للاطلاع على التقرير وتحميله إضغط هنا


أكتوبر 2021

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير لقضيتين مهمتين تمَّ طرحهما للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر أكتوبر 2021م، وناقشهما نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة؛ حيث تناولت القضية الأولى: الاستقدام أنظمته وتنظيمه، بينما تناولت القضية الثانية: الاستراتيجية الصحية في جانبي الوقاية والعلاج.


القضية الأولى

الاستقدام أنظمته وتنظيمه

(13/10/2021م)

  • الملخص التنفيذي.
  • الورقة الرئيسة: أ. محمد الدندني
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. سعيد الغامدي
  • التعقيب الثاني: م. سالم المري
  • إدارة الحوار: م. إبراهيم ناظر
  • المداخلات حول القضية
  • أسباب تزايد معدلات الاستقدام وارتفاع تكلفته في المملكة.
  • الاستقدام وعلاقته بثقافة العيب والنظرة الدونية لبعض المهن.
  • آثار العمالة الوافدة على المجتمع السعودي.
  • وسائل الحد من معدلات الاستقدام ومعالجة الإشكالات المرتبطة به.
  • التوصيات
  • المصادر والمراجع
  • المشاركون

 

  • الملخص التنفيذي.

ذكر أ. محمد الدندني في الورقة الرئيسة أن أنظمة الاستقدام اتسمت بالتغيير السريع والمراجعة لأسباب عدة أهمها سياسة السعودة والتوطين وأيضاً محاولة تنظيم السوق والتي لم تَرْقَ لحجم المشكلة؛ فقد كانت قرارات سريعة في أغلب الأحيان ووقتية، تفتقد إلى شمولية التخطيط وعدم ربطها بعوامل مهمة مثل خطط التنمية ومخرجات التعليم العام والمهني والجامعي. كما استعرض أسباب الاستقدام ومنها نشأة البلاد وتطورها المتزايد، فضلاً عن اتساعها وقلة عدد السكان وقلة الكفاءات وعزوف المواطنين عن كثير من الأعمال الميدانية بسبب العادات وتدني الأجور وبيئة العمل وتعدد مصادر الدخل. ​وأوضح أن هناك خللاً كبيراً في سوق العمل ومؤثراً على العديد من أنشطة الدولة والمجتمع، وطالب بالعمل على معالجته كي لا تكون عائقاً في طريق مشروعنا الوطني الطموح رؤية 2030.

بينما أكَّد د. سعيد الغامدي في التعقيب الأول على أن السبب الأهم في الاستقدام هو عزوف نسبة عالية جداً من أفراد الشعب السعودي عن الكثير من الأعمال المهنية والحرفية، وأن هناك نظرة دونية في مختلف المناطق إلى بعض المهن، حيث يشعر الكثير من الناس بالعيب من ممارسة بعض المهن مثل (مهنة السباكة، الجزارة، الحدادة، الصياغة، الطبخ، الحلاقة، أعمال النظافة، وغيرها الكثير من المهن اليدوية) وأنه رغم ما تشهده المملكة من تطور كماً وكيفاً وارتفاع مستوى التعليم في مختلف المراحل، إلا أن تلك المفاهيم والأفكار لا زالت مسيطرة على نسبة عالية من أفراد المجتمع، ووصلت إلى درجة أن البعض لا يمكن له أن يصاهر أي شخص يمتهن تلك الأعمال وبعض تلك الأعمال تندرج ضمن ثقافة “العيب”، كما أن من الأسباب الأخرى المهمة التي ساهمت في زيادة الاستقدام في مجتمعنا السعودي، هو عزوف المتخصصين المؤهلين من السعوديين على العمل في القطاع الخاص، نظراً لتدني الرواتب، ولطبيعة العمل، ووجود البديل الحكومي المناسب.

بينما أشار م. سالم المري في التعقيب الثاني إلى أن الهدف في معظم حالات الاستقدام برأيه هو تعظيم الربح لأصحاب العمل (شركات ومكاتب الاستقدام) وليس لضرورة وطنيّة، وأن هذا لا يشمل بعض المهن الضروريّة مثل المدرسين والأطباء والمهندسين وما في حكمهم، فهذه المهن إمّا في مؤسسات حكوميّة أو تحت تنظيم حكومي، ومن ثمّ من السهل السيطرة عليها. وبالرغم من خطورة مشكلة سوق العمل في المملكة وكثرة محاولات إيجاد الحلول إلا أن معالجاتها لم تَرْقَ لحجمها لا في التشريع ولا في التطبيق. وربما يكمن الحل العملي لهذه المشكلة في أن تتولى الحكومة مسؤولية تنظيم وتنفيذ استقدام العمالة المعدّة للاستئجار لخدمة المواطنين وصغار المقاولين المحليين؛ ولكن يجب أن تنأى وزارة الموارد البشريّة والتنمية الاجتماعية بنفسها عن هذا الموضوع، فهي غير قادرة في تصوره على مواجهة الضغوط في هذا الشأن لافتقارها للكوادر المؤهّلة.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • أسباب تزايد معدلات الاستقدام وارتفاع تكلفته في المملكة.
  • الاستقدام وعلاقته بثقافة العيب والنظرة الدونية لبعض المهن.
  • آثار العمالة الوافدة على المجتمع السعودي.
  • وسائل الحد من معدلات الاستقدام ومعالجة الإشكالات المرتبطة به.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • إنشاء هيئة عليا يندرج تحتها توطين المهن والاستقدام للقطاعين العام والخاص مرتبطة بمجلس الوزراء. جهة التنفيذ (مجلس الشئون الاقتصادية والتنمية).
  • إنشاء قاعدة بيانات رقمية نوعية (تختص بالعمالة الأجنبية وكذلك القوي العاملة السعودية) يمكن من خلالها الحصول على المعلومات المطلوبة من أي جهة حكومية أو خاصة ذات علاقة بالموارد البشرية ومعرفة العاطلين عن العمل، وعدد الخريجين، وأنواع التخصصات، والمهن المطلوبة بسوق العمل، وأعداد الأجانب وتخصصاتهم وجهة عملهم. جهة التنفيذ (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، الهيئة العامة للإحصاء).
  • الورقة الرئيسة: أ. محمد الدندني

مقدمة:

من المعروف أن الاستقدام أمر لا مفر منه، ولسنا الوحيدين في هذا العالم، فالدول الصناعية تستقدم؛ ولكنه استقدام نوعي وينتهي بالتوطين والدمج في مجتمعاتهم ويتمتع بأنظمة واضحة تخدم مصالح البلاد. بدأ الاستقدام كظاهرة بعد حرب أكتوبر وارتفاع أسعار النفط ومن ثم الطفرة الأولى، وكان استقدام عمالة الإنشاءات من منازل وطرق هو الأبرز، قبلها كانت العمالة اليمنية وقليل من جنسيات عربية أخرى ومعروف سبب سيطرة العمالة اليمنية حيث تمتعهم بحرية القدوم والعمل، نعم كان هناك استقدام نوعي من مدرسين وأطباء وغيرهم؛ ولكنه لم يكن سلبياً بل كان إيجابياً ومفيداً، ولا يخفى أن أنظمة الاستقدام اتسمت بالتغيير السريع والمراجعة لأسباب عدة وأهمها سياسة السعودة والتوطين، وأيضاً محاولة تنظيم السوق والتي لم تَرْقَ لحجم المشكلة، فقد كانت قرارات سريعة وفي أغلب الأحيان آنية تفتقد شمولية التخطيط وربطها بعوامل مهمة، سآتي لها في الأسباب وأماكن أخرى من الورقة.

لا أعتقد أن نقاش الأنظمة سيأتي بفائدة، فالنتائج التي نعيشها هي أفضل وسيلة لنقاش الأنظمة والتي ستولد مع النقاش النقد الموضوعي والبنَّاء للأنظمة الحالية، بل من المفيد استعراض أسباب الاستقدام وهي معروفة؛ ولكن وضعها في الحسبان مهم، وتكمن أهميتها في الوصول لعلاج فعال للظاهرة.

ومن أسباب ظاهرة الاستقدام:

  1. نشأة البلاد وتطورها السريع نسبياً والذي سبق إعداد العناصر البشرية، فبلاد مترامية الأطراف تحتاج كل مهنة وكل جهد.
  2. اتساع البلاد وتسارع التنمية مع قلة عدد السكان وقلة الكفاءات.
  3. عدم وجود سياسة لاستقطاب وتجنيس الكفاءات العربية والإسلامية وهي متوفرة في موطنها أو في بلاد المهجر.
  4. عزوف المواطنين عن كثير من الأعمال الميدانية؛ إما بسبب العادات وهذه مبالغ فيها، فهناك أسباب أخرى أدت للعزوف ومنها تدني الأجور وبيئة العمل… إلخ.
  5. تعدد مصادر الدخل المريحة والتي حجبت المواطن عن الأعمال الميدانية وما شابه ذلك.
  6. عدم ارتباط خطط التنمية بمخرجات التعليم العام والمهني والجامعي.

ولمزيد من التحديد يمكن تقسيم الاستقدام إلى خمس فئات وهي: العمالة غير المدربة (العمالة العادية)، والعمالة المدربة المهنية، والمهن الاختصاصية، والعمالة المنزلية، وفئة مُتَستِّرة وهي فئة التجار والصناع الذين يملكون فعلياً منشآتهم)) المُتَستَّر عليهم، وأوضحهم في النقاط الآتية:

  1. العمالة العادية غير المؤهلة في أي منها، للأسف لا أمتلك نسبتهم من مجمل الوافدين؛ ولكنها باعتقادي هي الأعلى. ما هو التنظيم الجاري أو الواقعي والحالي؟ في غالبهم التسيب ولديهم نسبة تشكو من قلة العمل، فنراهم على نواصي الشوارع ينتظرون في الصباح ويعيشون في أوضاع سيئة للغاية بغية التوفير، وللأسف مناطقهم مرتع للجريمة بأنواعها ولكل جنسية نوع من الأنشطة تتميز بها أو تختص بها هذه الفئة، فتقوم بأعمال آنية لدى المواطنين، وأيضاً لدى مقاولين عندما يحتاجونهم؛ فهم مُكلِّفون للمقاول والذي تعوَّد على أن يدفع للفرد شهرياً ما لا يزيد عن ١٥٠٠ ريال، بينما يومية عامل الناصية تبلغ ١٢٠ إلى ١٥٠ ريالاً مع وجبة الغداء، فهذه الفئة لا يمكن أن تُترَك هكذا، فهم يدفعون للكفيل مبلغاً معيناً، وبعض هؤلاء الكفلاء لديه عمال بالمئات -وسمعت وهذا ليس مؤكداً- أن منهم من لديه عمال بالآلاف؟ “بزنس” سهل ومربح جداً.

فلا بد أن يعمل الجميع تحت مظلة مؤسسة أو شركة ذات كيان معروف ولديها أعمال، أي تُمْنَع الكفالات من المنزل ولوحة مؤسسة على دكان رخيص وليس لديه أي عمل؛ بل وصل الاستهتار أن يحمل أحد العمال (المعلم) دفتر العقود وختم المؤسسة في سيارته، والتناقض هنا أن شركات العمالة المنزلية تقوم بتأجير عاملات وسائقين وخدم منازل ولا يوجد تنظيم لتأجير العمالة العادية، فليس منطقياً أن يتبع هذا النظام، فهو نظام غير إنساني وفيه احتكار غير مباشر.

  1. العمالة المدربة، أغلبها تدربت في بلادنا، فلا يوجد دليل أن هذا وذاك كهربائي أو سباك أو بناء أو نجار… إلخ، ولا يوجد اختبار وشهادة يجب الحصول عليها محلياً بعد اختبار معين كي تكون هناك رخصة مزاولة للعمل أو تعيين شركة مختصة في بلد المنشأ) طرف ثالث وليست محلية (لتقوم باختبار المتقدم للعمل في المملكة وإصدار شهادة تخول حاملها العمل في مهنته فقط، فحصلنا على سوء الخدمة والمنتج وأنتجنا منصة لإضافة الفئة الخامسة.
  2. المختصون أو المحترفون كالطبيب والمهندس والمدرس… إلخ وما يتبعها من مهن مساندة، وهذه الفئة التي يجب العمل على توطينها بكافة السبل والحرص أن تكون البطالة صفر هنا ولسبب واضح وهو وجود الأجنبي والسعودي في بيته، ومع هذا فليتنا استقطبنا كفاءات تُقدِّم منتجاً أو خدمة تبرر تدافع صاحب العمل على توظيفهم، وهذه الفئة أيضاً تحتاج رخصة مزاولة للمهنة بغض النظر عن شهادته الجامعية. طرف ثالث من غير بلد المنشأ يقوم باختبار القادم والتأكد من خبرته ومقدرته.
  3. الغلاء غير المبرر وعدم حماية المواطن والمواطنة مادياً ومعنوياً. يجب أن نسأل هل من الممكن الاستمرار باستقدام عمالة منزلية وجعلها ثقافة وأسلوب حياة أم أننا يجب علينا القضاء على هذه الظاهرة تدريجياً؟ ويعتقد البعض أن الغلاء أحد الطرق لتحديد الاستقدام مع أنه مع هذا الغلاء فالاستقدام في تزايد؛ فمَنْ تعوَّد على شيء يصعب تركه. ولماذا الغلاء فقط في العاملات وليس في السائقين والعامل المنزلي والطباخ؟ هل لأن الطلب كثير على العاملات فقط؟ ولماذا يسْمَح بالتأجير بأسعار خيالية تصل إلى ٣٣٠٠ ريال، بينما الشركة تدفع للعاملة في أحسن الأحوال مبلغاً وقدره ١٣٠٠ ريال. ولماذا أدفع كمواطن ومواطنة ٢٠ أو ٢٣ ألفاً ورسوماً أخرى مقابل استقدام عاملة منزلية، ومع هذا صمت مطبق، فلا نقاش ولا تجد الإجابة من جهة مسؤولة، مع هذا أرى أن تُلْغَى فكرة العاملة المقيمة لدى العائلة لأسباب مهمة تخص النشء وتربيته وإعداده لسوق العمل، حيث تُنظَّم عملية التأجير بأسعار مقبولة لساعات معينة. كيف نحصل على جيل جاد ومنتج وهو لم يعرف ما هو العمل وقدسيته؟؟! ولا نهمل صفة التعالي والكبر أمام الجنسيات الأخرى.
  4. فئة التجار والصناع وهذه مزيج من مشكلة الاستقدام والتستر، عمال أو مهنيون لديهم حس تجاري ووجدوا مَنْ يسهل الطريق لهم، وبعضهم يعمل لتجار في بلادهم أو يكوِّنُون شراكات فيما بينهم، وربما يصح القول أنهم في كل القطاعات، فهي تجارة بأنواعها من مواد بناء وبقالات وملابس وخدمات وورش سيارات وحدادة ومناجر أخشاب… إلخ. وهذه الفئة ربما أنهم خريجو الفئة الثانية والتي من الممكن السيطرة عليها بأنظمة معينة وإعادة هيكلة لهذه القطاعات كافة، فمن الممكن إعادة هيكلتها وتوطين العمل بتخريج فنيين أكفاء ولو كقياديين لهذه الأعمال فلكل عمل طريقته، وكذلك تُلغَى التراخيص لكل متستر وهذه سهلة واستبدالها بجمعيات تعاونية في الأحياء، أو شركات تكون مساهمة يعمل بها ويملكها سعوديون ولا بأس من عمالة أجنبية وليس الكل وليسوا ملاكاً.

ومن المهم التطرق لعامل مشترك بين كل الفئات ولو بنسب متفاوتة وبغض النظر عن التحصيل العلمي ونوع المهنة، ألا وهو أخلاقيات العمل والأمانة والصدق، فمعروف أن علاقة الاستقدام هي مع دول معينة وتشكل ربما ٨٠٪ من الوافدين وهي دول ليست معروفة بجودة الإنتاج والخدمة ولا أخلاقيات العمل. فلا أدري لماذا التركيز على هذه الدول؟ فإما إعدادهم إعداداً جيداً في مراكز تدريب، أو تقليل أعدادهم من دول أخرى تُعرَف عمالتها بالمهارة وحب العمل والالتزام. وفي سياق الموضوع لم تفكر الجهات المعنية بإنشاء مركز للتعرف على أخلاقيات هذه الشعوب ودراستها والعمل على غرس قيم العمل والصدق والجودة. ربما يقول قائل: هذا مطلب مستحيل ومكلف؛ ولكن الواقع يحتم هذا، فهم يشكلون ثلث عدد السكان وحتماً لهم تأثير على ما نصبو إليه من رفع مستوى المعيشة ونظافة ودقة المنتج. وليس من باب المبالغة إذا طرقنا باب النظافة الشخصية ونظافة سكنهم وسلوكهم العام في الشوارع والأماكن العامة. واضح وجلي أن هناك خللاً كبيراً في سوق العمل وخلل للأسف مؤثر على العديد من أنشطة الدولة والمجتمع، والفاتورة عالية وعلينا تخفيفها والعمل على تصفيرها؛ كي لا تكون عائقاً في طريق مشروعنا الوطني الطموح رؤية ٢٠٣٠.

ابتداءً لا أجد أن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مسؤولة عن الاستقدام فلديها ما يكفيها والأهم أنها مسؤولة عن تنظيم السوق وليس إمداد السوق بالموارد البشرية فهنا تعارض في المسؤوليات والمصالح.

يشكل الوافدون ثلث السكان، ألا يستحق الاهتمام الكافي من محترفين يربطون الاستقدام بالمحتوى المحلي (بعد لم ينل الجهة المستقلة التي تناسب أهميته) وهيئة الإحصاءات العامة والتعليم الفني ووزارة التجارة، ولا يجب أن نهمل الخلل لدينا إنْ كان في أخلاق العمل وجودة المنتج أو التستر أو خلل في تعاملاتنا مع الوافدين، ويجب وجود العقاب الصارم لمن يتلاعب ويستغل الوافدين أو يتغاضى عن الغش والتلاعب في مصلحة البلاد والعباد. فتعوُّد الناس على التسيب وعدم الاهتمام بقوانين الدولة لعقود؛ أنتج أمراضاً اجتماعية واقتصادية وأمنية لا يمكن التعايش معها، لذا نحتاج سياسات وقوانين قابلة للتنفيذ والمتابعة كي نستطيع معالجة هذه القضية الحساسة والمهمة.

