سبتمبر 2019

 

تمهيد

يعرض هذا التقرير لعدد من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر سبتمبر 2019م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • الحج.. القوة الناعمة الأكثر نجاعةً إسلاميًّا وعالميًّا.
  • صناعة السينما.. الفنُّ والتنمية.
  • كود بناء للمساجد في المملكة العربية السعودية.
  • مهددات أمن الوطن الداخلية والخارجية.
  • الثروة الحيوانية والتنمية ورؤية 2030.

القضية الأولى

الحج.. القوة الناعمة الأكثر نجاعةً إسلاميًّا وعالميًّا

(1/9/2019م)

  • §الورقة الرئيسة: د. سعود كاتب
  • §التعقيبات:
  • §التعقيب الأول: د. إبراهيم البعيز
  • §التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا
  • §إدارة الحوار: د. خالد الرديعان

ʘ        الملخص التنفيذي:

تناول د. سعود كاتب في الورقة الرئيسة الحجَّ باعتباره القوةَ الناعمة الأهمَّ للمملكة العربية السعودية، وذلك من خلال عدة محاور؛ حيث تحدَّث عن النموذج السلبي للقوة الناعمة، وضرب أمثلة لذلك بعدة دول مثل الصين وقطر. كما أوضح كيف أن ‏القوة الناعمة يمكن أن تُصبح سلبيةً وضارة، عندما لا تجد قليلاً من الاهتمام وحتى الإدراك بأنها سيفٌ ذو حدين إذا لم يُحسن فهمها والتعامل معها. وأشار إلى أهمية الدبلوماسية العامة الجيدة التي تعمل على تعهُّد مصادر القوة الناعمة بالرعاية المستمرة، وكذلك قوة الآخرين الناعمة واستخداماتها وضرورة الانتباه لها، ولا سيما أن التجربة أثبتت أن الجبهات الحربية اليومَ لم تعُد تقتصر على تلك البرية والجوية والبحرية، ولكنها تشمل أيضًا، وبذات القدر من الأهمية، الجبهةَ الإعلامية المعلوماتية. كما عرض د. سعود كاتب فكرة أن الحج قوة ناعمة، وقارن ذلك بإقامة مباريات كأس العالم كل 4 سنوات، وكل التجهيزات التي تحتاجها البلد المقيم وعدد الحاضرين لها، في حين تشرف المملكة على الحج بنفس العدد تقريبًا سنويًّا وبتجهيزات ضخمة جدًّا.

أما د. إبراهيم البعيز فأشار في التعقيب الأول إلى أننا قلقون على صورة المملكة في الخارج، ولا نُلام في ذلك بعد سلسلة متتابعة من أخبار وتقارير سلبية لأكثر من عشر سنوات؛ لذا أضحت قيمة كل جهد أو فعل أو سلوك نقوم به – سواء على مستوى الدولة أو الأفراد – مرهونة بقدرتنا على استثماره في تحسين صورتنا في الخارج، وهنا تكمن الإشكالية. يفترض أننا نقوم بذلك الجهد أو ذاك السلوك لهدف معروف ومُحدَّد مسبقًا؛ كون ذلك يُحسِّن صورتنا في الخارج أم لا، فهذا أمر يدخل ضمن “القيم المضافة” والأهداف الثانوية لذلك الجهد أو السلوك. وهذا ما ينطبق على الحج. فالجهود التي تتم هي في الواقع وفاء بالتزامنا لخدمة ضيوف الرحمن وتسهيل أدائهم لفريضة الحج، ولم يكن هدفُنا تحسين صورتنا في الخارج، وهذا ما يُعزِّز من قيمة وأهمية الحج في منظومة عناصر القوة الناعمة لدينا. لو أننا انطلقنا من هذه الفلسفة في كل جهودنا لنجحنا في تحقيق الدبلوماسية العامة وما تشتمل عليه من عناصر للقوة الناعمة.

في حين أوضح د. مساعد المحيا في التعقيب الثاني أن مفهوم القوة الناعمة يحتاج إلى الكثير من التحرير والإيضاح، كما أنه يحتاج إلى التحرر من البيئة السياسية التي قد تعيد تصنيف كل ناعم بأنه خشن وخشن جدًّا، في حين أن الأمر يكسب هذه المؤسسة أو تلك الدولة أو تلك الشخصية الكثيرَ من التقدير في العالم. والواقع أن المملكة تمتلك الكثيرَ من أدوات القوة الناعمة، ولعل أبرزها الحرمان الشريفان والمشاعر المقدسة. والواقع أنه حين نتعامل مع القوة الناعمة على أنها جزءٌ من السياسة الإعلامية وجزء من الدبلوماسية السياسية وجزء من الهوية الوطنية سنكون أكثر نجاحًا في التعاطي مع الحج وخدماته، وسنجد أننا نكسب الكثيرَ ونحافظ على مكتسباتنا.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاورَ التالية:

s        مفهوم القوة الناعمة.

s      الحج وتحسين صورة المملكة ضمن مؤشرات القوة الناعمة.

s      المؤثرون في وسائل التواصل الاجتماعي وتغطية مناسك الحج.

s      هل التغريدات “الخشنة” تعتبر من القوة الناعمة؟

s      مدى إمكانية وجود تخصُّص دقيق يتعلق بإعلام الحج.

s      مقترحات لإفادة المملكة من الحج كقوة ناعمة.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “الحج.. القوة الناعمة الأكثر نجاعةً إسلاميًّا وعالميًّا” ما يلي:

1-ضرورة وعي الإعلاميين وقادة الرأي والكُتَّاب والمثقفين بخطورة “الدبلوماسية الناعمة الشريرة” أو “السلبية” ومقدار الضرر الذي تُحدِثه للمملكة.

2-رَفْع الوعي الشعبي بضرر التغريدات والمقاطع المسيئة للشعوب والمِلل والنِّحل، وما تُحدِثه من أثر سلبي على جهود المملكة في خدمة الحرمين الشريفين والحُجَّاج والمعتمرين.

ʘ          الورقة الرئيسة: د. سعود كاتب:

قبل أن أبدأ الحديثَ عن الحج باعتباره القوةَ الناعمة الأهم للمملكة العربية السعودية، فإني أودُّ أولاً الحديث عن مفهوم ذي علاقة مرتبط بـ “القوة الناعمة”، غير أنه لم يأخذ حقَّه من الاهتمام، وهذا المفهوم هو “القوة الناعمة السلبية”، أو كما أُسمِّيها أحيانًا “القوة الناعمة الشريرة”.

  • ·النموذج السلبي للقوة الناعمة:

يتحدث الكثيرون اليوم بحماس شديد عن مفهوم «القوة الناعمة» soft power وأهمية توظيفه من قِبل الدول لتحسين صورتها عالميًّا وتحقيق أهدافها السياسية، ولا يوجد أدنى شك في حقيقة ذلك؛ لكننا نجد في المقابل قليلاً من الاهتمام وحتى الإدراك بأن القوة الناعمة يمكن أن تكون سيفًا ذا حدين إذا لم يُحسن فهمُها والتعامل معها. من ناحية أخرى، فإن أي مجهودات يتم بذلُها في هذا الشأن يمكن أن تذهب أدراج الرياح إذا لم تتناغم مع خطوات عملية تصحيحية على أرض الواقع، ينظر إليها العالم الخارجي بإعجاب وتقدير، وتكون أساسًا تقوم عليه خُطط القوة الناعمة وإستراتيجياتها. وبهذا الصدد يقول جوزيف ناي واضع المفهوم: «للمتلقي الخارجي أهمية قصوى، فإذا لم تتمكن مبادرات القوة الناعمة من جذبه وإقناعه؛ فإن إستراتيجية القوة الناعمة محكومٌ عليها بالفشل».

هذه الإستراتيجية عادةً ما تؤدي إلى وضع الدولة تحت الأضواء عبر فعاليات من قِبيل الأنشطة الثقافية والفنية وتنظيم المعارض التجارية والمناسبات الرياضية الكبرى، غير أن هذه الأضواء الإيجابية يمكن في أي وقت أن تنحرف لتتجه بقصد أو دون قصد صوبَ بعض الممارسات التي يراها الآخر مرفوضةً وسلبيةً؛ فتكون بالتالي الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة للبلد مصدرَ ضرر وإساءة له أكثر من فائدة ونفع.

الصين -على سبيل المثال -تمتلك مصادر قوة ناعمة هائلة بكل المعايير مدعومة بقوة اقتصادية وعسكرية ضخمة، ومع ذلك فإن تقييمها في مؤشرات القوة الناعمة يعتبر متدنيًّا ليس فقط مقارنةً بدولة مثل أمريكا، بل وبالهند التي تقلُّ عنها كثيرًا في تلك المصادر. والسبب هو أن إستراتيجية القوة الناعمة الصينية لم تتمكن من وَضْع رؤية شاملة محلية وخارجية تكون إيجابية في مجملها، وتحظى بالقبول من منظور العالم الخارجي.

وعلى صعيد آخر، تعتبر قطر نموذجًا صارخًا لفشل خُطط الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة، والتي أُنفِق عليها مئات المليارات. مشكلة تلك الخُطط أنها لا تهدف لتحقيق رؤية تنموية مشروعة وتبوُّء مكانة دولية تتوافق مع حجم البلد وقدراته الفعلية؛ بل تسعى لتحقيق أهداف وطموحات أكبر بكثير من ذلك الحجم، وبوسائل تقوم على استعداء الآخرين ومحاولة تدميرهم، وإشعال الثورات وعقد التحالفات مع رموز الشر والإرهاب، والاعتماد التام على الأموال لشراء الذمم والنجاحات.

قطر أدركت أنها لا تملك مقومات القوة الناعمة، مثل الثقافة الجاذبة والفنون الراقية والتفوق الرياضي والبروز العلمي والعمق التاريخي والديني، وظنت أن بمقدورها شراء كل ذلك بالمال، فأنفقت المليارات رياضيًّا للتجنيس وشراء الذمم في رئاسة الاتحاد الآسيوي وكأس العالم. وإعلاميًّا، أنفقت المليارات لبناء قوة ناعمة إعلامية لخدمة أهداف سياسية شريرة يقوم عليها مرتزقة إعلام سيئو السمعة. ودينيًّا، احتضنت القرضاوي وجماعته الإرهابية، وأنفقت بسخاء عليهم وعلى حزبيين ودُعاة متطرفين ومأجورين ليعيثوا في دولهم تخريبًا وبثًّا للفرقة.

كل ذلك يجعل من قطر أنموذجًا وحالة دراسية فريدة لمقررات كليات السياسة والعلاقات الدولية كأسوأ تطبيقات لمفهوم القوة الناعمة، وأكثرها تدميرًا وسلبيةً.

  • ·‏متى تُصبح القوة الناعمة سلبيةً وضارةً؟

عندما تكون موجودةً ولا يتم تعهُّدها بالرعاية والاهتمام، فتتحول مع الوقت إلى قوة سلبية نتيجة لعوامل مختلفة. فعلى سبيل المثال، العمالة الأجنبية في المملكة العربية السعودية ظلت لعقود طويلة تنعم بمزايا وفوائد كبيرة بكل صمت وهدوء، لكن وبمجرد حدوث مشكلة تتعلق بتأخُّر إحدى الشركات الكبرى في تسليم رواتب موظفيها وعمَّالها، تحوَّل الموضوع إلى عناوين مختلفة مسيئة للمملكة في الإعلام الأجنبي. ‏نفس هذه القوة الناعمة هي عُرضة للاستهداف من قِبل أطراف خارجية عبر برامج التحريض الممنهجة. ‏وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية العامة الجيدة التي تعمل على تعهُّد مصادر القوة الناعمة بالرعاية المستمرة بحيث تصبح أقوى من أن تتأثر بمشاكل عابرة، أو أن تُستغل من قِبل أي أطراف خارجية.

‏من ناحية أخرى، فإن القوة الناعمة لا تعمل على الإيجابية لوحدها ‏بمعزل عن العوامل الأخرى المتباينة، فالأنظمة والسياسات والممارسات السلبية يمكن أن تعيق عمل ممارس الدبلوماسية العامة على الصعيد الخارجي. ‏فعلى سبيل المثال: إذا كان المجتمع تسود فيه ثقافة العنصرية، والافتقار للعدالة، والتعصب بكافة صوره وأشكاله؛ فإن جميع هذه الممارسات سوف تعمل كحائط يصدُّ كثيرًا من المبادرات الإيجابية للقوة الناعمة.

  • ·قوة الآخرين الناعمة:

‏هذا العنوان تمت ‏استعارته من Joseph Nye في كتابه “القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية”. ‏والذي أفرد فيه فصلاً للحديث عن القوة الناعمة الأخرى المؤثرة على الولايات المتحدة الأمريكية، مشيرًا إلى أنه بالرغم من امتلاك الولايات المتحدة لقوة ناعمة ضاربة تمكنت من استخدامها بفاعلية لتحقيق أهدافها؛ إلا أن موقع الولايات المتحدة عالميًّا وقياداتها لعصر المعلومات يفتح الطريق أمامها للاستحواذ على المزيد من القوة الناعمة في حال تعاملها مع الموضوع بمهارة. ‏غير أن الولايات المتحدة ‏ليست لوحدها على الساحة، بل إن هناك أطرافًا عديدة دولية وكذلك منظمات غير حكومية تمتلك بدورها القوةَ الناعمة الخاصة بها، والتي يمكن استخدامها إما لمساعدة الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، أو إعاقتها عن تحقيق تلك الأهداف؛ ومن ثَمَّ فإن من المهمِّ أيضًا إيلاء موضوع قوة الآخرين الناعمة أهمية قصوى، وهو موضوع لم يأخذ حقه من الاهتمام.

‏الوضع لا يختلف كثيرًا بالنسبة للمملكة العربية السعودية في منطقتها الإقليمية التي تتسم بالقدر الأكبر من التوترات والصراعات والتنافس بشكل أشرس من ذلك الموجود في أي منطقة أخرى من العالم. ‏وما يزيد هذا الموضوع أهميةً، هو حقيقة أن المملكة العربية السعودية هي من أكثر الدول التي تمَّ استهدافها بالهجمات ليس فقط العسكرية والإرهابية؛ ولكن وبقدر لا يقل خطورةً تعرُّضها ‏لهجمات خفية على مدى سنوات طويلة، قائمة على سلاح القوة الناعمة، هذا السلاح الذي يمتلك قوةً تدميرية لا يُستهان بها عند استخدامه لأغراض شريرة. ‏فعلى مدى سنوات طويلة قامت دولة مجاورة متناهية في الصغر هي دولة قطر، بتوجيه مواردها المالية الضخمة لاختراق المجتمع السعودي من جهات عديدة قائمة على أدوات علمية ودينية ورياضية وفنية وأسرية. ‏هذا الاستهداف لا يماثله تاريخيًّا سوى ذلك الذي حدث خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهما في منتصف الأربعينيات وحتى أوائل التسعينيات، بل إن الاستهداف القطري كان غير مسبوق بحجم الموارد المسخرة له والاستقطابات المستخدمة به وتنوُّعها من حيث الجنسية والتوجهات الفكرية المختلفة. ‏وفي حين أن المواجهة أثناء الحرب الباردة كانت تتم بين عدوين لدودين يتعامل كل منهما مع الآخر على هذا الأساس؛ فإن الاستهداف القطري للمملكة كان يتم في الخفاء مستغلاً الروابطَ الأخوية بين البلدين وانتماءهما للمنظومة الخليجية تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي العربي. ‏وفي واقع الأمر، فإن هذا التآمر والاستهداف القطري لم يكن مُوجَّهًا للمملكة وحدها، ولكنه طالَ دولاً عربية عديدة، أهمها: مصر، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وليبيا، وتونس، والصومال، واليمن، وغيرها. ‏الخطوة الأولى لإيقاف هذا الاستهداف الخطير والمدمر كانت عبر نقله من الخفاء ووضعه على الطاولة، وذلك عندما قررت المملكة والإمارات ومصر والبحرين قطع العلاقات مع قطر في 5 يونيو 2017م، وهي خطوة مهمة تتمثل في عزل المرض لتحييد خطره والتعامل مع ذلك الخطر. ‏هذه خطوة ضرورية دون شك، ولكنها غير كافية، فهذه التجربة أثبتت أن الجبهات الحربية اليوم لم تعُد تقتصر على تلك البرية والجوية والبحرية؛ ولكنها تشمل أيضًا – وبذات القدر من الأهمية – الجبهةَ الإعلامية المعلوماتية، وتلك الخاصة بالقوة الناعمة والتي أثبتت الأزمة القطرية أنه يجب منحها نفس قدر من الاهتمام الذي يتم منحه للجهات الأخرى؛ إذ اتضح من تلك الأزمة أن سلاح القوة الناعمة ليس قادرًا على إلحاق الأضرار المعنوية فحسب، ولكنه قادر أيضًا على إلحاق الدمار بدول وتحويلها إلى دول فاشلة وتكبيدها خسائر في الأرواح ‏والممتلكات والبنى التحتية كما حدث في دول عديدة، مثل: ليبيا، وسوريا، واليمن، وغيرها. ‏الغريب في الأمر هو أن تلك الدولة التي تسببت في كل ذلك الدمار والخراب باستخدام سلاح “القوة الناعمة” لا تملك أصلاً أيَّ ‏قوة ناعمة خاصة بها، فلا ثقافة أو فن أو تاريخ أو إنجازات علمية أو تنوع بيئي، كما أنها لا تملك من مقومات القوة الصلبة سوى الثروة الضخمة والتي سعت من خلالها لشراء قوة ناعمة خاصة بها مثلما تمَّ شرحه سابقًا. ‏فقطر في واقع الأمر لا تملك القوة العسكرية ولا عدد السكان والجغرافيا، وقصة تمكُّنها من تحويل القوة الناعمة إلى قوة شر ودمار هائل هو موضوع ينبغي النظر إليه كظاهرة ‏تستحق الدراسة في كليات السياسة والعلاقات الدولية، بل وحتى في الكليات العسكرية والأمنية.

  • ·الحج كقوة ناعمة:

المملكة العربية السعودية هي مهبط الوحي وأرض الحرمين الشريفين: ‏اصطفى الله هذه الأرض وخصَّها بمزايا لا يمكن مقارنتها بسواها في أي بقعة من بقاع الأرض الأخرى. والمملكة هي قلب العالم الإسلامي، فنحوها يتوجه قرابة مليار ونصف المليار مسلم لأداء الصلاة خمس مرات في اليوم. ‏ويحضر سنويًّا إليها ملايين المسلمين لأداء مناسك الحج والعمرة. ‏ولو نظرنا في مقاربة بسيطة – على سبيل المثال – إلى بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2018 م والتي استضافتها روسيا، فقد حضرها حوالي ٣ ملايين شخص، وكان الرقم القياسي من نصيب البطولة ‏التي أُقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1994م، حيث حضرها حوالي 3.59 ملايين شخص. ‏وبطولة كأس العالم لكرة القدم هي بطولة رياضية دولية تُقام كل أربع سنوات في دولة محددة بعد أن تثبت قدرتها على استضافة البطولة من كافة المعايير، بما فيها المنشآت والبنية التحتية من ملاعب وفنادق ومرافق عامة ومطارات وأمن وصحة، ‏وجميع الخدمات الأخرى المطلوبة واللازمة لاستقبال كل هذه الأعداد من البشر، ونظرًا إلى ضخامة التكاليف والمتطلبات؛ فإن بعض البطولات تترشح لها الدول بملفات مشتركة، كما كان الحال في بطولة عام 2002 م والتي استضافتها دولتا كوريا الجنوبية واليابان.

‏وهنا يمكن تخيُّل كيف تقوم المملكة العربية السعودية بتنظيم الحج سنويًّا وبدون أي انقطاع، حيث أعلنت الهيئة العامة السعودية للإحصاء بأن إجمالي عدد حُجَّاج عام 2019م بلغ حوالي 2.94 مليون حاج، ‏منهم 855.1 مليون ‏حاج من خارج المملكة، فيما بلغ عدد حُجَّاج الداخل 643.4 ألف حاج، ‏يمثل غير السعوديين منهم ما نسبته 67%. ‏وذكرت الهيئة أن أعداد القوى العاملة للجهات التي قدَّمت خدماتها لضيوف الرحمن من كافة القطاعات كان أكثر من 830.530 شخصًا ‏يُمثِّلون أكثر من 47 جهة حكومية وخاصة.

‏ومن الأمور الملفتة التي تحدث ‏خلال كل موسم حج، هو تلك الخدمات الطبية المجانية عالية المستوى التي يتم تقديمها للحُجَّاج، ومن أمثلتها لحج عام 2019م: إجراء 160 عملية قسطرة قلبية، وثلاث عمليات قلب مفتوح للمرضى من الحُجَّاج دون مقابل.

هذه المكانة العظيمة للمملكة العربية السعودية كقلب للعالم الإسلامي يتجه إليه أكثر من مليار ونصف المليار مسلم خمس مرات في صلواتهم يوميًّا، ويستقبل سنويًّا ملايين الحُجَّاج والمعتمرين مُقدِّمًا لهم أقصى درجات الاهتمام والرعاية، بشكل ليس له مثيل في العالم، هل صاحَب ذلك جهدٌ نوعيٌّ متوَّجٌ‏ بنتائج على نفس قيمة ومستوى الحدث بهدف ترسيخ هذه المكانة، ‏وتعريف العالم بهذا العمل العظيم الجبار الذي تقوم به المملكة سنويًّا؟

لا شك أنَّ هناك جهدًا كبيرًا يُبذل في هذا الشأن، ‏وحج 2019 م شهد تقدُّمًا لافتًا في التواجد والتغطية الإعلامية الدولية، ومع ذلك، ومُجدَّدًا، فإن حجم هذه القوة الناعمة وأهميتها التي تتجاوز الأرقام والإنجازات، بارتباطها بمشاعر وعقيدة وعواطف أكثر من مليار ونصف المليار مسلم في مختلف دول العالم؛ ‏‏كل هذا يجعل المسؤولية والطموح أكبر بكثير من المُتحقِّق. ‏من ناحية أخرى، فإن هناك بعض الدول التي تسعى بكل الطرق إلى توظيف كل ما بحوزتها من وسائل إعلام “وقوة ناعمة شريرة” لتسييس الحج وللإساءة إلى مكانة المملكة وكل ما تقوم به من مجهودات جبارة لخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وعلى رأس تلك الدول قطر وإيران وغيرهما. ‏هذا الاستهداف لم يعُد من المجدي مواجهته بالأسلوب الإعلامي التقليدي، ولكن وكما تمَّ ذكره سابقًا، فإن ذلك يتم عبر مصادر القوة الناعمة نفسها وتعهُّدها بالرعاية والاهتمام والإستراتيجيات الذكية، بشكل ليس موسميًّا أو مؤقتًا، ولكن على مدار العام، وبدون ذلك فإن تلك القوة تفقد جزءًا كبيرًا من تأثيرها وقوتها، كما أنها تُصبح هدفًا ثمينًا للأعداء. ‏ولنا أن نتخيل أن يكون لدى بلد مُحاط بالأعداء منشأة إستراتيجية وحيوية مهمة دون أن يتم توفير الحماية اللازمة لها من قِبل الهجمات المعادية!

‏هذا الأمر ليس خيارًا ولكنه ضرورة حتمية، وكما سبق أن تمت الإشارة، فقد ثبت عمليًّا أن ‏الجبهات الحربية اليوم لم تعُد فقط بريةً وجوية وبحرية؛ ولكن هناك أيضًا جبهة “القوة الناعمة ” والتي تشمل الإعلام، وهي لا تقل أهميةً عن بقية الجبهات، ومن المهم جدًّا منحها جميعها الاهتمام الكافي.

الحج بأهميته تلك يحتاج إلى أن يُخصَّص له جهازٌ إعلامي وثقافي محترف يعمل بأسلوب غير تقليدي طوال العام؛ لتعريف العالم بما تقوم به المملكة لخدمة الحج والمشاعر المقدسة. وهو يحتاج إلى جهد يبدأ من خارج المملكة في دول الحُجَّاج قبل قدومهم؛ للقيام بمهام التعريف والتوعية والتثقيف، وتعميم مبادرة طريق مكة لتشمل أكبر عدد ممكن من الدول. عندما يعود الحُجَّاج لبلدانهم ولديهم أفضل انطباع لتجربة حجهم فإنهم سيصبحون سفراء للمملكة وخط الدفاع الأكثر تصديقًا وموثوقيةً في وجه أي حملات إعلامية ضد المملكة.

ʘ          التعقيبات:

  • ·التعقيب الأول: د. إبراهيم البعيز:
  • استهل د. سعود ورقته بالحديث عن مفهوم القوة الناعمة السلبية أو ما يُسمِّيها بـ “القوة الناعمة الشريرة”. كنت أتطلعُ إلى مقدمة تشرح مفهوم القوة الناعمة وتُبيِّن أهمَّ عناصرها وتوضِّح علاقتها بالدبلوماسية العامة.
  • دائما ما يساورني التخوُّف والقلق من أن مصطلح “القوة الناعمة” بدأ يتسلل تدريجيًّا إلى قائمة المصطلحات الرنانة المستهلكة بسبب تسابُق غير المتخصصين للكتابة أو الحديث عنها دون فهم حقيقي لماهيتها. وهنا إشكالية كبرى، خاصة عندما يكون ذلك الفهم الخاطئ لدى مَن تُوكَل إليهم مهام ومبادرات تتعلق بعناصر القوة الناعمة. نحن قلقون على صورة المملكة في الخارج، ولا نُلام في ذلك بعد سلسلة متتابعة من أخبار وتقارير سلبية لأكثر من عشر سنوات؛ لذا أضحت قيمة كل جهد أو فعل أو سلوك نقوم به -سواء على مستوى الدولة أو الأفراد -مرهونة بقدرتنا على استثماره في تحسين صورتنا في الخارج، وهنا تكمن الإشكالية. يُفترض أننا نقوم بذلك الجهد أو ذاك السلوك لهدف معروف ومحدَّد مسبقًا، كون ذلك يُحسِّن صورتنا في الخارج أم لا، فهذا أمر يدخل ضمن “القيم المضافة” والأهداف الثانوية لذلك الجهد أو السلوك. وهذا ما ينطبق على الحج. فالجهود التي تتم هي في الواقع وفاءٌ بالتزامنا لخدمة ضيوف الرحمن وتسهيل أدائهم لفريضة الحج، ولم يكن هدفُنا تحسين صورتنا في الخارج. وهذا ما يُعزِّز من قيمة وأهمية الحج في منظومة عناصر القوة الناعمة لدينا. لو أننا انطلقنا من هذه الفلسفة في كلِّ جهودنا لنجحنا في تحقيق الدبلوماسية العامة وما تشتمل عليه من عناصر للقوة الناعمة.
  • يتفق كثيرٌ من المتخصصين في دراسة الاتصال بأن الاتصال الشخصي أقوى تأثيرًا من وسائل الإعلام، وأن قادة الرأي هم أقدر من وسائل الإعلام في تغيير الآراء وتشكيل الاتجاهات. وهذا ما يحدث من تجربة الحج، ففيها سلسلة من اللحظات والمواقف التي تؤهِّل الحاج ليكون قائدَ رأي عن هذه التجربة، وما تتضمنه من انطباعات عن المملكة والمجتمع السعودي.
  • بسبب الحداثة النسبية لمفهوم القوة الناعمة، لا يتوفر في أدبيات الدبلوماسية مؤشرات لقياس القوة الناعمة وتحديد عناصرها. المؤشر الوحيد صدَر قبل أربع سنوات (2015). هذا المقياس يتضمن عناصر تتجلى بشكل واضح في الجهود التي تقوم بها المملكة لخدمة ضيوف الرحمن، منها: مدى كفاءة الأجهزة الحكومية، التطوُّر التقني، العمل المؤسسي، العلاقات الخارجية. فالتطورات التي تمت في السنوات الأخيرة تُجسِّد إنجازات واضحة على هذه المؤشرات.
  • ·التعقيب الثاني: د. مساعد المحيا:

ألمح د. سعود كاتب في الورقة الرئيسة لجوانب عديدة ومهمة.. ربما أنه اختار القوة السلبية ليتحدث عنها في البداية بيد أنى توقعته سيتحدث عن الممارسات السلبية في الحج من قِبل المطوفين أو مؤسسات الحج أو الأفراد، فإن تلك الممارسات السلبية مما يهدم القوة الناعمة للحج ومعطياته في المملكة.. لكنه ذهب بعيدًا عن ذلك. بيد أنه أبدع في الإشارة إلى جوانب عدة مما يتعلق بالحج بوصفه قوةً ناعمة.

مفهوم القوة الناعمة يحتاج الكثير من التحرير والإيضاح كما أنه يحتاج إلى التحرر من البيئة السياسية التي قد تُعيد تصنيف كل ناعم بأنه خشن وخشن جدًّا، في حين أن الأمر يكسب هذه المؤسسة أو تلك الدولة أو تلك الشخصية الكثيرَ من التقدير في العالم.

القوة الناعمة مفهوم أطلقه جوزيف ناي من جامعة هارفارد، ويعني به القدرة على الجَذْب والضمِّ دون إكراه أو استخدام للقوة كوسيلة في الإقناع. أو كما قال إن القوة الناعمة هي “قوة الجاذبية، أن تكون جذَّابًا بالنسبة للآخرين، لا أن تضعهم في صفك وبجانبك بواسطة الإكراه واستخدام السلاح، أو بدفع الأموال” نحن نمتلك الكثيرَ من أدوات القوة الناعمة، ولعل أبرزها:

  1. الحرمان الشريفان والمشاعر المقدسة.
  2. النفط ومؤسساته وحجم تدفُّقه.
  3. القيم الدينية والعربية.

ولعلِّي هنا أُسجِّل بعضَ الإشارات التي أحسبُها مهمةً في هذا الصدد:

sالقوة الناعمة تكون أكثر تأثيرًا حين تكون أدواتُها هبةً من الله يمنحها الله مَن هو حقيقٌ بها فيُوظِّفها لبناء صورة ذهنية جميلة ويحافظ عليها، والحرمان الشريفان والمشاعر، وأن تكون مثوى الأفئدة ومقصد الحُجَّاج والمعتمرين؛ فإن ذلك فيض من عطاء الله لهذه البلاد.

sالحج والأماكن المقدسة وهبها الله لهذه البلاد “المملكة العربية السعودية”، وأتاح لأهلها أن يشرفوا بخدمة الحجيج، فيتنافسوا في ذلك ليبلغوا رضا الله ويدركوا منافع لهم.. فهذه من أعظم القوى الناعمة. كل ذلك إنْ حدَث في إطار من الرضا وحُسن التقديم دون مَنٍّ أو أذى؛ فإنه يصنع لدى الحُجَّاج وأهاليهم قناعةً بعظمة هذه البلاد وسماحة أهلها وحُسْن وفادتهم، والعكس صحيح.

sالدول تتنافس للحصول على تنظيم بطولة رياضية دولية مثل كأس العالم أو الأولمبياد ولو مرة في العمر برغم كل تبعاتها وتكاليفها؛ ليرى الناس قدرتها التنظيمية، وليعرفوا عن هذه الدولة الكثير، والمملكة حباها الله موسم الحج ومواسم العمرة لتحظى بزائرين من كُلِّ دول العالم، يأتون متطلعين لبيت الله ولمسجد رسول الله ولكل المشاعر. لذا، فإن الدولة عبر كل موظفيها من المطار حيث تستقبلهم وحتى المطار حين تودِّعهم – يمكن أن توصل لهؤلاء رسائل إيجابية واسعة عبر مستوى نوعي من الاهتمام والرعاية والخدمات الممتزجة بالصدق والثقة.

sالخدمات التي تُقدَّم للحُجَّاج وبخاصة الصحية واللوجستية هي من مفاخر المملكة، بل إن ملوكها أحبوا أن يُلقَّبوا بخادم الحرمين بدلاً من جلالة الملك؛ وذلك يعني أن المملكة فخورة بخدمتها لكل حاج.

sالرموز العلمية والدعوية في هذه البلاد هم من أبرز أدوات هذه القوة الناعمة في العالم الإسلامي، وخصوصًا كبار العلماء وأئمة ومؤذني الحرمين الشريفين؛ فهؤلاء أدوات اتصال مهمة مع كثير من المسلمين في مختلف الدول.

sالموثوقية التي حظيت بها المملكة خلال سنوات من الجهود الدعوية والمكانة الجميلة، وبخاصة في بناء المساجد والمراكز الإسلامية ورعاية شؤون المسلمين والدفاع عنهم؛ هي من أدواتنا السياسية الناعمة التي شكَّلت مكانةً كبيرة للمملكة ولشعبها في قلب العالم الإسلامي كله.

s        الخدمات الإنسانية التي قدَّمتها ولا تزال تُقدمها المملكة للعديد من المتضررين والمحتاجين عبر الطائرات والشاحنات الإغاثية، وكذلك الخدمات العلاجية كفصل التوائم أو قيام الأطباء بزيارة عدد من الدول وإجراء عمليات متوسطة وصغيرة للمحتاجين؛ هي إحدى أدوات ووسائل القوة الناعمة التي ينبغي استثمارها.. والمملكة لها حضورها الكبير في هذا الشأن، لكنَّ كثيرًا منه يتم دون تعريف يناسبه أو يُنقَل بطريقة لا توصله للجمهور.

sجميل هنا التذكير بأن أي استثمار أو تسويق للقوة الناعمة يتطلب الإعدادَ المهني للمواد الإعلامية الخاصة بها، وأن أي تقديم لها يقوم على الدعاية المباشرة، والثناء على الذات هو من أسباب تقويض الرسالة وهدمها.

sوسائل التواصل الاجتماعي اليوم هي الامتداد الإعلامي الأكثر انتشارًا ومقروئيةً وربما تأثيرًا؛ لذا فإن من المهم العمل على استثماره من خلال صناعة الرسائل العامة التي تجعل غالب الشخصيات ذات الحضور الكبير جزءًا من مشروع المملكة في المحافظة على صورتها الذهنية وتعميق مكانتها وبخاصة في العالمين العربي والإسلامي، وعلى نحو خاص في الحج وشؤونه وخدماته.

s        نحن اليوم أكثر حاجةً لمزيد من الاهتمام بالقوة الناعمة عبر مختلف الأدوات الدبلوماسية والمدنية والثقافية المرتكزة على الثقافة والقيم المحلية.. إذ كل قوة ناعمة ثقافية نجلبها فإننا نُسوِّق وبالمجان لقوى ناعمة فنية وثقافية غير سعودية.

sويبقى الحج في إطار ذلك كله هو الرسالة الناعمة القوية التي أتطلع أن تتكامل في بناء خدماتها كلُّ المؤسسات لتعطيَ صورةً ذهنيةً جميلة يعود الحاج وهو يستمتع بها ويتذكرها، وتظل محفورةً في ذهنه وعقله وقلبه وهو يردد جُمل الشكر والثناء، وأن نعمل على محاسبة كل مؤسسة أهملت في تقديم أي خدمة التزمت بها لكل حاج.

sأتفق مع د. سعود بأن الحج يتطلب تخصيصَ جهاز إعلامي وثقافي محترف يعمل بأسلوب غير تقليدي طوال العام لتعريف العالم بما تقوم به المملكة لخدمة الحج والمشاعر المقدسة. ولتكُنْ هيئةً إعلامية أو مركزًا متخصصًا ينتج الكثير من المواد المقروءة والمرئية والمسموعة المهنية البعيدة عن اللغة المباشرة أو الثناء غير المناسب.

sحين نتعامل مع القوة الناعمة على أنها جزءٌ من السياسة الإعلامية وجزء من الدبلوماسية السياسية وجزء من الهوية الوطنية؛ سنكون أكثر نجاحًا في التعاطي مع الحج وخدماته، وسنجد أننا نكسبُ الكثيرَ ونحافظ على مكتسباتنا. وسيُحقِّق هذا كثيرًا من التوازن بين قوى المملكة الصلبة والناعمة في مختلف مقومات الدولة الحضارية والتاريخية والثقافية، وأن تكون هذه جزءًا من إستراتيجية عامة وواضحة لقوتنا الناعمة، ومن ثَمَّ العمل على استثمارها على نحو دائم يشمل بناءً حقيقيًّا وعظيمًا ومُستدَامًا.

ʘ          المداخلات حول القضية:

  • ·مفهوم القوة الناعمة:

ذكر د. سعود كاتب أن مفهوم الدبلوماسية العامة بدأ اليوم في الانتشار بشكل سريع في المملكة، وأصبح هذا المفهوم بجانب مصطلح “القوة الناعمة السعودية” يتردد كثيرًا على وسائل الإعلام المختلفة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، وتُعقَد له ‏الندوات والمحاضرات بغرض التعرُّف عليه وعلى أدواته ومصادره، وحقيقة تأثير هذا الجدل والنقاش الصحي الدائر في السعودية حول الدبلوماسية العامة هو أمر يحدث في الواقع في مختلف دول العالم، وإنْ كانت الملاحظة عليه أنه في السعودية لمَّا يصل بعدُ إلى درجة العمق المطلوبة؛ وذلك نتيجة لغياب الجامعات السعودية عن القيام بدورها بشكل كافٍ في هذا الخصوص، وللغياب شبه الكامل لمراكز الفكر والدراسات عنه، رغم أهميتها القصوى للمملكة. وفي وسط الجدال والنقاش الدائر حول الدبلوماسية العامة، تبرز أهمية الوصول إلى تعريف واضح ومحدَّد لهذا المفهوم، باعتبار أن ذلك هو الذي سيفتح طريقَ الإجابة عن كافة الأسئلة المُثارة حول الدبلوماسية العامة وآفاقها وتأثيرها وسقف التوقعات منها، كما أنه سيكون بمثابة الأرض الصلبة التي تقوم عليها أي توصيات أو إستراتيجيات للدبلوماسية العامة السعودية.

وليس هناك تعريفٌ واحد متفق عليه عالميًّا للدبلوماسية العامة، والتي تُعرِّفها دائرة المعارف البريطانية بأنها “كافة أشكال الأنشطة الحكومية التي تسعى إلى التواصل المباشر مع شعوب الدول الأخرى؛ بغرض التأثير الإيجابي على تلك الشعوب بشكل يجعلهم يتقبلون ويدعمون الأهداف الإستراتيجية لتلك الحكومات”. وتعرِّفها وزارة الخارجية الأمريكية بأنها “كافة البرامج المدعومة من الحكومة الأمريكية، والتي تهدف إلى اطلاع أو التأثير في الرأي العام الخارجي”.

وفي السعودية يتم استخدام المصطلحين للتعبير عن نفس الشيء، وهما “الدبلوماسية العامة “و “الدبلوماسية الشعبية”، ويعود ذلك إلى الاختلاف في ترجمة كلمة public في publicdiplomacy؛ حيث ترجمها البعض “شعبي” في حين ترجمها آخرون “عام”.‏ وتستخدم وزارة الخارجية السعودية مصطلح “الدبلوماسية العامة”، وتوجد لديها وكالة متخصصة باسم “وكالة الوزارة لشؤون الدبلوماسية العامة”، وتُعرِّف هذه الوكالة في إستراتيجيتها لعام 2019 ‏الدبلوماسية العامة بأنها “التواصل مع الشعوب لأجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية، عبر توظيف القوة الناعمة للبلد”. وتؤكد هذه الإستراتيجية على أهمية المهنية في الأداء وتجنُّب الدعاية propaganda  حفاظًا على المصداقية، وتضيف بأن الدبلوماسية العامة هي إحدى أذرع السياسة الخارجية، فمن المعلوم أن تلك السياسات تقوم على العلاقات الثنائية والعلاقات متعددة الأطراف، وبعد تطوُّر الدبلوماسية العامة أخذت مكانها كجزء رئيس من السياسة الخارجية، حيث تغيرت الاتصالات الدبلوماسية بشكل ملحوظ، فبالإضافة إلى دبلوماسية الدولة مقابل الدولة، أصبح هناك دبلوماسية الدولة مقابل الشعب، ودبلوماسية الشعب مقابل الدولة، وكذلك دبلوماسية الشعب مقابل الشعب.

