لتحميل التقرير اضغط هنا


نوفمبر 2020

 

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر نوفمبر 2020 م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • مضاعفة أعداد سكان مدينة الرياض من منظور التنمية المتوازنة.
  • المساعدات الخارجية للمملكة: التحوُّل المنشود.
  • قمة مجموعة العشرين (G20): الرياض 2020.
  • الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات.

القضية الأولى

مضاعفة أعداد سكان مدينة الرياض من منظور التنمية المتوازنة

(8/11/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. مشاري النعيم
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: م. خالد العثمان
  • التعقيب الثاني: أ. علاء برادة (ضيف الملتقى) (*)
  • إدارة الحوار: د. عبد الله المطيري

 

  • الملخص التنفيذي:

أشار د. مشاري النعيم في الورقة الرئيسة إلى أن النجاح الباهر الذي حقَّقته دُبي من خلال زيادة سكانها الكونيين والذي صاحبه تطوُّر عقاري غير مسبوق في مطلع الألفية الثالثة، أدَّى إلى ظهور مصطلح “الدبينة”؛ أي محاولة تكرار نموذج دبي من قِبل مُدن خليجية وإقليمية وعالمية.  ورغم أن الرياض في تلك الفترة كانت تراقب دبي من كثب، وكان مَن يديرها يتطلعون إلى نموذج دبي كمثال يُحتذَى، إلا أن تجربة الرياض كمدينة كبيرة ومكتظة بالسكان المواطنين، كانت بحاجة إلى فكر مختلف وأسلوب في التطوير يركِّز على المواطن بدلاً من استيراد السكان؛ ومع ذلك لم تكن الرياض بحاجة إلى زيادة في عدد سكانها.

في حين ذهب م. خالد العثمان في التعقيب الأول إلى أن مشكلة التنمية العمرانية في المملكة عمومًا أنها تنقاد لفكر عقاري مستحوذ، نرى أثره على مجمل مستويات التنمية والتخطيط في المدن السعودية. ولعله من الغريب استمرار سيطرة الرؤية العقارية على التنمية العمرانية بالرغم من ظهور بوادر ومؤشرات عديدة من الفشل والتعثر. والخشية هنا أن تكون هذه الرؤية هي الدافع الحقيقي وراء تبنِّي توجُّه مضاعفة عدد السكان في مدينة الرياض.

بينما تطرق أ. علاء برادة في التعقيب الثاني إلى أنه عندما نتحدث عن المدن المكتظة، فإن أول المخاوف التي تتبادر إلى الذهن تتعلق بمسألة التوازن بين الإرث الحضاري والتاريخ الذي تملكه هذه المدن من جهة، وبين الاستفادة من التقنيات الحديثة والابتكار من جهة أخرى. وتم التأكيد في هذا السياق على أن التسارُع التقني والابتكار في مجال البناء الذي بات واضحًا للعيان يجب أن يُفسح المجالَ لمزيد من التأمل في سبيل الخروج بأفكار مبتكرة، لا أن يتحول إلى عائق يسمح للآلة بالسيطرة على قرارات البشر في سبيل سرعة الإنجاز.

وتضمَّنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • واقع النمو السكاني في مدينة الرياض.
  • مخاطر النمو السكاني المتزايد في مدينة الرياض.
  • وسائل مواجهة تحديات النمو السكاني في مدينة الرياض.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • إشراك ذوي الاختصاص من جميع التخصصات ذات العلاقة وأصحاب المصالح وممثلين عن المواطنين من مختلف الفئات العمرية والثقافية والاقتصادية للمشاركة في التخطيط المستقبلي لمدينتهم.
  • الأخذ في الاعتبار الحرص على التنمية الشاملة والمستدامة لظهير المدينة الزراعي، خاصة المتمثِّل في محافظات جنوب الرياض وغربها.
  • تأكيد وتوحيد الجهود على كل مستويات أجهزة الدولة لتنسيق خُطط التنمية المناطقية، والسعي إلى تحقيق التنمية المتوازنة، والبُعد عن استقطاب وتركيز التنمية في المدن الرئيسية على حساب بقية مدن المملكة.

 

  • الورقة الرئيسة: د. مشاري النعيم

المدن عبارة عن أنظمة معقدة، تجمع معًا آلافَ الخيوط الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية التي تؤثر على رفاهية الفرد والمجتمع. تقوم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، (وهي منظمة دولية تعمل على بناء سياسات أفضل من أجل حياة أفضل)، على صياغة السياسات التي تعزِّز الرخاء والمساواة والفرص والرفاهية للجميع بتجربة ميدانية تصل إلى ما يقرب من 60 عامًا من الخبرة والأفكار لإعداد عالم الغد بشكل أفضل.  بشكل عام، تغطي المناطق الحضرية نحو 4٪ فقط من الأرض، ولكنها تمثِّل نصف السكان تقريبًا، وتقترب من 55٪ من الناتج المحلي الإجمالي.  لذلك، فإن سكان العالم يتأثرون بنمو سكان المدن والمناطق الحضرية، ومن الواضح أن تركُّز الأعمال والوظائف والفرص الاقتصادية ينحاز بشدة إلى السكن في المناطق الحضرية مقارنةً بالريف.  في عام 1950 كان سكان المدن أقل من مليار، وسوف يصل إلى ما يقرب من 6 مليارات في عام 2050م، حسب ما أكدته إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة عام 2014م. ومن الواضح أن هناك تسارعًا كبيرًا في زيادة عدد سكان المدن في مطلع الألفية الثالثة؛ ففي كثير من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، زاد عدد السكان في المناطق الحضرية بنسبة 12.5٪ من عام 2000 إلى عام 2014م.

لا أحد ينكر ما لعدد السكان من تأثير على التنمية، فأينما يتواجد البشر يتواجد الحراك الاقتصادي. على أنني سأبدأ هذه الورقة بالدعوات المتزايدة التي صرنا نسمعها مؤخرًا حول مضاعفة عدد سكان مدينة الرياض إلى الضعف تقريبًا؛ أي إلى ما يقارب 15 مليون نسمة خلال الأعوام القليلة القادمة، وهذا في حد ذاته يدعو إلى التساؤل، كون توسُّع المدينة على ما يوحي به من حراك اقتصادي، إلا أنه مُكلِّف جدًّا على مستوى تشغيل المدينة وإدارتها. الرياض – على سبيل المثال – تقع في وسط الصحراء، والتغذية الحيوية التي تبقيها على قيد الحياة مستوردة من الأطراف خصوصًا الماء والطاقة؛ وبالتالي فإن أي توسُّع عمراني يعني مزيدًا من الضغط على الموارد الأساسية لتشغيل المدينة وإدامتها. قد يثير البعض أسئلةً مباشرةً تُشكِّك في هذه المخاوف المنطقية المبنية على المشاهدات المباشرة، ويقول دعونا نغوص في التفاصيل التي تبرِّر توسُّع المدينة والدخل المتوقع أن تُحقِّقه في المستقبل.

في سبتمبر من العام 2000م، قمتُ بعمل دراسة ميدانية على مدينة دبي (تمَّ نشرها في مجلة البناء، عدد سبتمبر 2000م؛ مما يعني أن الدراسة بدأت قبل شهر سبتمبر بعدة شهور)، والتقيتُ آنذاك بأحد المسؤولين في بلدية دبي، وذكر لي بانزعاج أن خُطة المدينة هي زيادة عدد السكان من مليون إلى 3 ملايين نسمة. في ذلك الوقت، كانت دبي في بداية تحوُّلها إلى مدينة جاذبة، وكان برج العرب والجميرة بيتش وأبراج الإمارات على وشك الانتهاء، وبعضها افتُتح قريبًا، وكانت فكرة المرسى الغربي مجرد أفكار على الورق؛ لكن دبي استمرت في التنمية العمرانية، وبدأت في استقطاب السكان الكونيين العابرين للقارات، وأنشأت أنظمةً وقوانين تتلاءم مع التوجُّهات الجديدة لحكومة الإمارة. كان انزعاج مسؤول البلدية ثقافيًّا وسياسيًّا في آن واحد؛ فمن الناحية الثقافية كان يرى أن استيراد السكان سيطمس الهويةَ المحلية ولن تعودَ دبي مدينة أهل دبي، ومن الناحية السياسية كان يرى أن هناك مخاطر كبيرة في التوسُّع في المدينة وبيعها للأجانب، فقد يطالبون في يوم بحقوق سياسية لم تكن في الحسبان.  ويمكن أن نضيف مخاوف اقتصادية، فمثل هذه المكونات الحضرية القائمة على توازن السوق الاقتصادي لا تتحمل الهزات الكبيرة.

النجاح الباهر الذي حققته دبي من خلال زيادة سكانها الكونيين، والذي صاحبه تطوُّر عقاري غير مسبوق في مطلع الألفية الثالثة – أدَّى إلى ظهور مصطلح “الدبينة”؛ أي محاولة تكرار نموذج دبي من قِبل مُدن خليجية وإقليمية وعالمية؛ مما ولَّد بعد ذلك تململًا من الجيران، صاحَبه حراكٌ محموم في العديد من المدن الخليجية التي حاولت أن تُقلِّد دبي بشكل أو بآخر، وما صاحَب ذلك من استيراد للسكان وتخلخل في البنية الثقافية لتلك المدن. ورغم أن الرياض في تلك الفترة كانت تراقب دبي من كثب، وكان مَن يديرها يتطلعون إلى نموذج دبي كمثال يُحتذى؛ إلا أن تجربة الرياض كمدينة كبيرة ومكتظة بالسكان المواطنين كانت بحاجة إلى فكر مختلف وأسلوب في التطوير يركز على المواطن بدلاً من استيراد السكان. ومع ذلك، لم تكن الرياض بحاجة إلى زيادة في عدد سكانها، لكن أذكرُ أنني دُعيت إلى ورشة عمل لمناقشة المخطط الإستراتيجي لمدينة الرياض، وكان ذلك على ما أذكرُ في 2003م، وانتقدتُ الرغبةَ الجامحة لدى القائمين على المخطط لزيادة عدد سكان المدينة إلى 7 ملايين نسمة مع حلول العام 1442هـ؛ أي العام الذي نعيشه الآن.  لقد انتقدتُ هذه الرغبة في مقالة نشرتها جريدة اليوم في ذلك الوقت بعنوان “الرياض عام 1442هـ”، وأكدتُ أن الرياض ليست بحاجة إلى توسُّع عمراني وسكاني، بل تحتاج إلى إعادة نظر في البنية العمرانية والاقتصادية القائمة.

على أن الأزمة المالية عام 2008م غيَّرت كثيرًا من المفاهيم حول “الدبينة”؛ فقد واجهت دبي أزمةً مالية كبيرة في ذلك العام اضطرت معها أن تتنازل عن جزء من أحلامها وحتى عن واقعها، وظهرت في ذلك الوقت مجموعة من المصطلحات المهمة على مستوى التخطيط للمدينة، مثل: “المدينة الهشة” Fragile City ، و”المدينة القادرة على إعادة التشكُّل” Resilient City ، وكانت الأسئلة المطروحة هي: كيف يمكن أن تصمد المدن أمام الأزمات الاقتصادية؟ وكيف يمكن أن تستعيد حيويتها وتبدأ من جديد؟ ويبدو أن المخاوف الكبيرة التي كانت تواجهها المدن الخليجية قاطبة هي: ماذا لو تقلَّص النشاط الاقتصادي في تلك المدن وهجرها سكانها، فهل ستُصبح مُدن أشباح؟ شكَّلت هذه الأسئلة المؤرقة حوارًا واسعًا بين المهتمين في دول الخليج، وتمَّت مناقشتها في أحد ملتقيات التنمية لدول الخليج الذي أُقيم في نفس العام (2008م). ربما لم يحدث شيء من تلك المخاوف لمدن الخليج العربي، لأنه ولحُسن الحظ ارتفعت أسعار النفط بشكل لافت؛ الأمر الذي وفَّر سيولةً نقدية تجاوزت بها دول المنطقة الأزمة المالية، ولكن “هل كل مرة تسلم الجرة؟ فالتوسُّع السكاني والعمراني يصنع “وهم النمو الاقتصادي”، بينما هذا النمو لا يصمد أمام أول هزة اقتصادية.

تشير الدراسات إلى أنه مع استمرار المناطق الحضرية والسكان الحضريين في النمو، سيزداد حجم وتأثير أي صدمات وضغوط يواجهونها. فالمدن عادة ما تتعرض لمجموعة متنوعة من الصدمات والضغوط، مثل: التغيير الهيكلي الصناعي (مثل نقل أو إغلاق الشركات الرئيسية في المدينة)، الأزمة الاقتصادية (مثل الأزمة المالية العالمية في 2007/2008، وأزمة الديون الأوروبية منذ 2009)، تدفق السكان، الكوارث (مثل الزلازل والفيضانات والأعاصير)، تعطُّل إمدادات الطاقة وتغيير القيادة. على سبيل المثال، سجَّلت 175 منطقة حضرية من بين 281 منطقة حضرية تابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أدنى معدل نمو في إجمالي الناتج المحلي في عام 2009، و55 منطقة حضرية في عام 2008م. ويبدو أن هذه الكوارث والأزمات تثير مسألةً مهمة حول زيادة عدد سكان المدن والمناطق الحضرية المتسارعة في هذا القرن؛ حيث سيكون ثُلثا العالم من سكان المدن؛ وهو ما يعني اعتماد مناطق صنع الغذاء (الزراعة) على الآلة وتقلص المناطق الريفية في أغلب بقاع الأرض.

هذا التوجه الذي يبدو أنه مُغرٍ للكثيرين يصعب إيقافه؛ مما يعني أننا سنواجه المزيدَ من المدن الهشة التي سيكون من الصعب عليها التعايش مع الأزمات.  مؤخرًا، ظهرت قضية “المدن المتكيفة” أو المرنة Resilient Cities كتوجُّه مهم في الدراسات الحضرية المعاصرة، فهناك إحساسٌ عميق أن المدينة بتوسُّعها غير المسبوق تحتاج أن تكون قابلةً للتكيُّف للاتساع والانكماش سواء على مستوى بنيتها التحتية أو بنيتها الفوقية، وأن تكون قادرةً على استيعاب السكان الجُدد المهاجرين لها، وكذلك القدرة على التعامل مع خسارة هؤلاء السكان في حالة التغيُّر الاقتصادي أو حدوث كوارث بشكل أو بآخر.

 

التعقيبات:

  • التعقيب الأول: م. خالد العثمان

يبدو لي أن كاتب الورقة آثر بذكاء أن يكتفي بوضع أرضية تنظيرية تمهيدية شاملة لمناقشة هذه القضية دون أن يخوض في تفنيد هذا التوجه في حالة مدينة الرياض وإبراز تبعاته وآثاره.

نموذج دبي وفكرة “الدبينة” التي تحدَّث عنها د. مشاري هي فعلاً محل اعتبار وتمحيص. ولعله من المهم التنويه إلى الفوارق الكبيرة بين الرياض ودبي من جهة التركيبة السكانية والهوية الثقافية والمكونات الاقتصادية، علاوة على أن تأثير الاستقطاب الذي مارسته دبي على محيط الدولة لم يكن ولن يكون مماثلاً لتأثير الاستقطاب الذي ستحدثه الرياض إنْ هي مارسته فعلاً على محيط المملكة وبقية المدن فيها. فالرياض بوضعها الراهن تضمُّ رُبع عدد سكان المملكة، وتستحوذ على ما يُقدَّر بنصف الحراك الاقتصادي فيها، علاوة على أنها تستحوذ بالفعل على نسبة كبيرة من الوظائف المستحدثة خصوصًا في القطاع الحكومي، ونحن نشهدُ بالفعل ما يشبه هجرة الكفاءات من مدن رئيسية مثل جدة والدمام إلى الرياض، وليس فقط من مدن ومحافظات صغرى. هذا بدون أن تبدأ سلطات إدارة المدينة بعدُ بتبنِّي سياسات موجهة لتحقيق رؤية مضاعفة عدد السكان، ولنا بذلك أن نتصور مقدار التأثير الذي يمكن أن يقع على بقية مدن المملكة.

مشكلة التنمية العمرانية في المملكة عمومًا أنها تنقاد لفكر عقاري مستحوذ، نرى أثره على مجمل مستويات التنمية والتخطيط في المدن السعودية. ولعله من الغريب استمرار هذا النهج من سيطرة الرؤية العقارية على التنمية العمرانية بالرغم من ظهور بوادر ومؤشرات عديدة من الفشل والتعثر في جودة الأحياء والتجمعات السكانية، أو حتى في المدن الجديدة التي ما زالت تكابد لتنهض من عثراتها التي استنزفت وأهدرت كثيرًا من أموال المستثمرين والممولين. والخشية هنا أن تكون هذه الرؤية هي الدافع الحقيقي وراء تبني رؤية مضاعفة عدد السكان في مدينة الرياض، خصوصًا وأنها تأتي من ذات القيادات التي تبنت منهجًا مماثلاً في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، مع ضرورة الإشارة إلى البون الشاسع بين هاتين المدينتين بكل المقاييس والمعايير والأدوات.

في الحقيقة، صدور إعلان هذه الرؤية من الهيئة الملكية لمدينة الرياض هو مثار استغراب خاصة من قِبل العارفين بطبيعة الرؤية والمهام التي اضطلعت بها الهيئة منذ تأسيس جهازها التنفيذي قبل حوالي 40 سنة. حيث كانت الهيئة دومًا تتبنى في برامجها التنفيذية إلى حد كبير سياسات الدولة المُعلَنة الساعية إلى تحقيق مفهوم التنمية المتوازنة، والتي عبَّرت عنها وثيقة إستراتيجية التنمية المتوازنة التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر قبل حوالي 30 عامًا. ويأتي الإعلان الجديد في بداية عهد جديد من عمر الهيئة بقيادات جديدة، وحتى اسم جديد هو “الهيئة الملكية لمدينة الرياض”؛ وهو ما يثير تساؤلات حول الأسس التي بُنيت عليها هذه الرؤية، وما إذا كانت قائمةً على دراسات عميقة وتحليل منهجي شامل، أم أنها مجرد فكرة جميلة برَّاقة خرجت في خِضمِّ الحماس التنافسي المُذهل الذي يُحيط أجواءَ منتدى دافوس العالمي الذي شهد المرةَ الأولى التي يخرج فيها تصريح رسمي حول هذه الرؤية الجديدة. البعض يقولون إنها لا تعدو أن تكون فكرةً تسويقية براقة لن تجدَ طريقَها للتحقيق، وستذوب مثل غيرها من الأفكار غير الواقعية. وقد أتفقُ مع هذا الطرح بشكل عام، غير أني أتخوف كثيرًا من التكلفة التي يمكن أن نتكبدها قبل أن نكتشف خطأ هذا التوجه، وما هي فداحة الضرر الذي يمكن أن يحدث على المدينة وسكانها ومستقبلها قبل أن يقرر مسؤول آخر تصحيح هذا المسار، خصوصًا وأن الحديث يدور حول تقديرات تبلغ 800 مليار ريال كتكلفة للاستثمار والتنمية لتحقيق هذا الهدف، وهو رقم فلكي يُضاف إلى الأرقام الأخرى التي تسعى الدولة لاستقطابها واجتذابها لتحقيق خُطط تنمية المشروعات التنموية الكبرى الأخرى عبر خارطة المملكة، بما فيها مشروعات نيوم والبحر الأحمر وأمالا والسودة وغيرها.

وثمةَ نقطةٌ مهمة أجدها غائبةً عن منهج التخطيط التنموي والعمراني في المملكة، وهي قضية المشاركة الشعبية في التخطيط. ففي المجتمعات الغربية توصلت كثير من الأجهزة القائمة على إدارة المدن وتنميتها إلى حتمية تفعيل المشاركة المجتمعية في صياغة خطط التنمية والتخطيط على كافة المستويات بدءًا من التخطيط الإقليمي نزولاً إلى تخطيط الأحياء، وحتى تصميم المشروعات النوعية. هذا المنهج يقوم ليس فقط على تفعيل دور المجتمع بوصفه عنصرًا فاعلًا مؤثرًا على البنية العمرانية ومتأثرًا بها، ولكن أيضًا لتفعيل دور المجتمع في خُطط التنمية وخلق الوظائف وجذب الاستثمار والانسجام التام بين مختلف طبقات المجتمع وأجهزته لتحقيق النجاح المأمول.

وفي الختام، يمكن التوصية بتبني منهج المشاركة الشعبية في التخطيط العمراني، وتوظيف دور الجامعات وكليات العمارة والتخطيط التي تضمُّ نُخبًا من الطاقات المهنية والعلمية التي استثمرت الدولة كثيرا في تأهيلهم، عوضًا عن الاتكال على الأفكار المستوردة في حقائب الشركات الاستشارية الأجنبية التي عاثت كثيرًا من الفوضى في منظومة التنمية.

 

  • التعقيب الثاني: أ. علاء برادة (ضيف الملتقى)

عندما نتحدث عن المدن المكتظة، فإن أول المخاوف التي تتبادر إلى الذهن قد تكون مسألة التوازن بين الإرث الحضاري والتاريخ الذي تملكه هذه المدن من جهة، والاستفادة من التقنيات الحديثة والابتكار من جهة أخرى.

أقول ذلك لأنني أعلم أن هذا الإرث قد تشكَّل عبر سنوات وأحيانًا قرون طويلة. ومع ذلك، فأنا أتفهم رأي البعض ممن يضع نُصب عينيه التفكير بواقعية، فيجيء على قائمة الأولويات لديه الاهتمام بجاهزية البنية التحتية لهذه المدن، والتي تنعكس بطبيعة الحال على قدرتها الاستيعابية.

قد يكون ذلك منطقيًّا في حال التفكير التقليدي، لكننا يجب ألا ننسى أيضًا أن رواد التقنية في عصرنا الحالي لديهم رؤية مختلفة دائمًا للأمور، بما في ذلك بالتأكيد مسألة المدن ومستقبلها. فعندما عرض بيل جيتس أفكاره في سبيل حل معضلة الصرف الصحي في المدن الفقيرة، ركَّز على فكرة الحد من كُلفة الاستثمارات العالية. هذه النظرة المغايرة لصورة البنية التحتية في مدن المستقبل لا بد وأن تفتح مداركنا على آفاق جديدة نبني عليها نماذج مدن المستقبل.

من جهة أخرى، فإن التسارُع التقني والابتكار في مجال البناء الذي بات واضحًا للعيان يجب أن يُفسح المجالَ لمزيد من التأمل في سبيل الخروج بأفكار مبتكرة، لا أن يتحول إلى عائق يسمح للآلة بالسيطرة على قرارات البشر في سبيل سرعة الإنجاز. إذا كنَّا نسمع بنماذج البناء عبر تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، والتي بدأ يتم تفعيلها فعليًّا، فإننا في ذات الوقت نخشى أن تتحول الأحياء في هذه المدن مع السعي السريع للتوسُّع إلى أحياء متشابهة ومجرد نُسخ مكررة من بعضها.

على صعيد آخر، فنحنُ نعلم أن بعض المدن حول العالم تبقى جاذبةً دون غيرها لعدة فئات من المجتمع، وما ذلك إلا بسبب التركيز على الهوية المحلية والحذر الشديد من الانسلاخ عنها. وبالنسبة لمدينة الرياض، فقد استطاعت مؤخرًا جذب الأنظار على الصعيد الدولي، وهو الأمر الذي يدفعنا لنكون أكثر تركيزًا واهتمامًا في خُطط التوسُّع التي تستقطب جميعَ الفئات. ينبغي أن تسير هذه العملية مع تركيز شديد على خدمة السكان وتهيئة سُبُل العيش الرغيد للجميع، وهنا يكمن دور التشريعات التي ستُحدِّد معايير الخدمة المُقدَّمة للجميع.

كما أن الظروف التي مرَّت بها البشرية خلال العام الجاري ستدفعنا للتساؤل حول مستقبل البنايات الشاهقة داخل المدن التي أخذت في الرواج بشكل لافت خلال العقد الماضي. التباعد الاجتماعي فرض أسلوبَ حياة بشكل جديد، ولا سيما في مجال الأعمال. فخلال الشهر الماضي على سبيل المثال، بدأت ترد بعض الأخبار التي تشير إلى توجُّه كثير من الموظفين حول العالم للعيش في مدن مختلفة مع السماح بالعمل عن بعد. كل هذه الأمور تعيدنا إلى الجوهر، وهو أنسنة المدن، والعمل على أن تكون قابلةً للحياة الكريمة لجميع الأطياف.

إضافةً إلى كل ما سبق، فإن هذه المدن لا بد وأن تتكيَّف مع الوتيرة الجديدة للصناعة. النقل – على سبيل المثال – تطوَّر بشكل ملحوظ وخلال سنوات قليلة فقط، وربما نشاهد المركبات ذاتية القيادة في شوارع كثير من المدن حول العالم. لذلك، ستلعب البنية التحتية التي تأخذنا للمستقبل دورًا كبيرًا في تحديد مسار كثير من المدن؛ فإما أن تكون الحياة أكثر سهولةً ويُسرًا، وإما أن تقع في مأزق الحاجة إلى استثمارات جديدة خلال فترة قصيرة فقط.

 

  • المداخلات حول القضية:
  • واقع النمو السكاني في مدينة الرياض:

ذكر د. عبد الله المطيري اعتمادًا على عدد من المصادر المبيَّنة أن السكان في مدينة الرياض في زيادة مطردة، وهو ما تكشفه الأرقام التالية حول نمو سكان مدينة الرياض خلال الفترة (1342- 1437هـ) (1924- 2016م):

هجري         ميلادي   عدد السكان         المصدر

1342         1924   30.000             يوسف ياسين

1380         1960   160.000          مكتب تخطيط المدن بعد أن عدله دوكسياديس (الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض)

1392         1972   420.000          دوكسياديس

1398         1978   760.000          الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض

1407         1987   1.389.000      الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض

1417         1997   3.100.000      الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض

1427         2006   4.600.000      الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض

1437         2016   6٫506٫700      الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض

ووفقًا لنتائج آخر دراسة قامت بها الهيئة العليا لمدينة الرياض عام 1437هـ، نجد أن معدل النمو السكاني لمدينة الرياض خلال الفترة من 1431-1437هـ بلغ (4%). ويُشكِّل السكان السعوديون في مدينة الرياض نسبة (64.19%). وهاجر إلى مدينة الرياض من مختلف مناطق المملكة خلال الفترة (1425-1437هـ) ما يقرب من (276000) ساكنٍ جديد، بمتوسط سنوي (23000) ساكنٍ جديد، ويقل عن الفترة ما بين (1417-1425هـ) حيث كان المتوسط السنوي (32500) ساكنٍ جديد (*).

وأشار د. عبد العزيز الحرقان إلى أن من الملاحظ أن نسبة ارتفاع عدد سكان الرياض (والمدن الكبرى) تتجاوز نسبة النمو السكاني الطبيعي؛ مما يدل دلالة واضحة على الهجرة الداخلية للمدن الكبرى. والمشكلة تاريخية ومتعلقة بتطور مدن المملكة الاقتصادي والاجتماعي. والملاحظ كذلك أن حلول زيادة عدد السكان في مدن المملكة وخاصة في مدينة الرياض ركَّزت على حلول لمشكلة زيادة عدد السكان المحلية، وليست حلًّا للمشكلة الحقيقية وهي الهجرة.

وطرح د. عبد الله المطيري تساؤلًا مفاده: ما هي عوامل جذب مدينة الرياض؟ وفي هذا الإطار، أوضح د. مشاري النعيم أن أبرز عوامل الجذب تتمثل في السكان والجغرافيا؛ حيث إنَّ موقع مدينة الرياض والخصائص الطوبوغرافية المحيطة بالمدينة يُشكِّلان عاملي جذب، بالإضافة إلى التراث النجدي سواء المادي أو غير المادي؛ لكن الرياض هي العاصمة، وهي المركز الإداري الحكومي، وهي مكان التجمُّع للأنشطة الأخرى التنموية؛ وهذه عوامل مهمة لكنها غير دائمة.

بينما يرى د. عبد الله المطيري أن الموقع له أهمية عند نشأة المستوطنة السكانية، وكانت تحرص الدول على أن تكون العواصم في وسط الدولة، أما الآن مع التقدُّم الحديث فلم يعُد للموقع الداخلي أهمية، وهذا يشير إلى أن جغرافية الرياض جاذبة لا من حيث الموقع ولا المقومات المناخية والطبيعية؛ بل وظيفتها هي التي جعلتها جاذبة.

بينما يرى م. خالد العثمان أن النمو الاقتصادي هو أحد عوامل الجذب، كما أن التأثير متبادل وتصاعدي بين تركيز النمو الاقتصادي ونمو عدد السكان. والاعتقاد أن مثل هذا النمو سيتجاوز محددات مثل أسعار الأراضي وغيرها، حيث إنَّ القدرة الشرائية التي تدعمها الاستثمارات وإغراءات الاستقطاب الحكومي ستستوعب مثل تلك الضغوط.

  • مخاطر النمو السكاني المتزايد في مدينة الرياض:

يرى م. فاضل القرني أنه بالرغم من إنشاء عدد كبير من الجامعات في أنحاء المملكة، إلا أنها لم تكن عاملًا للتوازن السكاني في مناطق المملكة واستمرار الضغط على المدن الرئيسة، بل حتى المدن الرئيسة تضغط على العاصمة كما ورَد في الورقة الرئيسة والتعقيبين، حتى وصلت إلى عدد ملايين من السكان يوازي عدد سكان المملكة في إحصاءات فترة منتصف السبعينيات. والتصور أن ذلك مع استمراره سيفاقم اللاتوازن ديموغرافيًّا واقتصاديًّا، كما يُشكِّل ضغطًا على الموارد والخدمات وحتى الاعتمادات المالية، وإبقاء نسبة البطالة بسبب تضاؤل الفرص الوظيفية في بقية المناطق.

وفي تصوُّر د. حمد البريثن، فإن مدينة الرياض تعدَّت الحدَّ الفعال للزيادة المطردة (threshold)  في الوقت الذي بدأ فيه انتشار الجامعات؛ ولذا لا بد من تحفيز نمو المناطق للتقليل من نمو الرياض وتنمية المناطق الأخرى.

وذكر م. خالد العثمان أنه من المعروف أن النمو السكاني يأخذ منحى تصاعديًّا Exponential بالتناسب مع زيادة الاستثمارات؛ أي إن تركيز التنمية وزيادة الاستثمار يقودان إلى زيادة عدد السكان، وبالتالي المزيد من الاستثمار الذي يقود إلى مزيد من زيادة عدد السكان. والخشية أن يخرج الأمر عن نطاق السيطرة، فتصبح الرياض مدينةً تُعاني من النمو السرطاني. أيضًا، يُلاحظ أن الجامعات ليست بؤرًا تنموية خالقة للوظائف المستدامة الجاذبة للسكان، بل هي على العكس ترفع مستوى تطلعات البحث عن وظائف لخريجيها، فينزحون إلى المدن الرئيسية بحثًا عن وظائف مناسبة لهم لم توفِّرها بيئاتهم الأصلية.

