛ وذلك اقتداءً بـ Sand Hill Road الأمريكي.
  10. تأسيس innovation village، بحيث تشتمل على التالي:
  11. فروع لشركات التقنية العالمية.
  12. مكتب خدمات حكومي مُوحَّد لكل ما تحتاجه الشركات الناشئة من تصاريح.
  13. مكاتب عمل مشتركة تُدار من القطاع الخاص لمَن له خبرة وتجربة في المجال.
  14. الحد من ثقافة ريعية الحكومة لريادة الأعمال، وأن يقود القطاع الخاص هذا التوجُّه.
  15. الاستفادة من برامج وسياسات المالية الإسلامية في تطوير سياسات وأدوات الاستثمار الجريء.
  16. تهيئة البيئة التشريعية والتشغيلية للحوكمة؛ لدعم حراك منظومة الاستثمار الجريء لتتماشى مع أهداف وبرامج رؤية المملكة ٢٠٣٠.

القضية الثانية

نظرة إلى السماح للأنشطة التجارية بالعمل ٢٤ ساعة

(18/8/2019م)

  • الورقة الرئيسة: م. أسامة الكردي.
  • إدارة الحوار: د. عبد الله بن صالح الحمود.

الملخص التنفيذي:

أشار م. أسامة الكردي في الورقة الرئيسة إلى القرار الصادر مؤخرًا من مجلس الوزراء بالسماح للأنشطة التجارية بالعمل ٢٤ ساعة بمقابل مالي وبشروط ومتطلبات يجري الآن إعدادها من قِبل وزارة الشؤون البلدية والقروية والجهات المعنية الأخرى. حيث من المعروف أن الحد الأقصى لعمل الأنشطة التجارية حاليًّا هو الساعة ١٢ منتصف الليل، يُستثنى منها مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما كانت وزارة الداخلية تصدر موافقات العمل لمدة ٢٤ ساعة بشروط مبسطة وبدون مقابل مالي لكل نشاط راغب في ذلك. وأوضح أن هذا القرار ينعكس إيجابًا على الخدمات المُقدَّمة للمستهلكين في مدن المملكة، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار الخدمات الطبية والصيدلانية وخدمات محطات الوقود. كما سيكون له تأثيرٌ إيجابي كذلك على القطاعات الحديثة، مثل السياحة والترفيه والسينما.

وقد تعددت الآراء وتباينت وجهات النظر حول جدوى قرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة، وما قد يترتب عليه من آثار؛ فبينما أشارت بعض المداخلات إلى المزايا الاقتصادية التي ستعود بالنفع على الاقتصاد الوطني، فإن البعض الآخر يرى أن القرار سيكون له آثار سلبية على الشأنين الاجتماعي والاقتصادي، في حين يذهب فريق ثالث إلى أن المسألة طبيعية وأن القرار ليس إلزاميًّا؛ بمعنى أن مَن أراد ممارسة نشاطه على مدار الساعة فهذا حق له وشأن خاص به. والمؤكد أن هذه القراءات جميعها لا شك أنها ستتضح لنا على أرض الواقع جراءَ التطبيق الفعلي.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول هذه القضية، ما يلي:

1-  إجراء دراسة شاملة لاستطلاع الرأي العام حول احتياجات المجتمع المتعلقة بتطبيق هذا القرار، وكذلك البدائل المقترحة لساعات العمل.

2-    دراسة الأهمية والأثر الصحي والأمني والاجتماعي الإيجابي والسلبي للأنشطة المُخطَّط لها أن تعمل ٢٤ ساعة – بعد تحديدها – قبل التطبيق، وأَخْذ ذلك الأثر في الحُسبان بجوار الأثر الاقتصادي.

3-    الحرص على تطبيق أسس وشروط المدن الصديقة للإنسان، والكشف عن مدى تأثير هذا القرار عليها.

ʘ       الورقة الرئيسة: م. أسامة الكردي:

صدر مؤخرًا قرار مهم من مجلس الوزراء بالسماح للأنشطة التجارية بالعمل ٢٤ ساعة بمقابل مالي وبشروط ومتطلبات يجري الآن إعدادُها من قِبل وزارة الشؤون البلدية والقروية والجهات المعنية الأخرى. حيث من المعروف أن الحد الأقصى لعمل الأنشطة التجارية حاليًّا هو الساعة ١٢ عند منتصف الليل، يُستثنَى منها مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكانت وزارة الداخلية تصدر موافقات العمل لمدة ٢٤ ساعة بشروط مبسطة وبدون مقابل مالي لكل نشاط راغب في ذلك.

وفي رأيي المتواضع، فإن هذا القرار ينعكس إيجابًا على الخدمات المقدَّمة للمستهلكين في مدن المملكة، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار الخدمات الطبية والصيدلانية وخدمات محطات الوقود. كما سيكون له تأثير إيجابي كذلك على القطاعات الحديثة، مثل السياحة والترفيه والسينما.

وتتوقع الوزارة أن يكون لهذا القرار تأثيرٌ مهمٌّ على الاقتصاد الكلي للمملكة ونمو الطلب على السلع الاستهلاكية والخدمات، وعلى استقطاب الاستثمارات وخلق فرص وظيفية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودورها في الناتج المحلي.

أما فيما يتعلق بالمقابل المالي فقد توقَّع البعض أن يكون على مستويات متعددة حسب النشاط، وحسب مساحة موقع العمل، وحجم العمل، وأهمية الخدمة التي يُقدِّمها. ويتوقع البعض أن يصل المقابل المالي إلى ١٠٠ ألف ريال، كما من المتوقع أن تُعفى بعض النشاطات مثل الصيدليات ومحطات الوقود والمستشفيات والفنادق من هذا المقابل لأسباب متعددة، ولكن المهم هنا أن لا تؤثر قيمة هذا المقابل المالي في أسعار السلع والخدمات؛ لأنه من المستبعد أن يكون لها سعرٌ في أوقات العمل العادية وسعر آخر في أوقات العمل المتأخرة، ولا شك أن هذا سيؤدي إلى ضغوطات على نسبة التضخم في الاقتصاد السعودي.

وقد أظهرت دراسة أعدتها صحيفة الاقتصادية أن أكثر النشاطات المستفيدة من هذا القرار هي: نشاط التجزئة، ونشاط النقل، ونشاط الخدمات الاجتماعية. وتتحدث بعض الدراسات عن إحداث ٤٥ ألف وظيفة مباشرة في قطاع التجزئة، و٢٠ ألف وظيفة غير مباشرة، و٣٠ ألف وظيفة بدوام جزئي. كما تُقدِّر الدراسات مساهمة العمل لساعات متأخرة في بريطانيا ب ٦٪؜ من إجمالي الاقتصاد، ولكن هنا يجب ملاحظة أن موعد إقفال المحال في بريطانيا هو الساعة الخامسة أو الساعة السادسة مساءً، وليس منتصف الليل كما هو في المملكة.

ومن المهم التذكير أنه لا توجد علاقة بين هذا القرار وموضوع إغلاق المحلات وقت الصلاة.

ويمكن الخروج ببعض التوصيات المتعلقة بهذا الموضوع كالآتي:

1-    ضرورة انخفاض المقابل المالي حتى نصلَ بشكل أوسع للأهداف المرجوة من هذا القرار.

2-    ضرورة التوسُّع في النشاطات المُعفاة من المقابل المالي خدمةً للمستهلك.

3-    الأخذ في الاعتبار طبيعة النشاط التجاري في مكة المكرمة والمدينة المنورة خدمةً للحُجَّاج والمعتمرين والزوَّار.

4-    الأخذ في الاعتبار مواسم الإجازات الصيفية والأعياد على مستوى المملكة.

ʘ    المداخلات حول القضية:

ʘ    إيجابيات وسلبيات قرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة:

في تقدير د. خالد الرديعان، فإن قرار فتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة ينطوي على مجموعة من الإيجابيات وأيضًا السلبيات المتوقعة في الوقت ذاته، ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:

  • ·أولاً – إيجابيات القرار المتوقعة:

1-أن تفتح بعض المحلات فترة أطول من المعتاد؛ فهذا يعني خَلْق مزيد من وظائف الباعة، وهو ما يصبُّ في توطين بعض المهن، فضلاً عن كونه جهدًا إضافيًّا في مواجهة البطالة بين الشباب. مثل هذه المهن قد تكون مناسبةً للطلاب والطالبات، بحيث يعملون بنظام part-time لمَن يودُّون عمل دخل ليس بالضرورة منتظمًا لكنه يكفي لسدِّ بعض احتياجاتهم.

2-تمكين البعض من التسوُّق في الأوقات المناسبة لهم وخاصة ليلًا؛ حيث تقلُّ حركة المرور والازدحام، وبالتالي سرعة التسوُّق في وقت قياسي.

3-بما أن هناك رسومًا على أصحاب الأعمال؛ فهذا قد يُوفِّر مبالغ كبيرة لخزينة الدولة تُوجِّهها لخدمة قطاعات أخرى، ويُفضَّل أن تكون هذه الرسوم مرتفعةً ومدروسةً جيدًا؛ منعًا للفوضى، وللحد من كثرة المحلات التي تعمل خارج أوقات العمل.

4-من إيجابيات هذا القرار أنه قد يُخفِّف من حركة سير المركبات نهارًا، وهو ما ينعكس إيجابًا على خَفْض نسبة تلوث الهواء بسبب عوادم السيارات.

  • ·ثانيًا – السلبيات المتوقعة للقرار:

1-زيادة هَدْر الطاقة كالكهرباء والوقود، والضغط على بعض الخدمات لتوسيع نشاطها في غير أوقات العمل الرسمي؛ كالشرطة والمرور والبلديات.

2-  زيادة مستوى الضوضاء ليلاً، وهو ما يعني اختفاء الهدوء في أوقات هي مُخصَّصة للراحة.

3-الخوف من زيادة معدل الجرائم ليلًا؛ كالسطو على المحلات والسرقات، وحوادث الاعتداء على المارة في ظل توفُّر السيارة مع الشبان والسيدات كذلك.

4-ساعات الليل في الشتاء طويلة وباردة، والعمل في هذه الساعات قد يجلب متاعب صحية للعاملين، وخاصة في المناطق شديدة البرودة. وفي الوقت ذاته قد تخفُّ أعداد المتسوقين في ليالي الشتاء مما يُعَدُّ خسارةً للمحلات التجارية.

5-  القرار قد يُشجِّع على السهر ليلاً، وهي مشكلة نعاني منها قبل القرار وخاصة سهر الطلاب والأطفال.

6-القرار يتعارض مع فكرة “أنسنة المدن”؛ فالنهار للعمل والليل للراحة، والإخلال بهذه القاعدة البسيطة يخلُّ بمفهوم الأنسنة.

وفي رأي د. الرديعان، فإن سلبيات القرار قد تكون أكثر من مزاياه؛ فساعات الليل هي بالأساس للراحة، كذلك بالتفكير في عمل المرأة فلعل من غير المفيد إشغالها ليلاً على حساب أسرتها وراحتها؛ فللقرار جوانب اجتماعية يُفترَض عدم إغفالها، كما يلزم الحفاظ على ترابُط أبناء الأسرة الواحدة، وعدم خَلْق ظروف تساعد على تشتُّتهم بسبب ظروف العمل و”الشفتات” المسائية. والحديث هنا بالطبع لا يتضمن العمل في المستشفيات فهذا ضروري، ولكن المقصود العمل التجاري الذي يمكن إنجازه في أي وقت نهارًا، وليس بالضرورة ليلًا. ويمكن اقتراح أن يكون هناك خطُّ رجعة؛ فقبل تطبيق النظام يلزم تجربته أولاً في ثلاثة أماكن: مدينة كبيرة، ومدينة صغيرة، وقرية، وذلك لعدة أشهر صيفًا وشتاءً، وفي حال عدم جدواه يُلغَى إلى أجل تكون فيه الظروف مناسبةً لتطبيقه. واتفق د. راشد العبد الكريم مع القول بأن القرار لم يراع جوانب اجتماعية وصحية واقتصادية أخرى؛ باعتبار أننا نعاني من الخلل في نمط المعيشة، والخشية أن هذا القرار وما يتفرع منه سيزيد من ذلك الخلل ويفاقم آثاره.

وأكَّدت د. عائشة الأحمدي على أهمية أن ننظر للمقارنات المرجعية في البلدان المختلفة، أيضًا في ظنها فإن القرار بالفعل أساسه دافع اقتصادي، لكن في الوقت نفسه هناك منافع اجتماعية من فَتْح المحلات ليلاً لا سيما المرتبطة بالحاجات الضرورية، ناهيك عن توفير فُرص عمل إضافية في بلد يُعَدُّ من البلدان الفتية، لكن كان من الملائم أن يُطبَّق القرار بحذر، ثم يُقيَّم المردود الاقتصادي، سواء في اقتصاد المدينة التي شملها القرار من الاقتصاد الكلي للبلاد أو في خفض نسبة البطالة، وكذلك الآثار الاجتماعية للقرار، قبل التعميم.