وتختلف الدبلوماسية العامة عن الدبلوماسية التقليدية بكونها أكثر اتساعًا، حيث إنَّها أكثر فعاليةً وتأثيرًا في قاعدتها، وأكثر مرونةً نظرًا لكونها لا تتقيد بالمجموعات الرسمية أو البروتوكولات التي يمكن أن تحدَّ من حركة الدبلوماسيين. ‏من ناحية أخرى، فإن نتائج الدبلوماسية العامة قد لا تظهر مباشرةً كما هو الحال في الدبلوماسية التقليدية، وإنما تظهر تلك النتائج بعد فترة زمنية يمكن أن تطول أو تقصر وفقًا لأسلوب استخدامها.

‏وترتكز القوة الناعمة على ثلاثة مصادر هي: ثقافة البلد الجذابة للآخرين، وقيمه السياسة حين يتم تطبيقها بإخلاص في الداخل والخارج، وسياساتها الخارجية عندما يراها الآخرون مشروعةً وذات سلطة معنوية أخلاقية.

في حين يرى م. أسامة كردي أن الحكومات ليست هي المطالبة بأن تقوم بالدبلوماسية بتعريفها التقليدي، والأنسب أن تترك للمجتمع المدني دورَ القيام بالدبلوماسية الناعمة. وعلى الرغم من أن هذا كان مُنفَّذًا منذ 20 عامًا إلا أنه يُلاحظ رغبة حكومية في القيام بهذا الدور، واختفاء المساندة للمجتمع المدني للقيام بهذا الدور.. بدون الأخذ في الاعتبار أن المتلقي يتوقع أن يسمع صوت المجتمع المدني عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية الناعمة. ولا بد من ملاحظة أن رؤية المملكة2030 تشجِّع إنشاء الجمعيات الأهلية بأنواعها المختلفة، ومن المفيد أن توافق الحكومة على إنشاء جمعيات للدبلوماسية الناعمة.

وبدوره أشار د. سعود كاتب إلى أن وزارات الخارجية في معظم دول العالم تمارس الدبلوماسية العامة، بل ولديها وكالات متخصصة للقوة الناعمة وللدبلوماسية العامة، ومن تلك الدول أمريكا وبريطانيا (المجلس الثقافي البريطاني). وبالنسبة للمنظمات غير الحكومية، فإن لها أيضًا دورًا مهمًّا وأساسيًّا في أنشطة الدبلوماسية العامة. وقد تمَّ قبل فترة وجيزة تنظيم فعاليات ثقافية في ألمانيا لمجموعة من الشباب والشابات السعوديات، حيث تركت المهمة لمنظمة غير حكومية، حتى لا يُنظر للأمر على أنه بروباغاندا.

  • ·الحج وتحسين صورة المملكة ضمن مؤشرات القوة الناعمة:

يرى د. سعود كاتب أنه لا يوجد أي مانع من أن يكون توظيفنا للحج كقوة ناعمة نابعًا من رغبتنا في تحسين صورتنا جنبًا إلى جنب مع الرغبة في خدمة ضيوف الرحمن. إذ إنه ليس هناك ما يُسيء في ذلك؛ بل على العكس، نحن بحاجة ماسة إلى وضع الحج والحرمين الشريفين على رأس مصادر القوة الناعمة السعودية لكي نتمكن من منحها ما تستحقه من خُطط ومبادرات تجعلنا نحقق أقصى فائدة ممكنة سواء من حيث قوة التأثير للمملكة أو تحسين صورتها في العالم. كما لفت النظر إلى أن هناك العديدَ من المؤشرات للقوة الناعمة، منها: مؤشر بورتلاند للقوة الناعمة، ومؤشر مونوكول لقوة الإقناع، ومؤشر فيوتشر براند، ومؤشر البلدان الجيدة، وغيرها. وللأسف، وضعُنا في جميع تلك المؤشرات لا يعكس حقيقة مكانة المملكة وقوتها الناعمة، فترتيبُنا إما متأخر جدًّا أو أنه غير موجود أصلاً.

وبدوره أوضح د. إبراهيم البعيز بعضَ التفاصيل بخصوص مؤشر بورتلاند للقوة الناعمة، حيث بدأ إصدار هذا المؤشر قبل أربع سنوات (2015)، وهو يُصنِّف 30 دولة في العالم حسب “قوتها الناعمة”. تحتل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة المراكز الأولى على الترتيب، وأتت كلٌّ من جمهورية التشيك، والصين، وروسيا، والبرازيل والأرجنتين في أسفل القائمة. ويقوم المؤشر على محورين: المحور الأول بحث مكتبي حول ترتيب الدولة في عدد من المؤشرات والمقاييس العالمية الصادرة من منظمات أممية وحقوقية وغيرها، ويقوم هذا المحور على مؤشرات تتعلق بالثقافة والتطور التقني والتعليم والعلاقات الدولية ومؤسسات القطاع الخاص وأداء المؤسسات الحكومية. والمحور الثاني نتائج استطلاع للرأي العام لعينة قوامها 11 ألف شخص يقيمون في 25 دولة، حيث يتم قياس الرأي العام تجاه الحضور الثقافي، والمنتجات الفاخرة، والمنتجات التقنية، والأطعمة، والرغبة في الهجرة، والسياسة الخارجية. ويُلاحظ أن هذه المؤشرات تعتمد على متغيرات تتعلق بجهود وإنجازات لم تقُم بها الدول من أجل تحسين صورتها في الخارج، بل قامت بها لأهداف تتعلق بالتنمية وتحسين مستوى المعيشة، وتحسين الصورة أو تعزيز القوة الناعمة قيمة مضافة. وفي هذا الإطار يمكن طرح بعض الأسئلة على سبيل المثال لا الحصر:

s        هل يُفترض أن نُعامل الوافدين معاملةً حسنة من أجل تحسين صورتنا في الخارج، أم لأهداف إنسانية نبيلة؟

s        هل ننظف منازلنا لأننا نريد أن نظهر بمظهر حسن، أم لأننا نحب النظافة؟

s        هل جهود الدبلوماسية الثقافية لتحسين صورتنا في الخارج، أم لأننا نريد أن ننفتح على العالم ونشاركهم في تعزيز المحبة والسلام؟

s        هل نُطالب بتحسين مستوى التعليم لتعزيز صورتنا في الخارج، أم لأننا نريد أن نُنمِّي وطننا؟

إنْ كنا هدفنا وتركيزنا على الصورة (وهو الهدف الثانوي) يسبق الهدف السامي، فنحن حكَمنا على جهودنا بالفشل.

وأكد أ. محمد الدندني أنه يجب أن نسعى للأهداف السامية، وما تحسين الصورة إلا تحصيل حاصل. وفي هذا السياق، من المهم التساؤل بشأن مَن يهدمون بالداخل والخارج، بإظهار السعودي مجرد مادة أو “كاش” يمشي بين الناس، أو إساءة التعامل مع الآخرين وبالذات في الداخل، ما الحل معهم؟ وهل يجوز متابعتهم وحسابهم؟

ومن جديد ذكر د. إبراهيم البعيز أن هاجس وَهْم الصورة في الخارج يبدو أنه وصل فينا إلى النخاع، وأصبحنا لا نفكر إلا في هذه الصورة، والواقع أنه لو عملنا جاهدين من أجل تحسين الكثير من مؤشرات التنمية والرعاية الاجتماعية لأتت إلينا الصورة الإيجابية هرولةً.

واتفق د. سعود كاتب مع التأكيد على أهمية الأهداف السامية، وهو أمر ينطبق على كل الأمور وليس الدبلوماسية العامة وحدها، فهل المعلم يقوم بمهنته لكونها عملاً نبيلاً ورغبةً منه في تربية أجيال واعية ومتعلمة، أم أنه يمارس التعليم لأنه يُحقِّق له صورة معينة جيدة في المجتمع ويمنحه الرضا الذاتي؟ وماذا عن رجل الأمن، هل يمارس عملَه فقط من أجل القيم النبيلة وحدها أم أن هناك أمورًا أخرى ذات اهتمام لا تُقلل بأي شكل من الأشكال من قيمة الهدف النبيل؟ خلاصة القول: إن الفصل بين الأمرين صعب، بل هو عمليًّا غير موجود. وحافز “الهدف السامي” يزيد دون شك من حماسنا ورغبتنا في تحقيق أهداف الدبلوماسية العامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشأن مثل الحج. وإنْ كانت الدبلوماسية العامة، والقوة الناعمة لنا تحديدًا ليست الحج فقط، ولكن هناك غيرها ومنها الثقافة والموسيقى والغناء والآثار والتراث وغير ذلك، ولكل منها أيضًا هدف سامٍ خاصٌّ به. تعريف الدبلوماسية العامة هو التواصل مع الشعوب لأجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية عبر توظيف القوة الناعمة للبلد؛ هذا هو الهدف الذي نسعى إليه، ليس صورتنا في الخارج وحدها وليس القيم والمُثل السامية وحدها؛ فليس من الجيد أن نعمل بدون أهداف سامية، كما أنه ليس من الواقعية أن نحكم كل تحركاتنا فقط بأهداف سامية. في حين ترى د. وفاء طيبة أن الفصل بين الأمرين قد يكون صعبًا بالفعل؛ ولكننا لا نجد مثلاً أيَّ عملٍ دعائي تقوم به دول أوروبا الشمالية مثلاً أو اهتمام بالصورة الخارجية، فعملهم داخلي ولشعبهم وحقوقه.

ومن جديد ذكر د. إبراهيم البعيز أن الإشكالية أننا دخَلنا في جهود الدبلوماسية العامة متأخرين، وبالتأكيد أن تأتيَ متأخرًا خيرٌ من أن لا تأتي. ولو أن الدبلوماسية العامة – برأيه – هي التواصل بين الشعوب. وهنا تبرز أهمية مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية غير الحكومية. وهذا ما تأخَّرنا فيه.

وفي الإطار ذاته، أكَّد د. سعود كاتب أن لدينا من القوة الناعمة ما تحلم ببعضه كثيرٌ من الدول، نحن فقط بحاجة لتوظيفها من كافة النواحي بالشكل السليم وعلاج كافة المعوقات التي تقلِّل تأثيرَ تلك القوة الناعمة. فنحن لسنا الوحيدين في العالم الذين توجد لدينا مؤسسات حكومية تعمل لتوظيف قواها الناعمة، بل على العكس نحن دخلنا متأخرين ونحتاج لكثير من الجُهد والتنسيق للقيام بذلك. النظر لجزء واحد بسيط من الصورة ثم توقُّع الكثير جدًّا منه خطأٌ كثيرًا ما نقع فيه. لننظر إلى الصورة الأشمل.

وأضاف د. صدقة فاضل أن الحديث عن القوة الناعمة له أبعاد أخرى كثيرة، ربما من بينها خدمة الحجيج خدمة جيدة، ولكن الواقع والموضوع أكبر من ذلك بكثير؛ حيث إن مكمن القوة الناعمة -كما يجمع علماء الاجتماع والسياسة -في الالتزام بالمبادئ المبجلة. وبدوره أكد د. سعود كاتب أننا بالفعل بحاجة لعمل كبير ومُضنٍ لنجعلَ العالم يرى الجزءَ الجميلَ من ملامحنا والذي أخفيناه قُرابة 40 سنة، وقام أعداؤنا وبعضٌ من المحسوبين علينا بتشويه بعض تلك الملامح ووسَمنا بها للأسف.

من جانبه ذكر أ.د. سعد آل سعود أن الحج والعمرة نعمة كبرى خصَّ الله بها بلادنا الغالية، وبالإمكان استثمارها سياحيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا لتكونَ بلادُنا في مصاف الدول الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم. المشكلة الكبرى أن صوتنا الإعلامي مداه قصير وتأثيره ضعيف حتى على المستوى المحلي، فما بالنا بتأثيره خارجيًّا في ظل وجود وسائل إعلامية عالمية مؤثرة، اعتادت على بثِّ رسائل سلبية عن المملكة! وأيضًا في ظل غياب إستراتيجية إعلامية واضحة، وعدم إنشاء مؤسسات ووسائل إعلامية ذات جودة عالية مُوجَّهة للخارج على وجه الخصوص. وأضاف أ.د. سعد آل سعود أن من الأمور المثيرة للدهشة أنه في دراسة حديثة حول الدبلوماسية العامة تمَّ إجراؤها على البعثات الدبلوماسية الأجنبية المقيمة في المملكة، تبيَّن من نتائجها أن وسائل إعلامنا ليست من ضمن أهم وسائل وأدوات تلك البعثات المقيمة في الاطلاع على ثقافة المملكة وتكوين الصورة الذهنية حولها، ولم تكن حتى من أهمِّ الوسائل التي تستخدمها البعثات الدبلوماسية الأجنبية المقيمة للتعريف بثقافتها والترويج لدولها داخل المجتمع السعودي! وأوضح د. مساعد المحيا أنَّ هذه النتائج المشار إليها مهمة بوصفها مؤشرًا يؤكِّد أن وسائلنا تفتقد الموثوقية لدى الأجنبي، فلا هو يستقي منها معلوماته ولا هو يستخدمها ليبثَّ معلوماته.

وذهب د. حميد الشايجي إلى أننا تحدَّثنا كثيرًا عن الإستراتيجية الإعلامية الخارجية كأداة من أدوات القوة الناعمة، ولكن يبدو أن إستراتيجيتنا الخارجية – وللأسف – مبنية على اجتهادات شخصية ودون المستوى المطلوب. فلدينا أمور كثيرة بالإمكان استخدامها كمادة إعلامية للقوة الناعمة، ومنها الحج، فهذا الجَمْع الغفير الذي لو كان عند غيرنا لملَؤُوا الدنيا بأخباره الإيجابية. إشكاليتُنا أننا نخاطب الآخرَ بعقلية الداخل، ولا نستخدم الأدوات الخارجية المحلية لنشر ما نريد، كما تفعل إيران وغيرها. فإيران موَّلت عددًا من السياسيين والإعلاميين واستغلتهم واستفادت منهم. هل أعددنا مادة مرئية بنفس الاحترافية تخاطب العقلية الغربية؟ وهل استفدنا من مناصرينا في الخارج عن بُعد، وجعلناهم هم مَن يدافع عنا؟ والتصوُّر كذلك أن هناك نقصًا في الطاقم الإعلامي المتخصص الذي يعمل في سفاراتنا.

وفي اعتقاد د. وفاء طيبة، فإن القوة الناعمة واستخدامها ليس دور الحكومة بمؤسساتها فقط، ولكنْ هناك دورٌ مهمٌّ جدًّا لنا نحن كأفراد في الحج وفي الحرمين بشكل عام، وهو حسن الخلق والتعامل مع الجميع وخصوصًا القادمين من الخارج. لو أنَّ كلاً منَّا حمَل على عاتقه الإحسان ولو بكلمة أو بسمة أو مساعدة لحاج أو أكثر لأدّينا الأمانة، وأُجِرْنَا من الله، وتغيَّرت صورتُنا وصورة بلادنا أمام العالم، وهذا بالطبع يحتاج إلى توعية كبيرة في المدارس وفي الإعلام. ومما يؤثر في ذلك أيضًا العاملون على خدمة الحرمين، فأحيانًا ما نرى بعض الإساءة من المرشدات والمرشدين؛ ولذا فهناك ضرورةٌ لاختيار هؤلاء العاملين والمحتكين مع زوَّار بيت الله الحرام، وكذلك تنظيم دورياتهم خاصة في أوقات الذروة بحيث تنخفض عدد ساعات العمل وتكثُر الاستراحات، ويزيد عدد العاملين حتى يستطيعوا التعامل بهدوء مع هذه الحشود، وبالطبع زيادة تدريبهم على مهارات التواصل.

  • ·المؤثرون في وسائل التواصل الاجتماعي وتغطية مناسك الحج:

تطرَّق د. خالد الرديعان إلى دور بعض المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي والأثر الإيجابي الذي يُحدِثونه وهم يغطون مناسك الحج، واقترح في هذا الخصوص استمالة واستضافة بعض نجوم التواصل من خارج المملكة من دول عربية وإسلامية؛ فرسائلهم تصل لمتابعيهم، ولعلَّ هذا يندرج ضمن الدبلوماسية الناعمة خاصةً إذا جاء التأثير من غير سعوديين.

أما د. مساعد المحيا فأشار إلى أنه حين أراد المسؤول استثمارَ مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي للإعلام عن خدمات الحج، انتقى منهم مجموعةً وجاؤوا بطريقة باذخة جدًّا وخلطوا عملاً جادًّا بآخر هازل أفقد رسالتهم قيمتها، فضلاً عن أنَّ وجودهم لا يعدو أن يكون رسالةً محلية. نحن فعلاً نحتاج أن تصلَ رسالتُنا للخارج، وأن ترتسم في أذهان الكثيرين ممَّن لم يتمكنوا من الحج أو العمرة معرفةُ كثير من الجهود التي تُبذل للحُجَّاج وللحرمين والمشاعر بلا مَنٍّ أو أذى، وهنا يمكن استثمار عدد من الحُجَّاج أو استقطاب آخرين للحج من مشاهير مختلف الدول. وكمثال: لو أن هناك لاعبًا في الدوري الأوروبي قام بالحج؛ فحريٌّ بأن يتم استثمار حضوره بطريقة مهنية بعيدة عن إغراقه بالاستقبالات والاحتفاء. إذ من المهم جدًّا وَضْع برنامج مناسب لتصل إليه الصورة الكاملة حول العديد من الجهود؛ فالإعلاميون والمشاهير الأجانب ثقافتهم مختلفة في توظيف ما يُقدَّم لهم من معلومات. ونحن مُتَيَّمون حين تزورنا شخصية أجنبية بالتعريف بما نمتلكه من مبانٍ وتجهيزات وأدوات وطُرق… إلخ، في حين أننا نُغيِّب الإنسان السعودي وما يمتلكه من قدرات وعِلم وفكر؛ وهو ما ينبغي أن يدور عليه محور القوة الناعمة في إيصال رسائلنا الإيجابية.

من ناحيته أكد د. إبراهيم البعيز على أهمية الاتصال المباشر، حيث أشار إلى أن هناك نظرية يعرفها الدارسون للإعلام بشكل خاص والاتصال بشكل عام، وهي نظرية الخطوتين two-step model، ومفادها أن تأثيرات وسائل الإعلام على المجتمع غالبًا تتم على مرحلتين: الأولى من وسائل الإعلام إلى قادة الرأي (اتصال جماهيري)، والثانية من قادة الرأي إلى المحيطين بهم (اتصال شخصي). ومن هنا يكون الاتصال الشخصي أقوى من الإعلام في تغيير الآراء والقناعات، مقابل أن وسائل الإعلام في الغالب لا تُغيِّر الآراءَ بقدر تعزيزها للآراء السائدة، حيث إنَّ الفرد في الغالب يختارُ من بين الوسائل والمضامين ما يُعزِّز قناعاته ويتحاشى كلَّ ما يمثِّل تحديًا لها. ومؤهلات قادة الرأي للحصول على ثقة المحيطين بهم لا تقتصر فقط على مستوى التعليم، بل تشمل التجربة الشخصية، حيث مَنْ مرَّ بتجربة الحج يكون قائدَ رأي في كثير مما يتعلق بالحج، وأقوى تأثيرًا من وسائل الإعلام.

  • ·هل التغريدات “الخشنة” تعتبر من القوة الناعمة؟

تساءل د. زياد الدريس: هل التغريدات “الخشنة” في تويتر باسم الوطنية، تعتبر من (القوة الناعمة)، أم أنها مناقضة لها تمامًا؟! وفي هذا السياق، يرى د. مساعد المحيا أن التغريدات الخشنة تعبِّر عن مواقف خشنة ونفوس خشنة وبأساليب مُنفِّرة وطاردة لا تعرف للقوة الناعمة طريقًا، وكل ما تُحققه هو إشباعات ذاتية ذات اتجاه انتقامي، يهلل ويرحِّب بها البعض ممَّن لا يُدركون الغايةَ من مثل الحوار والنقاش، ولا يبتغون أهدافًا سوى النشوة بالانتصار باستخدام ألفاظ غير مسؤولة. وجديرٌ هنا التذكير بأن كل محتوى إعلامي مُفعَم بالثناء على الذات أو الخدمات هو محتوى يخاطب الذات ولا يصل في رسالته للآخرين؛ لذا فأهمُّ عقبتين تحولان دون وصول الرسالة هما: المبالغة في الثناء، والمباشرة في الرسالة.

وذهب د. سعود كاتب إلى أن أكبر عائق أمام القوة الناعمة لأي بلد مهما كانت جاذبيتها، هو الافتقاد للقيم، على اعتبار أن ما تبنيه القوة الناعمة من جاذبية وتأثير تهدمه الممارسات الخاطئة من قِبل الحكومات أو مجموعات من الشعوب. ومن ذلك في الواقع العالمي المعاصر حالة التدهور التي تشهدها أمريكا حاليًّا، ويعزوها البعض إلى ممارسات ترامب التي هزَّت صورة أمريكا الديمقراطية أو كما يراها البعض بلدَ الحرية والفرص.

  • ·مدى إمكانية وجود تخصص دقيق يتعلق بإعلام الحج:

تساءل د. خالد الرديعان: ما مدى إمكانية وجود تخصص دقيق أو مجموعة مواد في أقسام الإعلام تتعلق بإعلام الحج وتخريج كوادر في هذا المجال؟

وفي هذا الصدد يعتقد د. مساعد المحيا أنه من المناسب تكييف المناهج ومفرداتها لإعلام الحج؛ فالطالب يتعلم أدوات العمل الإعلامي الصحفي والتلفزيوني المهنية ويتدرب عليها على نحو عام، وهو في إطار ذلك يمكن أن يقوم بالمشاركة في نقل تحركات الحجيج ويعيش معهم وينقل فرحهم واغتباطهم بأداء النُّسك. كما يمكن أن ينقل صورة جميلة عن الخدمات التي تُقدَّم لهم. وما تحرص عليه أقسام الإعلام هو إعداد الكفاءات المهنية القادرة على العمل بكفاءة مقبولة في وسائل الإعلام. وقد يكون من الأنسب الإشارة إلى إمكانية تخصص عدد من الإعلاميين في شؤون الحج الإعلامية، وهو أمرٌ وارد بالنسبة للإعلاميين؛ إذ وجود اثنين أو ثلاثة يكون أكثر اهتماماتهم الإعلامية ما يتعلق بالحج يتيح فرصة وجود خبراء يمكن أن يُفاد منهم على نحو أعمق، وهو ما تفعله بعض وسائل الإعلام الغربية التي تجعل عددًا من مُحرِّريها متخصصين في مختلف الموضوعات والقضايا.

  • ·مقترحات لإفادة المملكة من الحج كقوة ناعمة:

اقترح د. حمد البريثن عمل مجموعة دولية تتكون من أبناء المبتعثين والمبتعثات، والذين أمضوا مع أهاليهم فترةً ليست قصيرة من الزمن ودرسوا مع أبناء وبنات تلك البلدان، وتشرَّبُوا جزءًا كبيرًا من ثقافاتها وعاداتها. تقوم هذه المجموعة بعمل برامج مُوجَّهة (مرتبطة بالحج والعمرة وزيارة المملكة) لتلك الدول، وتُرسل عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بحيث تنتقل في كل دولة من قِبل أُناس (أبناء وبنات المبتعثين) يعَوَن تمامًا كيف تفكِّر شعوب تلك الدول وكيفية إيصال الصورة الإيجابية للمملكة.

وفي تصوُّر أ. وليد الحارثي، فإن العمل مع الحُجَّاج سواء مَن يسَّر الله له تأدية فريضة الحج، أو الحُجَّاج المُحتمَلين والمستقبليين، على الرغم من توفُّر الأرضيات التي تساعد على ذلك؛ تحتاج إلى برامج ضخمة ومستمرة طوال العام، مع تطويع للمواد المرئية والمسموعة، وتقنيات الصورة الحديثة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتفعيل الأنظمة بكفاءة عالية من لحظة عزم الحاج على تأدية هذه الفريضة العظيمة، حتى يصل الحاج إلى أرض الحرمين مُستعدًا لأداء المناسك. يرافق ذلك العمل مع مؤسسات الحج في الخارج، والدخول معهم في كل التفاصيل لضمان عدم الوقوع في أية أخطاء أو تباينات في التخطيط والتفكير والتنفيذ مع أجهزة الحج لدينا. والاقتراح أن تضطلع بعثات المملكة في الخارج بهذه المهام بشكل مباشر من خلال تخصيص مُلحقيات للحج والعمرة تعمل مع “الخارجية” و”الحج والعمرة”، وتُؤسِّس للعمل من الخارج. وفي اعتقاد د. سعود كاتب، فإننا في المملكة بحاجة إلى مركز فكر متخصص في الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة.

في حين اقترح د. حميد الشايجي أن يكون هناك برنامج ابتعاث مشترك بين وزارة الإعلام مُمثَّلةً في الإعلام الخارجي ووزارة الخارجية، بحيث يتم ابتعاث ما لا يقل عن 1000 طالب لدراسة الإعلام والعلاقات الدولية في عدد من البلدان؛ للمزج بين العلم وتعلُّم ثقافة البلد، وبحيث يُعطون دورات متخصصة ثم يتم تعيينهم في مكتب الملحق الإعلامي في سفاراتنا (يُستحدَث هذا المنصب إنْ لم يكن موجودًا) في الدول التي درسوا فيها. وبهذه الطريقة نضمن الكفاءة وفَهْم ثقافة المجتمع، فنستطيع أن نخاطبهم بلغتهم ونعرف مفاصل مجتمعهم وثقافتهم.

ومن وجهة نظر د. عبد الله بن صالح الحمود، فإن القوة الناعمة هي منهجية متعددة الأدوار، ويمكن لأي دولة أن ترفع من كفاءة دورها محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا حين تُشرع في الاستفادة مما تملكه من مواردَ طبيعية وكذا من أسس ثقافية تجعل لها القدرة على إبراز منتجاتها أمام الناس أجمعين. وبالتالي، فإن القوة الناعمة تعني أن يكون للدولة قوةٌ روحية ومعنوية من خلال ما تجسِّده من أفكار ومبادئ وأخلاق، ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافية والفن؛ وهو ما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره. والمملكة العربية السعودية لديها من الأسُس والمقومات ما يجعلها تمتلك قوى ناعمة متعددة الأصناف، والحج يُعَدُّ أحدَ هذه الأسس والمقومات، فضلاً عما تمتلكه المملكة من مواردَ طبيعيةٍ وغير طبيعية، والأمر المهم في ذلك أننا نسعى إلى تأسيس الآليات التي من خلالها نكون قادرين وفاعلين نحو بناء قوة ناعمة تقوم على بناء جسور بين الآخرين، جسور ثقافية وصداقات وتعاون؛ وهو ما ينتج منه مكاسب معنوية ومادية، وهنا لا بد أن تكون الإدارة البوابة الأساسية نحو كيفية بناء قوة ناعمة، وكيفية توظيفها التوظيف الأمثل. وبدون نهج إداري فعَّال ومُحكم لن نستطيع أن نُنتج من القوة الناعمة ما يُفترض الإتيان به، وجعله أحدَ موارد الدولة.

أما د. خالد الرديعان فيرى إمكانية عمل “مؤشر سنوي” للحج يقيس نجاح الإجراءات التي تتخذها حكومتنا في خدمة الحُجَّاج، بحيث يضمُّ عدة عناصر كالخدمات والتعامل والبنية التحتية، ونشر نتائج المقياس سنويًّا. تراكم نتائج تطبيق المقياس عبر السنوات يساعد على عَقْد المقارنات لتلافي أوجه القصور إنْ وُجدت.

وأوضح د. مساعد المحيا أن هناك صورتين من الرسائل الإعلامية التي يمكن التركيز عليها؛ إحداهما لحُجَّاج يعيشون بين المشاعر لعدة أيام، والأخرى للعالم كله الذي ينبغي أن تصل إلى الكثيرين منه رسائل يفهمونها بحيث تنقل بعض مجريات الحج الجميلة مما تقدمه مؤسسات وشركات الحج والطوافة أو الدولة عبر مؤسساتها أو مؤسسات المجتمع المدني.

واقترح أ. محمد الدندني عمل رابطة تُعنى بموضوع الحج قبل القدوم. تلتقي بالحُجَّاج عن طريق مُنظِّمي الحج في بلادهم؛ لتعريفهم بالخدمات، والمساعدة في حل مشاكل مَن يحتاجون، ولو بلغت المساعدة المادية تكون من المتبرعين المقتدرين من أهل الخير في بلادنا ومن المسلمين عمومًا. جنبًا إلى جنب مع وضع جوائز للمتفوقين علميًّا في البلاد الإسلامية في علوم الدين والعلوم الإنسانية والعلمية. الجوائز عبارة عن أداء الحج للمتفوق أو والديه، وبذلك نُبدي اهتمامنا بالعلم وأهله، وأيضًا ربما تتبناه إحدى جامعاتنا بما من شأنه إثراء مجتمعنا العلمي والأكاديمي بمتفوقين يُفيدون ويستفيدون.

وفي سياق استثمار الحج لتحسين صورة المملكة، فقد أشار د. سعيد العمودي إلى النقاط التالية:

1-المؤتمر السنوي للحج -للأسف -رتيب وليس ذا جاذبية! ماذا لو أن هناك مؤتمرًا علميًّا يتيح الفرصة للباحثين المسلمين من كافة أنحاء العالم للحصول على فيزة الحج؛ بشرط المشاركة بورقة علمية بحثية نوعية في العلوم المختلفة ذات الأثر الاقتصادي والبيئي والإنساني؟

2-ماذا لو كان الحج فرصةً لاستقطاب المُبدِعين المسلمين من العالم للعمل في وادي مكة؟

3-ماذا لو كان التفكير الجاد في استثمار التجمُّع البشري المتنوع بإجراء أبحاث في علوم الاجتماع والنفس والصحة وغيرها؟

4-استثمار الحج في توليد صناعات الجلود والجيلاتين، ودعوة الشركات العالمية للاستثمار فيها.

وركَّز د. حمزة بيت المال على أن مشكلة القوى الناعمة عندنا أنه لا يوجد لها مرجعية محددة، أو بالأصح أب روحي، فهي بين الإعلام والثقافة والحج والشؤون الإسلامية. الحج والعمرة هما من المناسبات التي يمكن النظر إليها كإحدى قنوات الاتصال حيث يمكن توظيفهما لتحقيق ذلك. لكن يجب أن تكون هناك جهة مسؤولة يُناط بها هذا التواصل وتضع أولويات الموضوعات وتشرف على التنفيذ. لذلك، فمن المهم بالفعل استحداث جهة عليا تتولى التخطيط والتنفيذ لبرامج القوة الناعمة في الحج والعمرة وغيرها. وأوضح د. سعود كاتب أن هناك مشروعًا متكاملاً لحل هذا الموضوع المهم، تمَّ رفعه بشكل مفصَّل، ومن المتوقع في حال إقراره أن يكون له تأثيرٌ كبيرٌ. وفعلاً، الدبلوماسية العامة ليس لها اليوم أب؛ وهذا يتسبب في كثير من الهدر في الوقت والمال والجهد، وازدواجية العمل. واللجنة الوطنية للدبلوماسية العامة هي -بحول الله -الحل.

وتطرقت د. عبير برهمين إلى أن ما يقوم به الإعلام حاليًّا في تسليط الضوء على ما يُقدَّم في الحج في وسائطه المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة لا يعدُو كونه ديباجةً نمطية إلى حد الملل المُنفِّر لا الجاذب. وتسليط الضوء على الخدمات أقرب إلى التمنُّن والتفضل على ضيوف الرحمن منها إلى القوة الناعمة التي ننشدها. لغة الخطاب واللهجة التي يتحدث بها بعض مَن يعمل في الإعلام حاليًّا مُغرِقة في المحلية وبعيدة أحيانًا كثيرة عن التهذيب والاحترام. ولننظر إلى المذيعين أو (مشاهير) الإعلام الحديث ومنصات التواصل الاجتماعي وهم يتحدثون مع أي حاج أعجمي. يتحدثون بلغة مكسرة ظنًّا منهم أنهم يبسِّطون اللغة العربية. ولم يتبادر إلى ذهنهم أنها من علامات الازدراء أو الاستخفاف. النوايا طيبة إن شاء الله، لكن التنفيذ يعكس غير ذلك. أيضًا من المهم توظيف الإحصاءات والأرقام بطُرق احترافية. فضلاً عن ذلك، فإنه إذا أردنا تلميع صورتنا خارج البلد فيجب أن نعالج مشاكلنا داخل البلد أولاً. لننظُرْ إلى لغة التخاطب وطُرق التعامل والجفاء والغلظة في القول والعمل مع مَن يختلف معنا في آرائنا ونحن أفراد مجتمع واحد، وكذلك لنفكِّرْ قليلاً في مفردات التعصُّب والازدراء وعدم الكياسة في الأماكن العامة والمساجد. قد تكون هذه النماذج قليلةً ولكنها آخذةٌ في التزايد، وهذا ما يُقلق. وبالتأكيد، هناك أهمية لإشراك الشباب والشابات في تفعيل القوة الناعمة وخاصة المبتعثين في الخارج، لكن ذلك يعني أن يكونوا على سعة اطلاع ابتداءً بالشأن العام ومواطن القوة فيما يخصُّ بلادهم. الكثير للأسف يفتقر لهذا الوعي؛ لأن مصدر المعلومة أصبح السنابات والتغريدات الشخصية من أُناسٍ غير متخصصين وغير عقلانيين في الأغلب في طروحهم. لعلَّ من أساليب القوة الناعمة غير المباشرة والتي لها علاقة بتغيير الصورة النمطية التركيز على المواقف الإنسانية خلال الحج، وتسليط الضوء عليها في صورة أفلام وثائقية قصيرة تُبَثُّ لدول العالم.

أفكار وردت في نقاش القضية:

  • تحسين الداخل السعودي ينعكس إيجابًا على صورة المملكة في الخارج.
  • ضرورة الإفادة من طلابنا المبتعثين وأبنائهم وبناتهم ممَّن يتحدثون مختلف اللغات بطلاقة في تحسين صورة المملكة؛ من خلال مادة مناسبة سواء إعلامية أو بالاتصال المباشر.
  • التأكيد على أن تسييس الحج غير مقبول إطلاقًا؛ فهو يتعلق بسيادة المملكة على أراضيها، على أن يُعالَج ذلك بذكاء إعلامي بعيدًا عن الضجيج.
  • إشراك مؤسسات الحج في الداخل والخارج فيما تقوم به المملكة لتلافي وقوع أخطاء يمكن تداركُها.
  • التأكيد على أن خدمة الحرمين الشريفين والحُجَّاج والمعتمرين جزءٌ أصيل من مهمتنا وهويتنا الثقافية كسعوديين.
  • تخصيص جوائز متعددة المستويات لكل المُنجَزات والمشروعات التي يحققها السعوديون في الخارج في مختلف المجالات وبخاصة ذات البعد الإنساني، والإشادة بها وتسويقها، ويشمل ذلك المتخصصين في مختلف المجالات والمبتعثين، بحيث يتم رصد كلِّ تلك المنجزات وتقويمها من حيث الجودة والفاعلية والتأثير ثم يتم حوكمتها وتقديم الجوائز لأصحابها وفقًا لحجمها وقيمتها وتأثيرها.
  • التأكيد على أن للمملكة مكانةً روحية ومعنوية في العالم الإسلامي؛ الأمر الذي يُسهم في زيادة تفعيل الدبلوماسية الناعمة لتُصبح المملكة أكثر تواجدًا في مجالات عدة.
  • طرح مسابقات ثقافية عن المملكة وعن الإسلام والحج، ورصد جوائز قيِّمة برعاية مؤسسات من القطاع الخاص.

ʘ          التوصيات:

  1. ضرورة توعية الإعلاميين وقادة الرأي والكُتَّاب والمثقفين بخطورة “الدبلوماسية الناعمة الشريرة” أو “السلبية” ومقدار الضرر الذي تُحدِثه للمملكة، ورفع الوعي بضرر التغريدات والمقاطع المسيئة للشعوب والمِلل.
  2. استغلال الإعلام الجديد والتوك شو (Talk Show) المناسب من دول عربية وإسلامية واستضافتهم أثناء موسم الحج لتغطية المناسك، وبث رسائل إيجابية عن المملكة ودورها في خدمة الحرمين الشريفين والحُجَّاج والمعتمرين.
  3. تخصيص ملحقيات في الخارج معنية فقط بشؤون الحج والعمرة، تعمل بالتنسيق مع وزارة الحج والعمرة ووزارة الخارجية ووزارة الإعلام. ويمكن عمل ملحقيات إعلامية في كل سفارة لهذا الغرض، ويمكن أن تبدأ السفارات بجهود إعلامية لشرح رسالة الحج السامية بأساليبٍ مبتكرة وجذَّابة وغير تقليدية تناسب اهتمامات كل دولة.
  4. تخصيص جهاز إعلامي متكامل ومحترف وإعلاميين داخل المملكة لتغطية مناسك الحج، ولا مانع من استقطاب طواقم محترفة في فنِّ العلاقات العامة من خارج المملكة، ويمكن أن يُستحدَث الجهاز ليكون تابعًا للجنة العليا للحج.
  5. استقطاب بعض طلبة الجامعة الإسلامية بدوام جزئي أثناء موسم الحج، فهم يُعَدُّون سفراء لبلادنا بعد تخرُّجهم وعودتهم إلى ديارهم.
  6. إعادة النظر في برامج وإستراتيجيات الجهات الخدمية بحيث تتناسب مع الزيادات الكبيرة في أعداد الحُجَّاج والمعتمرين، وَفْق رؤية المملكة 2030؛ كإقامة محطات تحلية جديدة، وتوسيع خدمات الصرف الصحي، وشبكات السيول، والطرق وأعمال النظافة؛ لأن أي نقص فيها يمكن أن يُسيء لسمعة ومكانة المملكة.

القضية الثانية

صناعة السينما.. الفنُّ والتنمية

(8/9/2019م)

  • §الورقة الرئيسة: د. فهد اليحيا
  • §التعقيبات:

ʘ       التعقيب الأول: د. مسفر الموسى

ʘ       التعقيب الثاني: أ. فائزة العجروش

  • §إدارة الحوار: د. فوزية البكر

ʘ          الملخص التنفيذي:

أشار د. فهد اليحيا في الورقة الرئيسة إلى أن صناعة السينما يمكن لها أن تكون لبنةً أساسيةً في صرح التنمية؛ فنيجيريا مثلاً تُنتج بين 1500-2000 فيلم قصير وطويل سنويًّا، وتصبح “هوليوود إفريقيا”. والأموال التي تدور في هذا الحقل تزيد على المليار دولار سنويًّا، لتحتل المركز الثاني في الإنتاج عالميًّا، مُقصيةً بلدًا مُنافسًا قويًّا تاريخيًّا مثل الهند، التي هي “بوليوود” (هوليوود آسيا)! كما أن السينما – كصناعة تقنية- تفتح مجالاً كبيرًا للعمل، إذ إن إنتاج فيلم روائي مدته 90 دقيقة يحتاج إلى أكثر من 100 شخص لكل مراحل الإنتاج. وفي الأفلام الملحمية يتضاعف هذا الرقم. وإذا أضفنا إلى هذا وجود أستوديوهات كبيرة أو مدن سينمائية، ومستودعات ديكور وملابس وإكسسوارات وغيرها، فستزيد فرص العمل إلى الضعف. بالإضافة إلى أنها ستفتح مجالات عمل في التوزيع والتسويق. وإنتاج أفلام سينمائية يؤدي – كما نحن على مشارفه الآن – إلى إنشاء معاهد عُليا وكليات في صناعة الفيلم، تحوي أقسامًا عدة؛ كالسيناريو والإخراج والتصوير والتمثيل والنقد. وفضلاً عن الوظائف التي ستوفرها هذه المنشآت والمخرجات منها، هناك المناهج والكتب والوسائل التوضيحية والتجارب الفيلمية.. إلخ. بجانب أن وجود دور عرض سيزيد من فرص العمل في هذه الدور وصيانتها والإشراف عليها.

