لتحميل التقرير اضغط هنا


فبراير 2021

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير عددًا من الموضوعات المهمة التي تمَّ طرحها للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر فبراير 2021 م، وناقشها نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضايا التالية:

  • الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتخصيص في المملكة.
  • تقييم مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية والآثار المترتبة عليها.
  • توجُّه الشباب السعودي نحو المهن غير التقليدية.
  • واقع السلوكيات المرورية في المملكة في ظلِّ التشريعات الجديدة واقتراحات تطوير المنظومة المرورية.

القضية الأولى

الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتخصيص في المملكة

(7/2/2021م)

 

  • أولًا: الملخص التنفيذي.
  • ثانيًا: العوامل المُفسِّرة للاتجاه نحو التخصيص.
  • ثالثًا: نماذج من تحديات التخصيص.
  • رابعًا: مراحل مشاريع التخصيص ومعاييره.
  • خامسًا: الآثار الاقتصادية المترتبة على التخصيص.
  • سادسًا: الآثار الاجتماعية المترتبة على التخصيص.
  • سابعًا: الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص من منظور قانوني.
  • ثامنًا: سُبُل تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
  • تاسعًا: التوصيات.
  • المشاركون.

  

  • أولًا – الملخص التنفيذي:

تناولت هذه القضية الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتخصيص في المملكة، وقد تمَّ بدايةً الإشارة إلى أنه قد تزايد الاهتمام بموضوع التخصيص والشراكة بين القطاع العام والخاص من قِبل العديد من الدول؛ لما تتطلبه مشاريع البنية الأساسية والتوسُّع في الخدمات من استثمارات كبيرة، في ضوء العدد المتزايد من السكان، وعدم قدرة الميزانيات الحكومية على توفير التمويل اللازم لذلك. يُضاف إلى هذا حرص الدول على تنمية دور القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، والاستفادة من قدراته على توفير المنتج بجودة أعلى وبتكلفة أقل. كما أن المملكة العربية السعودية قد أولت موضوع التخصيص اهتمامًا مبكرًا، حيث بدأ الاهتمام به في التسعينيات الميلادية؛ حيث حدَّد قرار مجلس الوزراء في عام ١٤١٨هـ أهداف التخصيص في المملكة، وأكَّد على زيادة دور القطاع الخاص من خلاله. وفِي عام ١٤٢٣هـ صدرت إستراتيجية التخصيص، وأُعدت قائمة بعدد من القطاعات المؤهلة للتخصيص. ومع التحسُّن في أسعار النفط بدءًا من عام ٢٠٠٣م، تباطأ الاهتمام بالتخصيص إلى أن صدرت رؤية المملكة ٢٠٣٠، فقد أتى برنامج التخصيص واحدًا من برامج تحقيق الرؤية الاثني عشر، وصدرت وثيقة البرنامج، ووافق مجلس الوزراء في عام ١٤٣٨هـ على إنشاء “المركز الوطني للتخصيص” وتنظيمه، بغرض تمكين وحوكمة عمليات التخصيص، وصدر عن المركز عدد من الوثائق، ومنها “دليل مشاريع التخصيص” الذي يُنظِّم كافة مراحل مشاريع برنامج التخصيص، والمبادرات المتعلقة بالأنشطة المراد تخصيصها. كما أُنشِئ مركز الابتكار للتخصيص.

وتتعدَّد الآثار الاقتصادية المترتبة على تخصيص الأنشطة والقطاعات الاقتصادية، ويُعبَّر عنها كأهداف لعمليات التخصيص يُرجَى تحقيقها. ومن أبرز هذه الآثار: أنه في إطار التخصيص يمكن إنتاج الخدمة أو السلعة بكفاءة؛ مما يعني إنتاجها بتكلفة أقل وبجودة أعلى مع سرعة وقدرة على الاستجابة للطلب المتزايد نتيجة نمو السكان والتقدُّم في التنمية الشاملة. إضافةً إلى تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، والتعجيل بتطوير البنية الأساسية والإنتاجية. وكذلك جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وتوسيع قاعدة الملكية للمستثمرين من الأفراد والمؤسسات وتوظيف مدخراتهم. وفي ضوء ما ذكرته وثيقة برنامج التخصيص، فإن المستهدَف من البرنامج بحلول عام ٢٠٢٠ المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بـ ١٣ – ١٤ مليار ريال، مع استحداث وظائف جديدة في الأنشطة المخصَّصة ما بين ١٠.٠٠٠-١٢.٠٠٠ وظيفة.

أما فيما يتعلق بالآثار الاجتماعية المترتبة على التخصيص، فثمة تبايُن في وجهات النظر؛ فعندما يُثار موضوع التخصيص يُثار مدى تأثيره على توفُّر الخدمة أو السلعة وجودتها، وتكلفة الحصول عليها وأسعارها، ومدى تمكُّن مختلف فئات المجتمع من الحصول عليها بأسعار منافسة ومناسبة. كما يُثار مدى تأثيره على العاملين في هذا النشاط عند انتقاله من ملاك الحكومة إلى القطاع الخاص؛ هل سيقلُّ عددهم أو تتناقص أجورهم ومزاياهم أو يزيد عددهم وتتحسَّن إنتاجيتهم، ومن ثَمَّ تتزايد أجورهم ومزاياهم. وكلا هذين الأثرين محل خلاف واجتهاد؛ فهناك مَن يرى أن قيام القطاع الخاص الأكثر كفاءة بهذا النشاط يُحسِّن جودة المنتج ويتيحه بأسعار أقل، وأن استجابته أسرع في مواكبة زيادة الطلب، وبالتالي زيادة التوظيف للأيدي الوطنية العاملة. وهناك مَن هو أكثر تشاؤمًا ويخشى أن يكون تأثير التخصيص سلبيًّا تجاه العمالة وأجورها ومزاياها، وأن بعض الفئات قليلة الدخل قد لا تتمكَّن من الحصول على الخدمات المخصَّصة في حال ارتفع سعرها، كما يشير إلى ذلك بعض الاستطلاعات، منها ما قام به المركز الوطني للتخصيص، ومنها استطلاع قامت به دراسة أكاديمية عن تخصيص بعض أنشطة الخطوط الجوية السعودية.

ولا يمكن الحكم بالجزم على أي اتجاه تتخذه هذه الآثار دون دراسة كل نشاط على حدة. وهذا الخلاف يتطلب أن تقوم الحكومة عند دراسة الأنشطة المحتمل تخصيصها، وبهدف تفادي أي آثار سلبية، بتحديد مبادئ توجيهية تضمن أن ينتج عن التخصيص منفعة حقيقية في تخفيض التكلفة وحُسن الأداء وتشغيل المواطنين.

ومن أبرز التوصيات التي تمَّ الانتهاء إليها حول القضية فيما يتعلق بالآثار التنظيمية والهيكلية لضبط وتحفيز برامج التخصيص: رسم سياسات أكثر إيجابية للرفع من كفاءة التخصيص، وأن تكون عملية التخصيص وفق فترات انتقالية تخدم روح القطاع المخصَّص مرحليًّا إلى أن يثبت نجاحه حال الانتقال النهائي إلى محطته الأخيرة. وفيما يتعلق بالآثار الاقتصادية، فقد تمَّ التأكيد على السعي نحو تأمين الكفاءة الإنتاجية، بنوعية ترتقي إلى مشاريع التخصيص، وأن يكون للتخصيص أهمية كبرى في تقوية دور القطاع الخاص في الاقتصاد، فضلًا عن أهمية أن يكون هناك مردودٌ واضح وداعم نحو تحسين الوضع المالي في القطاع العام. أما فيما يرتبط بالآثار الاجتماعية فثمة ضرورة لأن يسهم التخصيص نحو مكاسب اجتماعية، أهمها ألا يكون التخصيص سببًا رئيسًا في فقدان العاملين الحاليين في القطاعات التي جرى تخصيصها من وظائفهم. بجانب أن يعمل القطاع الخاص على بذل المزيد من الجهود لتأسيس وتفعيل إدارات المسؤولية الاجتماعية، ضمانًا لتقديم الدعم المجتمعي.

 

  • ثانيًا – العوامل المفسرة للاتجاه نحو التخصيص:

زاد الاهتمام بموضوع التخصيص والشراكة بين القطاع العام والخاص من قِبل العديد من الدول؛ لما تتطلبه مشاريع البنية الأساسية والتوسُّع في الخدمات من استثمارات كبيرة، في ضوء العدد المتزايد من السكان، وعدم قدرة الميزانيات الحكومية على توفير التمويل اللازم لذلك. يُضاف إلى هذا حرص الدول على تنمية دور القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، والاستفادة من قدراته على توفير المنتج بجودة أعلى وبتكلفة أقل.

وقد أولت المملكة العربية السعودية موضوع التخصيص اهتمامًا مبكرًا، حيث بدأ الاهتمام به في التسعينيات الميلادية؛ فقد حدَّد قرار مجلس الوزراء في عام ١٤١٨هـ أهداف التخصيص في المملكة، وأكد على زيادة دور القطاع الخاص من خلاله. وفِي عام ١٤٢٣هـ صدرت إستراتيجية التخصيص، وأُعدت قائمة بعدد من القطاعات المؤهَّلة للتخصيص.

ومع التحسُّن في أسعار النفط بدءًا من عام ٢٠٠٣م، تباطأ الاهتمام بالتخصيص إلى أن صدرت رؤية المملكة ٢٠٣٠، فقد أتى برنامج التخصيص واحدًا من برامج تحقيق الرؤية الاثني عشر، وصدرت وثيقة البرنامج، ووافق مجلس الوزراء في عام ١٤٣٨هـ على إنشاء “المركز الوطني للتخصيص” وتنظيمه، بغرض تمكين وحوكمة عمليات التخصيص، وصدر عن المركز عدد من الوثائق، ومنها “دليل مشاريع التخصيص” الذي يُنظِّم كافة مراحل مشاريع برنامج التخصيص، والمبادرات المتعلقة بالأنشطة المراد تخصيصها. كما أُنشِئ مركز الابتكار للتخصيص.

وفي الواقع يصعب تناول الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتخصيص دون تحديد الأنشطة أو القطاعات المخصَّصة؛ فالآثار والنتائج تختلف من قطاع إلى قطاع، ومن نشاط إلى نشاط، فتخصيص القطاعات الإنتاجية غير تخصيص قطاع الخدمات، وخدمات التعليم والصحة غير الخدمات البلدية أو خدمات الموانئ، على سبيل المثال. وبدون ذلك، يبقى تناول آثار التخصيص مجملًا يبرز الملامح والسمات العامة المشتركة.

والواقع أنه يزيد زخم التخصيص من الحكومات في فترات الركود الاقتصادي أو عند وجود فجوات انكماشية في الإنتاج – إلا وأنه من الملاحظ أن المملكة تسير بخطوات متأنية نحو برامج التخصيص؛ وهذا مؤشر على أن الهدف الأساسي ليس تخفيف الأعباء المالية بشكل منفرد، وإنما رفع الكفاءة الإنتاجية وتنويع الاقتصاد، وتشجيع القطاع الخاص على النمو والمشاركة في تقديم خدمات للمجتمع عبر القطاع الاستثماري؛ ولذا فإن أيَّ تحوُّل نحو التخصيص ستدعمه الحكومة، ولن ترفع يدها الاقتصادية، وإنما ستُفعِّل إدارة مخاطر، وتضمن عدم وجود أو نشوء نمط احتكار غير تنافسي أو فشل في التسعير، وستقبل بصدمة التسعير الأولى في إطار الأسعار العالمية وتكافؤ القوة الشرائية بين المملكة والدول المشابهة.

ومن الناحية العملية، فإن القطاع الخاص لا تزال قدراته أقل من حجم الأعمال التي تُقدِّمها الحكومة؛ ولذا فإننا سنحتاج إلى وقت طويل للتحوُّل الكامل في اتجاه التخصيص الكامل.

وتجدر الإشارة إلى أن الانتقال من نموذج الخدمة الحكومية العامة إلى الاستثمارية يتطلب وجود وسيط تحوُّل، ووسيط التحول مثل نموذج الشركات المملوكة للحكومة (SOE)state owned enterpriss، ومن خلالها سيتم نقل ملكيات تلك الشركات إلى المستثمرين عبر الأسواق المالية مع استمرار احتفاظ الحكومة بحصة مسيطرة من أسهم تلك الشركات؛ ويمكننا إرجاع احتمالية اتباع الحكومة لهذا النموذج بكثافة للفترة القادمة؛ لعدم قدرة القطاع الخاص المحلي على الدخول بكثافة في التخصيص. والأمر الثاني أن المستثمر الأجنبي لا يُفضِّل المشاريع المباشرة، وأصبح يُفضِّل الشراء من الأسواق المالية.

وثمةَ عددٌ من أسماء الشركات التي طرحتها الحكومة للاكتتاب كنموذج جيد للتخصيص عبر الأسواق المالية، وفي مقدمتها سابك والاتصالات والتعاونية وكيان السعودية ومعادن وبترورابغ والخدمات الأرضية والتموين التابع للخطوط السعودية.

وقد تكوَّنت عبر السنين القليلة الماضية في المملكة خبرة لا بأس بها في مجال التخصيص عندما تم (بيع) ٣٠٪؜ من أسهم سابك، و٣٠٪؜ من أسهم شركة الاتصالات بعد تحويلها إلى شركة. ويمتاز تخصيص الخطوط السعودية بمروره بعدة مراحل جرى خلالها تقسيم الخطوط إلى نشاطات أو ومراكز ربح، تم تخصيص كل جزء منها على حدة، ولا شك أن الأسلوب المتبع في تخصيص أجزاء الخطوط كان مميزًا من ناحية الشفافية والمنافسة العادلة. كما أن تخصيص مطار المدينة المنورة تمَّ بأسلوب مميز هو أسلوب (البناء، التشغيل، نقل الملكية). كما كانت إدارة أعمال التخصيص في المملكة في الماضي تتم بمبدأ (خصِّص نفسك بنفسك)، فقد كانت الخطوط السعودية كمثال مسؤولة عن تخصيص نفسها. ولكن مع اعتماد برنامج التخصيص في رؤية المملكة ٢٠٣٠ وتشكيل لجنته برئاسة وزير المالية، وصدور وثيقة التخصيص وإنشاء المركز الوطني للتخصيص؛ فقد اكتملت البنية التحتية للتخصيص في المملكة، وأصبح لدينا جهة مسؤولة عن التخصيص في المملكة، وتبقَّى أن ينشر المركز جدولًا زمنيًّا لإجراءاته؛ مما يرفع درجة استعداد القطاع الخاص للتخصيص، وبالتالي مشاركته في البرنامج.

ويعمل المركز الوطني للتخصيص على اختيار نشاطات مختارة من قطاعات مستهدفة للتخصيص، هي: قطاع الشؤون البلدية والقروية، وقطاع التعليم، وقطاع الصحة، وقطاع الرياضة، وقطاع الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وقطاع النقل. وما زلنا بحاجة لمعرفة النشاطات المختارة في هذه القطاعات.

 

  • ثالثًا – نماذج من تحديات التخصيص:

كانت بداية الخصخصة في بريطانيا في الثمانينيات بقيادة تاتشر (حزب المحافظين)، ومن خلال دراسة التجربة البريطانية في خصخصة قطاع الكهرباء على سبيل المثال، والتي كانت بعض أسهمها مملوكة لأحد المستثمرين السعوديين؛ يتضح ما يلي:

  • القطاع العام الإنجليزي له قرون منذ تم إنشاؤه، والبنية التحتية مكتملة حيث كانت جميع أراضي المملكة المتحدة مغطاة بالشبكة الكهربائية، وكان هناك فائضٌ كبيرٌ في الطاقة المنتجة عندما بدأ التخصيص.
  • المقاولون والشركات الخاصة يُوظِّفون عمالة محلية.
  • قطع الغيار المُستخدَمة في غالبها تُصنع محليًّا.
  • الأنظمة واضحة والمُنظِّم له سلطة كبيرة ونافذة.

وكل ما قامت به الحكومة هو أنها باعت الأصول وتخلصت من الموظفين وكلفة التشغيل. وحدث بعض التراجع لاحقًا في الخصخصة في بريطانيا، حيث استعادت الدولة قطاع النقل العام بسبب احتجاجات الناس، وفشل القطاع الخاص في إدارته بالشكل المرضي.

وإحدى عقبات الخصخصة في الكثير من الدول كانت وما زالت الاعتقاد بأن الخصخصة ستخفض أسعار السلع والخدمات، وهذا غير صحيح؛ بل غالبًا ما سترفع الكلفة أو سعر البيع على المواطن. وبسبب العجز الإداري أو المالي لدى بعض الحكومات في دول العالم الثالث، ساد الاعتقاد بأن الخصخصة حلٌّ سحريٌّ، للتخلُّص من كلفة القطاع العام وإدارته واستقطاب المستثمرين من جميع أنحاء العالم، وخاصة الدول التي تتطلع لمعونات مالية وفنية من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين يربطان معوناتهما بالخصخصة.

والوضع في المملكة خصوصًا والخليج بشكل عام مختلف إلى حد كبير من عدة نواحٍ:

  • المملكة ليست من الدول التي تتلقَّى المعونات، ولديها وفرة ماليَّة نسبة إلى الكثير من الدول النامية، والتعويل على الاستثمار الأجنبي ليس بالعامل الأساسي المحدِّد لنهضتها، بل هي مَن يستثمر في الخارج.
  • القطاع الخاص في المملكة قطاع ناشئ جديد في معظمه، وليس بعراقة وتجربة القطاع الخاص في الدول الرأسمالية، ويعتمد على الجهات الأجنبية في الإدارة والعمالة الفنية، وليس لديه خبرات تقنية تراكمية.
  • المجتمع حديث خبرة بالعمل والصناعة، ويفتقد لثقافة العمل، وبحاجة لتدريب تقني وإداري مُكثَّف لترسيخ ثقافة العمل، وهذه عملية مُكلِّفة ماديًّا، وبحاجة إلى قدرة عالية لإنفاذ الأنظمة والإجراءات، ولا يمكن تحقيقها بنجاح إلا في شركات القطاع العام الكبرى المملوكة للدولة.
  • مثلث سوق العمل الناجح يقوم على ثلاث دعائم؛ هي: صاحب العمل ونقابات العاملين والحكومة، وفي المملكة لا يوجد إلا ضلعٌ واحدٌ هو أصحاب الأعمال، فهم المُلَّاك وهم أصحاب القرار النافذ فيما يخصُّ العمل في الحكومة، والنقابات العمالية المستقلة غير موجودة، ومن ثَمَّ يصعب واقعيًّا التقدُّم في مجال توطين الفرص الوظيفية أو تكوين قوة عاملة حقيقية يُعتَدُّ بها.

وقد تبنَّت المملكة برنامجًا طموحًا للخصخصة، يقوم على دراسة ما يمكن تخصيصه، والتأكد من المصلحة من ذلك، وقد شمل البرنامج إنشاء المركز الوطني للتخصيص، وتحديد ١٠ قطاعات مُستهدَفة بالتخصيص، هي في الواقع معظم النشاطات الحكومية حاليًّا (قطاع النقل، والتعليم، والصحة، والبيئة والمياه والزراعة، والطاقة والصناعة والثروة المعدنية، والحج والعمرة، والبلديات، والإسكان، والاتصالات، والعمل). وحدَّد البرنامج لجانًا إشرافية لدراسة جدوى ما يمكن تخصيصُه وتقديمه لموافقة المجلس الاقتصادي قبل اعتماده. إن هذا لا يعني عزم الدولة على تخصيص القطاعات المذكورة، ولكن دراسة ما يمكن تخصيصه في تلك القطاعات، واتخاذ القرار بعد ثبوت الجدوى. والتصوُّر أن ذلك سيستغرق جهودًا مضنية ووقتًا طويلًا.

وستجد اللجان الإشرافية صعوبةً في إيجاد الجدوى في تخصيص الكثير من النشاطات في القطاعات المستهدفة، ومع ذلك لا بد أنها ستجد بعض النشاطات التي يمكن تخصيصها.

وفي سياق متصل، فإن التأثير الاقتصادي من عمليات التخصيص غالبًا إيجابيٌّ على الاقتصاد الكلي، إلا أن بعض الخدمات الأساسية مثل الصحة ستكون صعبة ولا سيما بعد أزمة كورونا، أما المياه فإن لها طبيعة اقتصادية وإنسانية أخرى، من حيث انخفاض قابليتها أن تتحول إلى شكل تجاري بسبب طبيعتها non-tradeable ما لم يستمر الدعم الحكومي سواء عبر الشراء من المنتجين التجاريين من محطات تحلية المياه التي يؤسِّسها القطاع الخاص ويديرها بعيدًا عن الحكومة، ويُقدِّم الإنتاج النهائي كسلعة للحكومة، وتقوم الحكومة بالشراء وإعادة ضخها إلى المواطنين في صورة مياه شبة مجانية، ووفق تلك الصورة تُحقِّق الحكومة الكفاءة عبر الشراء بسعر أقل من تكلفة إنتاج مصانعها، وبتلك الطريقة ستواصل الحكومة عمليات التحول المتأنية إلى التخصيص الكلي، وفي أغلب القطاعات، ولا سيما أن لكل قطاع تحدياته الخاصة، وسترى الحكومة قدراتها في الإدارة وتحسين الإنتاجية في القطاعات غير الجاهزة للتخصيص بسبب عدم جاهزية المستهلكين أو نضوج القطاع بالدرجة التي تؤهله للتحوُّل الكلي نحو الخصخصة.

 

  • رابعًا – مراحل مشاريع التخصيص ومعاييره:

إن تجربة المملكة في عمليات التخصيص أصبحت نسبيًّا طويلة، ومعايير التخصيص ودراسة جدواه تخضع لحوكمة صارمة، ولا سيما بعد الخطوات التي تلت إقرار رؤية المملكة٢٠٣٠، حيث بيَّنت وثيقة برنامج التخصيص الأهدافَ والركائز الإستراتيجية والمبادرات المرشحة للتخصيص ومناقشة المخاطر والإجراءات اللازمة لمعالجتها، ثم أُنشِئ المركز الوطني للتخصيص ومركز الابتكار للتخصيص. والمركز لديه اقتصاديون وقانونيون ومختصون آخرون، يدرس المبادرات دراسةً دقيقةً وعلى عدة مراحل، ونتائج كل مرحلة تُرفَع للجنة الوزارية للتخصيص، ومن ثَمَّ إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وتشمل الدراسة التأكد من جدوى المبادرة (تخفيض التكلفة وتوفُّر الخدمة بشكل أكبر…)، وتأثيرات المبادرة الاجتماعية والبيئية. فالحوكمة صارمة، ولن يُخصَّص نشاط (مهما كان نموذج أو آلية تخصيصه إلا بعد خضوعه لمعايير التخصيص، ودراسة آثاره الاقتصادية والاجتماعية.

وقد حدَّد المركز الوطني للتخصيص في المملكة ثماني مراحل تمرُّ بها عمليات مشاريع التخصيص في القطاعات الحكومية المستهدفة، وهي:

  • عملية التحضير.
  • عملية التوريد.
  • إعداد طلب تقديم التأهيل وإصداره.
  • إعداد طلب تقديم العروض وإصداره.
  • المفاوضات النهائية.
  • حالة الأعمال النهائية.
  • التوقيع على عقد التخصيص.
  • الإغلاق المالي.

أما عن معايير التحضير لمشاريع التخصيص فتتمثل في:

  1. القدرة على تحقيق الأهداف التي ترجوها الحكومة من المشروع.
  2. تحقيق القيمة مقابل المال.
  3. قابلية المشروع للتمويل وجذب المستثمرين.
  4. أهم المخاطر المصاحبة للمشروع وأفضل سُبل تحديدها ومعالجتها.
  5. الآثار على المواطن وعلى غيرهم من أصحاب المصلحة المعنيين.
  6. ما إذا كان التخصيص هو الطريقة الأنسب عوضًا عن استخدام طريقة التوريد التقليدية أو غيرها.
  7. أي عوامل أخرى يُحدِّدها المركز وفقًا لتقديره المحض.

 

  • خامسًا – الآثار الاقتصادية المترتبة على التخصيص:

تتعدد الآثار الاقتصادية المترتبة على تخصيص الأنشطة والقطاعات الاقتصادية، ويُعبَّر عنها كأهداف لعمليات التخصيص يُرجى تحقيقها. ومن الآثار الاقتصادية للتخصيص ما يلي:

  • في إطار التخصيص يمكن إنتاج الخدمة أو السلعة بكفاءة؛ مما يعني إنتاجها بتكلفة أقل وبجودة أعلى، مع سرعة وقدرة على الاستجابة للطلب المتزايد نتيجة نمو السكان والتقدُّم في التنمية الشاملة.
  • تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، والتعجيل بتطوير البنية الأساسية والإنتاجية.
  • جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوسيع قاعدة الملكية للمستثمرين من الأفراد والمؤسسات وتوظيف مدخراتهم.
  • تولي القطاع الخاص للأنشطة المخصَّصة، مع توفُّر المنافسة والشفافية، يزيد من توظيف وكفاءة الأيدي الوطنية العاملة في هذه الأنشطة نتيجة تزايد الطلب عليها مع تحسُّن الخدمة وجودتها.
  • المساهمة في الإصلاح الاقتصادي ولا سيما المتعلق منه بالموازنة العامة للدولة وتحقيق توازنها؛ فالتخصيص يحدُّ من الإنفاق الحكومي على القطاعات التي يكون من الأجدى تخصيصها، ويُمكِّن الدولة من التركيز على وظائفها الأساسية والسيادية، ويُمكِّنها كذلك من التركيز على الجانب التشريعي والتنظيمي والرقابة بشكل أكبر على الأنشطة المخصَّصة. يُضاف إلى ذلك حصول الحكومة على إيرادات مباشرة من التخصيص وإيرادات ضريبية بعد التخصيص.

ويمكن في هذا السياق مقارنة ذلك بما ورد في وصف برنامج التخصيص بأنه يهدف إلى ” تعزيز دور القطاع الخاص في تقديم الخدمات، وإتاحة الأصول الحكومية أمامه، مما يُحسِّن من جودة الخدمات المُقدَّمة بشكل عام، ويسهم في تقليل تكاليفها، ويُعزِّز من تركيز الحكومة على الدور التشريعي والتنظيمي المنوط بها، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتحسين ميزان المدفوعات “.

وذكرت وثيقة البرنامج أنه بحلول عام ٢٠٢٠ يستهدف تحقيق ما يلي:

  • المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بـ ١٣ – ١٤  مليار ريال.
  • إجمالي العوائد الحكومية من مبيعات الأصول ٣٥ – ٤٠ مليار ريال.
  • صافي وفورات الحكومة من النفقات الرأسمالية والتشغيلية من التخصيص والشراكة مع القطاع الخاص تبلغ ٣٠ – ٣٥ مليار ريال.
  • استحداث وظائف جديدة في الأنشطة المخصَّصة ما بين ١٠.٠٠٠ – ١٢.٠٠٠ وظيفة.