  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: د. سعيد الغامدي

سرد كاتب الورقة الرئيسة الأسباب المهمة التي تقف خلف الموجة الكبيرة للاستقدام التي مرت وتمر بها المملكة، وقسَّم الاستقدام إلى خمس فئات، وهو تقسيم منطقي وحقيقي لتلك الفئات التي تعمل في المملكة، وحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن مصلحة الإحصاءات العامة نجد أن عدد العاملين في سوق العمل من غير السعوديين في المملكة قد وصل إلى (9,619,874) عاملاً وفقاً لتقرير مؤشرات سوق العمل للربع الثاني من العام الحالي 2021م. وهو يوازي ثلث سكان المملكة تقريباً.

 

 

المؤشرات الرئيسة لسوق العمل للربع الثاني 2021
ذكور إناث الإجمالي
إجمالي المشتغلين 10,548,367 2,351,521 12,899,888
المشتغلون السعوديون 2,098,831 1,181,183 3,280,014
المشتغلون غير السعوديين 8,449,536 1,170,338 9,619,874
إجمالي تأشيرات العمل الصادرة 340,466 100,485 440,951
التأشيرات الصادرة للقطاع الحكومي 410 140 550
التأشيرات الصادرة لقطاع الأفراد 64,112 73,641 137,753
التأشيرات الصادرة للقطاع الخاص 275,944 26,704 302,648
المصدر: المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية, وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية, مركز المعلومات الوطني، البيانات لا تشمل العاملين في القطاعات الأمنية والعسكرية والعاملين غير المسجلين في سجلات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ووزارة الموارد البشرية والتنمية البشرية (وكالة الخدمة المدنية).

ويتضح أن جميع الأسباب المذكورة صحيحة وترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بقضية الاستقدام، ولكنها تتفاوت في تأثيرها على حجم ونوعية الاستقدام، فمن المؤكد أن مساحة المملكة العربية السعودية الكبيرة والطفرة التي مرت بها والحاجة إلى أيادٍ عاملة كثيرة ومتخصصة في مختلف المجالات، هو السبب الرئيس في تلك الظاهرة، حيث أصبحنا -وما زلنا- في حاجة ماسة لمتخصصين وعمال في مختلف المهن، كنتيجة طبيعية لمتطلبات الطفرة الاقتصادية التي عاشتها وتعيشها بلادنا، في وقت لم نجد فيه العدد المطلوب من المواطنين المؤهلين للقيام بتلك الأعمال.

وعلى الرغم مما تقدم يبقى السبب الأهم، في رأيي، هو عزوف نسبة عالية جداً من أفراد الشعب السعودي عن الكثير من الأعمال المهنية واليدوية. فلو نظرنا حولنا لوجدنا أن هناك نظرة دونية في مختلف المناطق إلى بعض المهن، حيث يشعر الكثير من الناس بالعيب من ممارسة بعض المهن مثل (مهنة السباكة، الجزارة، الحدادة، الصياغة، الطبخ، الحلاقة، أعمال النظافة، وغيرها الكثير من المهن اليدوية). وكما نعرف شهدت المملكة تطوراً كمياً ونوعياً في مختلف المجالات وتزامن ذلك مع ارتفاع مستوى التعليم في مختلف المراحل، إلا أن تلك المفاهيم والأفكار لا زالت مسيطرة على نسبة عالية من أفراد المجتمع، ووصلت إلى درجة أن البعض لا يمكن له أن يصاهر أي شخص يمتهن تلك الأعمال.

كما كانت ولا زالت في بعض المناطق مهن الميكانيكا، والكهرباء، والخراطة، والسمكرة، والبناء، والنجارة من أبرز المهن التي تندرج ضمن ثقافة “العيب”. ففي تحقيق لصحيفة الرياض قبل خمسة عشر عاماً (2007م)، أوضح نائل فراس، أستاذ علم النفس المساعد في كلية المعلمين بعرعر1 “أن لهذه الثقافة دوراً في عزوف كثير من الشباب عن العمل المهني خشية نظرة المجتمع الدونية لهم، على الرغم من أن هذه النظرة تختلف باختلاف المهنة والمنطقة”. وهذا ما أكده ياسين عبد الرحمن الجفري في جريدة المدينة2 (2016)، حيث ذكر أن “من أهم أسباب مشكلات توطين الوظائف وتنمية المنشآت الصغيرة، عادات تمثَّلت في احتقار المهن والحرف التي تُمثِّل قاعدة أساسية للصناعة والمقاولات.. واشتدت موجة الاحتقار لتعم في المجتمع بكل أطيافه، وأصبح همّ الأسرة الأساسي هو تعليم أبنائهم الجامعي مهما كان التخصص وقدرته على التوظيف، فالمهم هو البُعد عن الحرفية والحرفيين”. ويضيف الكاتب أن “النظرة الدونية لمن يمتهن الحرف اليدوية واحتقار مَن يقوم بها، فتح مجالاً كبيراً لأن تُغطَّى هذه المهن من الخارج، ولا تزال هذه المهن إلى يومنا هذا -بسبب ترسُّخ المعتقد هذا- تُواجه نوعًا من المحاربة لمَن يُمارسها من أبنائنا، وهي مفتاح العمل الخاص لمَن يرغب في الممارسة منهم، والتي أصبحت من نصيب الوافدين في بلادنا، مما يُؤثِّر على اقتصادنا وتركيبته سلباً، بحيث زاد عدد مَن لا يجد وظيفة من المواطنين بسبب التخصص والخلفية والرغبة في الممارسة”.

كما أشار الدكتور عبد العزيز الحمادي، في مقال حديث في صحيفة الاقتصادية3 (2021)، إلى هذه القضية بقوله: “يتذكر بعضٌ مِنّا الزمن الجميل لمَّا كان السباك والحداد والنجار من أبناء الوطن، ثم طفر العمران والاقتصاد الحياة، وفُتِح الباب أمام شريحة ضخمة من العمالة الوافدة لسد النقص ودعم التطور، فهجر السعوديون هذه المهن تدريجياً، وتولدت لديهم نظرة دونية نحوها”.

وقد وجدتُ أثناء بحثي حول هذه القضية، أن هذه الظاهرة ليست سعودية صرفة، ولكنها موجودة في العالم العربي بشكل عام، ففي تحقيق صحفي حديث نسبياً (2018م) للكاتبة التونسية رويدة رفاعي في صحيفة العرب اللندنية4 رأت فيه أن المجتمع العربي بشكل عام، والتونسي بشكل خاص، يكرس نظرة دونية للحرف اليدوية تزامناً مع إهمال واضح للمهن الحرفية، إلى درجة أن بعضها يوشك على الانقراض رغم عراقتها وارتباطها بالتراث المحلي. وذكرت “أن غالبية الشباب العرب يتهرب من احتراف المهن اليدوية والتقليدية، إذ يعتبرونها لا تناسب العصر ولا تلبي طموحاتهم أولاً أو رغبات الأهل في بلوغ مكانة اجتماعية مرموقة ثانياً، وذلك رغم معاناة شريحة واسعة منهم من البطالة”. أما عن بقية المهن اليدوية كالنجارة والسباكة فلا تختلف الحال بل كان وضعها أكثر سوءاً، “فالشباب في إعراض تام عنها على الرغم من أنها توفر أرباحاً مرتفعة أحياناً، قد لا توفرها مهن أخرى يفضلها الشباب، متعللين بأنها لا تقدم لهم ما يطمحون إليه. واتضح أن الشباب يبحثون عن مهن أخرى توفر لهم ربحاً دون عناء كبير، ويهتمون بالمكانة الاجتماعية التي تتيحها لهم”.

ومن الأسباب الأخرى المهمة التي ساهمت في زيادة الاستقدام في مجتمعنا السعودي، هو عزوف المتخصصين المؤهلين من السعوديين على العمل في القطاع الخاص، نظراً لتدني الرواتب، ولطبيعة العمل، ووجود البديل الحكومي المناسب. أتحدث هنا عن الأطباء والمهندسين وأصحاب الدرجات العلمية مثل البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، ولذلك لجأ هذا القطاع -وقد يكون مضطراً- إلى الاستقدام لمواجهة الطلب العالي من المجتمع على خدماتهم. هذه الظاهرة تمثل مشكلة حقيقة ولا حل لها إلا بالتدخل الحكومي بفرض قوانين معينة تتضمن رفع رواتب العاملين في القطاع الخاص؛ لتكون موازية للقطاع الحكومي والتشديد على سعودة تلك الوظائف خلال فترة زمنية محددة.

وعلى الرغم من صعوبة معالجة ظاهرة الاستقدام وتشعب أسبابها، إلا أن هناك حلولاً تقوم بها القطاعات الحكومية في المملكة لمواجهة هذه الظاهرة، ولعل من نافلة القول أن الإحلال التدريجي للعمالة الوطنية يستدعي التأهيل الكامل والتدريب الاحترافي لهم، خصوصاً في الجانب التطبيقي الذي يتفوق في أهميته على النظري.  هذا ما تم التأسيس له من خلال برنامج تنمية القدرات البشرية، كأحد البرامج الجديدة لرؤية المملكة 2030، والذي دشنه صاحب السمو الملكي ولي العهد مؤخراً وتم الإعلان عنه في 20 صفر 1443هـــ، حيث يسعى البرنامج، وفقاً لموقع البرنامج الإلكتروني5، إلى أن يمتلك المواطن قدراتٍ تمكنه من المنافسة عالمياً، من خلال تعزيز القيم، وتطوير المهارات الأساسية ومهارات المستقبل، وتنمية المعارف. كما يركز البرنامج على تطوير أساس تعليمي متين للجميع يسهم في غرس القيم منذ سن مبكرة، وتحضير الشباب لسوق العمل المستقبلي المحلي والعالمي، وتعزيز ثقافة العمل لديهم، وتنمية مهارات المواطنين عبر توفير فرص التعلم مدى الحياة، ودعم ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، مرتكزاً على تطوير وتفعيل السياسات والممكنات لتعزيز ريادة المملكة.  إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر هذه الوضع غير الطبيعي الذي نرى فيه اقتصاد البلاد مرهوناً بعدد كبير من العمالة الوافدة.

ومن الحلول الأخرى، التي ستساهم بشكل مباشر في التخلص من إشكاليات زيادة أعداد الوافدين، هو التطبيق الصارم لرفع نسب توطين المهن من خلال الاستمرار في قرارات دورية بخصوصها. والنجاحات في هذا المجال مبشرة ومشجعة، حيث أعلن وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، المهندس أحمد بن سليمان الراجحي، يوم الأحد 24 ذو الحجة 1442هــــ عن إصدار 6 قرارات وزارية جديدة لتوطين عدة مهن وأنشطة تشمل الاستشارات القانونية، ومكاتب المحاماة، والتخليص الجمركي، والأنشطة العقارية، وقطاع السينما، ومدارس تعليم قيادة المركبات، بالإضافة إلى المهن الفنية والهندسية، والتي تستهدف توفير أكثر من 40 ألف وظيفة، ضمن خطة العام الجاري التي تستهدف توفير أكثر من 203 آلاف وظيفة. ويُذكَر أن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أصدرت منذ بداية العام الجاري عدة قرارات توطين منها، توطين المجمعات التجارية المغلقة، والمطاعم والمقاهي، وأسواق التموين المركزية، والمهن التعليمية في التعليم العام الأهلي. 6

وتبقى الآمال معقودة على العمل الجاد والمتواصل بين الجهات المعنية كوزارة التجارة والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والداخلية وغيرها من الجهات الحكومية، في تفعيل نظام مكافحة التستر الذي صدر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/4) وتاريخ 1442/1/1هـ، حيث سيعزز من تواجد المواطن والمواطنة وإحلالهم محل الوافدين بمختلف المهن في المؤسسات التجارية، وسيساهم في استقرار الأعمال الاقتصادية والتجارية وتوسعها ونموها، فيما ستكون آليات العمل الرقابي -بعد انتهاء الفترة التصحيحية الأخيرة التي منحت لهذا القطاع المهم- صارمة وبأساليب جديدة تعتمد على بنية الذكاء الاصطناعي التي وفرتها المملكة في تحليل بيانات المنشآت المخالفة وضبطها وإيقاع العقوبات المشددة عليها.

كما أنه من المهم أن تُضاف إلى مناهج التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي حصصاً يومية لتعليم أبنائنا حرفًا بعينها كما هو معمول به في دول متقدمة مثل بريطانيا، حتى يتفهَّم الجيل القادم أهميتها، ويعرف نوعية نشاطها، ولكي يمارس هذه الحرف أبناؤنا من خلال نظام التعليم، ليدركوا أهمية الحِرف للمجتمع.

ومن المهم التركيز على الدور الذي يقوم به رجال الأعمال والتعاون مع المؤسسات الحكومية المهنية في جهودهم لاستقطاب الشباب السعودي للعمل المهني، لأن في ذلك بثاً لطاقات الشاب المختزنة ودعماً لاقتصاد المملكة.

وأخيراً هناك دور محوري ومهم تقوم به المؤسسات الإعلامية؛ لتصحيح الوضع القائم الذي يحتقر العمل المهني وثقافة العيب في ممارسة بعض المهن الحرفية وإبراز القيمة المضافة التي تُقدم لاقتصادنا من خلال ممارسة هذه المهن، والتركيز على العوائد الكبيرة التي ستعود على المواطنين من ممارسة تلك الأعمال المهنية المربحة.

  • التعقيب الثاني: م. سالم المري

إن الاستقدام هو أحد المشكلات الرئيسة للبلاد وأصبح للأسف من معوقات التنمية المستدامة، وفي غالبه استغلال لتدنّي أجور الأيدي العاملة المستقدمة مقارنة بكلفة المواطن، ولذلك تجد الاستقدام في معظمه من الشعوب الفقيرة في شرق آسيا.

والهدف من وراء معظم حالات الاستقدام تعظيم ربح صاحب العمل وليس لضرورة وطنيّة، وهذا بالتأكيد لا يشمل بعض المهن الضروريّة مثل المدرسين والأطباء والمهندسين وما في حكمهم، فهذه المهن إمّا في مؤسسات حكوميّة أو تحت تنظيم حكومي، ومن ثمّ من السهل السيطرة عليها، وقد تراجع الاستقدام من هذه المهن تدريجيّاً بسبب وفرة الكادر الوطني، ولو أنّه حصل بعض الفوضى في المهن الطبيّة في السنوات الأخيرة، فكثر استقدام الأطباء بالرغم من وجود أعداد كبيرة من الأطباء السعوديين المتخرجين من الجامعات.

وبالرغم من خطورة مشكلة سوق العمل في المملكة وكثرة محاولات إيجاد الحلول إلا أن معالجاتها لم ترقَ لحجمها لا في التشريع ولا في التطبيق. وإذا استعرضنا فئات الاستقدام كما سمّاها كاتب الورقة نجد ما يلي:

  1. كما ذكرت الورقة؛ قلّما تخلو مدينة رئيسة من شوارع معروفة بتكدّس العمالة الأجنبيّة الباحثة عن عمل، وليست عمالة سائبة كما يسمّيها البعض، بل عمالة للتأجير، بأجر مرتفع وبدون ضمان للجودة. وتجد في هذه العمالة التي تُؤجَّر في الشوارع الكثيرين من أصحاب المهن الإنشائية، إلى درجة أن معظم المقاولين المحليين يعتمدون عليهم في أعمالهم. ومن الواضح أن هناك من يستقدم العمّال بالمئات أو العشرات ويرسلهم للعمل في الشوارع، والبعض منهم يتم تسريحهم للعمل في الشوارع بعد انتهاء أعمالهم لدى الكفيل كبديل عن كلفة دفع رواتبهم وتسفيرهم لأوطانهم. وهناك بالطبع أنظمة تجرّم ذلك؛ ولكن التطبيق مهمل أو غير قادر على إيجاد الحلول.

والحل العملي لهذه المشكلة؛ أن تتولى الحكومة مسؤولية تنظيم وتنفيذ استقدام العمالة المعدّة للاستئجار، لخدمة المواطنين وصغار المقاولين المحليين، ولكن يجب أن تنأى  وزارة الموارد البشريّة بنفسها عن هذا الموضوع، فهي غير قادرة على مواجهة الضغوط في هذا الشأن، كما أنّها تفتقر للكوادر المؤهّلة، بل والخوف أن تترك الوزارة الموضوع إذا طُلِب منها تنفيذه لتحكّم القطاع الخاص والغرف التجاريّة بسبب التأثير القوي لأصحاب الأعمال، كما فعلت وزارة العمل (سابقاً) مع العمالة المنزليّة حتّى أصبحت العمالة المنزليّة أعلى كلفة على المواطن السعودي من مثيلاتها في مجلس التعاون (الكويت والبحرين والإمارات وقطر) بالرغم من أن المواطن السعودي أقلهم دخلاً، ولذلك يجب أن تقوم جهة حكوميّة محايدة تمثّل الجميع وترعى المصلحة العامّة بهذا الدور ولا يُركَن لأصحاب الأعمال.

