قضية الأسبوع: الدراسات المستقبلية

الورقة الرئيسة الدراسات المستقبلية

ليست تنجيمًا أو تنبؤًا بالغيب، بل تحسبٌ فطِن

 

كاتبة الورقة: أ. فائزة بنت أحمد العجروش

المعقبون: د. محمد الثقفي ، أ. د. خالد الثبيتي.

ويدير الحوار د. خالد الرديعان

تمهيد ..

ماذا لو قابلت نفسك المستقبلية – أي – نسخة منك في المستقبل..!

ماذا لو تم اكتشاف اكسير يؤخر شيخوخة الإنسان ويطيل في عمره..!

ماذا لو جفت مياه البحار؟ وتغيرت بعدها مظاهر البيئة الجغرافية للعالم..!

تلك تساؤلات تتمحور حول ((ماذا لو )) ، وهي تساؤلات مستقبلية حول إمكانية حدوث ذلك..!

و((ماذا لو )) كانت إلى زمن قريب متعلقة في العقلية العربية بالارتباط السيء بــ (لو) ، التي تفتح عمل الشيطان ،  التي  تتحدث عن أمر ماضي؛ لأن ديننا يدعو إلى عدم التحسّر على ما جرى، لأن تغييره مستحيل .. لكن ( لو) أعلاه تختلف ؛ فهي تنقلك إلى حيز المستقبل، وكأننا نسأل عن شيء لم يحدث، ثم نتخيل ونخمّن ماذا سيجري لو حدث ..! و(لو) المستقبلية هذه ليس لها علاقة بـ ( لو) التي تفتح عمل الشيطان؛  بل على العكس تفتح الباب للتفكير المستقبلي، الذي بلا شك سيكون ذا فائدة لو بنيناه على أسس علمية، لتوسيع قاعدته لاستيعاب أفكار وابتكارات جديدة في مختلف المجالات.

ومن منطلق منهجنا الإسلامي الذي يحثنا على استشراف المستقبل والتخطيطَ له تخطيطًا محكمًا، أسوة بالأنبياء العظام؛ فهذا نبي الله يوسف عليه السلام – أحد المعجزات الاقتصادية في وقت الأزمات، وأول من أشار إلى الدورات الاقتصادية من حيث الرواج والكساد -؛ فلولا تخطيطُه لإخراج شعب مصر من سبع سنين عجاف قادمة؛ لكانت المجاعة قد حلت لا محالة على شعبها. ومن قبله نوح، عليه السلام، لولا تخطيطه للمستقبل بُصنع الفلك حتى ينجو به، من الغرق لهلكت البشرية. وهذا سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم-، لولا تخطيطه للمستقبل بهجرة أصحابه إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ثم هجرته إليها بنفسه مع التخطيط المحكم لتنفيذها؛ لما قامت دولة الإسلام.

ومن الجانب الآخر، تتضح جليًا أهمية النظر للمستقبل في الرؤية الإسلامية عند فهم وتدبر ما يقوله الله عز وجل: قل سيروا في الأرض فانظروا {، }إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{ . واتباع ما حثنا عليه الحديث الشريف “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”، ووصله باليوم الآخر المحرك الدائم لأعمال الإنسان في سياق مسؤولياته وأمانته في استخلاف الأرض.

كذلك هو أمر يتأكد وظيفيًا في مقولة الإمام علي رضي الله عنه: “من استبصر الأمور أبصر، ومن استدبر   الأمور تحير”، ويدعو لعدم الركون لتصورات خاطئة لبعض المفاهيم الشرعية التي تزهّد البعض في الانطلاق والتخطيط والتفكير في المستقبل، فيعيش حياته خاملًا، لا يفكر في أبعد من قدميه.

كما لا يخفى علينا جميعًا، أن المستقبل يتسم بدرجة عالية من عدم اليقين ومتغيرات متسارعة تحركها قوى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية متنوعة. والاستعداد له لن يكون إلا بصناعة المستقبل الذي نصبوا إليه والذي لن يتأتى لنا أو لغيرنا بثقافة الاتكالية والاعتماد على الغير، وإنما بقيم العمل والإنتاج والريادة. وهذا لن يتحقق إلا من خلال تأسيس مناهج علمية لدراسة المستقبل – مناهج للنظر والتفكير والتدبرمستقاة من أصولنا الإسلامية، وما تؤصله من قواعد (استخلافًا وإعمارًا).

مقدمة

بما أننا نعيش حاليًا في عصر رؤية المملكة الطموحة .. يحق لنا أن نفتخر بإجابة هذه التساؤلات

أين كنا..؟ وكيف وصلنا إلى هنا..؟  ونتخيل إلى أين نحن ذاهبون ..؟ ونفكر كيف سنصل إلى هناك ..؟

فالسعودية التي تتطلع لحجز مقعد دائم في دائرة الدول العظمى، وعالم الدول القوية والموجهة للمسارات العالمية بالتخطيط المسبق لمستقبل مزدهر وآمن يعكس طموحات القيادة الرشيدة وتطلعات رؤية 2030، حققت خلال فترة قياسية  قفزة ملموسة في هذا الاتجاه ،من خلال شحذ العقول لتصور مستقبل مرغوب به والتخطيط له بواقعية وحنكة علمية وسياسية.