وأوضح د. مسفر الموسى في التعقيب الأول أن تجربة السينما السعودية بدأت تنمو مع بداية الألفية الثالثة من خلال الهُواة الذين لا ينتمون في الأصل إلى أي قطاع يتصل بالإنتاج المرئي، جُلُّهم من فئة الشباب المفتونين بشغف الصورة المتحركة ودخول تجربة الإنتاج السينمائي وإثبات الوجود، معظم هؤلاء لم يتخرجوا من أكاديميات متخصصة في الإنتاج، ولم يمارسوا المهنة داخل أسوار التلفزيون. ساهم في تواجدهم وبروزهم انخفاض تكاليف الإنتاج بعد توفُّر الإنتاج الرقمي وظهور كاميرات احترافية رخيصة الثمن مقارنةً بالسابق، كما أدت المهرجانات المجاورة للأفلام في الخليج إلى جذب الكثير من هؤلاء الشباب للدخول في هذه الصناعة. ومن أبرز ما يميز هذه المرحلة هو وضوح الصوت الحكومي في دعم وتبني قطاع السينما السعودية، واستمرار حماس صانعي الأفلام التي برزت في المرحلة السابقة وتطوَّرت. وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه صناعة السينما في المملكة في عدم وجود أستديوهات متخصصة في الإنتاج السينمائي حتى الآن، كما أنه لا توجد مؤسسات متخصصة في الإنتاج السينمائي، وجُلُّ الشركات الحالية تعمل في الإنتاج المرئي العام سواء التلفزيوني أو لأفلام العلاقات العامة ووسائل التواصل الاجتماعي.

من جانبها أكدت أ. فائزة العجروش في التعقيب الثاني أنه لا بد من الاعتراف بأن الكثيرين لا يزالون يعتقدون أن السينما والأفلام هي مضيعة للوقت والمال، ولكن في الحقيقة هي كأي نشاط في الحياة له من الإيجابيات الشيء الكثير كما له من السلبيات، وهي بلا شك أداة لا يُستهان بها؛ فالسينما وسيلة فعَّالة للتغيُّر الحضاري، ولتغيير أفكار الإنسان ومعتقداته نحو الأفضل، وهي أيضًا وسيلة دقيقة للتعبير عن حياة الإنسان وأفكاره.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s        أهمية صناعة السينما ودورها في التنمية.

s        السينما كقوة ناعمة.

s        دور المرأة السعودية في السينما المحلية.

s        الرواية السعودية والنهوض بصناعة السينما.

s        العنف في السينما.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “صناعة السينما.. الفن والتنمية” ما يلي:

1-تحتاج صناعة السينما السعودية من أجل أن تُحقِّق أهدافها في التنمية الاقتصادية والثقافية إلى إستراتيجية متكاملة، تأخذ في الاعتبار البدء من البنية التحتية لهذه الصناعة، وتستلهم التجارب الدولية في دعم هذا النوع من الصناعات، مثل التجربة البريطانية والفرنسية، وتستمد قوتها من فرصة شغف صانعي الأفلام السعوديين وتعلُّقهم بهذه المهنة.

2-توجد ضرورة لدعم المبادرات الوطنية في مجال صناعة السينما من عينة مسابقة أبو عجرم للأفلام القصيرة، والتي أعطت منطقة الجوف ميزة نسبية علاوةً على ما تملكه من مقومات تنموية كالزراعة والإرث التاريخي والحضاري.

ʘ          الورقة الرئيسة: د. فهد اليحيا

مؤخرًا، وقبل بدء العام الدراسي، عرض صديقي عبد الرحمن وزوجته على ابنتيهما (24 عامًا و14 عامًا) الذهاب في عطلة نهاية أسبوع طويلة إلى البحرين! وكان الرد: “كنا نفرح بالبحرين من أجل السينما، والآنَ السينما عندنا”! (هذه الأسرة وفَّرت على البلد “قرشين” كان يمكن صرفهما في البحرين)!

اصطلحت هيئة الأمم المتحدة عام 1956 على تعريف التنمية بأنها “العمليات التي بمقتضاها تُوجَّه الجهود لكلٍّ من الأهالي والحكومة، بتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية، لمساعدتها على الاندماج في حياة الأمم والإسهام في تقدُّمها بأفضل ما يُمكن.

ومن هذا التعريف نرى أن مفهوم التنمية وأغراضها وآفاقها، تشمل كل جوانب الحياة، وهدفها تقديم حياة أفضل للبشر.

في تقرير “التنمية البشرية لعام 1995” الصادر عن الأمم المتحدة: أن مفهوم التنمية البشرية يركز على كونها “عملية توسيع الخيارات للناس”! وفصَّلها د. عبد الهادي العوضي في محاضرة له، على الوجه التالي:

1-   أن يعيش الناس حياةً مديدةً وصحيحة.

2-   أن يكتسبوا معرفة.

3-   أن يحصلوا على الموارد اللازمة لمستوى معيشة لائق!

من ناحية أخرى، يقول “مارسيل مارتن”في كتابه “اللغة السينمائية”: “إن صناعة (السينما) تشمل حقيقتين مختلفتين اختلافًا بَيِّنًا: فهي في المعنى الأول لها تدلُّ على حشد وسائل فنية صناعية، بغرض إنتاج نوع معين من المنتجات الاستهلاكية. على حين يمكن في المعنى الآخر، أن تكون الصناعة تنظيمًا ماليًّا يديره أشخاص ذوو أغراض انتفاعية، في نطاق نظام اقتصادي وسياسي معين.”

من هذين التعريفين، يمكن للمرء أن يقول باطمئنان: إن صناعة السينما (وبالنوعين المذكورين في عبارة “مارتن”) يمكن لها أن تكون لبنةً أساسيةً في صرح التنمية.

نيجيريا – مثلاً -تنتج بين 1500-2000 فيلم قصير وطويل سنويًّا، وتصبح “هوليوود إفريقيا”. والأموال التي تدور في هذا الحقل تزيد على المليار دولار سنويًّا، ثم تحتل المركز الثاني في الإنتاج عالميًّا، مُقصيةً بلدًا منافسًا قويًّا تاريخيًّا مثل الهند، التي هي “بوليوود” (هوليوود آسيا)!

السينما -كصناعة تقنية-تفتح مجالاً كبيرًا للعمل، إذ إن إنتاج فيلم روائي مدته 90 دقيقة يحتاج إلى أكثر من 100 شخص لكل مراحل الإنتاج. وفي الأفلام الملحمية يتضاعف هذا الرقم. وإذا أضفنا إلى هذا وجود أستوديوهات كبيرة أو مدن سينمائية، ومستودعات ديكور وملابس وإكسسوارات وغيرها، فستزيد فرص العمل إلى الضعف؛ إضافةً إلى أنها ستفتح مجالات عمل في التوزيع والتسويق.

إنتاج أفلام سينمائية يؤدي -كما نحن على مشارفه الآن- إلى إنشاء معاهد عُليا وكليات في صناعة الفيلم تحوي أقسامًا عدة؛ كالسيناريو والإخراج والتصوير والتمثيل والنقد. وفضلاً عن الوظائف التي ستوفرها هذه المنشآت والمخرجات منها، هناك المناهج والكتب والوسائل التوضيحية والتجارب الفيلمية… إلخ.

وجود دور عرض سيزيد من فرص العمل في هذه الدور وصيانتها والإشراف عليها. والذهاب إلى السينما لا يقتصر عادةً على دفع ثمن التذكرة، ولكن هناك المشاريب والفشار والمأكولات الخفيفة. وهناك عاملون في هذه الأنشطة. هذا، وكل ما ذُكر أعلاه، هو في نفس الوقت مجال هائل للاستثمار وتدور في فلكه مبالغ طائلة.

مملكتنا تتميز بطبوغرافيا من البحر إلى السهل والجبل والصحراء والواحات، والمدن الكبيرة والطرق السريعة الواسعة والبنايات الشاهقة. ومن ناحية أخرى، تتميز بثقافات محلية متنوعة؛ مما يجعلها -مع بعض التسهيلات -مغريةً لتصوير أفلام عالمية فيها أو حتى أجزاء من أفلام.

هذا التنوُّع الطبوغرافي والثقافي أيضًا عامل جَذْب للسياحة. فهل للسينما -بصفة روائية وبلا دعاية مباشرة -أن تكون عاملَ جَذْب سياحي؟ الإجابة: نعم.

بعد عرض فيلم “المريض الإنجليزي” (1996) والذي تمَّ تصويره في تونس زاد عدد السُّيَّاح إلى تونس! وقبله، بعد عرض “قلب شجاع” (1995) زاد عدد السائحين إلى اسكتلندا.وهذا ما حدث في ماليزيا بعدما صُوِّرت مشاهد من فيلم شين كونري (أشهر مَن لعب دور جيمس بوند) 1999 Entrapment في بُرجي كوالالمبور، والأمثلة كثيرة.

في السياق نفسه، فصناعة أفلام تحوي مقاطع من الثقافة المحلية، مثل الرقص والفنون الشعبية بأنواعها، يمكن أن تُشكِّل عاملاً جاذبًا للسياحة.

ما سبق كان عن الجانب المادي لصناعة السينما، فماذا عن الجانب المعرفي والإنساني والاجتماعي والثقافي – بصورة عامة – لصناعة السينما؟

بدايةً يجب أن نؤكِّد أن السينما/ الفيلم عملٌ فني إبداعي. وهي الفن السابع: لقبٌ أطلقه الناقد الفرنسي، الإيطالي الأصل “ريتشيوتو كانودو” (1879-1923). إذ كان يرى أن السينما تجمع الفنون الستة التي عرفها البشر: العمارة، والشعر، والرسم، والموسيقى، والنحت، والرقص؛ بل هي الفن التشكيلي في حركة، فيها من طبيعة الفنون التشكيلية، ومن طبيعة الفنون الإيقاعية في ذات الوقت؛ ولذلك فهي الفن السابع. وأحد كبار آباء السينما الفرنسي جورج ميليه يقول: “السينما فنٌّ؛ لأنها نتاج جميع الفنون”.

لذا يجب أن ننظر للسينما كفنٍّ، وأن لا نُحمِّلها مالا تحتمل، وأن نتعامل معها تعاملنا مع الرواية والرسمة والقصيدة.. إلخ. القصيدة إذا كانت مفتعلة، وفقدت روحها وتلقائيتها وعاطفتها الصادقة؛ تحوَّلت إلى نظم! والقصة إذا تحولت إلى بروباجندا، صارت خطبةً مزينة بالبديع ليس إلا!

أول شروط الفن هو المتعة. وثاني الشروط: الاتساق مع قوانينها وشروطها الخاصة؛ أي أن كلَّ عمل فني له أدواته الخاصة، ومن ثَمَّ يتطرق الفنان إلى ما يشاء من مواضيع يعالجها بلونه الفني.

في نظرية “أرسطو” للدراما أن المتفرج يندمج في المشهد المسرحي، وأن يتماهى مع البطل المأساوي للتراجيديا، وبهذا يحصل على التطهير (Catharsis)؛ بمعنى الانفعال الذي يُحرِّر من المشاعر. فقد ربط “أرسطو” بين التطهير والانفعال الناتج عن متابعة المصير المأساوي للبطل. واعتبر أن التطهير الذي ينجم عن مشاهدة العنف يُشكِّل عملية تنقية وتفريغ لشحنة العنف الموجودة عند المتفرج، مما يحرِّره من أهوائه. وربط بين مشاعر الخوف والشفقة اللذين يشعر بهما المتفرج الذي يتمثل نفسه في البطل المأساوي، وبين التطهير.

كذلك ربط “أرسطو” بين التطهير والموسيقى حسب أنواعها، وذلك من منظور طبي بحت، فقد اعتبر الموسيقى “التطهيرية” صالحةً لعلاج بعض الحالات المرضية، التي يكون المريض فيها مسكونًا بالأرواح. ذلك أن الموسيقى العنيفة تسيطر على المستمع وتمتلكه وتحقق النشوة الانفعالية واللذة، فتكون بمثابة العلاج الذي يداوي المستمع ويطهره وينقيه، ونجد الفكرة ذاتها عند الفارابي.

حاشية صغيرة: هنا رقصات “الزار” المعروفة في العالم العربي. ولها كثير مما يشابهها في المجتمعات الإفريقية والآسيوية. وهي فن إنساني جماعي (له جذوره في الوعي اللاجمعي) يهدف إلى تطهير نفس المريض مما ألمَّ بها من آلام وأوجاع.

والتطهير بالنسبة لأرسطو ليس مجرد علاج، فهو أيضًا من الوسائل التي تحقِّق المتعة لدى المتلقي. فإلى جانب المتعة الجمالية التي ترتبط بالبناء الخيالي الذي تسمح به التراجيديا، من خلال تحقيق المحاكاة (الدراما) والإيهام المسرحي؛ هناك المتعة التي تتولد عن عملية التطهير. وهذا ما تطرَّق إليه ابن سينا في شرحه وتلخيصه لكتابات أرسطو، حين قال: “الكلام المتخيل (أي الشعر، فالمسرحيات الإغريقية كانت تُصاغ شعرًا) هو الكلام الذي تذعن له النفس، فتنبسط عن أمور، وتنقبض عن أمور من غير رويةٍ وفكر واختيار، وبالجملة تنفعل له النفس انفعالاً إنسانيًّا غير فكري”.

أطلت هنا قليلاً؛ لأن أرسطو أول من نظَّر للدراما، والدراما هي صُلب السينما (والمسرح والأعمال التلفزيونية)، كما أن الإيهام المسرحي ما هو إلا شيء يسير بالمقارنة مع الإيهام السينمائي.

علاوةً على التماهي والتطهير الانفعالي في الدراما (وهي السينمائية هنا)، فإنها في تنوُّع مواضيعها ترود آفاقًا جديدة – مستندةً إلى الصورة (والصورة المتحركة) والسفر في الزمان والمكان، والاستعانة بالمؤثرات البصرية والسمعية، وفي العقدين الأخيرين بالكمبيوتر جرافيكس – إلى سبر النفس البشرية وتصوير انفعالاتها، والعلاقات البينــشخصية والأسرية والاجتماعية! حتى أن عددًا من المعالجين النفسيين يستخدمون عددًا من الأفلام العلاجية. وزميلة لي استطاعت معاونة أحد ضحايا حرب اليمن – وكان يعاني من “اضطراب كرب ما بعد الصدمة” (Post Traumatic Stress Disorder) -على التغلب على اضطرابه بالاستعانة ببعض الأفلام!

الأفلام السينمائية عندما يتمُّ تقديمها بجودة فنية عالية، تُفيد بشكل واسع في المشاركة في حل المشاكل الاجتماعية. وهي يمكن أن تكون عاملاً ناجعًا في التسامح الاجتماعي، والتقارب بين مكونات المجتمع. وفي “رواندا” لعبت السينما دورًا مشهودًا في التئام جراح الحرب الإثنية الدموية الشرسة بين “الهوتو” و”التوتسي”. ففي السابع من إبريل عام 1994 شنَّ “الهوتو” حملةَ إبادة جماعية لقطع دابر “التوتسي” في البلاد. وعلى مدى نحو مئة يوم فقط، قُتل ما بين 500,000 و1,000,000 من “التوتسي” و”الهوتو” المعتدلين (توقفت في 15 يوليو! ومن هذه الأفلام فيلم أوتيل رواندا (2004) الذي يحكي عن مدير فندق من “الهوتو” متزوج بامرأة من “التوتسي”؛ ومستوحى من وقائع حقيقية!

نحن -مهما حُزْنا من تقدُّم- ما زلنا نعاني نُعرات قبلية وعنصرية ومناطقية وطائفية. وتوظيف السينما بذكاء وبشكل درامي سليم -أي بعيدًا عن المباشرة والبروباجندا والخطابة والوعظ -من شأنه أن يجعل منها عاملاً قويًّا في توثيق اللُّحمة الوطنية، بل وفي توثيق العلاقة بين الجنسين: الرجل والمرأة!

وتستطيع السينما أن تسهم في التنمية البشرية من خلال تقديم قصص نجاح لأفراد -في قالب درامي ممتع- لتحقيق أحلامهم في العمل، وفي حياة كريمة، أو ريادة أعمال جديدة. قصة اندفاع السعوديين للعمل الصناعي في أرامكو مثرية ومثيرة وملهمة، خصوصًا وأن عددًا ممَّن هرع إلى تلك الفرص كانت مجتمعاتهم الصغيرة أو أسرهم تأنف من العمل اليدوي وتستصغره، وتنظر بدونية لمَن يقوم به، (بالمناسبة عدد مَن عملوا في أرامكو تلك الأيام أضحوا من كِبار رجال الأعمال لاحقًا).

كما يمكن للسينما استلهام شخصيات من “العقيلات” مثلاً أو عدد ممَّن يعود أصلهم إلى غامد وصاروا بمثابة الحرس الملكي لـ “نظام” حيدر آباد (نظام هو لقب الحاكم) حتى عام 1948، حيث ضمتها الهند مُلغيةً اتفاقيةً تتمتع بها “حيدر آباد” بحكم ذاتي. وقدَّم المخرج “فيصل العتيبي” فيلمه الوثائقي البديع “باركس: جدي كان هنا”

(https://www.youtube.com/watch?v=hafuk7h_BUY). كذلك يمكن استلهام حياة شخصيات من التراث الشعبي والتاريخي العربي / الإسلامي، نجحت في تحقيق طموحاتها، وخدمت مجتمعاتها.

ويحضرني “دون كنج” الأمريكي من أصل إفريقي.. كان ملاكمًا هاويًا، ووكيل رهانات بلطجي، قضى في السجن عدة سنوات. وفيه شاهد فيلمًا عن “ماركوس أوريليوس”: قائد عسكري، وإمبراطور روماني، وفيلسوف “رواقي” (121-180م)؛ فتأثر به كثيرًا، وأخذ يقرأ عنه كلَّ ما تيسَّر له في مكتبة السجن، واستوعب أقواله وتمثَّلها. وعندما خرج من السجن تسلَّق سُلَّم النجاح ليُصبح ملك تنظيم مباريات الملاكمة الكبرى، ونجح في تنظيم مباراة الملاكمة الشهيرة في “زائير” عاصمة “كينشاسا” 1974 بين “محمد علي كلاي” و”جو فورمان” حيث استعاد “كلاي” لقب البطولة.

أخيرًا، هذا الموضوع بحاجة إلى كتاب لا إلى ورقة صغيرة، وإلى جهد باحثين، لا جهد الفقير إلى الله، وحيدًا. فمجالات التنمية وآفاقها وعقباتها متعددة متغيرة، والسينما بمخزونها على مدى يزيد عن 100 عام، وتعدُّد نظريات السرد السينمائي، وتنوُّع تقنيات صناعة السينما وتطوُّرها واختلافات مناهج التاريخ النقدي السينمائي؛ كلها تحوَّلت من بحيرة إلى بحر فمحيط متلاطم الموج عميق الغور.

ختامًا؛ نحن نعاصر حقبةً جديدة في تاريخنا، وطريقها ليس يسيرًا. والتنمية في معناها الشامل هي شعار المرحلة.

ʘ          التعقيبات:

  • ·التعقيب الأول: د. مسفر الموسى:

” هذه الأسرة وفَّرت على البلد قرشين كان يمكن صرفهما في البحرين”.. بهذه القصة استهل د. فهد اليحيا ورقته.. ولو توقَّف عندها لكفى، ولكنه كثَّف بعد ذلك رؤيته بالكثير من المحاور والتجارب التي تُثبت علاقة السينما بالتنمية في مختلف تشعُّباتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

صانع القرار في السعودية كما الدكتور اليحيا يؤمن بهذه العلاقة، رؤية 2030 مثلاً جعلت الفنون جزءًا من برنامج جودة الحياة باعتبارها فرعًا من التنمية الاجتماعية والثقافية، كما وضعت السينما ضمن قائمة المحتوى الحيوي الاقتصادي عندما يكون الحديث عن الإيرادات المالية وتوفير فرص العمل.

في الأسبوع الماضي التقيت بفريق استشاري دولي يعمل مع هيئة الثقافة لتطوير قطاع صناعة السينما في السعودية، كانوا يتحدثون عن إمكانية الوصول لإنتاج ما يقارب من 100 فيلم طويل سنويًّا بحلول عام 2030. هذا الرقم من الإنتاج التجاري يحتاج إلى مضاعفة عدد العاملين في هذه الصناعة بشكل سنوي، وهذا يتطلب إنشاءَ معاهد وأكاديميات متخصصة، كما سيحتاج إلى معامل وأستوديوهات حديثة متخصصة فقط في الإنتاج السينمائي.

وبالتالي، فإن هذا التعقيب المُقتضَب سيركز على حاجة السينما ذاتها إلى تنمية بدلاً من إسهامها في التنمية.

الحالة السابقة:

بدأت تجربة السينما السعودية تنمو مع بداية الألفية الثالثة من خلال الهواة الذين لا ينتمون في الأصل إلى أي قطاع يتصل بالإنتاج المرئي، فجُلُّهم من فئة الشباب المفتونين بشغف الصورة المتحركة ودخول تجربة الإنتاج السينمائي وإثبات الوجود، ومعظم هؤلاء لم يتخرجوا من أكاديميات متخصصة في الإنتاج، ولم يمارسوا المهنة داخل أسوار التلفزيون. وقد ساهم في تواجدهم وبروزهم انخفاض تكاليف الإنتاج بعد توفُّر الإنتاج الرقمي وظهور كاميرات احترافية رخيصة الثمن مقارنةً بالسابق، كما أدت المهرجانات المجاورة للأفلام في الخليج إلى جذب الكثير من هؤلاء الشباب للدخول في هذه الصناعة.

في نهاية عام 2006 وما بعدها استغل بعض هواة صناعة الفيلم السعوديين فرصة برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، والتحقوا بأفضل الأكاديميات، مثل أكاديمية نيويورك فيلم أكاديمي، وتخرجوا منها في تخصصات التصوير والإنتاج والإخراج؛ الأمر الذي أثَّر في زيادة الإنتاج وجودته.
الحالة الراهنة:

أبرز ما يُميِّز هذه المرحلة هو وضوح الصوت الحكومي في دعم وتبني قطاع السينما السعودية، واستمرار حماس صانعي الأفلام التي برزت في المرحلة السابقة وتطوَّرت. ويمكن سرد أبرز ملامح هذه الفترة في النقاط التالية:

1-  وجود جهة حكومية راعية لهذا القطاع مُتمثِّلةً في هيئة الثقافة والمجلس السعودي للأفلام.

2-استحداث برامج للدعم والتدريب سواء من خلال مؤسسة محمد بن سلمان الخيرية (مسك) أو المجلس السعودي للأفلام أو مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء).

3-  السماح بصالات السينما في السعودية وإنْ كانت السينما السعودية التجارية غائبةً عن جداول العرض.

4-  مشاركة بعض التجارب السينمائية المحلية في المهرجانات الدولية، مثل: مهرجان كان، ومهرجان فينيسيا.

5-تطور المهرجان المحلي (أفلام السعودية) بعد شراكته مع إثراء، والاستفادة من الإمكانات العمرانية للأخير، ليصبح المهرجان مزارًا للجماهير بعد أن كان مقتصرًا على النُّخبة.

6-  استحداث مهرجان البحر الأحمر الدولي للأفلام.

7-ظهور اسم السينما والفيلم كتخصص أكاديمي في الجامعات السعودية، وإنْ كان ذلك في كلية واحدة هي كلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام.

تقييم الموقف:

من خلال القراءة السريعة للمرحلتين السابقتين يمكن ملاحظة بعض الفرص والعديد من التحديات، وذلك على النحو التالي:

أولاً -الفرص:

من أبرز الفرص قناعة متخذي القرار -بخلاف الماضي- في إدراج صناعة السينما ضمن مسارات التنمية الوطنية، وما نتج عنه من دعم وتدريب وفتح صالات للسينما. بالإضافة إلى وجود عدد لا يُستهان به من المحترفين في هذه الصناعة في عدة تخصصات فرعية، استطاعوا أن يصلوا بإنجازاتهم إلى المهرجانات الدولية وإنْ كانت في عروض مصاحبة.

ثانيًا – التحديات:

يمكن استنتاج التحديات في ضوء التطلعات المستقبلية لهذه الصناعة، والتي تتطلب إنتاج ما يقرُب من 100 فيلم تجاري طويل بحلول 2030، وذلك على النحو التالي:

1-  عدم وجود أستديوهات متخصصة في الإنتاج السينمائي حتى الآن.

2-لا توجد مؤسسات متخصصة في الإنتاج السينمائي، وجُلُّ الشركات الحالية تعمل في الإنتاج المرئي العام سواء التلفزيوني أو لأفلام العلاقات العامة ووسائل التواصل الاجتماعي.

3-يحتاج إنتاج 100 فيلم سنويًّا إلى ما يزيد عن خمسة آلاف مهني محترف لهذه الصناعة في تخصصات متنوعة؛ الأمر الذي يتطلب أكاديميات ومعاهد نوعية في صناعة السينما.

4-  غالب الإنتاج الحالي ينتج من أجل المشاركة في المهرجانات فقط وليس للسوق والمنافسة التجارية، وهذا يتطلب تغييرًا في فَهْم الإنتاج.

5-  غياب المستثمر الذي لا يحبُّ أن يخاطر بماله في تجارب غير مدروسة، وليس لها سوق مضمون العوائد.

ختامًا:

تحتاج صناعة السينما السعودية من أجل أن تُحقِّق أهدافَها في التنمية الاقتصادية والثقافية إلى خطة إستراتيجية متكاملة، تأخذ في الاعتبار البدءَ من البنية التحتية لهذه الصناعة، وتستلهم التجارب الدولية في دعم هذا النوع من الصناعات، مثل التجربة البريطانية والفرنسية، وتستمد قوتها من فرصة شغف صانعي الأفلام السعوديين وتعلُّقهم بهذه المهنة.

التعقيب الثاني: أ. فائزة العجروش:

بدايةً لا بد أن نعترف بأن الكثيرين لا يزالون يعتقدون أن السينما والأفلام هي مضيعة للوقت والمال، ولكن في الحقيقة هي كأي نشاط في الحياة له من الإيجابيات الشيء الكثير كما له من السلبيات، ودورنا أن نصنع عصيرًا حلوَ المذاق من الليمون الحامض.

وستكون مُداخلتي منصبَّةً على السينما وتأثيرها على التنمية البشرية؛ فهي بلا شك أداة لا يُستهان بها؛ فالسينما وسيلةٌ فعالة للتغيُّر الحضاري، ولتغيير أفكار الإنسان ومعتقداته نحو الأفضل، وهي أيضًا وسيلة دقيقة للتعبير عن حياة الإنسان وأفكاره، ويتضح دورها من خلال ما يلي:

1-قوة تأثير الأفلام على الأفكار كبيرة جدًّا في صناعة الوعي العام؛ فقد يفعل الفيلم الواحد ما لا تفعله 1000 خطبة أو موعظة. وأتفقُ هنا مع د. فهد اليحيا في أنها قد تكون عاملاً قويًّا في توثيق اللُّحمة الوطنية، وفي توثيق العلاقة بين الجنسين: الرجل والمرأة.

2-تساعدنا الأفلام على الانفتاح على الشعوب الأخرى، والتعرُّف على عاداتهم وتقاليدهم، واحترام حياتهم ومعتقداتهم ودياناتهم، والرغبة في تعلُّم لغاتهم.

3-تلعب بعض الأفلام الجيدة دورًا كبيرًا في التأثير على المشاعر، وتترك في المُشاهِد طاقةً إيجابية تستمر لفترة طويلة وتدعمه في مسيرة حياته اليومية، وتدفعه لاكتشاف نفسَه من جديد.

4-الأفلام الوثائقية -على سبيل المثال – تجعلنا نعيش معها تجربةً فريدة في الماضي البعيد، لم يسمح لنا العمر أن نعيشها بأنفسنا، وبالفعل تُغنينا عن قراءة عشرات الكتب التاريخية؛ لتساعدنا في التوصُّل لنتائج معرفية وقناعات عقلية لم نكن لنصل إليها بأنفسنا. وأشيد هنا بالنماذج التي ذكرها د. اليحيا في ورقته، والتي من الواجب الوطني إبرازها بشكل وثائقي (لا يفوتنا هنا أن نتطرق للنتائج الإيجابية المتوقَّعة التي ستظهر بعد عرض الفيلم الوثائقي لسمو الأمير الراحل سعود الفيصل، والمُوثِّق لمسيرته العملية والمهنية؛ ليتعرف عليها الشباب السعودي الذي لم يعاصروه، والمهتمون، والعالم أجمع).

5-بعض أفلام الفانتازيا والخيال العلمي تجعلك تعيش عوالم أخرى غير العالم الذي نعيش فيه، وتتناول عددًا من المواضيع والأفكار كـ: (الذكاء الاصطناعي، والاستنساخ، والحفاظ والإشراف على كوكبنا)، وقد تساعد على مناقشة قضايا فلسفية أعمق بشكل مبتكر وممتع أكثر، حيث يتم إسقاط القضايا الواقعية على عوالم افتراضية ومناقشتها من خلالها، وتفتح الباب على مصراعيه للموهوبين في هذا المجال.

6-الأفلام ذات الإطار العلمي غالبًا ما تتناول التكنولوجيا العلمية الحديثة (جرافيك متطور)؛ وهذا ما يعني لجوء مُنتج الفيلم للاستعانة بالعديد من خبراء الجرافيكس لإنتاج الفيلم بالشكل المتقن والمطلوب لإبهار المشاهد بالخداع البصري الجرافيكي؛ وهذا يساعد على نقل تلك المعرفة التكنولوجية للعاملين معهم، وتزايد الرغبة في تعلُّمها.

7-السيناريو (هو جزء لا يتجزأ من الحالة السينمائية)، وهو أيضًا وسيلة دقيقة تُظهِر عبقرية وخيال كاتب في التعبير عن حياة الإنسان وأفكاره؛ ليحتويه فِكر ورؤية مخرج فذٍّ يقوم بتحويل نص السيناريو إلى فيلم مُبهِر ومُقنِع بصريًّا وعاطفيًّا وتكنولوجيًّا.

أما عند الحديث عن السينما كصناعة، فكما ذكر د. فهد في ورقته: السينما كصناعة تقنية، فهي بالتأكيد ستفتح مجالًا كبيرًا وواسعًا للعمل وفرص وظيفية كثيرة في كل مراحل الإنتاج والتوزيع والتسويق، ولصيانة دور العرض، وتقديم المأكولات والمشروبات المخصصة لصالات السينما.

وأُثني على ما ذكره كذلك من أن السينما -بصفة روائية وبلا دعاية مباشرة- قد تكون عاملاً من عوامل القوة الناعمة لجذب سياحي للمملكة، شريطة أن يتم تقديم الأفلام السينمائية بجودة فنية عالية، وتكشف العديد من العادات والتقاليد السعودية الجميلة، وتجذب المشاهد لرؤية الأماكن ذات الطبيعة الخلابة في بلادنا، والدعوة لتجربة طعامنا المحلي.

ومن ناحية المردود المالي، المتوقع من السينما كصناعة مهمة ذات مردود اقتصادي للدولة، فالوقت مبكر للحصول على النتائج خاصة بعد تشخيص د. مسفر الموسى للوضع الراهن وتقييمه للفرص والتحديات، وأتفقُ معه تمامًا في “أن السينما ذاتها تحتاج حاليًّا لتنمية بدلًا من إسهامها في التنمية، وأنها تحتاج لخطة إستراتيجية كاملة تبدأ بالبنية التحتية وتنتهي بالاستفادة من التجارب الدولية، لتُسهِم في تحقيق التنمية الاقتصادية والثقافية المرجوة منها في المملكة”.

الخلاصة: صناعة السينما صناعة عريقة، وتزدهر عالميًّا يومًا بعد يوم، وبدأت تنتشر أكثر وأكثر ليس عبر دور السينما فحسب، بل أصبح الحصول على الأفلام سهلاً جدًّا عبر الإنترنت والحواسيب الشخصية والهواتف المحمولة؛ لذا فالكسبان هو مَن يُقرِّر الاستفادة من دعم الحكومة الحالي وتبنيها لقطاع السينما في المملكة لتحقيق التطلعات المستقبلية في إنتاج 100 فيلم تجاري بحلول 2030، وانتهاز الفرص المتاحة والتي من أهمها – كما ذكر د. الموسى -” قناعة متخذي القرار بإدراج صناعة السينما ضمن مسارات التنمية الوطنية”، والتغلب على التحديات المذكورة؛ للحصول على المردود الاقتصادي للسينما كصناعة ذات مستقبل مشرق.

ʘ          المداخلات حول القضية:

  • ·أهمية صناعة السينما ودورها في التنمية:

أكدت د. عائشة الأحمدي أن تنمية السينما هي باب يُسهم في حل كثير من مشكلات مجتمعنا السعودي، ولا سيما فيما يخصُّ الإرث الثقافي الثقيل الذي كان سببًا مباشرًا وغيرَ مباشرٍ في عزلنا عن العالم باقتدار، فمن خلال صناعة سينما واعية يمكننا إزاحة كثير مما علق في الذهنية السعودية عبر أجيالها من معتقدات كلَّفتنا الكثير، ومن خلالها أيضًا يمكن ترسيخ قيم مُعزِّزة للتنمية، بعيدًا عن جانبها الاقتصادي المباشر.

وذهب د. خالد الرديعان إلى أن السينما ضرورة تنموية، ومن الظلم اختزالها كملهاة شعبية أو وسيلة ترفيه؛ فوظيفتها بل وظائفها تتجاوز كلَّ ذلك. وللتنمية شقَّان: اقتصادي واجتماعي. الشق الاقتصادي يسهل قياسه من خلال مؤشرات، في حين أن الشق الاجتماعي يصعب قياسه بحكم أن التنمية الاجتماعية عملية طويلة وممتدة وترتبط بالجانب القيمي والثقافي للمجتمع. ودور السينما قد يكون أكثر وضوحًا في الشق الاقتصادي الذي نراه في عملية الإنتاج الفيلمي وتسويقه؛ فالسينما تخلق فرصًا اقتصادية متعددة، ومِهنًا ومتخصصين وكُتَّابًا ومُخرِجين وفنيين، وتستحوذ على جزء مهم من سوق الترفيه الذي يُعَدُّ سوقًا واعدًا في السعودية في ظل غياب المسرح الدائم، وبعض الأنشطة الترفيهية التي نجدها في دول أخرى. سيظهر كذلك شركات إنتاج كبيرة تجد لها فرصًا في السوق السعودي، وفي الصناعة السينمائية، وهذا جانب لا يمكن إغفاله. كما أن عددًا كبيرًا من الفنَّانين والممثلين الناشئين سيجدون فرصًا في السينما؛ فالممثل السعودي عادةً لا يستمر طويلاً في مهنة التمثيل بسبب عدم انتظام دخلها وندرة الأعمال الدرامية، وغالبًا ما يعمل في التمثيل كهواية وليس حرفة، لكن السينما ستُغطي هذا الجانب وتُوفِّر ما يُمكِّن الفنَّان من البقاء في مهنته بل وتجويدها. ودور السينما والعاملون فيها وشبابيك التذاكر تندرج كذلك ضمن الجانب الاقتصادي للسينما. أيضًا يترتب على وجود السينما نشاط سوق الإعلان والمُعلِنين؛ وهو ما يعني أن هناك سلسلةً من النشاطات الاقتصادية التي يرتبط ظهورها وانتعاشها بصناعة السينما.

وأضاف د. صدقة فاضل أن التنمية لها أيضًا شقٌّ سياسي لا يقلُّ أهميةً عن الشقين الاقتصادي والاجتماعي. وبالنسبة للسينما والمسرح لدينا فما زال تنقصنا البنية التحتية، كالمسارح ودور السينما المناسبة؛ إضافةً إلى نُدرة وجود الممثلين والممثلات. ويجب أن نتميز بإنتاج نوعية معينة من الأفلام الوثائقية، بما يتناسب مع القوة الناعمة لبلادنا. واتفاقًا مع ما ورد في تعقيب د. مسفر الموسى، فإنه يجب أولاً تنمية قطاع السينما والمسرح ذاته قبل أن نتوقع دورًا إيجابيًّا للسينما في التنمية الشاملة التي تُخطَّط في البلاد.

وفي تصوُّر أ. محمد الدندني، تبقى التوعية بفوائد السينما في مخاطبة الشعوب وسهولة انتشار الأفلام الرصينة، وهنا بالذات التوعية بأن السينما ليست القُبلة واللحظة الحميمية والتي ليست ضرورة لإنتاج فيلم يشدُّ انتباه المشاهد؛ فالسينما وسيلة راقية للتنمية، وهنا تكون الدعاية التجارية مُبطنة بغلاف ثقافي حقيقي.

ومن جانبه أضاف د. مساعد المحيا بعضَ الملاحظات المحددة في هذا الإطار كما توضحها النقاط التالية:

  • صناعة السينما ليست تجهيزات تقنية تشتريها مؤسسة أو جهة؛ وإنما هي فكر وإبداع وإنتاج فني جميل، يحتاج إلى بيئة إنتاجية داعمة له ومناخ واسع من الحرية كي يبدع في استلهام واقع الحياة وكل أنماط المعاناة فيها؛ كي لا يُنتج أفكارًا لا تنتمي لطبيعة المجتمع وبيئته أو مُصادِمة له.. ولكي لا يكون أداةً يبيع بها المخرجون أفكارهم لمَن يشتريها وبأي ثمن.
  • الروح التقليدية واسعة جدًّا في الإنتاج الفيلمي العربي والإنتاج السينمائي في كثير من دول العالم، ولا نخال أن بيئتنا حاليًّا تمتلك القدرة على إنتاج قادر على جذب الجمهور ومنافسة العروض السينمائية الأخرى.
  • ما يُقلق هو أن نُصبح فقط متاجرَ لعرض منتجات سينمائية غريبة عن هويتنا، تنقل الكثير من العادات الثقافية والاجتماعية.
  • من الصعب تصوُّر أن تكون السينما في ضوء ركضنا غير الممنهج نحو الإنتاج السينمائي دون إستراتيجية واضحة، كما أن من الصعب تصوُّر كون ذلك صانعًا أو مُسهِمًا في التنمية الحقيقية؛ إذ غالب ما يُقدَّم اليوم من أفلام قصيرة هي أفكار مستوحاة من نماذج أفلام أجنبية مع بعض الرتوش التي تُوحي بأنها ذات واقع محلي.
  • الأفلام القصيرة هي بداية جميلة لمنتجات فيلمية أفضل؛ لكن الواقع الإنتاجي لها وما تعانيه من قلة الدعم والتسويق يجعل الوصول للفيلم السينمائي بالمعايير العالمية أمرًا صعبًا. والمرجو أن لا نُنتج أفلامًا غاية ما نمتلكه فيها أن نضعَ اسم بعض مؤسسات الإنتاج على شارة نهايتها أو تترها، وهي في حقيقتها إنتاج أجنبي.

وذكر د. حامد الشراري أنه تُقام سنويًّا مسابقة أبو عجرم للأفلام القصيرة، وقد بدأت منذ عامين بمبادرة نوعية وجريئة من بلدية أبو عجرم، يشارك في هذه المسابقة عشرات الشباب من أنحاء المملكة، ويحضرها نجوم الفن والثقافة في المملكة. القرية تقع في وسط منطقة الجوف وتبعد عن الرياض بمسافة تُقدَّر بـ 1150كم. والمسابقة تُقام في المركز الحضاري في القرية الذي يحتوي على صالة سينمائية تبلغ مساحة شاشة العرض فيها 8 أمتار مربعة بأطوال 4 أمتار وعرض 2 متر ومُخصَّصة للعرض الداخلي، وهي أول شاشة من نوعها في منطقة الجوف وشمال السعودية، وتُعَدُّ الوحيدة، وتوجد غرفة تحكُّم مرتبطة بأحدث الأجهزة اللوحية ذات العرض السينمائي، وتمَّ تصميم القاعة صوتيًّا ومرئيًّا بأحدث التقنيات. وهذه المسابقة عزَّزت البعد الثقافي والفني في المملكة وفِي الشمال بوجه خاص، وأحدثت حراكًا تنمويًّا من خلال نسبة إشغال الفنادق وخلافه، وعلى هامش المسابقة تتمَّ لقاءات مباشرة بين شباب المنطقة والمهتمين بصناعة السينما ومثقفين وفنانين كِبار. وبالرغم من حداثة هذه المسابقة السينمائية السنوية إلا أنها حقَّقت سُمعةً جيدة، وينتظرها أبناء المنطقة المهتمون بشغف. هذه القرية الزراعية والجميلة والمُنظمة هي بحقٍّ قرية السينما في المملكة. أيضًا، على هامش المسابقة تُقام أمسيات شعرية وفنون أخرى، يُشارك فيه قامات وطنية، مثل: د. الغذامي، ونجيب الزامل، وغيرهم؛ وبذلك فإن المسابقة تُحدِث حراكًا في جوانب عديدة. ومن المهم دَعْم مثل هذه المبادرات الوطنية التي أعطت منطقة الجوف ميزةً نسبية علاوة على ما تملكه من مقومات تنموية، كالزراعة والإرث التاريخي والحضاري.