وذهبت د. عائشة الأحمدي إلى أن مشكلة العواصم المليونية، هي ليست مشكلة تفردت بها الرياض، فموجة الهجرة للمدن الكبرى تتصاعد وتيرتها حول العالم، حيث تشير الإحصاءات للمنظمات الدولية – صندوق الأمم المتحدة للسكان- أنه يهاجر أكثر من ٧٦٣ مليون فرد للمدينة سنويًّا. ومع نهاية القرن العشرين، كان هناك 25 مدينة ضخمة تحوي أكثر من 10 ملايين نسمة، كما أن 19 مدينة من أصل الـ 25 مدينة تنتمي للبلدان النامية. والرياض هي واحدة من المدن، حيث لم يعُد مستبعدًا أن تقترب من هذا الرقم أو تزيد، وإذا كانت الرياض هي مركز التنمية، فمن الطبيعي – شأنها شأن العواصم التي تمتلك عوامل الجذب الديمغرافي – أن يكون الاطراد في عدد السكان على هذا النحو، لكن المقلق هو مدى القدرة على السيطرة على مشكلات الكثافة السكانية، والتي تعَدُّ عاملَ تحدٍ حقيقي للمدينة الناهضة؛ لا سيما الازدحام المروري الخانق وتضخم أجور السكن، والاستهلاك غير المستدام للمياه والطاقة، وتزايد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وخلافه؛ وهو ما يتطلب تخطيطًا مسبقًا تحسُّبًا لتفادي تلك المشكلات، وإذا كان مترو الرياض حلًّا سريعًا لمشكلة الازدحام المروري، فمن الضروري أن تتولى الوزارات الخدمية الأخرى مبادرات، تأتي على مستوى التحدي للمشكلة السكانية في مدينة الرياض.

ومن جانبها ترى أ. فائزة العجروش أن مَن يلاحظ التكدُّس العمراني والسكاني والمروري للمدن الكبرى (الرياض – جدة – الدمام)، وبالأخص مدينة الرياض التي تعاني من تركُّز المصالح الرئيسية بها، الأمر الذي سبَّب زحامًا مروريًّا هائلًا، وضغطًا كبيرًا على الخدمات، يصبح لديه قناعة تامة بضرورة وجود خطوط نمو أخرى، وتعديل التوزيع السكاني في هذه المناطق الثلاث من خلال جذب النمو السكاني من المناطق الأكثر ازدحامًا، أو على أقل تقدير إيقاف الهجرة إلى المدن الرئيسية والإبقاء على النمو الحالي. وأكثر ما تعاني منه مدينة الرياض هو الزحف العمراني المفرط الذي تتوسع فيه الكتلة العمرانية لها وضواحيها بشكل أسرع من نمو سكانها، حيث (توسعت الكتلة العمرانية لمدينة الرياض بمعدل سنوي قدره 9.4% من 30.305 إلى 95.861 هكتار بين عامي 1990 و2014). وهذا التوسُّع في مدينة الرياض من خلال الامتداد العمراني، كما هو الحال في معظم المدن السعودية، نتاج تخطيط حضري غير سليم. وحسب العلاقة التبادلية بين (التنمية العمرانية والبنية التحتية) و(النمو السكاني).. أينما وُجد نمو سكاني، وجدت تنمية عمرانية؛ والعكس صحيح.

ومن ناحيتها ترى د. مها المنيف أن هناك مشكلةً في تخطيط الرياض، حيث إنَّ هناك كثرةً في الأسواق والأماكن التجارية القريبة من الأحياء السكنية، وهذا جعل مستوى الضوضاء في المدينة عاليًا جدًّا؛ مما يؤثر على قوة السمع لدى الأشخاص، وقد تمت دراسات في هذا الصدد أكدت أن نسبة الضوضاء بمدينة الرياض عالية جدًّا، وضعف السمع عند الكبار في السن بازدياد. كما أن ثمة مشكلة أخرى، وهي أن معدل الإخصاب في المملكة انخفض في الخمسين سنة الماضية من ٦,٥ مواليد لكل امرأة إلى ٢,٥ مولود لكل امرأة، والتساؤل: هل هذا سوف يُغيِّر من التركيبة السكانية وارتفاع نسبة الوافدين مقارنةً بالسعوديين أم نتوقع الزيادة في الكثافة السكانية ستُبقي نسبة السعوديين تقريبًا الثُّلثين مقارنةً بالأجانب؟

وعقَّبت أ. فائزة العجروش بأن المملكة انتبهت لموضوع التركيبة السكانية وقامت باتخاذ إجراءات تصحيحية لتقليل أعداد الوافدين من إجمالي نسبة السكان، والاعتقاد أن هذه الإجراءات ستستمر. ومن الناحية الديموغرافية، وحسب تقرير الأمم المتحدة لسكان العالم (World population Prospect)، والصادر هذا العام؛ من المتوقع أن يصل عدد سكان المملكة عام 2050م لحوالي 45 مليون نسمة بعد أن كان مجرد 3.1 ملايين نسمة عام 1950م. ومن المتوقع أن يصل متوسط الأعمار إلى 79.2 سنة مقارنة بعمر 74 سنة عام 2015م. لكن يلفت الانتباه زيادة أعداد الرجال مقارنةً بالإناث ابتداءً من المرحلة العمرية 20-24، وتستمر النسبة في الارتفاع في كافة المراحل العمرية، ويتساوون عند الفترة العمرية 94-99.

وفي رأي م. سالم المري، فإن ازدياد السكان في الرياض ليس بسبب عامل اقتصادي، كطفرة صناعية أو سياحية أو ما شابه ذلك؛ ولكنه بسبب المركزية التي تتبعها الجهات الحكومية، وسوء التخطيط، وعدم وجود توزيع متوازن للتنمية في مختلف أطراف البلاد، خلافًا للإستراتيجية المُعلَنة للدولة. فليس من الطبيعي أن يتكدس رُبع سكان دولة مترامية الأطراف في مدينة واحدة تستورد جميع مواردها تقريبًا، ويُجبَر الناس على الهجرة أو السفر لها بشكل مستمر من المراكز الحضرية الأخرى، علمًا أن الطاقة والمياه أقل كُلفة في مدن مثل الدمام وجدة. كذلك، فثمة أهمية للمشاركة الشعبية في التخطيط العمراني، وهذا ربما يتحقق بطرح مناصب مثل الأمين ورئيس البلدية للانتخاب مع المجالس البلدية مع وَضْع اشتراطات معينة للمرشحين. ومع أن مضاعفة سكان الرياض قد يخدم بعض المصالح لبعض المستفيدين وبالذات تجار العقار، ولكنه سيكون عبئًا ثقيلًا مكلِّفًا على الدولة، وسينتج عنه بالتأكيد تقصير في تلبية احتياجات السكان الخدمية في الرياض وفي المدن الأخرى. وبمقارنة ميزانيات الهيئة الملكية لتطوير الرياض وأمانة جدة وأمانة الدمام، سيتضح الفارق الكبير في الكُلفة بسبب الضغط السكاني في مدينة الرياض؛ ولذلك فإن توزيع السكان بين المدن الرئيسة في البلاد وتنمية الأرياف سيخفض كلفة الخدمات والبنية التحتية على الدولة، وسيؤدي إلى تنمية متوازنة.

  • وسائل مواجهة تحديات النمو السكاني في مدينة الرياض:

ترى أ. فائزة العجروش أنه ومن منظور التخطيط السليم والمدروس لتنمية متوازنة، فإن معالجة تحديات النمو السكاني في مدينة الرياض تقتضي أن تكون التنمية العمرانية والبنية التحتية أولًا، وعن طريق التكثيف الحضري وتنمية الأراضي البيضاء داخل المدن، دون اللجوء إلى مزيد من التوسُّع الحضري، والاستخدام الفاعل للبنية التحتية والخدمات القائمة، وخلق فرص ومناطق اقتصادية واستثمارية في المناطق الأخرى حسب المزايا النسبية لكل منطقة وموقعها التجاري، واتباع سياسات عمرانية واقتصادية وتجارية وزراعية، وإعادة النظر في بعض مواقع المصالح الحكومية الكبرى؛ لإيجاد توازن نوعي بين السكان وتنمية متوازنة بين مناطق المملكة المختلفة. ويمكن في هذا السياق الإشادة بالمشروعات الكبرى الجديدة، التي ستتيح عوامل جذب للسكن في مناطق أخرى غير المدن الكبرى، منها: (نيوم، القدية، العلا، البحر الأحمر).

وركزت د. هناء المسلط على أن تحقيق التوازن بين عدد السكان في المجتمع والمتاح من وسائل للعيش – يقف في مقدمة المشكلات التي تواجه المجتمعات، والتي تحتم وضع سياسات ضبط وتوجيه الظواهر السكانية، والمقصود بها العملية التي يحاول بها المجتمع والإنسان المحافظة على التوازن بين حجم السكان ووسائل العيش المتاحة في المجتمع، بحيث لو زادت معدلات الهجرة لمدن معينة بمعدل لا يوازي ما يتوفر فيها من وسائل كافية للعيش؛ فإنه لا بد من الضبط بالقوانين والإجراءات التي تفيد إعادة التوازن السكاني. فسياسة الضبط والتوجيه للظاهرة السكانية تدل على موقف إيجابي لتحقيق التوازن.

وأكد د. علي الطخيس على أنه يجب عدم تشجيع مضاعفة أعداد سكان مدينة الرياض؛ لعدة أسباب توضحها النقاط التالية:

  • ما الفائدة المرجوة من مضاعفة عدد السكان؟ هل ذلك سيترتب عليه تخفيض البطالة، وزيادة معدلات إنتاج الفرد، ومضاعفة أعداد المصانع لتفي باحتياجاتنا؛ أم مجرد أرقام مليونية يمكن أن تُشكِّل عبئًا على الخدمات؟
  • هل لمضاعفة عدد سكان مدينة الرياض آثارٌ اجتماعية وأمنية إيجابية أم سلبية؟
  • لا بد من الاستفادة مما تعانيه المدن العالمية الكبيرة؛ لتجنُّب الضار منها، والاستفادة من المفيد.
  • هل تتوفر المصادر الطبيعية، وأهمها توفُّر مصادر مياه الشرب بالقرب من المدينة مع عدم ربط ذلك بتحلية مياه البحر ونقلها لمسافة تزيد عن ٤٠٠ كيلومتر، وضخها بعكس الجاذبية؛ فهذه تكاليف كبيرة جدًّا، ومَن يضمن استمرار تمويل هذه المشاريع العملاقة دون أن تتأثر فاتورة المواطن؟
  • نحلم أن يتم تطوير المدن المتوسطة لتصبح مراكز حضرية تستقطب أعدادًا مناسبة من السكان، وتكون كذلك مراكز للتنمية المتوازنة تغطي أرجاء بلادنا الغالية المترامية الأطراف.

واتفقت أ. فائزة العجروش مع ما ذهب إليه د. على الطخيس بخصوص عدم تشجيع مضاعفة أعداد سكان مدينة الرياض، وأضافت أن هذا ما تدعمه نتائج تقرير بعنوان: (حالة المدن السعودية لعام 2019)، الصادر من وزارة الشؤون البلدية والقروية، أن الرياض سيصل سكانها إلى الضعف تقريبًا خلال عقد ونصف العقد، إذ قُدِّر عدد سكانها بـ6.22 ملايين نسمة عام التقرير، ومن المتوقع أن يصل في 2035 إلى 9.9 ملايين نسمة. وأثار التقرير مواضيع، كان حولها سجالات كبيرة، ومنها: تركُّز التنمية في المحور الغربي – الشرقي، أي محور الدمام – الرياض – جدة، وكذلك التمدُّد العمراني، والهيمنة الحضرية لمدن مثل الرياض، وكان من توصيات التقرير ما يلي (*):

  • أهمية تصحيح الاختلالات في توزيع السكان وتوزيع أنشطة النمو خاصة التعدين والسياحة على المناطق الريفية والحدودية، ومنها: سرعة توفير إسكان ميسر مع الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للسكان السعوديين، والعمل على تنظيم نقل جماعي حاسم في تعزيز أنماط مستدامة للتنقل داخل المناطق الحضرية.
  • تقليص التركز السكاني داخل المناطق، والحد من هيمنة المدن الكبرى من خلال دعم تنمية المدن المتوسطة والصغيرة والتجمعات القروية، كما هو مُوضَّح في الإستراتيجية العمرانية الوطنية 2030.
  • جَعْل المناطق المختلفة أكثر جاذبيةً للاستثمار من خلال تطوير وسائل النقل وعناصر البنية التحتية الأخرى، وتحسين جودة الحياة فيها.
  • دعم الاقتصاد الريفي وتوزيع أنشطة النمو خاصة التعدين والسياحة على المناطق الريفية والحدودية.
  • تعزيز الإدارة المحلية عبر تفعيل اللامركزية، ودعم مؤسسات المجتمع المدني؛ لدعم وتعزيز القاعدة الاقتصادية للمناطق الريفية وجعلها أكثر جاذبيةً للاستثمار، وتعزيز روابطها وتكاملها في المناطق الحضرية.
  • التصدي للتحديات البيئية المعقدة والمترابطة، من خلال المزيد من التعاون بين مختلف القطاعات، ومشاركة أصحاب المصلحة المتعددين، والأبحاث متعددة التخصصات.
  • الاعتراف بقدرات وطاقات وإبداعات مختلف أصحاب المصلحة في الإدارة الحضرية، بما في ذلك الأعمال التجارية والمجتمع المدني والمواطنون.
  • التأكيد على الحاجة إلى تجديد فكر ومنهجيات التخطيط الحضري، وإدماج إستراتيجيات النمو الأخرى في أدوات التخطيط الأساسية.
  • استخدام التخطيط التشاركي والشمولي لتعميم الحق في التمتُّع بازدهار ورفاه المدن، وتطوير برامج بيئية فعالة.
  • التأكيد على الروابط التكاملية بين الأجندات البيئية المحلية والعالمية وتغير المناخ باعتبار ذلك قضية حضرية شاملة.

وأكد د. محمد الثقفي على ضرورة اقتراح آليات عمل للتعامل المبكر مع تحديات زيادة عدد السكان المرتقب بالرياض، قبيل تحوُّلها لمخاطر، وهي إما تحويل المهددات لفرص، أو التخفيف من آثارها، أو استشرف آليات عمل التكيُّف مع هذه التحديات.

وفي تصوُّر أ. محمد الدندني، فإن التعامل مع واقع تحديات النمو السكاني في مدينة الرياض يجب أن يكون بنظرة شاملة، حيث لا يمكن مناقشة هذا الموضوع بعيدًا عن التنظيم الإداري للدولة، ويمكن التأكيد في هذا الإطار على ما يلي:

  • اعتماد اللامركزية في كل الخدمات ونَشْرها في كل المناطق، بحيث تدير كل منطقة شؤونها بنفسها؛ وهنا يتأتى تخفيض عدد منسوبي الوزارات.
  • بعض الأمور والظواهر تحتاج لعملية جراحية وليس العلاج البطيء، هنا يجب اعتماد إيقاف الهجرة للرياض طبعًا بتوازن مع النقطة الأولى ومع كل نقاط الحلول التالية.
  • اعتماد أساليب مُشجِّعة للانتقال للمدن الصغيرة والأرياف؛ مثلاً: تخفيض الضريبة المضافة، وتخفيض الرسوم عمومًا، لعلها تفيد في تخفيض الهجرة للرياض وتشجيع الانتقال منها.
  • تشجيع المتقاعدين ماديًّا ومعنويًّا لعدم التقاعد في الرياض.
  • اعتماد إستراتيجية المدن المتوسطة في المملكة، وألا تُعاد تجربة الرياض في المدن الأخرى.
  • التركيز على الواحات وتطويرها لتوفر المياه وتحديث الزراعة، للاكتفاء ما أمكن ذلك.
  • ربما من المفيد وَضْع رسوم أعلى على المصانع في الرياض، وفي الوقت نفس إعفاؤها لمدة ثلاث سنوات لتغطية تكلفة الانتقال إلى مناطق مجاورة تمتاز بقلة عدد السكان.

واهتمت د. فوزية البكر بالتأكيد على المبادئ التي يتضمنها مصطلح (أنسنة المدن)، ومنها الاستدامة والألفة والجماليات والتضامن والاحترام والترفيه؛ وذلك بتلبية احتياجات كافة المواطنين باختلاف ظروفهم الاقتصادية والصحية والاجتماعية، وتوفير كافة الخدمات الأساسية في كل منطقة من مناطق المدينة؛ لتقليل فترة التنقل داخل المدينة للحصول على هذه الخدمات.

وأكدت د. عائشة الأحمدي على أنه ما لم يكن هناك سياسة سكانية واضحة الرؤية حول معدل النمو السكاني وتوزيع السكان، مع إضافة ضرورة النظر في إحصائيات معدلات الخصوبة بشيء من الحذر، فواقع الحال لا يُعزِّز هذا المعدل، والتصور أننا بعيدون في المستقبل المنظور عن تحقيق مستوى الإحلال أو حتى أعلى منه بقليل، هذه السياسة تُدعم من وسائل الإعلام، مع ضرورة إعادة النظر في توزيع قطاعات التنمية في مناطق المركز والأطراف بشيء من التوازن.

وأضافت أ. فائزة العجروش أن السياسات السكانية المستقبلية تحتاج أيضًا دعمًا حكوميًّا لإبقاء متوسط الأسر بين 3-4 أطفال، وتمويل المزيد من الدراسات المختصة بالوضع الداخلي الحالي للسكان والوضع المستقبلي للحاجة الملحة لها؛ من أجل سد احتياجاتهم التي تعاني من النقص في الكثير من الخدمات، حيث ثمةَ ضعف في الخدمات المقدَّمة في حياتنا اليومية، (ضعف الخدمات الصحية، الفقر، مشاكل القبول،… إلخ)، فكيف يكون الحال حين تتزايد أعداد السكان، ويزداد الضغط على الخدمات العامة؟!

 

  • التوصيات:
  • إشراك ذوي الاختصاص من جميع التخصصات ذات العلاقة وأصحاب المصالح وممثلين عن المواطنين من مختلف الفئات العمرية والثقافية والاقتصادية؛ للمشاركة في التخطيط المستقبلي لمدينتهم.
  • الأخذ في الاعتبار الحرص على التنمية الشاملة والمستدامة لظهير المدينة الزراعي، خاصة المتمثِّل في محافظات جنوب الرياض وغربها.
  • تأكيد وتوحيد الجهود على كل مستويات أجهزة الدولة لتنسيق خطط التنمية المناطقية، والسعي إلى تحقيق التنمية المتوازنة، والبُعد عن استقطاب وتركيز التنمية في المدن الرئيسية على حساب بقية مدن المملكة.
  • التركيز على هوية المناطق الاقتصادية والثقافية branding، والعمل ضمن الإستراتيجية العمرانية على تطوير هذه الهويات لزيادة التنافسية بين المناطق؛ من أجل تقليل الهجرة إلى المدن الكبرى.
  • العمل على إعادة تحديد السقف الأعلى لسكان مدينة الرياض، والمحافظة على هذا السقف قدر الإمكان.
  • التركيز على آلية التجديد الحضري للمناطق التي تحتوي على بنية تحتية متكاملة، بدلاً من السماح للمدينة بالتمدد الأفقي الذي يزيد من التكاليف.
  • تفعيل الإستراتيجية العمرانية للمملكة التي أعادت وزارة الشؤون البلدية تحديثَها قبل عدة سنوات، ولم يتم اعتمادها.
  • الحد من الاستقطاب الوظيفي الحاصل في القطاع الحكومي خصوصًا في مدينة الرياض، والعمل على زيادة الفرص الوظيفية في بقية المدن، والحد من المركزية الإدارية الراهنة في القطاع الحكومي.
  • إيقاف خُطط نَقْل مقرات الهيئات الحكومية وشبه الحكومية والشركات المحلية والعالمية إلى الرياض، وتوجيهها إلى مناطق التنمية الجديدة وبقية مدن المملكة.
  • المساهمة في إعادة تأهيل بعض الأحياء القديمة في المدن الكبرى بعد دخولها إلى مرحلة شيخوخة الأحياء بسبب تدني الكثافة السكانية لهذه الأحياء بعد انتقال معظم قاطنيها لأحياء جديدة، وتقليل معدل الهجرة من هذه الأحياء إلى الأحياء الجديدة، واستغلال البنية التحتية والعلوية والخدمات المتوفرة والمكتملة للأحياء القائمة بالشكل الأمثل.
  • المساهمة في تقليل حجم الطلب على المخططات الجديدة، لتخفيض حجم الميزانيات المرصودة لتوفير البنى التحتية والعلوية لها.
  • تقسيم مدينة الرياض إلى مدينة مركزية يحيط بها مدن أصغر من جميع الجهات. لتحقيق هذه التوصية، يمكن دمج بعض الأحياء مع بعض وتسميتها، وتشجيع التوسُّع الرأسي للمباني، والحد من التوسع الأفقي لأنه مُكلِّف للبنى التحتية والخدمات.
  • التأكيد على المبادئ التي يتضمنها مصطلح (أنسة المدن)، ومنها الاستدامة والألفة والجماليات والتضامن والاحترام والترفيه؛ وذلك بتلبية احتياجات كافة المواطنين باختلاف ظروفهم الاقتصادية والصحية والاجتماعية، وتوفير كافة الخدمات الأساسية في كل منطقة من مناطق المدينة لتقليل فترة التنقل داخل المدينة للحصول على هذه الخدمات.
  • توسيع المشاركة في الأعمال البلدية عن طريق طرح المناصب البلدية الرئيسة مثل الأمين ورئيس البلدية للانتخاب مع المجالس البلدية، مع وَضع شروط مناسبة تُلزم المرشحين بالخبرة والكفاءة المناسبة.
  • تفعيل دور الابتكار وتسريع عملية التحول والتوجه نحو المدينة الذكية لتوفير سبل الحياة الأفضل لجميع السكان، والمساعدة في استقطاب الكفاءات من ذوي الاختصاص.

القضية الثانية

المساعدات الخارجية للمملكة: التحوُّل المنشود

(15/11/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. عادل القصادي (ضيف الملتقى) (*)
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. حميد الشايجي
  • التعقيب الثاني: أ. فائزة العجروش
  • إدارة الحوار: أ‌. عبد الله الضويحي

 

  • الملخص التنفيذي:

بدأ د. عادل القصادي الورقةَ الرئيسةَ بالإشارة إلى أن المملكة من الدول الرائدة في العالم في مجال المساعدات الخارجية، بل إنها الأكبر من حيث حجم المساعدات الخارجية (الرسمية) نسبةً إلى الدخل القومي الإجمالي – كما تشير بعضُ المصادر، متجاوزةً بكثير النسبةَ المستهدفة من الأمم المتحدة للمساعدات الخارجية الرسمية للدول (بلغت 14.5 مليار دولار في 2014). وبالرغم من حجم المساعدات الخارجية التي قدَّمتها المملكة للعقود الماضية إلا أن هناك تباينًا في أرقامها الواردة من مصادر مختلفة؛ كوزارة المالية، ومنصة المساعدات السعودية (مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية)، وتقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وغيرها.  ومع أن المملكة استثمرت بسخاء في هذا المجال إلا أنها وكما يرى د. عادل في ورقته لم تُوظِّف ذلك – رغم أهميته – بما ينعكس على موقف المملكة وتأثيرها على المستويين الإقليمي والدولي، ثم تساءَل: أين وكيف يمكن تحقيق التحوُّل المنشود في هذا المسار؟

وأكد د. حميد الشايجي في التعقيب الأول على الحجم الكبير والمتنامي للمساعدات السعودية بحكم دورها الريادي في العالم بشكل عام، والعالم الإسلامي بشكل خاص، واستشهد في هذا الصدد بأرقام تُوضِّح ذلك، ذاكرًا وبالأرقام أيضًا حجمَ هذه المساعدات وعددَ المشاريع والدول المستفيدة، حيث يأتي في مقدمتها عالميًّا اليمن ثم سوريا ثم مصر. وتطرَّق في السياق ذاته إلى مساهمات المملكة المالية في المنظمات الدولية والصناديق الإقليمية التنموية والإنسانية والخيرية، مُشيرًا إلى توزيع هذه الإسهامات على عدة قطاعات حكومية وبرامج عامة للصناديق، ومنظمات وهيئات تنموية. كما تطرَّق د. حميد في تعقيبه إلى حجم المساعدات المُقدَّمة للاجئين والنازحين والزائرين داخل المملكة وخارجها من خلال منصة خاصة لهذا الغرض أنشأها مركز الملك سلمان للإغاثة. واختتم د. حميد الشايجي تعقيبه بالتأكيد على أن المساعدات الخارجية قدر أخلاقي للحكومات القادرة لمدِّ يد العون للمحتاجين في العالم، ووسيلة مهمة للتواصل وتطبيق الأخوة والإنسانية، كما أنها قوة ناعمة للدول والجهات المانحة، مشيرًا لأهمية أن تستمر المملكة في أداء دورها الريادي في هذا المجال وتطويره.

من جانبها أشارت أ. فائزة العجروش إلى أن المتتبع لتاريخ المملكة العربية السعودية يجد أن لها باعًا طويلًا وتاريخًا كبيرًا وعلى مدى عقود من الزمن في خدمة الإنسانية عالميًّا في شتى القطاعات والمجالات، وظلَّت رائدةً في الأعمال الخيرية والإنسانية التي صالت وجالت في قارات العالم بمختلف دولها، دون تمييز بين لون أو عرق أو دين؛ إذ شكَّل هذا النهج أحد الأساسات التي تتبعها القيادة منذ عهد المؤسِّس الملك عبد العزيز رحمه الله، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان‪ حفظه الله، إذ باتت تُسمَّى بمملكة الإنسانية، وارتبط اسمها دومًا بالقضايا التي تدعو للخير والسلام والعطاء. ومع كل هذا، لم تحظَ تلك المساعدات بالصورة المناسبة للمملكة وحجم عطاءاتها المستمرة. واختتمت أ. فائزة تعقيبَها بطرح عدد من التوصيات التي يمكن أن تُسهِم في مواصلة تطوير وتعزيز هيكلة المساعدات الإنسانية في المملكة العربية السعودية للتحوُّل المنشود، وتوفير فرص جديدة للتعاون المتعدد الأطراف في المستقبل.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاورَ التالية:

  • المعوقات التي تحدُّ من الآثار الإيجابية للمساعدات الخارجية للمملكة.
  • مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والصندوق السعودي للتنمية ودورهما في مجال المساعدات الخارجية للمملكة.
  • آليات تعظيم الإفادة من المساعدات الخارجية السعودية.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • وَضْع تشريع يحكم مساعدات الدولة الخارجية وقروضها، بحيث تصدر بأمر سامٍ بعد مصادقة مجلس الشورى ومجلس الوزراء على مشروع المساعدة أو القرض.
  • رسم توجهات مستقبلية فعَّالة ومبتكرة للمساعدات الخارجية تحقق أثرًا أكبر لدى المستفيدين، وتضمن استدامة الأثر من خلال بناء المؤسسات في الدول المستفيدة، وتعزيز التعافي الاقتصادي، وتمكين المجتمعات، وهذا من شأنه أيضًا أن يساعد في تحديد المفاهيم المختلطة (العمل الخيري والتطوعي، التنمية الدولية، الإغاثة الإنسانية… إلخ).

 

  • الورقة الرئيسة: د. عادل القصادي (ضيف الملتقى)

توطئة لا بُدَّ منها:

تعتبر المملكة العربية السعودية من الدول الرائدة في العالم في مجال المساعدات الخارجية، بل إن عددًا من المصادر تعتبرها الأكبرَ من حيث حجم المساعدات الخارجية (الرسمية) نسبةً إلى الدخل القومي الإجمالي (على سبيل المثال، بلغت المساعدات الخارجية المُقدَّمة من المملكة 14.5 مليار دولار في 2014، وهو ما يتجاوز بكثير النسبةَ المستهدَفة من الأمم المتحدة للمساعدات الخارجية الرسمية للدول، والمحددة بـ 0.7%).

ورغم ذلك، فإن هناك تباينًا في الأرقام الواردة في المصادر المختلفة حول حجم المساعدات الخارجية التي قدَّمتها المملكة خلال العقود الماضية (من تلك المصادر: وزارة المالية السعودية، ومنصة المساعدات السعودية التي يشرف عليها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وتقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، ومصادر أخرى)، غير أن المشترك بين كلِّ تلك المصادر هو أن المملكة استثمرت بسخاء في هذا المجال، رغم عدد من الفرص الضائعة لرفع كفاءة هذا الدعم، والتوظيف المتواضع لهذا الجانب لإبراز الملامح الحقيقية للمملكة وموقفها وصورتها على المستويين الإقليمي والدولي، فضلًا عن جوانب أخرى يتعين إعادة النظر فيها.

أين وكيف يمكن تحقيق التحوُّل المنشود في هذا المسار؟ هناك ثلاثة أبعاد يمكن أَخْذها في الاعتبار عند النظر في تطوير هذا المسار:

  • الأول – تحوُّل إستراتيجي يتواءم مع التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة:

تضمنت رؤية المملكة للعام 2030 ثلاثة عشر برنامجًا تنفيذيًّا لتحقيق ستة وتسعين هدفًا، وباعتبار أنها ركَّزت على التنمية الوطنية، فلم يرد ضمن تلك البرامج ما يختصُّ بالمساعدات الخارجية وإستراتيجياتها بشكل مباشر، غير أن استقراءً معمقًا للبرامج والأهداف ضمن (الرؤية) يُبرز أن المساعدات الخارجية (التنمية الدولية) يمكن أن تتواءم مع رؤية التنمية الوطنية وتكون رافدًا لها، ومن شأن أي تحوُّل إستراتيجي في المساعدات الخارجية ونماذجها أن يُسهِم بشكل مبرمج في إثراء تنميتنا الوطنية. ومن شأن التحول الإستراتيجي أيضًا أن يُسهِم في تحقيق فَهْم تاريخي أعمق لفلسفة المساعدات الخارجية (الرسمية) للمملكة، ومن ذلك الدوافع ومنهجية اتخاذ القرار ومواطن القوة والضعف، ورَسْم توجهات مستقبلية واضحة للمساعدات الخارجية من أجل تحقيق أثر أكبر للشرائح المستفيدة، وضمان استدامة الأثر من خلال بناء المؤسسات في الدول المستفيدة، وتعزيز التعافي الاقتصادي وتمكين المجتمعات. وهذا من شأنه أيضًا وَضْع حدود واضحة بين المفاهيم المختلطة (العمل الخيري والتطوعي، التنمية الدولية، الإغاثة الإنسانية، إلخ)، وصوغ سياسات ونماذج فعَّالة ومبتكرة للمساعدات الخارجية تنسجم مع المنظومة الكلية للمملكة.

  • الثاني – تحوُّل اتصالي يُبرز دورَ المملكة التاريخي في العديد من دول العالم:

تستثمر الدول والمنظمات المفوَّضة بالمساعدات الخارجية الكثيرَ من الموارد في العمل الإعلامي والاتصالي، لا لإبراز جهودها فحسب؛ وإنما لرفع الوعي بالقضايا التي تعمل على الاستجابة لها وحشد المزيد من الفاعلين، ورفع وعي المجتمعات حول مساهمتها التي عادةً ما تُوجَّه للسلطات الحكومية في تلك الدول، وغني عن القول إن حاجة المملكة لإبراز جهودها في دعم اقتصادات العالم وخصوصًا الدول العربية والإسلامية أصبح أكثر أهميةً من أي وقت مضى (إحدى هذه الحقائق هي أن إنفاق المملكة بلغ عشرين مليون دولار يوميًّا بين العامين 2010 و2020 في المساعدات الخارجية والقروض التنموية، المصدر: وزارة المالية).

