يناير 2019

 

ناقش أعضاء ملتقى أسبار خلال شهر يناير 2019 م العديدَ من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار على مدار الشهر، وشملت القضايا التالية:

القضية الأولى:

خزَّانات التفكير وأهميتها السياسية

كاتبة الورقة: د. وفاء الرشيد.

المعقبان:

د. فهد العرابي الحارثي.

أ. جمال ملائكة.

إدارة الحوار: أ. عبد الله الضويحي.

القضية الثانية:

مشروع سلام للحوار الحضاري

كاتب الورقة: د. سعيد العمودي

المعقبان:

د. زياد الدريس.

أ. خالد الوابل.

إدارة الحوار: د. عبير برهمين.

القضية الثالثة:

الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة

كاتب الورقة: د. خالد الفهيد.

المعقبان:

أ. د. فوزية البكر.

د. مساعد المحيا.

إدارة الحوار: د. الجازي الشبيكي.

القضية الرابعة:

محو الأمية الإعلامية…. الوعي الإعلامي

كاتبة الورقة: أ. عبير خالد.

المعقبون:

د. إبراهيم البعيز.

أ. د. فوزية البكر.

د. عبد الله بن ناصر الحمود.

إدارة الحوار: د. وفاء طيبة.

القضية الأولى:

خزَّانات التفكير وأهميتها السياسية

–              كاتبة الورقة: د. وفاء الرشيد.

  • المعقبان:

–              د. فهد العرابي الحارثي.

–              أ. جمال ملائكة.

–              إدارة الحوار: أ. عبد الله الضويحي.

¤                الملخص التنفيذي:

تُعدُّ مراكز التفكير رافعةً ضرورية من رافعات التطوُّر، وبدونها يصعب التوقُّع والاستشراف؛ لذلك فإن الكثير من الحكومات والأجهزة التنفيذية في العالم تعتمد على أبحاثها ودراساتها وخبراتها إيمانًا منها بأهمية المعرفة وتوظيفها كمعيار للقوة، وربما عُدَّت تلك المراكز هيئةً استشارية لتلك الجهة أو لذاك الجهاز الحكومى أو الأهلي.

ذهبت الورقة الرئيسة إلى أن الأهمية الرئيسة لخزانات التفكير تكمن في البحث في السياسات العامة للدولة؛ مما يجعل لها تأثيرًا فعَّالًا في مناقشة تلك السياسات، كما أنها تركِّز اهتمامها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة العامة، والدفاع والأمن والخارجية. كما أنها لا تحاول تقديم معرفة سطحية لتلك المسائل، بقدر مناقشتها والبحث فيها بشكل عميق، ولفت انتباه الجمهور لها.

وحول أدوار خزانات التفكير ترى الورقة الرئيسة أن أهمَّها يتمثل في: إجراء الأبحاث والدراسات، وتقديم التحليلات المُعمَّقة والمنهجية حول المشكلات والقضايا الساخنة، ودعم صنَّاع القرار، وتحديد الأجندات واقتراح البدائل، وطَرْح الخيارات، بالإضافة إلى إقامة جسور من العلاقة والتواصل بين أطراف متعددة.

وذهبت التعقيبات إلى أنه بالرغم من أنَّ مراكز التفكير تعاني من ضعف الإيمان بها، وعدم الوثوق في أهمية دورها عند أصحاب القرار، إلَّا أنها تُعدُّ رافعةً ضرورية من رافعات التطوُّر، وعليها مسؤولية ضبط المسار، وترشيد المسيرة، وبدونها يصعب التوقُّع والاستشراف.

كذلك ترى التعقيبات أنَّ هذه المراكز لا بد أن تكون مستقلةً تمامًا عن أجهزة الدولة، وأن يكون أعضاؤها على قدرٍ كبير جدًّا من النزاهة والعلم، وأن يتم تزويد صاحب القرار والوزراء، كلٌّ في تخصصه، بتقارير هذه المراكز.

وأشارت بعض المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة أن تعبير “خزانات” له أكثر من دلالة، ومنها: أولًا معنى الكثرة، ثانيًا: دلالة أن الكيان المقصود هو لخزن الفكر؛ في حين ذهب البعض الآخر إلى أن الترجمة الحرفية قد لا تكون مناسبة ولا تُجسِّد الهدف المقصود أو المؤمَّل من هذه المراكز.

في الوقت نفسه، ذهبت المداخلات إلى أن هناك حاجة ماسَّة لإنشاء مراكز تفكير في المملكة لإثراء التفكير المتعدد في معالجة قضايانا الداخلية وتعاملنا مع الغير (دول ومؤسسات)، وأن خزانات التفكير يُفترض أن يكون لديها الموارد اللازمة لإنجاز الدراسات والأبحاث سواء كانت موارد خاصة أو دعمًا خارجيًّا، كما أنه ليست هناك مشكلة في التمويل الرسمي في العديد من المواضيع لمراكز تفكير متخصصة.

ومع اتفاق المداخلات على أهمية خزانات التفكير والتي قد تتمثل في ملء الفجوة بين الأكاديميين وصانعي السياسة؛ رأى البعض أنه لكي تتواجد خزانات التفكير في المملكة لا بد من تغيير القناعات، ووجود منهجية علمية لدراسة القضايا والمستجدات تراعي: (احترام التخصص والتعمق فيه، المزج بين الدراسة العلمية والخبرة في التخصص، الاستعانة بالعلوم المساندة لكل قضية)، وبناء مجموعات عمل (task force) لكل قضية يُراد دراستها أو تتبُّعها، وإعطاء الوقت الكافي لدراسة القضايا، ووجود منهجية علمية وواضحة لكتابة التقارير، والحرية العلمية التامة.

وفي نهاية النقاش، طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: توظيف الإعلام والاستفادة منه في توعية المجتمع بأهمية “مراكز التفكير” ودورها في نهضة الأمم وتقدُّمها، تأسيس هيئة علمية مستقلة لتقييم أداء مراكز التفكير وإصدار التصاريح لها وأن تكون جهة مرجعية لتصنيفها من حيث التخصص ومستوى الجودة، أن تبادر إحدى المؤسسات الثقافية أو البحثية بتأسيس مركز تفكير (تطوعي) وترصد تفاعلات مؤسسات القرار معه، الاستفادة من التجارب العالمية في “مراكز التفكير” وتطبيق الأفضل والأمثل للمملكة بما يثري التفكير المتعدد في معالجة قضايانا الداخلية وبناء علاقاتنا وتعاملنا مع الغير (دول ومؤسسات)، حثّ رجال الأعمال على تبني “مراكز تفكير” وتوعيتهم بأهميتها وتسميتها بأسمائهم تقديرًا لهم وتشجيعًا لهم على إنشائها ودعمها، تأسيس “مراكز تفكير” في الوزارات السيادية والمهمة والجامعات والشركات الكبرى تكون خاصة بها للاستفادة من كفاءاتها الوطنية وعدم الاعتماد على المراكز والخبرات الأجنبية، تأسيس “مركز تفكير” يهتم بتطوير التعليم، تأسيس “مراكز تفكير” لتحليل الدراسات والأبحاث التي تُكتَب عنَّا، تسهيل مهمة “مراكز التفكير” في الوصول إلى المعلومات من كافة الجهات الحكومية بما يسهم في نجاح أي دراسة تقوم بها هذه المراكز.

¤                مقدمة:

تُعدُّ مراكز التفكير رافعةً ضروريةً من رافعات التطوُّر، وبدونها يصعب التوقُّع والاستشراف؛ لذلك فإنَّ الكثيرَ من الحكومات والأجهزة التنفيذية في العالم تعتمد على أبحاثها ودراساتها وخبراتها إيمانًا منها بأهمية المعرفة وتوظيفها كمعيار للقوة، وربما عُدَّت تلك المراكز هيئةً استشارية لتلك الجهة أو لذاك الجهاز الحكومى أو الأهلي. لذا تُعدُّ قضية “خزَّانات التفكير وأهميتها السياسية” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمتها د. وفاء الرشيد، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (إشكالية مصطلح خزانات التفكير، الشورى واقتراحه كمركز للتفكير، مراكز التفكير واتخاذ القرارات، مراكز التفكير واتخاذ القرارات، أطروحات صحفية سابقة حول خزانات التفكير، مقومات المراكز البحثية، أهمية خزانات التفكير في الوقت الحالي وما يحتاجه وجودها لدينا، مؤسسة “راند” نموذج لمراكز التفكير، الترجمة المناسبة لخزانات التفكير، أسباب غياب مراكز التفكير عن مشهدنا العلمي والثقافي، حرية الوصول إلى المعلومات، قائمة بمراكز البحوث والدراسات بالمملكة، المراكز غير الربحية، المؤسسات غير الربحية والمؤسسات التطوعية، ما تمتاز به خزانات التفكير ومهامها، ما يحتاجه العمل المؤسسي، أسس نجاح مراكز التفكير، الشركات الكبرى في المملكة ومراكزها البحثية، نقاط تحليلية حول مراكز التفكير، مدى حاجة المملكة إلى خزانات التفكير، مدى حاجة المملكة إلى خزانات التفكير، تجربة شخصية في التعاون مع مراكز البحوث، تعليقات حول خزانات التفكير، مهام لبعض الجهات والمؤسسات في المملكة مشابهة لمراكز التفكير، رؤية غير متفائلة حول مراكز التفكير، قراءة حول أهمية تواجد مراكز التفكير بالمملكة). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبتها الدكتورة/ وفاء الرشيد، وعقب عليها د. فهد العرابي الحارثي وأ. جمال ملائكة.

كتبت د. وفاء الرشيد:

  • §تعريف خزانات التفكير:

ظلت مسألة تعريف المؤسسات البحثية تثير إشكاليات عديدة. وعلى الرغم من أن عبارة “Think Tanks” كانت تُستخدَم في الأصل في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية للإشارة إلى قاعة آمنة أو بيئة مُلائِمة يلتقي فيها خبراء الشؤون الدفاعية والمخططون العسكريون لمناقشة المسائل الإستراتيجية والتكتيكية المرتبطة بها، فإن المصطلح نفسه ظلَّ يُستخدَم منذ ذلك الحين لوصف أنواع مختلفة من المؤسسات المنخرطة في نشاط السياسة وتحليل مرتسماتها، ليبقى تعريف هذه المراكز محلَّ خلاف.

تكمن الأهمية الرئيسية لخزانات التفكير في البحث في السياسات العامة للدولة؛ مما يجعل لها تأثيرًا فعَّالًا في مناقشة تلك السياسات، كما أنها تركز اهتمامها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة العامة، والدفاع والأمن والخارجية. كما أنها لا تحاول تقديم معرفة سطحية لتلك المسائل، بقدر مناقشتها والبحث فيها بشكل عميق، ولفت انتباه الجمهور لها.

  • §دور خزانات التفكير:

1. إجراء الأبحاث والدراسات، وتقديم التحليلات المُعمَّقة والمنهجية حول المشكلات والقضايا الساخنة التي تواجه السياسات العامة.

2. دعم صنَّاع القرار؛ إذ إنَّ رجل الدولة وصانع القرار بحاجة إلى مَنْ يبلور له الخيارات، ويوضِّح له السياسات، ويفصِّل له القضايا بشكل دقيق وعلمى؛ لذلك فإن الكثير من الحكومات والأجهزة التنفيذية في العالم تعتمد على أبحاث مراكز بحثية وعلى دراساتها وخبراتها. وربما عُدَّت تلك المراكز هيئةً استشارية لتلك الجهة أو لذاك الجهاز الحكومى أو الأهلى. ولهذا الغرض، تقوم مراكز الأبحاث بـــ:

   – تحديد الأجندات؛ وذلك من خلال تحديد المركز لجدول أعماله البحثية، ومن شأن ذلك أن يوجِّه الاهتمام إلى موضوعات معينة في مجال السياسة العامة، كالتعليم والصحة وما شابه.

– اقتراح البدائل وطَرْح الخيارات، وذلك من خلال طَرْح الحلول والبدائل المتنوعة، بناء على تقييم السياسات والبرامج معها.

– تحديد التكلفة والعائد لكل بديل، وكذلك طرح المكاسِب المُتوقَّعة من كل بديل.

– تقديم الاستشارات والإرشادات لصانع القرار حول الأولويات العاجلة، وذلك من خلال البحوث العلمية والتطبيقية الميدانية واستطلاعات الرأى.

– تقديم التفسيرات والتوجيهات لوسائل الإعلام حول السياسات العامة، وتقديم توضيحات للجمهور تتعلق بتلك السياسات حتى يتسنى له فهمها.

– يُفترض أنه من الأدوار التي تضطلع بها مراكز الأبحاث: إشاعة روح البحث العلمي، وتوفير الفرص للراغبين في البحث والكتابة والتأليف.

– البحث عن أولويات التنمية في المجتمع، ولَفْت انتباه صانع القرار إليها، وإعطاء تصوُّر لسُبل حلها. كما أنها تُسهم في توجيه الأنظار إلى المعضلات المجتمعية، تلك التي تواجهها التنمية المحلية والدولية.

– تُستخدَم مراكز الأبحاث كأداة / أو كقناة اتصال بين صانع القرار والشعب.

– إقامة جسور من العلاقة والتواصل بين أطراف متعددة، تُمثِّل في مجملها أقطابَ إدارة السياسة العامة وتنفيذها والتعامل معها.

– متابعة أحدَث الدراسات، وترجمة منشورات ومؤلفات تصدر عن المؤسسات والمراكز البحثية في الدول الأخرى.

  • §كيف نستفيد من خزانات التفكير؟

– تقوم خزانات التفكير بتوليد أفكار وخيارات مبتكرة للمسألة أو المشكلة المطروحة للبحث، حيث يقوم الباحث في هذه المراكز بإعداد دراسات عميقة ومُفصَّلة عن القضية الموكلة إليه، تشمل جذورها التاريخية وأبعادها وتداعياتها ووسائل التعامل معها، ويستعين في سبيل تحقيق ذلك بالمراجع المختلفة والتقارير الاستخباراتية والتحاليل الصحفية والتجربة الشخصية إذا كان ممَّن عاشوا أو زاروا تلك المنطقةَ بحكم العمل كسفير أو عضو في وفود، كما أنه يمكن أن يكون هو ممَّن وُلدوا وعاشوا في ربوع تلك البلاد بحكم أنه من أبنائها المهاجرين، كما يمكن الاستفادة من العملاء الذين يتم تجنيدهم وتوظيفهم.

– رسم سياسات الحكومة الخارجية، بحيث يتم اختيار المبرزين في خزانات التفكير للعمل في وزارة الخارجية أو الدفاع أو وكالة المخابرات المركزية أو غيرها من القطاعات الحكومية كقياديين. وقد يحدث العكس، وهو أن يتجه الوزير أو الرئيس الذي انتهت فترة ولايته أو عمله في الدولة للعمل في أحد خزانات التفكير، أو يقوم بإنشاء خزان تفكير أو مركز دراسات استشارية وإستراتيجية، وذلك مثل ما فعل الرؤساء كارتر وفورد وكلينتون وكذلك جيمس بيكر وأوباما، كما يمكن أن تُوكل لهم بعض المهام عند الحاجة.

– الطريقة الثالثة تعتمد على التفكير الجماعي من خلال عقد اجتماعات وورش عمل يحضرها طرفا المعادلة المستفيد والمستفاد منه، حيث تتم مناقشة القضية المطروحة للبحث والاستقصاء، ويركزون عليها ويتبادلون الآراء والأفكار حول أنجح السُّبل للتعامل معها.

ختامًا؛ إنَّ الحاجة ماسة إلى عصارة فكر المبدعين المخلصين، وهؤلاء لا تكون الفائدة منهم كبيرة إذا كانوا يدلون بآرائهم متفرقين؛ لذلك تلجأ الأمم التي تنشد النجاح إلى جمعهم في مؤسسات متخصصة تتمتع بالاحترام والتقدير والقدرة على صناعة التأِثير بنهج يليق بفكرهم، ومن خلال ذلك يمكن إعداد إستراتيجيات وخطط تتلاءم مع عصر مجتمع المعرفة الذي أصبح ميدانَ تنافس بين الأمم أيها يُحقِّق قصبَ السبق في الوصول إليه والاستفادة من معطياته، ومن ثَمَّ إعداد العدة والاستعداد لما هو قادم.

عقب د. فهد العرابي الحارثي: أرى أن الموضوع الذي تناولته د. وفاء الرشيد في ورقتها الرئيسة يُعتبر موضوعًا حيويًّا ظلَّ يجد فائق الاهتمام في الدول المتقدمة التي تروم حماية وصيانة قراراتها وضبطها، وضمان الحد الأعلى من نجاحها. فمراكز التفكير ليست جديدةً على مطابخ القرارات في تلك البلدان المتفوقة أمس واليوم، بل إنَّ وجودها يعود لسنوات بعيدة مما يوحي في كثير من الأحيان بأن واحدًا من أسباب سرعة عجلة التطوُّر في تلك البلدان هو وجود مراكز التفكير التي لا يقتصر اهتمامها في المجمل على الشأن “السياسي”، بل يمتد إلى الشؤون الاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية… إلخ.

في البلدان النامية، ظلَّ وجود مثل هذه المراكز قليلًا جدًّا، بل إنها تُدرج في الغالب في باب المهمل، وبالتالي لا يُعول صاحب القرار كثيرًا على منتجات تلك المراكز؛ لأن المنهجية والثبات العلمي لا تشكِّل شيئًا ذَا بال في ثقافته الإدارية أو القيادية. ومراكز التفكير إذا وُجِدت فهي في غالب الأحيان تُغرَق، أو تُغرِق نفسها، في عسل (أو ترف) الأكاديميا الذي يطبق على أنفاسها، ويصيبها بزيادة الوزن والروماتيزم، فلا تستطيع اللحاق بالركب الذي لا يمل التوثب الدائم.

مراكز التفكير تعاني إذًا من ضعف الإيمان بها، وعدم الوثوق في أهمية دورها عند أصحاب القرار من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن مَن يلجأ إليها مِن هؤلاء لا يكون مِن أهم أهدافه التعويل عليها في إحداث التغيير المطلوب أو المنتظر. وأصلًا فإن كلمة “تغيير” كانت، إلى وقت قريب، كلمةً منبوذةً وسلبيةً إلى حد بعيد.

في الوقت الذي يكون فيه التغيير، أو الإصلاح المنضبط، هو العنوان الأبرز لمنتجات مراكز التفكير، بل إنَّ تلك المراكز هي التي تصنع التغيير في الأغلب، فهي عقل “السياسي”، وهي حسُّ “الاقتصادي”، وهي بوصلة “الاجتماعي”. البحث العلمي اليوم لم يعد مطلبًا عاديًا للتطوير؛ بل إنه شرطُه الأساسي.

والاستثمار في البحث العلمي عوائده لا تُحصى. كان هذا في القديم لما كانت الشركات الطموحة هي التي تموِّل البحث العلمي؛ لأنه يتحول إلى منتجات تدر الأموال. اليوم أصبح البحث والتفكير والتجريب أساسًا لازبًا لأيقونة العصر ونبراسه الذي لن ينطفئ، وأعني هنا “الابتكار”، الابتكار هو الذي خلق المبادرات الضخمة في الخدمات وفي الاقتصادات التشاركية، وهو الذي أعاد للآلة سطوتها في تجربة الذكاء الاصطناعي!

تحت هذه العناوين الضخمة لمنظومة البحث العلمي لا مفرَّ من الاهتمام بالدراسات، ليس فقط “التطبيقية” بل كذلك “الإنسانية”، فهذه الأخيرة هي التي تحفظ التوازن على خطوط السير السريعة.

وفي هذا الإطار أو في هذه المنظومة الحاكمة للحاضر، المرهصة بالمستقبل، تعدّ مراكز التفكير دون أدنى شك رافعةً ضروريةً من رافعات التطوُّر، وعليها مسؤولية ضبط المسار، وترشيد المسيرة. وبدونها يصعب التوقُّع والاستشراف، وبدونها يصعب أيضًا معرفة “الجدوى” أو إجراء حسابات الحصاد: الناتج والفاقد.

كما عقب أ. جمال ملائكة: تعاني المملكة والعالم العربي طبعًا من نقصٍ شديدٍ في مراكز أبحاث ومراكز (Think Tank) بالمعنى الذي نعرفه جميعًا. هذه المراكز لا بد أن:

١- تكون مستقلة تمامًا عن أجهزة الدولة.

٢- يكون أعضاؤها على قدرٍ كبير جدًّا من النزاهة والعلم والشجاعة وسعة الاطلاع على الأحوال الداخلية والإقليمية والعالمية.

٣- يكون- مثلًا- كل مركز متخصصًا في موضوع، مثلًا: السياسية، الاجتماعية، الدينية، الاقتصادية، الثقافية، الإعلامية، العسكرية، العلاقات الدولية…إلخ، وقد يكون هناك مركزٌ به كافة التخصصات أو بعضها.

٤- يتم تزويد تقارير هذه المراكز إلى صاحب القرار والوزراء، كلٌّ في تخصصه.

٥- يُفضَّل أن تستأنس هذه المراكز برأى وحيثيات كل جهة، مثل الوزارات والسفارات وهيئة كبار العلماء…إلخ، قبل إصدار تقاريرها.

هذه المراكز لا شك تحتاج إلى تمويل ضخم، وأعتقدُ أنه لا بأس من تمويل حكومي بعد شرح وإقناع صاحب القرار أنه ينبغي الفصل بين الدعم والتدخُّل في عمل هذه المراكز؛ لأن التقارير النهائية ستساعد الدولة على اتخاذ القرارات الصحيحة أو الأقرب للصحة، وبطريقة علمية ومدروسة بكافة جوانبها.

الأسئلة الجوهرية هنا هي:

أ- هل من الممكن أن تقوم مثل هذه المراكز في المملكة؟

ب- ما هي الطريقة التي سيتم بها إقناع صاحب القرار بأهمية هذه المراكز؟

ج- ما هو الضمان باستقلالية هذه المراكز؟

د- كيف ستتم عملية التمويل مع العلم أن هذه المراكز ستكون مُكلفة جدًّا إذا لم تقم الدولة بدعمها؟ شخصيًّا، لا أعتقد نجاح طريقة التمويل الذاتي لسببين: الأول، كيف سيتم الحصول على التمويل المبدئي، وهو كبير؟ الثاني: هل من الحصافة أن يقوم كل مركز بإنشاء أوقاف أو مشاريع استثمارية مع ما يتطلبه ذلك من خبرات استثمارية؟

ه- هل سيكون هناك دورٌ للجامعات في رفد هذه المراكز بالثروات المعرفية والبشرية التي تذخر بها تلك الجامعات؟

في النهاية، لا أعتقد أن هناك خلافًا في أهمية هذه المراكز لبلادنا، خاصةً في ظروف المتغيرات المتسارعة محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وإنما لا بد من الخروج بتصوُّر خطة طريق شاملة لطبيعة ودور وآلية وتمويل هذه المراكز.

¤                المداخلات:

إشكالية مصطلح خزانات التفكير:

بدأ د. محمد الملحم مداخلته بالحديث عن إشكالية المصطلح، وذكر أن ترجمة TANK هنا بخزَّان أدَّت إلى الإشكالية. فتعبير “خزانات” له أكثر من دلالة:

أولاها: معنى الكثرة، والواقع أن كثرة الأفكار مفيدة أحيانًا وضارة أحيانًا أخرى إذا كانت الهدف دون الجودة.

ثانيتها: دلالة أن الكيان المقصود هو لخزن الفكر، وأجزم أن الورقة تقصد عكس ذلك طبعًا. الورقة أشارت إلى أصل المصطلح وهو عسكري منذ الحرب العالمية الثانية، فالتعبير TANK هناك يعني التحصين والتدرُّع، فالنقاش واستجلاب الأفكار يكون في مكان آمن، كما ذكر تعريف الموسوعة البريطانية. لذلك يُستحسَن إبقاء المصطلح ضمن معاني الإحساس، فيمكن أن يكون مكامن التفكير أو خلايا التفكير (كما تُرجم في ويكيبيديا)، أو على أيسر الأمور (مراكز التفكير) كما جرت به أقلام المعقبين.

ثالثتها: عندما تقرأ النقاط المطروحة في الورقة والتعقيبات تقول: هذا ليس عندنا، وهذا أيضًا ليس عندنا، وهذا صعب حاليًّا. ولذلك أشعر أننا نتحدث في موضوع غريب تمامًا علينا، ولا يكاد أن يجد له موطنَ قدم، ومع ذلك أجدُ أنَّ طرحَه مفيدٌ ثقافيًّا، ويساعد على تأسيس فكر جماعي ملائم لبيئتنا وظروفنا. وأجد أن أفضل طريقة لنتمكن من فهم كيف يمكن أن تعمل مثل هذه الكيانات هو أن تبادر إحدى المؤسسات الثقافية أو البحثية بتأسيس مركز (تطوعي) من هذا النوع، وترصد تفاعلات مؤسسات القرار معه. طبعًا لا أؤيد فكرة المراكز المؤسسة على عضويات بأجر مدفوع؛ لأن ذلك يدخلها إما في أزمات البيروقراطية أو في تشويهات الأمراض الاجتماعية.

هناك محاولات لمراكز من هذا النوع، مثل مجموعة (الأغر)، فهي تُصنِّف نفسها على أنها THINK TANK أو خلية تفكير في المجال التعليمي، ولا أعلم عنها الكثيرَ سوى أنها خَفَتَ نشاطها بعد مغادرة الأمير فيصل بن عبد الله لوزارة التربية. وأظنها برزت مع تعيينه هناك أو قبله بقليل، وهي تعرِّف نفسها أنها THINK TANK، فلو وُجِد مَن له قريب صلة بها فيتحفنا عنها.

كذلك يمكننا هنا أن نطرح تساؤلًا: هل مركز الملك عبد العزيز للحوار يُصنَّف كذلك؟ دعونا نحاول أن نعثر على مؤشرات توضِّح رؤية استشرافية لمثل هذه الكيانات لو نشأت بهويتها الأساس كـ THINK TANK، كيف سيكون أمرها.

من جانبه، يرى م. حسام بحيري أنَّ مجموعة (الأغر) لا يمكن أن تُصنَّف كـ think tank؛ لأن بنيتها الأساسية ضعيفة جدًّا، ولا يعمل فيها إلا عدد قليل جدًّا من الأفراد المختصين، كان لهم اهتمام بالمجتمع المعرفي، ولا أعلم حاليًّا إذا ما كانوا مستمرين في هذا الاتجاه. أعلمُ أن تمويلَها شخصي، ولديهم ميزانية صغيرة مقارنة بأسبار.

إلا أن د. عبد العزيز الحرقان يعتقد أنَّ حتى أسبار لا تعتبر think tank، هذه المؤسسات ليست مؤسسات رأي أو فلسفة، هي مؤسسات بحثية منهجية يكون لدراستها حجية علمية ومستند لبناء القرار أو تصحيحه.

ويعتقد د. محمد الملحم أننا لا يجب أن نتشدد في نظرتنا إلى مراكز التفكير، ونشترط أن تلبس لدينا لباسها في الغرب. ولذلك ذهب مثل هذا الرأي (الذي احترمه جدًّا) إلى عدم تصنيف مثل هذه المؤسسات كمراكز تفكير. عندما ننظر إلى وضعنا بواقعية ونُقيّم المتغيرات والعوامل المتفاعلة في هذا الإطار، سنجد أننا يمكن أن نعتبرها مراكزَ تفكير على مقاسنا؛ مثلًا، نحن نُسمِّي أشياءَ معينة (مصنع) factory مع أنها لا تُصنِّع، وإنما تُجمِّع. فهذا مقاسنا وإمكاناتنا، وعليه قس.

بهذا الاعتبار ربما أصنّف مجلس الشورى كمركز تفكير، فهو يصنع القرار ولا يتخذه، ويجري الأبحاث، ويدير النقاشات والمناظرات، ويطرح الأسئلة.

الشورى واقتراحه كمركز للتفكير:

بينما ذهب د. عبد العزيز الحرقان إلى أن الشورى ليس مركز تفكير، فهو يعمل ضمن أسس محددة واختصاص محدد. بيوت الخبرة الدولية تُقدِّم تقارير، وتدرس قضايا، وهي لتوضيح حالات وحلول بناء على دراسة بحثية مجالها مفتوح تمامًا.

ويرى د. محمد الملحم أن هذا مستحيل عندنا؛ لذلك فلكي نتمكن من توظيف المفهوم (كما قلت على مقاسنا) وضمن ظروفنا، نعتبر الشورى كذلك، وأعتقد أننا ينبغي أن نقدِّم للوطن رؤيةً واقعية يتمكن (مرحليًّا) من توظيفها. أما طرح المبدأ (مراكز التفكير) في صورته المعروفة ومناقشته فهو تحصيل حاصل؛ لأنها شيء مبذول معروف ماهيته. السؤال عندي: كيف تكون لدينا؟

كما أنني لا أرى إنشاء شيء جديد، بل أخذ كيان موجود (الشورى مثلًا) وتطويره ليماثل مراكز التفكير في وظيفته ودوره، أو يقاربها على الأقل. بينما يرى د. خالد الرديعان أن يُلحق بمجلس الشورى مركز ثنك تانك تُتاح له جميع المعلومات ومن جميع الجهات الحكومية دون عراقيل. من جانبها، تعتقد د. وفاء طيبة أن هذا أفضل؛ لأن للشورى نظامَه ودورَه التشريعيَّ، ولن يكون (عمليًّا) من الممكن تحويله إلى ثنك تانك.

إلا أن د. مشاري النعيم يتصور أن ارتباطها بأي مؤسسة حكومية يعني أنها ستكون تابعة لسياسة تلك المؤسسة وتوجهاتها وأنظمتها وقيودها. وهو ما ذهب إليه م. أسامة كردي، حيث ذكر أن من أهم صفات خزانات التفكير: التفكير المستقل عن الفكر والتوجه الحكومي؛ كون هذا الاستقلال يعني توسُّع الإدراك والتفكير خارج الصندوق. أما أنا فأفضِّل تسميتها جمعيات المجتمع المدني؛ لأني أرى أن أهم أدوارها إصدار الدراسات المعبرة عن رأي النخبة وكذلك رأى العامة وتوجهاتهم.

تابعتُ بدقة صدور نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية، وسعِدت بصدوره على الرغم من ملاحظاتي على بعض فقراته، وأرى أنه أساس مهمٌّ لتشجيع إنشاء وعمل جمعيات المجتمع المدني التي لا يخفى على أحد أهميتها. ولعله من المناسب الإشارة إلى تعطش العديد من الدول لمعرفة رأي النخبة والعامة في بلد ما، ويرون أهمية ما يصدر من تقاريرَ من هذه الجمعيات. وأؤيد مَن يرى عدم مناسبة تمويلها من الحكومات لأسباب متعددة. أما مجلس الشورى فهو برلمان المملكة، وليس جمعية مجتمع مدني.

أشار د. محمد الملحم إلى أنه في تعريف الموسوعة لمراكز التفكير، فإنَّ دورها الأساسي (تاريخيًّا وحاليًّا بدرجة كبيرة) هو ما يختص بالسياسات policies، ومجلس الشورى ليس تشريعيًّا في الواقع، فهو ليس جهة التشريع النهائية بل يقف عند التوصية، فهو في مستوى قوة الصلاحية ونفوذ القرار يقف جنبًا إلى جنب مع مراكز التفكير هناك.

وذكر د. خالد الرديعان أن البحوث نوعان: بحث نظري، يختبر نظريات وفروضًا، ويستند إلى قواعد البحث المنهجي المعروف في الأكاديميات العلمية؛ وبحوث إجرائية، الهدف منها مواجهة مشكلة وطرح حلول لها، حيث لا يغرق هذا النوع من البحوث في التنظيرات. مراكز الثنك تانك تطبِّق النوع الأخير الذي ينتهي بتوصيات ومقترحات يستفيد منها صانع القرار.

كما أشار أ. محمد الدندني إلى أنه ورد رأي للدكتورة وفاء طيبة يربط الثنك تانك بمجلس الشورى، وكأننا ندعو لثنك تانك واحد. أرى كلما تعددت وكثرت زادت الفائدة. من الممكن أن هذه المراكز تزود المجلس بنتائج دراستها في مقابل مالي، ولم لا؟ استقلال الثنك تانك مهما تعددت مهمٌّ جدًّا. علقت د. وفاء طيبة بأن هذا ما قصدته بتواصل الثنك تانك في المجلس مع غيرها خارج المجلس. أضاف أ. محمد الدندني: المعروف أن التخصص يؤدي لنتائج أفضل. مع تعدد الثنك تانك من الأفضل أن تكون متخصصةً.

أضاف أيضًا د. إبراهيم البعيز؛ إن ذلك صحيح، فكلما تعددت وكثرت زادت الفائدة. درجت جامعة بنسلفانيا منذ عشر سنوات على إصدار تقرير سنوي بمراكز الدراسات في العالم، ووفقًا لآخر تقرير في يناير 2018، فإن عدد هذه المراكز Think Tanks في العالم وصل إلى 7815 مركزًا، منها 2045 في أوروبا، 1972 في أمريكا الشمالية، 1676 في آسيا، 979 في أمريكا الجنوبية، 664 في إفريقيا، 625 في أستراليا، 479 في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، منها 67 في إسرائيل، و64 في إيران، و64 في تركيا، و39 في مصر، 39و8 في السعودية.

تعتبر الولايات المتحدة أعلى دولة في العالم في هذه المراكز، حيث يصل عددها إلى 1872 (24% من المراكز في العالم)، تليها في المرتبة الثانية وبفارق كبير الصين التي يصل عدد المراكز فيها 512 مركزًا. 25% من المراكز في الولايات المتحدة في واشنطن العاصمة.

مراكز التفكير واتخاذ القرارات:

أشار د. سعيد العمودي إلى أنه وكما هو سائد لعقود بأن أمريكا هي النموذج الجلي لهذا النوع من التفكير الجماعي المكوَّن من تخصصات شتى تدعم صناعة القرار السياسي خاصة، وغيرها من القرارات الإستراتيجية. ولكن المشاهد للواقع الأمريكي الحالي يشعر بالتوهان الكبير للبوصلة وللقرارات، وأيضًا الاستقالات المتتالية وآخرها وزير الدفاع؛ بسبب الأسلوب الأحادي والسلطوي الذي يدير به ترامب أمريكا. من الطرائف، كنت في الصيف الماضي في مؤتمر ATD بسان دييغو، وكان ضيف الشرف باراك أوباما. عندما دخل القاعة قال الناس: We miss you افتقدناك، ولها دلالتها الكبير عندما ضحك الناس. ثم تحدث بشكل عفوي ومقصود عن طريقته في إدارة أمريكا، وكان يركز كثيرًا على كلمة We بشكل كبير، وطبعًا لم يذكر ترامب في حديثه مطلقًا.

علق أ. عبد الله الضويحي بأن هذه الملحوظة في مكانها. لكن السؤال: هل التفرد في القرار لدى القيادي أو صاحب السلطة يمكن أن يلغي دور مراكز الفكر أو خزانات التفكير أيًا كان اسمها؟ وكيف يمكن لها أن تقوم بدورها في ظل هذا النوع من القياديين؟ يرى د. سعيد العمودي- من وجهة نظره- أنها بالفعل تلغي هذه المراكز نوعًا ما من تفردها، والحاصل في أمريكا من سلسلة الاستقالات والتندر الكبير على أسلوب ترامب في الإدارة دليلٌ على أنه لا يكترث لهم في تقاريرهم أو تصوراتهم.

أطروحات صحفية سابقة حول خزانات التفكير:

أورد أ. عبد الله الضويحي مقالًا نُشر في موقع صحيفة الرياض* للأستاذ فهد عامر الأحمدي، بتاريخ 17 سبتمبر 2015، تحت عنوان “خزانات التفكير”، يذكر المقال: («خزانات التفكير» مصطلح يُطلق على مجموعة ذكية مختارة، تبحث في قضية دولية خاصة.. وهذه القضية قد تكون سياسيةً أو اقتصادية أو إقليمية، يتم بحثها من قِبل معهد متخصص أو قسم أكاديمي، أو حتى لجنة تابعة لوزارة الخارجية أو الاستخبارات. وتتركز مهمتها غالبًا في تقديم النصح لرئيس الدولة أو الجهاز المعني، ووضع تصوُّر لما ستؤول إليه الأوضاع في الدول الأخرى. وبهذه الطريقة يمكن للدول الكبرى استباق الأحداث وتوقُّع النتائج ووضْع السياسيات المناسبة لها.

ورغم أن المصطلح جديدٌ نسبيًّا (Think Tanks) إلا أن الفكرة بحد ذاتها قديمة قدم الحضارات نفسها. فحين تتجاور حضارتان مختلفتان سرعان ما يستشعر الحاكم في إحداهما أو كلتيهما ضرورة معرفة الآخر وتقييمه من الداخل (تأسيسًا على حقيقة أن المعرفة قوة). ويمكن القول إن بيتَ الحكمة في بغداد كان (أول مؤسسة استشعارية) قدمت للعباسين المعرفة الضرورية للتعامل مع الحضارات والإمبراطوريات الأخرى. أما في العصر الحديث فاعتمد الاستعمار الأوروبي على جواسيس ومستشرقين عملوا كخزانات تفكير متحركة، ادعوا الإسلام وتعلموا العربية وعاشوا بين البدو والحضر (مثل: جبريلي الإيطالي، وتاميزيه الفرنسي، ولورنس العرب الإنجليزي).

غير أن أمريكا- في الخمسين عامًا الماضية- طوَّرت مفهوم خزانات التفكير كعمل مؤسساتي وجهد جماعي منظم. ففي حين اعتمد الأوروبيون على الأعمال الفردية للمستثمرين والتقارير الشخصية للجواسيس، بلورت أمريكا مؤسسات أكاديمية متخصصة وفرق بحث موجهة. وتتركز معظم خزانات التفكير الأمريكية في واشنطن العاصمة والأقسام السياسية في الجامعات الكبرى. وفي حين يعمل بعضها بشكل مستقل ومحايد (ويمون نفسه ذاتيًّا من خلال الاستشارات والهبات الخاصة)؛ يرتبط الآخر مباشرة بالوزارات الحكومية والجهات الرسمية، خصوصًا وزارة الخارجية والمخابرات الأمريكية ووكالة الأمن القومي.

وكما توجد معاهد متخصصة في الشؤون الصينية واليابانية والروسية، توجد معاهد متخصصة في الشؤون العربية والإسلامية، أو في جوانب فرعية منها؛ كالنفط، والتيار الديني، والصراع العربي الإسرائيلي. وهذه المراكز تضمُّ أذكى العقول المتخصصة (قسم منهم عرب) والعديد من الخبرات السياسية المتقاعدة (مثل: جيمس بيكر، وهنري كيسنجر، وألكسندر هيج).. ومن المراكز المتخصصة في الشؤون العربية: مركز (CSIS) للدراسات الإستراتيجية، ومعهد واشنطن للدراسات الشرقية (WINEP)، ومعهد بروكينغز وسابان للشرق الأوسط (BrookingsInstitute)، ومؤسسة كارنيجي للسلام (Carnegie for International Peace)، ومعهد بيكر للسياسات العامة (Baker Institute).

وكان الباحث العربي إدوارد سعيد (الذي عمل كثيرًا ضمن هذه المراكز) قد أشار في كتابه (الاستشراق) إلى قيام هذه المعاهد برصد وسائل الإعلام العربية كوسيلة لتحليل المزاج السياسي والاجتماعي في البلدان المعنية. كما أشار إلى اعتمادها على رصد آراء الكُتَّاب وعناوين الصحف ومناهج التعليم لتخمين الاتجاه السياسي والاجتماعي في المستقبل.. وكنتُ شخصيًّا قد اطلعت (في عام 1996) على قائمة عناوين خاصة بالسعودية أصدرتها معاهد بحث مستقلة، أتذكر منها:

السعودية في القرن الجديد – السعودية بعد الفهد – السعودية والنفوذ الإيراني – دول الخليج بعد النفط – تأثير الصحوة الدينية على الإمدادات النفطية… ولأن جميع هذه الإصدارات خرجت من معاهد مستقلة (وتنشر تقاريرها بصورة علنية)، نتساءل عن طبيعة التقارير السرية التي تضعها المراكز التابعة لوزارة الخارجية أو المخابرات الأمريكية!

كما أورد مقالًا آخر حول موضوع الورقة نُشر في موقع صحيفة عكاظ* للدكتور خالد الفرم، بتاريخ الإثنين 29 مايو 2006، تحت عنوان “خزانات التفكير والإهمال السياسي”، جاء في المقال ( Think Tanks.. أو خزانات التفكير باتت اللاعب الرئيس في مسار التفكير الإستراتيجي، وصناعة القرار السياسي في الدول الناضجة.. فمراكز الدراسات الإستراتيجية بما لها من استقلالية فكرية ومالية ومنهجية بحثية، وما تمتلكه من طاقات وقنوات يسمح بها وضعها غير الحكومي، أصبحت مصدرًا خصبًا لإنتاج المعلومة، وتحليلها وتوزيعها واستثمارها سياسيًّا واقتصاديًّا.

