للاطلاع على التقرير وتحميله إضغط هنا


إبريل 2021

  • تمهيد:

يعرض هذا التقرير موضوعين من الموضوعات المهمة، وقد تمَّ طرحهما للحوار في ملتقى أسبار خلال شهر إبريل 2021م، وناقشهما نُخبة متميزة من مفكري المملكة في مختلف المجالات، والذين أثروا الحوار بآرائهم البنَّاءة ومقترحاتهم الهادفة حول القضيتين التاليتين:

  • مرجعية تقييم التعليم من خلال الدراسات الدولية.
  • برنامج شريك السعودية: قراءة في التطلعات والتحديات.

 


القضية الأولى 

مرجعية تقييم التعليم من خلال الدراسات الدولية

(4/4/2021م)

 

  • أولًا: الملخص التنفيذي.
  • ثانيًا: التعريف بالدراسات الدولية والهدف منها.
  • ثالثًا: مرجعية تقييم التعليم وآلياته في ضوء الدراسات الدولية.
  • رابعًا: أسباب ضعف الاستفادة من الدراسات الدولية.
  • خامسًا: آليات تطوير تقييم التعليم والإفادة من الدراسات الدولية.
  • سادسًا: التوصيات.
  • المشاركون.

 

 أولًا – الملخص التنفيذي:

تناولت هذه القضية مرجعية تقييم التعليم من خلال الدراسات الدولية، وفي هذا السياق فقد تمَّ الإشارة إلى أن الدراسات الدولية (مثل: تيمز TIMSS، وبيرلز  PIRLS، وتاليس TALIS، وبيزا PISA) تُنظِّمها منظمات دولية محترمة لها سمعتها وخبرتها العميقة في إجراء هذه الدراسات، من أجل تقييم التعليم في البلدان الراغبة في الاشتراك في هذه الدراسات؛ وذلك بهدف تقييم هذه الدول لتعليمها سواء كان تقييمًا متفردًا من خلال هذه الدراسات الدولية أو تقييمًا مقارنًا من خلال مقارنة نتائجها في هذه الدراسات الدولية بما لديها من نتائج اختبارات أو دراسات وطنية محلية أو حتى إقليمية، لتُمثِّل المشاركة نوعًا من تحقيق مصداقية البياناتCross Validation ، وهذه الدراسات تتضمن بحثًا شاملًا لمختلف المتغيرات المهمة المؤثرة في جودة التعليم، وتُقدِّم نتائج هذه الدراسات معلومات جيدة عن أثر هذه المتغيرات على التعليم كمًّا ونوعًا، ويصاحب الدراسة اختبار في موضوع تهتم به الدراسة؛ فمثلاً: تيمز TIMSS تهتم بالعلوم والرياضيات، وبيرلز  PIRLS  تهتم بالقراءة، وهكذا؛ ولهذا السبب شاع عن هذه الدراسات أنها اختبارات فقط، ويكون اهتمام الإعلام عادةً منصبًّا على نتائج تلك الاختبارات بالدرجة الأولى، وهذا متوقع لقوة نفوذ الاختبار في تقديم معلومات عالية الموثوقية تعكس أداء الطالب مباشرة، وهو المستفيد النهائي والمحوري من الخدمة التعليمية محل بحث الدراسة.

ويُوضِّح هذا التقرير أن الدراسات والاختبارات الدولية تعَدُّ رافدًا مهمًّا من روافد تقويم التعليم وإعطاء مؤشرات عن مدى تطوُّره. كما أنها تُعَدُّ نقاط بداية لمشروعات تربوية تطويرية. وهي في حال التعامل الجادِّ بعيد النظر معها، تُسهم في تصحيح مسار التعليم، وتساعد في تطوير سياساته وممارساته. وفي كثير من الدول، هناك اختبارات وطنية تُجريها جهة أخرى غير وزارة التعليم، قد تكون مجلسًا وطنيًّا أو هيئة أخرى. كذلك فإن بعض الدول تُعوِّل على نتائج اختبارات الدراسات الدولية لتتخذ قرارات إصلاحية في تعليمها حتى مع توفُّر اختبارات أو دراسات وطنية لديها.

ويعرض التقرير أسباب ضعف الاستفادة من الدراسات الدولية، لا سيما ما يتعلق بأنه يتم التعامل معها في الأساس من منطلقين: الأول منطلق إعلامي وقتي، بحيث نستغلها إعلاميًّا استغلالاً ينتهي في الغالب في وقته، دون أدنى فائدة تُذكر. والثاني أننا نتعامل معها على أنها (مسابقة) نحرص فيها على إحراز تقدُّم في (المراكز) دون النظر والتحقُّق الفعلي في مدى التقدُّم في الواقع، ودون محاولة الاستفادة من تلك الدراسات لرسم سياسات مستقبلية تؤدي إلى تعديل مسارات التعليم وحل مشكلاته.

ومن أبرز التوصيات التي تمَّ الانتهاء إليها ما يلي:

  • الاعتماد على الدراسات الدولية كأساس ضمن الإطار المرجعي لتطوير المنظومة التعليمية.
  • إيجاد آلية حوكمة لاتخاذ القرارات التربوية الإستراتيجية في التعليم من قِبل مجالس متخصِّصة تعتمد على معطيات علمية وسياقية وتقويم صادق للممارسات، واعتبار الشأن التعليمي قضية (أمن وطني).
  • الحرص على الاستقلال التام لجهات تقويم التعليم عن الجهات التنفيذية للتعليم، وارتباطها بالسلطات العليا في الدولة.
  • تشجيع ودعم مراكز البحوث ومحاضن التفكير للاستفادة من بيانات دراسات التقويم المختلفة الوطنية والدولية، واستثارة الحوار الوطني حول القضايا التعليمية بالدليل العلمي، والإسهام في المعرفة العالمية بواسطة بيانات السياق السعودي.
  • توفير بيانات مراقبة الأداء التعليمي لمدارس التعليم العام.

 

  • ثانيًا – التعريف بالدراسات الدولية والهدف منها:

الدراسات الدولية (مثل: تيمز TIMSS، وبيرلز  PIRLS، وتاليس TALIS، وبيزا PISA) تنظمها منظمات دولية محترمة لها سمعتها وخبرتها العميقة في إجراء هذه الدراسات، من أجل تقييم التعليم في البلدان الراغبة في الاشتراك في هذه الدراسات؛ وذلك بهدف تقييم هذه الدول لتعليمها سواء كان تقييمًا متفردًا من خلال هذه الدراسات الدولية أو تقييمًا مقارنًا من خلال مقارنة نتائجها في هذه الدراسات الدولية بما لديها من نتائج اختبارات أو دراسات وطنية محلية أو حتى إقليمية، لتُمثِّل المشاركة نوعًا من تحقيق مصداقية البياناتCross Validation ، وهذه الدراسات تتضمن بحثًا شاملًا لمختلف المتغيرات المهمة المؤثرة في جودة التعليم. وتُقدِّم نتائج هذه الدراسات معلوماتٍ جيدةً عن أثر هذه المتغيرات على التعليم كمًّا ونوعًا، ويصاحب الدراسة اختبار في موضوع تهتم به الدراسة؛ فمثلاً: تيمز TIMSS تهتم بالعلوم والرياضيات، وبيرلز  PIRLS  تهتم بالقراءة، وهكذا؛ ولهذا السبب شاع عن هذه الدراسات أنها اختبارات فقط، ويكون اهتمام الإعلام عادةً منصبًّا على نتائج تلك الاختبارات بالدرجة الأولى، وهذا متوقع لقوة نفوذ الاختبار في تقديم معلومات عالية الموثوقية تعكس أداء الطالب مباشرة، وهو المستفيد النهائي والمحوري من الخدمة التعليمية محل بحث الدراسة.

وقد أصبحت الدراسات الدولية من الأدوات المستخدمة على نطاق واسع عالميًّا، ومن المرجعيات المهمة لتقييم التعليم لعدة أسباب؛ منها:

  • تُركِّز هذه الدراسات على المواد الدراسية الثلاث (القراءة، والرياضيات، والعلوم)، وهي الركائز التي يعتمد عليها الطلبة في التعلم وذلك أثناء اكتسابهم المهارات الأساسية التي يحتاجونها للتقدُّم في حياتهم الدراسية والمهنية، وهذه المواد تُدرس في جميع النظُم التعليمية حول العالم؛ لذا قياس أداء الطلبة فيها لا يجب أن يكون بمعزل عن غيره.
  • لا تقف هذه الدراسات عند تقييم إنجازات الطلبة في هذه المواد، بل تساعد في تحديد العوامل المؤثرة فيها، وفهم نقاط القوة ومواطن الضعف في التدريس وتطوير المنهاج التعليمي وأساليب تدريس القراءة والرياضيات والعلوم، وهذا يجعلها أداةً مهمة يمكن الاستفادة منها.
  • ساعدت نتائج هذه الاختبارات بعض النظُم التعليمية حول العالم على تحسين جودة التدريس في الجوانب الرئيسية من المنهاج التعليمي لدى الطلبة، وعلى استكشاف العوامل والمواقف المرتبطة باكتساب وممارسة المهارات اللُّغوية الأساسية، وأظهرت تلك النظُم تحسُّنًا في أداء الطلبة.
  • تتيح هذه الدراسات بناء بيانات شاملة تساعد التربويين وراسمي السياسات على تطوير حلول مستندة إلى أدلة لتحسين إنجازات الطلبة الدراسية في الرياضيات والعلوم والقراءة.
  • تمتلك هذه الدراسات القدرة على بناء إطار عمل يتيح اختبار الطلبة في المجالات الإدراكية والمهارية ومجالات المحتوى، وفي الوقت نفسه تُعطي أهمية للسياقات المختلفة التي تحدث فيها العملية التعليمية والعوامل المرتبطة بها، والتي تؤثر في التعلم؛ وهذا يعني أنها تُركِّز على جَمْع المعلومات المتعلقة بسياقات التعلُّم وتأثيرها في أداء الطلبة، كما تهتم بجَمْع البيانات من خلال الاستبانات التي يتم توزيعها على المدارس والطلبة والمعلمين وأولياء الأمور، وهذا يُمكِّنها من توفير نظرة شاملة عن عملية التعلُّم. ولا شك أن جَمْع هذا النوع من البيانات -التي يصعب جمعها عادة – على نحو منتظم يضع بين أيدي راسمي السياسات والتربويين معلوماتٍ في غاية الأهمية أثناء تصميم السياسات والممارسات ومتابعة جودة العملية التعليمية بناءً على تكوين فهم متطور ودقيق للظروف المحيطة بالطلبة.
  • كما تُتيح المعلومات التي تُقدِّمها الدول المشاركة – بالإضافة إلى المعلومات التي يتم جمعها من خلال الاستبانات – مزيدًا من الفرص لمعرفة عدد كبير من العوامل التي تؤثر على تعلُّم الطلبة، مثل: المصادر المتاحة في المدرسة، وممارسات التدريس، ومواقف الطلبة، والدعم الذي يحصل عليه الطالب في المنزل ليتعلم. ويمكن أن تقدِّم للنظُم التعليمية المتشابهة أو التي لديها نفس الصعوبات فُرصًا للتحسُّن من خلال المقارنة أو العمل المشترك.
  • ثالثًا – مرجعية تقييم التعليم وآلياته في ضوء الدراسات الدولية:

تعدُّ الدراسات والاختبارات الدولية رافدًا مهمًّا من روافد تقويم التعليم وإعطاء مؤشرات عن مدى تطوره. كما أنها تُعَدُّ نقاط بداية لمشروعات تربوية تطويرية. وهي في حال التعامل الجادِّ بعيد النظر معها تُسهم في تصحيح مسار التعليم، وتساعد في تطوير سياساته وممارساته.