وفي سياق متصل، فإنه ولفهم الآثار الاقتصادية يتعين أن ندرس الأثر الإيجابي والسلبي على قطاع المستهلكين والمستثمرين والحكومة والتجارة الخارجية، وعلى النظام المالي من خلال البيانات؛ إلا إنه ووفق النظرة العامة وواقع وتجارب الدولة يمكن سرد بعض تلك الآثار فيما يلي:

  • القطاع العائلي: يتطلب أن نفهم قدرة المستهلكين أو القطاع العائلي المالية عبر دراسة الدخل المتبقي من إجمالي الخدمات الأساسية التي يشتريها والضرائب، وفي ضوء ذلك نستطيع معرفة مدى قدرته على الشراء بدون وجود صدمة سعرية ضارة؛ لذا فإن تحسُّن نصيب الفرد من الناتج المحلي شرط أساسي آخر عبر تحليل بيانات الدخل والاستثمار والادخار للأفراد من خلال المصارف ومؤسسة النقد للتحقُّق من قدرة القطاع العائلي على دفع تكاليف الخدمات المخصَّصة.

على أي حال، يُفترض أن يقدم التخصيص جودة أعلى وخدمة أفضل بالإضافة إلى تحقيق الاستدامة في الخدمات وبشكل ديناميكي، وفي الوقت ذاته يحصل القطاع العائلي على وظائف، ولعل السلبية المتوقعة بعد صدمة الأسعار التي قد تلحق بالقطاع العائلي، تتمثل في فقدان عدد كبير من الوظائف لصالح الأجانب بسبب سخاء الحكومة في منح رخص عمل للشركات، وفي الوقت ذاته نرى أن هناك تفضيلًا من القطاع الخاص للأجانب بسبب تدني الرواتب؛ وكلها أسباب تؤدي إلى تراجع التوطين والسعودة.

  • قطاع الحكومة: إن الأثر السلبي المتوقع غالبًا من التخصيص بأي نموذج آخر مختلف عن نموذج الطرح في الأسواق المالية يؤدي إلى تسعير الأصول الحكومية بأقل من قيمتها، وفي الوقت نفسه ستحصل الحكومة على أموال مقابل بيع تلك الأصول، وستنقل الحكومة عبء الإدارة إلى القطاع الخاص.
  • قطاع المستثمرين: سيكون للتخصيص عبر الأسواق المالية آثار إيجابية على الأسواق المالية من حيث عدد الشركات وحجمها، وبالتالي نُحقِّق العمق للأسواق، ونرفع الكفاءة الاقتصادية، ونزيد من فرص التنافسية وإدارة التكاليف، كما أن الحكومة ستكون أمام فرصة لنقل الثروة إلى المواطنين عبر وسيط اقتصادي وهو الأسواق المالية.
  • مع أن المنافع الاقتصادية للتخصيص كبيرة؛ إلا إننا بحاجة إلى تمتين القطاع الخاص عبر الذراع الاستثمارية الحكومية مع الاستمرار في تطوير أداء الأعمال والخدمات الحكومية وفق العمل بأسس تجارية دون أن نُحوِّلها إلى مراكز ربح ونكتفي بذلك، إلى أن نصل إلى اللحظة التي نرى فيها المؤشرات الاقتصادية قادرة على التحوُّل الكلي والكامل لبعض الخدمات الحساسة، وفي النهاية نحن نحتاج إلى تقييم مخاطر التخصيص اقتصاديًّا، وبشكل خاص بعد زمن كورونا، وتقييمها في كل دورة اقتصادية أيضًا.

 

  • سادسًا – الآثار الاجتماعية المترتبة على التخصيص:

عندما يُثار موضوع التخصيص، يُثار مدى تأثيره على توفُّر الخدمة أو السلعة وجودتها، وتكلفة الحصول عليها وأسعارها، ومدى تمكُّن مختلف فئات المجتمع من الحصول عليها بأسعار منافسة ومناسبة. كما يُثار مدى تأثيره على العاملين في هذا النشاط عند انتقاله من الحكومة إلى القطاع الخاص؛ هل سيقلُّ عددهم أو تتناقص أجورهم ومزاياهم أو يزيد عددهم وتتحسَّن إنتاجيتهم، ومن ثَمَّ تتزايد أجورهم ومزاياهم.

وكلا هذين الأثرين محل خلاف واجتهاد؛ فهناك مَن يرى أن قيام القطاع الخاص الأكثر كفاءةً بهذا النشاط يُحسِّن جودة المنتج ويتيحه بأسعار أقل، وأن استجابته أسرع في مواكبة زيادة الطلب، وبالتالي زيادة التوظيف للأيدي الوطنية العاملة.

وهناك مَن هو أكثر تشاؤمًا ويخشى أن يكون تأثير التخصيص سلبيًّا تجاه العمالة وأجورها ومزاياها، وأن بعض الفئات قليلة الدخل قد لا تتمكَّن من الحصول على الخدمات المخصَّصة في حال ارتفع سعرها، كما يشير إلى ذلك بعض الاستطلاعات؛ منها ما قام به المركز الوطني للتخصيص، ومنها استطلاع قامت به دراسة أكاديمية عن تخصيص بعض أنشطة الخطوط الجوية السعودية.

ولا يمكن الحكم بالجزم على أي اتجاه تتخذه هذه الآثار دون دراسة كل نشاط على حدة. وهذا الخلاف يتطلب أن تقوم الحكومة عند دراسة الأنشطة المحتمل تخصيصها – وبهدف تفادي أي آثار سلبية – بتحديد مبادئ توجيهية تضمن أن ينتج عن التخصيص ” منفعة حقيقية في تخفيض التكلفة وحُسْن الأداء وتشغيل المواطنين “.

وبتصفُّح وثيقة برنامج التخصيص و”دليل مشاريع التخصيص” الصادر عن المركز الوطني للتخصيص، يتضح الاهتمام والتأكيد على أن تكون عمليات التخصيص إيجابية للأيدي الوطنية العاملة وللاقتصاد الوطني، وتساهم في توفير الخدمات بأسعار منافسة ومناسبة.

وقد أثبتت التجارب العملية في العالم وفي المملكة أنه ليس هناك آثارٌ اجتماعية سلبية للتخصيص إذا تمَّ التخصيص بطريقةٍ صحيحة. فمن ناحية الأسعار، فإن من المتوقع ثبات أسعار المنتجات والخدمات المخصَّصة على المدى القصير وانخفاضها على المديين المتوسط والطويل، كما أنه من المتوقع الاحتفاظ بالعمالة في النشاط المخصَّص، بل زيادتها مع تحسُّن نوعية المنتج أو الخدمة وانخفاض تكاليف الإنتاج، وبالتالي انخفاض أسعار المنتجات والخدمات، وكذلك ارتفاع الطلب عليها وارتفاع الحاجة إلى العمالة. وفي بعض الحالات قد يتطلب التخصيص تخفيض العمالة على المدى القصير قبل ارتفاعها على المديين المتوسط والطويل. ويمكن ترك الباب مفتوحًا أمام قطاع الأهالي للدخول في إجراءات التخصيص عن طريق طرح الأسهم للعموم في إحدى مراحل التخصيص.

وفي تصوُّر عدد من المتخصصين، فإنه يمكن إيجاز الآثار الاقتصادية والاجتماعية للخصخصة إذا تمَّ التوسُّع فيها بحيث تشمل جميع الخدمات كما يلي:

  • حرمان الدولة من بعض مواردها.
  • قد تصبح بعض مصالح الناس الأساسية عُرضةً للعرض والطلب، ومن ثَمَّ يسهل التلاعب فيها.
  • فقدان اليد العاملة الوطنية للوظائف لصالح العمالة الأجنبية، خلافًا لما يُشاع بأنه سيتوفر المزيد من الوظائف؛ لأن القطاع الخاص سيتخلص من الموظفين السعوديين المُكلِّفين وسيستبدلهم بعمالة آسيوية رخيصة لتعظيم الربحية.
  • نقص أو انعدام الخبرات التقنية التراكمية المحلية؛ لأن الأجانب إذا اكتسبوا الخبرات إما يعودون لأوطانهم أو يتخلص منهم القطاع الخاص إذا زادت رواتبهم ويستبدلهم بأجانب جُدد بكلفة أقل ويبدؤون دورة تدريبية في المملكة.
  • مع افتراض حُسن تدبير وإدارة الجهات المسؤولة عن التخصيص، إلا أن مَن يملكون المال والعلاقات هم من سيحصل على أكبر نصيب من كعكة القطاع العام عند تخصيصه؛ ومن ثَمَّ ستتسع الهوَّة بين الغني والفقير.
  • سترتفع أسعار الخدمات على المواطن (على الأقل) حتى يصبح هناك منافسة حقيقية في النشاط المخصَّص.

وعليه، فإنه من الأنسب أن يتم تطوير البنية التحتية والصناعات الرئيسة من قِبل شركات مملوكة للدولة أو مشتركة، إلى أن تكتمل نهضة البلاد وتنميتها، ومن ثَمَّ تبدأ الدولة في بيع أسهمها تدريجيًّا حسب ما تقتضيه المصلحة، ولكن تبقى الحكومة شريكًا اقتصاديًّا يحتفظ بنسبة مؤثرة من الأسهم والأرباح في القطاعات الحيوية؛ ممَّا سيُوفِّر للدولة عوائدَ مجزيةً، ويضمن حقوق المواطن من خلال تواجد الدولة كشريك مؤثر وحكم نزيه. وكون بعض مؤسسات القطاع الخاص أكثر حيويةً وربحيةً من القطاع العام، وتُقدِّم خدمات أفضل وأسرع من بعض مؤسسات الدول؛ لا يُبرِّر التفريط في ملكية الشعب للخدمات الأساسية (ممثَّلًا بالدولة) وحرمان الخزينة العامة للدولة من موارد القطاع العام.

 

  • سابعًا – الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص من منظور قانوني:

أشار د. محمد المقصودي في هذا الصدد إلى أن تطوُّر مفهوم هذه الشراكة في السنوات الأخيرة في السعودية بين القطاع العام والخاص، ويُشار له لدى المختصين بأنه حل توفيقي في عملية ترشيد وتحديث الخدمات العامة، فهذه الشراكة تقوم على الاعتراف بقيادة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل. وهو أفضل من الاستعانة بمصادر خارجية؛ حيث إنَّه ينطوي – على وجه الخصوص – على تقاسم المخاطر والمنافع بينهما. والتعاريف التي قدَّمتها المنظمات المختلفة التي تُروِّج لها متجانسة بشكل ملحوظ.

وعُرفت لدى الرأي الراجح قانونًا بكون الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي عبارة عن ترتيب تعاقدي بين الشركاء من القطاعين العام والخاص، ينصُّ على النتائج التي يتعين تحقيقها لتحسين تقديم الخدمات العامة. وينصُّ هذا الاتفاق على تقاسم حقيقي للمسؤوليات والاستثمارات والمخاطر والمنافع بطريقة تتيح منافع متبادلة تدعم تحقيق النتائج.

وبذلك يمكن اعتبار الشراكة إستراتيجية اقتصادية فعالة، مما يسمح للشركاء بتقاسم المعرفة، وخفض التكاليف والمخاطر والتعامل بأسلوب أفضل مع المنافسة. ولكنه أيضًا إستراتيجية اجتماعية وسياسة للتعاون لمواجهة الآثار المُزعزعة للاستقرار والعدائية التنافسية من خلال إقامة علاقات تفضيلية مستقرة بين مُقدِّمي الخدمات والعمال، وتقاسم الموارد في السعي لتحقيق الأهداف المشتركة.  على مستوى آخر، يعطي للشركاء انطباعًا بالتكامل فيما بينهما، وتقديم مساهمة مفيدة من خلال الاستجابة بما يكفي احتياجات الآخرين.

البناء والتشغيل ثم التحويل (نظام البوت) للشراكة بين القطاع العام والخاص، يُعَدُّ أحد أهم وأكثر صيغ العقود المستخدمة حاليًّا على مستوى العالم، لإقامة وتمويل مشروعات البنية الأساسية بواسطة القطاع الخاص. حيث تعهد الدولة إلى إحدى شركات القطاع الخاص، بموجب اتفاق بينهما، تولِّي مهمة تصميم وبناء مرفق من مرافق البنية الأساسية مقابل منحها امتيازًا بإدارة وتشغيل هذا المرفق لفترة زمنية تكفي لاسترداد أصل التمويل، بالإضافة إلى الأرباح المتوقعة من المشروع، مع التزامها بنقل أصول ملكية المشروع إلى الدولة عند نهاية العقد.

 

  • ثامنًا – سُبُل تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي:

فيما يتعلق بالخطوات الرامية لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد، فإن ذلك يعتمد على نوع النشاط المُستهدَف تخصيصه، فالمبادرات المقترحة في وثيقة البرنامج متعددة؛ فبعضها محوريٌّ مثل تخصيص محطة التحلية في رأس الخير، وتحويل الموانئ إلى شركات؛ والبعض الآخر مبادرات محدودة ولا تشمل كامل القطاع بل أجزاء صغيرة منه، مثل: تشغيل بعض المرافق البلدية، أو تشغيل مستشفيات معينة، أو المشاركة في البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، أو تخصيص مطاحن الدقيق. فالقطاع الخاص قادر على القيام بذلك.

والقطاع الخاص بإمكانياته الحالية قادر على الاستفادة من المبادرات المقترحة في وثيقة برنامج التخصيص، ولا شك أن صندوق الاستثمارات العامة رغم كبر إمكانياته وما نفَّذه من مبادرات كبيرة في حجم رؤوس أموالها ما زال يرحب بمشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي في مشاريعه.

والواقع أن من أهداف الرؤية مساهمة القطاع الخاص بنسبة ٦٥٪؜، والمأمول ألا يشمل ذلك الشركات المملوكة للحكومة، ولتحقيق ذلك فلا بد من منحه الفرصة تلو الفرصة بدون تردد. ومن المهم أن يُركِّز صندوق الاستثمارات العامة على المشاريع الكبرى الإستراتيجية، ويترك المشاريع الأخرى الأقل أهميةً للقطاع الخاص – دور السينما كمثال، بل يترك المشاركة في مشاريع التخصيص للقطاع الخاص فقط.

كما أن ثمة حاجة إلى التخفيف من فاتورة الواردات الاستهلاكية، وأن يقود القطاع الخاص قطع الغيار للسيارات OEM، وكذلك قطع غيار القطع العسكرية، وكذلك أغشية تحلية المياه وقطع الغيار الاستهلاكي في التجهيزات المنزلية، وكذلك سلسلة الأدوية المكافئة أو الجنيس، كما نحتاج إلى المواد الأولية في مدخلات التصنيع الغذائي، بالإضافة إلى مراكز الإشاعات التخصصية… إلخ، وغير ذلك، فالقائمة طويلة والقطاع الخاص لم يستطع الوفاء بها حتى اليوم، وكلها فرص ذهبية محملة على فاتورة الواردات والنقد الأجنبي السعودي. كذلك فإن في قطاع النقل والخدمات اللوجستية فرص ذهبية متاحة للقطاع الخاص، بجانب فرص الاستثمار في مشاريع التحلية والإنتاج والموانئ والمعدات الرياضية، وكلها محملة على فاتورة الواردات. كذلك فإن الرعاية الطبية متاحة للاستثمار، كما أن أدوات عمليات اليوم الواحد والقلب كلها متاحة للاستثمار، والقطاع الخاص يحتاج إلى تحفيز حكومي للدخول في الأعمال التي تُخفِّف من تسرُّب النقد إلى الخارج. كما نحتاج إلى شركة من القطاع الخاص تساند شركة معادن في التعدين المتخصص.

ويجب ألا ننسى أن العديد من هذه القطاعات تحتاج لكون العمل فيها يتطلب أن تكون لها جدوى اقتصادية بالمقارنة بالمستورد، مع ملاحظة أننا لا نريد أن يكون اقتصادنا مغلقًا عن طريق الرسوم الجمركية على حساب المستهلك. والتصوُّر أن أحد أهم أهداف الرؤية أن يكون المحتوى المحلي في القطاعات العسكرية عند نسبة٥٠٪؜. والمطلوب تنظيمات حكومية مُحفِّزة لهذا، كما تم في قطاع التأمين الذي أدى إلى استثمارات كبيرة للقطاع الخاص في الخدمات الطبية.

ومما لا شك فيه أن لكل حالة ونموذج تجاري أسلوبًا خاصًّا للتخصيص، وأسلوب المسطرة لا يناسب لبرنامج التخصيص؛ بل نظام إطاري يُحدِّد الأساسيات ويترك التفاصيل لهيئات تنظيمية ومنافسات (مزايدات مالية ومميزات) بناءً على دراسة حقيقية. والتخصيص أمر خلق بيئة نظامية واقتصادية، لتطرق مؤسسات القطاع الخاص مجالات تراها الدولة مهمةً في إستراتيجيات الاقتصاد والأمن الوطني. والتصوُّر أن هناك أمرًا يحتاج للنظر، وهو أن مؤسسات عائلية محددة باتت من الضخامة والقدرة التمويلية والوصول تحصل على مميزات كبيرة، حتى إن كل صاحب فكرة أو مؤسسة أجنبية مُجبَر للمصلحة على التعاون مع هذه المؤسسات.. والأولى أن بعض القطاعات تفرض تعدُّد المساهمين بشكل حقيقي.

وربما يمكن معالجة ذلك من خلال معدل تكوُّن أعمال جديدة لأفراد جُدد عبر وزارة التجارة، ومراقبة معدل تكوُّن الشركات الجديدة كليًّا بسبب برامج تحفيز وتمتين نطاق عدد المشتغلين بالتجارة والصناعة… إلخ.

وفي ذات الإطار، يوجد صعوبة في تحقيق نتائج إيجابية في الخصخصة مع محتوى محلي ضعيف في الموارد البشرية والموارد الطبيعية. كما أن من المهم طرق الجانب الاجتماعي للتخصيص، كما يجب أيضًا أن نبتعد عن الشمولية في الخصخصة وآثارها اقتصاديًّا واجتماعيًّا حسب النشاط المُزمَع خصخصته، حيث الاختلاف في المحتوى المحلي وأهمية المنتج كان تحت باب الخدمات وباب الإنتاج.

أيضًا، وعلى الرغم من أهمية مشاركة القطاع الخاص في التنمية وتمكينه، إلا أن الواقع يشير إلى أننا نستورد كلَّ شيء مهم تقريبًا، من الغذاء إلى الملبس إلى الأدوات والآلات والأنظمة والسلاح؛ وعليه فنحن بحاجة شديدة لإيجاد البدائل المحلية لما نستورده، ويمكن للقطاع الخاص أن يُشمِّر عن ساعده وينشط في هذا المجال بمساعدة الدولة في التسهيلات والتسويق والحماية بدلًا من بيع الأنشطة والسلع التي نجح القطاع العام في إيجادها وإدارتها بنجاح وتحقق دخلاً للدولة؛ أي من الأفضل أن ينشط القطاع الخاص في المجالات التي لم نُحقِّقها حتى الآن بدلاً من مزاحمة القطاع العام في القليل الذي تحقَّق، حتى نقترب من الأوضاع التنموية للدول الرأسمالية المتقدمة التي خصصت القطاع العام. أما القول إن لدينا قطاعًا خاصًّا عريقًا ففيه صحة إذا كان المقصود بعض الأسر الناشطة في التجارة منذ القدم، ولكنها تُعَدُّ على الأصابع؛ أمَّا الغالبية العظمى من القطاع الخاص الحالي فبطريقة أو أخرى خرجوا من تحت عباءة الدولة، سواء من صناعة النفط أو مسؤولين سابقين أو لهم علاقة بالأراضي والبلديات، والكثير منهم متخوفون من الاستثمار في الداخل، ويخافون وضع أموالهم في مشاريع من الممكن أن تضعهم في مواجهة مع الدولة أو الرأي العام.

ومن منظور أشمل؛ فإن الاقتصاد أحد أهم مقومات الأمن الوطني، والذي يستوجب من جميع مؤسسات الدولة العمل على إيجاده وتنميته، وكذلك حمايته من المهددات والمخاطر، وسواء أدارته الدولة أم القطاع الخاص فعائداته وطنية، بيد أن له فوائدَ ومضارَّ، من حيث التوفير والتنمية والحماية، وهي موضوعات يدركها المختصون في صناعة القرار، ويدعمهم في ذلك أصحاب الفكر، ومراكز البحوث. إذًا، فالتحوُّل من إدارة المناشط الاقتصادية من الدولة للقطاع الخاص ورغم فوائده للطرفين، إلا إنه يحتاج إلى ضمان تحقيق الأهداف المخطَّطة، لا سيما أن اختلاف الظروف والبيئات (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتشريعية، والتقنية، والأمنية) عامل مؤثر في نجاح عمليات التخصيص. ولأن القرارات السيادية قد صدرت في هذا الشأن وفقًا لرؤية المملكة وأهدافها وبرامجها، فإن الأمر يتطلب التفكير فيما يضمن نجاح هذا التحول.

ويعَدُّ من ضمانات النجاح في التخصيص: تصميم النموذج الاقتصادي من الاقتصاديين أصحاب الوعي بالهيكل الاقتصادي وطرق عمله بشكل عميق للجوانب المنظورة وغير المنظورة في القطاعات التالية: (1) القطاع الأولي أو الاستخراجي، (2) القطاع التحويلي أو الثانوي أو الصناعات التحويلية، (3) قطاع الخدمات، (4) القطاع الرابع أو المؤسسات الحكومية والتعليمية، وهو القطاع التنظيمي والفكري، ويشمل الهيئات المنظمة ومركز الأبحاث والجامعات. فهم الهيكل الاقتصادي أساس نجاح التخصيص

وفي سياق متصل، فإنه ولتحقيق أفضل تخصيص علينا مراقبة الدخل المتبقي، ومدى أهمية الخدمة وتسعيرها، وكيف أن المتوسط العام للأجور متوافق مع الأسعار؛ وكلها دراسات يتم عملها قبل تخصيص أي نشاط، ولكن الفائدة من التخصيص على المستهلكين كبيرة في الجودة والاستدامة والتنافسية في الأسعار في القطاعات غير المحتكرة أو التي تُخصَّص وفق أسعار استرشادية بين الحكومة والمستثمرين، ولكن على المدى الطويل التخصيص مهمٌّ جدًّا.

أيضًا، فإن فقدان الوظائف من مخاطر التخصيص، ولا سيما أن تفضيلات القطاع الخاص للأجانب بسبب تدني الأجور؛ ولذا يُفترض تنظيميًّا أن يكون التخصيص مرتبطًا بالتوطين، فلا يجدي اقتصاديًّا تعديل الملكية وفقدان الوظائف بسبب ثغرة في أنظمة العمل؛ ولذا توضع هذه النقطة ضمن المخاطر الإستراتيجية، والتي تحتاج إلى حل ولا تُهمل أو تتجاهل.

كما يجب أن تكون الخصخصة متنوعةً ومتعددةً بحيث تُقدَّم الخدمة من عدة شركات؛ مما يخلق تنافسيةً في توفير الخدمات بأفضل تكلفة. إنَّ مجرد نقل الملكية من القطاع العام إلى الخاص لن يؤدي بالضرورة إلى تقليل التكلفة أو تحسين جودة الخدمات.

والمؤكد كذلك أن التخصيص كبرنامج اقتصادي من المفترض أن يعمل على تنمية القدرات التكنولوجية والإدارية والإنتاجية للمشاريع، والانتقال بإدارتها من مبادئ الريعية إلى مبادئ الكفاءة والإنتاج والحوكمة ضمن منظومة القطاع الخاص. وبالتركيز على القطاع الصحي، فإن كورونا قد يُسرع وتيرة خصخصة القطاع الصحي في المملكة؛ لأنه عندما نتحدث عن قطاعات مهمة وتخصُّ الشريحة العظمى من الشعب، علينا أن نتريث لإيجاد الحل الأفضل والأسلم للجميع.

فخصخصة الصحة لن تكون نتائجها مرضيةً على المديين المتوسط والطويل، ونحمد الله أنه لم تتم إجراءات خصخصتها، وإلا لرأينا ما لا تُحمد عقباه في هذا الوقت العصيب وقت الجائحة؛ فالدول التي تحكمت في الخدمات الطبية كانت أكثر فاعليةً في تعاملها مع الجائحة من الدول التي أوكلت مهمة الرعاية الصحية للقطاع الخاص.

كما أن هناك نقطةً أخرى تتعلق بخصخصة القطاع الصحي؛ فعند انتقال المؤسسات الصحية من القطاع العام للخاص سيكون القرار بيد القطاع الخاص الذي بطبيعته سيبحث عن الربح، وهذا من حقِّه. لذا، من المتوقع أنه سيصعب عليه أو بالأحرى لن يهتم بوضع خُطط وبرامج تستهدف الكشف المبكر عن السرطان أو القيام بحملات تثقيفية مستمرة بخطورة بعض الأمراض القاتلة كالسكر والضغط وأهمية محاربة السمنة، وغيرها من برامج تهتم وتعتني بصحة الأفراد على المدى البعيد، وإقامة مراكز صحية في المناطق النائية أو قليلة السكان. ولن يكون من ضمن اهتماماته كذلك إقامة مراكز للرعاية الصحية لكبار السن أو معالجة مَن يعانون من أمراض مزمنة وذلك لارتفاع تكلفة ذلك.

لذا، من المهم أن تتم الخصخصة في قطاع الصحة عن طريق المشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص، ويتم تسليم القطاع الخاص المشهود له بالكفاءة المشاريع الصحية الخاصة بإنشاء المدن الطبية والمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية ليستكمل بناءها على حسابه وتشغيلها في كافة المدن، مع إعطائه كافة التسهيلات وضمان المنافسة الشريفة للحصول على هذه المشاريع، وبعد التشغيل تستكمل وزارة الصحة مهمتهما بدفع فواتير العلاج للمرضى. بهذه الطريقة لن تضطر الوزارة للبناء والإشراف والتشغيل والصيانة، وهذا ليس دورها أصلًا، مع إعطاء الفرصة للقطاع الخاص. ونكون بذلك أَمِنَّا على صحة المواطنين التي تستلزم استمرار الوزارة بالمراقبة المشددة والتوجيه المستمر على الشروط الصحية الواجب اتباعها ومعاقبة المخالفين.

هذا مع ضرورة أن تُحقِّق خصخصة القطاع الصحي ما يلي:

  1. أن تستمر ملكية الدولة للأرض والمرافق، حتى لا يؤثر ذلك على سعر الخدمة المُقدَّمة إلى المواطنين حيث إنَّ كلَّ أصول المشروع تؤول إلى الدولة بعد انتهاء العقد إذا كان في “حالة تشغيلية كاملة”.
  2. تستمر الدولة في دفع ثمن الخدمة الفعلي إلى القطاع الخاص طبقًا لشرائح الدعم المقررة.
  3. الالتزام بتقديم كل الخدمات الصحية التي كانت تُقدِّمها الحكومة للمواطنين بشكل طبيعي ومنتظم وعادل.