لكن د. عبد الله بن صالح الحمود يرى أن بدء تطبيق التجربة على مستوى المملكة ككل يساعد على أن تتضح الصورة العامة لهذا التنظيم، خصوصًا أن هناك تجارب مُحدَدة لدى بعض الأسواق الكبيرة كالهايبر ماركت والصيدليات. وبدوره أشار د. خالد الرديعان إلى أن تطبيق القرار على عينة صغيرة قد يكون كافيًا بحكم تجانُس المناطق السعودية إلى درجة كبيرة. ويمكن مع ذلك توسيع العينة إلى مدينتين وبلدتين وقريتين لزيادة التأكُّد. في حين ذكرت د. نوف الغامدي أن الهندسة المجتمعية تحتاج لمواكبة اقتصادية، فقد اعتاد أفراد المجتمع في مكة فتح المحلات 24 ساعة، فهناك بعض المحلات والهايبر ماركت والمنطقة المركزية بمكة تعمل على مدار الساعة وتغلق وقت الصلاة فقط، والحقيقة هو أمر يتقبله المجتمع تمامًا، يُضاف إلى ذلك أمثلة أخرى كالمستشفيات والخطوط السعودية، فهذه الجهات تعمل 24 ساعة بلا توقُّف والشباب يتقبلون هذا النوعَ من العمل بتوقيتات مختلفة.

وفي الإطار ذاته، ترى د. وفاء طيبة مناسبة فكرة أن يصدر قرار بتفويض كل منطقة بتحديد الموعد الملائم لها بشرط وضع حد أقصى، ما عدا مكة والمدينة، فلهما وَضْع مختلف عن بقية البلاد، ويكون خاصًّا بالأسواق حول الحرمين فقط. ومن وجهة نظرها، فإن مسألة التجريب لن تؤتي ثمارها وإنْ كانت فكرة جيدة؛ لأننا لم نعتدها، ولأنه يصعب التراجع عن قرار كهذا بعد تطبيقه في منطقة ما، ولأننا لا نُجري الدراسات المناسبة، ولأسباب كثيرة أخرى.

في حين أشار د. رياض نجم إلى أن التوقُّع هو أن مَن سعى لقرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة هي هيئة الترفيه؛ لأنَّ المستلزمات الأساسية للجمهور كانت متاحة لساعات كافية، وخدمات الطوارئ من صيدليات ومستشفيات وغيرها كانت موجودة على مدار الساعة قبل القرار. ولا شك أن للقرار ميزات اقتصادية وفرص توظيف للشباب السعودي من الجنسين. كما أنه لا بد أن تُوضع شروط واحتياطات للمحلات التي ترغب في العمل بعد منتصف الليل وحتى طلوع الشمس، خصوصًا إذا كانت في مجال الترفيه.

ومن جانبها أشارت د. وفاء طيبة إلى أنه ومنذ أن سمعت بقرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة، وهي لا تجد له غير الميزة الاقتصادية، وفي ظنها فإن تقديم هذه الميزة على بقية نواحي الحياة موضوع فيه نظر. فساعات العمل دُرست كثيرًا في الدول التي سبقتنا، وهي بالمناسبة يُفترَض أنها أقل اهتمامًا منَّا بالحياة الأسرية وبعض الضوابط الاجتماعية، وتوصَّل كل العالم تقريبًا لساعات العمل التجارية المحددة، والتي قد يكون أطولها في الولايات المتحدة وكندا، وهي من الساعة التاسعة صباحًا إلى الساعة التاسعة مساءًا في أيام الأسبوع، أما أوروبا فتغلق المحال بشكل عام الساعة السادسة. وهذا بالطبع لا ينطبق على الأنشطة التجارية الضرورية، مثل الصيدليات وبعض البقالات وما شابه، والتي لدينا فعالة ونشيطة حتى قبل القرار؛ ومن ثَمَّ ما هي الأنشطة المقصودة بالقرار؟ إنْ كانت المطاعم والسينمات، فلذلك سلبيات اجتماعية وأسرية بالطبع، وهذه الأنشطة تُغلَق في الدول الغربية ما عدا البارات! وبعض المطاعم القليلة جدًّا وكافيهات الفنادق الكبيرة مثلاً، وهذا مقبول؛ أما أن تكون كل المطاعم والسينمات ووسائل الترفيه عاملةً أو مسموحًا لها أن تعمل ٢٤ ساعة، فدون شك هي خطوة يجب تقنينُها، وإلا ستكون لها آثار اجتماعية وأخلاقية سلبية. أما مسألة استحداث الوظائف فهناك مجالات كثيرة غير هذه، وبالطبع مَن سيعمل هم الشباب أو الرجال، أما النساء فلن يقبل المجتمع، والظن أن نظام تشغيل المرأة يُعارض ذلك.

أما أ. عبد الله الضويحي فحدَّد وجهة نظره حول قرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة وما يتعلق بمزاياه وعيوبه في عدة نقاط محددة:

  • أولاً: أن الموضوع لا يزال غامضًا حول ماهية ونوع النشاطات التي سيُسمَح لها، وهل ستكون مفتوحةً لكل مَن أراد؟ هناك نشاطات قائمة، مثل محطات الوقود والخدمات الطبية بأنواعها والسوبر ماركت، فماذا بقي؟ المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والترفيه مثل دور السينما، والاعتقاد أن أحدًا لن يضطر لشراء ملابس في آخر الليل؛ لذلك فالميل إلى أنها قد تُسبِّب مشاكل وإزعاجًا، وبالتالي إضافة أعباء على الجهات الأمنية؛ ولذا فالرأي هو قصرها على القائم حاليًّا، وإضافة مطاعم الوجبات السريعة وبعض الأمور الخدمية.
  • ثانيًا: تعودنا إن أية رسوم تُفرض على التاجر يتحملها المستهلك، حيث يرفع التاجر السعرَ ويُحقِّق مردودًا مضاعفًا دون حسيب، كما حصل مع الضريبة المضافة وغيرها؛ فالمتضرر في النهاية المستهلك في حين أن المستفيد التاجر والدولة؛ بما يوحي أن الهدف اقتصادي بحت، وبحث عن تنويع لمصادر الدخل.
  • ثالثًا: بخصوص ما تذكره بعض الدراسات من إحداث 45 ألف وظيفة مباشرة في قطاع التجزئة، و20 ألف وظيفة غير مباشرة، و30 ألف وظيفة بدوام جزئي؛ فقد تعودنا على مثل هذه الأرقام لتسويق أي مشروع دون أن نرى ذلك على أرض الواقع؛ لذلك فالأنسب هو العودة لفكرة سبَق طرحها، وهي الدوام المتصل من 9:00 صباحًا حتى 9:00 مساءً، مع بقاء بعض النشاطات القائمة حاليًّا وبعض مطاعم الوجبات السريعة وتأخُّر بعضها في الإغلاق كالمطاعم والترفيه، واستصدار فتوى من هيئة كبار العلماء بتأخير صلاة العشاء للساعة التاسعة؛ فتأخير الصلاة يحدث في رمضان، ووقت العشاء يمتد لمنتصف الليل، فلا مانع شرعي من ذلك طالما أنه يتفق والمصلحة العامة.

أما د. رياض نجم فيرى بخصوص اقتراح تأخير صلاة العشاء للساعة التاسعة، أنه غير عملي لاختلاف التوقيت بين مناطق المملكة، فصلاةُ العشاء في فصل الصيف تكون بعد الساعة التاسعة في شمال غرب المملكة، على سبيل المثال. وما يمكن النظر فيه هو عدم إلزامية قَفْل المحلات لصلاة العشاء؛ لأن وقتها يمتد إلى منتصف الليل. إلا أن هذا سيُدخلنا في موضوع إقفال المحلات في أوقات الصلوات، وهذه قضية أخرى. في حين يرى أ. عبد الله الضويحي أن الحل يكمن في اعتماد التوقيت الصيفي والشتوي بتقديم ساعة أو تأخيرها كما في معظم دول العالم.

وبدورها لخَّصت د. نوف الغامدي آثار قرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة في عدة نقاط:

–         توفير السلع والخدمات على مدار الساعة.

–         رَفْع دورة الحياة بالمدن وجودة الحياة، وتحسين مستوى التنافسية.

–   نمو الناتج المحلي غير النفطي بين 0.25 – 0.3 % من خلال تحفيز الإنفاق الاستهلاكي، واستقطاب استثمارات رأسمالية.

–         زيادة الفرص الوظيفية وخَفْض معدلات البطالة.

–         تحفيز قطاع الأعمال من خلال زيادة هوامش أرباح الشركات.

–   خَفْض معدلات البطالة وخَلْق أكثر من 45,000 وظيفة مباشرة في قطاع التجزئة، و‏20,000 وظيفة غير مباشرة، وأيضًا ‏30,000 وظيفة دوام جزئي.

–         زيادة عدد المنشآت المتوسطة والصغيرة من 5 – 6%، وزيادة نشاطها من 14 – 16%.

–         تحسين البيئة الترفيهية في المدن، وتخفيف الازدحام في أوقات الذروة من خلال توفير فترات أطول.

–         ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لقطاع السياحة بنسبة 3.2%. ‏

–         زيادة القيمة الاقتصادية لقطاع الترفيه بنسبة 9%.

–   ‏زيادة الإنفاق الاستهلاكي بما يعادل من 90 إلى 100 مليار ريال سعودي، وبالتالي ‏انخفاض نسبة التضخُّم بسبب الخيارات المختلفة للمستهلكين في أوقات مختلفة.

–   زيادة حجم أعمال قطاع المطاعم بنسبة تتراوح بين 9 – 11%؛ أي ما يعادل 68 مليار ريال سعودي، فقطاع التجزئة أحد أهم توجهات المستثمرين، والذي يشهد تعاظمًا مستمرًا في أدائه وخاصة قطاع المأكولات والمشروبات بما فيها المطاعم والكافيهات، والمحلات التجارية، وقطاع الترفيه، حيث إنَّ حجم مبيعات سوق التجزئة في المملكة عام 2018 وصل إلى 400 مليار ريال، ومن المتوقَّع أن ينمو إلى أكثر من 12 % بحلول العام 2023 وفقًا لتقارير اقتصادية، كما أن هناك أكثر من 472 ألف منشأة.

وعلى القطاع الخاص الاستفادة من قرار مجلس الوزراء لزيادة أرباح الشركات والمؤسسات من خلال السماح بمزاولة العمل لمدة 24 ساعة، فهذا القرار سيسهم في رفع القيمة الإجمالية المضافة لاقتصاد المملكة، ويُنشِّط الدورة الاقتصادية للمنشآت، ويعمل على استقرارها وزيادة تنافسيتها.

أما القطاعات المستفيدة من هذا القرار فهي قطاعات متعددة، منها: النقل والتجزئة، والزراعة، والتعدين غير النفطي، والصناعة، والطاقة، والمقاولات والإسكان، والعقارات، والاتصالات، والقطاع المالي، والخدمات الاجتماعية. كما أن القرار سيزيد من المكاسب وخاصة في قطاع المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم ومحطات الوقود في ظل التنامي المتزايد من جهة القوة الاستهلاكية واتساعها، ومن حيث التوسُّع أيضًا في إنشاء المحلات التجارية في السوق السعودية الآخذة في النمو والازدهار. كما أنَّ هذا التوجُّه سيُضيف الكثيرَ من المزايا ويُقلل الهدر في جانب الحركة المرورية، فضلاً عن ارتفاع العائدات، كما أنه إعادة تصميم لنموذج أداء هذا القطاع بما يتواءم مع المتغيرات والمتطلبات الحديثة، كما أنه سيسهم في الحاجة إلى توظيف الأيدي العاملة السعودية بمتوسط يصل من واحد إلى اثنين في أغلب المحلات الصغيرة، في حين سيتضاعف ذلك في المحلات المتوسطة والكبيرة، ومن ثَمَّ تمكينهم من العمل وفقًا لذلك.

وتساءل د. رياض نجم تعليقًا على ما ذكرته د. نوف الغامدي: هل هذه الأرقام المذكورة صادرة عن جهة استشارية ذات موثوقية؟ وبدورها أوضحت د. نوف الغامدي أن الأرقام التي ذكرتها بُنيت على دراسة ومقارنات مرجعية وقت صدور القرار.