وفي كثير من الدول، هناك اختبارات وطنية تُجريها جهة أخرى غير وزارة التعليم، قد تكون مجلسًا وطنيًّا أو هيئة أخرى، وفي المملكة كان يُعوَّل كثيرًا على هيئة تقويم التعليم، ولكن ظلَّت تراوح مكانها في هذا الجانب ولم تتقدم كثيرًا، كذلك فإن بعض الدول تعول على نتائج اختبارات الدراسات الدولية لتتخذ قرارات إصلاحية في تعليمها حتى مع توفُّر اختبارات أو دراسات وطنية لديها، ومثال ذلك أستراليا عام 2016 اعتمادًا على نتائج تيمز TIMSS 2015، وكذلك فعلت كرواتيا عام 2015، وفي الأردن فبحسب ورقة أردنية([1])، فقد اعتمدت الأردن نتائج اختباري تيمز وبيزا بين مؤشرات الأداء الرئيسية KPIs للتعليم الأردني، وذلك في مؤشرات تقييمها للرؤية الوطنية نحو 2025. أما في ألمانيا فقد أصابها عام 2000 ما يُسمَّى بصعقة بيزاPISA Shock  إثر انخفاض نتائجها عن المتوقع، فتمت عدة إجراءات؛ أبرزها: إقرار مقترح الاختبارات المركزية المعيارية ومقترح اليوم الكامل، وإدراج مرحلة بينية ضمن مراحل التعليم، والاهتمام بفئات الطلاب المهاجرين وزيادة الإنفاق على التعليم، فجاءت نتائج مثمرةً في القراءة بعد ذلك عام 2009، وكذلك حصلت موجات مشابهة جراء اختبار بيزا في السويد واليابان ودول أخرى.

التقييم هو الوسيلة الأمثل لمعرفة أين يسير التعليم، ولنا في الولايات المتحدة خير مثال، حينما صدر تقرير “أمة في خطر”  A Nation at Risk في بداية الثمانينيات، حيث وضَّح التقرير أن مستويات الطلاب في اختبارات ساتSAT  انخفضت 50 درجة في القراءة و40 في الرياضيات بين الستينيات والثمانينيات، وقد انطلقت الدراسة بناءً على ملاحظة وزير التعليم آنذاك انخفاض مستويات الطلاب، فدعا إلى تكوين لجنة وطنية، وشكَّلها الرئيس رونالد ريغان Ronald Regan من الحكومة والقطاع الخاص ووزارة التعليم، وقد كلَّفت اللجنة جيمس هارفي James J. Harvey بكتابة التقرير، فكان مما قال فيه([2]): “إنَّ أساسات التعليم في مجتمعنا حاليًّا تتصدَّع، وإن ارتفاع حالة التوسُّط mediocre  (أو عدم التفوق) لهي مُهدِّدة لمستقبلنا كأمة وكشعب. ولو أن قوة غير صديقة أجنبية حاولت أن تقهر أمريكا إلى مثل هذا الأداء التعليمي الوسطي (غير مرتفع الجودة)، والذي نعيشه اليوم، فإننا بالتأكيد سوف ننظر إليه كتهديد بالحرب علينا”. ولعلنا نعيش حالة الوسط هذه على أقل تقدير! فحتى متى نظلُّ قابعين فيها، وكيف نخرج منها؟ بعد مشاركة المملكة في 3 دراسات دولية بكل جدية، هي 2011، 2015 ومؤخرا 2019، ومشاركاتها التجريبية عامي 2003 و2007، وكذلك مشاركتها في اختبار بيزا PISA عام  2019، وكذلك صدور تقرير منظمة أو إي سي دي OECD العام الماضي 2020 عن التعليم في المملكة (ينظر في ذلك المقالة التالية https://bit.ly/39ffvh1) ألا ينبغي أن تكون لنا وقفة جادة مع نتائج كل هذه الدراسات، لنجعل منها وسيلةً مرجعية للحكم على التعليم، والانطلاق منها للتطوير والتحسين وإعادة الصياغة لمستقبل أجيالنا القادمة ولاقتصادنا الذي نتطلع إليه معتمدًا على المعرفة والإنتاجية المحلية، بعيدًا عن الموارد الناضبة، واستبدالها بموارد العقول ومستقبل المستقبل؟  وإذا لم يكن كذلك، فما هو البديل؟!

والحقيقية أن دراسات التقويم الدولية قدَّمت لنا الكثيرَ من المعلومات والأدلة المتراكمة التي تكشف لنا عن أن تعليمنا لا يسير بما يواكب طموحاتنا أو المكانة الإستراتيجية للسعودية. وتكشف المقارنة المباشرة بين المستوى الاقتصادي للمملكة وأداء طلبتها في الاختبارات الدولية – بالنظر إلى المكانة الاقتصادية للدول المشاركة الأخرى وأداء طلبتها – عن أن أداء طلبة المملكة أقل بكثير من المتوقع مقارنةً بالناتج الإجمالي المحلي؛ فمتوسط دخل الفرد في المملكة لا يختلف عن متوسط دخل الفرد في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكن أداء طلبة المملكة في بيزا 2018 – على سبيل المثال- أقل بقرابة 100 نقطة أو أكثر مقارنةً بمتوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو الفرق الذي يعادل ثلاثة أعوام من التعلُّم، بالنظر إلى أن العام الواحد يوازي – تقديريًّا – 30 نقطة في مقياس بيزا، وكأن طلبتنا يفقدون عامًا من كل ثلاثة أعوام، باعتبار أن بيزا يُطبَّق على طلبة الصف العاشر، بعد مضي 9 أعوام من التعليم المدرسي. وفي مؤشر رأس المال البشري الذي بدأ البنك الدولي في إصداره عام 2018، وصدر المؤشر لعام 2020 في الخريف الماضي، يتضح أن السعودية متقدمة جدًّا في المقاييس الكمية للتعليم، ففي المتوسط يدرس الفرد في المملكة – مَن هو في عمر 18 عامًا- قرابة 13 عامًا من 14 عامًا متوقعة. ولا شك أن تقدُّم المملكة في المقاييس الكمية للتعليم إنجازٌ جدير ﺑﺎلإبراز، ودليل على إﺗﺎحة فرص التعليم وإلحاق الطلبة ﺑﺎلمؤسسات التعليمة والاحتفاظ ﺑهم، لكن جودة التعليم لا تزال مثبطة لذلك الإنجاز، فحينما تربط أعوام التعليم هذه بمتوسط درجات طلبة المملكة في الاختبارات الدولية، وتصبح الجودة شرطًا للكم؛ تتقلص الأعوام الثلاثة عشر إلى أقل من ثمانية، وكأنَّ عامًا من كل ثلاثة أعوام من التعليم الرسمي يذهب هدرًا.

وبالفعل، فإن دراسات التقويم الدولية تُوفِّر لنا مقارنات مرجعية (Benchmarks)، وهي مرجع في حد ذاتها؛ بدليل استناد المبادرات المنبثقة من رؤية السعودية 2030، على مؤشرات مستخلصة من دراسات التقويم الدولية تلك، وبدليل ردة فعل الدول المتقدمة وما تتخذه من إجراءات لإصلاح التعليم بناءً على أداء طلبتها وبياناتهم في تلك الدراسات، واستخلاص الدليل الذي يُوجِّه سياسات التحسين وممارساته، مع المقارنات الدولية وقراءة تجارب الآخرين الإيجابي منها والسلبي، وفهم السياق الوطني جيدًا، ثُمَّ الإيمان بأن الإصلاح يكون من خلال تدخلات محددة ذات تأثير محوري.

  • رابعًا – أسباب ضعف الاستفادة من الدراسات الدولية:

إن مما يُضعِف الاستفادة من تلك الدراسات والاختبارات أننا نتعامل معها في الأساس من منطلقين؛ الأول: منطلق إعلامي وقتي، بحيث نستغلها إعلاميًّا، استغلالًا ينتهي في الغالب في وقته، دون أدنى فائدة تُذكر. الثاني: أننا نتعامل معها على أنها (مسابقة) نحرص فيها على إحراز تقدُّم في (المراكز) دون النظر والتحقُّق الفعلي في مدى التقدُّم في الواقع، ودون محاولة الاستفادة من تلك الدراسات لرسم سياسات مستقبلية تؤدي إلى تعديل مسارات التعليم وحل مشكلاته.

إن الدول التي تستفيد من تلك الدراسات هي الدول التي تتعامل معها بمسؤولية بعيدة عن تلك الرؤية القاصرة. ويرى البعض أن تعاطي وزارة التعليم سطحيٌّ مع تلك الدراسات، ولعل في ذلك التعاطي (على الأقل كما يظهر في الإعلام) نوعًا من الانجراف إلى تحقيق المكاسب، وليس الاستفادة الفعلية من نتائج تلك الدراسات وتوصياتها.

وفي سياق متصل، ثمة آراء تذهب إلى أن إحدى مشكلاتنا – ربما – هي أن محاولات الإصلاح في التعليم تستضيء ﺑﺎلممارسة أكثر مما تستضيء ﺑﺎلدليل العلمي. في وقت مضى، كان الدليل العلمي ضعيفًا، أما اليوم فالأمر ليس كذلك، خاصة مع توافر بيانات التقويم الدولية ومعه تراكم الدليل العلمي ومخرجات تجارب الإصلاح عبر العالم. ومن مشكلات الإصلاح أيضًا التي ربما يعاني منها تعليمنا هي تعدُّد التدخلات وضعف أثر كثير منها، ﺑﺎلرغم مما تستنزفه من أوقات وطاقات وموارد.