  1. أما كون معظم العمالة المستقدمة قليلة الخبرة حتّى ولو كانت تحت مسميات يفترض فيها أن تكون فنيّة وماهرة؛ فأحد الأسباب الرئيسة من وجهة نظري حسب ما لاحظته في سوق العمل، يعود لرغبة صاحب العمل في استقدام عامل بأجر منخفض، فالكثير من المقاولين إذا مكث العامل عنده عدداً من السنين وزادت خبرته زادت كلفته، وعندها ينهي المقاول خدماته ويستقدم عاملاً جديداً قليل الأجر بخبرة قليلة ويتدرّب على رأس العمل، والنتيجة كارثيّة على نوعيّة الأعمال وعلى تراكم الخبرات الوطنيّة، وهذه الطريقة متبعة أيضاً ومطبقة في المدارس الأهليّة على المدرّسات السعوديات، ولذلك تجد بعض مؤسساتنا لها عشرات السنين من الخبرات وتقتصر قدراتها على بعض المهام التشغيليّة والتنفيذيّة البسيطة، ونعتمد دائماً على الأجانب في بناء مشاريعنا والأعمال المهمّة لعدم وجود خبرات تراكميّة، بسبب سياسات سوق العمل.
  2. يوجد قاعدة عريضة من الخبرات الوطنيّة في مجال الهندسة والطب والتعليم، ولذلك يفترض التركيز على استقدام أصحاب الخبرات العالية أو النادرة فقط، مع زيادة استيعاب الجامعات في هذه التخصصات، وتدريب الخريجين على رأس العمل وتكثيف البرامج التطويريّة.
  3. السبب في غلاء استقدام العمالة المنزليّة هو الطريقة الخاطئة التي عولجت بها المسألة في البداية ونتج عنها فساد أدّى لاستغلالنا من قبل الغرف الأجنبيّة، والدليل كما أسلفت المقارنة بدول الخليج. والأفضل برأيي أن تتولّى شركات حكوميّة الاستقدام والتحويل للمواطنين وأن تستفيد الدولة وتضمن حقوق الناس بدلاً من ترك المؤسسات الخاصة تتاجر في البشر وتستغل المواطنين.
  4. أما ما أسماها الكاتب فئة التجار والصنّاع والمزيج بين مشكلات الاستقدام والتستر، فأتفقُ مع الكاتب في خطورة هذه المشكلة بل وقد تكون المشكلة الرئيسة من حيث هدر الأموال والفرص الوظيفيّة، وحلّها برأيي وقف الترخيص إلا لمن يعمل بنفسه في دكّانه أو للجمعيات التعاونيّة أو الشركات المساهمة بإدارة محليّة. فليس من المهم عدد الدكاكين ولكن المهم توفّر الخدمة ضمن الضوابط الوطنيّة والمصلحة العامّة.
  • المداخلات حول القضية
  • أسباب تزايد معدلات الاستقدام وارتفاع تكلفته في المملكة.

إن التوظيف عامة هو مشروع يحمل هموماً كبيرة من لدن كافة أطرافه، دول الاستقدام والمستخدم أو الموظف والمستقدم (صاحب العمل)، والدولة المضيفة. والتوظيف عامة وعلى وجه الخصوص التعاقد الدولي، يعتريه ويصاحبه الكثير من الأنظمة والضوابط، فضلاً عن الطبيعة البشرية للمستخدم اجتماعياً وثقافياً، ذلك الكيان البشري الذي يحمل هماً وتوجساً حين يفكر فحسب للذهاب إلى ديار الغربة، فالأحوال الاجتماعية والبعد الثقافي لدى العامل المستخدم، وعلاقته بصاحب العمل، ذلك هو المحور الأساس للتأقلم ابتداءً بين هذين الطرفين، لذا فإن معاناة التوظيف الدولي تبدأ من قاعدة ما يسمى بالتوافق أو التأقلم بينهما، وليس سراً القول بأن هذين الأمرين المترتبين على العلاقة التعاقدية هما أساس ومنطلق النجاح من عدمه، ومنذ تشكيل أول لجنة للاستقدام في غرفة الرياض في شهر رمضان لعام ١٤٠٩، كأول لجنة استقدام على مستوى المملكة، ولا تزال قضايا الاستقدام تشتد تعقيداً، فالمسألة تشاركية نحو ما يواجه هذا النشاط من إشكاليات، إشكاليات يكون سببها حكومات البلدان المصدرة للعمالة، ووكالات التخديم في الخارج، والعمالة نفسها، وأصحاب أو أرباب العمل، وأخيراً مكاتب الاستقدام الأهلية السعودية، أما وزارة العمل السعودية في العقود الماضية لم يكن لها دور إيجابي، بل كان دورها سلبياً، فقد كانت بعيدة عن التدخل في الحلول، سواء مع سفارات البلدان المستقدم منها، أو حتى مع لجان الاستقدام في الغرف التجارية، حتى مع وفود وزراء العمل الذين يقدمون للمملكة لم تكن الوزارة ذات تعاون ملموس للنقاش والحوار مع الوفود الأجنبية .

ويبدو واضحاً أن موضوع الاستقدام موضوع مؤرق وذو شجون، والخشية أن نصل إلى ما وصلت إليه الإمارات حيث نسبة غير المواطنين تفوق المواطنين كثيراً. وإذا كانت الآن نسبة غير السعوديين في المملكة تتراوح بين ٣٨-٤٠٪، وإذا كنا ما زلنا في البداية بالنسبة لكثير من المشاريع العملاقة في بلادنا، وإذا كان سمو ولي العهد -حفظه الله- يريد أن يصل سكان الرياض إلى ٢٥ مليون، وإذا لم يكن لدينا الخريجون بالعدد الكافي، وليس لدينا خبراء من جلدتنا، فماذا نتوقع؟ أولاً: هل صحيح ليس لدينا الأعداد والخبرات؟ والحديث هنا ليس عن العمالة البسيطة الماهرة والمنزلية، ولكن عن خريجي جامعاتنا والمبتعثين من أبنائنا؟! هل صحيح أن كل من يعمل في المملكة من هذه الطبقة ليس له بديل سعودي؟ أغلب الظن أن الجواب (لا)! فهناك نسبة يمكن الاستفادة منها في شغل وظائف بدلاً من استقدام أجنبي، وهم الشباب العاطل والذي يبحث عن عمل من خريجينا ومبتعثينا، قد يقول قائل هؤلاء لهم شروط ولا يقبلون بأي عمل، قد يكون، ولكن أغلبهم لن يرفض العمل خاصة لو أُعطِي مقابلاً مناسباً، وأجد أن أحد الأسباب في استبدال السعودي هو ارتفاع الراتب، حتى في الأطباء والمهندسين. ثم لماذا لا تكون العقود مع الخبراء الأجانب مرتبطة بتدريب ابن أو بنت البلد؟ كشرط أساس في التعاقد مع الشركات أو الأفراد؟

والملاحظ أنه “ورغم كل التنظيمات والتعليمات التي أصدرتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية منذ سنوات طوال حول الاستقدام، إلا أن مبالغ الاستقدام ما زالت تحت وطأة مكاتب الاستقدام بعيداً عن الواقع، حيث إنها تجاوزت لبعض الجنسيات الآسيوية مبلغ عشرين ألف ريال، وكذلك بلغت في بعض الأحيان ثلاثين وأربعين ألف ريال للتنازل للعمالة بين العملاء، ورغم كل الضوابط إلا أن السوق السوداء لمكاتب الاستقدام ما زالت موجودة استغلالاً لحاجة العملاء وخصوصاً مع أزمة جائحة كورونا”.

ومع هذا لا يجب إغفال حقيقة اتساع المملكة بما يفوق عدد السعوديين، فالاستقدام في حدِّ ذاته ليس عيباً وليس من الضرورة توطين كل المهن؛ المهم أن لا يكون هناك بطالة، والعيب في عدم مراقبته وتقنينه وكفاءته، بل يمكن أن تُوطَّن بعض المهن إذا لم يجد المستفيد من يعمل براتب متدنٍ، وإذا تم إيجاد الظروف الملائمة لعمل المواطنين فيها، فكل أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية تستقدم كمسمى ولكن بتنظيم مختلف ومستدام ومدروس، ولديهم كوتة كم يدخل البلد سنوياً في كافة المهن.

ومن أسباب ارتفاع تكلفة الاستقدام، الاستغلال من قبل أصحاب الأعمال محلّياً وفي الدول الأجنبيّة والذي لا يقابله جهود مضادّة من قبل وزارة الموارد البشريّة والتنمية الاجتماعية؛ ويمكن ملاحظة ذلك من مقارنة تكلفة الاستقدام في المملكة بالكلفة المتدنية في الدول الخليجيّة الأخرى، كما أن مكاتب الاستقدام تتحكم في المستفيد وتحت ضغط الحاجة الملحة للعمالة المنزلية يدفع دون تردد.

وقد ترجع إشكالات الاستقدام كذلك في جانب منها فيما يخص الأنظمة إلى الإصرار على منهجيات قديمة للترتيب للاستقدام، فضلاً عن احتكار الإجراء، مع عدم طرح بدائل حرة تساهم في رفع العروض للمساهمة في تخفيض تكلفة الطلب، وطرح حلول شركات تأجير إقطاعية، ومرتفعة التكلفة جداً.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض حوادث العنف وسوء المعاملة ضد العمالة المنزلية الوافدة تحديداً قد تكون مؤثرة في عمليات الاستقدام؛ وكنسبة وتناسب، فالسعودية أكثر الدول الخليجية المستوردة للعمالة بجميع فئاتها، حتى وصلت في فترة سابقة إلى حوال ١٢ مليون وحالياً حوالي عشرة ملايين، مما يجعل نسبة حوادث العنف الأكثر بحكم  كثرة العدد؛ وللأسف أصبحت صورة نمطية stereotype عن التعامل مع العمالة المنزلية تحديداً في السعودية، وهذا ما دفع حكومات إندونيسيا والفلبين إلى منع الأفراد السعوديين من الحصول مباشرة على هذه العمالة وخاصة المنزلية، واقتصار الحصول عليها فقط عن طريق شركات التأجير المرخصة وتحت مسؤولياتهم؛ فسوء المعاملة والسمعة السيئة التي أُخذت عن المجتمع السعودي هي من أهم الأسباب التي أدت إلى ندرة في الحصول على العاملات ورفع الأسعار، وبالتالي وجدت بعض المكاتب والشركات فرصتها إلى رفع الأسعار واستغلال الظروف؛ لذلك نحن في المملكة الأكثر معاناة من بقية دول الخليج، أما فيما يتصل بدور الغرف التجارية فيما يخص الاستقدام؛ فمن المهم الإشارة إلى ما يلي:

  • أولًا: الغرف التجارية واتحاد الغرف السعودية منظمات مجتمع مدني تعمل تحت إشراف وزارة التجارة، ويتم تعيين ثلث أعضاء إدارة مجالسها من قبل وزير التجارة وتعمل بآليات اللجان الإقطاعية (تجمع مهني لفئة من نشاط اقتصادي معين)، لكل قطاع من قطاعات الاقتصاد الوطني مثل: المقاولات والصناعة والتعدين والمكاتب التجارية وغيرها، وبعض الغرف الكبيرة فيها لجنة الاستقدام، وليس لأي لجنة أي صلاحية في عقد أي تفاق مع جهة خارج المملكة؛ إنما تحاول الإلمام بمشكلات القطاع ومناقشتها مع الجهة الحكومية المسئولة، وقد تطلب منها الجهة الحكومية الاجتماع معها في حالة وصول وفود أجنبية تختص بالقطاع الذي تمثله.
  • ثانياً: اتحاد مجلس الغرف السعودية، ويسمى حالياً اتحاد الغرف السعودية، ويعمل بنفس آليات اللجان في الغرف، سوى أن مسئولية اللجنة الوطنية تتعدى المنطقة التي تمثلها الغرفة وتمثل عموم مناطق المملكة، ولدى الاتحاد كذلك آلية مجالس الأعمال، وهو كذلك تجمع اقتصادي من رجال الأعمال في المملكة ونظرائهم في دولة أخرى معينة مثل الصين أو الولايات المتحدة أو غيرهم من البلدان، فيهتمون في التبادل التجاري بين المملكة والبلد المعين، ويشكلون مجلس الأعمال السعودي الصيني مثلاً بموافقة وزير التجارة، ويختص في تنمية العلاقات التجارية بين البلدين وزيادة الصادرات والواردات كذلك بين البلدين.

وفيما يخص الأسباب المتعلقة بالتعليم، من المهم الإشارة إلى أن برامج البكالوريوس لا تتوافق تماماً مع متطلبات التنمية من حيث توفيرها لمخرجات تغذي سوق العمل بمهارات المهن الوسطية، وفي الغالب هي ما يسد الحاجة منها، بالعمالة الخارجية، ومن المهم التفات الجامعات إلى تغيير نمط التعليم بها وخلق شركات بينها وبين المؤسسات المهنية وقطاعات العمل. وفي النموذج الألماني خيرُ نظام يُقتَبس منه بخلقها نظام التدريب المزدوج الذي ينخرط فيه أكثر من ٧٠% من خريجي الثانوية والمدرسة الأساسية، إضافة لنشر الكليات التقنية المتوسطة التي تغذي الصناعات الدقيقة. أما المهن التي تتطلب مهارات دنيا؛ فالقلق بتغطيتها أمر مبالغ فيه، فدول متقدمة كثيرة لا تغطي فيها مهنٌ أدنى السلم المهني من مواطنيها (لننظر لدول أوروبا الغربية، أو حتى الولايات المتحدة الأميركية)، كل الذي يُخشَى منه تغطية المهن الوسطية، وتجارة التجزئة.

ويُلَاحظ مما تقدم أن قضية الاستقدام معقدة للغاية، فهي ترتبط بالأنظمة والوضع الاقتصادي وثقافة المجتمع ونمط التعليم والتدريب المهني، ومستوى الأجور، ولوائح وشروط العمل، وساعات العمل، ومردود كل مهنة، والتأمينات الاجتماعية للعاملين، وعدم وجود نقابات لكل مهنة.. والقائمة تطول.

  • الاستقدام وعلاقته بثقافة العيب والنظرة الدونية لبعض المهن.

في تصور البعض فإن عزوف المواطنين عن العمل في هذه الحرف ليس له علاقة بالعادات والتقاليد كما يدعي الذين لا يؤمنون بتطوّر الشعوب، ويصرّون على إلقاء اللوم على العادات القديمة التي كانت عند أبناء البادية فقط، وهي نظرة ارتبطت بالعبوديّة حيث كانت هذه الأعمال توكل للعبيد، وهذا انتهى منذ فترة طويلة، والدليل قبول المواطنين ومنهم أبناء البادية هذه الأعمال الحرفيّة في أرامكو وسابك وشركة الكهرباء؟ إن الأسباب الحقيقيّة التي يتهرّب منها البعض خصوصاً رجال الأعمال وأصحاب المال الذين لا يريدون رفع الأجور ويعارضون وجود نقابات عمّاليّة تدافع عن حقوق اليد العاملة الوطنيّة؛ هو حقيقة تدنّي أجور هذه الحرف للمواطنين وعدم قدرة المواطن على منافسة العمالة المستقدمة من شرق آسيا، وعدم وجود أمن وظيفي في هذه الأعمال لدى القطاع الخاص، وامتهان صاحب العمل لكرامة الإنسان، لو تم إيجاد حلول لهذه الإشكالات لوجدنا المواطنين يتسابقون على هذه الأعمال الحرفيّة.

وربما كان هناك مبالغة فيما يخص ثقافة العيب؛ حيث أصبحت شماعة يُعلَّق عليها كل من يحارب الأيدي العاملة الوطنية، وأيضاً لم يتم التحقق منها في ظل تهيئة الظروف الملائمة؛ فما دام القطاع الخاص وحتى الشركات الكبرى والتي كنا نأمل أن تكون الحاضن الأول وجدناها تعتمد التأجير من خلال شركات العمالة وهذا ابتلاء آخر ومسكوت عنه، ومن المعروف أن شركات التأجير تسعى للربح السريع، فالاستقدام سيد الموقف، وهذا ليس فقط في العمالة العادية والفنية؛ بل تجاوزت الشركات التأجير استئجار محاسبين وموظفين وسكرتارية، وفي أرامكو عمال وفنيون في سلسلة الإنتاج، وأمر آخر أن سعوديين وسعوديات لجأوا لشركات التأجير، مع أنه من المفروض ما دام الشركة المشغلة تحتاج هذا المستأجر فلماذا لا تعينه تعييناً مباشراً؟

لكن وفي ذات السياق يمكن الإشارة على الجانب الآخر إلى بعض المهن التي تصنف بالدُنيا lower والتي لو تم توطينها لاستغنى المجتمع السعودي عن ما يقارب عشرة مليون وافد.

  • أولاً: مهن البناء: مقاول عظم ومصنعي وتسليم مفتاح، بناء، عمال حفر ودفن وهدم، مبلط، نجار مسلح (طوبار)، مليص، عامل جبس، كهربائي، سباك، حداد (قص ولحام حديد وألمنيوم)، عمال صناعة بلوك، نجار أبواب، دهان، سائقو شاحنات (وايت ماء، وايت شفط)، عمال تركيب خزانات، عمال قص وتركيب مطابخ، فني تكييف، حارس مبنى، حفار قبور.
  • ثانياً: الصيانة والنظافة: فني أجهزة (مكائن وكمبيوترات وأجهزة مختلفة)، ميكانيكي سيارات، كهربائي سيارات، دهان سيارات، عامل بنشر، عمال تغيير زيوت، تكييف سيارات، سمكري، عمال نظافة، عمال صيانة منازل لمختلف المهن التي وردت في البند الأول.
  • ثالثاً: الأطعمة وما يتعلق بها: طهاة، عمال مطعم غير الطهاة، باعة وكاشير بقالات، سائقو توصيل، عمال تقديم أطعمة (نادل)، موزع أو مندوب مبيعات.
  • رابعاً: مهن ضرورية متنوعة: حلاق، خياط، غسال ملابس، تركيب دشوش، باعة لمختلف المحلات، رعاة أغنام، حراس استراحات ومزارع، عمال زراعة، شغالات (عمالة منزلية)، سائق عائلة.

لكن التساؤل المهم فيما يخص المهن المشار إليها أعلاه: هل لدينا قدرة على توطينها وكيف؟ وهل هي مغرية للسعوديين والسعوديات لكي يقبلوا عليها؟

والسؤال الملح أيضاً، كيف نصل إلى الأمان في المهن الحرجة والتي تتحكم بها العمالة الوافدة كجاليات من ناحية الجنسية، حيث كل جنسية تشكل تهديداً محتملاً من خلال هيمنتها علي نشاط اقتصادي معين مثل الهنود على سوق الحاسبات والـ IT واليمنيين على ورش وصيانة السيارات وهكذا، وطبعاً التوطين هو الحل؛ لكن هناك العديد من المهن التي لا يمكن توطينها مثل البناء والصيانة والنظافة والحلاقة وغيرها من المهن التي لا يُقبل عليها السعوديون وهي الأكثر كثافة.