لكن لازالت هناك تساؤلات ينبغي أن تكون شغلنا الشاغل قبل أن تنقضي المرحلة الحالية، استعدادَا لمرحلة ما بعد كورونا..

بماذا سنخرج من المرحلة الحالية من رؤى واستشرافات كلية؟

ما هي الأسس المنطقية التي سنستند عليها وتقوم على الافتراضات والتجربة؟

وما هي الآليات التي تضمن التعامل الآمن مع مختلف الأحداث والمواقف المحتمل أن نتعرض لها مستقبلًا؟

ومن ثم ما هو تصورنا لمستقبل المرحلة القادمة؟  ومن هم فاعليها الجُدد -المؤثرين- وكذلك مدى تأثيرهم على مستقبل الدولة التنموي؟

وكيف يمكن لنا تفادي المشكلات التي قد تنجم عن هذه الأحداث؟ ومن ثمَّ وضع الحلول التي يمكن أن تعزز من أدائنا وقدرتنا على مواجهة تلك المتغيرات، وإحكام السيطرة على مجمل نتائج تلك التحولات والمتغيرات.

وهذا ما تنفرد به الدراسات المستقبلية، أسئلة وجودية المضمون ومتكاملة الأبعاد الزمنية ..

وحتى نجيب على هذه التساؤلات ، لابد أن تتوفر لدينا المقدرة على استشراف المُستقبل، وتوظيفها لخدمة الأهداف التنموية والتطويرية على المديين المُتوسط والطويل الأجل بناءً على مُعطيات العلم وقواعد التخطيط السليم والأسس الصحيحة لاتخاذ القرارات الملائمة للمستقبل بشكل عام ولعالم ما بعد كورونا بشكل خاص؛ لمواصلة التنمية المُستدامة وتطوير الاقتصاد، وغيرها من عوامل النمو التي تنشدها رؤية 2030، وتنشدها الدولة كأبرز عناصر نجاح تقود أي مجتمع نحو التَّقدم والرُّقي، عناصر تقوم في جوهرها على رؤى واضحة ، وأسئلة تنشر ثقافة التفاؤل والأمل والتفكير في مستقبل منشود بفكر استراتيجي واستشراف علمي على المستويين الشخصي والمؤسسي.

لن أدعي أنني سأضيف شيئاَ جديدًا في هذا المجال، بقدر ما أحاول أن أضم صوتي إلى أصوات الكثيرين من الذين سبقوني في الكتابة بهذا الحقل العلمي، بغرض لفت أذهان صنَّاع القرار والمسؤولين؛ بضرورة إيلاء اهتمام أكثر بالمستقبل والدراسات المستقبلية، والتي من شأنها أن ترتقي بالأداء المجتمعي للدول كافة. وعلى هذا الأساس فقد تناولتُ في طرحي هذا، النقاطَ التالية:

مفهوم استشراف المستقبل

قبل الخوض في فوائد وآليات اتباع نهج استشرافي، أود أن أشير إلى ما بات يُعرف بعلم دراسة المُستقبليات أو الدراسات المُستقبلية، وهو علم حديث نسبيًا رغم قدم المنهجية، ويعني ببساطة كيفية التفكير في وضع آليات تضمن التعامل مع مُختلف الأحداث والمواقف التي من المُحتمل أن نمر بها في المُستقبل القريب أو المتوسط أو البعيد، سواءً على مستوى الفرد أو المجتمع؛ لتفادي أي مشكلات قد تنجم عن هذه الأحداث.

وعندما نتحدث عن ((علم)) فإننا بكل تأكيد نُشير إلى أسس منطقية تقوم على الافتراضات والتجربة، ومن ثمَّ وضع الحل الذي يُمكن أن يُعزز من أدائنا وقدرتنا على مواجهة المتغيرات.

إذن كمفهوم نستطيع أن نؤكد أن الدراسات المستقبلية ليست نوعًا من التنجيم أو التنبؤ بالغيب، بل تحسب فطِن لمواقف وتحديات محتملة نمر بها في مُختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، بوضع فرضيات عقلانية لكيفية التعامل مع تلك المواقف والتحديات، عبر صياغة سيناريوهات تُحاكي تلك الاحتمالات التي افترضناها وتسعى جاهدة لتقليل حجم المخاطر قدر الإمكان وتعظيم الفوائد والمنافع؛ للوصول إلى بر الأمان، من خلال تحقيق الأهداف التي وضعت هذه السيناريوهات من أجلها.

ما حاجتنا للدراسات المستقبلية؟

هناك مقولة للمخترع الأمريكي تشارلز كيترنج أصبحت شعار المستقبليين والمهتمين بدراسات المستقبل، “اهتمامي منصب على المستقبل لأنني سأمضي بقية حياتي فيه”.

أما عالم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين فقد برر اهتمامه بالمستقبل قائلًا :“إنني أهتم بالمستقبل لأنني ببساطة  سوف أذهب إليه”.