وفي المجمل، المشكلة ليست في عدم وجود المقارنة المرجعية أو نقص بيانات التقويم، بقدر ما تكمن في مراسنا في استنطاق بيانات التقويم وبلورة الدليل العلمي، ثم انتقاء التدخلات ذات الطبيعة المحورية والتأثير الواسع.

وتجدر الإشارة إلى أن الاختبارات في دراسات التقويم الدولية ليست عاليةَ الخطورة بالنسبة للطالب، فهي لا تمسُّ مسيرة الطالب التعليمية بشيء ملموس بالنسبة له، مما قد يدعو للقول بعدم جدية الطلبة في التعامل معها، لكن هذا حالها في الدول جميعها، وخطأ القياس الناتج من عدم جدية الطلبة سيكون نفسه تقريبًا في الدول كلها. ومن الملاحظ أن تطبيق بيزا ٢٠١٨ وكذلك تيمز ٢٠١٩ كانا مصحوبين بحملة توعية وتهيئة للطلبة للتعامل بجدية مع متطلبات الدراسة سواء أكان الاختبار أم غيره من المتطلبات. نتائج بيزا ٢٠١٨ ثم تيمز ٢٠١٩ وهما اللذان شهدا تهيئة غير مسبوقة للطلبة وأعضاء هيئة العمل في المدارس وأولياء الأمور والمجتمع – تدعونا لعدم قبول فرضية عدم جدية الطلبة. وإنْ وُجدت عدم الجدية، فستكون بالقدر نفسه في الدول كلها.

وهناك عناصر عدة ذات صلة بموضوع الاختبارات الدولية ونتائجها لطلاب وطالبات المملكة. أحد هذه العناصر المهمة هو المعلم وتأهيله وقدراته ومهاراته وأدواته التعليمية وآليات التحاقه بكليات التربية وكليات المعلمين والمعلمات، ومستوى من يُعلِّمه، إضافةً إلى ضمان الوظيفة التي تتحقق للملتحقين بكليات التربية بعد التخرُّج (إلى وقت قريب). مقررات العلوم والرياضيات تقريبًا هي نفسها التي يدرسها الطالب الأمريكي؛ لأنها تُدرس بالفعل بالمملكة مع بعض التكييف الذي لا يؤثر على علميتها. وقد أظهرت نتائج الاختبارات التي عُقِدت للمعلمين الخريجين ومَن هم على رأس العمل تدنيًا واضحًا في نتائج اختباراتهم، فكيف نتوقع من طالب التفوق وهذا هو مستوى مُعلِّمه (بالطبع هذا لا ينقص من أن هناك معلمين على مستوى عالٍ، وهناك كذلك طلاب موهوبون أو متميزون).

طالما أنه ليست كل أنظمة التعليم متساوية من حيث الخبرات والكفاءة، وهناك تباين واسع فيما بينها. كيف يمكن اعتبار اختبارات الكفاءة الدولية وسيلةً موضوعيةً لمقارنة نتائج التعليم بين الدول؟!

وعليه، يجب أن تأخذ اختبارات الكفاءة الدولية بعين الاعتبار الحقائقَ الاجتماعية والسياسية والصحية والاقتصادية للبلدان المعنية؛ لأن هذه العوامل هي ركيزة المجتمعات ولا يمكن الإغفال عنها، ومن ثَمَّ نتحدث عن نجاعة وكفاءة التعليم. بالإضافة إلى أنها يجب ألا تقيس المخرجات فحسب، ولكن أيضًا النتائج؛ لأن الأول يقيس النتائج الكمية، والأخير يُقيِّم المكاسب المعرفية، أي الجوانب النوعية للتعليم.

علاوة على ذلك، القياس الفعلي لرأس المال البشري في قطاع التعليم يستخدم نسب الالتحاق وسنوات الدراسة، ونسبة معلم إلى تلميذ. وبالطبع، لن تكون هي نفسها في مختلف البلدان. وكلها مقاييس كمية لا تأخذ في الاعتبار الجوانب النوعية للتعليم. ومن الواضح أن هذا يُسبِّب تشويهًا للنتائج؛ نظرًا لأن الاختلاف النوعي في تدريب المعلمين، ومدى ملاءمة المرافق والبنية التحتية وتوافر التكنولوجيا، وكذلك تطوير المناهج الدراسية باستمرار.

ومن ناحية أخرى، فلا تزال الدراسات السعودية التي عملت على بيانات التقويم الدولية محدودة في كمها وكيفها، بالرغم من القيمة العالية لبيانات دراسات التقويم الدولية، بحكم أنها بيانات تجريبية، إذا جاز لنا القول؛ فهي تعكس تجربة طبيعية. وتتضمن بيانات دراسات التقويم الدولية مقياسًا للمخرجات، يتمثَّل في اختبار التحصيل المعرفي، كما تتضمن بيانات تقيس ظروف الطلبة في منازلهم وبيئتهم الخارجية وكذلك موارد المدارس وظروفها وغُرف الصف وظروفها بما فيها طرق التدريس. هي بيانات واسعة النطاق، وتمكِّن من مقارنة المدخلات مع المخرجات باستعمال أساليب دراسة الارتباط المختلفة، أحادية المستوى ومتعددة المستوى، وبحسب طبيعة الموضوع المدروس يكون اختبار المتغيرات، وهذا غيض من فيض من البحوث التي يُمكن أن تستعمل بيانات دراسات التقويم الدولية.

أما بالنسبة للتدخلات المحدودة ذات الأثر الواسع، فالمقصود قاعدة عشرين ثمانين الشهيرة، بالتركيز على الجوانب المفصلية في النظام التعليمي، التي يسهم إصلاحها في إصلاح غيرها. على سبيل المثال، انشغلنا كثيرًا بموضوع المباني المستأجرة، وربما صنفناها أنها أهم مشكلات التعليم، وربما حُلِّت المشكلة بشكل كبير، لكن هل أسهم ذلك في حلِّ مشكلة جودة التعليم؟ طبعًا لا. نعم، المباني المستأجرة غير مقبولة، وحل مشكلتها واجب؛ لكن كان علينا معرفة حدود تأثيرها، وألا نتعامل معها أنها أهم مؤثرات الجودة. دول أخرى عبر العالم أقرَّت سياسة مُكلِّفة جدًّا، تتمثل في تخفيض أعداد الطلبة في الفصول، ربما استجابةً للضغط الاجتماعي، لكن جودة التعليم لم تجنِ ثمارًا من هذه الخطوة المكلِّفة. نعم، غير مقبول تزاحُم الطلبة في الفصول، ويجب عدم السماح به، لكن هذه المشكلة ليست المسؤولة عن خفض جودة التعليم. الدليل العلمي يقول بالقيمة العالية لجودة المعلم، والمعلم مكونان: قدرة معرفية وسلوك، يقابلهما تحديات عملية التعلُّم وتعقيداتها. ومتى ما تكاملت القدرة المعرفية والسلوك لدى المعلم وبلغ التكامل أقصاه متى ما كان التعلم جيدًا. ولذا، قد يكون من المناسب دعم المعلمين على المدى القصير، وتجديد برامج انتقائهم وإعدادهم على المدى الطويل. استثمارنا في تحسين جودة المعلمين سيعود بالكثير من الفوائد.

  • خامسًا – آليات تطوير تقييم التعليم والإفادة من الدراسات الدولية:

إن الدراسات الدولية يجب ألا تكون هي المرجعية الأوحد في تقويم التعليم، لكنها بلا شك مدخل من مداخل التقويم. يجب أن يكون هناك نماذج تقويم وطنية شاملة لتقويم التعليم، تكون أكثر واقعيةً وأوسع في التطبيق وأكثر تنوُّعًا، لتُعطي صورةً مكمِّلة لتلك الدراسات الدولية. والتصوُّر أن هيئة تقويم التعليم في المملكة – مع ما توفَّر لها من خبرات تقويمية داخلية وخارجية – قادرةٌ على القيام بهذا العمل، بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة.

من الضروري أيضًا أن تقوم هيئة التقويم بدراسات متوسعة ومتعمقة (ومكمِّلة) لتلك الدراسات الدولية، تُفسِّر تلك النتائج في ضوء معطيات تقويمية وطنية، وهو ما يعطي مصداقية لتلك الدراسات، ويدفع بها إلى أبعاد أكثر عمقًا وتفصيلًا. أيضًا، من اللازم لكي يتم الاستفادة من تلك الدراسات أن توجد (وحدة) تكون مهمتها البناء على ما تقوم به وزارة التعليم وهيئة التقويم من قراءات وتفسيرات ودراسات على تلك الدراسات الدولية، بحيث تُحوِّل ذلك كله إلى سياسات عمل (مقترحة) على مستوى الوزارة، وبرامج تنفيذية على مستوى الميدان.

إنَّ المشاركة في تلك الدراسات التقويمية مُكلِّفة ماديًّا وبشريًّا. ويجب ألا تكون نظرتنا لتلك الدراسات مقتصرةً على مدى تحقيق التقدُّم في المراكز؛ بل يجب أن يُنظَر لها على أنها فُرصة لبيان جوانب الضعف (والقوة) في نظامنا التعليمي، وأن نتائجها بوصلة تساعدنا على تقويم السياسات التعليمية وإعادة تطويرها، وأنها (منجم) لبرامج العمل التطويرية التي نستفيد منها من التجارب العالمية.

أما عن دور هيئة تقويم التعليم والتدريب، فإنها قد نفَّذت دراسات تقويم نواتج التعلم (وهي ما يشيع تسميتها الاختبارات الوطنية) في عامي 2015 و2016 ثم في عامي 2018 و2019، بالتطبيق على عينات من المدارس والطلبة ممثِّلة للمملكة العربية السعودية والمناطق الإدارية، واتفقت دراسات التقويم الوطنية هذه مع دراسات التقويم الدولية فيما يخصُّ أداء طلبة المملكة، كما كشفت عن تباين في الأداء بين مناطق المملكة. وحتى تُستعمَل نتائج التقويم في حث أداء المدارس، كمؤسسات متكاملة، ووحدات إنتاج للتعلُّم؛ فقد عملت الهيئة مؤخرًا على تجديد إطار تقويم نواتج التعلم، ليشمل مجتمع المدارس كاملًا، فلا تبقى مدرسة دون تقويم؛ وبذا سيكون لكل مدرسة تقويم موضوعي، مستند إلى بيانات شاملة عن المدرسة، فيتيسَّر رصد التحُّسن في أداء المدارس، ودعم المدارس التي تحتاج إلى دعم، وإبراز المدارس جيدة الأداء، فضلًا عن إمكانية رصد الإيجابيات والتحديات والمشكلات على المستوى القطاعي.