ثمة تصور لدى البعض بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إحلال المواطن محل الوافد في معظم هذه المهن الدنيا، لذلك ستبقى المهن الدنيا ذات الطبيعة الشاقة والمداخيل المتواضعة حكراً على الوافدين كما هو في معظم دول العالم.

بينما ترى آراء أخرى أنه من المناسب أن يتخلى المجتمع السعودي عن العمالة الرخيصة، فلا هي أفادت في رخص الأعمال للمستهلك ولا هي أتت بمنتج طيب؛ فالمستفيد عادة هو المتستر وصاحب الفيز. وقد يكون من الصعب حالياً توطين مهنتي النظافة والحلاقة، ربما توطن الحلاقة وتوابعها للفتيات، أما النظافة فمن الممكن تخفيف الاعتماد على الأجنبي بتعاون المجتمع حيث إن أهل الحي يهتمون بنظافة حيهم، عموماً ليست كل هذه المهن بنفس الأهمية أو تأخذ نفس الأولوية. أما البناء والصيانة والورش، فالحل يكمن في نموذج الشركات الكبيرة بمواصفات ومقاييس وأهداف وإدارة مسؤولة بمستوى عالٍ من المهنية والإدارة. ولو نجحنا بإنتاج قيادات ميدانية كوظيفة “فورمان” ومفتش لسلامة والجودة Inspector في هذا المجال فهذا تقدم طيب.

فتوطين المعرفة أولاً ولا يستبعد انضمام سعوديين كعمال فنيين إذا ما كان المردود مجزياً مع التدريب وشعور الموظف بالأمان الوظيفي. في الوضع الحالي الفوضوي لا يمكن أو مستحيل توطين المعرفة والأيدي العاملة، أما بالنسبة إلى نشاط الـ IT والحاسب، فالتصور أن لدينا مَنْ يمتهن هذا العمل وتنقصنا الإحصائيات والأرقام؛ ولكن من الممكن دعم الشباب والشابات بإنشاء شركات أو مؤسسات مساهمة بقروض ميسرة، هذا النموذج تبناه نهرو في الهند small scale industry في الستينيات وكان ناجحاً جداً. عموماً -وكما هو تنظيمياً- لا يعمل الأجنبي لحسابه إلا إن كان مستثمراً؛ غير هذا إن عمِل فهذا يقع تحت التستر.

  • آثار العمالة الوافدة على المجتمع السعودي.

في الحقيقة قضية الاستقدام شائكة ومعقدة، حيث إنها تتداخل مع عدة قضايا وطنية ملحة، لعل أبرزها العطالة بين المواطنين ولا ننسى الهاجس الأمني المرتبط بزيادة أعداد الوافدين وطول مدة إقامتهم، كما أن لكثافة تواجدهم تأثيراً سلبياً على بيئة الجزيرة العربية الهشة التي لا تستطيع دعم تواجد بشري كثيف بها. وأيضاً يجب أن نعي أن نموذج الاستقدام الحالي غير قابل للاستدامة بسبب تداعيات الضغوط حول قضايا حقوق الإنسان وحرية الحركة، ومن مخاطر التواجد الكثيف للوافدين أنهم أصبحوا يسيطرون بشكل مطلق على مفاصل اقتصادية مهمة، خدمات الدعم اللوجستي مثال لذلك. كما أن هذا أدى لخلق دائرة اقتصاد خفي خارج السيطرة، مما يعرض سلامة المواطن والوطن للخطر.

وفي سياق متصل، أورد د. محمد الثقفي جزءاً من دراسة منشورة تسلط الضوء على آثار العمالة الوافدة المستقدمة في المملكة على النحو التالي:

(أ)- إيجابيات العمالة الوافدة على المجتمع السعودي.

يوجد عدد من الإيجابيات للعمالة الوافدة على المجتمع السعودي، ومن أهمها:

  1. الإسهام القوي الدرجة في تسريع عملية البناء، والتنمية الوطنية في المملكة.
  2. العمل على توطيد علاقات المملكة الخارجية بالدول القادمة منها العمالة الوافدة.
  3. تحريك الاقتصاد الوطني من خلال إيجاد عدد من الأنشطة، بالإضافة إلى الخدمات التي تلبي حاجات العمالة مما أسهم، وبوتيرة جيدة في فتح باب الاستثمار أمام القطاع الخاص السعودي.
  4. إكساب المواطن السعودي عدد من الخبرات المتنوعة عن تقاليد، وعادات العديد من الشعوب.
  5. كان لوجود هذه العمالة أكبر الأثر في التعريف بالدين الإسلامي، حتى إن كثيراً منهم قد أسلموا تأثراً باحتكاكهم بالمسلمين.
  6. اكتساب الأيدي العاملة المحلية العديد من الخبرات، والمهارات المتنوعة.

(ب)- الآثار السلبية للعمالة الوافدة على المجتمع السعودي.

يوجد عدد من الآثار السلبية التي نتجت من خلال العمالة الوافدة على المجتمع السعودي، ومن أهمها:

  1. زيادة معدلات الجريمة في المملكة، علاوة على ظهور عدد من الجرائم التي لم يألفها المواطن السعودي.
  2. النزيف الاقتصادي الكبير للمملكة من خلال التحويلات المالية للعمالة الوافدة من داخل المملكة إلى بلدانهم الأصلية.
  3. توجه المرأة السعودية إلى الاعتماد الكبير على المربيات، وعاملات المنازل في تربية أبنائها.
  4. عزوف بعض الشباب السعودي عن الزواج من فتيات سعوديات كنتيجة لزواجه من العمالة الوافدة.
  5. العزوف الكبير الدرجة للأيدي العاملة السعودية عن قبول العمل في بعض المهن الحرفية، والوظائف الخاصة بتقديم الخدمات .
  6. ظهور البطالة المقنعة، وازدياد نسبتها في المجتمع السعودي، والتي أثرت بتراجع العائد من الموارد الاقتصادية للمملكة، مثال النفط مع مجموع ما يُنْفَق عليه من جانب الحكومة السعودية .
  7. زيادة العبء على مراكز تقديم الخدمات، والمرافق الأساسية بالمملكة .
  8. تأثر بعض الفئات مثال الشباب بتلك الثقافات الدينية، بالإضافة إلى اللغات الخاصة بالعمالة الوافدة.
  9. ظهور بعض من تلك الاقتصاديات المنعزلة، والخاصة بالعمالة الوافدة من غير العرب تحديداً مثال المدارس الهندية أو الباكستانية، بالإضافة إلى المطاعم، والسينما، والأندية الخاصة بهذه الجاليات في المملكة.
  • وسائل الحد من معدلات الاستقدام ومعالجة الإشكالات المرتبطة به.

المؤكد أن تكلفة الاستقدام أصبحت تتجاوز المنطق، وكذا الأجور، سواء من خلال التأجير أو حتى الاستقدام الفردي الذي وصل إلى ألف وخمسمائة ريال ويزيد أحياناً، فضلاً عن زمن فترة الاستقدام.  والواقع أن الحل لن يتأتى من خلال عبارات تُكتَب، فالأمر يحتاج إلى طرح كافة المشكلات والعقبات تلكم التي تواجه الجميع، مكاتب أو شركات استقدام، وأرباب عمل، وكذا وكالات التخديم في الخارج، لأن السماع عن المعوقات للنشاط عامة من كافة هذه الأطراف، فذلك يعد بداية توافر الحلول.

ولا بُدَّ من النظرة الشمولية لقضية الاستقدام والعمل على كل المستويات، كما يجب ربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات المجتمع وسوق العمل. ومن المهم أن يتحمل قطاع العمل جزءاً من كلفة تعليم وتدريب الخريجين، وتسهم الدولة في الجزء الآخر، حتى يكون ضامناً للتوظيف من جهة، والحصول على مخرج يملك المهارة التي يتطلبها السوق، لنا في أرامكو خير مثال. ومن المؤكد أن لوزارة التعليم وجهات التدريب المعنية والدولة بشكل عام -بقوانينها وأنظمتها- يمكن أن ترفع من أعداد العاملين في هذه المجالات وتزيد من القبول والتقبل المجتمعي للمهن “الدنيا” بالطرق الملائمة لذلك لا سيما ما يتعلق ببناء القناعات منذ الصغر، جنباً إلى جنب مع القوانين التي تعطي العاملين في هذه المجالات مكانتهم وأهميتهم وحقوقهم المعنوية والمادية، قد يصعب تصور أن يكون للسعودي مكانه عندما يعمل كعامل نظافة ويجمع المخلفات على سيارة مثل الكوري مثلاً، ولكن بناء الأساس التربوي في النفس البشرية والجمع بينه وبين المكانة الاجتماعية والقبول سيكون له دور قوي تدريجياً في عملية الإحلال، ولا شك كذلك في أن الإشكال الثقافي هو أحد أهم إشكاليات العمالة المنزلية ولا بُدَّ من حملات توعية لمجتمعنا بحقوق العمالة المنزلية نساءً ورجالاً، أقلها الإجازة الأسبوعية وعدم تكليفهم بأي عمل خلالها. ولعل من الملائم النظر في فتح التعاقد على الخدمة المنزلية من الداخل السعودي ومن الخارج للأسر، وفق نظام حفظ حقوق مُؤتْمَت دون تدخل في خصوصيات الأطراف.

وفي هذا الإطار من المهم نشر الوعي لدى المواطنين وتعريفهم بمنصة مساند وما تقدمه من خدمات؛ حيث تعد “منصة مساند” إحدى مبادرات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وهي منصة إلكترونية شاملة لتجربة استقدام العمالة المنزلية بشكل متكامل، تهدف إلى تسهيل إجراءات استقدام العمالة المنزلية وزيادة مستوى حفظ حقوق جميع الأطراف عن طريق تعريف أصحاب العمل والعمالة المنزلية بحقوقهم وواجباتهم. كما أطلقت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية خدمة “معروفة” بهدف تسهيل وتنظيم إجراءات استقدام العمالة المنزلية وتوفير خدمة عالية المستوى للمواطنين والمقيمين في المملكة العربية السعودية. وتم إطلاق هذه الخدمة من خلال بوابة مساند، حيث تُمكّن المستفيد من استقدام العاملة المنزلية من الفلبين بتكلفة ثابتة تقدّر بـ 8850 ريالاً (أقل بـ 50٪ من تكلفة الاستقدام المعتاد) “غير شامل للقيمة المضافة” وفي مدة زمنية محددة بـ45 يوماً، شريطة اختيار اسم العاملة من قبل المواطن.

كذلك وبالنسبة للدور الاستراتيجي لوزارة التعليم؛ فإنه يلاحظ في الأهداف الاستراتيجية​​​ الحديثة لوزارة التعليم، التي لا تختلف كثيراً عن التوجهات الاستراتيجية السابقة، في (التعليم العام، الجامعي، التدريب التقني والفني) تتضمن:

  1. تعزيز القيم والانتماء الوطني.
  2. تجويد نواتِج التّعلم وتحسين موقع النظام التعليمي عالمياً.
  3. تطوير نِظام التعليم لتلبية مُتطلبات التّنمية، واحتياجات سوق العمل.
  4. تنمية وتطوير قُدرات الكوادر التعليمية.
  5. تعزيز مشاركة ​المُجتمع في التعليم والتعلم.
  6. ضمان التعليم للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة.
  7. تمكين القطاع الخاص وغير الربحي ورفع مُشاركتهم لتحسين الكفاءة الماليّة لقطاع التعليم.
  8. رفع جودة وفاعلية البحث العلمي والابتكار.
  9. ​تطوير منظومة الجامعات والمؤسسات التعليمية والتدريبية.​​

وإذا نحن نتحدث عن دور التعليم في تحقيق التنمية والأمن الوطني، فالأهداف محكمة، ولها مبادرات تضمن تحقيق رؤية المملكة، والسؤال: هل نتوقع أن يُقضى على العمالة بشكل كبير!؟، سيما أن لها دوراً كبيراً في التنمية وتحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين، وفي ذات الوقت ثبت في دراسات سابقة أن لهم آثاراً سلبية في عدد كبير من مقومات الأمن الوطني في دول الخليج عموماً، ومنها المملكة، ومن أبرزها: السياسي، الاقتصادي، الأمني، الاجتماعي، وبالتالي: ما هي الاستراتيجيات المطلوبة للتعامل مع هذه المشكلة؟ وكيف يمكن التخفيف من الآثار السلبية؟

واتصالاً بدور التعليم في معالجة قضية الاستقدام، ولضمان مخرجات تعليم بالفعل يخدم سوق العمل، لعل هناك ضرورة للأخذ بمبدأ التشعيب قبل الصف العاشر، فقط 50% من خريجي الصف التاسع (الإعدادي أو المتوسطة) هم من ينتقلون للمرحلة الثانوية، أما البقية فيذهبون إلى مدارس تدريب مهني وتقني متوسط، على أن يدخل التعليم البوليتكنيك من الصف السابع، فهذا سر نجاح  التعليم الألماني، وليس بعيداً عنه التعليم في بلدان شرق آسيا لا سيما الصين، فالتعليم البوليتكنيك هو من كان وراء نجاح اقتصاد ألمانيا وكثير من البلدان التي أخذت بفلسفة التعليم من أجل المهنة.

ومع الإقرار بأن لدينا عدداً كبيراً من الكليات التقنية، إلا أن مخرجاتها لم تواكب متطلبات سوق العمل. وهذه تحتاج لإعادة تطوير من خلال الآتي:

  1. إعادة صياغة مناهجها من خلال استقطاب مؤهلين من ذوي الخبرة العملية في مختلف التخصصات من داخل سوق العمل.
  2. إدخال مناهج جديدة تعلم ما يسمى بالمهارات الإنسانية (soft skills) كأخلاقيات العمل، والانضباط، والتعامل مع العميل وغيرها.
  3. العمل مع هيئة المقاولين في تطوير ما يسمى دليل العمل لكل مهنة مثل دليل عمل الكهربائي للمنازل وآخر لكهرباء السيارات وغيرها.
  4. تكوين مجلس استشاري لكل كلية ممثل بأعضاء من قطاع الأعمال وأهل الخبرة لمراجعة أداء الكلية وتحسينه، ويكون للمجلس دور في تعيين الإدارة للكلية.

أما فيما يخص معالجة الإشكالات المرتبطة بسوق العمل فيمكن من خلال:

  1. الدفع بتشكيل شركات وطنية مساهمة في مجال التشغيل والصيانة.
  2. تصنيف المهن وتحديد سلم رواتبها ووضع برامج التوطين.
  3. تطوير برامج تدريبية ومناهج عمل موحدة لكل مهنة تشمل منهج الاستطلاع وكشف الخلل (fault analysis tree)و منهجية الإصلاح (repair check list.
  4. دعم عمل هذه الشركات بمنحها أولوية في العقود الحكومية.
  5. من أجل تشجيع المواطن للعمل من خلالها ورفع درجة الموثوقية في التعامل معها، يجب على هذه الشركات نشر تسعيراتها بطريقة تكلفة وحدة العمل(work unit rate).

وتذهب بعض الآراء إلى إمكانية معالجة قضية استقدام العمالة من خلال محورين أساسيين:

  1. عمالة ذات المهارة الحرفية الوسطية، وهؤلاء معظمهم يتركز في مهن البناء – كهربائي، سباك، دهان، وخلافه، وأعمال الديكور مؤخراً، والتصور أن الجامعات مسئولة مسؤولية مباشرة بعدم الالتفات لهذه المهن في برامج الدبلوم المشارك.
  2. المهن المنزلية سائق، حارس، خادمة، والواقع أن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية معنية ومسؤولة عن استنزاف أموال المواطنين سواء من مكاتب الاستقدام أو لمكاتب التأجير، وقد يكون للثقافة المجتمعية دور في استفحال أزمتها. فكبر المنازل واعتماد جميع أفراد الأسرة على من يقوم بشؤونهم الخاصة في أبسط درجاتها، شكَّل ثقافة مجتمعية والخروج منها يتطلب إعادة وسائط التنشئة الاجتماعية (أسرة، مدرسة، إعلام ….) لإعادة ترتيب أهدافها.

وتجدر الإشارة إلى أن برنامج تنمية القدرات البشرية، ضمن رؤية المملكة 2030، يهتم بتعزيز ثقافة العمل، وتنمية مهارات المواطنين ما يتطلب تعاون الجهات الحكومية مثل وزارة التعليم من خلال إعداد المناهج الموجهة للأعمال المهنية والمهارات التقنية وغيرها من المجالات، وقد يتم التركيز على مخرجات برنامج الملك عبد الله للابتعاث الخارجي وتوجيهه لمتطلبات المرحلة القادمة، وكذلك وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية من خلال برامجها ومبادراتها الموجهة لتطوير مهارات المواطنين في مختلف التخصصات، كذلك الاستمرار في فرض ومتابعة القوانين مثل مكافحة التستر وقرارات التوطين في عدد من القطاعات التي لاقت نجاحاً في الفترة السابقة، كل ذلك سيكون له الأثر الأكبر-بإذن الله- في توظيف أكبر عدد من المواطنين المؤهلين وإحلالهم محل الوافدين في العديد من المهن، ومن المهم القول بأن بعض المهن يمكن إحلالها بشكل سريع؛ ولكن الكثير منها تحتاج إلى فترات زمنية أطول لتهيئة البديل المناسب والمؤهل؛ ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.