وكلنا نعلم أن الزمن يتحرك، من الماضي مرورًا بالحاضر إلى المستقبل، تحركًا اتجاهيًا لا يقبل التراجع إطلاقًا. وعلى هذا الأساس؛ فالمستقبل بصورته العامة والمجردة، أصبح من اهتمام الأفراد العاديين من خلال سعيهم إلى تحسين وضعهم دائمًا نحو الأفضل. واضحت الحاجة للدراسات المستقبلية أو استشراف المستقبل كما يسميه البعض ضرورة ملحة في هذا العصر، وأصبح التفكير المُبّكِّر فيما سيأتي مستقبلاً أكثر أهمية من أي وقت مضى لعالمنا المعاصر الذي يموج بالتغييرات والتشابكات الكبيرة بين الظواهر والأحداث المختلفة، لاسيما وأن التغيرات متسارعة ومتنامية.. والبيانات متضخمة ومتشعبة.. والأحداث متداخلة ومتلاحقة.. والتطلعات متزايدة وملحة في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعلوم والتكنولوجيا. هذا إلى جانب ازدياد حجم المعارف المُتاحة، وسهولة مشاركتها واختراقها – وهذا التزايد المُتصاعد في مجال العلوم بشكل مُذْهِل يساعد على تراجع قيمة ما يعرفه الخبراء، حيث لا يتم الاحتفاظ بأكثر من 15% مما كنا نعرفه بعد مرور خمسة سنوات – ؛ لذا  من المهم أن نتساءل هل ستصمد الخبرة التي نملكها مقابل التجدد المعرفي؟! وكم ستدوم المدة؟

في رأيي المتواضع، أجد أن قيمة التجدد المعرفي حاليًا أهم من الخبرة، والتعليم المستمر أهم قيمة من  الكفاءة. ومن المنطقي أننا نقصد بالتجدد المعرفي هنا، ذاك المرتبط بالزمن والوعي بوجود زمن آتي، يؤثر حتمًا في زمننا الحاضر ويستفيد من ماضينا ؛ فإذا كان المؤرخ يشتغل على فهم وإدراك قوانين الماضي، فإن المستقبلي يشتغل على تأثير هذه القوانين على المستقبل الذي سيكون خليطًا مجهولًا من أمور متوقعة وأخرى غير متوقعة.

إن التفكير الواقعي في الوضع العالمي الحالي، يجعلنا جميعا امام مسؤولية ضخمة وكبيرة تجاه الأجيال القادمة، ويبدو جليَا ، أنه آن الأوان لنا نحن العرب بشكل عام والسعوديين بشكل خاص أن نرسم ونخطط للمستقبل بوسيلة منظمة، وأسلوب منهجي وتشاركي لتطوير استراتيجيات وسياسات فعالة من أجل مستقبل آمن ومزدهر بأن نتتبع العواقب والمآلات فنجود الأحكام والقرارات. ونقتنص الفرص قبل وقوعها ونعد العدة لأية أزمات مفاجئة أو أحداث مباغتة.. ونتلمس أحداث المستقبل كما برعنا من قبل في اقتفاء آثار الماضي، من أجل تعزيز المنفعة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

وهذا لن يتم دون التأكيد على أهمية توسيع دائرة العلم بهذا النوع من الدراسات في بلادنا بشكل رسمي، وإدخال مناهج متطورة في تعليمنا العام والعالي لمجال الاستشراف المستقبلي وبما تتبعه من منهجيات وأساليب للبحث في المستقبل، وصلتها بعمليات التنمية والتخطيط وصناعة القرارات، في سياق السعي لتحقيق التنمية الشاملة، ومساعدة صاحب القرار، والاقتصاديين والسياسيين، والعسكريين في اتخاذ القرار المناسب وقت الأزمات، أو توقع الأزمات المحتملة مستقبلاً.

وفي هذا السياق لا يفوتني أن أنوه أن ما يقدمه أعضاء ملتقى أسبارعند تناولهم لقضايا وطنية، هو نوع من الدراسات المستقبلية بشكل أو آخر. وأن أشيد بمنتدى أسبار الدولي الذي حمل في دورته الخامسة 4 -2 نوفمبر 2020  عنوان ((مستقبل المستقبل ))، والذي كان سباقا لتناول هذا الموضوع في السعودية ، وهدف إلى التعريف بأساسيات علم المستقبليات وبعض مناهجه وممارساتها العربية، من خلال منظور الحضارة العربية الإسلامية، إضافة إلى تقديم منهجية الأزمنة ما بعد العادية والتعريف بأهم الممارسات العالمية والعملية لها، وخارطة أولية لبناء ممارسات التصميم؛ من أجل بحث الحلول لتحديات المستقبل، وتحويلها إلى فرص تحقق الاستدامة في التنمية، وتدعم تقدمنا الحضاري، وتعزز مكانة المملكة في هذا المجال ؛ لتكون نقطة جذب للباحثين والعاملين في مجالات استشراف المستقبل العديدة.

وبلا شك فقد ساعد هذا المنتدى على ترسيخ الصورة الإيجابية عن المملكة في بلدان الخبرات الدولية الكبيرة – 90 متحدثًا يمثلون 19 دولة – التي تم استقطابها للمشاركة في المنتدى، وفي محيطهم العلمي والعملي والاجتماعي، فضلًا عن الاستفادة والإفادة منهم في مجال علم المستقبل. وأصبحت مخرجاته نبراسًا للباحثين والمتخصصين والمهتمين بشؤون المستقبل. كما كان الإعلان عن تقديمه 20 منحة تعليمية في برنامج الدراسات المستقبلية والأزمنة ما بعد العادية حدثًا فريدًا من نوعه على مستوى المملكة.