وما يلزمنا كذلك أن تكون خطوط التواصل واضحةً بين الخُطط التعليمية وعملية تقييم التعليم وبين النتائج الحقيقة والواقعية بكل شفافية لطلابنا، وربطها بالحاجات الفعلية للمجتمع السعودي ولسوق العمل. عندها، سنجد ارتفاعًا في درجة القدرة على المنافسة والاستجابة لمتطلبات التنمية، خاصة بعد ما نرى انعكاس جودة التعليم وتلمُّس آثاره في عجلة التنمية وفي نوعية الحياة في الوطن؛ ومن ثَمَّ تتعزز ثقة الفرد السعودي بالنظام التعليمي وجودة مخرجاته.

ومن جهة أخرى، ومع أن الدراسات الدولية تعَدُّ من المرجعيات المهمة لتقييم التعليم، إلا أن ثمةَ آراء بأن يُبنَى ملف التقييم على دمج نماذج لتجارب وطنية وعالمية معًا، من منطلق أن من المهم وجود نماذج تقييم وطنية شاملة لتقييم تعليمنا العام والعالي والمهني والتقني، ويمكن في هذا الإطار جَعْل نتائج الدراسات السابقة وسيلةً مرجعية  للمنظومة التعليمية؛ فأسلوب المقارنة هنا سيعمل على عمل مقارنة مرجعية داخلية لأداء طلابنا والنظام التعليمي برُمته من خلال نتائج الدراسات الجديدة والتي سبقتها؛ بهدف إيجاد الطرق الأفضل للتعميم، أو الأسوأ للتحسين. ويمتاز هذا النوعُ من المقارنة بسرعة وسهولة الحصول على معلومات وافية. وعلى الرغم من كونها معلومات داخلية تاريخية لا تُقدِّم معرفةً عن مدى تطوُّر المنافسين في الدول الأخرى، إلا أنها تُشكِّل قاعدةً مهمة لمقارنة نتائج الطلاب أو مستوى تقدُّم التعليم مع بيانات العلامة المرجعية الخارجية. وعادةً ما يُمثِّل هذا النوعُ الخطوةَ الأولى في أي عملية مقارنة مرجعية خارجية. وهو بلا شك أسلوب يمكن الاعتماد عليه؛ كونه يُعبِّر عن نتائج طلابنا ومدى استفادتهم من النظام التعليمي. ويمكن اعتباره من الأدوات التي يمكن استخدامها بفاعلية لإجراء تحسين وتطوير في أداء التعليم وتطويره، حيث إنَّها تجيب عن العديد من التساؤلات التي يمكن للباحثين والمهتمين من خلالها التعرُّف على إمكانياتنا التعليمية ووضع طلابنا عالميًّا، وذلك فيما يتعلق بالجوانب التالية:

  • مستوى طلابنا ومعلمينا ومناهجنا الدراسية في الفترة الحالية بعد مقارنتها بنتائج الفترة الماضية، وموقع طلابنا ومعلمينا ومناهجنا الدراسية من الآخرين في الدول الأخرى. وفي هذا الإطار، يُلاحَظ أن أداء طلبتنا منخفض في دراسات التقويم المختلفة وعبر الجولات المختلفة، ومجموع جولات الدراسات كلها حتى الآن سبع جولات، ممتدة على ١٦ عامًا، بدءًا من دراسة تيمز ٢٠٠٣. وليس هناك تقويم للمعلمين إلا من خلال أثرهم في أداء طلبتهم، وتقول المعالجات الإحصائية الناضجة إن فروق الجودة بين المعلمين فروقٌ واسعةٌ، حتى بين معلمي المدرسة الواحدة. وإذا ما سلَّمنا بالأثر العميق للمعلم في تحصيل طلبته، فإن أداء طلبة المملكة ربما يُعبِّر عن جودة المعلمين. وبخصوص المناهج الدراسية لدينا فلا ينقصها سعة، لكن ربما تفتقد العمق، وقد يغلب على محتواها الجانب النظري؛ الأمر الذي يُشجِّع على الحفظ أكثر من التطبيق. ومقارنةً بالدورات السابقة، لا يظهر تغيير جدير بالملاحظة؛ من واقع بيانات دراسات التقويم نفسها.
  • أهم المجالات التي تحتاج إلى تحسين وتطوير، والآجل والعاجل في إصلاح المنظومة التعليمية. فعلى المدى القصير، هناك مدخلان: (١) الإيمان بتعقيد العملية التعليمية، وبأن المعلمين يواجهون تحديات، وبالتالي دعم المعلمين مباشرة في غُرف الصف بأن تتحول أدوار المشرفين من الرقابة والتقويم إلى مساعدة المعلمين في غُرف الصف ودعمهم مهنيًّا. (٢) تقويم نواتج التعلُّم في المدارس، بواسطة اختبارات معرفية للطلبة، تُنفِّذها هيئة تقويم التعليم والتدريب، بحيث لا تُترك مدرسة واحدة دون تقويم، واستعمال تلك النتائج في تحفيز أداء المدارس. أما على المدى الطويل فنحتاج إلى: (١) تطوير برامج إعداد المعلم على أساسين، هما: انتقاء الخريجين ذوي القدرات المعرفية العالية لمهنة التعليم، وتحويل برامج تدريب المعلمين قبل الخدمة إلى برامج تطبيقية. (٢) تجديد المناهج وتحويلها من مناهج محتوى إلى مناهج مهارات.
  • المناطق التي حقَّقت أفضل نتائج، ومقارنتها ببقية المناطق في المملكة، والأسباب المؤدية لتفوقها. وفي هذا الصدد يُلاحَظ أن المنطقة الشرقية تعَدُّ هي أفضل المناطق أداءً، والأحرى هو تأثير السياق الثقافي الاجتماعي الاقتصادي، حيث غلبة الأفراد المتعلمين الذين يعملون في مهن احترافية في المنطقة الشرقية.
  • مدى إمكانية أن يتميز الطلاب بعد هذه التجارب السابقة. وفي هذا السياق، يمكن العناية بعملية التعليم لأولئك الطلبة منذ التحاقهم بالتعليم؛ منذ التحاقهم بالصف الأول الابتدائي، إذا ما أردنا تحقيق نتائج جيدة بواسطتهم عندما تكون أعمارهم ١٥ في بيزا. وإذا ما وُفِّقنا في تقديم تعليم ذي جودة في مرحلة رياض الأطفال، فإنه سيُسرع التحسُّن.
  • مدى ربط البحث بعمليتي التطوير والابتكار. ويبرز هنا تحدٍ أمام المتخصصين في التربية، فثمة عمل كبير لتطوير مناهج البحوث التي نستعملها؛ ففي معظم الأحوال، مناهج البحوث التي نأخذ بها حاليًّا غارقة في التقليد والتقليدية. قلما يجد فيها صانع السياسة ما يروي عطشَه.

أيضًا، ثمة حاجة قصوى لدراسة وتقييم جدوى وكفاءة ممارسات التعليم والتعلُّم في ظلِّ التغيرات التي حدثت في أنماط الدراسة المدرسية والمنزلية بسبب جائحة كورونا؛ فهذه المرحلة تعتبر فاصلًا للمدارس ومنظومة التعليم بأكملها لإعادة التفكير في التقييم، ولإعادة تخيُّل تقييم التعلُّم بكل أركانه، كما أنها فرصة لمراجعة استخدام تكنولوجيا التعليم لدعم التعلُّم. وما أظهرته من ضعف البنى التحتية في بعض المناطق، وشُح الأجهزة التكنولوجية في بعض المنازل، وضعف كفايات المعلمين والأهالي في تكنولوجيا التعليم. ودراسة النتائج بعناية. مع أهمية التعمق في العلاقات بين المتغيرات المختلفة في البيت والمدرسة، والتي تؤثر في حصول الأطفال على التعليم الكافي والمناسب لتوجيه السياسات العامة والتعليمية.

ومن الضروري التأكيد على أن أي تغييرات وإصلاحات للتعليم، يجب أن تمسَّ جوهر العملية التعليمية، بعيدًا عن الصرف على الشكليات والكماليات على حساب جودة التعليم ومخرجاته الحقيقية، وتُعنَى بالدرجة الأولى بتحسُّن جودة البيئات التعليمية، وتطوير وتحديث المناهج، وتأهيل المعلمين، وأن نضمن استمرار هذه الإصلاحات وعدم اقترانها بشخص الوزير الذي يتغيَّر باستمرار. والحرص على ضبط هذه الإصلاحات بحيث يتم من جهتين: جهة أن تكون مبنية على رؤية علمية متخصصة، والأخرى بإنشاء منصة للحوار الهادف وتوفير الفرصة لجميع أصحاب العلاقة المعنيين للتكامل وللتشاور فيما بينهم. هذا إلى جانب، تحديد أدوار كلٍّ من «وزارة التعليم»، و«هيئة تقويم التعليم» بطريقة واضحة وصريحة؛ خاصةً بعد ما رأيناه من حساسية شديدة وعلاقة شائكة ظهرت للعلن بينهما بعد قراءة نتائج الاختبارات الدولية وتوجيه الانتقادات لبعضهما حتى لو بشكل مُبطَّن أو عبر الندوات والملتقيات؛ حيث ساهمت استقلالية كلٍّ منهما في قيام كل جهة بطرح قراءتها التحليلية على حدة وبدون أي تنسيق مُسبَق؛ وهو ما أدَّى إلى حالة من «التنافسية» بين القطاعين بدلًا من تكاملهما! والنقطة الأهم هي أن يتم التركيز على تحسين تعليم جميع الطلاب، وليس التركيز على الطلاب المتفوقين وحدهم للحصول على نتيجة سريعة وقصيرة المدى، لرفع النتيجة من خلالهم؛ في حين يتم إهمال الشرائح الأخرى من الطلبة. ولا بد من العمل على ربط جسور التواصل بين الأساتذة وأولياء التلاميذ ذوي المستوى الضعيف عن طريق إدارات المدارس، وعَقْد جلسات حوار معهم ومحاولة إشراكهم في تحسين مستوى أبنائهم. والعمل على حدوث دمج حقيقي وشمولي للتكنولوجيا في تعليم الرياضيات والعلوم، وترغيب التلاميذ في مادة الرياضيات ومحاولة تقديمها بطُرق مختلفة وباستعمال الوسائل الحديثة، والانتقال بها من المجرد إلى المحسوس. وإسناد تدريس هذه المواد إلى المعلمين المختصين.