  • ·السينما كقوة ناعمة:

ذهبت د. وفاء طيبة إلى أن السينما من أهم وسائل القوة الناعمة؛ فإذا كانت الأفلام والسينما تُعَدُّ اليوم بديلاً عن الكتاب لدى كثير من الشباب بالإضافة إلى أنها فنٌّ في حد ذاتها؛ فلا بد أن نضع القواعد والأنظمة التي تنظِّم هذا العمل المهم، بما يجعله بالفعل عملاً قيّمًا ويرقى بالشخصية السعودية، ويعرض قيمَنا وتاريخَنا بشكل لائق كما عرضته كثير من الكتب والروايات السعودية من قبلُ، إلى أن نُصبح عالميين أيضًا في هذا المجال.

وسلَّطت د. عبير برهمين الضوءَ على كون صناعة السينما تفتح آفاقًا عملية متنوعة ومِهنًا جديدة على المجتمع السعودي؛ ككُتَّاب السيناريوهات، والمدققين اللغويين، ومُصحِّحي اللهجات، ومُصمِّمي الملابس التاريخية، وفناني الماكيير، وكذلك الإضاءة والمؤثرات الصوتية، ومنفذي المشاهد الخطرة، وغيرهم. وبالتطرق إلى القوى الناعمة التي تتسلل بنعومة وسلاسة، وتُغيِّر كثيرًا من المفاهيم وتُعيد النظرَ في أخرى دون عنف أو مواجهة محتدة؛ فليس أفضل من صناعة السينما في تحقيق ذلك. ويمكن الإشارة محليًّا إلى أن مسلسل “طاش ما طاش” استطاع تسليط الضوء وتعليق الجرس على عدد من المواضيع المحلية المسكوت عنها، مثل: تكافؤ النسب، وإجلال الملتحين، وربط التقوى والتدين بمظهر محدد (الثوب القصير واللحية الشعثاء)، ومعاناة المعلمات في القرى والهجر، وغيرها. ورغم أن المسلسل لم يؤد إلى تغيير جذري أو حل للمشكلة إلا أنه يُحسَب له أن سلَّط الضوءَ على عدد من المشاكل المحلية وجعَلها قابلةً للتداول. والتصوُّر أن صناعة السينما في المملكة ستكون بمثابة ميدان ملائم لمَن يُنادي بصناعة محتوى هادف وجيد ومتزن إذا صِيغ بصورة احترافية بعيدة عن أسلوب الوعظ المباشر، وبطرق تلامس مشاعر الإنسانية وتخاطب العقل والوجدان. أيضًا، فإن صناعة السينما هي مجال مناسب للحفاظ على بعض العادات والتقاليد الجميلة في بلدنا، والتي تُظهر تفرُّدَنا عبر إنتاج أفلام وثائقية تُوثِّق تطوُّرَنا الاجتماعي وموروثنا الشعبي. والمكتبة الأدبية لدينا بالمملكة تزخر بعدد ليس بقليل من القصص والروايات الأدبية التي يمكن تحويلها إلى أفلام. كما أن قصص كفاح الآباء والأجداد على بساطتها هي ذات قيمة معنوية وأخلاقية عالية، وبها العديد من الدروس التي لا يمكن أن نغرسها في نفوس النشء إلا بإبهار سينمائي يروق الذائقة للمتلقي.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن من الأفلام الأمريكية التي أحدثت أثرًا تشريعيًّا الفيلم الشهير (كرامر ضد كرامر) Kramer vs Kramer، بطولة داستين هوفمان وميريل ستريب، والذي حاز على جائزة الأوسكار لعام 1979، فتأثيره يشبه تأثير فيلم (أُريد حلاً) لفاتن حمامة؛ فقد أثار الفيلم قضية الخلاف بين الزوجين وانفصالهما وما يترتب عليه في مسألة الحضانة في المجتمع الأمريكي، وقد أحدَث صدًى كبيرًا تبعه إصدار تشريعات خاصة بالحضانة. أيضًا كان لميريل ستريب فيلمٌ آخر هو Silkwood (1983)، والذي تناول الآثار الخطرة للطاقة النووية وما يتعرض له العاملون في المفاعلات النووية من مشكلات صحية، كالإصابة بالسرطان. الفيلم روى قصة حقيقية لمهندسة اسمها كاترين سيلكوود تعرَّضت للسرطان بسبب عملها في محطة نووية. وقد ظهر الفيلم بعد سنوات من حدوث التسرُّب النووي الشهير في محطة ثري مايلز آيلاند في بنسلفانيا؛ الأمر الذي لفت الانتباه إلى خطر المفاعلات النووية ووجودها في مناطق مأهولة بالسكان. وبعض الأفلام تُلفت الانتباه وبقوة إلى قضايا في غاية الأهمية؛ وذلك بإثارة الجدل المفيد والواعي حولها، فهي تتعلق بوجود البشر وسلامتهم، والقيم التي يؤمنون بها، وما إذا كانت قيمًا حقيقية تستحق التضحية من أجلها أم أنها قيمٌ مصطنعة. هذا جانب يتعلق بالسينما عندما تصبح أداة تثقيف، بعيدًا عن الأدلجة التي تظلُّ كذلك حاضرةً في كثير من الأفلام.

أيضًا، فقد أكدت د. هند الخليفة أن السينما لها دورًا مهمًّا في إثارة القضايا المجتمعية، والتأثير على صانعي القرار. كما أن الفيلم الجيد ينقل المُشاهِد إلى عالم مليء بالدهشة والمتعة من خلال منظومة متكاملة: القصة، والسيناريو، والإخراج، والتمثيل… إلخ، وهنا لا يمكن الاقتصار على الأفلام القصيرة بالرغم من أهميتها، لكنَّها جزءٌ وليس الكل.

  • ·دور المرأة السعودية في السينما المحلية:

طرحت د. فوزية البكر سؤالاً مهمًّا مفاده: ما دور المرأة في السينما المحلية؟ خاصة وأن المُخرِجة السعودية هيفاء المنصور قد دُعيت لعرض أحدث أفلامها “فتاة مثالية” لمهرجان فينيسيا الأخير، وهي دعوة مُبهرة لقبول فيلم يأتي من بلد ذي تجربة سينمائية محدودة جدًّا، وبالكاد تتواجد فيها دور للسينما. وفي هذا السياق، أشارد. فهد المحيا إلى أن فيلم هيفاء المنصور قد لاقى ترحيبًا كبيرًا وتقديرًا للمخرجة هيفاء، ولبطلة الفيلم ميلا الزهراني، ومع أنه لم يفُز بأي جائزة، إلا أن مشاركته في مسابقة المهرجان الرسمية شرف له. وللأسف، فمعظم السينمائيين (من الجنسين) في المملكة يتجهون إلى الإخراج، وقلة منهم حدَّدوا موقفهم واقتصروا على المونتاج مثلاً! وكُتَّاب السيناريو (على الرغم من قلة عددهم) فضَّلوا الاستمرار في كتابة السيناريو. وهذا الكم الهائل من المخرجين والمخرجات تنحصر أغلبية أعمالهم في الأفلام القصيرة، وعندما يتجهون إلى الأفلام الطويلة؛ سيحدِّدونحينها ميولَهم وأهواءَهم على وجه الدقة؛ لأن الإخراج مغوٍ للغاية، ولا مانع من تجربته في بداية حياتهم الفنية.

ومن جانبها أكدت أ. فائزة العجروش على أن الأفلام السينمائية قوة حقيقية، فهي قادرة على التغيير وقلب الموازين إذا ما أُحسِن تنفيذها، والفن الجميل يؤثر في الجميع، سواء أكان مُقدِّمه ذكرًا أم أنثى، إلا إنْ كان المقصود من تساؤل د. فوزية البكر سينما المرأة التي تُعنى بالاهتمام بالقضايا المتعلقة بوضعية المرأة في المملكة والتعبير عنها من خلال الأفلام، وهنا أيضًا لا يهمُّ إلا مَن هو الشخص المبدع الذي يصل بالفيلم لعامة الشعب، ويعمل على تغيير قوانين موجودة أو عادات وتقاليد غير ملائمة، بصرف النظر عن جنس مبدِعها. فنحن نريد أفلامًا سعوديةً تُسهم في التنمية البشرية، وفي تحسين جودة الحياة التي تهدف لها رؤية 2030، وتلفت النظر إلى أوضاع وشخصيات وأزمات إنسانية وتجارب شخصية، وتخلق التعاطف معها، وتعمل على إيجاد الحلول لها على غرار الفيلم المصري (أُريد حلًا) الذي تسبَّب في إعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية في مصر، والسماح للمرأة بحق الخلع والتخلي عن زوجها، بشرط التخلي عن جميع مستحقاتها وحقوقها المادية، وكان الفيلم من إخراج رجل هو سعيد مرزوق. وكان هذا ثالث انتصار للفن السابع في مصر، دفع القانون لإعادة النظر في حالاتٍ إنسانية تستحق الرعاية بعد فيلمين مصريين آخرين، أولهما: فيلم (جعلوني مجرمًا)، والذي تسبَّب في إعادة النظر في القانون الجنائي المصري، وسن قانون جديد يقضي بإلغاء تسجيل السابقة الجنائية الأولى في الصحيفة الجنائية للمصريين، ومَنْح أي مجرم تائب فرصة العودة لحياته الطبيعية، والحصول على عمل إذا كان صادقًا في توبته. وثانيهما: فيلم (كلمة شرف)، والذي تسبَّب في إعادة النظر للحالات الإنسانية للسجناء المصريين، وتمت بسببه إعادة صياغة القوانين، واشتقاق قانون جديد يسمح للمسجون بزيارة أهله بضوابط محددة، خاصة أفراد عائلته الذين لا يستطيعون الحركة وزيارته في السجن. ومجرد وصول أفلام لمخرجات سعوديات لمهرجانات عالمية وفوزها بالجائزة مدعاة للفخر والتفاؤل، ولكنه يدعو في الوقت نفسه إلى أهمية الاستمرار في إنتاج أفلام أخرى بنفس المستوى، وبما يحاكي واقع المجتمع السعودي، وهذه الاستمرارية هي المحك الحقيقي لنجاح صناعة السينما في المملكة.

  • ·الرواية السعودية والنهوض بصناعة السينما:

أشار د. خالد الرديعان إلى أمر لم تتناوله الورقة الأصلية والتعقيب عليها، وهو ما يتعلق تحديدًا بـ “سوق الرواية السعودية” التي تُعَدُّ أساسيةً في صناعة الأفلام، فالإنتاج الروائي السعودي ممتاز للغاية؛ وذلك من واقع ما نراه في معارض الكتب من رواج للرواية المحلية والإقبال عليها وانتشارها محليًّا وكثرة كُتَّابها من الجنسين. وفي هذا الخصوص، فإن وجود صناعة سينمائية في المملكة سيسهم في تقدُّم الرواية السعودية ونضجها كذلك، بل ورواجها خارج قطرنا تمامًا، كروايات نجيب محفوظ التي ساهمت السينما المصرية في زيادة مقرؤيتها وانتشارها وملامستها لقضايا ذات بُعد إنساني؛ الأمر الذي جعلها تصل للعالمية، ليحصل في النهاية الأديب نجيب محفوظ على جائزة نوبل (1984). وليس المقصود أن الفيلم المصري يتسم بذات الجودة الفنية والتقنية التي نجدها في الفيلم الأمريكي أو الهندي على سبيل المثال، ولكنه ساهم في ذيوع روايات نجيب محفوظ وانتشارها، وهذا في حد ذاته إنجاز مهم يُحسَب للسينما المصرية رغم كل شيء، ومن ذلك (اللص والكلاب، الحرافيش، الكرنك، أولاد حارتنا، ثرثرة فوق النيل.. إلخ).

وجود سينما ورواية محلية سيجعل من الثقافة عنصرًا مهمًّا في العملية التنموية على الأقل على المستوى الاجتماعي، بصرف النظر عن المردود الاقتصادي، فالسينما هي أداة تثقيف، ووسيلة مهمة في تشكيل الوعي الاجتماعي، ووسيلة فاعلة في خَلْق حراك ثقافي يساعد في نَقْل المجتمع من حال إلى حال، بحيث يتواكب كلُّ ذلك مع التنمية في شقِّها الاقتصادي.

وتطرَّق أ. محمد الدندني إلى ما ذكره د. فهد اليحيا حول موضوع العقيلات وقصص أفراد نجحوا وتميزوا مع قلة التعليم والتدريب، حيث ذهب إلى أنه يمكن للأفلام السينمائية أن تُركِّز على الخصائص المميزة للشعب السعودي في تحمُّل المشاق والهجرة وسرعة التعلُّم والتأقلم، ولا سيما أنه قد برز في ذلك أدباء قمم في الإبداع والإثراء؛ كالكاتب العقيلي المنيف في ملحمته (مدن الملح)، والتي قال عنها جبرا إبراهيم جبرا: إنها تذكرني بإبداع روائي القرن التاسع عشر العِظام في أوروبا وغيرهم من الأدباء. هذه الرواية مع غيرها من الروايات بمثابة نص قوي لكثير من سيناريوهات الأفلام الجادة والمفيدة.

ومن وجهة نظر د. وفاء طيبة، فإن الصورة المتحركة هي بديل الكتاب لكثير من شباب الجيل الجديد الذي لا يحتمل أن يقرأ عدد أحرف أكثر مما هو موجود في تغريدات تويتر. والسينما صناعة هي شبيهة بصناعة الكِتاب والرواية في محتواها ونقلها للمعلومة أو المشاعر والأحداث، وفي كثير من أهداف الكتاب؛ إلا أنها متحركة وثنائية الأبعاد، بل وثلاثية الأبعاد في كثير من الأفلام هذه الأيام. والاعتقاد أن كثيرًا من ثقافة الجيل الحالي والقادم سيتم تلقيها من الفيلم وليس من الكتاب. والحقيقة أن كثيرًا من السعوديين والسعوديات توجَّهُوا لمجال الإخراج والإنتاج السينمائي، والأمنية أن ينجحوا في أعمالهم ويقدِّموا لنا أعمالاً قيّمة تنقذنا من كثير ممَّا يُقدَّم من أفلام ومسلسلات لا ترقى إلى نقل ثقافة السعودي وقِيمه، بل وتُظهِرنا كشعب مادي مستهتر وغبي في كثير من الأحيان.

أما د. فهد المحيا فأشار إلى أن الرواية معين أصيل للفيلم السينمائي، ولكن كتابة نص سينمائي من رواية ليس بالأمر اليسير! وهو عمل إبداعي مختلف.. فنجيب محفوظ كتب 26 سيناريو مختلفًا، ولكنه لم يكتب سيناريو واحدًا بناءً على رواية أو قصة له؛ في حين بلغ عدد الأفلام المستمدة من رواياته 29 فيلمًا؛ ذلك لأنه يؤمن بأن السيناريو مستقل بذاته. ويمكن الإشارة هنا إلى فيلم “الكيت الكات” الذي أخرجه داود عبد السيد واستمده من رواية قصيرة لإبراهيم أصلان (120 صفحة من القطع الصغير) بعنوان “مالك الحزين”. والواقع أنه ثمة فرق كبير بين الرواية والفيلم. كذلك يمكن الإشارة إلى فيلم أمريكي برع فيه السيناريست أيما براعة هو فيلم اقتباس (Adaptation 2002)، حيث تصدى تشارلي كوفمان لتحويل كتاب جاف إلى رواية؛ لكن أيضًا هناك روايات سعودية عديدة تصلح لأن تكون أفلامًا كبيرة، وبعضها ملحمي أيضًا. وعلى سبيل المثال، فإن الرواية المصرية القصيرة “حريملاء: قرية رغبة” تمثل مشروع فيلم جميل إنتاج مصري سعودي مشترك.

وتساءلت أ. فائزة العجروش: إذا كانت كتابة سيناريو فيلم تختلف عن كتابة رواية أو قصة قصيرة كما ذكر د. فهد اليحيا، والسيناريو كما هو معروف يقوم على الحوار أكثر من الوصف، لماذا يظهر الفيلم كما هو مُبيَّن في الصورة التالية، وكأنه لم يأخذ إلا لُبَّ الكتاب فقط، وحوله الحوار ومشاهد، بينما ترك أجزاءً كثيرة من الكتاب؟!

ومن ناحيتها تعتقد د. وفاء طيبة أن اختيار الشكل الدائري مقصود، قد يكون بمعنى أنه يدور حول فكرة الكتاب ولا يلتزم بكل ما فيه. في حين أوضح د. فهد المحيا أن الفيلم السينمائي يقوم على الصورة والحركة، والوصف أساسي وأصيل، وتحاشي الحوار ما لم يكن من نوع الأفلام الحوارية (Dialogue Film). على الجانب الآخر، فإن المسلسلات التلفزيونية تعتمد على الحوارات الطويلة. وآفاق الرواية وعوالمها أكثر اتساعًا وأبعد أفقًا من السينما مهما بلغ تقدم التقنية (اللهم إلا في أفلام التحريك “الآنيميشن”)، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن الرواية عادةً طويلة وربما تدور عبر أزمنة مختلفة؛ لذا من الصعب تقديمها في فيلم مدته ساعتان أو ثلاثة. كثير من الناس إذا قرأ رواية ثم شاهدها فيلمًا يقول إن الرواية أفضل؛ ذلك أن هناك بُعدًا ذاتيًّا، إذ إنه وهو يقرأ تتابَع الصور في مخيلته فتكون فيلمًا طويلاً بطول الرواية. وأضاف د. فهد أنه شخصيًّا قرأ رواية “ذهب مع الريح” وشاهد الفيلم، ولم يمل من الفيلم، كما لم يفقد متعة الرواية في الوقت ذاته، لكن بصورة عامة وكناقد سينمائي على نحو ما، فإنه يُفرِّق دائمًا بين الرواية والفيلم. أيضًا، رواية الحرب والسلم لـ تولستوي.. لم يستطع أي فيلم الاقتراب من روحها على الرغم من المحاولات الكثيرة؛ لطولها وتعدُّد شخصياتها والتفاعلات النفسية فيما بينهم. أخيرًا، بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل تمَّ تحويل الثلاثية إلى مسلسلات ناجحة، وفي المسلسل سعة للكاتب أكثر من الفيلم.

واتفقت أ. فائزة العجروش مع القول بأن المسلسلات التلفزيونية قد تُعطي مساحة أكبر من الفيلم، ومن الممكن أيضًا جعلها في أجزاء متتابعة، وما نراه حاليًّا هو تفضيل جيل الشباب لمشاهدة المسلسلات رغم عصر السرعة، وبالرغم من أن المسلسل يحتاج فترات طويلة لمشاهدته، وانتظار فترات زمنية قد تطول أو تقصر لنزول الأجزاء الأخرى لمواسم قادمة؛ ولكنها لامست وجدانهم واهتماماتهم، فأدمنوها!

  • ·العنف في السينما:

تساءلت د. وفاء طيبة: هل أفلام العنف أو مشاهدة العنف في السينما يفرغ العنف في المشاهد، أو أن الواقع عكس ذلك؟ وبدوره أوضح د. فهد المحيا أنه أورد ذلك في الورقة الرئيسة في سياق مفهوم “أرسطو” للدراما والمسرح (أبو الفنون) تحديدًا. حيث مشاهد العنف رمزية وليست فيها واقعية الفيلم (سينمائي/ تلفزيوني)، ويمكن ضرب مثال بقَلْع “أوديب” لعينيه في مسرحية “أوديب ملكا” لـ “سوفوكليس” في عصر الإغريق، فالمشهد كان رمزيًّا وبسيطًا، ولو عُرض على المسرح الآن مع تقنية المكياج والمؤثرات فسيكون قاسيًا للغاية. وبصفة عامة، فإن العنف في السينما (وهو متعدد الدرجات) واقعيٌّ إلى درجة كبيرة ومثير لعواطف العنف. وفي دراسات متنوعة وجدوا خطرها على الأطفال أكبر وأقوى، حيث يظهر أثرها بعد أكثر من عقد أو عقدين من الزمن عندما يكبر هؤلاء الأطفال.

ʘ             التوصيات:

1-  تحتاج صناعة السينما السعودية من أجل أن تُحقِّق أهدافها في التنمية الاقتصادية والثقافية إلى إستراتيجية متكاملة.

2-توجد ضرورة لدعم المبادرات الوطنية في مجال صناعة السينما من عينة مسابقة أبو عجرم للأفلام القصيرة، والتي أعطت منطقة الجوف ميزة نسبية، علاوة على ما تملكه من مقومات تنموية كالزراعة والإرث التاريخي والحضاري.

3- أَخْذ التدابير والقوانين الضرورية لكي لا تختزل صناعة السينما في بلادنا إلى المتعة الاستهلاكية المؤقتة التي توفِّر مردودًا اقتصاديًّا، على حساب تنمية الذوق والذائقة الأدبية الراقية.

4-الاهتمام بتأهيل الكوادر المتخصصة في مجال إنتاج وإخراج السينما وكتابة السيناريو، والتمثيل، وإنتاج الأفلام الطويلة بالإضافة للأفلام القصيرة؛ من خلال إنشاء أكاديمية للسينما، والتعاون الدولي في هذا المجال.

5-  الاهتمام بسينما الأطفال، ودعم وتشجيع الكُتَّاب والمنتجين والفنانين لإنتاج الأفلام المناسبة لأطفال العصر الحاضر ومعطياته.

6-العمل على أن تسهم الأفلام السعودية في التنمية البشرية، وفي تحسين جودة الحياة التي تهدف لها رؤية 2030، وأن تُستخدَم كقوة ناعمة لنقل ثقافتنا الحقيقية وتاريخنا، وأن تلفت النظر إلى أوضاع وشخصيات وأزمات إنسانية وتجارب شخصية محلية مهمة.

القضية الثالثة

كود بناء للمساجد في المملكة العربية السعودية

(15/9/2019م)

  • §الورقة الرئيسة: د. مشاري النعيم
  • §التعقيبات:

ʘ       التعقيب الأول: د. أحمد طومان (ضيف الملتقى)

ʘ       التعقيب الثاني: د. منصور المطيري

  • §إدارة الحوار: د. حميد الشايجي

ʘ       الملخص التنفيذي:

ركز د. مشاري النعيم في الورقة الرئيسة على إشكاليتين أساسيتين: الأولى مرتبطة بالمملكة العربية السعودية التي يوجد فيها أكثر من 80 ألف مسجد لا يُستخدَم إلا خُمْس مساحتها وتستهلك طاقة كهربائية ومياهًا بكميات هائلة. والإشكالية الثانية مرتبطة بوجود حوالي 3 ملايين و600 ألف مسجد حول العالم تحتاج إلى وجود معايير مرجعية تسهم في رفع كفاءة المسجد وجَعْله صديقًا للبيئة. كما تطرَّق د. مشاري إلى أن وجود معايير أو أكواد لعمارة المساجد أصبحت تمثل أهمية قصوى من الناحية المعمارية الجمالية ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية؛ ليس في المملكة فحسب بل على المستوى العالمي، وقد تم التركيز على “مشروع كود بناء المساجد” الذي أُطلِق مؤخرًا كأحد المشاريع الإستراتيجية المهمة؛ والذي حظي باهتمام الدولة ممثَّلة في وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد؛ حيث أقيمت مؤخرًا ورشة عمل لكود المساجد نظمتها جائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد والوزارة في الرياض (28-29 أغسطس 2019) وبتأييد من المقام السامي؛ الأمر الذي يجعل هذه المسألة ضمن أولويات المملكة في خُطتها 2030.

واستهل د. أحمد طومان التعقيب الأول باجتزاء جملة بليغة وردت في مقدمة المجلد الأول من سجل ندوة عمارة المساجد التي عقدتها كلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك سعود عام 1419ه، ونصُّها: “مما يسترعي الانتباه أن المسجد الذي يعتبر من أهم المباني التي تخدم المجتمع المسلم، لم يحظ بما يستحقه من دراسات وبحوث علمية بالصورة التي تعكس مكانته السامية لدى المسلمين”. وأضاف د. أحمد: إن التطور المستمر في عناصر المسجد بناءً على تنوُّع الاحتياجات ومواد وتقنيات البناء يتطلب المواكبةَ بدراسات متجددة إضافةً إلى ما أُنجِز سابقًا، إلا أن الأمر ليس بالشكل المطلوب، ولا أدل على ذلك من الفجوة الزمنية التي بلغت 19عامًا بين ندوة عمارة المساجد عام 1419هـ والمؤتمر العالمي الأول لعمارة المساجد الذي عقدته جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل (جامعة الدمام) بالتعاون مع جائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد في عام 1438هـ. بل إن المستعرض للدراسات المتخصصة في عمارة المساجد يُفاجَأ بمحدودية عددها، وضعف شمولها لكثير من القضايا المهمة.

وسلَّط د. منصور المطيري الضوءَ في التعقيب الثاني على إشارات سريعة إلى بعض النقاط العامة التي تخصُّ عمارة المساجد بمفهومها العام، منها أن عمارة المساجد والعناية بها عمل فاضل يوجد الأساس الذي يحث عليه في آيات وأحاديث كثيرة معروفة، ولا شك أن هناك إشكالات تواجهها المساجد المبنية الآن والتي تقارب التسعين ألف مسجد تجعلها قاصرةً عن أداء وظائف المسجد كاملة، وتؤثر سلبًا على حيوية المسجد وجاذبيته، وأن المساجد القائمة حاليًا تعاني مشاكل في التشغيل والصيانة، لعل أهمها هدر في الكهرباء والماء، وهذا يستدعي معالجة خارج نطاق كود البناء الجديد؛ لأنها قائمة وموجودة قبل صدوره.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s      ‏الإشكاليات المتعلقة بالمساجد وبنائها ومكوناتها وبعض مقترحات علاجها.

s      تساؤلات مُثارة بشأن كود بناء المساجد.

s      كود بناء المساجد ومصليات النساء.

s      دور الجامعات في إجراء البحوث ذات العلاقة بعمارة المساجد.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “كود بناء للمساجد في المملكة العربية السعودية” ما يلي:

  1. التنسيق بين جهود الجهات المختصة لوضع معايير تخطيطية للمساجد حسب مستوى المسجد، بحيث تكون خاصة بكل منطقة وتتناسب مع تضاريسها ومناخها وظروفها الخاصة وظروف الأحياء.
  2. أن يُوضع كود خاص بمصليات النساء بعد دراسة حاجاتهن، وتحديد أوقات الذروة في استخدام المصلى لتوفير الطاقة.

ʘ  الورقة الرئيسة: د. مشاري النعيم:

تركز هذه الورقة على إشكاليتين أساسيتين: الأولى مرتبطة بالمملكة العربية السعودية التي يوجد فيها أكثر من 80 ألف مسجد لا يُستخدم إلا خُمس مساحتها، وتستهلك طاقة كهربائية ومياهًا بكميات هائلة. والإشكالية الثانية مرتبطة بوجود حوالي 3 ملايين و600 ألف مسجد حول العالم تحتاج إلى وجود معايير مرجعية تسهم في رفع كفاءة المسجد وجَعْله صديقًا للبيئة. وجود معايير أو أكواد لعمارة المساجد أصبحت تمثِّل أهميةً قصوى من الناحية المعمارية الجمالية ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية؛ ليس في المملكة فحسب بل على المستوى العالمي، لكننا في هذه الورقة سنُركِّز على “مشروع كود بناء المساجد” الذي أُطلِق مؤخرًا كأحد المشاريع الإستراتيجية المهمة. لقد حظي هذا المشروع باهتمام الدولة مُمثَّلة في وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد حيث أُقيمت مؤخرًا ورشة عمل لكود المساجد نظمَّتها جائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد والوزارة في الرياض (28-29 أغسطس 2019) وبتأييد من المقام السامي؛ الأمر الذي يجعل هذه المسألة ضمن أولويات المملكة في خطتها 2030.

أحد الأسباب التي جعلت المسجد يتراجع بشكل كبير عما كان عليه في الماضي (قبل التحوُّل نحو الحداثة وتغيُّر مفهوم البيئة العمرانية ونظمها الاجتماعية) هو أن المسجد صار يواجه عدم اتزان معماري – وظيفي، ففي حين أن هناك اهتمامًا كبيرًا بشكل وحجم وزخرفة المسجد، هناك إهمال كبير في عناصره الوظيفية التي تجعل منه مبنًى يسهل استخدامه خمس مرات يوميًّا دون مشقة وعناء أو تبذير وهدر للموارد. ويبدو أن عدم الاتزان هذا نشأ نتيجة لفجوة تاريخية بدأت منذ الانتقال من العصر التقليدي في مطلع القرن العشرين في معظم الدول الإسلامية، عندما وجدت المجتمعات المحلية في تلك الدول نفسها غير قادرة على تطوير عمارة المسجد كي يكون مبنًى معاصرًا نتيجة لقصور البحث العلمي وعدم تطوُّر التقنية في مجتمعاتها.

المؤسف حقًّا أنه بعد مرور قرن من الزمن لم تتطور حلول ناجعة لمواصفات المسجد، خصوصًا أماكن الوضوء ووضع الأحذية والفضاء الداخلي للمسجد كي يستوعب التقنيات الجديدة، مثل: ساعات الحوائط، وأماكن جلوس كبار السن، وغيرها. وفي الغالب يُهمل المسجد عندما تُخطَّط المدينة وأحياؤها السكنية، ويُتعامل معه كمرفق يتم إضافته دون دراسة لعلاقاته الفراغية والبصرية مع باقي النسيج العمراني. يُضاف إلى ذلك أنه لا يوجد أي “كود” في العالم للمساجد إذا ما استثنينا بعضَ الاجتهادات التي لا يمكن الركون إليها. المشكلة الكبرى هي أنه لا يوجد جهات تهتم بهذا الأمر بشكل واضح.

يصنف مشروع الكود أنماط المساجد في المملكة إلى 7 أنماط، هي:

–       مساجد العيد.

–       المساجد المركزية (مساجد الدولة الرمزية).

–       مساجد الجُمع داخل الأحياء السكنية.

–       مساجد الصلوات اليومية.

–       مساجد الطرق.

–       المساجد التاريخية.

–       المصليات.

هذا التصنيف مثلاً لا يتناوله كود البناء السعودي ولا يشير له، ولو خُضنا في المسائل التخطيطية، لا نجد كودَ البناء يتحدث عن المسجد وعلاقته بالكثافة السكانية وتحديد النطاق المكاني والكتلة العمرانية الخاصة به، وقِس ذلك على جوانب السلامة والمسائل التقنية، فضلاً عن أن تأثيث ومكملات المسجد ذات الطبيعة الخاصة ليس لها ذكر بتاتًا في كود البناء، إضافةً للمسائل الشرعية والتنظيمية المرتبطة بالمسجد. إذًا، وجود كود بناء خاص بالمساجد أصبح ضرورةً ملحة في وقتنا الراهن.

وزارة الشؤون الإسلامية – من خلال إيمانها بأهمية إيجاد حلول ناجعة ومؤثرة لتغيير الوضع الحالي في أسلوب بناء وتشغيل المساجد – رأت أنه من الضروري الاهتمام بوضع معايير وأدلة مُلزِمة تُجبر المصممين والمشغلين على الالتزام بمواصفات يُفترض أن “الكود” يُحدِّدها ويعمل على تطويرها، وقامت بالشراكة مع جائزة الفوزان على تبني هذا المشروع وبمشاركة ثلاث جهات أخرى هي:

–       وزارة الشؤون البلدية والقروية.

–       اللجنة الوطنية لكود البناء السعودي.

–       وزارة الطاقة.

–       إدارة الدفاع المدني.

وبالطبع يُفترض أن تُضاف لهم الجامعات السعودية والهيئة السعودية للمهندسين والجهات المهتمة بالعمران، مثل هيئات التطوير في المناطق. هذا المشروع الوطني يجب أن يحظى باهتمام خاص؛ ولكن اقتصر الكود على هذه الجهات الأربع بالإضافة لوزارة الشؤون الإسلامية؛ كونه يشترط أَخْذ موافقة هذه الجهات أثناء عملية ترخيص بناء المسجد.

ربما يكون قد آنَ الأوان لتحديد أولويات البحث العلمي/ التقني التي يحتاجها المسجد، وهذا لن يحدث إلا من خلال وَضْع كود خاص للمساجد، والذي يمكن أن يسهم في تحديد أولويات البحث العلمي لما يحتاج له المسجد من تقنيات خصوصًا تلك التي تركِّز على المياه والطاقة وتسهيل الاستخدام لذوي الإعاقة البصرية والحركية وحتى السمعية. ويبدو أنه أصبح من الضرورة أن تقوم كليات العمارة والهندسة في المملكة بتبني برامج بحثية تسهم في إيجاد حلول مباشرة في الطاقة والمياه المرتبطة بأسلوب تشغيل المسجد، بالإضافة إلى الجوانب التشغيلية الأخرى التي تُمثِّل “حالة سلوكية”، مثل: كيفية استخدام أماكن الوضوء وأماكن خلع الأحذية وغيرها.

خلال الأشهر القليلة الفائتة تمَّ تطوير مسودات أولية للكود، تشكل (6) أدلة هي:

-كود التخطيط العمراني للمسجد ومحيطه الحضري (ضوابط التوزيع المكاني للمسجد كي يرتبط بالكثافات السكانية، ويتم تحديد حجمه حسب هذه الكثافات مع أهمية تنظيم المنطقة المحيطة به، مثل: مواقف السيارات، وتشجيع حركة المشي للمسجد بدلاً من استخدام السيارة).

-كود التصميم المعماري (ضوابط التكوين المعماري وإعادة دوره كمختبر عميق لتطوُّر الفن المعماري في الحضارة الإسلامية، ومساهمته الأساسية في بناء الهوية الثقافية).

-كودات تقنية بناء المساجد، وتُركِّز بشكل خاص على أدلة نُظم البناء وشبكات المياه والصرف الصحي والتكييف (ويعتمد هذا الدليل كليًّا على كود البناء السعودي مع بعض التطوير خصوصًا في جوانب السلامة).

–       كود لمكملات المساجد (ومنها، أماكن الوضوء والأحذية وكراسي كبار السن).

–       كود للتشغيل والصيانة.

–       كود للجوانب الشرعية والتنظيمية الخاصة بالمسجد.

الكود هو دليل إرشادي مُلزم في حده الأدنى الذي يُفترض أنه لا يتعارض مع شروط السلامة العامة ولا يسمح بهدر الموارد دون حاجة، لكنه لا يُقيِّد الأفكار، ولا يجعل من بناء المسجد عملية إنتاج مصنعي متكرر. إحدى القضايا التي تُثار حول “كود بناء المساجد” هي علاقته بكود البناء السعودي، والحقيقة أنني لا أعلم لماذا هذه الحساسية من مُسمَّى “كود” لأي نوع من أنواع المباني طالما أنه ما زال يقع ضمن دائرة كود البناء السعودي؛ أي أن كود بناء المساجد هو بحث تفصيلي يوسِّع نطاق دائرة كود البناء السعودي في مجال عمارة المساجد ويفصل فيها.

في اعتقادي أن وجود عمود فقري هو كود البناء السعودي، تتفرع منه أكواد تكون امتدادًا وتوسُّعًا له مسألة ضرورية، ومَن يرى أن في هذا تعارُضًا مع عمل اللجنة الوطنية للكود السعودي سيكون قد أساء فَهم فكرة إعطاء فرصة للعمل التخصصي لإثراء محتويات كود البناء، وجَعْلها أكثر قابليةً للتنفيذ بدلاً من الاعتماد على كود عام فقط تنقصه كثير من التفاصيل. المسألة كلها تقع في كيفية إدارة العمل والتوفيق بين العام (كود البناء) والخاص (كود المساجد أو أي مبانٍ ذات خصوصية)، وهذا معمولٌ به في جميع أنحاء العالم. هناك كودات خاصة بالمباني الصحية في بريطانيا وأمريكا، وهي كودات معتمدة ومُلزِمة، لكنها لا تتعارض مع الكود العام أبدًا، بل تدعمه وتغذيه، وهذا ما يجب أن يحدث لدينا في المملكة.

أنا على يقين أن أمامنا طريقًا طويلاً حتى نضع المسجد ضمن أولويات المهتمين بالمدينة والعمارة، الذين يعملون على تطوير تقنيات متطورة لجعلها أكثر كفاءةً وذكاءً. تراجع أهمية المسجد البحثية في المجال التقني، رغم انتشاره وأهميته بالنسبة لأكثر من مليار ونصف المليار إنسان يعيش على هذه الأرض ليس إلا دليلاً على أننا لم نستطع أن نوصل صوتنا للعالم. ورغم أن المسجد في فلسفته “بسيط”، ويكفي رقعة من الأرض كي تقوم بوظيفته؛ إلا أنه من الناحية الرمزية يحتاج إلى الكثير من العمل كي يكون مستدامًا وغير مرهق اقتصاديًّا، ويعبر عن رمزيته الدينية والثقافية بيُسر وسهولة.

ʘ          التعقيبات:

  • ·التعقيب الأول: د. أحمد طومان (ضيف الملتقى) (*):

لعلِّي أبدأ التعقيب باجتزاء جملة بليغة وردت في مقدمة المجلد الأول من سجل ندوة عمارة المساجد التي عقدتها كلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك سعود عام 1419هـ، ونصها: “مما يسترعي الانتباه أن المسجد والذي يعتبر من أهم المباني التي تخدم المجتمع المسلم، لم يحظ بما يستحقه من دراسات وبحوث علمية بالصورة التي تعكس مكانته السامية لدى المسلمين”.

كما أن التطور المستمر في عناصر المسجد بناءً على تنوُّع الاحتياجات ومواد وتقنيات البناء يتطلب المواكبة بدراسات متجددة إضافةً إلى ما أُنجِز سابقًا، إلا أن الأمر ليس بالشكل المطلوب، ولا أدل على ذلك من الفجوة الزمنية التي بلغت 19عامًا بين ندوة عمارة المساجد عام 1419هـ، والمؤتمر العالمي الأول لعمارة المساجد الذي عقدته جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل (جامعة الدمام) بالتعاون مع جائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد في عام 1438هـ.

بل إن المُستعرِض للدراسات المتخصصة في عمارة المساجد يُفاجَأ بمحدودية عددها، وضعف شمولها لكثير من القضايا المهمة.

وفي السياق ذاته نجد أن الجوائز العالمية الداعمة لعمارة المساجد لم تخرج عن جائزتين؛ إحداهما متخصصة وهي جائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد، وجائزة آغا خان للعمارة وهي جائزة معمارية عامة ولمشاريع متعددة.

والممارس لمهنة العمارة يجد نفسَه في حيرة عندما يُسنَد إليه تصميم مسجد، فكُتب المعايير وأدلة البناء والأكواد تتحدث عن مبانٍ عامة، ولا تتناول التفاصيل الخاصة بالمسجد التي تتلاءم مع دوره الحسَّاس في المدينة، وطبيعة المستخدمين.

كل ما ذُكر يجعل من الضروري تضافُر جهود الجميع لرفع مستوى الأطر التأصيلية لمفهوم المسجد من شتى الجوانب، لترقى جودة المنتجات البنائية للمستوى اللائق.