 

محددات أهمية الدراسات المستقبلية

لأن الدراسات المستقبلية هي بالأساس فهم وإدراك قوانين وتجارب الماضي، وتأثير ذلك على المستقبل. وكذلك هي بالأساس فهم وإدراك للحاضر، الذي يتضمن مدخلات تتبلور لاستقراء المستقبل الذي سيكون خليط من الأمور المتوقعة وغير المتوقعة. إلى جانب كونها من المواضيع الأساسية في بناء الاستراتيجيات واتخاذ القرارات خاصة على مستوى القيادة الاستراتيجية؛ هناك إجماع على تصنيف محددات أهمية الدراسات المستقبلية في الآتي:

  • كونها من معالم تحضر المجتمع؛ فأهميتها تكمن في الحاجة إلى استباق التحولات السريعة ومواكبة واحداث بصمة ومكانة في مجريات الحضارة القادمة.
  • الوعي للمستقبل والاستعداد المبكر له؛ لتفادي صدمة مستقبلية نتيجة عجزنا عن التكيف مع عملية التغيير اللازمة.
  • ضرورة توقع المشاكل القادمة؛ لوضع الخطط لمواجهتها.
  • زادت من الاهتمام بضرورة دراسة التغير المستقبلي، قبل حدوثه، تحسبًا لآثار غير مرغوبة يمكن تداركها ومحاصرتها.
  • تمكين صناع القرار من اتخاذ قرارات سريعة وسليمة ومدركة للتداعيات المستقبلية.
  • عرض الرؤى المستقبلية ودراستها وإعادة النظر فيها حسب المستجدات.
  • تنمية الفكر الاحتمالي.

 

الأهمية الاستراتيجية للدراسات المستقبلية يمكن أن نختزل في المعالم الآتية:

  • الحاجة إلى فهم وإدراك تحولات وإيقاعات الزمن العالمي.
  • الحاجة إلى الانخراط في ديناميكية التحولات العالمية، وتفادي الإقصاء والاضمحلال من الساحة العالمية.
  • ضرورة الوعي بمسؤولية المجتمع العالمي تجاه مستقبل الأجيال القادمة.
  • ضرورة الوعي بخطورة مصير الحضارة الإنسانية.
  • قراءة وفهم المؤشرات الخارجية، والتعامل مع متغيراتها وتوظيفها لصالح الدولة.
  • القدرة على التفكير المنهجي حول المستقبل.
  • توفير البيانات اللازمة لصنع القرار الاستراتيجي في الحاضر.
  • الاستفادة الكاملة من الفرص المتاحة والاستعداد لكل المخاطر المحتملة.
  • استشراف مستقبل البيئة والتغير المناخي والانبعاثات الكربونية والتوجهات المستقبلية لها. الأمر الذي يستوجب وضع الخطط والسياسات المستقبلية لها.

 

ولو تحدثنا هنا عن الأبعاد الاقتصادية، لاستشراف المستقبل، لوجدنا الآثار العظيمة المترتبة عليها؛ فهي تهتم بتوقعات الموارد المالية المستقبلية، واستشراف مستقبل الأمن المائي والغذائي، ومستقبل الطاقة والمعادن وآثار أسعار البترول. وتعمل على استشراف مستقبل السكان والشباب وأثرهما على الاقتصاد والموارد البشرية وسوق العمل والمهارات. كما تحرص على استشراف مستقبل التنمية الاجتماعية المستدامة، بعد دراسة التوقعات الاقتصادية وأثرها على الاقتصاد المحلي؛ ليتم وضع الخطط المستقبلية لها، والإجراءات والسياسات الاستباقية لها بناء على التوجهات المستقبلية في العالم وأثرها على تنمية المجتمع.

من خلال ما سبق، يبدو جليًا أن هذه الدراسات تعمل على محاولة العمل من أجل المستقبل؛ للخروج بنتائج تساعد الإنسان العادي والمسؤول في اتخاذ قراره ومعرفة خياراته المتعددة بناءً على سيناريوهات مرسومة مسبقا. وتختلف طرق وأنماط هذه الدراسات المستقبلية لأي دولة وتتنوع، ففي المجالات الاقتصادية: تعتمد على الأسئلة التي تبحث عن مستقبل الدخل القومي ومدى تأثيره على شتى أنماط التنمية المحلية أو السوق الدولية، أو محاولة فهم العلاقة بين مختلف الظواهر كعلاقة عدد السكان بالتنمية المركزية وعلاقة زيادة عدد المواليد بمستوى التعليم. وهناك كذلك الطرق التي تبنى على إحصائيات ونماذج رياضية تقوم بما يسمى بالمد البياني الاستقرائي والذي يحاول توقع تمدد المؤشرات الحيوية للدولة ومدى تأثيرها على كافة القطاعات الأخرى والدول المجاورة.