كذلك فإنه إذا أردنا أن نصلَ إلى مستويات مقبولة في الاختبارات الدولية، فيجب أن نهتم بالمعلم تأهيلًا وتدريبًا وتحفيزًا، وأن نختار أفضلَ خريجي المرحلة الثانوية للانضمام للكليات التي تُخرِّج المعلمين والمعلمات، وكذلك نختار أفضلَ أعضاء هيئة التدريس بتلك الكليات، وأن نُوفِّر لها أفضلَ وأحدث التجهيزات التعليمية والتقنية، وأن نُجري اختبارات دورية للمعلمين كل خمس سنوات.

أيضًا، فإننا بحاجة للتخفيف تدريجيًّا من المركزية، وبقدر ما نتجه إلى اللا مركزية، بقدر ما نحتاج إلى زيادة جودة مراقبة الأداء مركزيًّا، وكذلك بقدر ما نحتاج إلى تعزيز أداء مراكز البحوث ومحاضن التفكير المركزية وكذلك مراكز الإحصاء وتحليل البيانات. قد لا يجتمع الضبط المركزي للمدخلات مع المتابعة والمحاسبة المركزية على الأداء.

 سادسًا – التوصيات:

  • الاستفادة من نتائج الاختبارات الدولية ضمن الإطار المرجعي لتطوير المنظومة التعليمية.
  • إيجاد آلية حوكمة لاتخاذ القرارات التربوية الإستراتيجية في التعليم من قِبل مجالس متخصِّصة تعتمد على معطيات علمية وسياقية وتقويم صادق للممارسات، واعتبار الشأن التعليمي قضية (أمن وطني).
  • الحرص على الاستقلال التام لجهات تقويم التعليم عن الجهات التنفيذية للتعليم، وارتباطها بالسلطات العليا في الدولة.
  • تشجيع ودعم مراكز البحوث ومحاضن التفكير للاستفادة من بيانات دراسات التقويم المختلفة الوطنية والدولية، واستثارة الحوار الوطني حول القضايا التعليمية بالدليل العلمي، والإسهام في المعرفة العالمية بواسطة بيانات السياق السعودي.
  • توفير بيانات مراقبة الأداء التعليمي لمدارس التعليم العام.
  • تطوير برامج إعداد المعلم على أساسين، هما: انتقاء الخريجين ذوي القدرات المعرفية العالية لمهنة التعليم، وتحويل برامج تدريب المعلمين قبل الخدمة إلى برامج تطبيقية بحيث يتعلم المعلم من خلال الممارسة والتأمل في الممارسة، ويتحول دور الأستاذ الجامعي بشكل أو بآخر إلى مُرشد تعلُّم للمعلم ومساعد للمعلم في استكشاف نقاط ضعفه وتحسين أدائه.
  • العناية بإستراتيجيات تعويض التعلُّم المفقود في أعقاب الجائحة، مع التركيز على المدارس في المواقع التي تقلُّ فرص الطلبة في وجود الموارد المنزلية الداعمة.
  • قيام وزارة التعليم بتكليف الجهة المختصة في الوزارة بدراسة نتائج الاختبارات الدولية؛ للاستفادة منها في فهم نقاط القوة ومواطن الضعف في التدريس، وتطوير المنهاج التعليمي وأساليب تدريس القراءة والرياضيات والعلوم، وتحسين جودة التدريس، وتطوير وبناء قواعد بيانات شاملة تساعد التربويين وصُنَّاع السياسات على تطوير حلول علمية مستندة إلى أدلة.
  • إعادة النظر في مركزية التعليم وإمكانية مَنْح إدارات التعليم مزيدًا من الصلاحيات في التصرُّف لتعزيز المنظومة التعليمية في المدارس التابعة لها وفق حدود مُلزِمة للأهداف الوطنية لكل منهج، وأن يتم ذلك وفقًا لظروف تلك المدارس وبيئتها، ووفقًا لخُطة تضعها الوزارة وتخضع للمراجعة الدورية
  • أهمية دعم دراسات التقويم الدولية بدراسات تقويم وطنية تُنفِّذها هيئة تقويم التعليم والتدريب، مع أهمية أن يكون التقويم في مستوى المدارس، فلا تبقى مدرسة دون تقويم؛ لتسهيل متابعة تحسُّن المدارس وتعزيز المدارس ذات الأداء الجيد ودعم المدارس ذات الأداء غير الجيد حتى تتحسَّن.
  • في التقييم المحلي للتعليم، من المهم أن يتضمَّن التقييم استفتاء لسوق العمل (القطاع الخاص، القطاع الثالث، القطاع الحكومي)؛ حيث إنَّ مخرجات التعليم عنصرٌ أساسيٌّ في تحقيق الرؤية، ولا يمكن الوقوف على لُبِّ التحديات دون الأخذ بمرئيات سوق العمل كأحد المستفيدين.
  • دراسة أسباب تفوُّق البنات على البنين في دراسات التقويم المختلفة؛ لتعزيز أداء البنات من ناحية، ولاستخلاص ما يمكن أن يفيد في تحسين أداء مدارس البنين من ناحية أخرى.

 

  • المشاركون:
  • الورقة الرئيسة والمعقِّبُون: د. محمد إبراهيم الملحم، أ. د نياف الجابري (ضيف الملتقى)([3])، أ. د راشد العبد الكريم.
  • إدارة الحوار: د. صالحة آل شويل.
  • المشاركون في الحوار والمناقشة:
  • د. محمد الثقفي
  • أ. فائزة العجروش
  • د. عائشة الأحمدي
  • د. خالد المنصور
  • د. خالد الرديعان
  • د. حمد البريثن
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. فوزية البكر
  • د. عبد الرحمن العريني
  • د. خالد بن دهيش
  • د. ريم الفريان

القضية الثانية

برنامج شريك السعودية: قراءة في التطلُّعات والتحديات

(11/4/2021م)

 

  • أولًا: الملخص التنفيذي.
  • ثانيًا: التعريف ببرنامج “شريك السعودية” والهدف منه.
  • ثالثًا: الآثار المتوقَّعة لبرنامج “شريك السعودية”.
  • رابعًا: محاذير/ تحديات تنفيذ برنامج “شريك السعودية”.
  • خامسًا: وسائل تعظيم الفرص من برنامج “شريك السعودية” وتحقيق تكامله مع برامج رؤية 2030.
  • سادسًا: التوصيات.
  • المشاركون.

 

  • أولًا – الملخص التنفيذي:

تناولت هذه القضية التطلُّعات والتحديات ذات الصلة ببرنامج “شريك”، وفي ضوء ذلك فقد تمَّ التعريف ببرنامج “شريك”، الذي أطلقه سمو ولي العهد – حفظه الله – كأحد أهم برامج ومبادرات رؤية السعودية 2030. ويهدف هذا البرنامج إلى دعم وتفعيل مساهمة شركات القطاع الخاص الكبرى في التنمية الوطنية عبر الالتزام بتبنِّي إطلاق مشاريع عملاقة وفق مستهدفات محددة. وقد تمَّ تصميم البرنامج بالشراكة الكاملة مع القطاع الخاص بناءً على دراسة التحديات والفرص الواعدة.

وتطرَّق التقرير إلى الآثار المتوقَّعة لبرنامج “شريك”، التي تتضمن على سبيل المثال: تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل عبر تطوير مشروعات ريادية عملاقة في منظومة الاقتصاد الوطني، وتفعيل دور الشركات الكبرى خصوصًا ومجمل كيانات القطاع الخاص في التنمية الوطنية بالتزامن مع خُطط تنفيذ مجمل منظومة برامج الرؤية وخاصة برنامج الخصخصة، وزيادة فرص العمل وتوليد الوظائف بمستويات ومعدلات كبيرة تُسهم في توفير الرخاء والاستقرار للشباب السعودي، وخلق فرص استثمارية وتعاقدية لكيانات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة تسهم في تنويع فرص عملها وتقليل اعتمادها على عقود المشتريات الحكومية.

ولم يغفل التقرير المحاذير والتحديات التي يمكن أن تواجه تنفيذ هذا البرنامج، فضلًا عن بعض الآثار السلبية التي يمكن أن تنجم عنه أو عن بعض أدواته، ومنها: الخشية من تركيز الاهتمام على شريحة الشركات الكبرى – وبهذا الحجم الهائل – أن يؤثر على فعالية حِزم الدعم الموجَّهة إلى الكيانات الصغيرة والمتوسطة والتي تقع أيضًا ضمن دائرة اهتمام الدولة وبرامجها المتنوعة، وإمكانية التأثير على وفرة وتكلفة أدوات التمويل للكيانات الصغيرة والمتوسطة في ظلِّ الانحياز المتوقع للبنوك وصناديق الاستثمار لتوجيه أدواتها التمويلية للشركات المنضوية تحت برنامج “شريك”، وتناقص القدرة الشرائية بشكل عام نتيجة تناقص توزيعات أرباح الشركات وتوجيهها للاستثمار بدلاً من الإنفاق.

وفي ضوء ما تقدَّم، تمَّت الإشارة إلى مجموعة من وسائل تعظيم الفرص من برنامج “شريك” وتحقيق تكامله مع برامج رؤية 2030، وتتضمن التوصيات التي تمَّ الانتهاء إليها ما يلي:

  • تعزيز الشفافية لبرنامج “شريك”، بحيث تكون الآلية التي يعمل بها واضحة، ويمكن قياسها.
  • حوكمة برنامج “شريك” وفق قواعد مُحدَّدة ونظُم وأطر قانونية تُحدِّد العلاقةَ بين الأطراف وتُعزِّز الرقابة الحكومية عليها، وتزداد أهمية ذلك كلما كان البرنامج متاحًا للشركات الأجنبية.
  • وَضْع خطة دائمة لإعادة تقييم برنامج “شريك”؛ لتجنُّب آثاره السلبية على سوق المال وجاذبية الاستثمار فيه، وتأثيره على إنفاق المستهلك، وتأثير الحوافز على زيادة نفوذ الشركات الكبرى على السوق وطردها للشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة.
  • وَضْع خطة للرقابة على إنفاق الشركات، والتأكد من أنها تضخُّ الأموال المطلوبة في مشاريع جديدة وليس في مشاريعها المعتادة، والتأكد من أن هذه المشاريع تضيف للاقتصاد الوطني من حيث زيادة الإنتاج وخَلْق الوظائف والمساهمة في النهوض بالشركات الصغيرة والمتوسطة.