ومن جهته أضاف أ. محمد الدندني أن نتائج الدراسات ومنها ما ذكرته د. نوف عن زيادة فرص العمل تظهر وكأننا قد نجحنا في توطين وسعودة تجارة التجزئة بالذات في وضعها الحالي، ناهيك عن أعمال أخرى. والواقع أن تجارة التجزئة والصيانة سوق ضخم جدًّا ومسيطر عليه من قِبل الأجنبي؛ والسبب التستُّر وانخفاض الأجر، وهو من الطبيعي أن يسعد التاجر والمتستر لزيادة الربح. ليتنا ننجح في تنظيم تجارة التجزئة بكل أنشطتها في الوضع الحالي بدل أن نزيد ساعات العمل لخلق فرص جديدة. نعرف أن المملكة بلدٌ كبير واقتصاد ضخم، ولا يمكن أن تغطيه وتستوعبه القوى العاملة المحلية، وربما هذا الحال في كافة الأنشطة والأعمال، ولكن هذا لا يعني أن لا يُنظَّم سوق العمل، مع تغيير الأسباب الجوهرية التي أدت إلى سيطرة الأجنبي، بدلاً من التبرير بأن العمل على مدار الساعة سيخلق فرص عمل.

ومن ناحيتها أوجزت د. عبير برهمين وجهة نظرها حول إيجابيات وسلبيات قرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة في النقاط التالية:

1-  هناك مكاسب اقتصادية عديدة للقرار، لكن لا سبيلَ للتحقُّق التام منها إلا بمرور الوقت وبعد التطبيق.

2-قد يكون للقرار آثارٌ اقتصادية إيجابية للأفراد ممَّن تستوجب ظروفهم الاجتماعية العمل بدوام جزئي، خاصة مَن يعملون برواتب متدنية أو مَن يدرسون ويعولون أسرًا.

3-الخوف من ارتفاع معدل الجريمة والعنف بعد تطبيق القرار قد لا يكون في محله، إذ إننا نراهن على كوننا مجتمعًا أكثر تدينًا من باقي شعوب العالم.

4-قد يعترض البعض على مسألة تجريب تطبيق القرار في بعض المناطق أولاً قبل تعميمه، ولكن الواقع أن التجربة خيرُ برهان.

5-مشكلة التستر قد تختفي بوجود مثل هذا القرار؛ حيث تستفيد خزائن الدولة، وتقضي على جشع بعض المتسترين ممَّن يتاجرون بالبشر.

6-التغيرات الحاصلة في المملكة سيصاحبها تغيرات اجتماعية متعددة، وعلينا أن نُؤسِّس لمجتمع قوي واعٍ لنُحقِّق النهضةَ المنشودة.

وتطرقت د. هند الخليفة إلى أن نجاح أي قرار يرتبط بعلاقته بثقافة المجتمع واحتياجات مواطنيه؛ لذلك فمِن المهم مراعاة ما يلي:

–   إجراء دراسة شاملة لاستطلاع الرأي العام حول احتياج المجتمع لتطبيق هذا النظام، وكذلك البدائل المقترحة لساعات العمل.

–         العمل على مواءمة نظام ساعات عمل المحال التجارية ليتوافق مع ثقافة المجتمع والمواسم والمناطق.

–   إجراء الدراسات المقارنة مع الدول الأخرى التي طبَّقت النظام، والاستفادة من تجربتها، واتخاذ المحاذير بعين الاعتبار، والأضرار الاجتماعية والأسرية المتوقعة أو التي مرَّت بها هذه المجتمعات.

–         الحرص على تطبيق أسُس وشروط المدن الصديقة للإنسان، والكشف عن مدى تأثير هذا النظام عليها.

وذهب د. سليمان الطفيل إلى أنه ليس هناك أدنى شك في أهمية السعي لتطوير الأعمال وتيسيرها لتحقيق جودة الحياة والمسؤولية المجتمعية والحياة الكريمة؛ لكن يجب أن يكون ذلك وَفْق ضوابط وأسس وقواعد تتماشى مع قيمنا الأصيلة. وفيما يتعلق بتقييم قرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية على الوطن والمجتمع السعودي، فيمكن النظر إليه في ضوء ما يلي:

1-أن القرار ليس لائحة جديدة بل تنظيمًا جديدًا؛ فسبق وأن أطلق السماح وبشروط وضعتها وزارة الداخلية لجميع محطات البنزين والصيدليات والمحلات الكبيرة التي ترغب في ذلك في جميع مدن المملكة، عدا مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فالسماح مُطلَق للجميع ولا يلزم أَخْذ الموافقة بسبب خصائصهما الدينية، وكذا دور السينما فقد تمَّ السماح بها ٢٤ ساعة قبل صدور القرار، بل هو المتبع عالميًّا.

2-أن التنظيم الجديد لا ينظر إلى المصلحة الاجتماعية للوطن والمجتمع التي حرصت – للأسف – دولٌ غربية متقدِّمة سبقتنا في ذلك على وضعها في الاعتبار، فماذا سيتحقق سوى الكسب المادي بفرض الرسوم وزيادة الإيرادات؟! فهو بحقٍّ قرار صادم إذا ما سمح لجميع المحلات دون استثناء ودون قيد أو شرط سوى دفع الرسوم.

3-أن القرار له نتائج اقتصادية تتمثل في زيادة الايرادات لخزينة الدولة وزيادة التشغيل للقطاعات والأنشطة الاقتصادية، لكن يجب ألا يغيب عنَّا أن هناك تكاليفَ غير مباشرة سيتحملها الاقتصاد والمجتمع جراء تطبيق القرار، وتتمثل التكاليف الاقتصادية في زيادة الأعباء على الطرق والطاقة والأمن والسلامة… إلخ، أما التكاليف الاجتماعية فتتمثل في زيادة التدهور والاستقرار العائلي والأسري وكذلك المجتمعي جراء كثرة خروج الشباب والفتيات ليلاً، وربما يتبع ذلك زيادة نسبة تعاطي المخدرات وحوادث الاختطاف.

ويُفسِّر ذلك – برأي د. سليمان الطفيل – أسبابَ عدم القناعة بهذا القرار؛ لوجود الفسح سابقًا لبعض الأنشطة، ولعدم الحاجة لما يُراد منه في تنمية ونهضة الاقتصاد والمجتمع، ولتعارضه مع ناموس الحياة الطبيعية للإنسان، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا* وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [سورة النبأ: الآيتان 10، 11]. وبناءً عليه، يمكن التوصية بما يلي:

1-تفعيل القرار على الأنشطة السابقة له والتي لا يمكن تحقيق جودة الحياة وضرورات العمل إلا بها، مثل: المستشفيات والمستوصفات والصيدليات ومحطات البنزين، ومراكز خدمات السيارات، والأسواق المركزية الكبيرة، وعدد من المطاعم والكافيهات، حسب دراسة ديموغرافية سكانية لتحديد نسبة الاحتياج ووَضْع شروط لها.

2-الاقتصار في تشغيل هذه الأنشطة على المواطنين عدا مراكز خدمات السيارات، حيث تكون بنسب معينة لا تزيد العمالة الأجنبية فيها عن 70٪.

3-  تفعيل فكرة الأسواق الليلية في عدد من المدن الرئيسيّة والمدن الرديفة، وذلك حسب طبيعة المدينة ومنتجاتها.

ومن جديد أشار د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن البعض يتحدث عن مزايا اقتصادية ستعود بالنفع على الاقتصاد الوطني، فضلاً عن أن ذلك دون شك سينسحب لصالح الشأن الاجتماعي نحو بعض من الأمور. بينما البعض الآخر يرى أن تفعيل قرار السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة سيكون له آثار سلبية على الشأنين الاجتماعي والاقتصادي، في حين يذهب فريق ثالث إلى أن المسألة طبيعية وأن القرار ليس إلزاميًّا؛ بمعنى أن مَن أراد ممارسة نشاطه على مدار الساعة فهذا حق له وشأن خاص به. والمؤكَّد أن هذه القراءات جميعها لا شك أنها ستتضح لنا على أرض الواقع جراء التطبيق الفعلي؛ لذا علينا أن نُدرك أن التطبيق هو ما سيُعطي لنا سلبية أو إيجابية القرار، ولكن الأمر الذي يُفترَض أن يتفق عليه الجميع هو مقدار النسبة الأعلى التي ستتجه إليها نتائج التطبيق سلبًا أو إيجابًا.

ʘ    مدى ملاءمة وجود مقابل مالي نظير السماح بفتح بعض المحلات التجارية ٢٤ ساعة:

أبدى م. سالم المري استغرابَه من أن ينطوي القرار على مقابل مادي نظير السماح بمزاولة الأنشطة 24 ساعة، ومرد ذلك – في رأيه – أنه لا يوجد لدينا بارات ولا نوادٍ ليلية؛ وعليه فإن عددَ مَن سيطلب خدمة بعد منتصف الليل سيكون قليلاً، وغالبًا في مجال الخدمات الأساسية؛ ولذلك قد لا يكون من المجدي العمل ٢٤ ساعة. وقديمًا كانت الحكومة تفرض المناوبة على الصيدليات إلى درجة أنه كان يتم الإعلان عنها في الأخبار. لذلك، قد لا يكون من المجدي فرض رسوم بل الأفضل تقنين الخدمات التي يُسمَح لأصحابها بالعمل ٢٤ ساعة إذا رغبوا في ذلك. ويُشترَط أن يكون العاملون سعوديين حتى نفتح وظائف للعمالة المحلية، وتُترَك المسألة للسوق والعرض والطلب. واتفق د. حمد البريثن مع المطالبة بسعودة وظائف الدوام المتأخر مع شرط وجود وظائف بالنظام الجزئي.

أما د. خالد بن دهيش فأشار إلى أن مجلس الشورى كان قبل عدة سنوات يناقش قَفْل المحلات التجارية عند الساعة التاسعة ليلاً، والآنَ صدر قرار بالسماح للأنشطة التجارية بالعمل طوال ل ٢٤ ساعة يوميًّا، ومن ثَمَّ يكون من الضروري التساؤل: هل هناك علاقة، بمعنى أن هناك أنشطة تُقفَل ويتوقف نشاطها عند الساعة التاسعة، وأخرى يُسمَح لها بمزاولة نشاطها ٢٤ ساعة لحاجة المجتمع لها، وبمقابل مالي؟ وهل هناك توجُّه لأن يكون العاملون بها من الرجال؟

وفي تصوُّر د. علي الطخيس، فإن المحلات التي يمكن أن تفتح ٢٤ ساعة ستكون محدودةَ العدد، وقد تشمل بالإضافة إلى الصيدليات مطاعمَ الوجبات السريعة والأسواق المركزية في بعض الأحياء وبعض المولات التجارية. ويمكن أن يُعمَل جدول مناوبات لتجار التجزئة وأصحاب المهن كالسباكين والكهربائيين والحلاقين إلخ؛ بحيث يُكتفَى بالحد الأدنى من كلِّ مهنة.

وطالَب د. رياض نجم بأن لا يكون المقابل المالي الذي ستُحصِّله وزارة الشؤون البلدية والقروية هدفًا في حد ذاته لزيادة الدخل غير النفطي! فيكون رمزيًّا للخدمات التي نُشجِّعها للتواجد على مدار الساعة، ومرتفعًا للخدمات التي لا نُحبِّذ استمرارَها طوال اليوم (خصوصًا خلال الفترة من منتصف الليل حتى ٦ صباحًا). أما بالنسبة لنشاطات الترفيه، فلعل من الملائم أن يتم تقنين أوقاتها، بحيث لا تشمل الفترة المتأخرة من الليل وحتى طلوع الشمس. فهذه ليست نشاطات ضرورية في هذه الفترة، وعلينا تغليب المزايا الاجتماعية والأمنية فيها على المزايا الاقتصادية للعاملين فيها ولمرتاديها.

ومن جهته يرى أ. محمد الدندني أنه يجب أن تكون الأنشطة المشمولة بالقرار – في البداية – بلا رسوم حتى نرى مَن سيُقبل عليها وما جدواها، مع الإبقاء على شرط السعودة والعمل الجزئي.

بينما ذهب د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن مسألة الرسوم البلدية هي أمر لا بد منه، إنما يُفترَض ألا يتجاوز الرسم السنوي عشرين ألف ريال، والحد الأدنى خمسة آلاف. لكن د. رياض نجم أكَّد على أنه لا يمكن تحديد الرسوم بشكل مقطوع هكذا؛ بل لا بد أن تعتمد على نوع النشاط وحجمه، ومدة الترخيص بالساعات، والمدينة، وغير ذلك من العوامل. ومن الضروري أن لا يُنظَر للرسوم على أنها مصدر دخل للحكومة؛ وإنما كوسيلة لتنظيم العمل ٢٤ ساعة، من حيث تشجيعه أو التقليل منه حسب الحالة.