  • الثالث – تحوُّل تنظيمي يُمكِّن الطاقات المؤسسية والكفاءات السعودية في النفاذ من خلال هذا المجال للمؤسسات الدولية:

يجدر ابتداءً الإشارة إلى الصندوق السعودي للتنمية الذي أُسِّس في 1974 بهدف تمويل المشاريع الإنمائية في دول العالم الأقل نموًا، وقام بدعم 714 مشروعًا في 83 دولة بقيمة جاوزت 67 مليار ريال، ومن اللافت أن هذا ما هو إلا جزء من المساعدات التنموية التي قدَّمتها المملكة (نظير وجود أكثر من جهة معنية باعتماد وتقديم المساعدات الخارجية، ومن ذلك المساعدات الإنسانية التي لم تحظَ بجهة رسمية محدَّدة إلا بعد إنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في 2015). ولهذا، فإن تحقيق تحوُّل في التنظيم المؤسسي للمساعدات الخارجية للمملكة ليس من شأنه فقط تسجيل وتوثيق ما تُقدِّمه المملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية (كنظام التتبُّع المالي FTS) مما يرتقي بموقع المملكة في المؤشرات الدولية ذات العلاقة للمنزلة التي تستحقها؛ وإنما في الوقت ذاته للرفع من كفاءة الدعم التنموي أو العون الإنساني الذي تُقدِّمه المملكة للعالم ضمن منظومة متكاملة مع الجوانب الأخرى محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا (كمنظومة التنمية المستدامة 2030)، وتمكين المزيد من السعوديات والسعوديين للانخراط والعمل في المنظمات الدولية، والمساهمة مع أقرانهم من أنحاء العالم في الدفع قُدمًا بالأجندة الإنسانية والإنمائية لمصلحة البشرية، في الوقت الذي لم تزل فيه معظم تلك المنظمات تعتبر المملكة والمانحين الخليجيين (مصدرًا للتمويل فحسب).

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. حميد الشايجي

إن المتتبِّع لواقع المساعدات الخارجية السعودية يلحظ حجمها الكبير والمتنامي، وذلك بحكم دور المملكة الريادي في العالم بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص. وبلغ إجمالي مبالغ المساعدات السعودية منذ عام 1975م حتى الآن 175.64 مليار ريال سعودي، بما يعادل 46.83 مليار دولار أمريكي، وبلغ عدد المشاريع الإنسانية والتنموية والخيرية المُسجَّلة 3,701 مشروع، موزَّعة على 156 دولة حول العالم بإجمالي 116,06 مليار ريال سعودي، وبما يعادل 30.94 مليار دولار أمريكي.

أما مساهمات المملكة المالية في المنظمات الأممية والهيئات الدولية والصناديق الإقليمية التنموية والإنسانية والخيرية للمرحلة الحالية فقد بلغت 524 مساهمة مالية، بمبلغ 8.10 مليارات ريال سعودي، وهو ما يعادل 2.16 مليار دولار أمريكي. فيما توزَّعت المساهمات على عدة قطاعات، هي: الميزانية والبرامج العامة للصناديق، والمنظمات والهيئات التنموية، والمساعدات الإنسانية والإغاثية في حالات الطوارئ لمنظمات الأمم المتحدة والهيئات الدولية، والأعمال الخيرية والاجتماعية للهيئات الدولية والإقليمية.

أما الخدمات المُقدَّمة للزائرين (اللاجئين داخل المملكة)، والتي تُشكِّل خدمات صحية وتعليمية وإعفاءات من رسوم الإقامة، فقد بلغت 51.5 مليار ريال، وهو ما يعادل 13.73 مليار دولار، موزَّعة على الجنسيات اليمنية والسورية والبورمية.

وقام مركز الملك سلمان للإغاثة بإنشاء منصة خاصة باللاجئين والنازحين والزائرين لتسليط الضوء على نوع وحجم المساعدات المُقدَّمة من المملكة العربية السعودية لهم داخل المملكة وخارجها، حيث بلغت المساعدات المقدَّمة لهم 51.5 مليار ريال سعودي، وهو ما يعادل 13.73 مليار دولار أمريكي. وكانت أكثر الدول تلقيًا للمساعدات الإنسانية والتنموية والخيرية من مِنح وقروض ميسرة، هي الجمهورية اليمنية حيث بلغ إجمالي مساعداتها 16.92 مليار دولار أمريكي، نُفِّذ من خلالها 665 مشروعًا وعدد من الخدمات للزائرين (اللاجئين)، تليها الجمهورية العربية السورية بمبلغ 6.16 مليارات دولار، نُفِّذ بها 276 مشروعًا وعدد من الخدمات للزائرين (اللاجئين)؛ ثم جمهورية مصر العربية بمبلغ 2.26 مليار دولار، نُفِّذ خلالها 52 مشروعًا (منصة المساعدات السعودية).

وعلى الرغم من كِبر حجم المساعدات التي تُقدِّمها المملكة، إلا أن ذلك للأسف لا يظهر بشكل واضح في سجلات الهيئات الدولية؛ بسبب عدم تسجيلها بالشكل الصحيح لدى الأمم المتحدة. كما أن هذه المساعدات لا يتم تغطيتها إعلاميًّا بالاحترافية اللازمة. وفي بعض الحالات تكون هذه المساعدات مُوجَّهة للحكومات ولا تعلم عنها الشعوب؛ مما لا يُظهِر الدورَ الحقيقي الذي قامت به المملكة في دعم المناطق المحتاجة للدعم. ولذلك، نجد أحيانًا السخط من بعض الشعوب لعدم وصول المساعدات لها؛ وهو ما يتطلب تغيير طُرق وآليات تقديم المساعدات. ولعل الأبعاد التي أشار إليها د. القصادي، وخصوصًا البُعدين الثاني والثالث، تعالج هذا الوضع.

وهناك إشكالية أخرى أشار إليها د. القصادي، تتمثَّل في تبايُن الأرقام الواردة في المصادر المختلفة حول حجم المساعدات الخارجية التي قدَّمتها المملكة في العقود الماضية. ونظرًا لتعدُّد الجهات السعودية المانحة، فقد أصبح لزامًا أن تكون هناك آليةٌ فعَّالة تجمع وتُنسِّق وتُوثِّق إحصاءاتها، بما يبرز حجم ونوع المساعدات التي تُقدِّمها المملكة العربية السعودية لدول العالم المحتاجة وشعوبها. وقد تمَّ معالجة ذلك من خلال إنشاء منصة المساعدات السعودية. ففي 26 فبراير 2018 م، دشن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – في منتدى الرياض الدولي الإنساني الأول “منصةَ المساعدات السعودية”، لتقوم الجهات السعودية المانحة بتسجيل المشاريع والمساهمات الإنسانية والتنموية والخيرية التي قدَّمتها إلكترونيًّا من خلال المنصة، وفقًا للمعايير الدولية في التسجيل والتوثيق المعتمدة لدى لجنة المساعدات الإنمائية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنصة التتبُّع المالي للأمم المتحدة، ومبادئ مبادرة الشفافية الدولية للمساعدات. وأسندت مهمة إدارة المنصة إلى مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. وجرى التنسيق مع الجهات المانحة وتدريبها لحصر بيانات المساعدات وتصنيفها لإدخالها في المنصة من تأسيس المملكة حتى الآن، حيث وفَّرت المنصة لكلِّ جهة مانحة حسابًا إلكترونيًّا لتسجيل المساعدات، كما أتاحت للراغبين الاستفادة والاطلاع على كل بيانات المساعدات السعودية بشفافية. كما أنه بعد تسجيل المساعدات من قِبل الجهات المانحة، يقوم مركز الملك سلمان للإغاثة بتوثيق تلك المساعدات دوليًّا في المنظمات المعنية بصورة دورية باسم المملكة العربية السعودية. وتنقسم المنصة إلى ثلاثة تصنيفات، وهي المشاريع الإنسانية والتنموية والخيرية، والمساهمات في المنظمات والهيئات الدولية، وخدمات الزائرين (اللاجئين داخل المملكة) (وكالة الأنباء السعودية).

إن المساعدات الخارجية تعتبر قدرًا أخلاقيًّا للحكومات القادرة لمدِّ يد العون للمحتاجين في العالم. وتعَدُّ من الوسائل المهمة للتواصل مع الشعوب وتطبيق مبدأي الأخوة والإنسانية. كما أنها تعَدُّ قوةً من القوى الناعمة التي تكوِّن رصيدًا للدول والجهات المانحة. لذا، لا بد أن تستمر المملكة في أداء دورها الريادي على المستويين الإقليمي والدولي، مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد التي أشار إليها د. القصادي لتطوير أداء المساعدات الخارجية.

  • التعقيب الثاني: أ. فائزة العجروش

حسب تقرير صادر من مكتب الأمم المتحدة الإنمائي في الرياض، حصلت المملكة على نسبة (1.9%) للمساعدات الإنمائية الرسمية من الدخل القومي الإجمالي لعام 2015م، وهي نسبة تفوق النسبة العالمية التي حدَّدتها الأمم المتحدة بـ (0.7%) ـ.

وقد تزايدت المطالبات مؤخرًا بتعظيم الاستفادة من معونات المملكة الخارجية؛ لأنه على الرغم من سخاء دعم المملكة نجد أن قدرات وآليات المملكة المؤسسية لا تتماشى مع تنامي دورها والتزاماتها المتعددة، وتحتاج إلى إطار تنظيمي متماسك ومُوحَّد للمساعدات الإنسانية، يُعظِّم بشكل أكبر من دور الجهة المسؤولة الحالية عن هذه المساعدات (مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية)، ويزيد من فعالية آليات التنسيق وقوة الإشراف على عمليات الإغاثة، ويُسهِم في دقة التقارير الرسمية المرفوعة عن المِنح المُقدَّمة من المنظمات غير الحكومية السعودية، لتلافي تعدُّد واختلاف الأنظمة والأطراف التي تعمل في كثير من الأحيان على نحو عشوائي وبإستراتيجيات غير متوافقة.

وعلينا أن نعترف أنه كان يسهل على الكثيرين انتقاد المملكة وسياستها في المساعدات الخارجية.. فالبعض يقول إنها لا تتناسب مع حجم ومكانة المملكة الإسلامية والدولية، والبعض الآخر يعيب على تلك المساعدات ضبابية بعض تفاصيلها، واقتصار توضيح تلك التفاصيل على عدد محدود من النُّخب المسؤولة في الحكومة؛ وأن ذلك كان بسبب أنه لم يكن ثمة اهتمام سعودي ملموس بتوثيق دور المملكة الإنساني الممتد عبر تاريخها الطويل منذ أن بدأت خطواتها الأولى في طريق تقديم المساعدات والمعونات والإسهامات الإنسانية في سبعينيات القرن المنصرم، على اعتبار أن ما تقوم به من أعمال في هذا الخصوص لا يصحُّ الإعلان عنه؛ كونها تستهدف به خيرَ الإنسانية جمعاء، دون النظر لعِرق أو دين.

إلا أنه في خِضمِّ حملات التشويه والتضليل التي حاولت أن تمارسها بعض الدول والجهات ضد السعودية، أصبح لزامًا أن تكون هناك آليةٌ فعَّالة تجمع وتُنسِّق وتُوثِّق إحصاءاتها؛ نظرًا لتعدُّد الجهات السعودية المانحة. وجاءت منصة مركز الملك سلمان الإلكترونية لأعمال الإغاثة والأعمال الإنسانية، لتجعل الذاكرة حيةً بأرقام وحجم ونوع المساعدات التي تُقدِّمها المملكة لدول العالم المحتاجة وشعوبها. وكذلك اتباعها لنهج واضح لا يربط المساعدات الإنسانية بأي مواقف سياسية مع الدول المستفيدة، وما المساعدات السعودية التي أمر بها الملك سلمان مؤخرًا – حفظه الله – لمتضرري الزلزال في تركيا إلا خير دليل على ذلك، والتي كانت لافتةً للنظر خاصة في ظرفية التوقيت، وإنسانية الموقف.

  • ما الذي يمكن عمله لتعظيم الاستفادة من المساعدات الخارجية للمملكة؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، سنتعرض سريعًا لحجم المبالغ المتصاعدة للمساعدات التي قدَّمتها المملكة وفقًا لمنصة المساعدات السعودية الرسمية:

  • بلغت المبالغ الإجمالية للمشاريع الإنسانية والتنموية والخيرية التي قدَّمتها المملكة (32,435,420,209) مليار دولار أمريكي؛ أي (121,632,825,785) مليار ريال سعودي.
  • بلغ عدد مشاريع المملكة الإنسانية والتنموية والخيرية (3,884) مشروعًا، واستفادت منها (154) دولة.
  • توزَّعت مبالغ المساعدات ما بين: تنموية 24,520,983,767 $، إنسانية 7,817,468,700$، وخيرية 96,967,742$
  • بلغ عدد المساهمات المالية في المنظمات والهيئات الدولية (560) مساهمة بمبلغ إجمالي يُقدَّر بـ (21) مليار دولار أمريكي، (8.30) مليارات ريال سعودي، استفادت منها (48) جهة، توزَّعت بين خمسة قطاعات (دعم البرامج العامة، المساعدات الإنسانية والإغاثية في حالات الطوارئ، الأعمال الخيرية والدينية والاجتماعية، الصحة، والنقل).
  • المساعدات من منظور اقتصادي:

لضخامة هذه المساعدات سالفة الذكر وتنوُّعها، ولكون الاقتصاد السعودي يُمثِّل إحدى الرافعات الكبرى للاقتصاد العالمي؛ يتطلب الأمر من المملكة العملَ على إعداد خُطط لاستغلالها كقوى سعودية ناعمة حول العالم، وذلك بأساليب أكثر ذكاءً تربط من خلالها مصالح المملكة بمصالح الدول المستهدفة، وذلك على النحو التالي:

  • برامج إنمائية وإغاثية واقتصادية واستثمارية، يحسُّ بها مواطنو تلك الدول، ويشعرون بأثرها المباشر في حياتهم اليومية باستمرار، ومن ذلك – على سبيل المثال – توجيه الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الحيوية إلى الدول الناشئة، التي ترى الدولة فيها هدفًا إستراتيجيًّا يخدم مصالحَها على المدى البعيد.
  • الأَخْذ في الحُسبان القدرات والفرص المتاحة في البلدان المتلقية للمساعدات.
  • الحرص على زيادة التبادل التجاري بين المملكة والدول المتلقية، مع التركيز على الصادرات ذات المردود من النقد الأجنبي.

ويطيبُ لي هنا أن أوضِّح ما استشففتُه بعد مشاركتي في المبادرة المتعلقة بدراسة فرص تعظيم الاستفادة من الإعانات والمساعدات الإغاثية الدولية التي تقدِّمها المملكة، واستدامة الدعم الذي يُقدِّمه المركز بعد عدة اجتماعات وورش عمل مع مسؤولي المركز.

حيث كانت الدراسة تستهدف بشكل رئيسي دَعْم الصناعات المحلية وتحفيز القطاع الخاص في المملكة، على اعتبار أن هذه المساعدات فرصة للمنتجات السعودية والشركات المحلية بما يسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي. وثانيًا تهدف للربط والتنسيق بين المركز والجهات الخيرية والوقفية السعودية، ورفع مساهمة القطاع غير الربحي في إجمالي الناتج المحلي. وثالثًا، لتوثيق مشاركة الكادر البشري من الأطباء والمتطوعين السعوديين من الجنسين في أعمال المركز اتساقًا مع توجُّهات رؤية 2030 الهادفة للوصول إلى مليون متطوع في القطاع غير الربحي. وكذلك الخروج بمقترحات وتوصيات تُمكِّن من تعظيم الاستفادة من تلك المشاريع في جوانب اقتصادية عديدة فيما لو تمَّ توظيفها بالشكل الذي يخدم تحقيقَ أهداف التنمية الاقتصادية للمملكة من خلال جَعْل الدول المتلقية لهذه المساعدات أسواقًا لصادرات المملكة بمختلف أنواعها، وحاضنة للاستثمارات السعودية. لكن عمليًّا، وجدنا أن عمل المركز يواجه تحدياتٍ دوليةً، وعددًا من التحديات الداخلية.

  • الأهداف والمصالح الإستراتيجية للدول المانحة في إطار المساعدات الدولية والخارجية مع الدول المستقبلة:

أثبتت كثيرٌ من الدراسات العلمية، وبكل صراحة أن هناك أهدافًا ومصالح إستراتيجية لكثير من الدول المانحة تحكم علاقاتها مع الدول المستقبلة للمساعدات الدولية والخارجية، خارج إطار الوازع القيمي والإنساني، تتمثَّل في الآتي: مصالح سياسية مُغلَّفة بأهداف أمنية وعسكرية بين الدول المانحة والمستقبلة، أهمها: (قيام تحالفات أمنية، تعاون أمني في مكافحة الإرهاب، تأمين الأصوات في الأمم المتحدة.. إلخ). هذا إلى جانب المصالح الاقتصادية والتجارية التي أشرنا إليها أعلاه. كما أن هناك العديدَ من المصالح التي تندرج تحت مظلة المصالح الإستراتيجية للدول المانحة، منها المصالح الثقافية والأيديولوجية، وهذا ما أشار إليه د. عادل من استثمار هذه المساعدات (في البعد الثاني: التحول المنشود بالعمل الإعلامي والاتصالي) “لا لإبراز جهودها فحسب؛ وإنما لرفع الوعي بالقضايا التي تعمل على الاستجابة لها وحشد المزيد من الفاعلين”، وما أحوج المملكة لاتباع ذلك لإحداث تغييرات في التوجُّهات المغلوطة عن الإسلام والمسلمين.

  • من دهاليز المنظمات الدولية:

فيما يخصُّ النقطة الثالثة التي تحدَّث عنها د. عادل “يمكن للطاقات المؤسسية والكفاءات السعودية النفاذ من خلال تحول تنظيمي لهذا المجال للمؤسسات الدولية”، نجد أن المملكة بما لها من مكانة اقتصادية مرموقة، وكونها عضوًا مؤثرًا في جميع المنظمات الدولية الكبيرة، وتساعد أيضًا في العديد من صناديق وآليات التنمية الإقليمية الرئيسة؛ ومع ذلك، فإننا من أقل الدول استفادةً منها، بالرغم من أنها من أكثر الدول مساهمةً ماديةً فيها، بل ومن أسرعها سدادًا لحصصها، كما يتضح مما يلي([1]):

تُقدِّم المملكة 27% من ميزانية البنك الإسلامي للتنمية، و15% من ميزانية صندوق النقد العربي، و30% من ميزانية صندوق الأوبك للتنمية الدولية، و25% من ميزانية البنك العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا.

ومع كل هذا، لا تبذل جهودًا كبيرة للضغط عليها لتعيين موظفين سعوديين فيها، يمكنهم – مع مرور الوقت – تسلُّم مناصب قيادية فيها. وبالتالي، التأثير المباشر وغير المباشر على سياستها، وبما يخدم مصالح المملكة على المدى البعيد. في حين نرى أن الولايات المتحدة لا تجد غضاضةً في ذلك، وترتفع عقيرتها عند إحساسها بأي توجُّه تتبنَّاه المنظمات الدولية لسياسات تخالف توجُّهاتها أو مصالحها؛ بل وتُهدِّد بالانسحاب منها، أو إيقاف مشاركاتها وحصصها في ميزانياتها.. كما يحصل – دائمًا – في تعاملها المتكرر مع منظمات اليونسكو، والأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية والطاقة الدولية، ومن المُحبَّذ أن تستمر المملكة في استثمار حجم المساعدات الدولية لها كقوة ناعمة سعودية، مثلما فعلت في استقطاب بعض المؤسسات الإسلامية المالية المتخصِّصة على أراضها، مثل: البنك الإسلامي للتنمية.

وختامًا، يتوجب طرح عدد من التوصيات اللازمة لتفعيل دور المملكة في هذا الشأن، ومنها:

  • زيادة عدد المواطنين السعوديين العاملين في مجال التنمية الدولية ومنظومة العمل الإنساني، فلا يزال تمثيل المواطنين السعوديين في معظم المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية ضعيفًا على الرغم من دعم المملكة الكبير لتلك المنظمات؛ فزيادة عدد الموظفين السعوديين بها لن يحدَّ فقط من المفاهيم الخاطئة؛ وإنما سيساعد أيضًا في تحسين العلاقات التعاونية ذات المصداقية بين المملكة والمنظمات المتعددة الأطراف. كما أنه سيُمكِّن المملكة العربية السعودية من تعزيز قدراتها المؤسساتية المحلية والبشرية من خلال نَقْل المعرفة والمهنية، والذي بدوره سيرفع مستوى المهنية والأداء لدى النظام الإنساني السعودي الحالي.
  • إنشاء مؤسسات دولية إنسانية وتنموية على أرض المملكة العربية السعودية؛ لتأكيد دور المملكة المتميز باعتبارها واحدةً من أكبر القوى الفاعلة في مجال المساعدات الإنسانية والتنموية.
  • مَنْح المملكة الفرصة لتقديم أفضل ما لديها من تجارب وخبرات ودروس في مجال إدارة الحشود والقضايا اللوجستية التي اكتسبتها خلال مواسم الحج المتعاقبة دون مقابل.
  • معالجة مشكلة التكاليف الإدارية العالية عن طريق السيطرة على التكاليف الإدارية والاستشارية، وإتاحة مزيد من الشفافية عن المخصصات المالية في آليات التمويل المشترك، وتسريع عملية وصول الأموال للمستفيدين.
  • على المنظمات المتعددة الأطراف أن تُتيح مزيدًا من الشفافية حول آليات التمويل المشترك، وأن تُبرِّر لصُنَّاع القرار السعوديين وجودَ بعض هذه التكاليف المتعلقة بعمليات التنسيق؛ وذلك لجَعْل النظام أكثر فعاليةً من خلال الحدِّ من الازدواجية.
  • إعادة خَلْق نظام جديد ذي مصداقية للتعاون بين الجهات المانحة، بحيث يأخذ بعين الاعتبار آراءَ وتوجُّهات الاقتصادات والجهات المانحة الناشئة، وهذا من شأنه أن يحدَّ من القلق المتزايد بشأن النظام الدولي القائم الذي يتسم بهيمنة الجهات المانحة التقليدية عليه.

نُوصي الجهات الغربية بالنظر في الخطوات التالية:

  • العمل على بدء نقاش واعٍ وعقلاني حول القطاع الخيري الإسلامي، مع النظر إلى المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية الإسلامية كشركاء، فهناك مئات الجمعيات الخيرية السعودية في المملكة، منها عددٌ لا بأس به يعملون على مستوى دولي. لذا، قد يكون إشراكهم بعد التأكُّد من سلامة توجُّهاتهم ووضوح آليات عملهم، ومعالجة أوجه القصور في مسائل الشفافية والمساءلة في النظام الإنساني الخيري – خطوةً مهمةً نحو بناء الثقة ومواصلة العطاء وتحقيق التعاون في مجال تقديم المساعدات؛ لأن مساهمة تلك المؤسسات في عمليات الإغاثة والتنمية ليست بالقليلة.
  • إعادة النظر في طريقة تفسير طبيعة ودوافع المساعدات الإنسانية السعودية، فعلى الرغم من أن السعودية ملتزمة أخلاقيًّا بمساعدة المجتمعات الإسلامية نظرًا لموقعها القيادي في العالم الإسلامي؛ فقد امتدت أنشطتها الإنسانية لتشمل جميع البلدان المنكوبة والمتضررة، وهذا يعكس التزامها الإستراتيجي بالمبادئ الإنسانية، وهو من أولويات الحكومة السعودية، والذي قد لا ينطبق بالضرورة على المنظمات الدينية التي تتلقى التبرعات من المواطنين والشركات لصالح قضايا إنسانية في المجتمعات الإسلامية؛ ولذا ينبغي أن تُوجِّه تبرعاتها لتلك المجتمعات.
  • الإعلان عن مساعدات المملكة بالشكل الذي تستحقه في وسائل الإعلام والمؤتمرات الدولية؛ وهذا بدوره سيدعم جهود المملكة للتخفيف من الآثار السلبية على صورتها الدولية.
  • بلورة سياسة وإستراتيجية واضحة وشاملة لتقديم المساعدات الإنسانية وتحسين عملية صنع السياسات والتقييم داخل الوزارات والوكالات المعنية، مع وضع نظام أفضل لجَمْع وتحليل البيانات والتقارير.
  • جذب السكان المحليين الملتزمين بالمبادئ الإنسانية والمحبين للعمل التطوعي للانخراط في منظومة العمل الإنساني؛ للاستفادة من إمكانياتهم المختلفة في هذا المجال.
  • بناء جهاز إعلامي وعلاقات عامة قوية لتفعيل التواصل على الصعيد الدولي.
  • وبإمكان كل هذه التدابير أن تُسهم في مواصلة تطوير وتعزيز هيكلة المساعدات الإنسانية في المملكة العربية السعودية للتحول المنشود، وتوفير فرص جديدة للتعاون المتعدد الأطراف في المستقبل.

 

  • المداخلات حول القضية:
  • المعوقات التي تحدُّ من الآثار الإيجابية للمساعدات الخارجية للمملكة:

أشار م. سالم المري إلى أنه لا شك أنه يجب أن يكون للمملكة دورٌ بارزٌ في مساعدة الدول والشعوب الشقيقة والصديقة بحكم موقعها في العالم الإسلامي والعربي، وما يتطلبه واجب الأخوة الإنسانية؛ ولكن – للأسف – المردود من المساعدات السعودية لا يتناسب مع حجم الإنفاق، وأقل بكثير مما تجنيه دول أخرى لا تُموِّل بل تُرسل سلاحًا وتُسوِّق منتجاتها، مثل إيران وتركيا وبعض الدول الأخرى.

والواقع أن مساعدات المملكة في العقود الماضية، بكل صراحة يُنظر إليها وكأنما هي إتاوات ندفعها مُجبرين للمجتمع الدولي، ولا يُنظر إليها بأنها أموال عامة من قوت الشعب السعودي مُقدَّمة عونًا ومساعدةً وباختيارنا ورضانا؛ وهذا قد يكون من أسبابه:

  • أنه ليس هناك تشريعٌ يحكم المساعدات والقروض، ولا تُقدَّم بطريقة مؤسسية واضحة، فلا يُصادق عليها مجلس الشورى، وليست عن طريق مؤسسات المجتمع المدني، ولا تُعلَن بصورة واضحة في غالب الأحيان كقرار من مجلس الوزراء.
  • لا ترتبط المساعدات بارتباط أو تبعية الدولة المُعانة للسياسة السعودية، بل كان هناك دولٌ يُصرَف لها مساعدات مع أن مواقفها في المحافل الدولية لا تتفق معنا؛ بل وأحيانًا تتخذ مواقف ضدنا.
  • تُصرَف المساعدات السعودية مباشرةً للحكومات، وغالبًا ما تكون على شكل تمويل نقدي، ومن ثَمَّ تضيع نسبة كبيرة منها قبل وصولها للمستهدف الحقيقي؛ وإذا كانت تلك الحكومة فاسدةً وشعبها ساخط عليها، فإن الشعب لا يرى شيئًا من نتائج المساعدات على أرض الواقع، ويُحوِّل سُخطه علينا ظنًّا منه بأن تلك المساعدات لم تُقدَّم له، بل لدعم فساد حكومته.
  • الكثير من المساعدات السعودية تكون عن طريق مؤسسات الأمم المتحدة، وهذه في غالبها تهيمن عليها الدول الكبرى والمعادية للسياسات السعودية ولمعظم قضايانا، ولا يبرزون دور المملكة في تلك الجهود بصورة واضحة وعادلة.

وذكر د. علي الطخيس أن المملكة كانت ولا تزال من الدول التي تُقدِّم المساعدات الإنسانية للمحتاجين أينما كانوا وخاصة في إفريقيا، إلا أن هذه المساعدات لم يصاحبها برامج إعلامية تُوجَّه للشعوب المحتاجة. من الأمثلة الرائدة التي تبنَّتها المملكة منذ أكثر من ثلاثين عامًا المساهمة ببرنامج الغذاء العالمي، حيث تُوزِّع التمورَ في عشرات الدول، ومنها كثير من الدول الإفريقية، ويسعى القلة منهم إلى بيع هذه التمور. مثال آخر قيام الدولة ممثَّلة في وزارة المالية بتوجيه الصندوق السعودي للتنمية بإقامة العديد من المشاريع التنموية، ومنها مشاريع المياه، وللأسف يُكلِّف الصندوق مكاتب استشارية أجنبية في الغالب أوروبية للإشراف على تنفيذ هذه المشاريع، وفي النهاية تُوضَع لوحات تعريفية بهذه المكاتب ومعظمها أوروبية؛ الأمر الذي يظنُّ معه مواطنو هذه الدول أن المساعدات مُقدَّمة من الدول الأوروبية.

وتطرَّق أ. عبد الله الضويحي إلى أنه ورد في تعقيب د. حميد ملحوظة جديرة بالاهتمام، وهي أن بعضًا من المساعدات مُوجَّهة للحكومات، ولا تعلم عنها الشعوب! بلغة أخرى: أننا نكسب القيادات ونخسر الشعوب! وهو ما بدا يظهر على السطح.. والتساؤل: هل لا زلنا نُمارس نفس الدور، أم تغيَّر الوضع؟ وكيف يمكن أن نصيغ معادلة المساعدات الخارجية لنكسب الجميع، وبما يعود على المملكة بالإيجاب؟

وفي هذا الصدد، يرى د. زياد الدريس أنه إذا وُجِّهت المساعدات إلى الحكومات مباشرة فلن تعلم عنها الشعوب، وقد لا تصلهم أصلًا! وإذا وجَّهتها إلى الشعوب مباشرةً فهي لن تُسجَّل لدولتك في سجل الدول الإغاثي لدى الأمم المتحدة. (وهذا يؤثر على سجلك في تقارير التنمية الإنسانية، ويقلِّص من استحقاقاتك في انتخابات المنظمات الدولية). والحل في هذه الحالة ألا تُرسَل المساعدات لا للأنظمة مباشرة ولا للشعوب؛ بل عبر وكالات المعونات الرسمية المعتمدة. ولكي تتأكد المملكة من أن الشعوب قد أُحيطت علمًا بما أسهمت، فإنه يمكن اشتراط وجود ممثلين عن الجهة السعودية المعنية عند تسليم المعونة سواء كانت مادية أو عينية، أثناء التغطية الإعلامية لذلك.

وذكر د. عبد الإله الصالح أن المساعدات أنواع، ولكلٍّ مكانه وهدفه وأثره. تجاوز الحكومات إلى الشعوب نظريًّا ممكن، ولكنه محفوف بالمخاطر. والعمل من خلال مؤسسات على كافة الأصعدة (الحكومي والشعبي) والمجالات (السياسي والاقتصادي والثقافي…) بشكل مُنظَّم – يضمن الأثر والبقاء والديمومة.