 

  • ثانيًا – التعريف ببرنامج “شريك السعودية” والهدف منه:

أطلق سمو ولي العهد – حفظه الله – قبل أيام برنامج “شريك” الرائد كأحد أهم برامج ومبادرات رؤية السعودية 2030. يهدف هذا البرنامج إلى دعم وتفعيل مساهمة شركات القطاع الخاص الكبرى في التنمية الوطنية عبر الالتزام بتبنِّي إطلاق مشاريع عملاقة وفق مستهدفات محددة، تتضمن التزام كل شركة تنضم للبرنامج بضخ 20 مليار ريال بحد أدنى على مدى 10 سنوات، وبحيث لا تقل قيمة المشروع الواحد عن 400 مليون ريال؛ وذلك مقابل التزام الدولة بتقديم مجموعة من الحوافز وحِزم الدعم والتمكين لهذه الشركات. وقد تضمَّن إطلاق البرنامج تحديدَ عدد 24 شركة من الشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودية لتكون باكورةَ الشركات الكبرى المنضمة لهذا البرنامج، ومن المتوقع أن تتبعها العديد من الشركات الوطنية المدرجة وغير المدرجة والعاملة في مجالات التنمية والقطاعات الاقتصادية المختلفة. ويستهدف البرنامج الذي يُشرف على تنفيذه لجنة خاصة برئاسة سمو ولي العهد شخصيًّا إلى ضخ 5 تريليونات ريال في الاقتصاد السعودي، وزيادة نمو الناتج المحلي ومساهمة القطاع الخاص فيه، وتحقيق تقدُّم المملكة من المرتبة 18 إلى المرتبة 15 بين اقتصاديات العالم، وتعزيز الثقة بمنظومة الاستثمار في المملكة. ومن بداهة القول إن برنامجًا بهذا الحجم وهذا الطموح ليس مجرد مبادرة جزافية غير مدروسة، إذ لا بد أن تكون قد خضعت للكثير من الدراسة والتمحيص والتحليل في مطبخ الرؤية قبل وضعها على منصة الإطلاق. إلا أنها كذلك وبسبب هذا الحجم اللافت قد استفزَّت اهتمام المحللين والمختصين والمراقبين لتلمس ودراسة آثارها وتبعاتها على مجمل منظومة ومستويات التنمية الوطنية ومختلف مكونات القطاع الخاص خصوصًا والاقتصاد السعودي عمومًا، بما في ذلك الآثار الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية والأمنية على المملكة ومواطنيها بمختلف شرائحهم وفئاتهم وطبقاتهم.

وبرنامج “شريك” ليس كبرنامج تخصيص الخدمات الحكومية ببيعها للقطاع الخاص ليتولى تقديم هذه الخدمات للمجتمع، فهناك فرق بين البرنامجين؛ فبرنامج “التخصيص” يتطلب قيام القطاع الخاص بتوفير الأموال والموارد اللازمة، سواء من خلال تحالفات أو من خلال قيام الحكومة نفسها ببيع حصصها للقطاع الخاص؛ أما برنامج “شريك” فالعكس تمامًا، الدولة هي التي ستُقدِّم الموارد والأموال، وعلى الشركات أن تُحقِّق الأهداف من خلال الاستخدام الموجَّه لهذه الموارد. والحقيقة هي ليست تجربة جديدة على الاقتصاد السعودي، فلدينا نماذج سابقة، ومنها على سبيل المثال:

  • شركة “علم” تمَّ إنشاؤها كذراع اقتصادية لوزارة الداخلية.
  • شركة “ثقة” ذراع لوزارة التجارة.
  • شركات الاستثمار التابعة للمؤسسة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية.

والملاحظ أن التجربة الحالية مختلفة من حيث إنَّ الشركات (مثل ثقة وعلم) تنافس القطاع الخاص، ولم تكن مبادرة أو جزءًا منه فعليًّا؛ لذا سنجد أن برنامج “شريك” هو إصلاح عميق لهذه التجارب، فالقطاع الخاص سيتولى هذه الشركات كشريك اقتصادي، وتقوم الدولة بعمليات التمويل.

والتصوُّر أن البرنامج سيكون من ضمن أهدافه مساعدة الشركات الناشئة والمتوسطة والصغيرة عبر إدخالها في سلاسل الإمداد ومقاولات الباطن، كما يتم في الدول المتقدمة. والبرنامج – كما تمَّ الإعلان عنه – سيكون مفتوحًا للشركات التي تنطبق عليها المعايير للانضمام له؛ وبالتالي يعَدُّ أهم ما في البرنامج الحوافز والمزايا التي ستُمنح للشركات المشاركة لدفع جُلّ الشركات للمساهمة فيه، ومن ثَمَّ فلا يمكن المساواة بين الشركات المشاركة وغيرها؛ وإلا فقَد البرنامج مزيته وأهميته.

وثمةَ ملاحظاتٌ مهمة في هذا الإطار، يجدر التأكيد عليها:

  • أن التخصيص لا يعني فقط بيع الخدمات والمرافق الحكومية للقطاع الخاص، وهناك بالطبع نماذج متعددة للتخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبعضها يمكن أن يكون في شكل مشاريع تنموية تنخرط في برنامج شريك السعودية.
  • أن برنامج شريك لا يعني أن الدولة هي التي ستُقدِّم الأموال والموارد للشركات لتُحقِّق أهدافها؛ بل على العكس تمامًا، المطلوب أن تُوجِّه الشركات استثماراتها ومواردها في حِزم مشروعات كبرى مقابل تقديم الدولة حِزم وأدوات دعم لمَّا يُعلَن عنها بعدُ، ولكن من المؤكَّد أنها لن تكونَ مالية مباشرة، وربما تكون في شكل إعفاءات ضريبية أو تسويق أو ضمان شراء أو غير ذلك الكثير.
  • نماذج الشركات التي أسَّستها جهات حكومية تُمثِّل حالةً من حالات منافسة الدولة للقطاع الخاص، وهي بذلك تتناقض مع مفهوم برنامج شريك الذي يُعول على القطاع الخاص لتطوير المشروعات والاستثمار فيها. والمأمول بالفعل أن يكون البرنامج حافزًا لوَقْف مثل هذه المنافسة، وإصلاح هذا المنهج الذي نشهد فيه كثيرًا من الانتشار سواء من قِبل جهات حكومية مباشرة (آخرها ربما شركة كدانة في مكة المكرمة وشركة الأوقاف للاستثمار)، أو بشكل غير مباشر من خلال شركات صندوق الاستثمارات العامة التي وقع بعضها في منزلق السطوة على بعض القطاعات الواعدة.

 

  • ثالثًا – الآثار المتوقَّعة لبرنامج “شريك السعودية”:

يسعى برنامج تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص المخصص للشركات المحلية، إلى تطوير الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وتسريع تحقيق الأهداف الإستراتيجية المتمثِّلة في زيادة مرونة الاقتصاد ودعم الازدهار والنمو المستدام. ويأتي البرنامج الجديد الذي أطلق عليه اسم شريك، في إطار العمل الدؤوب والمستمر لتحقيق الأهداف الاقتصادية لرؤية المملكة 2030، ودعم توفير مئات الآلاف من الوظائف الجديدة؛ لما له من أثر اقتصادي مباشر في تنمية القطاع، وأثر غير مباشر على خلق وظائف مساندة.

ومن خلال ورش العمل التي أُقيمت، فلقد تمَّ تصميم البرنامج بالشراكة الكاملة مع القطاع الخاص بناءً على دراسة التحديات والفرص الواعدة؛ فالكثير من الشركات تعرَّضت للإفلاس، فلقد تسلَّمت لجنة الإفلاس نحو 381 طلبَ تصفية وتسوية وإعادة تنظيم من شركات ومؤسسات وأفراد، أكثر من 22 شركة ضمن الشركات المدرجة بالسوق السعودي، لديها خسائر متراكمة أكثر من 20% من رأس المال، وبلغ إجمالي الخسائر المتراكمة لهذه الشركات 6.25 مليارات ريال، تُمثِّل نحو 30% من رؤوس أموال الشركات، التي تبلغ حوالي 22مليار ريال، وبعض الشركات حقَّقت خسائر متراكمة تعود بشكل أساسي للتحوُّل إلى المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، الذي أدَّى إلى تسجيل خسائر متراكمة بقيمة 1.4 مليار ريال؛ نتيجة تغيير منهجية اختبار انخفاض قيمة الأصول التشغيلية والتغيير في طريقة الاعتراف بالإيرادات. كما أدَّى وضع COVID19 السائد إلى انخفاض تقييم عقارات التطوير بقيمة 89 مليون ريال، والتي تمَّ الاعتراف بها في دفاتر الحسابات في الربع الأول من عام 2020، وكان لا بد من دعم وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص حتى يُحقِّق تنافسية محلية ودولية أمام الشركات العالمية خصوصًا في ظلِّ استقطاب المملكة للشركات العالمية ونَقْل مقراتها الإقليمية.

والبرنامج تشاركي مبتكر، يهدف لمساعدة شركات القطاع الخاص على تحقيق أهدافها الاستثمارية، وتسريع ضخ استثمارات تُقدَّر قيمتها بنحو خمسة تريليونات ريال في الاقتصاد المحلي حتى عام 2030، وزيادة وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، بما يسهم في مواصلة تقدُّم الاقتصاد السعودي بين أكبر الاقتصادات العالمية، من المركز الثامن عشر حاليًّا إلى المركز الخامس عشر، بالإضافة إلى تعزيز الثقة بمنظومة الاستثمار في المملكة.

وقد جرى تصميم برنامج تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص “شريك” بحيث يكون جزءًا أساسيًّا من خطة النمو الاقتصادي والإستراتيجية الوطنية للاستثمار في المملكة، التي سيتم الإعلان عن تفاصيلها لاحقًا.

وحُدِّدت مجموعة من أدوات التمكين عبر مجالات متعددة لدعم أعمال الشركات، حتى يمكن للشركات الكبرى الاستفادة منها لرفع حجم استثماراتها المحلية. وستكون الاستفادة من البرنامج اختيارية، مع وجود معايير تقييم تُحدِّد بوضوح المشروعات المؤهلة، حيث يمتاز البرنامج بإطار عمل وتوجيهات واضحة للشركات الكبرى على صعيد التأهل لتلقِّي الدعم، وستعمل الشركات الكبرى على وضع خُطط استثمارية متخصصة مع الوزارة المعنية، التي ستُقدِّم الدعم المطلوب من أجل المسارعة في تحويل هذه الخُطط إلى واقع، كما سيُدار البرنامج بشكل يتوافق مع التوجيهات ذات العلاقة المعتمدة من منظمة التجارة العالمية وغيرها من الأنظمة والسياسات المحلية والدولية ذات الصلة.