ففي الولايات المتحدة، تنبأ مركز الدراسات الإستراتيجية العالمية بكثير من الأحداث العالمية التي غيرت الخارطة السياسية المعاصرة، كما وضع المركز سيناريوهات مفترضة لأحداث قادمة، وكيفية توظيفها ومعالجتها، فمديرة برنامج العالم الإسلامي في المركز شيرين هنتر كانت أبرز المحللين الذين تنبَّؤوا بغزو الكويت عام 1990، كما كان باحثو المركز أول من لفت انتباه صنَّاع السياسة الخارجية الأمريكية بحدوث انشقاق سياسي بين الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية بعد أعوام طويلة ظنت خلالها الإدارات الأمريكية أن الدولتين الشيوعيتين كانتا على علاقة وطيدة.

هذا الاستثمار في المعلومة والفكر، يتماهى والفكر السياسي الحديث، الذي يرى أن من يملك المعلومة يملك القوة، والقوة لم تعد عسكرية إنما معلوماتية، وهو ما ينسجم أيضًا والتوجه الاقتصادي العالمي الجديد نحو الاستثمار في اقتصاديات المعرفة.

هذه الصناعة والثقافة غائبة في المنطقة العربية، التي لا تزال تعيش فقرًا مدقعًا في صناعة التفكير وبناء هذه المراكز واستثمارها، لأسباب قانونية وسياسية، وأخرى تمويلية، فالمراكز السابقة تعمل وفق ميزانيات سنوية تتجاوز الثلاثين مليون دولار، ويأتي تمويلها من مؤسسات المجتمع المدني والتبرعات والأوقاف والإصدارات والدعم الحكومي، وهذا يستدعي ثقافة سياسية رفيعة، تستوعب وتستثمر المكونات الوطنية كافة، لجهة إدراك أهمية المعلومة، والقيمة المضافة إليها، فلازالت المكينزمات التقليدية سائدة في آلية صناعة القرار العربي، بسبب فلسفة تقديم الثقة على الكفاءة، والاعتماد على الفردانية في صناعة القرار أو الإستراتيجيات، بالرغم من أن الإستراتيجيات نتاج تفكير جمعي متخصص، وليس رؤية فرد أو لجنة يتم اختيارها وفق التراتبية الوظيفية، وليس الموهبة الفكرية أو التخصص.

مقومات المراكز البحثية:

أشار د. خالد الرديعان في مداخلته إلى أننا نتفق أن المقصود “بالثنك تانك” أنها مراكز بحثية يقوم عليها متخصصون في البحث، وتقدِّم خيارات لصانع القرار من خلال ما تصل إليه من نتائج بحثية. لكني أطرح سؤالًا حول ما يحتاجه “الثنك تانك” لكي ينجز مهمته على أكمل وجه؟ وأرى أن المركز (أي مركز بحثي) يحتاج إلى مقومات لكي ينجح، أوردها على النحو التالي:

أولًا: فريق من الباحثات والباحثين المتخصصين والمدربين ومساعدي الباحثين وجامعي البيانات. وبالحديث عن المملكة فهذا المقوم متوفر، فجامعاتنا تذخر بالعديد من الكفاءات الوطنية والمخلصة التي تودُّ خدمة بلدها في الحقول التي تجيدها.

ثانيًا: تحتاج مراكز البحوث إلى سهولة الوصول إلى المعلومات من كافة الجهات الحكومية access to information، وهذا شرط ضروري لنجاح أي دراسة تقوم بها هذه المراكز حتى لا يقع الباحث في مأزق التخمينات والتقديرات والانطباعات الشخصية؛ مما يفقد الدراسة الصدقَ والقيمة العلمية، وبالتالي صعوبة الاستهداء بنتائجها وتطبيقها. هذا المطلب ليس ممكنًا دائمًا، فكثيرٌ من الجهات الحكومية هي قلاع منيعة يصعب الوصول إلى معلوماتها بدعوى “الأمن الوطني” و”سرية البيانات”. كم باحثًا منَّا لديه إمكانية الوصول إلى مكتبة ومقتنيات وزارة الخارجية أو الداخلية أو رئاسة الاستخبارات العامة، على سبيل المثال؟  ليس كل الباحثين لديهم فرصٌ متساوية، وفي حال توفُّر فرصة لباحث ما، فإنها تتم بعلاقات شخصية وطرق غير متاحة لبقية الباحثين.

لذلك، ومن هذا الملتقى أُطالب بحرية الوصول للمعلومات من أي جهة حكومية، دون أي قيود مفتعلة وبيروقراطية، ودون الحاجة إلى موافقات وخطابات تستغرق عدة أشهر.

كباحث لا يكفيني الحصول على إحصاءات دقيقة وأرقام؛ فهذه قد تكون متاحة من خلال عدة مصادر، لكني أحتاج إلى بيانات أخرى غير ما يتم إعلانه للجمهور.

لنفرض أنني أريدُ دراسة موضوع يخصُّ الخلاف السعودي- القطري، من خلال المكاتبات التي تمت بين الدولتين لوضع خيارات وتصورات أمام صانع القرار. هذه المكاتبات غير متاحة لي بحكم التحجج بسريتها. وبالتالي ما لم تكن البيانات متاحة -على الأقل- أمام الباحثين في مراكز الثنك تانك المتخصصة، فإننا لن نقدِّم دراسات مفيدة.

من العادات التي درجنا عليها في العلاقات مع الدول الطريقة التي نتحدث بها عن هذه العلاقات في وسائل الإعلام.

كم واحدٍ منَّا سمع أو قرأ هذه العبارة: “وقد اجتمع الطرفان وتباحثا في القضايا ذات الشأن المشترك”! ما هي هذه القضايا؟  هنا عليك كباحث أو مراقب أن يكون خيالك واسعًا، أو أن تكون ساحرًا يضرب الودع ليكشف المستور. أضاف أ. عبد الله الضويحي أن المشكلة أنك تقرأ في وسائل إعلام أخرى تفاصيل اللقاء والمباحثات!

وتساءل د. خالد الرديعان: هل لدينا مركز يتخصص في دراسات عن اليمن، أو مركز متخصص معنيّ بالعلاقات السعودية- الأمريكية، أو مركز يتخصص في العلاقات السعودية – العُمانية؟ طبعًا لا يوجد. لا بد من وجود مراكز كهذه، وتكون مزودةً بباحثين محترفين يقومون بزيارات إلى هذه الدول بين فترة وأخرى، وأن يكون لديهم حرية الوصول إلى البيانات من مختلف الجهات الحكومية حتى تأتي تقاريرهم قويةً وذاتَ مصداقية عالية.

ذكر د. محمد الملحم أن في وزارة الخارجية يوجد متخصصون بكل دولة، يقدمون المشورة حولها، حتى لدول الخليج. وأظنُّ أن في الديوان يوجد ما يشبه ذلك، وهناك متخصصون في القبائل وما شابه ذلك، يمكن أن يكون هؤلاء بذرات لمراكز تفكير منظمة. وأشارت د. وفاء طيبة إلى أننا لا نتكلم عن مراكز أبحاث فقط، وتساءلت: ما الفرق أو الفروق الواضحة بين مراكز الأبحاث وخزانات التفكير؟

أضاف د. خالد الرديعان: إن هناك كثيرًا من مراكز الأبحاث هي في النهاية ثنك تانك ولا سيما المستقلة أو التابعة للقطاع الخاص؛ مركز أسبار نموذج لذلك. وهذا يتضح من اسمه: مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام.

أضافت أيضًا د. وفاء طيبة؛ كأني ألمسُ الفرقَ الأساسي في التخصص، بمعنى أن مركز الأبحاث أكثر تخصصًا، في حين أن الثنك تانك يحتاج إلى دراسات في مجالات وتخصصات كثيرة.

أهمية خزانات التفكير في الوقت الحالي وما يحتاجه وجودها لدينا:

يرى د. راشد العبد الكريم أن موضوع خزانات التفكير مهمٌّ جدًّا خاصة في هذه الأيام التي تكالبت على بلادنا فيها “الأمم”، وتكاثرت المتغيرات وتسارعت. ومن جانب آخر، يزيد من أهميتها وجود قدرات وطنية باهرة و”ثروات” فكرية ربما غير عادية، لا يُستفاد منها، أو لا يُستفاد منها بالشكل الأمثل. كما أنني أعتقدُ أنه لكي توجد خزانات تفكير نحتاج إلى أمور:

1. تغيير القناعات، بحيث نُقرُّ بأنَّ كثيرًا من القضايا لا تناسبها القرارات الفردية أو التي تخضع لردود الأفعال الآنية، وأن دراسة كثير من القضايا تحتاج إلى استشراف مستقبلي وافتراض سيناريوهات واختبارها.

2. وجود منهجية علمية لدراسة القضايا والمستجدات تراعي:

– احترام التخصص (والتعمق فيه)، فالمتخصصون هم أقدر الناس على إعطاء الرأي في أي قضية. فالقضية ليست مجرد إبداء رأي شخصي يقدِّمه “مثقف”، بل آراء تسندها الدراسة النظرية والأبحاث.

– المزج بين الدراسة العلمية والخبرة في التخصص. فكثير من الرؤى لا تتضح من خلال الدراسة الأكاديمية، بل لا بد مع ذلك من البناء على خبرات المتخصصين.

– الاستعانة بالعلوم المساندة لكل قضية. فأهمية التخصص ومحوريته لا يلغيان أهمية التخصصات ذات العلاقة، والتي تنوِّر الآراء والأفكار وترشّدها. فكثير من القضايا التخصصية – مثلًا، في السياسة- بحاجة إلى آراء مساندة ومنورة من علم النفس، وعلم الاجتماع، والاقتصاد؛ ما يعني ضرورة وجود تخصصات مساندة لكل قضية.

3. بناء مجموعات عمل (task force) لكل قضية يُراد دراستها أو تتبُّعها، وهذا يستلزم وجود قاعدة بيانات للخبراء. وتُختار هذه الفرق من غير المتجانسين فكريًّا، ويُوضع آلية لبناء الرأي وحسم النزاعات بين الآراء، بحيث يشعر كل شخص أن له الحقَّ أن يقول ما يراه، وأن رأيَه يُقدَّر. ونتفادى ما يُسمَّى بالتفكير الجمعي group think.

4. إعطاء الوقت الكافي لدراسة القضايا. فمما ابتُلينا به في كثير من قراراتنا (السرعة في الدراسة واتخاذ القرار). ومما لا شك فيه أن هذا يتنافى من حيث التعريف مع “خزانات التفكير”، فهي خزانات وليست “مواسير”!

5. وجود منهجية علمية وواضحة لكتابة التقارير، بحيث تكون وثائق علمية، تؤسِّس للرأي نظريًّا، وتنوِّر متخذ القرار، وتوضِّح القضية من جميع جوانبها بالعمق الكافي.

6. لا بد من ضمان (الحرية العلمية التامة).. وأؤكد على (التامة)؛ لأن هذه المراكز_ كما أشار الدكتور _ هي عقل وعين وأذن ثانية متخذ القرار (سواء السياسي أو الاقتصادي أو الأمني…)، فمن دون حرية ودون تخوُّل للحقيقة والصواب دون أي ضغوطات من رغبة أو رهبة – مقصودة أو غير مقصودة – فلن يكون إنتاج هذه “الخزانات” ذا فائدة كبيرة، بل ربما يتحول إلى خزانات “تبرير”، أو خزانات استباقية للقرارات المتوقعة.

مؤسسة “راند” نموذج لمراكز التفكير:

ذهب د. حميد الشايجي إلى أنه يميل إلى تسمية “خزانات التفكير” بـ “مراكز التفكير”، ومن الملاحظ أن هذه المراكز شبه مستقلة وغير ربحية، ولها صلاحية في دراسة أي موضوع يقع في حدود عملها دون تحفُّظ. ولو أخذنا- مثلًا- مؤسسة راند (RAND) كنموذج، والتي هي اختصار لـ ‏(Reasesrch and Development) (البحث والتطوير)، نجد أن مهمة المؤسسة تتمثل في المساعدة على تحسين السياسات وصُنع القرارت، من خلال البحث والتحليل.

وركزت راند في بداية نشأتها على القضايا المتعلقة بالأمن الوطني للولايات المتحدة الأمريكية، ثم توسَّعت في الستينيات الميلادية وما بعدها فتناولت مجالات متعددة؛ كالاقتصاد، والاجتماع، والتعليم، والقانون، والصحة، والعلوم، والتقنية. إنَّ اهتمامات راند تتمركز بالدرجة الأولى حول المصالح الأمريكية، ومَن يطلع على كثير من البحوث والتقارير التي يقدِّمها خبراء راند يجد أنهم يجعلون الفصلَ الأخير بعنوان: (الآثار المترتبة على المصالح الأمريكية).

ويضمُّ موقع راند أسماء أكثر من 1600 موظف وباحث وخبير متعاون، ينتمون لأكثر من خمسين بلدًا في العالم. ولدى مؤسسة راند عدد من المراكز والمعاهد البحثية، منها ما هو معنيٌّ بالاستشراق الجديد ومُخصَّص له، ومنها ما ليس كذلك. ولراند أكثر من فرع داخل أمريكا وخارجها:

– مركز راند بمدينة (سانتا مونيكا) بولاية كاليفورنيا، وهو المركز الرئيسي.

– مركز راند بمدينة (أرلينغتون) بولاية (فرجينيا).

 – مركز راند بمدينة (بيتسبرغ) بولاية (بنسيلفانيا).

– وفي بريطانيا: مركز راند بمدينة (كامبريدج).

– وبلجيكا: مركز راند بمدينة (بروكسل).

– وقطر: معهد راند للسياسات، ويقع بمدينة الدوحة.

بعض هذه الفروع متخصصة في مجال محدد، ولديها الحرية والقوة في أن تبحث وتدرس وتفكر في أمور متنوعة غير محدودة. وبعض هذه البحوث والدراسات تُعدُّ تدخُّلًا في شؤون الدول الأخرى.

فهل لو أُنشئت مراكز للتفكير في الدول النامية سيكون لها نفس سقف الحرية في البحث والتفكير؟ هل تستطيع البحث في شؤون الدول الأخرى؟ وهل سيُقدَّم لها الحماية والدعم لو فعلت؟ فمثلًا، مؤسسة راند تبحث في قضايا المسلمين، وتقترح تغيير طريقة عيشهم بل واعتقادهم، ومع ذلك لا يُنظر لها على أنها مؤسسة متحيزة ضد الآخر المسلم. وهناك عدة تقارير تؤكِّد ذلك، مثل تقرير (بناء شبكات من المسلمين المعتدلين)، وتقرير الإسلام الراديكالي في شرق إفريقيا الذي أشار إليه د. عبد العزيز الحرقان.

فهل سيكون لمراكز الدول النامية نفس الشجاعة والقوة في بحث الصهيونية والمسيحية المتطرفة، والواقع السياسي لبعض الأنظمة في البلدان النامية، وغيرها من المواضيع الحساسة؟

الترجمة المناسبة لخزانات التفكير:

يرى د. عبد العزيز الحرقان أنَّ خزان الفكر ترجمة حرفية وهي غير ملائمة. الجهات أو المؤسسات التي تحتاج تقارير ليس شرطًا أن تكون محلية ولكن ممكن أن تكون دولية، فمثلًا، في معظم القضايا التي تُثار ضد الدولة لا توجد مؤسسة مدنية لديها تقارير تُقدِّم وجهة نظر مستقلة.

من جانبه يتفق د. إبراهيم البعيز مع ما ذكره د. عبد العزيز في رأيه بأن “خزانات التفكير” ترجمة حرفية قد لا تكون مناسبة ولا تُجسِّد الهدف المقصود أو المُؤمَّل من هذه المراكز، لو تمعَّنا في التسمية الإنجليزية Think Tannk سنجد أن المقصود بكلمة Think هو أن تقتصر هذه الفئة من مراكز الدراسات على القضايا والظواهر الاجتماعية بكل أبعادها ومحاورها السياسية والاقتصادية والمجتمعية، والتي تعتمد أساسًا على التفكير والتحليل؛ بخلاف الظواهر الطبيعية التي لا يكفيها التفكير بل تحتاج دراستها إلى معامل ومختبرات لدراسات وبحوث تجريبية.

قد لا تكون كلمة خزان هي الترجمة المناسبة لكلمة Tank؛ لأنَّ الأخيرة تعني أيضًا “دبابة”، ولعلَّ المقصود بكلمة Tank في تسمية هذه الفئة من مراكز الدراسات هو كناية عن الاستقواء بعقول المفكرين والباحثين في فَهم ومواجهة القضايا.

تنبع أهمية هذه الفئة من مراكز الدراسات Think Tank من ذلك الفرق الجوهري بين الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية، فالأولى تتسم بالثبات عبر الزمان والمكان؛ مما يعني إمكانية الاستفادة مما يصل إليه الآخرون من إنجازات، وهذا ما نراه في استيرادنا لكثير مما أنجزته الدول المتقدمة في المجالات التقنية والطبية وغيرها من المنجزات. بينما الظواهر والقضايا الاجتماعية فهي تختلف باختلاف السياقات الثقافية لهذه الظواهر؛ لذا فإنه لا يمكننا أن نستعين في حلول لقضايا وظواهر اجتماعية بنتائج دراسات وأبحاث تمَّت خارج مجتمعنا.

أسباب غياب مراكز التفكير عن مشهدنا العلمي والثقافي:

يرى د. إبراهيم البعيز أننا نتباهى بين الحين والآخر بما أنجزناه من تقدُّم في الاهتمام بالبحث العلمي، لكن هذه الفئة من مراكز الدراسات لم تأخذ حقَّها من الاهتمام، وكما أشارت الدكتورة وفاء إلى أهميتها، إلا أنه من الضروري أن نفكِّر في الأسباب التي جعلت هذه الفئة من مراكز الدراسات غائبةً عن مشهدنا العلمي والثقافي. ويبدو لي أنَّ من بين هذه الأسباب:

•        قصر نظرتنا للبحث العلمي على العلوم الطبيعية، وشبه إهمال وعدم اهتمام بالعلوم والدراسات الاجتماعية.

•        المحاذير السياسية والهواجس الأمنية غير المبررة أبقتنا عاجزين عن إدراك أهمية المؤسسات غير الربحية في مجال الدراسات والبحوث.

•        المحاذير السياسية والهواجس الأمنية انسحبت أيضًا على فكرة مراكز للدراسات المناطقية، والتي تأتي على قائمة اهتمامات مراكز الدراسات من فئة Think Tank. فعلى الرغم مما أنفقته المملكة من تبرعات (بما ذلك تبرعات الأفراد) لمراكز الدراسات المناطقية والمتخصصة (مراكز دراسات عربية ومراكز دراسات إسلامية) في الغرب، إلا أننا لم نتبن الفكرة نفسها بأن نؤسِّس في جامعاتنا لمراكز دراسات مناطقية.

أضافت د. وفاء الرشيد: إننا في الأغلب وصلنا إلى مرحلة من النضج السياسي قد تجعلنا نتقبل النقد والإرشاد فيما هو أساسي، وطلما بقيت هذه المراكز صامتة ومحايدة فلن يصبح لها أهمية ومصداقية. لكل شيء بداية، ومن المهم أن يُفعَّل دورها الأساسي كما هو فعَّال في الدول المتطورة. المهم نبدأ، وأنا لا أرى أيَّ حرج في تواجدها في دولة مثل مملكتنا، التي تعيش حجم التغيرات المشهودة.

         حرية الوصول إلى المعلومات:

ذكر د. خالد الرديعان أنه فيما يخصُّ حرية الوصول للمعلومات من الجهات الحكومية والتي أراها ضروريةً جدًّا لمراكز الثنك تانك؛ فإن هذه الإدارات والجهات يمكنها تصنيف بياناتها ومعلوماتها حسب درجة سريتها بحيث لا يكون كل شيء ممنوع أو غير قابل للتداول.

أُدركُ- مثلًا- أن بعض المعلومات عند الأجهزة الأمنية ربما صُنِّفت بأنها سرية لكنَّ قِسمًا من هذه المعلومات لا يوجد أي خطورة من تداوله أو نشره. وبالتالي دعونا نتوقف عن هذه العادة، أي حجب المعلومات. جدار برلين سقط عام ١٩٨٩، ولم يعد هناك حاجة للتحفُّظ على كثير من المعلومات.

ويرى د. إبراهيم البعيز أن ما يشير له د. خالد يُعرف في كثير من الدول التي وصلت إلى مرحلة متقدمة من النضج السياسي بقانون “المعلومات العامة”، وهي التي تتيح للجميع إمكانية الوصول إلى المعلومات العامة المتعلقة بأداء الجهات الحكومية دون أن يكون للوزير (السلطة التنفيذية) القرار النهائي في تصنيف المعلومة بسرية.

أتذكّرُ أنَّ أحدَ الكتاب نشر في مقالته معلومات لم يرض عنها وزير الخدمة المدنية حول نسبة المراتب العليا (14 و15) في وزارة الخدمة المدنية مقارنة بالوزارات الأخرى؛ مما أدَّى إلى إصدار معالي الوزير توجيه لمركز المعلومات بعدم إعطاء أي معلومات لأحد إلا بموافقته؛ مما ترتب عليه أن عجزتُ (وأنا رئيس لقسم الإعلام) عن معرفة عدد الوظائف الإعلامية (الشاغرة المشغورة) بناءً على توجيه معاليه.

ويرى أ. جمال ملائكة أن السؤال الجوهري: كيف يتم إقناع صاحب القرار بأهمية ونجاعة هذه المراكز، وأنها في النهاية ستقوم بدور كبير لمساعدته في اتخاذ القرار الأقرب للصحة والنجاح، حيث قد تم دراسة الموضوع بكافة جوانبه وبعمق وتجرُّد وشفافية؟ علق د. خالد الرديعان بأن هذا سؤال له علاقة بطريقة اتخاذ القرارات. وبالتالي سيكون السؤال: كيف يُتخذ القرار؟ وهل ينفرد به شخص واحد أم عدة أشخاص، وهل تُستشار فيه جهة ما قبل اتخاذه؟

وأضيف أن “الأسلوب المعين” هو الانفراد بالقرار دون اعتبار للمستشارين أو الجهات ذات الاختصاص، ومنها مراكز الثنك تانك. ثم نطرح السؤال: لماذا لا يثق صانع القرار في مراكز الثنك تانك؟ الجواب: لأنه- ببساطة- يعلم أنه لا يتوفر لديها معلومات كافية حول الموضوع، هو قد حجب عنها هذه المعلومات.. لا يريدها أن تعلم. وأضاف أ. جمال ملائكة أن هذا من ضمن الأسئلة التي يجب علينا الإجابة عنها، ولكن كلنا نعلم أن الدول العربية كافة لها أسلوب معين في اتخاذ القرارات. المطلوب بذل جهد لإقناع صاحب القرار والإصرار على أن الوضع لن يتغير يحتاج إلى تفكير.

قائمة بمراكز البحوث والدراسات بالمملكة:

أورد أ. إبراهيم آل سنان قائمة بالمراكز والدراسات البحثية الموجودة في المملكة العربية السعودية، ومن ضمنها مركز أسبار: (مركز رؤية للدراسات الاجتماعية، مركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية، مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، مركز الخليج للأبحاث، جمعية الصحفيين السعوديين، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، مراكز الأبحاث الواعدة بوزارة التعليم العالي، مركز نماء للبحوث والدراسات، مركز البحوث والدراسات بوزارة التعليم العالي، مركز البحوث والدراسات الاستشارية – جامعة أم القرى، مركز بحوث الطب والعلوم الطبية – جامعة أم القرى، مركز بحوث العلوم الهندسية والمعمارية – جامعة أم القرى، مركز بحوث الحج والعمرة – جامعة أم القرى، معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج – جامعة أم القرى، مركز البحوث والاستشارات – جامعة طيبة بالمدينة المنورة، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي – جامعة أم القرى، مركز الملك فهد للبحوث الطبية – جامعة الملك عبد العزيز، مركز أبحاث المياه – جامعة الملك عبد العزيز، معهد البحوث والاستشارات – جامعة الملك عبد العزيز، مركز بحوث الدراسات البيئية – جامعة الملك عبد العزيز، مركز بحوث الجينوم الطبي – جامعة الملك عبد العزيز، مركز التميز في الدراسات البيئية – جامعة الملك عبد العزيز، مركز تقنيات متناهية الصغر – كلية الهندسة- جامعة الملك عبد العزيز، مركز التميز لبحوث الجينوم الطبية – مركز الملك فهد لبحوث الجينوم، مركز الأبحاث الزراعية بهدى الشام – جامعة الملك عبد العزيز، مركز الدراسات المائية – جامعة الملك فيصل، مركز أبحاث الجمال – جامعة الملك فيصل، مركز أبحاث النخيل والتمور – جامعة الملك فيصل، محطة التدريب والأبحاث الزراعية والبيطرية – جامعة الملك فيصل، مركز وسائل وتقنية التعليم – جامعة الملك فيصل، مركز البحوث البيطرية والإنتاج الحيواني – جامعة الملك فيصل، مركز بحوث كلية طب الأسنان – جامعة الملك سعود، مركز الأمير محمد بن فهد للبحوث والدراسات الطبية – جامعة الملك فيصل، المركز الوطني لأبحاث الزراعة والمياه بالرياض، محطة الأبحاث الزراعية – بلجرشي– وزارة الزراعة، مركز تقنية المعلومات – جامعة الملك فيصل، المركز الإقليمي للأبحاث الزراعية بالأحساء– وزارة الزراعة، مركز بحوث كلية علوم الحاسب والمعلومات – جامعة الملك سعود، مركز الخيول العربية بديراب – وزارة الزراعة، محطة الأبحاث الزراعية بالخرج – وزارة الزراعة، مركز الأبحاث الزراعية بالقصيم – عنيزة – وزارة الزراعة، مركز الأبحاث الزراعية – منطقة مكة المكرمة – جدة – وزارة الزراعة، مركز أبحاث البستنة – نجران – وزارة الزراعة، مركز أبحاث تنمية المراعي والثروة الحيوانية بالجوف – وزارة الزراعة، مركز بحوث النخيل والتمور، المركز الوطني لأبحاث الزراعة والمياه – وزارة الزراعة، المركز الوطني لمكافحة وأبحاث الجراد – وزارة الزراعة، مركز البحوث والتطوير – أرامكو السعودية، مركز بحوث الطاقة المتجددة – جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، مركز بحوث كلية العلوم الطبية التطبيقية- جامعة الملك سعود، مركز التنقيب وهندسة البترول برأس تنورة – شركة أرامكو، مركز بحوث تكرير البترول والكيماويات – جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، مركز أبحاث الإبل والمراعي بالجوف، مركز الأبحاث والتطوير – أرامكو السعودية، مركز الملك عبد العزيز للخيل العربية الأصيلة بديراب، المركز الوطني لأبحاث النخيل والتمور بالأحساء، مركز بحوث كلية الصيدلة- جامعة الملك سعود، معهد البحوث – جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، محطة التجارب وتطوير الحمضيات بالسيباني – وزارة الزراعة، إدارة الأبحاث والتقنية والخدمات الفنية – شركة أرامكو، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، مركز بحوث أقسام العلوم والدراسات الطبية – جامعة الملك سعود، مركز بحوث كلية الطب – جامعة الملك سعود، مركز بحوث كلية الهندسة – جامعة الملك سعود، مركز بحوث الاتصالات والحاسبات الآلية – جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، مركز الأبحاث – مستشفى الملك فيصل التخصصي، مركز بحوث كلية الهندسة – جامعة الملك سعود، معهد البحوث الهندسية – جامعة الملك فهد للبترول والمعادن).

أوردتُ هذه القائمةَ للتركيز على أن فكرة مراكز الدراسات أيًّا كانت طبيعتها وطريقة عملها تحت مظلة المفهوم العام للثنك تانك موجودة وبكثرة، والقائمة أعلاه لم تضم الأقسام الخاصة في الوزارات نفسها، ولا المكاتب الاستشارية الخاصة التي تعمل بعقود مع الوزارات.

كما لا أنسى (مركز اعتدال، ومركز الاستشراف المعرفي، ومركز الملك عبد الله للدراسات والأبحاث البترولية، ومراكز وأقسام أخرى تعمل مع هيئة الطاقة وهيئة سوق المال ومؤسسة النقد.. وغيرها).

إذًا صاحب القرار مقتنع، وصاحب القرار أو السلطة التنفيذية توظِّف كل قطاعاتها الحكومية وشبه الحكومية وتفتح الاعتمادات للتعاون مع مراكز الأبحاث والدراسات بالإضافة لمجلس الشورى وما فيه من لجان، وكل لجنة تُعِدُّ من الدراسات ما يوافق عمليًّا فكرة الثنك تانك. بالتالي أين المشكلة بالضبط؟ ولماذا من وقت لآخر نسمع عن عقود مع مراكز دراسات أجنبية أو مكاتب استشارية، آخرها عقود بمئات الملايين من وزارة التخطيط مع ماكنزي، مثلًا؟!

المراكز غير الربحية:

يعتقد أ. إبراهيم آل سنان أن المشكلة تكمن في كلمة واحدة كانت مفصلية بالنسبة لي في تعقيب د.فهد، وهي كلمة (غير ربحية).

الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها أن أي عمل لا يكون فيه مردود تقديري للعاملين فيه سواء مادي أو معنوي سيكون أداؤه سيئًا جدًّا وروتينيًّا، وبالكاد يكون إبداعيًّا؛ وهذا ما يجعل أغلب هذه المراكز ضعيفة، إما لأنها تُموَّل من الدولة أو لأنها لا تملك التمويل اللازم لدراسات وأبحاث تحتاج الكثيرَ من المتخصصين والموظفين، ولا أستغربُ أن الدولة تقوم بشيء يناقض المنطق حين توقِّع اتفاقية مع مركز دراسات عالمي لتخصص ما، في حين أنها صرفت وأنشأت وموَّلت مركزًا يقوم بنفس العمل في إحدى جامعاتها أو وزاراتها أو هيئاتها.

لذلك يجب أن نخلق بيئةً تنافسيةً بين هذه المراكز، يجب أن يكون هناك سوق للدراسات والإحصاءات يمكن من خلاله تمييز المنتج وتقييم جودته. IPSOS شركة إحصائية دخلت في السوق السعودي وحصدت الكثيرَ من العقود مع وزارات ومع مؤسسات خاصة في كل المجالات الإعلامية والعقارية والتجارية والطبية.

فإذا كنَّا سنفكر في مركز دراسات فيجب أن نرفع سقفَ العمل فيه بموازاة مع الحاجة التمويلية وطرق استثماره.

أضاف أ. جمال ملائكة، لنسأل سؤالًا صريحًا: ما هي الآلية “الحالية” لتوصيل الأفكار والآراء إلى صاحب القرار؟  في السابق- حسب فهمى- كان هناك “مجالس” لكبار القوم تُطرح فيها أفكار، ولا أعرف ما يحدث بعدها، والسؤال هو أن بلادنا دخلت مرحلة جديدة منذ عام ٢٠١٥ وسط تحديات ضخمة وثورات عربية ومؤامرات دولية وضغوط اقتصادية ومعارك عسكرية، في وسط كل هذا، كيف نستطيع إيصال الفكرة إلى صاحب القرار وسط كل هذه الأزمات؟ والفكرة هي أنه من مصلحة الدولة إنشاء مراكز أبحاث في غاية القوة والمنهجية لتقديم الاقتراحات وسط هذه العواصف والأنواء.

بينما ذكر أ. إبراهيم آل سنان أنه ضد المحاولة في إقناع صاحب القرار أو محاولة الوصول إليه. أنا مع أن يعمل الإنسان بكامل طاقته حتى يثبت نفسه وصانع القرار يراه. كما أن كلَّ المراكز التي ذكرتها تعتبر نفسها نشأت بمنهجية، وأنها في غاية القوة.

أضاف د. زياد الدريس أن دور مراكز التفكير في الدول المتقدمة أن تهيِّئ القرار المناسب في شأنٍ ما لمتخذ القرار. أما في الدول الأخرى فدورها يكمن في تهيئة الشعب للقرار الذي اعتمده متخذ القرار أصلًا، أو هو على وشك اتخاذه! وأضاف أيضًا د. خالد الرديعان أن هذا صحيح إلى حد كبير، فبعد أن تمَّ إقرار “حساب المواطن” تمَّ استدعاء مجموعة من المتخصصين في الاقتصاد والاجتماع لتزيين القرار وإخراجه بصورة مقبولة للناس. ليس من طبيعة مراكز الثنك تانك أنها تقوم بدراسات لغرض الترف العلمي، أو لتقول أنها موجودة وتعمل. مراكز الثنك تانك لا تبيع سلعًا ولا يُفترض أن تدخل في منافسة مع أي جهة. مراكز الثنك تانك تعمل بتكليف من جهات حكومية أو القطاع الخاص لمساعدة هذه الجهات في ترشيد قراراتها، وأن هذه القرارات تقف على أرضية صلبة، وأنها “قرارات مدروسة”.

وكل قرار يمسُّ قطاعًا عريضًا من الناس، أو يتعلق بسياسة الدولة الخارجية يُفترض أن لا يتم اتخاذه قبل إجراء المزيد من الدراسات والتقصي من قِبل جهات علمية محايدة كمراكز الثنك تانك. مراكز الثنك تانك وجودها ضرورة ملحة لمساعدة صانع القرار في ترشيد قراراته.

المؤسسات غير الربحية والمؤسسات التطوعية:

أشار د. زياد الدريس إلى أنه يبدو أننا نخلط بين المؤسسات غير الربحية والمؤسسات التطوعية، وتحديدًا في شأن حقوق العامل (الموظف) هنا أو هناك. المؤسسات التطوعية تعني أن العمل فيها يكون تطوعيًّا بلا حقوق مادية، لكن المؤسسات غير الربحية (أو الخيرية) فهي لا تعني أن العمل فيها تطوعيٌّ، بل يحقُّ للعاملين فيها أخذُ حقوق مالية؛ أجرة مقابل العمل.

مراكز التفكير (أو خزاناته) هي مؤسسات غير ربحية، والعمل فيها يجب أن لا يكون تطوعيًّا مجانيًّا حتى تستطيعَ استقطاب كفاءات تليق بمهام المركز.

ذكر أ. جمال ملائكة أنه لا يتفق مع هذا الطرح، فلا بد من الاقتناع أولًا ثم إيجاد التمويل اللازم والكفاءات وإلا ضاع كل شيء.

كما علق أ. إبراهيم آل سنان على ما ذكره د. زياد بأن ما كان يقصده أنه إذا لم تكن خزانات التفكير ربحيةً فستجد صعوبةً في إعطاء العاملين معها أجورًا مرتفعة أو حوافزَ أفضل من القطاع الخاص؛ ولذلك سيكون الإقبال عليها من المحترفين قليلًا؛ لأنها ستكون بميزانيات محدودة. وفي كل الأحوال، فإن كلَّ العاملين في المؤسسات غير الربحية يعتبرون أنفسهم متطوعين، وعن ملامسة شخصية لذلك، باعتبار أنهم يقبلون بأجور ومكافآت أقل من قيمة عملهم الحقيقي.

إن كان لا بد من فكرة لمركز أسبار، فثمة فكرة وجدتُها ملحةً ليسهم مركز أسبار فيها، وهي مجال جيد ومهم للعمل فيه، وهو إنشاء كلية دراسات عليا أو معهد يمنح دبلومًا عاليًا في تخصصات الإعلام والسياسة؛ كون كل الكليات والأكاديميات الخاصة في المملكة العربية السعودية مهتمة بمجالات أخرى ليس من ضمنها هذه التخصصات.

وبعقد شراكات واتفاقيات مع جامعات عالمية، والاستفادة من أعضاء التدريس في تلك الجامعات؛ يمكن للمركز أن يكون الأول من نوعه في هذا المجال كأكاديمية خاصة تمنع شهادات عليا في الإعلام والإعلام الرقمي والسياسة، وسيكون على هامش هذا العمل الدورات التدريبية وورش العمل.

بينما يرى د. زياد الدريس أنه لا يتفق مع أ. إبراهيم سنان حول ما يتعلق بالرواتب، فلدينا جمعيات ومؤسسات خيرية كبرى تعطي رواتب كبيرة لموظفيها. علَّق أ. إبراهيم آل سنان بأنه مع الوقت، فإن المانحين المتبرعين والداعمين مورد غير مستقر، والاتكال والاعتماد عليه يجعل مستوى أي جمعية أو مركز متفاوتًا بين سنة وأخرى. وسبق وقلت إن الجمعيات التي صنعت لنفسها استثمارات ناجحة وكوَّنت لنفسها موارد ثابتة من خلال تلك الاستثمارات هي التي تفوَّقت في أدائها.

         ما تمتاز به خزانات التفكير ومهامها:

يرى د. عبد العزيز الحرقان أن الذي يفرِّق think tank عن غيرها هو اختصاصها بالدراسات المتعلقة بالسياسات policy وليست البحث بشكل مطلق. بينما د. وفاء الرشيد لا تتفق معه في ذلك، حيث ذكرت أنها تصدر advocacy وبحثًا علميًّا وسياسات واهتمامات مختلفة من الاجتماع والبيئة…وغيرها. هناك خزانات تفكير متخصصة في مجالات معينة، ومنها السياسة.

المهمة الرئيسية لخزانات التفكير هي ملء الفجوة بين الأكاديميين وصانعي السياسة.

من جانبه، يرى د. خالد الرديعان أن البحث أو الدراسة ينتهي بوضع تصورات أو سياسات، والبحوث غالبًا تنتهي بتوصيات يتم ترجمتها إلى برامج قابلة للتنفيذ. لا يمكن طرح سياسة أو برنامج قبل تشخيص الوضع الراهن، والأخير لن يتأتى دون بحث معمَّق.

وتساءل أ. عبد الله الضويحي: ألا تعتبر مؤسسة راند مركز think tank، فهي تُقدِّم حلولًا تخصصية عن طريق البحوث والعلوم التطبيقية؟ من جانبه ذكر د. عبد العزيز الحرقان؛ بالرغم أنها لا تشمل دراسات بحثيةً علمية مثل الوسيلة الأنسب لزراعة القمح بالمياه المالحة، ولكن المنهج العلمي واحد.

أضاف د. خالد الرديعان: إذًا ننتهي إلى أن مراكز الثنك تانك هي تلك التي تساعد في صنع السياسة العامة للدولة من خلال الدراسات والبحوث؛ وهذا يعني أن بحوثها تطبيقية وبغرض إيجاد حلول لمشكلات قائمة، أو إدخال سياسات جديدة، أو تقويم وتشخيص وضع قائم.

البحوث عمومًا تنقسم إلى ثلاثة أنواع: بحوث أساسية يغلب عليها التنظير، بحوث تطبيقية بغرض حل مشكلات أو صنع سياسات، وبحوث تقييم وتشخيص برامج قائمة. وتعتبر مراكز الثنك تانك معنية بالاثنين الأخيرين.

في السياق نفسه، تساءل أ. عبد الله الضويحي: هل هذا يعني أن تكون المشكلات والسياسات مقتصرة على سياسة الدولة؟ علق د. خالد الرديعان بأن مراكز الثنك تانك تساعد كذلك القطاع الخاص عندما يتم تكليفها ببحوث أو دراسات.

من جانبه تساءل أ. محمد الدندني: أليس من الممكن أيضًا دراسة ظواهر اجتماعية بلا تكليف من أحد، وطرح الحلول؟ لدينا ظواهر اجتماعية تحتاج إلى حلول، ولن تختفيَ بدون تدخُّل الدولة والإيعاز بمحاربتها.

حول ذلك ذهب د. خالد الرديعان إلى أن البحث يحتاج ممولًا خاصّة إذا كان على مستوى واسع، ويستخدم المسح، وهذا مكلف ماليًّا.

قبل عدة سنوات، تم تكليفنا (مجموعة باحثين) بإجراء دراسة عن العنف الأسري في المملكة، وموَّل الدراسة مركز رؤية للدراسات الاجتماعية. وبعد أن قمنا بالدراسة ذيلناها بمجموعة من التوصيات والبرامج للحد من العنف، وتمَّ تبني معظمها من وزارة الشؤون الاجتماعية في حينه.

المركز المذكور موَّل الدراسة من رجال أعمال كانوا يتبرعون للمركز. وبالمناسبة المركز مقرُّه مدينة الرس بالقصيم.

