قضية الأسبوع: تدفق الأعراق المختلفة في المدن وتحدياته الماثلة على المستوى السياسي والاجتماعي والديموغرافي

الورقة الرئيسية: تدفق الأعراق المختلفة في المدن وتحدياته الماثلة على المستوى السياسي والاجتماعي والديموغرافي

كاتب الورقة الرئيسة: أ. علاء الدين براده

التعقيبات:

 د. عبدالرحمن الصايل ،  أ. امين عبدالقادر ، أ. ماهر الشويعر
مدير الحوار د. سعود كاتب

 

ارتباط التنوع العرقي بالمدن في مملكتنا:

ما أن تسمع بالأخبار الإيجابية في مملكتنا من إقرار آلية تجنيس أصحاب الكفاءات، والمميزون في شتى القطاعات، حتى تتبادر إلى ذهنك مسألة رديفة لها، وهي متعلقة بعنوان هذه الورقة (تدفق الأعراق المختلفة في المدن وتحدياته الماثلة على المستوى السياسي والاجتماعي والديموغرافي).

لسنوات طويلة كان استقطاب الكفاءات مطلبا ضروريا للنهوض بالصناعة على كافة المستويات، ودعم عجلة الاقتصاد من خلال توفير الخبرات البشرية اللازمة والقادرة على بناء منظومة معرفية ترتكز على أسس اقتصادية واجتماعية متينة.

اللافت في الأمر هو ان المتمعن في التجربة يمكن أن يلحظ أن الكثير من أصحاب المعرفة الذين عاشوا بيننا لسنوات طويلة، تركوا بصمة واضحة سواء في القطاعات التي انضموا للعمل بها، أو المجتمع المحيط بهم، وأسلوب الحياة الذي بدأ يطرأ على كل مدينة. على سبيل المثال سيمكنك بكل بساطة ملاحظة درجة التزام أعلى من غيرها بقواعد السلامة المرورية، وأحقية السير، في بعض المدن دون غيرها. وبالتأكيد فإن سياسات وإجراءات العمل التي ساهم الأشقاء ممن تمت الاستفادة من خبراتهم في تلك السنوات في وضع أسسها لعبت دورا كبيرا في هذا الصدد.

وطالما أننا اتجهنا لهذا المثال تحديدا، وبدأنا بالحديث عن جانب مهم وهو السلامة المرورية فدعنا ننظر لأهمية هذا الأمر على المستوى الوطني ي حيث يكفي أن نحاول فقط المقارنة بين نسب الحوادث في تلك المدن بغيرها من المناطق في المملكة ونكتشف أهمية العمل المبذول.

وهنا نتوقف قليلا لنشير بأن التبعات المرتبطة بهذا الجانب لا يمكن بحال من الأحوال إغفالها. انظر مثلا إلى ما يترتب على تلك الحوادث من إصابات وبالتالي نسبة شغل الأسرة في المراكز الصحية، ومن ثم الوقت الذي يقضيه الأطباء في متابعة الحالات الحرجة التي يتم علاجها. حتى المنحى الاقتصادي لا يمكن أن نغفله ان تابعنا عدد المركبات التالفة بسبب الحوادث. هذا الأمر تحديدا كان له انعكاساته   بعد ذلك على متوسط عمر الفرد في تلك المدن الذي يتأثر بنمط الحياة وأسلوب المعيشة وهو ما يعني الارتباط أيضا بجودة الحياة في المدينة بشكل عام.

دعنا الآن نحاول أن نلقي بنظرة شمولية بعض الشيء لنقرأ العلاقة الطردية بين أسلوب الجذب في بعض المدن، وتزايد معدلات الهجرة الداخلية بين المدن من قبل المواطنين أنفسهم. لقد نتج عن تلك الهجرة تركيز في تقديم الخدمات بمناطق دون غيرها. لقد شكل ازدهار الصناعة النفطية في سنوات مضت دافعا غيرها. للكثير من المواطنين للانتقال للعيش في مناطق تلك الصناعة شرق البلاد.