ومن وجهة نظر د. مساعد المحيا، فإن الورقة الرئيسة حاولت أن تقترح بعضَ الآفاق المتعلقة بالقرار قبل صدور التفاصيل المتعلقة به؛ إذ نصَّ قرار مجلس الوزراء على ما يلي: “… ووافق المجلس على السماح للأنشطة التجارية بالعمل لمدة (24) ساعة، وذلك بمقابل مالي يُحدِّده وزير الشؤون البلدية والقروية وفقًا للاعتبارات التي يُقدِّرها، كما يُحدِّد الأنشطة التجارية التي لا يسري عليها هذا المقابل بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة أو طبيعة تلك الأنشطة”. وفي الحقيقة لا تزال هناك ضبابية فيما يتعلق بالقرار ولا سيما أنه لمَّا تصدر بعدُ ماهية المقابل المالي، وكذلك الاعتبارات المتعلقة به؛ إذ إن صدور ذلك هو الذي يمكن على ضوئه مناقشة كثير من التفاصيل، سواء حول طبيعة القطاعات التي ستنضمُّ أو سيُسمَح لها، أو ماهية المقابل المالي الذي يمكن أن يكون مشجعًا للعديد من المؤسسات أو مانعًا لها من دخول هذه التجربة.

ʘ    التوصيات:

1-  إجراء دراسة شاملة لاستطلاع الرأي العام حول احتياجات المجتمع المتعلقة بتطبيق هذا القرار، وكذلك البدائل المقترحة لساعات العمل.

2-    دراسة الأهمية والأثر الصحي والأمني والاجتماعي الإيجابي والسلبي للأنشطة المُخطَّط لها أن تعمل ٢٤ ساعة – بعد تحديدها – قبل التطبيق، وأخذ ذلك الأثر في الحسبان بجوار الأثر الاقتصادي.

3-  إجراء الدراسات المقارنة مع الدول الأخرى التي طبَّقت تنظيم فتح المحال أربعًا وعشرين ساعة، والاستفادة من تجربتها واتخاذ المحاذير بعين الاعتبار، والأضرار الاجتماعية والأسرية المتوقَّعة أو التي مرَّت بها هذه المجتمعات.

4-    الحرص على تطبيق أسُس وشروط المدن الصديقة للإنسان، والكشف عن مدى تأثير هذا القرار عليها.

5-  أن يكون المقابل المالي في حدود إمكانية كل نشاط على حدة، وأن تُبنَى قيمة الرسوم على أساس تنظيم النشاطات التي ستعمل ٢٤ ساعة؛ بحيث يتم تخفيضها لتشجيع المرغوب فيها اجتماعيًّا وصحيًّا، وتؤدي لمصلحة اقتصادية واضحة، ورفعها للنشاطات التي يترتب عليها سلبيات قد تضرُّ بالصحة أو المجتمع.

6-    ضرورة التوسُّع في النشاطات المعفاة من المقابل المالي خدمةً للمستهلك.

7-  الأخذ في الاعتبار طبيعة النشاط التجاري في مكة المكرمة والمدينة المنورة خدمةً للحُجَّاج والمعتمرين والزوَّار، فالمفترض أن تُعفَى هاتان المدينتان من رسم ترخيص السماح، بفتح المحال التجارية أربعًا وعشرين ساعة، إضافةً إلى مواسم الإجازات والأعياد إنْ أمكن شمولها في ذلك؛ دعمًا للسياحة الداخلية.

8-  أن يكون التطبيق على مراحل، من خلال ثلاث مناطق (كبيرة، ومتوسطة، وصغيرة) إضافةً إلى محافظة أو محافظتين؛ لاكتساب نتائج أوضح بعد التطبيق.

9-    العمل على مواءمة نظام ساعات عمل المحال التجارية ليتوافق مع ثقافة المجتمع والمواسم والمناطق.

10-  السماح للموظفين الحكوميين المدنيين والعسكريين ممَّن تقلُّ مرتباتهم عن عشرة آلاف ريال، بالعمل مساءً لدى المحال التجارية المُرخَّص لها بمزاولة العمل أربعًا وعشرين ساعة، وعدد ساعات محدود بحيث لا يضرُّ بالعمل الصباحي؛ شريطة موافقة الجهات التي يتبعونها.

11-  ضرورة مراعاة الناحية الأمنية للمنشآت بعد تطبيق قرار السماح بفتح المحال التجارية أربعًا وعشرين ساعة؛ لإضفاء مزيدٍ من الطمأنينة، خصوصًا وقت منتصف الليل.


القضية الثالثة

جهود المملكة العربية السعودية في تيسير أداء مناسك الحج والتحديات التي تواجه تلك الجهود “حج 1440هـ أنموذجًا”

(25/8/2019م)

  • الورقة الرئيسة: د. الجازي الشبيكي.
  • التعقيبات:

ʘالتعقيب الأول: د. حمزة بيت المال.

ʘ  التعقيب الثاني: أ. جمال ملائكة.

  • إدارة الحوار: د. نوف الغامدي.

ʘ    الملخص التنفيذي:

استهلَّت د. الجازي الشبيكي الورقةَ الرئيسة بالحديث عن الشرف الذي حباه الله للمملكة العربية السعودية بأن جَعَل أرضها مهبطًا للوحي ومنبعًا للإسلام وقبلةً تتجه إليها أنظار المسلمين وأفئدتهم في كل صلاة من الصلوات الخمس، كما شرَّفها بأن تكون الوجهة التي يؤدي فيها المسلمون الركنَ الخامسَ من أركان الإسلام الخمسة، ألا وهو الحج. وهذا الشرف العظيم لهذه البلاد جعَل قادتها والحكومات المتعاقبة عليها منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله – إلى وقتنا الحاضر تبذل أكبر الجهود، وتُسخِر كافة الإمكانات لخدمة الحجاج وتيسير أدائهم لمناسكهم. كما رصدت من خلال ورقتها الجهودَ الضخمة التي تبذلها المملكة على مرِّ التاريخ، واختتمتها بعدد من التحديات المهمة التي يتعين مواجهتها.

وأوضح أ. جمال ملائكة في التعقيب الأول أنَّ الأمر المهم هو كيفية “تعظيم” المردود الاقتصادي والسياسي الذي سيعود على المملكة إذا قمنا ببعض الخطوات التي أشار إليها تفصيلاً للوصول إلى أعداد أكبر للمعتمرين والحجَّاج.

أما د. حمزة بيت المال فأكد في التعقيب الثاني أن ما تمَّ تحقيقه هذا العام يعتبر مفخرةً للجميع، وهو مؤشر على أن هناك الآنَ منظومة عمل متكاملة مبنية على رؤية واضحة بدأت تتشكل في العديد من الأوجه، كما ركَّز في تعقيبه على رؤية 2030، وكيف يمكن أن تُوضَع برامجها ومبادراتها موضع التنفيذ.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s        قراءة في إحصاءات حج 1440هـ.

s        رؤية تقييمية لجهود المملكة العربية السعودية في تيسير أداء مناسك الحج.

s        مقترحات للتعامل مع التحديات التي تواجه الحج.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “جهود المملكة العربية السعودية في تيسير أداء مناسك الحج والتحديات التي تواجه تلك الجهود” ما يلي:

  1. أهمية أن تحظى البُنى التحتية للمشاعر المقدسة والاستعدادات (مشاريع الإسكان، النقل بين المشاعر، معالجة مياه الصرف الصحي، ومساجد الطرق السريعة المتجهة من المشاعر وإليها) بالأولوية في كل الخُطط والمشاريع المتعلقة بالحج والعمرة.
  2. ضرورة ألا يكون الجانب الاقتصادي المتعلق بمردود عوائد الحج والعمرة هدفًًا إستراتيجيًّا لبلاد الحرمين الشريفين، وفي الوقت نفسه يكون التكثيف الإعلامي على دور المملكة في خدمة الحجيج في كل الجوانب وإبراز جهود المملكة، ومخاطبة الحُجَّاج والمعتمرين بلغاتهم وتمرير رؤية وسياسة المملكة.

ʘ    الورقة الرئيسة: د. الجازي الشبيكي:

شرَّف الله المملكة العربية السعودية بأن جعَل أرضَها مهبطًا للوحي ومنبعًا للإسلام وقبلةً تتجه إليها أنظار المسلمين وأفئدتهم في كل صلاة من الصلوات الخمس، كما شرَّفها بأن تكون الوجهة التي يؤدي فيها المسلمون الركنَ الخامس من أركان الإسلام الخمسة، ألا وهو الحج.

وهذا الشرف العظيم لهذه البلاد جعَل قادتها والحكومات المتعاقبة عليها منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله – إلى وقتنا الحاضر تبذل أكبر الجهود، وتُسخِّر كافة الإمكانات لخدمة الحجَّاج وتيسير أدائهم لمناسكهم.

وقد تمَّ خلال العقود الزمنية المتتالية الماضية رَصْد الميزانيات الضخمة لتوسعة الحرمين الشريفين وإنشاء البنى التحتية في المشاعر المقدسة، وجهود الدولة في سباق كل عام مع التحديات التي تعترض سبيل تقديمها لتلك الخدمات في أفضل صورة ممكنة، مُجنِدةً أغلبَ أجهزة الدولة ووزارتها في موسم الحج لهذا الغرض. ومع التراكم المعرفي وازدياد الخبرات تزداد الخدمات تحسُّنًا وتطوُّرًا.

وقد أولت رؤية المملكة 2030 جانبَ الحج والعمرة اهتمامًا كبيرًا، حيث أشارت ضمن إطار مجتمع حيوي قيمه راسخة إلى أن بلادنا التي هي قبلة المسلمين والعمق العربي الإسلامي لديها الفرصة الكافية لتسخير الطاقات لخدمة ضيوف الرحمن على أكمل وجه.

وقد اعتمد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ضمن برامجه الـ 12 لتحقيق الرؤية، برنامج خدمة ضيوف الرحمن، المتمثل في إتاحة الفرصة لأكبر عدد من المسلمين لأداء فريضة الحج والعمرة، والزيارة على أكمل وجه وفقًا للأهداف التالية:

1-    تيسير استضافة المزيد من المعتمرين، وتسهيل الوصول إلى الحرمين الشريفين.

2-    تقديم خدمات ذات جودة عالية للحُجَّاج والمعتمرين.

3-    إثراء التجربة الدينية والثقافية للحُجَّاج والمعتمرين.

من خلال:

  • إكمال مشاريع توسعة الحرمين الشريفين.
  • تطوير المطارات وزيادة طاقتها الاستيعابية.
  • إطلاق مشروع مترو مكة المكرمة استكمالاً لمشاريع قطار الحرمين وقطار المشاعر.
  • تعزيز منظومة شبكة النقل من وإلى الحرمين والمشاعر المقدسة.
  • مضاعفة أعداد المعتمرين من ثلاثة ملايين إلى ثمانية ملايين معتمر سنويًّا.
  • تسهيل إجراءات طلب التأشيرات وإصداراتها وصولاً إلى أتمتتها، وتطوير الخدمات الإلكترونية المتعلقة برحلة العمرة والحج.
  • توفير معلومات شاملة ومتكاملة من خلال التطبيقات الذكية، للتيسير عليهم وتسهيل حصولهم على المعلومة.

في إطار هذا التوجُّه والاهتمام الحالي والرؤية المستقبلية من قِبل الدولة للحج وخدمة ضيوف الرحمن، جاء حجُّ هذا العام 1440 هـ متميزًا بنقلة نوعية في الخدمات، لفتت أنظار الحجاج والمهتمين والمراقبين من غير الحجاج، وذلك على النحو التالي:

  • تطوُّر تفعيل نظام المسار الإلكتروني لتسجيل طلب الحج وشرحه بالتفصيل في موقع وزارة الحج من حيث مستويات برامج ضيافة حجاج الداخل (باقة ضيافة منى وباقة ضيافة 1 و2 و3 و4، وكذلك باقة اقتصادي 1 واقتصادي 2)، وشددت الوزارة على أهمية اختيار شركات ومؤسسات حجاج الداخل لهذه الباقات والبرامج، والالتزام بالمواصفات التي تمَّ تحديدها لكل برنامج في أسعار تتراوح بين 11 ألف وتسع مئة ريال كحد لأعلى سعر، وثلاثة آلاف وأربع مئة لأقل سعر.
  • تطوير مبادرة طريق مكة والتوسُّع فيها، والمتمثلة في إنهاء إجراءات قدوم الحجاج من مطارات بلادهم ودخولهم للمملكة كرحلة داخلية؛ تسهيلاً وإسراعًًا في خدمتهم.
  • زيادة وتكثيف القوى العاملة المشاركة في الحج، حيث بلغت هذا العام ما يقارب من ثلاث مئة وخمسين ألفَ شخص، يمثلون 47 جهة حكومية.
  • تنظيم ومتابعة تفويج حملات الحج تنظيمًا دقيقًا مرتبطًا بأجهزة متابعة إلكترونية من قِبل الجهات المختصة في النقل والحركة.
  • التيسير على الحجاج في الوصول إلى صعيد عرفات قبل ساعات من طلوع شمس يوم عرفة، أخذًا بالرُّخص التي أفتى بها أعضاء هيئة كبار العلماء، ليتمكَّن الحجاج من الوقوف بعرفة مبكرًا؛ لأنه ركنٌ أساسيٌّ من أركان الحج.
  • تطوير وزيادة البرامج التوعوية في مجالات الصحة والتغذية وغيرها.
  • تكثيف مشاركة المرأة السعودية في أغلب القطاعات الخدمية للحجاج بلُغات متعددة.
  • تطوُّر التغطيات الإعلامية الخاصة بحج هذا العام، والاهتمام بنقلها للعالم بلغات متعددة.
  • مساهمة الإعلام الجديد مساهمةً لافتة في حج هذا العام، من حيث التعريف بالخدمات المتميزة التي تُقدِّمها المملكة لضيوف الرحمن.
  • ظهور الجانب التطوعي من قِبل الشباب والشابات في خدمة الحجاج بشكل ُلافت ورائع، من خلال عدة مؤسسات خيرية وتطوعية.
  • تمَّ هذا العام تفعيل برنامج المسؤولية الاجتماعية، المتمثل في المقاعد المجانية المخصَّصة للأفراد والأسر المحتاجة وَفْق آلية إضافة نقاط تقييم للحملات التي تُنفِّذ البرنامج.