إن وجود كود بناء تفصيلي للمساجد مُنطلِقًا من كود البناء السعودي كقاعدة أساسية لم يعد مجرد نافلةً من الفعل، أو فرصة للتجربة لاجتهادية؛ بل أصبح مطلبًا مُلحًّا، تقع مسؤوليته على عاتق الجميع.

  • ·        التعقيب الثاني: د. منصور المطيري:

تعقيبي سيكون على شكل إشارات سريعة إلى بعض النقاط العامة التي تخصُّ عمارة المساجد بمفهومها العام:

  • عمارة المساجد والعناية بها عمل فاضل، يوجد الأساس الذي يحثُّ عليه في آيات وأحاديث كثيرة معروفة، منها: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (الآية 36 سورة النور)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (الآية 18 سورة التوبة). ولا شك أن عمارتها تستلزم بالإضافة إلى بنائها العناية بها وتشغيلها وصيانتها لكي تؤدي وظيفتها الكبرى التي هي ذِكْر الله فيها وإقامة الصلاة ثم تتفرع من ذلك وتتسع وظائفها الأخرى بحسب جِدِّ المجتمع المسلم ونشاطه ووعيه، لتشمل الوظائف التربوية والاجتماعية والمعرفية والرمزية المُذكِّرة دائمًا بالهوية الإسلامية. أنظرُ إلى المسجد دائمًا وكأنه كائنٌ حي له شخصية متميزة تتسم بالشموخ والعزة، ومفعم بالروحانية التي تعني لي أجواءَ الخشوع والخضوع، ويتصف بالطهارة والسعة والرحابة، ومنه يشعُّ العلم والمعرفة وتزكية النفس.. هذه المعاني حسب ما أفهم على الرغم من شاعريتها إلا أنني أتوقع أن أي معماري لا بد أن يستلهمها في أثناء تصميماته للمسجد؛ لأنها تشكل وظائف المسجد الأساسية.
  • لا شك أن هناك إشكالاتٍ تواجهها المساجد المبنية الآن التي تقارب التسعين ألف مسجد، تجعلها قاصرةً عن أداء وظائف المسجد كاملة، وتُؤثِّر سلبًا على حيوية المسجد وجاذبيته. وتتنوع هذه الإشكالات لتشمل الجوانب الإدارية والثقافية والاقتصادية والسياسية للمجتمع السعودي، واقتصارًا على جانب بناء المساجد؛ فإن هذه الإشكالات تحتم فعلاً وَضْع دليل إرشادي خاص (كود) لبناء المساجد، يكون محكومًا بالدليل الإرشادي العام للبناء في المملكة كما ذكر د. مشاري، لكنني أتساءل: ما العلاقة بين الدليل الإرشادي (الكود) الذي يجري العمل على إنجازه والمعايير التخطيطية السابقة التي أصدرتها واعتمدتها جهات حكومية متعددة بشأن المساجد، سواء مساجد الجمعة أو المساجد المحلية، والتي تُحدِّد أعداد المساجد وتناسُبها مع أعداد السكان والمساحات اللازمة من الأراضي لإنشاء المساجد ونطاق خدمة المسجد؟ من أهم هذه الجهات: أمانة مدينة الرياض، والهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، ووزارة الشؤون البلدية والقروية، ووزارة الشؤون الإسلامية، وتختص بعض هذه المعايير بمدينة الرياض فقط، وبعضها الآخر يشمل مدنَ المملكة الأخرى.
  • المساجد القائمة حاليًّا تعاني مشاكل في التشغيل والصيانة، لعل أهمها الهدر في الكهرباء والماء، وهذا يستدعي معالجة خارج نطاق كود البناء الجديد؛ لأنها قائمة وموجودة قبل صدوره. تذكر إحدى الدراسات أن استهلاك المسجد من الكهرباء يصل إلى أكثر من أربعة أضعاف معدل استهلاك المنزل من الكهرباء في المملكة، على الرغم من محدودية ساعات التشغيل في المسجد، والتي تتراوح ما بين 4 -6 ساعات يوميًّا. ومن هنا تأتي أهمية الاستفادة من الطاقة الشمسية، وأهمية معالجة المياه المستخدمة كبديلين للوضع الحالي إضافةً إلى دعوات وسياسات الترشيد في الاستعمال. وقد ذكرت الدراسة نفسها أن هناك هدرًا كبيرًا في مساحات المساجد؛ حيث إنَّ معدل استغلال المصلين لمساحات المسجد يتراوح بين رُبع وثُلث المساحة وذلك في أوقات الذروة، ومن المؤكد أن هذا الهدر في المساحة يتبعه هدرٌ في مختلف العناصر المرتبطة بالمساحة، كاستهلاك مواد البناء وكُلفة التشغيل والصيانة، واستهلاك المياه والكهرباء؛ الأمر الذي يجعل من المسجد بوضعه الحالي مُستنزِفًا للموارد، فالسبب الرئيس في هذا الاستهلاك المرتفع يعود إلى المبالغة في مساحة وحجم المسجد حسب الدراسة، فقد أظهرت أن نسبة المساحة المستغلة من المصلين في الغالب لا تتعدى 30 % من مساحة مصلى المسجد. هذه المشكلة يمكن التخفيف منها في المساجد القائمة حاليًّا بعزل المساحة الأخيرة من المسجد بعازل زجاجي لتكون هي المصلى الدائم في الفروض اليومية، وقصر عمل أجهزة التكييف في هذا الجزء فقط، وهذا ما بدأت في تطبيقه بعض المساجد، ويقتصر التشغيل الكامل على يوم الجمعة فقط.
  • تحتاج مصاريف تشغيل وصيانة المساجد داخل المدن وخارجها أي على الطرق إلى مصادر تمويل أخرى غير المصدر الحكومي، ومن هنا تأتي أهمية التوسُّع في الأوقاف على العناية بالمساجد، واستثمار فكرة الصناديق الوقفية في هذا المصرف. وقد قامت جمعية العناية بالمساجد بتأسيس صندوق وقفي لهذا الغرض، سيبدأ الاكتتاب فيه مطلع أكتوبر القادم، وهو ما يشكل نقلة نوعية رائعة في حالة نجاحها.

ʘ          المداخلات حول القضية:

ʘ       الإشكاليات المتعلقة بالمساجد وبنائها ومكوناتها وبعض مقترحات علاجها:

أشار د. محمد الملحم إلى أن هناك إشكاليتين أساسيتين في شأن المساجد وبنائها ومكوناتها، وهما:

1-  غياب الأوقاف الداعمة لصيانة وتشغيل المسجد.

2-  جمود الفكر حول وظيفة المسجد وحصرها في الصلاة فقط.

فبالنسبة للأوقاف، فإن تراجع ميزانية الجهة الرسمية (وزارة الأوقاف) لصيانة المساجد وتضعضُع الأداء الإداري فيها أدَّى إلى إهمال كثير من المساجد التي بُنيت وسُلِّمت لهذه الجهة بافتراض أنها تتولى صيانتها وتشغيلها، وهو ما كان سائدًا في عهود سابقة أيام الميزانيات الفائضة، ولكن بعدها تضافَر عاملان هما: وفرة التبرُّع من الميسورين وأشباه الميسورين في بناء المساجد طلبًا للأجر العظيم (ووضعًا للاسم أحيانًا)، وتراجع الميزانيات؛ وهو ما جعل من التوسُّع المفاجئ في كم المساجد أزمةً كبيرة عجزت أمامها الميزانيات الضعيفة والأداء المتواضع، ومع ذلك لم تُسِنّ الوزارة قانونًا يُلزِم المتبرعين بـ “وقف ريعي” لصيانة المسجد؛ تعاطفًا مع مبدأ رعاية الصدقة لوجه الله، وتشجيع بناء المسجد نفسه كوقف في حد ذاته، وعدم وضع “عراقيل” لذلك، وهو تعاطف في غير محله، ولكن حدثت الإشكالية وانتشرت المساجد أكثر من المتوقع، وأصبح الساكن لا يمشي مسافةً كبيرة للوصول إلى مسجده خاصة في المدن الفرعية. والظنُّ أن كود البناء يجب أن يتضمن هذه النقطة، إنْ كانت لم تُسَنّ حتى الآن في أنظمة صريحة خاصة، بمعنى أن لا يُسمح بالتبرُّع بالمسجد دون وقف ريعي مع تحديد حجم الوقف وريعه المتوقع بما يتناسب مع مساحة وإمكانيات المسجد الموقوف.

الجانب الآخر حول وظيفة المسجد كمكان للصلاة فقط، حيث تم إغفال كثير من الإمكانيات المتاحة لتوظيف هذه المساحة من أجل دعم واستكمال رسالة المؤسسات الأخرى، فبالإضافة إلى حلقات القرآن الكريم يمكن أن يكون المسجد مكانًا للاستذكار للطلاب وبنظام وإشراف متقن، حيث يُكلَّف إمام المسجد (المُؤهَّل) تكليفًا رسميًّا بمكافأة إضافية بالإشراف على طلبة الحي الذين يجتمعون فيه لتشجيعهم على الاستذكار التعاوني بأسلوب مُنظَّم، ويتلقى الإمام (أو المؤذن) تدريبًا لدى وزارة التعليم وترخيصًا لذلك، هذا مجرد مثال، وعليه يمكن أن يترتب تخصيص مساحات معينة أو تجهيزات ضرورية لتساعد على هذه الوظيفة، ويُمكننا أن نفكِّر في أمثلة أخرى مع ربط المسجد بالمدرسة أو بالمؤسسات المتنوعة، ليُمارس دورًا اجتماعيًّا ضمن منظومة مؤسسية ترعاها وتشرف عليها مؤسسات الدولة الاجتماعية. وأيًّا كانت الأفكار التي تصبُّ في هذا المجال، فهي تتطلب تجهيزاتٍ وإعدادات إضافية ضمن المبنى قد لا تكون مُكلِّفة جدًّا، في حين أن قيمتها الاجتماعية مهمة وفعالة للمجتمع ولخدمة مؤسساته التي تريد أن تصل للأفراد بسهولة ويُسر.

أيضًا فيما يتعلق بمسألة هدر الطاقة والماء؛ فإنها تحتاج فعلاً إلى كود، وأهمها ما يشمل الطاقة الشمسية وبخاصة في الجوامع ذات المساحات الكبيرة حيث مساحات سطوح هذه المساجد ثروة مُهدرة يمكن أن تعتليها ألواح شمسية توفِّر الكثير من الطاقة. كما أن الوزارة مُطالَبة اليوم بوضع تحكم مركزي في التكييف لتضمن عدم سوء استغلال المؤذنين والأئمة لـ “مجانية” الفاتورة، بترك المكيفات تعمل طوال اليوم حتى إذا دخل الناس المسجد وجدوه باردًا جدًّا بخلاف لو أُقفِلت المكيفات فيحتاج المكان وقتًا أطول كي يبرد مما يزعج المصلين المبكرين، وما إلى ذلك من التبريرات غير المقبولة أمام الهدر الكبير، مع أن 50% من الناس تقريبًا تشتكي أصلاً من برودة مكيفات المسجد ويهربون منها! والمساحات الزائدة فوق حاجة الحي هي ظاهرة عجيبة تعتبر السبب الرئيس في هدر التكييف والإضاءة بكل المقاييس؛ أما الهدر في المياه وعدم مراقبة تسرُّبات المياه فهو بعد آخر مهم، وأخيرًا، السلامة ومتطلباتها المهملة تمامًا في المساجد مسألة مسكوت عنها. والقضية أبعد من الكود، وهو مهم كبداية، ولكن الأهم في تطبيق الكود وسن قوانين للتطبيق ومحاسبة المتجاوز والمهمل؛ المتجاوز من المنفذين أئمة ومؤذنين، والمهمل من المراقبين الذين يُفترض أن يصونوا ويشرفوا على تطبيق الأنظمة.

أما أ.د عثمان العثمان فيرى أن من أهم أسباب كثرة المساجد في الحي الواحد هو عدم مواءمة وتناغُم مكونات الحي مع بعضها ومراعاة وظيفة كل مرفق. فمثلاً، تجد المسجد قريبًا جدًّا من بعض البيوت من حيث المسافة، لكن ليس هناك ممرات مؤدية إليه مباشرة، ولا بد من الالتفاف للوصول للمسجد. ووجود ممرات لا تتجاوز المتر عرضًا تحل هذه الإشكالية، أو تصميم الحي حول منطقة خدمية مركزية من ضمنها المسجد. كما أن من الضروري عدم ترك المتبرع يتصرف في التصميم والحجم والمكان كما يرغب هو، بل حسبما تقتضيه الحاجة ويتوافق مع معايير محددة. وهناك حالات كثيرة حول الهدر الذي سببته رغبات المتبرعين، مع كامل التقدير لسخائهم ونُبل مقاصدهم. ومن المهم مراعاة قضايا الصيانة المستقبلية؛ بالبعد عن التقنيات المعقدة والمكلفة إلا بوجود ضمانات مالية معقولة، كالوقف مثلاً. وهذا مُلاحظ حتى في غير المساجد.

وذهب د. خالد الرديعان إلى أن العمران (أي عمران) ليس كلُّه جدران ومباني، بل إنه يعكس جزءًا من ثقافة المجتمع. وبما أن المسجد مركزي في حياتنا كمسلمين وكبلد يحتضن الحرمين الشريفين؛ فإن من المهم النظر للمسجد كذلك كمنتج اجتماعي، وبوصفه جزءًا أصيلاً من ثقافتنا الإسلامية. المسجد ليس مكانًا للصلاة والعبادة فحسب، ولكنه هوية وثقافة وممارسة ليلاً ونهارًا. ويمكن في هذا الشأن الوقوف على مجموعة ملاحظات يتداخل فيها العمراني مع الاجتماعي – الثقافي، وذلك على النحو التالي:

1- تفتقد معظم مساجدنا للهوية العمرانية المحلية. والواقع أن أغلب المصممين يلجؤون للتجريب في نمط العمارة، ونلاحظ ذلك في تصميم المآذن على سبيل المثال؛ حيث نرى تصميمات غريبة وبعضها ينحو منحى تجريديًّا. والأنسب هو أن يكون لكل منطقة من مناطق المملكة هوية عمرانية خاصة بها، سواء ما يتعلق بنمط المعمار أو مواد البناء؛ لإعطاء المسجد هوية مميزة حسب المنطقة.

2- كثيرٌ من مساجدنا وفي جميع المدن تقريبًا مساحاتها كبيرة وغير مُستغلة بدرجة كافية، كما أشار د. مشاري النعيم. وبعض هذه المساجد يصعب عمل “بارتشين” داخلها؛ بحيث يتم تشغيل جزء منها للصلاة حسب عدد سكان الحي توفيرًا للطاقة الكهربائية، ولعدم إتلاف السجاد بالمرور عليه؛ لذلك يصبح كود البناء أمرًا في غاية الأهمية.

3- تتسم أماكن الوضوء بعشوائية التنظيم وهدر المياه؛ وبالتالي سيكون من العملي جدًّا التفكير في طُرق تُوفِّر ماء الوضوء؛ كاستخدام البزابيز التي تعمل بالأشعة، والافادة من ماء الوضوء في سقي أشجار تحيط بالمسجد، والمقصود المياه التي لا تخالطها نجاسة.

4-  طريقة وضع الأحذية غير مرضية للغاية، ولا بد من التفكير في طريقة لمعالجة ظاهرة تكدُّس الأحذية عند المداخل وتعثُّر الداخلين بها. وجود صندوق (لوكر) عند المداخل يحمل المصلي مفتاحه لحفظ حذائه قد يكون أحد الحلول.

5- يُلاحظ في بعض الجوامع صغر أبواب الخروج والدخول، ويتضح ذلك عند الانتهاء من صلاة الجمعة.. صحيحٌ أن وجود باب واحد مفيد لحفظ طاقة التكييف، لكن الاقتراح هو أن يكون هناك عدة أبواب تظل مغلقة للدخول لكنها تُفتَح عند الخروج.. هذا أفضل في حالات الطوارئ فيما لو حدث شيء داخل المسجد لا سمح الله، مما يسهل خروج الناس دون تدافع.

6- معظم المساجد تعاني من مشكلة في ضبط صوت الميكرفون داخل المسجد وليس خارجه؛ فيقوم البعض برفع درجة الميكرفون دون الأخذ في الاعتبار أن الصوت قد يكون مسموعًا “بدرجة ديسيبل” داخل المسجد، فهذا أدعى لخلق الخشوع عند المصلين.

7- تفتقر المساجد كبيرة الحجم إلى صالة طعام بحجم مناسب؛ بحيث تُستخدم للإفطار الرمضاني بدلاً من الخيم المؤقتة. والصالة ذاتها يمكن استخدامها كفصل لتحفيظ القرآن، للحفاظ على نظافة المسجد. ويمكن استخدامها كمكتبة عامة إنْ لزم الأمر لخدمة الحي.

8- فكرة د. منصور المطيري حول الصندوق الوقفي للمسجد رائعة، ويمكن تطبيقها؛ بحيث يكون للسكان المحيطين بالمسجد دورٌ في تغطية بعض تكاليف المسجد ليتحقق غرضين: الأجر والمثوبة من الله، والشعور بالانتماء الاجتماعي للمسجد، وأن ساكن الحي مسؤولٌ عن جزء من نفقات المسجد.

9- يُلاحظ أن معظم المساجد تُبنى بطريقة اقتصادية للغاية، ويُستخدم فيها مواد بناء رديئة تتعرض للتلف بمرور الوقت، كما أن أدوات السباكة كالبزابيز والحنفيات والشطافات ومقابس الكهرباء تكون من النوع الرخيص سريع التلف؛ ولذلك فإن الاقتراح هو أن يكون هناك مواصفات لهذه الأشياء للحفاظ على المسجد والاستغناء عن صيانته الدائمة بصيانة سنوية أو كل سنتين.. هذه مساجد ولا بد من بنائها بشكل صحيح كما نفعل مع بيوتنا، أليس المسجدُ بيتَ الله؟ نعم هناك مساجد بُنيت بطرق صحيحة ومكلفة للغاية، لكن الحديث هو عن غالبية المساجد التي يبنيها فاعلو خير.

وعقَّب د. مشاري النعيم على ملاحظات د. الرديعان، بأنه يتم العمل حاليًّا مع الجمعية السعودية للذوق العام على تطوير حملة سلوكية بعنوان “آداب المسجد”، كما أنه تمَّ عمل مسابقة دولية عن مكملات المسجد، سيتم الإعلان عن نتائجها قريبًا. فضلاً عن ذلك، فإن من أساسيات الكود عمل مخارج السلامة وكذلك تخصيص مساحة مناسبة للصلوات اليومية، وهذا فيه توفير للطاقة ومحافظة على سجاد المسجد. كما أن هناك مباحثات مع بعض المصانع في الصين لتطوير سجاد ضد البكتيريا، وكذلك تطوير جهاز يمكن برمجته من أجل التنظيف الذاتي للسجاد، مع الفصل التام لمكان الوضوء الرطب عن قاعة الصلاة. كذلك ففي جائزة الفوزان تم تطوير ثلاث قواعد معلومات لخدمة المساجد حول العالم، وهي:

1-    المكتبة الرقمية باسم “أسفار” https://asfaar.org/en

2-    موسوعة المساجد “موسكبيديا” https://mosqpedia.org/en

3-    قاعدة معلومات مهنية للمصممين والحرفيين والشركات المهتمة بالمساجد، واسمها “منابر” https://mnaber.org/en

وأضاف د. محمد الملحم أن الملفت للانتباه أن أغلب المساجد تُبنى إنشائيًّا بالأساليب التقليدية (تسليح الحديد والصبة الخرسانية) وهي أكثر كُلفةً ووقتَ تنفيذ وأقل كفاءةً أيضًا من أساليب حديثة أثبتت جدارتها، مثل الهولوكور holocore علمًا أنه يُستخدَم كثيرًا في بناء المنشآت الحكومية والأبراج، ومثالي للأسقف الكبيرة لتقليل الأعمدة الحاملة، والتي تُشوِّه المنظر الداخلي وتعيق الوظيفة، ويا حبذا لو أكَّد الكود على ذلك.

أما أ. عبد الله الضويحي فأكد أن بناء المساجد لدينا يخضع لاجتهادات فريدة؛ لأنها في معظمها قائمة على تبرعات وأوقاف من محبي الخير، وليست مشاريع للوزارة المسؤولة. والمتبرعون هنا نوعان:

1-  متبرع بكل شيء من الألف إلى الياء من تصميم وبناء وصيانة ومتابعة.

2- متبرع يتولى البناء ويقدِّمه للوزارة لتتولى صيانته ويدخل ضمن مشاريعها، لكنها صيانة (عرجاء)، فالمحسنون يقومون بكل شيء تقريبًا فيما يتعلق بتأمين كل متطلبات المسجد، وبعض الأئمة لا يمارس دورَه الحقيقي؛ فلا يهتم بمرافق المسجد ونظافتها مكتفيًا بالإمامة (وحتى هذه البعض مقصر فيها).

وأنواع المساجد التي أشار لها د. مشاري صحيح، لكنَّ بعضًا منها يشمل جميعَ الأنواع، وبعضها مُخصَّص للصلوات الخمس فقط (عدا الجمعة)، وبعضها يشملها والجمعة والأعياد، وهذه هي التي ينطبق عليها (استخدام ثُلث مساحتها)، وبالتالي تمثل الهدر الكبير في الخدمات. وهذه المشاكل يجب أن تُعالج جميعها، ومن ذلك ما ذكره د. منصور بخصوص ما تقوم به بعض المساجد من وَضْع جدار زجاجي يُقسِّم المسجد بحيث تُستخدَم مساحة كافية للمصلين توفيرًا للطاقة. ويرتبط بذلك هدر المياه غير المبرر باللامبالاة، أو عدم فهم للمعنى الحقيقي لإسباغ الوضوء.

وفي تصوُّر د. فايزة الحربي، فإن المساجد أماكن ومبانٍ كثيرة منتشرة وسط الأحياء بأحجام مختلفة، ومن المهم الاستفادة من هذه المساحات بمهام أخرى، مثل تقسيم كل مسجد: جزء مكتبة، وجزء للعابدين، وجزء للاجتماعات، وجزء لحلقات التحفيظ؛ حيث يمكن تزويد بعض الأركان غير المستغلة بأثاث مرن متحرك حسب اللزوم للإفادة منها خارج وقت الصلاة، ويكون سجادها قطعًا خفيفة سهلة الطي والحمل. ويُفضَّل تخصيص موقع محدد لعربات الأطفال؛ كون عربات الأطفال تتسبب في إغلاق مدخل المصلى، وتؤدي إلى التزاحم. كما أن من الضروري مَنْع النوم في المساجد بوضع كاميرات أو حارس؛ فبعض الأشخاص يفترش المصلى وربما ينام لساعات طويلة.

ومن جانبه ذهب د. خالد بن دهيش إلى أن من الضروري في هذا السياق الإشارة إلى وضع حلقات تحفيظ القرآن الكريم، فلا يزال وضعها كما هو، ومن الممكن أن تكون في زوايا المسجد مع وضع كراسي على شكل دائري ومكبر للصوت، مع إدخال التقنية في اكتشاف أخطاء المتعلمين، ووضع كاميرات مراقبة عليهم حتى تضمن أُسرهم عدمَ إيذائهم من ضعاف النفوس. وفي اعتقاد د. محمد الملحم، فإن حلقات التحفيظ من شأن المؤسسة التي تعقدها وتشرف عليها، وهي الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، وهي مَن يفترض بها توفير تقنيات التعلُّم الحديثة والتدريب عليها. كما أن من الضروري الأخذ في الحسبان عند تصميم المساجد أو الجوامع أن يكون لها ملحقات، مثل: قاعة تجمُّع لسكان الحي يجتمعون فيها مرة كل شهر لمناقشة وضع الحي واحتياجاته، بجانب إيجاد مقر لحلقات تحفيظ القرآن والمكتبة، وبالطبع بجانب بيت الإمام والمؤذن، وسكن العامل. ويمكن أن يكون للمسجد مجلس إدارة تنفيذي أو أمناء من سكان الحي كمتطوعين مع الإمام والمؤذن؛ يتولون إدارة شؤون المسجد ويتابعون احتياجاته وصيانته مع وزارة الشؤون الإسلامية وغيرها. لكن د. خالد الرديعان عارَض هذه الفكرة الأخيرة؛ باعتبار أنه قد ينتج عنها مشاحنات واختلاف في الرأي كالعادة، وخاصة في المناطق الريفية والهجر مما يُصعِّب الأمور على وزارة الشؤون الإسلامية.

وأكدت أ. فائزة العجروش على أهمية الكود في تفعيل النواحي التقنية في المسجد؛ لتوفير تقنيات تجعل المسجد أكثر كفاءةً وأقل كُلفةً تشغيلية، ومنها:

1- استخدام البيانات الإحصائية لكل حي في معرفة حجم وعدد الجوامع والمساجد المطلوب إقامتها؛ فهناك تفاوت كبير في الاحتياج والاستخدام من مسجد لآخر، وإمكانية توسعته (باقتراحات خارج الصندوق) عند الحاجة بعد أن يضيق على المستفيدين منه مع زيادة عدد سكان المنطقة المحيطة.

2- تركيب أبواب إلكترونية تعمل بالخلايا الكهروضوئية بحيث تقوم بالفتح والإغلاق بعد دخول وخروج المصلي؛ فمن أكثر الأمور التي تعاني منها بعض المساجد هو تسرُّب الهواء البارد خارج المسجد لبقاء الباب مفتوحًا لفترات طويلة.

3- في عصر التكنولوجيا، من الضروري أن يحتوي الكود على توفير خدمة إنترنت وأجهزة كمبيوتر لدعم مناشط الجامع، ومنها على سبيل المثال: المكتبة الإلكترونية، ليستطيع الباحث والمهتم من استخدامها للقراءة.

4-    تحويل المساجد في المملكة لمبانٍ خضراء صديقة للبيئة، تعمل بالطاقة الشمسية، وأن تعمل على إعادة تدوير وإنتاج الفائض منها بدلاً من أن تكون مباني مُستهلِكة صيفًا وشتاءً.

5- أن يتم عزل الأقسام النسائية بعوازل متحركة؛ ليتم الاستفادة منها بعد رمضان، وجَعْلها قاعات تدريبية أو قاعات لاجتماع أهالي الحي طوال العام.

6- رَبْط المسجد بكاميرات مراقبة لحماية أرجائه ومحتوياته والمصلين من أي خطر، خاصة أننا كثيرًا ما نسمع عن عمليات سرقة وغيرها تحدث في المساجد والمصليات في الطرق السريعة والأقسام النسائية شبه المهجورة طوال العام.

ومن ناحيته أوجز د. مساعد المحيا وجهة نظره حول الإشكاليات المتعلقة بالمساجد وبنائها ومكوناتها في النقاط التالية:

  • هناك مساجد جديدة الآن لا يُراعى فيها الكثير من مقتضيات الكود الذي تضمنته الورقة الرئيسة والتعقيبين عليها؛ لكنها تأخذ نمط فكرة جديدة يريد المهندس الذي خطَّطها أن تُنفَّذ وتبقى فكرته؛ وبما أن المسجد ليس ملكًا خاصًّا، فهل يحق لكل مهندس أن يضع الشكل والتقسيم والرؤى التي يريد، أم سيكون لهذا الكود سطوته على جميع المساجد بأشكالها المختلفة؟
  • من المهم أن يتم رَصْد وجمع كل التجارب في التخطيط لبناء المساجد، لتضاف للكود السعودي الخاص ببناء المساجد.
  • مسجد الملك فيصل في إسلام آباد تحفة معمارية جميلة، ففي الداخل أشبه بشلالات مائية جدارية، وبرغم جماليتها إلا أن السؤال المهم هو: هل مثل هذه يمكن أن تكون من متطلبات أو عناصر كود المسجد، وهل الأمر يتوقف على الملاءة أو المقدرة المالية؟
  • النصوص جاءت بفضل بناء المساجد وعمارتها… قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِين﴾ (الآية 18 سورة التوبة)، وروى البخاري ومسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ». وروى البزار في مسنده من حديث أنس: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أو أَجْرَى نَهْرًا، أو حَفَرَ بِئْرًا، أو غَرَسَ نَخْلًا، أو بَنَى مَسْجِدًا، أو وَرَّثَ مُصْحَفًا، أو تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ». وهذا الفضل كافٍ لكل مَن يحب الحصول على هذا الأجر العظيم… لكن إلى أي مدى سيصبح الكود مُلزمًا للمتبرع لبناء مسجد؟
  • جاءت النصوص بتنظيف المساجد وتطييبها، وتجنيبها الروائح الكريهة. بما فيها المساجد في الدور، وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَمَرَ بِهَا أن تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ». وفي الصحيحين حديث أبي هريرة -رضي الله عنه -حول المرأة التي كَانَتْ تَقُمُّ المَسجِدَ، وحين ماتت حرص النبي أن يذهب ويصلي عليها.. لذا فاليوم ومع كثرة المصلين وتعدُّد أحوالهم ومستوى نظافتهم؛ تحتاج المساجد فعلاً لتجهيزات تتيح إمكانية تنظيفها يوميًّا وتطييبها، ودون شك فإن كود البناء ونمطه وعلاقته بالبيئة المحيطة مهمٌّ في الوصول لمستوى جيد يقي المساجد من كثرة الغبار، ونحو ذلك.

ʘ       تساؤلات مُثارة بشأن كود بناء المساجد:

تساءل د. حميد الشايجي: هل يوجد في الدول الأخرى كود لبناء دور العبادة كالكنائس والمعابد؟ وفي هذا الصدد، أوضح د. مشاري النعيم أن المسجد له طبيعة مختلفة؛ فهو يستخدم خمس مرات يوميًّا، وفي عهود مختلفة كان يمثل مركزًا اجتماعيًّا، ويتطلب استخدامًا للمياه بشكل دائم، ومع ذلك يوجد معايير لبناء الكنائس.

وأضاف د. منصور المطيري تساؤلات مفادها: هل كود بناء المساجد المقترح يفرض شكلاً معينًا مُوحَّدًا للمسجد، أو يتدخل في الناحية الجمالية، أو يمنع التعدد في أشكال المساجد؟ وهل هذا الكود يُلزم بحد أدنى يضمن وجود عناصر المسجد الأساسية، كالمنارة مثلاً؟ ومن ناحيته أشار د. مشاري النعيم إلى أن كود بناء المساجد المقترح لا يفرض شكلاً معينًا مُوحَّدًا للمسجد، ولا يتدخل في الناحية الجمالية، كما أنه لا يمنع التعدُّد في أشكال المساجد. كما أن الكود لا يلزم بوجود منارة لكنه يشجِّع على وجودها؛ كونها إشارةً بصرية استدلالية تُعين المارَّة للوصول للمسجد وتُعطيه هويته.

وأكد د. محمد الملحم على أن المنارة وإنْ لم تكن في العهود المبكرة جدًّا، إلا أنها باتت ضرورةَ اليوم؛ فعند دخول فرد الحيَّ للصلاة يبحث عن المسجد بالمنارة، ومن ثَمَّ فإنه ليس من المناسب أن يتجاوزها الكود. لكن وفي المقابل، ذهب د. راشد العبد الكريم إلى أن المنارة لم تظهر في بناء المساجد إلا متأخرة. وهي تُكلِّف في بنائها وصيانتها دون فائدة عملية، ولا أصل شرعي. والأنسب أن يتم تطويرها بحيث تكون جزءًا رمزيًّا من بناء المسجد، دون مبالغة. ومن المهم كذلك مراعاة أن هذه المساجد ستبقى عشرات السنين وربما مئات، فمن المفترض أن يُؤخذ في الاعتبار فعاليتها حتى في حال نقص الكهرباء أو المياه أو التكييف والصيانة. كما أن إعادة تدوير المياه والتشجير من الضروري، وهي أمور يجب أخْذها في الاعتبار. وفي تصوُّر أ. منى أبو سليمان، فإنه وبالنسبة لمعظم مساجد الأحياء الصغيرة؛ فإن التميُّز المعماري يأتي بالدرجة الثانية في التكاليف بعد الراحة والنظافة واستدامة الأنشطة. والدور الأول للمسجد هو الروحي والاجتماعي ثم الجمالي.

من جانبه يرى أ. محمد الدندني أن الله -عزَّ وجلَّ – طلب منَّا أن نأخذ زينتنا عند كل مسجد، ومن ثَمَّ أليس حريًّا بنا أن نُميِّز بيوتَ الله بالجمال؟ نعم، البناء الروحي والمادي الصحيح مطلب، وهذا هو هدف المسجد بجانب وجود الجماعة. لذا، فمن المهم أن يكون المسجد جذَّابًا وليس مُخصَّصًا للعلوم الدينية فحسب، بل ما يهمُّ الناس في حياتهم. أما د. وفاء طيبة فأوضحت أنها تؤيد أهمية المنارة والعمارة الجميلة في حدود المعقول، والتي تحافظ على هيبة المسجد وفي الوقت نفسه تجذب شبابَنا الصغار للذهاب للصلاة والتفاعل مع أنشطة المسجد الأخرى، ومن الجميل أن تظلَّ عمارة المسجد مرتبطةً بالثقافة الإسلامية والسعودية خاصة. والحقيقة أنه أصبح من الضروري أن يكون المسجد مُميزًا في العمارة بطريقة متوازنة وغير مبالغ فيها من الجانب الشكلي الجمالي، وأن تكون مدروسة من الجانب الوظيفي ومن ناحية الأنشطة المستهدفة، والتي قد تكون وسيلةً لعودة الشباب للصلاة في المسجد الصلوات الخمس.

أما د. عبد الله المطيري فذكر أن المساجد في الماضي كانت بسيطةً من حيث التصميم وغير متباعدة ومُصمَّمة لتُناسِب الفصولَ المختلفة خاصةً فصلي (الشتاء والصيف)، ولم يكن يوجد بها زخارف ولا فرش فاخر. ويمكن الاستفادة من تصميمها في كود البناء؛ للتقليل من تكاليف البناء والكهرباء. بينما أكد د. خالد الرديعان أنه ضد التقليل من فخامة المسجد ورونقه المتعالي على بقية المباني، لكنه مع استخدامه بكفاءة عالية ودون هدر لطاقتي الماء والكهرباء.

وطرح أ. محمد الدندني مجموعةَ التساؤلات التالية بشأن كود بناء المساجد:

1- بفرضية صلاة المرأة في المبنى الرئيسي، هل يُراعي الكود وجود مدخل للنساء، ويكون مكانهن مُحاطًا بسياج من المدخل الخاص إلى المدخل الرئيسي؟

2-  ماذا عن دور المسجد التعليمي والتوعوي من حيث فصل بهو المسجد المُخصَّص للصلاة عن أماكن المحاضرات والدروس؟

3-  هل هناك مجال حسب الكود لتعديل ما أمكن تعديله من المساجد القائمة؟

4-  هل هناك نية أو رغبة لمراعاة عدد المساجد في الحي الواحد، وتحويل القائمة إلى مكان أنشطة ثقافية ودينية؟

5-  ما هو الكود لفرش المسجد، فما يُسمَّى بالموكيت غير عملي من حيث سرعة اتساخه وصعوبة تنظيفه؟

6-  هل يراعي الكود مكان المسجد بأن يتوسط الحي، فلا يكون بعيدًا عن البعض وقريبًا جدًّا من البعض الآخر؟

7- ماذا عن أن يكون المسجد مركزًا ربحيًّا بذاته؛ كون المسجد فقَدَ الكثير من دوره الذي أُسِّس له بجانب العبادة؟ والمقصود أن يكون المسجد به ملاحق تُعقد بها – على سبيل المثال – دورات لتقوية أبناء الحي في مناهجهم الدراسية أو تدريبهم على مهارات أخرى مفيدة، وكذلك إمكانية بناء محلات تجارية صغيرة للاحتياجات الرئيسية مُلحقة بالمسجد على نحو يدرُّ بعضَ الدخل للصرف على احتياجات المسجد من صيانة، وغيرها.

ومن جانبه أوضح د. أحمد طومان أنه وفيما يخصُّ توزيع المساجد في الأحياء، فهناك دراسة سبق وأن أنجزها حول المعايير التخطيطية للمساجد، وناقشت بالتفصيل ما سبق طرحه، وهي بعنوان: “تقويم المعايير التخطيطية للمساجد في مخططات تقسيمات الأراضي”. أما فيما يخصُّ الجوانب المتعلقة بفرش المساجد فقد عالجها مسجد “معمور”؛ وهو من المساجد المتميزة في الرياض، وقد بُذلت فيه دراسات مستفيضة لتلافي كثير من الملاحظات المذكورة، ومنها فرشه بسجاد على شكل لفات مستقلة، وكل لفة لها رقم، بحيث تُؤخذ للغسل عند الحاجة، وبالأخص ما يقع منها عند المداخل.

واتفق د. زهير رضوان مع الطرح المتعلق بإمكانية أن يكون هناك مركزٌ ربحيٌّ مُلحَق بالمسجد، بشرط أن تُحدَّد النشاطات المدرجة في هذا الإطار، سواء خدمية مثل: خدمة صناديق البريد والصراف الآلي، أو تجارية مثل: الصيدلية والبقالة، أما الخدمات الاجتماعية وعَقْد الدورات وما شابه فالأنسب أن تكون في الدور الثاني للمسجد؛ ببناء قاعات صغيرة تستوعب أكثر من نشاط في الوقت ذاته. كما أنه يمكن وَضْع كود لتخفيض ارتفاع سقف المسجد؛ ليساعد على خفض استهلاك الكهرباء للتكييف والإضاءة. كما أيَّد د. حميد الشايجي فكرة أن يكون المسجد مركزًا ربحيًّا، وأضاف أن الفكرة معمولٌ بها في بعض المساجد حيث يوجد وقف للمسجد يعود ريعُه لصالح أعمال المسجد من صيانة وفواتير وبرامج متعددة.

بينما وفي اعتقاد د. إبراهيم البعيز فإن المسجد هو مكان عبادة، وبالفعل كان له أدوار أخرى في زمن سابق، أما الآن فالمؤسسات الاجتماعية على تنوُّعها اضطلعت بهذه الأدوار. وإمام المسجد كان في يوم من الأيام هو حكيم ومفتي وشيخ الحي، لكن الواقع الآنَ أنه ومع تزايد قنوات الاتصال والتواصل والإعلام لم يعُد للإمام ذلك الدورُ. كذلك فإن إمام المسجد والمؤذن موظفان حكوميان، ويتسابق الكثيرون لشغل هذه الوظيفة لما بها من مميزات ومكانة اجتماعية وهيبة، ولا ننسى السكن. فلماذا لا يُحاسب الأئمة والمؤذنون على تقصيرهم في العناية بالمسجد إنْ حدث ذلك؟ وبدورها أكدت أ. بسمة التويجري على أن الإمام والمؤذن بحكم أنهما موظفان حكوميان يجب أن يخضعا لنوع من تقييم الأداء؛ فكود بناء المساجد مهم جدًّا، ولكن ما يتم داخل المسجد لا يقل أهميةً.

وأوضح أ. عبد الله الضويحي أن المساجد كانت تعاني من عدم الإقبال على العمل فيها؛ لذلك كان الأجانب يحتلون ذلك. وقد انتبهت الدولة لهذا الأمر فوضعت ميزات للعمل بالمساجد واشترطت السعودة، ومن هذه الميزات: السماح بالجَمْع بين العمل الرسمي والوظيفة في المسجد، ومَنْح سكن (منزل) بجانب المسجد مع السماح بالسكن فيه أو تأجيره، وإعفاء الإمام من صلاة الظهر فقط؛ كونها توافق وقتَ دوامه (إذا كان موظفًا)؛ لذلك فإن ما يُصرف له هو مكافأة وليست مرتبًا، وتعتبر مع هذه الميزات مناسبة.