بات الإقبال على تخصصات جامعية في تلك المناطق من قبل الطلاب واضحا. ولأن هذا الانتقال كان بهدف التعليم ارتبط بفئة عمرية محددة، فقط أصبح من الواضح للزائر تزايد أعداد الشباب الذين في تلك المدينة الجديدة نسبيا، والذين لهم نمط حياة ذو سمات محددة. في مرحلة تالية أصبحنا نلاحظ محاولات الآباء لإقناع الجيل التالي بأن المستقبل الباهر سيكون حليفهم في حال الانتقال اتخاذ قرار الدراسة الجامعية في مجالات دون غيرها.  ومع أن بعض الأبناء يحملون مواهب علمية في مجالات محددة، لكنك أصبحت تجدهم وتحت ضغط الآباء يحاولون توجيه عاطفتهم للإقبال نحو تخصصات أخرى.

على الطرف الآخر فقد كان الكادر التعليمي الذي ساهم لسنوات طويلة في نقل المعرفة لأبنائنا يمثل أساس للنهضة المعرفية في البلاد، لكن نستطيع ان نقول هنا بأن انتماؤهم لبعض الدول دون غيرها ربما كان سببا في ترسيخ مفاهيم علمية تناسب وثقافة تلك الدول وعاداتها. ثمة ملاحظة أخرى نجد  من المهم التطرق لها هنا ، ألا و هي الاهتمام المتزايد لاختيار معلمي اللغات المختلفة ، بحيث ينتمون لدول تتحدث تلك اللغة باعتبارها لغة رسمية ، فأخذ التنوع العرقي يتوسع في البلاد مع توافد معلمين من جنسيات مختلفة حفز هذا الأمر المعاهد التعليمية على التوسع في تقديم برامجها لتطوير مخرجات تناسب احتياجات الفئات في المراحل المختلفة، وتم تصميم هذه البرامج ليس فقط لتطوير اللغة والمفردات التي يتداولها طلابنا في المدارس، لكن أيضا لتنمية ثقافتهم المعرفية عن  الدول والشعوب من خلال الاحتكاك بمعلميهم . لاحظنا مؤخرا أن المسألة أخذت بعدا آخر في بعض المناطق حين توجه اهتمام كثير من العائلات بأن يكون الأبناء في مدارس عالمية تحمل سمات من نوع خاص ولها هوية جديدة. وأصبح البعض يتخوف بشكل جوهري من الانسلاخ من هويتنا العربية مع تتابع الأجيال، ملقين باللوم في ذلك على التوع العرقي وتبعاته.

في مقابل كل ذلك فنحن نعلم أن الدولة تلعب دور محوري في دعم قطاع التعليم بكل المناطق دون استثناء، وهو أمر مشاهد من خلال استحداث جامعات جديدة في كل منطقة من مناطق المملكة. وإن كنا في ذات الوقت نتابع ما يتحدث عنه البعض من جودة المخرجات التعليمية في مناطق دون غيرها.

بشكل عام فإن أسلوب الحياة في كل منطقة تحكمه ثقافة عامة، وأسلوب حياة ترسخ على مدى السنوات، وهذا يعني أننا لا نرجو أن يكون لدينا مدن مستنسخة.  الطبيعة الجغرافية لكل منطقة أيضا تلعب دورا في نوع الاستثمار وطبيعته وهذا التنوع مرغوب بطبيعة الحال لأنه يخدم مداخيل الاقتصاد الوطني.

يجب ألا نغفل أن بعض المدن اصطبغت بطابع محدد تحكمه في بعض الأحيان الطبيعة الدينية، وفي أحيان أخرى طبيعته الجغرافية، وتارة ثالثة الصناعة والحرف. هذه الطبيعة كانت تحكم نوع الاستثمار في المنطقة، فعلى سبيل المثال كان التركيز الأمني مطلبا جوهريا في المدن الدينية بحكم تهافت المسلمين عليها من أقطاب الأرض. أساءت بعض الفئات العرقية رحابة الاستقبال في المملكة العربية السعودية فبات البعض يتخلف عن العودة إلى وطنه بدعوى الحياة الكريمة لأبنائهم، لكن كانت النتيجة نشوء مناطق وأحياء في بعض المدن لأعراق مختلفة، شوفهت في بعض الأحيان من شكل المدينة.

اليوم يجب أن نأخذ بالحسبان التوجه الذي تقوم به الدولة للانفتاح على السياحة الخارجية والآخر.