وترى بعض وجهات النظر أن الحل يكمن في شركات كبيرة تستطيع أن تتحمل رواتب مجزية وتستطيع التدريب، ولا ضرر أن تستقدم ما يغطي النقص؛ ولكن بشرط استقدام العمالة الماهرة والمدربة كي نحصل على خدمة ومنتج عالٍ. أليس هذا في صميم هدف الرؤية المتصل برفع مستوى المعيشة. كما أنه إذا أردنا الاستمرار في الوضع الحالي فعلينا قبول التستر!!! في المحصلة لا بد من هيئة توطين قوية ومستقلة، إرادتها تعلو فوق القطاع العام والخاص وهي المنوطة بالاستقدام بناءً على إحصائيات دقيقه للأيدي العاملة من أبناء وبنات الوطن أو الأجانب.

فالتوطين لا يعني أن لا نستقدم، فالهدف القضاء على البطالة، وثانياً توجيه الراغبين في هذه الأعمال التوجيه الصحيح من تدريب إما بمعاهد ملحقة في الشركات المقترحة أو تفعيل دور مؤسسة التعليم الفني والمهني بشكل أفضل.

ومع هذا فإن تطبيق فكرة الشركات الكبيرة للحد من العمالة السائبة والطليقة، قد تنتهي بنظر البعض إلى ما انتهت إليه شركات استقدام العمالة المنزلية؛ حيث سترتفع أسعار العمل على نحو ليس في مصلحة المواطن بسبب احتكار العمال وتشغيلهم لحساب الشركة.

وحيث إنه لا يمكن التغاضي عن أن الاستقدام للعمالة المنزلية بصفة خاصة والعمالة بصفة عامة قد يصحبها أحياناً تأثيرات سلبية على سمعة المملكة وشعبها بسبب الخلافات التي تنشأ بين الكفيل وعائلته من جانب والعامل/ة من جانب آخر، وينشأ عنه اعتداء على العامل/ة يُستغَل ضد سمعة المملكة وشعبها عندما يصل إلى إعلام بلد العامل/ة، إلى جانب رفع التكلفة من قبل مكاتب الاستقدام في البلد المرسل للعمالة المنزلية خاصة.

كما أن من أسباب المشكلات المرتبطة بالاستقدام، قصور الجهات الإعلامية في توعية المواطنين بحقوق العمالة، والصورة التي تعكسها عن المجتمع السعودي، في طريقة تعامل بعض الأسر التي تستضيف هذه العمالة لخدمتها.

لذلك فإن الأمر يحتاج إلى بذل جهود لتغيير هذه النظرة الذهنية السلبية عن شعب المملكة الذي يُوصف بأنه يسيء إلى تلك العمالة وإلى حقوق الإنسان وأن الحكومة مقصرة في ذلك. ففي الحقيقة قد يكون هناك أحياناً سوء تعامل من طرف الكفيل ومن طرف العامل/ة وينظر البعض للأسف إلى العامل أو العاملة نظرة فيها نوع من الاستعباد والظلم واتجار بالبشر. ولذلك من المهم عمل دراسة تقدم مقترحات لتغيير النظرة الذهنية السلبية نحو المملكة وشعبها والإساءة لحقوق الإنسان. كما أن هناك حاجة ماسة لعمل حملات توعية للمشغل نحو حقوق العامل/ة خاصة أن المملكة بلد مسلم، تتقيد بتعاليم الإسلام التي تحترم الحقوق، إلى جانب الحاجة الماسة إلى التصدي لهذه الحملات في البلد المرسل للعمالة وتحديد الجهة المسؤولة عن ذلك.

ولعل فكرة التأمين تكون مفيدة من ناحية طمأنة الدول المصدرة للعمالة على ضمان حقوق عمالتها وفي نفس الوقت تضمن لصاحب العمل حصوله على أمواله في حالة هروب العاملة أو عدم مطابقتها للشروط عند وصولها.

وإجمالاً، من المقترحات العامة المطروحة لمعالجة قضية الاستقدام:

  1. تشكيل هيئة عليا مناط بها وضع سياسات وبرامج تنفيذية؛ لرفع الكفاءة البشرية في المشاريع ووضع مستهدفات لخفض أعداد العمالة من خلال خطة طويلة الأجل لما يقل عن ١٠ سنوات.
  2. الدفع بشكل كبير من الجهات الحكومية لميكنة أعمال التشغيل والصيانة والإنشاء، مما يؤدي لرفع الكفاءة البشرية. مثال أعمال النظافة والخدمات البلدية، والإنشاء والتعمير.
  3. ومن الممكن أن تقوم الجهات الحكومية والخاصة بتصميم برامج تدريب وتأهيل يشرف عليها منسوبو هذه الجهات لتولي عمليات التشغيل والصيانة لمشاريعها كل حسب اختصاصه ودعم ميزانيات هذه الجهات بكل سخاء.
  4. إعادة صياغة أنظمة التعاقد الحكومي، بحيث تأخذ بالاعتبار الكفاءة البشرية وتحفيزها في خطط التنفيذ.
  5. الدفع بالتوسع في دعم النقل بالقاطرات عبر إنشاء خطوط جديدة وخفض تكلفة الشحن، من أجل إزاحة وتقليل عدد الشاحنات وخداماتها الملحقة.

أما فيما يخص المقترحات التي تخص كل شريحة من المهن كما تم تحديدها مفصلة كما يلي:

  1. المهن الاحترافية (المهندسون، المحاسبون المستشارون ومن في حكمهم):
  • الدفع بدمج المكاتب الهندسية والمراجعة المحاسبية والقانونية وما شابهها في تكتلات مهنية كبيرة (شركات).
  • ربط عقودها الحكومية بخطط التوطين والإحلال.
  • إدخال نسب التوطين في قائمة معايير تقييم العروض للعقود الحكومية.
  • تغيير نمط العقود الحكومية إلى عقود طويلة الأجل من 5 إلى 10سنوات بحيث تكون داعمة للتدريب والتطوير.
  1. المهن الفنية:
  • يتم تطبيق الاختبارات المهنية وربط نتائجها بالإقامات.
  • الدفع بتشكيل كيانات كبيرة وطرحها كشركات مساهمة لتقديم خدمات اختصاصية في الصيانة المنزلية، السيارات، والتكييف والبناء.
  1. التجزئة والإمداد: منع الاستقدام وتوظيف للوافدين على هذه المهن.
  2. العمالة المنزلية والعمالة غير الماهرة.
  3. العمل على تحسين أداء شركات توظيف العمالة عن طريق إجبارها بنظم الحوكمة وكذلك تدخل الحكومة في تحديد الأجور على حسب المهنة.

ويضاف إلى ما تقدم أعلاه عدد من الحلول المطروحة فيما يتعلق بمعالجة الإشكالات المرتبطة بالاستقدام من خلال ما يلي:

  1. تنويع بلاد الاستقدام ووضع نسبة معينة للأجانب من عدد السكان.
  2. المضي في تغيير بيئة العمل لتكون جاذبة للمواطنين والمواطنات.
  3. اعتماد التقنيات الحديثة من الروبوتات وغيره لتخفيف الأيدي العاملة والمضي في رقمنة الخدمات ما أمكن ذلك.
  4. اعتماد برامج التدريب المسائية وتشجيع المواطنين والمواطنات على تعلم أساسيات الصيانة للمنازل وما تحتاج إليه وبالذات في أعمال السباكة والكهرباء.
  5. تنظيم العمالة المنزلية، عبر ساعات معينة في اليوم؛ وهذا يتطلب مراجعة الأسعار الحالية، كما أن إقامة العاملة في البيوت قد تكون مصدراً للكسل وعدم الاهتمام والاعتماد على الغير.

وأوصت بعض الدراسات المعنية بقضية الاستقدام، إلى ضرورة الرقابة الشديدة والمتابعة المستمرة للشركات والمؤسسات والمحلات التجارية للتأكد من التزاماتها بالقوانين واللوائح التنظيمية المنظمة لعملية استقدام العمالة الأجنبية، وذلك يتحقق من خلال تنظيم دورات ميدانية لمكاتب العمل، والجوازات، والخارجية، والشرطة، يكون مهمتها متابعة تلك الشركات والمؤسسات والمحلات التجارية، والتأكد من تنظيم أوضاع العمالة الأجنبية التي تعمل فيها. فضلاً عن الحرص على موضوعية القوانين واللوائح التنظيمية المنظمة لعملية استقدام العمالة الأجنبية والعمل على تبسيطها ومصداقيتها، ويتحقق ذلك من خلال التقليل من الإجراءات الروتينية وعدم تشديدها عند تقديم طلبات الاستقدام حتى لا يضطر طالب الاستقدام إلى اللجوء للأساليب غير النظامية، خاصة إذا كانت حاجته ملحة لعملية الاستقدام. كما أن على الدولة أن تستمر بتشجيع القطاع الخاص على الاستعانة بالعمالة الوطنية، وذلك من خلال الحوافز والإعانات الحكومية للشركات والمؤسسات الخاصة التي تتولى تدريب العمالة السعودية، مع الحاجة إلى تكثيف جهود توعية الشباب السعودي بخطأ النظرة الدونية لبعض المهن.

  • التوصيات
  • إنشاء هيئة عليا يندرج تحتها توطين المهن والاستقدام للقطاعين العام والخاص مرتبطة بمجلس الوزراء. جهة التنفيذ (مجلس الشئون الاقتصادية والتنمية).
  • إنشاء قاعدة بيانات رقمية نوعية (تختص بالعمالة الأجنبية وكذلك القوى العاملة السعودية) يمكن من خلالها الحصول على المعلومات المطلوبة من أي جهة حكومية أو خاصة ذات علاقة بالموارد البشرية ومعرفة العاطلين عن العمل، وعدد الخريجين، وأنواع التخصصات، والمهن المطلوبة بسوق العمل، وأعداد الأجانب وتخصصاتهم وجهة عملهم. جهة التنفيذ (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، الهيئة العامة للإحصاء).
  • عدم السماح للعمالة الوافدة بممارسة أي مهنة إلا بموجب ترخيص مهني معتمد من جهة الاختصاص بالمملكة. جهة التنفيذ (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية).
  • إنشاء شركات وطنية مساهمة برؤوس أموال كبيرة في أعمال البناء والصيانة، والورش، وتجارة التجزئة وجميع الأنشطة الاقتصادية بأفضل الممارسات العالمية، وبإدارة سعودية تستطيع استقطاب الأيدي العاملة الوطنية. جهة التنفيذ (صندوق الاستثمارات العامة، وزارة التجارة، وزارة الاقتصاد والتخطيط).
  • رفع مستوى التعليم الفني والمهني والحرص على مخرجات عملية يتطلبها سوق العمل، والحرص على استقطاب أكبر عدد من خريجي الثانوية والإعدادية وجعلها جاذبة للشباب والشابات من حيث فرص العمل وبيئته والمرتبات وتبني مشروع التدريب المنتهي بالعمل. جهة التنفيذ (وزارة التعليم، المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني).
  • إعطاء الأفضلية للشركات ذات النسب العالية في التوطين في المنافسات الحكومية والدعوات الخاصة. جهة التنفيذ (وزارة المالية، وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية).
  • العمل على دمج المكاتب الهندسية ومكاتب المحاسبية القانونية ومكاتب الاستشارات بكل تخصصاتها في تكتلات كبيرة (شركات) تستطيع منافسة الشركات الأجنبية بجدارة. جهة التنفيذ (وزارة التجارة).
  • العمل على تنويع جهات الاستقدام من دول متعددة، تلافياً لحدوث زيادة في عدد الجاليات من دولة معينة ووضع نسبة معينة كهدف لعدد الأجانب بالنسبة لعدد السكان المحليين؛ لمنع أي تهديد ديموغرافي محتمل. جهة التنفيذ (وزارة الداخلية، الهيئة العامة للإحصاء، وزارة الخارجية).
  • تفعيل دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وعقد ورش العمل في مناطق المملكة لتعريف المجتمع بجهود التوطين وسبله والعمل على توعية كافة أطياف المجتمع بقيمة العمل ونتائجه الإيجابية لخدمة الصالح العام أمنياً واقتصادياً وثقافياً. بمعنى كلما قل الاستقدام تحسن التوطين في المهن والوظائف وقلَّت البطالة بين المواطنين. جهة التنفيذ (وزارة الإعلام، وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية).

الموضوعات المدرجة ضمن أهداف حملات التوعية:

  • الحرص على وضع تعريف مهام العاملة scope of work، لا أن يُترَك مفتوحاً، فيكون باباً للاستغلال والعمل الشاق… إلخ.
  • الحرص على أن وجود العاملة هو للمساعدة وليس لإدارة المنزل والحد من اعتماد الأطفال والمراهقين عليها.
  • إلزام الكفيل بتعليم العاملة اللغة العربية والتحدث بها، وقد يكون من المفيد وضع دروس في مصليات النساء لعاملات الحي لساعات معينة كافية لتعلم.
  • تشجيع الناس على الاكتفاء بساعات معينة عن طريق التأجير على أن تكون الأسعار مقبولة؛ كي نحد من إقامة العاملة في المنازل وتفادياً للآثار السلبية على الجيل من كسل وتعالٍ وضعف اللغة.. إلخ.
  • قرارات الرسوم على الإقامات وتحديد الدول وشروط الاستقدام يجب أن تكون على المهنة وأهميتها ولا تكون عامة. جهة التنفيذ (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية).
  • تطوير المناهج التعليمية في المراحل الثانوية والجامعية بما يتناسب مع المتطلبات المهنية والتنفيذية لبرامج رؤية المملكة 2030، وإضافة موضوعات بالمقررات المدرسية لتدريب الشباب على المهن من خلال ورش العمل بالمدارس الثانوية وتشجيعهم على مزاولة المهن اليدوية. جهة التنفيذ (وزارة التعليم).
  • العمل على تنظيم وتصحيح الوضع القائم فيما يخص العاملات المنزليات ومراجعة الأسعار ولتصبح في متناول أكبر عدد من الأسر وبالذات أن خروج المرأة للعمل يزداد يوماً بعد يوم. جهة التنفيذ (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وزارة التجارة، وزارة الخارجية).
  • المصادر والمراجع
  • برنامج تنمية القدرات البشرية: متاح على الرابط: https://na.vision2030.gov.sa/ar/v2030/vrps/hcdp
  • مصلحة الإحصاءات العامة، تقرير مؤشرات سوق العمل للربع الثاني من العام الحالي 2021م، https://www.stats.gov.sa/ar/814
  • صغير العنزي، حمود العمار: غياب الدور التوعوي أبرز مسبباتها – ثقافة “العيب” تغيب العمالة الوطنية عن العمل في المهن الحرفية، صحيفة الرياض، 15 ديسمبر 2007م، https://www.alriyadh.com/301719
  • ياسين الجفري: احتقار المهن ومستقبلنا، نقلاً عن جريدة المدينة، متاح على الرابط: https://www.alarabiya.net/saudi-19/%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1today/2016/11/-
  • عبدالعزيز دخيل الحمادي: المهن الحرفية.. التأهيل والعوائد المجزية، صحيفة الاقتصادية، متاح على الرابط: https://www.aleqt.com/2021/08/19/article_2154876.html
  • رويدة رفاعي: الشباب العربي يختار البطالة بديلة عن مهن لا ترضى غروره، صحيفة العرب، متاح على الموقع الإلكتروني: https://alarab.co.uk
  • وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، 6 قرارات توطين جديدة، متاح على الموقع الإلكتروني: https://hrsd.gov.sa
  • عبد العزيز الحمادي، المهن الحرفية.. التأهيل والعوائد المجزية، https://w ww.aleqt.com/2021/08/19/article_2154876.html
  • منصة مساند: متاح على الموقع الإلكتروني: https://musaned.com.sa
  • وزارة التعليم، المملكة العربية السعودية، متاح على الموقع الإلكتروني:

https://moe.gov.sa/ar/aboutus/aboutministry/Pages/visionmissiongoals.aspx

  • أحمد أسعد خليل: الاستقدام المنزلي، متاح على الرابط الإلكتروني: https://khalilat.com/tp/?p=2114
  • خدمة معروفة، وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، متاح على الموقع الإلكتروني: https://hrsd.gov.sa
  • عبد العزيز بن سليمان الحواس: مدى فعالية الضوابط الأمنية في تنظيم عملية استقدام العمالة الأجنبية من وجهة نظر الجهات المعنية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2005م.
  • إبراهيم بن عبدالكريم عبيان: العمالة الوافدة في المملكة العربية السعودية والآثار السلبية المترتبة على وجودها وأدوار المؤسسات التربوية في الحد من استقدامها وتلافي آثارها، دراسات نفسية وتربوية، مختبر تطوير الممارسات النفسية والتربوية، عدد6 جوان 2011م.
  • عبد الهادي بن سعود مسعود الرشيدي: دور صندوق تنمية الموارد البشرية في توطين الوظائف في المملكة العربية السعودية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2016م.

 

  • المشاركون.
  • الورقة الرئيسة والمعقبون: أ. محمد الدندني، د. سعيد الغامدي، م. سالم المري.
  • إدارة الحوار: م. ابراهيم ناظر
  • المشاركون بالحوار والمناقشة:
  • خالد الرديعان
  • وفاء طيبة
  • عبدالله الحمود
  • محمد الثقفي
  • زياد الدريس
  • عبدالرحمن باسلم
  • عبد الإله الصالح
  • إبراهيم الفواز
  • لاحم الناصر
  • فوزية أبو خالد
  • فهد الأحمري
  • منى أبو سليمان
  • حمد البرثين
  • خالد منصور
  • عبدالله الحمود
  • خالد بن دهيش
  • حميد الشايجي

 


 

 القضية الثانية 

الاستراتيجية الصحية – وقاية وعلاج

(27/10/2021م)

  • الملخص التنفيذي.
  • الورقة الرئيسة: د. عبد العزيز العثمان (ضيف الملتقى) [1]
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. د. مها المنيف
  • التعقيب الثاني: د. عبير برهمين
  • إدارة الحوار: د. ماجد الغريبي
  • المداخلات حول القضية
  • الصحة وعلاقتها بالعادات الغذائية ونمط الحياة من منظور سوسيولوجي.
  • الاستراتيجية الصحية وتعزيز الوقاية ضد المخاطر الصحية.
  • التغذية السريرية وأهميتها ضمن الاستراتيجية الصحية أثناء جائحة كورونا (كوفيد- 19).
  • آليات تحقيق الأثر الملموس للاستراتيجية الصحية في المجتمع.
  • التوصيات
  • المصادر والمراجع
  • المشاركون
  • الملخص التنفيذي.