وعلينا الاعتراف أن السعي وراء المادة والربح له أثر إيجابي، وغالبًا ما يكون مُحرِّكًا للتنافسية في شتى المجالات. وكانت دوافع الشركات الطبية المادية، هي المُحفِّز والدافع لاستقطاب أفضل العقول العلمية والاستثمار في الأبحاث المختبرية والسباق مع الزمن لإنتاج اللقاح اللازم لفيروس كورونا. وهو نفس الدافع لجميع أنواع التطوُّر العلمي؛ فالتطور العلمي البحثي لن يُدار بالعقلية البيروقراطية الحكومية. والخلاصة أن صحة الإنسان خط أحمر لا يمكن التلاعب بها؛ لذلك يجب أن تكون خصخصة القطاع الصحي من مصلحة المواطن، وترقى بالخدمات الصحية المُقدَّمة له، وتُزيح عن الدولة عبءَ أعمال ليست من تخصصها كبناء المدن الطبية والمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، وتجذب المستثمرين لزيادة المحتوى المحلي الصحي وكل ما يحتاجه القطاع من أجهزة ومستلزمات ومحاليل طبية. وتساعد في خلق المزيد من الوظائف وتوطينها، وتضمن حصول كل مواطن على تأمين صحي شامل يغطي جميع نفقات علاجه.

ومن جانب آخر، فإن أي عملية تخصيص لا بد أن تخضع إلى معياري (الحوكمة والمنفعة)، وبالتالي فإنَّ غياب المساءلة والشفافية والمعلومات والحقائق عن الرأي العام عن تجربة التخصيص في كافة مراحلها – خاصة عندما تُثار بعض الشائعات عن مشكلة عدالة تقييم أصول الشركات المرشَّحة للخصخصة، وما قد ينتج عنها من محاباة أو توجُّهات لصالح مستثمرين بعينهم أو تجار أو مسؤولين للهيمنة على أصول هذه الشركات بما لا يتفق مع أهداف ومصالح المجتمع والاقتصاد الوطني والقيمة الحقيقية لأصول هذه الشركات – سيضع هذه المؤسسات في مرمى الشك، وعدم الثقة حيال عملية الخصخصة برمتها.

وأخيرًا، فإن ثمة عددًا من الاعتبارات التي يجب مراعاتها فيما يخصُّ عملية التخصيص في الواقع السعودي:

  • الأداء القطاعي الأساسي من الناحية العملية في التكوين والنشأة كان تأسيسه من الحكومة، وهو قلب الاقتصاد السعودي حاليًّا، مثل قطاع البتروكيماويات والإسمنتيات، ومن قام بتحفيزه وتحويله إلى قطاع فعَّال في الناتج المحلي هي الحكومة، بنفس هذا النسق نحتاج إلى تبنِّي نفس المفهوم من الحكومة في القطاعات الأخرى، أي على أساس مفهوم “قُد ثم أنسحب تدريجيًّا”، وهذا النموذج نجحت الصين فيه بشكل مذهل، ولعل ما يبرر القول بهذا الحل؛ هو أن الكتلة النقدية الكبرى بيد الدولة، والقطاع الخاص لا يملك كتلة نقدية كافية للقيام بأعمال استثمارية كبرى تترافق مع قوة الناتج المحلي الذين تقوده الدولة من خلال النفط والاستثمارات المالية عبر صندوق الاستثمارات العامة.
  • علينا تبنِّي إستراتيجية دعم الصناعات الخفيفة من خلال تحليل بيانات الجمارك (الواردات)، وتقديم الدعم المالي والحمائي لها وفق شروط التنافسية والجودة المكافئة للسلع الدولية.
  • هناك إستراتيجية الدخول في “سلاسل القيمة العالمية Global Value Chain” عبر دعم أعمال القطاع الخاص للارتباط بها، والاعتقاد أنها الأفضل للقطاع الخاص والمستثمرين والحكومة، فهذا النموذج يُحقِّق أعلى استثمار، ويضمن عدم تشتت التحفيز المالي من الحكومة، فالتكامل مع منظومات الصناعة والخدمات المحلية أو الإقليمية أو العالمية هو النموذج المميز – حتى قبل بداية أزمة كورونا ولا يزال مميزًا بعد كورونا – إذا ما عملنا بعض التعديلات التي تتعلق بإدارة المخاطر التي ظهرت في سلسلة الإمداد العالمية.
  • يُفضَّل أن يتم عمل حوكمة اقتصادية – إنْ صحَّ التعبير – بحيث يتم وضع مؤشرات قطاعية مُلزِمة لكل هيئة مُشرِفة على قطاعها الاقتصادي، وتشمل المؤشرات: (1) مؤشر النمو القطاعي الاستثماري وتكوين رأس المال، (2) معدل نمو الاستثمارات القطاعية، (3) نسبة مشاركة القطاع في الناتج المحلي، (4) نسبة الاستثمارات الأجنبية والمحلية الجديدة، مثل تلك المؤشرات ستضغط على مفاصل الاقتصاد من خلال الهيئات المشرفة للنمو القطاعي، ولا سيما أن لكلِّ قطاع مشكلاته وتحدياته في الاستثمار والنضوج والسعودة والتوطين والتمويل… إلخ، وبهذه الطريقة التنظيمية يمكن زيادة تحفيز نمو القطاع الخاص من خلال أدوات مباشرة، كما أن هذا الأسلوب يجعل التعاقب الوزاري وتعاقب محافظي الهيئات والرؤساء غير مشتت للإستراتيجية العامة لتطوير القطاع الخاص من خلال الهيئات المشرفة، مما يزيد من زخم الإنجاز وبناء المبادرات بطريقة اقتصادية وتنظيمية صلبة إلى حد كبير.
  • توجد الكثير من الخبرات التطبيقية حول العالم في مجال التخصيص، ولا بد من دراستها دراسة وافية للتعرُّف على أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال ودرجة نجاحها. ويبدو أن المركز الوطني للتخصيص لم يُعِر الخبرات العالمية كثيرًا من الاهتمام، وبالذات الخبرة البريطانية والخبرة المصرية بنجاحها وفشلها.
  • لا بد من ملاحظة أنه للوصول إلى نتائج إيجابية للتخصيص، فلا بد من أن تتميز إجراءات التخصيص بأمرين، هما الشفافية والمنافسة العادلة. والمقصود بالشفافية هنا توضيح كافة المعلومات المالية المتعلقة بالنشاط الذي يجري تخصيصه، وكذلك أي إحصائيات متعلقة به، مثل الطلب المتوقع مستقبليًّا عليه. والمقصود بالمنافسة العادلة هو ترك الباب مفتوحًا لكلِّ مَن رغب في الدخول في مجال التخصيص، وعدم التشدُّد في (تأهيل) الراغبين. ولعل أسوأ أساليب التخصيص هو أسلوب التفاوض المباشر. ولا بد هنا من الإشارة إلى ما يبدو أنه فشل في المرحلة الأولى لتخصيص خدمات المياه، وهو مرحلة تحويل الهيئة أو الجهة الحكومية إلى شركة تملكها الحكومة تمهيدًا لتخصيصها. وقد يتطلب التخصيص في بعض الحالات من الجهة المخصصة احتكار الخدمة أو المنتج لفترة أولية قبل فتح الباب أمام ترخيص جهات أخرى. قطاع الاتصال مثال جيد؛ إذ إنه بدون المنافسة لن يُكتب للتخصيص النجاح.
  • الدور الحكومي المهم بعد التخصيص: يتطلب التخصيص الاستخدام الأمثل لواردات التخصيص، كما يتطلب استمرار الحكومة في لعب دورها المهم؛ التشريعي والتنظيمي وكذلك الرقابي.
  • مع ارتفاع تكاليف أداء الأعمال المرتبط بالرسوم الحكومية، فقد يكون من المناسب تخصيص الخدمات المُقدِّمة لهذه الرسوم؛ لعل هذا يؤدي إلى انخفاض الرسوم.

ومن المهم مراعاة الآثار الاجتماعية للتخصيص؛ كوضع العامل أو الموظف وسُبُل حمايته من التسريح من العمل في القطاع الخاص. فالواقع أن مستويات البطالة في تزايد بسبب التقنية ووجود العمالة الوافدة الرخيصة من جهة، ومن جهة أخرى لتعظيم أرباح القطاع الخاص غير المعنيِّ بمسألة البطالة. الخصخصة تعني فيما تعنيه زيادة الإنتاج وجودته بأقل كلفة، وليست معنية تمامًا بمَن يقوم بالعمل والإنتاج سواء كان عاملًا أو روبوتًا. وكثيرًا ما اشتكى السعوديون في القطاع الخاص – على سبيل المثال – من النظام (٧٧) الذي يجيز لصاحب العمل تسريح الموظف دون مبررات كافية. هذا النظام لا يشعر معه الموظفون والعمال بالأمان الاجتماعي. وفوق ذلك ينزل إلى سوق العمل سنويًّا نحو ٢٠٠ ألف خريج وخريجة، واستمرار ذلك لعدة سنوات متتالية راكم ويراكم عددهم إلى حدود غير مقبولة؛ بل وسيكون خطرًا جدًّا على سلامة المجتمع واستقراره.

جانب آخر للتخصيص أن الذين يُطالبون به يريدون التوسُّع فيه، ليشمل معظم إنْ لم يكن جميع القطاعات التي تديرها الدولة. صحيح أن الخصخصة مطلبٌ عالميٌّ ومحليٌّ، ولا أحد يُنكر فوائدها؛ لكن لا يُفترض أن تشمل جميع القطاعات؛ فالصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم العام (ما دون الجامعي) يُفترض أن تكونَ بيد الدولة كقطاعات عامة يُنفَق عليها من الدخل الوطني ومن الضرائب. أيضًا، فإن استمرار الخصخصة بهذه الصورة سيكون له نتائج وخيمة في المستقبل في ظلِّ عدم تقليص أعداد العمالة الوافدة؛ وذلك بوضع إستراتيجية واضحة لمعالجة ملف الاستقدام وأين يتجه.

وبصفة عامة، من المهم أن يصبح للحكومة دورٌ في التخصيص – بل يستمر – تشريعيًّا وتنظيميًّا ورقابيًّا، ويشمل ذلك القطاع الصحي، وإلى درجة معينة في القطاع التعليمي، كما يشمل مقدرة الحكومة على التدخل في الحالات الحرجة أو الطارئة لوضع اللوائح والقواعد المناسبة لهذه الحالات ومراقبة تنفيذها. وهذا متطلب طبيعي في أي إجراءات للتخصيص.

 

  • تاسعًا – التوصيات:

(أ) فيما يتعلق بالآثار التنظيمية والهيكلية لضبط وتحفيز برامج التخصيص:

  • رسم سياسات أكثر إيجابيةً للرفع من كفاءة التخصيص، وأن تكون عملية التخصيص تتأتى وفق فترات انتقالية تخدم روح القطاع المخصَّص مرحليًّا، إلى أن يثبت نجاحه حال الانتقال النهائي إلى محطته الأخيرة.
  • من الأهمية أن تتَّجه الحكومة في البدء إلى خصخصة القطاعات ذات الطبيعة التجارية البحتة أو الغرض التجاري، التي تدخل بشكل طبيعي ضمن مظلة القطاع الخاص، وبما يتماشى مع سياسة اقتصاد السوق الذي تتبناه المملكة.
  • لا تحتاج الخصخصة لتهيئة بيئة الأعمال، وإصدار القوانين، وتوفير البنى الأساسية، وتوافر الموارد الطبيعية فقط؛ بل تحتاج لإطار تنفيذي فاعل وواضح وتنافسي.
  • يجب أن تخضع أي عملية تخصيص إلى معياري (الحوكمة والمنفعة).

(ب) فيما يتعلق بالآثار الاقتصادية:

  • السعي نحو تأمين الكفاءة الإنتاجية بنوعية ترتقي إلى مشاريع التخصيص.
  • أن يكون للتخصيص أهمية كبرى في تقوية دور القطاع الخاص في الاقتصاد.
  • أن يكون هناك مردودٌ واضحٌ وداعم نحو تحسين الوضع المالي في القطاع العام.
  • ثمة اشتراطات موضوعية لا بد من توافرها حتى تؤتي الخصخصة أُكلها، وتعود بالفائدة المأمولة على الاقتصاد الوطني، وأهمها:
  • العمل على التحديد الدقيق لأهدافها، والقطاعات المستهدفة بها؛ وهذا يتطلب فهمًا شموليًّا للعديد من المتغيرات والعناصر الاقتصادية، المحلية والخارجية.
  • الفهم العميق للترابطات والتشابكات الاقتصادية الناتجة عن عملية الخصخصة، وإدراك تأثيرها على الإنتاج والاستهلاك والمضاعف الاستثماري والتشغيل والإنتاجية الكلية في الاقتصاد السعودي.
  • التهيئة المثلى للشركة التي نعتزم خصخصتها، وتوعية القطاع الخاص بدوره في العملية؛ باعتبار أن نجاح التخصيص يكمن في نهوض هذا القطاع بدوره على الوجه الأكمل.
  • يتوجب أن تسبق عملية الخصخصة دراسة معمَّقة لكافة الجوانب المتعلقة بالشركات والمؤسسات المستهدَفة.
  • نريد لبرامج التخصيص استقطاب الشركاء القادرين على التطوير ورفع المستوى الإداري والإنتاجي والتكنولوجي في القطاعات المختلفة، انطلاقًا من مبدأ “الاستثمار مع المملكة” وليس “الاستثمار في المملكة”.

              (ج) فيما يتعلق بالآثار الاجتماعية:

  • أن يسهم التخصيص في تحقيق مكاسب اجتماعية، أهمها ألا يكون التخصيص سببًا رئيسًا في فقدان العاملين الحاليين وظائفهم في القطاعات التي جرى تخصيصها.
  • أن يعمل القطاع الخاص على بذل المزيد من الجهود لتأسيس وتفعيل إدارات المسؤولية الاجتماعية؛ ضمانًا لتقديم الدعم المجتمعي.

 

  • المشاركون:
  • الورقة الرئيسة والمعقِّبون: د. ناصر القعود، أ. أحمد الشهري (ضيف الملتقى)*، م. أسامة كردي، م. سالم المري.
  • إدارة الحوار: د. عبد الله صالح الحمود.
  • المشاركون في الحوار والمناقشة:
  • م. خالد العثمان
  • د. زياد الدريس
  • أ. محمد المقصودي
  • د. عبد الإله الصالح
  • أ. محمد الدندني
  • د. محمد الثقفي
  • د. عبد الرحمن العريني
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • . خالد بن دهيش
  • أ. فائزة العجروش
  • د. خالد الرديعان
  • أ. فهد القاسم
  • د. فوزية البكر

 

القضية الثانية

تقييم مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية والآثار المترتبة عليها

(14/2/2021م)

  • أولًا: الملخص التنفيذي.
  • ثانيًا: نبذة عن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية.
  • ثالثًا: المزايا والعيوب المتضمَّنة في مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية.
  • رابعًا: تقييم مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية من حيث الآثار المترتبة عليها.
  • خامسًا: مقترحات عملية لتطوير مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية.
  • سادسًا: التوصيات.
  • المشاركون.

 

  • أولًا – الملخص التنفيذي:

تناولت هذه القضية تقييم مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية، التي ستدخل حيزَ التنفيذ في 14 مارس 2021م، والتي جاءت كإحدى مبادرات برنامج التحوُّل الوطني، حيث تستهدف دعم رؤية وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في بناء سوق عمل جاذب، وتمكين وتنمية رأس المال البشري وتطوير بيئات العمل، وقد تمَّ تطوير هذه المبادرة بالشراكة مع وزارة الداخلية ومركز المعلومات الوطني، وبعد عقد العديد من الاجتماعات مع مؤسسات القطاع الخاص ومجلس الغرف السعودية، والاطلاع على مختلف الدراسات والأبحاث التي اشتملت على أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال.

وفي هذا الإطار، تم تناول المزايا والعيوب المتضمَّنة في مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية؛ وتحديدًا فيما يتعلق بخدمات: (التنقُّل الوظيفي، والخروج والعودة، والخروج النهائي). أيضًا، فقد تمت الإشارة إلى تقييم مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية من حيث الآثار المترتبة عليها فيما يتعلق بسوق العمل وجذب الخبرات المتميزة، وتأثير المبادرة على رفع التوطين، وكذلك تأثيرها على قطاع الأعمال. بجانب توضيح آثار المبادرة على تحسين الصورة الذهنية للمملكة وسجلها في مجال حقوق الإنسان، والآثار الاجتماعية لمبادرة تحسين العلاقة التعاقدية والمبادرات الأخرى في هذا الإطار.

وإجمالاً، وبينما يؤكد البعض على أن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية وُضِعت بطريقة متسرعة ولم تكن هناك مشاركة فاعلة من قِبل القطاع الخاص، كما أن المبادرة ستعمل على خلخلة الرواتب في القطاع الخاص حيث ستعمل الشركات الكبيرة على استقطاب العمالة الوافدة بأجور عالية، مما يؤثر على المنشآت المتوسطة والصغيرة والتي لن تستطيع مجاراتها. فعلى الجانب الآخر، ثمة وجهات نظر ترى أن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية التي طرحتها الجهات المعنية ستكون مفيدةً رغم السلبيات المذكورة،
ولا سيما فيما يخصُّ الحد من التستر، والحد من إغراق السوق بعمالة وافدة لا عملَ لها، مما يدفعها لممارسة أعمال خارج نظام الاقتصاد الرسمي مما يُطلق عليه اقتصاد الظل الموازي، وهو اقتصاد هامشي يصعب ضبط مداخيله وضرائبه. كما أن المبادرات وتحويلها إلى واقع مُنظَّم ونظامي، وبعد أن يكون ممكنًا تطبيقُه لاكتساب ما يُرجَى منه، هو نهج يصبُّ في مصلحة الوطن، ومن ذلك رفع كفاءة الأنظمة وتحديثها باستمرار على نحو يواكب مختلف المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ومن أبرز التوصيات التي تمَّ الانتهاء إليها حول القضية ما يلي: دراسة إمكانية تأجيل تطبيق مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية لمدة ٦ أشهر على الأقل، وألا يتم التطبيق إلا بعد صدور اللائحة التنفيذية التي وعدت بها وزارة الموارد البشرية بشهرين على الأقل حتى تتمكَّن مؤسسات القطاع الخاص من ترتيب أوضاعها. وأن تُطبَّق بنود المبادرة بشكل تدريجي لتخفيف الآثار السلبية المحتملة على أيٍّ من أصحاب المصلحة، وحتى يتم تدارك أي سلبيات قد تحدث عند التطبيق. بجانب إلغاء نظام التأشيرات والاستقدام، بحيث يصبح المتعاقد كفيلَ نفسه، ويتحمل تكاليف التأشيرة والاستقدام لتخفيف الأضرار المادية الناتجة عن إلغاء نظام الكفالة. فضلًا عن التطبيق التدريجي للنظام بحيث يتم تطبيقه في البداية على العمالة ذات التأهيل العالي والخبرات القيمة، ومن ثَمَّ الانتقال إلى بقية أنواع العمالة.

  • ثانيًا – نبذة عن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية:

تعتبر المملكة العربية السعودية وجهة رئيسية للعمالة الوافدة بفضل تسارُع النمو الاقتصادي ومشاريعه التي تعتمد على الأيدي العاملة بكثافة. ووفقًا لبيانات هيئة الإحصاء السعودية للعام 2020، فقد بلغ عدد الأجانب العاملين في المملكة 10,43 ملايين عامل، يُمثِّلون 76,5% من إجمالي الأيدي العاملة، كما أن تحويلات العاملين الأجانب زادت في شهر سبتمبر 2020 بنحو 29% لتبلغ 13,21 مليار ريال مقارنةً بنفس الفترة من عام 2019. وكنتيجة لهذه الكثافة من العمالة الوافدة، حرصت المملكة من خلال برنامج التحوُّل الوطني على إطلاق عدد من المبادرات التي تهدف إلى تحسين العلاقة بين أصحاب العمل من جهة والعمالة الوافدة من جهة أخرى؛ مما يسهم في تحسين بيئات العمل وجَعْل المملكة مركزَ جذب للعمالة الوافدة ذات المهارات العالية، ويسهم بصورة أكبر في تحقيق مرتكزات رؤية 2030 في الوصول إلى مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح.

وفي هذا الإطار، جاءت مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية كإحدى مبادرات برنامج التحول الوطني، والتي تستهدف دعم رؤية وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في بناء سوق عمل جاذب وتمكين وتنمية رأس المال البشري وتطوير بيئات العمل، حيث تمَّ تطوير هذه المبادرة بالشراكة مع وزارة الداخلية ومركز المعلومات الوطني، وبعد عَقْد العديد من الاجتماعات مع مؤسسات القطاع الخاص ومجلس الغرف السعودية، والاطلاع على مختلف الدراسات والأبحاث التي اشتملت على أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال. الجدير بالذكر أن هذه المبادرة يبدأ تنفيذها في 14 مارس 2021 م.

ومن أبرز ممهدات مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية ما يلي:

  • المبادرة أعدَّتها وزارة الموارد البشرية على مدى عدة سنوات، وهي إحدى مبادرات رؤية ٢٠٣٠ والمنبثقة من برنامج التحوُّل الوطني، وشارك فيها عدة جهات حكومية، من أهمها وزارة الداخلية ومركز المعلومات الوطني، وجهات دولية استشارية مثل البنك الدولي. وتمخضت المبادرة عن عدة ورش شارك فيها منشآت القطاع الخاص ومجلس الغرف التجارية ممثَّلة بلجانه وأعضائه.
  • عملت الوزارة على إعداد دراسات معيارية (بنش ماركينغ) مع عدة دول إقليمية ودول شقيقة وصديقة مثل الدول التي لديها عمالة متنوعة وعديدة كالإمارات العربية.
  • لا تخلو هذه المبادرة من أبعاد مهنية واقتصادية وحقوقية، كما أن لها بُعدًا سياسيًّا؛ فالمملكة عضو في منظمة العمل الدولية، وعضو في مجلس حقوق الإنسان، وهي موقِّعة بلا تحفظ على كثير من المواثيق الدولية التي لا تتعارض مع الإسلام. ومن مصلحتها لتعزيز مصداقيتها السياسية، احترام هذه المواثيق. كما أنها بسبب نظام الكفيل قد تعرَّضت للانتقادات السياسية والحقوقية لإزالة ما اعتبرت مظالم تلحق بالعمالة الأجنبية داخل المملكة. وبسبب تصرفات غير مسؤولة من بعض السعوديين تمَّ وصم نظام الكفيل بالاستعباد.
  • هناك بعض التوضيحات النظامية المهمة المتضمَّنة في مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية، منها:

أ – العامل مُلزَم باستيفاء شرط الالتزام بالعمل في السنة الأولى لدى صاحب العمل إذا كان هناك عقد مُوثَّق والتزم به صاحب العمل. ولا ينتقل خلال هذا العام لعمل آخر إلا بموافقة صاحب العمل. وإذا كسر العامل الشرط يُسفَّر ولا يعمل بالمملكة إلا عند صاحب العمل الأول، أو يُمنع من دخول المملكة.

ب- العمل عند صاحب منشأة جديدة ليس مفتوحًا ومطلقًا، فهناك شروط عديدة منها؛ أن تكون المنشأة الجديدة مؤهَّلة نظاميًّا لنقل العمالة لها، مع الالتزام بضوابط كلٍّ من برنامج حماية الأجور وبرنامج التقييم الذاتي.

ج – قرار مجلس الوزراء بدفع المقابل المالي لرخص العمل على دفعات رُبع سنوية يُجنِّب صاحب العمل تحمُّل الخسائر عند انتقال العامل بعد السنة الأولى.

ومع هذا، فثمة تصوُّر لدى البعض بأن وزارة الموارد البشرية يبدو وكأنها لم تأخذ بأغلبية ما تمَّ ذكره أعلاه، وإلا لما كان هذا الغموض والاستفسارات التي لا تجد لها أجوبة، وحتى اللائحة التي وعدت بها الوزارة حتى تاريخه لم تصدر، والمؤكد أن أيَّ نظام حتى يُحقِّق أهدافه لا بد له من الشفافية ووضوح نصوصه.

  • خدمات المبادرة:

المبادرة تتضمن تقديم ثلاث خدمات:

  • خدمة التنقُّل الوظيفي، وتعني السماح للعاملين (الوافدين) بالتنقُّل بين منشآت القطاع الخاص ضمن اشتراطات واضحة تحفظ حقوق طرفي العلاقة التعاقدية (أصحاب العمل والعامل الوافد)، ومن المتوقع أن يتم تطبيق هذه الخدمة في شهر مارس 2021 من خلال منصة “قوى”، والتي أُعِدَّت لهذا الغرض.
  • خدمة الخروج والعودة، وفيها يُسمح للعامل الوافد برفع طلب الخروج والعودة خلال سريان عقد عمله بشكل آلي عبر منصة “أبشر”، ويتحمَّل كافة التكاليف المترتبة على ذلك. هذه الخدمة سيتم تفعيلها أيضًا في شهر مارس 2021.
  • خدمة الخروج النهائي، وفيها يُسمح للعامل الوافد برفع طلب الخروج النهائي خلال سريان العقد أو بعد انتهائه بشكل آلي عبر منصة “أبشر”، ويتحمَّل العامل الالتزام بالإجراءات والتكاليف المترتبة على الخروج النهائي قبل استكمال مدة العقد.
  • أهداف المبادرة:

تهدف مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية إلى تحقيق عدد من الأهداف، منها:

  • زيادة إنتاجية الوافدين في سوق العمل.
  • رفع الالتزام بنظام العمل.
  • تحسين متطلبات الحقوق العمالية وتعزيزها وحماية حقوقهم المالية.
  • زيادة التنافسية ورفع جاذبية سوق العمل في المملكة.
  • حل مشكلات الاتجار بالبشر والسوق السوداء للعمالة الهاربة والمخالفة.
  • تاريخ المبادرة وأبرز مخرجاتها:
  • في العام 2018 م تم:
  • توثيق ورقمنة العقود بالتكامل مع المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
  • إصدار اللوائح والأنظمة المعدِّلة للتنقل بين جهات العمل وحالات الغياب للعمالة.
  • في العام 2019 م تم:
  • إصدار قرار وزاري باعتماد اللائحة التنفيذية لنظام العمل وملحقاتها بصيغتها الجديدة.
  • القيام بحملة لتوعية العمال وأصحاب العمل بالتغييرات التي حدثت في اللوائح والأنظمة.
  • في العام 2020 م تم:
  • عقد ورش عمل بقيادة وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مع أصحاب العمل، لتقييم أثر المبادرة.
  • إصدار دليل إرشادي لمخالفات العلاقة التعاقدية والتزامات صاحب العمل.
  • مبادرات أخرى في نفس الإطار:

أطلق برنامج التحول الوطني مبادرات أخرى في إطار تحسين ظروف العمل للوافدين، مثل:

  • إصدار دليل إجراءات وقوانين جديدة لإدارة التسوية الودية (2018م).
  • إطلاق خدمة التسوية الودية للخلافات العمالية (2019م).
  • إطلاق إستراتيجية الثقافة العمالية والبوابة الإلكترونية المطوِّرة للثقافة العمالية، للتوعية بالحقوق والواجبات والخدمات (2019 م).
  • تدشين منصة “مُدد” الإلكترونية لإدارة شؤون الموظفين ومسيرات الرواتب، وهدفها حماية الأجور (2020 م).
  • صدور موافقة مجلس الوزراء على المصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية لعام 1949 م، لحماية الأجور (2020 م).