ومع كل تلك الجهود الكبيرة والإنجازات المشرِفة، إلا أن الأمر لا يخلو من بعض السلبيات والتحديات التي واجهها حج 1440هـ، وهذا أمر طبيعي في ظل تدفُّق ما يقارب من مليونين ونصف مليون حاج خلال فترة قصيرة لا تتجاوز خمسة أيام مع تحرُّك جماعي نحو أمكنة مُحدَّدة واحدة.

من أهم تلك التحديات:

  • عدم اقتناع العديد من حُجَّاج الداخل على وجه الخصوص بأَخْذ الرُّخص الشرعية للتيسير في أداء مناسك الحج، منها على سبيل المثال رخصة رمي الجمرات قبل الزوال، التي أفتى بها كبار العلماء حفاظًا على سلامة الناس من التدافع أو التعثُّر، حيث كان يُلاحظ قلة أعداد الرامين قبل الزوال قياسًًا للرمي بعده.
  • ضعف التعامل مع الأزمات الطارئة، مثل ما حصل مع هطول الأمطار بغزارة يوم عرفة؛ حيث تأثَّرت حركة النقل بالقطارات بعد توقُّفها أكثر من مرة، وامتلأت الشوارع وساحات المخيمات بالماء.
  • لا تزال مشكلة افتراش الأرصفة من قِبل عدد كبير من الحُجَّاج تُمثِّل أحد التحديات للجهود المبذولة لخدمتهم.
  • أيضًا لا تزال مشكلة النُّفايات بحاجة إلى اهتمام ومعالجةٍ من قِبل المسؤولين عن أمر الحج.

ولكن كل تلك التحديات وغيرها سيتم بعون الله مواجهتها من خلال سعي الدولة الدائم والمتصاعد لتطوير خدمات الحج والعمرة وَفْق رؤية المملكة 2030، التي تطمح أن تصل بالخدمات الإلكترونية الذكية لخدمة الحجاج والمعتمرين إلى مستوى متقدم جدًّا، يجعل من رحلة الحج رحلةً روحانية ميسَّرةً وممتعة.

ʘ    التعقيبات:

  • ·التعقيب الأول: د. حمزة بيت المال:

إنَّ ما تمَّ تحقيقُه هذا العام يُعتبر مفخرةً للجميع، وهو مؤشر على أن هناك الآنَ منظومة عمل متكاملة مبنية على رؤية واضحة، بدأت تتشكل في العديد من الأوجه.

إننا نطمح بحكم الرصيد المتراكم لإدارة الحج والعمرة، وزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن تكون تجربةُ الحج والعمرة والزيارة تجربةَ حياةٍ مميزة، وهذا ليس صعبًا لما هو متوفر لدينا من إمكانات. إنَّ ما كان ينقصنا هو خطة عمل وأهداف يُسعَى لتحقيقها، وهذه – والحمد لله – أصبحت واضحةً الآن في رؤية 2030.

إن ما أوضحته الرؤية من توجهات متمثلة في الأهداف هو خارطة طريق لجميع القطاعات المعنية بهذا الأمر، لكن التحدي هو تحويل هذه الأهداف إلى برامج عمل ومبادرات تُبرز ما تسعى المملكة لتحقيقه.

ما أودُّ التركيزَ عليه في هذا التعقيب هو رؤية 2030، وكيف يمكن أن تُوضَع برامجُها ومبادراتُها موضعَ التنفيذ.

ولعل أبرز ما ظهر من توجُّهات بالإضافة لموسم الحج هو التخفيف من ظاهرة الموسمية في زيارة الأماكن المقدسة، من خلال التوسُّع في فتح باب العمرة والزيارة تقريبًا على مدار العام، هذا الإجراء سيكون له أثرٌ إيجابيٌّ كبير على الاستثمارات المرتبطة بالأماكن المقدسة، حيث كان الاستثمار في السابق بطيئًا وغيرَ مُشجِّعٍ.

إن فتح الزيارة على مدار العام تقريبًا يعني زيادة الضغط على البنى التحتية بما يتواكب ومتطلبات المرحلة. إن زائر العمرة يختلف قليلاً عن قاصدي الحج. فزائرُ العمرة يملكُ الوقتَ الكافي للتنقُّل والرغبة في زيارة بعض المواقع الإسلامية الأثرية؛ غار حراء وجبل ثور، وأماكن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، والمتاحف، والتسوُّق. هذه الأماكن تحتاج إلى لفتة نوعية لتطويرها، مثل: تنفيذ تلفريك جبل غار حراء، واستحداث مولات كبيرة بين مكة وجدة، وتسهيل مواصلات ترددية بينها وبين الحرم… إلخ. ويرتبط بذلك تطوير صناعات مناسبة لاحتياجات الحُجَّاج والمعتمرين، مثل الهدايا والسلع الخفيفة (صُنِع في مكة). باختصار، زيارة الأماكن المقدسة هي التي يمكن أن تُشكِّل مواردَ إضافية للاقتصاد الوطني دون تكلفة على الحكومة مقارنةً بالحج.

لقد شكَّل قطار الحرمين نقلةً نوعيةً في المواصلات وخفَّف بعضَ الإرهاق الذي يحدث في المطارات. كما أنَّ تجربة إنهاء إجراءات القدوم في بلد الحاج أثبتت فعاليتها، ويُتوقَّع أن تشمل العمرة أيضًا.

لقد طالَ انتظار مطار مدينة مكة المكرمة، فهو بالإضافة أنه يخدم قاصدي الحج والعمرة؛ يخدم مدينة مكة والمدن القريبة منها، مثل الليث. إن كل هذه المناطق تعتمد على مطار جدة، والمنطقة بوضعها الحالي تحتاج لأكثر من مطار.

يُلاحظ حجم رقم العاملين في خدمة موسم حج هذا العام، فهو رقم كبير، وأعداد مثل هذه هي في حد ذاتها تحتاج لخدمات. إن التفكير يجب أن يتوجه لتقليص عدد العاملين والنظر في سُبُل ميكانيكية وإلكترونية حديثة، بدلاً من الاعتماد على العدد الكبير من القوى البشرية.

الإسكان في منى أحد الموضوعات التي يجب الالتفات لها ضمن برامج الرؤية. لقد أصبحت منى جزءًا من مدينة مكة المكرمة، وبقاء طريقة التسكين في الخيام لا أعتقدُ أنه مناسب في المستقبل.

بعض القضايا المزمنة في الحج لما تُحسم حتى الآن، ولعلَّ أهمها موضوع النظافة والتخلص من النُّفايات، وحالات الطوارئ، والأزمات، والمخاطر الطبيعية.

إن تجمُّع مثل هذا العدد الكبير من البشر ومن جميع دول العالم هو فرصة ليست متاحة لأي دولة في العالم؛ لذلك يجب وضع خُطط وبرامج إعلامية واتصالية لمخاطبتهم بلغاتهم، وتمرير رؤية وسياسات المملكة لهم، بدلاً من الصرف على مواد إعلامية باللغة العربية أغلبها مُوجَّه للداخل الذي لا أعتقد أنه بحاجة لمثل هذه الجهود في موسم الحج أو العمرة.

وفي الختام، إنَّ ما ورد في الرؤية من أهداف يجب تحويلها لبرامج ومبادرات تنفيذية، مع آلية لمتابعة الأداء، وهيئة تطوير منطقة مكة المكرمة هي الجهة المناسبة لذلك من خلال وحدة (مكتب تحقيق الرؤية)، الذي يجب التوسُّع فيه بحيث يكون مظلةً لجميع جهود التطوير. كما أن هناك أهمية الآن لتأسيس مركز دراسات مختص بالابتكار وريادة الأعمال؛ للنظر في جميع الأمور والموضوعات المتعلقة بالحج والعمرة، والعمل على استحداث طرق مبتكرة حديثة لحلها، بدلاً من الاستمرار في الأساليب التقليدية المُرهِقة بشريًّا وماليًّا.

  • ·التعقيب الثاني: أ. جمال ملائكة:

ما أعتقد أنه مهمٌّ جدًّا بالإضافة لما ورَد بالورقة الرئيسة، هو كيفية “تعظيم” المردود الاقتصادي والسياسي الذي سيعود على المملكة إذا قُمنا بالخطوات التالية للوصول إلى أعداد أكبر للمعتمرين والحجاج، وأقترحُ رَفْع العدد للمعتمرين إلى ما لا يقل عن 20 مليونًا سنويًّا، وعدد الحجاج إلى 5 ملايين.

وللوصول إلى هذه الأعداد؛ فإنه يتوجب التالي:

1-إعداد خطة إستراتيجية مُحكمة ومُعَد لها إعدادًا قويًّا ومُفصَّلاً. ومن الطبيعي أنه للوصول لهذه الأعداد الكبيرة فلا بد من وَضْع “هدف” متى يتحقق ذلك (مثلًاً عام ٢٠٢٥).

2-الخطة يجب أن تشمل إنجاز بنية تحتية ضخمة؛ من توفُّر الكهرباء والمياه والصرف الصحي والمطارات والموانئ والطرق والقطارات والاتصالات والخدمات الصحية والفنادق وما في حكمها… إلخ.

3-  أن يتم التنسيق الإستراتيجي والتفصيلي مع كل الجهات ذات العلاقة؛ حكومية وشركات.

4-  التنسيق عالي المستوى مع شركات الطوافة.

5-  التنسيق مع كافة الدول الإسلامية.

6-  تقييم رسوم العمرة للمرة الثانية وما بعدها، خاصةً أن معظم الزوَّار هم مِن الطبقة المتوسطة وما دون.

المردود السياسي سيكون كبيرًا؛ إذ إنَّ زيارة الزوَّار للمملكة ومعاينتهم للخدمات الضخمة التي تقوم بها بلادنا سيجعلُ من هذه المواسم “قوةً ناعمةً”، وأعتقدُ من الممكن استغلال فرصة وجود هذه الأعداد الهائلة خاصةً المعتمرين لعمل جهد ضخم لتوعيتهم بدور المملكة الإسلامي والخيري والسياسي… إلخ، وهو ما سيُحسِّن من صورة المملكة بشكلٍ كبير ومتميز، خاصةً مع قيام عدد من الجهات والدول بتشويه صورة المملكة.

ʘ    المداخلات حول القضية:

ʘ    قراءة في إحصاءات حج 1440هـ (*):

ذكرت أ. فائزة العجروش أنه من خلال الاطلاع على إحصاءات حج 1440هـ التي أصدرتها الهيئة العامة للإحصاء، يُلاحظ ما يلي:

  • بلغ جملة عدد حُجَّاج 1440هـ (2,489,40) حاجًّا، منهم (634,379) حاجًّا من الداخل، فيما بلغ جملة عدد الحجاج من الخارج (1,855,02) حاج.
  • كان عدد الحجاج غير السعوديين من إجمالي حُجَّاج الداخل يعادل تقريبًا ضعف عدد الحجاج السعوديين. وربما يعود هذا الانخفاض في عدد الحجاج السعوديين من الداخل لتطبيق النظام بصرامة؛ بعدم السماح للمواطنين بالحج إلا بعد مرور خمس سنوات، وارتفاع أسعار حملات الحج، وربما تكون هناك أسباب أخرى.
  • بلغت نسبة الحجاج السعوديين 8.5% من إجمالي عدد الحجاج لعام 1440هـ، منهم 2.4% حجاج من داخل مكة المكرمة، والبقية قادمون لها.
  • بلغت نسبة الحجاج غير السعوديين من الداخل لإجمالي الحجاج لعام 1440 هـ 17%، منهم 13.1% من داخل مدينة مكة، والبقية قادمون لها.
  • بلغت نسبة إجمالي الحجاج من داخل المملكة في عام 1440 هـ لإجمالي عدد الحجاج 25.5 %، فيما بلغت نسبة الحجاج من الخارج 74.5 % للإجمالي. (https://www.stats.gov.sa/sites/default/files/haj_40_ar.pdf)

وأضافت أ. فائزة العجروش أنه عند النظر للجدول الخاص بأعداد حجاج الخارج حسب طريقة القدوم خلال عام 1440 هـ مقارنة بعام 1439هـ، نلاحظ زيادة عدد إجمالي عدد الحجاج القادمين للمملكة في عام 1440هـ بنسبة 6.6% مقارنة بأعدادهم في عام 1439 هـ، والزيادة كانت في جميع المنافذ الحدودية جوًّا وبرًّا وبحرًا، وأعلى نسبة زيادة كانت للقادمين برًّا بنسبة 12 %، تليها نسبة القادمين بحرًا بنسبة 7 %، فيما بلغت نسبة الزيادة لإجمالي الحجاج القادمين جوًّا 5%. وفي ظل معرفة تلك الإحصاءات التي تخبرنا عن تزايد أعداد الحجاج القادمين للمملكة، فإننا نجد الجهات المعنية في تسابُق مع الزمن لتطوير وتسريع عمليات إنجاز دخولهم في جميع المنافذ الجوية والبرية والبحرية، لجعله أكثر انسيابيةً في كل عام.