تناولت هذه القضية الاستراتيجية الصحية في جانبي الوقاية والعلاج. وأشار د. عبدالعزيز العثمان في الورقة الرئيسة إلى أن المملكة العربية السعودية رائدة في مجال الخدمات الطبية في عدة نواحٍ، منها البنية التحتية ونظام الرعاية الصحية الحكومي والتسهيلات الحكومية والفريق الطبي المميز وتوفر التجهيزات والتقنيات المتقدمة. إلا أنه ولتعزيز فعالية تلك الخدمات لا بُدَّ من اتباع استراتيجية وقائية صحية واضحة، وتطبيق الأدلة الاسترشادية الصحية المعتمدة، وتقليل تكلفة العلاج، وتخفيض نسبة حدوث الأمراض، مع رفع جودة الحياة من خلال تفعيل برامج الوقاية وتعزيز نمط الحياة الصحي. وتلعب العناية بالتغذية السريرية دوراً مهماً في هذا الإطار؛ حيث أثبتت الدارسات أن أخصائي التغذية السريرية يمكنه خفض التكلفة الأولية وتحسين الخدمة العلاجية من خلال استخدام الطرق الطبيعية في العلاج وتعزيز الصحة والوقاية من الأمراض، لكن الواقع أن أغلب المستشفيات والمؤسسات الصحية الحكومية والخاصة لا تتبع بعد الأدلة الاسترشادية في الوقاية والعلاج للأمراض ذات العلاقة بالتغذية بدءاً من تقييم الحالة ثم تشخيصها ثم علاجها وتعليم المريض طرق الوقاية من الأمراض.

بينما أكَّدت أ. د. مها المنيف في التعقيب الأول على أن القطاع الصحي في المملكة يواجه عدة تحديات من أبرزها: ضعف الوصول للخدمات الصحية بشكل عام، وضعف نظام الرعاية الأولية والاعتماد على الرعاية الثانوية والمتقدمة، فضلاً عن ضعف المسح الدوري للأمراض، وضعف البرامج الوقائية وتطبيقها على نطاق واسع.

في حين ذكرت د. عبير برهمين في التعقيب الثاني أن الاستراتيجية الصحية لوزارة الصحة تنطوي على تحول الخدمات العلاجية والصحية من العلاج إلى الوقاية، كما ستتحول خدمات وزارة الصحة من تقديم الخدمات العلاجية وإدارة المستشفيات وتشغيلها إلى الإشراف والتوجيه وتعزيز الجودة النوعية. والتحول إلى تعزيز الصحة والوقاية يعني إبقاء اللجوء للخدمات العلاجية والبقاء في المستشفيات في أقل مستوياته، وهذا التحول لم ولن يكون سهلاً، بل هو تحدٍّ صعب وشاق ويتطلب تضافر الجهود والتكامل في الخدمات بين عدة وزارات وجهات حكومية وقطاع خاص في آن واحد.

وتضمنت المداخلات حول القضية المحاور التالية:

  • الصحة وعلاقتها بالعادات الغذائية ونمط الحياة من منظور سوسيولوجي.
  • الاستراتيجية الصحية وتعزيز الوقاية ضد المخاطر الصحية.
  • التغذية السريرية وأهميتها ضمن الاستراتيجية الصحية أثناء جائحة كورونا (كوفيد- 19).
  • آليات تحقيق الأثر الملموس للاستراتيجية الصحية في المجتمع.

ومن أبرز التوصيات التي انتهى إليها المتحاورون في ملتقى أسبار حول القضية ما يلي:

  • تعزيز مفهوم نمط الحياة الصحي في البرامج والخطط والاستراتيجيات الوطنية بما يحقق مبادرات رؤية المملكة 2030 وجودة الحياة.
  • الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في برامج تعزيز الصحة وجودة الحياة.
  • تطبيق الأدلة الاسترشادية المعتمدة من الجهات الصحية المختصة في مجال الرعاية الصحية والوقاية من الأمراض.
  • التركيز على برامج الوقاية الصحية وتعزيز الصحة وإدراجها في المناهج التعليمية في كل مراحل التعليم وتدريب أفراد المجتمع عليها بما يناسب كل فئة.
  • إدراج طب نمط الحياة الصحي ضمن مناهج الكليات الصحية بالمملكة.
  • الورقة الرئيسة: د. عبدالعزيز العثمان (ضيف الملتقى)
  • المملكة العربية السعودية رائدة في مجال الخدمات الطبية في عدة نواحٍ، منها البنية التحتية، ونظام الرعاية الصحية الحكومي، والتسهيلات الحكومية، والفريق الطبي المميز، وتوفر التجهيزات والتقنيات المتقدمة.
  • لتعزيز فعالية تلك الخدمات لا بُدَّ من اتباع استراتيجية وقائية صحية واضحة وتطبيق الأدلة الاسترشادية الصحية المعتمدة، وتقليل تكلفة العلاج وتخفيض نسبة حدوث الأمراض، مع رفع جودة الحياة من خلال تفعيل برامج الوقاية وتعزيز نمط الحياة الصحي.
  • تعزيز الصحة ورفع جودة الحياة من أركان رؤية المملكة 2030.
  • الأمراض ذات العلاقة بالتغذية تزداد سنوياً برغم تقدم الخدمات الصحية.
  • 80% من الأمراض في المملكة مرتبطة بالغذاء.
  • من أمثلة الأمراض ذات العلاقة بالتغذية (السكري – ارتفاع ضغط الدم – أمراض الجهاز الهضمي – أمراض القلب والشرايين- أمراض الدم – أمراض الكلى – الأورام – أمراض الأيض الغذائي – السمنة والنحافة – العناية المركزة للأطفال والبالغين- الأمراض العصبية – الأمراض النفسية – أمراض الحوامل والمرضعات – أمراض الأطفال – أمراض الشيخوخة – أمراض نقص أو زيادة العناصر الغذائية – التغذية المدرسية – تغذية الرياضيين – أمراض إعادة التأهيل – وغيرها).
  • من أسباب ارتفاعها: (إهمال برامج الوقاية في وزارة الصحة – عدم اتباع الأدلة الاسترشادية Guidelines – ضعف التوعية الصحية – عدم تكامل الفريق الطبي – عدم أو ضعف تحويل المريض للمختص في التغذية السريرية والتثقيف الصحي والتخصصات الصحية ذات العلاقة مثل التأهيل الطبي والمختصين في علم النفس والاجتماع).
  • بناءً على تقارير منظمة الصحة العالمية، 80% من أمراض القلب والجلطات والسكري، و40% من أمراض السرطان يمكن الوقاية منها؛ من خلال تعديل نمط الحياة من خلال تحسين التغذية وزيادة اللياقة البدنية وتجنب التدخين.
  • الأمراض ذات العلاقة بالتغذية تزيد تكلفة العلاج بنسبة 308% وتزيد مدة التنويم بمعدل 3-5 أيام.
  • التخصصات العلمية المسئولة عن الوقاية من الأمراض والتغذية الصحية وتعزيز نمط الحياة التغذوي والوقاية من الأمراض ذات العلاقة بالتغذية هي تخصصات (التغذية السريرية والتثقيف الصحي).
  • لدينا -بحمد الله- آلاف من خريجي تخصص التغذية السريرية من 10 جامعات سعودية، وأيضاً من تخصص التثقيف الصحي، وأغلبهم لا يُمكَّنون من تأدية كامل مهامهم بالشكل السليم بالذات في وزارة الصحة بسبب أنظمة إدارية قديمة.
  • أثبتت الدارسات أن أخصائي التغذية السريرية يمكنه خفض التكلفة الأولية وتحسين الخدمة العلاجية من خلال استخدام الطرق الطبيعية في العلاج وتعزيز الصحة والوقاية من الأمراض واختيار الطريقة السليمة للتغذية، مثلاً استبدال التغذية الوريدية أو الأنبوبية بالتغذية الفموية الطبيعية.
  • في كندا، وجود أخصائي تغذية سريرية ضمن الفريق الطبي المعالج، خفض تكلفة علاج السكري بنسبة 34%، و25% للسمنة، و12% لأمراض القلب والشرايين، و11% للجلطات.
  • في أوروبا، وجود متخصص في التغذية السريرية ضمن الفريق الطبي المعالج في أجنحة التنويم في المستشفيات خفض:
    • نسبة حدوث قرحات السرير بنسبة 25%.
    • مضاعفات الأمراض بنسبة 14%.
    • مدة التنويم بمعدل 2-5.5 يوم.
    • نسبة إعادة دخول المستشفى لمرضى سابقين بنسبة 28%.
    • نسبة الوفيات، وتحسنت جودة الحياة للمرضى.
  • اتباع الأدلة الاسترشادية للتغذية في أوروبا حسَّن صحة المريض، وقصَّر مدة الشفاء والتنويم، وقلَّل المضاعفات، وقلَّل تكلفة علاج الفرد بـ (14462 دولار).
  • في بريطانيا، تم فعلياً توفير 13 مليار جنيه إسترليني سنوياً في عام 2012م، وتزايدت تلك النسبة خلال السنوات التي تليها من خلال تفعيل تخصص التغذية السريرية في الخدمات الصحية.
  • تطبيق الأدلة الاسترشادية في تقييم وفحص الحالات خَفَّض تكلفة العلاج بمبلغ 28472 جنيه إسترليني لكل 100 ألف مريض.
  • أغلب المستشفيات والمؤسسات الصحية الحكومية والخاصة لا تتبع الأدلة الاسترشادية في الوقاية والعلاج للأمراض ذات العلاقة بالتغذية بدءاً من تقييم الحالة ثم تشخيصها ثم علاجها وتعليم المريض طرق الوقاية من الأمراض.
  • الاستخدام الخاطئ للمكملات الغذائية مشكلة شائعة في المستشفيات وبين أفراد المجتمع.
  • برامج الوقاية تتضمن:
    • تفعيل دور المجلس الصحي السعودي.
    • التفعيل الحقيقي للبرامج الوقائية في وزارة الصحة والمؤسسات الصحية.
    • تخصيص مقررات دراسية في التعليم العام والجامعي بالذات للطالبات.
    • عيادات في مراكز الرعاية الصحية الأولية.
    • تفعيل تخصص التغذية السريرية في المستشفيات (عيادات خارجية – وضمن الفريق الطبي المعالج).
    • المدارس – تثقيفاً صحياً وتغذية مدرسية.
    • العناية بالتوعية الصحية والتغذوية لكل أفراد المجتمع من خلال وسائل الإعلام والبرامج التوعوية والأيام العالمية من خلال برامج فعالة يمكن قياس مخرجاتها.
    • إيجاد نظام لمنع نشر المعلومات الصحية الخاطئة في وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية.
  • التعقيبات:
  • التعقيب الأول: أ. د. مها المنيف

ركزت الاستراتيجية الصحية بالمملكة على إعادة هيكلة النظام الصحي ليكون شاملاً وفعالاً معتمداً على ركيزتين أساسيتين:

  • تعزيز الصحة العامة والتركيز على البرامج الوقائية، وإبقاء اللجوء للخدمات العلاجية في المراكز الصحية والمستشفيات في أقل المستويات.
  • تحويل خدمات وزارة الصحة من مقدم للخدمات الصحية إلى مشرف على الخدمات الصحية.
  • لتحقيق هذه الركائز الرئيسية يأتي برنامج تحول القطاع الصحي كأحد برامج رؤية المملكة 2030 والذي ركز على 4 أهداف استراتيجية وهي:
  • تسهيل الحصول على الخدمات الصحية للمواطنين والمقيمين.
  • تحسين جودة وكفاءة الخدمات الصحية.
  • تعزيز الوقاية ضد المخاطر الصحية.
  • تعزيز السلامة المرورية.

وقد حقق القطاع الصحي السعودي خلال المرحلة السابقة العديد من الإنجازات مثل تحسين جودة وكفاءة الخدمات الصحية وتسهيل الحصول عليها من خلال الاهتمام برقمنة القطاع الصحي، وإطلاق حزمة من التطبيقات الصحية الرائدة عالمياً لتقديم خدمات صحية متقدمة، وزيادة عدد المراكز الصحية الأولية وزيادة تغطية الخدمات لجميع مناطق المملكة.

اعتمدت الأهداف الاستراتيجية الأربعة (أعلاه) بشكل كبير على الوقاية من خلال رفع الوعي المجتمعي للتقليل من نسبة الأمراض المزمنة والحوادث المرورية التي بدورها تؤثر على نسبة الدخول للمستشفيات وتُسبِّب ضغطاً كبيراً على مراكز الرعاية الصحية الأولية. وتعتبر التطعيمات من أهم أساليب الوقاية الأولية، واهتمت المملكة بهذا الملف منذ السبعينيات من القرن الماضي من خلال برنامج تحصين الأطفال ضد الأمراض المعدية وبرنامج تحصين البالغين الذي أخذ حيزا كبيراً من استراتيجية المملكة الصحية في السنوات العشرين الماضية. وبفضل التطعيم ودعم الدولة لهذا الملف تم القضاء على كثير من الأمراض المعدية التي تم القضاء عليها كلياً مثل الجدري وشلل الأطفال وأمراض أخرى كثيرة أصبحت نادرة مثل والحصبة والنكاف وغيرها.

أثبتت جائحة كورونا أن المملكة قادرة على تقديم رعاية صحية متكاملة أثناء الكوارث والأزمات واستخدمت المملكة الرقمنة الصحية، للتواصل وتقديم خدمة متقدمة للعلاج والوقاية من فيروس كورونا في كل قرية ومدينة؛ ولكن يبقى الوعي المجتمعي في أدنى صوره خاصة مع رافضي التطعيم ضد فيروس كورونا مع وجود الدلائل العلمية لفعاليته وتأثيره الإيجابي للحد من انتشار الوباء. وحسب آخر إحصائية من وزارة الصحة أن 55% فقط من سكان المملكة قد تلقوا جرعتين من اللقاح على الرغم من توفير اللقاح في عدة مراكز وتسهيل الحصول عليه منذ ديسمبر 2020. وقد تضمنت الورقة الرئيسة عدة حلول لعلاج ضعف الوعي المجتمعي وتحسين نمط الحياة للتقليل من الأمراض المزمنة لذلك لن أتطرق إلى هذا الموضوع.

ومن خلال ممارستي كطبيبة أعتقد أن القطاع الصحي يواجه عدة تحديات أذكر منها على سبيل المثال:

  • ضعف الوصول للخدمات الصحية بشكل عام لا زال قائماً، ولعل أحد أسباب هذا القصور هو تشتت الخدمات الصحية بين عدة قطاعات (الحرس/العسكري/القطاع الخاص /التخصصي /إضافة إلى مستشفيات وزارة الصحة) كل هذه الخدمات ليس لديهم استراتيجية موحدة وتكامل بالخدمات. ولعل وجود برنامج التحول الصحي قد يحل بعض هذا التشتت ليكون تقديم الخدمات أكثر مركزية ورقابة من قبل وزارة الصحة.
  • ضعف نظام الرعاية الأولية بالمملكة والاعتماد على الرعاية الثانوية والمتقدمة، عملت وزارة الصحة على هذا الملف وزاد عدد المراكز أو العيادات الأولية في المملكة؛ لكن كفاءتها من حيث المباني والعاملين لا زالت ضعيفة. يضاف إلى ذلك أن هيئة التخصصات الصحية ونظام الترقيات في المجال الطبي لا يعطي امتيازات وظيفية أو مالية للطبيب العام الذي يعمل بهذه العيادات. وهناك أمثلة لأنظمة صحية ركزت على الرعاية الأولية ونجحت جداً مثل: ماليزيا، والسويد، والدول الإسكندنافية.
  • ضعف المسح الدوري للأمراض، فمثلاً كثير من الأمراض يتم اكتشافها إذا تم عمل المسح الدوري للأطفال في أوقات إعطاء التطعيمات؛ لكن للأسف يُعطَى التطعيم من قبل طاقم التمريض ولا يتم عمل مسح عن تطور بعض الأمراض العصبية والجسدية عند الأطفال مثل فحص النظر والسمع والتطورات الذهنية والجسدية.. إلخ، وبالتالي يتم اكتشافها في وقت متأخر، مما يؤثر على نمو ونماء الطفل، ويُسبِّب ضغطاً كبيراً على مراكز العلاج. كذلك المسح الدوري للبالغين لمرض السكري، لأمراض البروستاتا، لسرطان الثدي، لسرطان القولون… إلخ. فلو تم عمل المسح لاكتُشِف المرض مبكراً وكانت نتائج العلاج أفضل، وبالتالي يخفف الضغط على المستشفيات.
  • ضعف البرامج الوقائية وتطبيقها على نطاق واسع. مثلاً برنامج الصحة المدرسية لم يُفعَّل، وضاع بين وزارة التعليم ووزارة الصحة، مشكلات المقاصف والغذاء غير الصحي الذي يقدم في المدارس لا زلنا نعاني منه، خاصة أن مرحلة الطفولة مهمة جداً في منع الكثير من الأمراض في سن البلوغ. وإذا عاش الطفل في بيئة صحية واجتماعية وأسلوب حياة جيد هذا ينعكس على صحته عند الكبر، وخير مثال السمنة ونمط الحياة وعدم ممارسة الرياضة ونوعية الأكل.. إلخ، كل هذه العادات اليومية التي تم اكتسابها في مرحلة الطفولة تتأصل معنا وتستمر عند الكبر، ومن الصعب تغييرها، لذلك نشتكي من ضعف الوعي المجتمعي. وعليه فإن مسألة ضعف الوعي المجتمعي يجب أن تؤخذ بالاعتبار في مرحلة الطفولة لصعوبة تغيير بعض العادات اليومية عند البالغين.
  • بعض الحلول المقترحة:
  • تعزيز دور الرعاية الأولية في المملكة.
  • السرعة في إطلاق الرقم الصحي الموحد.
  • التركيز على المسح الدوري للأمراض للأطفال والبالغين.
  • المضي في عمل الخارطة الجينية للأشخاص كنوع من المسح الدوري، لمعرفة نسبة إصابة الشخص بأي مرض (ومع وجود الجينوم السعودي هذا المشروع سيكون سهل المنال).
  • التركيز على تحسين نمط الحياة والعادات المضرة بالصحة في مرحلة الطفولة.
  • تعزيز دور الصحة المدرسية في تحسين الصحة العامة.
  • التعقيب الثاني: د. عبير برهمين

منذ الإعلان عن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 دأبت جميع الجهات المعنية في المملكة على البحث والتطوير عن كل ما يعزز الصحة العامة وجودة الحياة؛ لأنه وببساطة في الرؤية الطموحة (الإنسان) هو العنصر الأغلى والأهم وهو محور التحول والرؤية.