وطرح د. حميد الشايجي تساؤلاً مفاده: هل يمكن تضمين كود بناء المساجد تحديد ارتفاع سقف المسجد؟ وفي هذا السياق ذهب د. خالد الرديعان إلى أن المسجد لا بد أن يكون مهيبًا كمبنى للعبادة، ورفع السقف يدخل ضمن هذا السياق، وخاصة عندما يكون للمسجد قبة جميلة. لكن د. محمد الملحم أوضح أنه مع خفض ارتفاع السقف، وأما هيبة المسجد فمَن لم تدخل الهيبة في نفسه من قيمة المسجد المعنوية، فالظن أن التكلُّف في البناء لن يكون هو الحل، ومع الوقت سيتعود على الشكل والارتفاع المُبهر (في البداية) ثم يختفي من وعيه. وهناك بعض العلماء كره أن تُشبه المساجد الكنائس من ناحية الارتفاعات العالية للأسقف، والتي تميزت بها الكنائس، بالإضافة طبعًا للأمور الأخرى من نقوش متكلفة وصور وتزيين وغيرها. بينما ومن وجهة نظر د. وفاء طيبة، فإن تحديد ارتفاع سقف المسجد ضروريٌّ ولكن مع ضرورة حسابه هندسيًّا لتوفير الطاقة ولاستيعاب الزحام حتى لا يتسبب في ضيق التنفس للمصلين.

ومن ناحية أخرى، أشار د. حميد الشايجي إلى أن هناك إشكالية تتمثل في تعثُّر إكمال بناء بعض المساجد لعدد من الأسباب، ومن أهمها عدم الاتساق بين ميزانية المتبرع وتصاميم المسجد، وهو ما يؤدي إلى توقُّف البناء وتعثُّره. كما أن هناك مشكلة وإنْ كانت محدودةً تنتج عن التعدي على أراضي الغير عند بناء المسجد، مما يُدخِل جماعة المسجد وصاحب الأرض في مشاكل كانوا في غنى عنها. فهل الكود سيكون له دورٌ في الحد من هذه المشاكل؟ وبدوره أوضح د. محمد الملحم أن المشاكل في المشاريع لا تنتهي وليست خاصة بالمساجد ولكنها معيبة في حق المساجد؛ ولذلك تقع على الجهات المعنية المسؤولية الكبرى في إيقاف هذا المظهر؛ بِسَنِّ القوانين الملزمة للمتبرعين، وهذا ليس أمرًا صعبًا، والأفكار فيه كثيرة، المهم الاعتراف بالمبدأ وتَرْك فكرة (لا تقفوا في وجه العمل الخيري)، وهي نغمة مِثلها مثل سد باب الذرائع.

واقترح د. خالد الرديعان وضع صندوق شعبي يضع الناس فيه تبرعات مالية خاصة ببناء المساجد، ويكون الصندوق تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية ومجلس أمناء من خارج الوزارة للمراقبة والحوكمة. في مثل هذا الصندوق يستطيع أي مواطن المساهمة بأي مبلغ مالي (قليلاً كان أو كثيرًا) بحيث يشترك الجميع في الأجر. ويمكن أن يُخفِّف هذا المقترح من نفقات وزارة الشؤون الإسلامية، كما يعطي الفرصةَ للمواطن للمشاركة والحصول على الأجر والثواب. وفي حال زيادة التبرعات إلى مبالغ كبيرة يمكن من خلالها صرف رواتب الأئمة والمؤذنين والفراشين، وهكذا. وأوضح د. منصور المطيري أنه أشار في تعقيبه إلى صندوق الإنماء الوقفي الذي تتولاه جمعية العناية بالمساجد بمبلغ قدره مئة مليون ريال، يُصرف من ريعه على صيانة مساجد الطرق وغيرها؛ ما يعني أن الفكرة المطروحة موجودةٌ وقائمة، وتتمدد من الصيانة إلى البناء.

ʘ       كود بناء المساجد ومصليات النساء:

أشار د. محمد الملحم إلى مسألة إعطاء المرأة حق الصلاة، والمقصود تحديدًا هنا المساجد في الأماكن العامة لا في الأحياء؛ حيث يُفترض أن المرأة في الأماكن العامة (الأسواق، المجمعات، الطرق، المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية) تحتاج أن تُصلي الصلاة في وقتها، ولكنها لا تجد المكانَ الذي تتطهر فيه وتُصلي بأمان كما يجده الرجل، وهذه مسألة ينبغي الانتباه لها؛ حيث انتشرت مؤخرًا مصليات النساء لكنها  ليست آمنةً؛ لأنها غير مطروقة باستمرار في بعض الأماكن مثلاً، وهذا يستدعي إيجاد “حارس” مناوب باستمرار لكل مسجد في مكان عام يكفل أمان المرأة، مع وضع كاميرات مراقبة في المداخل لتساعد على ضبط الأمن، وغير ذلك من الإجراءات التي تجعل من المسجد مكانًا آمنًا للمرأة، كما يمكن أن يكون مكان المرأة هو نفسه مكان الرجال مع وضع ساتر، دون أن تُعزل في غرفة خاصة مستقلة مما يجعلها  في خطر هناك.

وذكرت د. وفاء طيبة أن عملية وضوء النساء في بعض المساجد أو المصليات صعبة جدًّا بطريقة الحنفيات الخاصة القريبة من الأرض، والتي لا تتناسب وملابس المرأة خارج المنزل؛ وهو ما يُعرِّض كثيرًا من النساء للبلل، كما أنها صعبة جدًّا على كبيرات السن، وحبذا لو كانت مثل أحواض المنازل مع توفُّر المغسلة الخاصة بالقدم التي انتشرت الآن لكبار السن، بحيث ينزل الماء على القدم بضغط القدم على قاعدة الحوض. أيضًا، فإن مداخل المسجد والخاصة بعربات كبار السن والمعاقين يجب أن تراعي الكود المعروف وهو تقريبًا متر طولي لكل 10 سم ارتفاع. كما يجب تخصيص أماكن خاصة لهذه العربات وأماكن خاصة بالكراسي لمَن تُصلي على كرسي، أو أن تكون على هيئة مقاعد خشبية ثابتة لا تتحرك. كذلك فإن بعض المساجد وبسبب قلة المصلِيات من النساء في دورهن العلوي يكون هذا الدور العلوي الخاص بالنساء نصف دور، وبالتالي يكون النصف الآخر مفتوحًا على مسجد الرجال، وهذا هدر كبير جدًّا للطاقة في عملية التبريد لكل هذا الارتفاع. أيضًا، فإن بعض المصلَيات في الأسواق صغيرة جدًّا ولا تفي بالحاجة. كما أن من المناسب توفير مكان واسع ومقاعد للبس الأحذية خاصة بعد انتشار لبس أحذية الرياضة؛ فكبيرات السن يعانين صعوبة في ذلك، ويجدن حرجًا في استخدام كراسي المصلى وأخْذها إلى الخارج.

ويرى د. راشد العبد الكريم أن مصليات النساء يمكن دمجها في المسجد، لكن الذين فصلوها يبدو أنهم راعوا أنها غالبًا مكان تجمُّع واستراحة للنساء مع أطفالهن، ما يحتاج إلى نوع من الانعزال.

وذكر د. حمد البريثن أنه وبشأن المساجد على الطرق بين المدن، يُلاحظ أن الأقسام النسائية غير نظيفة، ودورات المياه غير صالحة للاستخدام الآدمي، فهل من الممكن عمل تصاميم لها يضمن استدامة المسجد والمرافق؟ ومن جديد أوضح د. مشاري النعيم أنه ستنطلق قريبًا مسابقة لتصميم مساجد الطرق، كما يتم العمل حاليًّا مع جمعية مساجد الطرق على وضع البرنامج، بحيث يكون بنظام إنشائي شفاف وخفيف الوزن. أيضًا، يتم العمل على تطوير مكتب هندسي افتراضي يعمل مع الراغبين في بناء المساجد حول العالم، وسينطلق في بداية العام القادم، وسيكون هناك تركيز خاص على قسم النساء.

ʘ       دور الجامعات في إجراء البحوث ذات العلاقة بعمارة المساجد:

أكد د. حميد الشايجي على أهمية دور الجامعات في إجراء البحوث ذات العلاقة بعمارة المساجد؛ لكن الملاحظ في رأيه هو أن الجهات ذات العلاقة بالعمل على وضع كود المساجد لم يتم الإشارة فيها إلى ضمِّ عضو أو جهة تمثل الجامعات في عضويتها، فهل هذا يعتبر نقصًا أم أنه لا توجد حاجة لذلك؟ ومن جانبه أوضح د. مشاري النعيم أنه يتم العمل في جائزة الفوزان على إقامة ورشة مع قسم التصميم الداخلي بجامعة الملك عبد العزيز حول مصليات النساء، سواء داخل المساجد أو المستقلة في المرافق والأسواق. وجميع الأعضاء الذين اختارتهم الجائزة للعمل في الكود هم من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية، لكن – للأسف – الجامعات نفسها لا يوجد عندها مراكز بحث مختصة في المساجد ما عدا جامعة الملك فهد، وهو مركز تميز بحثي مازال في بدايته.

أفكار مهمة وردت في النقاش:

ʘ على الأمانات والبلديات ضرورة أَخْذ موقع المسجد بعين الاعتبار حال تخطيط الأحياء، وذلك باستخدام البيانات الإحصائية لكل حي في معرفة حجم وعدد الجوامع والمساجد المطلوب إقامتها، وتحديد موقعها بحيث يكون الوصول لها سهلاً، ويخدم أكبر عدد من سكان الحي.

ʘ       أن يُؤخذ في الاعتبار عند إعداد المخطط التنظيمي للحي أن يكون موقع المسجد في جهة من حديقة الحي.

ʘ وضع مواصفات لكل مستوى (المساجد الجامعة، مصليات العيد، مساجد الجُمع داخل الأحياء السكنية) بمواصفات عامة أساسية ومواصفات خاصة وظيفية لكل مستوى.

ʘ رَصْد وجَمْع كل التجارب التي يقوم بها المهندسون والتي يجعلونها جزءًا من مخططات بناء المساجد في المملكة، لتضاف للكود السعودي الخاص ببناء المساجد.

ʘ     أن يُصمَّم في كل مسجد قبو يُستخدَم عند الازدحام، ويُستخدَم كملجأ في حالة الحاجة لا سمح الله.

ʘ إدراج ملاحق كساحات خارجية وقاعات لمناسبات معينة (عزاء أو عقد قران أو درس أو محاضرة). وأيضًا بقالات أو محلات لضمان مورد مستدام للصيانة.

ʘ     أن يحتوي الكود على توفير خدمة إنترنت وأجهزة كمبيوتر لدعم مناشط المسجد.

ʘ     التصميم المستدام لدورات المياه، بحيث يمكن استخدام المياه الرمادية (مياه الوضوء مثلاً) في سقي الأشجار المحيطة بالمسجد.

ʘ تركيب أبواب إلكترونية تعمل بالخلايا الكهروضوئية، وتقوم بالفتح والإغلاق بعد دخول وخروج المُصلي؛ لمنع تسرُّب الهواء البارد خارج المسجد.

ʘ     ربط المسجد بكاميرات مراقبة لحماية أرجائه ومحتوياته والمصلين من أي خطر.

ʘ     استخدام التقنية في ترشيد استهلاك الطاقة والمياه؛ كاعتماد المصابيح المُوفِّرة للطاقة، والحنفيات والمراحيض الذاتية التنظيف.

ʘ التأكيد على المعنيين باعتماد المخططات ضرورة تطبيق المعايير بدقة دون إفراط أو تفريط، وأن يكون التطبيق لجميع عناصر المعايير وليس لبعضها.

ʘ     أن يُراعى إمكانية توسعة المساجد عند الحاجة بعد أن يضيق على المستفيدين منه مع زيادة عدد سكان المنطقة المحيطة.

ʘ أن يتم عزل الأقسام النسائية بعوازل متحركة؛ ليتم الاستفادة منها بعد رمضان، وجَعْلها قاعات تدريبية أو قاعات لاجتماع أهالي الحي طوال العام.

ʘ يُفضَّل أن تكون مصليات النساء في نفس الدور، وإنْ كانت في “دور الميزانين” يجب إضافة مصعد لكبيرات السن والكراسي المتحركة وعربات الأطفال.

ʘ تسهيل وتبسيط المعايير التخطيطية التي تحكم وتنظِّم مواقع ومساحات المساجد، وتقريب فهم واستيعاب هذه المعايير للناس ولا سيما المتبرعين ببناء المساجد منهم؛ لتجنُّب الإفراط والمبالغة في مساحات وأعداد المساجد في الأحياء، وتنسيق الجهود بينهم.

ʘ     زيادة الاهتمام بالجانب الأمني في قسم النساء في المسجد.

ʘ      العمل على اعتماد لفظ عربي فصيح يحل محل كلمة “كود”؛ لأنها كلمة غير عربية، (الدليل المعتمد مثلاً).

ʘ          التوصيات:

ʘ       أولاً: التخطيط:

1- التنسيق بين جهود الجهات المختصة لوضع معايير تخطيطية للمساجد حسب مستوى المسجد، بحيث تكون خاصة بكل منطقة وتتناسب مع تضاريسها ومناخها وظروفها الخاصة، وظروف الأحياء.

ʘ       ثانيًا: التصميم المعماري:

1- تكثيف الدراسات والبحوث المتعلقة بالمعايير التخطيطية عمومًا وللمساجد على وجه الخصوص، ومن ذلك توجيه المكاتب الاستشارية وطلاب أقسام التخطيط في كليات العمارة والتخطيط أو ما شابهها بنقد وتقييم المعايير، وليس مجرد الأخذ السطحي بها.

2-    أن يُوضَع كود خاص بمصليات النساء بعد دراسة حاجاتهن، وتحديد أوقات الذروة في استخدام المصلى لتوفير الطاقة.

ثالثًا: التقنية:

1- استخدام التقنية الحديثة لتوفير الطاقة كلما أمكن، وتحويل المساجد في المملكة لمبانٍ خضراء صديقة للبيئة، تعمل بالطاقة الشمسية، وأن تعمل على إعادة تدوير وإنتاج الفائض منها بدلاً من أن تكون مباني مُستهلكة صيفًا وشتاءً.

2-  اعتماد وسائل السلامة؛ كأجراس الدخان، ومخارج الطوارئ، وطفايات الحريق، ورشاشات الماء.

ʘ       رابعا: التشغيل والصيانة:

1- أهمية التوسُّع في الأوقاف ومصادر التمويل المستدامة للصرف على تشغيل وصيانة المسجد، ومن ذلك إنشاء صندوق عام يسهم فيه المواطنون، ويكون تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية.

2- دعم جمعية العناية بمساجد الطرق بمخرجات الكود السعودي المتعلق ببناء المساجد، لتبدو متقاربةً ومنتظمة في إطار الإرشادات العامة لبناء المساجد في المملكة.

ʘ       خامسا: التشريعات والتنظيمات:

  • المراجعة الدورية والتحديث المستمر للمعايير التخطيطية للمساجد.

 

القضية الرابعة

مهددات أمن الوطن الداخلية والخارجية

(22/9/2019م)

ʘ          الملخص التنفيذي:

في ظل ما يمرُّ به وطننا من أحداث في السنوات الأخيرة تُهدِّد أمنَه اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وآخرها وربما لن يكون الأخيرَ ما تعرَّضت له أرامكو وبقيق من هجمات تسعى لضرب اقتصاده، والتي جاءت متزامنةً مع احتفاء المملكة باليوم الوطني التاسع والثمانين، والذي وافق 23 سبتمبر 2019، فقد خصَّص ملتقى أسبار هذه القضية وذلك للحديث عن الوطن ومهدداته سواء الخارجية أو ما يُهدِّد جبهته الداخلية ووحدته. فنحن اليومَ أحوج ما نكون لتعزيز هذه الوحدة والوقوف مع قيادتنا الرشيدة في كل ما يُهدِّد أمن وطننا الغالي.

وقد تنوعت وجهات نظر أعضاء ملتقى أسبار المشاركين في الحوار، حول مهددات أمن الوطن الداخلية والخارجية، وبصفة عامة فقد تضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s المهددات الاقتصادية: ومنها ما يتعلق بإعادة النظر في إستراتيجيات إنتاج النفط وتصديره، بحيث لا يكون هناك عُنق زجاجة تحدُّ من الإنتاج أو التصدير، وعدم استقرار أسعار النفط، وضعف الإيرادات العامة غير النفطية، وضعف الصادرات الوطنية غير النفطية.

s المهددات الاجتماعية: ويُعَدُّ من أهمها: الفقر، والبطالة، والفساد، والتطرف، والعصبية، والعنصرية، واستغلال الإعلام الجديد سلبًا، وانتشار بعض العادات السيئة كتعاطي المخدرات وغيرها، إلى جانب وجود تيارات متشددة تقاوم التغييرات الإيجابية المطلوبة والضرورية للرؤية، تقابلها مطالبات مضادة تنادي بشكل غير مباشر بتمييع القيم والهوية الدينية والاجتماعية.

s المهددات الثقافية: وفي مقدمتها انتشار الأمية والتي لا يُقصد بها هنا عدم القدرة على القراءة والكتابة فحسب؛ بل وعدم التمكُّن أيضًا من الوعي بمضامينها.

s المهددات العسكرية: فمن الواضح أن المملكة تتعرض لتهديد عسكري عدواني، وإذا لم يتم التصدي له فسيقضي على مكتسباتنا الاقتصادية والحضارية التي بنيناها خلال أكثر من نصف قرن، ومن أهم واجبات الدولة هو الدفاع عن الوطن وأمنه وحمايته من أي اعتداء، وأن يتم تسخير كافة الإمكانيات المتاحة لهذا الغرض.

s      مهددات أخرى: ومن بينها تهميش النُّخب وذوي الخبرات والقدرات في كثير من القرارات التي تتخذها أجهزة الدولة ومؤسساتها.

s الوحدة الوطنية كإنجاز يلزم الحفاظ عليه؛ باعتبار أنه يُعَدُّ أحد المهددات الداخلية الرئيسة تنامي كل ما يفتُّ في عضد اللُّحمة الوطنية من عصبية وعنصرية، وعدم تقبُّل الآخر بجانب الطبقية المقيتة.

s      رؤية استشرافية: وتعددت في إطارها وجهات النظر بشأن أنسب الأساليب لمعالجة مهددات أمن المملكة الداخلية والخارجية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول “مهددات أمن الوطن الداخلية والخارجية” ما يلي:

1- بناء وتطوير الإستراتيجية الأمنية الوطنية، والإستراتيجية العسكرية المشتركة (دفاعية وأمنية)، بحيث تكون مبنيةً على رؤى المتخصصين وذوي الخبرات خارجيًّا وداخليًّا، ومُرتكزةً على البيانات والمعلومات الدقيقة والمُحدَّثة باستمرار، وعلى الأبحاث والدراسات العلمية، وبناء القوات المسلحة بكافة تخصصاتها وتشكيلاتها القتالية وما يستلزم ذلك من صناعات عسكرية أو تسليح أو تجنيد إجباري.

2- تحقيق العدل والمساواة لجميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات بما يحقق الرضا والقبول للجميع، والقضاء على الفساد الإداري بمختلف أوجهه.

ʘ          مقدمة:

في ظل ما يمرُّ به وطننا من أحداث في السنوات الأخيرة تُهدِّد أمنَه اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وآخرها وربما لن يكون الأخير ما تعرَّضت له أرامكو وبقيق من هجمات تسعى لضرب اقتصاده، والتي جاءت متزامنةً مع احتفاء المملكة باليوم الوطني التاسع والثمانين، والذي وافق 23 سبتمبر 2019، فقد خصص ملتقى أسبار هذه القضية وذلك للحديث عن الوطن ومهدداته سواء الخارجية أو ما يُهدِّد جبهته الداخلية ووحدته. فنحن اليوم أحوجُ ما نكون لتعزيز هذه الوحدة والوقوف مع قيادتنا الرشيدة في كلِّ ما يهدد أمن وطننا الغالي.

ʘ          المهددات الاقتصادية:

يُعَدُّ من أبرز المخاطر الاقتصادية كما يراها م. سالم المري:

1-  إعادة النظر في إستراتيجيات إنتاج النفط وتصديره، بحيث لا يكون هناك عُنق زجاجه تحدُّ من الإنتاج أو التصدير.

2-  توزيع الصناعات ونَقْل بعضها إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة، على نحو يُيسِّر الدفاع عنها.

أما المهددات الاقتصادية الداخلية -في رأي د. سليمان الطفيل -فتتضمن كلاً من:

  1. عدم استقرار أسعار النفط.
  2. ضعف الإيرادات العامة غير النفطية.
  3. ضعف الصادرات الوطنية غير النفطية.
  4. ارتباط الريال بالدولار.
  5. قضية التستُّر.
  6. سيطرة العمالة الأجنبية.
  7. شُحّ الموارد المائية.
  8. النمو السكاني ومشكلة الإسكان.
  9. البيروقراطية الإدارية في القطاع العام.
  10. ضعف مشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي في التنمية.

وأضاف أ. جمال ملائكة فيما يخصُّ المهددات الاقتصادية لأمن المملكة ما يلي:

  1. البطالة، وهي أساس المشاكل في أي دولة.
  2. الجو العام للاستثمار، والذي لا يبدو أنه حسب المأمول، ومن ثَمَّ فإن هناك حاجةً إلى الدراسة المعمقة للأسباب المُفضية إلى ذلك من أجل العمل على حلها.
  3. نظرة العالم والعرب وخاصة ما نُطلق عليه عرب الشمال للمملكة؛ حيث يتعين القيام بعمل ما في هذا الجانب.

وتطرقت د. عبير برهمين إلى أن مِن بين المهددات الداخلية لأمن المملكة غياب العمل المؤسساتي بمفهومه الإيجابي، وجودة التعليم النوعي التي تُحفِّز الإنتاج لا الاستهلاك، والحاجة إلى الاعتزاز بقيمة العمل أيًّا كان نوعه. وأضافت أن آباءنا وأجدادنا امتهنوا مِهنًا وحِرفًا بسيطة لكنها قدَّمت لنا ما نحن فيه الآن من طيب عيش. الجَلَد أو الصبر كانت سمة جميلة يفتقد لها جيل اليوم؛ ربما لأننا قدمنا لهم كلَّ شيء حتى أصبحوا لا يُقدِّرون معنى النعمة.

ʘ          المهددات الاجتماعية:

من وجهة نظر د. عائشة الأحمدي، فإن المهددات الاجتماعية هي الأخطر من نوعها على اللُّحمة الوطنية؛ فكلنا يعرف أن اللُّحمة الداخلية لا يُحرِّك استقرارَها إلا المهدد الاجتماعي، وأخطر عناصرها مشكلات التعصُّب والعنف، فهي معضلة في كل جسد تتسلل إليه، وهي داء يفتك بكل المؤسسات، ولا سيما داخل المؤسسات التعليمية، المنوطة بغرس قيم معاكسة ومناهضة لها، بل إن إحدى المشكلات المعيقة لزَرْع قيم الولاء والانتماء، الحزام الضامي للوحدة الوطنية هو تفشي داء العنصرية بكافة أوجهها وأشكالها.

وركزت أ. فائزة العجروش على أن التطورات الاجتماعية الإيجابية التي حدثت خلال السنتين الماضيتين، ومن أهمها (إسقاط الولاية، وقيادة المرأة، ودخول المرأة للملاعب الرياضية، وافتتاح دور السينما، بجانب المزيد من الخطوات لتمكين المرأة)، بلا شك انعكس أثرُها على معظم الأسر في بلادنا؛ الأمر الذي يتطلب منَّا جميعا تكثيف العمل التوعوي للحفاظ على الأسرة السعودية لمنع أي ارتدادات سلبية قد تؤثِّر على تماسكها وترابط أفرادها، فمن الطبيعي أن تحدث بعض الهزات بين أفرادها عطفًا على كيفية ومدى تقبُّلهم لهذه التطورات من عدمه.

وأشارت د. الجازي الشبيكي إلى أنَّ من أهم تهديدات الأمن الوطني الداخلية: الفقر، والبطالة، والفساد، والتطرُّف، والعصبية، والعنصرية، واستغلال الإعلام الجديد سلبًا، وانتشار بعض العادات السيئة كتعاطي المخدرات وغيرها، إلى جانب وجود تيارات متشددة تقاوم التغييرات الإيجابية المطلوبة والضرورية للرؤية، تقابلها مطالبات مضادة تنادي بشكل غير مباشر بتمييع القيم والهوية الدينية والاجتماعية.

وأضاف د. سليمان الطفيل أن من أكبر مهددات حياتنا الاجتماعية ما يلي:

–       الأمية.

–       التعصُّب.

–       العنف.

–       انعدام الثقة.

 وجميعها تنعكس بصورة ما على حياتنا الاقتصادية والثقافية والبيئة، ومن ثَمَّ على استقرار وأمن المملكة.

وأوضح د. محمد الملحم أن كثيرًا من المهددات الاجتماعية تُعَدُّ نتيجة لتوافر عوامل، منها:

–         غياب العمل المؤسساتي.

–         ضعف الرقابة.

–         غياب المحاسبية النوعية.

–         ضعف التعليم العالي.

وبدوره أرجع د. سليمان الطفيل ضعف التعليم العالي إلى عدم المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل؛ حيث إنَّ هناك – برأيه – أعدادًا مهولة من أبنائنا وبناتنا الشباب يتخرجون كل فصل وكل عام، ولا يستطيعون التعامل مع متطلبات العمل أو تحمُّل المسؤولية؛ الأمر الذي ينسحب ليس على التعليم فحسب، بل على التربية أيضًا؛ فحينما يتربى الشباب في بيئة رخوة غير مبالية بالتحديات الحالية أو المستقبلية فإنهم سيكونون بالتالي عنصرًا مهدِّدًا وليس مُحفِّزًا داخل المجتمع.

وترى د. عبير برهمين أن غياب العدالة والمساواة بين الناس في التعاملات والحقوق والواجبات من الأشياء التي تفتُّ في عَضُد اللُّحمة الوطنية، فضلاً عن أن التهوُّر وعدم وزن الأمور ووضعها في نصابها سمةٌ متنامية في مجتمعنا حاليًّا، فلا تُوزن الكلمات أو التصرُّفات مما يجرُّنا إلى ما نندم عليه غالبًا.

وبالإضافة إلى المعاني الضمنية المتعلقة – بالتأكيد – بالعدل والمساواة، فقد أكد د. محمد الملحم على أن تحقيق العدالة في القضاء مطلبٌ مهم للوصول إلى دولة القانون؛ وهذا لا يتأتى باختيار عناصر غير ناضجة اجتماعيًّا ليصبحوا قضاةً بين الناس، فدولة القانون أساس للإبداع والابتكار والإنتاج المحلي الأصيل والتفوق، بل واجتذاب التفوق إلينا. واتفق د. مشاري النعيم مع هذا الطرح؛ كونه يرى أن إصلاح التشريع والإجراءات القضائية تأتي على رأس الأولويات التنموية؛ إذ إنَّ هناك فجوة واضحة في التشريعات والأنظمة والإجراءات القضائية لا تتناسب مع خطة 2030، ويجب علينا أن نقوم بتجسيرها في أسرع وقت.

بينما أشار أ. محمد الدندني إلى أننا – وللأسف -نعاني من قلة الكفاءات أو نُدرتها ليس في مجال القضاء فحسب، ولكن في أغلب المجالات ولا سيما الخدمية منها. الظاهرة أن الموظف يتصرف وكأنَّ الكرسي ملكه وليس ملك الدولة والمواطن. كما أن مصطلح أخلاق العمل the ethics ليس في قاموس أغلب الموظفين، وليس جميعهم بالطبع.

ʘ          المهددات الثقافية:

في اعتقاد د. محمد الملحم، فإن أكبر المهددات الداخلية هو انتشار الأمية، وليس المقصود فحسب تلك التي تعرفها وزارة التعليم بعدم القدرة على القراءة والكتابة؛ فالقدرة على القراءة والكتابة دون التمكُّن من وعي مضموناتها لا تكفي لندعي أننا محونا الأمية! ففي ذات الوقت الذي أعلنا فيه “محو الأمية” ظهرت أمامنا أمية فَهْم القراءة، والتي اكتشفنا أن دروس مادة “المطالعة” المتواضعة لم تكن كافيةً لـ “تمكين” الفرد السعودي “المتعلم” من أن “يفهم” بشكل صحيح ويستوعب ما يقرؤه. لقد ادعينا في فترة ما أننا سننشرُ لغة الحوار، والذي أولى خطواته فَهْم المحتوى فهمًا صحيحًا؛ لنجد في مؤتمراتنا وملتقياتنا وبعض البرامج الإعلامية أنَّ هناك مَن يُخفق في ذلك، مع أن هؤلاء يُفترض بهم أنهم نُخبة. أيضًا هناك مجال للتفكير في بُعد آخر للأمية، وهو أمية الحاسب الآلي وتقنية المعلومات، ففي الوقت الذي تُعَدُّ المملكة من أكبر أسواق شراء الأجهزة الذكية بكل أطيافها؛ فلا يزال طلابُنا في الثانوية والجامعة لا يتقنون برنامج “وورد” وإنْ كانوا يستعملونه بشكل سطحي، ناهيك عن التطبيقات الشائعة الأخرى. هذا التهديد الثقافي هو مِن أخطر مهددات الأمن الداخلي، فلا أصعب من أن تتفاهم مع مَن “لا يفهم”.

ʘ          المهددات العسكرية:

ذكر م. سالم المري أنه من الواضح أننا نتعرض لتهديد عسكري عدواني، وقد يكون من المناسب محاولة استغلال هذه الظروف بشكل إيجابي عن طريق التالي:

1- الاستفادة من الأيدي العاملة الشابة العاطلة عن العمل في إعداد قوة دفاع عسكرية قادرة على الردع عن طريق تفعيل نظام “خدمة العلم” الذي سبق وأعدَّه مجلس الشورى.

2-  انتهاز ظروف التهديد الحالية لتطوير صناعة عسكرية فاعلة وجادة.

3- مجاراة الولايات المتحدة في ضغطها على النظام الإيراني، وتشجيع أي حرب تشنُّها الولايات المتحدة وكل ما يمكن أن يؤدي إلى سقوط نظام الملالي دون الدخول في حرب شاملة مباشرة.

4-  دعم جميع أطياف المعارضة الإيرانية بفعالية.

5-  إقناع الأمريكان والإنجليز بأهمية الإسراع بالحسم في اليمن، ودفع الشرعية لتحريك الجبهات إلى صنعاء.

6-  محاولة فتح جبهات جديدة ضد إيران، مثل الأكراد ولبنان عن طريق المسيحيين والسنة.

ومن ناحيته أشار م. إبراهيم ناظر إلى أن التهديدات التي يتعرض لها الوطن كثيرة ومتنوعة، ولكن حاليًّا يُعَدُّ أهمها وأخطرها التهديد العسكري الذي يحيط بنا من عدة جهات، وبأبعاد متنوعة جوًّا وبحرًا وبرًّا؛ والذي إذا لم يتم التصدي له فسيقضي على مكتسباتنا الاقتصادية والحضارية التي بنيناها خلال أكثر من نصف قرن، ومن أهم واجبات الدولة هو الدفاع عن الوطن وأمنه وحمايته من أي اعتداء، وأن يتم تسخير كافة الإمكانيات المتاحة لهذا الغرض.

ʘ          مهددات أخرى:

ذهب د. مساعد المحيا إلى أن من أبرز المهددات الداخلية تهميش النُّخب وذوي الخبرات والقدرات في كثير من القرارات التي تتخذها أجهزة الدولة ومؤسساتها؛ ففي ضوء التقدُّم العلمي ووفرة الكثير من الكفاءات في شتى التخصصات، فإنَّ من الواجب أن تكون عملية استثمار تلك القدرات والمواهب في مقدمة أولويات الدولة.

واتفق د. سليمان الطفيل مع ذلك الطرح، وأضاف أنه بالفعل ما زال هناك استقطاب غير مُبرَّر للأجانب، فضلاً عن توظيف بعض الشباب غير القادر على التخطيط وقيادة المرحلة.

وأضاف د. محمد الملحم إلى ما ذكره د. مساعد أنَّ هناك ظاهرة أخرى تتمثل في “عدم تحمُّل” المبدعين؛ فمن صفات المُبدع اللانمطية وعدم الانتظام  بقيود الروتين والبيروقراطية، والانطلاق اللُّغوي وعدم التقيُّد بما يُملى عليه؛ وكل هذه الصفات لا تتوفر لها البيئة الخصبة في ثقافات العمل لدينا، وإنْ توفَّرت هذه الفئة فإنها تكون مرتبطة بشخصية قيادية معينة، وعندما تغادر هذه الشخصية منصبها، تغادر معها ثقافة التحمُّل هذه، وتتضاءل عملية توظيف المبدعين والاستفادة منهم، بل قد تظهر بعد مغادرتهم ظاهرة “التطفيش” لأولئك “المزعجين”، والذين غالبًا ما يرى الآخرون من أصحاب القوة في المنظمة أن من الأفضل عدم إضاعة الوقت معهم. والسؤال المُلحّ هنا: كيف سننهض بدون تفكيك هذه الثقافة؟ فبيئة العمل وثقافات أخرى طاردة للنهضة والتقدم والتفوق، وتجر المؤسسات إلى الخلف أو على أفضل الأحول تُبقيها مكانها status qua.

ʘ          الوحدة الوطنية كإنجاز يلزم الحفاظ عليه:

ذهب د. زياد الدريس إلى أن التهديدات والتحديات التي تُحيط بنا من الأعداء (القريبين والبعيدين) عديدة ومتنوعة، لكن ما هو أكبر وأخطر من التحديات الخارجية هو التحدي الداخلي الذي ما زال يتنامى بكل أسف حتى في أحلك الظروف التي تُحيط بوطننا الغالي؛ ويتمثل في (شبق) التشظي وممارسة التصنيف والإقصاء، وكأنَّ هذا الوطن لن يتسع للجميع، أو أن أرزاقه وخيراته لن تكفي الجميع! بكل وضوح، لم تستطع دولة مواجهة تحديات خارجية قبل أن تتصالح أطيافُها داخليًّا، وتتوقف عن استهلاك قوتها وعاطفتها في التحارب فيما بينها. واتفقت د. عبير برهمين مع القول بأنه يُعَدُّ أحد المهددات الداخلية الرئيسة تنامي كل ما يفتُّ في عضُد اللُّحمة الوطنية من عصبية وعنصرية وعدم تقبُّل الآخر بجانب الطبقية المقيتة.

وأكد د. عبد الله المطيري على أهمية أن يعرف الشباب السعودي كيف تكوَّنت وحدة المملكة، المبنية على العقيدة الإسلامية، وهي وحدة عربية إسلامية. فمن أقوال الملك عبد العزيز في هذا الصدد: “إنَّ مَن يعتقد أن الكتاب والسنة عائق للتطوُّر أو التقدُّم فهو لم يقرأ القرآن أو لم يفهم القرآن”.

وأشار د. خالد الرديعان إلى أن مسألة الوحدة الوطنية تظلُّ دائمًا حاضرةً كإنجاز كبير يلزم الحفاظ عليه. وقد تطرَّق د. الرديعان إلى الوحدة الوطنية من خلال نموذج “ملتقى أسبار” الذي يُجسِّد وحدة بين أعضائه وعضواته؛ حيث يستمر الملتقى في تقديم ما يفيد الوطن، في ظل التأكيد على المبادئ الرئيسة للملتقى، والمتمثلة في عدم الانجراف إلى الطائفية والمذهبية، وذلك عند مناقشة موقفنا من دولة ما أو جماعة ما؛ فالواقع أن خلافاتنا مع بعض الدول هي خلافات سياسية في المقام الأول وليست على أسُس عقائدية أو مذهبية. وبطبيعة الحال، فالسياسية سائلة ومتحركة ولا تثبت، وغالبًا تحكمها المصالح وليس الأيديولوجيات؛ فعدوُّنا بالأمس قد يصبح صديقنا اليوم، والعكس صحيح. مسألة أخرى في غاية الأهمية، وهي أن ملتقى أسبار يضمُّ نُخبة من مختلف مناطق المملكة، وبالتالي فهو يعكس التنوُّع الثقافي الذي يتجسد في إثراء الحوار وانطلاقه إلى آفاق أوسع، مع احترام كل طرف لموقف الطرف الآخر دون أن يتبناه؛ فالهدف من الحوار هو عرض وجهة النظر بأسلوب ومنطق مقبول وليس أكثر من ذلك. والواقع أن قيادتنا كثيرًا ما أشارت إلى أن الخلاف مع اليهود -على سبيل المثال -ليس خلافًا على يهوديتهم أو دينهم، ولكن الخلاف هو مع الصهيونية كعقيدة سياسية ترجمت سياساتها باحتلال وطن كامل، وشردت معظم سكانه، عدا ذلك فاليهودية الموسوية ملة من الملل لا نُعاديها لذاتها ولا نُعادي معتنقيها رغم الاختلاف العقائدي، ولكننا نُعاديها عندما تصبح أداةً سياسية للاضطهاد وتهديد وجودنا. تاريخ الإسلام الذي يمتد أربعة عشر قرنًا حافلٌ بما يُثبت تسامُحَ المسلمين مع أصحاب الديانات والنِّحل المختلفة، والأدلة على ذلك كثيرة.

ʘ          رؤية استشرافية:

في تصوُّر د. سليمان الطفيل، فإن التهديدات التي يتعرض لها أمن الوطن داخليًّا وخارجيًّا حاليًّا ومستقبلاً هي نتيجة لما تتمتع به المملكة من كونها:

ʘ       منارةَ ومركزَ إشعاع الإسلام.

ʘ       قبلةَ المسلمين.

ʘ       مخزون النفط الهائل.

ʘ       ممرًّا دوليًّا للعالم.

وغيرها كثير، جعلت من المملكة مطمعًا لكثير من الدول وهدفًا لتحقيق مطامع دولية أو فئة أو جماعة خارجية أو داخلية.

وأكد د. عبد الله المطيري على أن واجب الوطن علينا أن يعمل كلُّ فرد بجدٍّ وإخلاص وتفانٍ في سبيل رفعته وازدهاره والحفاظ على مكتسباته، والابتعاد عن المناطقية والشللية، والتمسُّك بالقيم الإسلامية السمحة، فلنا في التاريخ عبرة. الملك عبد العزيز – طيَّب الله ثراه – وحَّد المملكة بالدين، فقبل أن يُوحِّدها كانت الحياة فيها لا تُطاق؛ حيث الجهل بالدين، والقبائل المتناحرة، وقُطَّاع الطرق، والفقر المدقع.

من جانبه ذهب أ. محمد الدندني إلى أننا نحتاج إلى مجتمع جادٍّ مُنتِج، وأن نعتمد على أنفسنا من شؤون البيت إلى العمل؛ وهذا سيصبُّ في اتجاه تقوية الأمن الاجتماعي والاقتصادي والبيئي والأمن الوطني. كذلك فإن من الضروري بصفة عامة الاهتمام بدراسة ومعالجة الأبعاد التالية:

  • كيف ترسم السعودية أو تُثَبِت دورَها الإقليمي في ظل التغيُّرات العالمية المتزامنة؟
  • كيف تستطيع المملكة أن تنأى بخطة التنمية وفق الرؤية 2030 عن صراعات المنطقة؟
  • ما هي العوامل التي ترفع من قوة الجبهة الداخلية؟
  • كيف نتحاشى محاربة مشروعنا الوطني في التقدُّم والاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس؟

بينما وفي تصوُّر د. عائشة الأحمدي، فإن المملكة بحاجة إلى:

1- تعليم متطوِّر، يُعلي من قيمة التفكير النقدي، ويعزِّز قيم المواطنة، بما من شأنه إحداث تغيير إيجابي في ثقافة المجتمع، بما فيها ثقافة العمل.

2-  مؤسسات تذيب أيَّ معيار للحراك الصاعد داخلها، لصالح معيار الجدارة.

وأشار د. عبد الله المطيري إلى أننا نعيش في مرحلة تفرض الكثير من التحديات، وهو ما يتطلب نظرة موضوعية شاملة لتطوير آليات الاقتصاد، وهو تطوير يجب أن يكون مبنيًّا على الدراسة والأسُس العلمية الصحيحة.