نسعى لإرسال رسائل إلى الأجيال الجديدة بأن مدن مثل نئوم تنتظر خبراتهم، وعلينا أن نعزز من هذه الرغبة في الانتقال والعيش بهذه المدن الجديدة. صحيح أننا يجب أن نصنع المستقبل بأسلوب جديد، لكن الاستفادة من التجارب الماضية مهم أيضا وهو أمر لا ينبغي أن نغفله.

 

ما الذي يمنح المدينة هويتها؟

سؤال‌ ‌يدور‌ ‌من‌ ‌فترة‌ ‌لأخرى‌ ‌في‌ ‌أروقة‌ ‌الكثير‌ ‌من‌ ‌الهيئات‌ ‌والمنظمات.‌ ‌كيف‌ ‌يمكن‌ ‌أن‌ ‌يتم‌ ‌تعريف‌ ‌المدينة‌ ‌التي‌ ‌تعيش‌ ‌فيها؟‌ ‌أو‌ ‌لنقل‌ ‌ما‌ ‌الذي‌ ‌يعطي‌ ‌المدينة‌ ‌هويتها،‌ ‌ويمنحها‌ ‌الروح‌ ‌التي‌ ‌يعيشها‌ ‌السكان؟‌ ‌وحتى‌ ‌نكون‌ ‌عمليين‌ ‌بشكل‌ ‌أكبر‌ ‌دعونا‌ ‌نأخذ‌ ‌هذا‌ ‌السؤال‌ ‌من‌ ‌وجهة‌ ‌نظر‌ مسؤولي‌ ‌مدينة‌ ‌”دينفر”‌ ‌ السؤال‌ ‌رغم‌ ‌بساطته‌ ‌لكنه‌ ‌يحمل‌ ‌الكثير‌ ‌من‌ ‌الأبعاد،‌ ‌ولذلك‌ ‌فقد‌ ‌استمر‌ ‌قادة‌ ‌التنمية‌ ‌الاقتصادية‌ ‌في‌ ‌المدينة‌ ‌قرابة‌ ‌العامين‌ ‌يحاولون‌ ‌ الوصول‌ ‌إلى‌ ‌إجابته‌ ‌مع‌ ‌محاولة‌ ‌التفكير‌ ‌بأسلوب‌ ‌مختلف.‌ ‌تم‌ ‌تحليل‌ ‌نتائج‌ ‌استبانات‌ ‌عدد‌ ‌كبير‌ ‌من‌ ‌الموظفين‌ ‌في‌ ‌المنطقة‌ ‌المركزية‌ ‌من‌ ‌المدينة،‌ ‌ومحاولة‌ ‌الإجابة‌ ‌على‌ ‌سؤال‌ ‌كيف‌ ‌يمكن‌ ‌جعل‌ ‌الشركات‌ ‌الموجودة‌ ‌قابلة‌ ‌للبقاء‌ ‌والنمو،‌ ‌ومراعاة‌ ‌كثير‌ ‌من‌ ‌العوامل‌ ‌كالسكن‌ ‌للموظفين‌ ‌الجدد‌ ‌وغيرها.‌ ‌كان‌ ‌الهدف‌ ‌من‌ ‌الاستبيان‌ ‌التعرف‌ ‌بشكل‌ ‌أكبر‌ ‌على‌ ‌شخصية‌ ‌الإنسان‌ ‌القاطن‌ ‌في‌ ‌تلك‌ ‌المنطقة.‌ ‌ ‌

لم‌ ‌يغب‌ ‌عن‌ ‌الأذهان‌ ‌عند‌ ‌اختيار‌ ‌ ‌الشعار‌ ‌العوامل‌ ‌الطبيعية‌ ‌للمدينة‌ ‌كعامل‌ ‌أساس‌ ‌فكان‌ ‌اختيار‌ ‌ ((‌The‌ ‌Elevation‌‏ ‌Effect‌ ‌أو‌ ‌إن‌ ‌صحت‌ ‌الترجمة‌ ‌إلى‌ ‌اللغة‌ ‌العربية‌ ‌ (تأثير‌ ‌الارتقاء).‌ ‌الشعار‌ ‌الذي‌ ‌تشعر‌ ‌أنه‌ ‌يمزج‌ ‌بين‌ ‌عوامل‌ ‌الجذب‌ ‌الطبيعية‌ ‌للمنطقة‌ ‌بجبالها‌ ‌ومنتفعاتها،‌ ‌يحرك‌ ‌المشاعر‌ ‌تجاه‌ ‌مزيد‌ ‌من‌ ‌العمل‌ ‌الجماعي‌ ‌للارتقاء‌ ‌بالمنطقة‌ ‌المركزي.