في هذا الصدد كانت الاستراتيجية الصحية لوزارة الصحة هي تحول الخدمات العلاجية والصحية من العلاج إلى الوقاية، وستتحول خدمات وزارة الصحة من تقديم الخدمات العلاجية وإدارة المستشفيات وتشغيلها إلى الإشراف والتوجيه وتعزيز الجودة النوعية، والتحول إلى تعزيز الصحة والوقاية يعني إبقاء اللجوء للخدمات العلاجية والبقاء في المستشفيات في أقل مستوياته. وهذا التحول لم ولن يكون سهلاً بل هو تحدٍّ صعب وشاق ويتطلب تضافر الجهود والتكامل في الخدمات بين عدة وزارات وجهات حكومية وقطاع خاص في آن واحد.

بحسب خطة تنفيذ برنامج التحول الصحي فإنه في عام 2016م وصل عدد الأشخاص المصابين بمرض السكري في المملكة العربية السعودية إلى 4.6 مليون شخص، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد إلى 8.6 مليون شخص بحلول عام 2030م. وكما ورد في الورقة الرئيسة فإن مرض السكري هو أحد الأمراض المزمنة غير المعدية والتي يمكن علاجها وتقليل مستوياتها عن طريق الوقاية وبتغيير نمط الحياة والعادات الغذائية الصحية.

كما ذكر كاتب الورقة الرئيسة أن الأمراض ذات العلاقة بالتغذية تزيد تكلفة العلاج بنسبة 308% وتزيد مدة التنويم بمعدل 3-5 أيام. وأضاف أن الدارسات أثبتت أن أخصائي التغذية السريرية يمكنه خفض التكلفة الأولية وتحسين الخدمة العلاجية من خلال استخدام الطرق الطبيعية في العلاج وتعزيز الصحة والوقاية من الأمراض واختيار الطريقة السليمة للتغذية، وعزز ذلك بذكر الأرقام المؤيدة في التجارب الغربية في كل من كندا وأوروبا وبريطانيا، كما نوه إلى أنه وبالرغم من وجود خريجين من تخصص التغذية العلاجية من 10 جامعات على الأقل في المملكة العربية السعودية؛ إلا أنه لم يتم الاستفادة من هذا التخصص بشكل مُرضٍ وأرجع ذلك إلى قدم الأنظمة الإدارية في وزارة الصحة.

وإلى جانب موافقتي على كل ما ورد في الورقة الرئيسة، فإنني أود التنويه وتسليط الضوء على دور بعض الجهات ذات العلاقة في إنجاح الاستراتيجية الصحية وتعزيز الصحة وجودة الحياة. مثل: (وزارة الإعلام – هيئة الغذاء والدواء السعودية – وزارة البيئة والمياه والزراعة – وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان – وزارة التعليم – القطاع الخاص وغيرهم).

قد يتساءل البعض ما علاقة هذه الجهات بالاستراتيجية الصحية؟؟ والحقيقة أن لها أدواراً تكاملية يمكن تسليط الضوء على بعض منها فيما يلي:

  • وزارة الإعلام: يقع على عاتقها التثقيف الصحي بأسلوب ونمط الغذاء الصحي، فكما تورد الإعلانات التجارية على أثيرها بمختلف أطيافه للترويج عن المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة والوجبات السريعة، فهي ملزمة في المقابل بتخصيص برامج أو إعلانات تعزز الصحة العامة ونمط الغذاء الصحي من باب المسؤولية المجتمعية، إنني أتفهم أن مدخول الإعلانات التجارية المدفوعة هو مصدر دخل للوزارة؛ ولكن لا يجب أن يطغى على الدور المهم للوزارة في تعزيز الصحة وجودة الحياة فهو واجب وطني.
  • هيئة الغذاء والدواء السعودية: يجب أن تهتم بكثير من التثقيف والتوعية وتكثيف الرقابة على المواد التي تقوم بفسحها مثل المكملات الغذائية بتوضيح الأسلوب الأمثل لتعاطيها واستخدامها وتثقيف المجتمع بالبدائل الغذائية ومصادرها الطبيعية.
  • وزارة البيئة والمياه والزراعة: عليها تشجيع الاستزراع لجميع المنتجات الغذائية المعزِّزة للصحة العامة وتشديد الرقابة على المنتجات الزراعية المستوردة عبر سَنِّ مستوى جودة معين ومواصفات خاصة حفاظاً على الصحة العامة، فكثير منا شاهد ربما المقطع المصور لأحد المزارعين في دولة شقيقة وهو يتذمر بأن منتجاتهم الزراعية لن يتمكنوا من بيعها لأحد على خلفية وقف المملكة استيراد المنتجات الزراعية الخاصة بتلك الدولة رداً على محاولات تهريب الممنوعات ضمن المنتجات الزراعية، وقد قال بالحرف: (من سيشتري منتجاتنا الزراعية الآن خاصة أن الدول الأوروبية ترفضها لعدم مطابقتها للمواصفات الأوروبية).
  • وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان: يقع على عاتقها توفير مساحات خضراء وأخرى مخصصة للمشي والجري وممارسة الرياضة، لتقوم بدورها في تعزيز الصحة العامة وتحسين نمط الحياة بما يتناسب مع الأجواء الخاصة في جميع مناطق المملكة.
  • وزارة التعليم هي الأخرى لها دورها في تعزيز الصحة العامة بداية بتطعيم المواد الدراسية بما يعزز هذا التوجه، ومروراً بالاهتمام بالتغذية الصحية السليمة في مقاصفها وما يُقدَّم فيها من غذاء، وانتهاءً بتشجيع التخصصات العلمية مثل التثقيف الصحي والإدارة الصحية والتغذية العلاجية في الجامعات.
  • القطاع الخاص: يقع على عاتقه تخصيص بعض الفعاليات لتعزيز الصحة من باب المسؤولية المجتمعية كإقامة مسابقات للمشي أو الجري والماراثونات، إضافة إلى خفض أسعار المواد والبدائل الصحية وجعلها في متناول الجميع.
  • المداخلات حول القضية
  • الصحة وعلاقتها بالعادات الغذائية ونمط الحياة من منظور سوسيولوجي.

الصحة والغذاء لهما جانب اجتماعي (سوسيولوجي) لا يخفى على الجميع؛ فما نتناوله من طعام وشراب مقنن بمجموعة من القواعد الدينية والثقافية التي تعطيه قبولاً كطعام دائم staple diet ؛ فنحن كسعوديين مثلاً نتناول التمر بكثرة بحكم أنه منتج محلي وله تاريخ موغل في ثقافتنا رغم أن نسبة المصابين بمرض السكري بازدياد (٤,٥ مليون) قد يكون تناول التمر بإفراط أحد مسبباته، ويمكن الجزم أن الأغلبية يتناولونه دون تقنين مع عدم تجاهل فوائده الصحية والغذائية.

وبنفس المنطق فإننا نتناول أطعمة ندرك أنها مضرة ومن ذلك الدهون الحيوانية وتحديداً (السمن البري) الذي يدخل ضمن بعض الأكلات الشعبية المعروفة؛ كالعريكة جنوباً، والبكيلة شمالاً، والفول في الغربية؛ بل إن البعض يشربونه بمبرر أن أجدادنا كانوا يفعلون ذلك ولم يصابوا بأمراض، متناسين أن أجدادنا لم يعرفوا الأطعمة المحفوظة والمعلبة والمعالجة جينياً التي أصبحت جزءاً من غذائنا اليوم، إضافة للأطعمة السريعة التي أطلق عليها أصحابها junk food لأضرارها على الصحة العامة.

كذلك فهناك مفهوم شائع في مجتمعنا مفاده أن التغذية الصحية مكلفة مادياً- تحتاج إلى إعداد ومكونات خاصة- الطعم يشبه طعام المستشفيات في بعض الأحيان – وفي المقابل نجد أن الوجبات السريعة والطعام غير الصحي يجتهد مقدموه في العروض المغرية من حيث الشكل والسعر والمغريات الأخرى التي تعزز استهلاكها وخاصة الجانب المادي الذي يهم الكثير من الناس مع الظروف الاقتصادية الراهنة، إن الوعي بشأن الأكل الصحي يجب أن يطال الجهات المقدمة للطعام خاصة في المقاصف المدرسية وكافتيريات الجامعات والمستشفيات والدوائر الحكومية بتشجيع تقديم الطعام الصحي بأسعار في متناول الجميع.

ثقافة المجتمع كذلك قد لا تشجع على الاعتدال في تناول الطعام خاصة في الولائم والدعوات، إذ يتم دفع الضيوف للأكل دفعاً حتى التخمة، بل وتقديم اللحم لهم وتقطيعه باليد أحياناً من قبل المضيف أو غيره مع ما في ذلك من ضرر صحي من لمس اللحم بيد من يقدمه وهو الذي يأكل بيده.

النقطة الأساسية التي يجدر الإشارة إليها هنا هي ضرورة الفصل الواعي بين الممارسات الاجتماعية- الثقافية، وضرورات الصحة الغذائية السليمة؛ فلا نغرق في هذه الممارسات المضرة، وبنفس الوقت لا نهجر الأطعمة التي ترتبط ببيئتنا وما ننتجه.

وفي سياق متصل وتعريفاً للصحة فهي حسب منظمة الصحة العالمية في إعلان مبادئ الرعاية الصحية الأولية عام 1978 “حالة من اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليس مجرد غياب المرض أو العجز”.

ومن هذا التعريف يتضح لنا أن التركيز على الصحة يتجاوز السلامة من الأمراض إلى جودة الحياة بصورة شاملة؛ بحيث يعيش الإنسان في بيئة تضمن سلامته “اجتماعياً” إضافة لسلامة جسده وعقله من المرض والعجز.

كيف تتحقق “السلامة الاجتماعية”؟ تتحقق السلامة الاجتماعية بتوفر عدة عناصر؛ ومنها الاستقرار الأسري الذي يتطلب حماية الأسرة من التصدعات والفرقة وذلك بسن التشريعات التي تساعد على بقائها وتحمي أفرادها من العوز ونقص الاحتياجات الأساسية (طعام، شراب، كساء، مسكن، علاج) وكل ما يهدد الحياة الأسرية؛ كالتفكك بمختلف صوره، والعنف، وسوء العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة. فلا يكفي أن يكون الفرد صحيحاً جسدياً وعقلياً وهو يعاني من وضع أسري مزرٍ يهدد بقاء الأسرة ووحدتها كبنية أساسية في المجتمع.

ومن عناصر “السلامة الاجتماعية” الأخرى العيش في بيئة آمنة مستقرة بعيدة عن شبح الحروب، والقلاقل السياسية، والأزمات الطاحنة التي تنعكس على جميع مناحي الحياة كما يحدث في بعض الدول المجاورة (لبنان، اليمن، العراق، سوريا، الصومال، ليبيا، السودان.. إلخ). ومن العناصر المهمة في “السلامة الاجتماعية” اطمئنان الأفراد إلى مستقبلهم وما يحمل في طياته من إمكانات للتقدم الاجتماعي والنمو والتحديث، والفرص التي يخلقها للأجيال القادمة.

وارتباطاً بعلاقة نمط الحياة بالصحة، واستناداً إلى ما ورد في استراتيجية الرعاية الصحية في المملكة، فقد “أصبح نمط الأمراض المزمنة والمستعصية هو النمط السائد؛ بل اتسع مداه ليشمل كافة الفئات الاجتماعية وساعد على ذلك عدة عوامل من أهمها سيطرة الأنماط المعيشية التي تمثل عوامل مهيئة لنشوء هذه الأمراض مثل (نوعية التغذية، والتدخين، والإقلال من الحركة والنشاط البدني.. إلخ). والواقع أن الأمراض المزمنة تمثل عبئاً ثقيلاً على النظام الصحي لما تتطلبه من تقنية عالية في التشخيص والعلاج وطول مدة العلاج، مع ما يصاحب ذلك من تكلفة عالية وحاجة لقوى عاملة عالية المهارة والتـأهيل.. ولا يزال مفهوم الرعاية الصحية الأولية وتعزيز الصحة قاصراً ومحصوراً في تقديم العلاج عند المرض والخدمات الوقائية المباشرة مثل التطعيم، وأن الحفاظ على الصحة مسؤولية الطبيب والمركز الصحي أو العيادة، وليست مسئولية مشتركة مع أفراد المجتمع.

وفي السياق ذاته يبدو واضحاً أن ضبط وتحسين نمط الحياة وتغيير ثقافة العيش اليومي والعادات سوف يكون له آثار كبيرة على الفرد والمجتمع والدولة والاقتصاد (تكاليف تعديل نمط الحياة لا تشكل إلا جزءاً قليلاً من تكاليف العلاج والعناية الصحية لضحايا الإهمال). إلا أنه يبقى هناك أهمية لوجود إجراءات تنظيمية محددة تقود بشكل مؤسسي لترجمة هذه القناعة لأرض الواقع بما هو أكثر من النصيحة والوعظ. وكمثال على ذلك أنه لوحظ إذا تحسنت الهندسة المرورية (الشوارع والطرق) وطُبِّقت أنظمة المرور بحزم (ثقافة ورقابة) قلَّت الحوادث وقلَّت التكاليف الصحية والعلاجية بشكل كبير.. وتكاليف تحسن الطرق ورقابة المرور لا تشكل إلا جزءاً قليلاً جداً من تكاليف العلاج والعناية الصحية لضحايا الحوادث.

وإذا كان نمط الحياة منذ الصغر والعادات الغذائية تؤثر على حياتنا طوال العمر وخاصة عندما نكبر في السن، فإنه يبقى مهماً الاهتمام بالوعي والثقافة الصحية منذ الصغر؛ الأمر الذي يتطلب تضافر جهود عدة جهات مع وزارة الصحة مثل: وزارة التعليم، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة الإعلام، ووزارة الاقتصاد والتخطيط، ووزارة المالية وغيرها. ويعد التركيز على الوقاية من الأمراض وبناء نظام قوي للرعاية الصحية الأولية بمثابة بوابة الأمان للمرضى إلى جانب التركيز على نماذج الرعاية خارج المستشفى، وتوفير الأدوات الرقمية (التطبيقات) للخدمات الذاتية للمرضى والوقاية من الأمراض والرعاية المتصلة، فضلاً عن دعم توطين تصنيع الأدوية والأجهزة الطبية على نحو فعال.

كما أننا بحاجة ماسة وجادة إلى إشاعة نمط حياة صحي في شتى مناحي حياتنا (الطعام، النوم، الرياضة، الترفيه، العلاقات الأسرية، أساليب التعامل مع المشكلات، ساعات العمل والإنتاجية… إلخ) وذلك للوقاية من السلوكيات الخاطئة والضارة في حياتنا، وللعيش في نمط حياة صحي، مما سيوفر على الحكومة ملايين الريالات التي تُنفق في العلاج والتأهيل ومصاريف المكافحة والسجون في حالة تعاطي الكحول والمخدرات، ونحتاج تضافر الجهود وزرع العادات الصحية السليمة في الأطفال منذ نعومة أظفارهم.

  • الاستراتيجية الصحية وتعزيز الوقاية ضد المخاطر الصحية.

تسعى الاستراتيجية الصحية الحالية في المملكة العربية السعودية ضمن برامج التحول الوطني في القطاع الصحي وفقاً لرؤية المملكة 2030 إلى تعزيز الوقاية ضد المخاطر الصحية، ويتضمن زيادة قدرة نظام الصحة العامة على إدارة الأزمات الصحية جانبين أساسيين: الجانب الأول ويتعلق بالصحة الوقائية العامة مثل الوعي والتطعيم للحد من التعرض للأمراض المعدية وغير المعدية. أما الجانب الثاني فيتعلق بالتعامل مع الأزمات الصحية بما في ذلك التعامل مع الأوبئة والكوارث الطبيعية.

وفي إطار الاستراتيجية الصحية السعودية يهدف مشروع نموذج الرعاية الصحية الوطني إلى تقديم الرعاية الصحية للمستفيدين من الخدمة في المملكة، بما يكفل أعلى مستويات الجودة والكفاءة للمستفيد. كما يقوم بتحقيق مفهوم الوقاية، ويوفر البيئة المهنية الأمثل للممارس الصحي، ويراعي مشروع النموذج حاجة الخدمات الصحية في المملكة لتحقيق خطط برنامج التحول الوطني 2020 وأهداف رؤية 2030، من خلال تطبيق 42 مبادرة تتناول الأنظمة الستة لنموذج الرعاية الصحية الحديث وهي:

  • الرعاية الوقائية: ويستهدف الحفاظ على الصحة الجيدة لأفراد المجتمع.
  • الرعاية العاجلة: ويستهدف مواجهة المشكلات الطارئة.
  • الرعاية الاختيارية: ويستهدف الحصول على أفضل النتائج للعمليات المقررة.
  • رعاية النساء والأطفال: ويستهدف تقديم الخدمات النوعية لهاتين الفئتين مع ضمان إنجاب الأطفال بأمان.
  • رعاية الأمراض المزمنة: ويستهدف تقديم الدعم والمساندة للتعايش مع الأمراض المزمنة.
  • الرعاية التلطيفية: ويستهدف توفير أفضل مستويات الرعاية وأكثرها حساسية في مراحل العمر المتقدمة.