أضافت د. وفاء طيبة أنه بالمفهوم السابق، أقترح أن يكون هناك ثنك تانك تابع لمجلس الشورى وليس المجلس ذاته، يشترك فيه باحثون من الأعضاء ومن خارج المجلس، حيث إنَّ الاطلاع الشمولي لأعضاء المجلس على كل قضايا المملكة وتقارير الجهات المختلفة يؤهلهم للمشاركة في هذا الثنك تانك، فأي سياسة معينة تريد الدولة انتهاجها لا بد أن لها جذورًا وأسسًا وآثارًا على مجالات عديدة في البلاد، ويكون هذا الثنك تانك متلقيًا بطريقة ما للدراسات والبحوث في غيره.

أعتقدُ أن اقتراح مناقشة الموضوع في مجلس الشورى قد يكون أفضل لو تمَّ التقدُّم بنظام للثنك تانك من قِبل مجموعة من الأعضاء، بحيث يأخذ مجراه كغيره حتى يتم الموافقة عليه من المجلس ثم من الملك.

         ما يحتاجه العمل المؤسسي:

أشار أ. إبراهيم آل سنان إلى أنه بسبب أن العمل المؤسسي يحتاج إلى بُنى أساسية تساعد على استدامة أعماله ونموها وتطورها، بتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، وبالحد الأدنى؛ أقترح ما يلي:

١- تأسيس معهد تدريب ملحق بمركز أسبار يُقدِّم دورات تدريبية في التخصصات التي يهتم بها المركز، مثل السياسة والإعلام والتطور، تدريجيًّا في درجات التدريب حتى تصل إلى شهادات الدبلوم العالي أو أكاديمية للدراسات العليا لدعم المركز والمعهد ماديًّا.

٢- يُميِّز هذا المعهد نفسه بنوعية وجودة المدربين والشهادات المقدَّمة من حيث حجم التعاون مع مؤسسات عالمية أو محلية مرموقة، والتوسُّع في عَقْد الشراكات الداعمة والإستراتيجية لتغذية المعهد والمركز بالموارد البشرية.

٣- التوسُّع في الشراكات الإستراتيجية مع المنظمات الدولية وخصوصًا العاملة والمنبثقة من هيئة الأمم المتحدة، وكذلك المراكز والمعاهد العالمية المتخصصة، وطرح عناوين مؤثرة للمنتدى، مثل: (العلاقات السعودية الأمريكية، الإعلام السياسي، سياسات الشرق الأوسط).

٤- استقطاب أسماء جاذبة من الشخصيات العالمية التي كان لها أثر أو أدوار في السياسة والإعلام وضمهم كأعضاء للمركز، مثل سفراء سابقين أو أمناء ومناديب الأمم المتحدة ورؤساء المنظمات الفرعية للأمم المتحدة السابقين أو القائمين على رأس العمل حاليًّا، والاستفادة منهم في ورش العمل والدورات التدريبية التي يقدِّمها المركز أو المعهد.

٥- الانتقال بعد ذلك للمبادرات البحثية والدراسات التي تغطي وتعالج مواضع الخلل والنقص في الخطط التنموية وبرامج التحوُّل والرؤية ومشاكل الأداء الحكومي لتكون دراسات وأبحاثًا موازية، يمكن لهذه البرامج والخطط الاستفادة منها والاستعانة بنتائجها وتقييمها.

٦- المشاركة على المستوى الشعبي في الإحصاءات ذات العلاقة بالعناوين المتصدرة لاهتمامات المواطنين في المجالين السياسي والاقتصادي، وجَعْل هذه الإحصاءات مرجعًا ومخزونًا يمكن لأي جهة ذات علاقة الاستفادة منها.

٧- التنوُّع في منح الرعاية للمنتدى لجهات ذات علاقة بعناوينه، مثل: وزارة الخارجية، أو وزارة الإعلام، أو وزارة الاقتصاد والتخطيط، وغيرها ممن يجد المنتدى الفائدةَ في وجود اسمه وشراكته لرفع الجدوى والقيمة المتوقعة من نتائج المنتدى.

٨- تأسيس مجموعات داخلية من أعضاء الملتقى حسب التخصصات، وتدوير الإشراف على المنتدى بين هذه المجموعات حسب العنوان المطروح للمنتدى، وتكليفهم بوضع اللجان وأوراق العمل والورش التدريبية المرافقة للمنتدى.

٩- وَضْع برامج وباقات عمل لدراسات وأبحاث يحتاجها القطاع الخاص والتسويق لها، ويتم إنجازها بالتعاون مع المتخصصين من أعضاء الملتقى أو خارجه، يكون للمركز نسبة من مردودها المالي والباقي للعاملين على الدراسة.

أسس نجاح مراكز التفكير:

يرى م. حسام بحيري أن نجاح مراكز الـ think tank يعتمد أساسًا على احتياجات أجهزة الدولة المختلفة والجامعات والمؤسسات الكبرى- سواء كانت حكومية أو خاصة- لهذه المراكز.

تأسيس مركز راند كان من قِبل القوات الجوية الأمريكية لدراسة أبعاد التسلُّح النووي ضد الاتحاد السوفيتي، ونجح المركز في إطلاق نظرية الرعب النووي الذي أقنع السوفيت أنَّ أي هجوم نووي مهما كان محدودًا يعني نهاية الاتحاد السوفيتي؛ لأن أمريكا لديها القدرة على الرد فورًا وبعدة طرق، سواء كان من البر أو البحر أو الجو، وهذا الذي مكَّنهم من الانتصار في حربهم الباردة ضد الشيوعية.

جامعاتنا وشركاتنا الكبرى ووزارات الدفاع والخارجية والاقتصاد والتخطيط تحتاج لتأسيس مراكز think tank وتأخرت كثيرًا من عدم تأسيس هذه المراكز، وأعتقدُ أنهم لا بد أن يبادروا بجدية في تأسيس مراكز أبحاثهم الخاصة. ما الذي يمنع شركة مثل أرامكو من إنشاء مركز think tank كمثال؟

يوجد عدد من مراكز الأبحاث الخاصة والتي تمَّ تأسيسها من قِبل رجال أعمال أثرياء، مثل معهد بروكينغز للأبحاث، والذي تمَّ تأسيسه من قِبل روبرت بروكنغز في عام ١٩١٦م، وهناك مسؤولية اجتماعية تقع على عاتق الأثرياء في دولهم  لتأسيس مراكز أبحاث تفيد دولهم. هناك عدد من مراكز الأبحاث التي تركِّز أبحاثها على اتجاه أو هدف معين، مثل: نشر أيديولوجيات محافظة، أو الانفتاح الاقتصادي، أو الاعتماد الذاتي. العامل المشترك بين هذه المراكز أنها مؤسسات غير قابلة للربح، ويوجد لها استقلالية تامة في عمل أبحاثها بدون أن يكون هناك عوامل أو مؤثرات أو قوانين تعيق أعمالها.

وإذا كانت الدولة لا ترى احتياجًا لتأسيس مراكز الـ think tank التابعة لها، فلا بد للجامعات ورجال الأعمال والشركات الكبرى من المبادرة لإنشاء هذه المراكز.

الشركات الكبرى في المملكة ومراكزها البحثية:

ذهب د. خالد بن دهيش إلى أن الشركات الكبرى في المملكة لديها مراكز أبحاث ودراسات صناعية اقتصادية وميزانيات كبيرة؛ كأرامكو، والاتصالات، وسابك، وغيرها. فسابك- مثلًا- لديها عدة مراكز أبحاث ودراسات موزعة في معظم قارات العالم، مثل: أمريكا، وأوروبا، وآسيا.

ولقد زرتُ مركزَ أبحاثها في بنغالور بالهند قبل ثلاث سنوات، فوجدت أنه مفخرة للوطن، إذ به أكثر من 300 باحث، 85٪ منهم من حملة الدكتوراه في مجالات علمية من الجنسية الهندية، ولهم براءات اختراع.

         ويقوم المركز بتقديم ابتكارات تستخدم منتجات سابك في تصنعها، مثل هياكل السيارات بتصاميم مختلفة لشركات مصنعة للسيارات في العالم، والعديد من الهياكل لمقصورات القطارات، حيث شاهدتُ تصاميم لقطارات الرياض والمملكة.

أتمنى أن يكون هناك مراكز أبحاث أو ثنك تانك تهتم بتطوير التعليم، تتبناه شركة تطوير التعليم، يتكون من نخبة من الأكاديميين ورجال الأعمال وأولياء الأمور، ويُطعّم بنخبة من المختصين العالميين في مجال التعليم، فليس من الضروري حضورهم للمملكة، فالتقنية تتولى مشاركتهم عن بعد.

نقاط تحليلية حول مراكز التفكير:

أشار أ. نبيل المبارك إلى أن مراكز التفكير هو المسمَّى- في نظري- الأقرب لما أفهمه من دور ينبغي أن يكون لها؛ وعليه نلاحظ أن البعض حاول التفريقَ بين بعض المسميات للتفريق بالمهمة الأساسية لكل نوع، وأرى أنَّ ذلك أمرٌ قد يكون مفيدًا أكاديميًّا وليس عمليًّا. وهنا عددٌ من النقاط حول تلك المراكز دون ترتيب:

أولًا: لا يُفترض لتلك المراكز إلا أن يكون لديها الموارد اللازمة لإنجاز الدراسات والأبحاث، سواء موارد خاصة أو دعم خارجي، والمراكز الأكثر نجاحًا هي التي لديها مواردها الخاصة من الأوقاف والاستثمارات، أو الملاك.

ثانيًا: المراكز تلك- وتحديدًا الأبحاث والدراسات التي تنتجها عمليًّا- لا يمكن إلا أن تعتمد على بيانات ومعلومات هي أصلًا غير متوفرة في عالمنا العربي أو مغيبة. إذًا كيف يمكن أن يكون لدينا أبحاث ودراسات، فضلًا عن مراكز تفكير أيًّا كان نوعها، وبالذات في الدراسات الاجتماعية؟ أما العلمية فإنه بالإمكان زرعها في أي مكان مناسب من ناحية توافر عناصر البحث والتطوير.

 ثالثًا: وهي نقطة مهمة، كيف يمكن التعامل مع إمكانية اختطاف تلك المراكز من قِبل مؤسسات أو دول لديها أجنداتها الخاصة؟ وهو أمر يحدث في أمريكا وبشكل قانوني لحساب دول ومنظمات، سواء للضغط على صانع القرار في أمريكا أو تسويق فكرة معينة لتبنيها من قِبل المؤسسات الأمريكية أو الإعلام الأمريكي.

رابعًا: يمكن إذا توافرت الموارد أن يكون لدينا نماذج في مراكز التفكير في الدراسات والأبحاث الاقتصادية تحديدًا، التي قد تكون أقل حساسية من المواضيع السياسية أو الاجتماعية، ونحن أحوج ما نكون لها في هذه الفترة في ظل التغيرات الهيكلية في اقتصادات العالم، سواء من حيث موازين القوى أو من حيث مصادر الثروات التي باتت تتغير بشكل متسارع يمكن معه أن نفقد كل مصادر الثروة، مثل فقدان أهمية النفط بسبب بدائل جديدة للطاقة مثلًا. قريبًا يمكن أن نضطر لشراء السيارات وشراء وقودها الخاص معها.

خامسًا: لا أرى مشكلةً في التمويل الرسمي في العديد من المواضيع لمراكز تفكير متخصصة؛ لأن الممول يفترض أن يحصل على منتج جيد يستفيد منه، ولكن ومن واقع تجربة مع بعض المراكز في الداخل- بما فيها مراكز محسوبة على جهات رسمية- نجد أن المنتج النهائي ضعيفٌ، وقد يكون للنقطة الأولى- وهي عدم وجود معلومات وبيانات تساعد الباحث والمراكز- دور في ذلك، ولكن هناك بالتأكيد أسباب أخرى لضعف المنتج غير نقص البيانات والمعلومات.

سادسًا: لماذا لا يكون لدينا على أقل تقدير مراكز لتحليل الدراسات والأبحاث التي تُكتَب عنا، والتي تُقدَّم لصناع السياسة في الدول المؤثرة، مثل أمريكا. وهذا أضعف الإيمان، فهم لا يتخذون قرارًا إلا بعد دراسة وافية لكل ردات الفعل من قِبل الشعوب والقادة.

سابعًا: لا ننسى أن أهم أدوار تلك المراكز- بغض النظر عن أسباب تأسيسها- هي إنتاج “المعرفة”، وهو سبب كافٍ للوجود، حتى وإن لم تُدعم من متخذ القرار. حتى أن بعضها ينتج دراساتٍ تاريخيةً ولكنها ضروريةٌ لقراءة المستقبل.

ذكر أ. محمد الدندني أنه يتفق مع أ. نبيل في النقطة الرابعة، وهي التي تتعلق بالشأن الاقتصادي، ولكن كيف نصل لأفضل الحلول بلا طرق، أقلها الشأن الاجتماعي والسياسي من الناحية الإدارية؟  أفهم أن الشأن الاقتصادي موضوع علمي بحت، ولكن يتأثر بعوامل اجتماعية نعاني منها.

أيد ذلك أيضًا د. محمد الملحم خاصة ما يتعلق بمسألة التمويل الرسمي، وأشيدُ بالنقطة السادسة لتحليل ما يُكتَب عنا. وهو ما اتفقت معه فيه أيضًا د. وفاء طيبة، حيث ترى أن هذه النقطة ضرورية، كما أيدت التنوع في الفقرة الأخيرة لأهميته.

مدى حاجة المملكة إلى خزانات التفكير:

ذهب د. عبد الله بن صالح الحمود إلى أن بناء الأوطان هي عملية ديناميكية تتأتى أو يتأتى الإنتاج منها من خلال عوامل عدة، يأتي في مقدمتها الحثُّ والحراك المنتظم والمستمر لاكتمال البناء، ولن يتحقق ذلك دون أن يتوافر في المجتمع أناس أو مجموعة من المفكرين يجري تهيئتُهم ودعمهم دعمًا غير محدود، وذاك يُعدُّ سياسة لا بد من توافرها على هذا النحو لتتبُّع الأحداث والاستجابة لمتطلباتها.

وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤل، وهو: “هل نحن بحاجة إلى توافر خزانات أو مراكز للتفكير”؟ لا شك أن الجواب يأتي ليس بنعم”، إنما بوجوب إنشاء مثل هذه الخزانات أو المراكز مهما كان المسمى، وهو ما يؤكد أن هذا المسلك هو عنصر أساسي لقيادة الأمة، نهوضًا وعزةً ورفعةً للنيل من مكتسبات عديدة، اجتماعية وإنسانية واقتصادية وأمنية، وفي الوقت نفسه تنجو المجتمعات من خطط وأفعال غير مدروسة قد يغرق بسببها أي مجتمع حين يسير وفق أهواء فردية، وربما نفوس تهدف إلى التدمير بدل البناء والرقي.

أيضًا هناك أمر مهمٌّ للغاية، وهو أنه قد يُعاب على مجتمع يطمح إلى النهوض أن يفكِّر بعقول غيره ممَّن ربما لا يرقبون فيه إلًّا ولا ذمة، وهذا بلا شك إذا افترضنا أن هناك دولًا تفكِّر في استقطاب جهات أو أشخاص لا ينتمون لمجتمعها.

بينما ما هو مفترض أن تتحقق الجهود والمكتسبات من خلال أفراد المجتمع نفسه، وهنا لا بد من الأخذ بزمام المبادرات، مع التأمل للواقع واستشراف المستقبل استعدادًا وتطبيقًا لذلك.

    ولهذا فإنه لاكتساب ما هو مرجوّ؛ فإن تلك المسائل بحاجة إلى عصارة فكر المفكرين، وإلى استثمار هذه العقول وجمعها في مجامع يمكن من خلالها طبخ القرارات الإستراتيجية، وإلى الإدراك أن النهوض بالأشياء يحتاج إلى خزانات أو مراكز للتفكير لها احترامها وتقديرها ومكانتها الفعلية في صياغة الأحداث وصناعة التأثير، وفي المساهمة في قيادة الأمة.

وعمليًّا، فإن تحقيق ما هو مرجوٌّ للنهوض بمثل هذه الخزانات أو المراكز المنوط بها مسائل التفكير، لا بد من إيجاد العديد من العوامل التي تؤسِّس لإنتاج دراسات وبحوث تكون الأنموذج الذي يُحتذى نحو كفاءة التطبيق والأداء، مع الإدراك أن الأهداف المراد تحقيقُها لا بد من فَهْم ومعرفة الحاجة الملحة منها مرحليًّا، وتلك التي تُعَدُّ شبه ملحة.

يبقى القول إنه يجب معرفة الأولويات وكيفية توجيه ما هو مفترض الإتيان به الآنَ، حتى لا تذهب الأموال والأوقات والجهود نحو مبادرات إسهامها مجتمعيًّا لا يوازي ما يُقدَّم لها من تلك الأمور.

وهنا أقترحُ أن نسعى من الآنَ إلى التشجيع والتحفيز نحو ما هو ملح في هذه المرحلة التي نعيش فيها، من خلال تقلبات ومتغيرات لا بد من مواجهتها، وذلك بما يلي:

– إنشاء خزانات أو مراكز أبحاث ذات أبعاد إستراتيجية، تختص بـ” كيف يتم بناء علاقات دولية بين الدولة ودول أخرى، ولا سيما الدول ذات العلاقة الوطيدة.

– إنشاء معاهد ذات أبعاد إستراتيجية تتعدد فيها الأهداف والمخرجات، وأن يقوم عليها كفاءات أكاديمية متخصصة في مناهج البحث، وصاحبة تجارب سابقة مشهودة لها بالكفاءة والحضور محليًّا وعالميًّا.

– أن تُعتمد موازنات مالية لخزانات أو مراكز التفكير، حتى لا تضعف في أدائها وإنتاجها مع مرور الزمن.

– أن تكون هذه الخزانات أو مراكز التفكير ذات استقلالية إداريًّا وماليًّا.

–  أن امتلاك الدول والمجتمعات للمعرفة وتوظيفها هو معيار القوة، ولأن ذلك يُشكِّل أساسًا لامتلاك سبل الثروة والرقي في كل مجالات الحياة كافة، فهنا لا بد من أن نسعى إلى أن نجعل من المعرفة المرشد الأول لتحقيق ما نصبو إليه.

تجربة شخصية في التعاون مع مراكز البحوث:

ذكر د. حمزة بيت المال أنه لا جدال حول أهمية مثل هذه المراكز لصناعة القرار. كما أشير إلى أهمية دور الإعلام في مساهمته لتعزيز دور منتجات هذه المراكز للمجتمع.

وبحسب تجربتي في الجانبين كمشارك أو متعاون مع بعض المراكز، وكمقيم لمنتجات بعض المراكز البحثية التي تطلبها بعض الجهات من المراكز البحثية؛ بالنسبة لتجربة المشاركة، للأسف، قليلةٌ تلك المراكز التي تُقدِّر الباحث، ويُلاحظ على بعضها أن جلَّ اهتمامها هو توفير المال (المشكلة أنني أكتبُ هذه المداخلة لملتقى مركز أبحاث، ويجب أن أوضِّح ليس للمدح – فلقد تجاوزت هذه المرحلة- وإنما حقيقة، من أفضل المراكز التي تعاونت معها وتُقدِّر الباحثين مركز أسبار).

لذلك يُلاحظ أنَّ كثيرًا من هذه المراكز تتعاون مع باحثين غير مختصين رخيصي الأجر والتكلفة؛ وذلك يؤثر على جودة المنتج.

بالنسبة للجهات التي تطلب دراسات أو تتعاون مع مراكز لتقديم المشورة والرأي عن طريق الدراسات، يلاحظ عليها الأمور التالية:

١- ضعف تحديد مواصفات المطلوب دراسته؛ وذلك قد يكون بسبب عدم أهلية المكلفين من الجهة لطلب الدراسة، أو عدم تخصصهم المناسب في موضوع الدراسة.

٢- النظرة لمثل هذه الدراسات أنها فقط للديكور، تُؤخذ من المركز وتدفع التكاليف وتُوضع في الدرج، وتُضاف كعنوان في التقرير السنوي للجهة.

تنشأ بعض الأحيان مشكلة بين الجهة الطالبة للدراسة ومركز الدراسات إذا كان الرأي أو النتائج مختلفة عن توقعات هذه الجهة.

تعليقات حول خزانات التفكير:

أورد د. رياض نجم مجموعةً من النقاط والتعليقات حول خزانات التفكير تتلخص فيما يلي:

– هناك حاجة ماسة لإنشاء مراكز تفكير في المملكة؛ لإثراء التفكير المتعدد في معالجة قضايانا الداخلية وتعاملنا مع الغير (دول ومؤسسات).

– مراكز التفكير هي نوع من مؤسسات المجتمع المدني، وليست بديلًا عنها.

– من الضروري أن تكون مراكز التفكير ذات استقلالية تامة فيما تدرسه وما توصي به، ومصداقيتها مرتبطة بهذه الاستقلالية.

– لا يمكن قصر تمويل هذه المراكز على قطاعات معينة؛ لأنها تحتاج إلى تمويل لتغطية نفقاتها وإن كانت مؤسسات غير ربحية. وبالتالي يمكن تمويلها من مؤسسات مجتمع مدني و/أو شركات – أفراد – أجهزة حكومية؛ بشرط الإفصاح عن جهات التمويل، وعدم تدخُّل الممول فيما يدرسه المركز أو يُوصِي به.

– يمكن أن تنشأ هذه المراكز بالحد الأدنى من شروط الترخيص حتى نشجِّع على إنشائها، على الأقل في السنوات الأولى من السماح بها.

بالرغم من أن مجلس الشورى لا ينطبق عليه تعريف (برلمان) المستخدم في كثير من الدول، إلا أنه يظلُّ الجهة التشريعية حسب النظام الأساسي للحكم في المملكة. وبالتالي لا يمكن أن يُحوَّل إلى مركز تفكير.

ما يمكن أن يقوم به مجلس الشورى هو أن يتبنى إنشاء مراكز تفكير في المملكة في تخصصات متعددة، ويضع نموذجًا لها.

وذكرت د. فوزية البكر أن فكرة إنشاء مراكز التفكير- إذا شئنا أن نسميها كذلك- فكرة رائدة، وتعبِّر عن احتياج حقيقي لكافة قطاعات الدولة خاصة مع هذه التغيرات الهائلة التي نشهدها بفعل رؤية ٢٠٣٠، وأظنُّ أنه يكفي أن نتذكر- مثلًا- أن اجتماعات قمة العشرين التي عُقدت في الأرجنتين قبل فترة قصيرة ستُعقد في المملكة في أقل من عامين، فهل نحن مستعدون لها؟ إذ من المعروف أن هذه القمة- مثلًا- يتبعها أجنحة متعددة من التخصصات المختلفة: في التجارة، والصناعة، وريادة الأعمال، والعلوم، والأكاديميا… إلخ، بما ينتج معه عقد الصفقات والاستفادة من تجارب الدول، فهل كانت الفرق التي رافقت ولي العهد -على سبيل المثال لا الحصر- مسلحةً بالمعلومات والبيانات والدراسات الكافية التي تجعلها على مصاف فرق الدول التي شاركت في هذا الاجتماع المهم؟ وهل تمكَّن الوفد المرافق من الاستفادة بما كان متاحًا من فرص علمية وتقنية وتجارية؟ وهل كان له مصادر كافية من المعلومات الموثقة الصادرة عن مراكز بحثية موثوقة؟ وهي الأسئلة ذاتها التي ستُطرح بشكل أكبر لاستضافة المملكة لهذا الحدث قريبًا.

من جهة أخرى، يبدو أن مِن العوامل الرئيسية التي ستؤثِّر على عمل هذه المراكز (وهي العوامل التي لا تعاني منها الثنك تانك في بلاد أخرى) هي العوامل  الثقافية السائدة، التي تحدِّد طبيعة التوقعات والممارسات سواء من الساسة أنفسهم أو ممَّن سيعملون في هذه المراكز تجاه الكتل السياسية أو المتنفذة اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا أو دينيًّا أو قبليًّا، إذ قد تتداخل في الدراسات أو نتائجها أو مَن يمول الدراسات أو لمَن تُعطى الدراسات من الأساس، إضافة إلى أن البنى السياسية بطبيعتها الأتوقراطية والقبلية قد لا تسمح بمساحات حرية كافية تتيح لهذه المراكز أن تحقق أهدافها.

مهام لبعض الجهات والمؤسسات في المملكة مشابهة لمراكز التفكير:

ترى د. الجازي الشبيكي أنه بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول ترجمة مصطلح الـ Think Tank، إلًا أن أهم ما يميزه هو التركيز على أهمية صنع واتخاذ القرارات على أساسٍ من البحث والدراسة والحوار والنقاش، وتقديم المقترحات والحلول والبدائل لأصحاب القرار والمؤسسات والمنظمات في المجتمع.

هناك العديد من الجهات التي تقوم بمهام مشابهة لمراكز التفكير في بلادنا، مثل: الجامعات ومراكز الاستشارات، وهيئة الخبراء ومجلس الشورى، ومجتمعنا السعودي في هذه المرحلة بالذات (مرحلة النقلة التطويرية التنموية باتجاه تحقيق رؤية 2030) بحاجة ماسّة إلى أعداد مكثفة من مراكز وعقول التفكير، والوضع يستوعب المزيد والمزيد.

وملتقى أسبار بما يضمُّه من عضوية نخبوية فكرية، حريٌّ به أن ينتقل في مستوى عضويته إلى مرحلةٍ تتناسب مع ما تشهده البلاد وتسير باتجاهه من نمو وتقدُّم، بحيث يستثمر مقوماته والفرص المتاحة بشراكات مدروسة مع القطاعات البحثية ذات العلاقة، والقطاعات الحكومية، ويبدأ بالقضايا التي تهمُّ الوطنَ والتي لا حساسية ولا صعوبة في الحصول على معلوماتها حتى يكسبَ الثقة، ومن ثَمَّ يتدرج في القضايا الأكثر عمقًا؛ وبذلك يكون سندًا فكريًّا قويًّا  لصُنَّاع القرار بتقديمه للتحليلات والدراسات، ومن ثَمَّ البدائل المتاحة  للأخذ بما يناسب منها.

بطبيعة الحال، فإن هذه الخطوة تستلزم إعادة النظر في نظام العضوية وإجراء العديد من التعديلات والإضافات والمتطلبات، كما تستلزم سندًا تمويليًّا من القطاع الخاص ذي العلاقة بمشاريع الدولة الكُبرى من خلال اتفاقيات وتفاهمات تتضمن مصالح متبادلة ومشتركة.

رؤية غير متفائلة حول مراكز التفكير:

ذكر د. مساعد المحيا؛ لستُ متفائلًا بإمكانية وجود مراكز التفكير هذه أو المراكز البحثية وبخاصة ذات المسار غير الحكومي. إذ إن المعيارية التي يقترحها الزملاء لهذه المكاتب الاستشارية يستحيل أن تُطبَّق في الدول النامية؛ وبالتالي فإن الأمل في وجودها الحقيقي لا الشكلي هو ضربٌ من الخيال.

نحن لدينا الكثيرُ من المؤسسات الاستشارية الحكومية والخاصة، وكل هذه المؤسسات تقدِّم الكثيرَ من الأفكار والآراء والعديد من المقترحات والتوصيات، بيد أن غالب ما تقدِّمه هذه الكيانات هي مقترحات لا تمتد ولا تصل لأرض الواقع برغم ثرائها، إذ المسؤول لا يرى لها أهميةً إلا في جوانب معينة ومحددة.

جامعاتنا عبر كلياتها وعمادات البحث العلمي والمعاهد والمراكز المتخصصة فيها، ومجلس الشورى، والمراكز المتخصصة في القطاع الخاص، كلها تزخر بكفاءات متميزة، وتدفع بالكثير من الدراسات والرؤى والنتائج والمقترحات؛ والنتيجة هي أن تُوضع في رفٍّ في المكتب أو المكتبة، إذ لم تمتد إليها يدُ التنفيذ والإفادة، بما في ذلك البحوث والدراسات التي تطلبها العديدُ من الجهات من مراكز الدراسات للقيام بها.

هذا الواقع يعمق الإحباط لدى المتخصصين، ويجعل الشعور بوجود مراكز تفكير ودراسات بحثية واسعة الاهتمام ومستقلة وذات تمويل ذاتي أمرًا بعيدَ المنال.

ولذا أميل إلى أن المسؤول ربما لديه شعور بضعف هذه المراكز أو ضعف كفاءاتها أو مخرجاتها؛ ولذا تجدُ أن جلَّ الأمور المهمة أصبح مستشاروها مكاتبَ وشخصيات أجنبية.

لذا أظنُّ أن البعض لدينا نجح في إنشاء مراكز دراسات في أمريكا ودول غربية وآسيوية، وأصبح يستخدم علاقاته الشخصية ليكون مركزه ومكتبه هو أحد المكاتب الاستشارية التي تُوكل لها دراسات وبحوث مهمة. والنتيجة تحقيق مصالح خاصة فقط، عبر عقود ضخمة.

ومع ذلك فجميل أن نظل نؤمّل ونعمل مع المسؤولين ليستثمروا في مراكز التفكير هذه وينشِئوها وليفيدوا من برامجها.

ترى د. عبير برهمين أنه برغم سوداوية الطرح إلا أنه واقعي، وأتفق فيه مع د. مساعد.

بينما في اعتقاد أ. محمد الدندني أن ما لا يُدرك جلُّه لا يُترك كلُّه، وربما قليل من التفاؤل هو عقلاني في هذه المرحلة. أعتقدُ أن الكلَّ يتفهم نظرتك غير المتفائلة بسبب الماضي. المشكلة في أننا لا نطلب ونلحّ على المسؤولين في كثير من الأمور ونقنعهم بالعيون السوداء أو البشرة السمراء.

ما يحزنني أننا حتى لا نتابع ونرد على ما تنشره مراكز التفكير في الخارج، وبالذات في الغرب. لعلنا فقط نصل إلى مرحلة الرد بجانب وضع دراسات لماذا كُتب وما هو العلاج. دولة مثل إيران عدوٌّ منذ ٤٠ سنة، بل إنها عدوٌّ منذ الأزل في نظري وستبقى، ولا يوجد لدينا مركز يتابع المجتمعَ الإيراني بكل أطيافه ومعتقداته، وتتبُّع حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أما من ناحية حرية الرأي، فأعتقد أننا هنا وبسبب نوعية المنتج لا يجب أن تكون هذه عقبة في الجودة. فالدراسات الاجتماعية والاقتصادية تقلُّ فيها درجة الحساسية، وتقل فيها الخطوط الحمراء. وإذا كان المنتج يحتاج للمداراة فليس من الخطأ أن لا يُنشر، ويُكتفى باطلاع صاحب القرار. وأجزمُ أن بعض دراسات المراكز الفكرية تكون على درجة من السرية، وهذا مطلوب وخاصة إذا كانت الدراسة تخصُّ دولًا أخرى وموقفنا منها..إلخ.

قراءة حول أهمية تواجد مراكز التفكير بالمملكة:

ذكرت د. عبير برهمين؛ أتفقُ مع كثير مما طرحه هنا الزملاء والزميلات.  وأظنُّ أنه لا أحدَ يختلف على أهمية مراكز التفكير أو تحويل مركز أسبار إلى أحدها. كما أظنُّ أن الكلَّ متفقٌ على أهمية وجود مصدر تمويل مستدام للمركز. إذا اتفقنا على النقاط أعلاه، فإنه من المهم أن نضع في الحسبان بعض النقاط المهمة، وهي: أولًا، تحديد دور مركز أسبار ودائرة تخصُّصه، ومَن هي الجهة أو الجهات المستفيدة مما ينتج عن المركز.

اتفقنا أن مراكز التفكير تساعدُ أصحاب القرار في تغيير سياسات إجرائية أو بحث نجاعة قرار جديد أو تقوم بعمل مناصرة للدفع بإقرار شيء جديد. وبغض النظر عن ماهية القرار اقتصاديًّا كان أو إعلاميًّا أو اجتماعيًّا أو خلافه، فإنه لا بد أن يتقاطع أو يمس بعض الخطوط الحمراء بشكل أو بآخر، والسؤال المطروح هنا هو كيف نؤصّل أهمية هذه المراكز؟ في رأيي المتواضع، أن أي مركز يكتسب قوته بمدى قوة وجرأة طرحه ومنهجه، وذلك يتطلب سقفًا عاليًا جدًّا جدًّا من الحريات (حرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الانتقاد). فما الذي يكفل ذلك لمراكز التفكير المقترحة؟ ماذا لو كان المنتج عن هذه المراكز يتضمن انتقادًا كبيرًا لقرار ما أُقِّر من أصحاب القرار أو الجهات الحكومية العليا؟ نعم، قرارات أي مركز غير ملزمة لكنها ستكون معلنة، وهذا يتطلب نوعًا من الحماية أو الحصانة بشكل أو بآخر لأعضاء أي مركز تفكير.

النقطة الثانية، وهي تخصُّ جهات التمويل، مَن يموِّل المركز يمتلكه، فمصادر التمويل تشكِّل ضغطًا تلقائيًّا بشكل أو بآخر على أي مركز تفكير؛ لأن المركز يتطلع للاستدامة. والتمويل هو إحدى وسائل (اختطاف توجُّه أي مركز وتغيير مساره ولو آنيًّا).

النقطة الثالثة، والتي أودُّ التطرق لها هي التخصص. أنا مع تخصُّص المراكز، وضرورة وجود مختصين حسب المجال أو الأهداف التي تنشأ المراكز على أساسها، إلا أنني دومًا أؤمن أن اختلاف وجهات النظر يعطي نتائج أفضل، وإن كانت متعارضة مع التوجُّه الأساسي. بمعنى، وجود ما يُسمَّى مجازًا بمحامي الشيطان مهم، وهو بأهمية وجود أصحاب الاختصاص؛ لأنه دومًا سيكون محفِّزًا لأسئلة جوهرية على مبدأ” ماذا لو حصل العكس”؟

ختامًا؛ أتطلع فعلًا لوجود مراكز تفكير محلية تعمل للصالح العام، وتنقلنا إلى مرحلة متميزة للمساهمة في صنع القرارات التي تمسُّ المواطن، وتكون مراكز مؤثرة لا مراكز تفكير صورية، ليُقال فقط عندنا مراكز تفكير.

 

¤                التوصيات:

  1. توظيف الإعلام والاستفادة منه بتوعية المجتمع عمومًا (الأفراد والمؤسسات ورجال الأعمال وصناع القرار) بأهمية “مراكز التفكير” ودورها في نهضة الأمم وتقدُّمها.
  2. تأسيس هيئة علمية مستقلة لتقييم أداء مراكز التفكير وإصدار التصاريح لها، وأن تكون جهة مرجعية لتصنيفها من حيث التخصص ومستوى الجودة.
  3. أن تبادر إحدى المؤسسات الثقافية أو البحثية بتأسيس (مركز تفكير تطوعي)، وترصد تفاعلات مؤسسات القرار معه؛ لنفهم كيف تعمل مثل هذه الكيانات في ظل تواضع خبراتنا وثقافتنا في هذا المجال.
  4. إدراك أهمية المؤسسات غير الربحية في مجال الدراسات والبحوث، وأن لا تقتصر نظرتنا للبحث العلمي على العلوم الطبيعية، بل لا بد من الاهتمام بالعلوم والدراسات الاجتماعية “العلوم الإنسانية عمومًا”.
  5. الاستفادة من التجارب العالمية في “مراكز التفكير”، وتطبيق الأفضل والأمثل للمملكة، بما يثري التفكير المتعدد في معالجة قضايانا الداخلية وبناء علاقاتنا وتعاملنا مع الغير (دول ومؤسسات).
  6. حث رجال الأعمال على تبني “مراكز تفكير” وتوعيتهم بأهميتها وتسميتها بأسمائهم؛ تقديرًا لهم وتشجيعًا لهم على إنشائها ودعمها.
  7. الاستفادة من الخبرات التي عملت في مراكز قيادية أو عُليا في الدولة بعد تقاعدهم للعمل في مراكز التفكير، أو أن يُنشَأ مركز خاص بهم، أو جمعهم في مراكز متخصصة تتمتع بالاحترام والتقدير والقدرة على صناعة التأِثير بنهج يليق بفكرهم ومكانتهم.
  8. كتابة عرض ضافٍ عن أهمية “مراكز التفكير” والدفع به إلى مجلس الشورى كي يتبناه مجموعة من أعضاء المجلس لمناقشته والتصويت عليه، لتكتسب أهميتها منه، وأن تصدر لوائح تنظِّم عملها وطُرق تمويلها.
  9. تأسيس (مراكز تفكير للدراسات المناطقية) في جامعات المناطق، فعلى الرغم مما أنفقته المملكة من تبرعات (بما في ذلك الأفراد) لمراكز الدراسات المناطقية والمتخصصة (مراكز دراسات عربية ومراكز دراسات إسلامية) في الغرب إلا أننا لم نتبن الفكرة نفسها رغم أهميتها.
  10. تأسيس “مراكز تفكير” في الوزارات السيادية والمهمة والجامعات والشركات الكبرى، تكون خاصة بها للاستفادة من كفاءاتها الوطنية، وعدم الاعتماد على المراكز والخبرات الأجنبية.
  11. تأسيس “مركز تفكير” يهتم بتطوير التعليم، تتبناه شركة تطوير التعليم، ويضمُّ نخبة من الأكاديميين ورجال الأعمال وأولياء الأمور مع مختصين عالميين في مجال التعليم لا يُشترط حضورهم للمملكة، فالتقنية تتولى مشاركتهم عن بعد.
  12. الاهتمام بـ “مراكز التفكير” في الدراسات والأبحاث الاقتصادية التي نحن أحوج ما نكون لها في هذه الفترة في ظل التغيرات الهيكلية في اقتصادات العالم، سواء من حيث موازين القوى أو من حيث مصادر الثروات التي باتت تتغير بشكل متسارع.
  13. تأسيس “مراكز تفكير” لتحليل الدراسات والأبحاث التي تُكتب عنَّا، والتي تُقدَّم لصناع السياسة في الدول المؤثرة، فهم لا يتخذون قراراتهم إلا بعد دراسة وافية لردات الفعل من قِبل الشعوب والقادة.
  14. تسهيل مهمة “مراكز التفكير” في الوصول إلى المعلومات من كافة الجهات الحكومية، بما يسهم في نجاح أي دراسة تقوم بها هذه المراكز، حتى لا يقع الباحث في مأزق التخمينات والانطباعات الشخصية مما يفقد الدراسة المصداقية والقيمة العلمية، وبالتالي صعوبة الاستهداء بنتائجها وتطبيقها.
  15. نظرًا لتكلفة “مراكز التفكير” المادية، يمكن أن تُنشأ هذه المراكز في البداية بالحد الأدنى من شروط الترخيص حتى نُشجِّع على إنشائها، وتمويلها من مؤسسات مجتمع مدني أو شركات- أفراد- أجهزة حكومية، بشرط الإفصاح عن جهات التمويل، وعدم تدخل المموِّل فيما يدرسه المركز أو يُوصِي به.

القضية الثانية:

مشروع سلام للحوار الحضاري

كاتب الورقة: د. سعيد العمودي.

المعقبان:

د. زياد الدريس.

أ. خالد الوابل.

إدارة الحوار: د. عبير برهمين.

 

¤                الملخص التنفيذي:

تنسجم جميع مسارات مشروع سلام للحوار الحضاري مع رؤية المملكة 2030، لترسيخ مبادئ التعايش والحوار بين البشر باختلاف أديانهم وثقافاتهم وأعراقهم، وكذلك من أجل بناء صورة ذهنية حقيقية وإيجابية عن المملكة في مختلف المحافل الدولية، وتقديم منجزاتها الحضارية، وإبراز دورها الرائد في التعايش وبناء السلام العالمي.

وقد أشارت الورقة الرئيسة إلى أن مشروع سلام يأتي للإسهام الفاعل في رسم الصورة الصحيحة وفق أساليب مدروسة ومبنية على حقائق ومعلومات موثقة، وذلك عبر دراسة وتحليل التقارير الصادرة من مختلف المنظمات ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام المختلفة، لتوفير ملخصات لأبرز القضايا المثارة عن المملكة، ورصد مدى تأثير تلك التقارير من أجل وضع الحلول العملية لمواجهتها.

كذلك أكدت الورقة أن قيم المشروع تتركز في التعايش، وقبول التنوُّع، والتواصل الحضاري، والسلم العالمي، والمواطنة. بالإضافة إلى أن الأهداف المرجو تحقيقها من خلال المشروع تتلخص في تأهيل قيادات واعدة من المحاورين الشباب لتمثيل المملكة في المحافل الدولية، واكتشاف الطاقات الكامنة لدى الشباب وتفعيلها، وبناء شخصية قيادية حوارية شبابية متكاملة للحوار والتواصل مع الثقافات الأخرى.