ومن جهة أخرى، تتضح أهمية هذه الدراسات في المجالات الأخرى، من خلال: استشراف مستقبل العلاقات الدولية والسياسية والدفاع والأمن ، وشكل الحكومة مستقبلًا، واستشراف مستقبل التعليم والمدارس في العالم والتحديات والتحولات المستقبلية والمهارات المطلوبة، واستشراف مستقبل قطاع الصحة والرعاية الصحية في العالم وتوقعات الطلب المستقبلي والتوصيات الاستباقية، ورأس المال البشري والابتكار، ووظائف المستقبل المطلوبة لكل قطاع ودمجها في مستقبل التعليم والتكنولوجيا والأنظمة الذكية،  بل استشراف مستقبل تكنولوجيا المعلومات والأنظمة الذكية بناء على التوجهات المستقبلية وأثرها على البنية التحتية المتعلقة والعرض والطلب ووضع الخطط المستقبلية لها. كذلك استشراف مستقبل البنية التحتية والتوقعات على الطلب والتوسعات المستقبلية في هذا المجال ووضع الخطط لها.

وهذا ما يسبب أحيانًا نوع من الخلط لدى البعض ما بين مفهوم التخطيط الاستراتيجي، واستشراف المستقبل. ولا بُدَّ هنا، أن نؤكد أنهما لا يتعارضان وإنما يُكملان بعضهما، بمعنى أنَّ استشراف المستقبل يُزَوِّد الحكومات والمؤسسات بمعلومات غنية لتشكيل المستقبل واتخاذ القرارات السليمة، وتَغْيير الاستراتيجيات الحالية في ظل مُخرَجات عمليةِ استشراف المستقبل.

 

ماهية الدراسات المستقبلية..  هل هي علم أم فن ؟! 

مع وجود اتجاهين مختلفين بين من يعتبرها علمًا قائمًا بذاته أم فنًا لا يخضع للقوانين العلمية، ظهر اتجاه ثالث يصنفها ضمن ((الدراسات البينية ))؛ باعتبارها فرعًا جديدًا ناتجًا عن حدوث تفاعل بين تخصص أو أكثر مترابطين أو غير مترابطين، ومن خلال برامج التعليم والبحث تتم عملية التفاعل بهدف تكوين هذا التخصص .. وأصنف نفسي مع الآخرين الذين يرون أن علم الدراسات المستقبلية مجال معرفي بيني متداخل وعابر لتخصصات عدة، وتتنوع تقنياته من كل المعارف والمناهج، ورغم نموه المطرد وتأثيره الكبير في الآونة الأخيرة، ما زال وسيظل المجال مفتوحًا لمزيد من الإبداعات والابتكارات البشرية التي لا تتوقف في الفنون والآداب ومختلف العلوم.

وفي هذا السياق ذكر – شوستاك عالم الفلك الامريكي – أن أهم ما تنفرد به طبيعة الدراسات المستقبلية هو: مزجها للعلم والفن معًا، ويمكن اعتبارها مزيج فريد من الكمي والكيفي.

فالدراسات العلمية المستقبلية تلجأ على الدوام لوضع سيناريوهات عدة يعتمد التفكير فيها على دراسة الاحتمالات الممكنة الكمية والكيفية والخيارات والبدائل، باعتبارها شاملة ومنهجها متعدد التخصصات..

لذلك أهم ما يميز دراسات المستقبل، هو: انطلاقتها من رؤية تجمع بين الجزء والكل، ولا تعبر عن فكرة مجردة وإنما عن طريقة تفكير تؤكد أن العلاقة بين الكل والجزء، بين العام والخاص، بين الرؤية الكاملة والنظرة الضيقة. وبمعنى آخر تنظر إلى جميع الأشياء باعتبارها جزء من كلٍ مترابط، وأن كل ما سيحدث مستقبلًا لن يتم بمعزل عن سواه أو بالمصادفة، وإنما هو نتيجة لحركة شاملة من المدخلات والمخرجات. ويتم التركيز فيها على مجموعة من القيم التي يمكن أن تؤسس لمستقبل الغد، ومن أهمها: مفهوم المسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

المهتمون بالدراسات المستقبلية يصنفون المستقبل إلى:

  • المستقبل المباشر، وهو تلك المدة الزمنية التي لا تتجاوز السنتين منذ اللحظة الراهنة.
  • المستقبل القريب، وهو تلك المدة الزمنية التي تصل لحدود خمسة سنوات.
  • المستقبل البعيد، والذي يتجاوز العشرين إلى الخمسين سنة.
  • المستقبل غير المنظور، وهو تلك المدة التي تتجاوز الخمسين إلى المائة سنة أو أكثر.

 

وهناك تصنيفات أخرى للمستقبل، منها:

المستقبل المستحيل، والممكن، وغير المرغوب به، وغير المتوقع، وغير المفكر به.