 

  • ثالثًا – المزايا والعيوب المتضمَّنة في مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية.

ترتكز مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية بوصفها إحدى مبادرات برنامج التحوُّل الوطني والتي تستهدف بناء سوق عمل جاذب وتمكين الكفاءات، على ثلاث خدمات: (التنقُّل الوظيفي، والخروج والعودة، والخروج النهائي).

  • أولًا – التنقُّل الوظيفي:

تسمح هذه المبادرة بالتنقُّل للعاملين الوافدين بين منشآت القطاع الخاص بعد استكمال السنة الأولى لدى صاحب العمل الحالي من تاريخ دخوله للمملكة، بشرط أن يكون له عقد مُوثَّق، ووجود عرض وظيفي على منصة قوى من قِبل صاحب العمل الجديد، والتي بدورها ستُشعر صاحب العمل الحالي بطلب نقل الخدمة مع مراعاة فترة الإشعار.

  • مزايا هذه الخدمة:
  • إلغاء التحكُّم الجائر في العمالة، والذي تمارسه بعض المنشآت في تملُّك العامل وعدم إعطائه الحقَّ في التنقل مهما طالت فترة مكوثه.
  • إجبار صاحب العمل على جَعْل بيئة العمل والعلاقة في إطارها جيدةً كمعياري جذب.
  • إجبار صاحب العمل على دفع أجور العمالة بانتظام، وتجديد إقامتهم ورخص العمل في موعدها.
  • إلغاء نظام التستُّر.
  • توثيق العلاقة التعاقدية قانونيًّا بين طرفي العمل، وتوضيح الأجور بشفافية.
  • عيوب هذ الخدمة:
  • التسرُّب الوظيفي وسرعة الدوران الوظيفي مما يضرُّ بالاستمرارية في منشآت القطاع الخاص.
  • الضرر المادي الذي سيلحق بصاحب العمل الذي استقدم العامل، حيث لن يتم تعويضه عن المبالغ التي دفعها للاستقدام وكذلك تأشيرة العمل.
  • يحقُّ للعامل الوافد الانتقال خلال السنة الأولى عند دخوله للمملكة وحتى لو اشترط النظام موافقة صاحب العمل الحالي؛ فإن ذلك يفتح أبوابًا للخصومة طوال الوقت.

 

  • ثانيًا – خدمة الخروج والعودة:

تسمح هذه الخدمة للعامل الوافد برَفْع طلب الخروج والعودة خلال فترة سريان العقد بشكل مباشر عن طريق منصة أبشر.

  • مزايا هذه الخدمة:
  • إقرار العامل الوافد بالإجراءات المترتبة على عدم العودة خلال الإجازة الممنوحة له من صاحب العمل.
  • لا يتحمل صاحب العمل رسوم تأشيرة الخروج والعودة.
  • لا يحقُّ لصاحب العمل إلغاء تأشيرة الخروج والعودة للعامل الوافد، بينما يستطيع الوافد ذلك.
  • في حالة عدم عودة العامل الوافد، تُطبَّق إجراءات فسخ العقد.
  • الحد من تعنُّت صاحب العمل في استبقاء العامل وعدم مَنْحة إجازة للراحة.
  • عيوب هذه الخدمة:
  • وزارة الموارد البشرية هي مُشرِّع وليست مُنفِّذًا؛ وعليه فإن قيامها بمتابعة إجراءات الخروج والعودة للملايين من الوافدين لا تندرج تحت مهامها.
  • قد ينشأ تأخير في متابعة الطلبات خصوصًا في شهور الذروة، وهو ما يتبعه تأخُّر الموافقات اللازمة.
  • قد يتقدم العامل الوافد بطلب إجازة مخالفة لتنظيم العمل وجداوله، وعلى الرغم من أن الوزارة ستُشعر صاحب العمل برغبة العامل في الخروج والعودة، إلا أن صاحب العمل عليه الرفع بالمبررات، ولا يسمح له النظام بإلغاء التأشيرة للخروج والعودة.
  • يلاحظ أنه كان من المفترض أن تشمل الخدمة فرض الإجازة السنوية على العامل في سنة استحقاقها؛ للحد من التلاعب في تراكم أيام الإجازات، ثم طلب التعويض عنها نقدًا أو دفعها عند انتهاء الخدمة، وهو ما يقوم به الكثير من العاملين وتجيزه المنشآت، وهو ما لم تتطرق له هذه المبادرة.

 

  • ثالثًا – الخروج النهائي:
  • خدمة تسمح للعامل الوافد بطلب الخروج النهائي خلال سريان مدة العقد أو بعد انتهائه عبر منصة أبشر.
  • مزايا هذه الخدمة:
  • الحد من جَوْر صاحب العمل، والذي قد يمنع العامل من الخروج النهائي تعنتًا.
  • تطبيق عقوبات فسخ العقد على العامل الوافد.
  • عيوب هذه الخدمة:
  • الإضرار المادي والمعنوي بصاحب العمل حيث إنَّ الوزارة لن تُعوِّضه عن ضياع ما قد أنفقه في استقدام وتدريب العامل.
  • الضرر بسير العمل.
  • قيام الوزارة بوظيفة المُنفِّذ بدلًا من دورها الأساسي كمُشرِّع.

 

  • رابعًا – تقييم مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية من حيث الآثار المترتبة عليها:

(أ) الآثار على سوق العمل وجذب الخبرات المتميزة:

  • هدفت هذه المبادرات إلى جَعْل سوق العمل السعودي أكثر جاذبيةً للعمالة الوافدة من ذوي المهارات العالية، وجَعْله أكثر تنافسيةً مع أسواق العالم؛ وذلك من خلال رَفْع درجة الرضا لدى هؤلاء العاملين نتيجة تحسين أوضاعهم المهنية والصحية والمعيشية؛ مما يُسهِم في رَفْع تصنيف سوق العمل السعودي في مؤشرات التنافسية الدولية. لكن ومع أن هذه المبادرة تسعى لجَعْل سوق العمل في المملكة أكثر جذبًا، وخصوصًا للخبرات المتميزة التي كانت ترى في نظام العمل السابق من حيث تحكُّم صاحب العمل في التنقل عائقًا؛ إلا إنه أيضًا يُشكِّل تحديًا لأصحاب العمل في استبقاء تلك الخبرات، مما قد يخلق تنافسًا يتمثَّل في ارتفاع الأجور للعمالة الوافدة؛ وهو ما يُشكِّل عبئًا إضافيًّا للقطاع الخاص.
  • هدفت هذه المبادرات أيضًا إلى زيادة إنتاجية العاملين الوافدين من خلال تقديم بعض الخدمات التي تُشعرهم بمرونة سوق العمل وجاذبيته، مثل حرية التنقُّل الوظيفي وغيرها من الخدمات التي تُوفِّرها مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية.
  • من أهداف هذه المبادرات رَفْع الالتزام بأنظمة العمل من قِبل العاملين وأصحاب العمل، مما ينعكس إيجابًا على حفظ الحقوق والشعور بالأمان الوظيفي، وتحقيق درجة عالية من الاستقرار الوظيفي، وكذلك الحد من الخلافات العمالية التي تنشأ أحيانًا بسبب عدم اتفاق أطراف العلاقة التعاقدية.
  • سيكون لهذه المبادرات تأثيرٌ واضحٌ في جَعْل سوق العمل السعودي أكثر مرونةً وتطوُّرًا وإنتاجيةً؛ وبالتالي أكثر قدرةً على استقطاب الكفاءات ذات المهارات العالية، والمساهمة في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 عبر برنامج التحوُّل الوطني.

(ب) تأثير المبادرة على رفع التوطين:

يرى البعض أن هذه المبادرة تساعد على رفع التوطين، وهو ما يخالفه آخرون بالنظر إلى أن إعطاء حرية التنقُّل الوظيفي والخروج والتغيير للعامل الوافد لن تعمل على رفع التوطين أو جَعْل العمالة الوطنية أكثر جذبًا لأصحاب العمل، بل هناك إجراءات أفضل كان من شأنها التركيز على جَعْل العمالة الوطنية أكثر ولاءً وسوق العمل أكثر جاذبيةً لتلك الفئة، وهو ما لم تتناوله أي مبادرة حتى الآن.

قد يرى آخرون أن المبادرة ستُشعر صاحب العمل بخطر الاستثمار في خبرات أو عمالة قد تتركه قبل الاستفادة من تلك الخبرات، وبالتالي قد تُوجِّهه للاستثمار في العمالة الوطنية، إلا أن تحدي استبقاء العمالة الوطنية سيظلُّ قائمًا في كلِّ الأحوال.

وثمة بعض وجهات النظر التي تذهب إلى أن المبادرة لن يكون لها أيُّ تأثير على معدل البطالة، حيث إنَّ البطالة لا ترتبط بارتفاع كُلفة العامل الأجنبي، بل ترتبط بعوامل أخرى؛ ذلك أن أكبر نسبة موجودة من العمالة الأجنبية غير ماهرة، حيث بينت دراسة صادرة في عام ٢٠٠٨م عن وزارة التخطيط أن نسبة العمالة الأجنبية الذين لا يحملون مؤهلات (أمي، يقرأ ويكتب فقط) في سوق العمل تبلغ ٢٦٪، فيما لا تتجاوز نسبتهم في العمالة الوطنية ٦٪. وهذه العمالة الأجنبية ذات التأهيل المتدني تعمل في وظائف متدنية غير جاذبة وغير مرغوبة للسعودي، كما أن بعض المهن التي يعمل بها هؤلاء الأجانب لا يوجد بها عمالة سعودية مُدرَّبة وماهرة كقطاع المقاولات مثلًا؛ مما يصبح معه العامل الأجنبي ليس خيارًا بل حاجة؛ ولذا وجدنا جميع الإجراءات التي اتُّخذت في سبيل رفع كُلفة العامل الأجنبي لتشجيع توطين الوظائف بائت بالفشل؛ ومن ثَمَّ فإن السماح لهذه الفئة بالانتقال الحر سيؤدي إلى المزيد من التستُّر وزيادة ظاهرة العمالة السائبة؛ في حين تذهب المبادرة إلى أن أحد مستهدفاتها الحد من التستر وظاهرة العمالة السائبة. ولن تؤدي المبادرة لتوطين هذه المهن، كما أنها ستؤدي إلى فوضى في سوق العمل، وزيادة المشاكل بين العمال وأرباب العمل، وهو ما سيؤدي إلى تأخر تنفيذ المشاريع وارتفاع كُلفة الأيدي العاملة والتنافس بين أصحاب العمل على استقطابها؛ مما سيخلق سوق سوداء للأيدي العاملة المتدنية التأهيل هذا في جانب العمالة متدنية التأهيل، وهذا سيؤدي إلى خروج الكثير من منشآت قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة من السوق؛ مما يعني إضافة أرقام جديدة للبطالة بدلاً من خفضها.

(ج) تأثير المبادرة على قطاع الأعمال:

ثمةَ آراءٌ تقرُّ بأن توقيت تطبيق المبادرة غير مناسب أبدًا؛ نظرًا لما يعانيه قطاع الأعمال من ركود وأزمات بسبب تداعيات كورونا، خصوصًا قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، ومن ثَمَّ فقد تكون هذه المبادرة هي رصاصة الرحمة التي ستنهي الكثير من الأعمال التي هي اليوم في غُرف العناية المركزة تعيش على العديد من المبادرات الحكومية، فلا ينقصها سوى منح عمالتها فرصة الانتقال للبحث عمن يدفع أكثر، وهو ما لا تستطيع تحمُّله في الظروف العادية، فكيف به الآن؟ ومن ثَمَّ، كان يجب على المسؤولين تأجيل تطبيق المبادرة حتى تنجلي الجائحة، ويعود الاقتصاد للتشغيل الكلي. وتجدر الإشارة إلى أن الغرفة التجارية قامت بالتعاقد مع أحد المراكز الاستشارية السعودية المتخصِّصة؛ للوقوف على تأثير القرار على سوق العمل، وقد توصلت الدراسة إلى أن للقرار نتائجَ سلبيةً، أهمها:

  • خروج المنشآت الصغيرة والمتوسطة من السوق؛ نتيجة عدم استقرار العمالة الوافدة، أو المطالبة بأجور مرتفعة ومزايا عالية تعجز عن توفيرها تلك المنشآت.
  • زيادة معدل التستُّر التجاري.
  • زيادة كُلفة المشاريع الحكومية والخاصة.
  • تعثُّر تنفيذ المشاريع الحكومية والخاصة.
  • زيادة القضايا العمالية للعمالة الوافدة.

وقد تمَّ استطلاع رأي أكثر من ٥٠٠ من مُلَّاك ومدراء منشآت القطاع الخاص في الرياض، بالإضافة إلى إجراء مقابلات متعمَّقة مع عدد من مسؤولي الجهات الحكومية ذات الصلة، وجاءت النتائج تؤكد ما جاء في الدراسة بنسبة ٧٢٪. وقد أوصت الدراسة بعدم السماح بانتقال العمالة الوافدة بين منشآت القطاع الخاص دون موافقة صاحب العمل، فضلًا عن الاكتفاء بتطبيق الأنظمة المعمول بها مع التشديد على تطبيق أنظمة مَنْع الاتجار بالبشر وحماية الأجور.

أيضًا، فقد ذكرت وزارة الموارد البشرية في تقديمها للمبادرة أنه تمَّ تطويرها بالشراكة مع الجهات الحكومية المعنية، وبعد عقد العديد من اللقاءات مع القطاع الخاص ومجلس الغرف السعودية؛ لكن السؤال المهم: هل أخذت الوزارة برؤية القطاع الخاص بعد هذه اللقاءات أم أنها كانت لقاءات لرفع العَتْب؟ لا شك أن الوزارة كان لزامًا عليها أَخذ رؤية القطاع الخاص، وهو القطاع المعنيُّ بهذه المبادرة في الحسبان، ومحاولة التوفيق بين ما تريد وما يريده القطاع الخاص؛ للوصول لحلول تُرضي الجميعَ، وتُحقِّق المتطلبات الدولية في مجال بيئة العمل وحقوق العمالة الوافدة.

 (د) تأثير المبادرة على تحسين الصورة الذهنية للمملكة وسجلها في مجال حقوق الإنسان:

لا شك أن تفعيل هذه المبادرة وغيرها من مبادرات مشابهة سيسهم في حلِّ بعض المشكلات التي تعاني منها المملكة، مثل: مشكلة الاتهام بالاتجار بالبشر، والسوق السوداء للعمالة الهاربة والعمالة المخالفة لأنظمة الإقامة النظامية، والتي أسهمت بشكل أو بآخر في احتلال المملكة لترتيب متأخر على الصعيد الدولي في المؤشرات ذات العلاقة بظروف عمل العمالة الوافدة؛ وبالتالي تعرُّضها لبعض الانتقادات الشديدة في مجال حقوق الإنسان. إنَّ العمل على تطبيق هذه المبادرات وتحسينها من وقت لآخر سيسهم وبصورة إيجابية في تحسين الصورة الذهنية للمملكة لدى المنظمات الدولية والحقوقية.

(هـ) الآثار الاجتماعية لمبادرة تحسين العلاقة التعاقدية والمبادرات الأخرى في هذا الإطار:

إن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية والمبادرات الأخرى ذات العلاقة من المبادرات المهمة التي أطلقتها وزارة الموارد البشرية وغيرها من الجهات الحكومية سيكون لها آثار اجتماعية عديدة، منها:

  • حل إشكالات العمالة السائبة وما تقوم به هذه العمالة السائبة من جرائمَ في بعض الأحيان تؤدي إلى زعزعة الاستقرار.
  • تقليل الجهد والتكلفة على الأجهزة الأمنية في التصدي للجرائم التي يقوم بها بعض أفراد العمالة السائبة والمخالفة.
  • الحد من جرائم بيع التأشيرات واستغلال حاجة الناس لها، وتقاضي أموال طائلة مقابل تلك التأشيرات مما يثقل ميزانية بعض الأسر.
  • الحد من إزعاج السلطات بالبلاغات عن العمالة الهاربة.
  • القضاء على الغش والجشع الذي تمارسه بعض فئات العمالة السائبة والمخالفة في تقديم بعض المنتجات المقلدة وغير الصالحة للاستخدام.

وإجمالاً، وبينما يؤكد البعض على أن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية وُضعت بطريقة متسرعة، ولم تكن هناك مشاركة فاعلة من قِبل القطاع الخاص، كما أن المبادرة ستعمل على خلخلة الرواتب في القطاع الخاص، حيث ستعمل الشركات الكبيرة على استقطاب العمالة الوافدة بأجور عالية مما يؤثر على المنشآت المتوسطة والصغيرة والتي لن تستطيع مجاراتها.

كما أن ثمةَ تخوُّفًا من أن مَن يعملون اليوم في السوق كعمالة سائبة أو متستر عليها كلها تعمل بعقود ورواتبها مُسجَّلة رسميًّا وتُحوَّل في حساباتها البنكية، ومن ثَمَّ فإن إتاحة التنقل لن يكون حلًّا للمشكلتين، كما أن نظام الكفالة لم يكن هو السبب في نشوئها، فغالبية العمالة المتستر عليها ترفض العمل بعقد العمل، كما أن العمالة السائبة منشأها هو المتاجرة بالتأشيرات مع عدم ربط هذه التأشيرات بمشاريع محددة، ومحاسبة المؤسسات والشركات على تسيُّب عمالتها، والتصوُّر أن حرية التنقل ستزيد المشكلتين سوءًا؛ ذلك أن هاتين المشكلتين توجدان لدى العمالة الوافدة قليلة التأهيل، ويندر وجودهما في العمالة عالية التأهيل والتي تعتبر هي المستفيد من النظام الجديد.

إن مشكلة مثل هذه الإجراءات والتشريعات هي ظاهرة التطبيق الأفقي على مجمل المتعاملين والمتأثرين بها دون تشريح وتحليل وفهم ودراسة للتباينات والاختلافات بين مختلف الفئات والمناطق والتخصصات والقطاعات، وغير ذلك من مستويات التأثر والتأثير.. من بداهة القول مثلاً أن طبيعة الأعمال والوظائف تختلف في نُدرتها وعمقها الفني ومدى الحاجة إلى استمرار العلاقة التعاقدية لفترات مستمرة مقابل تلك التي لا تتأثر بالاستمرارية الوظيفية.. المحاسب مثلًا موظف يمكن استبداله بلا أثر فادح مقابل أخصائي صناعي في مصنع مطاط أو مهندس تخطيط عمراني يعمل على تطوير مدينة.  بعض الأعمال والوظائف تتطلب زمنًا للتأهيل والتدريب والبناء قبل أن يعود العائد على الاستثمار في الموظف في غضون سنة؛ فإذا بالنظام يمنحه وسيلة للاستفادة منفردًا من استثمار الشركة فيه، فينتقل إلى شركة أخرى يمنحها عائدَ تأهيله وتدريبه بدخل أعلى. والتصوُّر أن المشروع المقترح سيفشل تلقائيًّا؛ إذ إنه سيدفع كيانات القطاع الخاص إما إلى التوقُّف عن التوظيف والتأهيل وربما حتى الخروج من السوق، أو إلى اختراع وسائل غير تقليدية لتحميل الموظفين الوافدين تبعات الانتقال، مثل: التعويض والشروط الجزائية وربما حتى وسائل غير نظامية.

وعلى الجانب الآخر، فإن وجهات نظر أخرى ترى أن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية التي طرحتها الجهات المعنية ستكون مفيدةً رغم السلبيات المذكورة، ولعل من أبرز إيجابياتها ما يلي:

  • أنها ستحدُّ من التستُّر بصورة دراماتيكية؛ فمن يتم استقدامه سيفد بشروط وعقد عمل واضح، وعند جهة معروفة، وعند انتقاله إلى عمل آخر بعد فترة السنة إنْ رغب، فسيكون ذلك بعقد جديد واضح البنود والشروط كذلك؛ بحيث لا يعمل الوافد لحسابه الخاص كما يجري الآن. سيترتب على ذلك بالطبع ارتفاع أجور العمالة الوافدة، لكن ذلك سيحدُّ من التستر عمومًا إذا شعر العامل أن أجره مكافئ للعمل الذي يقوم به.
  • الحد من إغراق السوق بعمالة وافدة لا عمل لها، مما يدفعها لممارسة أعمال خارج نظام الاقتصاد الرسمي مما يُطلق عليه اقتصاد الظل الموازي، وهو اقتصاد هامشي يصعب ضبط مداخيله وضرائبه. القرار الجديد سيحدُّ من نزف العملة الوطنية بطرق غير مشروعة، وسيُمكِّن البنوك والجهات المالية من معرفة أين تذهب العملة الوطنية وعلى ماذا تم إنفاقها.
  • إن المبادرات وتحويلها إلى واقع مُنظَّم ونظامي، وبعد أن يكون ممكنًا تطبيقُه لاكتساب ما يُرجى منه، هو نهج يصبُّ في مصلحة الوطن، ومن ذلك رفع كفاءة الأنظمة وتحديثها باستمرار مواكبةً وتطلُّعًا لمتغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية، إلا إنه وبطبيعة الحال لا بد أن يُؤخَذ في الاعتبار ما قد يمكن قبوله وتطبيقه، وما لا يمكن منه ذلك؛ ولهذا فإن لحداثة أيِّ مشروع اكتملت أركانه التشريعية، من الأنسب اقتصاديًّا على وجه الخصوص أن يُحدَّدَ له فترة زمنية للتطبيق كتجربة يمكن بعدها أن يتم معالجة أو تطوير ما يمكن تحسينه، وصولًا إلى آلية ننشد منها التطوير بما يخدم المصلحة العامة، كما أن مدَّ أمد بَدْء تطبيق أي مشروع حديث يُفترض ألا يقلَّ عن عام يسبق التطبيق، وليس شهرًا أو شهرين كما حدث للنظام العمالي هذا، إضافةً إلى أن من المهم أن يُعمَل بأي مشروع من خلال فترة تُسمَّى الفترة الانتقالية؛ للتأكد من مدى إمكانية التطبيق ومواءمة ذلك على أرض الواقع، بينما ما حدث الآن وأصبح أمرًا واقعًا وحديثًا بعد أن اعتاد صاحب العمل والعامل على نظام مضى عليه قُرابة ستة أو سبعة عقود ويجري تغيير ولو جزء مهم منه في غضون أشهر؛ فذاك مؤدَّاه إضعاف في قوة العمل. فلو نظرنا إلى السلبيات المشار إليها سلفًا؛ لأدركنا أن هناك عقباتٍ ستؤثر على بيئة العمل دون أدنى تفكر أو تفكير، فسوق عمل مضى عليه عقود من الزمن يأتي إصلاحه من خلال تنظيم مختلف تمامًا عن سابقه؛ هذا أمرٌ بالتأكيد لن يكونَ في صالح مسيرة العمل والعمال، وفي المقابل لا شك أن الضوابط الجديدة ستُسهم وتعالج العديدَ من المعضلات والسلبيات التي تنشأ بين وقت وآخر من خلال العلاقة التعاقدية الحالية، إلا أن بعضًا مما أتى به التنظيم الجديد سيكون علاجًا ناجعًا لتلك السلبيات، ولكن بعض أو أغلب ما سيجري عليه التنظيم الجديد سوف يكون مؤدُّاه إضعافًا لقوة العمل.

 

  • خامسًا – مقترحات عملية لتطوير مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية:

إنَّ أيَّ تغيير في النموذج التعاقدي بكل تأكيد له ضحايا، مشابه للفيضان وما يصاحبه من طمي. وطالما أن ذلك يحدُّ من العمالة والتستر بالإضافة إلى ارتقاء حقوق الإنسان ومكافحة الاتجار بالبشر فهما إيجابيان. نظريًّا، فإن ذلك لا يختلف عليه الكثير، ولكن المُقلِق أن يكون هناك ضغطٌ في الوقت من أجل تحقيق إنجازات هي ضرورية، ولكنها تحتاج إلى تروٍّ أكثر. ولا بد أن يتحد القطاعان العام والخاص والمنظمات الأهلية والحقوقية في الغاية. ولا يمكن قبول بطالة تتصاعد وأسواق بلدنا مفتوحة على مصراعيها للعمالة، ولكن بالقانون والأنظمة الذكية والمرنة يتم تقليص العمالة في كل شأن. الشباب السعودي لم يعُد مثل السابق، سيعمل في مختلف الأسواق، ومدرسة الحياة كانت وما زالت كفيلةً بتلك التغييرات.

وفي هذا السياق، فثمة بعض المقترحات التي من شأنها تحقيق الأثر المرجوِّ من مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية على النحو التالي:

  • تأجيل تاريخ تفعيل المبادرة إلى ما بعد تجاوز جائحة كورونا وتحقيق التعافي الاقتصادي، حتى نحافظ على تماسُك المنشآت الصغيرة والمتوسطة في وسط هذه الأزمة لكي نتجاوزها بأقل الأضرار الممكنة.
  • إلغاء نظام التأشيرات والاستقدام بحيث يتحمَّل المتعاقد معه من العمالة الوافدة تكاليف التأشيرة والاستقدام؛ لتخفيف الأضرار المادية الناتجة عن إلغاء نظام الكفالة.
  • التطبيق التدريجي للنظام بحيث يتم تطبيقه في البداية على العمالة ذات التأهيل العالي والخبرات القيمة، ومن ثَمَّ الانتقال إلى بقية أنواع العمالة.
  • منع الشركات الكبرى من استقطاب عمالة المنشآت الصغيرة والمتوسطة مرحليًّا.
  • ربط الإذن بالتعاقد مع موظفين من الخارج بعدم وجود مواطن مؤهل لشغل الوظيفة.
  • أن تكون فترة التعاقد الأولى سنتين وليس سنة واحدة.
  • أن يتحمَّل العامل الوافد ٥٠% من رسوم الإقامة والمقابل المالي.
  • أن يكون التطبيق للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بعد مرور ثلاث سنوات من بداية التطبيق عامة.
  • أن يُمنح صاحب العمل وقتًا لا يزيد عن عشرة أيام حال طلب العامل تأشيرتي الخروج النهائي أو الخروج والعودة؛ للتأكد مما لدى العامل من عُهد وخلافه.
  • ألا ينتقل العامل إلى منشأة ذات نشاط سابقتها إلا بمرور عام على ترك تلك المنشأة.
  • أن يتحمَّل صاحب العمل قيمة بوليصة التأمين للفترة التي قضاها العامل لديه دون زيادة.
  • أن تُطبَّق بنود المبادرة بشكل تدريجي؛ لتخفيف الآثار السلبية المحتملة على أيٍّ من أصحاب المصلحة، وحتى يتم تدارك أي سلبيات قد تحدث عند التطبيق.