وذهبت التعقيبات إلى أن الربيع العربي و”تويتر” لم يُحدثا نمطًا جديدًا في التفكير، بل سمحا لنمط جديد من التعبير عن الأفكار ليظهر فوق السطح، ومع ذلك فإنه من المؤكد أن المجتمع ما زال بحاجة إلى المركز الوطني للحوار، لكن بعد أن يعيد المركز النظر في رسالته ورؤيته ووسائله، بحيث تتواءم مع معطيات حوار ما بعد “تويتر”. كما أنه من المهم أن يعطي المركز أولوية لإشاعة ثقافة الاحترام، وكذلك تكريس ثقافة الاحترام.

كذلك اقترحت التعقيبات أن يُستفاد من أبنائنا المبتعثين في الخارج بالتواصل مع أساتذتهم في الجامعات ودعوتهم لزيارة المملكة، والاطلاع من كثب عن حقيقة المملكة.

وأشارت المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة إلى أن ما تحتاجه المملكة حقيقةً هو مشروع إعلامي جديد يعرف كيف يصل إلى ذهنية القارئ الأجنبي، ويتمكن من إقناعه بأن السعودية دولة سلام وحضارة.

وفي الوقت الذي رأى فيه المناقشون أنَّ هناك شعورًا بنوعٍ من الضبابية في آلية استقطاب المشاركين والمشاركات، وبالنسبة لمعايير الاختيار؛ فإن الآراء اتفقت على أن هذا المشروع يقدِّم الوطن بصورة جميلة، ويوسع دائرة التعرف على داخلها، ويشرع نوافذ بيتنا ليرانا العالم من حولنا ويعرف حقيقة ما نحن عليه، كما أن أهداف مشروع سلام ومركز الحوار الوطني سامية وتصبُّ في صالح الوطن من زاوية حوار الشباب مع نظرائهم في الخارج.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: دعوة الجامعات لتبني مشاريع شبابية حوارية على مستوى عالٍ من التميز والاستمرارية، الاستفادة من الطلبة المبتعثين في الخارج في التواصل البنَّاء المُعَد له إعدادًا جيدًا مع جامعاتهم وأساتذتهم وزملائهم، حث منظمات المجتمع المدني في بلادنا على تنظيم التواصل الحواري المستمر مع فئات متعددة من مجتمعات العالم، الاهتمام بإشاعة السلام والحوار والتعايش داخل المجتمع قبل مدِّ الجسور خارجه، أهمية تركيز تعليمنا وإعلامنا وكذلك قوانيننا على الإقرار بسنة الاختلاف بين البشر وترسيخ فهمها بعيدًا عن الاستقطاب والإقصاء والتخوين، والدعوة إلى تعزيز التعايش داخل المجتمع، العناية بالتواصل مع المؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني الممثلة في البرلمانات والمجالس النيابية بشكل أكبر، إبراز دور المملكة الخيري في التبرعات والأنشطة الخيرية وإبراز المنجزات الداخلية، مثل: تمكين المرأة: وحقوق الوافدين في العمل، والاستثمار داخل المملكة.

مقدمة:

إن مشروع سلام للحوار الحضاري يركِّز على تعزيز التواصل والتعايش الحضاري مع مختلف الشعوب في دول العالم، بما في ذلك المقيمون بالمملكة، من خلال رصد وتحليل واقع الصورة الذهنية عن المملكة عالميًّا، واقتراح مبادرات لسُبُل تحسينها، والتعاون والتكامل مع القطاعات ذات الصلة. بالإضافة إلى نشر قيم التعايش والوئام والرحمة واحترام التنوُّع في الثقافة السعودية، التي تُشكِّل العلاقات الاجتماعية والحضارية بين فئات المجتمع السعودي من جهة، ومع غيرهم من الشعوب المختلفة من جهة أخرى.

كما أن جميع مسارات المشروع تنسجم مع إستراتيجية المملكة الطموحة التي عبرت عنها رؤية 2030، لترسيخ مبادئ التعايش والحوار بين البشر باختلاف أديانهم وثقافاتهم وأعراقهم، وكذلك من أجل بناء صورة ذهنية حقيقية وإيجابية عن المملكة في مختلف المحافل الدولية، وتقديم منجزاتها الحضارية، وإبراز دورها الرائد في التعايش وبناء السلام العالمي.

لذا تُعدُّ قضية “مشروع سلام للحوار الحضاري” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمها د. سعيد العمودي، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (نقطة ضوء وتفاؤل بمشروع سلام للحوار الحضاري، مشروع إعلامي جديد، مخرجات مبادرات ومشروعات سابقة مشابهة، صورة ضبابية في الإعلان عن المشروع، المواطن السعودي أداة إعلامية عن المملكة، التصدي للحرب الإعلامية على المملكة، الإعلام الغربي وكيفية التعامل معه، قراءة في مشروع سلام، أهداف مشروع سلام ومقترحات حوله، تحسين صورة المملكة في الخارج، تداعيات الصورة السلبية المغلوطة عن المملكة، تجارب المملكة مع ثقافة الحوار، أسلوبنا في الحوار مع الآخر وتوصيل صورتنا، إصلاح الصورة الخارجية تبدأ من الداخل). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة، وفيما يلي نص الورقة التي كتبها د. سعيد العمودي، وعقَّب عليها كلٌّ من د. زياد الدريس وأ. خالد الوابل.

كتب د. سعيد العمودي: تحظى المملكة العربية السعودية بعلاقات متينة مع المجتمع الدولي وباحترام المنظمات العالمية؛ مما يستوجب أهمية المحافظة على هذا المكتسب، ويتوازى مع ذلك الحملات الإعلامية والتقارير التي تصدر عن المملكة العربية السعودية بتحيّز شديد، وتصنع صورةً ذهنية سلبية، ولا يوجد مراجعة أو مواجهة لها.

لذلك يأتي مشروع سلام للإسهام الفاعل في رسم الصورة الصحيحة وَفْق أساليب مدروسة ومبنية على حقائق ومعلومات موثقة، وذلك عبر دراسة وتحليل التقارير الصادرة من مختلف المنظمات ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام المختلفة؛ لتوفير ملخصات لأبرز القضايا المثارة عن المملكة، ورصد مدى تأثير تلك التقارير من أجل وضع الحلول العملية لمواجهتها. وقام المشروع بإنتاج عدد من الإصدارات عبر عدد من المسارات وَفق التالي:

 1. الصورة الذهنية للمملكة العربية السعودية لدى الشعوب والمجتمعات الأخرى (8 إصدارات).

2. قضايا وتحديات (ثلاثة إصدارات).

3. عشرون حقيقة عن المملكة لا يتناولها الإعلام الدولي (ثلاثة إصدارات).

4. التقارير الخاصة (9 إصدارات).

وستبقى تلك الدراسات حبيسةَ الأرفف إن لم توجد أدوات لتفعيلها واستخدامها بشكل فعَّال؛ لذلك يسعى مشروع سلام للتواصل الحضاري- بكونه جهةً معنيةً بالحوار والتواصل الدولي، بالتنسيق مع أكاديمية الحوار- إلى بناء وتصميم مشروع متخصص لتأهيل الشباب للحوار العالمي وَفق أفضل الممارسات والتجارب المحلية والدولية؛ للمساهمة في إعداد شباب مؤهل لتمثيل الوطن في المحافل الدولية، وبما يتوافق مع رؤية المملكة 2030.

▪ قيم المشروع: تتركز في التعايش، وقبول التنوُّع، والتواصل الحضاري، والسلم العالمي، والمواطنة.

▪ الأهداف المرجو تحقيقها من خلال المشروع:

– تأهيل قيادات واعدة من المحاورين الشباب لتمثيل المملكة في المحافل الدولية.

– اكتشاف الطاقات الكامنة لدى الشباب وتفعيلها بما ينعكس إيجابًا في مساهمتهم في تصحيح الصورة الذهنية للمملكة.

– بناء شخصية قيادية حوارية شبابية متكاملة للحوار والتواصل مع الثقافات الأخرى.

 ▪ وصف البرنامج:

الشروط الأساسية للمتقدِّم:

– أن يكون عمر المشارك من 18 – 35 سنة.

– إجادة اللغة الإنجليزية أو لغات أخرى تحدُّثًا وكتابةً.

– ممارسات سابقة في أعمال تطوعية.

– المشاركة في مؤتمرات أو مناسبات داخلية أو خارجية.

– اجتياز الاختبارات والمقابلة الشخصية.

▪ مراحل البرنامج:

المرحلة الأولى: الانتقاء والاختيار.

المرحلة الثانية: التدريب والتطوير.

المرحلة الثالثة: التقييم والتغذية الراجعة.

▪ آلية الانتقاء للمشاركين: من خلال المقابلة الشخصية والاختبار التحريري.

تمَّ تصميم مفردات البرنامج لتعزِّز الكفايات التالية للمشاركين:

– المجال الفكري.

– المجال المعرفي.

– المجال الاجتماعي.

– المجال النفسي.

– مجال إدارة الذات.

تمَّ التأهيل والتطوير في المشروع على شكل منظومة متكاملة من الأدوات التي تحقِّق التغيير في سلوك المشاركين، وكان التأهيل على الجوانب الآتية:

▪ اللقاءات التدريبية: وهي عبارة عن الدورات التدريبية التي تنمي لدى المشاركين أبرز المهارات والاتجاهات المناسبة في التواصل الحضاري على مختلف الأصعدة. (32 ساعة – 8 أيام تدريبية).

▪ حلقات النقاش وورش العمل: والتي تهدف إلى تمكين المشارك من المعرفة العلمية بأبرز القضايا والتحديات المتصلة بالمملكة العربية السعودية. (52 ساعة – 15 يومًا).

▪ الاستضافات: والتي تهدف إلى تمكين المشارك من الاستفادة من ذوي الخبرة في المشاركات الدولية بصورة فعَّالة ومباشرة. (15 ساعة – 5 أيام).

▪ الزيارات الميدانية: تمكين المشارك من الوقوف على حقيقة جهود ومنجزات المملكة الحضارية والنهضة التي تمرُّ بها. (24 ساعة – 6 أيام).

▪ لقاءات سفير: تحقيق المعرفة والتعارف لأبعاد التنوُّع والمشتركات الإنسانية بين أبناء الثقافات الأخرى. (4 ساعات – يومان).

▪ المشاريع: هي عبارة عن مجموعة من الأنشطة والتمارين سواء الفردية أو الجماعية؛ للتأكُّد من استيعاب الجوانب النظرية، والقدرة على التطبيق السليم لما تمَّ تعلُّمه في المشروع.

شرُفت شخصيًّا أن أكون جزءًا من المشروع، ومشرفًا في التأسيس وفي الاختيار أثناء المقابلات الشخصية، وشرُفت بتقديم ورشة عمل “عشرون حقيقة عن المملكة”. أؤكد لكم أنَّ الشباب والفتيات كانوا في قمة التميز العلمي والمهني والمهاري، ولمستُ ذلك بعد انتهاء البرنامج عبر المشاريع والمبادرات التي قدموها، والمؤتمرات المختلفة التي مثلوا المملكة فيها. وحاليًّا يستعد المشروع لإطلاق نسخته الثانية، وتمَّ عقد ورش عمل مع نجوم النسخة السابقة لإضافة وتعديل الدبلوم حتى يُحقِّق نتائجه المأمولة.

عقَّب د. زياد الدريس: في الوقت الذي لا ألومُ د. سعيد على تفاؤله بل أُشجِّعه عليه، فإني لا ألومُ نفسي على إحباطي لكني لا أشجِّعها على المزيد.

سبق أن كتبتُ عن تجربتنا في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني أنها “تجربة فريدة على المستويين العربي والإقليمي. أنشأها عرَّاب الحوار العربي الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، يرحمه الله، وقام على تنفيذها وتسييرها مواطنون مخلصون صادقون.

ما الذي أوقف أو عطَّل أو هدَّأ مسيرة الحوار الوطني؟ هل هو الربيع/الخريف العربي أم الربيع/الخريف “التويتري”، أم كلاهما بوصفهما حَدَثًا ووسيلةً؟

ستنبثق محاولات عديدة للإجابة عن هذا السؤال (المزعج)، أما محاولتي فأوجزها في أن الربيع و”تويتر” لم يُحدثا نمطًا جديدًا في التفكير، بل سمحا لنمط جديد من التعبير عن الأفكار ليظهر فوق السطح.

هل نجح مركز الحوار الوطني في مهمته أم فشل؟ هل سحب “تويتر” البساط من تحت المركز، وأصبح “تويتر” هو مركز الحوار الشعبي، عوضًا عن الوطني؟ وهل ما زالت الحاجة قائمة إلى المركز بصيغته التي أُسِّس عليها، رغم التحولات الجذرية في المجتمع؟

المؤكد أن المجتمع لا يزال بحاجة إلى المركز الوطني للحوار، بل ربما باتت حاجته إليه الآن أكبر، لكن بعد أن يعيد المركز النظر في رسالته ورؤيته ووسائله، بحيث تتواءم مع معطيات حوار ما بعد “تويتر”، والمواءمة ليست هي الاستجابة التامة والانصهار، ولكن التناسق والتفاهم مع مقتضيات الخطاب الحواري الجديد.

وفي خضمّ تجديد الرسالة والرؤية، من المهم أن يعطي المركز أولويةً لإشاعة ثقافة الاحترام. وتكريس ثقافة الاحترام، تكون من خلال ثلاثة منافذ: التعليم (عبر المؤسسات التعليمية)، والتثقيف (عبر وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية)، والتأديب (عبر وضع حزمة قوانين تضبط هذا الشأن وتُعاقب أيَّ تجاوزات تُخالفه).

نحن رسبنا بامتياز في (اختبار الحوار) الذي أُجري لنا في قاعة تويتر. فبعد أكثر من ١٥ سنة من دروس الحوار التي قدَّمها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني كانت النتيجة سقوطًا مدويًا مع أول اختبار. هل كان الخلل في الدروس أم في الدارسين؟ هذا هو السؤال اللغز!

ويبقى سؤالي الختامي: إذا لم ننجح في إشاعة السلام والحوار والتعايش بيننا نحن أبناء البلد، فهل نحن قادرون على إشاعته بيننا وبين الغرباء في الخارج؟ وحتى لو استطعنا، فهل سيكون ما نحققه خارجيًّا هو نجاح مزيف إزاء الفشل الداخلي؟

أخيرًا، أعتذرُ للدكتور سعيد عن هذه القسوة في مشاعر الإحباط عندي، لكني أُكرِّر الدعوة له بأن لا يتوقف عن التفاؤل، فقد يكون هو على صواب وأنا المخطئ، وهذا ما أرجوه وأتمناه.

وعقَّب أ. خالد الوابل: كنتُ أتمنى أن البداية كانت من خلال المؤسسات الأكاديمية لجاهزيتها وخبرة منسوبيها، وهم الأجدر في التواصل مع الجامعات والمراكز الأكاديمية في الخارج، أو على الأقل بشكل موازٍ لما تقومون به.

الأمر الآخر وهو مجرد اقتراح؛ لِمَ لا يُستفاد من أبنائنا المبتعثين في الخارج بالتواصل مع أساتذتهم في الجامعات ودعوتهم لزيارة المملكة، والاطلاع من كثب عن حقيقة المملكة؟ فقد سبق واقترحت: لماذا لا يُمنح كل مبتعث خريج الحقَّ في دعوة ثلاثة أو أربعة من أساتذته لزيارة المملكة؟

وأخيرًا، فإن الجهود من خلال المجتمع المدني في مخاطبة المجتمعات الأخرى بعيدًا عن الرسميات هي الأكثر مصداقية وقبولًا لدى الآخر.

المداخلات:

نقطة ضوء وتفاؤل بمشروع سلام للحوار الحضاري:

ذكرت د. عبير برهمين أنه بالرغم من تقديري لواقعية د. زياد الدريس رغم كم الإحباط الهائل فيها، ولكن أليس هناك ضوءٌ في آخر النفق؟

علق د.زياد الدريس بأنه على الرغم من كم الإحباط الهائل، فقد ختمتُ مداخلتي بحثِّ د. سعيد على الاستمرار في التفاؤل والعمل على إنجاح المشروع، وما كان لي أن أدعوه إلى ذلك لو أني لا أتوقع ضوءًا في آخر النفق. ثم إنَّ إحباطي حديثُ عهد بي؛ ولذا فقد لا يطول، وهو بسبب مشهد تويتر المليء بكل ما يمكن تسميته أي شيء إلا الحوار أو السلام.

مشروع إعلامي جديد:

تساءل م. حسام بحيري: لماذا نبدأ مشروع سلام للحوار الحضاري؟ هل نحن في حرب مع الحضارة؟

الذي نحتاجه حقيقةً هو مشروع إعلامي جديد يعرف كيف يصل إلى ذهنية القارئ الأجنبي ويتمكن من إقناعه بأن السعودية دولة سلام وحضارة. لا يمكن الاعتماد على البنية الأساسية الإعلامية الموجودة حاليًّا؛ لأنها أثبتت فشلها بجدارة في الدفاع عن قضايا المملكة. فالإعلاميون عندنا لا توجد لديهم القدرة أو الاستطاعة للتعامل مع الإعلام الأجنبي أو حتى معرفة كيف يتصرف الإعلام الغربي أو الأجنبي؛ لأنهم مغيبون تمامًا. لا بد من إنشاء أجهزه جديدة تُدار من قِبل مختصين للتعامل مع الرأي العام الأجنبي. أحد أهم أسباب انتشار العداء ضد المملكة خارجيًّا هو التغييب الكامل لإعلامنا، وفتح المجال للإعلام المعادي في الهجوم بدون رادع. فشلنا في استمالة العقلية الأجنبية؛ لأننا لا نعرف كيف نخاطبها، وأعطينا المسؤولية لأُناس ليس لديهم أي كفاءة، ولغتهم للغرب أتت بنتيجة عكسية تمامًا.

كل الذي نحتاجه هو الاعتماد على أناس قادرين على التعامل مع الإعلام الأجنبي، ويفهمون كيف يعمل، وسنتمكن تدريجيًّا من نَشْر صورة حسنة وواقعية عن دولتنا.

إنشاء أجهزة بيروقراطية جديدة ومُكلفة لن يفيدنا بشيء. ابحثْ عن الأفراد المختصين في بلدك وأعطهم المسؤولية وسترى النتائج الإيجابية.

مخرجات مبادرات ومشروعات سابقة مشابهة:

ذكر م. محمد الشهري أن هذا الموضوع أو المشروع بالأحرى أعادني لسنوات طويلة مضت، والعدد الكبير من المبادرات والجهود الجبارة ابتداءً من مشروع “المملكة بين الأمس واليوم” ومشروع الحوار الوطني… وغيرها، والتي جميعها تهدف لتحسين الصورة الذهنية عنا كسعوديين وعن دولتنا، وهو أول هدف لمشروع سلام.

أتعجبُ فعلًا من مخرجات هذه المبادرات ومدى نجاحها! هل أعطت بقدر ما أُنفق عليها؟ هل هناك قياس لفاعلية تلك المبادرات، أم أننا مارسنا ما يُسمَّى بحوار الطرشان؟

وأعتقدُ أن د. زياد أثار نقاطًا مهمة، وأنا لا أرى أنه “غير متفائل” بل أراه واقعيًّا، ولا يعني ذلك أنه لا يرى النور في نهاية النفق، بل يراه ونراه، ولكن تسمية الأمور بأسمائها هو المطلوب.

عشنا قضية خاشقجي ورأينا بل “قسنا” نظرة الآخر “القريب” وما يحمله عن بلدنا وشعبنا من نظرة “غير إيجابية”، ورأينا ما فعله “الأفراد” السعوديون وليست المؤسسات العامة والخاصة للذود عن بلدنا وقيادتنا وشعبنا السعودي الكريم.

رأينا كذلك مبادرات هيئتي الترفيه والرياضة وما نتج عنها من تأثير داخلي وخارجي عن الصورة الذهنية عن السعودية، “نتفق أو نختلف، هذا موضوع آخر”.

استخدمتُ هذا المثل لأعبِّر عن الوسائل العصرية والديناميكية التي استُخدمت في إرسال رسائل للعالم، ورأينا تأثيرها.

أعتقدُ أننا بحاجة لإعادة النظر في وسيلة التخاطُب مع الآخر (داخليًّا وخارجيًّا) لإيصال ما نودُّ إيصاله، بما في ذلك الطرق المستخدمة حاليًّا من المؤتمرات والندوات التي لا تحاكي سوى مَن يحضرها.

وأضيف؛ إن ابني كان أحد المشاركين في مشروع سلام الحضاري، ودار بيني وبين زملائه في مجموعته نقاشات، وحضرت حفل التخرج، وأعتبر نفسي مطلعًا اطلاعًا كافيًا عن المشروع.

صورة ضبابية في الإعلان عن المشروع:

من جانبها تساءلت د. الجازي الشبيكي: كيف عرف ابن م. محمد الشهري عن البرنامج؟ وما هي الوسيلة الإعلامية التي من خلالها تمَّ نشر الإعلان عن مشروع سلام؟ وتساؤلي يعود إلى شعوري بالضبابية في آلية استقطاب المشاركين والمشاركات. حينما حضرتُ احتفالية تخرُّج الدفعة الأولى من الملتحقين بالمشروع، سألتُ مَن حولي مِن الأمهات عن مصدر معرفتهم بالبرنامج، فلم أجد جوابًا واضحًا. هل هناك تخطيطٌ بأن تكون الدفعات الأولى من البرنامج مُختارة بشكل مقصود للتأكد من صحة سير المشروع، ثم يتم تعميمه؟

علق د. سعيد العمودي بأنه تمَّ الإعلان للمشروع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وصل التسجيل إلى ٨٠٠ متقدم، وتمَّ فرزهم من خلال المتطلبات إلى ٢٠٠، تم إجراء اختبار تحريري ومقابلات شخصية للحصول على ٦٠ مشاركًا ومشاركة.

أضافت د. عبير برهمين أن الصورة الضبابية نفسها التي عند د. الجازي كانت لديَّ بالنسبة لمعايير الاختيار. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تمَّ اختيار وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة وحيدة للإعلان عن المشروع؟ وهل الرقم ٨٠٠ لعدد المتقدمين من الشباب من الجنسين هو عدد جيد؟

المواطن السعودي أداة إعلامية عن المملكة:

يرى أ. إبراهيم آل سنان أنَّ الكثير من أبناء هذا الوطن يُعَدّون مؤسسات إعلامية وفكرية ضخمة بما يقدمونه من مجهود شخصي، لدرجة أنهم يتفوقون على المؤسسات الإعلامية الحكومية والخاصة. وهذا المشروع يُقدِّم الوطن بصورة جميلة، ويوسِّع دائرة التعرف على داخلها، ويشرع نوافذ بيتنا ليرانا العالم من حولنا ويعرف حقيقة ما نحن عليه.

وعقَّب على ما قاله د. زياد. بأن إحباطه ناتج عن تصوُّر مثالي وفكرة مستحيلة جدًّا حتى في أكثر الشعوب تطوُّرًا وتحضُّرًا، وهي التفاهم والتعايش التام بدون أي تصادمات واختلافات.. ولكن الحقيقة هي أن أي شعب لا يوجد فيه اختلافات أو صدامات فكرية بين أبنائه يصبح جامدًا راكدًا لا يستطيع مجاراة التطوُّر والتقدُّم. وتويتر بعكس ما يراه د.  زياد، أراه قد ألقى الضوءَ على كمية الاتفاق والتفاهم بين أبناء هذا الوطن حول الثوابت والقيم والمبادئ العامة، والتي منها الوطنية، والاختلاف حول عوامل المحافظة على هذه الثوابت أو المخاوف التي تعتري الكثير وينتج عنها صدام ليست إلا طبيعة الفكر الحر، والذي يحاول أن يجتهد بقدر ما يستطيع ليحميَ ما يؤمن به.

ما يحدث في تويتر هو حقيقة تعايشنا وتفاهمنا كأبناء شعب توحّدنا في المعضلات والأزمات، اختلافنا حول الوسائل واتفاقنا في الغايات، ومركز الحوار الوطني فشل لأنه عزل الناس واصطفى النخبةَ، وكان انتقائيًّا في تقديم المتحدثين باسم الشعب وأبناء الوطن، وتلك النخبة أظهرت ما ليس حقيقيًّا، وحاول الكثيرون فيها المجاملة والادعاء والتحفُّظ والوصول إلى نتائج تنظيرية لا تعكس الواقع الفكري المعاش بين الناس، وهذا ما جعل تويتر يتغلب، وجعل الشارع العام ينفصل عن تلك النخبة ويستقل برأيه ومنابره الشخصية، ليعبر عن رأيه وعن تطلعاته واختلافاته ومشاكله بعيدًا عن نخبة الحوار الوطني أو حتى أعضاء مجلس الشورى.

وإذا كان مشروع سلام سيصطفي ويختار وينتقي شخصيات بمؤهلات معينة ويحاول الانغلاق حول المتميزين بعيدًا عن العامة من الناس بكل أطياف تنوُّعهم الثقافي والفكري والعلمي، فسيقع في نفس المشكلة. مشروع سلام يجب أن يُقدِّم كلَّ الفئات من أبناء الوطن، ويستقطب كلَّ الكفاءات المتنوعة في كل المجالات، ويترك لهم فرصة المشاركة بما لديهم، وأن يقدِّموا أنفسهم تلقائيًّا وعفويًّا كما هم في حياتهم وواقعهم في وطنهم، دون تجميل أو تزيين.

ما يصورنا منغلقين هو تلك الرؤية القديمة التي أصبحت عنوانًا غيرَ حقيقي، لدرجة أن جعلتنا (شعب الله المختار)، في حين أننا نخضع لكل الظروف التي تقع فيها المجتمعات في العالم، وفينا الطالح والصالح، ولدينا ظروف جيدة وسيئة، واتفاقنا حول أن كل ذلك محتمل ومقدور عليه ما دام في إطار القيمة الكبرى، وهي الوطنية.

اتفقت د. عبير برهمين مع ما طرحه أ. إبراهيم من أن قصر الحوار وفنونه على فئة معينة من الناس هو تمهيد للفشل. إذ غالبًا ما يُعزِّز الفئوية. السؤال إذًا، كيف يمكن أن نُشرك أكبر قدر ممكن من فئات المجتمع المختلفة، ونجمعهم على رؤية واضحة؟

من جانبه ذكر د. زياد الدريس؛ أتفقُ أيضًا مع ما قاله أ. إبراهيم باستثناء ظنه بأن إحباطي ناتج عن “تصوُّر مثالي وفكرة مستحيلة جدًّا حتى في أكثر الشعوب تطوُّرًا وتحضُّرًا”.

إحباطي ناتج عن (صدمة) أننا أطلقنا الوعودَ بأن ننتقل من حقبة هيمنت عليها ثقافة التصنيف والإقصاء إلى حقبة معافاة من هذه الأوبئة الاجتماعية.

سؤالي الآن: هل فعلًا تحقَّقت الوعود وانتقلنا إلى حقبة سلام اجتماعي وحضاري، نستطيع أن نصدِّرها إلى العالم؟ أم من حقبة تصنيف وإقصاء إلى أخرى مماثلة، ولكن مع اختلاف الأدوات والفاعل والمفعول به؟

لا أطمحُ إلى مجتمع مثالي، ولا إلى مجتمع خالٍ تمامًا من أعراض التصنيف والإقصاء ومن ثَمَّ إطلاق أحكام التكفير أو التخوين، بل إلى مجتمع لا تسيطر على خياراته وقراراته نزعات الأدلجة والأدلجة المضادة.

تعتقد د. عبير برهمين أن هذا سؤال مهمٌّ جدًّا، لكن ألا يمكن أن نرى أن حقبة السلام الاجتماعي والحضاري التي ننشدها قد تكون هدفًا أكبر بكثير من مشروع سلام الحضاري؟ تحوُّل المجتمعات فكريًّا قد يحتاج لعقود من الزمن وقوى ضغط هائلة.

وعلَّق أ. إبراهيم آل سنان؛ لا أجزمُ بأنني على اطلاع بكل ما يجري في المجتمع، ولكنني أجدُ في محيطي الواسع من العلاقات الاجتماعية والمتنوعة ما أستطيع اعتباره عينةً عشوائية منوعة، وبنطاق واسع من التدرُّج الفئوي والاجتماعي. وما لاحظته أن ثقافة التصنيف بالذات كانت بين النخب المثقفة وليست موجودة بذلك الحجم في المجتمع وبين العامة من الناس. النخبة بكل صراحة خطفت الرأي الاجتماعي وأطَّرته في داخل خلافاتها ومواجهاتها الفكرية، ثم أخذت كلُّ الأطراف تحشدُ لنفسها الأتباعَ من خلال إثارة غيرتها الدينية والاجتماعية، واحتياجاتها المادية والمعيشية.

التصدي للحرب الإعلامية على المملكة:

اتفق د. محمد الملحم مع ما أشار إليه د زياد الدريس، خاصة فيما يتعلق بمركز الحوار، وكذلك ما ختم به نحو حاجتنا إلى سلام داخلي قبل السلام الخارجي.

أيضًا أؤكد على أنه لا ينبغي أن تشغلنا فذلكات الإعلام الغربي (الأمريكي تحديدًا) عنَّا، فلسنا الوحيدين المستهدفين بذلك، وهذا سلاح يستخدمه ضد كل الثقافات المؤهلة لمنافسته، فهل ركَّز يومًا على تشويه صورة الأفارقة؟! من ناحية أخرى، يرى الهندي غبيًّا والروسي أرعنَ، والعربي همجيًّا.

لذلك من واجبنا العمل على مقاومة هذه الحرب، لكن لا نبالغ في ذلك لدرجة أن نبحث عن أصحاب القدرات المميزة ليمثلوننا وندربهم ونتعب عليهم. فبماذا يوحي ذلك؟ هل هو اعتراف غير مباشر أن مواطنينا سيفشلوننا في الوضع الاعتيادي للتفاعل الحضاري بينهم وبين الآخر؟ إذا كان الأمر كذلك، فهو مؤشر مهمٌّ لنا أن نلتفت إلى حقيقة الأمر ونكرِّس الجهد في تدريب حقيقي لكل أبنائنا (وقبلهم معلميهم وحتى أساتذة الجامعات) لنضمن الوصولَ إلى هدف حقيقي، لا أن نكتفي بـ “تمثيل” في المحافل.

الإعلام الغربي وكيفية التعامل معه:

طرح أ. خالد الوابل مقالًا سبق وكتبه يتمحور “نوعًا ما” حول القضية المطروحة، وإن كان قديمًا، إذ نشر في ٢٠١٦، بعنوان “الإعلام الغربي وكيفية التعامل معه”.

في هذا المقال سأتجاوز ما يُقال حول الإعلام الغربي ومصداقيته في التعامل مع القضايا العربية والكيل بمكيالين في تناول قضايانا رغم صحته، وسأتطرقُ لكيفية التعامل معه.

فاليوم تتصدر المملكة وأخبارها الصحف الغربية الرصين منها والتابلويد، فهناك النيويورك تايمز والواشنطن بوست والإيكونوميست وصولًا إلى الديلي ميل والنيويورك بوست، فيا ترى هل هي حملة منظمة أم أن أحداثَ المنطقة فرضتها؟

والمؤسف في الأمر- والذي لا أجد له تفسيرًا، وهل هو قصور منا أم من هذه الصحف- أن جميع التقارير المنشورة عن المملكة لا تجد فيها مفكرًا أو مثقفًا سعوديًّا يُستشهد برأيه!

على سبيل المثال، كتبت النيويورك تايمز في تقرير مطول لها في 25 أغسطس عن السعودية عنوانه: “السعوديون والتطرُّف.. مشعلو الحرائق ورجال الإطفاء”، ويذكر التقرير أنه تمَّ مقابلة 36 شخصية ما بين رسمية وأكاديمية ومتخصصين ومن عدة دول حول العالم، ومع ذلك لا يوجد بينهم سعوديٌّ واحد!

هل تفتقد هذه الصحف لأسماء مفكرينا ومثقفينا؟ إذا الجواب: “نعم”، فعلى مَن نضع اللائمة؟ أم أنها تجاهلتنا عن عمد؟

حتى التقارير التي تُكتب من داخل المملكة، وإن تمت مقابلة مفكِّر سعودي، عادة ما تقرأ “فضَّل عدم ذكر اسمه”!

ومعظم ما تطرحه الصحافة الغربية هو في الأساس “هاشتاقات” سعودية في مواقع التواصل الاجتماعي، تجد فيه المعارض وتجد فيه المؤيد.

وليكن اليوم الدور للمجتمع المدني بمفكريه ومثقفيه وأصحاب الرأي بالرد على هذه التقارير بعيدا عن التشنج والنفي القاطع؛ لأن أيَّ دور رسمي في مثل هذه القضايا يعتبر نوعًا من “البروباغاندا”، والذي عادة ما يكون فاقدًا للمصداقية.

وينحصر دور وزارة الثقافة والإعلام في ترجمة جميع المقالات التي تتطرق للمملكة بسلب أو إيجاب، وتوزيعها على أكبر شريحة من المثقفين وتشجيعهم على الرد ومساعدتهم في ترجمة مقالاتهم وإرسالها كرد للصحيفة، ولدينا الكثير من أكاديميينا ومثقفينا مَن يعرف بالعقلية الغربية وكيفية مخاطبتها، فلمَ لا نستفيدُ منهم؟

ومنها نخلق قاعدة بيانات لدى هذه الصحف عن مفكرينا يمكن العودة لهم مستقبلًا في كل شأن سعودي.

الأمر الآخر دور الوزارة في التركيز على تعزيز مهارات مسؤولي الإعلام في التعامل مع وسائل الإعلام الغربية وحول نظرة واهتمامات الإعلام الغربي، وإستراتيجياته في إثارة الأسئلة، وتوجيه النقد، وكيفية التعامل معه في الأجواء الودية بل وحتى العدائية، وتحسين المهارات من أجل رفع صوتنا في المجتمع الدولي من خلال الإعلام.

الأمر الآخر وبعيدًا عن الحفاوة المبالغ فيها وبعيدا عن الرسميات، هل يمكن لمجموعة من المجتمع دعوة صحفي غربي؟

هل يستطيع مثل مركز أسبار أو سبتية حمد الجاسر أو إثنينية عبد المقصود خوجة- على سبيل المثال- دعوة فريد زكريا أو روبرت فيسك أو توماس فرديمان؟

ليأتي ويشاهد بنفسه عن الحراك الاجتماعي وقضاياه، ويستمع لجميع الآراء ولينقلها من مصدرها. وليكن هناك تواصلٌ مستقبلًا لإعلاميين آخرين.

وأختمُ في الأخير ولو كان الطلب متأخرًا، ماذا لو مُنح كل خريج مبتعث الحق بدعوة 3 أو أربعة من أساتذته لزيارة المملكة؟ 150 ألف مبتعث في 3 دعوات ستجد لك تقريبًا نصف مليون في هذا العالم يدافع عنك.

تغريدة: نحن لا نريد تحسين صورة وطننا، نحن نريدُ فقط نقلَ الصورة كما هي وبشفافية. فاليوم لا يمكنك أن تخفي شيئًا.

علَّقت د. عبير برهمين بأن تغريدة د. خالد هي الخلاصة ولُبُّ الموضوع. أما مقاله عن الإعلام الغربي وكيفية التعامل معه، وإن كان في مجمله صحيحًا وأتفق مع عدة نقاط منه؛ إلا أنه- من وجهة نظري- لا يمتُّ لموضوع الأسبوع بصلة، إذ إنَّ هناك فرقًا بين الإعلام كمفهوم وكمعضلة وبين لغة الحوار ونقل الواقع السعودي للآخر بدون رتوش، بل بجرأة تعكس عمق ثقافتنا وحضارتنا وتسامحنا كمجتمع ومدى تقبُّلنا للآخر.

قراءة في مشروع سلام:

ذهب د. سعيد العمودي إلى أنه من اليوم الأول لمشروع سلام شعُرت بالسعادة من كمية المواهب والطاقات الشبابية التي يملكها الوطن، استمتعتُ جدًّا بسماع نقاشاتهم وحماسهم المتفاني للحوار الحضاري الذي يُصحِّح كلَّ صورة سلبية نُسبت أو مازالت تُنسب للمملكة.

من المفاجآت أن مشروع سلام ليس تابعًا لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.

وأتفق مع د. زياد في أن النقاشات والحملات في ساحة تويتر تدمِّر كلَّ محاولات الحوار الوطني والحوار الحضاري.

وبالنسبة لمشروع مماثل للمبتعثين، فقد قدَّمتُ قبل أشهر مشروع الحوار الحضاري لمبتعثي بريطانيا، تمَّت مباركته من قِبل الملحق الثقافي في بريطانيا د. عبدالعزيز المقوشي والأستاذ فيصل بن معمر، وتعثَّر مع تعيين القيادات الجديدة للمركز.

أهداف مشروع سلام ومقترحات حوله:

أشار د. رياض نجم إلى أنه لا شك أن أهداف مشروع سلام ومركز الحوار الوطني سامية وتصبُّ في صالح الوطن من زاوية حوار الشباب مع نظرائهم في الخارج، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل هذا المشروع مستمر لفترة غير محدودة في إعداد الكفاءات الشابة في هذا المجال أم أنه محصور في بعض الفعاليات؟  أليس من المفيد أن يتلقى كل مبتعث (لأي مرحلة) دورة من هذا النوع كشرط إلزامي؟

أقترحُ أن يتبنى مركز الحوار مشروعًا مشابهًا للحوار بين مناطق المملكة المختلفة، ليس لأنَّ هناك إشكالًا بين هذه المناطق، ولكن لزيادة التقارُب بينها وترسيخ مبدأ المواطنة بين أفراد المجتمع السعودي.

أما تشاؤم د. زياد الدريس حيال ما قدَّمه مركز الحوار الوطني، فقد أشاركُه في ذلك. ربما يحتاج المركز أن يرفع سقف الحرية في نقاشاته والمواضيع التي يطرحها.

اتفقت معه د. عبير برهمين في ذلك. وأضافت أن التقارب الداخلي بين أفراد المجتمع السعودي ضرورة؛ لأنَّ لغة الحوار أو على الأقل تلك التي نراها على منصات التواصل الاجتماعي “إن اعتبرناها مؤشرًا” تُنبئ بوجود خلل كبير في طبيعة الحوار ناهيك عن لغته.

تحسين صورة المملكة في الخارج:

يرى د. حميد الشايجي أن تحسين الصورة في الخارج تحتاج إلى تحسين الممارسات في الداخل، فمتى ما تحسَّن الوضع في الداخل سينعكس ذلك على صورتنا الخارجية.

فهناك دول صغيرة حجمًا وشعبًا وإمكانات استطاعت أن تكون مؤثرة دوليًّا، فامتلاك الأدوات الإعلامية واستخدامها الصحيح بما يعطي انطباعًا حسنًا عنك هو أمرٌ مهمٌّ جدًّا.

وكم من الأموال والجهود بُذلت، ولكنها للأسف لم تأت بالنتائج المرجوة! مما يشير إلى وجود خلل في توظيف هذه الجهود والأموال. ووجود برنامج سلام يعدُّ خطوةً جيدةً في الاتجاه الصحيح ولكنها لا تكفي، فيجب تنويع الأدوات والوسائل لتغطي جوانب مختلفة وفئات وشرائح متنوعة.

فنحن نجتهد في جانب ولكن يُوظِّفه غيرنا توظيفًا سلبيًّا فيأتي بنتائج سلبية، فلا بد من تحصين أي مبادرة بحصانة إعلامية وبشكل مستمر، وبلغات متنوعة.

فعلى سبيل المثال، وصلني مقطعٌ هذا الصباح من صديق مميز من ماليزيا من أصول صينية مسلمة، متقاعد. المقطع عن مسابقة البلوت، ولكن مرفق معه رسالة صعقتني.

وهنا رسالته:

Salam!  This video shows that Gambling is now allowed in Jeddah, Saudi Arabia!  Is it true or is it fake news?  Jazakallah Khair ‘& Wassalam!  Mus

ترجمتها:

(السلام! هذا الفيديو يعرض أن القمار أصبح مسموحًا به في جدة، المملكة العربية السعودية! هل هذا صحيح، أم هو أخبارٌ مزيفة؟ جزاك الله خيرًا & والسلام. مصطفى).

فمن أوصلَ هذا المقطع ووضع عليه تعليقًا مزيفًا لشرق آسيا، وغيرها؟ ولماذا لا يوجد رد في وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية يفنِّد هذا الادعاء؟  إننا نحتاج إلى شبكة من البرامج المتخصصة مرتبطة بنقطة تواصل مركزية مشتركة، لتنظيم العمل وتبادل المعلومات.

تداعيات الصورة السلبية المغلوطة عن المملكة:

ذكر د. إبراهيم البعيز؛ لقد سعدت جدًّا بهذا البرنامج، وقد شرُفت بالمشاركة العام الماضي بمحاضرة عن مؤشرات صورة المملكة في الغرب.