 

كما أن هناك من يصنف الدراسات المستقبلية بناءً على التفاؤل والتشاؤم، كالآتي:

  1. الدراسات المستقبلية التنبؤية: تعمل على تحديد محطات مستقبلية ثابتة ومؤكدة يتحرك نحوها المسار المستقبلي في خط مستقيم ابتداءً من الحاضر، وهذا النوع يعتمد على القدرات الفردية للباحث.
  2. الدراسات المستقبلية الاستقرائية: تعتمد على استقراء الأحداث التاريخية واتجاهها نحو المستقبل، وهذا النوع يتطلب فريق جماعي متخصص في العلوم السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية ونحو ذلك. لتخمين الوقائع المحتملة وكتابة التصورات (السيناريوهات) عما سيحدث في المستقبل لعقد أو أثنين أو ثلاثة عقود قادمة
  3. الدراسات المستقبلية الافتراضية: تعتمد على افتراض المستقبل وخلق أحداثه بما يلائم الأهداف والطموحات المراد تحقيقها في المستقبل، وهي تشبه لحد كبير كتابة سيناريو فيلم يراد إخراجه على شاشة الواقع باستخدام الشخوص والامكانيات المتاحة مع التوصية بتطويرها بما يلائم حجم ونوع الأهداف المرجوة.

 

المحاور الرئيسية التي يجب أن يرتكز عليها الاستشراف المستقبلي، هي:

الأول: بناء جهود الرصد والتحليل للمُعطيات القائمة من التجربة الحالية مع الاستفادة من التجارب التاريخية التي تحققت في الماضي، وهذا العمل الرصدي يجب أن يتم وفق أسس منهجية تأخذ بأحدث أساليب العلم والتكنولوجيا، وتوظف الطاقات الإبداعية للكوادر الوطنية في شتى المجالات.

الثاني: توقع الأحداث، من خلال أدوات القياس والاستقراء المستند إلى وسائل المنطق والتفكير العقلاني، بناءً على ما تمَّ جمعه من مُعطيات في المحور الأول، وعملية التوقع هذه تحقق النجاح المأمول منها إذا ما أُخذ بعين الاعتبار الدقة في قراءة الأحداث بعين فاحصة دون تهوين أو تهويل.

الثالث: طرح الحلول العملية القادرة على تجاوز التحديات والتعاطي مع الإشكاليات، بل وأيضاً تنفيذ الخُطط الرامية لتطوير العمل وتجويد الأداء.

ومن هنا ؛ نستطيع القول بإن استشراف المستقبل وبناءه .. هو نظر بعيد، وحركة تدبير تمتلك ثلاثة عيون بصيرة، عين تنظر إلى الماضي وتستلهم منه، وأخرى تتأمل الحاضر وتنطلق منه، وثالثة تتبصر المستقبل وتستشرفه، في إطار نظرة تكاملية واحدة.

 

أهم الدراسات المستقبلية التي يجب أن تهتم بها المملكة العربية السعودية

  • التعليم بشقيه العام والجامعي
  • الحروب البيولوجية
  • الطاقة البديلة
  • الذكاء الاصطناعي
  • الزياد السكانية وتبعاتها
  • المهن المستقبلية
  • استشراف المستقبل البيئي ودور التكنولوجيا في تعزيز التنمية المستدامة وندرة المياه والتصحر.

 

وعلى الدولة بجميع جهاتها ومؤسساتها وبفئاتها المختلفة، العمل على ذلك والتحول من التفكير النمطي التقليدي والفكر المبني على إعادة صناعة الماضي إلى استشراف المستقبل لاسيما المؤسسات التعليمية بمستوياتها المختلفة .وممارسة دورها في تكثيف البحوث والدراسات الاستشرافية التي تتنبأ بالمستقبل وتقرأ ملامحه قبل حدوثها وتعد له عدته بأفعال مخططة والإعداد لصعوباته وتحدياته بشكل استباقي.

ولأن مجالات الدراسات المستقبلية تشمل مجالات كثيرة كالأزمات الكبيرة (النمو السكاني العالمي، والغذاء والجوع العالمي، ومصادر الطاقة والتلوث البيئي، الحرب والسلام والصراع العالمي)، واستشراف المستقبل؛ هذا يعني أننا في حاجة إلى الآتي:

  1. الدور الكبير الذي يجب القيام به خاصة عند تأسيس هذا العلم أكاديميًا في شتى المؤسسات التعليمية في المملكة، من خلال تصميم مناهج غير تقليدية تستطيع أن تتواءم مع التغيرات المحلية والعالمية السريعة وسيطرة مفهوم العولمـة، بحيث تشمل – هذه المناهج – الأبعاد المتعددة لاستشراف المستقبل – سياسية واقتصادية وصحية واجتماعية وثقافية وإعلامية وبيئية -، وحسب علمي تقوم كلية العلوم الإستراتيجية بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بتدريس هذا العلم الهام.
  2. الدور الإعلامي المهم في خلق الوعي المستقبلي خصوصا في مواجهة التغيرات المتسارعة والتي نشاهدها اليوم إقليميًا ودوليًا.

وبما أن الواقع الفعلي ، يشير إلى أننا بحاجة إلى تطوير وإسقاط ذلك على واقعنا العربي عامة والسعودي خاصة؛ وجب علينا نشر ثقافة هذا العلم الهام في كافة المؤسسات التعليمية وكافة الأجهزة الحكومية، من خلال مواضيع مؤطرة لكل مجال تنموي اقتصادي واجتماعي وسكاني ، ويحتوي على عدد من السيناريوهات التي قد تمنح الطلبة والموظفين المبدعين الفرصة لمساعدة متخذي القرار في شتى المجالات بالتخطيط للمستقبل بشكل طويل المدى، بعيدًا عن التخطيط قصير المدى الذي قد يضر بعملية التطوير والتنمية.