ومن المردودات الإيجابية المتوقَّعة أن السيولة تُولِّد السيولة، وإنفاق ما يقرب من 27 تريليون ريال خلال السنوات العشر القادمة، أي حوالي 3 ترليونات ريال سنويًّا؛ وهو سيجذب الاستثمارات الأجنبية، ويعيد رأس المال الوطني المهاجر إلى خارج البلاد. هذه الخطوة تتناغم وتنسجم مع ما تمَّ الإعلان عنه “اعتبارًا من 2024، على الشركات الراغبة في الحصول على تعاقدات حكومية في السعودية أن يكون لها مكاتب على أرض المملكة، ونَقْل شركات كبرى لها مقار في دول عربية إلى السعودية للاستفادة من المشاريع الكبرى التي تعكف المملكة على تنفيذها”. وهذا بدوره يخلق بيئة أعمال جاذبة، كما يحدُّ من التسرُّب الاقتصادي، ويُشجِّع على استثمار الأموال داخل المملكة.

والمأمول أن يُحقِّق برنامج شريك مرونةً للشركات السعودية الكبرى، ويرفع درجة تنافسيتها على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ويُعزِّز فُرصها للنمو العالمي، بحيث يكون من المأمول أن نرى فيه علامات تجارية وطنية في جميع أسواق العالم؛ وهذا بدوره سيجلب الاستثمارات الخارجية والمستثمرين الأجانب، ويُعزِّز الثقة في الاستثمار بالمملكة. ربما تعلَّمنا من جائحة كورونا أن بعض الدول المتقدمة أكثر منَّا بيروقراطية وأكثر تخبطًا وأضعف عند المواجهة، تعلَّمنا من هذه الجائحة أننا نستطيع إذا أردنا.

وعلى أرض الواقع، من المؤكَّد أن مجمل مكونات القطاع الخاص خصوصًا والمجتمع عمومًا تترقب إعلان تفاصيل هذا البرنامج وطبيعة حِزم وأدوات الدعم التي سيتضمنها، ومعايير الاختيار والمتابعة والحوكمة للشركات المنضوية ومشروعاتها المستهدفة، ووسائل قياس الأداء ومراقبة الآثار الاقتصادية والاجتماعية على مختلف الشرائح والمستويات.

ومع ذلك، فإنه من المؤكَّد أن هذا البرنامج سيُحقِّق العديدَ من المزايا والإيجابيات التي تشمل – على سبيل المثال لا الحصر – ما يلي:

  • تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل عبر تطوير ومشروعات ريادية عملاقة في منظومة الاقتصاد الوطني.
  • تفعيل دور الشركات الكبرى خصوصًا، ومجمل كيانات القطاع الخاص في التنمية الوطنية بالتزامن مع خُطط تنفيذ مجمل منظومة برامج الرؤية وخاصة برنامج الخصخصة.
  • زيادة فرص العمل وتوليد الوظائف بمستويات ومعدلات كبيرة تسهم في توفير الرخاء والاستقرار للشباب السعودي.
  • خلق فرص استثمارية وتعاقدية لكيانات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، تُسهم في تنويع فرص عملها وتقليل اعتمادها على عقود المشتريات الحكومية.
  • تحقيق قيمة اقتصادية أكبر للتوزيعات النقدية من أرباح الشركات عبر إعادة توجيهها للاستثمار في مشروعات التنمية.
  • دَعْم عمليات البنوك والصناديق وأدوات التمويل والتأمين المختلفة.
  • تعظيم فرص استقطاب المعارف والتقنيات والاستثمارات الخارجية في مختلف المجالات.
  • تعظيم فرص تنمية وتمكين الإبداع والابتكار ودعم تنميتها وتتجيرها وتمكين مساهمتها في الناتج المحلي.

 

  • رابعًا – محاذير/ تحديات تنفيذ برنامج “شريك السعودية”:

هناك عددٌ من المحاذير والتحديات التي يمكن أن تواجه تنفيذ هذا البرنامج، علاوة على بعض الآثار السلبية التي يمكن أن تنجم عنه أو عن بعض أدواته، ومن الضروري هنا تسليط الضوء عليها للتنبُّه إليها ودراستها وتطوير الحلول والأدوات اللازمة لتجويد الأداء وتفادي تلك الآثار السلبية المحتملة. ومن تلك التحديات على سبيل المثال لا الحصر:

  • يُخشى من تركيز الاهتمام على شريحة الشركات الكبرى – وبهذا الحجم الهائل – أن يؤثر على فعالية حِزم الدعم الموجَّهة إلى الكيانات الصغيرة والمتوسطة، والتي تقع أيضًا ضمن دائرة اهتمام الدولة وبرامجها المتنوعة.
  • إمكانية التأثير على وفرة وتكلفة أدوات التمويل للكيانات الصغيرة والمتوسطة في ظلِّ الانحياز المتوقَّع للبنوك وصناديق الاستثمار لتوجيه أدواتها التمويلية للشركات المنضوية تحت برنامج “شريك السعودية”.
  • تناقص القدرة الشرائية بشكل عام نتيجة تناقص توزيعات أرباح الشركات وتوجيهها للاستثمار بدلًا من الإنفاق.
  • إعادة تكريس ثقافة الأمن الوظيفي، والتخلي عن توجُّهات ريادة الأعمال في ظلِّ المغريات التي يُتوقَّع أن تُقدِّمها الشركات الكبرى للموارد البشرية المؤهَّلة والماهرة على وجه الخصوص.
  • الخشية من سطوة الشركات الأجنبية على الفرص والتعاقدات التي ستتضمنها تلك المشاريع الكبرى في ظلِّ جاهزية تلك الشركات من جهة الكفاءة والقدرات المالية مقارنةً بكيانات القطاع الخاص الوطنية خصوصًا من فئة الكيانات الصغيرة والمتوسطة، وما تعانيه من ضعف وضغوط اقتصادية خصوصًا في ظل ظروف الجائحة.

وفيما يتعلق بتأثير برنامج شريك على الطبقة الوسطى، ثمةَ آراءٌ تُشير إلى أن حماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من التبعات والآثار المتوقعة يمكن أن تُسهم في بقاء الطبقة الوسطى من المجتمع بالنظر إلى أن ذوي الدخول المتوسطة ينضوون في هذا القطاع بمَن فيهم المهنيون بمختلف تخصصاتهم.

 

  • خامسًا – وسائل تعظيم الفرص من برنامج “شريك السعودية” وتحقيق تكامله مع برامج رؤية 2030:

من الضروري العمل على النظر في التحديات والتبعات المرتبطة ببرنامج شريك السعودية، وتبنِّي صياغة حِزم موجَّهة من الأدوات والحوافز التي تضمن تعظيم الفرص وتحجيم الآثار السلبية، وتحقيق التكامل المنشود بين هذا البرنامج الرائد وبقية برامج الرؤية. وقد يكون من المناسب أن تضمَّ اللجنة التوجيهية لهذا البرنامج جميعَ المسؤولين القائمين على برامج الرؤية لتكوين خلية عمل مركزية تعمل على تحقيق التناغم بين هذا البرنامج وبقية البرامج، فضلًا عن تبنِّي تطوير وتجديد ومتابعة حِزم الدعم والمعالجة والتجويد بشكل ذكي وديناميكي وفعَّال بالتناغم مع تقييم دوري ومستمر لمخرجات البرنامج وآثاره المختلفة. ولعلَّ من بين الأدوات التي يمكن تبنِّيها وتوظيفها – على سبيل المثال لا الحصر – أيضًا المقترحات التالية:

  • تصميم أدوات وتشريعات تضمن إعطاء الأولوية في منح العقود والمهام المرتبطة بمشروعات البرنامج إلى الكيانات الوطنية مع مَنْح الأولوية في ذلك للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
  • تصميم أدوات وبرامج موجَّهة لدعم قدرات الكيانات الصغيرة والمتوسطة وتجهيزها لأداء دور محوري في تنفيذ المشروعات والخدمات المرتبطة بمشاريع البرنامج.
  • تصميم أدوات تضمن تمكين وتعظيم مساهمة المحتوى المحلي المرتبط بهذه المشاريع.
  • تصميم أدوات تضمن تعظيم فرص العمل للشباب والشابات السعوديين على سبيل الأولوية، مع ضمان نَقْل المعرفة والتدريب على رأس العمل في حال الحاجة إلى الاستعانة بالوافدين في مجال الخبرات المتخصِّصة.
  • تصميم أدوات تضمن توازن الإنفاق التمويلي من البنوك وصناديق الاستثمار على حزمة المشاريع الصغرى والكبرى، وبين مختلف الشركات بكل أحجامها ومستوياتها.
  • تصميم أدوات تضمن التوسُّع في القروض الشخصية الضرورية للتعويض عن النقص المحتمل في القدرة الشرائية خصوصًا في جوانب تمويل الادخار والسكن، وغير ذلك من الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

والمؤكَّد أن برنامج “شريك السعودية” – الذي دشَّنه سمو ولي العهد بالتزامن مع مرور خمس سنوات على إطلاق رؤية السعودية 2030 – يمكن أن يكون المُحرِّك النفاث الذي ينطلق بالاقتصاد السعودي إلى الفضاء الرَّحب بعد أن شكَّلت بقية برامج الرؤية الأسُس المنهجية والعملية والتشريعية لهذه الانطلاقة الجديدة عبرَ هذا البرنامج الريادي المهم.  ومن الضروري أن تتضافر كافة الجهود لتحقيق النجاح المنشود لهذا البرنامج، والذي يعَدُّ الأداةَ الأهمَّ في تأكيد قناعتنا بقدرتنا وقدرة الآخرين على تحقيق مستهدفات الرؤية بعد أن شاب هذه القناعة شيءٌ من التردد والضبابية في فترة التأسيس والتحوُّل الماضية.

وللاستفادة من البرنامج، يجب على الشركات الكبرى – إنْ كانت مدرجةً في البورصة أو شركات خاصة – إثباتُ قدرتها على استثمار حد أدنى يبلغ 20 مليار ريال على مدى العقد المقبل، إلى جانب قدرتها على استثمار 400 مليون ريال في كل مشروع إضافي، لكي تُصبح مؤهَّلةً للحصول على الدعم من برنامج شريك.

وسيغطي الدعم واسع النطاق مجالات عديدة قد تشمل الشؤون التنظيمية، والمالية، والتشغيلية، واستثمار الأصول، والتعاون المبني على الاحتياجات المحدَّدة لكل شركة كبرى. وستتم دراسة كل حالة على حدة، وسيُؤخذ بعين الاعتبار عددٌ من العوامل، مثل: توفير فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وتاريخ الشركة الاستثماري.