ولا يخفى على أحد التداعيات السلبية لتلك الصورة المغلوطة عن المجتمع السعودي، والتي تشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وهذه إشكالية اختلطت فيها الأسباب الداخلية مع الخارجية، ويمكن اختصارها بمقولة “تعددت الأسباب والصورة واحدة”.

مما لا شك فيه أن مشكلتنا في الصورة لم تكن مع الحكومات الغربية، بقدر ما هي مع المؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني (ممثلة في البرلمانات والمجالس النيابية). ويبدو لي أن البرنامج يمثِّل خطوة أولى في معالجتنا للصورة والانطباعات الخاطئة عن المجتمع السعودي، وهو من أهم مدخلات الدبلوماسية العامة، والتي تمثل النقلة النوعية في التواصل الحضاري والدولي، خاصة في ظلِّ ما يشهده العالم من نقلة وتغيير في المشهد الإعلامي والبيئة الاتصالية بشكل عام، فقد انتهى عصر الإعلام الدولي بشكله التقليدي (إذاعات موجهة – مكاتب إعلامية في السفارات).

الدبلوماسية العامة منهجية حديثة في العمل الإعلامي والاتصالي، وهي تتيح الفرصة للمؤسسات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني للمشاركة في التواصل بكل أبعاده السياسة والاقتصادية والثقافية، وبما يُعزِّز من ديمومة العلاقات وإبعادها عن المؤثرات الطارئة للمواقف السياسية المتباينة. وهذه المنهجية أخذت بها كثير من الدول، ونجاحها مرهون بوفرة كوادر مؤهلة بمهارات التواصل الثقافي، وهذا ما يسعى إليه هذا البرنامج.

تبنينا لهذا البرنامج مؤشر إيجابي بأننا بدأنا التخلُّص من ثقافة المظلومية والانعتاق من ثقافة افتراض سوء النية واستقصاد الآخرين لنا.

تجارب المملكة مع ثقافة الحوار:

أشار د. عبد الله بن ناصر الحمود إلى أنه في مرحلة مبكرة من عمر مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني شرُفت بالمشاركة في إحدى ندواته بورقة حول “الإعلام والاتصال وقضايا الحوار”. كنت أظن أنَّ ثمة حاجة لمعرفة كيف يمكن توظيف الإعلام لتعزيز نعمة الحوار البناء بين الناس.

كتبتُ وتحدثت عن نظريات الإعلام والاتصال التي يمكنها فعل ذلك، وأشياء من تطبيقات “الحوار في الإعلام والاتصال” و”الإعلام والاتصال في الحوار”.

أتذكر أنني عرضت نظريات، مثل: التعلُّم، الغرس الثقافي، الاستخدامات والإشباعات، دوامة الصمت، وحتى نظرية انتقال المعلومات على مرحلتين. كما أتذكر أنني اقترحتُ خطة إستراتيجية لمساهمة المركز في تعزيز “ثقافة” الحوار من عدة مراحل: تهيئة، تعريف، تعزيز، ترسيخ.

مضى عقد ونصف العقد الآنَ على عمل المركز، وقد كان له دور جيدٌ جدًّا في بداياته “ليس لتعزيز ثقافة الحوار”، ولكن للسيطرة على جزء مهم من “تشنجات” فضاء الاختلافات والاستقطابات الفكرية في المجتمع حينذاك. وهذا من دون شك يُحسب له.

لكن قضيتنا مع “الحوار” قد باتت قصة الـ “أقاصيص”. نحن رواد، دون شك، في فكرة “الحوار” لمواجهة تداعيات الحادي عشر من سبتمبر تحديدًا، ولمواجهة بواعث تلك الأحداث من مثل: ثقافة الغلو والتطرُّف، الراديكالية بكل أطيافها، الإسلام السياسي بشكل خاص، السياسات الغربية الخارجية، أحادية القطب المهيمن دوليًّا بعد خروج اللاعب الروسي حينذاك. وما نتج عن كل ذلك من ردات فعل إرهابية، ثم الحرب على الإرهاب، ثم الاستقطابات المأزومة المأجورة في كثير من مناطق العالم.

نحن روَّادٌ في كثير من برامجنا “الحوارية”: (برنامج المناصحة، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، أفكار ومبادرات خلَّاقة للحوار بين أتباع الأديان، حضور دولي ومراكز عالمية لتفعيل الحوار الأممي، وغير ذلك كثير…)، لكن حالنا مع “الحوار” لم يزل موضعَ نقاش، حتى قال قائلنا: تحاورنا لنخرج من مغبة استقطاب، فخرجنا منه إلى ثكنات استقطابات كثيرة غيره، تلك المقولة صحيحة ودقيقة جدًّا، ففضاءات “جدالنا” و”استقطاباتنا” و”تصنيف” بعضنا بعضًا، لا تزال فضاءات موجودة. بل ربما تبدو في بعض مشاهدها أشدَّ عنفًا مما سبق.

فأين تكمن الإشكالية؟ وأين يكمن الحل؟ في ظني، تكمن الإشكالية في أننا عُنينا، بشكل أكبر، ربما، بمظاهر الحوار وآلياته وجدلياته وشكلياته. لكننا- كما يبدو- لم نواجه حتى الآن بالمستوى المطلوب، ذلك الشيء الذي انشغلنا بالحوار من أجله. بل ربما لا يعرف بعضنا حقيقة ما نتحاور من أجله؛ وذلك لسبب يسير ظاهر، وهو أننا لم نحرره بالشكل الحاسم المطلوب. فبقي السؤال قائمًا: لماذا الحوار في بيئة يهيمن عليها الاستقطاب والاستقطاب المضاد؟! وأجود ما يجيده المستقطبون هو “إقصاء” الآخر، بل ربما “تخوينه”، بل تخوينه صراحةً ودون مواربة.

هنا..يصبح “الحوار” شيئًا ليس له معنى، ولا يعدو أن يكون نشاطًا “إقصائيًّا” لترسيخ هيمنة الطبقة التي تكون أقدرَ على الهيمنة لامتلاكها أدوات المرحلة، وشغفها بها أكثر من كونه نشاطًا “توفيقيًّا” بين منظومة من الجماعات والطوائف والأفراد “المختلفين” بحكم الخلقة “ولذلك خلقهم”، أمَّا أين يكمن الحل؟  ففي ظني أن الحل ليس في “الحوار” أبدًا، فالحل في “جوهر” ما نتحاور حوله، وما ندعو الناس للحوار حوله، ما لم نؤمن إيمانًا قاطعًا بأننا “مختلفون”، وما لم نُدرك إدراكًا لا يخالطه شك بأن هذا الاختلاف أصل في خلقة البشر، وأن ما سوى الإيمان بذلك خلاف الفطرة، فلن يكون حوارنا فعَّالًا ومؤثرًا.

فحتى ننجح، يجب أن نقر بسنة اختلافنا، وأن نتحاور لندعم اختلافاتنا ونرسِّخ فهمها، ونعزِّز التعايش معها، ونرتقي بآلياتها ووسائلها، وأن تكون تبايناتنا عناصر براقة لفسيفساء مجتمعنا العريق ووطننا الكبير، عوضًا عن أن نستحوذ على “النُّخب”، مثلًا، لنُخرجهم من دائرة استقطاب إلى أخرى.

أسلوبنا في الحوار مع الآخر وتوصيل صورتنا:

ذهب د. خالد الرديعان إلى أنه يُلاحظ أننا نلقي باللائمة كثيرًا على الإعلام، وأنه مقصر في نقل صورتنا الحقيقية.

أنا فقط أسألُ، هل الصورة أساسًا جميلة؟ وهل هي خالية من الرتوش؟ هل نحن راضون عن كل شيء؟  لماذا نلوم الإعلام الخارجي الذي يلتقط الأشياء التي تلفت انتباهه؟ ما يلفت الانتباه في الإعلام الخارجي والداخلي كذلك هو الرجل الذي عضَّ الكلب وليس الكلب الذي عضَّ الرجل، وبالتالي يُفترض أن لا نلوم الإعلام كثيرًا.

أعتقدُ أن صورتنا في الداخل ليست كما نريد، وهناك الكثير مما ينبغي القيام به لخلق صورة حسنة حقيقية وغير مزيفة.

ولمعرفة صورتنا في الداخل يمكن فحص لغة حوارنا في تويتر، وقد أشار إلى ذلك د. زياد الدريس. حواراتنا تتسم بالشخصنة واللغة الهابطة حتى بين أوساط بعض مَن نُسمِّيهم نُخبًا فكرية ممَّن نتوسم فيها الحكمة والحنكة والاعتدال.

نحن لا نزال في غالبيتنا مجتمعًا تقليديًّا يعيد إنتاج بداوته حسب الظروف ومقتضى الحال.

لا نزال ننظر بريبة للآخر الذي نريد الحوار معه، وإذا ما تحاورنا معه طبَّقنا أسلوب داعس والغبراء والمعارك الكلامية التي تضيع من خلالها الحقائق. تقبُّلنا للآخر ليس مبنيًا على اعتبارات التكافؤ والندية ومحاولة الفهم، فنحن غالبًا ننظر للآخر كما يجب أن يكون لا كما هو عليه حقيقة. هو مشوّه بعيوننا؛ لأنه مختلف ولا يشبهنا. نحاوره لا لكي نفهمه، ولكن لأننا نريده أن يصبحَ مثلَنا تمامًا، وماعدا ذلك فالحوار معه سيصبح إضاعة للوقت والجهد.

والحوار لا يبدأ بعبارة “أريد أن أحاورك”. الحوار المنشود وبقصد الفهم له شروطه قبل أن يبدأ. الحوار يتم بين طرفين يؤمنان بأهمية الحوار، وأنه السبيل الوحيد للتعايش والتسامح والسلم الاجتماعي رغم كل الفروقات بين طرفيه. الحوار البنَّاء والحقيقي يبدأ من عتبة أننا متساوون في الإنسانية وشركاء في هذا الكوكب، وأنه لا فضل لأحد على أحد طالما أن ما يقوم به يصبُّ في مصلحة الإنسان أي إنسان. والحوار بغرض الإفحام أو تسفيه أطروحة الطرف المقابل ليس حوارًا بل معركة كلامية لا تقود إلى نتائج؛ بل إنه يورث الضغائن والأحقاد.

الحوار يحتاج إلى تدريب ومهارات، فهل تتوفر عندنا وفي وسائل إعلامنا التقليدي والسوشيال ميديا، ولدى كتَّابنا ومفكرينا، وفي مدارسنا وجامعاتنا، ومع رموزنا الدينية؟ هل لدينا الجرأة الكافية على طرح الأسئلة العويصة والإجابة عنها؟

إصلاح الصورة الخارجية تبدأ من الداخل:

ذكرت د. عبير برهمين أنها تتمنى أن نكون أكثر شجاعةً بتسليط الضوء على المشاكل التي نعاني منها كمجتمع ونبادر بوضع حلول جذرية لها. العمل على إصلاح الوضع داخليًّا سينعكس إيجابًا على صورتنا الخارجية. أما أن يكون محفزنا هو تحسين الصورة الخارجية لنا أمام الآخر فقط، أخشى أنه سيكون حلًا وقتيًّا هشًا لا يلبث أن يكشف أسوأ مما يستر.

من جانبه يرى أ. محمد الدندني أن الشجاعة والشفافية مطلوبة ومطلوبة جدًّا. لا يمكن أن يكون كمحطة تلفاز تنقل رأي الدولة والمجتمع ومن ثَمَّ التأثير على المستمع، فهذا مؤقت، وربما كما ذكرتِ له تأثير سلبي. المطلوب هو- كما ركز عليه المناقشون- أن نسعى لتنظيف بيتنا من التناقضات وما يشوه مجتمعنا. لدينا الإرث ويجب أن لا نهمل دورنا في هذا العالم، وهو التركيز على رسالتنا في نشر السلام والمحبة بين شعوب الأرض من خلال الإسلام الوسطي المتقبل للآخر والمتفاعل معه. لا يجب أن نسمح لمَن أساءَ لعقيدتنا وسلوكنا أن يخلق شعورًا بالنقص والاتجاه للغة الاعتذارية، بل يجب نقد الماضي وتصحيحه وبكل جرأة.

نعم، علينا نحن الامتثال أولًا بيننا لهذا النهج، وهنا يقع دور كبير على المدرسة  الدينية والدعاة، ولديهم الشرعية والمنابر لتفعيل هذا النهج. المهم الإيمان بهذا النهج وليس تنفيذًا للإرادة السياسية فقط.

أضافت د. عبير برهمين أن القناعة والإيمان نعم مطلوبان، فلا يمكنك أن تقنع طفلًا بشيء تدعيه ولا تؤمن حقيقةً أنت به. فما بالك بمَن هو ناضج ومطلع ولديه قناعاته الخاصة به! التسامح كلمة شاملة، وتقبُّل الآخر ليس سهلًا ألبتة، إلا أن أصعب شيء هو أن تطبِّق كلَّ ذلك فعلًا لا قولًا. كما أن ذلك يجب أن ينطبق على الجميع دون استثناء، فدور المدرسة الدينية والدعاة مهم، لكنهم يمثلون شريحة واحدة فقط من عدة شرائح أخرى في مجتمعنا. التسامح وقبول الآخر هو واجب على الكل. وأما لغة الحوار فهي فنٌّ، علينا جميعًا تعلُّمه.

أضاف أيضًا أ. محمد الدندني؛ أقلها توحيد الخطاب العام، ومنع بنصح وحوار مع النشاز. يخرج أحدهم وبخطبة واحدة أو بشريط فيديو فيقلب الاتجاه العام في ساعة واحدة. لا أدعو لشمولية الفكر والخطاب ولكن للتجانس قليلًا، والتقليل من الانقسام حول قضية مهمة تؤثر على الكل. لا نهمل أن العالم يرانا من منظار الإسلام، والحمد لله على ذلك؛ لذا يجب أن نكون على قدر ما نقول وندعِّي في الأمور الخاصة والعامة.

التوصيات:

  1. دعوة الجامعات لتبني مشاريع شبابية حوارية على مستوى عالٍ من التميز والاستمرارية.
  2. الاستفادة من الطلبة المبتعثين في الخارج في التواصل البنَّاء المُعَد له إعدادًا جيدًا مع جامعاتهم وأساتذتهم وزملائهم، بتفعيل دور السفارات واحتضان هذا الأمر والتنسيق مع الجهات المختصة في الداخل، ومنها: مركز تأهيل الكوادر، ووزارة الثقافة، وهيئة السياحة…إلخ.
  3. حث منظمات المجتمع المدني في بلادنا على تنظيم التواصل الحواري المستمر مع فئات متعددة من مجتمعات العالم.
  4. استثمار وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وتفعيل دورها المهم في الحوار على المستوى العالمي بصفتها عاملًا مؤثرًا وجاذبًا في الوقت الحاضر.
  5. هناك حاجة أن يعيد مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني النظرَ في رسالته ورؤيته وأهدافه بحيث تتواءم مع مرحلة ما بعد “تويتر”، على أساس من التنسيق والتفاهم مع مقتضيات الخطاب الحواري الجديد.
  6. الاهتمام بإشاعة السلام والحوار والتعايش داخل المجتمع قبل مدِّ الجسور خارجه.
  7. أهمية تركيز تعليمنا وإعلامنا وكذلك قوانيننا على الإقرار بسنة الاختلاف بين البشر، وترسيخ فهمها بعيدًا عن الاستقطاب والإقصاء والتخوين، والدعوة إلى تعزيز التعايش داخل المجتمع.
  8. العناية بالتواصل مع المؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني الممثلة في البرلمانات والمجالس النيابية بشكل أكبر.
  9. الاختلاف حق فردي والائتلاف حق وطني.
  10. إبراز دور المملكة الخيري في التبرعات والأنشطة الخيرية، وبنفس الأهمية إبراز المنجزات الداخلية، وعلى رأسها منجزات تمكين المرأة وحقوق الوافدين في العمل والاستثمار داخل المملكة.

القضية الثالثة

“الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة”

كاتب الورقة: د. خالد الفهيد.

المعقبان:

د. فوزية البكر.

د. مساعد المحيا.

إدارة الحوار: د. الجازي الشبيكي.

 

الملخص التنفيذي:

ترتبط القضية التي تطرحها الورقة الرئيسة بصحة الناس وسلامتهم، وبالتالي قدرتهم على أداء متطلبات العيش والعبادة والعمل والإنتاج بأفضل مستوياتها. كما تُسلِّط الورقة الضوءَ على مبادرة نوعية متميزة تحت مظلة وزارة البيئة والمياه والزراعة، وهي مبادرة “الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة” المتعلقة بمعايير الإنتاج الزراعي، التي تضمن سلامة وأمن الغذاء والعاملين في إنتاجه، وتِبْيَان أهميتها الاقتصادية وأهدافها السبعة.

وأشارت الورقة الرئيسة إلى أن أسباب تطبيق المبادرة يتلخص في أهمية تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة لتحديث وتطوير الزراعة في البلاد واستدامتها، المطالبات بسلامة المنتجات الزراعية المحلية لضمان عدم تأثيرها صحيًّا على المستهلك، خفض نسب متبقيات المبيدات في المحاصيل الزراعية سواء المحلية أو المصدرة، وجود صعوبة لدى بعض المزارعين في تسويق منتجاتهم الزراعية، عدم توافر برامج إدارة متكاملة وعلمية واضحة لدى المزارع مما أسهم في ارتفاع تكاليف إنتاجه وظهور العديد من الأمراض ذات الطابع الوبائي والآفات التي تتطلب برامج إدارة متكاملة للقضاء عليها، عدم الاستفادة من مخلفات المزرعة بتدويرها والاستفادة منها كأسمدة أو أعلاف.

وأكدت التعقيبات على أهمية هذا الموضوع، تلك الأهمية المستمدة من أهمية صحة الناس وخياراتهم الغذائية السليمة. كذلك فَصَّلت التعقيبات في فوائد الحصول على الشهادة الزراعية GAp، وأبدت تطلعاتها إلى دور الوزارة في مراقبة ومتابعة الموضوع، إضافة إلى إطلاق بعض التخوفات من سلبيات التطبيق.

كما تمنَّت التعقيبات أن تسهم هذه المبادرة في استقرار النشاط الزراعي في المملكة عبر دورة زراعية نظيفة تحمي الأرض والمستهلك، وتضمن عوائد موازية للجهد والموارد المالية المبذولة من قِبل المزارعين.

وأشارت المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة إلى أن مبادرة الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة محاولة لإصلاح الوضع الحالي السيئ في معظمه، والذي وصل إليه حال الزراعة في المملكة، وتأثير منتجاتها على صحة المواطنين جميعًا.

ورأى بعض المناقشين أن هذه المبادرة قد تواجه بعض التحديات عند تطبيقها، منها: عدم تهيئة بعض المَزارع من حيث الإدارة المزرعية، مثل: التنظيم والسجلات، ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج، وجود أزمة ثقة للمزارعين تجاه بعض الأنظمة التي تصدر من وقت لآخر، بالإضافة إلى أزمة ثقة للمستهلك تجاه الشهادة والتركيز فقط على الأسعار.

وقد أثارت المناقشات بعض النواحي السلبية لهذه الشهادة من حيث ملاحظة أنه لا يوجد أي نوع من التحفيز للمزارعين للالتزام بمتطلبات الشهادة بل إجبار على الالتزام، وأن متطلبات الشهادة سترفع من تكلفة الإنتاج، كما أن توقُّف المزارعين عن استخدام الأسمدة الكيماوية سيؤثر سلبًا على أهم استثماراتنا في شركة سابك وما شابهها من الشركات، بالإضافة إلى أن هذا التطبيق الإلزامي يؤدي إلى خروج العديد من المزارع من السوق والتأثير على الأمن الغذائي للمملكة.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: التأكيد على أهمية الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة (SGAP) ودورها المأمول في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين وضْع الوحدات الإنتاجية بيئيًّا واقتصاديًّا، إيجاد حراك وعصف ذهني للتعريف بأهمية SGAP للمزارعين والمستهلكين من خلال برامج الإرشاد الزراعي، دراسة مدى إمكانية توحيد الجهة المختصة المسؤولة عن أمن وأمان الغذاء لتلافي التداخلات بين عدد من الجهات الحكومية، أهمية تنظيم الأسواق الزراعية وتوفير المعلومة عنها لمعرفة مناطق الفائض والعجز فيها لتقليل أثر موسمية المنتجات الزراعية، تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في التصنيع الغذائي والدخول في مراحل سلسلة الإمدادات الغذائية، وضع آلية مناسبة لتوضيح أهمية الشهادة وفوائد تطبيقها لجميع فئات المجتمع بمختلف مستوياتهم التعليمية والاجتماعية خاصة مَن لهم علاقة بالزراعة والغذاء وما في نطاقه، مدّ جسور قنوات التواصل مع بيوت الخبرة داخل المملكة وخارجها لزيادة فرص نجاح  SGAP وتقييمها المستمر ومتابعة كل جديد في هذا المجال، الحرص على أن لا تتسبب متطلبات الشهادة في رفع تكلفة الإنتاج على المزارعين وبالتالي ارتفاع الأسعار على المستهلكين، تفعيل دور القطاع الخاص كجهات استشارية للمزارعين وتنظيم برامج تدريبية لهم، على أن يتولى صندوق التنمية الزراعية إعطاء قروض للجهات الراغبة في تقديم تلك الخدمات بصفته جهة تمويل للقطاع الزراعي.

مقدمة:

أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية شهادة الممارسات الزراعية الجيدة “Saudi G.A.P” التي توفِّر شبكة محلية تربط المزارعين وأصحاب العلامات التجارية في مجال إنتاج الأغذية الآمنة وتوزيعها، لتحقيق الاطمئنان لدى المستهلكين، وسلامة الغذاء وإمكانية تتبُّع مصدره. كما أنها تُعدُّ نقلةً كبيرة في جودة وسلامة المنتجات الزراعية في المملكة، يُرجى أن تؤثر على صحة المستهلك في المملكة والأغذية المصدرة إلى الخارج.

وتهدف هذه الشهادة إلى رفع كفاءة القطاع الزراعي، بالتركيز على الأساليب العلمية في الإنتاج والتسويق، وتعزيز ثقة المستهلك في المنتجات الوطنية.

أيضًا توفِّر الشهادة شبكة محلية تربط المزارعين وأصحاب العلامات التجارية في مجال إنتاج الأغذية الآمنة وتوزيعها، ما يطمئن المستهلكين. وتغطي الشهادة سلامة الغذاء وإمكانية تتبُّع مصدره، والبيئة (يشمل ذلك التنوُّع الأحيائي)، وصحة العاملين وسلامتهم ورعايتهم، وسلامة الحيوانات.

لذا تُعدُّ قضية” الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمها د. خالد الفهيد، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (الحصول على الشهادة السعودية للممارسات الزراعية، التحديات المتوقعة عند البدء في تطبيق الشهادة، أساليب استخدام الماء للزراعة، مزارع المنتجات العضوية، النواحي السلبية للشهادة السعودية للممارسات الزراعية، الرقابة على المنتجات الزراعية في المملكة، قراءة في موضوع الشهادة السعودية للممارسات الزراعية، أهمية التوعية الزراعية، أنظمة وقوانين الزراعة والمنتجات الزراعية، الاستثمار الزراعي في المملكة، الزراعة في المملكة ما بين الجودة والاكتفاء الذاتي، التوجهات العالمية في الزراعة، الفحص والرقابة على المنتجات). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديدَ من التوصيات المهمة، وفيما يلي نصُّ الورقة التي كتبها د. خالد الفهيد، وعقَّب عليها د. فوزية البكر و د. مساعد المحيا.

كتب د. خالد الفهيد: كما يعلم الجميع أن القطاع الزراعي السعودي رغم أهميته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ودوره الحيوي على وجه الخصوص في تحقيق الأمن الغذائي إضافة إلى ما يتم استيراده من المنتجات الغذائية، إلا أنه يواجه العديدَ من التحديات التي قد تؤثِّر على مستقبله سلبًا، مثل تدهور الموارد الطبيعية  )المياه والأراضي والبيئة (بسبب العمليات الطبيعية والأنشطة البشرية؛ مما نتج عنه انتشار التلوث البيئي، وانخفاض خصوبة التربة، وازدياد نسبة التصحر، وشح المياه. كما زاد التدهور بسبب الضغط السكاني المتزايد، وانخفاض إنتاجية وكفاءة الوحدة المنتجة، والممارسات الزراعية غير الملائمة) الإفراط في استخدام المياه والتسميد والمبيدات الزراعية)، وتزايد هجرة المزارعين إلى المدن وتولي العمالة الأجنبية الزراعة بديلًا عنهم. وكل هذه العوامل مجتمعةً أو منفردةً أدَّت إلى ترهُّل النشاط الزراعي وحدوث خلل فيه عبر سلسلة إمداداته؛ مما أدى إلى أهمية تبني ما يُسمَّى الممارسات الزراعية الجيدةGood Agricultural Practices (GAP) ، والتي هي عبارة عن معايير للإنتاج الزراعي من شأنها ضمان سلامة وأمان الغذاء والعاملين في إنتاجه، كما أنها تعمل بوثائق يُطلق عليها الوثائق القياسية، يتم الالتزام بها من خلال أربع نقاط أساسية خاصة بتلك الممارسات، هي: البروتوكول، التشريعات العامة، نقاط التحكُّم والتوافق مع المعايير، وقائمة الفحص والمراجعة.

الأهميةالاقتصاديةوالاجتماعيةللـ:(GAP)

من الآثار السلبية للممارسات الخاطئة أثناء عمليتي الإنتاج والتسويق للمنتجات الزراعية هو انخفاض كفاءة المنتج المحلي وكذلك ثقة المستهلك، يصاحبه ارتفاع تكلفة الوحدة المنتجة نتيجة للإفراط في استخدام مدخلات الإنتاج مثل المبيدات الزراعية والسماد الكيماوي، إضافة إلى طبيعية المنتجات الزراعية مثل سرعة التلف والموسمية، وضعف البنى التحية للأسواق الزراعية وتوفر المعلومات لتلك الأسواق في مختلف مناطق المملكة؛ وبالتالي يؤدي ذلك إلى تراكم الخسائر على المزارع، وكذلك عدم الاستفادة من مخلفات المزرعة التي تنتهي بحرقها وإحداث تلوث بيئي، ومن هذا المنطلق تبنّت وزارة البيئة والمياه والزراعة رغم تأخرها إصدار شهادة الممارسات الزراعية السعودية الجيدة، هدفها رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز ثقة المستهلك، ولها أهداف إيجابية مأمولة في حال تطبيقها كما رُسم لها، ومنها:

أسباب التطبيق:

– أهمية تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة لتحديث وتطوير الزراعة في البلاد واستدامتها.

– المطالبات بسلامة المنتجات الزراعية المحلية لضمان عدم تأثيرها صحيًّا على المستهلك.

– خفض نسب متبقيات المبيدات في المحاصيل الزراعية سواء المحلية أو المصدرة من خلال الالتزام بنظام المبيدات، وذلك وفق الحدود المسموح بها وفقًا للدستور الغذائي العالمي، بما يشجع المزارعين على تصدير منتجاتهم الزراعية، وعلى وجه الخصوص التمور.

– وجود صعوبة لدى بعض المزارعين في تسويق منتجاتهم الزراعية.

– عدم توافر برامج إدارة متكاملة وعلمية واضحة لدى المزارع؛ مما أسهم في ارتفاع تكاليف إنتاجه، وظهور العديد من الأمراض ذات الطابع الوبائي والآفات التي تتطلب برامج إدارة متكاملة للقضاء عليها.

– عدم الاستفادة من مخلفات المزرعة بتدويرها والاستفادة منها كأسمدة أو أعلاف.

وفيرأييليتحققهدفهذهالشهادةلا بدمن:

– إيجاد عصف ذهني للمزارعين للتعريف بأهمية الحصول على شهادةGAP  ودورها في تعزيز ثقة المستهلك وتحقيقه لعائد مجزٍ، ولوضعه في وضع تنافسي أفضل لمنتجاته مع المنافسين سواء المحلي أو المستورد.

– رسائل توعوية للمستهلكين لتعزيز ثقتهم فيها، للتعريف بشهادة GAP .

– تتولى الجهات الرسمية تشديد الرقابة والعمل باحترافية لتفعيل دور شهادة GAP، والاستفادة من تجارب الدول التي طبَّقتها وحققت نتائج إيجابية للمزارع والمستهلك على حد سواء.

– رفع قدرات المرشدين الزراعيين للتعامل مع وسائل تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة، ولإرشاد المزارعين بها.

– أهمية إقامة لقاءات تبادل خبرات بين العاملين في القطاع الزراعي فيما يتعلق بالممارسات الزراعية الجيدة.

– قيام بيوت الخبرة بتوسيع دائرة التدريب ورفع قدرات المزارعين.

عقَّبت د. فوزية البكر: هذا الموضوع يمسُّ حياةَ كل إنسان فوق أرض بلادنا. كما أنه يعبِّر عن هموم حقيقية نعيشها كلَّ يوم حين نحاول شراء ما نحتاج من موادَّ غذائية، فمن أين نشتري؟ ومَن نثق فيه؟ وهل ما نأكل من خضار وورقيات قد زُرِع بطريقة أقلّ ما فيها (أنها من مياه نظيفة مثلًا؟)، وهذه الدواجن التي تملأ المحلات: كم نسبة الهرمونات فيها؟…إلخ من عشرات الأسئلة التي يطرحها المستهلكون، ولا يجدون أجوبةً واضحةً، وكلٌّ يهرب بطريقته الخاصة، لكننا جميعًا ندفع ثمن الممارسات الزراعية الخاطئة، كما أن أرضنا تدفعها من مياهها وتلوث أجوائها وخسارة أراضيها…إلخ. إذًا من الواضح أن الثمن الصحي والاجتماعي والشخصي هو همٌّ يتلبس الجميع، فهل ستتمكن سياسة (الجاب) (أو ما سُمِّي بالممارسات الغذائية الجيدة) من استعادة ثقة المستهلك، ثم – وهو الأهم- المساهمة في استقرار النشاط الزراعي في المملكة عبر دورة زراعية نظيفة تحمي الأرض والمستهلك، وتضمن عوائد موازية للجهد والموارد المالية المبذولة من قِبل المزارعين.

لن نتحدث عن هجرة المزارعين للمدن الكبرى، فهذا أحد الآثار الملموسة لسوء توزيع برامج التنمية منذ بدأت بالتركيز على المدن الكبرى، لكننا نشهد- وبحمد من الله- إعادة (تسوية) لكثير من القضايا الكبرى في حياتنا عبر رؤية 2030 الطموحة، التي تحاول جادةً إعادة ترتيب الموازين المقلوبة على كثير من الأصعدة، والقطاع الزراعي بهذه المبادرة الطموحة يسعى في الاتجاه ذاته، ولعله يُوفَّق.

  • أسئلة أودُّ طرحَها على كاتب الورقة د. خالد الفهيد، مثل:

– يبدو من المراحل الأربع التي ذكرها د. خالد لمعايير الإنتاج الزراعي، والتي تعمل بما أطلق عليه الوثائق القياسية أنها تشمل أربع مراحل، وهي: البروتوكول، والتشريعات العامة، ونقاط التحكم والتوافق مع المعايير، وقائمة الفحص والمراجعة.

سأقول فقط إنني أفكِّر، إذا كان بإمكان مزارع في جبال فيفاء أو في الجوف أن يمتلك مفاتيح لفهم هذه الألغاز العلمية؟ وهل ستكفي جلسة عصف ذهني مع المزارعين لتثبيت مثل هذه التشريعات التي هي في غاية الأهمية لاستقرار القطاع الزراعي وتجويد ممارساته، والتي ستحقق في النهاية استعادة ثقة المستهلكين، بل ربما سيتمكن المزارعون عبرها من الوصول إلى أسواق أكبر.

وكيف ستتمكن الوزارة من متابعة تطبيق هذه الممارسات في كل مزرعة ومع كل منتج؟ لدينا في الغالب عمالة أجنبية رخيصة وغير ماهرة تعمل في الزراعة، ومن الصعب إيجاد البديل الوطني في الوقت الحاضر، وهذا سيجعل مهمة المتابعة للممارسات الفردية الزراعية غاية في الصعوبة.

وعقَّب د. مساعد المحيا: الممارسات الزراعية السعودية الجيدة يُفترض أن تكون وزارة البيئة والمياه والزراعة قد تبنتها ابتداءً من بداية هذا العام لرفع كفاءة الإنتاج الزراعي وتعزيز ثقة المستهلك في المنتج المحلي.

دون شك يبقى اهتمام الوزارة بتطبيق معايير الممارسات الزراعية الجيدة، وإطلاق شهادة مشروع “الممارسات الزراعية الجيدة في المملكة Saudi Cood Agricultural Practices”، الذي يُعرف اختصارًا بـ “سعودي جاب S.G.A.P”   (Saudi G.A.P)، فرصة وفقًا للمعلومات الصادرة من الوزارة في وجود شبكة محلية تربط المزارعين وأصحاب العلامات التجارية في مجال إنتاج الأغذية الآمنة وتوزيعها، لتحقيق الاطمئنان لدى المستهلكين، وسلامة الغذاء وإمكانية تتبُّع مصدره، والمحافظة على البيئة وصحة العاملين وسلامتهم ورعايتهم، وسلامة الحيوانات.

من المؤكد أن الوزارة تسعى لتطبيق هذه المعايير على مشغلي الوحدات الإنتاجية بطريقة تدريجية وفقًا لشروط ومعايير على مدى ثلاث سنوات، حيث ستبدأ بالوحدات الإنتاجية ذات المساحة من 500 هكتار فأكثر بشكل إلزامي خلال سنة، ثم ذات المساحة الأعلى من 200 وحتى 499 هكتارًا بشكل إلزامي خلال سنتين، وعلى مشغلي الوحدات الإنتاجية للمساحة من 50 وحتى 199 هكتارًا بشكل إلزامي خلال 3 سنوات، وعلى مشغلي الوحدات الإنتاجية للمساحة الأقل من 50 هكتارًا بشكل اختياري عدا مزارع إنتاج الخضار، كما سيتم تطبيق هذه المعايير على مشغلي الوحدات الإنتاجية لمساحة الخضار المحمية الأكثر من 5 هكتارات وللمساحة المكشوفة الأكثر من 25 هكتارًا بشكل إلزامي خلال 3 سنوات.

ويُتوقع أن تشمل فوائد الحصول على شهادة “سعودي جاب” (Saudi G.A.P)، عدة جوانب من أبرزها: تحسين العمليات والممارسات الزراعية، والمحافظة على البيئة وسلامة القائمين على البرامج الزراعية، وتمكين صغار المزارعين من زيادة إنتاجهم وتحسين الجودة، والحد من استخدام المبيدات الحشرية، إضافة إلى تعزيز ثقة المستهلكين في المنتجات الزراعية المحلية وحصولهم على منتج غذائي صحي وآمن.

والحقيقة أن مثل هذه الخطوة هي من الآمال التي كنا نتطلع لها منذ سنوات، أما وقد أصبح المشروع حقيقة، فالمؤمل الآنَ أن تُمارس الوزارة دورًا أكبر في مراقبة مشغلي الوحدات الإنتاجية، إذ إن توفير وتحسين استهلاك مياه الري في الزراعة من خلال استخدام طرق الري الحديثة، وترشيد استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية، وزيادة استخدام الأسمدة العضوية الذي سيحسِّن من خواص التربة وخصوبتها، ومن ثَمَّ تحسين قدرتها على الاحتفاظ بمياه الري- هي من الممارسات التي يصعب انتشار الاهتمام بها دون مراقبة مستمرة. فالتجار يبحثون عن المنتجات الأكثر رواجًا، وكل تلك الجوانب التي يتوقع أن تحسِّن المنتج تظلُّ لها ضريبتها الكبيرة التي قد تجعل هؤلاء المزارعين يحجمون أو يتراجعون عن المضي في هذا المشروع أو يتحايلون عليه.

صحيحٌ أن المستهلك يبحث عن الأفضل وعن الجودة، لكن المنافسة ستكون شديدة، والخوف أن يكون الادعاء بالالتزام بالجودة شعارًا فقط يرفعه البعض دون الالتزام به تمامًا، كما هو شأن شعار هيئة المواصفات والمقاييس الذي حصلت عليه منذ سنوات عدة شركات في منتجات عديدة، لكنها لم تستمر في الالتزام بضوابطه.

من جانب آخر، فالمزارعون الكبار الذين سيتم البدء بهم صحيح أنهم من أكثر المؤثرين في الإنتاج في السوق، لكن بعض صغار المزارعين وكذلك العاملون في بعض المزارع من مخالفي الإقامة هم ممَّن يقضّ مضاجع كبار المزارعين؛ لأنهم يغرقون السوق بمنتجات أرخص.

أذكرُ أني كنتُ قبل عدة سنوات مستشارًا في أمانة الرياض ومثلَّتُها عضوًا في لجنة لإقامة يوم المزارع، وهو يوم يتم فيه تشجيع المزارعين ليبيعوا منتجهم بلا وسيط. وقد استقر هذا اليوم طوال السنوات الماضية حيث كان يوم الخميس ثم أصبح السبت.

وأذكرُ أننا حين كنا نُخطط للبدء بهذه الفكرة كان يقلقنا أن المشروع سينتهي إن أتيح للوافدين البيع فيه؛ لذا كان هناك جهود كبيرة لمواجهة أولئك، وهو ما أسهم في بقاء هذا المشروع حتى اليوم، برغم وجود المخالفات المستمرة والتي يقابلها عمل لتصحيح أوضاعه.

لذا يظلُّ النجاح مرتبطًا بالحزم والعدالة في تطبيق النظام والعقوبات على كل المخالفين. وأرجو أن لا يُعوّل على الوعي في بقاء ذلك واستمراره، فالمستهلك غالبًا يبحث عن المنتج الرخيص والقريب، وهو ما لن يتحقق بشأن زراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية مضافة أكثر كالفواكه والخضراوات، كما أنَّ ذلك سيعوقُ فتحَ منافذ تسويقية جديدة داخلية وخارجية لهم، فضلًا عن تحسين العمليات والممارسات الزراعية وزيادة الإنتاج الزراعي وتحسين مواصفاته، وتحسين المرافق وظروف العمل والعُمال، وتأهيل وتدريب المزارعين والفنيين، وتعزيز ثقة المستهلكين في المنتجات الزراعية المحلية عبر حصولهم على منتج غذائي صحي وآمن.

إنَّ التكلفة التي ستكون ثمنًا لشهادة اعتماد الممارسات الزراعية الجيدة “سعودي جاب S.G.A.P” والتي سيحصل عليها المزارع، ربما تكون عائقًا للبعض من المزارعين الذين لم يتمكنوا من المضي في ذلك. لذا لا بد وأن يتواءم مع التطبيق التدريجي الزمني تطبيق تدريجي في المعايير نفسها حتى يتمكن المزارعون من مواكبة متطلبات هذه المعايير.

إذ إن الشروط والمعايير الخاصة بالمشروعات الزراعية تشمل جوانب عديدة، بعضها قد يكون مرهقًا للتاجر نفسه، مثل: تقييم المخاطر، وحفظ السجلات، والتقييم الذاتي لوحدة الإنتاج، وضمان سلامة الأغذية في جميع مراحل الإنتاج، ومعايير استخدام الوقود والطاقة، وتوفُّر نظام موثَّق لتتبُّع المنتجات وفصلها، وتوفُّر الاختصاص والتدريب لدى مدير وحدة الإنتاج والمسؤول عن إدارة المنتج ومواد الوقاية وإدارة الأسمدة والسلامة المهنية والمعدات والآلات، إضافة إلى تسجيل العمالة، وطريقة التعامل معهم، والتأمين ضد المخاطر، وسلامة التربة وحمايتها من الانهيار، وسلامة المياه المستخدمة في الزراعة، والمياه المستخدمة أثناء تداول المنتج، علاوة على إدارة مياه الصرف الصحي، وتحسين الحياة البرية وحماية التنوع البيئي، وإدارة الملوثات والمخلفات، وتوفُّر إرشادات النظافة والصحة العامة، وتوفُّر المرافق الصحية وأماكن التدخين وتناول الطعام، ووجود تدابير وقائية ضد الأمراض المنقولة من الزوار، وكذلك التخطيط الفعَّال لاستخدام الأسمدة والمبيدات، والشروط العامة للحصاد والتعبئة والتخزين… إلى غير ذلك من المعايير.

عمومًا تظلُّ مثل هذه الشهادة فرصةً مشرقة للوصول لغذاء آمن جيد وصحي، في وسط بيئة أصبح يهددها الكثير من المنتجات الزراعية المليئة بالملوثات.