وتساءل أ. عبد الله الضويحي في ضوء ما ورد في التعقيب الأول من أن حجم المساعدات التي تُقدِّمها المملكة لا يظهر بشكل واضح في سجلات الهيئات الدولية بسبب عدم تسجيلها بالشكل الصحيح لدى الأمم المتحدة، هل من سبب مُقنع لذلك؟ هل يكمن الأمر في عدم اهتمام المملكة، أم لقلة الخبرة في التعامل، أم لعدم اهتمام الهيئات الدولية؟

وبدوره أوضح د. حميد الشايجي أن المشكلة تكمن في قلة الخبرة في التعامل مع طريقة التسجيل الصحيح لدى الأمم المتحدة، وعدم استخدام النماذج المعتمدة. ولكن بعد إنشاء منصة المساعدات السعودية بدأت الأمور تتحسَّن؛ لأنه تمَّ التعرُّف على طُرق التسجيل السليمة.

وفي تصوُّر أ. منى أبو سليمان، فإن عدم تسجيل المساعدات وعدم الإعلان عنها كانا من أهم أسباب عدم معرفة الشعوب بها، ويُضاف إلى ذلك أنه في كثير من الأحيان:

  • لم تتم متابعة المساعدات بالشكل المطلوب.
  • الفساد في المساعدات ببعض الدول كان يؤدي إلى عدم وصول المساعدات لمَن يستحقها.
  • كنَّا في معظم الأحيان جهة مانحة ولم نستفد من تنفيذ المساعدات، ونَقْل تلك الخبرات للشباب السعودي وإنشاء قيادات بالتطوير في عمل التنمية.
  • حتى عند الإعلان عن المساعدات كان يتم في بعض الأحيان بطرق جافة أو تقليدية من حفل توقيع أو ما يشابهه، وفي بعض الأحيان بلغة تمنينية.
  • لم يتم استغلال المساعدات لفتح الباب للقطاع الخاص السعودي أن يخترق تلك البلاد، والكثير منها يعتبر emerging market

وذكر أ. عبد الله الضويحي أنه وفقًا للأرقام والإحصائيات، فإن عدد الدول المستفيدة من المساعدات السعودية “156” دولة، وهو ما يُمثِّل 80% من أعضاء الأمم المتحدة. ومن المؤكَّد أن هذه الدول ليست جميعها فقيرة؛ ومن ثَمَّ فالتساؤل المطروح: كيف نُفسِّر هذا الدعمَ؟ وما نوعه؟ وأين موقعه ومردوده على المملكة حكومةً وشعبًا؟

ومن ناحيتها ترى أ. فائزة العجروش أنه عندما تتعرض أيُّ دولة لكارثة طبيعية من أي نوع، تحتاج إلى دعم مختلف الأوجه بسرعة قصوى لإنقاذ أرواح المتضررين، وإيجاد مأوى لهم بسرعة قياسية (قد لا تستطيع تأمينه حتى ولو كانت دولة غير فقيرة بالحجم الكافي والسرعة الضرورية لضخامة الكارثة)؛ وهذا هو ما يدفع المملكة وغيرها من الدول لتقديم الدعم ومؤازرة الدولة المتضررة على وجه السرعة.

وأضاف د. عادل القصادي أن هذا ما يُعرف بانهيار المنظومة، وهو أحد دواعي الاستجابة الإنسانية، وهناك أشكال أخرى تستفيد منها حتى الدول المتقدِّمة أو الغنية مثل ما يُعرف بالتعاون الفني، المملكة تتلقى ذلك من البنك الدولي وغيره، والحكومة الفلسطينية مثلًا لديها جهاز للتعاون الفني لتقديم الدعم الفني لدول أخرى، وهكذا.

  • مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والصندوق السعودي للتنمية ودورهما في مجال المساعدات الخارجية للمملكة:

أوضح د. ناصر القعود أن مساعدات المملكة قد اتخذت أشكالًا عديدة؛ منها: القروض الميسَّرة والمِنح لأغراض تنموية، والمساعدات الإنسانية والإغاثية، والتي تُقدَّم من خلال عدة جهات وأكثرها من الناحية المؤسسية. وقبل إنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الصندوق السعودي للتنمية الذي أُنشِئ في منتصف السبعينيات، فهو يُقدِّم مساعدات تنموية على شكل قروض مُيسَّرة لمدد طويلة وبمعدل خدمة (فائدة) ضئيل، ويتابع تنفيذها، وكثير منها يتم على شكل تمويل مشترك؛ بمعنى أن الصندوق يشارك مع ممولين آخرين (منظمات ودول مثل البنك الدولي وصناديق التنمية في دول أخرى) في تمويل مشاريع البنية التحتية، طرق، مدارس، كهرباء، مياه. ولتشجيع الصادرات السعودية واستفادتها مما يُقدِّمه الصندوق من مساعدات، أنشَأ برنامجًا يسمح للصادرات السعودية للمنافسة على مدخلات المشاريع التي يمولها أو يشارك في تمويلها، ويقوم الصندوق كذلك بالإشراف على تنفيذ المِنح التي تُقدِّمها المملكة.

وفي ضوء ذلك، تساءل أ. عبد الله الضويحي: هل المساعدات السعودية الخارجية مرتبطة بإنشاء الصندوق السعودي للتنمية؟ ولماذا رُبِطت به؟ وهل يعود ذلك للتوثيق والإحصائيات أم أن هناك أسبابًا أخرى؟

ومن جديد، أشار د. ناصر القعود إلى أن إنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية خطوة متقدمة في مأسسة المساعدات المُقدَّمة من المملكة من حيث التوثيق والتسجيل، ومن حيث التعاون مع المنظمات الدولية بشأن تقديمها وإبراز مساهمة المملكة فيها، وكذلك تعاونه مع مؤسسات المجتمع المدني في تقديم المساعدات الإنسانية كما حدث مؤخرًا في لبنان والسودان.

وذكرت أ. فائزة العجروش أن جزءًا كبيرًا من مساعدات المملكة التنموية والقروض الميسرة وتمويل مشاريع الدول المستهدفة تحديدًا مرتبطٌ بالصندوق السعودي للتنمية، ولكن لا يعني ذلك أن جميع المساعدات الخارجية محصورة فيه؛ فهناك قنوات أخرى، مثل: (مركز الملك سلمان، وجمعية الهلال الأحمر، والأنشطة الخيرية الشعبية المنظمة). ولا ينبغي إغفال أنه كانت هناك بعض الجهود الوطنية أو الفردية أو على مستوى بعض الجمعيات الخيرية التي اجتهدت في مجال المعونات الخارجية، لكن لم تكن بمستوى العمل المؤسسي ولا ضمن جهود مُوحَّدة ومُعلَنة ومُوثَّقة، كما هو الحال حاليًّا تحت مظلة مركز الملك سلمان، الذي يعَدُّ أحدَ أبرز المؤسسات الإغاثية عالميًّا لتقديم الدعم للمتضررين خارجيًّا، وفيما يلي جدول يُوضِّح الجهات السعودية المانحة والداعمة للمساعدات الإنسانية والتنموية (*).

وذهبت د. وفاء طيبة إلى أنه إذا كان لدينا مركز الملك سلمان ومنصة المساعدات السعودية، فلماذا لا تقوم دراسات واتفاقيات بين الدول المانحة حتى لا تتكرر المساعدات المُقدَّمة من دول أخرى؟ ما هو البعد التنظيمي الناقص لتنظيم عملية تقديم المساعدات؟ هل بالفعل لا توجد جهة دولية يمكنها تنظيم هذه العملية؟ فما دور UNHCR إذًا؟ هل لا يمكنها تنظيم المساعدات سواء العينية أو المشاريع وغيرها في هذا المجال؟ وبالنسبة للمقيمين هنا في المملكة، والذين لا تُسمِّيهم المملكة لاجئين بل تُسمِّيهم ضيوفًا، والذين بلغ عددهم في وقت ما ١.٧ مليون ضيف مقيم، والمملكة ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة ووقَّعت عليه، كما أنها ملتزمة بالقانون الدولي الذي يجعل كلَّ الدول ملتزمة بالتمسُّك بمعايير الحماية الأساسية، فلا يُعاد لاجئ إلى مكان تتعرض فيه حياته للتهديد، ولكن هل لأن المملكة لم تُوقِّع على اتفاقية اللاجئين، ولم تُسمِّ الضيوف باللاجئين، يحرمها هذا من أن تكون كلُّ الخدمات والمساعدات التي تقدمها لهؤلاء الضيوف مُوثَّقةً دوليًّا في الأمم المتحدة، والتي تُقدَّر بالمليارات؟

وفي سياق متصل، أشار د. عبد العزيز الحرقان إلى أن مساعدات القطاع الخاص لخارج المملكة تمرُّ عبرَ مركز الملك سلمان، ولكن الملاحظ أنها قليلة جدًّا، وتكاد تكون محصورةً في جاليات الدول المنكوبة في المملكة التي تمدُّ يد العون لمن في بلادهم الأصلية. وعمومًا، القطاع الخاص يُفضِّل توجيه مساعداته المالية والعينية لداخل المملكة بشكل أساسي بسبب سهولة التأكد من استحقاق المعونة، وللإحساس بالمسؤولية الوطنية تجاه المشاهدات والمعايشة اليومية للمستحقين، كما أن منصات التواصل الاجتماعي عادةً ما تنتقد أيَّ تبرع أو دعم خارجي، وتطالب بأن يُوجَّه ذلك للداخل، وتتحدث عن الحاجة في الداخل أكثر من الخارج.

  • آليات تعظيم الإفادة من المساعدات الخارجية السعودية:

يرى د. محمد الثقفي أن أيَّ تصوُّر إستراتيجي مبني على تحليل للواقع، ومقارنات مرجعية فُضلى، وصولًا لاستشراف المستقبل المنشود – يمكن من خلاله التعمُّق في رسم الخارطة الإستراتيجية المطلوبة، مكوَّنة من رؤية ورسالة وأهداف إستراتيجية ومبادرات تنفيذية. وللحقيقة، فإن توجُّه الدولة الحديث يعَدُّ مجالاً خصبًا لزيادة فعالية المساعدات الخارجية، ويمكن الانطلاق من رؤية المملكة 2030، وحتى لو لم تكن الرؤية قد تناولت موضوع المساعدات بشكل مباشر، فإن الهدف الإستراتيجي الأول في الرؤية (تعزيز القيم الإسلامية) بحد ذاته يمكن أن يكون مُنطلَقًا لهذه الخدمات الإنسانية، إذ إن الرؤية لم تتناول بطبيعة الحال بعضَ الجوانب السياسية والإعلامية والجوانب الأخرى المتعلقة بالأمن الوطني. كما أن أهداف التنمية المستدامة المعتمدة عالميًّا يمكن أن تكون منطلقًا لرؤى إستراتيجية فيما يتعلق بالمساعدات الإغاثية والإنسانية، وتتطلب المساهمة الدولية فيما بين الدول الغنية للدول الفقيرة والمحتاجة، وهو ما يعمل مركز الملك سلمان للإغاثة في إطاره، بل ويعمل على تأطير وحوكمة هذه الخدمات الإنسانية.

وركَّز د. عبد الإله الصالح على ضرورة إبراز أمثلة عملية لتجارب مؤسسية ميدانية يمكن اقتراحها، تدمج الموارد البشرية الوطنية والثقافة والموارد المحلية، وتؤدي أغراض العون والمساعدة بدون الميل إلى مجالات مفرطة في المزاجات الدعوية أو السياسية مع ترسيخ الأهداف الوطنية. تكون مجالًا للانفتاح لشبابنا على الواقع المحيط على المستوى الدولي؛ كل ذلك في إطار نظامي لا يتصادم مع سياسة الدولة أو مصالحها.

وترى د. فوزية البكر أن ثمةَ حاجةً إلى مظلة تنسيق بين الجهات المانحة في المملكة.

وفي هذا الشأن، أضاف د. عادل القصادي أن تنسيق وتنظيم المساعدات الخارجية مسألة مهمة جدًّا للحيلولة دون التكرار والازدواجية وخلافه، والواقع أن هناك فراغًا عالميًّا في تنسيق الجهود الإنسانية، وهناك محاولات من الأمم المتحدة، منها إنشاء مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية OCHA، ولكن مع مرور الوقت فإن جُلَّ عمله تمحور حول توفير بيانات ومعلومات وتقارير وتنسيق على المستوى القُطْري، وعقد مؤتمرات المانحين؛ في حين ظلت الوكالات الأممية الأخرى – إلى حد كبير- تُحلِّق في فضاءاتها، ومنها مفوضية اللاجئين رغم جهودها الكبيرة، والأمل معقود على المانحين الكبار مثل المملكة كي تقود توجُّهًا دوليًّا لتوطين المساعدات أولاً، وتنسيق الاستجابة على المستوى دون الإقليمي ثم الإقليمي، وهكذا.

وركَّز د. حمد البريثن على أهمية تخصيص مبلغ كبير من المساعدات لتطوير القوى البشرية في المناطق المدعومة، عن طريق إعطاء تلك الكوادر الفرصة للتدريب أو الدراسة في المؤسسات ذات العلاقة في السعودية، بحيث يتم صرف جزء من تلك المبالغ محليًّا، وكذلك تدعم تلك المؤسسات الوطنية بالداخل أسوةً بما تعمله الكثير من الدول.

وأكد م. سالم المري على أهمية التدابير التالية في مجال المساعدات الخارجية للمملكة:

  • وَضْع تشريع يحكم مساعدات الدولة وقروضها للخارج، وتصدر المساعدات بأمر سامٍ بعد مُصادقة مجلس الشورى ومجلس الوزراء على مشروع المساعدة أو القرض.
  • التقليص التدريجي للمساعدات بالتمويل، والتحوُّل إلى المساعدة العينية عن طريق تنفيذ المشاريع بشركات أو مؤسسات أو هيئات أو وزارات سعودية تُباشر الأعمال في البلدان المستهدفة بالتعاون مع الجهات المعنية في تلك البلدان، باستخدام الصناعات والسلع السعودية وبإشراف خبرات سعودية.
  • التركيز في المساعدات على المشاريع ذات الأثر التنموي الباقي، مثل الطرق والمستشفيات والجامعات والمدارس والمباني الحكومية وشبكات الكهرباء وشبكات المياه والصرف الصحي، على أن تقوم بها جهات أو شركات سعودية حكومية بالتعاون مع القطاع الخاص السعودي والقطاع الخاص في الدولة المستهدفة، ويكون المشرفون على المشروع سعوديين، ويُوظِّفون بعضَ أبناء البلد المستهدَف، ويتم تغطية المشاريع إعلاميًّا.
  • يتم إشراك مؤسسات المجتمع المدني السعودي لتكتسب الخبرات، وتنفذ للمجتمع الدولي والمنظمات المدنية الدولية.
  • تعزيز قدرات الهلال الأحمر السعودي ليكون له دور بارز مع الصليب الأحمر الدولي في الأعمال الإغاثية والكوارث.
  • التركيز على المساعدات ذات البُعد الاقتصادي والإستراتيجي، مثل المساعدة في إقامة مشاريع التعدين أو التنقيب عن النفط والغاز أو الصناعات البتروكيمياوية أو محطات الكهرباء أو البنية التحتية لشبكات الاتصالات؛ باستخدام الأذرع التقنية للدولة في هذا المجال، مثل أرامكو وسابك ومعادن وشركة الكهرباء والاتصالات السعودية.
  • إبراز هذه الاتفاقيات في الإعلام المحلي حتى تكتسب البعد الشعبي في تلك الدول، عن طريق احتفالات التوقيع وإعلان الإنجازات.
  • رَبْط مساهمات المملكة في تمويل مؤسسات الأمم المتحدة بإشراك موظفين سعوديين يتناسب عددهم مع نسبة مشاركة المملكة في التمويل.

أيضًا، فقد أكدت د. وفاء طيبة على أهمية أن تُسهِم المملكة في دعم المفوضية السامية للاجئين UNHCR في مجالات تعليم الأطفال في الملاجئ، حيث يمكن أن تسهم المملكة في ذلك ماديًّا وعمليًّا، مثل مشروع تعليم بلا حدود، ويكون التعليم من خلال الإنترنت، فيستطيع معلم سعودي مثلاً وآخرون من بلاد مختلفة أن يقوموا بتدريس بعض النازحين في سوريا أو غيرها بطريقة مُنظمة عالمية دولية، وكذلك التدريب على بعض المهن البسيطة التي يمكن أن يتم عبر الإنترنت، وتعليم اللغة وغيرها.

واقترح د. عبد الإله الصالح النظرَ في جَعْل التطوع في برامج المساعدات جزءًا من المنهج والمتطلبات الأكاديمية لبعض الدرجات العلمية أو حتى التأهيل لبعض الوظائف المهنية، على أن يكون أمرًا منهجيًّا ومنظَّمًا. أيضًا، فقد يكون أحد أفضل وسائل توسيع وتنظيم وتطوير النشاط الوطني في هذا المجال هو إنشاء (أو تكليف هيئة قائمة) بتنظيم المجال وتلك النشاطات، والعمل على تنسيقها وتطويرها لتخدم الأهداف الوطنية التنموية. والمتوقع أن ذلك سوف يسمح لمؤسسات قائمة في مجال التعليم العام والمهني والعالي والشرعي ومجال البناء والإنشاء ومجال التمويل وغيرها، للمشاركة في مجالات المساعدات والعَوْن، مُوظِّفة تخصصاتها ومهاراتها وقدراتها وخبراتها في مجال العون والمساعدات بدون التخلي عن مجالاتها الأصلية.

ومن جانبه يرى د. رياض نجم أهمية أن تُصرَّ المملكة في مساعداتها المستقبلية لتلك الدول التي ثبت لنا حدوث فساد في توزيعها، أن تتم من خلال مؤسسات سعودية وليس من خلال مؤسسات محلية في تلك الدول. كما أنه من الضروري تحفيز القطاع الخاص للمشاركة في المساعدات الخارجية من خلال منحه ميزاتٍ ضريبيةً إذا فعل ذلك. وقد يكون من المناسب إنشاء صندوق لهذا الغرض في مركز الملك سلمان للإغاثة أو في وزارة المالية. أيضًا، من المفيد أن تكون المساعدات الخارجية السعودية مشروطةً بحد أدنى من المحتوى السعودي، سواء من حيث المواد أو من حيث الموارد البشرية اللازمة. ويعتمد هذا الحد الأدنى على نوع المساعدة والدولة المقدَّمة لها. فضلًا عن ذلك، فإن المساعدات العينية والملموسة من مشاريع وغيرها تكون أكثر فاعليةً واستفادةً لشعوب الدول الممنوحة لها؛ لذا علينا التقليل قدر الإمكان من المساعدات المالية المباشرة التي تُعطَى للحكومات، والتي تكون مُعرَّضة لصرفها في غير أغراضها أو لفساد بعض مسؤولي تلك الحكومات.

أما أ. عبد الرحمن باسلم فيرى أنه يجب الاهتمام بالإعلام ليس للسمعة، ولكن لإيصال الحقيقة للجميع، ويجب حساب جميع مجالات الدعم أيًّا كانت الجهة، مع توضيح كافة أشكال المساعدات على نحو دقيق.

ومن جانبها أشارت د. مها العيدان إلى أن من وسائل تعظيم المردود المتوقع للمساعدات الخارجية للمملكة ما يلي:

  • رَبْط المساعدات للدول بالتنمية المستدامة حتى يتمكن المجتمع من الاستفادة من هذه المساعدات على مدار الزمن.
  • تعيين مشرفين سعوديين في مؤسسات الأمم المتحدة التي تموِّلها السعودية حتى يكون للمملكة دورٌ في إبراز الجهود بصورة واضحة وعادلة.
  • التركيز على المساعدات ذات البعد الاقتصادي، والتي يصل مردودها للفرد.
  • إبراز الدور والحجم السعودي إعلاميًّا في وسائل الإعلام العالمية والدول المستفيدة، وليس فقط في قنواتنا المحلية التي لا تصل للمستفيدين.

أما م. فاضل القرني فركَّز على جانبين مهمين في رأيه، وذلك على النحو التالي:

  • أولًا: ضرورة أن تصل المساعدات لوعي ووجدان الشعوب؛ بمعني أن تكون حكوماتهم في دائرة الترتيبات والإجراءات التي تضمن استفادة الشعوب، وفق سياسة مساعدات واضحة وشفافة.
  • ثانيًا: أهمية العبارات المختصرة، كشعار لإيصال الجانب الإنساني من المساعدات للشعوب، والذي يساعد في تحقيق (أولًا).

وفي تصوُّر د. يوسف الرشيدي، فإن الحاجة الملِحَّة الآن هي تطوير إستراتيجية تواصل كبرى تُركِّز على إظهار كافة الجهود في مجال المساعدات التي تقدِّمها المملكة، نستهدف بها سكانَ المملكة من مواطنين ومقيمين، فضلاً عن مواطني الدول المستفيدة من الدعم ومعها الآخرون؛ لإبراز الجانب الإنساني أو الإغاثي الذي تقوم به المملكة منذ التأسيس.

وسلَّط د. مساعد المحيا الضوءَ على ضرورة إعادة النظر في سياسة مركز الملك سلمان، وأن تتنوع الجهود الإغاثية من قِبل مختلف المؤسسات، وأن يُشرِف المركز على كل جهود وأنشطة المؤسسات الإغاثية ومراقبتها وتفعيل حوكمتها؛ لترشيد العمل الإنساني الذي تُقدِّمه المملكة وشعبها. وأن يعمل المركز على وضع إستراتيجية عامة تتضمن الأهداف والرؤى لآلية عمل تلك المؤسسات، والضوابط الخاصة بأساليب العمل، ومؤهلات الكفاءات التي ينبغي أن تعمل في إدارة هذه المؤسسات، ومتابعتها وتقويمها مع توحيد مرجعيتها التي تشرف عليها، ووضع آليات تُحدِّد طبيعة الجمهور الذي تستهدفه؛ الأمر الذي سيُعزِّز من موثوقيتها، وسيُسهم في تقديم أعمال تثمر عن قوة ناعمة سعودية مؤثرة. كما يمكن أن يقوم المركز بالتنسيق بين هذه المؤسسات لإجراء عدد من الدراسات حول العالم وبخاصة العالم الإسلامي، لتقديم المساعدات وفق سياسة الدعم المناسب للأكثر حاجة، وكيفية تحقيق المملكة للريادة عالميًّا في عملها الإنساني الواسع، وبخاصة في المراكز والمؤسسات التي كان للمملكة علاقة بها حتى لا تتخطفها إيران وجماعاتها؛ إذ إن العرب والجاليات الإسلامية واﻷقليات المسلمة في مختلف دول العالم يمكن أن تمتد لها المساعدات بمختلف أنماطها الإنسانية والثقافية والتعليمية، وبذلك نحافظ على امتداد وجودنا، وتمثيل قيمنا وديننا.

ومن وجهة نظر د. عبير برهمين، فإن من المهم تهيئة الداخل السعودي أو مَن يعملون في مجالات التطوع المختلفة ليكونوا داعمين لكل المساعدات الإنسانية الخارجية، ولتعزيز القدرات البشرية. كذلك فمع أن العمل الخيري متأصِّل في بلادنا، لكن يجب أن يتم توثيق ذلك بلا مِنَّة أو أذى، من باب حفظ الحقوق. كما يجب أن يتم تكريم كلِّ العاملين في الميدان في المجال الإغاثي من باب التقدير والتشجيع. وألا تغفل الجامعات دورَها في تهيئة الشباب للعمل في الهيئات الإغاثية. وكذلك الاستفادة من خبرات الخبراء المحليين في هذا المجال من المتقاعدين، من باب الإشراف والتزود من معين الخبرة لديهم.

  • التوصيات:
  • وَضْع تشريع يحكم مساعدات الدولة الخارجية وقروضها، بحيث تصدر بأمر سامٍ بعد مصادقة مجلس الشورى ومجلس الوزراء على مشروع المساعدة أو القرض.
  • رسم توجهات مستقبلية فعَّالة ومبتكرة للمساعدات الخارجية، تُحقِّق أثرًا أكبر لدى المستفيدين، وتضمن استدامة الأثر من خلال بناء المؤسسات في الدول المستفيدة، وتعزيز التعافي الاقتصادي وتمكين المجتمعات، وهذا من شأنه أيضًا أن يساعد في تحديد المفاهيم المختلطة (العمل الخيري والتطوعي، التنمية الدولية، الإغاثة الإنسانية… إلخ).
  • توجيه المساعدات عبر وكالات المعونات الرسمية المعتمدة من لدن المنظمات الدولية، مع إعادة تعريف العلاقة مع تلك الوكالات لتعظيم العائد على المملكة، واشتراط وجود ممثلين عن الجهة السعودية المعنية أثناء تسليم المعونة مادية أو عينية، وأثناء التغطية الإعلامية للحدث لإحاطة الشعوب المستهدفة بذلك.
  • إنشاء مركز تميُّز بحثي للمساعدات الخارجية، أو أن تتولى جهة حكومية متخصِّصة توثيقَ جميع المساعدات التي قدَّمتها المملكة قبل تأسيس الصندوق السعودي للتنمية، بحيث تُضاف لما تمَّ حصره حاليًّا؛ لتكوين أرشيف مُشرِّف ومتكامل يمكن العودة إليه عند الحاجة.
  • استثمار المساعدات السعودية الخارجية كقوى ناعمة تُمكِّن الكفاءات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني السعودي من النفاذ للمؤسسات الدولية؛ كأن تكون مشروطةً بحد أدني من المحتوى السعودي سواء من حيث المواد أو الموارد البشرية اللازمة.
  • التقليل من المساعدات المالية المباشرة للحكومات، والمُعرَّضة للصرف في غير أغراضها، وتأهيل الكوادر المتعاملة مباشرة مع الجهات المستفيدة بما ينعكس إيجابًا على دور المملكة كدولة مانحة بلا حدود دون فضل أو مِنَّة.
  • تركيز المساعدات على المشاريع ذات الأثر التنموي الباقي، كالطرق والمستشفيات ودور التعليم والبنى التحتية، وبتنفيذ القطاع الخاص السعودي بالتعاون مع القطاع الخاص في الدولة المستهدفة، بإشراف سعودي وأيدٍ عاملة من البلد المستفيد.
  • حث الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الحكومية والأهلية على اعتماد “التطوع والمبادرات الاجتماعية” كمتطلب تخرُّج لبعض التخصصات؛ بهدف مأسسة هذا المجال، والاستفادة من المؤهلين للعمل فيه.
  • توجيه بعض الدعم للتبادل العلمي أو التدريبي، مثل: تقديم المِنح البحثية لأساتذة الجامعات والأطباء للعمل في المملكة، وتطوير القوى البشرية في المناطق المدعومة بإعطائها الفرصة للتدريب أو الدراسة في المؤسسات ذات العلاقة في السعودية، بحيث يُصرف جزءٌ من تلك المبالغ محليًّا أسوةً بما تعمله الكثير من الدول.
  • النظر في تكليف إحدى الجهات الحكومية ذات العلاقة بالقطاع غير الربحي (مثل المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي)، لتنسيق مساعدات المملكة للخارج، والتي تتبرع بها الجهات غير الحكومية، وتوحيد الجهود بحيث تضع إستراتيجية عامة لآلية عمل تلك القطاعات والكفاءات العاملة بها ومتابعتها وتقويمها.
  • تعزيز قدرات الهلال الأحمر السعودي ليكون له دور بارز وفاعل مع الصليب الأحمر الدولي في الأعمال الإغاثية والكوارث.
  • إنشاء مقارّ لمؤسسات دولية إنسانية وتنموية على أرض المملكة العربية السعودية؛ لتأكيد دور المملكة المتميز باعتبارها واحدةً من أكبر القوى الفاعلة في مجال المساعدات الإنسانية والتنموية.
  • العمل على توظيف الإعلام بمفهومه الشامل داخل وخارج الدول المستفيدة؛ لاستثمار المساعدات السعودية للخارج كقوة ناعمة بما يُعزِّز من مكانة المملكة كدولة رائدة في المجتمع الدولي، مُحِبَّة للسلام والسلم العالميين.

القضية الثالثة

قمة مجموعة العشرين (G20): الرياض 2020

 (22/11/2020م)

 

  • إدارة الحوار: د. وفاء طيبة

 

  • الملخص التنفيذي:

تزامنًا مع استضافة المملكة العربية السعودية لاجتماعات قمة مجموعة العشرين (G20)، فقد تمَّ تخصيص هذه القضية لمناقشة تداعيات هذا الحدث على المستويين الدولي والمحلي، وقد تمَّ التركيز في هذا الصدد على المحاور التالية:

  • قراءة تاريخية في دفاتر قمم العشرين السابقة وأهم قراراتها.
  • مسارات قمة العشرين في الرياض ومجموعاتها الأساسية.
  • تفسير بعض الاحتجاجات العالمية المصاحبة لقمة العشرين في المملكة.
  • الرد على حملات التشكيك في رئاسة المملكة لقمة العشرين.
  • أهم القرارات والمبادرات التي تمخَّضت عنها قمة العشرين في الرياض.
  • ‏الإعلام السعودي والدولي ومدى مواكبة فعاليات قمة العشرين.
  • المكاسب من رئاسة السعودية لمجموعة العشرين تجاه القضايا الآنية والرؤية المستقبلية.

ويعَدُّ من أبرز ما تمت الإشارة إليه هو أن قمة مجموعة العشرين في الرياض جاءت في ظروف استثنائية: صراعات جيوسياسية، وأوضاع اقتصادية، وجائحة كورونا التي غيَّرت مفاهيم العالم. واستطاعت ‫المملكة العربية السعودية بفضل الله ثم حنكة وقيادة ‫خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان أن تجعلها قمةً استثنائية، فتحت بها آمالَ المستقبل. وقد ‫عالجت المملكة عددًا من القضايا العالمية المُلحة، وقدَّمت مبادرةً تاريخية لتأجيل سداد 14 مليار دولار من ديون الدول الفقيرة وتوظيفها في مواجهة ‫كورونا وآثارها الاجتماعية والاقتصادية على العالم.

أيضًا، فثمة اتفاق على أن من أهم منجزات هذه القمة الاستثنائية أنَّ من عمل على تحقيقها في ظروف صعبة جدًّا هم شباب وشابات من أبناء هذا الوطن نفتخر بهم وبإنجازاتهم.

 

  • قراءة تاريخية في دفاتر قمم العشرين السابقة وأهم قراراتها:

أشارت أ. فائزة العجروش إلى أنه عُقدت حتى الآن 14 قمة سابقة، سيطرت على أغلب مخرجاتها القضايا الاقتصادية قبل أن تصبح أكثر شمولًا في تناولها، ولو تمَّ تصنيفها حسب المؤثرات والأجواء التي صاحبتها وطغت على بياناتها الختامية، ستكون كالتالي:

قمم أمريكية جاءت كردة فعل على الأزمة المالية في 2008:

أقرت (قمة واشنطن نوفمبر 2008) “وَضْع خطة عمل مُفصَّلة لتحسين النظام المالي، ووَقْف تدهور الأسواق المالية، وتوقيع اتفاقية لمعارضة الحمائية التجارية”.