وأضاف عددٌ من المتخصصين أن لكلِّ شركة أو مصنع معلومات تنافسية يجب حمايتها؛ فكون العامل اطلع على تلك المعلومات ونقلها إلى الشركة المنافسة فيه ضرر كبير، وكل قوانين العمل وعقود العمل تحمي هذه المعلومات من الإفشاء عن طريق عدم الانتقال لشركة منافسة إلا بعد عدد من السنين.

كما أن الأمر الذي كان منتظرًا ويترقبه الكثيرون في الداخل والخارج هو إلغاء نظام الكفالة بالكامل، وليس مجرد مبادرة مبتورة تفتقر للأثر الإيجابي التنموي الحقيقي. على أرض الواقع، ما زال نظام الكفالة على حاله، وما زال القطاع الخاص يتحمَّل فاتورة الاستقدام والتسجيل ورخص الإقامة والمقابل المالي، وما زال الكفيل مسؤولًا عن مكفوله مسؤوليةً نظامية عما يرتكبه من أخطاء أو مخالفات، وما زال اسم الكفيل مُسجَّلًا في رخصة إقامة الوافد بما يشبه الملكية والتبعية. الحديث عن تحسين الصورة الذهنية في الخارج وما يتعلق بتجارة البشر غير دقيق فيما يتعلق بهذه المبادرة إلا لو ارتبطت بمراجعة كاملة لنظام الكفالة تكون نتاجًا لمشاركة حقيقية متكاملة من كافة الأجهزة ذات العلاقة برؤية موحَّدة ومنهج شامل.. لكن أن تنظر وزارة الداخلية برؤية مختلفة عن وزارة الموارد البشرية؛ فهذا لن يؤديَ في الواقع إلا إلى مزيد من التدهور.

ويرى البعض أنه قد يكون من الأنسب لدينا إلغاء نظام التأشيرات والاستقدام وعمل اتفاقات مع الدول التي تُورِّد لنا العمالة، ومنصة دولية مثل طاقات بحيث يتم طلب التخصصات التي لا يمكن توفيرها محليًّا، وبعد إجازتها من وزارة الموارد حسب المتطلبات التي تقرُّها الوزارة، وبالتالي يتم التعاقد بين صاحب العمل والعامل على المدة والراتب وبقية الأمور.

ومن ناحية أخرى، فإن المطلوب أن يكون الوافد كفيلَ نفسه ومسؤولًا عنها.. علاقته بصاحب العمل تحكمها صيغة العقد سواء كانت شهرًا أو سنة أو عشرين سنة.. والعقد ينصُّ على آلية التخارج وفسخ العقد والأحكام.. لكن وزارة الموارد البشرية تريد قولبة جميع الوظائف والأعمال في قالب واحد، وفرض أنظمة وإجراءات وأحكام موحَّدة. مفتاح الحل توحيد الرؤية بين وزارتي الداخلية والموارد البشرية، فكلتاهما تحملان عقيدتين مختلفتين، بل وربما متضادتين.

فضلًا عن أن المشكلة أن في المبادرة أضرارًا لطرف أصيل في العلاقة التعاقدية، وهو المُلَّاك في المؤسسات الصغيرة ومتناهية الصغر، وحتى الشركات. كما أنَّ ثمةَ اختلافًا في وجهات النظر من قِبل أصحاب المصلحة حيال الموضوع، والسؤال المهم: هل تمت مخاطبة الوزارة بالآثار المترتبة والتي ستترتب على هذا التنظيم الجديد من قِبل أيِّ فعاليات تُمثِّل القطاع الخاص.

ومن الضروري أن تسبق بعض القرارات المهمة والمؤثرة على شريحة واسعة من الأفراد دراسات استباقية تُوكل إلى جهات بحثية متخصصة، وتشمل هذه الدراسات ما يلي:

  • تقييم الوضع الراهن evaluation للعمالة بشكل علمي.
  • توقُّع مآلات القرار وسلبياته وإيجابياته المتوقعة؛ بحيث لا يكون قرارًا مضرًا بالقطاع الخاص أحد روافد الاقتصاد الوطني. (التنبؤ بنتائج القرار ووضعها أمام صانع القرار بكل شفافية وصدق).
  • اقتراح البدائل المناسبة في حال تعثُّر القرار كخطوة لاحقة؛ فالقرارات تتغير إذا ما اتضح أنها غير ذات جدوى أو أنها مُضرة.

وبجانب ما تقدَّم، فإن ثمة حاجةً بنظر البعض إلى:

  • إعداد برنامج جديد لرؤية المملكة ٢٠٣٠ لإحداث الوظائف، مع إعداد ونشر ومتابعة تنفيذ إستراتيجية للعمل على إحداث الوظائف في الاقتصاد الوطني.
  • العمل على تطوير مناخ العمل والاستثمار في المملكة للشركات والمؤسسات الوطنية والأجنبية، بما في ذلك العمل على تخفيض تكاليف أداء الأعمال في المملكة.
  • تطوير إجراءات التعامل مع العاطلين عن العمل عن طريق:
  • تحديث قائمة الباحثين عن عمل ومتابعة توظيف الراغبين منهم، وهي مهمة عالية الأهمية لوزارة القوى البشرية.
  • الربط بين هذه القائمة وطلبات الاستقدام.
  • توضيح متطلبات السعودة في مستندات المناقصات الحكومية.
  • تطوير المجهودات المبعثرة حاليًّا لدعم وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر ورواد الأعمال والمخترعين والمبتكرين، لتُصبح مهمة شبابنا وشاباتنا ليست البحث عن وظيفة، ولكن إحداث وظيفة لأنفسهم وزملائهم.

 

  • سادسًا – التوصيات:
  • تأجيل تطبيق مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية لمدة ٦ أشهر على الأقل، وألا يتم التطبيق إلا بعد صدور اللائحة التنفيذية التي وعدت بها وزارة الموارد البشرية بشهرين على الأقل؛ حتى تتمكن مؤسسات القطاع الخاص من ترتيب أوضاعها.
  • أن تُطبَّق بنود المبادرة بشكل تدريجي؛ لتخفيف الآثار السلبية المحتملة على أيٍّ من أصحاب المصلحة، وحتى يتم تدارك أي سلبيات قد تحدث عند التطبيق.
  • إلغاء نظام التأشيرات والاستقدام بحيث يصبح المتعاقد كفيل نفسه، ويتحمل تكاليف التأشيرة والاستقدام؛ لتخفيف الأضرار المادية الناتجة عن إلغاء نظام الكفالة.
  • التطبيق التدريجي للنظام بحيث يتم تطبيقه في البداية على العمالة ذات التأهيل العالي والخبرات القيمة، ومن ثَمَّ الانتقال إلى بقية أنواع العمالة.
  • مَنْع الشركات الكبرى من استقطاب عمالة المنشآت الصغيرة والمتوسطة مرحليًّا.
  • ربط الإذن بالتعاقد مع موظفين من الخارج بعدم وجود مواطن مؤهل لشغل الوظيفة.
  • أن تكون مدة العقد للعامل المُستقدَم لأول مرة حسب التعاقد بينهما وليس سنة واحدة؛ ليتمكن صاحب العمل من الاستفادة من العامل، والإيفاء بتعهداته ونفقات تكلفة الاستقدام.
  • أن يتحمل العامل الوافد المُتعاقد معه من الداخل ٥٠% من رسوم الإقامة والمقابل المالي، أما فيما يخصُّ أسرته فهذه مسؤولية العامل بالكامل.
  • أن يكون التطبيق على المنشآت الصغيرة والمتوسطة بعد مرور ثلاث سنوات من بداية التطبيق عامة.
  • أن يُمنح صاحب العمل وقتًا لا يقل عن عشرة أيام حيال طلب العامل تأشيرتي الخروج النهائي أو الخروج والعودة؛ للتأكد مما لدى العامل من عُهد وخلافه.
  • ألا ينتقل العامل إلى منشأة منافسة وذات نشاط مماثل إلا بعد مرور عام على ترك تلك المنشأة السابقة.
  • أن يتحمَّل صاحب العمل قيمة التأمين الصحي والمقابل المالي فقط للفترة التي أمضاها العامل لديه دون زيادة.
  • إعداد برنامج ضمن رؤية المملكة ٢٠٣٠ لإعداد إستراتيجية للعمل؛ لخلق الوظائف في الاقتصاد الوطني، وتحسين بيئة العمل للوافد والمواطن، وضمان الحقوق لطرفي العلاقة التعاقدية حسب المعايير الدولية، وإيجاد بيئة استثمار جاذبة للشركات والمؤسسات الوطنية والأجنبية، وتخفيض تكاليف أداء الأعمال في المملكة.

 

  • المشاركون:
  • الورقة الرئيسة والمعقِّبون: د. أمل شيره (ضيفة الملتقى) (*)، د. بسمة التويجري، أ. لاحم الناصر.
  • إدارة الحوار: م. إبراهيم ناظر
  • المشاركون في الحوار والمناقشة:
  • د. خالد الرديعان
  • م. فاضل القرني
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • م. خالد العثمان
  • د. عبد الرحمن باسلم
  • د. فوزية البكر
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. محمد الثقفي
  • د. خالد بن دهيش
  • أ. سليمان العقيلي
  • د. رياض نجم
  • م. أسامة الكردي
  • أ. محمد الدندني
  • أ. منى أبو سليمان
  • د. مساعد المحيا

القضية الثالثة

توجُّه الشباب السعودي نحو المهن غير التقليدية

(21/2/2021م)

 

أولًا: الملخص التنفيذي.

  • ثانيًا: واقع وأهمية مشاركة الشباب السعودي في المهن غير التقليدية.
  • ثالثًا: التحديات التي تواجه الشباب بصدد تحوُّلهم للمهن غير التقليدية.
  • رابعًا: ثنائية البدو والحضر وعلاقتها بالتوجُّه نحو المهن غير التقليدية.
  • خامسًا: سُبل تعزيز مشاركة الشباب السعودي في المهن غير التقليدية.
  • سادسًا: التوصيات.
  • المشاركون.

  

  • أولًا – الملخص التنفيذي:

تناولت هذه القضية توجه الشباب السعودي نحو المهن غير التقليدية، وفي هذا السياق تمَّ التطرق إلى واقع وأهمية مشاركة الشباب السعودي في المهن غير التقليدية بالإشارة إلى أنه خلال السنوات الأخيرة الماضية، بدأ الشباب السعودي في التفكير بطريقة مغايرة لما كان عليه الحال قبل عقود فيما يخصُّ ثقافة العيب المهني بين أفراد الأسرة والمجتمع، وأصبح البعض ينخرط في الأعمال المهنية بعد افتتاح المعاهد والكليات المهنية المتنوعة والالتحاق بركب العلم والتعليم الفني والمهني من المعدات والآلات الكهربائية والهندسية وعلوم التكنولوجيا والاتصالات بأنواعها.

إلا أن ثمة عددًا من التحديات التي تواجه الشباب بصدد تحوُّلهم للمهن غير التقليدية، ومن ذلك أن الجوانب التنظيمية والرؤى المستقبلية لهذه المهن يكتنفها بعض الضبابية وعدم الوضوح، فضلًا عن شُحِّ البيانات والمعلومات والأرقام المتعلقة بالمهن غير التقليدية من حيث الحجم، سواء بالنسبة للممارسين ميدانيًّا أو من خلال المنازل عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى أن التوجُّه السائد والمكثَّف في الحديث عن وظائف المستقبل يُركِّز على المهن ذات الأهمية التقنية العالية بلا شك، مثل: البرمجة، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وتقنية  البلوك تشين، والروبوتات، وهندسة الطاقة البديلة والمتجددة، وغيرها من الوظائف الهامة.

وفيما يتصل بسُبُل تعزيز مشاركة الشباب السعودي في المهن غير التقليدية، وبالنظر إلى أن هذه المهن تُمثِّل شريحةً مهمةً من المهن التي تستغرق جزءًا غير صغير من سوق العمل، وتسهم في استيعاب العاطلين عن العمل؛ فإننا بحاجة إلى توليد أفكار جديدة لهذه المهن، وكذا بناء أنظمة مرنة تُشجِّع هذه المهن، وتُسهِّل فرص الاستفادة منها للمواطنين بكافة شرائحهم. كما أن ثمةَ ضرورة لوضع إستراتيجيات تساعد على حماية هذه المهن التي يشغلها سعوديون من المنافسة غير المتكافئة.

ومن أبرز التوصيات التي تم الانتهاء إليها حول القضية ما يلي: استمرار وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في جهود ترسيخ الثقافة المهنية من خلال: وضع خطط متكاملة لتحفيز الشباب من الجنسين للالتحاق بالمهن غير التقليدية، وتطوير المهن الحالية وتوليد مهن جديدة، وتوفير الضمانات وبرامج التدريب والتعويضات والمزايا. والعمل على أن تقوم وزارات التعليم والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والاقتصاد والتخطيط والهيئة العامة للإحصاء والمؤسسة العامة للتدريب الفني والمهني بتوفير البيانات للباحثين من مراكز الفكر ومراكز البحوث ودعم اتخاذ القرار الحكومية والأهلية والأكاديمية، للمساعدة في قياس مستمر لحجم الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياج سوق العمل، وخصوصًا المهن غير التقليدية؛ للمساعدة على وضع حلول لمعالجتها حاليًّا ومستقبلًا. بجانب قيام وزارة التعليم بالنظر في تفعيل الجانب المهني ضمن وثيقة سياسة التعليم وتعزيزه بالسياسات والإجراءات، والنظر في المبادرات الرافدة كتخصيص مسار معنيٍّ بالمهن في التعليم الثانوي. وأن تقوم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بقيادة الجهود لمراجعة شاملة للسياسات والتنظيمات الحالية التي قد تُؤثِّر في توطين المهن الضرورية وغير التقليدية من خلال حِزم تحفيزية مُوجَّهة، وتعزيز المرونة في الأنظمة، وانخراط ممارسي هذه المهن في تحليل المشكلة وإيجاد الحلول.

 

  • ثانيًا – واقع وأهمية مشاركة الشباب السعودي في المهن غير التقليدية:

إنَّ التغير هو سمة من سمات الحياة البشرية على مرِّ العصور، فهي في تغيُّر مستمر ومتفاوت شكلًا ونوعًا وحجمًا وسرعةً، سواءً في البناء أو الوظيفة الخاصة بالنظم والأنساق والأجهزة الاجتماعية.

ولأنَّ تلك النظُم مترابطة ومتداخلة ومتبادلة التأثير، فإن أيَّ تغيير في أحدٍ منها، لا بد أن يؤدي إلى سلسلة من التغييرات الفرعية في العديد من جوانب الحياة البشرية.

والمملكة العربية السعودية مرَّت بها مراحل تغيير عديدة منذ بداية قيامها كدولة ذات إطار ومقومات وكيان مستقل، مرورًا بالتأثير الفاعل لخُططها التنموية المتتالية التي أحدثت تغييرًا لم يقتصر على الجوانب المادية فقط؛ بل شمل الجوانب الثقافية والمجتمعية بالرغم من بُطء وتيرة ذلك التغيير، وخاصة في الجوانب الثقافية والاجتماعية.

وفي السنوات الأخيرة الماضية حدث تسارُع كبير في جوانب التغيير الثقافي والاجتماعي في المجتمع السعودي، نتج عنه تحوُّلات في الرؤى والممارسة للعديد من مظاهر الحياة التي كانت شبه محرَّمة اجتماعيًّا أو مُهانة مثل بعض المهن التي كان يقتصر إشغالها على غير السعوديين ترفُّعًا وتأنُّفًا.

ومن أهم ما ساعد على ذلك طرح رؤية المملكة 2030، التي جاء في أحد محاورها وهو محور (الاقتصاد المزدهر) التوجُّه التالي:
“تعَدُّ مهارات أبنائنا وقدراتهم من أهم مواردنا وأكثرها قيمةً لدينا، وسنسعى إلى تحقيق الاستفادة القصوى من طاقاتهم من خلال تبنِّي ثقافة الجزاء من جنس العمل، وإتاحة الفرص للجميع، وإكسابهم المهارات اللازمة التي تُمكِّنهم من السعي نحو تحقيق أهدافهم… وسنواصل تشجيع شباب الأعمال على النجاح من خلال سنِّ أنظمة ولوائح أفضل وتمويل أيسر… وسندعم الأسر المنتجة التي أتاحت لها وسائل التواصل الحديثة فرصًا تسويقيةً واسعة.”

إن القرارات التي اتخذتها الدولة في إطار الرؤية  فيما يخصُّ توطين المهن عبر منظومة الحزم المحفِّزة لمساندة منشآت القطاع الخاص في توطين وتدريب وتأهيل السعوديين، كان لها أيضًا دورٌ في التيسير على الشباب من الجنسين لاقتحام سوق العمل المهني سواءً بشكل حُرٍّ منفرد  أو من خلال العمل في المؤسسات والشركات، ومن ضمن تلك المحفِّزات: توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة العمل وصندوق تنمية الموارد البشرية مع جمعية المطاعم والمقاهي (قوت)؛ بهدف تعزيز الاقتصاد الوطني من خلال التعاون والشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يخدم قطاع المقاهي والمطاعم وخلق فرص عمل للسعوديين.

أيضًا، مما ساعد على الزيادة في التوجُّه نحو العمل المهني، صعوبة الظروف الاقتصادية وقلة الشواغر من الوظائف الحكومية، إلى جانب الدخول العالية والمجزية التي شجَّعت الشباب على المُضي نحو العمل المهني بإقبال كبير بعد أن كانوا بأعداد محدودة وعلى استحياء.

أصبحنا الآن نرى الشباب الذي يعمل في المقاهي والمطاعم، سواءً كان محترفًا في صُنع القهوة أو ما يُسمَّى (الباريستا) أو شيفًا يطبخ ألذَّ المأكولات  أو مضيفًا أو مضيفة hostess، كما أن هناك شبابًا يعملون في البيع وشبابًا يعملون في توصيل الطلبات أو توصيل الناس من خلال التوظُّف في شركات مثل (أوبر  أو كريم)، وشبابًا يقفون  على ناصية الطريق في السيارات المتنقلة الـ (food truck) ليبيعوا الأطعمة الخفيفة والمشروبات، وغيرها من المهن العديدة والجديدة على شبابنا السعودي، والتي كانوا بعيدين عنها لسنوات طويلة بسبب العادات والتقاليد والنظرة الدونية لتلك الوظائف، على الرغم من أن العمل اليدوي المهني كان من صميم ثقافة المجتمع السعودي قبل التحوُّل للوظائف المكتبية في عقود ما بعد النفط، حيث كانت العديد من العائلات تمتهن مهنًا معينة عُرِفت بها سواءً في المجال الزراعي أو الصناعي أو التجاري، وحتى بالنسبة للمرأة فقد كانت في فترات ما قبل الوظائف المكتبية للرجال، تعمل ضمن المنظومة الاقتصادية المتكاملة للأسرة وللمجتمع في الرعي والزراعة والتجارة.

والمؤكَّد أن تنمية الشباب وتطوير قدراتهم ومهاراتهم المختلفة سبيل لتحقيق الأهداف التنموية والمشاركة في تنمية المجتمع تنمية شاملة، وفي هذا السياق شكَّلت رؤية 2030 خطوةً نوعيةً وتوجُّهًا إيجابيًّا نحو التركيز على فئة الشباب لإطلاق ما يملكه من قدرات ومهارات فاعلة، وتوظيفها في عمليات البناء والتغيير والنهوض والتطور؛ بهدف تحقيق رؤية 2030 التي بدأ العالم يشهد ملامحها واضحةً جليةً على أرض الواقع.

كما أن التركيز على دور الشباب المحوري في التنمية الوطنية المستدامة بكافة أبعادها يعني في مجمله رفع حسِّ المسؤولية والانضباط لدى الشباب، وتعزيز قيم التعاون والتعاضد بين أفراد المجتمع خصوصًا الشباب.

والأهم من ذلك إعادة بناء ذاكرة جيل الشباب بما يُؤكِّد التواصل الثقافي والحضاري ومعرفة حقائق التاريخ والجغرافيا، إلى جانب تعزيز المواطنة لديهم وتعميق روح الانتماء لقضايا الوطن واحتياجاته. وستُحقِّق الزيادة في أعداد العاملين من فئة الشباب لاقتصاد المملكة فرصةً جديدةً لتحقيق “عائد ديموغرافي”، وهي إمكانات النمو الاقتصادي التي تنتج عن التحوُّل في التركيبة العمرية للسكان.

ولا يخفى علينا أنه مع وجود عدد من الخريجين الجامعيين إما عاطلين عن العمل أو يعملون في مهن أخرى لا علاقة لها بدراستهم ولا تحتاج حتى إلى شهادة جامعية، أصبحت جملة “الطريق الأقصر للحصول على وظيفة بأجر عالٍ تضمن العيش الكريم هو الدراسة الجامعية” غير واقعية! وأصبحت الوظائف اليوم تعتمد على المهارات بشكل كبير.

يبحث كثير من أرباب العمل عن المهارة والخبرة بدلًا من التركيز على الشهادة الجامعية، وفي حال لم يكن الشاب شغوفًا بالتعليم، أو لم يتمكَّن من إتمامه لأسباب قاهرة، فلديه فرصة للعمل في وظيفة بدخل مرتفع، تُحقِّق الاستقرار المادي الذي يسعى إليه.
ورغم أن وظائف المستقبل تُمثّل مصدرَ قلق بالنسبة إلى كثيرين، مع تتالي صدور دراسات عدة تُحدِّد نوعَ الوظائف التي ستندثر، وتلك التي ستزدهر. وأوردت تلك الدراسات مجموعةً من الوظائف التي لا تحتاج إلى شهادات جامعية، ولكنها ستكون ذات دخلٍ عال، فمثلًا سيرتفع الطلب على تركيب وفك وصيانة المعدات والآلات الصناعية، وسيصبح ميكانيكيو هذه الآلات من أهم العاملين، وسيتلقَّون أجورًا عالية، وهي مهنة مطلوبة في كثير من الدول، وبالتالي تفتح آفاق الانتقال من بلد إلى آخر دون صعوبات كبيرة مثل التخصصات العلمية التي تحتاج إلى إجراءات كثيرة ومعادلة الشهادات بين الدولة الأم والدولة المضيفة وتعلُّم لغة التخصص في البلد الذي سينتقل إليه.

ولا تختلف أهمية المهن الفنية واليدوية الأساسية بين بلد وآخر، فهي مطلوبة بالدرجة نفسها، وتصبح أكثر قيمةً في الدول التي يتجه شبابها إلى التعليم أكثر من أي اختصاص آخر، كما هو الحال في الخليج العربي والدول الأوروبية المتقدمة.

إنَّ المهن العلمية واليدوية تسيران بالتوازي، لا تلغي إحداهما الأخرى، وتحتاجان إلى مَن يتقنهما، وبعضها لم تتمكن الأزمات من التقليل من أهميته حتى في أزمة كورونا، السباكة على سبيل المثال أو القانون من المهن الضرورية، لم تتعطل أيٌّ منها بشكل كبير. أثرت بعض التطبيقات مثل أوبر وكريم وغيرها على سياقة سيارات الأجرة التقليدية، وأغلقت الحجوزات عبر التطبيقات مثل بوكينج وغيرها العديد من وكالات السفر، كما أثرت وسائل التواصل الاجتماعي على عائدات الإعلانات في بعض المؤسسات الإعلامية، بينما لم تتخذ أيُّ شركة قرارًا أو تدخل في عملية استحواذ أو شراء مبنى أو نقل مقرها الرئيسي أو إقالة رئيسها التنفيذي دون الحصول على مشورة قانونية.

وكما هو الحال مع المحامين، تظلُّ مهنة السباكة أو الدهان خاليةً من التعطيل. السباكة أو الدهان لا تزال مهنة يدوية تتطلب مهارة؛ لم نسمع حتى الآن عن تكنولوجيا يمكنها إصلاح الأنابيب عن بُعد، أو عن سباك بسعر ثابت.

كذلك مهن “الشيف” و”الباريستا” و”منسقي الحفلات” وغيرها، هي مهن تعتمد على الذائقة الشخصية والإبداع والابتكار في هذا المجال.

في الولايات المتحدة الأمريكية تحتل مهنة السباكة المرتبة الثانية ضمن أفضل مهن المقاولات، والمرتبة الخامسة كأفضل مهنة بدون تعليم، وكذلك المرتبة التاسعة كأفضل دخل لوظيفة بدون درجة علمية، وتحتل المرتبة 59 ضمن أفضل 100 مهنة بشكل عام، وبمعدل أجور يتجاوز 4000 دولار شهريًّا في دول الخليج العربي وكذلك هو الحال في معظم الدول المتقدمة.

لقد كانت “ثقافة العيب” من العمل المهني حاجزًا أمام العديد من الشباب، وحالت لسنوات دون انخراطهم في الأعمال المهنية المختلفة، حيث لا يتقبَّل عددٌ كبير من الشباب بسهولة الانخراط في المهن الحرفية المختلفة، خصوصًا في الطبقات الوسطى، فأسرهم تعتبر التعليم مسألة أساسية لا نقاش فيها، وهي الضمان الوحيد للمستقبل، وانعكست رؤية الأهل للمهن التي لا تحتاج إلى تعليم على أبنائهم، إذ يُفضِّلون بشكل عام المهن المريحة التي لا تحتاج إلى جهد بدني كبير وما زالوا يتشبثون بنظرة محدودة، ويقللون من أهمية بعض الحرف والمهن باعتبارها لا تليق بالشباب السعودي.

ومع ارتفاع مستوى الوعي والمعرفة في أوساط المجتمع، وكذلك مع التوجُّه الحكومي الحالي نحو توطين مختلف المهن، بدأت نظرة المجتمع القاصرة تتغير، كما استطاع الكثير من الشباب والفتيات وضع هذه الثقافة وراء ظهورهم، وانطلقوا يشقون طريقهم في العمل في مختلف مجالات المهن التي تتطلب الأيدي الماهرة في مختلف مناحي الحياة.

وخلال السنوات الأخيرة الماضية، بدأ الشباب في التفكير بأَخْذ أسباب الحياة العصرية في تغيير نغمة الكلام السائدة قبل عقود في ثقافة العيب المهني بين أفراد الأسرة والمجتمع، وأصبح البعض ينخرط في الأعمال المهنية بعد افتتاح المعاهد والكليات المهنية المتنوعة والالتحاق بركب العلم والتعليم الفني والمهني من المعدات والآلات الكهربائية والهندسية وعلوم التكنولوجيا والاتصالات بأنواعها.