وعند مقارنة أعداد حجاج الخارج لعامي 1440 هـ و1439هـ، حسب مجموعات الدول نجد الآتي:

1-  كان هناك ارتفاع مقداره 5.5 % في إجمالي عدد الحجاج القادمين من الخارج في عام 1440هـ مقارنةً بعام 1439هـ.

2-  أكبر انخفاض كان في مجموعة الدول الأوروبية، بنسبة انخفاض تُقدَّر بـ – 24.3%.

3-  كان هناك انخفاض في الحجاج القادمين من مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة – 6.6 %.

4-  أكبر زيادة كانت في حجاج مجموعة الدول الإفريقية عدا العربية، بنسبة تُقدَّر بـ 13.1%.

وعند ملاحظة الإحصاءات الخاصة بمقارنة أعداد حجاج الداخل من غير السعوديين المصنفين حسب جنسياتهم بين عام 1440 هـ وعام 1439هـ، نلاحظ أن أعلى نسبة زيادة كانت لكل من الجنسيتين الأمريكية والنيجيرية، حيث بلغت على التوالي 137.7% و112.5 %، فيما كانت أعلى نسبة انخفاض للحجاج من الداخل كانت للجنسيتين الهندية والمصرية، حيث بلغت – 20,7 % و- 20.3 % على التوالي.

أيضًا فقد بلغ عدد القوى العاملة في خدمة الحجاج حسب الجنس لعام 1440 هـ (350,830) من الذكور والإناث، وبالتركيز على المشاركة النسائية، نجد أنه قد بلغ عدد الإناث المشاركات (14,580) فقط، بنسبة 4.2% من إجمالي القوى العاملة في الحج. وجاءت أعلى نسبة لمشاركتهن في القطاعات الصحية بعدد (8,685) أنثى، وبنسبة تقارب 60 % من إجمالي القوى العاملة، ويأتي قطاع الخدمات العامة في المرتبة الثانية لهن بعدد (3,858) أنثى، ونسبة 26.5%من الإجمالي. فيما جاءت أضعف مشاركة للقوى العاملة من الإناث في قطاع خدمات الاتصال بعدد يُقدَّر ب (122) أنثى.

أما د. سليمان الطفيل فقد لاحظ من خلال الرجوع إلى البيانات الإحصائية لعشر سنوات مضت منذ عام ٢٠٠٩م وإلى اليوم، أن هناك حركة مد وجذر في أعداد الحجاج من الداخل والخارج، تجاوزت عام ٢٠١٣م ثلاثة ملايين حاج، ثم تراجعت في السنوات التي تلتها، وأخذت في التزايد في السنتين الأخيرتين ٢٠١٨م و٢٠١٩م، لتصل إلى مليونين وست مئة ألف تقريبًا، وإذا ما استمررنا في هذه التذبذبات في أعداد الحجاج سنظلُّ في تحديات صعبة ربما تكون سببًا في الضغط على المملكة وجهودها المقدَّمة؛ إذ كيف يمكنها زيادة النسب المئوية لأعداد الحجاج التي ستكون مقرونةً بزيادة عدد سكان المسلمين في العالم. على سبيل المثال: هل ستتمكن المملكة من توفير أماكن وخدمات تكفي لعشرة ملايين حاج بعد عشر سنوات، ونحن نعلم ضيق الوقت والمكان؟ وماذا على المملكة أن تُقدِّمه لخدمة الحجيج بعد 20 أو 30 سنة مثلاً؟ وجميعها مسائل في غاية الأهمية!

ʘ    رؤية تقييمية لجهود المملكة العربية السعودية في تيسير أداء مناسك الحج:

ذهب د. يوسف الرشيدي إلى أن ما قامت به الحكومة من تنظيم فاق التوقعات بانسيابيته ودقته في التفويج وتقديم الخدمات – يدلُّ على أننا مقبلون في المواسم القادمة على نقلة نوعية ستنعكس على سهولة ويُسر تأدية هذا الركن. لكن وبعيدًا عن الإيجابيات، فهناك ملاحظتان يجدر الإشارة إليهما في هذا الشأن:

  • الملاحظة الأولى: بخصوص الإحصائيات التي ذكرها الأمير خالد الفيصل حول عدد الحجاج الذين تمَّ تفويجهم من عرفة إلى مزدلفة، والذين وصل عددهم إلى ٣٦٠ ألف، والبقية الراجلة بلغت ١٠٠ ألف، إضافةً إلى نحو ٢ مليون من خلال الحافلات، والطموح أن يُفعَّل القطار وتُزاد طاقته الاستيعابية والتشغيلية لينقل على الأقل  مليون حاج؛ لتسهيل الأمور.
  • الملاحظة الثانية: أنَّ معظم المؤثرين ممَّن قاموا بتغطية الحج من السعودية والخليج، وكان من الأفضل لو تمَّ التركيز أيضًا على المؤثرين المسلمين في أوروبا وآسيا للوصول من خلالهم لمواطنيهم؛ لتعزيز الصورة الذهنية عن المملكة فيما يتعلق بما تقدِّمه من تسهيلات وخدمات جبارة، مع تكثيف الضوء على الخدمات الصحية والإنسانية المقدَّمة بالمجان لضيوف الرحمن.

من جهته، ركَّز م. سالم المري على الملاحظات التالية:

1- الحاجة إلى تعظيم العائد الاقتصادي بحيث يمكن استمرار أنشطة المشاعر المقدسة دون الحاجة للصرف المتزايد من قِبل الدولة.

2- عدد المعتمرين ما زال أقلَّ بكثير من القدرات الاستيعابية لمكة المكرمة. ومضاعفة عدد المعتمرين من 3 ملايين إلى 8 في الحقيقة قليل جدًّا؛ فمكة المكرمة تستقبل ما يقارب من 3 ملايين في أيام محدودة أثناء الحج، فلماذا 8 ملايين في السنة؟ لو افترضنا 3 ملايين كل شهر، فمن الممكن أن يصل العدد إلى ما يزيد على 30 مليونًا. ودبي – على سبيل المثال – استقبلت ١٥.٩ مليون سائح عام ٢٠١٨م! فما هي الأسباب في حدّ عدد المعتمرين؟ أغلب الظن أنها لا تتعلق بالقدرة الاستيعابية لمكة، ولكن يبدو أنه قصور في القدرات التنظيمية للأجهزة الرسمية المعنية في الخارجية والداخلية على وجه الخصوص؛ ولذلك قد يكون من المهم تطوير أجهزة وتنظيمات خاصة بالحج والعمرة مستقلة.

3- مشاريع المواصلات والإسكان (الفندقة) والنظافة العامة في مكة حيوية ومهمة جدًّا لتسهيل رحلات الحج والعمرة، ومازالت متأخرةً وأقلَّ من المستوى المطلوب.

4-  لمعالجة النُّفايات يُفترَض بناء مصنع لإعادة تدوير النفايات في مكة بشكل عاجل واستثنائي.

5-  من المهم توسيع محطات معالجة مياه الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.

6-  إعلان مكة مدينةً خضراء، بحيث تكون المواصلات على الكهرباء والغاز (قطارات وباصات)، وزيادة التشجير.

وفي تصوُّر د. خالد الرديعان، فإنه يُفترَض أن ننأى بأنفسنا وإعلامنا ورجال أعمالنا عن تصوير الحج والعمرة وكأنهما موردٌ اقتصادي كالنفط أو البتروكيماويات أو المنتجات الزراعية. تصوير الحج والعمرة بهذه الطريقة لا يساعد على تحسين صورة المملكة في الخارج، بل يُعطي انطباعًا أننا نبيع أو نُسوِّق خدمةً دينية؛ الأمر الذي يتعارض تمامًا مع قولنا بخدمة الحرمين الشريفين. أليس لقب ملك المملكة العربية السعودية هو “خادم الحرمين الشريفين”؟

نحن نُنفق مليارات الريالات على مشاريع الحرمين، وهذا جزءٌ من مهمتنا في هذا البلد الكريم كخدم للحرمين، وهو ما كان وما يجب أن نكون عليه، دون مبالغة في ذكر أو تعظيم المنافع الاقتصادية أو التركيز عليها في كل شاردة وواردة كما يفعل بعض أصحاب شركات الطوافة، وأصحاب الحملات ممَّن ينظرون فقط للفوائد الاقتصادية مع إهمال تام لصورة image المملكة وموقعها ودورها الإسلامي.

توجُّه كهذا، أي التركيز على الجانب الاقتصادي والإلحاح عليه في وسائل إعلامنا لا يخدم المملكة؛ بل إنه مما يثير بعضَ الدول الحاقدة والمتربصة (إيران، تركيا، قطر كأمثلة..) ودعاويها في مسألة الإشراف على الحرمين أو القول إن المملكة تستغل هذا الحج والعمرة لأهداف سياسية واقتصادية. وبالطبع هناك مردودٌ اقتصادي للحج والعمرة، لكن المهم أن لا يكون طرحُنا منصبًّا على هذا الجانب دون غيره.

مقترحٌ آخر قد يكون من الجدير أخذه بعين الاعتبار، وهو السماح لطيران قطر بالهبوط في المدينة أو جدة فقط لنقل حجاج قطر ومقيميها حتى لا نُعطي فرصةً لمزيدٍ من التشويه الإعلامي الذي تُمارسه بعضُ وسائل الإعلام ضد المملكة. يُفترَض حسمُ هذا الملف المزعج (حجاج قطر) بقرار استثنائي لنُوقِفَ هذا التراشُقَ الإعلامي الذي يسيء للمملكة ودورها الكبير في خدمة الحجاج والمعتمرين. إن ما تبنيه المملكة من سمعة حسنة وما تقوم به من مشروعات وخدمات للحرمين يتم في الغالب تشويهه بصورة مستهجنة من إعلام بعض دول المنطقة، وهو أمر مؤسف للغاية رغم أن الحج عبادة يُفترَض النأي بها عن السياسة ولوثاتها. وجميع ما تقدَّم يرتبط بصورة المملكة، وضرورة الحفاظ عليها بل وتعزيزها عند المسلمين والعرب؛ فإنْ لم يُحبنا بعضهم بسبب السياسة المتحركة، فلنجعلهم يحبوننا ويتعاطفون معنا بسبب خدمتنا للحرمين الشريفين وثباتنا على ذلك.

واتفقت د. وفاء طيبة مع ما ذهب إليه د. خالد الرديعان حول التركيز إعلاميًّا على ما يخدم صورة المملكة خاصةً في الخارج من خدمة للحجاج، مع الاحتفاظ بالمعلومات الاقتصادية لمَنْ يرغب أو التنويه بها بصورة أقل صدارةً، بحيث تكون الصدارة لمفهوم الخدمة التي تقوم بها المملكة، والتي ستسهم بالفعل في تحسين صورة المملكة.

ومن وجهة نظر د. رياض نجم، فإن السعي لزيادة عدد المعتمرين إلى 30 مليونًا عام 2030 من 7 – 8 ملايين حاليًّا سيجلب مزايا كبيرةً لصورة المملكة أمام مواطني الدول الإسلامية، ويجلب تبعًا لذلك المزايا الاقتصادية إذا تمَّ زيادة استيعاب الخدمات في مكة والمدينة. إلا أن السعي لزيادة أعداد الحجاج قد لا يكون بنفس الميزات، وسيجلب لنا مزيدًا من التحديات إذا تمَّ زيادة عدد الحجاج من الخارج بنفس النسبة؛ بسبب محدودية المكان والزمان لموسم الحج. لذا من الأفضل أن تكون الزيادة محدودةً ومتدرجة لحجاج الخارج.