المداخلات:

الحصول على الشهادة السعودية للممارسات الزراعية:

في بداية مداخلتها تساءلت د. الجازي الشبيكي: ما هي الآلية التي يتم بها تطبيق الحصول على الشهادة السعودية للممارسات الزراعية؟ وهل تختلف تلك الآلية بحسب حجم المنشأة، وبحسب المنطقة الجغرافية؟

أجاب د. خالد الفهيد بأن الشهادة تمَّ اعتمادها مؤخرًا، وحسب موقع وزارة البيئة الإلكتروني سيتم اتخاذ الإجراءات لتطبيقها بإنشاء وحدة خاصة لـ SGAP في الوزارة، وتقوم فروعها في المناطق بالتواصل مع المزارعين، وفي حال رغبة المزارع في الحصول على SGAP يقدِّم طلبًا إلى إحدى جهات التوثيق المعتمدة من الوزارة، ويتم استكمال الإجراءات. أما يتعلق بحجم المنشآت فمثل ما أشار د. مساعد تبدأ تدريجيًّا، بحيث يكون ملزمًا للشركات وكبار المزارعين خلال سنة، وتتدرج حتى تستكمل لمن أقل من ٥٠ هكتارًا خلال سنتين. وفي اعتقادي الشخصي حتى لو زادت المدة فالأهم هو التطبيق الفعلي؛ لحاجة التنظيم، وتغلغل العمالة الأجنبية في المزارع، وتردد المزارعين في طلب SGAP، فالأمر يحتاج مزيدًا من إرشاد زراعي نوعي يشارك فيه المزارع الحقيقي وليس الوهمي.

في السياق نفسه، تساءت د. وفاء طيبة: هل الحصول على الشهادة تختلف تكاليفه حسب مساحة الأرض؟ وهل هو نسبة من المنتج أم مبلغ ثابت حسب المساحة؟ وهل كان من الأفضل أن تتحمله الدولة؟ هل يمكن أن تتحمله الدولة؟ هل تجديد الشهادة سنويًّا؟

في اعتقاد د. خالد الفهيد، فإنَّ التكاليف تعتمدُ على حجم المزرعة ونوع المحصول، وبالفعل تجديد الشهادة سنويًّا. وفي رأيي من غير المناسب تحمُّل الدولة تكاليف الشهادة للشركات والمزارع الكبيرة، لكن قد تكون مناسبةً لصغار المزارعين شريطةً انضمام لجمعية تعاونية وحضور دورات إرشاد للمزارعين؛ تشجيعًا لهم ولرفع قدراتهم ووضعهم في وضع تنافسي أفضل بالاستفادة من خدمات الجمعيات.

كما تساءلت د. الجازي الشبيكي: هل تمَّ التنسيق فيما يخصُّ الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة مع كليات الزراعة أو أقسام التغذية في الجامعات والمراكز البحثية؟ أم أن الشهادة كانت أصلًا نتاج دراسات وأبحاث في تلك الجامعات والمراكز ذات العلاقة؟

علَّق د. خالد الفهيد أنه بالاستفسار من أحد المسؤولين في وزارة البيئة عن مدى التعاون مع بيوت الخبرة عن SGAP، أفاد أنها عمل أصيل للوزارة، وتعمل مع مؤسسة الجلوبل جاب للحصول على الاعتماد، وتمَّ فقط إسناد إدارة تطبيقية على مستوى المملكة لجامعة الملك فيصل.

التحديات المتوقعة عند البدء في تطبيق الشهادة:

وعن التحديات المتوقعة عند البدء في تطبيق الشهادة على أرض الواقع، ذكر د. خالد الفهيد أنها تتلخص في:

– عدم تهيئة بعض المزارع من حيث الإدارة المزرعية، مثل التنظيم والسجلات.

– ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج.

– إدارة المزارع العمالة الأجنبية.

– أزمة ثقة للمزارعين تجاه بعض الأنظمة التي تصدر من وقت لآخر.

– أزمة ثقة للمستهلك تجاه الشهادة والتركيز فقط على الأسعار.

علقت د. وفاء طيبة بأن هذا يعني أننا نحتاج إلى رفع وعي المواطن بأهمية هذا المشروع ومردوده على صحته، وقد تحتاج الدولة إلى دفع بعض المعونة على المنتج لتخفيض سعره في بداية المشروع على الأقل، لصعوبة توفير أساسيات الحياة لبعض الطبقات خاصة.

أساليب استخدام الماء للزراعة:

تساءل د. عبد الرحمن الهدلق: لماذا لا يُستفاد استفادة كاملة من التجارب العالمية الناجحة في ترشيد مياه السقي الزراعي كممارسة للزراعة الجيدة، بحكم أننا نعاني من قلة المياة المخصَّصة للزراعة؟

أشار د. خالد الرديعان إلى أنَّ أهم ما في موضوع الزراعة الحديثة هو قضية استخدام الماء، بحكم أنه شحيح في معظم مناطق المملكة مع وجود هدر شديد في طرق استخداماته الزراعية.

أعتقدُ أن اتباع أساليب حديثة في الري هي المسألة التي يُفترض أن نلتفت لها أكثر من الأمور الأخرى؛ وذلك لحفظ الماء وترشيد استخداماته، والإفادة من المياه المتاحة بكفاءة عالية.

سبق لي أن طرحتُ موضوعَ “الحصد المائي” وضرورة التفكير جديًا في ذلك؛ فالسدود التقليدية قد لا تكون حلًّا كافيًا. ما سبق أن طرحتُه بهذا الخصوص هو بناء خزانات أرضية كبيرة بعد مجاري السيول وتخزين مياه الأمطار فيها لأغراض الزراعة. لديَّ تصوُّر متكامل حول فكرتي، لكني بحاجة إلى رأي فنيين في المياه وطُرق حفظها.

لاحظنا هذه السنة- على سبيل المثال- هطول كميات كبيرة من الأمطار وتكوُّن بحيرات في بعض المناطق، والتي تجفُّ بعد عدة أسابيع دون أن يُستفاد منها بصورة مُثلى.

ليس للحصد المائي -حسب قراءاتي- أية أضرار إيكولوجية، بحكم أن الماء يتبخر وفي مناطق مفتوحة، بل إنَّ بقاء الماء في بعض المواقع ولفترات طويلة يخلقُ سبخات.

بحيرة الكسر في الزلفي مثال لما ذكرتُ حول ضرورة الإفادة من هذه الكميات المهولة من المياة. كان هناك تقرير عن هذه البحيرة في أخبار التاسعة على الإم بي سي.

مزارع المنتجات العضوية:

وذكر د. عبد الرحمن الهدلق؛ لديَّ زميلٌ لديه مزرعة منتجات عضوية للخضار، ويسوِّق للمحلات ويوصِّل كذلك للمنازل بشروط معينة، وعلى منتجاته إقبال كبير… في ظن سعادتكم، هل هذه المشاريع (مزارع المنتجات العضوية) لها مستقبل في المملكة؟ وهل هو ملزم كبائع بالحصول على مثل هذه الشهادة؟ من جانبه يرى د. خالد الفهيد أنه- في ظنه- سيكون من السهل على المزارع العضوي الحصول على السعودي قاب، وحسب علمي الوزارة تدرس حاليًّا تنظيم ذلك. ومن حيث مستقبل الزراعة العضوية لها مستهلكوها الذين يبحثون عنها، وهي تحظى بدعم الدولة لكن كميات إنتاجها أقل ولا يقارن بالزراعة التقليدية لعدم استخدامها للمواد الكيماوية في المكافحة أو المخصبات، وتحتاج عمالةً أكثر والاستعانة بالمفترسات من الحشرات الاقتصادية في المكافحة.

النواحي السلبية للشهادة السعودية للممارسات الزراعية:

تحدَّث م. أسامة كردي عن النواحي السلبية لهذه الشهادة، وذكر؛ لاحظتُ أنه لا يوجد أي نوع من التحفيز للمزارعين للالتزام بمتطلبات الشهادة بل إجبار على الالتزام (فرصة ٣ سنوات للمزارع أقل من ٢٠٠ هكتار).

كما أن متطلبات الشهادة سترفع من تكلفة الإنتاج؛ مما يؤدي إلى أمرين: أحدهما ارتفاع السعر على المستهلك، وثانيهما هو وضع المزارع السعودي في وضع غير منافس مع المنتج المستورد ما لم تُطبَّق نفس المتطلبات على المصدّر في بلاده، وهذا غير وارد. كذلك فإن توقف المزارعين عن استخدام الأسمدة الكيماوية سيؤثر سلبًا على أهم استثماراتنا في شركة سابك وما شابهها من الشركات.

وقد يؤدي هذا التطبيق الإلزامي إلى خروج العديد من المزارع من السوق، والتأثير على الأمن الغذائي للمملكة.

أما الأفضل فهو تخفيف المتطلبات والتركيز على موضوع المياه مثلًا، ثم جعل الشهادة اختيارية لتكون فرصةً للتنافس بين حامل الشهادة ومَن لم يحملها، وخبرة هيئة المواصفات في شهادة الجودة معروفة للجميع.

الرقابة على المنتجات الزراعية في المملكة:

ذهب م. سالم المري إلى أن الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة إنجاز مهم، ولكن كنتُ أتمنى من مُقدِّم الورقة د. خالد الفهيد لو طرح بصورته الأعم عن (سلامة الأغذية) في أسواق المملكة. كذلك أرى أن موضوع التشريع ليس إلا حلقة بسيطة في سلسلة القصور في الرقابة على ما يُقدَّم للمستهلك في المملكة من خضار وورقيات وفواكه، من أجل درء الأخطار الصحية عن المواطنين من جراء الممارسات الخاطئة عند استخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية وغيرها من الإضافات المساعدة للإنتاج.

فمن المعروف أن الخضار والورقيات والفواكه تصل للمستهلك في المملكة إما عن طريق الاستيراد أو عن طريق الإنتاج المحلي. وتتولى هيئة الغذاء والدواء مهمة الكشف على ما يصل للسوق عن طريق الاستيراد، في حين تتولى وزارة البلديات ووزارة البيئة والزراعة مسؤولية الكشف على المنتجات الزراعية المحلية التي تصل إلى الأسواق. ومن خلال البحث والاطلاع يبدو جليًّا بأن جُلَّ المشكلة (للأسف) يقع في المنتجات المحلية؛ نظرًا لضعف الرقابة وصعوبتها. وأضيف الآتي:

    أ- علاقة المبيدات الحشرية بغذاء الإنسان: تحتوي المبيدات على أنواع مختلفة من المواد الكيميائية النشطة، التي على أساسها تُصنَّف المبيدات، ولها تأثير مختلف على الكائنات الحية لا يقتصر على الحشرات، وبعضها يبقى في بيئتنا لمدة طويلة. وإذا دخلت هذه المواد جسم الإنسان فإنها يمكن أن تهاجمه أيضًا كما تفعل بالحشرات، حيث لا يوجد في الوقت الحاضر مبيدات يمكنها التفريق بين الحشرات والبشر…وفي الغالب تعمل المبيدات بالتأثير على الناقل العصبي للحشرات. وإذا استخدم الإنسان طعامًا ملوثًا بالمبيدات فإن هذه المبيدات يمكن أيضًا أن تهاجم الناقل العصبي لجسم الإنسان. وعندما تُرش المبيدات على المحاصيل، فإنه يمكن أن تمتصها التربة، وتدخل في الثمار والماء. ومن ثَمَّ يمكن للمبيدات الحشرية أن تؤثر على الإنسان من خلال طرق مختلفة، كالفم والجلد وعن طريق الاستنشاق، ويمكن أن يتسبب التعرض المتكرر لها في أمراض حادة ومزمنة؛ كالطفح الجلدي، وعدم وضوح الرؤية، والإجهاد الحراري، وتشنجات الحرارة، والأمراض العصبية. وبسبب الآثار الجانبية للمبيدات الحشرية؛ أصبح من الضروري السيطرة على استخدامها لتكون في الحدود المسموح بها.

    ب- تلوُّث الخضار والورقيات بالمعادن الثقيلة: تُستخدم مياه الصرف الصحي بصورة غير شرعية لري المزروعات, وقد حدَّدت الدراسات عدة معادن ثقيلة تعدُّ من أخطر ما يمكن أن تحتويه مياه الصرف الصحي: الكادميوم, الرصاص, الزئبق إضافة إلى النتريت؛ لما تسببه هذه المواد من ضرر بالغ على صحة الإنسان. وتحوي المياه العادمة الكثيرَ من المواد الأخرى من كيماوية وملوثات جرثومية لها معايير عالمية دقيقة جدًّا يجب التقيد بها قبل أن يُسمح باستخدام هذه المياه في ري المزروعات, وخاصة الخضار والورقيات التي تؤكل نيئة دون أن يتم طهيها. ووفقًا للعديد من الدراسات، فإنه لا يجوز استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة إلا في ري المزروعات التي لا تدخل في السلسلة الغذائية للإنسان. “يجب أن يقتصر الري بمياه الصرف الصحي على الإنتاج غير الغذائي سواء للإنسان أو الحيوان”. ومياه الصرف الصحي التي يُسمح باستخدامها في ري المحاصيل الزراعية التي لا تؤكل نيئة يجب أن تكون مُعالجة ثلاثيًّا ومعقمة، ولا يجوز استخدامها إطلاقًا في ري المزروعات التي تُؤكل نيئة حتى بعد المعالجة والتعقيم.

    ج- المتبع حاليًّا للكشف على السوق في المدن: تُؤخذ عينات عشوائية من السوق وبعد فترة زمنية تظهر النتيجة، وإذا رسبت تكون البضاعة قد صُرفت وليس فيه غرامة، ولكن يكتبون لوزارة الزراعة التي تحاول الطلب من المزارع الحضور للمختبر، حيث يحاولون إرشاده ومتابعته، وهناك نقص شديد في الإمكانيات، وضعف واضح في التنظيم والمراقبة والمتابعة.

    د- متطلبات أساسية:

1- إنشاء عدد كافٍ من المختبرات الحديثة والمجهزة لفحص الخضراوات والفواكه والورقيات، وتحديد مدى تأثُّرها بالمبيدات والأسمدة، أو الري بمياه ملوثة.

2- التوعية المكثفة للمزارعين.

من المعروف أنَّ شركات إنتاج المبيدات تضع ملصقًا على عبوة المبيد أو السماد يوضِّح كمية المادة التي يجب رشها والوقت الذي تمكثه فوق النبات قبل أن يتم حصاد الخضار. وغالبية المزارعين يعرفون ذلك، ولكن المشكلة في العمالة التي تعمل لديهم، فهم لا يفهمون ولا يُطبِّقون التعليمات على الوجه الأكمل، فنجد أن هناك إفراطًا في الرش في بعض الأحيان، وغالبًا ما يتم قطفُ الخضراوات والفواكه قبل انتهاء فترة التحريم، وهي الفترة التي يتحلل فيها المبيد الذي يكون بها.

3- نشر الوعي الصحي بين المستهلكين وحثهم على شراء المنتجات الصحية، وعدم تحفيز المنتجات التي لم يتم اختبارها من قبل مختبر.

4- وَضْع قائمة بالمزارع المرخصة المسموح بكونها أصلًا لمنشأ ما يدخل السوق من منتجات.

5- دراسة مسحية للمزارع بالتعاون بين وزارتي البلديات والبيئة، لمعرفة أنواع المبيدات المستخدمة في المزارع وعمل قائمة بها.

6- دراسة مسحية لمحلات بيع المستلزمات الزراعية لمعرفة أنواع المبيدات المتوفرة في السوق ووضع قائمة بها.

7- تعريف أي مبيد محرم دوليًّا أو ممنوع في السعودية، وموجود في السوق.

    هـ – السيطرة المثالية على السوق:

1- تطبيق نظام محكم للمراقبة والتحكُّم في البضائع الداخلة في أسواق الخضار المركزية في المدن.

2- يجب أن يكون لكل مَن يُدخِل بضائعَ للسوق بطاقة تعريف من الأمانة ووزارة البيئة، بحيث يمكن الرجوع له بعد الكشف على بضاعته، ويمكن مَنْع مَن لا يحمل بطاقة تعريف من البيع في السوق.

3- سنُّ غرامات وإجراءات عقابية على المخالفين، على أن تكون متدرجة ومترافقة مع الإرشاد والتوعية حتى لا تربك السوق أو تتسبب في توقُّف نشاطات المزارعين. ففي الوقت الحاضر لا وجود لأي لائحة يمكن أن يعود إليها المزارعون، وتسمح بمعاقبتهم في حال أخلُّوا بقانون رش المبيدات، إذ إن المتوافر في وزارة الزراعة لا يتعدى وجود أنظمة حول تداول المبيدات الحشرية.

قراءة في موضوع الشهادة السعودية للممارسات الزراعية:

فيما يتعلق بوجود طبقة من المزارعين داخل المجتمع السعودي، تساءل أ. محمد الدندني: هل لدينا طبقة متخصصة وتعتمد في حياتها على هذه المهنة؟ فالمزارع هو أخونا المصري والهندي والنيبالي في الغالب، وهم مَن يدير المزارعَ الصغيرة والمتوسطة والسعودي مالك، يعملون لديه إما بالراتب أو بتأجير هذه المزرعة؛ لذا يجب تدريب مَن يعملون وليس مَن يملكون. أما عن هجرة المزارعين فالهجرة تشمل كافة الناس لقلة الفرص ولفشلنا في تطوير وتنمية المناطق، والتي بدأت تنعكس سلبًا على المملكة، حيث تكدَّس الناس في المدن مع عدم رغبة المواطن في العودة إلى منطقته. الواقع أنها هَجرٌ للمَزارع إما بتركها أو بتأجيرها وليس هِجرة المُزارع.

كما أرى أنه لا غنى اليوم عن الأسمدة الكيماوية، والسبب هو أن البذور مركبة، ومعالجة جينيًّا، فهي لا تنمو النمو المطلوب ومن ثَمَّ الإنتاج المطلوب بلا أسمدة. ربما هناك مصادر للبذور غير هذا النوع، وعلى وزارة الزراعة توفير البذور المناسبة والتي تعيش بلا كميات مهولة من الأسمدة. المطلوب أيضًا هو تقنين فترة التحريم، أي أن المنتج لا يُسوَّق قبل فترة من الوقت لا أعرف مدتها، ولكن هذا النظام معروف، وتختلف المدة حسب نوع السماد المستخدم. ومن الممكن دمج السماد الكيماوي مع الطبيعي للتقليل من الضرر أو إلغاء وجوده، وهذا يحتاج توقيت معين وإشراف زراعي هندسي جيد. ربما مرَّ عليكم موضوع الشركات الكبرى في صناعة البذور، وهي فعلًا صناعة لما أدخلته هذه الشركات من موادَّ إما غير طبيعية أو تدخل هندسي وراثي…إلخ، أغلبها شركات أمريكية.

كذلك فإننا قبل أن نحرص على منتج صحي، علينا إيجاد الحلول الناجعة لتقنين استخدام الماء في الزراعة، وتخزين مياه الأمطار، والأهم معالجة المياه الرمادية فلا غرابة حيث وصلت المعالجة إلى أن يصبح الماء صالحًا للاستخدام الآدمي. والمهم جدًّا هو تبني الطرق الحديثة في الزراعة، والزراعة المائية لتقليل استهلاك التربة أي جعل الزراعة المائية ضمن الدورة الزراعية للأرض. وأيضًا زراعة الطوابق وهي تُطبَّق في الزراعة المائية. بجانب حماية التربة من الاستهلاك، فهي أيضًا مفيدة لحماية النباتات من العوامل الجوية القاسية في بلادنا.

أيضًا، يجب حماية الغطاء النباتي من الرعي الجائر، فكلما زاد الرعي زاد التصحُّر، وهذا يدمِّر البيئة الزراعية من حيث كثرة الأتربة (العجاج) وغيرها من المؤثرات السلبية المباشرة وغير المباشرة. هل ما تستهلكه الإبل يعادل ما يُستفاد من قيمة البروتين والألبان؟ أنا لا أعتقد ذلك. في رأيي، يجب تدجين الإبل والناشئة، وإلغاء الرعي أقلها لعشر سنوات. سنرى العجب في تحسين المناخ والبيئة عمومًا. هي حلقات متسلسلة يجب إحكامها قدر المستطاع، فقدان إحداها يُفشِل كلَّ الحلقات.

كل ما سبق مربوط بالجدوى الاقتصادية والتجارية، فكيف نحمي المزارع الوطني ومنتجه من تقلُّبات السوق والمنافسة مع المستورد الأجنبي؟  في رأيي، لا بد من جمعيات تعاونية ذات ربحية معقولة لتموين المزارع بالبذور والأسمدة والإشراف الفني، ولا بد أيضًا من وجود شركات تسويق تضمن شراء المنتج؛ وبهذا ضمان استمرار المزارع في عمله. لا يستطيع المزارع الصغير والمتوسط أن يسوِّق خارج منطقته، والتي كل بيت فيها لديه مزرعة.

أهمية التوعية الزراعية:

أشار د. خالد بن دهيش إلى أنه من خلال ما تمَّ طرحه في الورقة الرئيسة وما جرى حولها من مناقشات، اتضح أهمية الشهادة الزراعية، فالشهادة هي محاولة لإصلاح الوضع الحالي السيئ في معظمه، الذي وصل إليه حال الزراعة في مملكتنا الحبيبة، وتأثير منتجاتها على صحتنا جميعًا.

ولأهمية التوعية في هذا المجال، فإنه يجب التركيز على تأهيل شباب سعودي من خلال إيجاد دبلوم بعد الثانوية لمدة تتراوح من سنة إلى سنتين، يحصل المتدرب على التأهيل اللازم ليكون مرشدًا أو مراقبًا زراعيًّا يتبع لوزارة الزراعة، يكون عمله ميدانيًّا بزيارة للمَزارع، والتأكد من مطابقتها لمتطلبات الحصول على الشهادة الزراعية، ومُلِمًّا بالمبيدات والأسمدة وطريقة استخدامها مع التأكُّد من ضمان وصول المنتج بطريق صحية إلى المستهلك. فالعمالة الزراعية- التي للأسف هي التي تزرع وتقطف وتنقل وتبيع- جاهلة بالكثير من الطرق الصحية لسلامة المنتج.  كما يجب أن تدعم وزارة الزراعة القطاع الخاص الذي يعمل في قطاع التدريب بإدراج ذلك الدبلوم في برامجه التأهيلية والتدريبية، لتخريج المرشد والمراقب الزراعي المتمكن، الذي يعمل تحت إشراف وتوجيه المهندس الزراعي.

أنظمة وقوانين الزراعة والمنتجات الزراعية:

يرى د. خالد الفهيد أنه كما يعلم الجميع أن سنَّ الأنظمة وإن كانت أهدافها إيجابية إلا أنه قد يصاحبها آثار جانبية، مثل ما أشار بعض الزملاء في هذا الملتقى؛ مما يعني أن SGAP قد يصاحبها ارتفاع في التكلفة الإنتاجية والتسويقية للوحدة المُنتَجة، ولمعالجة مثل هذا الأثر أثني على ما تمَّ طرحُه بأن تتحمل الدولة تكاليف الحصول على الشهادة للوحدات الإنتاجية التي مساحتها أقل من 50 هكتارًا (500 دونم)، وأن يكون هذا مشروطًا بانخراط المُزارع في إحدى الجمعيات التعاونية الزراعية في منطقته كعضو، وأن يحصل على دورة في الإرشاد الزراعي لمعرفة كيف يقوم بالممارسات الجيدة في مزرعته، والاستفادة من جميع مخرجاتها وتدوير مخلفاتها (النباتية والحيوانية) للحصول على تدفقات نقدية منها.

فيما يتعلق بسلامة الأغذية، فهذا موضوع له مناطقه الرمادية وتداخلاته بين عدد من الجهات الحكومية التي من المأمول أنها تتعاون بينها بشكل متناغم، فمثلًا:

– الخضار والفاكهة الطازجة المستوردة مسؤولية المحاجر في المنافذ التابعة لوزارة البيئة والمياه والزراعة.

– الأغذية المعلبة المستوردة والأدوية والأعلاف مسؤولية هيئة الغذاء والدواء.

– الأغذية في الأسواق مسؤولية البلديات.

ومن هذا المنطلق قد يقترح ملتقى أسبار توحيد الجهة المسؤولة عن الغذاء، ومن واقعنا نرى أن تكون منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) أو كلية الأغذية والزراعة.

الاستثمار الزراعي في المملكة:

ذهب د. رياض نجم إلى أننا إذا نظرنا إلى المقومات الأساسية للزراعة، فإننا لا نجدها متوفرةً في المملكة لقيام مشاريع ضخمة في المجال الزراعي. وكان التوسُّع في الاستثمار الزراعي خلال الأربعين سنة الماضية خصوصًا في زراعة الحبوب والأعلاف، شديدَ الضرر بل كارثيًّا على المدى البعيد، وأهمها في استنزاف مخزونات المياه التي لا يمكن تعويضها.

كنا نتمنى أن تقوم وزارة الزراعة من سنين وقبل فوات الأوان بإصدار تشريعات لتقنين التوسُّع الكبير في الاستثمار الزراعي، وكذلك إصدار هذه الشهادة للممارسات الزراعية الجيدة للحفاظ على المياه والبيئة من ناحية، وعلى صحة المواطنين والمقيمين من ناحية أخرى.

لا بد الآنَ من تطبيق هذه الشهادة بكل حزم ودقة، فلا نريدُ زراعةً تضرُّ بالبيئة وتستنزف مواردنا الطبيعية، ولا منتجات زراعية تضرُّ بصحتنا. أما الاستثمار فلنتوجه به في المجالات الأخرى التي لدينا فيها ميزات تنافسية.

بالرغم من اتفاق د. فوزية البكر مع ذلك، إلا أنها ترى أنه لا غنى لنا عن الزراعة، والاكتفاء بالاستيراد في احتياجات أساسية مثل هذه.

كذلك فإنني أوافق على ما ذكره د. رياض حول عدم التوسُّع بشكل استثماري في هذا القطاع؛ لضعف إمكاناته وضعف الموارد المائية المتوفرة، لكن من الضروري تنمية قدرتنا على الوفاء بالاحتياجات المحلية على الأقل، ضمن ممارسات زراعية جيدة كما تهدف لها هذه الشهادة.

أضافت د. وفاء طيبة أنه لا بد من العمل على الاكتفاء المحلي واتباع متطلبات الشهادة الزراعية حتى تكون الصحة (وهي أهم رأس مال وأهم استثمار) في مملكتنا في الحسبان، ولا ضرر من عدم التوسُّع في الاستثمار في الزراعة بعد ذلك.

بينما يرى د. رياض نجم أن المحافظة على المياه والصحة أولًا، ثم الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية. أما مسألة شُحُّ المياه فهي ليست مفتعلة بل حقيقية؛ بسبب التوسُّع في إنتاج القمح والمحاصيل الأخرى، بما يزيد عن حاجة المملكة ولسنوات عديدة. كما أن تحلية مياه البحر هي الأعلى كُلفة، ونحن مضطرون لها الآنَ.

كذلك يرى م. سالم المري أنَّ هناك نوعًا من التبسيط والتهوين للموارد الزراعية في المملكة؛ بسبب عدم فهم ونقص في المعلومات عن تفاصيل الموارد والمقدرات الزراعية في مختلف مناطق المملكة. هناك مناطق قائمة على الزراعة لقرون ولها منتجات مهمة والمهارة مكتسبة فيها أبًا عن جد، ولكن سوء الإدارة الاقتصادية للموارد في العقود الماضية بعد طفرة البترول أدَّى إلى هجر الناس لزراعة مناطقهم.

صحيحٌ أنه ليس لدينا أنهارٌ جارية ولكن بإدارة إستراتيجية ناجحة للموارد الموجودة من زراعة موسمية ومياه سطحية متجددة وما يُسمح به من المياه الجوفية سيكون كافيًا لسد جزء كبير من احتياجات البلاد، وسيخلق فرصًا وظيفية لشريحة كبيرة من سكان الأرياف. أضافت د. فوزية البكر على ذلك، خاصة في المناطق الشمالية والجنوبية من المملكة، والتي تتمتع بمناخات ممتازة للزراعة.

الزراعة في المملكة ما بين الجودة والاكتفاء الذاتي:

ذهب أ. إبراهيم آل سنان إلى أنه على مدى سنوات عديدة مضت كان هناك الكثير من الزيارات واللجان التي سافرت وشاركت، وسمعنا عن أخبار التعاون بينها وبين دول في المجال الزراعي، وعن دراسات وتجارب جامعية ناجحة في الزراعة، البستنة لها الكثير من المشاريع التي أُعلن عنها، وأتذكرُ أن عددًا من الشباب ابتُعِثوا لدراسة الزراعة في تخصصات كالحمضيات والقمح وغيرها. لا أخفيكم أنني لو دخلت على الأرشيف للأخبار المعلنة في هذا المجال وأحصيتُها لكنَّا الأول زراعيًّا في العالم، ناهيك عن المبالغ التي صُرفت في هذه اللجان؛ انتدابات، وسفريات، وغيرها.

في اعتقاد د. خالد الفهيد، فإن الاكتفاء الذاتي ليس هدفًا بل الهدف هو أمن وأمان غذائي، ويتم ذلك برفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية وفي مقدمتها المياه، وكذلك الاستخدام الأمثل للميز النسبية في المناطق ليتحقق خفض تكلفة الإنتاج ورفع كفاءته، والتركيز على الأنشطة المناسبة، مثل البيوت المحمية والدواجن والأسماك والمناحل، وتشجيع التصنيع الغذائي.. وذلك يتماشى مع الرؤية 2030، إلا أنَّ الأمر يحتاج مزيدًا من التنظيمات، ولعل SGAp أحدها، وقد يكون من المناسب تشجيع قيام الكيانات لمزيد من التنظيم سواء في الإنتاج أو التسويق، فواقع الأسواق الزراعية في المناطق يتطلب إعادة تهيئة لتتوفر المعلومة عنها للمزارع والمستثمر (الوسيط) على حد سواء.

ويرى أ. إبراهيم آل سنان أن الحقيقة المحبطة لدينا أننا لا نتابعُ ونراقب ونحاسب، ونسأل: أين ذهب كل هذا؟ وماذا حدث له؟ وفي كل مرة يتغير وزير ويأتي آخر بمشاريع ومبادرات لها مسميات مختلفة وخطط مختلفة لنفس الأهداف المطلوبة في الأخير. أضاف د. حميد الشايجي: للأسف، كانت تلك المشاريع والتغطيات الإعلامية للاستعراض فقط، وأنا أؤيدك في ذلك. فكثيرة هي التصريحات المليارية، ولكن لا نجد لها نتائج على أرض الواقع.

وذكر م. سالم المري أن الزراعة- للأسف- استُخدمت من قِبل الكثيرين على مدى العقود الماضية للاسترزاق وكسب الثروات من المال العام، وكان صندوق التنمية الزراعي أحدَ المصادر الممولة لمشاريع انتهت بالكسب الشخصي لبعض الأفراد أو الأسر، ونتائج على غير ما كان يُتوخى منها.

ولكن الوضع تغيَّر الآنَ، وواضح أن الدولة بصدد الاستفادة من تجاربها السابقة، ولم يعد هناك قروضٌ بدون سداد، ولا مشاريع ومبادرات إلا بعد دراسة ونتائج مضمونة.

كما أرى أن ما ينقص القطاع الزراعي في المملكة هو التسويق الصحيح المنظم. يُفترض أنه كان هناك شركة تسويق زراعية حديثة مملوكة للدولة، تُسوِّق المنتجات ولها قدرة على الشراء والتخزين في المواسم، فالمزارع البسيط لا يستطيعُ تسويقَ منتجاته، ويخسر الكثير خاصةً في المواسم.

وبالطبع للمواصلات العامة دورٌ كبير في المشكلة، فعدم وجود شبكة قطارات (مثلًا) قليلة الكلفة تربط بين المدن الرئيسة والأرياف والواحات الزراعية في الشمال والجنوب والحجاز- جعل من الصعب على المزارعين تصريف منتجاتهم في الوقت المناسب.

ويرى أ. إبراهيم آل سنان أنَّ الحديث عن جودة الزراعة يأتي متقدِّمًا على إيجاد حلول كثيرة قبل ذلك، مثل: نوعية المنتجات حسب المناطق على منافذ البيع، أو منع استيراد ما لدينا منه اكتفاء لدفع المزارع المحلي، أو تقنين الزراعات التي تحتاج إلى كميات ماء أكبر من المتوفر، أو وجود شركة وطنية للتبريد والتغليف والتبريد. أشياءُ كثيرة يجب أن تسبق الجودة.

من جانبه أشار أ. إبراهيم آل سنان إلى أنه تمَّ ضرب المزارعين الصغار بالهايبرات التي تورد كلَّ المنتجات من الخارج، لدرجة أنَّ أسواق الخضار العامة للباعة أصبحت مهجورة وبالكاد ترى فيها مستهلكين، باخرة للخس أو الطماطم أو الخيار تستوردها شركة هايبرات ضخمة من الخارج وتوزعها على فروعها، يصبح سعر تكلفتها هللات وتُباع بنفس أسعار المحلي الذي يُكلِّف المزارع الصغير الكثيرَ.

علَّق م. سالم المري بأن هناك توجُّهًا كبيرًا حاليًّا للتعاونيات الاستهلاكية، وهذه عادة يكون لها اتفاقيات مع المزارعين المحليين وجمعياتهم، وقد يكون هذا هو الحل.

والمنتجات المحلية لها مصداقية وشعبية إذا تمَّ تعزيزها بشهادات مختبرات محلية وجمعيات تعاونية لها أهداف تتعدى الربح الاقتصادي إلى الالتزامات المجتمعية.

التوجهات العالمية في الزراعة:

ذكر د. حمزة بيت المال؛ أتفقُ مع كثير مما طُرح، مع ضرورة التأكيد على أهمية المتابعة للبرنامج المقترح وهو الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة، مثل هذه المعايير بدت تظهر مؤخرًا في بعض المجالات، مثل:

– معايير التميز أو الجودة.

– متابعة الأداء هي مفتاح النجاح.

إذا كانت هناك جوانب إيجابية يتم تعزيزها والسلبية تتم معالجتها، وإلا سيكون مصيره مثل الكثير من المبادرات السابقة.

وأضيفُ نقطةً أخرى، وهي أهمية التركيز على التوجُّهات العالمية للزراعة المائية، وأظنُّ أن الوزارة مهتمة بها، وهناك برامج قروض متعددة للمستثمرين فيها. إحدى المشاكل الملاحظة عندنا هو ضعف الصناعات الغذائية، الكل يعلم موضوع موسمية الكثير من المنتجات الزراعية، مثل الطماطم في موسمها يصل السعر لأسعار متدنية جدًّا، مثل ما ذُكر في إحدى المداخلات: هات الكرتون وشيلها…والأمثلة كثيرة. لماذا لا تكون هناك مشاريع تصنيع مثل هذه الظاهرة؟! يبدو لي من خلال متابعتي المتواضعة لهذه الأمور أن مساهمات الجمعيات التعاونية الزراعية محدودةٌ في هذا الجانب.

الفحص والرقابة على المنتجات:

أضاف د. مساعد المحيا أنَّ هناك فحصًا تقوم به بعض البلديات أو جهات متخصصة، ويتم بموجبه استبعاد عدد من المنتجات من السوق ومصادرتها، وكثيرًا ما يُطبَّق ذلك في أسواق التمور ببريدة وعنيزة. وهناك مزارعون يستخدمون نماذج من مثل هذه الأجهزة لتعطي منتجاتهم مصداقية أمام المستهلك.

ألا يمكن أن تقوم الدولة بتأمين مثل هذه الأجهزة في أسواق الخضار والفواكه، ليقوم المستهلك بنفسه باختبار ما يحتاج اختباره، ويمكن أن تكون بمبلغ رمزي بحيث يتولى تشغيل هذه الأجهزة متخصصون يقدِّمون خدماتهم للمستهلكين. هذه الأجهزة موجود عدد منها في الأسواق، وتُسمَّى مختبر الغذاء والبيئة. ما أتحدثُ عنه أجهزة تُخصَّص للمستهلكين يمكن للمرء استخدامُها لأي منتج في السوق.

التوصيات:

  1. التأكيد على أهمية الشهادة السعودية للممارسات الزراعية الجيدة (SGAP) ودورها المأمول في رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين وضع الوحدات الإنتاجية بيئيًّا واقتصاديًّا.
  2. إيجاد حراك وعصف ذهني للتعريف بأهمية SGAP للمزارعين والمستهلكين من خلال برامج الإرشاد الزراعي.
  3. تتحمل الدولة تكاليف إصدار الشهادة لصغار المزارعين ممَّن تقلُّ مزارعهم عن 50 هكتارًا، شريطة أن ينضم لإحدى الجمعيات التعاونية، وحضور برنامج إرشادي في هذا الخصوص.
  4. دراسة مدى إمكانية توحيد الجهة المختصة المسؤولة عن أمن وأمان الغذاء؛ لتلافي التداخلات بين عدد من الجهات الحكومية.
  5. أهمية تنظيم الأسواق الزراعية وتوفير المعلومة عنها، لمعرفة مناطق الفائض والعجز فيها لتقليل أثر موسمية المنتجات الزراعية.
  6. تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في التصنيع الغذائي، والدخول في مراحل سلسلة الإمدادات الغذائية.
  7. أهمية تفعيل دور الجمعيات التعاونية الزراعية وتشجيع المزارعين للانضمام إليها؛ بهدف إيجاد الشراء الموحد، وإبرام العقود لبيع منتجاتهم لتحقيق وضع تنافسي أفضل.
  8. من المهم وضع آلية مناسبة لتوضيح أهمية الشهادة وفوائد تطبيقها لجميع فئات المجتمع بمختلف مستوياتهم التعليمية والاجتماعية، خاصة مَن لهم علاقة بالزراعة والغذاء وما في نطاقه.
  9. الاستفادة من تجارب مماثلة ناجحة على المستويات الإقليمية والعالمية.
  10. الحرص على التوازن بين استخدام الأساليب الزراعية الحديثة والترشيد في استخدام المياه.
  11. توثيق المنتجات الزراعية الأصيلة، مثل التمور والزيتون والقهوة، وبعض السلالات الحيوانية مثل الأغنام النجدية، وبعض سلالات الإبل ذات المنشأ السعودي.
  12. مد جسور قنوات التواصل مع بيوت الخبرة داخل المملكة وخارجها؛ لزيادة فرص نجاح  SGAP وتقييمها المستمر ومتابعة كل جديد في هذا المجال.
  13. الحرص على أن لا تتسبب متطلبات الشهادة في رفع تكلفة الإنتاج على المزارعين، وبالتالي ارتفاع الأسعار على المستهلكين.
  14. العمل على إيجاد آلية للتوازن بين متطلبات الشهادة واستثمارات الوطن الصناعية.
  15. التفكير في مقترح أن تكون الشهادة اختيارية في البداية، لتكون هناك فرصة للتنافس بين مَن يحملها ومَن لا يحملها.
  16. تفعيل دور القطاع الخاص كجهات استشارية للمزارعين وتنظيم برامج تدريبية لهم، على أن يتولى صندوق التنمية الزراعية إعطاء قروض للجهات الراغبة في تقديم تلك الخدمات، بصفته جهة تمويل للقطاع الزراعي.
  17. أهمية استصدار تصريح مهني للمزارعين لممارسة الزراعة.
  18. تشجيع الصناعات الغذائية، وتحفيز الجمعيات التعاونية في هذا الخصوص.
  19. أهمية إيجاد مسارات في المعاهد الفنية والكليات الزراعية لتأهيل الشباب السعودي للقيام بأدوار المراقبة والإرشاد الزراعي، للمساهمة في نجاح شهادة الممارسات الزراعية الجيدة بالسعودية.

القضية الرابعة

“محو الأمية الإعلامية…. الوعي الإعلامي”

كاتبة الورقة: أ. عبير خالد.

المعقبون:

د. إبراهيم البعيز.

د. فوزية البكر.

د. عبد الله بن ناصر الحمود.

إدارة الحوار: د. وفاء طيبة.

 

الملخص التنفيذي:

تُعدُّ التربية الإعلامية أو محو الأمية الإعلامية مطلبًا مهمًّا للوصول إلى جمهور لديه القدرة على التحليل وتقييم المعلومات الواردة. فمثل ما كانت هناك أمية في القراءة والكتابة في فترة من الفترات، أيضًا الآنَ توجد أمية إعلامية، تأثيرها تفاقم بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة؛ لذا يجب أن نعمل من أجل القضاء عليها من خلال الشروع في رفع مستوى مهارات الوعي المعلوماتي.

وأشارت الورقة الرئيسة إلى أهمية التعلُّم بشكل تخصصي على كيفية التعامل مع المخاطر المعلوماتية الإعلامية التي تحيط بنا. كما أن الحاجة للوعي الإعلامي ومحو الأمية الإعلامية ليست وليدة اللحظة، إذ إنَّ الغرب يهتم بها ويدعو إليها منذ تاريخ ظهور الراديو. كذلك فإن الحاجة للوعي الإعلامي قد ازدادت في خضم هذا الفيضان المعلوماتي رقميًّا، والمحتوى المجهول المصدر والهدف في غالبه.