ولقد أصبح سهلًا أيضا احتراف الشباب لمجال الطبخ والمطاعم وتصميم الأزياء، ومن الأمور المهمة أن الإصلاحات والدعم الحكومي شجَّعا الشباب السعودي على احتراف الطهي من خلال الهيئات التي نظَّمت كثيرًا من القطاعات مثل هيئة الطبخ والأزياء وغيرها من الهيئات؛ فالسعودي أصبح يطبخ ويُقدِّم الطعام، وفي السنوات المقبلة سنرى الشباب أكثر إقبالًا على الطبخ، في ظل القوانين الجديدة والدعم الذي خصصته الدولة لتشجيع الفتيات والشباب على التخصُّص في هذه المهنة.

وفي تقرير لـ «المرصد الوطني للقوى العاملة» حول المهن الـ 15 الأكثر طلبًا في وظائف السعوديين، وكذلك المهن الأعلى رواتب والتي لا تحتاج إلى شهادات جامعية خلال النصف الأول من العام الجاري 2020، وحسب التقرير فقد وصل أعلى راتب لوظيفة بدون شهادة جامعية إلى 29 ألف ريال، فيما كان أدنى راتب 5050 ريالًا. وتركزت الوظائف وفق الأكثر طلبًا في وظائف السعوديين على الوظائف المكتبية والمحاسبية، كما جاء التقرير خاليًا من أي إشارة إلى الوظائف المهنية والحرفية مثل (الميكانيكا – الإلكترونيات – الكهرباء الصناعة – النجارة – السباكة – فنون الطبخ – الخياطة – تقنية البناء)، وغيرها من المهن التي تُعَدُّ بحكم الأعمال المهنية الحرجة التي تتطلب المسارعة في عمليات التوطين.

 

  • ثالثًا – التحديات التي تواجه الشباب بصدد تحوُّلهم للمهن غير التقليدية:

إنَّ المهن الجديدة التي بدأ الشباب بالتوجُّه لها يمكن تصنيفها إلى عدة مجموعات؛ فهناك المهن الجديدة التي كان يرفضها المجتمع، وهناك المهن الجديدة والحديثة على المجتمع وربما أجزاء كثيرة من العالم. أما الأخيرة فكثير منها مرتبط بالتطوُّر العلمي والتكنولوجي، وكان للابتعاث في المرحلة الحالية والسابقة أثرٌ كبير على التوجُّه له في مجتمعنا. وأما الصنف الأول فيمكن تصنيفه إلى مهن يرفضها المجتمع من باب الدونية، ومهن يرفضها المجتمع من باب أيديولوجي حتى وإن كان مبنيًّا على فَهْم خاطئ. بالنسبة للرفض المبني على الدونية فكثير من المهن مثل البيع في المحلات أو المطاعم، وكثير منَّا يتذكر صورة معالي الدكتور غازي القصيبي – رحمه الله – عندما لبس لباس العاملين في (ماكدونالدز) وشاركهم العمل إشارة إلى احترام مثل هذه المهن، وقد استنزفتنا هذه المهن بسبب جلب العمالة الخارجية لها في العصر السابق، وإنْ كانت السعودة لم تتم كما ينبغي بعدُ في كثير منها. أما الصنف الثاني فكثير منها مهن ترتبط بالفن على جميع أشكاله، سواء كانت فنًّا تشكيليًّا أو بصريًّا أو تطبيقيًّا وغيره، وقد حُرمنا هذا التوجه بمنع جميع الفنون إلا الشيء اليسير من كثير من الإبداع والتعبير عن المشاعر ورقيها فترة طويلة من الزمن، مع أنه يمكن توجيه الفن توجيهًا يخدمنا كمسلمين مع عدم الخروج عن الحدود المشروعة إذا أردنا ذلك.

وعلى الرغم من إقبال شبابنا على العديد من المهن غير التقليدية إلًا أن هناك بعض التحديات والعقبات التي يجب أن تُطرح على مستوى مؤسسات الدولة التنظيمية ومنظمات المجتمع المدني والمراكز والملتقيات الفكرية، لوضع الحلول الملائمة لها، منها:

  • أن الجوانب التنظيمية والرؤى المستقبلية لهذه المهن يكتنفها بعض الضبابية وعدم الوضوح.
  • شُحُّ البيانات والمعلومات والأرقام المتعلقة بالمهن غير التقليدية من حيث الحجم، سواء بالنسبة للممارسين ميدانيًّا أو من خلال المنازل عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.
  • التوجُّه السائد والمكثَّف في الحديث عن وظائف المستقبل يركز على المهن ذات الأهمية التقنية العالية بلا شك، مثل: البرمجة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتقنية البلوك تشين والروبوتات وهندسة الطاقة البديلة والمتجددة وغيرها من الوظائف المهمة، ونادرًا ما نجد الإشارة لأمثلة مهن يمارسها قطاع غير قليل من الشباب، (مثل: الباريستا أو الشيف أو المضيف أو البائع) في الحديث عن وظائف المستقبل مع أنها ذات أهمية.
  • على مستوى التأسيس التربوي المهني، تتسم مناهجنا التربوية بالضعف في ترسيخ الجوانب التطبيقية التأهيلية التي تُجسِّد الجمع بين الجوانب النظرية والعملية في تعليم المهن المطلوبة والتأهيل لها.
  • ومن التحديات كذلك إقناع الشباب بتطوير مهاراتهم وتحويل هذه الوظائف إلى مهن مستقبلية لهم، ومع تطوُّر مهاراتهم يمكن أن تكون حافزًا لهم للبدء بأعمالهم الخاصة بعد الحصول على المهارات والخبرات المطلوبة. ومن الممكن تخصيص دعم حكومي من خلال هدف أو أي جهة أخرى تسهم في دفع مبلغ دعم شهري لرفع الأجور، لتكون هذه الوظائف جاذبةً للشباب، وليس دفع نصف المرتب كما هو معمول به الآن. والواقع أنه مع تغيُّر الوقت والسوق والوظائف والمهن، كل شيء يتغير والشباب سيقبلون بلا شك، ولكن التحدي هو جعلهم محترفين وممارسين مستمرين في هذه المهن. فمع أن أعدادًا متزايدةً من السعوديين أصبحت تقبل بالمهن غير التقليدية، لكن ما زال أمامهم مزيد من الوقت لإتقان هذه الوظائف بنفس السرعة والجودة والكفاءة التي يُقدِّمها العامل الأجنبي نتيجة خبرته الطويلة في هذا المجال، ويحتاجون للإدارة التي تدعمهم وتوفِّر لهم الأمانَ الوظيفي والتدريب المستمر على رأس العمل، وتُقدِّم المرتبات العادلة. إلى جانب ضرورة اقتناعهم بأنه في البدايات ليس مهمًّا أن يكون المرتب مناسبًا للشهادة بقدر ما تكون بيئة العمل مناسبة لهم ومُطوِّرة لقدراتهم، وحين يثبت نجاحهم سيحصلون على مكافآت إما في تغيير الوظيفة أو الراتب؛ لكن هذا يحتاج من الموظفين السعوديين بذل مزيد من الجهد لتطوير مهاراتهم وقدراتهم وكيفية التعامل مع الزبائن وجذبهم بدلًا من تنفيرهم.
  • أيضًا، فمع أن هناك – مقارنة بالسابق – إقبالًا على ما يُصنَّف بالمهن غير التقليدية بسبب مستويات البطالة من جهة، والوضع الاقتصادي الضاغط على البعض من جهة أخرى، وخاصة الخريجين الجُدد والذين جاءوا من الابتعاث في الخارج وجميعهم تقريبًا يُجيدون الإنجليزية وفن التعامل، عدا أنهم بحاجة إلى القليل من التدريب. إلا أنه يوجد عددٌ من الصعوبات التي تواجههم في هذا الإطار، يمكن إجمالها فيما يلي:
  • غياب الأمان الوظيفي، وهذا مقلق للشاب والفتاة؛ ولذلك نجدهم ينخرطون في هذه المهن كعمل موقت ريثما يجدون فرصًا، وغالبًا في وظائف حكومية ربما كان مردودها المادي ضئيلًا، لكن يتوفَّر فيها أمان وظيفي.
  • عدم استقرار السوق لا سيما في ظل جائحة كورونا؛ حيث إنَّ عددًا كبيرًا من المقاهي مثلًا أغلقت أبوابها في الشهور الأخيرة، وهي التي دفع فيها بعض الشباب مدخراتهم ومدخرات أسرهم، ولم يستطيعوا الاستمرار ودفع الإيجارات ونفقات التشغيل.
  • شروط فتح المحلات والأنشطة الجديدة تبقى مزعجة للكثيرين بسبب تعدُّد الجهات التي يتعيَّن التعامل معها (البلدية، وزارة التجارة، الدفاع المدني… إلخ)، إضافةً للرسوم المطلوبة.
  • استمرار الاستقدام لمهن يجيدها السعودي، لكن الوافد يقبلها بأجر منخفض لا يناسب السعودي؛ فهذا العامل في حد ذاته قاتل للسعوديين ويجعلهم ينفرون من السوق.
  • لا بد من وضع حد أدنى للأجور لمَن يعملون بنظام الساعة (في الولايات المتحدة ٧ دولارات للساعة، وبايدن وعَد برفعها إلى ١٥ دولارًا). نُريد شيئًا كهذا، وخاصة للطلبة والطالبات الذين يعملون بدوام جزئي؛ بحيث تكون الأمور واضحةً لمَن ينخرطون في هذه المهن حتى لو كان عملهم مؤقتًا.

 

  • رابعًا – ثنائية البدو والحضر وعلاقتها بالتوجُّه نحو المهن غير التقليدية:

من منظور خلدوني؛ فإن العرب كانوا ينقسمون إلى فئتين: بدو وحضر، ولكلٍّ منهما مناشط اقتصادية خاصة به ترتبط بإيكولوجية المكان وموارده المتاحة في الغالب.

أنشطة الحضر sedentary ترتبط بالاستقرار المكاني كالزراعة والتجارة والحرف اليدوية وبيع الخدمات، بينما مارس البدو nomads مهنًا تتطلب الحركة والتنقُّل وعدم الاستقرار المكاني كالرعي والصيد والغزو.

وتقول الفرضية إن البدو احتقروا كثيرًا مهن الحضر بما فيها الزراعة، ليس لذاتها، فهم بحاجة مستمرة للحبوب والتمور؛ ولكن لأنَّ مهن الحضر تتطلب الاستقرار المكاني، وهو ما رآه البدو معوقًا كبيرًا وخروجًا على البناء الاجتماعي للجماعات البدوية، وبالتالي فقد عاقب البدو مَن مارس “مهن الحضر” كالزراعة والصناعة بعقوبات قاسية كالهجر، وربما النبذ الاجتماعي outcasting  والذي يعني عدم الزواج ممَّن يُقرِّر الانشقاق على نظام تقسيم العمل. بعض مَن تمَّ نبذهم نزحوا للقرى والبلدات لممارسة مهنهم.

هذا الموقف المتطرف من المهن له علاقة بتماسُك الجماعة وبقائها؛ فأنْ يُقرِّر بعض أفراد من البدو ممارسة الزراعة على سبيل المثال، فإنهم بذلك سيتوقفون عن الترحال، وسيُشكِّلون خروجًا على نواميس المجتمع البدوي الذي لا يعرف إلا التنقُّل خلف الماء والكلأ، إضافةً إلى مفهوم البدوي لملكية الأرض؛ فهي في عُرفه “مُشاعة” وليست ملكية فردية بحيث يتم استغلالها في الزراعة. وإضافةً إلى ما سبق، فإن البدو لديهم تقسيم آخر للعمل يقوم على أساس نوع الحيوان الذي يقومون بتربيته.

يشير خازانوف (1994) – وهو أنثروبولوجي روسي- إلى أن تقسيم العمل عند البدو صارم؛ فهم على سبيل المثال لا يجمعون بين تربية الجِمال وتربية الغنم إلا ما ندر، بحكم أن لكلٍّ من الحيوانين متطلبات إيكولوجية تختلف عن الآخر؛ فالجمل لا يمكن وضعه في حظائر كالغنم، وهو ما يعني صعوبة أن يستقر أهل الإبل في مكان واحد كما يفعل “الغنَّامة” الذين يشبهون الحضر في بعض الأوجه كاستقرارهم بجوار الجماعات الحضرية بداعي سقيا أغنامهم وبيع منتجاتهم البروتينية، ولكون الحضر يتعاملون مع الغنَّامة بصورة أكبر مما يفعلون مع “الأبالة” أرستقراطيو البدو الذين يميلون للتنقُّل وتغير المراعي ويعشقون الحرية.

ومع ذلك، فالبدو لا تعدمهم الحيلة، بل إن لديهم مرونةً عاليةً في مواجهة مشكلات نُدرة الطعام أثناء سنوات الجفاف؛ فبعض القبائل الكبيرة تنقسم طوعًا كنوع من الإستراتيجية الاقتصادية؛ فتلجأ إحدى البطون إلى تربية الأغنام والاستقرار المكاني، في حين تمارس بطون أخرى رعي الإبل والعناية بها والاستمرار في التجول. هذا وجدناه عند قبيلة شمالية درسها الويس موزيل (١٩٢٨) وويليام لانكاستر (١٩٨١)؛ فمعظم بطون هذه القبيلة استمروا أبالة (أهل إبل)، في حين أن إحدى البطون أصبحوا غنَّامة (أهل غنم) وشبه مستقرين، بل وأصبحوا مزارعين في نهاية الأمر. وكان يجري بين البطن المستقرة والمتنقلين علاقات تبادلية مفيدة دون أن تستنقص أو تزدري إحداهما الأخرى.

هذا التأطير هو فقط للتدليل على أن النشاط الاقتصادي لأي مجموعة يخضع لمعايير اجتماعية وثقافية؛ لأنه يرتبط أيضًا بالبناء الاجتماعي للمجموعة، فيتم نبذ بعض المهن والإعلاء من مهن أخرى، وهكذا حسب ما تمليه شروط البقاء والتماسُك الاجتماعي.

والتساؤل المهم في هذا الإطار: هل تنطبق ثنائية بدو- حضر على السعوديين اليوم؟ بالطبع لا، فنحن نعيش في زمن مختلف؛ فقد تغيَّر نمط الإنتاج ووسائله، وأصبحت المهن لا تخضع لمعايير الاستقرار المكاني والتنقُّل، بل إنها تخضع لفكرة “المجتمع العضوي” متعدد الأنشطة الذي يشيع فيه تقسيم العمل والتخصُّص الشديد، وهو ما يحكمه السوق والاستهلاك ومتطلبات العمل، لا المعايير الثقافية التي سادت لعقود.

هل تغيَّرت الثقافة الاجتماعية لكي تتماهى مع كل ذلك؟ واقعًا، نعم، حدث تحوُّل لكنه بطيء؛ لكون الثقافة لا تتغير بذات السرعة التي يتغير فيها الاقتصاد والحياة المادية، إذ لا يزال هناك “هوَّة ثقافية” نحن بحاجة إلى ردمها، لتمكين المجتمع من إتمام عملية التغير الاجتماعي الشامل. وليس بخافٍ أن الأزمات الاقتصادية والخُطط التنموية تساهم في خلخلة الثقافة ومساءلة مسلماتها العتيدة، وما إذا كانت تُحقِّق للأفراد ما يصبون إليه من حياة كريمة دون أن يتعرضوا للنبذ أو الهجر من فئات أخرى، ترى ما يقومون به مُهدِّدًا للبناء الاجتماعي وتماسك المجتمع. ولا يخفى على المتابع أن مجتمعنا يمرُّ بتحوُّلات انعكس معظمها على أنماط التفكير السائدة؛ فما كان مرفوضًا بالأمس أصبح مقبولًا اليوم، والمهن التي كان يتم ازدراؤها واحتقارها أصبحت مقبولةً اليوم، وإن لم يكن قبولًا تامًّا؛ إذ لا يزال للثقافة تأثيرٌ بدليل وجود عمالة وافدة تقوم بالكثير من المهن التي قد يترفَّع البعض عنها، وهو ترفُّع غير مُبرَّر عندما نُمعن النظر في المجتمعات المجاورة لنا، والتي تختفي أو تخف لديها وبدرجة كبيرة عملية ربط المهن بالثقافة، بدلًا من ربطها بالحاجة ودواعي الاقتصاد وتقسيم العمل والتخصص.

والواقع أن مجتمعنا يمرُّ بحالة مخاض يصعب الحكم على نتائجها قبل أن تكتمل، وهو ما نتوقعه مع رؤية ٢٠٣٠م.

 

  • خامسًا – سُبُل تعزيز مشاركة الشباب السعودي في المهن غير التقليدية:

مؤخرًا، اعتمدت وزارة التعليم السعودية مشروع “تطوير مسارات الثانوية العامة والأكاديميات المتخصصة”، الذي بدأ تطبيقه اعتبارًا من العام الدراسي الحالي ضمن خطة تحسين مخرجات التعليم الأساسية، وتوفير معارف نوعية للمتميزين، وضمان المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وزيادة معدلات التوظيف، كما يلبي المشروع احتياجات التنمية الوطنية المستقبلية، ومهارات القرن الحادي والعشرين والثورة الصناعية الرابعة، وتمكين الطلاب من الالتحاق بسوق العمل؛ من خلال برامج تجسير مهنية وتدريس الطلاب مناهج مع مقررات خاصة في تنمية المهارات.

كما حاولت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية القيام بعدة أمور لترسيخ مفهوم الثقافة المهنية في ظلِّ الحياة المعاصرة المعقدة، حيث دعت الحاجة إلى إيجاد برنامج توجيهي يُثري ثقافة العامل وربِّ العمل، ويُعزِّز مفهوم العمل لديهم، وتكوين ثقافة مهنية متنوعة باتجاه إيجابي تساعدهم على التعامل مع المشكلات المهنية الطارئة دون الحاجة إلى مختص، وتغيير المفاهيم السلبية لديهم.

وتهدف الثقافة إلى توعية المجتمع المهني والمساهمة في حلِّ المشكلات المهنية، وغرس مفهوم حُبِّ المهنة والتشجيع على العمل، وإكساب مهارات إضافية مختلفة، وتغيير المفاهيم السلبية والقناعات والنظرة الدونية لمهن شريحة واسعة من المجتمع، وتثقيف العامل لنفسه من خلال معرفة حقوقه وواجباته، ونَشْر أخلاقيات العمل بين العاملين وإعانتهم على المحافظة على وظائفهم وتنميتها، وتعريف طالبي العمل بكيفية الحصول على الوظيفة المناسبة، وإثراء ثقافة المجتمع المهنية بالأنماط العديدة من المهن التي لا تحتاج إلى مختص، والاستفادة من الوضع الاقتصادي الجيد في المملكة والقدرة الاستيعابية لسوق العمل، وتأهيل الشاب السعودي لدعم بناء المجتمع وتنميته، وإحلاله بديلًا للعمالة الوافدة في مختلف أنواع المهن.

واهتمت الوزارة بمشروع التكامل مع وزارة التعليم، والذي يهدف إلى تعزيز وتنمية الاقتصاد الوطني من خلال توفير فرص عمل للشباب السعودي، وزيادة التناغم والتكامل بين مخرجات التعليم ومخرجات التدريب التقني والمهني، ورفع مستوى الوعي المهني، ونَشْر ثقافة التدريب التقني والمهني في أوساط المجتمع، وتطوير العمل المشترك بين التعليم العام والتقني من خلال مجموعة من المبادرات التطويرية المختلفة مثل المرونة في المسارات التعليمية، والتوجيه المهني وتعزيز الصورة الذهنية الإيجابية للتدريب التقني والمهني، وتطبيق مجموعة من الدورات القصيرة لطلاب الثانويات من خلال تفعيل برامج التدريب الإلكتروني وتحقيق متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة في البرامج التدريبية والفرص الوظيفية.

لذا لا بد من دراسة جميع العناصر الكمية للعرض والطلب الحاليين لمخرجات التعليم العالي ومواءمتها مـع احتياجات سـوق العمل لجميع القطاعات، مـن خلال مسح شامل على مستوى المملكة. أيضًا، تصميم منصة إلكترونية؛ لترجمة مدخلات القطاعات المختلفة إلى نموذج يمكن من خلاله قياس الفجوات بين مخرجات التعليم وسوق العمل. وأخيرًا، إعداد نموذج تنبؤي يساعد على وضع توقعـات من خلال تحليل سيناريوهات مختلفة.

وبالنظر إلى أن المهن غير التقليدية تُمثِّل شريحةً مهمةً من المهن التي تستغرق جزءًا غيرَ صغير من سوق العمل، وتسهم في استيعاب العاطلين عن العمل؛ فالتصور أننا بحاجة إلى ما يلي:

  • توليد أفكار جديدة لهذه المهن، فنحن مجتمع كبير، ونامٍ ومتعدد ومتطور ومتميز الاحتياجات. وتوليد أفكار المهن يشمل إنشاء مهن جديدة كليًّا، ويشمل أيضًا تطوير المهن القائمة الآن بما يتوافق مع الاحتياجات المستجدة والتطورات التقنية.
  • بناء أنظمة مرنة تُشجِّع هذه المهن، وتُسهِّل فرص الاستفادة منها للمواطنين بكافة شرائحهم. يجب التواصل مع أصحاب المشروعات الجديدة والمهن غير التقليدية والسماع منهم عن الصعوبات التي واجهتهم، ليتم تذليلها. وجود أنظمة مرنة تتوافق مع طبيعة المهن غير التقليدية ضروريٌّ لإيجاد بيئة حاضنة لهذه المهن، تُسهِّل على المواطنين الاستفادة منها.
  • وضع إستراتيجيات تساعد على حماية هذه المهن التي يشغلها سعوديون من المنافسة غير المتكافئة.
  • من الأهمية أن يكون هناك خططٌ واضحةُ المعالم لمستقبل المهن غير التقليدية التي توجَّه لها عددٌ غير قليل من الشباب والشابات في مجتمعنا السعودي.
  • أهمية اقتران وثيقة سياسة التعليم فيما يخصُّ العمل المهني التي تمَّ إقرارها مؤخرًا بالجوانب والإجراءات التطبيقية العملية، وليس فقط الاكتفاء بالجانب النظري.
  • يمكن الأخذ بالتجربة الألمانية في استحداث مسار تعليمي ثالث في المرحلة الثانوية خاص بإعداد الطلاب والطالبات مهنيًّا لسوق العمل بحسب ميولهم ومهاراتهم.
  • ثمة حاجة إلى نقابات أو كيانات مهنية متخصصة تهتمُّ بشؤون المهن غير التقليدية ذات الإقبال العريض من الشباب والشابات، وتسهم في كل ما يعمل على تطوير المهنة ومعالجة كل صعوباتها وقضاياها.
  • تحتاج الشركات (الصغيرة والمتوسطة) المُطالَبة بتوظيف سعوديين لدعم من الحكومة يُغطي فرق المرتبات بين السعوديين والأجانب لنفس الوظائف، ومراعاة التدرُّج في توطين تلك المهن حتى لا تتفاقم خسائرها قبل توفُّر البديل الكفؤ لشغل هذه الوظائف، مع النظر بعين الرأفة للشركات الناشئة بتسهيل كافة الإجراءات لها، وتجنُّب مساواة المبالغ المالية المستقطَعة للمخالفات البلدية التي لا ترتبط بالنظافة والصحة العامة (كوَضْع اللوحة أو الاسم الأجنبي وغيرها) بنفس المبالغ لذات المخالفة للشركات الكبيرة، أو الاكتفاء بملاحظات إلكترونية قد تمنع هذه الشركات من إصدار أو تجديد مستندات تخصُّها مستقبلًا حال تكرار المخالفة، وعندها تستحق دفع المبالغ المستحقة عليها. كما أن أصحاب هذه المهن غير التقليدية يحتاجون لدعم في كافة وسائل التواصل بدعم من وزارة الثقافة إذا ثبت نجاحهم وتميُّزهم كنموذج شبابي وطني ناجح يُشجِّع الغير للاتجاه لهذه المهن.
  • تبرز مشكلة تنظيم المهن غير التقليدية ووضع حد أدنى للأجور فيها، وضم العاملين فيها إلى التأمينات الاجتماعية، وتوفير التأمين الصحي لهم، وإتاحة فرص التدريب والتقدم الوظيفي، وإذا قمنا بحل هذه المشكلة فلن تعود هذه الوظائف غير تقليدية؛ بل تُصبح اعتياديةً ومرغوبةً وتُقدِّم حلولاً متعددة لمشكلة البطالة، وتزيد من فرص القطاع الخاص في النهوض بواجبه الوطني والقيام بمسؤوليته الاجتماعية من خلال الاستفادة من إمكانيات وقدرات الشباب السعودي حتى لو كانت رواتبهم وامتيازاتهم أعلى من رواتب العاملين الأجانب.

 

  • سادسًا – التوصيات:
  • استمرار وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في جهود ترسيخ الثقافة المهنية من خلال:
  • وضع خطط متكاملة لتحفيز الشباب من الجنسين للالتحاق بالمهن غير التقليدية.
  • تطوير المهن الحالية وتوليد مهن جديدة.
  • توفير الضمانات وبرامج التدريب والتعويضات والمزايا.
  • النظر في السماح بنقابات مهنية؛ للمساهمة في تذليل العوائق، وتسريع وتيرة تجسير الفجوة العمالية.
  • أن تقوم وزارات التعليم والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والاقتصاد والتخطيط والهيئة العامة للإحصاء والمؤسسة العامة للتدريب الفني والمهني بتوفير البيانات للباحثين من مراكز الفكر ومراكز البحوث ودعم اتخاذ القرار الحكومية والأهلية والأكاديمية، للمساعدة في القياس المستمر لحجم الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياج سوق العمل، وخصوصًا المهن غير التقليدية؛ للمساعدة على وضع حلول لمعالجتها حاليًّا ومستقبلًا.
  • قيام وزارة التعليم بالنظر في تفعيل الجانب المهني ضمن وثيقة سياسة التعليم وتعزيزه بالسياسات والإجراءات، والنظر في المبادرات الرافدة كتخصيص مسار معنيٍّ بالمهن في التعليم الثانوي.
  • أن تقوم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بقيادة الجهود لمراجعة شاملة للسياسات والتنظيمات الحالية التي قد تؤثر في توطين المهن الضرورية وغير التقليدية؛ من خلال حزم تحفيزية موجَّهة، وتعزيز المرونة في الأنظمة، وانخراط ممارسي هذه المهن في تحليل المشكلة وإيجاد الحلول.
  • حث الشركات السعودية الكبرى والمنشآت الحكومية على تكييف وتحديث السياسات التي يمكن أن تؤثر سلبًا على توطين المهن غير التقليدية، وخصوصًا فيما يتعلق بالتوريد الخارجي(Out-sourcing) .
  • أن تقوم المؤسسة العامة للتدريب الفني والمهني وهيئة تقويم التعليم والتدريب بوضع خطة عمل للتوسُّع في التدريب والاختبارات المهنية، والنفاذ إلى سوق العمل بالتركيز على المهن الضرورية وغير التقليدية.
  • قيام وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وبالشراكة مع الأجهزة المعنية بوضع إستراتيجيات لحماية المهن غير التقليدية التي يشغلها سعوديون من المنافسة غير المتكافئة.
  • قيام وزارتي الإعلام ووزارة الثقافة بإبراز النماذج الناجحة من شاغلي المهن غير التقليدية، وإيجاد برامج مستدامة لتشجيع الشباب والشابات على اكتساب المهارات اللازمة لهذه المهن والانخراط بها، والاعتزاز بذلك ونشر الوعي حول ارتباطها بمهن الآباء والتراث الوطني.
  • تشجيع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والكراسي البحثية المتخصِّصة على عمل دراسات أشمل وأعمق حول المهن التقليدية والوظائف الحالية والمستقبلية والعلاقة التبادلية بينها، وتأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية في المملكة على نشوء المهن وازدهارها واندثارها، وتطوير نماذج تنبؤية للمستقبل وفقًا للمتغيرات المختلفة.
  • أن يكون في كل حي أو مول كبير مكتب باسم job center لاستقبال طلبات العمل، وجميع الفروع تُربَط بنظام مركزي (معمول به في بريطانيا). ويتم تحصيل رسم رمزي لكل طلب يتم تعبئته.
  • الشفافية المعلوماتية فيما يخصُّ مستقبل العديد من المِهن غير التقليدية التي حلَّ بها آلاف السعوديين والسعوديات في الوقت الحاضر بديلًا عن الأيدي العاملة غير السعودية.