وبرأي د. عبير برهمين، فإن التعليم الجيد والنوعي مهمٌّ لعصرنا الحالي إلا أنه يجب أن يقترن بالفهم أو الوعي؛ بمعنى أن تُقدَّر الأمور حسب أهميتها أو هو ما يُسمَّى بالرشد كما ذُكر في القرآن أو البصيرة أو الحصافة. فكم من متعلم لا يمتلك شيئًا من الوعي الكافي أو البصيرة النيرة، فلا يُوفَّق في عمله أو رأيه! يُضاف إلى ذلك ضرورة التمسُّك بالخلق القويم؛ فقد جرفت المدنية الحديثة ورتم الحياة المتسارع كثيرًا من مبادئ حُسن الخلق الذي يتعايش به الناس في المجتمعات.

من جهتها اهتمت د. مها العيدان بأن يتم العمل على ما يلي:

  • حماية حدودنا ومُنشآتنا بخط أمنى متطور يتناسب مع تطور الثكنة العسكرية.
  • التقليل من حجم البطالة بالاعتماد على كوادرنا الوطنية وإحلالها محل العمالة الأجنبية.
  • القضاء على الفساد الإداري بمختلف أشكاله.
  • تطوير البنية التحتية لكافة مدن ومناطق المملكة من تعليم وصحة وبيئة.
  • تحقيق العدل والمساواة لجميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات بما يُحقِّق الرضا والقبول للجميع.
  • تفعيل دور القطاع الخاص ومشاركته في تنمية المجتمع.

وفي تصوُّر د. مشاري النعيم، فإن القوة تكمن في ضمان الحقوق والواجبات والشعور الداخلي لدى الجميع بالمساواة.

ومن ناحيتها ترى د. مرام الحربي أنه في بناءِ الإنسان تبني الأوطان فردًا -سواء كان داخل أسرة أو مدرسة أو جامعة أو في عمل -مُنتِجًا معطاءً، يعشق هويته بأصالتها وتميُّزها، ويفتخر بها ويصبو نحو أهدافه، باللُّحمة والاحترام والمسؤولية وبالتقدير للقدوة. وفي بناء هذه المنظومة سنكون أمام كلِّ تحدٍ أو مُهدِّد داخلي أو خارجي؛ فما نحتاجه هي الهمة؛ كلٌّ ينشر ثقافتها في اختصاصه ومجاله، يعطي من أجل الوطن بكل حب وإيثار.

وأكَّد م. إبراهيم ناظر -انطلاقًا من المخاطر والتهديدات العسكرية التي تواجهها المملكة-ضرورة العمل على:

  1. بناء وتطوير الإستراتيجية الأمنية الوطنية، والإستراتيجية العسكرية المشتركة (دفاعية وأمنية)، وبناء القوات المسلحة بكافة تخصصاتها وتشكيلاتها القتالية وما يستلزم ذلك من صناعات عسكرية أو تسليح أو تجنيد إجباري.
  2. الحاجة إلى إشراك المختصين من أصحاب الفكر الإستراتيجي من كل التخصصات (سياسة، واقتصاد، واجتماع، وشيوخ دين…) في رسم الخُطط والسياسات الوطنية.

أيضًا فقد أكدت أ. فائزة العجروش على أن أحد أهم التهديدات الداخلية التي تحتاج إلى مناقشتها بعمق قبل فوات الأوان؛ ما يتعلق بإبعاد وتهميش معظم كِبار الموظفين دون الاستفادة من امتلاكهم لكثير من الخبرة والدراية، والإسراع في مَنْح الشباب قليلي الخبرة مناصب حيوية ومهمة دون تطعيم دورهم والمهام المطلوبة منهم بذوي الخبرة والأكفاء، للحفاظ على التوازن المطلوب في كافة أعمالنا.

وذهب د. خالد الرديعان إلى أننا نحتاج كسعوديين اليومَ إلى حُسْن التواصل مع بقية الشعوب العربية والإسلامية، والتوقُّف عن المشاجرات الكلامية، وأن نُهذِّب لغتنا في وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما تويتر؛ بالكفِّ تمامًا عن سبِّ الشعوب والدول، حتى الذين نختلف معهم. نحتاج إلى حملة إعلامية توعوية تدعو إلى التقارُب مع جميع العرب دون استثناء، وأن نخاطبهم بلغة راقية كما هي عادتنا في السابق، وأن نكفَّ عن التدخل في شؤون الآخرين إلا بما يردم الهوَّة بيننا وبينهم، ويمنع الفُرقة، ويوحِّد الصفوف، فهل نحن فاعلون؟

واتفقت أ. فائزة العجروش مع ما ذهب إليه د. الرديعان من ناحية احتياجنا لحملة إعلامية توعوية لمَن يكتب في تويتر من السعوديين؛ فالتغريدات أصبحت لا تخرج عن تصفية حسابات، وبقدر ما أعطت صورة حسنة عن قوة وتلاحم الشعب السعودي في الرد الجماعي الفوري والسريع لأي تغريدة مُسيئة للمملكة في تويتر والذي يصل لترند في كثير من الأحيان، بقدر ما أعطت صورة سيئة عن السعوديين بشكل عام، لتطاولهم على الغير والتلفُّظ بألفاظ غير لائقة، والشخصنة والعنصرية والتخوين عند الحوار عن الأحزاب والفِرق الدينية والثقافية، والتدخل في شؤون الدول العربية الأخرى، وعدم احترام عاداتها وتقاليدها؛ وهو ما تسبَّب في زيادة كراهيتها لنا ونحن في وقت أحوج ما نكون لوحدة الصف العربي. وهذا ما أشار إليه الدكتور الغذامي في كتابه (ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير)؛ حيث نبَّه إلى أن حرية التعبير مرتبطة بمسؤولية التعبير، وأن حرية التعبير في تويتر هي المزية والعيب معًا، وشبَّهها بمَن يستحمّ في بيت زجاجي على شاشة كاشفة / مكشوفة. وأضاف د. حميد الشايجي أن البعض يفهم حرية التعبير خطأً، ويظن أنه يستطيع أن يقول ما يشاء دون أي اعتبار لمشاعر وحقوق الآخرين. والواقع أن إحساسنا بمشاعر الآخرين وما هو وَقْع كلامنا عليهم هو ما يحمي من السقوط في الخطأ.

وركَّز د. عبد الله العساف على أن المرحلة القادمة في مستقبل المملكة تتطلب ما يلي:

  • ضرورة العمل على تعزيز الوحدة الوطنية، وتنمية حب الولاء والانتماء لهذا الوطن لدى النشء خاصة، وبيان أن حُبَّ الوطن يكون بخدمته في شتى المجالات، وبتطوير أنفسهم بالعلم والمعرفة للمساهمة في تكملة المسيرة، والتوعية بأن حب الوطن في الدفاع عنه بالكلمة والروح، جنبًا إلى جنب، كذلك فإن حب الوطن بمحاربة التيارات الفكرية المنحرفة وعدم تبني أفكارها والحذر منها.
  • النظر في ملفات العلاقات الخارجية، فخلال السنوات العشر الماضية تراجعت العلاقات السعودية الأمريكية إلى أسوأ مراحلها حتى في المرحلة الترامبية المتقلبة، فيما سبق لم تكن أية دولة في العالم تتجرأ بالاعتداء على السعودية حتى في أوجِّ اشتعال المنطقة في الحرب الإيرانية العراقية، ورغم قوة وعناد الخميني ومعرفته أن السعودية هي مصدر تمويل العراق ودعمه لم يتجرأ على الاقتراب منها إلا في موسم الحج، وكذلك الحال مع صدام عندما اجتاح الكويت لم تفصله عن السعودية سوى مسافة قليلة لكنه كان يدرك خطورة الاقتراب منها. ما الذي تغيَّر؟ وما الذي يجب علينا عمله؟ أيضًا وفيما يخص ملفات المنطقة: (سوريا، والعراق، واليمن، ولبنان) يجب تسوية هذه الملفات وإغلاقها وسد منافذ شرورها، مع الإقرار بأن هذا الأمر دونه عقبات وتحديات وربما مخططات دولية. كذلك فإن العلاقات الخليجية يجب إعادة بنائها على أسس مختلفة عن السابق، تستوعب الأخطار الجماعية. وبصفة عامة، فإن علاقات المملكة الدولية يجب إعادة تقييمها وتنويعها كما نُنوِّع سلتنا الاقتصادية.
  • إعادة بناء إعلام المملكة بطريقة مختلفة وتعديل مساراته الداخلية والخارجية، كما أن صورة المملكة في الخارج بحاجة للعمل عليها، والداخل بحاجة لإعلام يعي رسالته.
  • إيجاد هوية سعودية مشتركة، فكلنا سعوديون لكننا بحاجة إلى ترسيخها بشكل أفضل، وهذا مرتبط بالتعليم والإعلام والأسرة بالدرجة الأولى.
  • مرتكزات الرؤية (وطن طموح، ومواطن حيوي، واقتصاد مزدهر) لن تتحقق إلا في بيئة تعليمية متميزة مدعومة بإعلام فاعل، لديه رسالة حقيقية.
  • هناك أهمية لإعادة ترتيب أولوياتنا الداخلية والخارجية.
  • ضرورة الاستفادة من العقول والكفاءات السعودية في مراكز الدراسات والجامعات، والبعد عن الأجنبي إلا فيما تفرضه الضرورة التي تُقدَّر بقدرها، وكذلك الاستفادة من الطاقات المُعطَّلة الموجودة في الجامعات والبحث عنها، وتوسيع دائرة الاختيار؛ فلدينا منجم وعقول لو أُتيحت لها الفرصة سنرى ما يسرُّنا بإذن الله.

وفي السياق ذاته سلطت د. الجازي الشبيكي الضوءَ على النقاط المحددة التالية:

  • نحن بحاجة إلى إستراتيجية أمن وطني شاملة ودقيقة، مبنية على رؤى المتخصصين وذوي الخبرات خارجيًّا وداخليًّا، ومُرتكزة على البيانات والمعلومات الدقيقة والمُحدَّثة باستمرار وعلى الأبحاث والدراسات العلمية البينية المتكاملة من جامعاتنا ومراكزنا العلمية، ومُسترشدة بالرأي المجتمعي العام.
  • ينقصنا مراكز استطلاع للرأي العام تعكس وجهات نظر المجتمع وتطلعاته دون الاقتصار على آراء النُّخب الاجتماعية والسياسية والعلمية فقط؛ حتى يشعر الجميع بأنهم مشاركون في القرارات التي تهمُّ بلادهم، فيزداد تأييدهم ومساندتهم ودعمهم لها.
  • لو أن كل قرار أو مقترح يتم طرحه على المجتمع مرَّ بقنوات مدروسة واستطلاع رأي قبل أن يُطرح؛ لسلمنا من أية ردود فعل سلبية قد تُظهِر للعالم الوجه الذي لا نريده عن مجتمعنا السعودي، والذي قد يُعَدُّ تهديدًا مجتمعيًّا داخليًّا مبطنًا يمكن أن يتراكم مع غيره بمرور الوقت.
  • أيضًا، تبدو الحاجة ملحة إلى قرارات عملية تُعزِّز المواطنة والحقوق وتكافؤ الفرص والتنوُّع والتعددية في المشاركة في المناصب والقيادات على مستوى الوزارات والإدارات والجامعات وغيرها، بناءً على معايير اختيارات واضحة للجميع ومُطبَّقة بدقة وعدل.
  • الحاجة إلى إطلاق مشروع وطني على مستوى المملكة؛ للتعريف برؤية المملكة 2030 من حيث الشكل والمضمون، وبمستويات تتناسب مع الفئات العمرية والتعليمية والاجتماعية المختلفة، بالشراكة مع المؤسسات التعليمية والإعلامية وغيرها من المؤسسات ذات العلاقة.
  • من المهم الدعوة إلى تخفيف المركزية الإدارية لمناطق المملكة باتجاه اللامركزية المناطقية المحلية إداريًّا وماليًّا تحت سياسة نظام الحكم العام المُوحَّد للبلاد وتوجهاته العليا؛ وهو ما سيسهم في تخفيف أعباء ترهُّل الأجهزة الحكومية، ويسمح بالمتابعة الأكثر دقةً وفاعلية وتنافسية.

ʘ          التوصيات:

  1. بناء وتطوير الإستراتيجية الأمنية الوطنية، والإستراتيجية العسكرية المشتركة (دفاعية وأمنية)، بحيث تكون مبنيةً على رؤى المتخصصين وذوي الخبرات خارجيًّا وداخليًّا، ومُرتكزةً على البيانات والمعلومات الدقيقة والمُحدَّثة باستمرار وعلى الأبحاث والدراسات العلمية، وبناء القوات المسلحة بكافة تخصصاتها وتشكيلاتها القتالية وما يستلزم ذلك من صناعات عسكرية أو تسليح أو تجنيد إجباري.
  2. تحقيق العدل والمساواة لجميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات بما يُحقِّق الرضا والقبول للجميع، والقضاء على الفساد الإداري بمختلف أوجهه.
  3. ضرورة العمل على تعزيز الوحدة الوطنية، وقرارات عملية تُعزِّز المواطنة والحقوق وتكافؤ الفرص وتنمية حب الولاء والانتماء لهذا الوطن لدى النشء خاصة، وبيان أن حب الوطن يكون بخدمته في شتى المجالات، وبتطوير أنفسهم بالعلم والمعرفة للمساهمة في تكملة المسيرة.
  4. الحاجة إلى إشراك المختصين من أصحاب الفكر الإستراتيجي من كُل التخصصات (سياسة، واقتصاد، واجتماع، وشيوخ دين…) في رسم الخُطط والسياسات الوطنية، جنبًا إلى جنب مع الإفادة من خبرات كبار الموظفين، وأن يُعطَى كلُّ شخص قدرَه ومكانته في المجتمع ليؤدي دوره الأساسي والحقيقي، والبعد عن الأجنبي إلا فيما تفرضه الضرورة التي تُقدَّر بقدرها.
  5. إعادة تقييم علاقات المملكة الدولية وتنويعها بما يخدم مصالح المملكة، والقيام بحملة إعلامية توعوية تدعو إلى التقارُب مع جميع العرب دون استثناء، وأن نُخاطبهم بلغة راقية كما هي عادتنا في السابق، وأن نكفَّ عن التدخل في شؤون الآخرين إلا بما يردم الهوَّة بيننا وبينهم، ويمنع الفرقة، ويوحِّد الصفوف.
  6. إنشاء مراكز استطلاع للرأي العام تعكس وجهات نظر المجتمع وتطلعاته دون الاقتصار على آراء النُّخب الاجتماعية والسياسية والعلمية فقط، حتى يشعر الجميع بأنهم مشاركون في القرارات التي تهمُّ بلادهم، فيزداد تأييدهم ومساندتهم ودعمهم لها.

القضية الخامسة

الثروة الحيوانية والتنمية ورؤية 2030

(29/9/2019م)

 

  • §         الورقة الرئيسة: د. حمد البطشان (ضيف الملتقى)
  • §         التعقيبات:

ʘ       التعقيب الأول: د. خالد الفهيد

ʘ       التعقيب الثاني: د. عبد الله المطيري

  • §         إدارة الحوار: د. سليمان الطفيل

ʘ          الملخص التنفيذي:

أوضح د. حمد البطشان في الورقة الرئيسة أن الطفرة أحدثت التوسُّع في القطاع الزراعي مثله مثل بقية القطاعات الأخرى، حتى تُحقِّق -وبدعم من الدولة -الاكتفاء الذاتي من القمح وبعض المحاصيل الزراعية ومنتجات الثروة الحيوانية، بل وصُدِّر البعض منها. لكن تبيَّن لاحقًا للمائيين والزراعيين أن بعضًا من السياسات المائية والزراعية ربما لم تكن موفقة. ومع دمج وزارة الزراعة ووزارة المياه وإلحاق البيئة بهما، تبنّت الوزارة إستراتيجية مرنة للموازنة بين قطاعاتها بهدف ترشيد استخدام المواد الطبيعية؛ حيث تستهدف الوزارة موازنة مائية للاستخدام الزراعي ما بين 8-10 مليارات م3/عام، وقد بدأ التحوُّل؛ فالبيئة تحتاج جهدًا كبيرًا لإصلاحها. والقطاع الزراعي والثروة الحيوانية على وجه الخصوص يجب أن تتحول إلى قطاعات مستدامة.

من جانبه أشار د. خالد الفهيد في التعقيب الأول إلى أن قطاع الثروة الحيوانية قطاعٌ حيويٌّ مهم جدًّا، حقَّق منجزات تنموية وتولَّدت لدى منسوبيه خبرات سعودية تراكمية، كما واجه عددًا من التحديات والجوانح استطاع – بفضل من الله – التغلُّب عليها حتى حظي بتقدير المنظمات العالمية، مثل: (حمى الوادي المتصدع، وإنفلونزا الطيور، وغيرها). لكن ورغم الجهود المميزة التي يقوم بها المسؤولون عن هذا القطاع للتحوُّل إلى قطاع مستدام، إلا أنه يواجه بعض التحديات التي تستلزم التعامل معها بواقعية.

أما د. عبد الله المطيري فقد ركَّز في التعقيب الثاني على محور الرعي والمراعي والجوانب البيئية، معتمدًا على مشاركته في دراسة للغابات والمراعي في المملكة العربية السعودية برعاية مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية عام 2006م. واختتم تعقيبه بالإشادة بمبادرات وزارة البيئة والمياه والزراعة المعنية بالثروة الحيوانية، ومنها مبادرة برنامج الاستقصاء والسيطرة على الأمراض الحيوانية، وهو برنامج من برامج التحوُّل الوطني 2020، والذي سيكون له -بإذن الله -نتائج جيدة تنعكس على زيادة حصة السوق من اللحوم الحمراء.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

s      أفضل النماذج في التنمية المستدامة للثروة الحيوانية.

s      واقع احتياجات المملكة من اللحوم ومدى الهدر منها.

s      تساؤلات حول إجراءات وسياسات تنمية الثروة الحيوانية في المملكة.

s      برامج دعم قطاع الماشية.

s      مدى التنسيق بين الجهات ذات العلاقة بتنمية الثروة الحيوانية.

s      العيادات البيطرية المتنقلة كنموذج للمشاريع المميزة لقطاع الثروة الحيوانية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول قضية “الثروة الحيوانية والتنمية ورؤية 2030” ما يلي:

1- أن تقوم وزارة البيئة والمياه والزراعة بالتنسيق مع مجلس الجمعيات التعاونية لتنظيم ودعم وتطوير الجمعيات الزراعية المتخصصة في الثروة الحيوانية وخدماتها، وتشجيع جمعيات أخرى لهذا الغرض.

2- أن تقوم وزارة البيئة والمياه والزراعة بتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والقطاع غير الربحي، وتشجيع قيام شركات متخصصة بتطوير واستثمار الثروة الحيوانية لتتولى مهام التطوير والخدمات اللوجستية للقطاع وبخاصة في مجال البيطرة والبحوث والمشاريع، وتولي عمليات التصدير والاستيراد للماشية وتنظيمها، وتشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة بها مع المحافظة على المكتسبات الوطنية.

ʘ          الورقة الرئيسة: د. حمد البطشان (ضيف الملتقى) (*):

ʘ               الماضي البعيد: تاريخياً اعتمد أبناء الجزيرة العربية في قوتهم على المواشي (الإبل، الضأن والمعاز) وعلى زراعات محدودة وما تجود به الأرض من موارد شحيحة، وكذلك على التبادل التجاري مع الأقطار القريبة منهم وكان للمناخ ولطبيعة الأرض اليد الطولى في ازدهار أو انحسار المساحات المزروعة وأعداد المواشي، ولم يكن للدواجن والبقر إسهامٌ واضحٌ في توفير احتياجات بقائهم، وكان هناك دوماً توازن (Equilibrium) بين الموارد المتاحة (المطر والرعي) ومساح الأراضي المزروعة وكثافة الثروة الحيوانية وهي سنة الله في الطبيعة في التوازن والتنوع الإحيائي (Biodiversity) ولفهم قطاع الثروة الحيوانية لا يمكن عرضه بمعزل عن البيئة والمياه والزراعة وتحولاتها بإيجاز.

ʘ               الماضي القريب: أحدثت الطفرة التوسع في القطاع الزراعي مثله مثل بقية القطاعات الأخرى نمواً مطرداً، وإثر السياسات الزراعية. وبدعم من الدولة أعزها الله بتوزيع الأراضي البور واستكمال البنى التحتية في النقل والكهرباء وتقديم القروض والدعم) حتى تحقق الاكتفاء الذاتي من القمح وبعض المحاصيل الزراعية ومنتجات الثروة الحيوانية وصدر البعض منها. تبين لاحقاً (للمائيين والزراعيين) أن بعضاً من السياسات المائية والزراعية ربما لم تكن موفقة (ونعزوها لعدم دقة أو توفر البيانات وبعض من الاجتهاد الذي بنيت عليه) فصدر على إثر ذلك قرارٌ بوقف زراعة القمح فاتجهت الزراعة نحو الأسوأ في استنزاف المياه حيث بدأ التوسع في زراعات محاصيل أخرى وخصوصاً زراعة الأعلاف كمحصول نقدي بديل مربح وغير مكلف (أراضي مجانية، قروض، دعم الطاقة كالكهرباء والديزل) وامتهن الزراعة من ليست مهنته، ويتجاوز عدد الهكتارات المزروعة بالأعلاف 600 ألف هكتار ومع توفر الأعلاف واستمرار الدعم ازهرت أعداد المواشي في المملكة حتى فاقت 25 مليون رأس على أقل تقدير، حيث قامت الدولة بدعم استيراد مدخلات الأعلاف وأصيب قطاع الماشية “بمتلازمة الشعير” حتى اصبحنا نستورد ما يقرب من 10 ملايين طن، وبما يعادل حوالي 50% في بعض السنوات من الكميات المتاحة للتداول في الأسواق العالمية. الاستيراد وكلفته المالية ربما ليست العامل المقلق وإنما التوسع في زراعة الأعلاف الخضراء المكملة للتغذية على الشعير. ازدادت أعداد الثروة الحيوانية وازداد معها واردات الشعير ولحقهما زراعة الأعلاف حتى وصل استخدام المياه في الزراعة إلى 85% مما نستهلكه اليوم (نستهلك كل عام ما يفوق 24 مليارم3 منها 3 مليارات م3 في القطاعين البلدي والصناعي، 21 مليار م3 للزراعة ومنها ما يفوق 15 مليار م3 لزراعة الأعلاف). وأثر أعداد الماشي واضح على تصحر البيئة ناتج عن الرعي الجائر (إضافة للاحتطاب) ولا شك أن هذه الأعداد تفوق بكثير مقدرة مواردنا الطبيعية.

ʘ               الحاضر: إثر الدعم والتسهيلات للقطاع الزراعي ننتج اليوم 115% من احتياجاتنا من البيض، 50% من لحوم الدواجن وحوالي 100% من الحليب والألبان الطازجة، إلا أننا ننتج فقط 30% من احتياجنا من اللحوم الحمراء رغم العدد الكبير من المواشي. قطاع الدواجن مستهدف النمو والحفاظ عليه كونه أنه قابل للاستدامة. قطاع الألبان كذلك مستهدف المحافظة على مكتسباته رغم اتهامه بأنه مستنزف للمياه (مجمل ما يستهلك في قطاع الألبان يقارب 15% فقط من استهلاك الأعلاف في المملكة). والخلل يكمن في قطاع الماشية التقليدية وقد بدأ العمل على تصحيح مسارة بتحويله من قطاع عشوائي وتقليدي مستنزف للموارد الطبيعية إلى قطاع مستدام ومنتج. ووجهت بوصلة الزراعة والثروذة الحيوانية بصدور قراري مجلس الوزراء رقم 66 (تنظيم الزراعة) ورقم 235 (إعادة توجيه الدعم) إثر دراستين أعدتهما الوزارة (دراسة إيقاف زراعة الأعلاف الخضراء والبرامج التنموية المقترحة لتنفيذ القرار ومساندته ودراسة إيجاد بدائل الشعير وتحسين كفاءة الإنفاق على الأعلاف ومدخلاتها) ومع اكتمال إعداد استراتيجيات البيئة والمياه والزراعة لمعالجة الخلل في السياسات السابقة ومواكبة رؤية المملكة 2030.

ʘ               المستقبل: السعي الحثيث نحو الاستدامة والوزارة ماضية في تنفيذ استراتيجياتها القطاعية لاستدامة هذه القطاعات. لن تتوقف الزراعة ولن يتوقف إنتاج الحيوان، ولكن تم رسم خارطة طريق لتنظيمها وألا تكون عبئاً على البيئة وعلى المياه، وذلك من خلال تحول قطاعاتها غير المستدامة إلى قطاعات مستدامة بتركيز على الميز النسبية للمناطق واستهداف المحاصيل الواعدة (للتوسع في ذلك أدعوكم للاطلاع على استراتيجيات البيئة والمياه والزراعة والأمن الغذائي وأعرض هنا عن الثروة الحيوانية بإيجاز).

ʘ               قطاع الدواجن من القطاعات المستهدفة في برنامج التحول الوطني ورؤية 2030 (المحافظة على مكتسبات قطاع البيض وتعزيز النمو في قطاع إنتاج لحوم الدواجن لـ 60%) لتعزيز الأمن الغذائي ولعدم اعتمادها على الموارد الطبيعية المحلية. قطاع الألبان مستهدف الحفاظ على مكتسباته (مع هذا فقد تم منع شركات الألبان من زراعة الأعلاف الخضراء ووجهت بالأستثمار الزراعي خارج المملكة) وهذان القطاعان متطوران ومنظمان بشكل كبير.

ʘ               أما قطاع الماشية فيحتاج لعمل كبير لخفض أعداد المواشي غير المنتجة ورفع أنتاجيتها لتوفير ما يقارب من 30% من احتياجاتنا من اللحوم الحمراء وربما أكثر اعتماداً على مقدرة هذا القطاع للتحول من تربية تقليدية إلى تربية مهنية غير مستنزفة للموارد الطبيعية معتمداً على الأعلاف الكاملة وتصحيح الممارسات السلبية في التغذية، وذلك لاعتبارات اقتصادية واجتماعية تعزيز للأمن الغذائي. من أهم المبادرات في تحول القطاع ضمن رؤية المملكة 2030 هو تحول القطاع الزراعي للاستثمار الزراعي الخارجي المسؤول (ترشيد استهلاك المياه)، إنشاء الشركة الوطنية للخدمات الزراعية (رفع كفاءة الإنفاق وتجويد الخدمات التي تقدمها الوزارة)، إشراك القطاع الخاص (خصخصة مركز إنتاج اللقاحات البيطرية)، الاستقصاء والسيطرة على أمراض الثروة الحيوانية، تحسين الإنتاج والانتاجية، إعادة توجيه الدعم (للمستحقين من مربي الماشية) والخطة الوطنية لتطوير قطاع الماشية (برنامج التنمية الريفية الزراعية المستهدامة الذي أُقرَ مؤخراً).

ʘ               خاتمة:

مع دمج وزارة الزراعة ووزارة المياه وإلحاق البيئة بهما تبنت الوزارة استراتيجية مرنة (Lean Strategy) للموازنة بين قطاعاتها بهدف ترشيد استخدام المواد الطبيعية حيث تستهدف الوزارة موازنة مائية للاستخدام الزراعي ما بين 10-8 مليار م3م/ عام وقد بدأ التحول فالبيئة تحتاج جهوداً كبيرة لإصلاحها. تحلية المياه المالحة غير مستدامة ومحفوفة بالمخاطر (على الأقل في ظل التقنيات الحالية المتوفرة). القطاعان الزراعي والثروة الحيوانية على وجه الخصوص يجب أن يتحولا إلى قطاعات مستدامة. استراتيجية الزراعة والأمن الغذائي خلصت إلى مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 130 مليار ريال بدلاً من 62 مليار ريال بحلول 2030 مع تحولها للاستدامة.

 

ʘ          التعقيبات:

  • ·        التعقيب الأول: د. خالد الفهيد:

قطاع الثروة الحيوانية قطاع حيويٌّ مهمٌّ جدًّا حقَّق منجزات تنموية وتولَّدت لدى منسوبيه خبرات سعودية تراكمية، وقد واجه عددًا من التحديات والجوانح استطاع – بفضل من الله – التغلُّب عليها حتى حظي بتقدير المنظمات العالمية، مثل: (حمى الوادي المتصدع، وإنفلونزا الطيور، وغيرها). لكن ورغم الجهود المميزة التي يقوم بها المسؤولون عن هذا القطاع للتحول إلى قطاع مستدام مثل ما أشار د. حمد في ثنايا طرحه بما يتماشى مع رؤية 2030، إلا أنه يواجه بعض التحديات.

وسوف أبدأ من حيث انتهى د. حمد البطشان في الورقة الرئيسة باستعراض بعض الوقفات، لعلَّها تساعد في تغطية بعض جوانب القضية:

  • قطاع الثروة الحيوانية تكمن أهميته في أثره الصحي والاقتصادي والبيئي في المجتمع، وهو عبارة عن منظومة تتداخل مع عدة قطاعات سواء في مدخلاته أو مخرجاته، والواقع أنه يواجه عددًا من العوائق بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق التي تصاحب سلسلة الإمداد لهذا المنتج.
  • قطاع الثروة الحيوانية يشمل الماشية الحية (الإبل، والخيول، والأبقار، والأغنام) والدواجن لإنتاج بيض المائدة ولحوم الدواجن، إضافةً إلى الحيوانات الداجنة والحيوانات البرية والسائبة والطيور المهاجرة؛ وهو ما يعني أن خدمات هذا القطاع ومتابعة الأوضاع الصحية لتلك الحيوانات يتطلب جهدًا مضاعفًا للقيام بالمتابعة الدقيقة، لتلافي وقوع خسائر اقتصادية، ولتجنُّب الأمراض المشتركة مع الإنسان. إضافةً إلى خدمات الإنتاج والتسويق لمخرجات هذا القطاع، وهنا يبرز دور الطبيب البيطري الذي يتعامل مع هذا النوع من الكائنات الحيوانية، مما يعني أهمية رفع قدراته وتحفيزه تقديرًا للدور المهم والحيوي الذي يقوم به.
  • أشار د. حمد في ثنايا طرحه للقضية إلى أن قطاع الدواجن من القطاعات المستهدفة في برنامج التحوُّل الوطني ورؤية 2030، ومع أن قطاع الدواجن في المملكة حقَّق قفزاتٍ تنموية نتيجة للدعم والتشجيع بتقديم القروض والأجور رمزية للمواقع التي يُقام عليها المشروع، والخدمات اللوجستية الأخرى، ولأهمية مخرجاته كسلعة غذائية سواء البيض أو لحوم الدجاج المنتج محليًّا؛ إلا أن هذا القطاع يواجه بعض التحديات، مثل: ارتفاع تكاليف الأعلاف (تمثل ما بين 60 -70٪ من إجمالي التكاليف الإنتاجية للطير)، والعمالة، وانخفاض كفاءة الإدارة، وارتفاع نسبة النفوق التي قد تصل في بعض المشاريع الصغيرة إلى ٥٠٪ مما قد يؤدي إلى توقُّف بعض المشاريع عن الإنتاج أو خفض طاقتها الإنتاجية، في ظل تميُّز المشاريع الكبيرة وقوة منافستها واستفادتها من مبدأ “تحقُّق العائد على السعة” وقدرتها على خفض تكاليف الوحدة المنتجة، إضافةً إلى منافسة الدجاج المستورد بأسعار أقل من المنتج محليًّا.
  • من أهم الخدمات التي يقوم بها قطاع الثروة الحيوانية في وزارة البيئة والمياه والزراعة الإشراف على حوالي 30 محجرًا حيوانيًّا في منافذ دخول المملكة: (البرية، والبحرية، والجوية). وتكمن أهمية هذه المحاجر في منع دخول الحيوانات الموبوءة وخاصة في موسم الحج؛ وهو ما يعني أهمية رفع كفاءة الكوادر البشرية وأجهزة الكشف في المنافذ.

ويمكن طرح بعض الرؤى لمناقشتها، ومنها:

1- لأهمية إيجاد قطاع مستدام يساهم في توطين أبناء الريف والحد من الهجرة للمدن، ونظرًا لتداخل مهام قطاع الثروة الحيوانية بالعديد من الجهات (وزارة البيئة، والصحة، والبلديات، وهيئة الغذاء والدواء، والتجارة)، وفي ظل تزايد الاهتمام بهذا القطاع، وتزايد الأدوار المرتبطة بمجاله مثل مهرجانات الإبل والخيول والصقور؛ يمكن اقتراح إنشاء كيان مستقل لرفع كفاءة مخرجاته وتحقيق الاستدامة.

2- أهمية تشجيع قيام المستشفيات والعيادات البيطرية وزيادة أعداد مصانع اللقاحات البيطرية في مناطق المملكة، وكذلك زيادة أعداد الأطباء البيطريين، ورفع قدراتهم وتحفيزهم للعمل بكفاءة.

3-  مدى إمكانية قيام صندوق الاستثمارات بإنشاء مدينة أنعام متكاملة في إحدى جزر جازان لاستقبال المواشي الحية، على أن يتم ذبحها في مسالخ، ويتم توزيعها على المدن داخل المملكة بشكل يومي، مع الاستفادة من مخلفات المواشي والحد من الأمراض الحيوانية.

  • ·        التعقيب الثاني: د. عبد الله المطيري:

سوف أركز على محور الرعي والمراعي والجوانب البيئية معتمدًا على مشاركتي في دراسة للغابات والمراعي في المملكة العربية السعودية برعاية مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية عام 2006م.

اعتمد الإنسان في غذائه وتنقلاته وسكنه وملبسه على الحيوان منذ أن وُجد على الأرض، يقول الله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (سورة الأنعام، الآية 142).

كان نمط حياة البادية في المملكة هو النمط السائد خاصة في وسطها وشمالها حتى السبعينيات الميلادية من القرن المنصرم. وكان سكان البادية -حسب ما أورده فؤاد حمزة في كتابه “قلب جزيرة العرب” -يشكِّلون نحو58% من جملة السكان عام 1932م، وذكر أن نحو 70% من سكان الشمال، ونحو 62% من سكان نجد، و67% تقريبًا من سكان الحسا (الأحساء) يعيشون في البادية. وكما هو معلوم، فإن حياة سكان البادية تعتمد على الماشية في الغذاء وتأمين ما يحتاجون إليه من ضرورات الحياة. وكانوا يعتمدون في تربيتها على ما تجود به الأرض من الكلأ، ولم يكن هناك مصدر غذاء للماشية سواه؛ لذا كانت أعداد الماشية تتأثر بسنوات الجفاف، وكان الترحال هو الوسيلة الوحيدة لتوفير الغذاء للماشية، بالرغم من محدودية المساحات التي تستطيع كل قبيلة التنقل والرعي بها، وتاريخنا قبل توحيد المملكة شاهد على الصراع بين القبائل على مناطق الرعي.

وقد أدى تغيُّر أسلوب الحياة والتحوُّل الاجتماعي للسكان في المملكة إلى وجود تغيرات في أعداد الماشية ونوعها وأنوع الأعلاف والبيئة الرعوية، فالماشية أصبحت تجارةً؛ منها ما هو عشوائي، ومنها ما هو مؤسسي، كما ذكر د. حمد في الورقة الرئيسة.

تبيَّن من دراسة المراعي أن هناك رعيًا جائرًا ناتجًا عن زيادة أعداد الماشية خاصة الأغنام، فمن خلال جمع البيانات وجدنا أن هناك أفرادًا يملكون آلافًا من الأغنام ومئاتٍ من الإبل، إضافةً إلى أن أنواعًا من الأغنام تدمر المراعي عن طريق نزع جذور الأعشاب مما يؤدي إلى أنها لن تنمو مرةً ثانية. كما أن سهولة نقل الماشية من منطقة إلى منطقة عند هطول الأمطار، وعدم الانتظار حتى يكتمل نمو الأعشاب؛ أدَّى وسيؤدي إلى زيادة رقعة التصحر. كما لوحظ أن مناطق الرعي التقليدية خاصة في شمال المملكة ومنطقة نجد أمست قليلةً نتيجة لزحف الزراعة على مناطق الرعي المعروفة، وللاحتطاب والتصحر.

وتعاني البيئية الرعوية من انتشار النفايات الناتجة عن مخلفات الأعلاف والرعاة والجهل بطرق التخلص منها. وللنفايات البلاستيكية خاصة تأثيرٌ على النبات والماشية. وقد ذكر بعض مُلَّاك المواشي خاصة في منطقة الصمان أن كثيرًا من مربي الماشية الخليجيين لا يكترثون بالتخلص من النفايات، وتمنوا لو يتم منعهم ليس فقط بسبب النفايات؛ وإنما لأنهم يملكون أعدادًا كثيرة من الماشية وينتقلون بها دون قيود.

ختامًا، أشكر وزارة البيئة والمياه والزراعة على جهودها، خاصة عنايتها بالثروة الحيوانية، ومنها مبادرة برنامج الاستقصاء والسيطرة على الأمراض الحيوانية، وهو برنامج من برامج التحول الوطني 2020، والذي سيكون له -بإذن الله -نتائج جيدة تنعكس على زيادة حصة السوق من اللحوم الحمراء.

ʘ          المداخلات حول القضية:

ʘ       أفضل النماذج في التنمية المستدامة للثروة الحيوانية:

تساءلت د. وفاء طيبة: ما مدى إمكانية عرض أمثلة لدول أخرى يعتبر الوضع فيها مثاليًّا أو أقرب إلى المثالية في التنمية المستدامة للثروة الحيوانية؟ وما هي الإجراءات المثالية التي يتبعونها في الاكتفاء الذاتي من هذا المنتج وتخفيض استهلاك المياه؟ ومن ناحيته عرض د. حمد البطشان للشكل التالي، والذي يتضمن أفضل النماذج ووضعنا في المملكة مقارنة مع هذه الدول.

ʘ       واقع احتياجات المملكة من اللحوم ومدى الهدر منها:

تأسيسًا على أن المملكة تُنتج فقط نحو 30% من احتياجاتنا من اللحوم، طرحت د. وفاء طيبة تساؤلاً مفاده: إلى أي حد يعني هذا الرقم أننا يجب أن نُنمِّي هذا القطاع؟ أم أننا شعب يأكل اللحوم بشكل كبير قد لا يتوافق مع حاجاتنا الفعلية وتطوير صحتنا العامة؟! بمعنى أنه نمط حياة متوارث، لم نعُد بحاجة له مع ظروف الحياة الجديدة وقلة الحركة وتوفُّر الأغذية المختلفة، حيث كان الإنسان سابقًا يعتمد على اللحوم لقلة الزراعة وصعوبة الاستيراد، لكن تبيَّن أن كثيرًا من الأمراض مصدرها كثرة أكل اللحوم وخاصة الحمراء منها، فهل نحن بحاجة فعلية لزيادة الإنتاج أو الاستيراد من هذه الثروة؟

وفي هذا السياق أوضح د. حمد البطشان أننا شعب أكولٌ للحوم الحمراء، ونستورد بجانب إنتاجنا ما بين 6-10 ملايين رأس/عام، وذلك خلاف المبرد والمجمَّد والوجبات السريعة واللحوم المصنعة. ويلاحظ أن الوزارة لا تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء، فليس لدينا حاليًّا ميزة نسبية في هذا القطاع، والعمل جارٍ على تحسينه من خلال عدة مبادرات لخفض أعداد الثروة الحيوانية، ومع تحسين إنتاجيتها نتوقع أن نكتفي ذاتيًّا بحدود 30 وربما 40٪. ومن ناحية أخرى، فإن أول دراسة أجرتها وزارة البيئة والمياه والزراعة لتحديد خط الأساس للفقد والهدر، أوضحت أن هدر الغذاء في المملكة يتجاوز 30٪، والمقصود الغذاء بشكل عام. ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى الدراسة التي أعدتها المؤسسة العامة للحبوب في المملكة.

وعقَّبت د. وفاء طيبة بأنه قد نكون نحتاج إلى ما ننتجه وما نستورده لكنه موزَّع توزيعًا غير عادل؛ فهناك مَن يستهلك اللحوم أكثر من حاجته، وهناك مَن لا يذوقها إلا مرة في العام، لدينا هدرٌ كبير في الغذاء في المملكة، ومنه الهدر في الثروة الحيوانية، هل نستطيع أن نحسب كم جرامًا يحتاج الإنسان في اليوم الواحد من اللحوم، ونضربها في عدد السكان، فيكون لدينا متوسط يومي ثم سنوي لما يجب أن يكون عليه الاستهلاك؟

واقترح أ. محمد الدندني أن تقوم وزارة البيئة والمياه والزراعة ومن له شأن في هذا الأمر بالآتي:

1-  التوعية بأهمية تقليل استهلاك اللحوم الحمراء اعتمادًا على المخاطر الصحية المترتبة على الإفراط فيها.