أكدت (قمة بيتسبرغ سبتمبر 2009) على دعم الانتعاش العالمي، ومعالجة إفلاس المؤسسات المالية، وإصلاح المؤسسات العالمية المالية والاقتصادية، وتبادل الأعضاء سياساتهم الخمسية القادمة لبحث انعكاساتها على الوضع الدولي.

هاجس أزمة كساد 2008 مهيمن على قمتي لندن وتورونتو:

ركزت (قمة المملكة المتحدة إبريل عام 2009) على وسائل التحفيز المالي والنقدي لتجنُّب خطر الكساد العالمي، والعمل على إيجاد موارد إضافية لصندوق النقد وبنوك التنمية لمواجهة الأزمة المالية، وإنشاء مجلس الاستقرار المالي، والالتزام بمعارضة الحمائية التجارية.

دعت (قمة كندا في يونيو 2010) إلى “ضرورة دَعْم النظام المالي وخفض عجز الاقتصادات لدول المجموعة، وتقليل نسب الديون السيادية للدول الأعضاء، وتوفير 350 مليار دولار لرأسمال بنوك التنمية المتعددة الأطراف، وتقييم اتساق سياسات الأعضاء مع أهداف النمو والتوازن العالمي لضمان عدم تجدُّد الكساد الاقتصادي”.

بداية التعافي من سيول:

جاءت (قمة كوريا نوفمبر 2010) بنتائج أكثر إيجابيةً؛ حيث أقرَّت وضع مبادئ توجيهية لمعالجة الخلل في إطار العمل لتحقيق نمو قوي مستدام، وتكليف صندوق النقد بتقييم أوضاع الدول الأعضاء التي وقعت فيها اختلالات كبيرة، وتحديد كل دولة عضو لإجراءاتها السياسية للمساهمة في تحقيق أهداف النمو المشتركة.

قمة كان بنتائج أكثر محدودية في النطاق الأوروبي:

ركَّزت (قمة فرنسا نوفمبر 2011) التي تعتبر نموذجًا أكثر محدوديةً عن سابقاتها، على تطوير خطة النمو وتحسين الفرص الوظيفية المتفاقمة في أوروبا، والتنفيذ العاجل للتدابير المُعلَنة من قادة اليورو، وتأييد إجراءات تصحيح الاختلالات، والعمل على معالجة القضايا الاجتماعية.

أكثر قوةً وتطلعًا نحو النمو.

كانت (قمة المكسيك يونيو 2012) أكثر قوةً وتطلُّعًا نحو النمو بعد التخفُّف من تبعات الأزمة، وجاء في بيانها الختامي: إنه من الضروري “وضع تدابير لكل دولة لتعزيز الطلب والنمو والاستقرار العالمي، والتعهُّد بزيادة موارد صندوق النقد الدولي بنحو 456 مليار دولار، واعتماد سياسات دعم النمو العالمي، واستعادة الثقة لمعالجة المخاطر قصيرة ومتوسطة الأجل.

التركيز على مفردة “النمو” بشكل واسع:

جاءت (قمة روسيا سبتمبر 2013) في معمعة الخلاف السياسي بين موسكو والعالم الغربي، ونجحت القمة في القفز فوق الخلافات، والتركيز على ذات النقاط الداعية لتعزيز النمو، من حيث “وَضْع خطة عمل من أجل الإصلاحات لضمان تحقيق النمو، وتأكيد التزام تنفيذ الإصلاحات التنظيمية المالية المتفق عليها، وإقرار ضبط أوضاع المالية العامة لحماية المكتسبات وتعزيز النمو”.

ظهور قضايا لأول مرة:

في (قمة أستراليا في نوفمبر 2014) حضرت “القضية الصحية” للمرة الأولى بعد تزايد القلق العالمي من الآثار الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن مرض إيبولا، وطالبت بتقديم “إستراتيجيات نمو لرفع إجمالي الناتج المحلي للأعضاء بنسبة ٢٪؜ حتى عام 2018، وأقرَّت وجوب التعاون في كفاءة استخدام الطاقة”.

وفي (قمة تركيا في نوفمبر 2015) حضرت “قضايا المرأة” بشكل أكثر زخمًا بعد أن باشرت “مجموعة عمل المرأة” أعمالها للمرة الأولى، لتدعو إلى “تعزيز العدالة في سوق العمل بين الجنسين”، إضافةً إلى الإرهاب والسياسة عندما طالبت بضرورة “التركيز على القضايا السياسية إثر الهجمات الإرهابية في باريس، ومحاربة الإرهاب بجميع أشكاله بما يشمل الاقتصادي منه”، فضلًا عن استعراض ما تحقَّق من تنفيذ إستراتيجيات النمو، والعمل على تشجيع الاستثمار وتعزيز احتوائية النمو.

 قمة أعادت التركيز على القضايا الاقتصادية بشكل صِرف:                                        

نجحت (قمة الصين في سبتمبر 2015) في “إعادة التركيز على القضايا الاقتصادية بشكل صِرف، وإبعاد القضايا ذات البعد السياسي المؤرق عن أجندة القمة”، التي تضمَّنت “اعتماد إستراتيجية خاصة للتنمية، وتقديم دعم إضافي لنمو قوي ومستدام ومتوازن، وتأكيد التزام الأعضاء بالسياسات الاقتصادية، والحفاظ على استقرار السوق المالي، وزيادة الاستثمار والعمل على تعزيز النمو العالمي”.

الإرهاب من القضايا أساسية:

(قمة ألمانيا يوليو 2017) وضعت قضايا أساسية في جدول أعمالها، رغم وجود احتجاجات ضخمة ضد إقامتها، وأشارت في بيانها الختامي إلى “مواصلة جهود مكافحة الإرهاب ومراقبة تمويله، ومطالبة المجموعة بتقرير عن الكميات الزائدة من النفط، والاهتمام بالتنمية المستدامة، وضرورة تبادل الصفقات التجارية دون التمييز تجاه الدول النامية”. كما شدَّد البيان على أن كل الدول الأخرى – بعد انسحاب الولايات المتحدة – تعتبر أن “لا رجعة” عن اتفاق باريس الدولي لمكافحة التغيُّر المناخي.

الالتفات لأزمة الشرق الأوسط في الأرجنتين وسط أجواء توتُّر شديد (الأسوأ في تاريخ قمم العشرين):

أشارت (قمة بوينس آيرس في 30 نوفمبر 2018) إلى أزمة الشرق الأوسط في حديثها عن قضايا الإرهاب، حيث تمَّ “التشديد على ضرورة حل أزمات الشرق الأوسط، وتأكيد دعم أجندة التنمية المستدامة التي اتفق قادة العالم على تطبيق أهدافها بحلول عام 2030، وأكَّد القادة الحاجة لزيادة مكافحة تغيُّر المناخ، وأهمية النَّهج التعددي في مجال التجارة وإصلاح منظمة التجارة العالمية”.

قمة جاءت وسط حرب تجارية غير مسبوقة، وكانت الهدوء الذي يسبق العاصفة:

دعت (قمة اليابان يونيو 2019) – التي جاءت وسط صراعات سياسية وتجارية وتفاقم الأزمة بين طهران وواشنطن وحرب الجمارك بين بكين وواشنطن – إلى أهداف اقتصادية بعيدًا عن ضجيج السياسة والأزمات والأوبئة، عن طريق “توفير مناخ تجاري غير منحاز، وتأكيد التزام الدول بأسعار الصرف التي أعلنها وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية، والدعم للإصلاح الضروري في منظمة التجارة العالمية لتطوير مهامها”.

إلا أن هذا الهدوء الذي صاحب قمة اليابان كان لالتقاط الأنفاس، قبل أن تعصف جائحة كورونا بالعالم عقب أشهر قليلة من ذلك البيان، وتعيد تحويل (مسار قمة الرياض 2020) من “البحث عن اقتناص فرص القرن الواحد والعشرين لجميع دول العالم” إلى “خطة عمل لمكافحة جائحة كورونا، ودعم الاقتصاد العالمي، والبحث عن توفير لقاح لكل دول العالم، وبشكل عادل”، حيث لا ينتظر العالم مخرجات نهائية بعيدة عن هذا المسار؛ لتخفيف أضرار الفيروس على الدول الأقل دخلًا، وبحث سُبل مكافحة الجائحة، ومعالجة مشكلات الأزمة الراهنة.

وبصفة عامة، فقد استطاعت قمم العشرين السابقة تحقيق عدد من الإنجازات، ومنها:

  • قطع أشواط كبيرة في مساعي تعزيز الاستقرار ودعم التنمية.
  • مضاعفة موارد صندوق النقد الدولي ثلاث مرات في خطوة مهمة لزيادة حجم الأموال المتاحة للاقتراض بشكل كبير، وتوفيرها للمصارف التنموية في مختلف البلدان، وإطلاق برنامج تحفيز مالي واسع النطاق.
  • تحقيق إصلاحات مالية ساهمت في استقرار النظام المالي العالمي على مدى سنوات سعيًا لتحقيق نمو قوي ومستدام.
  • رسم ملامح أطر عمل عالمية النطاق مثل: لوائح النظُم المالية، والضرائب الدولية، على نحو ساهم في هندسة النظام المصرفي.
  • مسارات قمة العشرين في الرياض ومجموعاتها الأساسية:

ذكر د. خالد بن دهيش أن قمة العشرين في الرياض كان لها مساران أساسيان، هما:

أولًا – المسار المالي: ويتضمن اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية ونوابهم على مستوى دول مجموعة العشرين.

ثانيًا – مسار الشربا: ويتضمن اجتماعات الوزراء وكبار المسؤولين المعنيين، وركزت الاجتماعات على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، مثل: الزراعة، ومكافحة الفساد، والمناخ، والاقتصاد الرقمي، والتعليم، والعمل، والطاقة، والبيئة، والصحة، والسياحة، والتجارة، والاستثمار.

وقد اشتملت مجموعات العمل داخل قمة العشرين التي استضافتها السعودية ثماني مجموعات تعاونية مستقلة تقودها منظمات المجتمع المدني في البلد المضيف للقمة، تتنوع أعمالها، وهذه المجموعات هي(*):

  • مجموعة الأعمال (B20): تُمثِّل مجموعة الأعمال في دول العشرين، سواء شركات صغيرة ومتوسطة أو شركات كبرى. وأطلقت المجموعة مبادرة COVID 19، التي اجتمع فيها أعضاء وشركاءB20 بهدف تزويد مجموعة العشرين باقتراحات وتوصيات قابلة للتطبيق، والتي تشمل العمل على إبراز دور القطاع الخاص في معالجة أزمة وباء «كورونا المستجد» وتداعياتها على الاقتصاد.
  • مجموعة الشباب (Y20): وهي المجموعة الرسمية لمشاركة الشباب، وهي مجموعة مستقلة وإحدى مجموعات التواصل الثماني الرسمية، التي تقودها منظمات المجتمع المدني في البلد المضيف، تحت مظلة مجموعة العشرين. تعمل المجموعة على تطوير مهارات وشبكات المندوبين الحاضرين، وتحديد أكثر التحديات والفرص الاقتصادية إلحاحًا التي تواجه الشباب اليوم. وتعد المجموعة منتدى لتطوير التعاون مع جيل المستقبل، وتُوفِّر منصة للشباب لسماع أصواتهم حول القضايا ذات الصلة بجدول أعمال G20.
  • مجموعة المجتمع المدني (C20): هي المجموعة المخصَّصة لاجتماعات المجتمع المدني داخل مجموعة العشرين. وتُوفِّر المجموعة منصةً لمنظمات المجتمع المدني لوَضْع وجهات النظر المختلفة بشأن التحديات المالية والاجتماعية الاقتصادية على طاولة مباحثات المجموعة. وتُمثِّل مجموعات التواصل مجالس مستقلة تقودها منظمات من المجتمع المدني، حيث تعمل هذه المنظمات مع نظيراتها من دول مجموعة العشرين لوضع توصيات متعلقة بالسياسات تُقدَّم رسميًّا إلى قادة مجموعة العشرين للنظر فيها.
  • مجموعة العمال (L20): تُمثِّل هذه المجموعة مصالح العمال في جميع أنحاء العالم. وتتمثل مهمتها الأساسية في تعزيز حقوق العمال ومصالحهم ومناصرتها، وإطلاق الحملات المدافعة عن حقوقهم من خلال مشاركات مختلفة مع فِرق العمل المختلفة واجتماعات مع وزراء العمل. وركَّزت المجموعة ضمن أولوياتها الرئيسية للقمة على مجموعة من الأولويات الطموحة التي تهدف إلى تمكين العمال وحماية حقوقهم.
  • مجموعة الفكر (T20): تُعَدُّ مجموعة الفكر (T20)، وهي إحدى المجموعات المشاركة التي تُسهم في مجموعة العشرين من خلال العمل بمثابة «بنك الأفكار» لمجموعة العشرين. وتلتزم المجموعة بتقديم توصيات السياسات العامة القائمة على البحوث إلى مجموعة العشرين، وتسهيل التفاعل بين مجموعة العشرين ومجتمع هيئات الفكر والدوائر البحثية، والتواصل مع الجمهور على نطاق أوسع حول القضايا ذات الأهمية العالمية.
  • مجموعة المرأة (W20): تتكون مجموعة المرأة (W20) من شبكة من الممثلين للمنظمات النسائية غير الحكومية، والمجتمع المدني، ورائدات الأعمال، والشركات، ومراكز الفكر عبر الدول الأعضاء في مجموعة العشرين. ويتمثل الهدف الأساسي للمجموعة في ضمان تعميم الاعتبارات الجنسانية في مناقشات مجموعة العشرين، وترجمتها إلى إعلان قادة مجموعة العشرين كسياسات والتزامات تُعزِّز المساواة بين الجنسين والتمكين الاقتصادي للمرأة. وتنتهي المجموعة بعد جلسات موسَّعة لعدد من توصيات السياسة العملية التي تهدف إلى تعزيز المساواة بين الجنسين والتمكين الاقتصادي للمرأة؛ من أجل تعزيز النمو الاقتصادي الشامل للجنسين في كل بلد.
  • مجموعة العلوم (S20): هي واحدة من أصغر المجموعات المشاركة في قمة العشرين، ولديها أمانة دورية غير دائمة، وتعمل كمنتدى وليس كمنظمة. تدعم مجموعة العلوم قمة العشرين من خلال تعزيز الحوار الرسمي مع المجتمع العلمي بقيادة أكاديمية العلوم الوطنية في البلد المضيف. ويتمثل الغرض الأساسي لمجموعة العلوم في تزويد صانعي السياسات بتوصيات قائمة على التوافق في الآراء بشأن الموضوعات المختارة ذات الاهتمام، حيث تتم صياغة هذه التوصيات ذات التوجه العلمي من خلال فِرق عمل تتألف من خبراء دوليين. تُركِّز كلُّ فرقة عمل على موضوع واحد شامل له صلة بالعلماء وصانعي السياسات والمجتمع على حد سواء.
  • مجموعة الحضرية (U20): هي إحدى مجموعات العمل التي تُمثِّل مبادرة دبلوماسية للمدينة، تجمع مدنًا من الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، بالإضافة إلى مدن مراقبة من الدول غير الأعضاء في مجموعة العشرين؛ لمناقشة وتشكيل موقف مشترك بشأن القضايا الحضرية المهمة. وتشمل هذه القضايا التغيُّر المناخي، والاندماج الاجتماعي والتكامل، واستدامة النمو الاقتصادي.

 

  • تفسير بعض الاحتجاجات العالمية المصاحبة لقمة العشرين في المملكة:

أشار د. حميد الشايجي إلى أن الاحتجاجات والمظاهرات المصاحبة لقمة العشرين، هي ممارسة مصاحبة لقمم العشرين من جماعات في غالبها غربية مناهضة للرأسمالية والفقر والاستغلال، والداعية لحماية البيئة والمحافظة على المناخ. ففي كل اجتماع يتجمع عدد من المناهضين من كل أنحاء العالم في الدولة التي ستُقام فيها القمة لتسجيل احتجاجهم في تجمعات ومظاهرات. فهذا شيء متوقع مع قمة الرياض أيضًا، وهو ليس تشويشًا على السعودية، بل هو ممارسة دائمة أينما عُقِدَ الاجتماع. ونظرًا لمَنْع السفر بسبب جائحة كورونا، فمعظم الاحتجاجات هذه المرة كانت تجمعات محلية في بلدانها، وتجمهرات واحتجاجات إلكترونية عن بُعد.

وذهب د. عبد الإله الصالح إلى أنه قد يكون من المناسب أن يكون هناك تحقيقات صحفية حول خلفيات هذه الاحتجاجات، ليكون المواطن السعودي والإقليمي والعالمي على اطلاع على حقيقية الأمور؛ الرمادي منها والفاقع.

وبدوره أكد د. حميد الشايجي على الحاجة إلى توعية الشعوب العربية التي لم يتسنَّ لها متابعة مثل هذه القمة سابقًا، لكي لا يظنَّ أن أيَّ احتجاج هو مُوجَّه للسعودية بذاتها؛ بل هو ممارسة شعبية دولية لأسباب عالمية ليس للدولة المضيفة علاقة بها.

وفي السياق ذاته، يرى م. إبراهيم ناظر أنَّ ثمة حاجة للرد على هذه الاحتجاجات وتوضيحها، وأهمها حسب الأخبار احتجاج منظمة العفو الدولية على سجينات الرأي العام في المملكة، وضغطهم على زعماء قمة العشرين لعدم الحضور حتى يتم إطلاق سراحهن، وبعضهن ليس سجينات رأي؛ وإنما في قضايا أخرى.

  • الرد على حملات التشكيك في رئاسة المملكة لقمة العشرين:

ذكر م. سالم المري أنه من الجميل أن تُعقَد قمة العشرين في المملكة، وأن نكون الدولة العربية الوحيدة في هذا المحفل المهم؛ ولكن هناك مَن يقول إن المملكة ستدفع الكثيرَ من أجل رئاسة قمة العشرين، وأنهم قبلونا لكي يدفّعونا للمساهمة في الجهود الدولية المبذولة للحصول على 21 مليار دولار أمريكي لدعم إنتاج الأدوات التشخيصية والعلاجية واللقاحات وتوزيعها، وضخ أكثر من 11 تريليون دولار لحماية الاقتصاد العالمي، وتوفير أكثر من 14 مليار دولار أمريكي لتخفيف أعباء الديون في الدول الأقل تقدُّمًا لتمويل أنظمتها الصحية وبرامجها الاجتماعية.

وعقَّب أ. محمد الدندني بأن مثل هذه الأقوال ضرب من الخيال؛ فالمملكة معروف وقت رئاستها للمجموعة قبل كورونا. والتصوُّر أنه ليست هناك ضريبة للانضمام، فالعضوية لها شروطها. ولنفترض جدلاً أن هناك مسؤوليات مرتبطة بالعضوية وليست شروطًا، فستكون على الأعضاء جميعًا، ولها جدواها، والتي تسعى كل دولة للحصول عليها.

وفي اعتقاد أ. فهد القاسم، فإن المبدأ الذي بُنيت عليه المقولة غير صحيح “قبلونا لكي يدفّعونا”؛ والصحيح أن عضويتنا نابعة من مركزنا وأثرنا الديني والاقتصادي والاجتماعي في العالم.

وأوضح د. رياض نجم أن قمة العشرين هي لأكبر ٢٠ اقتصاد في العالم بشكل أساسي. الاستثناء هما الأرجنتين وجنوب إفريقيا. والمملكة هي الاقتصاد رقم ١٨ أو ١٩ على مستوى العالم من حيث الحجم. فمن الطبيعي أن تكون المملكة ضمن هذه المجموعة. والاعتبارات الأخرى أقل تأثيرًا في الاختيار.

أما د. ناصر القعود فذهب إلى أن هذا القول يخلو من المنطق، فمجموعة العشرين أُنشئت عام ١٩٩٩، والمملكة عضو فيها منذ إنشائها نتيجة دورها في مجال الطاقة والاقتصاد، وجاء إنشاؤها خلال الاجتماعات السنوية للبنك والصندوق الدوليين في ذلك العام، وللعلم المملكة الدولة العربية الوحيدة التي لها مقعد مستقل في مجلس إدارة كلٍّ من البنك والصندوق؛ نظرًا لحجم مساهمتها فيهما. أما قرار رئاستها للقمة فقد تحدَّد منذ زمن طويل، وتمَّ التأكيد عليه في عام ٢٠١٧.

  • أهم القرارات والمبادرات التي تمخَّضت عنها قمة العشرين في الرياض:

أشار أ. عبد الله الضويحي إلى أن قمة مجموعة العشرين في الرياض جاءت في ظروف استثنائية: صراعات جيوسياسية، وأوضاع اقتصادية، وجائحة كورونا التي غيَّرت مفاهيم العالم. واستطاعت ‫المملكة العربية السعودية بفضل الله ثم حنكة وقيادة ‫خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان أن تجعلَها قمةً استثنائية، فتحت بها آمال المستقبل. وقد ‫عالجت المملكة عددًا من القضايا العالمية المُلحة، وقدَّمت مبادرةً تاريخيةً لتأجيل سداد 14 مليار دولار من ديون الدول الفقيرة وتوظيفها في مواجهة ‫كورونا وآثارها الاجتماعية والاقتصادية على العالم.

وفي سياق متصل، يرى د. نبيل المبارك أن الاستثناء الحقيقي في قمة العشرين بالرياض هو إدارتها بحصافة وتحويل المحن إلى فرص، كما فعلت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده حفظهما الله. وأهم ما يميز تلك القمة هو إضافة البُعد الإنساني، والتركيز على الجانب الأخلاقي لقمة اقتصادية في المقام الأول.

وأشار أ. راكان بن دهيش([2]) إلى أن وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية قد صادقوا مسبقًا على خطة عمل مجموعة العشرين، والتي تضمنت المبادئ الأساسية لتوجيه استجابة مجموعة العشرين والتزاماتها بإجراءات محددة لدفع التعاون الاقتصادي الدولي. ومن ضمن هذه الحزمة من المبادرات مبادرة تعليق مدفوعات خدمة الدين للدول منخفضة الدخل، حيث تسهم هذه المبادرة في تأجيل سداد قرابة 14 مليار دولار أمريكي من الديون المستحقة على 73 دولة. ولم ينتهِ الأمر هنا، فقد صادق وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية لمجموعة العشرين في اجتماعهم الذي عُقِد خلال شهر نوفمبر الماضي على (إطار العمل المشترك لمعالجة الديون بما يتجاوز نطاق مبادرة مجموعة العشرين لتعليق مدفوعات خدمة الدين). حيث يهدف إطار العمل إلى تيسير معالجة الديون على أساس كلِّ حالة على حدة، وبشكل مُنظَّم للدول المخولة للاستفادة من هذه المبادرة، مع مشاركة الجهات المُقرِضة على نطاق واسع بما في ذلك القطاع الخاص؛ ما يجعله الاتفاق الأول من نوعه في تاريخ إنجازات مجموعة العشرين. وتعَدُّ هذه المبادرات الأهم والنوعية لمكافحة جائحة كورونا. والجدير بالذكر أن الجائحة لم تعق برنامج عمل الرئاسة الأساسي.

وتشكَّل المسار المالي من عدة مجموعات عمل، هي:

  • مجموعة عمل الهيكل المالي العالمي.
  • مجموعة عمل الاستثمار في البنية التحتية.
  • مجموعة عمل الإطار (الاقتصاد العالمي).
  • مجموعة الشراكة العالمية للشمول المالي.
  • قضايا القطاع المالي.
  • الضرائب الدولية.

وأضاف أ. راكان بن دهيش أنه بالتطرق لمجموعة عمل البنية التحتية، نجد أن السبب الرئيس لمناقشة هذا الملف في المجموعة هو الحاجة التمويلية للبنية التحتية على مستوى العالم، والتي تُقدَّر بحوالي (94) تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2040م، فحسب المعطيات الحالية هناك توافر قُرابة (79) تريليون دولار أمريكي فقط، في حين سيكون هناك فجوة تمويلية تُقدَّر بنحو (15) تريليون دولار أمريكي. أول اجتماع للمجموعة كان في عام 2014، ومنذ ذلك الحين تعمل المجموعة على سدِّ الفجوة الاستثمارية والتمويلية. فكان هناك عددٌ من المبادرات في هذا الشأن خلال الأعوام السابقة، منها: مبادئ الاستثمار النوعي 2019، وخارطة طريق تحويل البنية التحتية كفئة أصول 2018.

وعليه، فقد كان تركيز الفريق السعودي لمجموعة عمل البنية التحتية تحت رئاسة المملكة لمجموعة العشرين على وضع خطة أعمال تشمل أولويات مبتكرة ومتوائمة مع أهداف الرئاسة الحالية والمستقبلية، ويكمن ذلك بشكل أساسي من خلال تبنِّي العمل على وثيقة جدول أعمال الرياض لتقنية البنية التحتية في مجموعة العشرين التي صادَق عليها قادة دول مجموعة العشرين في البيان الأخير لهم بالرياض ووزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية مسبقًا؛ حيث تهدف إلى تعزيز استخدام التقنية في البنية التحتية من خلال تقديم مجموعة من السياسات لصُنَّاع القرار في الدول بهدف تسريع عملية تبنِّي التقنية في البنية التحتية، بما في ذلك إزالة العوائق لتمكين النمو الاقتصادي في الاقتصادات بشكل قوي وشامل ومستدام؛ وهو ما يؤدي إلى جلب الاستثمارات. كما قامت مجموعة عمل البنية التحتية خلال سنة رئاسة المملكة بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) على بناء ومدِّ جسور تواصل وتعاون بين القطاعين العام والخاص، وذلك من خلال عقد العديد من المباحثات والمناقشات مع ما يفوق على 100 من كبار المستثمرين ومديري الأصول من حول العالم؛ لمعرفة وبحث أهم التحديات والعوائق التي تعرقل زيادة استثماراتهم النوعية والمستدامة في البنية التحتية، بما في ذلك كيفية معالجة هذه التحديات التي تعيق تدفق المزيد من الاستثمارات بصورة ممنهجة، والعمل على تطوير أطر فعالة وملائمة لمشاركة القطاع الخاص في تمويل البنية التحتية بهدف تقليص الفجوة التمويلية التي يواجهها العالم. وكان نتاج هذا العمل (تقرير مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن التعاون مع المستثمر المؤسسي ومديري الأصول فيما يتعلق بالاستثمار في البنية التحتية)، حيث رحَّب بها قادة دول مجموعة العشرين في البيان الأخير لهم في قمة الرياض ووزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية مسبقًا.

وتساءل د. عبد الإله الصالح: ما المقصود تعليقه خدمة الديون أو الديون ذاتها؟ وما مدى إلزامية الاتفاق؟ وما هي آليات الوصول للمرحلة التنفيذية (وهل الدول العربية والإسلامية مشمولة بهذا الأمر)؟ وماذا عن كيفية مشاركة القطاع الخاص الدائن؟ وهل التركيز على البنية التحتية من بين جميع المواضيع الحضرية له علاقة بالصندوق المالي الدولي الضخم (المنافس) الذي بادرت بالدعوة إليه الصين وبدأت العمل فيه؟ وما هي الفرص الممكنة للقطاع الخاص في هذه المبادرات المُعلَنة بالخطوط العريضة؟

ومن جانبه أوضح أ. راكان بن دهيش أنه وفيما يخصُّ خدمة الديون، فالمقصود الفوائد المترتبة على ديون الدول. فقد تمَّ تأجيلها لمدة 18 شهرًا من إبريل الماضي (2020). وفيما يخصُّ الدول العربية، يبلغ المستفاد من هذه المبادرة ما يقارب 500 مليون دولار، والمبادرة قيد التنفيذ. أما مشاركة القطاع الخاص، فتم توجيه منظمة الـ Institute of International Finance للعمل مع القطاع الخاص. وفيما يخصُّ الفرص الممكنة، فقد تمَّ دعوة عدد من رؤساء البنوك المحلية الذين شاركوا مع الفِرق السعودية في عدد من الاجتماعات في الرياض وباريس، وتمَّ أَخْذ مرئياتهم التي تمَّ تضمينها في التقارير النهائية. وأيضًا، كان لمؤسسة التقاعد والتأمينات الاجتماعية دورٌ بارز في النقاشات سواء عن طريق الذراع الاستثمارية لهذه الكيانات أو بشكل مباشر.

وعقَّب د. رياض نجم فيما يخصُّ مدى إلزامية قرارات القمة بخصوص تأجيل الديون، حيث أشار إلى أنه كما هو معلوم، فإن جميع قرارات قمة العشرين غير مُلزمة لدولها؛ لكن هذا أحد جوانب قوتها لأن عددَ الدول محدود، ولن توافق أيُّ دولة على أي قرار إلا عن قناعة، وبالتالي تقوم بتنفيذه.

وتساءل م. فاضل القرني: ماذا يدور في المجموعة التي أشار إليها أ. راكان بن دهيش فيما يخصُّ العملات الرقمية؟ وبدوره أوضح أ. راكان بن دهيش بالنسبة للعملات الرقمية، عملت المجموعة مع منظمة الاستقرار المالي Financial Stability Board، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة Financial Action Task Force على عدد من التقارير التنظيمية لهذه العملات وآثارها على الاقتصاد الكلي، وأكدوا على أنه لن يتم الأخذ بها حتى يكتمل الإطار التنظيمي لها. كما ركزت أجندة الهيكل المالي الدولي على تعزيز سُبل التعاون بين شركاء التنمية من الدول والمنظمات الدولية، وعلى توفير المزيد من الضمانات والحوافز للقطاع الخاص لتشجيعه على الاستثمار في الدول النامية. كما كان هناك مناقشات حول تعزيز المتانة المالية العالمية، بما في ذلك المستويات التاريخية للتدفقات النقدية الخارجة من الأسواق الناشئة، وسبل استعادة مستويات أكثر توازنًا لتلك التدفقات.

  • ‏الإعلام السعودي والدولي ومدى مواكبة فعاليات قمة العشرين:

تساءلت د. وفاء طيبة عن أسباب عدم الاهتمام الكافي من الإعلام العالمي بقمة العشرين بالرياض، هل هي جائحة كورونا؟ أم أن التواصل مع إعلامنا لم يكن جيدًا؟ وهل كان لدول قمة العشرين مراسلون محددون معروفون؟

وفي هذا الإطار، أوضح د. خالد بن دهيش أنه تمت دعوة الإعلام العالمي لمتابعة القمة سواء حضوريًّا أو عن بُعد، وشاهدنا مشاركاتهم في المؤتمر الصحفي الختامي للقمة بالرياض حضوريًّا وعن بُعد، ولكن السؤال المهم: هل قاموا بدورهم بإعطاء القمة الاهتمام الذي تستحقه كحدث عالمي بأمانة وصدق؟

وأضاف د. زياد الدريس أن دعوة الإعلام العالمي لحضور القمة لا تُعفي الجهاز الإعلامي السعودي من أنه المسؤول عن نجاح أو فشل التغطية خصوصًا أن كورونا ربما منعت كثيرًا من وسائل إعلام العالم من الحضور، وليس من المتوقع منهم تغطية فعلية عن بُعد!

وفي تصوُّر د. منصور المطيري، فإن الإعلام السعودي كان في حالة استنفار تزامنًا مع القمة، وهذا أمر طبيعي ومتوقع، وهناك تحسُّن كبير في أدائه. أما الإعلام العالمي فثمة شعور بأن هناك لامبالاة من جانبه، وكأنَّ القمة لا تعني شيئًا.