 

  • المشاركون:
  • الورقة الرئيسة والمعقِّبون: د. الجازي الشبيكي،
    د. خالد الرديعان، د. نوف الغامدي.
  • إدارة الحوار: د. عادل القصادي
  • المشاركون في الحوار والمناقشة:
  • د. بسمة التويجري
  • د. فوزية أبو خالد
  • د. وفاء طيبة
  • م. سالم المري
  • د. يوسف الرشيدي
  • د. عبد الرحمن العريني
  • د. حمد بريثن
  • د. عبد الرحمن باسلم
  • أ. فائزة العجروش
  • أ. محمد الدندني
  • د. راشد العبد الكريم
  • د. فوزية البكر
  • أ. لاحم الناصر
  • د. عبير برهيمن
  • د. فائزة الحربي
  • أ. فهد الأحمري
  • د. عبد الله صالح الحمود
  • د. ريم الفريان
  • د. عبد الإله الصالح

القضية الرابعة

واقع السلوكيات المرورية في المملكة في ظلِّ التشريعات الجديدة، واقتراحات تطوير المنظومة المرورية

(28/2/2021م)

  • أولًا: الملخص التنفيذي.
  • ثانيًا: مبررات الاهتمام بموضوع السلوكيات المرورية.
  • ثالثًا: أبعاد تأثير التشريعات الجديدة على المنظومة المرورية.
  • رابعًا: العوامل التي تحدُّ من فاعلية الأنظمة المرورية.
  • خامسًا: التوصيات المقترحة لتطوير المنظومة المرورية وضمان السلامة المروية.
  • المشاركون.

   

  • أولًا – الملخص التنفيذي:

تناولت هذه القضية واقع السلوكيات المرورية في المملكة في ظلِّ التشريعات الجديدة، واقتراحات تطوير المنظومة المرورية في ضوء ذلك. ويبرز الاهتمام بهذه القضية باعتبار أن الحوادث المرورية تعَدُّ من أكبر القضايا التي تُهدِّد سلامة أفراد المجتمع؛ حيث يذهب ضحيتها أكثر من ١.٣٥ مليون شخص حول العالم وعشرات الملايين من المصابين، وبالإضافة إلى ما تتسبب فيه الحوادث المرورية من خسائرَ جسيمةٍ في الأرواح، وما تتسبب فيه من إصابات، فإن لها آثارًا اجتماعية واقتصادية سيئة وتُكلِّف الاقتصادَ الوطني عشرات المليارات كل سنة، ولكننا الآن نمرُّ بمرحلة تاريخية تقود فيها الدولة دفة التغيير، فلم تعُد الدولة تقبل بالوضع الراهن، وتطمح بأن ترتقي بالمملكة إلى مصافِّ الدول المتقدمة، وتحافظ على مكتسبات البلد وتعمل على تنميته.

وفي سياق متصل، تمَّ تناول أبعاد تأثير التشريعات الجديدة على المنظومة المرورية؛ بالإشارة إلى أنه قد يكون من أكثر التشريعات الجديدة تأثيرًا على المنظومة المرورية في المملكة هو السماح للمرأة بقيادة السيارة، لكن تأثير ذلك على مستوى السلامة المرورية لم يتم تقديره حتى الآن، إلا أن ذلك سيزيد من الحاجة إلى إجراء التعديلات الضرورية لمنظومة النقل في المدن، مثل توفير الأعداد الكافية لمواقف السيارات ومدارس تعليم القيادة، وغير ذلك. أيضًا، فإن التعديلات الأخيرة التي شهدها نظام المرور من زيادة في أنواع وقيم المخالفات سوف يكون لها أثرٌ إيجابي في ردع المخالفين، وبالتالي خفض الأعداد الهائلة من المخالفات المرورية، كما أن نظام العقوبات المرورية يتماشى مع ما هو معمول به في الدول المتقدمة.

وثمةَ عددٌ من العوامل التي تحدُّ من فاعلية الأنظمة المرورية في كبح جماح الحوادث المرورية، ومن أهمها: عوامل تتعلق بتطبيق النظام المروري، وضعف الإحصاءات عن الوضع المروري والتي تعيق تقييم الوضع المروري بشكل صحيح، لا سيما بالنظر إلى أن هناك اختلافات بين الجهات التي تنشر هذه الإحصاءات وعدم وجود جهة مستقلة لجمع ونشر هذه المعلومات. فضلًا عن أسباب أخرى ترتبط بتنفيذ النظام المروري على شبكة الطرق، والتخطيط الحضري، وتصميم وتنفيذ شبكة الشوارع، كما أنه على الرغم من وجود تنسيق مستمر بين الأمانات وإدارات المرور بالمدن، إلا أن عدم وجود جهة مختصة في الأمانات لإدارة حركة المرور، جعَل هذا التنسيق ينصبُّ على تلافي الحالات الحرجة فقط؛ بينما يتطلب الأمر إدارة فاعلة تتولى وضع الخُطط والسياسات والبرامج لتسهيل حركة السير والتقليل من الحوادث.

ومن أبرز التوصيات التي تمَّ الانتهاء إليها: التأكيد على أهمية إنشاء هيئة عامة للسلامة المرورية، بحيث تكون بمثابة جهاز تشريعي ورقابي، يعمل على متابعة ما تمَّ إقراره من مشاريعَ واقتراحاتٍ في الخطة الوطنية مع مختلف الجهات، ووضع معايير السلامة على الطرق ووسائل النقل الأخرى، وإعداد السياسات والخطط والبرامج التي تؤدي إلى تخفيض أعداد الوفيات وتخفيف آثارها السلبية على تنمية الوطن واقتصاده. كما توجد ضرورة لإنشاء هيئات للنقل الحضري في المدن الكبرى، فضلًا عن أهمية تعزيز مدارس القيادة، والتوعية بمخاطر الحوادث، وعلم الإشارات، والالتزام الأخلاقي في سلوك القيادة، وتفعيل مراقبة سلوك رجال المرور وحُسْن أدائهم، وإقرار حق المواطن والجميع بأداء دور الشرطة العسكرية على مخالفاتهم، ليكون الجميع يدًا واحدة في المراقبة، وإقرار مبدأ أن تكون السلامة المرورية هدفًا للوطن وللجميع، وتجريم السلوكيات المرورية غير اللائقة، وبالذات المنطوية على الاستهتار والاعتداء، وتفعيل المشاركة المجتمعية في التوعية، وتكثيف برامج التوعية المرورية بعدة لغات عبر مختلف الوسائل الميدانية والإعلامية لنَشْر التوعية المجتمعية للوافدين بمختلف فئاتهم.

 

  • ثانيًا – مبررات الاهتمام بموضوع السلوكيات المرورية:

إن من أكبر القضايا التي تُهدِّد سلامة الناس وتنهش في اقتصاد البلد هي قضية الحوادث المرورية، التي يذهب ضحيتها أكثر من ١.٣٥ مليون شخص حول العالم وعشرات الملايين من المصابين بإصابات يُغير بعضُها حياةَ أصحابها إلى الأبد، وبعضها يجعلهم طريحي فراش المرض لسنوات. الآلاف من أبناء وبنات الوطن يفقدون حياتهم كل عام بسبب الحوادث المرورية، وعشرات الآلاف منهم يتعرضون للإصابات.

بالإضافة إلى ما تتسبب فيه الحوادث المرورية من خسائرَ جسيمةٍ في الأرواح، وما تتسبب فيه من إصابات، فإنَّ لها آثارًا اجتماعية واقتصادية سيئة، وتُكلِّف الاقتصاد الوطني عشرات المليارات كل سنة، ولكننا الآن نمرُّ  بمرحلة تاريخية تقود فيها الدولة دفة التغيير، فلم تعُد الدولة تقبل بالوضع الراهن، وتطمح بأن ترتقي بالمملكة إلى مصافِّ الدول المتقدمة، وتحافظ على مكتسبات البلد وتعمل على تنميته.

مَن يتابع التقارير والدراسات التي تصدر بهذا الخصوص سوف يقف مذهولًا أمام ما تعكسه من خسائرَ بشريةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، ففي تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2013 ما يشير إلى أن المملكة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تُشكِّل حوادث السيارات فيها السبب الرئيس للوفيات، كما تشير التقديرات إلى أننا فقدنا ما يزيد على 70 ألف إنسان خلال العشر سنوات الماضية، ذهبوا ضحية الحوادث المرورية، وقرابة 400 ألف مصاب خلال نفس الفترة، معظمهم من الشباب دون سنِّ الأربعين، ومن المتوقع أن تزداد هذه الأعداد المرعبة في السنين القادمة ـ لا سمح الله ـ إذا لم يتم تدارك الأمر، كما أن الخسائر المادية الناتجة عن هذه الحوادث أصبحت عبئًا كبيرًا على موارد الوطن، حيث تُكلِّف ما يزيد عن 20 مليار ريال سنويًّا حسب أقل التقديرات.

ولكن ما يثير القلق أكثر هو أن هذه الخسائر في تزايد مستمر، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إلى أن السعودية قد ارتفعت لديها نسبة الوفيات بالحوادث المرورية من 23 لكل 100 ألف نسمة عام 2007 إلى 27.4 عام 2015، وتحتل مراكز متدنية في إحصاءات السلامة المرورية، بينما قامت دول كثيرة بخفض هذه النسب لديها بشكل كبير من خلال العديد من البرامج والأنظمة.

وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية للعام ٢٠١٨GLOBAL STATUS REPORT ON ROAD SAFETY, 2018 ، فإن معدل الوفيات نتيجة للحوادث المرورية يبلغ عالميًّا نحو ٢٧.٥ لكل ١٠٠ ألف. وحسب ما جاء في جريدة الوطن الإثنين 24 / 08 / 2020، فقد حقَّقت المملكة تقدُّمًا في خفض معدل وفيات حوادث الطرق لكل 100 ألف نسمة، من 28.4 كقيمة فعلية في العام 2016 إلى 23.1 في نهاية العام 2017، والهدف الوصول إلى 20 بنهاية العام 2020.

وحسب (جريدة الرياض) 27 ربيع الأول 1440هـ الموافق 05 ديسمبر 2018 م، نقلًا عن واس، فقد كشفت وزارة النقل عن انخفاض نسبة عدد وفيات الحوادث المرورية على الطرق التابعة لها في المملكة – وطولها 68 ألف كلم – إلى أكثر من نسبة 33% خلال عام 2018 م مقارنةً بعام 2017م. وذلك حسب ورقة عمل قدَّمها مدير عام إدارة السلامة في الوزارة
م. محمد مسفر آل عبود لمؤتمر المرور الخليجي (جلف ترافيك) المنعقد في دبي آن ذاك.

وجاء في جريدة الشرق الأوسط، الثلاثاء  17 جمادى الآخرة 1441 هـ – 11 فبراير 2020 مـ، رقم العدد [15050] أثناء انعقاد ملتقى السلامة المرورية؛ أن حجم الحوادث المرورية في المملكة تراجع بنحو 52 في المائة، وذلك على مدى 7 سنوات، وأرجع د. عبد الحميد المعجل، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للسلامة المرورية تراجع حجم الحوادث المرورية إلى الضبط المروري الصارم عن طريق نظام ساهر، المعين برصد السرعة في الطرقات الداخلية والخارجية، وإلى زيادة رسوم المخالفات المرورية.

وبمقارنة بسيطة بين حوادث الطيران والحوادث المرورية، نعرف حجم المأساة الحقيقية التي يعانيها سكان الأرض من متهوري القيادة وعديمي الضمير والمستهترين بالأرواح. ويُلاحظ أن قلة حوادث الطيران يعود لدقة الإجراءات وكثرتها وتعقيداتها التي يمرُّ بها قائد الطائرة قبل أن يتمكَّن من الإمساك بمقود الطائرة، مع تكرار هذه الاختبارات والملاحظات دوريًّا قبل كل رحلة. هذا إلى جانب، أن قطاع الطيران يحافظ على دقة سير النظام، كما يهتم بوجود طائرات مُصمَّمة تصميمًا جيدًا ومُصنَّعة بشكل جيد وبطواقم مدربة على أحدث تكنولوجيات الطيران.

في حين نستطيع أن نُرجع الخلل في المنظومة المرورية لعوامل ومسببات تتعلق في الأساس بالجوانب التخطيطية، والجوانب التنظيمية، والجوانب الجزائية، والجوانب الثقافية والسلوكية للمجتمع.

 

  • ثالثًا – أبعاد تأثير التشريعات الجديدة على المنظومة المرورية:

قد يكون أكثر التشريعات الجديدة تأثيرًا على المنظومة المرورية في المملكة هو السماح للمرأة بقيادة السيارة، لكن تأثير ذلك على مستوى السلامة المرورية لم يتم تقديره حتى الآن، إلا أن ذلك سيزيد من الحاجة إلى إجراء التعديلات الضرورية لمنظومة النقل في المدن، مثل توفير الأعداد الكافية لمواقف السيارات ومدارس تعليم القيادة وغير ذلك.

لا شك أن التعديلات الأخيرة التي شهدها نظام المرور من زيادة في أنواع وقيم المخالفات سوف يكون لها أثرٌ إيجابي في ردع المخالفين، وبالتالي خفض الأعداد الهائلة من المخالفات المرورية، كما أن نظام العقوبات المرورية يتماشى مع ما هو معمول به في الدول المتقدمة.

أيضًا، فإن العقوبات اليوم تُركِّز بالدرجة الأولى على الغرامات، ومناسب تنوعها بحسب الحالة، من نشر حالة المخالفة، مثل تصوير مَن يرمي فضلات بالشارع ونشر صورته، لكي يهاب الجميع ويرتدع، ومنها مساهمة الطلاب بالتنظيم المروري، وكذلك إلزام الطلاب ليقفوا مع رجال الأمن والمرور في الشارع لساعات لتكون أشبه بالجندية الناعمة والتطوُّع والمساهمة المجتمعية.

في حين يرى البعض أن التركيز على الغرامات قد يؤثر، ولكنه لن ينتج عنه أصالة أو تغيير حقيقي في سلوك المواطن، بينما التغيير الحقيقي يجب أن يكون في التوعية في كل مجال ابتداءً من الصغر حتى يصبح ثقافة، وكلنا شاهَد الالتزام الحاد بقواعد المرور في الغرب حتى بعد منتصف الليل وفي مأمن من العقاب. ويشير هذا إلى أن هناك أخلاقيات يجب أن تُربَّى في المواطن، فالقيادة (فنٌّ وذوق وأخلاق)، ونتيجة ذلك دائمًا صيانة الأرواح والممتلكات.

ويبدو عدم الالتزام بقوانين المرور كظاهرة مشاهدة في كل القوانين الأخرى، مثل ما يحدث في التستر، وانتهاك البيئة والاحتطاب الممنوع. والملاحظ أن المخالف يتفاخر بفعله ويعتبره بطولةً وشجاعةً وقوةَ نفوذ. فقد يكون من المناسب النظر إلى المخالفات المرورية من وجهة نظر اجتماعية، ومعالجتها بأدواتها المناسبة.

كما أن تعدُّد التشريعات والجهات المسؤولة عن المرور في المملكة يجعل من الأهمية بمكان عند العمل على تطوير المنظومة المرورية، مراجعة السياسات والإجراءات التخطيطية والهندسية وتوحيدها تحت مظلة واحدة بما يؤدي إلى تطويرها والحد من المشاكل المرورية.

ومن المهم جدًّا وَضْع قوانين وعقوبات على ربط حزام الطفل أو وضعه في الكرسي الخاص به المناسب لعمره، فهذا الأمن من حقوق الطفل، فبمراجعة نظام المرور نجده ذكر المقاعد المخصَّصة للأطفال في المادة (٥٧)، ولكنه لم يُعلِّق عليها ولا كيفيتها ولا عقوبة تركها في اللائحة ولا قائمة المخالفات الخاصة بذلك، فوجدنا سائقين يضعون الأطفال في صدورهم أثناء القيادة وكأنهم (airbag)، وأوضاع خطيرة أخرى مثل إخراج رأس الطفل أو يده من السيارة، وطبعًا فكرة الكرسي الخاص غير واردة في أغلب الأحيان. أيضًا، وفي سياق الإشارة إلى القوانين الخاصة بالطفل، يجب وضع معايير خاصة بحافلات نقل الأطفال من وإلى المدارس، وتطبيق القانون الوارد في نظام المرور عليها ومحاسبة مَن يخالفه، فهناك مادة في النظام خاصة بالتعامل مع الحافلات التي تُقلُّ الأطفال من قِبل السائقين الآخرين، ولكنها – للأسف – لا تُتابع ولا تُطبَّق. أما من جهة معايير الحافلات وسائقيها، فلدينا نقصٌ شديد في هذا المجال، الحافلات (النوع الصغير الذي يصعب فيه خروج جميع الأطفال في حالة الطوارئ بسبب وضعية الكراسي في وسط الحافلة، ولعل من المهم النص في الأنظمة على أن تكون الحافلات دائمًا كبيرة مهما كان عدد الأطفال وتوزيعهم على الأحياء السكنية؛ فسلامتهم أهم من أن يصلوا سريعًا لمنازلهم، وسلامتهم تُعوِّض قيمة الحافلة، هذا غير المعايير الأخرى المهمة من حزام وطفاية حريق وغيره داخل الحافلة. أيضًا، من الضروري وَضْع معايير جودة سائقي هذه الحافلات المدرسية؛ فهم يحملون فلذات أكبادنا في حافلتهم، وقد تكون رُخص بعضهم مشكوكًا فيها بالمعايير العالمية. هذا، غير أهمية تطبيق معايير وقوانين للسلامة للإشراف على الأطفال وتحمُّل مسؤوليتهم.

يُضاف إلى ذلك أن نظام حماية الطفل في مادته الثالثة نصَّ على أن هناك نحو ١٣ حالة تُعتبر عنفًا وإهمالًا للطفل، ومنها تسليم المركبة للطفل (أي قيادة الطفل للسيارة). وبناءً على هذه المادة، وفي حالة حوادث السيارات التي يقودها طفل وإصابة الطفل، يُبلَّغ عنها كقضية عنف ضد الطفل بوصفها حالة إيذاء أطفال دون أن يُكتفَى بكتابة التعهُّد على ولي الأمر فقط؛ بل يمكن إضافة غرامات معينة على هذا الفعل. ومن المهم التأكيد على تطبيق نظام حماية الطفل ضد أولياء الأمور الذين يسمحون لأطفالهم بقيادة السيارة وهم دون السن القانونية. كذلك فإنه ولحماية الأطفال من حوادث السيارات للراكبين، يجب أن يلتزم الوالدان بوضع الأطفال الرُّضَّع في كرسي السيارة المُخصَّص لهم، ويتغير الكرسي حسب العمر ووزن الطفل، لكن للأسف نادرًا ما نرى التزام الأهالي بهذا، وحتى المرور لا يعتبر عدم وجود كرسي أطفال أو حتى ربط حزام الأمان للأطفال مخالفة، وإذا التزم الأهل بوضع الطفل في الكرسي المخصَّص من اليوم الأول للولادة فإنهم يتعودون على ذلك. في كثير من الدول المتقدمة يُمنع خروج المرأة ووليدها من المستشفى إلى حين التأكُّد من وجود كرسي السيارة، وفي حال عدم قدرتهم يُعطَى كرسي من المستشفى، ويكون عادة من المتبرعين.

وفي ذات السياق المتعلق بالتشريعات المرورية وتأثيراتها، فقد أعلنت إدارة المرور تطبيق مخالفات الرصد الآلي لمخالفي عدم الالتزام بحدود المسارات المحددة على الطرق، ورغم أن هذا القرار تأخَّر كثيرًا إلا أنه كان عليه عدة ملاحظات؛ من أهمها أن إدارة المرور، وقبل تطبيق هذه المخالفة، كان يُفترض أن تعمل مع الجهات ذات الاختصاص على تجهيز مسارات الطرق والشوارع، خاصة وأن بعض مسارات شوارعنا غير متضحة المعالم، والأخرى تفاجئ قائد السيارة بمسار جديد يضطره إلى ارتكاب مخالفة الدخول في مسار آخر والتعدي على حقوق غيره. ونحن أحوجُ ما نكون إلى تغيير مفاهيمنا في القيادة في الداخل قبل الخارج، ولن يتحقَّق هذا إلا بفرض غرامات ونقاط تُحتسب سلبًا على المخالف، ويُعاقب بحسب تكرارها تدريجيًّا، من المحاكمة إلى الحبس إلى سحب الرخصة؛ وفي المقابل، يستحق المنضبط مروريًّا الحصول على مكافأة ونَشْر اسمه في منصات المرور.

كما أن هناك تفاوتًا بين المدن والقرى في تطبيق أنظمة المرور والسلامة؛ لذا من المهم أن يكون التخطيط والتنفيذ للسياسات والإجراءات شاملًا لجميع المناطق في المملكة.

وتجدر الإشارة إلى أن السلوكيات المرورية لا ترتبط بقائد المركبة فقط، بل متعلقة بعدة متغيرات تتضمن: (قائد المركبة، المركبة، الطريق، النظام المروري، ثقافة المجتمع، قائدي المركبات الأخرى في الطريق). ولا يمكن أن نغفل أحد تلك المعطيات عندما نسعى لتشخيص الوضع ومناقشته والوصول لعلاج ناجع.

سلوكياتنا في الطرقات عند قيادة المركبة تحكمها كثيرًا الأنظمةُ والقوانينُ المرورية التي تغيَّرت الآن وتطوَّرت عما كان سابقًا، وأصبح تطبيقها أكثر صرامةً، العولمة والانفتاح الثقافي ومخالطة الحضارات والأمم المتقدمة من خلال الابتعاث لها أثرها في سلوكيات جيل الشباب وتعرُّفهم على الأنظمة المرورية وفائدة الالتزام بها، وهذه العوامل كلها أثرَّت في وعي وثقافة المجتمع المرورية، وتسعى لأن تكون أفضل.

ولعل تغيير الأنظمة والقوانين هو أسهل ما يمكن أن يكون في هذه المنظومة، لكن أثره يحتاج لبقية العوامل، والناتج يحتاج إلى وقت لنراه بوضوح، فالتغيُّر في سلوكيات البشر يحتاج إلى فترة أطول من الزمن.

نُلقي باللوم دومًا على قائد المركبة، وقد يكون هذا صحيحًا، لكن علينا أيضًا أن نُراعي أن هنالك مخالفات يقع فيها قائد المركبة تكون بسبب أسلوب وطريقة وتخطيط الطرق والشوارع والمخارج، وهذه قد ينتج عنها أحيانًا حوادث مرورية دون أن يستطيع الشخص معرفة مَن المخطئ؛ مثلاً تلك التقاطعات في الطرقات في الأحياء لا يوجد تخطيط للطريق عند التقاطعات، فلا يوجد أفضلية لمسار، أيضًا هناك أخطاء من أصحاب المطاعم أو المقاهي التي تضع مدخل طلبات السيارات دون أن يكون واضحًا أولوية الطريق لمَن؛ لأن مدخل الطلبات هو مدخل المواقف.

ثقافة المجتمع كذلك يبقى تأثيرها ملموسًا، فالشخص في السيارة دائمًا يسعى لأن يكون هو الأول في كل شيء: في الحصول على موقف، أو الوصول لوجهته أولاً، أو أن يقف عند الإشارة أولًا، وهو أول من يتجاوزها، ويُولِّد هذا عادةً صراعات غير مُبرَّرة. أحيانًا، قد نُجبر على ممارسة أسلوب في قيادة المركبة ليس لأنه صحيح، بل لأنه الأسلوب الأنسب؛ لأن كلَّ مَن في الطريق يمارسون هذا الفعل، ولا يوجد ما يمنعه.

ولا شك أن الوضع المروري في مدننا بحاجة إلى تصحيح من جميع النواحي، لكن غياب التنظيم المؤسسي هو السبب في تفاقم المشكلة واستمرارها. الحلول الفردية والمحاولات المتفرقة والآراء الشخصية، لم ولن تُجديَ نفعًا.