وَعَرَّفت الورقة الرئيسة مفهوم محو الأمية الإعلامية بأنها القدرة على الوصول إلى الرسائل، وتحليلها، وتقييمها ونقدها، وفهم سياقاتها وأبعادها ومصادرها. وأن الأميين إعلاميًّا يفتقرون إلى القدرة على النقد والمقارنة والتحليل للمحتويات الإعلامية التي يستهلكونها بشكل دوري ومستمر، أو يعجزون عن التساؤل عمَّن يملك تلك المؤسسة التي يحبون قراءة أخبارها ومَن يدعمها ماليًّا، بالإضافة إلى أنهم يعتمدون في تلقيهم المعرفي على مصادر محدودة ومتشابهة.

وأكدت التعقيبات على أن الوعي الإعلامي الاتصالي لم يعد خيارًا ولا ترفًا، بل ضرورة حياتية تمليها تعقيدات المشهد الإنساني المزدحم بالتناقضات وتباين الغايات، وتؤكدها الطبيعة البشرية.

وأشارت التعقيبات إلى أن لليونسكو سلسلةً من المبادرات لحثِّ الدول الأعضاء على إدراج الوعي الإعلامي ومحو الأمية الإعلامية ضمن برنامج تأهيل وإعداد المعلمين، ورتبت لعدد من المؤتمرات حول الوعي الإعلامي في عدد من المدن الأوروبية.

وذكرت التعقيبات أن كثيرًا من الإشكاليات التي تعترضنا مع الإعلام مصدرها قلة الوعي الإعلامي؛ مما ترتب عليه عدم الفَهم لكيفية التعامل مع ذلك الكمِّ من القنوات الإعلامية والمنصات الاتصالية وما تنشره وتبثُّه من مضامينَ ورسائلَ تمسُّ حياتنا بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية. فتأثير تلك الحملات الإعلامية ضد المملكة مرهونٌ بقدرتنا على المستويين الفردي والمؤسسي على التعامل معها ومواجهتها.

لذلك يؤكد المعقبون على أهمية التربية الإعلامية أو الوعي الإعلامي، فهي تساعد على تعزيز القدرة على التأمل النقدي.

وأشارت المداخلات التي جرت على الورقة الرئيسة إلى أنَّ محو الأمية الإعلامية يختلف في مفهومه عن الوعي الإعلامي، وقد يَنقُص العديد من الإعلاميين المهنيين قبل غيرهم، فالتعامل الواعي مع مضمون وسائل الإعلام والاتصال ضرورة ومطلب للإعلامي قبل غيره، خاصة وهو الأقدر على الوصول للمعلومة ونشرها على مستوى أوسع، والتأثر به وبما يطرح أمرٌ واردٌ. وذهب البعض إلى أن ما يقصد بالوعي الإعلامي أو الأمية الإعلامية هو التعبير عن مستوى ثقافة وفهم المتلقي لرسائل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بما يضمن عدم التغرير به والتأثير عليه بأمور مُضلِّلة من قِبل مُعِدّ أو مُنشِئ المحتوى الاتصالي، سواء كان ذلك في وسائل إعلام أو تواصل اجتماعي.

ورأى بعض المناقشين أن الانتشار الواسع للإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي تزامَن مع تفشي “أمية إعلامية” بين كثير من المستخدمين دون ضوابط أخلاقية وقانونية واضحة؛ لذا أكد المناقشون على أهمية التدريب على التفكير الناقد بجانب تدريس التربية الإعلامية للطلاب في المدارس في جميع المراحل وتطبيقه في جميع المواد والمواقف؛ إذ إنَّ ذلك يُسهم في كشف آليات الإقناع الإعلامي والدعائي، ومن ثَمَّ التخفيف من التأثير السلبي لوسائل الإعلام.

وفي نهاية النقاش طرح الملتقى عددًا من التوصيات، أهمها: التأكيد على أهمية تدريس وتنمية مهارات التفكير الناقد في جميع المراحل المدرسية. البدء بالتوعية بالإعلام التربوي مع النشء بأساليب وآليات ملائمة وتتدرج في المراحل العمرية المختلفة. طرح مادة الإعلام ومهارة الوعي الإعلامي كمنهج دراسي لتوعية الطلبة والطالبات بأساسيات ومفاهيم الإعلام. الاستفادة من وسائل الإعلام ذاتها في نشر الوعي الإعلامي بطريقة مدروسة غير مباشرة. تشجيع كليات الإعلام في المملكة على عقد المؤتمرات في الموضوعات ذات الصلة بالتربية الإعلامية والوعي الإعلامي. إعداد برامج تثقيفية للأسر لتوعية الأبناء، تقدمها جهات عدة. إنشاء معاهد تخصصية للتأهيل الإعلامي لغير الإعلاميين لشيوع الثقافة الإعلامية بكافة صنوفها، ولتأصيل الإعلام المتخصص لدى الإعلاميين عامة. منح دورات قصيرة المدد للإعلاميين لزيادة تثقيفهم ببعض المفاهيم المهمة، مثل: مفهوم التفكير الإبداعي والنقد الإعلامي، والمصداقية والالتزام العملي بالميثاق الأخلاقي في الإعلام. إخضاع مزاولة مهنة الإعلام والنشاطات الإعلامية لتشريعات أو تنظيم لرفع مستوى المصداقية والموضوعية، سندًا للالتزام بالميثاق الأخلاقي، ويُعاقَب كلُّ مَن يخرج عن التنظيم. تفعيل دور هيئة الصحفيين السعوديين في عَقْد الورش والندوات للعاملين في وسائل الإعلام.

مقدمة:

إنَّ التربية الإعلامية أو محو الأمية الإعلامية هي من القضايا المهمة خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل الإعلام الجديد، وما صاحَبه من انتشار للأمية الإعلامية بين الجمهور، حيث إنَّ خطورة تأثير الإعلام في الشعوب لا تتحدد بما يضخُّه الإعلام لعقول المتلقين فقط؛ لأن هذا التطور التكنولوجي والإعلامي بات لا يحصر مدى التأثير بنوعية المضمون أو الوسيلة، فهي متوافرة في كل وقت، لكن يعتمد أيضًا على مستوى وعي الفرد الذي يحدِّد تأثُّره بما يتعرض له.

لذا فهي مطلب للوصول إلى جمهور لديه القدرة على التحليل وتقييم المعلومات الواردة. فمثل ما كانت هناك أمية في القراءة والكتابة في فترة من الفترات، أيضًا الآنَ توجد أمية إعلامية، تأثيرها تفاقَم بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة. ويجب أن نعمل من أجل القضاء عليها من خلال الشروع في رفع مستوى مهارات الوعي المعلوماتي والإعلامي؛ لتفادي السلبيات التي تنجم عن الأمية الإعلامية لدى المتلقي.

والتربية الإعلامية تقوم على معايير دقيقة، وتعتمد على تنظيم معقد من الأدوار والمواقع، التي تسهم في العملية التربوية الإعلامية. ووحدة التحليل الأصغر في هذه التربية ليس الإعلامي وحدَه، وليس التربوي وحده، بل هما معًا شركاء في التربية الإعلامية برمتها.

لذا تُعد قضية “محو الأمية الإعلامية…. الوعي الإعلامي” من القضايا المهمة التي طرحها ملتقى أسبار من خلال ورقة العمل التي قدَّمتها أ. عبير خالد، وتمَّ التعقيب على موضوع الورقة وجرت حولها مداخلات عديدة ناقشت: (الاختلاف بين محو الأمية الإعلامية والوعي الإعلامي، وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، التربية الإعلامية، الإعلام الإلكتروني والضوابط الأخلاقية، الأمية الإعلامية بين الإعلام التقليدي والحديث، الرسائل الإعلامية والاتصالية والمسؤول عنها، مفهوم الوعي الإعلامي ومحو الأمية الإعلامية، الإعلام كوعي جمعي، تنمية مهارة التفكير الناقد للمحتوى الإعلامي لدى النشء، الإعلام وهدف استلاب الوعي وتحقيق الهيمنة والتوجيه، قراءة في تاريخ الإعلام، موضوعية المحتوى الإعلامي، الإعلام والاتصال والاهتمام بالمتلقي، منهجية التضليل الإعلامي، الوعي الإعلامي). وفي النهاية اقترح الأعضاء المناقشون العديد من التوصيات المهمة؛ وفيما يلي نص الورقة التي كتبتها الأستاذة/ عبير خالد، وعقَّب عليها الدكتور/ إبراهيم البعيز، والدكتورة/ فوزية البكر، والدكتور/ عبد الله بن ناصر الحمود.

كتبت أ. عبير خالد: إن قضية “محو الأمية الإعلامية…. الوعي الإعلامي” موضوعٌ وشيك، ومن المهم بشكل متزايد أن نكون كمجتمع قادرين على امتلاك هذا النوع من الوعي. ليس كافيًا الإيمانُ بأن هناك مخاطر معلوماتية إعلامية تحيط بنا، وأن خصوصيتنا الرقمية قد تكون منتهكة، ولكن الأجدر بنا هو التعلُّم بشكل تخصصي على كيفية التعامل مع هذه المخاطر. والحاجة للوعي الإعلامي ومحو الأمية الإعلامية ليست وليدةَ اللحظة، إذ إن الغرب منذ أن كان الراديو هو سيد المشهد الإعلامي آمَن بهذه المهارة. ولعل الحاجة للوعي الإعلامي قد ازدادت في خضم هذا الفيضان المعلوماتي رقميًّا. يأتيك المحتوى من حيث لا تحتسب، وممَّن تعرف ومَن لا تعرف، وفي كل وقت، وعبر أي جهاز، ومن أي مكان.

وفقًا للرابطة العالمية لمحو الأمية الإعلامية، يمكن تعريف منهج تعليم الإعلام بأنه: تمكين الطلبة والطالبات بمختلف أعمارهم من الوصول والتحليل والتقييم والصناعة والرد باستخدام كافة وسائل الاتصال والإعلام الممكنة.

         ويمكن تعريف محو الأمية الإعلامية بأنها: “القدرة على الوصول إلى الرسائل، وتحليلها، وتقييمها ونقدها، وفهم سياقاتها وأبعادها ومصادرها”.  وأول نقطة من التعليم الإعلامي، المتعلقة بالوصول وتوفر الأجهزة والتقنيات، والقدرة على استخدامها بشكل شعبي واسع، فأحسبُ أننا نملك ذلك في السعودية، فوفقًا لإحصائية سكانية أجرتها مجلة “الرجل”، أخيرًا؛ هناك ٣٠ مليون جهاز ذكي في السعودية بنسبة ١١٠٪ مقارنة بعدد السكان. أمَّا النقاط الأخرى المرتبطة بالتعليم الإعلامي، وهي التحليل والتقييم وفهم السياقات الأبعد، فإننا مثل غيرنا من المجتمعات نحتاج للتطور أكثر فيها.

ومما هو جدير بالذكر أن الأميين إعلاميًّا -حتى وإن كانوا قادرين على القراءة والكتابة- تجدهم يفتقرون إلى القدرة على النقد والمقارنة والتحليل للمحتويات الإعلامية التي يستهلكونها بشكل دوري ومستمر، أو عاجزين عن التساؤل عمَّن يملك تلك المؤسسة التي يحبون قراءة أخبارها ومَن يدعمها ماليًّا. كما أن الأميين إعلاميًّا – غالبًا– يعتمدون في تلقيهم المعرفي على مصادر محدودة ومتشابهة.

نموذج جميل دائمًا يخطر على بالي عند الحديث عن الوعي الإعلامي وتدريس الإعلام، هو مكتب الاتصالات الحكومي البريطاني. منذ 2003 ومكتب الاتصالات الحكومي البريطاني ofcom يطرح الأسئلة التالية: ماذا نعني بمحو الأمية الإعلامية؟ كيف يتم تحسين الوعي في بيئة الوسائط المتعددة والمصادر الوافرة معلوماتيًّا؟ كيف ينبغي الترويج للوعي الإعلامي أو محو الأمية الإعلامية؟ ما هي إستراتيجيات تدريس الإعلام كمنهج دراسي لطلبة الثانوية والمتوسطة؟

 العديد من الدول المتقدمة، مثل فرنسا وبريطانيا، تسمح بوجود الإعلام في المناهج الدراسية للطلبة النشء بشكل اختياري منذ سنوات، وتقريبا 10٪ من الطلاب الإنجليز يختارون الإعلام كمنهج دراسي من بين اختيارات منهجية أخرى، وهذه النسبة في ارتفاع مع إدخال مناهج أخرى للتعليم البريطاني تُعنى بالقراءة النقدية للإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، يظهر تقرير جديد صادر عن المؤسسة الوطنية لمحو الأمية في بريطانيا أن نحو 20٪ من الطلاب البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عامًا يصدقون كلَّ ما يقرؤونه على الإنترنت، ويقول 35٪ من المعلمين البريطانيين إن التلاميذ قد ذكروا أخبارًا مزيفة أو معلومات كاذبة تم العثور عليها عبر الإنترنت كما لو أنها حقائق لا جدال حولها. إن هذا الوضع قد يكون أكثر تعقيدًا لو كان التعليم يفتقر لمناهج تعزِّز الوعي النقدي والإعلامي والرقمي.

تتمحور المناهج الدراسية لمادة الإعلام – وفقًا للباحثة والبروفسورة الأمريكية “رينيه هارت”، عضوة جمعية المكتبات الأمريكية لسياسة المعلومات والمختصة بالتعليم الإعلامي- حول خمسة أمور، وهي:

 1- مَن الذي صنع هذا المحتوى الإعلامي؟

2- ما هي الوسائل المختلفة لإقناع المستهلك بهذا المحتوى؟

3- ما هي القيم والتمثيلات النمطية التي ينقلها هذا المحتوى؟

4- كيف يمكن أن تتم قراءة هذا المحتوى من قِبل الناس باختلافاتهم العمرية والاجتماعية والثقافية؟

5- ما الذي يفقده، أو ينقصه، أو يفتقر إليه هذا المحتوى؟

بالتأكيد، ليس جميع الناس سيتمكنون من الوصول للإعلام بشكل متساوٍ، وتحليله ونقده والرد عليه بنفس مستوى الوعي، ولكن يظلُّ تدريس الإعلام كمنهج دراسي، منذ سنٍّ مبكرة، وسيلة قادرة على جَعْل الطلاب والنشء أكثرَ قدرةً على المواجهة والنقد، وسيمكنهم بشكل تدريجي من التعاطي التفاعلي مع المحتويات الإعلامية، بما في ذلك النصوص المكتوبة والأفلام والمسلسلات والأغاني وغيرها.

إضافة لجميع ما سبق شرحه أعلاه، للتعليم الإعلامي دورٌ أساسي في تحصين الجماهير ضد الأخبار الكاذبة ومحتوى الكراهية. إنَّ الأخبار المزيفة في موضوعات سياسية واقتصادية قد تكون لها عواقب أو تُستخدم من دول معادية للإضرار بالمجتمعات والأفراد وتعطيل تنميتها. الوعي الإعلامي يجعل الفرد أقلَّ عُرضةً للانسياق خلفَ هذا النوع من المخاطر الفكرية. ولعلَّ ذلك يدعونا إلى التيقن من أن تدريس الإعلام كمنهج دراسي لطلبة المرحلة الثانوية والمتوسطة، هو خطوة في الاتجاه الصحيح، وخطوة تتوافق مع الأهداف والرؤى الوطنية، ولا يوجد سبب في عدم طرح مادة الإعلام للطلبة النشء لدينا، ولو بشكل اختياري حتى الآن.

التوصية الختامية لهذه الورقة: طرح الإعلام ومهارة الوعي الإعلامي كمنهج دراسي، لتوعية النشء بأساسيات ومفاهيم الإعلام التقليدي والجديد.

عقَّب د. إبراهيم البعيز: أشارت الورقة الرئيسة إلى مفهوم الوعي الإعلامي وتعريفه، وكذلك إلى التجارب الدولية التي تؤكِّد وتجسد مدى أهميته على المستوى الفردي، والمرتبطة بمهارات تقييم مصداقية المصادر والمضامين الإعلامية، والتي نلحظ التداعيات السلبية من عدم امتلاكها (مهارة التقييم) من كثرة الشائعات المتداولة في منصات التراسل والتواصل الاجتماعي. فعدم القدرة على القراءة النقدية تجعل من الأفراد على مختلف فئاتهم العمرية ومستوياتهم التعليمية ضحيةً لما يرد إليهم من معلومات مغلوطة أو مفبركة.

ركزت أ. عبير في ورقتها على المؤسسات التعليمية ودورها المأمول في تعزيز الوعي الإعلامي. وأودُّ أن أضيفَ أن لليونسكو سلسلةً من المبادرات لحثِّ الدول الأعضاء على إدراج الوعي الإعلامي (محو الأمية الإعلامية) ضمن برنامج تأهيل وإعداد المعلمين، ورتبت لعدد من المؤتمرات حول الوعي الإعلامي في تولوز/فرنسا (1990)، وفيينا (1999)، والرياض (2007)، وباريس (2008).

كان مؤتمر الرياض في صفر 1428هـ / مارس 2007م بعنوان “المؤتمر الدولي الأول للتربية الإعلامية” بالتعاون مع المنظمة الدولية للتربية الإعلامية وبمشاركة اليونسكو، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليسكو) والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إسيسكو) ومكتب التربية العربي لدول الخليج. وقد اشتمل على عدد من الجلسات وورش العمل والحلقات النقاشية، وانتهى إلى سبع توصيات تتعلق بـ “التربية الإعلامية”.

كما استضافت وزارة التربية في الإمارات مؤتمرًا في مايو 2017 بعنوان “مؤتمر التربية الإعلامية”؛ بهدف التعرُّف على مختلف التجارب الناجحة والرائدة في العالم في مجال التربية الإعلامية، وخلق وعي بأهمية التعامل بوعي وإدراك مع ما يأتي من منصات التواصل الاجتماعي، وما قد يترتب على ذلك من ممارسات سلبية وتضليل.

يبدو لي أنَّ أهمية الوعي الإعلامي على المستوى الفردي بديهية، لكن الوعي الإعلامي على المستوى المؤسسي لا يقل أهميةً من المستوى الفردي، وأعني بذلك كيفية تعامل المؤسسات وبالذات الحكومية مع الإعلام سواء للاستفادة منه، أو التعاطي مع مؤسساته المحلية أو العالمية. أعتقدُ أنَّ كثيرًا من الإشكاليات التي تعترضنا مع الإعلام مصدرها قلة الوعي الإعلامي، مما ترتب عليه عدم الفَهم لكيفية التعامل مع ذلك الكم من القنوات الإعلامية والمنصات الاتصالية وما تنشره وتبثُّه من مضامينَ ورسائلَ تمسُّ حياتنا بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية. فتأثير تلك الحملات الإعلامية ضد المملكة – والتي لم تقتصر على مجرد نقد الحكومة وسياستها بل تجاوزت ذلك إلى ما أصبح يهدِّد الدولة وأمن الوطن– مرهونٌ بقدرتنا على المستويين الفردي والمؤسسي على التعامل معها ومواجهتها.

لنبتعد عن السياسة ومزالقها، والتربية ومناهجها، ولنذهب إلى الطب وعلاقته بالوعي الإعلامي. فقد أدركت الجمعية الملكية لجراحي كندا في منتصف التسعينيات أن المعرفة العلمية والتدريبات المهنية في مجالات الطب لا تعطي الأطباءَ المهارات المطلوبة التي يحتاجون إليها للقيام بدورهم ومسؤوليتهم الاجتماعية؛ لذا طوَّرت الجمعية ما تمَّ الاتفاق على تسميته بالإطار الكندي CanMEDS للمهارات التي يجب أن تتوفر في الأطباء، اثنتان منها ترتبط بمهارات الاتصال والإعلام؛ وذلك من أجل تأهيلهم للمشاركة المجتمعية في مجالات التوعية الصحية، والقدرة على الاستفادة من وسائل وتقنيات الاتصال المتاحة، والقدرة على تطوير وتنفيذ الحملات التوعوية الصحية والعمل على مساندتها وتعزيز فرص نجاحها.

وعقَّبت د. فوزية البكر: إن القضية التي تطرحها الورقة الرئيسة من الموضوعات المهمة جدًّا في عصرنا الذي أصبحت المعرفة فيه متاحةً للجميع، وبقي على الفرد أن يمتلك المهارات الكافية للوصول لها وتحليلها، خاصة مع السيطرة شبه التامة لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والتهامها لحياتنا العامة والشخصية.

والوعي الإعلامي أو ما نسميه نحن- التربويين- بالتربية الإعلامية تعني: مجمل المهارات اللازمة التي يحتاجها الطالب والمواطن للتعامل والتعاطي مع سيل المعلومات وفرزها وتحليلها والانتقاء من بينها. إن تعليم المتلقي التقنيات التي يستخدمها الإعلام لتوصيل رسالته يعني وعي المتلقي بهذه الوسائل وتشكيل الحساسية الناقدة تجاه الرسائل التي يطرحها.

تتميز معظم الوسائل الإعلامية بعدم الموضوعية وقلة الحياد والمصداقية؛ مما يؤكد الحاجة إلى إيجاد المتلقي الذي يمتلك قدرةً على تمحيص مصداقية وأصالة المعلومات التي تصل إليه من كل أشكال الميديا، والتربية الإعلامية- أو كما تسميه الزميلة عبير الوعي الإعلامي- تساعد في تعزيز القدرة على التأمل النقدي، وهذا يتطلب تكوين خبرة في اللغة المرئية، وطرق إدراك العقل الإنساني، وطرق تصميم وعرض المواد الإلكترونية وتمحيص مصادرها واتخاذ موقف ناقد إزاءَها.

حين يتعلم الطالب (عبر التربية الإعلامية) طبيعة صناعة المعرفة وعلاقة الصناعة والتجارة والسياسة والأيديولوجيات بما يحدث في عالمه، سيتمكن من اتخاذ قرارات إيجابية خاصة به وبوطنه، وإذا تمكنا من تعليم الصغار والمراهقين وطلاب الجامعات كيف يقيِّمون الرسائل والدعايات التجارية، فيُنتظر منهم أن يتمكنوا من نَقل هذه المهارة إلى مستويات أخرى ذات علاقة بمواقع أو رسائل أكثر حساسية؛ كالجنس والعنف والأمن الوطني وخلافه.

يجب أن نعيَ أن ما تقدِّمه وسائل الإعلام هو العالم بعد تعديله وتنقيته بما يتناسب وسياسة الخبر الذي تريده الدولة المعنية أو المحطة الإخبارية، وذلك بإخفاء بعض الحقائق وإضافة البعض، وتُسمَّى هذه إدارة الإدراك الإنساني، حيث تقوم الحكومات والمؤسسات العامة والخاصة بالتحكُّم في درجة عرض المعلومات ونوعها بما يتناسب مع سياساتها ويخدم مصالحها، وهذا ما يجب أن ندرِّب المتلقي عليه طالبًا كان أو موظفًا. إن نشر مفهوم التربية الإعلامية في المؤسسات التربوية والتدريبية يمكننا من فهم خصائص الرسائل الإعلامية وتحليلها، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

– الإعلام بنائي: أي أنَّ كل صورة أو رسالة تصلنا عبر الوسائل الإعلامية المختلفة لا تُقدَّم كما هي، بل يُعاد تشكيلُها وبناؤها وتهذيبها. الإعلام يعرض العالم بعد تنقيته وإعادة تشكيله وبنائه ليبدو حقيقيًّا.

– تتضمن الرسائل الإعلامية قيمًا وأيديولوجيات: رغم أننا مُهيَّؤون للنظر إلى البرامج والأفلام على أنها جزء من البرامج الترفيهية، لكنها في حقيقتها تتضمن قيمًا ومفاهيمَ متراكمة Accumulative system of values.

– الطريقة التي نستقبل بها الرسالةَ الإعلامية تُحدِّد رؤيتنا للعالم. وتتضمن هذه الخاصية حقيقة أنَّ هناك علاقةً بين الطريقة التي يُعرض بها العالم في الوسائل الإعلامية والطريقة التي نُدرك بها هذا العالم مِن حولنا، فعلى سبيل المثال: فإن نسبة الجريمة التي تُعرض في أجهزة الإعلام الأمريكي هي 10 مرات أكثر مما هي عليه في الحقيقة، ولكن وُجد أن غالبية الأمريكان يعتقدون أن عالمهم عنيف بنفس الدرجة التي  تعرضه بها وسائل الإعلام.

وحينما لا تتوافر لدينا خبرة مباشرة وشخصية مع أمر ما أو مكان ما أو شعب ما، فنحن ندرك هذه المعرفة كما تعرضها وسائل الإعلام، فحتى يتسنى لك زيارة جنوب إفريقيا لتدرك الجمال والطبيعة الأخاذة والشعب الجاد لا يبقى في أذهاننا سوى جنوب إفريقيا العنصرية والجريمة المرتفعة، وهذا الأمر ينطبق بالطبع على كيفية تلقي العالم لصورتنا كعرب ومسلمين.

– الإعلام صناعة وتجارة ومال: صناعة المال هي المحرك الأساسي للصناعة الإعلامية، وليست الدوافع الأخلاقية أو الدينية أو الثقافية.

– المتلقي لديه قدرة انتقائية. نحن لسنا متلقين سلبيين لما يُعرض، نحن نتأثر بحسب خلفياتنا الإثنية والدينية والعلمية والجنسية.

هل نحتاج إلى منهج خاص بالتربية الإعلامية؟ تطرح معظم الجامعات العالمية مقررات مختلفة وبعضها إجباري، لكن في التعليم العام تُطرح هذه المفاهيم ضمن مقررات تدريس المنطق ونظرية المعرفة، أو المهارات الحياتية وما إليه.

كما عقَّب د. عبد الله بن ناصر الحمود: أعتقدُ أنه يجدر بموضوع “الوعي الإعلامي” إذا ما أضفنا إليه كلمة “والاتصالي” أن يكون هو أساس “الوعي” وغايته اليوم، فالإعلام والاتصال قد باتا يسيطران على مجمل حياة الأفراد وتفاعلاتهم اللحظية.

فقد أصبحت وسائط الإعلام والاتصال، شريكًا لحظيًّا لأنفاس الناس وتفاعلاتهم مع مجريات الحياة كافة، دقيقها وعظيمها.

من هنا، يبدو أن “الوعي الإعلامي الاتصالي” لم يعد خيارًا ولا ترفًا، بل ضرورة حياتية تمليها تعقيدات المشهد الإنساني المزدحم بالتناقضات وتباين الغايات، وتؤكدها الطبيعة البشرية “الظلومة الجهولة”.

فلو أن الإنسان وديعٌ بطبعه لما احتجنا إلى قضية هذا الأسبوع، لكننا نحتاج الوعي الكامل:

– لدرء الضرر عنا، ابتداءً.

– ثم لفهم ما يجري إعلاميًّا واتصاليًّا، وتوظيفه لصالحنا ولصالح المجتمع الإنساني.

بناء على ذلك أؤكد ما ذهبت إليه الزميلة أ. عبير من تعظيم أهمية الوعي الإعلامي في الحياة، وتسخير منصات التعليم والثقافة لتحقيقه، إنما هو تعظيم في مكانه.

كما أنني أودُّ إضافة ما يلي:

أولًا: التربية على وسائل الإعلام:

بدأت عناية المجتمع الدولي بقضايا التربية على وسائل الإعلام منذ سبعينيات القرن الميلادي المنصرم. فأثناء انعقاد المؤتمر الدولي للتربية عام 1977م، بدأ يُنظر إلى أهمية التعليم بشأن الإعلام، وتقنيات وسائل الإعلام، والتعبير عن الذات وفهم المحتوى الإعلامي ونقده بوصفه جانبًا من المعرفة الإنسانية الأساسية. كما أشار إعلان جرانوالد بشأن التربية الإعلامية بألمانيا عام 1982 إلى أهمية المبادرة ببرامج متكاملة للتربية الإعلامية بدءًا من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى مستوى الجامعة. وكان غرض الإعلان تطوير معارف ومهارات الناس، وتعزيز ودعم الوعي النقدي لديهم.

وكان مصطلح التربية على وسائل الإعلام أحد أبرز المصطلحات التي ظهرت في مطلع التسعينيات الميلادية الماضية، (في الدول العربية) إبان تكاثر قنوات التلفزيون الفضائية، واعتبارها مهددًا قيميًّا، ولا سيما لدى نشطاء “الحماية المجتمعية” بمعظم طوائفهم.

وتنادى كثيرون للتأكيد على أهمية “الوعي الإعلامي”، وكيف يمكن حماية النشء من هجمة الفضائيات التي دخلت البيوت من الفضاء.

وأذكرُ أنني قد عملتُ مع الزميل د. فهد العسكر على صياغة فكرة لجمعية خيرية لحماية الذوق العام في نهاية التسعينيات الميلادية الماضية، ثم تركنا الفكرة حيث سبقنا إليها آخرون في الإمارات العربية المتحدة.

وقد استمرت مناداة النشطاء بضرورة الحماية، في حين استمرت وسائل ووسائط الإعلام والاتصال في التطوُّر حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم من تقدُّم عظيم، دون أن تراوح أدبيات الوعي الإعلامي مكانها الذي احتلته في التسعينيات، إلا بشيء يسير، أذكرُ منه- مثلًا- إقرار مادة أو مقرر في المرحلة الثانوية وفي بعض الجامعات تحت مسميات مختلفة تشير إلى التربية على وسائل الإعلام، أو بعض برامج الإذاعة والتلفزيون التي حاولت فعل شيء ما في هذا السياق. ولكن بقي الحال بحاجة لجملة من التدخلات الإستراتيجية.

وأذكر أن أول بحث منشور أعددتُه لمجلة كلية الدعوة والإعلام، وكنتُ معيدًا حينها، في نهاية الثمانينيات الميلادية الماضية، كان حول تأثير الفضائيات على الشباب.

ثانيًا: لماذا “الوعي الإعلامي” مهم؟

يرتبط مصطلح “الوعي الإعلامي” بمصطلح “صناعة الوعي”، ويعدُّ العالم الألماني هانس ماغنوس إنتزنسبيرغر (Hans Magnus Enzensberger) أحد أبرز منظري “الفعل العقلي”، وهو يعتقد أن الإنسان يحدِّد الآليات التي يتم من خلالها استنساخ العقل البشري كمنتج اجتماعي. ومن أهم هذه الآليات- كما يراها هانس- وسائل الإعلام والتعليم. وبالتالي تكون كافة العمليات العقلية موضوعات مهمة جدًّا لسيرورة الحياة البشرية، وقد جاء الإسلام بحفظ الضرورات الخمس، ومنها “حفظ العقل”.

وبالتالي، عندما نتحدث عن الوعي الإعلامي، فنحن نطلبُ من “العقل” أن يقوم بوظائفه على أكمل وجه. من هنا، يكون “الوعي الإعلامي” مهمًّا- في رأيي- لاعتبارات منها ما يلي:

– أن تسليم العقل لآخرين ليس من العقل في شيء.

– أن هناك دومًا مَن يتربصون بالآخرين ويرومون الاستحواذ عليهم قسرًا، والمرء الرشيد لا يقبل الاستحواذ القسري.

– أن مناهج الناس في الإعلام والاتصال مناهج شتى، لا تلتقي إلا مع مصالحهم هم فقط، وعليه، يلزم العقل الرشيد (المتلقي لإعلام واتصال الآخرين) ضبط موقعه بين العقول.

– أن “الوعي الإعلامي” حقيق برباعية “السباحة” و”الرماية” و”ركوب الخيل” في الأثر العربي، فيكون: “علموا أولادكم السباحة، والرماية، وركوب الخيل، ونقد الإعلام والاتصال”.

– أن المجتمع الإنساني اليوم والذي كثرت فيه، مع الأسف، الاستخدامات المؤدلجة لوسائل الإعلام والاتصال، بحاجة أكثر من أي زمن مضى لتعزيز القدرة العقلية على الفرز والحماية ضد عمليات الكذب والتحريض على فعل السوء.

ثالثًا: آليات تحقيق “الوعي الإعلامي”:

يمكن تحقيق الوعي الإعلامي عبر عدة آليات، منها:

– التعليم، فتستطيع مؤسسات التعليم العام والجامعي والعالي إدراج مقررات الوعي الإعلامي ضمن مناهجها التعليمية بمداخل متعددة؛ كفهم المحتوى الإعلامي والاتصالي، وتحليله، ونقده، وتكوين الآراء والسلوكيات الصائبة نحوه.

– وسائل الإعلام والاتصال ذاتها، حيث يمكن للجهات المعنية بالحماية المجتمعية توظيف وسائل الإعلام والاتصال للغرض ذاته، عبر مجمل فنون العمل الإعلامي؛ كالبرامج الاستقصائية والحوارية، والدراما، وغيرها.

– الفعاليات الثقافية الاجتماعية، فيمكن توظيف تلك الفعاليات لتحقيق وعي جماهيري جيد بتحديات الإعلام والاتصال، ويشمل ذلك المؤتمرات، والندوات، وورش العمل، والمسابقات، والمسرحيات، ونحوها من منظومة الفعاليات المناسبة.

– الأسرة، عبر تقلُّد الأكبر سنًا مهمات توعوية للأصغر سنًّا داخل الأسرة، مع عناية الأكبر سنًّا وحرصهم على تأهيل أنفسهم لتقلُّد هذه المهمة.

ويقود للقناعة بضرورة تحقيق قدر جيد من الوعي الإعلامي الاتصالي، أن المرحلة الراهنة من التاريخ البشري قد فرضت وسائلية المجتمعات، وشيوع أنماط ووسائط متعددة جدًّا من قنوات ومنصات وتطبيقات الإعلام والاتصال، بالقدر الذي لم يعد يمكن معه قبول فكرة تجاهل ما تفعله بالناس تلك الوسائل، أو تبني فكرة العزلة عنها وتجاهلها هي.

المداخلات:

الاختلاف بين محو الأمية الإعلامية والوعي الإعلامي:

يرى د. سعيد العمودي أن موضوع محو الأمية الإعلامية جميلٌ وثري، وأذكر أن مفهوم محو الأمية الإعلامية “Media Literacy” كانت إحدى مواد ماجستير الإعلام الإبداعي في جامعة برايتون، والممتع فيها أن من متطلبات النجاح استخدام خبرات وثقافة الطالب في تطبيق نظريات المادة.

وأشار د. سعد بن سعود آل سعود إلى أن محو الأمية الإعلامية يختلف في مفهومه عن الوعي الإعلامي الذي يعدُّ مرحلةً متقدمة، وقد يَنقُص العديد من الإعلاميين المهنيين قبل غيرهم، فالتعامل الواعي مع مضمون وسائل الإعلام والاتصال ضرورة ومطلب للإعلامي قبل غيره، وخاصة أنه الأقدر على الوصول إلى المعلومة ونشرها على مستوى أوسع، والتأثر به وبما يطرح أمر وارد. من جانبه ذكر د. عبد الله بن ناصر الحمود أنه يتفق تمامًا مع هذه الرؤية التي طرحها سمو الأمير د. سعد.

كما ذهب د. خالد الرديعان إلى أن الوعي الإعلامي كمفهوم بحاجة إلى تحديد أكثر حتى ينطلق الحوار بشكل أفضل.

ويعتقد د. عبد الله بن ناصر الحمود أن الوعي الإعلامي يعني المعرفة والمهارة اللازمتين لفهم المحتوى الإعلامي والتعامل معه على نحو مستنير، في حين أن محو الأمية الإعلامية تعني رفع الجهل باستخدامات وسائل الإعلام وتطبيقاته.

وأرى أن محو الأمية الإعلامية يجب أن يكون موجهًا للمواطن والمقيم بشكل عام. ولأني أعتقد أن هذا قد يكون على درجةٍ عاليةٍ من الصعوبة، فلا بد من تحديد شرائح من المجتمع يُوجَّه لها برنامج لمحو أميتها الإعلامية.

بينما يرى د. فهد العرابي الحارثي أن الموضوع المراد واضح، خاصة عندما قُرنت الأمية بالوعي في قَرنٍ واحد. فانعدام الوعي هو بشكل ما أمية وجهل، وعدم إدراك لحمولات المحتوى. والأمية هي عدم القدرة على الوعي بتجليات المحتوى.

وسائل الإعلام التقليدية والحديثة:

تساءل د. خالد الرديعان عمَّ إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي (تويتر، والفيسبوك…إلخ) تعدُّ وسائل إعلام، أم أنها غير ذلك؟  في هذا الجانب أكد د. إبراهيم البعيز أن ذلك صحيح. وتُسمَّى في أدبيات الإعلام بالإعلام البديل؛ لأنها متاحةٌ لمَن لا يستطيع الوصول إلى وسائل الإعلام السائدة (التقليدية). وقد تنامت أهمية الوعي الإعلامي في أعقاب ظهور وانتشار منصات التواصل الاجتماعي.

لكن د. خالد الرديعان يعتقد أنه رغم كل هذه التنظيمات والقوانين التي تحاول ضبط وسائل التواصل الاجتماعي وما يُبث فيها إلا أن المشكلة في ازدياد، أقصد محتواها السيئ؛ لذا فإنني أرى أن القوانين غير رادعة.

علق د. عبد الله بن ناصر الحمود؛ في تعقيبي على القضية، أضفت مفردة “اتصال” ووظَّفتها في مواطنَ متعددةٍ في التعقيب ليكون لها دلالتها، وربما جاءت مداخلتي لتكون الوحيدة التي وظَّفت هذه المفردة في قضية هذا الأسبوع حتى الآنَ.

هذا يقود للإشارة إلى أن السائد غالبًا هو التفريق بين وسائل الإعلام (وهي التقليدية في نظر البعض)، ووسائل الاتصال (وهي الجديدة في نظرهم). فالإعلام نمط من أنماط الاتصال (الاتصال الجماهيري)، وفي نظر هؤلاء لا يَصدق هذا الوصف إلا على التقليدي؛ لأنه (من واحد إلى متعدد) كما يصفه الباحثون.

أما تويتر وفيس بوك ومثلهما تطبيقات كثيرة في الإعلام الجديد، فهي (من متعدد إلى متعدد)، وبعض الباحثين يرون هذا واقعًا اتصاليًّا وليس إعلاميًّا.

أما أنا فأميل إلى حالة بين الحالين، وهي أن تطبيقات الإعلام الجديد هي (وسائل اتصال) ولكن ليس لتجريدها من صفة الإعلام، بل على أساس أنها أقوى وأعمُّ وأشمل؛ فهي تارة إعلام عندما تتسم مخرجاتها بالجماهيرية، وهي أحيانًا “اتصال شخصي” عندما يكون بين شخصين (على الخاص) مثلًا، وهي تارة تكون “اتصالًا جمعيًّا” عندما تكون بين فرد وجماعة من الناس كحال ملتقانا هذا في الواتس آب.

والخلاصة أنها وسائل إعلام بامتياز، وأيضًا وسائل اتصال غير إعلامي؛ في حين تقصر الوسائل التقليدية على صفة “الإعلامية” فقط.

أضافت أيضًا أ. عبير خالد أن تويتر وفيسبوك ونتفليكس قد تكون الدافع وراء زيادة الاهتمام بتدريس الإعلام ومفاهيم التعامل معه بشكل نقدي تحت مظلة محو الأمية الإعلامية Media Literacy. وهناك العديد من الأمثلة التي تثبت أن التقدُّم الإعلامي الحديث أثبت لنا بالواقع أهمية الوعي الإعلامي، وأنه ليس مجرد مهارة ثانوية.

وأذكرُ أنني قرأتُ مؤخرًا أبحاث تنتقد محتويات “نتفليكس” وتشير إلى أن ضعف الوعي الإعلامي لمتلقيين بعض أفلام ومسلسلات “نتفليكس” قد يتأثرون سلبًا بشكل فعلي. فمسلسل 13 reasons why- مثلًا- قد تسبب في انتحار أو تشجيع الانتحار بين المراهقين، إذ إنَّه لم يلتزم بمعايير تمثيل الانتحار والقتل التي تخضع لها وسائل الإعلام التقليدية.

في السياق نفسه تساءلت د. وفاء طيبة: هل الأسئلة التي يهتم بها مكتب الاتصالات الحكومي البريطاني- والتي ذكرتها أ. عبير خالد في ورقتها- هي أسئلة جديرة بالمناقشة هنا؟ وهل وزارة الاتصالات أو أي جهات معنية تهتم بمثل هذه الموضوعات هنا في المملكة؟

علَّقت أ. عبير خالد أنها تعتقد أن مركز الاستشراف المعرفي الذي تم إنشاؤه بأمر ملكي سام الشهر الفائت سيقوم بأدوار مشابهة لمكتب الاتصالات الحكومي البريطاني، وأتصور كذلك أن دوائر حقوق الملكية التابعة لوزارة الإعلام والجهات القانونية التابعة لوزارة الثقافة جميعها يُفترض أن تلعب أدوارًا مهمة في عملية التوعية الإعلامية.