وأكد د. سليمان الطفيل على أن المردود الاقتصادي هو عنصرٌ تابع وليس مستقلاً عن شعيرة الحج. فهناك قرابة الأربعين مليون حاج خلال السنوات العشر الماضية، أنفقوا في المتوسط ٤٥ مليار ريال سنويًّا؛ لكن ما أثر هذه الإنفاقات السنوية على الاقتصاد وتحسين الخدمات المقدَّمة من القطاعين العام والخاص والقطاع الثالث؟ لهذا نحتاج إلى التركيز على الخدمات التي تجعل الحجاج يؤدون شعائرَهم الدينية في الحج بكل يُسر وسهولة ولا تُكلِّفهم الإنفاق العالي في الحج حتى يستطيعوا ما أمكنَ إلى ذلك سبيلاً. إن مقدرة حكومتنا ودولتنا على إقناع حكومات وشعوب العالم الإسلامي بقدراتنا في توفير جميع الظروف المناسبة لخدمة مواطنيهم لأداء مناسك الحج أمرٌ في غاية الأهمية والحساسية.

وتطرَّق د. حمزة بيت المال إلى أمر آخر يتعلق بإسكان الحجاج، حيث أوضح أن هذه مشكلة كبيرة، إذ يشتكي منها مُلَّاك العقارات في مكة؛ فالنظام الآنَ أن مَن يستأجر مساكن الحجاج هم مندوبون من السفارات لكل دولة، وهذا أدى إلى وجود سماسرة وسطاء يتحكمون في السوق بشكل يضرُّ بالكثير، إما القبول بعرضهم المُجحف في معظم الحالات أو يظل العقار خاليًا؛ وهذا أمر مُقلِق وقاتل للمنافسة.

وأضاف د. حميد الشايجي أنه يلاحظ أن رسوم الحملات في ارتفاع، وعند مناقشة أصحاب الحملات يعزون ذلك لارتفاع الرسوم التي تُفرَض عليهم مِن الجهات الرسمية، ولكن ما يدفعه الحجاج لا يُعَدُّ شيئًا مقابل المليارات التي تدفعها المملكة على مصاريف الحج، في حين أن الرسوم التي تُفرَض على الحجاج هي ما يتم التركيز عليه في الحملات المُغرضة ضد المملكة، وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة.

وفي السياق ذاته، أكدت د. عبير برهمين فيما يخصُّ الجهود المبذولة في مجال تيسير أداء مناسك الحج على النقاط التالية:

1- من المناسب بالفعل عدم التركيز على البُعد الاقتصادي للحج كمكسب للمملكة؛ لأنه واقعيًّا ليس كذلك؛ فما يُنفَق أكبر بكثير مما يتمُّ تحقيقُه كمكسب اقتصادي، وخاصة في موسم الحج.

2- هناك ضرورة لإشراك الشباب والشابات في الدول الإسلامية وغيرها لتقديم حلول ابتكارية خارج الصندوق، لطرح مقترحات عملية لتيسير أمور الحج أو حل بعض المشاكل وخاصة البيئية والخدمية، عن طريق عَقْد مسابقات دولية مثل هاكثون الحج، وعدم اقتصارها على المشاركة المحلية.

3- في إطار مشاريع هاكثون الحج الماضي، فقد تمَّ إطلاق تطبيق الترجمة الفورية والذي يُحوِّل الكلام من العربية إلى لغة الحاج. وتمَّ استخدامه هذه السنة وخاصة من منسوبي وزارة الصحة.

4- تمَّ إدراج مقرر دراسي بمُسمَّى الحج والعمرة في كلية طب أم القرى، يُعنَى بإعداد الطالب والخريج للتعامل مع الحشود، والقدرة على تقديم الخدمة الصحية ما أمكن تحت أي ظرف. أحد مخرجات هذا المقرر أن يتعلم الطالب ما لا يقل عن ١٠٠ كلمة بإحدى أهم اللغات في الحج (الأوردو- الملاوية- السواحيلي الإفريقي- التركية)، والعمل الإلزامي بخدمة ميدانية في موسمين (حج، وعمرة) خلال سنوات الدراسة. إضافةً إلى تشجيع الطلاب والطالبات على التطوُّع.

5-  وزارة الصحة تُقدِّم سنويًّا خدماتٍ جبارةً في خدمة الحجيج. ولعلَّ كثيرًا من الناس في دول العالم الإسلامي وغيرها من الدول ليس لديه معرفة (بقوافل الحج الطبية)، وهي خدمة خاصة لتفويج الحجاج المنومين في المستشفيات؛ للوقوف بعرفة وأداء النسك. حيث يرافق كلَّ مريضٍ طبيبٌ مختصٌّ وممرضٌ إضافةً لطواقم النقل والإعاشة والتفويج. واللوم هنا على دور الإعلام التقليدي والحديث؛ لعدم تركيزه على هذه الخدمة الإنسانية العالية.

6- بعض البعثات الطبية المرافقة لحجاج الخارج استغلَّ الحج بصورة غير لائقة، فمثلاً: كان يرد مستشفيات مكة حجاج بغية تنظيف ومعالجة أسنانهم. وكثير من مرضى الأورام السرطانية يطلبون العلاج لنقص كمية أدويتهم حسب ادعائهم.

7- التوعية للحجاج وخاصة حجاج الداخل من حجاج نظاميين ومفترشين تُعَدُّ مشكلةً كبيرة في الحج؛ لأن أكبر كمية نفايات ومخلفات للأسف تأتي من حجاج الداخل والمفترشين وحجاج الـ VIP.

8- توجد ضرورة لتقنين العمل الخيري وخاصة السقاية والإطعام خلال موسم الحج والعمرة؛ لأنها مصدر لعديد من المشاكل البيئية والهدر. وقد قام المجلس البلدي بعَقْد ورشة خاصة (بمعالجة الأثر البيئي للعمل الخيري) العام الماضي. ورغم أن الأوراق عرَضت المشكلة وعددًا كبيرًا من الحلول، من ضمنها عَرْض ورقة عن إستراتيجية الحج الأخضر قدَّمتها د. ماجدة أبو راس.

9- البنية التحتية في مكة تحتاج لجهود جبارة لتطويرها حتى نتمكن من خدمة الحجاج والمعتمرين بالأعداد التي تتطلع لها المملكة، كما أن مكة بحاجة إلى منظومة نَقْل متكاملة تشمل النقل العام، لتستوعب هذه الأعداد.

10- في سبيل تسهيل الحج والعمرة على المسلمين، للأسف اندثرت كثيرٌ من المعالم التاريخية الإسلامية في مكة. وكان يُفترَض إيجاد حلول للحفاظ عليها مع إيجاد حلول تطويرية.

11- تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الحكومية المختلفة فيما يخصُّ مكة المكرمة ومشاريعها التطورية والمستقبلية هو أحد أهم المعوقات. ولا بد من رسم حدود دقيقة ومرنة في الوقت نفسه لمعالجة هذا الموضوع.

12- يتم انتداب واستقطاب العاملين بالحج في مختلف القطاعات من كل مناطق المملكة في موسم الحج لمدة ١٠-١٥ يومًا، وربما لمدة شهر على الأكثر. ويبقى العمل مضاعفًا على القوى العاملة في مكة، وخاصة في القطاع الصحي وقطاع الخدمات العامة والنظافة، دون امتيازات أو مخصصات تدعم هذه القوى العاملة على مدار السنة.

ʘ    مقترحات للتعامل مع التحديات التي تواجه الحج:

يرى د. رياض نجم أنه وحتى نتمكن من خدمة الحجاج والمعتمرين على أفضل وجه ونزيد من عددهم؛ فإنه لا بد لنا من التفكير في حلول خارج الصندوق، ليس من النواحي العملية والهندسية واللوجستية فحسب، ولكن أيضًا من الناحية الشرعية. وأضاف د. رياض بأنه – مبدئيًّا – من المهم التذكير هنا بأمرين:

  • حتى قبل ٣٠ عامًا تقريبًا، كان ممنوعًا ومُحرَّمًا أن يتم التصرُّف في أضاحي الحجاج لغير فقراء مكة. وكانت النتيجة أن لحوم الأضاحي زادت عن حاجة فقراء مكة، واضطرت الدولة في بعض السنوات إلى التخلص من لحوم الأضاحي ودفنها خشية تفشي الأمراض. لم يتغير ذلك إلا بعد أن صدرت فتوى بجواز خروج لحوم الأضاحي لغير فقراء مكة وحتى لمَن هم خارج المملكة.
  • حتى قبل ١٠ سنوات تقريبًا، كان رمي الجمرات قبل الزوال ممنوعًا. وبعد حدوث عدة كوارث من تدافُع الحجاج على الرمي أدت إلى موت المئات منهم، صدرت فتوى بجواز الرمي قبل الزوال، مع أن ذلك مسموحٌ به في بعض المذاهب.

وكما نعلم فإن أكثر مكان يزدحم فيه الحجاج هو منى؛ نظرًا لصغر مساحتها قياسًا بعدد الحجاج، ولطول المدة التي يقضونها فيها. أليس من المنطقي ومما يُسهِّل على حجاج بيت الله أن يتم زيادة المساحة الممكن استغلالها في منى؛ إما:

  • بالسماح ببناء مبانٍ متعددة الأدوار.
  • السماح باستغلال الجبال (وحتى الأراضي) المحيطة بمنى كي يقيم فيها الحجاج ثلاثة أيام التشريق؟

ما يمنع تنفيذ هذا طبعًا هو صدور الفتوى الشرعية وليس قصورًا في الإمكانات. وهناك جوانب أخرى تتعلق بالازدحام يمكن النظر فيها فنيًّا ومن حيث التنظيم، وهي من اختصاص مركز أبحاث الحج.

وفي هذا الصدد، ذكرت د. عبير برهمين أنه وفيما يخصُّ المساكن المتعددة الأدوار بمنى والمشاعر المقدسة، فإنها بانتظار فتوى تُجيزها من هيئة كِبار العلماء بالمملكة، فلن يتم تخطي المحاذير الشرعية إنْ وجدت.

وأضافت د. وفاء طيبة أنه ومن باب التفكير خارج الصندوق، توجد إمكانية لعمل نظام للشفط (suction) للتخلُّص من النفايات، مثل النظام الموجود في المستشفيات لإرسال الأدوية من مكان إلى مكان، بحيث تكون هناك شبكة أرضية تصل إلى نقاط معينة في الحرمين أو في منى وعرفة، وهذه الشبكة تعمل بنظام الشفط بحيث يتم تجميع الفضلات والمخلفات خارج منطقة الحرم أو عرفة أو منى والتخلص منها في الخارج. بهذه الطريقة يكون التخلُّص من النُّفايات أسرع، والكفاءة أعلى، وعدد العمالة في التنظيف أقل. ولعلَّ دراسة هذا الموضوع إنْ تمَّت سوف تكشف عن حجم التكلفة إنْ كانت عالية أم لا. أيضًا يمكن الإفادة من العقول الإسلامية الشابة في حل المشكلات التي تواجهنا في الحج؛ مثلاً: يكون هناك ما يُشبه الهاكثون الذي تمَّ من سنة أو أكثر لإنتاج أفكار ولكن بعد عرض المشكلات؛ بمعنى أن نُحدِّد المشكلة ونترك العقول تعمل عليها. والظن أنَّ ما تمَّ من عدة سنوات كان مفتوحًا بدون أن نبدأ من المشكلة، فكانت النتائج لا تحلُّ مشكلاتنا في الحج.  وعقَّب د. رياض نجم حول ما يتصل بموضوع تزايد كميات النُّفايات في الحج بالتساؤل: هل هناك حاجة لعمل الموائد ذات الخمس نجوم (أو الأربع)  للوجبات الثلاث كل يوم؟ أليس من الأجدى الاكتفاء بالوجبات مسبقة الإعداد خارج منطقة المشاعر، ومنع إعداد الوجبات داخلها؟ ومَنْ يرغب في الاستمتاع بما لذَّ وطابَ، فلينتظر ثلاثة أيام ويفعل ما يشاء! للأسف، ومما نشاهده في السنوات الماضية، فإن جزءًا كبيرًا من النفايات هو بقايا الأطعمة!

وبدورها أوضحت د. عبير برهمين أن المشاكل البيئية الخاصة بالنظافة والمخلفات يتم الوقوف عليها من قِبل المجلس البلدي بمكة مع أمانة العاصمة المقدسة سنويًّا، ويتم الاصطدام بمعوقات كثيرة تحول دون تقديم الخدمات بطريقة مُثلى، منها:

s        الاعتماد على العنصر البشري بدل الميكنة.

s        الميكنة مكلفة وتستقطع مساحاتٍ.

s   الهاجس الأمني له الأولوية لدى الدولة، وهو ما يحدُّ أحيانًا من دخول الناقلات والمكابس إلا بعدد محدَّد ووقت محدَّد.

s   الأفكار الخاصة بمشاريع تدوير النفايات كلها أُوقِفت وأُحيل الملف للهيئة العامة للاستثمار حتى إشعار آخر.

s        تداخل أعمال الجهات الحكومية المختلفة.