 

  • رابعًا – العوامل التي تحدُّ من فاعلية الأنظمة المرورية:

هناك أسبابٌ تحدُّ من فاعلية النظام في كبح جماح الحوادث المرورية، ومن أهمها ما يلي:

  • تطبيق النظام: على الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها رجال المرور في متابعة المخالفين، وما يتم استخدامه حاليًّا من تقنيات لمراقبة وضبط المخالفات، إلا أنه لا يزال هناك الكثير مما يستوجب القيام به في هذا المجال لتخفيض أعداد الحوادث والرفع من مستوى السلامة المرورية؛ فعلى سبيل المثال: تكاد تكون المراقبة شبه معدومة في الأحياء السكنية التي يكثر فيها الدهس، إضافةً إلى أن التقنية غير ممكنة حاليًّا لضبط العديد من مخالفات النظام، مثل تجاوز إشارة “قف”، والتغيير المفاجئ للمسار، وعدم ارتداء الخوذة الواقية… إلخ.
  • الإحصاءات: الإحصاءات عن الوضع المروري تكاد تكون ضعيفةً وغير منتظمة وينقصها الكثير من المعلومات الضرورية لتقييم الوضع المروري بشكل صحيح، كما أن هناك اختلافات بين الجهات التي تنشر هذه الإحصاءات وعدم وجود جهة مستقلة لجمع ونشر هذه المعلومات.
  • تنفيذ النظام المروري على شبكة الطرق: لا يخفى على أحدٍ أن شوارع مُدننا تفتقر إلى الكثير من العلامات والشاخصات المرورية التي تُوضِّح النظام على الأرض، حيث تفتقر الشوارع إلى تحديد واضح للمسارات (علامات على أرضية الطريق تُوضِّح المسار والاتجاه) والشواخص المرورية، وخاصة علامة “قف” التي تلي في الأهمية الإشارة الضوئية، ومع ذلك يكاد وجودها معدومًا، وإنْ وُجدت فلا يوجد تطبيق لها.
  • التخطيط الحضري: إن التخطيط الحضري هو الأساس الذي تُبنى عليه شبكة الطرق، ونظرًا لكون الأمانات هي الجهات التشريعية والتنفيذية في هذا المجال، فإن الكثير من القرارات التخطيطية هي ذات تأثير مباشر على الوضع المروري، فمثلًا ما نجده من اعتماد لنظام “الشوارع التجارية” بدلًا من نظام المناطق التجارية، أفرز لنا شوارع بأطوال بعشرات الكيلومترات تقطع أوصال المدينة وتجلب معها المرور العابر للأحياء السكنية والنشاطات التجارية التي لا علاقة لها بخدمات الأحياء، فزاد بذلك الازدحام المروري، وامتلأت الشوارع السكنية المجاورة بالسيارات. كما أن المعايير المُستخدَمة في متطلبات مواقف السيارات لم يتم إيجادها بناءً على دراسات مستفيضة للوضع المروري، فأتت ناقصةً وتسبَّبت في نقص حادٍّ في مواقف السيارات في المدن. كما أن أنظمة التخطيط أوجدت أحياءً متراميةَ الأطراف يصعب معها قضاء الحاجات اليومية مشيًا، واستلزمت استخدام السيارة، كما أن هذه الأنظمة تسبَّبت في خفض الكثافة؛ الأمر الذي يُصعِّب من وجود نقل عام فاعل.
  • تصميم وتنفيذ شبكة الشوارع: نظرًا لعدم وجود معايير معتمدة موحَّدة لتصميم شبكة الطرق، فإن ذلك جعَل الأمانات تجتهد في ابتكار حلول تصميمية لمعالجة مشاكل زحام وقتية، مثل تحويل بعض الشوارع الشريانية إلى طُرق سريعة من خلال إنشاء الجسور أو إلغاء التقاطعات واستخدام مسارات الدوران؛ الأمر الذي يتسبَّب في إرباك لحركة المرور وزيادة احتمالات وقوع الحوادث. كما أن الأمانات تتجاهل بالكامل الحاجة لوجود مسارات ومعابر مُخصَّصة للمشاة وخاصة في الأحياء السكنية؛ الأمر الذي يعتبر سببًا مباشرًا لحوادث الدهس. يُضاف إلى ذلك انتشار المطبات العشوائية التي تفتقد إلى معايير السلامة وضعف جودة الرصف.
  • إدارة حركة المرور: على الرغم من وجود تنسيق مستمر بين الأمانات وإدارات المرور بالمدن، إلا أن عدم وجود جهة مختصة في الأمانات لإدارة حركة المرور، جعَل هذا التنسيق ينصبُّ على تلافي الحالات الحرجة فقط، بينما يتطلب الأمر إدارةً فاعلة تتولى وضع الخطط والسياسات والبرامج لتسهيل حركة السير والتقليل من الحوادث.
  • ضعف تواجد رجال المرور في الشوارع، بل إن المخالفة قد تتم في بعض الحالات أمام مرأى رجل المرور، ولا يُحرِّر للمُخالِف مخالفة. وحلَّت أجهزة الرصد الآلية محل وسائل الرصد اليدوية، والتي يتم الاعتماد عليها في كثير من الأحيان، ولكن لعدم شمولية أجهزة الرصد الآلية لكل أنواع المخالفات، فقد تُركت هذه المخالفات بدون رصد وتحرير لها. ولا شك أن لرجال المرور جهودًا كبيرةً يبذلونها في سبيل ضبط وتنظيم حركة المرور والحفاظ على سلامة المواطنين وأمنهم، خاصة رجال المرور الميدانيين، إلا أنه لا يمكن تعميم ذلك على الجميع، فثمةَ قلة منهم لا تبالي بتطبيق الأنظمة، وهناك تساهُل بل تجاهُل منهم لبعض المخالفات التي تُرتكَب.
  • توجد عدة دراسات عن الحوادث المرورية وتأثيرها الاجتماعي والاقتصادي، ولكن لا توجد دراسات عن كفاءة الخدمات المرورية ولا عن عدد رجال المرور بالنسبة للسكان. فلا يمكن تحديد المسببات لعدم الالتزام بالقوانين المرورية وبكثرة الحوادث بدون دراسة لمدى فاعلية رجال المرور عددًا وإمكانيات وآليات في معالجة هذه القضية.
  • من أسباب حوادث المرور إضافةً إلى ما تقدَّم، العيوب المصنعية في بعض المركبات، والتي أدَّت في أحيان كثيرة إلى حوادث مروعة؛ لذا كان لزامًا التأكُّد من أن جميع المركبات التي تستوردها المملكة مطابقةٌ للمواصفات العالمية في درجة الأمان والسلامة، وذلك من خلال مختبرات خاصة تكون أُنشئت من أجل هذا الغرض، سواء في هيئة المواصفات والمقاييس أو في القطاع الخاص.

وفي سياق متصل، ثمةَ وجهاتُ نظر بأن ما يُعزى إلى سلوكيات المواطن السعودي في الحوادث المرورية مُبالَغ فيه وغير دقيق؛ فبالرغم من أن ما تتسبَّب فيه الحوادث المرورية من إصابات وخسائر مادية أمرٌ مؤسف، والمفترض أن نعمل لأجل خفضه بقدر المستطاع، إلا أن المعدل الحالي غير مستغرب، ولا يتحمَّل المواطن إلا النزر اليسير منه؛ للأسباب التالية:

  • ضعف إمكانيات إدارات المرور في المملكة، وعدم انضباطها، وتدني مستوى تدريب طواقمها.
  • طول الطرق البريَّة في المملكة.
  • ضعف صيانة الطرق والشوارع.
  • إهمال وسائل النقل الجماعي من قِبل الجهات المختصة في الدولة لعقود عديدة (مثل القطارات والحافلات)؛ وهو ما أدى إلى اعتماد الناس الكبير على السيارات.
  • تعرُّض المواطن لنوع من الابتزاز فيما يخصُّ المخالفات المرورية، حيث يدفع من قوته مخالفات متنوعة يعَدُّ الكثير منها غير شرعي بسبب عدم توضيح السرعة المسموحة في الشوارع، وتعمُّد تغييرها من شارع إلى شارع، وندرة لوائح توضيح السرعة وإخفائها خلف الأشجار والموانع الحاجبة بحيث لا يراها إلا الخبير بالشارع أو شخص تمت مخالفته من قبلُ في هذا الشارع.
  • خامسًا – التوصيات المقترحة لتطوير المنظومة المرورية، وضمان السلامة المروية:

إنَّ المحاولات التي تقوم بها أجهزه الدولة على كافة المستويات بحاجة إلى حلول جديدة لكبح جماح هذه الآفة والتخفيض من أعداد القتلى والمصابين، على الرغم مما تبذله الدولة من آلاف المليارات على إنشاء الطرق وأنظمة النقل والمستشفيات وما يبذله رجال الأمن والمرور من جهود في ملاحقة المخالفين لنظام المرور، ويمكن في هذا الإطار التأكيد على:

  • إنشاء هيئة عامة للسلامة المرورية.

قبل أكثر من 23 عامًا، تمَّ تشكيل اللجنة الوطنية لسلامة المرور في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وقامت بالعديد من الدراسات والأبحاث، وعقدت الكثير من الاجتماعات؛ اتضح بعدها أنه لا يوجد إستراتيجية وطنية لسلامة المرور، وأن ضعف التنسيق بين الجهات ذات العلاقة هو سبب رئيس لاستمرار تفاقم المشكلة، فاقترحت اللجنة إيجاد “الخطة الوطنية الإستراتيجية لسلامة المرور”، وتضمنت الكثير من الأهداف والمشاريع التي رأتها ضرورية لمعالجة المشكلة، وقد تُوِّجت هذه الخطة بموافقة مجلس الوزراء الموقر قبل أكثر من ٥ سنوات، ولكن هذه الخطة بقيت حبيسةً الأدراج لعدم وجود جهاز حكومي يملك صلاحية متابعة تنفيذها.

إلا أن ما يبعث الأمل هو إنشاء اللجنة الوزارية للسلامة المرورية قبل أكثر من عامين، لكن تعدُّد الجهات ذات العلاقة بالسلامة المرورية من: (وزارة نقل، ووزارة بلديات، ووزارة صحة، ووزارة تعليم، وإدارة مرور، وقطاع خاص، وغيرها)، يجعل من إيجاد جهاز واحد يُعنَى بالسلامة المرورية أمرًا في غاية الأهمية، بحيث يكون جهازًا تشريعيًّا ورقابيًّا، يعمل على:

  • متابعة ما تمَّ إقراره من مشاريعَ واقتراحات في الخطة الوطنية مع مختلف الجهات.
  • وَضْع معايير السلامة على الطرق ووسائل النقل الأخرى.
  • وَضْع السياسات والخُطط والبرامج التي تؤدي إلى تخفيض أعداد الوفيات وتخفيف آثارها السلبية على تنمية الوطن واقتصاده.
  • دعم توفير المختصين من أبناء وبنات الوطن في مجالات تخطيط وهندسة النقل والتخصصات الأخرى ذات العلاقة من خلال برامج للتعليم والتدريب.
  • تمثيل المملكة أمام الهيئات الدولية المعنية بسلامة النقل والمرور.
  • تنظيم ومراقبة الشركات التي تعمل في مجال سلامة المرور (ساهر، مدارس القيادة، الفحص الدوري… إلخ).
  • الوقوف على حوادث النقل الكبيرة بمختلف أنواعها، والتحقيق فيها (سيارات، قطارات، طائرات…)؛ لمعرفة أسبابها وجمع المعلومات عنها.
  • جمع ونشر الإحصاءات والمعلومات عن حوادث النقل.

هذا الجهاز المهم هو ما نحتاجه الآن لمواجهة مشكلة وطنية كبيرة تُهدر أرواحًا غالية وتُكلِّف أعباءً ماليةً كبيرة نحتاجها لدفع عجلة النمو والتطور، وقد سبقنا في تأسيسه الدول المتقدمة، وهذا الجهاز يوجد ما يُماثله في الولايات المتحدة تحت اسم “المجلس الوطني لسلامة المرور NTSB”، كما أن التقارير الدولية تشير إلى أن الكثير من البلدان نجحت في تخفيض أعداد ضحايا الحوادث المرورية.

وحيث إنَّ هذا الجهاز لا بد أن يكون مستقلًا عن أي جهة حكومية أخرى، فقد يكون من الأفضل أن يكون هذا الجهاز تحت إشراف اللجنة الوزارية للسلامة المرورية.

  • إنشاء هيئات للنقل الحضري في المدن الكبرى.

يوجد حاليًّا إدارات لهندسة المرور في الأمانات، لكن الإمكانات التنظيمية والبشرية والمادية المتاحة لها، لا تجعلها قادرةً على القيام بمهام تخطيط وإدارة النقل في المدينة التي تنمو بشكل سريع يومًا بعد يوم.

إن الوضع المروري في المدن وخاصة الكبرى منها قد حصل له الكثير من التغيرات التي تستوجب وجود جهازٍ خاص بالتخطيط والتنفيذ لبرامج عديدة تتعلق بالسلامة المرورية، ومعالجة الزحام المروري، وتوفير أنظمة نقل عام فاعلة، وتوفير الخدمات التحتية اللازمة من شوارع وأرصفة مشاة ومواقف للسيارات ومتابعة تشغيلها بكفاءة، وجمع المعلومات عن الوضع المروري للمدينة وتحليلها والاستفادة من نتائجها.

لقد سبقتنا دولٌ عديدة في إيجاد مثل هذه المؤسسات المستقلة عن البلديات، ولكنها تكون تحت مظلة واحدة يرأسها الأمين، حيث يتمُّ إعطاء الوضع المروري الاهتمام الذي يستحقه.

وفي تقدير البعض، فإن رسوم المخالفات الباهظة ليست مفيدةً، بل تؤدي إلى نتيجة عكسية إذا أمِن المتهور وجود كاميرات مراقبة! والمفيد هو التطبيق بحزم (مع تقليل رسم الغرامة)، واستخدام نظام النقاط الذي يؤدي إذا ما تراكمت إلى عقوبات أخرى، منها المنع من القيادة لفترة معينة. كما أن من المُحزن أن تحثَّ المدرسة على الانضباط والنظام، في حين أن السيارات أمام المدرسة في فوضى عارمة. نحن بحاجة إلى تعليم أنظمة السير والمرور في المدارس ومن المراحل الأولى، بل وتعليمهم النظام والانضباط في كل جوانب الحياة. ومن ثَمَّ، فنحن بحاجة إلى دراسات نفسية واجتماعية وعلم نفس اجتماعي عن سلوكيات القيادة؛ فهي ممارسة تنزع إلى الماضي في قيم الصراع على الكلأ والماء!

كذلك وبالنظر إلى أن من الأسباب الرئيسة للحوادث، الاستهتار وعدم المبالاة، ويظهر ذلك جليًّا من الالتصاق بين السيارات، والتجاوز والانتقال السريع بين السيارات والمسارات، وغيرها الكثير من المظاهر، مما يتطلب تعزيز المسؤولية الاجتماعية، وتفعيل كلنا أمن، وتشريع العقوبات المناسبة؛ يصبح من المناسب التأكيد على ما يلي:

  • أهمية تعزيز مدارس القيادة، والتوعية بمخاطر الحوادث، وعلم الإشارات، والالتزام الأخلاقي في سلوك القيادة.
  • تفعيل مراقبة سلوك رجال المرور وحُسن أدائهم، وإقرار حق المواطن والجميع بأداء دور الشرطة العسكرية على مخالفاتهم؛ ليكون الجميع يدًا واحدةً في المراقبة.
  • إقرار مبدأ أن تكون السلامة المرورية هدفًا للوطن وللجميع، وتجريم السلوكيات المرورية غير اللائقة، وبالذات المنطوية على الاستهتار والاعتداء، وتفعيل المشاركة المجتمعية في التوعية.
  • دراسة إمكانية إقرار مادة إلزامية في المدارس عن تعليم القيادة والحوادث.
  • إقرار مشاركة الطلاب والطالبات في التوعية وتأمين المشاة عند المدارس والمستشفيات.
  • التوعية بالطريقة الصحيحة لتسهيل مرور سيارات الإسعاف، ومخالفة من يُربكها، وإلزامية أن يكون لها كاميرات مراقبة من الأمام والخلف، لتجريم من يُضايقها.
  • إلزام المدارس بمراقبة وقوف الطلاب يوميًّا، ومعاقبة مَن يقف خطأً، ومناسبة إلزام جميع المباني الحكومية أيضًا بذلك.
  • تفعيل الخطة الوطنية الإستراتيجية لسلامة المرور بدلًا من جَعْلها حبيسةَ الأدراج، تنبثق منها خُطط تشغيلية قصيرة وطويلة المدى بالاشتراك مع المؤسسات التنفيذية والقضائية، تُسهم في حلِّ المشاكل المرورية والتخفيف من حدة نتائجها بشكل دوري ومستمر طبقًا للمستجدات.
  • وجود إدارة فاعلة ودقيقة لتنظيم ومتابعة الحركة المرورية إلكترونيًّا بطريقة علمية، تهدف لرفع مستوى السلامة المرورية والحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين، وتُحقِّق الانضباط على الطرق.
  • استخدام التكنولوجيا الحديثة في عمليات الضبط المروري، كإصدار قرار يلزم بتركيب ملصق إلكتروني لكافة السيارات، يهدف لتحقيق منافع عدة، من أهمها: التوصل للمركبات المسروقة أو المطلوبة أمنيًّا. كما تهدف إلى التسهيل على جمهور المواطنين في تنقلاتهم واستخدامهم للطرق من خلال سداد الرسوم المستحقة بأنواعها المختلفة.
  • تخزين المعلومات والإحصاءات المرورية، وربط صور المركبات المخالفة إلكترونيًّا بقاعدة بيانات مركزية، تُمكِّن من التعرُّف على المركبات التي تمَّ تركيب الملصق لها ولم تستخدمه، والإخطار بها لضبطها تنفيذًا لقانون المرور.
  • إجراء المزيد من الأبحاث العلمية الهادفة لتطوير جهاز المرور، والحد من الحوادث التي تؤثر بشكل أو بآخر على الوضع الصحي والاقتصادي والاجتماعي في المملكة.
  • أهمية إدارة النقل المدرسي بطريقة أكثر فعاليةً وأمانًا باستخدام وسائل تقنية حديثة ترفع كفاءة الأداء التشغيلي، وتحافظ على سلامة أرواح الطلبة؛ بإلزام الحافلات المدرسية بوَضْع تقنية تتيح تتبُّعها.
  • التركيز على وضع لوحات مرورية إرشادية وعلامات تخطيط الطرق الأرضية لا سيما داخل الأحياء (خاصة عند المدارس والحدائق والأماكن المخصَّصة لرياضة المشي) وفي الشوارع والممرات الداخلية؛ كونها تُمثِّل إرشادات تنظيمية وتحذيرية وتوجيهية، وتعتبر عنصرًا أساسيًّا ضمن وسائل سلامة وأمان المرور.
  • الحرص على تطوير منظومة للنقل الذكي، بشكل يُتيح إمكانية حصر أماكن الكثافات المرورية وإخطار غُرف عمليات إدارات المرور؛ لتتمكن من سرعة إرشاد مستخدمي الطرق لأفضل المسارات البديلة، وإذاعتها عبر وسائل التواصل المختلفة. كما تسهم في ضبط المركبات المُبلَّغ بسرقتها حال مرورها على إحدى نقاط المنظومة، بعد ربط الملصق الإلكتروني مع مركز معلومات المرور الإلكتروني.
  • من أهم القضايا التخطيطية إلزام المباني والجهات الحكومية ومقار العمل والبنوك والمدارس وغيرها ، بتوفير أماكن كافية ومناسبة لانتظار ووقوف السيارات للعاملين والمراجعين خاصة بعد السماح بقيادة المرأة.
  • تخصيص نسبة من إيرادات المخالفات المرورية لتطوير المنظومة المرورية والجهات المُشرِفة عليها.
  • مع ظاهرة تزايد راكبي الدراجات النارية مؤخرًا من الشباب؛ ينبغي تطبيق النظام الصارم عليهم، كشروط استخراج رخصة القيادة، والالتزام بلبس الملابس الواقية، والفحص الدوري للدراجات أسوة بمثيلاتها من السيارات، وتوفير مواقف مخصَّصة لها بدلًا من الفوضى التي نراها الآن بسبب عدم وجود أماكن وقوف مخصَّصة لها.
  • الحرص على سلامة الإطارات وعدم انتظار انتهاء صلاحيتها، وانتظار أن تنعدم أثناء القيادة؛ حيث إنَّها سبب لكثير من الحوادث المؤلمة.
  • الاهتمام بما يُعرَف بالـ Traffic engineering وتوظيفه في إدارات المرور والمشاريع أيًا كانت الجهة المسؤولة، وزارة النقل أو غيرها.
  • ضرورة العناية بالتخطيط الحضري للمدن؛ فمدينة كالرياض يقطنها نحو ٧ ملايين نسمة، ومترامية الأطراف (نحو ٧٠ كيلو مترًا في كل اتجاه) بحاجة إلى (تجزئة) إلى أربع أو خمس محافظات؛ بحيث تكتفي كل محافظة بدوائرها الحكومية ومرافقها ومدارسها وأسواقها، وذلك للحدِّ من حركة التنقل التي ترهق الشوارع والخدمات، وتسبب الازدحامات المرورية، وتجعل الناس يمكثون جُلَّ وقتهم في سياراتهم. وفضلاً عن ذلك، فإن التباعد الذي نراه في المدينة يستهلك جزءًا لا يُستهان به من الطاقة (البنزين)؛ مما يزيد من مستويات التلوث في المدينة. تقسيم الرياض إلى محافظات (كالدرعية مثلاً) يجعل كلَّ محافظة مستقلة بخدماتها مما يوفر عملية التنقل المستمر بين أطراف المدينة. صحيحٌ أن كثيرًا من الناس يتنقلون بداعي العمل، وهو بعيدٌ عن سكناهم، لكنَّ التقسيم المُقترَح سيُخفِّف من التنقُّل للأغراض الأخرى.
  • الإسراع بإنجاز مشروعات النقل العام للتخفيف من حدة الزحام، ولدفع الناس لاستخدامه؛ مما سيُقلل من فرص وقوع حوادث السير التي تقع يوميًّا مع سيارات الركاب الصغيرة وما ينتج عن ذلك من اختناقات مرورية.
  • أيضًا، من الضروري للنقل العام (الباصات) ألا تكون فقط محصورةً على الطرق العامة؛ بل لا بد أن يكون لها نقاط وقوف داخل الأحياء، على الأقل الشوارع الرئيسية في كل حي.
  • مناسبة وأهمية التخطيط النموذجي للأحياء الجديدة، بما يُراعي السلامة المرورية، وألا تكون الشوارع محلات تجارية، وتفادي أخطاء التخطيط القائم عند التخطيط المستقبلي، حيث لا يخفى إشكالية أن تكون شوارعنا محلات تجارية ومواقف وحركة سيارات.
  • فيما يتعلق بقيادة المرأة للسيارة في السعودية، يُلاحَظ قوة المنهج المروري لهن مقارنةً بما يُقدَّم للرجال، إضافةً إلى التركيز في ميدان تدريب القيادة بشكل أكبر عن الرجال، فالجودة عالية وكذلك التكلفة عالية، فلكل متدربة مدربة إضافةً إلى حُسن الاستقبال والتعامل طيلة فترة الدراسة النظرية والعملية. هذا الأمر يحتاج إلى التفعيل بالمثل في مدارس القيادة للرجال، فالمخرجات تُبنَى على المدخلات والمعطيات، ومؤكَّد (منطقيًّا) مع الوقت أن هذا سينعكس إيجابًا على سلوك الرجال على الطريق. وفي هذا الإطار، من المهم العمل على ما يلي:
  • تشجيع وتنظيم عمل مدربات القيادة المستقبلات في جميع أنحاء المملكة، وإيجاد برامج لتدريبهن وترخيصهن بالتعاون بين المرور وصندوق الموارد البشرية ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية.
  • الحث على أتمتة عمل مدربات السياقة على مستوى المملكة من خلال إيجاد تطبيق إلكتروني “منصة إلكترونية” على الأجهزة المحمولة، تُسهِّل وتُوثِّق وتُنظِّم هذا العمل.
  • تطوير القوانين والمعايير التي تحكم سلامة الطفل في المركبات والحافلات المدرسية بكل جوانبها وتطبيقها، وتكون العقوبة على مخالفيها كبيرة.

يُضاف إلى ما تقدَّم، أن من الضروري لتعزيز السلامة المرورية وتحقيق الأمان المجتمعي، تحقيق ما يلي:

  • تكثيف برامج التوعية المرورية بعدة لغات عبر مختلف الوسائل الميدانية والإعلامية المختلفة؛ لنشر التوعية المجتمعية للوافدين بمختلف فئاتهم.
  • ضرورة تضمين اختبارات المتقدمين للحصول على رخصة القيادة مهارات التعامل مع التكنولوجيا المتطورة في المركبات الحديثة.
  • ضرورة التوعية المكثَّفة بأَخْذ الحيطة والحذر خلال فترة التقلبات الجوية، بالالتزام بالقوانين واللوائح المنظِّمة للسير والمرور المُعلَنة، والمتابعة الصارمة.
  • تحديد الطرق المميتة داخل المدن وخارجها، التي تُسجِّل أكبر عدد من الحوادث، ووضع ما يلزم من خُطط إستراتيجية وطرق وقائية للحدِّ منها.
  • أن تقوم الأسرة بدورها المطلوب مع الجهات المختصة لتقديم التثقيف والتوعوية اللازمة لأبنائهم.
  • العمل على الوصول إلى لغة مشتركة مع دول العالم بشأن الأنظمة المرورية.. لا سيما والمملكة تتجه إلى التوسُّع في برامج الجذب السياحي؛ ويشمل ذلك الخطوط على الطرق وعند الإشارات والأرصفة وجميع اللوحات بما في ذلك لغة التخاطب بين الجمهور ورجل المرور، وماهية المخالفات وطبيعتها.. إلخ. وأن يشمل ذلك وجود برامج تدريبية لرجال المرور الذين يواجهون الجمهور وللتعامل مع السياح، ومواد مرئية للجمهور لإيصال كل المعلومات حول التعديلات والمخالفات المرورية بوصف ذلك، وهو ما يسهم في الوعي المروري وفي الالتزام بتعليمات المرور، ويشمل ذلك مؤسسات النقل والسياحة التي ستتعامل معهم. وقد يتيح هذا فرصة وجود صور نمطية جيدة لدى السائحين عن المملكة وأنظمتها ورجال المرور فيها، وطبيعة نمط الحياة السائد، ويشمل ذلك طبعًا رجال الأمن الذين يعملون في الطرق (أمن الطرق).

 

  • المشاركون:
  • الورقة الرئيسة والمعقِّبون: م. بدر العيادة (ضيف الملتقى)([1])، د. علي مليباري (ضيف الملتقى)([2])، د. فهد اليحيا.
  • إدارة الحوار: أ. عاصم العيسى
  • المشاركون في الحوار والمناقشة:
  • م. سالم المري
  • أ. فائزة العجروش
  • د. خالد الرديعان
  • د. وفاء طيبة
  • د. ناصر القعود
  • د. عبد العزيز الحرقان
  • د. صدقة فاضل
  • د. بسمة التويجري
  • د. فوزية البكر
  • م. خالد العثمان
  • د. زياد الدريس
  • د. عبد الرحمن الهدلق
  • أ. محمد الدندني
  • د. سليمان العقيلي
  • أ. فهد الأحمري
  • د. ريم الفريان
  • د. عبد الرحمن العريني
  • أ. فهد القاسم
  • د. عبد الرحمن باسلم
  • د. مها المنيف
  • د. هند الخليفة
  • د. حسين الحكمي
  • د. مساعد المحيا

(*) كاتب اقتصادي في صحيفة الاقتصادية السعودية.

(*) مستشار رأس المال البشري وتطوير الأنظمة.

([1]) مهندس مستشار خبير في تخطيط النقل وهندسة المرور.

([2]) مؤلف كتاب (السلامة المرورية الأسرية)، ورئيس تحرير مجلة (الهندسة المدنية).


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-72-لشهر-فبراير-2021.pdf