2-  أن تعمل الدولة عمومًا على محاربة الهدر والإسراف عبر عادات لا تتسق مع العقل والدين، وخاصة في الأعياد والزواجات… إلخ.

3-  توجيه المجتمع للتنويع في مصدر البروتين؛ ليشمل أيضًا الأسماك والدجاج.

واتفق د. حمد البطشان مع هذه المقترحات وأضاف أنه سيتم العمل عليها مع شركاء الوزارة في الصحة العامة، وتحديدًا (وزارة الصحة، وهيئة الغذاء والدواء، والمركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها CDC).

وأشار د. سليمان الطفيل إلى أنه من خلال البحث عن البيانات والمعلومات الإحصائية عبر موقع الوزارة والهيئة العامة للإحصاء عن الثروة الحيوانية في المملكة، نجد صعوبة وربما ندرة في البيانات والمعلومات المنشورة، وهي – كما نعلم – ضرورية لوضع السياسات المالية والإدارية والاستثمارية ورسم الخُطط ومعرفة الاحتياجات من عدمها، والاقتراح أن يتم تأسيس منصة إلكترونية كقاعدة بيانات رقمية؛ لمعرفة ما يتم استيراده أو تصدير من الثروة الحيوانية، وما يتم ذبحه وسلخه يوميًّا لكافة أنواع الحيوانات والطيور في المملكة بعد أن يتم ترقيم جميع تلك الحيوانات والطيور لمعرفة حجم الفائض أو العجز والاحتياج وخلافه.. إلخ. ومن ناحيته أوضح د. حمد البطشان أن الوزارة أنشأت منصة “أنعام” على الموقع الإلكتروني التالي:

https://anaam.mewa.gov.sa/anaam/LoginUser/Login/

وهذه المنصة مُسجَّل بها أعداد الثروة الحيوانية ومُلَّاكها، والعمل جارٍ على ترقيم جميع المواشي في المملكة لدقة البيانات.  ما يعاب على بياناتنا هو مبالغة الملاك لعددها للاستفادة بقدر أكبر من خدمات الوزارة المجانية، وتتضمن: (الأدوية، واللقاحات البيطرية، ورخص العمالة)، وما يلاحظ على أرقام هيئة الإحصاء هو تحفظ الملاك خشية الزكاة أو فرض ضرائب؛ لذا كان لا بد من ترقيم جميع الثروة الحيوانية في المملكة، وقد بدأ المشروع، وقد يستغرق نحو ثلاث سنوات. وحال الوزارة كحال بقية الوزارات في دقة البيانات سابقًا؛ لكن هذا الأمر بدأ يتحسن بشكل كبير في جميع الوزارات مع بدء برنامج التحول الوطني لإنشاء خط الأساس. واليوم لدى وزارة البيئة والمياه والزراعة تقديرات أفضل، ويتم العمل على تجويدها من خلال الترقيم الإلكتروني باستخدام تقنية RFI. أما بخصوص المنصة المقترحة فهي موجودة ومكتملة منذ ثلاث سنوات.

ʘ       تساؤلات حول سياسات وإجراءات تنمية الثروة الحيوانية في المملكة:

من وجهة نظر أ. محمد الدندني، فإن لدينا أعدادًا ليست بالقليلة من الإبل، ومعروف ما تحتاج إليه من غذاء، كما أن من المعروف أيضًا أن التوازن مطلوب بين ما يستهلك الحيوان وما يستفاد منه كلحوم وغيرها من الصوف والوبر والجلود. بطبيعة الحال، الأسماك ربما الأكثر إنتاجًا من البروتين، وقد تصل الإنتاجية فيها إلى ما يوازي 80 %، ويليها الدجاج ثم البقر وتليها الأغنام، وأخيرًا الإبل. والسؤال المهم هنا: ما هي نظرة الوزارة لتوازن الغطاء النباتي وكثرة الإبل والأغنام؟

وأوضح د. حمد البطشان في هذا الشأن أن وزارة البيئة والمياه والزراعة تعمل فيما يخص الغطاء النباتي على مشروعين؛ زيادة الغطاء النباتي من خلال زراعة الأشجار، والحد من الرعي الجائر. كما تمَّ وقف دخول رعاة ومواشي دول مجلس التعاون، والعمل جارٍ على إخراج الذين دخلوا سابقًا بناءً على قرار مجلس الوزراء الموقر. أيضًا، فإن الواردات من المواشي الحية لم تغب عن إستراتيجية المحافظة على الموارد الطبيعية؛ فالمواشي المستوردة اليوم يجب ألا يقل وزنها عن وزن مُحدَّد، ومن يستورد أوزانًا منخفضة عليه استيراد أعلافها حتى لا تُسمَّن داخل المملكة وتستنزف المياه أو ترعى.

واهتم د. منصور المطيري بلفت الانتباه إلى أن حليب الإبل ثروة مهدرة بشكل غير طبيعي؛ والسبب أن مُلَّاك الإبل الحقيقيين يفتقدون الدعم والتوعية بالأساليب الاقتصادية الحديثة في تسويق منتجهم، وهم يحتاجون إلى مؤسسات وسيطة تستقبل منهم منتجهم.

في حين تساءل د. سليمان الطفيل: ألا يمكن إيجاد وسائل متطورة وحديثة للاستثمار في قطاع الإبل؟ فمازال الإنتاج تقليديًّا، ولا يوجد مشتقات لهذا المنتج الصحراوي المعروف لدينا قديمًا وحديثًا في الجزيرة. وأكد د. حمد البطشان أن وزارة البيئة والمياه والزراعة تعمل على ذلك من خلال الخطة الوطنية لتطوير قطاع الماشية ومنها الإبل، وقد تم اعتماد برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة لهذا الغرض. كما تعمل الوزارة على إصدار الأنظمة فيما يتعلق بالرعي للمواشي المحلية. كما تمَّ إشراك القطاع الخاص في هذه الخطة حتى تصبح أكثر واقعيةً، وتلبي احتياجات السوق.

وفي تصوُّر د. عبد الله المطيري، فإن من أسباب الرعي الجائر استخدام وسائل النقل في نقل المواشي -خاصة الأغنام – بسرعة للمناطق الرعوية التي تبدأ فيها الأعشاب بالنمو قبل أن تتم ولو نصف فترة نموها؛ ففي فترة قصيرة ينتهي موسم الرعي؛ وعليه يكون التساؤل: هل بالإمكان وضع حل لهذه المشكلة خاصة أن أعداد المواشي في ازدياد ومناطق الرعي في تناقص؟ ومن جهته أوضح د. حمد البطشان أنه سيصدر تنظيم بذلك في إستراتيجيتي المراعي والبيئة.

وتساءل أ.د عثمان العثمان: هل هناك دراسات أو مبادرات حول الاستفادة من التجربة الصينية للإفادة من ألبان الإبل، وكذلك الاستفادة من الإبل الأسترالية بالاستثمار فيها؟ وردًّا على هذا التساؤل، أوضح د. حمد البطشان أن مجلس إدارة نادي الإبل يعمل على ذلك.

وتساءل د. سليمان الطفيل: كم حجم إسهام الثروة الحيوانية في الناتج المحلي؟ وهل هناك دراسة إحصائية عن أنواع الصناعات الداخلة في تصنيع منتجات الثروة الحيوانية في المملكة؟ وذكر د. حمد البطشان أن معظم إنتاج الثروة الحيوانية تقرُب أن تكون موادَّ خامًا. أما بخصوص الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، فهي فقط في قطاعي الألبان والدواجن؛ أما قطاع الماشية (الإبل، الضأن والماعز) فهي نادرة. أيضًا، فإن الوزارة لديها برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة، وكذلك الخطة الوطنية لتطوير قطاع الماشية، بجانب إستراتيجية صندوق التنمية الزراعية. ومن جديد أوضح د. سليمان الطفيل أنه في ظل رؤية المملكة 2030م أصبح من الأهمية أن تدعو وزارة البيئة والمياه والزراعة ممثَّلة في وكالة الثروة الحيوانية إلى إطلاق هاكاثون للثروة الحيوانية أو الدعوة لتقديم مبادرات وأفكار وابتكارات جدية تسهم في تنمية هذا القطاع المهم والحيوي في الاقتصاد والسلوك المعيشي لحياة الناس. كما أن إشراك القطاع الخاص يُعَد أحد مرتكزات رؤية المملكة 2030م. ومن جديد أكد د. حمد البطشان أن أهم مقومات العمل حاليًّا في الوزارة أن تكون هي المُشرِّع والمنظِّم، في حين أن الخدمات والاستثمار يجب أن تُقدَّم من جانب القطاع الخاص، والقطاع الخاص أكفأ في تقديم الخدمات بالشكل المأمول، والأمثلة كثيرة في قطاع الزراعة وقطاع المياه؛ وكمثال: فقد أصدرت الوزارة قرارًا بتخصيص مصنعٍ لإنتاج اللقاحات البيطرية. أما بقية الخدمات التي تعمل عليها الوزارة، ففي القريب ستتوقف عن إدارتها، ويشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر: 32 منفذًا حدوديًّا و20 مختبرًا و182 عيادة بيطرية. كما أن هناك توجُّهًا من الوزارة بتخصيص المحاجر الحيوانية؛ فدور الوزارة في جميع القطاعات: التشريع، والتنظيم، ورسم السياسات والإستراتيجيات. علمًا أن الوزارة لن تتخلى عن تقديم واجباتها، ولكن التصور أن القطاع الخاص ربما يكون أكفأ في استغلال الموارد المتاحة لتقديم الخدمات، والمرحلة الأولى نحو ذلك بالموافقة على إنشاء الشركة الوطنية للخدمات الزراعية المملوكة للدولة وربما تخصيصها لاحقًا، على أن يكون للشركة الحق في أن يُقدِّم القطاع الخاص بعضًا من خدماتها، على سبيل المثال تشغيل المحاجر. وفي تصوُّر د. سليمان الطفيل، فإن الوزارة بذلك تستطيع بالفعل أن تتماشى مع أهداف الرؤية لتحقيق مفهوم الشراكة بين القطاع العام والخاص لرفع الكفاءة والإنتاجية وتقليل الأعباء والتكاليف عن الدولة، بجانب تعظيم الاستفادة من الموارد المالية وتشغيلها بكفاءة أكبر.

ومن ناحية أخرى، أضاف د. حمد البطشان أن الوزارة تُولي اهتمامًا بتربية النحل في السنوات الأخيرة. ولدى الوزارة برنامجٌ مميز مع جمعية النحالين في جنوب المملكة، ويُعَدُّ دعم مربي النحل ضمن البرامج السبعة التي يدعمها برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة ماليًّا.

في حين تطرق د. حمد البريثن إلى مخلفات الثروة الحيوانية، مثل الشحوم والجلود والصوف والبقايا الأخرى، حيث تساءل: هل هنالك دعم لدراسات الجدوى؟ وفي هذا السياق أوضح د. حمد البطشان أن هناك مبادرةً لإنشاء مركز التميُّز لبحوث الثروة الحيوانية ضمن برنامج التحول الوطني. ويرى د. خالد الرديعان إمكانية أن تقوم وزارة البيئة والمياه والزراعة ببرامج دعم لمَن يودُّون الإفادة من هذه المخلفات في تأسيس ورش أو مصانع لعزل صوف الخراف وشعر الماعز؛ فبيوت الشعر التي نستخدمها في الاستراحات يتم عادة استيرادها من دول أخرى، وأغلب الظن من باكستان أو تركيا. ولا ننسى كذلك أن صناعة السجاد المحلي – وهي صناعة مُعرَّضة للانقراض – تقوم على الصوف، وهو عادة ما يتم التخلص منه مع الجلد، وعلى سبيل المثال: يُذبح في مكة خلال موسم الحج أكثر من مليون حيوان، ومن الهدر التخلص من مخلفاتها.

واقترح د. سليمان الطفيل أن تُخصِّص وكالة الوزارة للثروة الحيوانية ميزانية للمبادرات النوعية ذات الأثر لرفع كفاءة وفاعلية القطاع، كما فعلت المياه والزراعة حاليًّا. ومن جانبه أكد د. حمد البطشان أن هناك خمس مبادرات ضمن برنامج التحول الوطني بجانب مبادرة ضمن برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة بنحو ثلاثة مليارات ريال.

ومن وجهة نظر د. حمد البريثن، فإنه لو اعتمدت الوزارة مبالغ مخصصة لدراسات الجدوى، ودعمت الأقسام الإدارية والعلمية للقيام بتلك الدراسات، مع وجود طلاب دراسات عليا، بالإضافة إلى تقديم الدعم اللوجستي وتوفير الإحصائيات؛ لكان مستوى ريادة الأعمال بتلك الدراسات مرتفعًا جدًّا. لكن د. حمد البطشان أوضح بدوره أن الوزارة تدعم الأبحاث، ولديها عقود موقَّعة مع أربع جامعات بمبلغ يفوق 105ملايين ريال، كما تدعم طلاب الدراسات العليا، أما دراسات الجدوى فالمستثمر الذي يرغب يجب أن تكون لديه الملاءة المالية، وأقلها قيمة الدراسة.

وفيما يتعلق بمدى وجود إستراتيجية مستقلة للثروة الحيوانية، ذكر د. حمد البطشان أن لها بالفعل إستراتيجية مستقلة ضمن قطاع الزراعة؛ فلا يمكن لكل قطاع بالوزارة عمل إستراتيجية منفصلة، حيث تشتمل الوزارة على ثلاثة قطاعات تحتاج أن تكون متجانسةً داخلها وبين القطاعات inter and intra؛ فلا يمكن مثلاً للزراعة أن تعمل إستراتيجية بدون أن تكون متكاملةً مع إستراتيجية الثروة الحيوانية، كما لا يمكن عمل إستراتيجية للبيئة بمعزل عن الزراعة أو المياه، والعكس.

وذكر د. سليمان الطفيل أن المنشآت بشكل عام تعاني من رسوم المقابل المالي للعمالة وغيرها من الرسوم، وكذلك سياسة تطبيق السعودة، والسؤال: كيف ساهمت الوزارة في دعم المنشآت الزراعية عمومًا، ومنشآت الثروة الحيوانية بصفة خاصة، للتكيُّف مع المرحلة الجديدة؟ وبدوره أوضح د. حمد البطشان أن الوزارة سعت مع وزارة العمل من أجل عدم فرض رسوم على المزارعين ومربي الثروة الحيوانية الذين لديهم حتى عدد 6 عاملين، كما صُرِّح للجمعيات باستقدام العمالة الموسمية وتأجيرها.

أيضًا، فقد تساءل د. سليمان الطفيل: ماذا عن دور الحلول التقنية والتطبيقات الإلكترونية في تطوير الثروة الحيوانية في المملكة وسُبل التعامل معها، وبخاصة سلسلة الكتل أو ما يُعرف بتقنية البلوك تشين، لتسهيل الإجراءات ومتابعتها بدلاً من الإجراءات الإدارية التقليدية؟ وفي هذا الإطار، ذكر د. حمد البطشان أنه مع تحوُّل أسواق النفع العام (الأسواق والمسالخ) من وزارة الشؤون البلدية والقروية، وقد بدأت وزارة البيئة والمياه والزراعة الاستعداد لذلك باستخدام blockchain لإدارة القطاع، ومنها نظام التتبُّع والشفافية traceability. وترى الوزارة في البلوك تشين والذكاء الاصطناعي فرصةً كبيرة لتحسين وتنمية الثروة الحيوانية.

ʘ       برامج دعم قطاع الماشية:

انطلاقًا مما أشار إليه د. حمد البطشان في الورقة الرئيسة بخصوص الاحتياج للإنتاج الحيواني الذي يستلزم التحوُّل من التربية التقليدية إلى تربية مهنية، تساءل د. علي الحارثي: كيف ستكون هذه التربية المهنية؟ وهل تعني إيجاد شركات متخصصة أو أسلوب آخر؟ وما مآل التربية التقليدية؟ وما الوقت المُقدَّر لهذا التحوُّل وكذلك التكاليف المادية؟

وفي هذا الصدد أوضح د. حمد البطشان أن تنمية قطاع الماشية يشترط تحوُّله إلى قطاع مستدام غير مُهدِر للمياه، والاعتقاد أن ذلك ممكنٌ حسب الدراسات التي أعدتها الوزارة، والنجاح يكمن في إشراك أصحاب المصلحة (مربي الماشية). كذلك فيما يتصل بقطاع الماشية، فإن الوزارة تسعى إلى العمل مع صغار مربي الماشية للعمل المهني بدلَ التقليدي، والوقت المُقدَّر هو سبع سنوات؛ أما الميزانية المقدَّرة لهذا التحول فهي بحدود مليار ريال بالاعتماد على برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة. واليوم يوجد نحو 150 ألف مربي تقليدي، ولن تتخلى الوزارة عنهم بل سيتم العمل معهم؛ والهدف أن تكون تربية المواشي مهنة، كما تسعى الوزارة إلى إيجاد مصدر دخل لمَن يعمل في هذا القطاع عندما يتقدم به العمر.

ومن جديد تساءل د. علي الحارثي: ما هو أسلوب مهنة تربية الماشية ومتطلباتها (تراخيص، شروط، أعداد، نوع الغذاء، وغير ذلك)؟ وبدوره ذكر د. حمد البطشان أن العامل بهذه المهنة يُدرج في وزارة العمل شأنه شأن المهن الأخرى، ويُمنح وثيقة العمل الحر، وذلك وفقًا لما أعلنته وزارة البيئة والمياه والزراعة مؤخرًا بالتعاون مع وزارة العمل.

وعقَّب د. سليمان الطفيل بأنه ورد ضمن الشروط: ألا يشغل المتقدم أي وظيفة في القطاع العام أو الخاص وألا يكون طالبا، لكن هذا الشرط حجَّر واسعًا على ممتهني تربية الماشية أو الحيوانات والطيور؛ فنظام وثيقة العمل الحر تُعطى لأي مواطن، سواء كان موظفًا في قطاع عام أو خاص أو في قطاع غير ربحي أو متقاعدًا أو طالبًا، فلماذا هذا التضييق؟ ومن جانبه أوضح د. حمد البطشان أنه تم استبدال شرط “ألا يكون طالبا” بأن يكون العمر 21 سنة؛ حيث يمكنه العمل ولا أحد يمنعه؛ لكن الإعانات تُمنح للمستحقين فقط حسب توجيه مجلس الوزراء، وتوجه الدولة بشكل عام “ألا يكون الدعم إلا للمستحقين”.

وبخصوص الخطة الوطنية لتطوير قطاع الماشية، فيوضحها الشكل التالي:

أما ما يخصُّ الصناعة والقطاع الخاص فصندوق التنمية الزراعية يدعم جميع المشاريع التي تتوافق مع إستراتيجية الوزارة؛ كقروض مشاريع الدواجن والألبان والخدمات البيطرية. ويبين الشكل التالي منظومة العمل لتعزيز عمل القطاع:

وذكر د. عبد الله المطيري أن البعض يتداولون أن مربي الماشية يستخدمون حقنًا تُسرع عملية نمو الأغنام ويحقنونها بحقن أخرى ضد الأمراض ويبيعونها مباشرة، فهل هذا صحيح؟ وإذا كان صحيحًا، ما هي إجراءات الوزارة؟ وفي هذا الشأن أشار د. حمد البطشان إلى أنه بالفعل هناك بعض الممارسات السلبية التي تتم، ولكن لحُسن الحظ فإنه يمكن اكتشافها بسهولة لدى المسالخ وتمنع من استهلاكها من قِبل الأمانات (المشرفة حاليًّا على المسالخ). وهذه الأدوية المحفِّزة ممنوع استيرادها من قِبل الهيئة العامة للغذاء والدواء، ويتم تهريبها. وقد خالفت الوزارة بعضًا من الصيدليات والتي تبيعها من تحت الطاولة إثر بلاغات من بعض المواطنين الغيورين. ويمكن اكتشافها بسهولة بعد الذبح، حيث يُلاحظ وجود أثر على الذبيحة، أما في الحيوانات الحية فلا يمكن اكتشافها.

وتساءل د. عبد الله المطيري: هل تم اتخاذ أي إجراء بشأن تنظيم فترات الرعي وزيادة رقعة المحميات الخاصة بالمراعي الطبيعية؟ وهل أمكن الاستفادة من المحميات الخاصة التي تغطي مساحات كبيرة من أفضل مناطق المراعي الطبيعية؟ ومن جهته أوضح د. حمد البطشان أن قطاع البيئة وضمن إستراتيجية البيئة وإستراتيجية الرعي، قد اعتمد مؤخرًا إنشاء خمسة مراكز تهتم بالبيئة، منها مركز مكافحة التصحر، كذلك تم البدء في إنشاء المحميات الملكية.

أما أ.د عثمان العثمان فتساءل: ما دور مكاتب الوزارة في المحافظات في توعية المزارعين ومربي المواشي والمستهلكين؟ وأين دور الجمعيات الزراعية الأهلية؟ وبدوره ذكر د. حمد البطشان أن الموارد المالية سابقًا لم تكن تفي بهذا، وكان التركيز منصبًّا على الإرشاد البيطري فقط. ومؤخرًا تمت الموافقة على برنامج التنمية الريفية والذي تعوِّل عليه الوزارة الكثير في تمويل الخطة الوطنية لتطوير قطاع الماشية. وهناك جهود مبذولة لتحسين عملية الإرشاد ومعالجة أوجه القصور فيه، حيث تطمح الخطة إلى أن لا يكون الإرشاد نظريًّا فحسب، بل المأمول أن يتم الاستثمار في مزارع إرشادية نموذجية لمربي الماشية Hand on experienced

وفي تصوُّر م. سالم المري، فإنه وبغض النظر عما قد يقال عن دقة الإحصائيات حول نسبة السكان المزاولين لمهنة تربية الماشية، إلا أنه لا شك في أن حياة السكان في الجزيرة العربية قد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بتربية الماشية والزراعة منذ القدم، وأصبح هذان النشاطان من العادات والتقاليد؛ ولذلك فإن أي تغيير حقيقي وفاعل يجب أن يعتمد على القدرة على الوصول لشريحة كبيرة من المجتمع وإقناعها أو فرض واقع جديد تقتنع بصلاحيته؛ أي أنه لا بد من تدخل الدولة لتغيير الممارسات الحالية وتوجيهها توجيهًا نافعًا ومسؤولاً، يخدم المواطن (كفرد)، ويُحقِّق أهدافَ الدولة، ويحافظ على البيئة.

وذهب م. سالم المري إلى أن إصلاح قطاع الثروة الحيوانية يعني تحويله من قطاع تقليدي عشوائي مُستنزِف للموارد إلى قطاع مستدام ومُنتِج يعتمد على تربية مهنية منتجة قابلة للاستدامة. وهذا يجب أن ينطلق مما هو موجود حاليًّا ومتوفر من ماشية، والاستفادة منها بطريقة صحيحة بدلاً من الوضع الحالي، حيث يصرف عليها أصحابها والدولة أموالاً طائلة بدون جدوى اقتصادية حقيقية. أما التعويل على الاستثمارات المحلية أو الخارجية في هذا القطاع في المملكة فغيرُ واقعي، إلا إذا قدَّمت الدولة تسهيلات كبيرة تجعل من هذه الاستثمارات عبئًا عليها، وفي النهاية يفشل العمل عند وقف التسهيلات أو الدعم للاستثمارات. وإذا حسبنا أعداد الماشية وقدَّرنا أسعارها، فإنها تعتبر ثروة هائلة مجمدة، والسؤال: كيف يمكن الاستفادة من هذه الثروة المُقدَّرة بالبلايين المجمَّدة أو على الأقل وقف الخسائر والتأثير السلبي على البيئة؟ ويمكن هنا الإفادة من المقترحات التالية:

1- تجميع الماشية الحالية في مجموعات اقتصادية على شكل شركات أو جمعيات تعاونية تملك الدولة فيها سهمًا مسيطرًا (صندوق الاستثمارات العامة)، وتكون مساهمات المواطنين فيها عينية بما يتوفر لديهم من مواشٍ، ويفتح للمواطنين فُرصًا وظيفية في تشغيل وإدارة هذه الجمعيات أو الشركات تحت رقابة وإرشاد الجهات المختصة في الدولة. وبإمكان الدولة بيع أسهمها لاحقًا إذا شاءت.

2-  وضع سياسات تُشجِّع مُلَّاك الماشية على الدخول في هذه التكتلات الاقتصادية دون إجبار أحد.

3- قيام هذه الجمعيات أو الشركات بتوجيه ودعم فني واستشاري من الدولة بتطوير الثروة الحيوانية الحالية، وتحديث التقنيات المستخدمة، والاستفادة بشكل اقتصادي وبتقنية حديثة من جميع منتجات المواشي والصناعات المعتمدة عليها، وتحويلها إلى أصول مربحة.

4-  وقف أي دعم فردي إلا من خلال الكيانات الاقتصادية المقترحة أعلاه.

5-  التشديد على تنفيذ أنظمة حماية البيئة الحالية، ووضع سياسات جديدة لحماية البيئة وتقنين المراعي ومَنْع التصحر.

6-  التشدد في تطبيق عقوبات الاحتطاب والتشهير بالمسؤولين الذين يخلون بذلك.

ʘ       مدى التنسيق بين الجهات ذات العلاقة بتنمية الثروة الحيوانية:

طرح أ.د عثمان العثمان تساؤلاً مؤداه: هل هناك رؤية أو تنسيق تكاملي بين الجهات ذات العلاقة للتوازن بين الغذاء والماء والطاقة؟ وحول هذا ذكر د. حمد البطشان أنه توجد بوزارة البيئة والمياه والزراعة أربع إستراتيجيات متزنة، وهي: البيئة، والماء، والزراعة، والأمن الغذائي. وجميع هذه الدراسات تمت مع أصحاب المصلحة وعُرضت على العموم وتم إقرارها. كما تنسق وكالة البيئة مع وزارة الطاقة. وتعدُّ صناعة الثروة الحيوانية جزءًا من إستراتيجية الزراعة، باعتبار أن إستراتيجية الزراعة تُعنَى بالشقين الحيواني والنباتي.

وتساءل د. سليمان الطفيل: ألا يمكن تصميم إستراتيجية خاصة بالثروة الحيوانية؟ وبدوره أوضح د. حمد البطشان أنه قد تمَّ ذلك بالفعل، ولكن يجب أن نعي أن هذين الفرعين متداخلان فيما بينهما، ولا يمكن عمل أحدهما بمعزل عن الآخر، كما لا يمكن أن يعملا بمعزل عن إستراتيجية البيئة وكذلك إستراتيجية المياه.

وتساءل د. رياض نجم: أليس من المطلوب أن يكون أي دعم لتنمية الثروة الحيوانية في المملكة متوازنًا ومقرونًا مع تقليل الإسراف في استهلاك هذه الثروة ولا سيما اللحوم الحمراء ومصادر المياه والبيئة في المملكة؟ وهل يمكن – مثلاً – أن يُوضع نوعٌ من الضريبة على الاستهلاك غير المسؤول من اللحوم في الاحتفالات والولائم؟ والحجة بأن الزائد منها يُوزَّع على المحتاجين والجمعيات الخيرية غير مقنع وغير عملي؛ لأنه يمكن أن يتم بطريقة أفضل وأكثر تقنينًا. وأشار د. حمد البطشان في هذ الصدد إلى أن هناك دومًا حاجة للموازنة بين الموارد الطبيعية وتنمية الثروة الحيوانية، وهذا ما نصت عليه إستراتيجية الثروة الحيوانية من حيث ضرورة المواءمة مع إستراتيجيتي البيئة والمياه؛ إلا أن الضريبة ربما تكون غير مناسبة، والأفضل ربما التوعية.

ومن جديد أضاف د. رياض نجم أننا حاولنا بالتوعية الحد من: (التدخين، ومشروبات الطاقة، والمشروبات الغازية، والمشروبات المحلاة)، ولم نفلح في ذلك؛ ليس نحن فقط ولكن معظم دول العالم، والضريبة هي إحدى الوسائل الفعالة للحد من الاستهلاك المُفرِط لأي سلعة. ومن الممكن أن نبدأ بالتوعية ثم بفرض الضريبة ولو تدريجيًّا. والإسراف في استهلاك اللحوم لا يقلُّ خطورةً عن بعض هذه المواد. وهذا الإسراف في الغذاء له أضرار اقتصادية وبيئية، بالإضافة للأضرار الصحية.

وذهب أ. جمال ملائكة إلى أن تنمية الثروة الحيوانية إذا كان سيؤثر على مخزوننا من المياه، فهذه قضية خطيرة للغاية. فالمياه ستكون مادةً ربما تُسبِّب حروبًا لنقصها في العالم. واستيراد اللحوم بأنواعها متاحٌ، ومن ثَمَّ فإن أي تأثير على المياه الجوفية يُعدُّ أمرًا خطيرًا جدًّا. حتى اللحوم نستطيع التقليل من تناولها، أما الماء فقضية حياة أو موت.

وعقب د. حمد البطشان بأنه وكما تمَّ التوضيح بالورقة الرئيسة، فإن تنمية الثروة الحيوانية يجب أن تكون مستدامةً حيث ستخفض الوزارة موازنة الزراعة من 21 مليار م3 من المياه إلى 8-10 مليارات م3/عام.

وذهب د. سليمان الطفيل إلى أنه ورد في الورقة الرئيسة أن الوزارة ماضية لتحقيق الاستدامة، حيث إنَّه لن تتوقف الزراعة ولن يتوقف الإنتاج الحيواني؛ وذلك بتحويل غير المستدام إلى مستدام بالتركيز على الميزة النسبية في بعض المناطق، وهذه معادلة صعبة؛ لكن ما هي أبرز المكتسبات الوطنية التي يمكن أن تساهم في تحقيق ذلك؟ وفي هذا الإطار أوضح د. حمد البطشان أنها ليست بالمعادلة الصعبة، وكمثال: فإن وقف زراعة الأعلاف يقابله إنتاج زراعات مكثفة؛ فاستخدام تقنية الهيدروبونيك والأكوابونك يوفِّر 90% من المياه؛ بجانب التحوُّل في أنظمة رعاية وتغذية المواشي من الأعلاف الخضراء إلى الأعلاف الكاملة؛ وزراعة البن والفواكه في جنوب المملكة، والزراعة البعلية في غرب المملكة، وزراعة المدرجات الزراعية من جازان حتى الطائف، والاعتماد على حصاد الأمطار، وتحسين الأصول الوراثية وتقنية الجينوم لرفع إنتاجية الثروة، والاستثمار في الاستزراع السمكي في المياه المالحة. أما بخصوص أبرز المكتسبات الوطنية فهي صدور الأنظمة والتشريعات (الأوامر السامية المختلفة وقرارات مجلس الوزراء) المتعلقة بالزراعة والبيئة والمياه، وتوفُّر بيانات أفضل، وإدراك الرأي العام وقادة هذه البلاد أهم المكتسبات الوطنية التي ستساهم في التحول. لم يكن الأمر يسيرًا، ولكن قيادات الوزارة سعت بقيادة معالي الوزير – منذ دمج الوزارة وولادة وزارة جديدة – نحو أهداف التنمية المستدامة وموازنة القطاعات المختلفة مع مراعاة قدر الإمكان الأثر الاجتماعي. وكمثال، فإن صغار المزارعين ممَّن يملكون ٥٠ هكتارًا أو أقل سُمِح لهم بالاستمرار في الزراعة؛ في حين أن الشركات أُوقِفت وعُوِّضت عن ذلك بالاستثمار الزراعي المسؤول خارج المملكة. مثال آخر، إطلاق برنامج إعادة توجيه الدعم مؤخرًا، والموجه لصغار مربي الماشية، فضلاً عن إطلاق برامج عديدة أخرى للتحول.

ʘ       العيادات البيطرية المتنقلة كنموذج للمشاريع المميزة لقطاع الثروة الحيوانية:

أشار د. حمد البطشان إلى أن وزارة البيئة والمياه والزراعة تستعين بالعيادات البيطرية المتنقلة لتعويض النقص والوصول إلى مربي الماشية في الأماكن النائية، وحاليًّا لدى الوزارة حوالي 180 عيادة متنقلة، وجارٍ توريد 100 عيادة أخرى. لكن الوزارة تعوِّل على التحوُّل في تقديم الخدمات البيطرية من الوزارة إلى الشركة الوطنية للخدمات الزراعية، لتقديم خدمات أفضل مما يتم تقديمه اليوم بسبب قلة الموارد البشرية، حيث تحتاج الوزارة إلى ما لا يقل عن 3000 طبيب بيطري، في حين أن الكوادر اليوم نحو 800 فقط! وأعمال الوزارة تفوق بكثير خدمة مربي المواشي، فهناك حوالي 2000 عيادة بيطرية تحتاج إلى مراقبة وإشراف بجانب حوالي 1200 مشروع دواجن… إلخ. كما تقوم الوزارة بمكافحة نواقل المرض، مثل: حمى الضنك، المتصدع، والبروسيلا، وغيرها من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، إضافةً لمبادرات برنامج التحول الوطني، والمأمول أن يؤدي تخصيص الخدمات إلى تقديمها بصورة أفضل.

 

مقترحات وردت في النقاش:

1- دراسة إنشاء هيئة مستقلة للثروة الحيوانية يرأس مجلس إدارتها وزير البيئة والمياه والزراعة؛ تتولى مهمة تطوير الخدمات، ودعم وتنظيم المنشآت، والتوطين والتنمية والاستثمار لقطاع الثروة الحيوانية بالمملكة.

2- أهمية دعم مشاريع الدواجن، وتذليل العقبات التي تواجه المنتجين في مراحل الإنتاج والتسويق، وحماية هذا القطاع لرفع معدلات مساهمته في الناتج المحلي وتحقيق الأمن الغذائي؛ نظرًا لأهمية قطاع الدواجن ودوره الاقتصادي كونه مُستهدَفًا في برنامج التحول 2020 وفي الرؤية السعودية 2030.

3- إنشاء جمعية تعاونية من مهامها استيراد الأعلاف وبيعها بسعر مناسب، وكذلك إنشاء جمعيات أخرى لتقديم الخدمات اللوجستية لقطاع الثروة الحيوانية.

4-    تعزيز الجهود للمحافظة على السلالات الوطنية الجيدة ذات الأصول الوراثية في الإبل والأغنام والدجاج البلدي.

5- العمل على نقل اختصاص أسواق النفع العام كالمسالخ لوزارة البيئة والمياه والزراعة بدلاً من وزارة الشؤون البلدية والقروية، للاختصاص ولرفع الكفاءة والفاعلية في قطاع الثروة الحيوانية.

6- نظرًا لصعوبة الاستثمار الزراعي في الخارج ومخاطره المتعددة؛ فإنه يُقترح إعادة النظر في قصر الاستثمار المحلي على صغار المزارعين ممَّن يملكون ٥٠ هكتارًا أو أقل، وفتح المجال للشركات كذلك.

7- التشديد على تنفيذ أنظمة حماية البيئة الحالية، ووضع سياسات جديدة لحماية البيئة وتقنين المراعي ومنع التصحر، وعقوبات الاحتطاب.

8- العمل على تطوير قاعدة البيانات والمعلومات الإحصائية المتعلقة بالثروة الحيوانية، ورفع مستوى التنسيق مع الهيئة العامة للإحصاء؛ لجعل الثروة الحيوانية محل اهتمام المستثمرين وجذبهم لهذا القطاع من الداخل أو الخارج.

ʘ          التوصيات:

1-    وضع برنامج زمني لتطبيق إستراتيجية الثروة الحيوانية مع الأخذ في الاعتبار الإستراتيجيات الخاصة بالمياه والبيئة.

2- أن تقوم وزارة البيئة والمياه والزراعة بالتنسيق مع مجلس الجمعيات التعاونية لتنظيم ودعم وتطوير الجمعيات الزراعية المتخصصة في الثروة الحيوانية وخدماتها، وتشجيع جمعيات أخرى لهذا الغرض.

3- أن تقوم وزارة البيئة والمياه والزراعة بتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والقطاع غير الربحي، وتشجيع قيام شركات متخصصة بتطوير واستثمار الثروة الحيوانية لتتولى مهام التطوير والخدمات اللوجستية للقطاع؛ وبخاصة في مجال البيطرة والبحوث والمشاريع، وتولي عمليات التصدير والاستيراد للماشية وتنظيمها، وتشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة بها مع المحافظة على المكتسبات الوطنية.

4- أن تتولى الوزارة ممثَّلة في وكالة الثروة الحيوانية إطلاق هاكاثون الثروة الحيوانية؛ لتشجيع المبادرات وتقديم الأفكار والابتكارات التي تسهم في تنمية القطاع.

5- يجب أن يكون دعم تنمية الثروة الحيوانية متوازنًا ومقرونًا مع الضوابط والجزاءات المنظِّمة لمعالجة مظاهر الإسراف في استهلاك هذه الثروة (ولا سيما اللحوم الحمراء)، ومصادر المحافظة عليها (المياه والبيئة).

6- تجميع الماشية الحالية في مجموعات اقتصادية على شكل شركات أو جمعيات تعاونية تملك الدولة فيها سهمًا مسيطرًا (صندوق الاستثمارات العامة)، ووضع السياسات المناسبة لذلك، وتكون مساهمات المواطنين فيها عينية بما يتوفر لديهم من مواشٍ، ويفتح للمواطنين فُرصًا وظيفية في تشغيل وإدارة هذه الجمعيات أو الشركات تحت رقابة وإرشاد الجهات المختصة في الدولة. وبإمكان الدولة بيع أسهمها لاحقًا إذا شاءت.

7- أن تسعى الوزارة إلى تطوير وسائل التقنية الحديثة وبخاصة تقنية البلوك تشين والتطبيقات الإلكترونية المتخصصة، لتسهيل المعاملات والإجراءات لمواكبة روح العصر ومستقبل المعرفة.

8- تشجيع ودعم المستثمرين على الاستثمار في الاستزراع المائي والاستزراع السمكي من خلال تقنية الهيدروبونيك والأكوابونيك لتحقيق مفهوم الزراعة الرشيدة.

المشاركون في مناقشات هذا التقرير

(حسب الحروف الأبجدية)

  • د. رياض نجم (رئيس الهيئة الإشرافية)
  • د. إبراهيم إسماعيل عبده (مُعِدُّ التقرير)
  • د. إبراهيم البعيز
  • م. إبراهيم ناظر
  • د. أحمد طومان
  • م. أسامة الكردي
  • أ. بسمة التويجري
  • د. الجازي الشبيكي
  • أ. جمال ملائكة
  • د. حامد الشراري
  • د. حمد البريثن
  • د. حمد البطشان
  • د. حمزة بيت المال
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. خالد الرديعان
  • د. خالد الفهيد
  • د. راشد العبد الكريم
  • د. زهير رضوان
  • د. زياد الدريس
  • م. سالم المري
  • د. سعد آل سعود
  • د. سعيد العمودي
  • د. سليمان الطفيل
  • د. صدقة فاضل
  • د. عائشة الأحمدي
  • أ. عبد الله الضويحي
  • د. عبد الله العساف
  • د. عبد الله المطيري
  • د. عبد الله بن صالح الحمود
  • د. عبير برهمين
  • د. عثمان العثمان
  • د. علي الحارثي
  • د. فايزة الحربي
  • أ. فائزة العجروش
  • د. فهد اليحيا
  • د. فوزية البكر
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد الملحم
  • د. مرام الحربي
  • د. مساعد المحيا
  • د. مسفر الموسى
  • د. مشاري النعيم
  • د. مها العيدان
  • د. منصور المطيري
  • أ. منى أبو سليمان
  • د. وفاء طيبة (رئيسة لجنة التقارير)
  • أ. وليد الحارثي

تحميل المرفقات: report55.pdf

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com