وذكرت د. الجازي الشبيكي أنَّ من السلبيات التي لاحظتُها في الحج أن عدد الحجاج في كثير من الحملات كان نحو 1000 حاج، وتكلفة الحاج الواحد 8000 ريال، لو خصمنا تكلفة خدماتهم وتكلفة استئجارهم للأماكن في منى وعرفات لتبقَّى لهم تقريبًا 6 ملايين ريال، وهو مبلغ كبير سنويًّا. والتساؤل: لماذا لا يكون هناك قرارٌ بأن لا يتعدى حجم الحجاج في كلِّ حملة 500 حاج؛ لسهولة التنسيق والتحرُّك وحجز أمكنة القطار؟ بالنظر إلى أن العدد القليل للحملات مع الربح المعقول يساعد أكثر في التنسيق وسهولة الحركة.

واقترحت د. عائشة الأحمدي أن تتقدم المملكة لمنظمة العالم الإسلامي بميثاق تُوقِّع عليه البلدان الإسلامية حول ضوابط معينة تضمن عدم استغلال مناسبة الحج في أي عمل خارج عن الشعائر، وتلتفت المملكة لتحسين الخدمات، بدلاً من أن يكون همُّها في المقام الأول أمن الحجاج. وبدوره أوضح د. رياض نجم أن هذا الموضوع نُوقِش كثيرًا في إطار المنظمة وغيرها؛ إلا أن الدول التي لا تريد الالتزامَ لا يهمُّها وجود ميثاق من عدمه! ومن ناحية أخرى، فإنه ولتجنيب السياسة؛ يمكن أن تُنشِئ منظمة التعاون الإسلامي مجلسًا استشاريًّا لمناقشة القضايا المتعلقة بتسهيل أداء مناسك الحج والعمرة.

وذهب أ. د عثمان العثمان إلى أن كثيرًا من الإشكالات سببها ضعف الوعي والسلوك الخاطئ لدى الحجاج. وربما يناسب ذلك العمل ضمن منظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي وغيرهما، على إضافة شرط الحصول على شهادة التأهيل للحج، بحيث تتضمن دورة في كل ما يحتاج الحاج إلى معرفته، وما هو مطلوب منه خلال إقامته. وأكَّدت أ. مها عقيل إلى أنه بالفعل يوجد تعاونٌ بين وزارة الحج والمنظمة والرابطة، لوضع برامج وحملات لتثقيف وتوعية الحجاج في بلادهم قبل مجيئهم.

وأشار أ. محمد الدندني إلى أهمية التعريف بالجانب الثقافي للمملكة في موسم الحج، وتطوير وسائل تعريف الحجاج بالسعودية. ومن التحديات المهمة – في رأيه – كيفية خَلْق مؤسسات مدنية تتواصل مع الحجيج قبل مجيئهم، وتيسير الأمور المادية للفقراء الذين يكدحون لتوفير تكلفة حجة العمر، ولو بادر المجتمع السعودي بمبادرات خيرية وتثقيفية لأضاف إضافةً جميلةً لسُمعة المملكة.

ويرى د. سليمان الطفيل أن من الضروري الاستفادة من التطوُّر الهائل في التقنيات الحديثة لتيسير أمور الحج والسيطرة على الحشود وتنقلات الحجاج والحملات بطرق تقنية، منها على سبيل المثال:

  • تصميم شرائح أو سوار إلكتروني مثل الساعة عليها شعار الحج وتاريخه وعلم المملكة، تُوضع في معصم كل حاج، وتتضمن جميعَ معلوماته وبياناته ورقم ومكان حملته حتى فصيلة دمه وجنسيته… إلخ.
  • إيجاد وسيلة حديثة لرمي الجمرات، بحيث تُحقِّق الوصولَ إلى الجمرات دون تزاحُم أو تعرُّض الحجاج للخطر.
  • الدراسة الشرعية لفكرة تصميم صحن دائري متحرك حول الكعبة لخدمة النساء وكبار السن.

فضلًا عما تقدَّم، هناك مقترحات أخرى يمكن دراسة مدى جدواها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

  • تطوير وسائل التنقُّل بالقطارات بشكل أفضل وأسرع، لتحمل حشودًا ضخمة بكل سلاسة من خلال وَضْع مسارات للقطارات من عدة أدوار.
  • الاستفادة من تقنية البناء الحديث في تصميم مخيمات إسمنتية من عدة أدوار يتم تركيبها وفكها من قِبل الشركات المعتمدة، وتسهم الدولة في تمويلها مقابل عقود شراكة مستديمة؛ لتوفير أماكن ومساحات أفضل للحجاج.
  • من الأهمية إعادة النظر في مسألة تكاليف الحج؛ فمازالت عاليةً جدًّا، وتعيق المواطن قبل المقيم أو الحاج القادم من الخارج لأداء مناسك الحج.

أيضًا، فقد اقترح د. سليمان الطفيل تأسيس صندوق وقفي للحجاج من المواطنين الذين يجدون صعوبةً في تكاليف الحج، وهناك نموذجٌ مميز وناجح في هذا الأمر قامت به حملات وحجاج دولة ماليزيا ومازالت تجني ثماره، وهو ما يُعرف باسم طابون حاجي (Tabung Haji). أما عن فكرة صندوق طابون حاجي الماليزي، فهي باختصار أن الحكومة الماليزية تبنَّت قبلَ ما يزيد عن خمسين عامًا – تحديدًا عام 1963م- تأسيسَ صندوق استثماري تحت مُسمَّى صندوق طابون حاجي (Tabung Haji)، وجاءت فكرة تأسيس الصندوق من الاقتصادي الماليزي أنكو عزيز عام 1959، حينما دعا إلى إنشاء مؤسسة غير ربوية تقوم على ادخار أموال الماليزيين الراغبين في الحج واستثمارها، وكان منطلق الفكرة في ذلك الحين مُراعاة حال الحُجَّاج الماليزيين الذين كانوا يستعدون لرحلة الحج ويدخِّرون لها سنوات عديدة ويستدينون ويبيعون جزءًا من ممتلكاتهم لأجل تأمين كُلفة رحلة الحج وتحمُّل أعبائها المالية، وبعد عودتهم يحملون على كاهلهم تسديد الديون الباهظة التي تكبَّدوها جراءَ تأديتهم لفريضة الحج، وقد بادرت الحكومة الماليزية إلى تبني مشروع الصندوق التكافلي لأجل تخفيف معاناة الراغبين في أداء فريضة الحج والتسهيل عليهم، فأنشأت مؤسسة حكومية شبه مستقلّة، أطلقت عليها اسم طابون حاجي (أي مؤسسة صندوق الحج باللغة الماليزية)؛ لمساعدة الفقراء والمحتاجين على توفير المال اللازم للذهاب إلى الحج والتيسير على عامة الماليزيين أداء هذه الفريضة بلا كُلفة، وفكرة الصندوق قائمة على أن الأسرة الماليزية منذ ولادة المولود تفتح له حسابَ ادخار في هذه المؤسسة غير الربوية بمبلغ زهيد، وتحافظ على استقطاع أقساطه الشهرية بحيث لا تتجاوز دولارين أو ثلاثة شهريًّا؛ وبذلك يُؤمَّن له كُلفة نفقات الحج بطريقة تدريجية، ويتم توظيف استثمار الأموال المدخرة لصالح المدخرين، وتُقسَّم الأرباح بين المساهمين على أساس المشاركة. وكانت النتيجة أن أصبح الصندوق واحدًا من أكثر صناديق الاستثمار نجاحًا في العالم، حيث بلغة قيمة استثماراته وأصوله في أنحاء متفرقة من العالم قُرابة 56 مليار دولار.

ومن جانبه أشار أ. د عثمان العثمان إلى أنه من خلال النظر في التحديات الواردة في الورقة الرئيسة والتعقيبات عليها، يجدر لفت النظر إلى أهمية تقييم أنشطة معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة، وأهمية دعمه وتوسيع أنشطته بما يتوافق مع رسالته السامية. فالمعهد كان يُركِّز على بحوث إدارة الحشود فقط في أغلب الأحوال؛ ربما لاهتمام الباحثين في المركز، وربما لمحدودية الدعم الذي قد لا يكفي لبحث مجالات أخرى، مثل المجالات البيئية واللوجستية والصحية وغيرها. ولعلَّ من المهم أن يتحول إلى مركز بحثي تطبيقي عالمي، بباحثين متفرغين وشراكات محلية ودولية مختارة بعناية. وبدورها أشارت د. عبير برهمين إلى أن معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة لا يزال قائمًا، وفعلاً اقتصرت البحوث على إدارة الحشود والنقل مؤخرًا. علمًا أن البحوث الصحية والبيئية شبه متوقفة الآنَ؛ لعدم وجود دعم مالي ومرونة كافية للتمويل من خارج الجامعة.

ʘ    التوصيات:

  1. أهمية أن تحظى البُنى التحتية للمشاعر المقدسة والاستعدادات (مشاريع الإسكان، النقل بين المشاعر، معالجة مياه الصرف الصحي، ومساجد الطرق السريعة المتجهة من المشاعر وإليها) بالأولوية في كلِّ الخُطط والمشاريع المتعلقة بالحج والعمرة.
  2. ضرورة ألا يكون الجانب الاقتصادي المتعلق بمردود عوائد الحج والعمرة هدفًا إستراتيجيًّا لبلاد الحرمين الشريفين، وفي الوقت نفسه يكون التكثيف الإعلامي على دور المملكة في خدمة الحجيج في كل الجوانب وإبراز جهود المملكة، ومخاطبة الحُجَّاج والمعتمرين بلغاتهم وتمرير رؤية وسياسة المملكة.
  3. أهمية تقييم أنشطة معهد أبحاث الحج في جامعة أم القرى ودعمه وتوسيع نشاطه، بحيث يصبح مركزًا بحثيًّا تطبيقيًّا عالميًّا، بباحثين متفرغين وشراكات علمية داخلية وخارجية.
  4. ضرورة استحداث طُرق مبتكرة حديثة لجهود القوى البشرية العاملة في الحج باستخدام التقنيات الإلكترونية الحديثة، مثل: التفكير في مشروع نظام (الشفط) suction المعمول به في المستشفيات للتخلُّص من النُّفايات في مكة والمدينة المنورة والمشاعر، وإنشاء مصانع لإعادة تدوير هذه النفايات.
  5. أهمية التركيز على تطوير الأخذ بالفتاوى الشرعية المُيسِّرة لمناسك الحج، وكذلك الدراسة الشرعية للسماح ببناء المباني متعددة الأدوار في منى واستغلال الجبال والأراضي المحيطة بمنى لإقامة الحجاج في أيام التشريق.
  6. زيادة واستمرارية وتطوير استثمار العقول الإسلامية الشابة في المبادرات الخاصة بتيسير سُبل أداء المناسك، ومواجهة وحل المشكلات المتعلقة بقضايا الحج والعمرة.
  7. النظر في تولي منظمة التعاون الإسلامي وغيرها من الجهات ذات العلاقة توعية الحجاج بالمطلوب منهم في الحج قبل وصولهم، والتفكير في إصدار شهادة التأهيل للحج قبل رحلة الحج.
  8. تطوير عمل المبادرات السعودية الخيرية لمساندة الدولة في خدمة الحجيج، والتنسيق بمستوى عالٍ من التكامل بينها وبين خدمات الدولة تفاديًًا للمشكلات البيئية والهدر الغذائي والمائي.
  9. اقتراح تأسيس صندوق وقفي للحجاج من المواطنين الذين يجدون صعوبةً في دَفْع تكاليف الحج.

(*) – تم الاعتماد في هذا الصدد على: البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، المملكة العربية السعودية، الرابط: https://www.stats.gov.sa/sites/default/files/haj_40_ar.pdf


المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

)   حسب الحروف الأبجدية)

  • د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدّ التقرير)
  • م. إبراهيم ناظر
  • م. أسامة الكردي
  • أ. بسمة التويجري
  • د. الجازي الشبيكي
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حسين الجحدلي
  • د. حمد البريثن
  • د. حمزة بيت المال
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. خالد الرديعان
  • د. رياض نجم (رئيس الهيئة الإشرافية)
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • د. سليمان الطفيل
  • د. عائشة الأحمدي
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • أ. عبد الله الضويحي
  • د. عبد الله المطيري
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبير برهمين
  • د. عثمان العثمان
  • د. علي الطخيس
  • د. فايزة الحربي
  • أ. فائزة العجروش
  • د. فهد العرابي الحارثي (رئيس الملتقى)
  • أ. فهد القاسم
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد المشيقح
  • د. مساعد المحيا
  • أ. مها عقيل
  • د. ناصر القعود
  • أ. نبيل المبارك
  • د. نوف الغامدي
  • د. هند الخليفة
  • د. وفاء طيبة (رئيسة لجنة التقارير)
  • د. يوسف الرشيدي

تحميل المرفقات: 54.pdf