إضافةً إلى ذلك، سيتم تقديم أي دعم مالي مباشر للشركات الكبرى ضمن برنامج “شريك” حسب الحاجة إلى ذلك، وبناءً على ما يتم التفاوض عليه بين الأطراف المعنية لاحقًا، بحيث تكون كلٌّ من القروض والمنح متاحة، وسيزيد البرنامج من مرونة الشركات السعودية الكبرى وتنافسيتها على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وتحفيزها ومساعدتها على التعافي من آثار جائحة (كوفيد- 19)، كما يُعزِّز بدء البرنامج قريبًا من مكانة المملكة بوصفها دولة ممكّنة للأعمال ولبيئتها الداعمة، من خلال خطوات استباقية ومبتكرة وذكية وفريدة من نوعها في المنطقة.

من المؤكَّد أن المملكة ستشهد خلال السنوات المقبلة قفزةً في الاستثمارات، بواقع ثلاثة تريليونات ريال، يقوم بضخها صندوق الاستثمارات العامة حتى عام 2030، كما أعلن مطلع العام الجاري، بالإضافة إلى أربعة تريليونات ريال سيتم ضخها تحت مظلة الإستراتيجية الوطنية للاستثمار، وسيُعلن عن تفاصيلها قريبًا. وبذلك يكون مجموع الاستثمارات التي سيتم ضخُّها في الاقتصاد الوطني 12 تريليون ريال حتى عام 2030، وهذا لا يشمل الإنفاق الحكومي المُقدَّر بـ 10 تريليونات ريال خلال العشر السنوات القادمة، والإنفاق الاستهلاكي الخاص الذي من المتوقع أن يصل إلى 5 تريليونات ريال حتى 2030؛ ليُصبح مجموع ما سوف يُنفق في المملكة العربية السعودية 27 تريليون ريال، (7 تريليونات دولار)، خلال العشر السنوات القادمة.

إن الاستثمارات التي سيقوم بضخها القطاع الخاص مدعومًا ببرنامج شريك – ستوفِّر مئات آلاف من الوظائف الجديدة، كما ستزيد مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وصولًا إلى تحقيق الهدف المرسوم له ضمن مستهدفات رؤية المملكة، التي تسعى لرفع مساهمة هذا القطاع إلى 65 % بحلول 2030. لكن من التساؤلات المطروحة في هذا الإطار: هل يشترط برنامج شريك توطين الوظائف أم أنه سيعفي الشركات العالمية من نسبة السعودة؟ لأنه من المهم تدريب الكوادر البشرية الوطنية، والخشية أن تحتكر الشركات العالمية التوظيف على بني جنسها، فتكون الاستفادة من برنامج شريك محدودة المدى.

ومن المهم الإشارة إلى أن الشركات المنضمة للبرنامج وقت إطلاقه هي: أرامكو وسابك وكهرباء السعودية والاتصالات السعودية وموبايلي وزين وبترورابغ والمراعي وسبكيم وصافولا وينساب وكيان وسابك للمغذيات الزراعية والمتقدِّمة ومعادن والعثيم وجرير والحمادي وإعمار والتصنيع والتموين والمجموعة السعودية ودار الأركان وإسمنت السعودية. أما الشركات المؤهَّلة للبرنامج حتى الآن فعددها 24 شركة، هي شركات مدرجة في السوق المالية؛ لكن منها بالطبع سابك وأرامكو والنقل البحري وجرير ودار الأركان وغيرها.. وسيكون هناك شركات أخرى تنضم للبرنامج سواء مدرجة أو غير مدرجة.. ولا شك أن التساؤلات حول طبيعة المشاريع التي يمكن أن تنخرط فيها تلك الشركات هي تساؤلات مشروعة.. على سبيل المثال، ما المشروعات التي يمكن لشركة مثل النقل البحري إنجازها بهذه المحفظة الضخمة، وهل تستطيع شركة دار الأركان تطوير محفظة عقارية بهذا الحجم الضخم، بينما هي مُعرَّضة لتساؤلات حول مدى نجاحها في تنفيذ مشاريعها الحالية. فضلًا عن التساؤلات حول كم الأرقام الكبيرة التي يجب أن تلتزم باستثمارها تلك الشركات وطبيعة حزم وأدوات الدعم الحكومي ضمن هذا البرنامج. وهي بالتأكيد جوانب تنتظر المزيدَ من الإعلانات والإيضاحات في المستقبل. وما يهمُّ في هذه المرحلة هو تأكيد تعظيم المكاسب من البرنامج على تعظيم مساهمة المحتوى المحلي، ونقل وتوطين المعرفة، وتحفيز وتمكين الإبداع والابتكار، وتجسير حزمة المهام والمشروعات لخلق فرص لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتكريس دور الشباب والشابات السعوديين في العمل في هذه المشروعات، وغير ذلك من إيجابيات تم التطرق إليها.

أيضًا، فلعل من الملائم أن تضخ الأرباح المتحققة من البرنامج في الشركات المساهمة فيه حتى لا تتناقص ربحيتها جراء المشاركة في البرنامج، وأن يكون لها رأي في المشاريع التي تساهم فيها.

ومن ناحية أخرى، وحيث إنَّ الصناعة تُوفِّر فرصًا وظيفيةً وتنميةً للمحتوى المحلي ونَقْلاً للتقنية، فقد يكون من الضروري إضافة محور لتنمية وتطوير الصناعات الموجَّهة لخدمة واحتياجات الحُجَّاج والمعتمرين، وأن تكون مصانعها قدر الإمكان في الأراضي المقدسة وجميع “برانداتها” يُكتب عليها صُنِع في مكة المكرمة أو صُنِع في المدينة المنورة، على أن تكون بجودة عالية تليق بهذه السمعة، والاستفادة من هذه القيمة المضافة حيث سيكون لها قبول لدى مئات الملايين من المسلمين في العالم.

وفي تقدير البعض، فإن التحدي أمام برنامج شريك هو أن مجالس إدارات ومسؤولي بعض الشركات التنفيذيين قد يتوقعون أن برنامج شريك سيمنحهم الكثير من الأموال ليعيدوا الاستفادة منها دون أن يُقدِّموا نجاحًا يُذكَر؛ لذا من المهم إعادة هيكلة تلك الشركات والبحث في أسباب خسائرها، واستبعاد كل من كانت لهم أيادٍ في الوصول لذلك، وهذا من أهم الخطوات لنجاح البرنامج.

ومن المهم كذلك، ولتحقيق المأمول من برنامج “شريك”، مراعاة ما يلي:

  • استدراك التحديات بواقعية تامة وبعيدًا عن العواطف، والاستفادة القصوى من تجارب دول مرَّت بذات التجربة في الحِقبة الماضية كاليابان وسنغافورة والصين.
  • العمل على خلق وتعزيز وتوظيف واستنهاض كافة ممكنات النجاح، ومنها: الممكنات التقنية، والممكنات المالية، والممكنات التنظيمية والتشريعية، والممكنات البشرية.
  • استنهاض منظومة حوكمة مرنة ومُحفِّزة وشريكة نجاح، توازن بين دور الرقيب والمُحفِّز في آن واحد، بعيدًا عن تغليب سوء الظن أو التشكيك في النوايا، مع أهمية الوضوح والشفافية والعدالة وضمان الحقوق في ذلك.
  • جَعْل الوصول إلى المنظومة الصناعية المتكاملة حسب القطاع المستهدف منظورًا ورؤيةً مستقبلية مهمة في خطتنا الإستراتيجية لبرنامج شريك.

 

  • سادسًا – التوصيات:
  • استلهام تجارب الدول التي نجحت في خلق قطاع خاص قوي، مثل الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية.
  • تعزيز الشفافية لبرنامج “شريك”، بحيث تكون الآلية التي يعمل بها واضحة ويمكن قياسها.
  • حوكمة برنامج “شريك” وفق قواعد محددة ونظُم وأطر قانونية تُحدِّد العلاقة بين الأطراف، وتُعزِّز الرقابة الحكومية عليها، وتزداد أهمية ذلك كلما كان برنامج “شريك” متاحًا للشركات الأجنبية.
  • وَضْع خطة دائمة لإعادة تقييم برنامج “شريك”؛ لتجنب آثاره السلبية على:
  • سوق المال وجاذبية الاستثمار فيه.
  • تأثيره على إنفاق المستهلك.
  • تأثير الحوافز على زيادة نفوذ الشركات الكبرى على السوق وطردها للشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة.
  • وَضْع خطة للرقابة على إنفاق الشركات، والتأكد من أنها تضخ الأموال المطلوبة في مشاريع جديدة وليس في مشاريعها المعتادة، والتأكُّد من أن هذه المشاريع تضيف للاقتصاد الوطني من حيث زيادة الإنتاج وخلق الوظائف والمساهمة في النهوض بالشركات الصغيرة والمتوسطة.
  • وَضْع معايير محددة تقيس مدى فعالية إنفاق هذه الشركات وتحقيقها للأهداف المطلوبة.
  • تصميم أدوات تضمن توازن الإنفاق التمويلي من البنوك وصناديق الاستثمار على حزمة المشاريع الصغرى والكبرى، وبين مختلف الشركات بكل أحجامها ومستوياتها.
  • تصميم أدوات تضمن التوسُّع في القروض الشخصية الضرورية للتعويض عن النقص المحتمل في القدرة الشرائية، خصوصًا في جوانب تمويل الادخار والسكن وغير ذلك من الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

 

المشاركون:

  • الورقة الرئيسة والمُعقِّبون: م. خالد العثمان، د. عبد الرحمن العريني، د. نوف الغامدي.
  • إدارة الحوار: أ. لاحم الناصر.
  • المشاركون في الحوار والمناقشة:
  • د. عبد الإله الصالح
  • د. محمد الثقفي
  • م. سالم المري
  • د. صالحة آل شويل
  • أ. محمد الدندني
  • د. سليمان العقيلي
  • د. خالد المنصور
  • م. فاضل القرني
  • د. رياض نجم
  • د. مساعد المحيا
  • د. حميد الشايجي

([1]) Emad Ababneh, Ahmad Al-Tweissi & Khattab Abulibdeh (2016) TIMSS and PISA impact – the case of Jordan, Research Papers in Education, 31:5, 542-555, DOI: 10.1080/02671522.2016.1225350, URL: https://www.researchgate.net/publication/307444336_TIMSS_and_PISA_impact_-_the_case_of_Jordan

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/A_Nation_at_Risk

([3]) مشرف على البحوث والبيانات في هيئة تقويم التعليم والتدريب.


تحميل المرفقات: -الشهري-رقم-74-لشهر-ابريل2021.pdf