ومن ناحيته يرى د. عبد العزيز الحرقان أن هذا هو واقع الإعلام الدولي أثناء عقد بقية قمم العشرين السابقة.

ومن جديد، ذهب د. زياد الدريس إلى أن تقصير الإعلام العالمي ليس نابعًا من اللامبالاة فقط (غير المستغربة منه)؛ ولكن أيضًا من قصور إعلامنا الذي هو في حالة استنفار نعم، لكنه ما زال يدور حول نفسه ويخاطب الداخل!

ومن وجهة نظر د. مساعد المحيا، فإن الإعلام المهني يتعاطى مع الأحداث وفق ما تشتمل عليه من محتوى وأحداث مهمة، في حين أن الإعلام المحلي يهتم كثيرًا بالأشخاص وفق مكانتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ لذا في مثل هذه الاجتماعات المهم هو ما يُضيفه المشاركون من محتوى إخباري ترى وسائل الإعلام أنه مهم، وما سوى ذلك من حُسْن تنظيم ونجاح في استثمار التقنية لنجاح الاجتماع ليس مهمًّا لدى وسائل الإعلام المهنية.

أما أ. عبد الله الضويحي فذهب إلى أنه يجب ألا ننتظر من الإعلام العالمي نَقْل الصورة كاملةً وكل ما نريد؛ فالإعلام يُركِّز على ما يراه يتناسب وتوجهاته، ولا يغطي كل شيء. وإعلامنا عليه مسؤولية استثمار فرصة لا تتكرر ليُقدِّم المملكة والمجتمع السعودي كما هما، وكما نريد، وتفويت الفرصة على إعلام مُعادٍ استغلها للإساءة المملكة ومحاولة إظهارها أقل من حقيقتها.

بينما يرى م. إبراهيم ناظر أن عدم اهتمام الإعلام العالمي بقمة العشرين في الرياض راجع لسببين رئيسين:

  • الأول: عدم حضور الرؤساء الشخصي للمملكة وما يتبعه من وفود إعلامية واهتمام عالمي.
  • الثاني: تقصير من الجهاز الإعلامي المسؤول عن القمة أن يتحرك ويكون لديه إستراتيجية في جذب وسائل الإعلام العالمية، واستئجار قنوات خلال القمة وغيرها من طرق الإعلام.

وأضاف أ. محمد الدندني أنه بالفعل لو أن قادة الدول حضروا لاختلف الوضع. أما جذب وسائل الإعلام العالمي واستئجار قنوات خلال القمة فلا يكفي، المفروض قبلها بعدة أشهر، وأن لا يكون دعائيًّا، بل لنَقْل وجهة نظر المملكة عمَّا يجب فعلُه من خلال هذه المجموعة، وهو ما تمثَّل في بعض نقاط البيان الختامي؛ كتأجيل خدمة الديون، ومساعدة الدول الفقيرة، وأيضًا محاربة الفساد عالميًّا لأنه المصدر الرئيس لغسيل الأموال… إلخ.

وأكَّد د. عبد الإله الصالح أن إعلامنا المحلي والإقليمي يكون قد أدى الجزء الأهم من واجبه ورسالته إذا استطاع بموضوعية أن يجذب عقولَ وقلوب المواطنين ويثير تفكيرهم، ويدفع بهم لمزيد من البحث والتأمل في موضوعات وملابسات وتحديات دار حولها النقاش في المؤتمر، ويزرع بشكل مقنع في قلوب الجميع ثقةً في المستقبل وفهمًا للتحديات. وهذا إذا تحقَّق بشكل أو بآخر فسوف يتسرب بشكل موضوعي للإعلام العالمي والإقليمي قبله. الإعلام يجب أن يكون إعلامًا وليس إعلانًا.

  • المكاسب من رئاسة السعودية لمجموعة العشرين تجاه القضايا الآنية والرؤية المستقبلية:

أشار م. إبراهيم ناظر إلى أن مملكة الإسلام والسلام احتضنت قمة قادة دول مجموعة العشرين الخامسة عشرة، القمة الاستثنائية بكل المقاييس؛ فهي قمة افتراضية لقادة دول مجموعة العشرين، انعقدت في بلاد الحرمين ومهبط الوحي ومنبع الإسلام والسلام والتسامح، وأكدت على أن صحة الإنسان وحياته ومعيشته وسلامة الكوكب هي محور اهتمامها.

وأكد د. زياد الدريس على أن قمة مجموعة العشرين تزامنت مع جائحة كورونا هذا العام، فصعب الأمر على الرياض التي كان يجب عليها أن تركِّز على تنظيم G20 أو على مكافحة كورونا، حتى تنجح على الأقل في أحدهما؛ لأن الاحتمال الغالب عدم النجاح في كليهما. ولم تكسب السعودية التحدي فقط، بل كسبته بتفوق. ففي مواجهة كورونا، سجَّلت السعودية أرقامًا متدنيةً في الإصابات والوفيات، بالمقارنة بالسجل العالمي. وفي تنظيم قمة العشرين، ورغم المعوقات اللوجستية بسبب الجائحة، استطاعت الدولة المضيفة إنجاز ما يفوق المتوقع من المشاورات بين مسؤولي العشرين دولة، والمناقشات بين مجموعات التواصل من قُرابة سبعين دولة. و”النمطيّون” الذين راهنوا على عدم نجاح السعودية في إدارة “قمة العشرين” و”قاع كورونا” معًا أُصيبوا بخيبة أمل، وظهرت الرياض أمام العالم أجمع بوصفها “خيمة” تجتمع فيها رصانة التراث وحيوية الإنسان واستعجال المستقبل.

وتساءلت د. الجازي الشبيكي: كم فقدنا من الامتيازات للتعريف بالمملكة بصورة أكبر، لو كانت القمة حضوريةً وليست افتراضية، أم أنه كان مناسبًا خاصة أننا في مرحلة (ورشة العمل الكُبرى الوطنية التغييرية)، والعديد من المشاريع التنموية العمرانية والسياحية والترفيهية لا تزال في مرحلة التجهيز والإعداد؟

وفي هذا الصدد، أشارت أ. فائزة العجروش إلى أن الوضع الراهن حتَّم أن تكون القمة افتراضيةً؛ وهو ما حالَ دون عقد لقاءات ‏ثنائية تُعالج خلالها مباشرة الكثير من المعضلات، غير أن العمل الدؤوب الذي شهدته ‏المملكة، والسباق مع الزمن في التحضير لأعمالها رغم قيود الجائحة، وفَّرا الأسس ‏الصلبة لعملية إعادة إطلاق مرحلة التعافي على كل المستويات، مستندةً إلى مخرجات قمة استثنائية في وقت استثنائي برئاسة المملكة؛ وهو ما أكَّد على المكانة التي باتت ‏تتبوَّأها المملكة اليوم، وزيادة قدرتها لبناء شبكة علاقات قوية مع كلِّ الدول المؤثرة في العالم، ‏وتمثيلها عن جدارة للعالمين العربي والإسلامي، وإيصال قضاياهم واهتماماتهم، خاصة أن هذه القمة تعتبر مفصليةً؛ لأنها تواجه تحديات ضخمة في كيفية إعادة الثقة ‏للاقتصاد العالمي وتعزيز نموه في وقت كان للتبعات الاقتصادية لجائحة كورونا ‏تأثيرٌ مباشر على اقتصادات العالم وأسواق النفط العالمية، وزادت من نسب البطالة ‏في معظم الدول؛ ‏في حين حافَظ الاقتصاد السعودي على قوته ومكانته الرفيعة بين اقتصادات العالم ‏بأرقام ومنجزات تحقَّقت، فقد (كشف تقرير ‏التنافسية العالمي في عام 2019 أن المملكة حقَّقت المركز الأول على مستوى العالم ‏بالمشاركة مع دول أخرى في مؤشر استقرار الاقتصاد الكلي‎.(‎‏ ‏كما كان مهمًّا استثمار هذه الفرصة كأحد مصادر القوة الناعمة للمملكة لعرض تجربتنا الناجحة في إدارة أزمة كورونا؛ حيث تعَدُّ المملكة  من أفضل 10 دول في ‏التعامل مع هذه الجائحة.

وتساءلت د. وفاء طيبة: ماذا عن مكتسبات الشباب من قمة العشرين؟ وفي تصوُّر د. خالد بن دهيش، فإن من أهمِّ منجزات هذه القمة الاستثنائية أن من عمل على تحقيقها في ظروف صعبة جدًّا شباب وشابات من أبناء هذا الوطن نفتخر بهم وبإنجازاتهم.

ومن ناحيته يرى م. فاضل القرني أن الحدث بما حمله من جهود هائلة بذلتها المملكة لترتيب القمة في ظروف استثنائية متعددة، جعَلها على مسار أسرع لإيصال قوتها الناعمة للعالم. فأسرع جانب مؤثر ومُرسِّخ لبث الشعور السلبي للعالم عن سمعة البلدان هو استغلال المعتقد للتشويه، والأكثر سرعةً وباكتساح لتغيير الانطباع والصورة النمطية هو الجانب الاقتصادي والعمل عليه بتعاون وتفانٍ، والنتائج المرجوة المتعددة من القمة وعلى رأسها مكافحة الركود العالمي، ومكافحة كورونا جعَلا قيادة المملكة متميزة؛ وبالتالي قوة ناعمة تصل بلدان العالم، ونتائجها الثقة باقتصاد المملكة والبيئة الأمنية والتقنية المتطورة، لجذب الاستثمارات الإقليمية والعالمية. والأهم الاستمرار للمحافظة.

ويرى أ. راكان بن دهيش أنه قد يكون سبب نجاح قمة العشرين في الرياض هو التحضير المُبكر؛ فالعديد من الدول المشاركة استغربت هذا الأمر، وكثير ما تمت الإشارة إلى أنها لم تكن باستعداد المملكة؛ مما أثر على أهمية دور المجموعة خصوصًا في أوقات الاستقرار الاقتصادي للدول.

ومن جهتها، قالت أ. علياء الدريس([3]): “كنتُ أشعر بالزهو حين يقول لي وزير المالية الفرنسي إنه معجب جدًّا بالتنظيم الذي يجري لاجتماعات المجموعة، وأنه منبهر من تحركات الشباب السعودي الذي يعمل في المجموعات التنظيمية. وهو لا يدري أني أنا نفسي لا أقلُّ انبهارًا عنه، إذ كان لديَّ انطباعٌ بأن الإتيكيت والبروتوكول الفرنسي في اللقاءات والاجتماعات التي رأيت بعضها في باريس وبعضها الآخر داخل منظمة اليونسكو لا يُعلى عليهما. لكن هذا الانبهار بدأ يتزعزع، إذ تعرَّفت خلال أعمال مجموعة العشرين على قدرات فائقة لدى الشباب السعودي. لا أبالغُ إذا قلتُ إنها تفوق ما رأيته لدى الشباب الفرنسي المشهور بهذه المهارات”.

أما د. عبد الإله الصالح فذهب إلى أن من أهمِّ ما يجب أن تورثه هذه القمة ومجرياتها في ضمير المواطن – فضلاً عن الاعتزاز بنجاح المملكة بعضويتها في هذه المجموعة ثم رئاستها وإدارة أعمالها لفترة عام – هو أن يشعر كل مسؤول ورجل أعمال ومواطن وشاب وشابة أن بلادنا تُنافس من خلالهم في جميع المحالات على المستوى الكوني وليس الإقليمي فقط. وهذه المنافسة ليست مسألة معنويةً فقط، وإنما مسألة بقاء وديمومة ونماء وعيش ورفاه.

ويرى أ. محمد الدندني أن قمة العشرين في الرياض ترتبط بالأمن العالمي والإقليمي بصفة المملكة تنتمي لمنطقة مضطربة بسبب دول معينة، من المهم أن يتدخل المجتمع الدولي لكبح تدخلاتها التي أشاعت الحروب والدمار والهجرات هربًا من الموت والجوع. كل هذا عطَّل التنمية، ومن ثَمَّ عطَّل الاستهلاك والقوة الشرائية بخروج ما يقرب من ٣٠٠ مليون إنسان من الحياة المعتادة. ومن المُبشِّر بالخير أن تقدَّمت المملكة في مبادرة محاربة الفساد عالميًّا، وإيجاد منصة للتعاون بين الدول لتبادل المعلومات ومكافحة الفساد.

ويرى أ. عبد الله الضويحي أنه رغم التحديات الاقتصادية وجائحة كورونا، استطاعت‫ المملكة تقديم نفسها كما يليق بها، مُبرِزة وجهَها الحضاري ودورَها في ترسيخ قيم التسامح والتعايش والعمل الدولي المشترك. وقلبت ‫المملكة العربية السعودية المعادلة في المنطقة عمومًا؛ من دول تتلقى ودول ردة فعل إلى دول تصنع الفعل وتنتظر رد الفعل، ومارست دورَها كقائد ولاعب محوري (Playmaker). وأدركت المملكة أن الانقسام يضعُ الجميعَ في دائرة الخطر، فعملت على مدار عام كامل خلال رئاستها لقمة مجموعة العشرين على تعزيز العمل المشترك والأسرة الواحدة، وأهمية مواجهة التحديات بروح الفريق الواحد.


القضية الرابعة

الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات

(29/11/2020م)

 

  • الورقة الرئيسة: د. نجلاء الحقيل (ضيف الملتقى) (*)
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: م. عبد الإله الصالح
  • التعقيب الثاني: د. عبد الرحمن الهدلق
  • إدارة الحوار: م. أسامة الكردي

 

  • الملخص التنفيذي:

أشارت د. نجلاء الحقيل في الورقة الرئيسة إلى أن المساءلة هي مفهوم أخلاقي، ويُقصَد بها “العملية الرقابية التي يتمُّ من خلالها محاسبة الشخص المسؤول عن تصرفات ارتكبها، تنطوي على مخالفات نظامية، ويُطالَب الشخص المُساءَل بتقديم ردوده بناءً على ذلك. فإذا كانت رسميةً، فتكون عن طريق التقارير التي يقدِّمها عن أعماله، وعن طريق التحقيق معه في حالة ارتكابه لمخالفة في عمله، وعقابه وفقًا لما تقتضيه قواعد القانون. وعلى الرغم من أن العلاقات المهنية الرسمية والمساءلة الرسمية مهمة جدًّا، لكنها ليست كافية. وأكدت د. نجلاء على أنه لا بد من تطبيق المساءلة غير الرسمية إلى جانب المساءلة الرسمية؛ لأن تطبيقهما معًا يضمن تكوين ثقافة الالتزام.

وأكد م. عبد الإله الصالح في التعقيب الأول على أنه لا يختلف أحدٌ حول أهمية زرع ثقافة الالتزام على المستوى الرسمي بتوظيف الوسائل الرسمية، كما لا يختلف اثنان على أهمية ترسيخ ثقافة الالتزام على المستوى الشخصي والجمعي في الفضاء غير الرسمي بالتكامل مع نظيره الرسمي. وفي سبيل تسهيل “الالتزام” وتهيئة سبله، هناك حاجة ماسَّة في بيئة العمل عمومًا، لتبويب الأنظمة واللوائح والتعليمات بطريقة موحَّدة في فهرس موحَّد، تُسهل للفرد والمؤسسة الرجوع إليها، وربطها مع لوائحها والتعليمات المتعلقة بها، حسب القطاع وحسب التنظيم والنظام، ثم توحيد مصادرها على مستوى الدولة والمؤسسة. وقد يلزم إيجاد مؤسسات حكومية (أو متعاقدة مع الحكومة) لتقديم المشورة التفصيلية المجانية (غير الملزمة) للأفراد وللمؤسسات بكافة أنواعها، في سبيل الالتزام بكافة الأنظمة والمعايير واشتراطات الهيئات التنظيمية، وليس حسب القطاع أو الهيئة فقط.

‏ وتطرَّق د. عبد الرحمن الهدلق في التعقيب الثاني إلى أنه على الرغم من اهتمام رؤية 2030 بمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة عبر العمل على تحقيق مجموعة كبيرة من الأهداف والنتائج، إلا أن ذلك لم يواكبه اهتمامٌ علمي وبحثي في مجال المكافحة والنزاهة، إذ إنَّ ‏الدراسات العلمية المنشورة في المملكة في مجال مكافحة الفساد محدودة جدًّا، وقد لا تتجاوز أصابع اليدين. فماذا إذًا عن الدراسات المتخصِّصة في مجال المساءلة سواء الرسمية وغير الرسمية، والتي لم يتم تناولها محليًّا بدراسة تفصيلية؟!

وتضمنت المداخلات حول القضية المحورين التاليين:

  • أهمية وأبعاد الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات.
  • وسائل تفعيل الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • مطالبة الأجهزة الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص بإعداد خُطط متكاملة لمكافحة الفساد في قطاعاتهم، على أن تتضمن الخُطط مؤشرات لقياس الفساد بجميع أنواعه في تلك الأجهزة والمؤسسات.
  • تكثيف المناشط التدريبية والفعاليات التوعوية للموظفين، والمتعلقة بموضوعي النزاهة ومكافحة الفساد في القطاعات العامة والخاصة وغيرها.
  • الورقة الرئيسة: د. نجلاء الحقيل

نجد أمامنا في يومنا الحاضر العديدَ من الأنظمة والقوانين التي تدعم وتساعد على مكافحة الفساد وحوكمة المؤسسات، حيث تكون إدارة المؤسسة مبنيةً على أسُس واضحة من الناحية الإدارية، ومن ناحية اتخاذ القرار، ومن ناحية ضمان الشفافية والمساءلة. وهذه هي الخطوة الأولى لمواجهة المشكلة عن طريق وضع الأساس التشريعي أولاً؛ وبعد ذلك، العمل على الجانب التنفيذي لتطبيق الأنظمة واللوائح. لكن تنفيذ هذه التشريعات الحديثة سيواجه مقاومةً شديدة من قِبل أفراد المؤسسة، لذلك لا بد من تطبيق المساءلة غير الرسمية إلى جانب المساءلة الرسمية؛ لأن تطبيقهما معًا يضمن تكوين ثقافة الالتزام. العلاقة بين أفراد المؤسسة محكومة بحسب التنظيم الإداري الهرمي، وهذا يشير على الإدارة الرسمية، لكن هناك أيضًا في داخل أي مؤسسة إدارة ذاتية يمارسها الفرد على نفسه وعلى العاملين معه. عند تحسين مستوى الإدارة الذاتية وفقًا لأهداف المؤسسة، فهذا يضمن تعاونًا فعَّالًا بين الإدارة الرسمية وغير الرسمية لتحسين مستوى المؤسسة الإداري والمهني والإستراتيجي والاقتصادي. لذلك، تركيزنا هنا ينصبُّ على صناعة عُرف تشريعي يلتزم فيه أفراد المؤسسة بالتشريعات المكتوبة طواعيةً، وتقليل الحاجة إلى المساءلة الرسمية.

مفهوم المساءلة غير الرسمية:

المساءلة هي مفهوم أخلاقي، ويُقصَد بها العملية الرقابية التي يتم من خلالها محاسبة الشخص المسؤول عن تصرفات ارتكبها، تنطوي على مخالفات نظامية، ويُطالَب الشخص المُساءل بتقديم ردوده بناءً على ذلك. فإذا كانت رسميةً، فتكون عن طريق التقارير التي يُقدِّمها عن أعماله، وعن طريق التحقيق معه في حالة ارتكابه لمخالفة في عمله، وعقابه وفقًا لما تقتضيه قواعد القانون. وعلى الرغم من أن العلاقات المهنية الرسمية والمساءلة الرسمية مهمة جدًّا، لكنها ليست كافية. في الولايات المتحدة الأمريكية، لاحظوا أن مؤسسات الحكومية قبل الثمانينيات تعاني من التجاوزات التي تضرُّ بأهداف المؤسسة على المدى البعيد؛ لأن الحكومة آنذاك كان لديها نزعة ملحوظة لإنشاء تشريعات وآليات مساءلة رسمية متعددة ومتداخلة ما بين المساءلة الداخلية والخارجية، من دون الاهتمام بخلق بيئة تجعل الأفراد يشعرون بالالتزام لتنفيذ هذه الأنظمة؛ لذلك، وعلى الرغم من تنوُّع القواعد والقوانين التي تدعم المساءلة، إلا أن فعالية إنجاز الأعمال وجودة منتجاتها لم تكن تصل إلى المستوى الذي يطمح إليه أصحاب المصلحة؛ ومن هنا ظهرت فكرة المساءلة غير الرسمية من خلال خلق تعاون غير رسمي بين أفراد المؤسسة من أجل خلق شعور الالتزام لدى أفراد المؤسسة لتحقيق مصالحها؛ من خلال التوفيق بين الثقافات المؤسسية المتباينة، والتقليل من مشكلة تعارُض الأهداف والمصالح، واختلاف سياسات تقديم الخدمات من مؤسسة إلى أخرى. فنظرية المساءلة غير الرسمية تفترض غياب الالتزام الرسمي للنظام خوفًا من المساءلة الرسمية، والتي يترتب عليها عقاب وفقًا للقانون. وتركِّز على أن أفراد المؤسسة يعتمدون في تصرفاتهم على معايير بناء الثقة واحترام قوانين المؤسسة، وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل من حيث الرغبة في الحصول على معاملة عادلة ومنصفة وفعَّالة، وبناء العلاقات التي تعتمد على مبدأ الالتزام.

المساءلة غير الرسمية تعتمد على ثلاث قواعد أساسية، وهي: الشبكة الاجتماعية، والتعاون، والمساءلة. الشبكة الاجتماعية تشمل العلاقات بين المؤسسات والعلاقات الإنسانية داخل المؤسسة، والعلاقات الإنسانية بين أفراد المؤسسة والمستفيدين منها. هذه العلاقات تحكمها الروابط العملية سواء كانت تعتمد على العلاقة الهرمية أو الأفقية؛ مثل علاقة الرئيس مع موظفه، أو علاقة الموظف مع زميله بنفس الدرجة الوظيفية. ومن هنا، نستطيع فَهْم فكرة التعاون بين أفراد الشبكة الاجتماعية من ناحية كَوْن المساءلة غير رسمية؛ حيث إنَّ المساءلة تعتبر أمرًا أساسيًّا لدعم تلك الشبكة، بحيث يكون لكلِّ فرد فيها أهداف يمكن أن تُحقِّقها له هذه الشبكة في حال تعاوَن معها. وفي حالة عدم تعاونه في تقديم الخدمة بشكل فعَّال، سيتعرض للمساءلة غير الرسمية ويتلقَّى عقابًا ليس له علاقة بالمساءلة الرسمية، مثل فوات فرصة الحصول على عمل به إنجاز مثل رئيس مشروع معين، بالإضافة إلى فوات حصوله على مميزات مادية.

معايير قياس العوامل المؤثرة على نظرية المساءلة غير الرسمية:

  • قياس سمعة المؤسسة الداخلية والخارجية: هذه تعتبر أول خطوة من خطوات إدراج المساءلة غير الرسمية في إستراتيجية المؤسسة لرفع كفاءتها. يمكن قياس أدائها في نتائج مخرجاتها، قوائمها المالية، إنجازاتها، معدل الثقة في أدائها سواء من قِبل العاملين فيها والمتعاملين معها أو المستفيدين منها، وطبيعة المجتمع العامل فيها وشبكة العلاقات الاجتماعية، أو بمعنى آخر البيئة المهنية والعملية، ومعدل رضا العاملين عن بيئة العمل من حيث توافر المحفِّزات لتحقيق أهداف المؤسسة.
  • بناءً على نتائج السلوك السائد في المؤسسة وإستراتيجيتها التي أدَّت إلى خلق هذه السمعة للمؤسسة المشار إليها أعلاه في النقطة الأولى، نبدأ برسم إستراتيجية تُعزِّز السلوكَ المرغوب، وتقوِّض السلوكَ غير المرغوب. فمثلاً، نجد في لوائح الالتزام ولوائح الحوكمة للمؤسسة أو النظام والقانون العام للدولة، معاييرَ لممارسة العمل، مثل تجريم استغلال السلطة الممنوحة للموظف لمصلحته الخاصة. وعلى الرغم من منعها نظامًا، إلا أنها لا تزال موجودةً بمستويات مختلفة بحسب رقابة إدارة الالتزام والرؤساء على موظفيهم. ويندرج كذلك ضمن الأسباب، وجود جماعات ضغط تدعم بعضها البعض لتحقيق هدف المجموعة عوضًا عن هدف المؤسسة.
  • المساءلة غير الرسمية التي تحدث بين الأفراد في المؤسسة: بعد تشخيص مشكلة المؤسسة، نأتي لمرحلة معرفة ما الذي يُعزِّز هذا السلوك. هنا يجب التركيز على ركن الرقابة والمساءلة. في المؤسسات التي ينتشر فيها سلوك لا يُحقِّق مصلحة المؤسسة، لا يتوافر رقابة تُحفِّز الإنتاجية وتمنع التجاوزات النظامية، ويستتبع ذلك عدم وجود المساءلة التقليدية أو الرسمية، والتي تعني معاقبة المتجاوز. لكن بالتأكيد، يوجد بها مساءلة غير رسمية. السؤال الآن، كيف توجد مساءلة غير رسمية في ظلِّ ضعف الرقابة والمساءلة الرسمية. المساءلة غير الرسمية هي الشعور بأن أداء مهام العمل والالتزام بالقانون ينعكس إيجابًا على مصلحته الشخصية في حالة وجود إدارة رشيدة، ومعاملة منصفة من قِبل قادة المؤسسة، والعكس صحيح. وبالتالي، فهناك مساءلة غير رسمية إيجابية عندما يكون نظام الرقابة والالتزام قويًّا، ومساءلة غير رسمية سلبية في حالة كان نظام الرقابة ضعيفًا. بمعنى آخر، لنجاح أي عملية مساءلة، لا بد من قراءتها كمعادلة رياضية وليس كجمل نظرية. المعادلة هي كالآتي: (المساءلة = المصلحة الشخصية “المكافآت” – نسبة الخسارة في حالة عدم الالتزام “العقاب”).
  • التحديات التي تواجه إدارة التغيير ومعدل قوة جماعات الضغط التي تقاوم تطبيق وتنفيذ القوانين: وهذه في الحقيقة تعتبر من أهم المشكلات التي تواجه تطبيق معايير الحوكمة والالتزام بالقانون ومعايير الأخلاق المهنية؛ لأنه لا يخفى علينا أن جماعات الضغط هذه مستفيدة من ضعف المساءلة الرسمية، وتستغل المساءلة غير الرسمية لمصالحها الشخصية؛ وبالتالي سنجد مقاومةً عن تطبيق عملية تدوير الموظفين من حيث الاختيار، خصوصًا في حالة اختيار موظف ليس فردًا في مجموعتهم، إذ إنه سيتم تطبيق المساءلة غير الرسمية السلبية عليه. من ضمن التحديات أيضًا، تعاون بعض جماعات الضغط شكليًّا لتطبيق الأنظمة واللوائح، لكن ومع هذا قد نجد بعضَهم يرغبون في تطبيق النظام على جزء من موظفيهم مع تقديم حوافز صورية تُوهم العاملين على تغيير ثقافة المؤسسة بتطبيق القوانين؛ لكن في الحقيقة، نجدهم يقاومون أيَّ محاولة لتطبيق القانون عليهم وعلى مَن يتبعهم، وبالتالي يقفون عائقًا أمام المساءلة الرسمية وغير الرسمية الإيجابية.

كيف يتم تعزيز الالتزام والمساءلة غير الرسمية لتحقيق أهداف المؤسسة؟

المساءلة غير الرسمية هي عبارة عن جَعْل الأفراد يلتزمون بتطبيق النظام ومعايير الأخلاق المهنية بشكل تكون أهداف المؤسسة هي ما يسعون لتحقيقه وإنجازه من دون الحاجة للمساءلة الرسمية التي تكون بسبب ارتكاب مخالفة وظيفية جسيمة أو عادية. فائدتها هي تكوين ثقافة النزاهة مع مرور الوقت. تتم صناعة المساءلة غير الرسمية الإيجابية عن طريق صنع حوافز تجعل الفرد في المجموعة يفكر بشكل منطقي، وهو مقدار الفائدة التي ستعود عليه في حالة التزامه بالنظام. التفكير بشكل منطقي عبر عملية حسابية بسيطة يقوم بها الفرد العامل في رأسه، تجعله يتخذ قرارًا يصبُّ في صالحة. اعتمادًا على نظريتين: نظرية Public Choice theory أو نظرية الاختيار العام والتي تهتم بعملية توجيه اختيارات الأفراد وفقًا لما يريده أصحاب القرار، ونظرية Collective Action theory أو نظرية الاختيار الجمعي والتي تهتم بالدوافع التي تصنعها جماعات الضغط لتشجيع الأفراد للانضمام إليها وتحقيق مصالحها بدلًا من مصالح المؤسسة. ويمكن النظر في بعض الاقتراحات التي يمكن أن تسهم في تفعيل هذا النوع من المساءلة، وهي على النحو التالي:

  • تفعيل سلطة القانون والنزاهة، وتحطيم صورة “الموظف البطل” الذي “يخالف القانون” وإبداله بنموذج “الموظف البطل” الذي “يلتزم بالقانون”. يكون ذلك عن طريق تفعيل إدارات الالتزام والنزاهة في المؤسسات سواء كانت خاصة أو عامة. حيث إنَّه في المملكة، تنتشر إدارات الالتزام في مؤسسات القطاع المالي وبعض الشركات الكبرى، لكن لا نرى لها وجودًا في معظم الشركات. كذلك في القطاع العام، يجب أن يتم إنشاء إدارات التزام ونزاهة تراقب أعمال المؤسسة وتراقب التزامها. وهذه الإدارات تعتمد في عملها على ركيزتين، هما: الرقابة على الالتزام، وتعزيز النزاهة. ولكن عند وضع إدارات التزام في القطاع العام لا بد من مراعاة أمرين؛ أولا: إعطاء الإدارات القانونية وإدارات الالتزام والنزاهة في المؤسسة الحكومية أو شبه الحكومية الصلاحيات لسنِّ بعض اللوائح الداخلية بما يتوافق مع عملية تعزيز الالتزام. ثانيًا: التدريب على لوائح الالتزام بالأخلاق المهنية. هذا الأمر قد يكون تطبيقه أسهل في القطاع الخاص من القطاع العام أيضًا؛ لأن القطاع العام يعتمد في عملية التدريب على جهاز حكومي خارجي، وهو معهد الإدارة العامة. معهد الإدارة لا يمكنه وضع يده على المشاكل التي تعاني منها كلُّ مؤسسة بذاتها. لذلك، القطاع العام يحتاج إلى وجود إدارات التزام ونزاهة في المؤسسات، ومنحها استقلالية بحيث يمكنها – بعد دراسة وضع المؤسسة القانوني والمالي والإستراتيجي ومعدل تحقيقها لأهدافها التنموية – إصدار لوائح تستهدف ما تعانيه من قضايا تريد حلها، وتدريب موظفيها ورؤسائها على النزاهة.
  • بناء الثقة؛ أولاً، حيث يجب الاهتمام بمسألة الرضا عن أعمال المؤسسة سواء كان من قبل العاملين فيها أو المستفيدين منها. ثانيًا: الاهتمام بموضوع الشفافية والإفصاح عن المعلومات؛ لأن المؤسسة عند الإفصاح تزرع ثقةً فيمن يعمل بها أو يتعامل معها من حيث وضعها في البيئة الاقتصادية والتنموية، وهذا يُسهِّل عمليةَ المساءلة الرسمية في حالة كانت المؤسسة تعاني في تحقيق أهدافها من خلال البحث في سبب المشكلة، لو كان سببها وجود مخالفات وظيفية لخدمة مصالح شخصية، فهنا يمكن معالجة الوضع بالطريقة المناسبة. ثالثًا: الجدية في تطبيق القانون وعدم التراخي في ذلك بشكل مستمر؛ لأن الالتزام بذلك بمثابة الدعاية غير المباشرة عن المؤسسة وعن جديتها في تحقيق أهدافها. رابعًا: صنع مؤشرات لقياس الثقة سواء كان مؤشر القطاع العام أو مؤشر القطاع الخاص. ميزة هذا المؤشر تكمن في أمرين: ١- خلق المنافسة بين المؤسسات، ٢- يساعد في عملية الشفافية، إذ إنَّه من معايير بناء الثقة هو توضيح خطة المؤسسة ومشاريعها والمدة الزمنية للتنفيذ، ومقدار ما تنجزه بنهاية كل فترة زمنية. من الأمور التي تسهم أيضًا في بناء الثقة بمؤسسات القطاع العام هو إنشاء فروع داخل المؤسسات منبثقة من مركز أداء؛ وذلك لمراقبة الوضع القائم عن قرب.
  • اختيار القائد، ويجب أن يكون مبنيًّا على كفاءة القائد العلمية والعملية، بالإضافة إلى مراعاة مقدار نزاهته؛ لأنه في حالة انخفاض النزاهة، هذا يعني أن القائد سيقوم بعمل جماعات تنتمي له لخدمة مصلحته الشخصية ومصلحة المجموعة الشخصية. لذلك، لا بد من تفعيل مبدأ cost benefit calculation بما يتناسب مع التدرُّج الوظيفي.
  • توظيف طرف ثالث محايد من خلال تعيين مُقيِّم خارجي محايد. ولضمان الحياد قدر الإمكان، لا بد من توافر عدة شروط فيه؛ أولا: أن يكون تابعًا للدولة تقوم باختياره، وبإمكان المؤسسات بشكل عام ترشيح أسماء، ولكن هذه الترشيحات غير ملزمة. ثانيًا: أن يكون معروفًا بنزاهته وحياده. ثالثًا: ألا تكون هذه وظيفته الأساسية، وإنما هي مهمة مؤقتة يمارسها بناءً على تكليف، وألا يزيد تكليفه في مثل هذه المهمة عن ثلاث مرات. رابعًا: لا يُشترط أن يكون الطرف المحايد من المواطنين المقيمين؛ بل على العكس، فإن الطرف الثالث الذي يقوم بتقييم أداء المؤسسة يُفترَض أن يكون عبارة عن فريق عمل، ومن ضمنهم مواطنون وآخرون من دول متقدمة بحيث يكونون متخصصين في المواضيع التي سيتم التقييم بناءً عليها.