على سبيل المثال لا الحصر، أن تقوم وزارة الإعلام ممثلة في جهة حقوق الملكية الفكرية بتوعية الجماهير بأهمية معرفة مصدر أي معلومة يتناقلونها، يمكن القول إننا مشينا خطوة للأمام.

ولو قلنا إن الجهة نفسها قامت بدراسات إثنوغرافية على الشعب لمعرفة مَن منهم يصدِّق المحتوى بدون معرفة مصدره، ومَنْ منهم يتقصى المصدر على مدى سنوات، سوف نتمكن من التأكد أننا نحقِّق تطوُّرًا ملموسًا بالفعل فيما يتعلق بالتوعية الإعلامية حول أهمية مصادر الأخبار.

التربية الإعلامية:

ذكر د. راشد العبد الكريم؛ كنتُ قد شاركتُ في مؤتمر التربية الإعلامية الذي عُقد في الرياض منذ أكثر من عشر سنوات، بورقة عن المناهج والتربية الإعلامية. ملخصها يتركز على أمرين: الأول، تدريس مهارات التفكير الناقد، التي تمكن الطالب (المتلقي) من فحص وتقويم الرسالة الإعلامية، وكشف ما قد يكون فيها من مضامينَ غير صحيحة أو مغالطات أو رسائل مبطنة يُراد تمريرها. والثاني، كشف الحيل والمغالطات الإعلامية والدعائية التي تُستخدم في الضخ الإعلامي لبناء الرأي وتغيير الاتجاهات.

فتدريب الملكة الناقدة لدى الطلاب وكشف آليات الإقناع الإعلامي والدعائي كفيلان بالتخفيف من التأثير السلبي لوسائل الإعلام (وليس بالضرورة منعه).

اتفقَت معه في ذلك د. وفاء طيبة، وأضافت أنه قد يكون من المناسب التعليم والتدريب على التفكير الناقد في المدارس في جميع المراحل وتطبيقه في جميع المواد والمواقف، فذلك سوف يسهم في رفع مستوى الوعي بشكل عام مما يُهيِّئ الطالب للتفكير في المادة الإعلامية بطريقة ناقدة، ثم بعد ذلك تُطرح مادة اختيارية لمحو الأمية الإعلامية في المرحلة الثانوية أو الجامعية.

والتربية بالفعل بالمعنى الواسع تعاني من الإعلام. وفي نظري، التربية ليست فقط في مرحلة الطفولة والمراهقة وإنما تستمر حتى نهاية الحياة، فكثير مما يُنشر في الإعلام الجديد يضرُّ بصحة وبنفسية كبار السن، ولا نراعي ذلك.

وقد ذكر كثير من المداخلين أهميةَ تدريس التربية الإعلامية في مراحل مختلفة، ولعلنا نتفق على أن تبدأ بالصورة المناسبة في المرحلة المتوسطة أو الابتدائية، وتكون مادةً في السنة التحضيرية في الجامعات، كل ذلك بجوار تعليم التفكير الناقد من مرحلة الروضة وتهيئة البيئة المناسبة له.

الإعلام الإلكتروني والضوابط الأخلاقية:

ذهب د. خالد الرديعان إلى أن الإعلام الذي نراه اليوم لم يعد مجرد عملية نقل معلومات وآراء وتنوير، وتواصل بشري خلاق، وخاصة في الفيسبوك وتويتر وغيرها من التطبيقات التي أصبحت متاحةً للجميع دون استثناء.

ورأى المناقشون أن الانتشار الواسع للإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي تزامَن مع تفشي “أمية إعلامية” بين كثير من المستخدمين دون ضوابط أخلاقية وقانونية “واضحة”.

واستخدام هذا الإعلام الجديد أشبه بمَن يُعطي طفلًا لا يعرفُ أنظمة المرور سيارةً، ويقول له: قُدها كيفما تشاء، ولنا أن نتخيل ما الذي سيفعله هذا الطفل بلعبته الجديدة؟!

وليس الأمر كذلك فحسب، بل إنَّ هذه الوسائل الجديدة أصبحت أداةً في ممارسة العنف الرمزي virtual violence بمفهوم بيير بورديو الشائع.

هذه الوسائل أسهمت في خلق الكراهية والتنابذ بين الأفراد والمجتمعات، وكرَّست البغضاءَ بين الدول؛ بل إنها أصبحت أكثرَ تأثيرًا من القنوات الدبلوماسية المحترفة. والكارثة أن مَن يقود ويوجِّه هذه الوسائل ويملأ محتواها هم أناس غير محترفين، وبعضهم غير أخلاقي في تعامله، ما يوحي فعلًا بوجود أمية إعلامية.

وكأمثلة على ذلك، فإنني أتجاوز السبَّ والشتم والشخصنة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى ما هو أخطر من ذلك؛ كنشر الوثائق الحكومية ذات الطبيعة السرية، وترويج الشائعات المضرة بالدولة والمجتمع وأفراده، وتكريس الصور النمطية السلبية حول المرأة والرجل والمجتمع برمته.

مَن يفعلون ذلك فإنهم يقدمون صيدًا سمينًا للأعداء والمتربصين، وكل ذلك يندرج- في تقديري المتواضع- تحت “الأمية الإعلامية”.

من جانبها ترى د. مها العيدان أنه من خلال ما سبق طرحه يتبادر السؤال حول، ما هي وسائل الاتصال الأكثر جذبًا للمتلقي السعودي؟ وما هي الوسيلة التي تمكِّن الطلاب والطالبات من استخدام وسائل الاتصال بوعي؟ خاصة كما ذكر د. إبراهيم أن الإعلام هو وسيلة لاستغلال الأفراد على مختلف فئاتهم العمرية والتعليمية، فأصبحوا ضحية للأخبار المفبركة والمغلوطة، ولا سيما أن الإعلام بمختلف قنواته أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، والجميع يغوص فيما يشبع ميوله.

الأمية الإعلامية بين الإعلام التقليدي والحديث:

         ذكر د. عبد الله بن صالح الحمود؛ في ظني أنه بالرغم من أنني لستُ متخصصًا في الإعلام، وإنما بحكم مشاركاتي الإعلامية ككاتب عمود أسبوعي سابق في صحيفة الجزيرة، وهذا ما أستطيعُ التعريف عنه كدراية محدودة عن الإعلام، فإنني قد لا أرى اقتران مفردة “محو” بالوعي، وإن كان في أحايين أخرى قد يكون الأمر مقبولًا، إلا أنني أعتقدُ أن لكل مفردة منهما مدرسة مستقلة، فمن وجهة نظري فإن مفردة “محو” لم يعد لها مكانة في الأدبيات العامة إلا من خلال مجالات أو احتياجات نسبية وضئيلة؛ والسبب أن المتغيرات الفكرية في هذه المرحلة أضحت تغزو البشرية من خلال العديد من المبتكرات التي جعلت من كلِّ أمي أو ذي تعلُّم بسيط فضلًا عن المتعلم المؤهل، يستطيع أن يفهم ويتقن ما يرد إليه من معلومة أو فكرة تمرُّ عليه في هذه المرحلة التي تحمل العديدَ من الثقافات الواردة في المجتمعات عامة.

وما أراه لتأكيد ما ذهبت إليه هو أن بعضًا من الأميين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة أو بإجادة متواضعة للغاية هم يتعاملون مع التقنيات الحديثة بمهارة لا بأس بها، حيث نراهم يستطيعون تشغيل الأجهزة الذكية، والتعامل مع ما تحتويه من برامج متعددة الأوجه، وعلى وجه الخصوص وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.

تبقَّى أن نصل إلى هدف مأمول، وهو أن مسألة الوعي الإعلامي لا بد من القول عنه إنه أضحى ممارسةً تتأتى بتلقائية مشرعنة إعلاميًّا؛ الأمر الذي لا بد معه من أن يتقن أي مستخدم أو ممارس للمجال الإعلامي أبجديات الإعلام، وأن يعيَ الإيجابيات والسلبيات التي تنجم جراء التعامل مع هذا المجال الذي أضحى يقترن  بالعديد من المجالات والخدمات عامة، فقد أصبح لدينا إعلامٌ متعدد الاتجاهات والتخصصات؛ فهناك الإعلام التربوي، والإعلام الأمني، والإعلام الصحي، والإعلام الاجتماعي، إلى غير ذلك من المسميات؛ لذا مِن اليوم فصاعدًا علينا استيعاب الإعلام بكافة فروعه.

الرسائل الإعلامية والاتصالية والمسؤول عنها:

ذكر د. عبد الله العساف أنه يتبادر إلى الذهن التساؤل التالي: هل وسائل الاتصال بمعناها الواسع مسؤولة عن رسائلها، أم المسؤولية تقع على المتلقي؟

ربما تكون المسؤولية أكبر على القائم بالاتصال، ولكن هذا لا يعفي المتلقي من الانتقائية ومعرفة ماذا يستقبل، وماذا يقصد، فكما يُقال: لا يمكن أن تفهم الأخبار حتى تفهم ما لم يُقل، فليس هناك اتصال بريء.

فكلُّ اتصال نستقبله مشحون بالرسائل التي يجب علينا تمحيصها، ولعل تقرير تدريس مهارات التفكير الناقد في المرحلة الثانوية مؤخرًا يسهم في التغلُّب على بعض الأمية الإعلامية التي يعاني منها الكثير؛ لذا نحن بحاجة إلى إجادة المهارة التفكيكية للرسالة الإعلامية بطريقة نقدية تسهم في خروجنا برؤية خاصة، لماذا قبلنا هذه الرسالة، أو رفضناها، فالمستحدثات الاتصالية حملت معها طريقةً خاصة للتعامل معها، في ظل الكم الهائل من الرسائل التي تتدفق إلى هواتفنا في كل دقيقة، ولا نغفل طريقة استخدامنا أيضًا لهذه الوسائل في الرسائل والصور التي تعدُّ كلمات تُقرأ بأكثر من طريقة.

مفهوم الوعي الإعلامي ومحو الأمية الإعلامية:

وأشارت أ. مها عقيل إلى أنها تعتقد أن مفهوم الوعي الإعلامي ومحو الأمية الإعلامية في مجتمعنا بل وفي المنطقة العربية كلها، حديثٌ نوعًا ما، ولم يتم اتخاذ ما يلزم من نَشْر له ولأهميته، ووضع المناهج والخطوات لترسيخه. وفي رأيي، أن ذلك مرتبطٌ بالمساحة المتاحة من حرية الإعلام واختلاف الآراء وتنوُّع النقاش، حيث لا يوجد ضرورة، بل ربما لا يوجد رغبة لتحفيز الناس على التفكير النقدي والبحث والاطلاع على وجهات نظر مختلفة. أما اليوم مع الانفتاح الإعلامي والاتصالي، فقد أصبح من الضرورة بمكان تثقيف الناس وزيادة الوعي لديهم بخطر التأثُّر بالحملات المعادية، والتي تأتي من كل حدب وصوب، وكيفية التعرُّف على الأخبار الكاذبة والمصادر غير الموثوقة، وكيفية التعاطي معها كي لا تأخذ طريقَها إلى الانتشار.

وأرى أن إدخال مادة الفلسفة والنقد في المناهج الدراسية خطوة جيدة، وحبذا إدخال مادة الوعي الإعلامي. وملاحظة أن الإعلاميين أنفسهم ينقصهم هذا الوعي، أتفق معها تمامًا، ولا بد من البدء بهم.

عقدنا في منظمة التعاون الإسلامي ورشة عمل لبعض الإعلاميين من الدول حول دور الإعلام في مكافحة الإرهاب، وكانت إحدى الجلسات حول التعرُّف على الصور والفيديوهات المفبركة على شبكات التواصل الاجتماعي، وكانت جلسةً مبهرة بالنسبة لهم، شكرونا عليها كثيرًا، ولكن عندما أردنا أن نُدخل توصية لقرار تعتمده الدول حول media literacy لم تتحمس الدول كثيرًا، ورغم أننا نجحنا في اعتماد القرار إلا أننا لم نتمكن من القيام بأي خطوات عبر الدول.

الإعلام كوعي جمعي:

تساءل أ. محمد الدندني: هل الوعي الإعلامي مطلوب كوعي جمعي لكافة أطياف المجتمع؟ وهل يمكن أن يُنشر الوعي بلا ثقافة عامة واهتمام بالقراءة بكافة أنواعها؟ هل ممكن أن يعيَ إنسان ما هذا الوعي بلا ثقافة واهتمام؟ وهل هو مطلوب من العامة؟ وهل الوعي هذا يحتاج معرفةً علمية؟ فهو فنٌّ وتكنيك لا يمكن أن يجيده إلا المتخصص والراغب. وأخيرًا؛ هل الوعي الإعلامي ركيزة وميزة لدى الإعلاميين، بمعنى هل غالبية الإعلاميين لدينا يملكون هذا الوعي؟

تنمية مهارة التفكير الناقد للمحتوى الإعلامي لدى النشء:

ترى د. عبير برهمين أن المحتوى الإعلامي سواء في الإعلام الرسمي أو الإعلام الجديد، هو مادة مبنية منقحة وموجهة لخدمة أهداف أو توجهات معينة. بناءً على ذلك وعلى ما طُرح من مداخلات، فإن سؤالي هو: هل القضية وعي إعلامي أم محو أمية إعلامية؟ وأيهما أهمُّ وأشمل؟ مَن يتابع الإعلام بشقيه الرسمي والجديد في بلدنا، هل يلمس فيه نوعًا من صناعة بناء المحتوى؟ وهل التعتيم من الإعلام الرسمي في بعض الأمور التي تخصُّ المواطن بالدرجة الأولى هو موجَّه ومقصود أم أنه من باب لا يوجد إجابات متاحة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه؟

إذا اعتبرنا أن منصات التواصل الاجتماعي هي من الإعلام الجديد، فإن المتابع لمحتواها يجد أن زمام الأمور هي بيد غير المختصين من كل مَن هبَّ ودبَّ، ومن ذوي العاهات الاجتماعية والإنسانية ممَّن وجد في هذه الوسائل متنفسًا لكل عاهة اجتماعية من عنصرية وتنمُّر واستخدام ألفاظ بذيئة، إلى محتوى هابط وسطحي ونقل الأخبار الكاذبة والافتراءات، بل وتجاوز ذلك إلى إلحاق الأذى ببعض الناس دون عواقب رادعة أو حفظ للحقوق، والسؤال هو، كيف سيتم توعية هذه الفئة إعلاميًّا خاصة أن توعيتهم تعني سحب بساط الشهرة الزائفة والقوة المؤثرة من عدد كبير منهم؟

التفكير الناقد والقدرة على تمييز الغث من السمين هي مهارة يفتقدها عدد كبير– للأسف- من الأكاديميين وحملة الشهادات العلمية العليا، فكيف يمكن أن نقوم بزرع هذه المهارة في طلبة المدارس أو الجامعات ومَن يعلِّمهم يفتقر لهذه المهارة؟!

القدرة على النقد الإبداعي والتفكير النقدي يتطلب قدرًا كبيرًا من الأدوات لممارستها وتطبيقها، مثل: الشجاعة، والأدب، وسعة الاطلاع، والشفافية، والمرونة، والقدرة العالية في توجيه الأسئلة الصحيحة. وهذه الأدوات لا تتوفر في كثير من الأسر، وهي نواة أي مجتمع واعٍ، ناهيك عن المدرسين والتربويين، فكيف نبني الوعي عمومًا والإعلامي حصرًا؟

الإعلام وهدف استلاب الوعي وتحقيق الهيمنة والتوجيه:

من جانبه ذكر أ. سعيد الزهراني أن لديه استفهامًا حول فكرة الوعي الإعلامي. أظنُّ أنها تقوِّض فكرة الإعلام في الأصل. فكرة الإعلام اشتغالها الرئيس ومادتها الأولى تتمثل في استلاب الوعي أصلًا، وبالتالي تحقيق الهيمنة والتوجيه. من هنا الحديث عن وعي إعلامي هو في الحقيقة ملاذ طوباوي غير متحقق، وإلا فإن ذلك يعني سقوطَ فكرة الإعلام بالكلية.

علق على ذلك د. عبد الله بن ناصر الحمود بأنه لا يلوم الزميل أ. سعيد الدحية الزهراني، وهو يقذف “الإعلام” بهذه التهمة الصاخبة: (استلاب الوعي وتحقيق الهيمنة والتوجيه).. ولكن، ما أسباب هذا الرأي؟ ففي ظني، أن الأمر يعود لمساحة واضحةٍ بينةٍ بين مهنتي “الإعلام” و”الدعاية” عند منظري الصناعتين، لكنها لم تعد واضحة أبدًا، بل لم تعد مساحة أصلًا في كثير من ممارسة مرتزقة مهنة الإعلام.

لقد شوَّه “المنتفعون” و”مرتزقة صناعة الإعلام” و”مَن في حكمهم مِن مريدي الهيمنة على العقول” في عصور شتى منذ نشأة أول صحيفة يومية قبل خمسة قرون، معنى وقيمة “الإعلام” حتى ظنَّ بعضُنا أن هذا من أصل خلقة الإعلام.. بل ومن مفاهيمه.

ليس من مقاصد “الإعلام” استلاب العقول والهيمنة عليها، أمَّا أن يتم توظيفه هكذا، فلعلة من علتين، أو لكلتيهما معًا:

– خلط مقصود لدى مرتزقة صناعة الإعلام” بين وظيفة الدعاية ووظيفة الإعلام، وأدواتهما.

– نقص حاد لدى الجمهور في مستوى الوعي المطلوب للتعرض للمحتوى الاتصالي، وبالتالي تجري عليه مقاصد الدعاية في وعاء حقه أن يكون إعلاميًّا.

حتى في وظيفتي “التوجيه” و”التوعية” الإعلاميتين، يجري العمل، في أصل الحرفة الإعلامية، وفق سياق مجتمعي وسُلّم قيمي متفق أو متعارف عليهما، لكن “مرتزقة صناعة الإعلام” جعلوا من هاتين الوظيفتين أداتين للبطش.

أما “الإعلام” فنقرؤه في واحد من أجمل التعريفات الأولى له: “التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير واتجاهاتها وميولها”، ولا حاجة لنا الآن – في ظني- إلى محاكمة هذا التعريف لعالم الاتصال الألماني أوتوجروت.

أضافت د. وفاء طيبة؛ أذكرُ عندما كنَّا صغارًا وكانت الإعلانات تُعرض في حزمة واحدة لمدة من الوقت، كان والدي- رحمه الله- يغلق التلفاز ولا يجعلنا نشاهدها في بيتنا، ويقول الإعلانات غسيل مخ، وتوجيه للتفكير إلى بضاعة معينة.

قراءة في تاريخ الإعلام:

في اعتقاد أ. عبد الله الضويحي، فإن الإعلام وُجد متزامنًا مع نشأة الخليقة، بل ربما سبقها كما جاء في حواره- جلَّ وعلا- مع الملائكة قبل خلق آدم واستخلافه في الأرض، وظل هذا الإعلام جزءًا من حياة العامة يؤثر فيها ويتأثر بها. ولأن النفس أمَّارة بالسوء منذ نزولها إلى الأرض (قابيل وهابيل) أو (ظلومة جهولة) كما وصفها د.عبد الله ناصر الحمود في تعقيبه؛ فإن الأمية الإعلامية وُلدت معه كما في قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف عليه السلام، وربما في وسوسة الشيطان لأبينا آدم- عليه السلام- وإخراجه من الجنة.

بعد ذلك بقرون وقبل أكثر من 14 قرنًا جاء القرآن الكريم ليضع أسس محو الأمية الإعلامية، قال تعالى: ﴿‫يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[ سورة الحجرات: آية 6]، وأكد عليها في مواقع أخرى.

‫         الأمية الإعلامية ليست كالأمية التعليمية -مثلًا- يسهل محوها، بل إنَّ هناك مَن يريد لها أن تستمر وربما سعي لذلك، سواء كمنظمات وهيئات أو حتى بعض الحكومات التي ترى أن مِن مصلحتها استمرارها لدى شعبها أو لدى الشعوب الأخرى.

في التاريخ المعاصر نماذج كثيرة، في مقدمتها: غوبلز وزير إعلام هتلر في الحرب العالمية الثانية أول مَن أطلقَ (اكذب اكذب حتى يصدقك الناس)، وأحمد سعيد (حرب حزيران 67)، ومحمد سعيد الصحاف في حرب الخليج 1991، وغيرهم كثير.

أما ما يتعلق بـ “التربية الإعلامية” وعلاقة التربية بالإعلام، فإن التربويين هم أكثر مَن يعاني من الإعلام شأنهم شأن أطياف المجتمعات الأخرى، ولديهم مقولة مشهورة في هذا الصدد (ما تبنيه التربية في أعوام يهدمه الإعلام في ثوانٍ)، فيما يُرى الإعلام أنه ميكافيلي الطبع (الغاية لديه تبرر الوسيلة)، وهو صراع أزلي لا مجال للحديث عنه الآنَ، لكنه يقودنا لموضوع قضيتنا وهو “محو الأمية الإعلامية” التي أصبحت أكثر صعوبةً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

في بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ الحديث عن البث الفضائي كان لدينا تياران:

الأول: يقوده بعض علماء الدين والدعاة، ويطالبون بالتشويش عليه ومنعه (إذا وصل)، ثم تطوَّر إلى منع الدشوش.. إلخ.

الثاني: يقوده مثقفون وإعلاميون، في مقدمتهم غازي القصيبي رحمه الله، الذي كان يطالب بتحصين المجتمع، وكتب مقالةً في هذا الخصوص ردًا على أحدهم (سدّ السيل بعباتك)

الآنَ: ما هو موقف الفريق الأول؟ وكيف ينظرون للوضع؟  لقد تنبَّه العالم لأهمية محو الأمية الإعلامية في بناء جسور من التفاهم بين أفراد المجتمع بمختلف أطيافهم الدينية والثقافية؛ مما يجعلها فرصةً لتطوير مبادرات السلام لتخفيف الصراعات القائمة على الهوية.

وفي هذا الخصوص، اعترف تحالف الأمم المتحدة للحضارات (UNAOC)، وهو أحدُ برامج الأمم المتحدة بمحو الأمية الإعلامية كمجال تعليمي وثقافي تلزم معالجته.

وأشار تقرير صدر عن التحالف قبل حوالي ثلاث سنوات إلى أنَّ تعرُّض السكان المستمر لوسائل الإعلام يمثل تحديًا تربويًّا، زاد في العصر الإلكتروني والرقمي. وأوصى التقرير بضرورة تنفيذ برامج محو الأمية الإعلامية في المدارس ولا سيما في المرحلة الثانوية، من أجل تعزيز الوعي الإعلامي وتطوير محو الأمية الخاصة بالإنترنت، لمكافحة المفاهيم الخاطئة والتحيزات وخطاب الكراهية.

ولهذا الغرض تمَّ عقد العديد من الندوات والمؤتمرات العالمية سواء ما يختص بمحو الأمية الإعلامية أو العلاقة بين التربويين والإعلاميين، أشار لبعضها د.إبراهيم البعيز في تعقيبه. وأعتقد أننا في المملكة أكثر ما نكون بحاجة لمحو الأمية الإعلامية في هذا الوقت بالذات.

لقد مررنا بالعديد من المواقف لن يكون آخرها مقتل جمال خاشقجي ولا هروب رهف، بقدر ما هي بداية لما هو قادم، وربما ما هو مذهل أكثر.

وهنا أميل لرأي كاتبة الورقة أ.عبير خالد والزملاء حول أهمية تدريس “محو الأمية الإعلامية” وتضمينها مناهج التعليم، وأن يكون ذلك بدءًا من التعليم الثانوي لأهمية هذه المرحلة العمرية، على أن يتم التوسُّع فيها كمقرر دراسي في السنة التحضيرية للجامعات وفي مختلف التخصصات، خاصة الطب والسياسة والإعلام… إلخ.

يبقى السؤال المهم: ماذا نعني بمحو الأمية الإعلامية التي ننشدها؟ هل المقصود أن نكتفي بإعداد الشخص (الملتقي) لفهم أبعاد ومضامين الرسائل التي يتلقاها؟ أم تمكينه أيضًا بالإضافة إلى ذلك من صناعة محتوى جيد ومضاد، ليصبح جزءًا من الحوار في هذا العالم؟

موضوعية المحتوى الإعلامي:

ذهب د. عبد العزيز الحرقان إلى أن ما يهمه في المحتوى الإعلامي أن يكون موضوعيًّا وذا مصداقية، ولكن للأسف كثير من المحتوى الإعلامي يُنشر بأسماء مرموقة لأن لها جاذبية وقاعدة فقط، بدون الاهتمام بجودة المحتوى. بل على العكس قد يكون ما يُنشر أو يبثُّ غير صحيح تمامًا، ولكن لأنَّ له جاذبية ومثير للعواطف.

هناك كاتب مشهور في جريدة مرموقة نشر عشرات المقالات المتخصصة، ولكنها مغلوطة ومثيرة للعاطفة، ولا يقيم المختصون لها وزنًا، ولكن تثيرُ العامة وتدغدغ أحلامَهم.

وهذا يقودنا إلى القائمين على المؤسسات والمنصات الإعلامية، والذين أرى أن همَّهم الأول هو بيع الجرائد وصفحات الإعلانات، بغض النظر عن جودة المحتوى الإعلامي.

الإعلام والاتصال والاهتمام بالمتلقي:

يرى د. حمزة بيت المال أن ما يُقصد بالوعي الإعلامي أو الأمية الإعلامية هو التعبير عن مستوى ثقافة وفهم المتلقي لرسائل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بما يضمن عدمَ التغرير به والتأثير عليه بأمور مُضلِّلة من قِبل مُعِد أو مُنشئ المحتوى الاتصالي، سواء كان ذلك في وسائل إعلام أو تواصل اجتماعي.

إنَّ فهمنا للإعلام والاتصال ينطلق من أن أي متصل مُعِدّ وناشر رسالة يسعى لتحقيق تأثير في المتلقي وهذا من حقِّه، لكن في الجانب الآخر هناك حقُّ المتلقي المستهلك للرسالة، فهو ليس حاويةً يقذف فيها كل مَن أراد أيّ شيء يريد. لذلك ظهر تيار بحثي ونظريات منذ خمسينيات القرن الماضي ركزت على دور المتلقي في عمليات التأثير، فصناعة المعنى هي مشتركة بين مضمون الرسالة والمتلقي، بل إن فهم المتلقي للرسالة أصبح هو الأساس.

من هذا المنطلق، أصبح الاهتمام بالمتلقي وتثقيفه بعمليات الإقناع والدعاية التي يوظفها منشئ الرسالة أمرًا مهمًّا مجتمعيًّا، وظهر على أثر ذلك مفهوم الأمية الإعلامية والوعي الإعلامي.

الأمية تعني عدم المعرفة، والوعي هو المرحلة التالية في عمليات الإدراك المعقدة، والذي في أحد جوانبه هو الحكم على المعلومات وقبولها أو رفضها؛ لذلك فإن رفع مستوى الوعي تسبقه المعرفة، ولتحقيق ذلك ظهر التوجه بأهمية تعليم أسس التعامل مع رسائل وسائل الإعلام، وما يمكن أن تحويه مضامينها من مداخلَ لتضليل المتلقي.

من وجهة نظري، ونظرًا لكثرة وتداخل مصادر المعلومات العامة من إعلام ووسائل تواصل اجتماعي؛ فإن التركيز يكون على تعليم مهارات التفكير الناقد هو الأساس، للحماية من رسائل الإشاعات والدعاية التي أصبحت تُمطر على الفرد من كل صوب.

في السياق نفسه تساءلت د. وفاء طيبة: ما حقُّ الإعلامي أو الناشر في التأثير على المتلقي؟ علق د. حمزة بيت المال بأن المؤسسات الإعلامية وكل مَن يُعِدُّ رسالةً للنشر يكون لديه هدف يسعى إلى تحقيقه مقابل تكلفة وجهد الإعداد والنشر. وبالتأكيد ليس بالضرورة أن يكون الهدف سلبيًّا، فالمؤسسات الإعلامية الحكومية هدفها خدمة أغراض المجتمع، ومن ينشر أدعيةً ونصائحَ أو أخبارًا على وسائل التواصل الاجتماعي هدفُه في الأصل نبيل، وهذا المقصود بحقه، لكن بالطبع هناك مَن تكون لديه أهداف خبيثة للتأثير المباشر أو غير المباشر الذي قد لا يكون في صالح الفرد أو المجتمع. وهنا تأتي أهمية مهارات التلقي، فمن لديه فكر ناقد لتقييم الرسائل يكون لديه التأهيل المناسب لمواجهة الرسائل المضللة.

وتساءلت د. وفاء طيبة أيضًا؛ ما مدى وجود مقررات معتمدة في أقسام الإعلام عن أخلاقيات المهنة؟ وهل تعمل مؤسسات الإعلام بما فيها الجامعات على تعزيز المصداقية أكثر من السبق الصحفي؟ حيث إنَّني أشعر أن السبق الصحفي مفهوم أساسي، وقد يتم الوصول إليه بعدم المصداقية أو بالحياد عن القيم الأساسية للإعلام والمجتمع. أجاب د.حمزة بيت المال بأن هذا متعلق بالممارسات الإعلامية في المؤسسات الإعلامية. بمعنى أننا الآنَ ننقلُ النقاش إلى المؤسسة الإعلامية أو المتصل الذي ليس بالضرورة أن يمتلك مؤسسةً إعلامية، فالشركات المعلِنة تستخدم المؤسسات الإعلامية لنشر إعلاناتها، فهي- أي الشركة- في هذه الحالة مُعِدة الرسالة ومن يبني محتواها، والوسيلة الإعلامية هي المنفذ للوصول للجماهير، وبالطبع هذا ينطبق على الأحزاب السياسية وشركات العلاقات العامة، الكل يسعى لاختراق المؤسسات الإعلامية للوصول لأكبر شريحة من الجمهور المستهدف.

الطريف في الموضوع الآنَ، أن المؤسسات والشركات والأفراد مع وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تصل لجمهورها مباشرةً، متجاوزةً المؤسسات الإعلامية. لذلك عمَّت الفوضى الفضاء العام، واضطرت المجتمعات إلى تطوير تشريعات الممارسات الاتصالية لهذه الوسائل، نظام الجرائم الإلكترونية وتنظيم الصحف الإلكترونية مثال على ذلك.

كما أنَّ السبق الصحفي هو ممارسة إعلامية لا توجد ضوابط له، والمنظم للممارسة الإعلامية غالبًا الأخلاقيات الإعلامية ومواثيق الشرف المهنية.

أضاف أيضًا د. سعد بن سعود آل سعود؛ بطبيعة الحال تضمُّ أقسام وكليات الإعلام العديدَ من المقررات ومفردات المواد التي تُعنى بالوعي الإعلامي، مثل التفكير الإبداعي والنقد الإعلامي، وغيرها من المواد، وكذلك المفردات التي تختصُّ بأخلاقيات المهنة.

منهجية التضليل الإعلامي:

ذكر أ. نبيل المبارك أنه بعيدًا عن التخصص، وكذلك بعيدًا عن التعريفات الأكاديمية، أستطيعُ أن أقولَ إنه لا يوجد بلد في العالم لا يعاني من مستوى معين من الأمية العامة، والاختلافات نسبية بين دولة وأخرى أو عالم متقدم ماديًّا ودول نامية.

مثلًا، في العام ٢٠١٨م، في بريطانيا مُورِس تضليل إعلامي ممنهج للمجتمع لإقناعه بالتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، ونجحوا. واليوم وبعد ذهاب السكرة، اكتشف المجتمع تبعات هذا الخروج، ويحاول الكثيرون إقناع البرلمان بإعادة التصويت. كان قادة الحملات يعرفون ماذا يريدون، وغيرهم يجهل.

المثال الثاني، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدًا فيسبوك، نجح ترامب في الوصول للبيت الأبيض بمفاجأة كبيرة، لم يتصور واحد من النخبة أن هذا المرشح سوف يكون في البيت الأبيض.

الشاهد من الحدثين أن مَنْ يملك الأدوات ويوظِّفها بشكل صحيح لخدمة أهدافه سوف ينجح، سواء كان ذلك في مجتمع نامٍ أو متقدم، وبالتالي فالوعي الإعلامي مهما تمَّ الاستثمار فيه يبقى اللاعبون في الإعلام أعلى وأمكن في تحقيق أهدافهم أو أهداف مَن يدفع لهم.

وأخيرًا؛ هناك في عالمنا قنوات أخرى غير الإعلام يمكن أن تكون مكانًا للاستغلال، مثل المسجد والمدرسة، مثلما حدث لدينا في الثمانينيات.

الوعي الإعلامي:

ذهب د. زياد الدريس إلى أننا ننشغل كثيرًا، ومنذ سنوات طويلة، بالتعويل على (زيادة الوعي) و(تفعيل ميثاق أخلاقي) ليس فقط في المجال الإعلامي، بل والتعليمي والصحي والأمني…إلخ، لكننا دومًا نجد أن الأمور لا تتحسَّن مع الوقت الطويل من هذا (الوعي) و(المواثيق)، إن لم تكن تزدد سوءًا.

وأرى أنه حانَ الوقت لندرك أن الذراع الأقوى لتحسين أداء المجتمعات وتطوير سلوكياتها هو فقط من خلال القوانين والتشريعات التي تُطبَّق فعليًّا، وعلى الجميع، وفي كل حين، حتى تتحول مع الوقت من تشريعات مفروضة إلى قيم عفوية تتسرب في DNA أفراد المجتمع.

من جانبه ذكر د. مساعد المحيا؛ لا أعتقدُ أننا بحاجة لا للوعي ولا لمحو الأمية، هذا إن كنا نبحث عن إعلام مهني قادر على خلق توازن في ضوء سيطرة التدفُّق الإعلامي للكثير من الجهات، وبخاصة ما يتعلق بالشأن السعودي.

في تقديري، أن الدعوة لتعزيز القدرة الانتقائية لدى الجمهور أمرٌ جميل، لكن هذا يتناقض صراحةً مع فكرة نشر الوعي أو محو الأمية الوظيفية الإعلامية أو توعية الجمهور.

غالب ما تتجه له المؤسسات الإعلامية المحلية، وغالب ما يريده المسؤول؛ هو العمل على تقديم معلومات مباشرة للجمهور، وتوقُّع اقتناعه بها، وربما الشعور ببذل جهد في هذا الإطار يمنح المسؤول شعورًا بالرضا فقط، بسبب إقامة الفعالية لا بسبب تحقيق أثر ظاهر وواضح.

نحن أحيانًا نقع فيما نُنهى عنه، فتجدنا نقولُ للجمهور: لا تسلِّموا عقولكم لمَن يستلبها، ثم نطلبُ منهم أن يخضعوا عقولَهم لنا، وهذا- لعمري- شعورٌ بأن الجمهور سلبي سريع التأثُّر بشكل كبير، وكأنه قطعة إسفنجية تمتص الماء.

كل أشكال التوعية المباشرة ضلَّت طريقَها، في الوقت الذي لا نزال نمارسه، “عدد من برامج قناة ٢٤ أنموذجًا”، وكثير من برامج قنواتنا وإذاعاتنا كذلك.

واجتماع الوزير قبل أيام بعدد من الإعلاميين الذين يشاركوننا الاهتمام بقضايانا هو شكل من التبني التوعوي أو التعبوي كما أسمِّيه، لكنه تمَّ بطريقة مباشرة أنتجت رؤيةً سلبية.

شخصيًّا، أعول كثيرًا على كل شكل من أشكال الإعلام المهني المُعَدّ بعناية والمصنوع بذكاء بعيدًا عن التوجيه المباشر. إذ لا يزال بيننا وبينه مسافات بعيدة، بسبب الرغبة في العمل الإعلامي الذي ينتهج البحث عن الوعي، ويعمل على هندسة عقول الجمهور دون محتوى أو شكل يستحق. حتى الإعلانات التوعوية أو التعريفية حريٌّ بها أن تُصنع بطريقة غير مباشرة لتجد قبولًا واهتمامًا وتداولًا وانتشارًا أكثر.

التوصيات:

  1. التأكيد على أهمية تدريس وتنمية مهارات التفكير الناقد في جميع المراحل المدرسية.
  2. البدء في التوعية بالإعلام التربوي مع النشء بأساليب وآليات ملائمة، وتتدرج في المراحل العمرية المختلفة.
  3. طرح مادة الإعلام ومهارة الوعي الإعلامي كمنهج دراسي، لتوعية الطلبة والطالبات بأساسيات ومفاهيم الإعلام.
  4. الاستفادة من جهود طلابنا وطالباتنا للإعلام في الخارج، وتوجيه موضوعات رسائلهم (لمن أحب) للتربية الإعلامية والوعي الإعلامي للانتفاع بها داخل الوطن.
  5. الاستفادة من وسائل الإعلام ذاتها في نشر الوعي الإعلامي بطريقة مدروسة غير مباشرة.
  6. المشاركة في الفعاليات الثقافية والاجتماعية (ندوات، مؤتمرات، مسابقات، مسرحيات)، والاستفادة منها في نشر الوعي الإعلامي.
  7. تشجيع كليات الإعلام في المملكة على عقد المؤتمرات في الموضوعات ذات الصلة بالتربية الإعلامية والوعي الإعلامي.
  8. عَقْد شراكات علمية بين كليات الإعلام والاتصال وأسبار.
  9. إعداد برامج تثقيفية للأسر لتوعية الأبناء، تقدِّمها جهات عدة (القطاع الخاص، وزارة التنمية الاجتماعية، وغيرها).
  10. استحداث مناهج أو مواد في الوعي الإعلامي في الكليات والمعاهد التربوية.
  11. إنشاء معاهد تخصصية للتأهيل الإعلامي لغير الإعلاميين لشيوع الثقافة الإعلامية بكافة صنوفها، ولتأصيل الإعلام المتخصص لدى الإعلاميين عامة.
  12. منح دورات قصيرة المدد للإعلاميين لزيادة تثقيفهم ببعض المفاهيم المهمة، مثل: مفهوم التفكير الإبداعي والنقد الإعلامي، والمصداقية والالتزام العملي بالميثاق الأخلاقي في الإعلام (أو بالنظام في حال وجود النظام).
  13. دعم وزارة الإعلام للجيل الممارس إعلاميًّا في منصات التواصل الاجتماعي الجديد، بتأهيلهم داخل حاضنات إعلامية تسهم في رفع الوعي والابتكار الإعلامي لديهم.
  14. إنشاء برنامج إعلامي نوعي للتحوُّل من الإعلام الورقي إلى الإعلام الإلكتروني، يتمثل في تدريب وتأهيل العاملين في الصحافة الورقية وقرَّائها على الإعلام الإلكتروني.
  15. إخضاع مزاولة مهنة الإعلام والنشاطات الإعلامية لتشريعات أو تنظيم لرفع مستوى المصداقية والموضوعية، سندًا للالتزام بالميثاق الأخلاقي، ويُعاقب كلُّ مَن يخرج عن التنظيم.
  16. تفعيل دور هيئة الصحفيين السعوديين في عقد الورش والندوات للعاملين في وسائل الإعلام.

http://www.alriyadh.com/94491

https://www.okaz.com.sa/article/20099

المشاركون في مناقشات هذا التقرير:

  • د. إبراهيم البعيز.
  • أ. إبراهيم آل سنان.
  • م. أسامة كردي.
  • د. الجازي الشبيكي (رئيس الهيئة الإشرافية لملتقى أسبار).
  • أ. جمال ملائكة.
  • م. حسام بحيري.
  • د. حمزة بيت المال.
  • د. حميد الشايجي.
  • د. خالد الرديعان.
  • د. خالد الفهيد.
  • أ. خالد الوابل.
  • د. خالد بن دهيش.
  • د. راشد العبد الكريم.
  • د. رياض نجم.
  • د. زياد الدريس.
  • م. سالم المري.
  • الأمير أ.د. سعد بن سعود آل سعود (ضيف ملتقى أسبار).
  • أ. سعيد الزهراني.
  • د. سعيد العمودي.
  • أ. عبد الله الضويحي.
  • د. عبد الله العساف.
  • د. عبد الله بن صالح الحمود.
  • د. عبد الله بن ناصر الحمود.
  • د. عبد العزيز الحرقان.
  • د. عبد الرحمن الهدلق.
  • د. عبير برهمين.
  • أ. عبير خالد.
  • د. فهد الحارثي.
  • د. فوزية البكر.
  • أ. محمد الدندني.
  • م. محمد الشهري.
  • د. محمد الملحم.
  • د. مساعد المحيا.
  • د. مشاري النعيم.
  • أ. مها عقيل.
  • أ. نبيل المبارك.
  • د. وفاء الرشيد.
  • د. وفاء طيبة.

تحميل المرفقات: 46.pdf

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com