وعلى الرغم من وصف نموذج الرعاية بكونه نظاماً صحياً شمولياً يلبي الاحتياجات الصحية؛ إلا أن تنفيذه سيتطلب دعم العوامل الممكنة للتطبيق، والمتمثلة في مشاركة القطاع الخاص وبرنامج الضمان الصحي وشراء الخدمات، والحوكمة والأنظمة، والصحة الإلكترونية، والقوى العاملة.

  • التغذية السريرية وأهميتها ضمن الاستراتيجية الصحية أثناء جائحة كورونا (كوفيد- 19).

يعد علم التغذية من العلوم الطبيعية التي تهتم على نحو محدد بصحة الإنسان، “ولقد أثبتت الأبحاث المحلية والإقليمية والعالمية في السنوات الأخيرة الدور الجوهري للتغذية السليمة وأثرها على الصحة والمساعدة في الشفاء من العديد من الأمراض الخطيرة أو السيطرة عليها، ومن هذه الأمراض النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وبعض أنواع السرطان، والسكري، وأمراض الكبد وغيرها. ويعتبر اختصاصي التغذية السريرية من الأشخاص المسئولين عن تقديم الرعاية الغذائية ولذا فعليهم ترجمة علم التغذية إلى مهارات عملية تساعد في تعزيز التغذية الصحية للفرد والمجتمع. ففي مختلف فروع الطب العلاجي كثيراً ما يواجه الأطباء مشكلات صحية ناتجة عن خطأ في التغذية سواءً بالإفراط أو بالقصور، مما يؤثر بشكل مباشر على الوظائف الحيوية لمعظم أجهزة الجسم”.

وللتغذية السريرية (العلاجية) دور مؤثر في تحسين صحة المجتمع، ويناط بقسم التغذية السريرية في المؤسسات الصحية تقديم خدمات العلاج الغذائي والاستشارة إلى جميع المرضى، وتقديم خدمات الفحص الغذائي، والتقييم والتحليل الغذائي للمرضى من مختلف الفئات العمرية، واختيار خطة الوجبات الغذائية الصحية التي تلبي احتياجات المرضى الطبية والثقافية.

ويعد من واجبات أخصائي التغذية السريرية والعاملين في عيادات التغذية وأقسام المرضى في المستشفيات “زيارة جميع المرضى وبلا استثناء وتقديم الإرشاد الغذائي للمرضى وكذلك للمرضى المراجعين لعيادة التغذية وحساب مؤشر كتلة الجسم (BMI) وعمل تقييم غذائي لحالة المريض وتوثيق الإرشاد الغذائي الذي تم تقديمه للمرضى.. ومرافقة الفريق الطبي بجولاته واستلام الملاحظات حول التغذية وحول الوجبات المقدمة ومدى رضا المرضى عنها وتقديم الإرشاد الغذائي اللازم. والتأكد من عدم وجود تداخل غذائي دوائي، ومحاولة تفادي الأغذية التي تؤثر على امتصاص الدواء وخصوصاً للمرضى شديدي الإصابات.. وعمل نشرات غذائية علمية خاصة بكل مُرضٍ وتدقيقها من خلال لجنة متخصصة، وعمل نشاطات تغذوية متخصصة والمشاركة بالمؤتمرات الداخلية والخارجية والدورات الخاصة بتغذية المرضى من خلال مخاطبة مديرية التدريب الفني والحصول على الموافقات اللازمة”.

ونظراً لأهمية التغذية السريرية فقد تمت الموافقة على الجمعية السعودية للتغذية السريرية من قبل الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في عام 2007 -وقبل ذلك التاريخ- أنشأ بعض أخصائيِّ التغذية السريرية نادي التغذية السريرية التابع لكلية الطب بجامعة الملك سعود منذ ما يقارب 30 عامًا، وكان الهدف الرئيسي هو تعزيز دور التغذية السريرية في إدارة الأمراض والوقاية منها، وزيادة المعرفة العلمية والمهارات بين العاملين في مجال الرعاية الصحية وكذلك الوعي العام”.

أيضاً فقد أولت المملكة العربية السعودية عناية كبيرة بالتغذية السريرية لا سيما في إطار الاستراتيجية الصحية لمواجهة جائحة كورونا (كوفيد-19)، حيث أصدرت الإدارة العامة للتغذية بوزارة الصحة عدة تعاميم ودلائل توجيهية بهدف تقديم غذاء صحي مناسب للمرضى والكوادر الصحية وغيرهم سواء في المستشفى أو في أي مكان آخر (الحجر الصحي) للتعامل مع حالات الإصابة بمرض (كوفيد – 19). ويرجع اهتمام المملكة الملفت بالتغذية السريرية إلى أن “دعم التغذية مهم لجميع المرضى وخاصة أولئك الذين يحتاجون إلى رعاية حرجة مثل المرضى الذين يعانون من قصور أو فشل في الجهاز التنفسي بسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19)؛ لذا يجب على الأطباء أولاً تقييم مستوى الإجهاد في مريض يعاني من حالة حرجة؛ لتحديد احتمال تدهور الحالة التغذوية ولتقييم الحاجة الإجمالية للرعاية التغذوية المكثفة بالتنسيق مع أخصائي التغذية مع التقيد بمستلزمات الحماية الشخصية عند تقييم الحالة الغذائية. وخلال جائحة (كوفيد-19)، قد يُطلب من اختصاصي التغذية السريرية كممارس معتمد تقديم الرعاية التغذوية لمرضى (كوفيد -19)، وتقييم الحالة الغذائية وتخطيط الوجبات واختيار المستحضر الغذائي المناسب ومتابعة حالة المريض التغذوية ومراقبة الرعاية الآمنة والجودة في المستشفيات والمحاجر الصحية. ويقدم اختصاصي التغذية السريرية الدعم الغذائي بالتعاون والتنسيق مع الأطباء وأخصائيِّ التغذية والتمريض والصيادلة. ويجب على كل مشارك في الرعاية التغذوية التأكد من أن الواجبات التي يتم تنفيذها تقع ضمن نطاق ممارسته الفردية، وأنه تلقي تدريباً لذلك مثل كيفية تقييم الحالة الغذائية للأمراض الحرجة بالعناية المركزة والتعامل مع مستلزمات التغذية الأنبوبية، كما يجب أن يتم تدريب اختصاصي التغذية السريرية ذي الخبرة المحدودة في رعاية المرضى وتشجيعهم ولضمان امتلاكهم الكفاءة الواضحة والموثقة لأداء النشاط).

  • آليات تحقيق الأثر الملموس للاستراتيجية الصحية في المجتمع.

يلاحظ أنه وفيما يخص تحقيق الأثر الملموس للاستراتيجية الصحية في المجتمع، فثمة هدفان مترابطان، الأول: صحي وقائي، والثاني: اجتماعي ثقافي. والمتوخى من الاستراتيجية الصحية تعزيز صحة المجتمع السعودي والوصول به إلى أفضل حال ممكن؛ فنمط الحياة الصحي سيحمي المرء من المعالجات طويلة الأمد وباهظة التكاليف والتي قد تكون مؤلمة، ونحظى بمجتمع صحي يحيا أفراده فيه حياة أطول ويكونون أكثر إنتاجية ويتمكنون من تقديم منافع على الصعيد الاقتصادي. بعكس المجتمع غير الصحي، الذي يكلف الدولة أعباءً اجتماعية واقتصادية باهظة؛ ولكي نستطيع بلوغ الهدف، علينا السعي الحثيث لتحقيق ما يلي:

  • أولًا: اتخاذ التدابير التمويلية والتشريعية لمواجهة ازدياد تكاليف التقدم العلمي وامتلاك التكنولوجيا الطبية، ومواجهة التغيرات الديموغرافية المتوقع حدوثها في السعودية، من حيث النمو السكاني المستمر وارتفاع العمر المتوقع للسكان، وأنماط الأمراض المتوقعة مستقبلًا كالأمراض غير السارية المستجدة والتي تحتاج معالجة مستمرة؛ لذا من اللازم تطوير النظام الصحي وإجراءات الرعاية الصحية ونماذجها بشكل مستمر حتى تلبي الاحتياجات المستمرة لهؤلاء المرضى.
  • ثانيًا: تحقيق العدالة في تقديم الرعاية الصحية لكافة الشعب، وهذا لن يتم إلا بإتاحة الوصول إليها، وإمكانية تبادل المعلومات بطريقة آمنة وسهلة الفهم ومتاحة للجميع وبغض النظر عن الموقع الذي يعيشون فيه، وعن مستوى تعليمهم أو وضعهم الاجتماعي والاقتصادي.
  • ثالثًا: مواجهة أهم التحديات التي تواجه النظام الصحي في المملكة، والتي من أهمها:
    • احتواء التصاعد الهائل في التكاليف التي تترتب على تقديم الرعاية الصحية، إلى جانب تبنيها لمبدأ تحسين جودة الحياة والرعاية الصحية.
    • تغيير الطريقة التي يعيش الناس وفقها، إذ ينبغي على السعوديين أن يزيدوا من درجة وعيهم لقيمة الصحة وأن الوقاية خير من العلاج.
    • أن يتعلم العاملون في القطاع الصحي كيفية التعامل مع تقنيات المعلومات والتواصل ومواكبة ما يستجد فيها من تحديثات وتشغيلها، إلى جانب استخدام تقنيات الصحة الإلكترونية، والتطورات وجوانب التقدم الجديدة والكثيرة المرتقبة في مجالات البحوث الصحية والطبية.
  • رابعًا: ينبغي أن تؤكد السياسات الصحية المستقبلية على ما يلي:
  • ضمان تقديم مراكز الرعاية الصحية الأولية ضمن معايير رفيعة الجودة، من خلال دعمها بالعدد اللازم من الأطباء السريريين والمهنيين الصحيين والاجتماعيين الآخرين.
  • توسيع نطاق الرعاية الصحية التي تقدمها هذه المراكز، وتطوير خدماتها لتشمل المواد التشخيصية والخدمات للأشخاص الذين يعانون من الأمراض المزمنة؛ لتشمل أنماطاً جديدةً من الرعاية، بقصد الحد من التماس العلاج خارج الدولة إضافة إلى سلامة المرضى.
  • الأخذ في الحسبان التدابير المالية الكفيلة بتوفير الحوافز لتقديم رعاية عالية الجودة في مراكز الرعاية الصحية الأولية.
  • ازدياد الحاجة لنقل الرعاية الصحية خارج المستشفيات لتصبح أقرب إلى المرضى في المواقع المجتمعية، وإتاحة الوصول إلى الخدمات، وقصر أوقات الانتظار عند الإحالة وعند تلقي العلاج.
  • تطوير الدعم المجتمعي للمرضى المصابين بالأمراض المزمنة والنفسية.
  • ينبغي أن يُتَّوج الدعم المجتمعي والرعاية الصحية بالمستشفيات ذات الرعاية التخصصية رفيعة المستوى، من أجل ضمان الاعتماد على الذات والاستدامة للنظام الصحي.

ومن ناحية أخرى يلاحظ أن الانظمة والأدلة الاسترشاديةguidelines  التي يجب اتباعها في تقديم الخدمة الطبية بدءاً من تقييم حالة المريض والإجراءات الطبية procedures موجودة عالمياً؛ لكنها لا تُطبَّق بشكل كامل محلياً، ومنها عدم اتباع التعليمات الطبية المبنية على البراهين في تقييم كثير من الحالات، وبالتالي يحدث مشكلات في التشخيص ومن ثم العلاج وعمل الفريق الطبي بشكل متكامل ومن ضمنه الإحالات للعيادات المختصة، فأغلب مرضى الأمراض المزمنة لا يحالون للتخصصات الأخرى حسب الأنظمة والأدلة الاسترشادية  guidelines.

ومن المهم في إطار الاستراتيجيات الصحية التركيز بشكل أكبر على برامج الوقاية الطبية من خلال التثقيف (للممارسين الصحيين وللمجتمع) ويندرج ضمن ذلك:

  • إدخال برامج الوقاية وتعزيز نمط الحياة ضمن المقررات الدراسية بالذات للكليات الصحية.
  • تخصيص وتفعيل عيادات الوقاية ونمط الحياة والطفل السليم في مراكز الرعاية الصحية الأولية.
  • إجراء بحوث طبية على المجتمع السعودي عن مسببات الأمراض المزمنة.

أيضاً فإننا بحاجة إلى:

  • إعطاء الأولوية الكافية للبرامج الصحية الوقائية بمفهومها الشامل مثل: برامج التطعيم الشامل وبرامج نشر الوعي الصحي والوعي الغذائي الصحيح وبرامج الكشف الدوري لكل فرد من أفراد المجتمع وبرامج متابعة الحمل والجنين، هذه الأولوية ظاهرة – ولله الحمد – في استراتيجية الوزارة لكن من الضروري أن تصل إلى كل فرد من أفراد المجتمع، لا أن تكون قاصرة على سكان المدن الكبرى.
  • طبيعة البرامج الوقائية وطريقة عملها البعيدة المدى تفتقد بريق الإعلام، كما تفتقد إلى غياب الدراسات الإحصائية الدقيقة والموثقة والتي قد تؤثر في رفع الوعي ونسبة الاهتمام.
  • ضرورة تعزيز صحة المجتمع المدرسي والبيئة المدرسية.
  • بناء برامج توعوية خاصة للأمراض المزمنة بحيث يستهدف كل برنامج من هذه البرامج الفئة التي يكثر فيها انتشار المرض.

 

  • التوصيات
  • تعزيز مفهوم نمط الحياة الصحي في البرامج والخطط والاستراتيجيات الوطنية بما يحقق مبادرات رؤية المملكة 2030 وجودة الحياة.
  • الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في برامج تعزيز الصحة وجودة الحياة.
  • تطبيق الأدلة الاسترشادية المعتمدة من الجهات الصحية المختصة في مجال الرعاية الصحية والوقاية من الأمراض.
  • التركيز على برامج الوقاية الصحية وتعزيز الصحة وإدراجها في المناهج التعليمية في كل مراحل التعليم وتدريب أفراد المجتمع عليها بما يناسب كل فئة.
  • إدراج طب نمط الحياة الصحي ضمن مناهج الكليات الصحية بالمملكة.
  • تعزيز صحة البيئة المدرسية وتعويد الطلاب من المراحل الأولى على اتباع الممارسات الصحية الحياتية كمنهج حياة.
  • تعزيز الثقافة والممارسات الصحية والاجتماعية للمجتمع، بما يحقق السلامة الاجتماعية وبما يتناسب مع تعاليم ديننا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا القويمة.
  • تضافر الجهود بين القطاعات الحكومية المعنية لوضع وتطبيق استراتيجيات تعزيز نمط الحياة الصحية السعودي.
  • تخصيص عيادات طب نمط الحياة في مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات.
  • التركيز على برامج التوعية بتعزيز أنماط الحياة الصحية في وسائل الإعلام وإبراز أنماط السلوك الصحي في مجتمعنا السعودي وتعزيزها في نفوس أبناء المجتمع وإيضاح وسائل الوقاية من الممارسات الضارة بالفرد والمجتمع.
  • إبراز دور ركائز نمط الحياة مثل التغذية الصحية والنشاط البدني وتنظيم الحياة والنوم والعلاقات الأسرية والمجتمعية.
  • إجراء الأبحاث والدراسات المعنية بتعزيز نمط الحياة الصحي في المجتمع السعودي ورفع توصياتها للجهات المختصة لتطبيق ما يناسب منها.
  • ضرورة العمل على حماية المجتمع من المؤثرات السلبية على الصحة الجسمانية والنفسية والاجتماعية.

 

  • المصادر والمراجع
  • الدليل التعريفي ببرامج التحول الوطني في القطاع الصحي: وزارة الصحة، المملكة العربية السعودية، 2019.
  • استراتيجية وزارة الصحة: المملكة العربية السعودية، متاح على الموقع الإلكتروني: https://www.moh.gov.sa
  • استراتيجية الرعاية الصحية في المملكة: المجلس الصحي السعودي، المملكة العربية السعودية، د. ت.
  • عبدالعزيز العثمان: التغذية السريرية (العلاجية) ودورها في تحسين صحة المجتمع، متاح على الموقع الإلكتروني: https://ae.linkedin.com
  • خدمات التغذية السريرية: مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، متاح على الرابط الإلكتروني:

https://www.kfshrc.edu.sa/ar/home/hospitals/jeddah/nutritionservicesj

  • الجمعية السعودية للتغذية السريرية: متاح على الموقع الإلكتروني: https://sscn.info
  • قسم التغذية السريرية، كلية العلوم الطبية التطبيقية، جامعة الأزهر- غزة، متاح على الموقع الإلكتروني: http://www.alazhar.edu.ps
  • التغذية السريرية: الشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، المملكة العربية السعودية، متاح على الرابط الإلكتروني:

https://ngha.med.sa/Arabic/MedicalCities/AlRiyadh/ANCSRV/Pages/ClinicalN.aspx

  • واجبات أخصائي التغذية السريرية: الخدمات الطبية الملكية، مدينة الحسين الطبية، المملكة الأردنية الهاشمية، عمان، متاح على الرابط الإلكتروني:

https://jrms.jaf.mil.jo/contents/Clinics_nutritionar.aspx#.YX0e6p7P3IU

  • دليل التغذية السريرية أثناء جائحة كورونا (كوفيد-19): الإدارة العامة للتغذية، وزارة الصحة، المملكة العربية السعودية، إبريل 2020.
  • المشاركون.
  • الورقة الرئيسة والمعقبون: د. عبدالعزيز العثمان (ضيف الملتقى)، أ. د. مها المنيف، د. عبير برهمين.
  • إدارة الحوار: د. ماجد الغريبي
  • المشاركون بالحوار والمناقشة:
  • د. خالد الرديعان
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. مها عقيل
  • د. حميد الشايجي
  • د. خالد المنصور

[1] – أستاذ واستشاري التغذية السريرية.


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-78-لشهر-أكتوبر-2021.pdf

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com