إلى‌ ‌هنا‌ ‌يعتبر‌ ‌الأمر‌ ‌جميل‌ ‌وجذاب‌ ‌لكننا‌ ‌أيضا،‌ ‌وبالرغم‌ ‌من‌ ‌هذه‌ ‌التفاصيل‌ ‌الجميلة‌ ‌لم‌ ‌نصل‌ ‌إلى‌ ‌الإجابة‌ ‌الشافية‌ ‌على‌ ‌السؤال‌ ‌الذي‌ ‌بدأنا‌ ‌به‌ ‌نقاشنا.‌ ‌صحيح‌ ‌أننا‌ ‌لامسنا‌ ‌جوانب‌ ‌دقيقة‌ ‌في‌ ‌تفاصيل‌ ‌هذه‌ ‌المدينة‌ ‌لنخرج‌ ‌بمثل‌ ‌هذا‌ ‌الشعار،‌ ‌لكن‌ ‌يبقى‌ ‌أهم‌ ‌محور‌ ‌يجب‌ ‌الالتفات‌ ‌إليه‌ ‌هنا‌ ‌وهو‌ ‌الإنسان.‌ ‌ ‌

بطبيعة‌ ‌الحال‌ ‌كان‌ ‌سبيل‌ ‌الوصول‌ ‌للخلطة‌ ‌السرية‌ ‌قد‌ ‌بدأ‌ ‌من‌ ‌خلال‌ ‌المعلومات‌ ‌الأولية‌ ‌لاقتصاد‌ ‌المنطقة‌ ‌والطبيعية‌ ‌التعليمية،‌ ‌حتى‌ ‌جاء‌ ‌الجانب‌ ‌الأهم‌ ‌وهو‌ ‌أن‌ ‌موظفي‌ ‌المنطقة‌ ‌بطبيعتهم‌ ‌متعاونون‌ ‌وداعمون‌ ‌لبعضهم،‌ ‌فظهر‌ ‌الربط‌ ‌بين‌ ‌الشعار‌ ‌والشخصية‌ ‌والمنطقة‌ ‌بشكل‌ ‌عام.‌ ‌ ‌‌والحقيقة‌ ‌أن‌ ‌مثل‌ ‌هذه‌ ‌الحالة‌ ‌في‌ ‌محاولة‌ ‌صنع‌ ‌هوية‌ ‌تدفعنا للسؤال الجوهري و هو ما‌ ‌يمكن‌ ‌أن‌ ‌يتبادر‌ ‌إلى‌ ‌ذهنك‌ ‌بمجرد‌ ‌ذكر‌ ‌ اسم‌ ‌أي‌ ‌مدينة‌ ‌،‌ ‌هل‌ ‌هي‌ ‌الأبنية‌ ‌الشاهقة‌ ‌والعمران‌ ‌أو‌ ‌الأشخاص‌ ‌الذين‌ ‌يقطنونها،‌ ‌أو‌ ‌أنها‌ ‌مزيج‌ ‌بين‌ ‌هذه‌ ‌وتلك؟‌ ‌ ‌

في‌ ‌اعتقادي‌ ‌الشخصي‌ ‌أن‌ ‌المسألة‌ ‌ربما‌ ‌تكون‌ ‌أعمق‌ ‌من‌ ‌ذلك‌ ‌أيضا،‌ ‌عندما‌ ‌تمعن‌ ‌النظر‌ ‌في‌ ‌كل‌ ‌ما‌ ‌حولك‌ ‌بالمدينة‌ ‌ستكتشف‌ ‌أنها‌ ‌بالأساس‌ ‌يتم‌ ‌تصميمها‌ ‌لتتناسب‌ ‌والظروف‌ ‌الطبيعية،‌ ‌وأسلوب‌ ‌حياة‌ ‌البشر‌ ‌فيها‌ ‌لتكون‌ ‌أكثر‌ ‌قابلية‌ ‌للسكن.‌ ‌ومع‌ ‌كل‌ ‌ذلك‌ ‌إلا‌ ‌أنني‌ ‌أعلم‌ ‌جيدا‌ ‌أن‌ ‌كثير‌ ‌من‌ ‌المدن‌ ‌ارتبطت‌ ‌في‌ ‌هويتها‌ ‌بأحداث‌ ‌أو‌ ‌تواريخ‌ ‌لا‌ ‌يمكن‌ ‌أن‌ ‌تغيب‌ ‌من‌ ‌الذاكرة.‌ ‌وتبقى‌ ‌هذه‌ ‌أطروحات‌ ‌عامة‌ ‌للأسس‌ ‌العريضة‌ ‌لأننا‌ ‌نعلم‌ ‌أن‌ ‌جميعا‌ ‌أن‌ ‌بناء‌ ‌هوية‌ ‌مكتملة‌ ‌الأركان‌ ‌لن‌ ‌يمكن‌ ‌ان‌ ‌ينتج‌ ‌إلا‌ ‌من‌ ‌خلال‌ ‌دراسة‌ ‌العمق‌ ‌الإنساني‌ ‌والجغرافي‌ ‌والتاريخي‌ ‌بشكل‌ ‌تفصيلي.‌ ‌ ‌