نجاح الاستشراف في نقطتين ..

يعتمد مقياس النجاح في استشراف المستقبل على مبدأين لا ثالث لهما ..

 يتلخص الأول في: خلق ثقافة الاستشراف عند جميع فئات المجتمع ومكوناته، وتوضيح أهمية الدراسات المستقبلية واستشراف المستقبل بالتفكير الاستراتيجي، بما سيكون عليه الحال في الغد، واتخاذ الإجراءات والخطوات اللازمة للوصول إلى تحقيق أعلى مراتب النجاح فيما تم تحديده من أهداف.

فالأهمية المعقودة على استشراف المستقبل ستؤتي أُكلُها عندما تصبح ثقافة مجتمعية، ويتم إقرارها كنمط تفكير أساسي، وتتوجه جهودنا لتنمية رأي عام مهتم بالمستقبل، واستثارة الوعي والتفكير المستقبليين، وتوسيع قاعدة المنشغلين ببناء مستقبل أفضل.

ويتلخص الثاني في: التخطيط السليم القائم على أساس علمي لهذا الاستشراف مع الاستفادة من دروس الماضي والحاضر في تكوين مخزون معرفي يمثل المرجع الأمثل لعملية الاستشراف.

ولأن هذا النوع من الدراسات يرتبط به عدد من المفاهيم كبحوث المستقبليات، ودراسات البصيرة، والتنبؤ التخطيطي، والتحركات المستقبلية، والمنظور والمأمول المستقبلي، وغيره. وعلى الرغم من أهميتها، ورغم توافر المعلومات والأساليب التكنولوجية الحديثة، لكننا قد نعجز عن التنبؤ، وقد يرجع ذلك، إلى ميل الأفراد للصور النمطية واعتقادهم بأن ما حدث في الماضي سيتكرر في المستقبل. وهذا اعتقاد خاطئ يمكن معالجته عن طريق تدريب وإعداد الأشخاص في مراكز تدريب متخصصة تقدم مباريات استشرافية تنافسية بين الأفراد.

ومع ذلك، فإن تغيير التفكير شيء وإحداث تغيير فعلي شيء آخر؛ لذلك ـ يجب التركيز بشكل كبير على توسيع نطاق العديد من الحلول والابتكارات التكنولوجية والاجتماعية على حد سواء (الموجودة بالفعل) وتسريعها وتشجيع التحولات السلوكية، وتبسيطها وتنفيذها. مع تحفيز المزيد من البحث والتطوير، والاستماع إلى المواطنين وإشراكهم بشكل حيوي، بتخصيص ميزانيات لدعم المؤسسات الحكومية المهتمة بالدراسات المستقبلية، وتشجيع الباحثين على التخصص في مجال البحث المستقبلي، خاصةً وأن هذا العلم مرتبط بجميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية.

تحديات الدراسات المستقبلية

  1. التغيرات فائقة السرعة في الاقتصاد والمجتمع والعلوم والتكنولوجيا، اضافة الى ظهور الأجهزة الالكترونية فائقة القدرة على معالجة المعلومات، وهذا التطور ينبغي استغلاله مع عوامل أخرى لتطوير الدراسات المستقبلية وتأسيسها على أعمدة منهجية راسخة نسبيًا.
  2. ضغوط المتغيرات الخارجية التي تدفع سريعًا باتجاه إلغاء الحدود والقيود، ومن ثم من المهم التحسب لردود الأفعال الخارجيـة لأي قرار داخلي والاستجابة الداخلية لأي تغير خارجي، وإعداد حسابات دقيقة للتأثير المتبادل بين الداخل والخارج.
  3. القناعة بالحاضر وعدم التطلع إلى المستقبل.

 

تتوقف القدرة على مواجهة وتحديات غموض المســتقبل، على الآتي:

  1. اســتغلال الفرص المتاحة، بناء على الرؤى والقيم والأهـداف الوطنيـة المسـتقبلية بعيـدة المدى على كافـة المسـتويات، لتحقيـق إنجازات نوعية لخدمة مصالح الدولـة والأجيال الحالية والمستقبلية.
  2. بناء القدرات الوطنية والاستثمار بعيد المدى وتطوير البنى التحتية والمرونة والتخطيط.

ومن المهم كذلك أن نعرف أن جوهر نجاحنا في استشراف المستقبل، يكمن في الاهتمام المناسب بالتحديات التي ينبغي أن نتأهب لها بشكل استباقي . وذلك عبر الأفكار المبدعة الخلاقة البعيدة عن النمطية والتقليد. والبعد عن أخطاء الماضي والتطلع إلى مستقبل فياض بالفرص.