 

المراجع:

  • Bo Rothstein & Jan Teorell, Why Anticorruption Reforms Fail-Systemic Corruption as a Collective Action Problem,26 Governance Journal (2012).
  • Victor E. Schwartz & Phil Goldberg, Carrots And Sticks: Placing Rewards As Well As Punishment In Regulatory And Tort Law, 51 Harvard Journal On Legislation 315, 317 (2014).
  • Willem Schinkel, The will to violence, 8 Theoretical Criminology  (2004).
  • James D. Gwartney & Richard Stroup, Economics: private and public choice (1995).
  • Barbara Romzek, Kelly Leroux, Jocelyn, & Robin Kempf, Informal Accountability in Multi-Sector Delivery Collaborations, Journal of Public Administration REsearch Theory (2013).
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: م. عبد الإله الصالح

على هامش اجتماع في حياتي الرسمية الحكومية السابقة، مع وزير عدل سابق لدولة عربية شقيقة، وفي سياق حديث أخوي حول ذكريات معاليه في المملكة العربية السعودية، بعد أن أكَّد مشاعر العرفان والتقدير لبلادنا التي مارَس فيها العملَ القانوني في بدايات حياته العملية، سألني بشكل مباشر وجادٍّ وعلى مسمع من الجلوس من مواطنيه: “هل تعلم ما الذي لفت انتباهي حينما كنتُ أعمل في السعودية آنذاك (السبعينيات الميلادية)؟” كان جوابي: إن ما لفت انتباهه لا يستبعد أن يكون بين خصائص ثلاث؛ جزالة الدولة السعودية وأسلوب وأصالة الحكم والسياسة الشرعية فيها، أو سهولة الحياة وبساطتها، أو أريحية الأهالي. فقال معاليه: “إنه كل ذلك لا شك وبدون مجاملة، ولكن الذي لفت انتباهي ولم أكن أتوقعه وفاجأني أنَّ في بلادكم نظامًا وتشريعًا لكلِّ شيء يطرأ، صغُر أو كبُر!”. كانت الفترة التي يتحدث عنها معاليه هي عقد السبعينيات الميلادية وما قبله. لم أكن شخصيًّا أُدرك هذا الأمر الذي لفت انتباهه، ولكنَّ كلامًا مثل هذا من مثله، دعاني للتأمل والبحث. والسبب في حصول ما أشار إليه معاليه، ليس محله هذا التعقيب، ولكنْ هناك إجماعٌ على أن بكور تكوين قضاء المظالم والشرع وتمسُّك ولاة الأمر به والتزامهم إياه، كان ولا يزال أساسًا لهذا وذاك. وكانت بلادنا آنذاك ولا تزال تسارع في سباق مع المتغيرات والمستجدات والتحولات في معركة التكوين وترسيخ أسُس العدالة وانتظام العمل المؤسسي في إطار حرص الدولة على “التنظيم”. ونحن الآنَ أمام تاريخ وواقع حافل بالأنظمة واللوائح، وآليات صياغتها وتطبيقها والرقابة على ذلك. ويحقُّ لبلادنا الناشئة أن تفخر به، ولجيل الحاضر أن يُدركه ويتأمله؛ لأنه لم يكن سهلًا أو يسيرًا. ولكن هذا الكمُّ المتميز من التشريعات، مهما كان أساسيًّا ومهمًّا، كما تشير الورقة الرئيسة، لا يعدو أن يكون الخطوةَ الأولى في جميع مجالات النشاط الوطني سواء كان في الإدارة العامة أو التجارة والاستثمار والنشاطات المالية أو العمل الخيري، وما يقود لذلك من حُسْن الحوكمة ومكافحة الفساد. إنها الخطوة الثانية، وما أدراك ما الخطوة الثانية. إنها الخطوة التي تتكتل فيها وتتكثَّف حولها وتجتمع التحديات، حيث عالم التفاصيل في مجال التنظيمات والأعمال الإدارية التي تترجم التشريعات لواقع، وحيث العلاقات والرغبات الإنسانية التي تسري في فضائها تلك الأنظمة وتعيش فيها التنظيمات، عندما يكون التطبيق والتنفيذ العملي على الأرض وفي بيئات العمل.

الحقيقة التي بات يدركها أيُّ عامل في أيِّ نشاط وطني في المملكة سواء في القطاع العام أو الخاص أو الخيري، أن مجال الأنظمة والتنظيم وبيئة العمل عمومًا صارت محلَّ تحوُّلات تنظيمية وثقافية واجتماعية ضخمة، فقد أضحت تحكمها أنظمة وإرادة سياسية حازمة، تهدف لتهيئة المملكة بكلِّ إمكاناتها لتحقيق توقعات الرؤية 2030 الطموحة، في عالم لم تعُد فيه المنافسة إقليميةً فحسب، بل كونية بكل المعاني والمعايير. وهذه المنافسة التي تلج فيها هذه الدولة لا تلجها لأهداف معنوية وثقافية فحسب، وإنما لقناعة راسخة؛ إنها أساس البقاء والديمومة واستمرار النماء والتنمية والرفاه.

في هذا الإطار لا يخفى أيضًا على نظر أي مواطن فضلًا عن التاجر أو المسؤول أو المستثمر، أن مبادئ ومتطلبات “الحوكمة” باتت تسري في عروق البيئة التنظيمية والنظامية بشكل واضح وراسخ، تجري فيها بدفع من الإرادة السياسة العليا. بيئة زادت فيها المتطلبات والمعايير والشروط، وتعددت الهيئات، وارتفعت تكاليف المخاطر وأنواعها وإدارتها. قدَّمت سياسة “الرؤية” مبادئ الحوكمة أساسًا بل شرطًا للمشاركة والشراكة في العمل والبناء القادر على تنفيذ برامج الرؤية ومخططات الاستدامة. وأعني بــ “الحوكمة” هنا، تلك التي يندرج تحت معناها الشامل تلك الآليات والتنظيمات والإجراءات ووسائل اتخاذ القرار التي تُنظِّم العلاقات الأفقية والعمودية في حكومة الدولة أو داخل المؤسسات بأنواعها وبينها والمجتمع في سبيل تحقيق أغراضها، حتى تضحي ثقافةً في بيئة العمل والعيش بصفة عامة. و” الحوكمة” مهما كانت كونية في المعنى والأهداف، إلا أنها تعتمد في بعض عناصرها ومفاهيمها الأساسية على الثقافة المحلية والخلفيات الوطنية وتحولاتها فضلًا عن الأعراف والقوانين والأنظمة التي تحكم المجال سواء كان حكوميًّا أو تجاريًّا، عامًّا أو خاصًّا. والحقيقة أن هناك تقدُّمًا واضحًا للتعريف بثقافة الحوكمة في البلاد وزرعها وترسيخها على كافة المستويات من خلال الأنظمة والمعايير المتعلقة بالشركات وعملها فضلاً عن القطاع العام.

وفي ظلِّ الكمِّ المتزايد من الأنظمة واللوائح والتعليمات والمعايير، ونشوء الهيئات المنظِّمة لقطاعات الأعمال والنشاطات المختلفة في الفضاء الوطني والإقليمي والدولي، وتزايد مستوى المخاطر المادية والمعنوية ومستوى المسؤولية التقصيرية، أضحى أحد أهم وظائف الحوكمة وثمراتها المرجوة وفي سبيل إدارة هذه المخاطر بل استغلال الفرص والإمكانيات، ضمان العلم والإحاطة ثم “الالتزام” والامتثال للأنظمة ذات العلاقة واللوائح والتعليمات بل والثقافة والأعراف، خصوصًا في بيئات تتطلب بل وتشترط مزيدًا من الشفافية والإعلام والإشهار. وذلك يعني على أقل تقدير بناء هياكل “الحوكمة” وصياغة آلياتها وتصميم إجراءاتها، ليكون “الالتزام” وكذلك ثقافته نتاجًا طبيعيًّا للعمليات الشاملة والتفصيلية، بحيث يمكن قياسها ومراقبتها وتطويرها.

وتؤكد د. نجلاء الحقيل – وهي مُحِقَّة – في ورقتها ” الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات ” أن الثقافة التنظيمية لمتطلبات “الالتزام” في حاجة للمزيد من الدراسات والتنظيم والتطبيق والتطوير في البيئة السعودية على مستوى القطاع الخاص. وتشير إلى أن ثقافة “الالتزام” وتنظيمات العمل وإجراءاتها الرسمية في سبيل ضمانه، قد لا يكفي فيها التنظيم والأنظمة واللوائح والإجراءات ذات الطابع الرسمي (مثل المساءلة الرسمية)، بل تتجاوزه إلى توظيف الفضاء غير الرسمي؛ الذي تحتل فيه الدوافع الفردية، والعلاقات الاجتماعية، وفطرة مقاومة التغيير، والقبول من الآخرين، والتطلع للمكاسب المادية والمعنوية، والقدوة الحسنة، والنجاح وما شابه ذلك – المجالَ الأكبرَ. وتناولت مُعِدة الورقة بتفصيلٍ الموضوعَ من زاوية تُعتبر حديثةً بكل المقاييس في زرع ثقافة الالتزام على المستويين الشخصي والجماعي في المؤسسة، ألا وهي  “المساءلة غير الرسمية”، التي تتمثل في توظيف الإجراءات والأساليب والمعايير والتقاليد والطبائع الشخصية والجمعية غير الرسمية التي يتم ترسيخها في فضاء العمل على مستوى الأشخاص والجماعات، بالتكامل مع نظائرها الرسمية (المتمثِّلة في الأنظمة واللوائح والإجراءات الرسمية) لخَلْق بيئة عمل متماسكة مبنية على التزام نظامي وخلقي ومهني على المستويين الشخصي والجماعي داخل المؤسسة، يكون ذا استدامة وينسجم مع أهداف المؤسسة وأغراضها وأسباب النجاح فيها.

وفي بلادنا تعتبر مؤسسة النقد العربي السعودي سبَّاقة في مجال تطبيق مبادئ وتنظيمات “الالتزام” على المؤسسات العاملة في القطاع المالي والمصرفي. فقد أصدرت ما يُسمَّى بــ “دليل الالتزام بالأنظمة”([4]) الذي يقوم على عشرة مبادئ رئيسة؛ تبدأ بمسؤولية مجلس الإدارة للمؤسسة، مرورًا بمسؤوليات الإدارة العليا فيها، ثم أساسيات وظيفة “إدارة الالتزام” في المؤسسات المالية وعلاقاتها وبرنامج عملها. ونستطيع اعتبار هذه الوثيقة نموذجًا للفكرة العامة والأسلوب الذي سوف تتطور حوله مبادئ وتطبيقات “الالتزام” في القطاع الخاص في المجالات التجارية الأخرى في المملكة (حسب ما سوف تفرضه الجهات المنظِّمة، مثل هيئة سوق المال ووزارة التجارة وغيرهما في القادم من الأيام)، وهو ما نستقرئ من وثائق وتعليمات وتنظيمات رسمية والمرجعيات الدولية.  إلا أن الوثيقة “الدليل” على ما فيها من سَبْق وتقدُّم نسبي، لا تتطرق بشكل مباشر للوسائل غير الرسمية لزَرْع ثقافة وعادات وتقاليد الالتزام في الفضاء غير الرسمي في المؤسسة. والأدلة (عقلًا ونقلًا) أكثر من أن تُحصَر، تؤكد بما لا يدعو للشك أهميةَ تطوير مقاربة “الالتزام” من الزاوية غير الرسمية أو الشخصية بالتكامل مع الأسلوب والمنهج الرسمي.

ولن يختلف أحدٌ في أهمية مجال زَرْع ثقافة الالتزام على المستوى الرسمي بتوظيف الوسائل الرسمية، كما لن يختلف اثنان على أهمية الدراسات وتطوير زرع وترسيخ ثقافة الالتزام على المستويين الشخصي والجمعي في الفضاء غير الرسمي بالتكامل مع نظيره الرسمي. ومن هنا، فإن مُعِدَّة الورقة مُحِقَّة فيما ذهبت إليه من أن تطوير آليات “الالتزام” على المستوى الشخصي في بيئة العمل، يستحق العمل والبحث الجاد. وأضيفُ أنه يجب ألا يغفل هذا البحث والتطوير والتقنين المفاهيم والثقافات المحلية، حيث إنَّ “الالتزام” يعتمد على الثقافة والمعايير الأخلاقية والمهنية المحلية أكثر من اعتماد الوسائل الرسمية من أنظمة وإجراءات وغير ذلك عليها. فمثلًا، في البلاد السعودية وفي حياة المسلم الذي يتعبد الله بالطاعة (لله ولرسوله ولولي الأمر) والتزام التقى وأداء العهود، يُشكِّل الشرع ومراعاة الخالق تعبديًّا واتباع أخلاق المعاملة الإسلامية أساسًا ركينًا في إطار ما يُطلَق عليه في الفقه الإسلامي “الالتزام” في مجال المعاملات. و”الالتزام” لغةً الثبات والدوام، وفي الاصطلاح هو إلزام الشخص نفسَه شيئًا من المعروف (الأمور الجائزة شرعًا، وضده المنكر) أو معلقًا على شيء (مصدر الالتزام مثل العقد أو المصلحة وغير ذلك). والموظف مهما كان، وفي أي موقع كان، يعتبر أجيرًا في موقع “الملتزِم” المُكلَّف شرعًا (عبادة ومعاملة)، أمام “الملتزَم له” (المؤسسة والنظام الخاص والعام والمجتمع والدولة). و”محل الالتزام” هو الوظيفة والمسؤولية. أما “موضوع الالتزام” فهو أداء الأمانة ومسؤوليات الوظيفة حسب الأصول والتعليمات، وحسب ما حدَّدته مواصفات الوظيفة. و”مصدر الالتزام” هو العقد أو أي رابطة (روابط متزامنة) مُلزمة في فضاء العمل. وفي الفقه الإسلامي شروط للالتزام تتطابق مع متطلبات الشفافية وإجراءات التعاقد والتوظيف حسب المتعارف عليه الآن في عالم الموارد البشرية والتوصيف والتصنيف الوظيفي، التي من أساسياتها العلم بـ “محل الالتزام” والقيمة المالية أو المعنوية أو كليهما.  ولذلك، فإن تطوير “الالتزام” الشخصي والجماعي غير الرسمي في بيئة العمل في بلادنا ومجالات العمل المختلفة لا بد له أن يمر من خلال بوابة الشريعة والالتزام التعبدي والمعاملة ومكارم الأخلاق، فضلًا عن متطلبات المروءة العربية.

وعلى صعيد آخر، ومما تؤكده التجربة الشخصية والمهنية، فإن من أهم الوسائل الأساسية التي يمكن من خلالها تعميق وترسيخ “الالتزام” على المستوى الشخصي وزرع ثقافته في بيئة العمل العام والخاص، هو الوضوح والبساطة وتناسق الأنظمة والمسؤوليات. إن الموظفين في الغالب يريدون العملَ في الجانب المضيء من المسؤوليات وحُسْن الأداء والتميُّز، ولكنهم في الغالب يحتاجون إلى مزيد من الوضوح والعون في الفضاء الخاص، والبعيد عن العلن، في الملابسات والمعاملات المشبوهة أو المحرمة وما يؤدي إليها، خصوصًا مع تعقيد مجالات العمل وظهور صناعات وفنون جديدة على الثقافات التقليدية (مثل المعلوماتية والخصوصية وإفشاء المعلومات، وما شابه ذلك) يصعب فيها تقرير الأخضر من الأحمر. ويمكن أن يتم ذلك بمصادر متخصصة، توفِّرها المؤسسة، يستفتيها الموظف، في جوٍّ من الخصوصية، حول ما يدور في خاطره من تساؤلات أو مخاوف. وتتم الفتوى بشكل شخصي، وعلى مستوى من الموثوقية والاطمئنان. ويزيد من ذلك ويُرسِّخه على المستوى المؤسسي تطوير حلقات النقاش الدوري بين الموظفين في بيئة حرة عفوية (بحيث لا يُحسب على أيٍّ من المتحاورين أيُّ مسؤولية لما يقول أو يُبدي أثناء الحوار) تتميز بالمساواة؛ لتحليل المعاملات والتعاملات، والكشف عن زوايا الخطر فيها وتناقضها مع الالتزام أو المصلحة العامة ومصلحة المؤسسة. وهذا قريب مما أشارت له مُعِدة الورقة الرئيسة في فقرة كيفية تعزيز “الالتزام” و”المساءلة غير الرسمية” لتحقيق أهداف المؤسسة.

وأختم تعقيبي هذا بالإشارة العاجلة إلى أنه في سبيل تسهيل “الالتزام” وتهيئة سُبُله، هناك حاجة ماسَّة في بيئة العمل عمومًا لتبويب الأنظمة واللوائح والتعليمات بطريقة موحَّدة في فهرس مُوحَّد، تُسهِّل الرجوع إليها للفرد والمؤسسة، وربطها مع لوائحها والتعليمات المتعلقة بها، حسب القطاع وحسب التنظيم والنظام، ثم توحيد مصادرها على مستوى الدولة والمؤسسة. وقد يلزم إيجاد مؤسسات حكومية (أو متعاقدة مع الحكومة) لتقديم المشورة التفصيلية المجانية (غير الملزمة) للأفراد وللمؤسسات بكافة أنواعها في سبيل الالتزام بكافة الأنظمة والمعايير واشتراطات الهيئات التنظيمية، وليس حسب القطاع أو الهيئة فقط.

  • التعقيب الثاني: د. عبد الرحمن الهدلق

رغم قِدم مفهوم الفساد تاريخيًّا، إلا أن المراقب والمتابع للمشهد العام الدولي يلحظ في السنوات الأخيرة بروز ظاهرة الفساد وانتشارها بشكل لافت للنظر، ويُدرك أنها أصبحت مشكلةً عالمية تشعر بها معظم الدول، حيث باتت محورًا لاهتمام الأسرة الدولية بسبب ضخامتها وجسامتها واعتبارها أحد أهم معوقات التنمية وتخلُّف الاقتصاد. ومع اتساع رقعة الفساد، تعددت أنواعه كالفساد السياسي والاقتصادي والمالي والإداري، واختلفت أحجامه ومجالاته سواء كان في القطاع العام أو الخاص. ومن الشواهد على هذا الاهتمام بظاهرة الفساد كثرة المؤتمرات وتعدُّد الفعاليات المحلية والإقليمية والدولية في مجالات الفساد وعناصره ومحاوره وكيفية القضاء عليه. ومن الواضح أنه لا توجد وصفة أو إجابة بسيطة ‏للقضاء على الفساد بكافة أنواعه المختلفة وأنماطه المتعددة حتى أصبحت ردود فعل الكثير من الدول إنشاء مؤسسات للنزاهة والشفافية وإدارات للرقابة والمراجعة والمتابعة، ‏في محاولة للحدِّ من هذه الظاهرة.

ورغم تعدُّد المحاور واختلاف العناصر والمواضيع التي تُشكِّل ظاهرة الفساد الكبيرة، إلا أن كاتبة الورقة الرئيسة نجحت في اختيار جزئية مهمة لنقاشها في هذه الورقة، وهي متعلقة بالالتزام والمساءلة غير الرسمية ودورهما في مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة.

‏أما المساءلة الرسمية (التقليدية) في مجال مكافحة الفساد – وهي النمط السائد في أغلب دول العالم- فأمرها واضح وبيِّن؛ لأنها مرتبطة بسيادة القوانين والأنظمة الواجبة النفاذ، وضرورة الالتزام بها مع إيقاع عقوبات محددة للمخالف، قد تكون في معظمها سالبةً للحرية. إلا أن هذه الأنظمة والقوانين عادةً ما تواجه نوعًا من أنواع المقاومة الشديدة من قِبل أفراد المؤسسة؛ وعليه فإن موضوع المساءلة الرسمية – وفقًا لرؤية مُعِدة الورقة – قد لا تكون كافيةً؛ مما يتطلب الاستعانةَ بتطبيق مفهوم المساءلة غير الرسمية إلى جانب المساءلة الرسمية ‏حتى يتم تكوين ثقافة الالتزام بهذه الأنظمة والقوانين، وبهذا تقلُّ الحاجة للمساءلة الرسمية. وتستند الورقة في ذلك على التجارب الدولية ‏في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يضعف الاهتمام بأهمية إيجاد البيئة اللازمة التي تجعل الأفراد يشعرون بالالتزام بهذه الأنظمة وتنفيذها، والتي تؤثر سلبًا على مستوى الأداء وجودة المنتج الذي يُحقِّق الأهداف والمصلحة التي يتطلع لها أصحاب السلطة؛ ولهذا كان هناك حاجة إلى ظهور مفهوم جديد سُمِّي ‏بالمساءلة غير الرسمية. ومفهوم المساءلة غير الرسمية مفهومٌ جديد له نظرياته الحديثة، والتي تضمنت الورقة الرئيسة بعضًا منها.

ورغم حداثة الموضوع وأهميته إلا أنه حسب اطلاعي على أدبيات ثقافة مكافحة الفساد، وجدتُ أن هذا المفهوم محدود الانتشار ‏رغم وجود بعض الدراسات التي تناولت الموضوع في بعض دول العالم الثالث، وبعض منها أثبت نجاعة ونجاح تطبيق هذا المفهوم، مثلما حدث في مدينة يوجياكارتا في إندونيسيا، حيث أكدت إحدى الدراسات نجاح الحكومة المحلية ‏في تلك المدينة في مواجهة الفساد مقارنةً ببقية الحكومات المحلية الأخرى، وكانت أهم نتائج تلك الدراسة وجود تناسب عكسي بين المساءلة غير الرسمية ومكافحة الفساد في تلك المدينة؛ بمعنى أنه كلما ازدادت فاعلية التطبيق للمساءلة غير الرسمية، قلَّ الفساد، والعكس صحيح.

ومع وجود هذه المؤشرات العلمية الإيجابية لفاعلية المساءلة غير الرسمية إلا أنها لم تنتشر الانتشار المطلوب والمتوقع، وأحسبُ أن ذلك يعود لوجود عدد من المعوقات ‏والتحديات والأسباب، ولعل من أهم هذه الأسباب ما يلي:

  • الالتباس والغموض حول المصطلح:

يعتبر مصطلح المساءلة غير الرسمية كغيره من المصطلحات الاجتماعية، حيث إنَّ هذه المصطلحات من الصعوبة بمكان وجود شبه ‏إجماع عليها. فالمصطلح الاجتماعي غالبًا تعتمد صياغته وتحديد مفهومه على خلفية الكاتب الفكرية والاجتماعية والمكانية والزمانية؛ وعليه فوجود مثل هذه الخلفيات المتعددة قد يؤثر تأثيرًا كبيرًا في تحديد المصطلح ومفهومه وصياغته.

‏ورقة العمل التي بين أيدينا تحدَّثت بتوسُّع – في محاولة جادة – لشرح هذا المصطلح والمفهوم، وأهمية الالتزام به. وهو مصطلح يدور حول تعزيز السلوك الإيجابي للأفراد، ونَشْر ثقافة إيجابية تُعزِّز النزاهةَ ‏كي يلتزم الجميع من خلالها بتطبيق النظام ومعايير الأخلاق المهنية لتحقيق أهداف المؤسسة؛ بمعنى آخر صنع ثقافة للالتزام الإيجابي بحيث يمكننا الاستغناء عن المساءلة الرسمية.

على الجانب الآخر، نجد أن هناك تعريفات أخرى متداولة ‏في أدبيات مكافحة الفساد الرسمية تعتبر مفهوم المساءلة غير الرسمية شأنًا خارجيًّا ومنفصلًا عن المساءلة الرسمية، تقوم به جهات غير رسمية مثل وسائل الإعلام ومؤسسات ‏المجتمع المدني والمواطنين، حيث تقوم بأدوار مساندة لمواجهة الفساد وتعزيز النزاهة من خلال إثارة القضايا المرتبطة بالفساد إعلاميًّا والتحريض عليها والإبلاغ عنها، وكَشْف القائمين عليها، والتوعية بشأنها والمطالبة بوقفها والتصدي لها.

‏إضافةً إلى ما ذُكِر أعلاه، فهناك مَن أضاف تسميةً جديدةً للمساءلة غير الرسمية، وأطلق عليها اسم “مساءلة الذات”، واعتبرها من أقوى أنواع المساءلة؛ ‏لأنها تعتبر رقابة ذاتية على النفس ونابعة من الضمير، إلا أنها تحتاج إلى نوع من التعزيز حتى تكون شفافةً وواضحةً في تحقيق أهداف المؤسسة والمصلحة العامة.

‏هذا التعدُّد والاختلاف في المفاهيم المتعلقة بشأن المساءلة أكَّده بعض الخبراء، واعتبروا المصطلح مفهومًا واسعًا، وفيه نوعٌ من الغموض (مورغان 2008). وأعتقد أن هذا التعدُّد والغموض لمصطلح ومفهوم “المساءلة غير الرسمية” قد شكَّل عائقًا حدَّ من انتشاره.

  • ‏تعقيدات المشهد في المساءلة غير الرسمية:

إن تعدُّد العوامل المتداخلة في مشهد المساءلة غير الرسمية قد يكون سببًا آخر لمحدودية انتشار هذا المفهوم، فهناك العديد من العوامل المؤثرة والمتفاعلة فيما بينها ‏في هذا المفهوم؛ لأننا نتعامل مع نفس بشرية ذات سلوكيات مختلفة ومعقدة، قد تتأثر بما حولها من شبكات اجتماعية يتحكم فيها بعض ‏مجموعات الضغط المتمثِّلة في التنظيمات غير الرسمية (مجموعة من العاملين)، والتي قد يكون أحد أهم أهدافها تحقيق مصالح التنظيم بدلاً من تحقيق أهداف المؤسسة. وكما يعلم الجميع، أن التعامل مع النفس البشرية والتحكم في سلوكياتها المختلفة والمضطربة أحيانًا يكون في غاية الصعوبة والتعقيد؛ ولهذا وُجِدت تخصصات علمية حديثة للتعامل مع هذه العوامل المؤثرة ‏كعلم النفس الإداري وعلم الاجتماع الإداري؛ بهدف فَهْم سلوكيات العاملين والتأثير عليها وتحفيزها إيجابًا، إلى جانب فهم البنية السلطوية الإدارية وآلية تطويعها ‏لتحقيق أهداف المؤسسة.

ورغم وجود مثل هذه المعوقات والأسباب التي قد تحدُّ من انتشار وقبول مفهوم المساءلة غير الرسمية، إلا أنه يمكن التغلُّب عليها بتبني مفهومٍ آخر سبَق تجريبه في عدد من الدول ومنها المملكة، ‏وهو مفهوم “الممانعة” (Resilience)، وهو مفهوم قد يختزل كثيرًا من هذه المعوقات، ويهدف إلى بناء أجواء وبيئة مقاومة للفساد وتعزيز النزاهة. وللمملكة تجارب في تطبيق هذا المفهوم في مجال مكافحة التطرف ‏وتعزيز التسامح، وقد حققت نتائج جيدة لا بأس بها.

وأقصد بالممانعة – وبشكل مبسط – أنها عملية منهجية لتحصين أفراد المجتمع ليكون لديهم القدرة على مقاومة الفساد، وتعزيز النزاهة من ‏خلال برامج متعددة تُنفِّذها المؤسسات المجتمعية أو ما يُسمَّى بمؤسسات التنشئة الاجتماعية كالمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والأسرية؛ بهدف تعزيز السلوكيات الحميدة المرغوب فيها وتقويض خلافها، وهو ما يُحقِّق ثقافة إيجابية للالتزام والنزاهة ومكافحة الفساد في نهاية الأمر؛ وهو ما تهدف إليه المساءلة غير الرسمية.

إن عملية صُنع الممانعة ليست بالأمر ‏الهين، بل تتطلب رَصْد ميزانية مالية وكوادر بشرية متخصِّصة في مجالات متعددة، تضع البرامج المناسبة التي تُحقِّق الأهداف المرجوة، والتي يمكن لها التغلب على العديد من التحديات والمعوقات. وأخالُ أن ‏مفهوم الممانعة جدير بالتطبيق والتجريب، خاصة أنه يرتكز على قيم مهمة تعتبر من صلب موضوع المساءلة غير الرسمية؛ كقيمة الالتزام بالأنظمة واحترامها، وبناء الثقة في النفس، والشفافية، وتحقيق المصالح العامة، والإخلاص في العمل، وتحفيز الدوافع ‏والسلوكيات الإيجابية، ونَشْر الوعي. وهذه قيم ومناشط واقعية منبثقة من تراثنا الديني والاجتماعي، يمكن تقبُّلها إذا عملت مؤسسات التنشئة الاجتماعية برامج متميزة ومناسبة لتعزيزها في نفوس أفراد المجتمع.