 

نموذج محلي لأنسنه المدن:

وأنت تتابع الفيلم القصير الذي أعدته هيئة تطوير منطقة المدينة حول الجهود المبذولة في سعيها لأنسنه المدينة بالتعاون مع الأمانة، فإن الفضول سيتملكك بكل تأكيد للاطلاع على النتائج الاقتصادية المثيرة التي يفترض أن تتحقق كنتيجة لهذا الجهد المميز. فعوامل الجذب التي تعمل على أن تكون المدن أكثر قابلية للعيش وتحقق الخدمات على النحو الأفضل لسكانها، لابد وأنها ستجعل من المنطقة محط أنظار السياح، لا سيما وأنها تتسم بطابع يضفي عليها لمسة خاصة تميزها دون غيرها.

الجميل في استحضار مثل هذه التجارب المحلية هو أنها تترك جوا من التفاؤل بأننا قادرون على صناعة نماذج يحتذي بها الآخرون عندما يتعلق الأمر بالإنسان وجودة الحياة في البيئة المحيطة به. أبسط المحاسن التي ستتبادر إلى أذهاننا بوصفنا مهتمين بجوانب الأداء، قد تكون زيادة معدلات إنتاجية الفرد كنتيجة للعوامل النفسية الجيدة التي تأتي بطبيعة الحال مع انخفاض درجة التشتت.

أن تبث روح الجمال داخل مدينتك من خلال ملتقيات تجمع أمهر لنحاتين ليطلقوا طاقاتهم، ويفتحوا آفاق الخيال في مسعى لربط احياء هذه المدينة بالجمال، فأنت تضيف سمة تمزج بين الطابع التاريخي الجمال. وهذا بالتأكيد ليس بالحدث العادي.

ويمكن ان نقول بأنه ومن خلال مثل هذه الفعاليات فقد بدأت الأحياء التي كان ينظرها سابقا بالعشوائية، تتحول إلى مركز الحدث بما تملكه من نسيج اجتماعي، وإرث التاريخي. لقد كان من الطبيعي وهذه هي الحال أن يكون لها الحظ الأكبر في تعزيز هوية المكان، فالمنطقة مرتبطة في ذاكرة التاريخ بكثير من الأحداث.

ومع كل ذلك فنحن نعلم أن التركيز على المعالم الجمالية لا يكفي وحده دون اهتمام بتفاصيل الخدمات المقدمة لزوار أي مدينة. لذلك لا نتعجب إذا ما طالعنا موقع الهيئة لنجد مشروع معني بإيجاد معلم حضاري ذو هوية تعبر عن المكانة التاريخية، ويركز على توفير الخدمات المميزة للزوار. وهنا لابد أن نعلم أن أحد عناصر الرؤية المستقبلية للتطوير الشامل للمدينة تتمثل في توفير الخدمات سواء كان ذلك للسكان أو الزوار.

 

المدينة الصحية:

دعونا نبسط الأمور ونسأل أنفسنا ماذا نحتاج بشكل عام كسكان لنقول بأننا نعيش في مدينة صحية؟ في الغالب فإن الإجابات وان اختلفت صيغتها، لكنها تصب في اتجاه واحد يعمل على أن تكون المدينة أكثر ازدهارا. في مقطع مصور لسكان أحد المدن الذين طرح عليهم السؤال عن رؤيتهم للمدينة الصحية، تنوعت الإجابات بين من يراها مدينة ترحب بالجميع، وبين من يعتقد انها مدينة تركز على رفع معدلات صحة الإنسان بما فيها الصحة النفسية. لكن ما يجب أن يدركه البعض هنا هو أن الصحة لا تعني فقط صحتنا كبشر، بل هي تشير أيضا إلى صحة المكان وكذلك البيئة المحيطة.