لذا في هذا الإطار، نؤكد على أن عوامل النجاح الرئيسية للاستشراف المستقبلي تتمثل في: أن الاستعداد للمستقبل يجب ألا يستند إلى أساليب عفوية أو دراسات عشوائية أو اهتمامات آنية ـ بل من شغف وطموح يعانق السحاب – وهذا ما أكده صاحب السمو الملكي ولى العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله – حين قال :

“أنه من الصعب أن ينجز المسؤول أهداف وتطلعات على الوجه المرجو، إذا غاب الشغف

وفي هذا الشأن، نشير إلى أن رؤية “2030” ، يمكن أن نعتبرها التجسيد الحقيقي للمحاور الثلاثة للنهج الاستشرافي سالف الذكر؛ فهذه الرؤية الطموحة استفادت من الماضي عبر استبعاد الحلول التي تمَّ وضعها من قبل ولم تحقق الأهداف المأمولة والمُتوقعة، من خلال خطط التنويع الاقتصادي وتمكين القطاع الخاص وتنفيذ مشروعات التنمية وتمكين المرأة والشباب. وفي الوقت نفسه لازالت تطرح البدائل الكفيلة بالوصول إلى ما نسعى إليه من تقدم ونمو حسب المستجدات. كما أنها بنت التوجهات المستقبلية وفق افتراضات طموحة ومحاور أساسية هي: اقتصاد مزدهر، مجتمع حيوي، وطن طموح، مستهدفة رؤى وخطط تضمن تحقيق جودة حياة الإنسان ورفاهيته بناءً على ما يتم إنجازه من نمو اقتصادي، بجانب المُحافظة على هوية المجتمع السعودي، دون أن يتأثر.

خاتمة

المستقبل كما أنه مجهول إلا أننا على يقين أنه آت..  وما هو إلا حصاد ما نفعله ونفكر فيه اليوم، ومن المفروض أن نستعد له جيدًا؛ إن خيرًا فخير وإن سوءًا فسوء.

واستشراف المستقبل والتخطيط له، موضوع يهم جميع البشر، وأصبح في عالم اليوم من الضروريات. وهو ليس تنجيمًا أو تنبؤ بالغيب، بل تحسبٌ فطِن لمواقف وتحديات صحية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية وغيرها، قد نمر بها في المستقبل القريب أو المتوسط أو البعيد.

أن الدراسات المستقبلية باتت من الحتميات، وصارت دراسات لا يمكن الاستغناء عنها؛ لأنها تقوم بوضع فرضيات عقلانية عبر صياغة سيناريوهات تُحاكي تلك الاحتمالات التي تم افتراضها، وتسعى جاهدة لتحقيق الأهداف التي وضعت هذه السيناريوهات من أجلها؛ لتقليل حجم المخاطر وتعظيم الفوائد والمنافع عند التعامل مع تلك المواقف والتحديات، وصولًا لبر الأمان.

وهذه الدراسات أسهمت – بجانب عوامل أخرى بالطبع – في تحريك حالة الفكر العالمي حول الإنسان والمجتمع والطبيعة، ودعت لمناقشة وقراءة ما اعتبر مسلمات وبديهيات. من خلال تطوير استراتيجيات وسياسات فعالة في مستقبل العلوم والتكنولوجيا والمجتمع والاقتصاد، من أجل تعزيز المنفعة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

في عالم اليوم، دولــــة الـمـسـتـقـبـل .. هي الدولة التي لديها القدرة على رسمُ نَهْجٍ استباقي واعتماد سيناريوهات يُمكن تحويلها إلى واقع ملموس يرتقي بالعمل المؤسسي على أُسُسٍ ومعايير مبتكرة، ترتكز على النتائج المُحَقَّقَةِ لتحقيق أعلى معدلات رضا المتعاملين وسعادة الناس، وتحديد الاتجاهات بعيدة المدى، وتخيل مستقبل مرغوب فيه، واقتراح استراتيجيات تحقق الأهداف، مع الأخذ بعين الاعتبار التدابير الواجب اتخاذها للتحـديات والأزمات المستـقبلية، وتصحيح الانحرافات إذا حدثت.

عملية استشراف المستقبل لا تهدف الى إصلاح الماضي ولا تقليل أخطاء الحاضر، وإنما تركز على إمكانية تحقيق غد أفضل، وهذا يعتمد على ثلاثة عوامل:

الأول، التوسع في مجال البحوث الاستشرافية، ومناهج أكاديمية، تنطلق من شغف المعرفة لبناء تصورات مستقبلية واقعية وقابلة للتطبيق وصالحة للبشرية. والثاني، تعزيز فكر وثقافة استشراف المستقبل في كافة الجهات الحكومية وشبه الحكومية والقطاع الخاص وجعلها عملًا مؤسسيًا يوميًا. والثالث، تطوير قدرات الإنسان لاكتساب المزيد من ( الخبرة، الحدس، الخيال، الذكاء)، وتأهليه ب (ممارسة التدريبات العالية علي الأساليب الكمية والمحاكاة وغيرها) ؛ لتمكين القيادات من تطوير المعايير التي يمكن من خلالها التوصل إلى أفضل صور للمستقبل.

أخيرًا أختم كلامي بما قاله الأديب العالمي نجيب محفوظ داعيًا إيانا إلى استشراف المستقبل..

حقًا، إنه مستقبل ثري يختفي وراء حاضر عسير، وما علينا إلا أن نعرف قيمة الزمن، إنه نعم النصير لمن يحترمه، ولكن لا يجامل ولا يرحم الكسالى المتواكلين.”

شاكرة وقتكم ..                                      الرياض ربيع الآخر 1443 / نوفمبر 2021