ولتعزيز هذا المسار، ‏يمكن أن يتم إنشاء أقسام إدارية في المؤسسات الحكومية لمتابعة تنفيذ البرامج والفعاليات التوعوية المتعلقة بمفهوم الممانعة، إلى جانب قيام تلك الأقسام بأعمال رقابية لضمان الالتزام بالأنظمة وتعزيز النزاهة في تلك المؤسسات. وقد تكون شبيهةً أو بديلةً أو ضمن ‏إدارات المراجعة الداخلية المنتشرة في الكثير من الدوائر الحكومية.

إن تنفيذ مثل هذه الأفكار البعيدة عن التعقيدات والمماحكات الفلسفية يتماشى مع ما ورد ‏في رؤية 2030، والتي جعلت من مكافحة الفساد والشفافية والمحاسبة والمساءلة جزءًا منها. وهذا لا يمنع من الاستفادة من التجارب العالمية وأفضل الممارسات الدولية – كما ورد في الرؤية – لتعزيز مفهوم ‏الممانعة المجتمعية؛ لدعم تلك القيم التي تسهم في نَشْر ثقافة الالتزام والنزاهة والمساءلة غير الرسمية.

‏وعلى الرغم من اهتمام رؤية 2030 بمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة عبر العمل على تحقيق مجموعة كبيرة من الأهداف والنتائج، إلا أن ذلك لم يواكبه اهتمامٌ علمي وبحثي في مجال المكافحة والنزاهة، إذ إنَّ ‏الدراسات العلمية المنشورة في المملكة في مجال مكافحة الفساد محدودة جدًّا، وقد لا تتجاوز أصابع اليدين. فماذا إذًا عن الدراسات المتخصِّصة في مجال المساءلة سواء الرسمية أو غير الرسمية، والتي لم يتم تناولها محليًّا بدراسة تفصيلية قبل هذه الورقة محل النقاش؟ ويجب على مؤسساتنا الأكاديمية وأعضائها تسليط المزيد من الضوء عليها والاهتمام بها، وتناولها في دراساتهم وأبحاثهم ورسائل طلابهم العلمية، لعمل إضافات علمية لخدمة الوطن ‏في مواجهة الفساد الذي يعتبر من أهم عوائق التنمية في عالمنا الثالث.

المداخلات حول القضية:

  • أهمية وأبعاد الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات:

أشار د. محمد الثقفي إلى أن المملكة العربية السعودية حقَّقت تقدُّمًا ملموسًا في مجال مكافحة الفساد، والفضل لله سبحانه ثم لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ولسمو ولي العهد، ويمكن رَصْد ذلك بسهولة في الإحصاءات الجنائية والرصد الإعلامي لهذه الظاهرة، ويُعزَى ذلك لتفعيل القوانين المنظِّمة والضابطة للانحراف السلوكي من جانب، ولتفعيل عوامل أخرى تحدُّ من الفساد؛ ومن أبرزها: أتمتة الإجراءات والشفافية في الحركة المالية، والحوكمة لعديد من الإجراءات.

وتعَدُّ قضية الالتزام الذاتي والمساءلة الاجتماعية في المجتمع بصفة عامة، وفي المنظمات الحكومية والخيرية والخاصة وحتى الفردية عاملًا مساعدًا في ضبط السلوك الخاص والعام، والالتزام بالقيم الاجتماعية التي تنبذ السلوكيات المنحرفة، وتحثُّ على الالتزام والمسؤولية، والمساءلة غير الرسمية.

وترتبط المساءلة غير الرسمية بالمواطنة الحقيقية، والمسؤولية الفردية للإنسان، وهي بمثابة الحسبة في الإسلام، ونوع من المشاركة الاجتماعية والسياسية. ويمكن عزو أهمية المساءلة بشكل مباشر لعدد من الأهداف الإستراتيجية والفرعية والمبادرات لرؤية 2030، حيث تناول الهدف الإستراتيجي الأول “تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية والمواطنة المسؤولة”، وفي الهدف السادس “تمكين المسؤولية الاجتماعية والتطوع”.

وذهب م. أسامة كردي إلى أن المساءلة في أبسط أشكالها (الداخلية والخارجية، الرسمية وغير الرسمية) تعَدُّ من أهم وسائل مكافحة الفساد وحوكمة المؤسسات، وأهم وسائلها هو التقارير والتحقيقات. وفي ضوء ذلك، فثمة تساؤل مطروح مفاده: هل تتطلب المساءلة الرسمية أو غير الرسمية وقوع مخالفة تتطلب المساءلة، أم يمكن البدء بها توقُّعًا لوقوع مخالفة قد تتطلب المساءلة؟

وفي هذا الإطار، ذكرت د. نجلاء الحقيل أننا نحتاج المساءلة الرسمية بعد وقوع المخالفة، في حين أن المساءلة غير الرسمية هي موجودة في كل الحالات، سواء كانت مؤسسة تعجُّ بالمخالفات أو مؤسسة تقلُّ فيها المخالفات. الفرق أن المساءلة قد تكون سلبيةً في حالة كانت المخالفات منتشرة، بحيث إنَّ مَن يحاول أن يلتزم بالنظام يتم معاقبته بشكل غير رسمي، من خلال الضغط عليه ليمتثل لرغباتهم. مثلاً، عندما يرفض موظف أن يُمرِّر معاملة غير نظامية، يقوم رئيسه بإقصاء الموظف أو نقله من مكان عمله أو حرمانه من مكافأة مالية أو ترقية من خلال إعطائه تقييمًا وظيفيًّا سيئًا… إلخ. أما المساءلة الإيجابية فهي العكس، عندما يكون أداء العمل بشكل نظامي هو الذي يترتب عليه الحصول على امتيازات مالية ووظيفية واجتماعية. وبالتالي، فالمساءلة غير الرسمية يجب أن تُركِّز على صناعة ثقافة مؤسسية تُورَّث للموظفين من خلال رَفع الامتيازات التي يحصل عليها الفرد عند التزامه وعدم ارتكابه لمخالفات إدارية أو مالية.

وأضاف د. صدقة فاضل أن المساءلة الرسمية إنْ لم تكن ذات أسنان (صلاحيات) لا يكون لها معنى. واتفقت د. نجلاء الحقيل مع ذلك، وأضافت أن المساءلة الرسمية مهمة جدًّا، ولا يمكن تطبيق القانون وضمان الالتزام به إذا لم تكن موجعة، ولكن يجب خلق ثقافة الالتزام وعدم ارتكاب المخالفات الإدارية والمالية المنتجة للفساد.

من جهته، يرى أ. لاحم الناصر أن المجتمع – للأسف – أسهم كثيرًا في استشراء الفساد في المؤسسات الحكومية وثقافة التكسب من المنصب ردحًا طويلاً من الزمن؛ مما جعل التربُّح من المنصب والتكسُّب منه نوعًا من الذكاء والرجولة والدهاء وسعة الحيلة، فقد بقي المجتمع لفترة طويلة يصف هذا المسؤولَ بـ “الذيب”، وأحيانًا لا يُنادَى إلا بألفاظ التعظيم والإكبار مع عِلْم الجميع بمصدر ثروته وبفساده فيما كان المجتمع يصمُ مَن يدخل المنصبَ ويخرج منه كما دخل بالرخمة (طير جارح يأكل الجيف) والمسكين، وغيرها من أوصاف المذمة مع كون المجتمع يوصف في غالبه بالتدين، لكنه للأسف لم يكن يرى حرمةً للمال العام؛ لذا فلا يمكن التعويل كثيرًا على ما يُسمَّى بالمنظومة الأخلاقية في كبح جماح شهوة الاستيلاء على المال العام أو الخاص؛ بل الرأي أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

واتفق أ. محمد الدندني مع ما ذهب إليه أ. لاحم الناصر، وأضاف: إننا نعيشُ بترهُّل وفساد المجتمع لعقود، وأصبح مقبولاً إلى حد كبير حتى مع تمسُّك الأغلبية بالدين، وطبعًا هنا التدين النظري، فهو لم يُلتزم به في المعاملات والسلوك العام والألفاظ وكل ما أمر ونصح به الدين الإسلامي الذي لم يترك شيئًا إلا وبيَّنه ونظَّمه. الكلُّ يعرف أن لا تقُّدم وتنمية دون القضاء على الفساد الإداري والمالي، ورفع مستوى أخلاقيات العمل والإنتاج. حتى مَن لم يختلس أو يستغل المنصب ولكن كان أداؤه متواضعًا، فهو في دائرة الفساد. عندما يتجذَّر أيُّ أمر فلا مناصَ من العصا الغليظة، وحتى القصاص. الفقه واسع، وولي الأمر والفقهاء هم مَن يُقدِّرون حجم الخلل ووَضْع العقاب المناسب. ألم يُوضع حد القصاص لمهرب المخدرات، فلما لا يُقتصُّ من سارق المال العام وحتى الخاص في الشركات وغيرها؟ لنصل القمة ونبقى، علينا برفع مستوى الشفافية والنزاهة بأيِّ ثمن.

  • وسائل تفعيل الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات:

تساءل م. أسامة كردي: هل من المناسب العمل على إنشاء جمعية أهلية تكون مهمتها نَشْر ثقافة الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات؟ وبدوره أوضح د. عبد الرحمن الهدلق أنه بالفعل يوجد مؤسسة اسمها “سعفة”، وهي إحدى مؤسسات المجتمع المدني، التي تسعى لتعزيز القيم الرئيسة المتمثِّلة في الشفافية والنزاهة في المملكة العربية السعودية، انطلاقًا من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وعاداتنا وثقافتنا. وهي تعمل وفقًا للإستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، التي نصَّت على دور مؤسسات المجتمع المدني في توعية وتثقيف الأفراد والمؤسسات تجاه هذه الأخلاقيات، وتحقيق ما احتوته هذه الإستراتيجية من مقاصدَ. وتهدف المؤسسة إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة، وتأصيلها في المجتمع من خلال نشر ثقافة الشفافية والنزاهة والعدالة. لكن بشكل عام، إنتاجها ومناشطها محدودة خاصة في السنتين الأخيرتين.

بينما ترى د. نجلاء الحقيل فيما يخصُّ إنشاء جمعية أهلية تكون مهمتها نشر ثقافة الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات، أن مؤسسات المجتمع المدني لها أهمية بالغة جدًّا في عملية تعزيز النزاهة والرقابة على مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى مساهمتها في دعم الاقتصاد وبناء المجتمع؛ ولكن المشكلة أن مؤسسات المجتمع المدني أيضًا تعاني إداريًّا وماليًّا. وهو أيضًا موضوع مهمٌّ للبحث فيه من أجل تطويره، ليشارك بشكل فاعل في محاربة المخالفات الإدارية والمالية التي تحدث داخلها؛ لأنه في حال تطويره، سيكون صوته ذا قوة ناعمة على المؤسسات العامة والخاصة.

ومن وجهة نظر أ. فهد القاسم، لا يمكن وجود مساءلة بدون ضوابط تحكم الممنوع والمسموح، وما دامت غير رسمية فنحن نبتعد عن القوانين والأنظمة، ونستدعي الضوابط الدينية والأخلاقية والقيمية. لذلك، فإن ذلك يتحقق مع وجود منظومة قيمية مُعَدَّة بإتقان ومُوثَّقة ومُعتمدة ومنشورة لكل مؤسسة، تكون مرجعًا للعاملين والمتعاملين معها، يتم بثُّ روحها داخل المؤسسة، ويتدرب العاملون على ممارستها؛ لتتحول هذه القيم إلى سلوك ومنهج عمل، فتتحول إلى رقابة ذاتية بين تابعيها، وتُصلح المؤسسة عيوب أفرادها، وتنفث خبثها خارج أسوارها. ومن جهة أخرى، هناك منظومة القيم والأخلاق العامة التي من المهمِّ تكوين بذرتها داخل البيت وفي المدرسة، ومن أهم تطبيقاتها القدوة الحسنة والتي تبدأ من أعلى الهرم، وبيئتنا الدينية والتاريخية والتراثية غنية بمكونات لقيم عليا تصنع النموذج وتقوِّم المعوج.

بينما ترى د. نجلاء الحقيل أن إملاء القيم على الأفراد ليس كافيًا. فنحن منذ الصغر درسنا مناهج تُعزِّز قيمًا دينية مثل الأمانة والإخلاص ومساعدة الغير… إلخ؛ ولكن عندما نأتي للواقع العملي نجد أن البعض لا يمتثل لهذه القيم، والسبب هو التأثُّر بالجو العام. إذًا، نحن لا نُعوِّل فقط على تعزيز النزاهة عن طريق الإعلام والندوات، فهذه أداة تُسهم في خلق مساءلة غير رسمية، لكنها ليست كافية. فنحن نحتاج إلى أدوات صلبة ملموسة ومحسوسة لخلق المساءلة غير الرسمية، من أهمها:

  • اختيار القيادة الجيدة؛ لأن القائد الجيد هو قدوة لموظفيه، وهو مَن يُملي على موظفيه القواعدَ النظامية والعُرفية التي يسير عليها العمل.
  • تعزيز قيم النزاهة يحتاج إلى اعتماد مبدأ المكافأة المادية والمعنوية، وذلك من خلال مَنْح مَن يؤدي عمله بشكل جيد امتيازات مادية ومعنوية. وهذا يجب أن يتم من خلال رسم نظام قانوني بشكل صحيح يضمن عدالةَ استحقاق المكافأة، وبهذه الطريقة يتم خلق صورة “الموظف البطل” الذي يكون سلوكه قدوةً للجميع.

أما د. خالد بن دهيش فأكَّد على أهمية وَضْع ميثاق شرف لكل مهنة ويُعلَن بشكل رسمي، ومن المهم تفعيل هذا الميثاق؛ فالالتزام بالميثاق يعَدُّ مساءلةً غير رسمية؛ لأن أيَّ ميثاق يقوم على حقِّ أداء الانتماء إلى مهنته إخلاصًا في العمل وصدقًا مع النفس والناس وعطاءً مستمرًا، ومن خلال ذلك يتابع أداء صاحب المهنة لمهنته وتتم المساءلة غير الرسمية.

واتفقت د. فايزة الحربي مع أهمية وَضْع ميثاق شرف ثم تفعيله، والنظر في إمكانية إدراجه ضمن اختبار الرخصة المهنية، وكذلك تدريسه عبر الجامعات لكل تخصص أو من خلال دورات إلزامية كمتطلب من متطلبات التوظيف.

وأكد م. فاضل القرني على أهمية المفاهيم الوقائية من الوقوع مسبقًا في المساءلة غير الرسمية، والحاجة إلى تضمين ذلك في منهجية مادة أخلاق المهنة ((Ethos، وفق ديننا الحنيف والقيم الإنسانية والانتماء الوطني؛ لأنه يوجد تشابه شديد بين المساءلة غير الرسمية والأخلاق.

وأوضحت د. عبير برهمين أنها مع إقرار العقوبة لمَن يثبت عليه جُرم الفساد، ولكن من المهم كذلك تكثيف وسائل دعم الممارسات الجيدة والأخلاقيات الراقية بصورة أكبر بكثير من وسائل الردع.

وأشارت أ. فائزة العجروش إلى أن تركيز الورقة الرئيسة انصبَّ على صناعة عُرف تشريعي يلتزم به أفراد المؤسسة للتشريعات المكتوبة طواعيةً، وتقليل الحاجة للمساءلة الرسمية إلى جانب تطبيق المساءلة الرسمية؛ لأن تطبيقهما معًا يضمن تكوينَ ثقافة الالتزام، ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من تحديد ما يلي:

  • أولاً: الركائز الأساسية وتفعيل دورها، ومنها: أداء القسم حتى لصغار الموظفين، إدارة حاسمة للمخاطر والمراقبة الداخلية على المستوى الإستراتيجي، آليات فعَّالة للشكاوى والاستجابة السريعة. وتساهم هذه الركائز مجتمعةً في تشكيل ثقافة مساءلة غير رسمية وشفافية من خلال اتفاقات واضحة، وأداء تنظيمي عادل يُشعِر الموظفين بالأمان الوظيفي والولاء المؤسسي.
  • ثانيًا: الأهداف على جميع المستويات التنظيمية والمخاطر الكامنة في مجالات تشغيلية معينة وبالأخص الحساسة منها، وأن تقوم إدارة الرقابة الداخلية بتبنِّي مجموعة من القيم وقواعد للأخلاقيات والسلوك المهني والرقابة الذاتية داخل بيئة العمل، ثم إجراء تقييم حول ما إذا كانت المكونات المختلفة للرقابة الذاتية تمَّ التعريف بها بشكل كافٍ، وتمَّ دمجها مع الإجراءات اليومية أم لا، لتُصبح روتينًا يوميًّا يتحول لالتزام وظيفي؛ وذلك لتقليل المخاطر إلى مستوى مقبول.

لذلك، يجب تحديد المفهوم الأساسي للمساءلة غير القانونية (اتفاقًا مع ما ذكره د. الهدلق في تعقيبه من أن الالتباس أو الغموض حول هذا المصطلح كان سببًا من أسباب محدودية انتشار هذه الثقافة)، وتعيين المسؤوليات الواضحة للرقابة الداخلية للإدارات أنفسها وإدارة المخاطر، وتوزيع واضح للمهام والمسؤوليات، والتركيز على الدور المهم للإدارة الذاتية للموظفين. وألا تقتصر أعمال المساءلة غير الرسمية على عدم تسريب معلومات حساسة أو نَشْر وثائق رسمية فحسب؛ بل تمتد لأبعد من ذلك خاصةً في المناصب ذات الخطورة العالية للفساد. ولضمان نجاح ذلك، ينبغي تحقيق ما يلي:

  • إنشاء إدارة في كلِّ مؤسسة حكومية تُعنى بالرقابة الداخلية وتعزيز النزاهة والولاء للمؤسسة، تكمن أهميتها في أنها قريبة من أرض الحدث، وأكثر عِلمًا ومعرفةً بثقافة المؤسسة وبالإجراءات الداخلية لتنفيذ أعمالها، وقريبة من القضايا التي تواجهها، وأكثر درايةً بأساليب التحايل المختلفة التي قد يتبعها العاملون فيها لتفادي تطبيق القوانين واللوائح.
  • بناء القدرات المهنية لممارسي الأعمال الرقابية والمراجعة الداخلية.
  • تطوير سياسات وإجراءات إدارة مخاطر الاحتيال والفساد وتنفيذها.
  • دَمْج أدوات تكنولوجيا المعلومات في عمليات ووظائف الرقابة الداخلية.
  • اتخاذ التدابير اللازمة بحق الموظفين القدامى ممَّن لا يُجيدون التعامل مع الأنظمة الإلكترونية الحديثة، وإلحاقهم بدورات تدريبية لفَهْم ما يُستجَدُّ من أنظمة العمل الإلكتروني، وتوعيتهم بمخاطر الإهمال الوظيفي.
  • كما أن هناك تأكيدًا على ضرورة بناء هياكل “الحوكمة”وصياغة آلياتها وتصميم إجراءاتها؛ ليكون” الالتزام” وثقافته نتاجًا طبيعيًّا للعمليات الشاملة والتفصيلية، بحيث يمكن قياسها ومراقبتها وتطويرها. مع التأكيد هنا على أن اﺳﺗﻛﺷﺎﻑ ﺍﻟﺭﻭﺍﺑﻁ ﺑﻳﻥ ﺍﻟﻣﺳﺎءﻟﺔ ﻭﺍﻟﺣﻭﻛﻣﺔ ﺿﻣﻥ بيئة العمل لن يتم إلا من خلال ما يلي:
  • اﺳﺗﺣﺩﺍﺙ ﺁﻟﻳﺔ ﺗﻘﻳﻳﻡ ذاتي ﻟﻛﻝ مؤسسة، ﺣﻳﺙ ﻳﻣﻛﻧﻬﺎ ﺇﺟﺭﺍء ﺗﻘﻳﻳﻣﺎﺕ ﺩﺍﺧﻠﻳﺔ ﺑﻧﺎءً ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺱ ﺍﻟﻣﻌﺎﻳﻳﺭ ﺍﻟﺗﻲ ﻭﺿﻌﺗﻬﺎ ﻭﺣﺩﺓ ﺟﻭﺩﺓ النظام ﻭﺍﻟﻣﺳﺎءﻟﺔ الرسمية.
  • تمكين الموظفين من ﺍﻟﻣﺳﺎﻫﻣﺔ في كتابة ﺍﻟﺳﻳﺎﺳﺎﺕ الموضوعة، ﻭتوضيح مفهوم ﺍﻟﻣﺳﺎءﻟﺔ الرسمية وغير الرسمية في بيئة العمل، والمشاركة في ﺍﻟﺣﻭﺍﺭات ﺍﻟﺩﺍﺋﺭة في المؤسسات التي يعلمون بها.
  • ﺇﺧﺿﺎﻉ ﺍﻹﻁﺎﺭ ﺍﻟﻘﺎﻧﻭﻧﻲ ﻟﺗﺣﻠﻳﻝ ﻣﺗﻌﻣﻕ، وﻣﻌﺎﻟﺟﺔ ﺍﻟﺛﻐﺭﺍﺕ ﺍﻟﺣﺎﻟﻳﺔ، ﻭﺍﻗﺗﺭﺍﺡ ﺍﻟﺗﺷﺭﻳﻌﺎﺕ الملائمة حسب المستجدات.
  • ﺇﺳﺗﺣﺩﺍﺙ ﺁﻟﻳﺎﺕ ﺟﺩﻳﺩﺓ ﻟﻠﺗﻭﻅﻳﻑ، ﻭﻣﺗﺎﺑﻌﺔ ﺃﺩﺍء ﺍﻟﻣوظفين، ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺏ ﻣﺳﺎﺭﺍﺕ ﻭﺍﺿﺣﺔ ﻟﻠﺣﺻﻭﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﻛﺎﻓﺂﺕ ﻭﺗﺩﺍﺑﻳﺭ ﻋﻘﺎﺑﻳﺔ.
  • تفعيل الدوران الوظيفي بشكل جادٍّ، فلا يُعقل أن يظلَّ الموظف أو المسؤول الواحد أكثر من ‏‏10 سنوات في نفس المنصب، وبنفس المهام الوظيفية؛ لأن هذا أمر غير أنه رتيب للغاية وقاتل للطموح، إلا أنه يُؤسِّس لجذور الفساد.
  • ضرورة وجود ناطق رسمي لكل جهة (حكومية أو خاصة)؛ لتتم عملية التواصل بكل شفافية، وقفل باب الشائعات، ولقطع الشك باليقين، فضلًا عن تعزيز مستويات الشفافية داخل مؤسسات الدولة؛ الأمر الذي يرفع من تصنيف المملكة في التقارير العالمية للشفافية.

 

  • التوصيات:
  • مطالبة الأجهزة الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص بإعداد خطط متكاملة لمكافحة الفساد في قطاعاتها، على أن تتضمن الخُطط مؤشرات لقياس الفساد بجميع أنواعه في تلك الأجهزة والمؤسسات.
  • تكثيف المناشط التدريبية والفعاليات التوعوية للموظفين، والمتعلقة بموضوعي النزاهة ومكافحة الفساد في القطاعات العامة والخاصة وغيرها.
  • تشجيع التعاون في مجالات مكافحة الفساد ونَشْر قيم النزاهة والشفافية والمساءلة بين المؤسسات الأكاديمية والتدريبية والبحثية المتخصصة، وبين الأجهزة الرقابية في القطاعين العام والخاص.
  • تشجيع المؤسسات الأكاديمية من جامعات ومراكز أبحاث على تحفيز ودعم منسوبيها لعمل البحوث والدراسات المتخصصة في مجال مكافحة الفساد عامة، ومواضيع المساءلة بشكل خاص.
  • تطوير قدرات منسوبي الجهات العاملة في مجال مكافحة الفساد؛ للتعرف على الطُّرق المستحدثة في جرائم الفساد، وآليات مكافحتها.
  • تفعيل دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية (التعليمية، الدينية، الإعلامية، الأسرية… إلخ) ومؤسسات المجتمع المدني في نشر ثقافة الشفافية والمساءلة والنزاهة وأهمية مكافحة الفساد.
  • الاستفادة من التجارب المحلية والإقليمية والدولية المتميزة في مجال مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة.
  • استحداث جوائز ومسابقات سنوية متعددة على مستوى المملكة وعلى مستوى القطاعات في مجال مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة.
  • عمل موسوعة شاملة للمفاهيم والمصطلحات والنظريات والتجارب ذات العلاقة بالفساد ومكافحته والنزاهة وتعزيزها، وتوزيعها على جميع القطاعات العامة والخاصة والتطوعية وغيرها.
  • الاهتمام بتشجيع رؤساء المؤسسات على الاهتمام بسمعتهم أمام القيادة وأمام المجتمع، ويكون ذلك بعدة أمور؛ منها: إضافة مادة في نظام مجلس الشورى تختصُّ بالمساءلة العلنية.
  • تشكيل لجان مراجعة داخلية أو مكاتب للإفصاح تُشكَّل عضويتها بشكل دوري في جميع المؤسسات خاصة أو عامة، وفي حال كانت المؤسسة من الشركات المتوسطة والصغيرة فبإمكانها تعيين مراجع خارجي يهتم بعملية حوكمتها ومتابعة تطبيق النظام بالإضافة إلى المراجعة المالية. ويُراعَى في أعضاء لجنة المراجعة الداخلية، ألا يكونوا أعضاءً في الأقسام التي لها دورٌ في اتخاذ القرار، مثل أعضاء مجلس الإدارة أو العاملين في مكتب الوزير أو الأقسام المالية.
  • تعيين مراجع خارجي “طرف ثالث محايد”. ولضمان الحياد قدر الإمكان، لا بد من توافر عدة شروط فيه؛ كأن يكون اسمه تابعًا للدولة بحيث تقوم هي باختياره. كما أنه بإمكان المؤسسات بشكل عام ترشيح أسماء، ولكن هذه الترشيحات غير ملزمة.
  • إعادة هيكلة المكافآت والترقيات لمَنْح الموظف المجتهد والمتقن لعمله والملتزم بالنظام امتيازات لا يحصل عليها مَن يتفاخر بإهمال أداء العمل أو بتجاوز القانون. بالإضافة إلى وضع نظام إلكتروني لتقييم الأداء الوظيفي، بحيث تكون نسبة من التقييم بناءً على ما يرصده النظام للموظف من إنجازه لمهام عمله.
  • بناء الثقة؛ حيث يجب الاهتمام بمسألة الرضا عن أعمال المؤسسة سواء كان من قِبل العاملين فيها أو المستفيدين منها، والاهتمام بموضوع الشفافية والإفصاح عن المعلومات؛ لأن المؤسسة عند الإفصاح تزرع ثقةً بمن يعمل فيها أو يتعامل معها.
  • اختيار القائد بحيث يكون مبنيًّا على الكفاءة العلمية والعملية، بالإضافة إلى مراعاة نزاهته.
  • أهمية وجود ميثاق أخلاقيات لكل مهنة مبني على الأخلاقيات التي أكد عليه ديننا الحنيف، وأن يكون هناك قَسَمَ يؤديه مَن يلتحق بالخدمة.

 


 

المشاركون في مناقشات هذا التقرير

  • قضية “مضاعفة أعداد سكان مدينة الرياض من منظور التنمية المتوازنة”:
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • م. فاضل القرني
  • د. حمد البريثن
  • د. منصور المطيري
  • د. عائشة الأحمدي
  • د. محمد الثقفي
  • أ. فائزة العجروش
  • د. مها المنيف
  • د. هناء المسلط
  • د. علي الطخيس
  • م. سالم المري
  • د. فوزية البكر
  • د. زياد الدريس
  • د. حامد الشراري
  • د. فهد اليحيا
  • أ. محمد الدندني
  • أ. عبد الإله الصالح
  • قضية “المساعدات الخارجية للمملكة: التحوُّل المنشود”:
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. حمد البريثن
  • د. زياد الدريس
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • د. محمد الثقفي
  • أ. منى أبو سليمان
  • د. فوزية البكر
  • د. وفاء طيبة
  • م. سالم المري
  • د. رياض نجم
  • أ. عبد الرحمن باسلم
  • د. مها العيدان
  • م. فاضل القرني
  • د. علي الطخيس
  • د. يوسف الرشيدي
  • د. مساعد المحيا
  • د. عبير برهمين
  • قضية “قمة مجموعة العشرين (G20): الرياض 2020″:
  • أ. عبد الله الضويحي
  • أ. علياء الدريس
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. فهد القاسم
  • أ. محمد الدندني
  • د. الجازي الشبيكي
  • أ. راكان بن دهيش
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد بن دهيش
  • د. رياض نجم
  • د. زياد الدريس
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • د. مساعد المحيا
  • د. منصور المطيري
  • د. ناصر القعود
  • د. نبيل المبارك
  • م. إبراهيم ناظر
  • م. سالم المري
  • م. فاضل القرني
  • قضية “الالتزام والمساءلة غير الرسمية في المؤسسات”:
  • د. صدقة فاضل
  • أ. فهد القاسم
  • د. محمد الثقفي
  • د. خالد الدهيش
  • أ. لاحم الناصر
  • أ. فائزة العجروش
  • د. فايزة الحربي
  • م. فاضل القرني
  • د. عبير برهيمن
  • أ. محمد الدندني

 

(*) مُحكِّم بجائزة رواد التسويق، وكاتب أسبوعي في صحيفة مال.

(*) يُنظر في ذلك: الدراسة السكانية لمدينة الرياض 1437هـ، متاحة على الرابط:

https://www.rcrc.gov.sa/wp-content/uploads/2019/07/007523.pdf

(*) يُنظر في ذلك تقرير: حالة المدن السعودية لعام 2019، متاح على الرابط:

https://unhabitat.org/sites/default/files/2020/05/saudi_cities_report_2019_arabic.pdf

(*) مختص ومُخطِّط إستراتيجي في مجال المساعدات الخارجية والتنمية الدولية.

[1] – الصندوق السعودي للتنمية، 2009.

(*) الجهات السعودية المانحة والداعمة للمساعدات الإنسانية والتنموية، اعتمادًا على بيانات المنصة السعودية.

(*) يُنظر في ذلك: صحيفة الشرق الأوسط، عدد: 27/9/2020م.

([2]) رئيس الفريق السعودي لمجموعة عمل البنية التحتية تحت رئاسة المملكة لمجموعة العشرين، برنامج المسار المالي.

([3]) مرافقة ومترجمة للوفد الفرنسي، ومشاركة ضمن فريق التنظيم، في قمة العشرين ٢٠٢٠م.

(*) أستاذ مساعد في كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون العام، جامعة الملك سعود.

([4]) انظر موقع مؤسسة النقد العربي السعودي ” sama.gov.sa”


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-69-لشهر-نوفمبر-2020.pdf

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com