وهنا يجب أن أشير إلى اعتماد مدينة الطائف السعودية من قبل منظمة الصحة العالمية كمدينة صحية، وذلك بعد العمل على تطبيق المعايير الفنية للمنظمة بهذا الصدد. من الجميل أن يكون لدينا مدن نموذجية صحية، يستشهد بها في المحافل، وتتحول إلى أنموذج يحتذى به عالميا من قبل المدن التي تسعى لنيل هذا الاستحقاق. أضف إلى ذلك فإن تصنيف مدينة الطائف، واعتمادها كمدينة صحية من قبل المنظمة يدعونا للتفاؤل بأن مزيد من المدن السعودية تسير على نفس الركب

.  وبحسب موقع منظمة الصحة العالمية فإن تعريف المدينة الصحية يعني أنها مدينة تعمل باستمرار على إنشاء وتحسين البيئات المادية والاجتماعية وتوسيع موارد المجتمع التي تمكن الناس من دعم بعضهم في أداء جميع وظائف الحياة وتطوير إمكاناتهم القصوى. ولأن هذا التعريف يحمل أكثر من بعد، ويلامس جوانب مختلفة للحياة، فيجب ألا ننسى أيضا أن هذا الاعتماد لا يعني نهاية المطاف بل هو البداية فقط.

نقول ذلك ونحن نعلم أن المدن التي تنال هذا الاعتماد يتوجب عليها الحفاظ على نفس درجة الأداء، لأن عملية المراجعة من قبل المنظمة تتم بشكل دوري. وحتى يمكنك أن تتصور شمولية هذا الجهد، فلك أن تتخيل أن بعض المدن وضعت ضمن أهدافها في هذا المسعى، أن يكون جميع سكانها قادرين على التعلم المستمر من خلال توفير وتسهيل الوصول إلى هذه المصادر للجميع.

 

الصناعة: 

لسنوات طويلة عبر التاريخ، كانت جغرافيا المكان وطبيعة الأرض هي الدافع لاستيطان كثير من المدن. مصادر المياه ووفرة الغذاء بالإضافة إلى الطقس كانت على رأس قائمة هذه الدوافع. تلت ذلك خلال القرن الماضي الثورة الصناعية التي لعبت دورا كبيرا في خلق مراكز صناعية تشكلت حولها تجمعات بشرية، وتكونت على إثرها بعض المدن. وهذا هو أحد تفسيرات تزايد المعدلات السكانية في المدن الذي أخذ بالارتفاع بشكل لافت بالتوازي مع ارتفاع درجة الهجرة إلى المدن الكبرى. وعندما نتحدث عن تلك الحقبة الصناعية فيمكن أن نستحضر مدينة مثل ديترويت التي أخذت حظها من الازدهار في فترة من الفترات، ساهم في ذلك سهولة المواصلات والدعم اللوجستي، مما وضع لها مكانة على خارطة الصناعة العالمية.

واليوم ومع تطور التقنيات الحديثة أصبح من المهم أن نطلق العنان لمخيلتنا حتى نبدع في تشكيل مدننا الجديدة، مع ترك بصمة جاذبة لها. لا نتخيل مثلا أن تكون مسارات المركبات في الشوارع غير مهيأة لمركبات ذاتية القيادة ونحن على أعتاب تغير جوهري في هذه الصناعة.

كذلك يجب ألا نغفل عن كون السلوك البشري يلعب دورا محوريا في تشكيل العلاقة بين جميع الأطراف داخل أي مدينة. وهو سلوك لا ينشأ من فراغ ولكنه نتاج طبيعي لتفاعلنا مع كل شيء حولنا. لذلك كان لزاما أن تكون هناك ضوابط وسياسات لأي مخططات. اللافت هنا هو أن الجميع يتفق على أهمية سهولة الحياة في أي من هذه المخططات. هذا الأمر هو ذاته الذي يدفعنا لطرح تساؤل مهم حول السبب الذي يجعل بعض المدن جاذبة دون غيرها؟ ولماذا تتملك بعض المدن حول العالم ألباب سكانها وتستهويهم دون غيرها؟

 

طابع المدينة:

مدينة كمدينة الجبيل أو ينبع يندر أن تجد شخص من الجيل الحالي إلا وترتبط في ذهنه بكونها مدن صناعية ذات طابع عالمي. وهذا بالطبع لم يكن هو الحال قبل عقود قليلة فقط.

لسنوات طويلة تعلقت في أذهان كثير من العائلات هوية مدينة كمدينة الظهران بالتعليم المتميز في الحقل الهندسي، فأصبحت الرسالة التي توجه للابن بمجرد التخرج هي السعي للحصول على القبول في كليات المنطقة، مما يسهل أيضا من فرص الحصول على وظيفة هندسية جيدة بعد التخرج في قطاع النفط والغاز، أو شركات البتروكيماويات المنتشرة في المنطقة. هذا التحول الديموغرافي الذي تشكل على مدى سنوات أسهم في خلق مجتمع متوافق، يحمل كثير من العادات المتشابهة في المجمل، وهو ما ساعد بعد ذلك في سهولة تحديد عناصر الجذب لقاصدي المدينة.

ومع كل ذلك يبقى من المهم الحذر من الوقوع في بعض الهفوات مع الانغماس في عملية بناء هوية هذه المدن، حتى لا تكون مجرد نسخ مكررة من غيرها، فتحدث المعضلة عندما تصل الرسالة إلى الجمهور بشكل مشتت. الأمر الآخر المهم هنا هو أن أي مدينة، وإن كانت تحمل صبغة محددة، إلا أنها يجب أن تعمل على خدمة جميع قاطنيها، فلا يحدث الشعور بالإقصاء لبعض الفئات التي ينتابها شعور بأنها غير مندمجة مع النسق العام لهذه البيئة.

وحتى لا نبتعد كثيرا، ونتشعب في الحديث، دعونا نحاول أن نلقي مزيد من الضوء على شكل المدينة التي نتخيلها خلال عقد من الزمان، بما يحقق عوامل جودة الحياة، ويخدم المردود الاقتصادي لمدينة.

ويجب أن يكون ذلك بمراعاة الجهود المبذولة من قبل عدد من الجهات كوزارة السياحة ووزارة الاستثمار لتصل الرسالة موحدة للعالم بأننا نملك مراكز قوة في هذه الصناعة تسهم بعمليات الجذب، والارتقاء بتصنيف المدن السعودية على الخارطة العالمية. علينا أن ندرك جيداً أن هذه الهوية هي ليست فقط مجموعة من الألوان التي تميل لها الأنفس وتبتهج، بل هي ركيزة أساسية لاقتصاد نعيشه، ونطمح لتحسينه بشكل مستمر.

 

التحديات:

  • تطبع المدن بصبغة جديدة نتيجة التنوع العرقي مما يخلق صورة غير مرتبطة بهويتها التاريخية.
  • التعرض لأنماط دخيلة في أسلوب الحياة بعضها قد لا يتناسب مع طبيعة المنطقة المكانية وإرثها
  • عدم الاستفادة بالشكل المطلوب من المزيج المعرفي الذي تشكل عبر سنوات طويلة، فضلا عن المصادر الطبيعية التي تزخر بها هذه الأرض.
  • تشكل هذه المصاعب مجتمعة تحديا من نوع جديد في تصدير الثقافة المحلية، والهوية المطلوبة لكل مدينة.

 

التوصيات: 

  • وضع إطار محدد للاستفادة من الخبرات المستقطبة في كل مدينة بما يخدم التوطين والهوية ويساهم في الحفاظ على الموروث
  • حيث أن هوية كل مدينة تبقى مسؤولية كل من ينتمي إليها، فلابد من تشجيع أبناء كل منطقة على المشاركة في تحديد السمة الطاغية على الهوية، ووضع المؤشرات لقياس أثر هذه الظاهرة، مع التوصية بشكل دوري حيال كل طارئ يمكن أن يدق ناقوس الخطر.
  • تضمين استراتيجيات المدن والمناطق كل ما يتعلق بالتنوع العرقي في هذه المدينة، وكذلك إنشاء مكاتب استراتيجية لبعض المدن التي لا يوجد فيها هيئات تطوير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.